← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

تعالى إياهما، أو صعود الكتبة بصحفهما والمستكن في ﴿يرفعه﴾ لله تعالى، وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة أو للكلم، فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد أو للعمل فإنه يحقق الإيمان ويقويه، قال الرازي في «اللوامع» : «العلم لا يتم إلا بالعمل كما قيل: العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا ارتحل» انتهى. وقد قيل: *لا ترض من رجل حلاوة قوله ... حتى يصدق ما يقول فعاله* *فإذا وزنت مقاله بفعاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جماله* وقال الحسن: الكلم الطيب ذكر الله تعالى، والعمل الصالح أداء فرائضه فمن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه ردّ كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال، فمن قال حسناً وعمل غير صالح ردّ الله تعالى عليه قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه الله. ولما بيّن ما يحصل العزة من عليّ الهمة بين ما يكسب المذلة ويوجب النقمة من رديء الهمة بقوله تعالى: ﴿والذين يمكرون﴾ أي: يعملون على وجه المكر أي: الستر، المكرات: ﴿السيئات﴾ أي: مكرات قريش بالنبي ﷺ في دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث: حبسه وقتله وإجلاؤه كما قال تعالى ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ الآية (الأنفال: ٣٠) ، وقال الكلبي: معناه يعملون السيئات وقال مقاتل: يعني الشرك، وقال مجاهد: هم أصحاب الرياء ﴿لهم عذاب شديد﴾ أي: لا توبة دونه بما يمكرون ﴿ومَكْر أولئك﴾ أي: البعداء من الفلاح ﴿هو﴾ أي: وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن الله ينفذه ويعلي أمره ﴿يبور﴾ أي: يفسد ولا ينفذ إذ الأمور مقدرة فلا تتغتير بسبب مكرهم كما دل عليه بقوله تعالى: ﴿والله خلقكم من تراب﴾ أي: بتكوين أبيكم آدم منه فمزجه مزجاً لا يمكن لغيره تمييزه، ثم أحاله عن ذلك الجوهر أصلاً ورأساً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿ثم﴾ أي: بعد ذلك في الزمان والرتبة خلقكم ﴿من نطفة﴾ أي: جعلها أصلاً ثانياً من ذلك الأصل الترابي أشد امتزاجاً منه ﴿ثم﴾ بعد أن أنهى التدبير زماناً ورتبة إلى النطفة التي لا مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال القدرة والفعل بالاختيار ﴿جعلكم أزواجاً﴾ أي: بين ذكور وإناث دلالة هي أظهر مما قبلها على الاختيار، وعن قتادة: زوج بعضكم بعضاً. تنبيه: يصح أن يقال كما قال ابن عادل: خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد آدم ﵇ وكلهم من تراب ومن نطفة؛ لأن كلهم من نطفة، والنطفة من غذاء، والغذاء ينتهي بالآخرة إلى الماء والتراب فهم من تراب صار نطفة. ولما بين تعالى بقوله سبحانه: ﴿خلقكم من تراب﴾ كمال قدرته بين بقوله سبحانه ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع﴾ أي: حملاً ﴿إلا﴾ أي: مصحوباً ﴿بعلمه﴾ أي: في وقته ونوعه وشكله

стр. 1647

وغير ذلك من شأنه مختصاً بذلك كله حتى عن أمّه التي هي أقرب إليه فلا يكون إلا بقدرته فما شاء أتمه وما شاء أخرجه كمال علمه. ثم بين نفوذ إرادته بقوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر﴾ أي: وما يمد في عمره من مصغره إلى كبر، وإنما سماه معمراً بما هو صائر إليه فمعناه: وما يعمر من أحد، وفي عود ضمير قوله تعالى ﴿ولا ينقص من عمره﴾ قولان: أحدهما: أنه يعود على معمر آخر؛ لأن المراد بقوله تعالى: ﴿من معمر﴾ الجنس فهو يعود عليه لفظاً لا معنى؛ لأنه بعد أن فرض كونه معمراً استحال أن ينقص من عمره نفسه كما يقال: لفلان عندي درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر. والثاني: أنه يعود على المعمر نفسه لفظاً ومعنى، والمعنى: أنه إذا ذهب من عمره حول أحصى وكتب ثم حول آخر كذلك فهذا هو النقص، وإليه ذهب ابن عباس وابن جبير وأبو مالك ومنه قول الشاعر: *حياتك أنفاس تعد فكلما ... مضى نفس منك انتقصت به جزأ* وقال الزمخشري: هذا من الكلام المتسامح فيه ثقة في تأويله بأفهام السامعين واتكالاً على تسديدهم معناه بعقولهم، وأنه لا يلتبس عليهم إحالة الطول والقصر في عمر واحد، وعليه كلام الناس المستفيض يقولون: لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق قال: وفيه تأويل آخر وهو: أنه لا يطول عمر إنسان ولا يقصر إلا في كتاب، وصورته: أن يكتب في اللوح: إن حج فلان أو غزا فعمره أربعون سنة، وإن حج وغزا فعمره ستون سنة فإذا جمع بينهما فبلغ الستين فقد عمر، وإذا أفرد أحدهما فلم يتجاوز به الأربعون فقد نقص عن عمره الذي هو الغاية وهو الستون، وإليه أشار رسول الله ﷺ في قوله: «إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار» . وعن كعب أنه قال حين طعن عمر رضي الله تعالى عنه: لو أن عمر دعا الله لأخر في أجله فقيل لكعب: أليس قد قال الله تعالى ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (الأعراف: ٣٤) فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية وقد استفاض على الألسنة: أطال الله تعالى بقاءك، وفسح في مدتك وما أشبهه. وعن سعيد بن جبير: يكتب في الصحيفة عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى يأتي على آخره، وعن قتادة المعمر من بلغ ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل ستين سنة، والكتاب في قوله تعالى ﴿إلا في كتاب﴾ أي: مكتوب فيه عمر فلان كذا وكذا، وعمر فلان كذا إن عمل كذا وعمره كذا إن لم يعمل كذا هو اللوح المحفوظ قاله ابن عباس، قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بكتاب الله علم الله تعالى أو صحيفة الإنسان. ولما كان ذلك أمراً لا يحيط به العد ولا يحصره الحد فكان في عداد ما ينكره الجهلة قال تعالى مؤكداً لسهولته ﴿إن ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من كتب الآجال كلها وتقديرها ﴿على الله﴾ أي: الذي له جميع العزة ﴿يسير﴾ أي: هين. وقوله تعالى: ﴿وما يستوي البحران هذا عذب﴾ أي: طيب حلو لذيذ ملائم طبعه ﴿فرات﴾ أي: بالغ العذوبة ﴿سائغ شرابه﴾ أي: شربه مرئ سهل انحداره لما له من اللذة والملايمة للطبع ﴿وهذا ملح أجاج﴾ أي: جمع إلى الملوحة المرارة فلا يسوغ شرابه بل لو شرب لآلم الحلق وأجج في البطن ما هو كالنار

стр. 1648

ضرب مثلاً للمؤمن والكافر، وقوله تعالى: ﴿ومن كل﴾ أي: الملح والعذب ﴿تأكلون﴾ أي: من السمك المنّوع إلى أنواع تفوت الحصر ﴿لحماً طرياً﴾ أي: شهي المطعم ﴿وتستخرجون﴾ أي: من الملح دون العذب ﴿حلية تلبسونها﴾ أي: نساؤكم من الجواهر الدر والمرجان وغيرهما، ذكر استطراداً في صفة البحرين وما فيهما من النعم وتمام التمثيل، والمعنى: كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو مقصود بالذات من الماء فإنه خالط أحدهما ما أفسده، وغيره عن كمال فطرته فلا يتساوى المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصة العظمة وهي بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر. وقيل: تخرج الحلية منهما كما هو ظاهر قوله تعالى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ (الرحمن: ٢٢) قال البغوي: لأنه قد يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك انتهى. فائدة: عاب المبرد وغيره قول الشافعي رضي الله تعالى عنه: كل ماء من بحر عذب أو مالح فالتطهر به جائز وقالوا: إنه لحن وإنما يقال: ملح كما قال تعالى ﴿وهذا ملح أجاج﴾ وهم مخطئون في ذلك كما قيل: *وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم* *ولكن تأخذ الآذان منه ... على قدر القريحة والفهوم* قال النووي: وأجاب أصحابنا بأجوبة: أصحها أن فيه أربع لغات: ملح ومالح ومليح وملاح بضم الميم وتخفيف اللام قال عمر بن أبي ربيعة: *ولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا* وقال آخر: *وللرزق أسباب تروح وتغتدي ... وإني منها غير غاد ورائح* *قنعت بثوب العدم من حلة الغنى ... ومن بارد عذب زلال بمالح* وقال محمد بن حازم: *تلونت ألواناً علي كثيرة ... وخالط عذباً من إخائك مالح* وقال خالد بن يزيد بن معاوية في رملة بنت الزبير: *ولو وردت ماء وكانت قبيله ... مليحاً شربنا ماءه بارداً عذباً* وقال الخطابي: يقال: ماء ملاح كما يقال: أجاج وزعاق وزلال قال: وإنما نزل الشافعي من اللغة العالية إلى التي هي أدنى للإيضاح وحسماً للإشكال والالتباس؛ لئلا يتوهم متوهم أنه أراد بالملح المذاب فيظن أن الطهارة به جائزة. وثاني الأجوبة: أن الشافعي إمام في اللغة فقوله فيها حجة. وثالثها: أن هذه اللفظة ليست من كلام الشافعي ولم يذكرها بل من كلام المزني وهذا ليس بشيء، وكيف ينسب الخطأ إلى المزني وعنه مندوحة، وقولهم: لم يذكرها الشافعي غير صحيح وقد أنكره البيهقي وقال: بل سمى الشافعي البحر مالحاً في كتابين «أمالي الحج» و «المناسك الكبير» . فائدة أخرى: وهي أن ابن عمر قال في البحر: التيمم أحب إلينا منه وقال: بحركم هذا نار وتحت النار

стр. 1649

بحر حتى عد سبعة أبحر وسبعة أنوار، ولكن روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «من لم يطهره البحر فلا طهره الله» ويؤول كلام ابن عمر بأنه سيصير يوم القيامة ناراً أو بأنه مهلكة يهلك كما تهلك النار، ولما كان الأكل والاستخراج من المنافع العامة عمَّ الخطاب. ولما كان استقرار شيء في البحر دون غرق أمراً غريباً لكنه صار لشدة ألفه لا يقوم بأنه من أكبر الآيات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر خص بالخطاب فقال ﴿وترى الفلك﴾ أي: السفن سمى فلكاً لدورانه وسفينة لقشره الماء، وقدم الظرف في قوله تعالى ﴿فيه﴾ لأنه أشد دلالة على ذلك ﴿مواخر﴾ أي: جواري مستدبرة الريح شاقة للماء بجريها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها إلى ظهر هذه بريح واحدة يقال: مخرت السفينة الماء ويقال للسحاب: بنات مخر؛ لأنها تمخر الهواء، والسفن الذي اشتقت منه السفينة قريب من المخر؛ لأنها تسفن الماء كأنها تقشره كما تمخره ثم علق بالمخر معللاً قوله تعالى ﴿لتبتغوا﴾ أي: تطلبوا طلباً شديداً ﴿من فضله﴾ أي: الله بالتوصل بذلك إلى البلاد الشاسعة للمتاجر وغيرها، ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك ولم يجر به ذكر في الآية ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر لم يشكل لدلالة المعنى عليه ﴿ولعلكم تشكرون﴾ أي: وليكون حالكم بهذه الدالة على عظيم قدرة الله تعالى ولطفه حال من يرجى شكره. تنبيه: حرف الرجاء مستعار لمعنى الإرادة ألا ترى كيف سلك به مسلك لام التعليل؟ كأنما قيل: لتبتغوا ولتشكروا. ولما ذكر تعالى اختلاف الذوات الدالة على بديع صنعه أتبعه اختلاف الأزمنة الدالة على بديع قدرته بقوله تعالى: ﴿يولج﴾ أي: يدخل الله ﴿الليل في النهار﴾ فيصير الظلام ضياء. ولما كان هذا الفعل في غاية الإعجاب وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفاً فغفل عما فيه من الدلالة على تمام القدرة نبه عليه بإعادة الفعل بقوله تعالى: ﴿ويولج النهار في الليل﴾ فيصير ما كان ضياء ظلاماً، وتارة يكون التوالج بقصر هذا وطول هذا فدل كل ذلك على أنه تعالى فاعل بالاختيار. ولما ذكر الليل والنهار ذكر ما ينشأ عنهما بقوله تعالى: ﴿وسخر الشمس والقمر﴾ ثم استأنف قوله تعالى ﴿كل﴾ أي: منهما ﴿يجري﴾ أي: في فلكه ﴿لأجل﴾ أي: لأجْلِ أجَلٍ ﴿مسمى﴾ مضروب له لا يقدر أن يتعداه، فإذا جاء ذلك الأجل غرب هكذا كل يوم إلى أن يأتي الأجل الأعظم فيختل هذا النظام بإذن الملك العلام، وتقوم الناس ليوم الزحام وتكون الأمور العظام. ولما ذكر سبحانه أنه الفاعل المختار القادر على ما يريد بما يشاهده كل أحد في نفسه وفي غيره وختم بما تكرر مشاهدته في كل يوم مرتين أنتج ذلك قطعاً قوله تعالى معظماً بأداة البعد وميم الجمع ﴿ذلكم﴾ أي: العالي المقدار الذي فعل هذه الأفعال كلها ﴿الله﴾ الذي له صفة كل كمال، ثم نبههم على أنه لا مدبر لهم سواه بخبر آخر بقوله تعالى: ﴿ربكم﴾ أي: الموجد لكم من العدم المربّي بجميع النعم لا رب لكم سواه، ثم استأنف قوله تعالى: ﴿له﴾ أي: وحده ﴿الملك﴾ أي: كله وهو مالك كل شيء ﴿والذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دونه﴾ أي: غيره وهم الأصنام وغيرها وكل شيء دونه ﴿ما يملكون﴾ في حال من الأحوال وأعرق في النفي بقوله تعالى: ﴿من قطمير﴾ وهو كما روي عن ابن عباس: لفافة النواة وهي القشرة الرقيقة الملتفة

стр. 1650

عليها، كناية عن أدنى الأشياء فكيف بما فوقه؟ فليس لهم شيء من الملك، والآية من الاحتباك ذكر الملك أولاً دليلاً على حذفه ثانياً والملك ثانياً دليلاً على حذفه أولاً. وقيل: القطمير هو القمع وقيل: ما بين القمع والنواة، ففي النواة على الأول أربعة أشياء يضرب بها المثل: في القلة الفتيل: وهو ما في شق النواة، والقطمير: وهو اللفافة والنقير: وهو ما في ظهر النواة والرقروق: وهو ما بين القمع والنواة ثم بين ذلك بقوله تعالى: ﴿إن تدعوهم﴾ أي: المعبودات من دونه دعاء عبادة أو استعانة ﴿لا يسمعوا دعاءكم﴾ أي: لأنهم جماد ﴿ولو سمعوا﴾ أي: على سبيل الفرض والتقدير ﴿ما استجابوا لكم﴾ أي: لعدم قدرتهم على الانتفاع. ولما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع منهم في الآخرة ووجود الضرر منهم في الآخرة بقوله سبحانه ﴿ويوم القيامة﴾ أي: حين ينطقهم الله تعالى ﴿يكفرون بشرككم﴾ أي: بإشراككم فينكرونه ويتبرؤن منه بقولهم ﴿ما كنتم إيّانا تعبدون﴾ (يونس: ٢٨) كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في آية أخرى ﴿ولا ينبئك﴾ أي: يخبرك أي: السامع بالأمر مخبر هو ﴿مثل خبير﴾ أي: عالم به أي: أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين به؛ لأنه لا يمكن الطعن في شيء مما أخبر به بخلاف غيره والمعنى: أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق؛ لأني خبير بما أخبرت به. ولما اختص تعالى بالملك ونفى عن شركائهم النفع أنتج ذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ أي: كافة ﴿أنتم﴾ أي: خاصة ﴿الفقراء﴾ وقوله سبحانه ﴿إلى الله﴾ إعلام بأنه لا افتقار إلا إليه ولا اتكال إلا عليه، وهذا يوجب عبادته لكونه مفتقر إليه وعدم عبادة غيره لعدم الافتقار إلى غيره. فإن قيل: لم عرف الفقراء؟ أجيب: بأنه قصد بذلك أن يريهم أنهم لشدة افتقارهم إليه هم جنس الفقراء، وإن كانت الخلائق كلهم مفتقرين إليه من الناس وغيرهم؛ لأن الفقر يتبع الضعف وكلما كان الفقير أضعف كان أحقر، وقد شهد الله تعالى على الإنسان بالضعف في قوله تعالى ﴿وخلق الإنسان ضعيفاً﴾ (النساء: ٢٨) وقال تعالى ﴿الله الذي خلقكم من ضعف﴾ (الروم: ٥٤) ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء. قال القشيري: والفقر على ضربين: فقر خلقة، وفقر صفة فالأول عام، فكل حادث مفتقر إلى خالقه في أول حال وجوده ليبدئه وينشئه، وفي ثانيه ليديمه ويبقيه، وأما فقر الصفة: فهو التجرد وفقر العوام التجرد عن المال، وفقر الخواص التجرد عن الإعلال فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلومات. ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم فقال: ﴿والله هو الغني﴾ أي: المستغني على الإطلاق فلا يحتاج إلى أحد ولا إلى عبادة أحد من خلقه، وإنما أمرهم بالعبادة لإشفاقه تعالى عليهم ففي هذا رد على المشركين حيث قالوا للنبي ﷺ إن الله لعله محتاج إلى عبادتنا حتى أمرنا بها أمراً بالغاً وهددنا على تركها مبالغاً، فإن قيل: قد قابل الفقر بالغنى فما فائدة قوله تعالى ﴿الحميد﴾ أي: المحمود في صنعه بخلقه؟ أجيب: بأنه لما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم وليس كل غني نافعاً بغناه إلا إذا كان الغني منعماً جواداً، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليهم واستحق عليهم الحمد ذكر الحميد ليدل به على أنه الغني النافع بغناه خلقه الجواد المنعم عليهم المستحق بإنعامه أن يحمدوه وقوله تعالى:

стр. 1651

﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي: جميعاً بيان لغنائه وفيه بلاغة كاملة؛ لأن قوله تعالى ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي: ليس إذهابكم موقوفاً إلا على مشيئته بخلاف الشيء المحتاج إليه فإن المحتاج إلى الشيء لا يقال فيه: إن شاء فلان هدم داره، وإنما يقال: لولا حاجة السكنى إلى الدار لبعتها، ثم إنه تعالى زاد على بيان الاستغناء بقوله تعالى: ﴿ويأت بخلق جديد﴾ أي: إن كان يتوهم متوهم أن بهذا الملك كماله وعظمته فلو أذهبه لزال ملكه وعظمته فهو قادر أن يخلق خلقاً جديداً أحسن من هذا وأجمل، وعن ابن عباس: يخلق بعدكم من يعبده لا يشرك به شيئاً. ﴿وما ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من الإذهاب والإتيان ﴿على الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال خاصة ﴿بعزيز﴾ أي: بممتنع ولا شاق وهو محمود عند الإعدام كما هو محمود عند الإيجاد، فإن قيل: استعمل تعالى العزيز تارة في القائم بنفسه فقال تعالى في حق نفسه ﴿وكان الله قوياً عزيزاً﴾ (الأحزاب: ٢٥) وقال في هذه السورة ﴿عزيز غفور﴾ (فاطر: ٢٨) واستعمله تارة في القائم بغيره فقال تعالى ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ وقال تعالى ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ (التوبة: ١٢٨) فهل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ أجيب: بأن العزيز في اللغة هو الغالب والفعل إذا كان لا يطيقه شخص يقال: هو مغلوب بالنسبة إلى ذلك الفعل فقوله تعالى ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ أي: ذلك الفعل لا يغلبه بل هو هيّن على الله تعالى وقوله سبحانه ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ أي: يحزنه ويؤذيه كالشغل الغالب. وقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فيه حذف الموصوف للعلم به أي: ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾ ؟ (العنكبوت: ١٣) أجيب: بأن تلك الآية في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وكل ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم. ﴿وإن تدع﴾ أي: نفس ﴿مثقلة﴾ أي: بالوزر ﴿إلى حملها﴾ أي: من الوزر أحداً ليحمل بعضه ﴿لا يحمل﴾ أي: من حامل ما ﴿منه شيء﴾ أي: لا طواعية ولا كرهاً بل لكل امرئ شأن يغنيه ﴿ولو كان﴾ ذلك الداعي أو المدعو للحمل ﴿ذا قربى﴾ لمن دعاه. فإن قيل: ما الفرق بين معنى قوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ ومعنى قوله تعالى ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء﴾ ؟ أجيب: بأن الأول: في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها، والثاني: في أن لا غياث يومئذ بمن استغاث حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار لَوْدَعت إلى أن تخفف بعض وزرها لم تجب ولم تغث، وإن كان الداعي أو المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ قال ابن عباس: يلقى الأب أو الأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي. تنبيه: أضمر الداعي أو المدعو بدلالة إن تدع عليه. ولما كان رسول الله ﷺ أسمعهم ذلك فلم ينفعهم نزل ﴿إنما تنذر﴾ أي: إنذاراً يفيد الرجوع عن الغي ﴿الذين يخشون ربهم﴾ أي: المحسن إليهم فيوقعون هذا الفعل في الحال ويواطئون عليه في الاستقبال، ولما كان أولى الناس عقلاً وأعلاهم همة من كان غيبه مثل حضوره قال تعالى ﴿بالغيب﴾ وهو حال من الفاعل أي: يخشونه غائبين بين عنه أو من المفعول أي: غائباً عنهم. ولما كانت الصلاة جامعة للخضوع الظاهر والباطن فكانت أشرف العبادات وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع

стр. 1652

حدودها في كل حال أدل الطاعات على الإخلاص قال تعالى معبراً بالماضي؛ لأن مواقيت الصلاة مضبوطة ﴿وأقاموا﴾ أي: دليلاً على خشيتهم ﴿الصلاة﴾ في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك من السنن ﴿ومن تزكى﴾ أي: تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي ﴿فإنما يتزكى لنفسه﴾ إذ نفعه لها ﴿وإلى الله﴾ أي: الذي لا إله غيره ﴿المصير﴾ أي: المرجع كما كان منه المبدأ فيجازي كلاً على فعله. ثم لما بين تعالى الهدى والضلالة وهدى الله تعالى المؤمن ولم يهد الكافر ضرب لهما مثلاً بقوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى﴾ أي: عن الهدى ﴿والبصير﴾ بالهدى أي: المؤمن والكافر وقيل: الجاهل والعالم، وقيل: هما مثلاً للصنم ولله تعالى. ﴿ولا الظلمات﴾ أي: الكفر ﴿ولا النور﴾ أي: الإيمان، أو ولا الباطل ولا الحق. ﴿ولا الظل﴾ أي: الجنة ﴿ولا الحرور﴾ أي: النار، أو ولا الثواب ولا العقاب. تنبيه: قال ابن عباس: الحرور الريح الحارة بالليل، والسموم بالنهار وقيل: الحرور تكون بالنهار مع الشمس، وقيل: السموم تكون بالنهار والحرور بالليل والنهار. وقوله تعالى ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ تمثيل آخر للمؤمن والكافر أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وقيل: للعلماء وللجهال. تنبيه: زيادة لافي الثلاثة لتأكيد نفي الاستواء، وجاء ترتيب هذه المنفيات على أحسن الوجوه، فإنه تعالى لما ضرب الأعمى والبصير مثلين للمؤمن والكافر عقب بما كل منهما فيه، والكافر في ظلمة والمؤمن في نور؛ لأن البصير وإن كان حديد البصر لابد له من ضوء يبصر فيه، وقدم الأعمى؛ لأن البصير فاصله فحسن تأخيره، ولما تقدم الأعمى في الذكر ناسب تقديم ما فيه فلذلك قدمت الظلمة على النور، ولأن النور فاصلة، ثم ذكر ما لكل منهما فللمؤمن الظل وللكافر الحرور وأخر الحرور لأجل الفاصلة كما مر، وقولنا: لأجل الفاصلة أولى من قول بعضهم لأجل السجع؛ لأن القرآن ينبو عن ذلك، وقد منع الجمهور أن يقال في القرآن سجع. وإنما كرر الفعل في قوله تعالى ﴿وما يستوي الأحياء﴾ مبالغة في ذلك؛ لأن المنافاة بين الحياة والموت أتمّ من المنافاة المتقدمة، وقدم الأحياء لشرف الحياة ولم يعد لا تأكيداً في قوله تعالى ﴿الأعمى والبصير﴾ وكرّرها في غيره؛ لأن منافاة ما بعده أتم، فإن الشخص الواحد قد يكون بصيراً ثم يصير أعمى فلا منافاة إلا من حيث الوصف بخلاف الظل والحرور، والظلمات والنور، فإنها منافية أبداً لا يجتمع اثنان منها في محل، فالمنافاة بين الظل والحرور وبين الظلمة والنور دائمة. فإن قيل: الحياة والموت بمنزلة العمى والبصر فإن الجسم قد يكون متصفاً بالحياة ثم يتصف بالموت، أجيب: بأن المنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير؛ لأن الأعمى والبصير يشتركان في إدراكات كثيرة ولا كذلك الحي والميت، فالمنافاة بينهما أتم من المنافاة بين الأعمى والبصير؛ لأنه قابل الجنس بالجنس، وقد يوجد في أفراد العميان من يساوي بعض أفراد البصراء كأعمى ذكي له بصيرة يساوي بصيراً بليداً فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين الأفراد. وجمع الظلمات؛ لأنها عبارة عن الكفر والضلال وطرقهما كثيرة متشعبة ووحد النور؛ لأنه عبارة عن التوحيد وهو واحد، فالتفاوت بين كل فرد من أفراد الظلمة وبين هذا الفرد الواحد والمعنى: الظلمات كلها لا يوجد فيها ما يساوي هذا الواحد. ثم نبه سبحانه بقوله تعالى:

стр. 1653

﴿إن الله﴾ أي: القادر على المفاوتة بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة من صفات الكمال ﴿يسمع من يشاء﴾ على أن الخشية والقسوة إنما هما بيده تعالى، وإن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه فيتعظ ويجيب ﴿وما أنت﴾ أي: بنفسك من غير إقدار الله تعالى لك ﴿بمسمع﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿من في القبور﴾ أي: الحسية أو المعنوية إسماعاً ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾ (فاطر: ٨) ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أنت إلا نذير﴾ أي: تنبه القلوب الميتة بقوارع الإنذار ولست بوكيل تقهرهم على الإيمان. ثم بين تعالى أنه ليس نذيراً من تلقاء نفسه إنما هو بإذن الله تعالى وإرساله بقوله تعالى: ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿أرسلناك﴾ أي: إلى هذه الأمة ﴿بالحق﴾ أي: الأمر الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع، فإن من نظر إلى كثرة ما أوتيه من الدلائل علم مطابقة الواقع لما يأمر به. تنبيه: يجوز في قوله تعالى: ﴿بالحق﴾ أوجه: أحدها: أنه حال من الفاعل أي: أرسلناك محقين، أو من المفعول أي: محقاً، أو نعت لمصدر محذوف أي: إرسالاً متلبساً بالحق ويجوز أن يكون صلة لقوله تعالى ﴿بشيراً﴾ أي: لمن أطاع ﴿ونذيراً﴾ أي: لمن عصى ﴿وإن﴾ أي: وما ﴿من أمة إلا خلا﴾ أي: سلف ﴿فيها نذير﴾ أي: نبي ينذرها. تنبيه: الأمة: الجماعة الكثيرة قال تعالى ﴿وجد عليه أمة من الناس يسقون﴾ (القصص: ٢٣) ويقال لكل أهل عصر أمة، والمراد ههنا أهل العصر، فإن قيل: كم من أمة في الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ لم يخل فيها نذير، أجيب: بأن آثار النذارة إذا كانت باقية لم تخل من نذير إلى أن تندرس وحين اندرست آثار نذارة عيسى ﵇ بعث الله تعالى محمداً ﷺ فإن قيل: كيف اكتفى بذكر النذير عن البشير في آخر الآية بعد ذكرهما؟ أجيب: بأنه لما كانت النذارة مشفوعة من البشارة لا محالة دلّ ذكرها على ذكرها، لا سيما وقد اشتملت الآية على ذكرهما، أو لأن الإنذار هو المقصود والأهم من البعثة. ﴿وإن يكذبوك﴾ أي: أهل مكة ﴿فقد كذب الذين من قبلهم﴾ أي: ما أتتهم به رسلهم عن الله تعالى ﴿جاءتهم﴾ أي: الأمم الخالية ﴿رسلهم بالبينات﴾ أي: الآيات الواضحات والدلالة على صحة الرسالة من المعجزات وغيرها ﴿وبالزبر﴾ أي: الأمور المكتوبة كصحف إبراهيم ﵇ ﴿وبالكتاب﴾ أي: جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل ﴿المنير﴾ أي: الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر، كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن كانت طريقتك أوضح وأظهر، وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ حيث علم أن غيره كان مثله في تكذيبه وكان محتملاً لأذى القوم. تنبيه: لما كانت هذه الأشياء في جنسهم أسند المجيء بها إليهم إسناداً مطلقاً وإن كان بعضها في جميعهم وهي البينات وبعضها في بعضهم وهي الزبر والكتاب. ولما سلاه الله تعالى هدد من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم الماضية بقوله تعالى: ﴿ثم أخذت﴾ أي: بأنواع الأخذ ﴿الذين كفروا﴾ أي: ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام عليهم ودعائهم لهم ﴿فكيف كان نكير﴾ أي: إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك أي: هو واقع موقعه. تنبيه: أثبت ورش الياء بعد الراء في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً. ولما ذكر تعالى الدلائل

стр. 1654

ولم ينتفعوا قطع الكلام معهم والتفت إلى غيرهم بقوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ أي: تعلم أي: أيها المخاطب ﴿أن الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿أنزل من السماء ماء﴾ كما أن السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر يقول لغيره: اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر ما ذكره للأول، ويكون فيه إشعار بأن الأول فيه نقيصة لا يصلح للخطاب فيتنبه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة، وأيضاً فلا يخرج إلى كلام أجنبي عن الأول بل يأتي بما يقاربه؛ لئلا يسمع الأول كلام الآخر فيترك التفكر فيما كان وقوله تعالى ﴿فأخرجنا﴾ أي: بما لنا من القدرة والعظمة ﴿به﴾ أي: بالماء ﴿ثمرات﴾ أي: متعددة الأنواع، فيه التفات من الغيبة إلى التكلم وإنما كان ذلك؛ لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء وقوله تعالى: ﴿مختلفاً﴾ نعت لثمرات وقوله تعالى: ﴿ألوانها﴾ فاعل به، ولولا ذلك لأنث مختلفاً، ولكنه لما أسند إلى جمع تكسير غير عاقل جاز تذكيره، ولو أنث فقيل: مختلفة كما تقول: اختلفت ألوانها لجاز أي: مختلفة الأجناس من الرمان والتفاح والعنب وغيرها مما لا يحصر أو الهيئات من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها، فالذي قدر على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل بالكتاب وغيره نوراً لشخص وعمى لآخر. ولما ذكر تعالى تنوع ما من الماء وقدمه؛ لأنه الأصل في التكوين أتبعه التكوين من التراب الذي هو أيضاً شيء واحد بقوله تعالى ذاكراً ما هو أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية التكوين: ﴿ومن الجبال جدد﴾ قال الجلال المحلّي رحمه الله تعالى: جمع جدة: طريق في الجبل وغيره وقال الزمخشري: الجدد الخطوط والطرائق، وقال أبو الفضل: الجدة ما تخالف من الطرائق لون ما يليها، ومنه جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره، وقد يكون للظبي جدتان مسكيتان تفصلان بين لوني ظهره وبطنه ﴿بيض وحمر﴾ وصفر وقوله تعالى ﴿مختلف﴾ صفة لجدد وقوله تعالى ﴿ألوانها﴾ فاعل به كما مر في نظيره، ويحتمل معنيين: أحدهما: أن البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرب أبيض أشد من أبيض وأحمر أشد من أحمر فنفس البياض مختلف وكذا الحمرة، فلذلك جمع ألوانها فيكون من باب المشكك. والثاني: أن الجدد كلها على لونين بياض وحمرة والبياض والحمرة وإن كانا لونين إلا أنهما جمعا باعتبار محلهما. وقوله تعالى ﴿وغرابيب سود﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على حمر عطف ذي لون على ذي لون. ثانيها: أنه معطوف على بيض. ثالثها: واقتصر عليه الجلال المحلي أنه معطوف على جدد أي: صخور شديدة السواد قال الجلال المحلي: يقال كثيراً: أسود غربيب، وقليلاً غربيب أسود، وقال البغوي: أي: سود غرابيب على التقديم والتأخير يقال: أسود غربيب أي: شديد السواد تشبيهاً بلون الغراب أي: طرائق سود، وعن عكرمة: هن الجبال الطوال السود، وقال الزمخشري: الغربيب تأكيد للأسود، ومن حق التوكيد أن يتبع المؤكد كقولك: أصفر فاقع، ووجهه أن يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده مفسراً لما أضمر كقوله النابغة الجعدي: *والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسغد* هما موضعان والمؤمن: اسم الله وهو مجرور بالقسم والعائذات: منصوب بالمؤمن والمراد بها: الحمام لما عاذت بمكة والتجأت إليها حرم التعرض لها، والطير منصوب بالبدل أو بعطف البيان،

стр. 1655

ووجه الاستدلال بذلك: أن الطير دال على المحذوف وهو مفعول لمؤمن والعائذات الطير، قال أبو حيان: وهذا لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد، ومن النحويين من منعه وهو اختيار ابن مالك، ورد عليه بأن هذا ليس هو التأكيد المختلف في حذف مؤكده؛ لأن هذا من باب الصفة والموصوف ومعنى تسميه الزمخشري له توكيداً من حيث إنه لا يفيد معنى زائداً وإنما يفيد المبالغة والتوكيد في ذلك اللون، والنحويون قد سموا الوصف إذا لم يفد غير الأول توكيداً فقالوا: وقد يجيء لمجرد التوكيد نحو قوله تعالى ﴿نفخة واحدة﴾ (الحاقة: ١٣) و ﴿إلهين اثنين﴾ (النحل: ٥١) والتوكيد المختلف في حذف مؤكده، إنما هو في باب التوكيد الصناعي، ومذهب سيبويه جوازه، وقال ابن عادل: والأولى فيه أن يسمى توكيداً لفظياً إذ الأصل سود غرابيب سود. ولما ذكر تعالى ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى أمر آخر بعيد من الماء وأتبعه التراب الصرف ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من التراب فقال: ﴿ومن الناس والدواب﴾ ولما كانت الدابة في الأصل اسماً لما دبَّ على الأرض ثم غلب إطلاقه على ما يركب قال: ﴿والأنعام﴾ ليعم الكل صريحاً ﴿مختلف ألوانه﴾ أي: ألوان ذلك البعض الذي أفهمته من ﴿كذلك﴾ أي: مثل الثمار والأراضي منه ما هو ذو لون ومنه ما هو ذو لونين أو أكثر. ولما قال تعالى ﴿ألم تر﴾ بمعنى ألم تعلم أن الله أنزل من السماء ماء وعدد آيات الله وأعلام قدرته وآثار صنعه وما خلق من الفطر المختلفة الأجناس، وما يستدل به عليه وعلى صفاته من أنه فاعل بالاختيار فهو يفعل ما يشاء قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿من عباده العلماء﴾ قال ابن عباس ﵁: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني، فالخشية بقدرة معرفة المخشي، والعالم يعلم الله فيخافه ويرجوه، وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ (الحجرات: ١٣) بين تعالى أن الكرامة بقدر التقوى، والتقوى بقدر العلم لا بقدر العمل، فمن ازداد منه علماً ازداد منه خشية وخوفاً، ومن كان علمه به أقل كانت خشيته أقل، قال رسول الله ﵊: «إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية» وقال ﷺ «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» . وقال مسروق: كفى بالمرء علماً أن يخشى، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله، وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم فقال له: العالم من خشي الله تعالى، قال السهروردي في الباب الثالث من معارفه: فينتفي العلم عمن لا يخشى الله تعالى كما إذا قال إنما يدخل الدار بغدادي فينتفي دخول غير البغدادي الدار، وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد ظهرت عليه الخشية حتى أثرت فيه، فإن قيل: هل يختلف المعنى إذا قدم المفعول في هذا الكلام أو أخر؟ أجيب: بأنه يختلف فإنك إذا قدمت اسم الله وأخرت العلماء كان المعنى إن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، فإذا عملت على العكس انقلب المعنى إلى أنهم لا يخشون إلا الله كقوله تعالى ﴿ولا يخشون أحداً إلا الله﴾ (الأحزاب: ٣٩) وهما معنيان مختلفان. تنبيه: رسم العلماء بالواو وقوله تعالى ﴿إن الله﴾ أي: المحيط بالجلال والإكرام ﴿عزيز﴾ أي:

стр. 1656

غالب على جميع أمره ﴿غفور﴾ أي: لذنوب من أراد من عباده تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصرّ على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه، والمعاقب والمثيب حقه أن يخشى. ولما بين سبحانه العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه بقوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ أي: يداومون على تلاوته وهي شأنهم وديدنهم، وعن مطرف: هي آية القراء، وعن الكلبي: يأخذون بما فيه، وقيل: يعلمون ما فيه ويعملون به، وعن السدي: هم أصحاب رسول الله ﷺ وعن عطاء: هم المؤمنون ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أي: أداموها ﴿وأنفقوا مما رزقناهم﴾ من زكاة وغيرها ﴿سراً وعلانية﴾ قيل: السر في المسنون والعلانية في المفروض. تنبيه: أشار تعالى بقوله ﴿يتلون كتاب الله﴾ إلى الذكر وبقوله تعالى: ﴿وأقاموا الصلاة﴾ إلى العمل البدني وبقوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناهم﴾ إلى العمل المالي، وفي هاتين الآيتين الشريفتين حكمة بالغة وهي أن قوله تعالى ﴿إنما يخشى الله﴾ إشارة إلى عمل القلب وقوله تعالى ﴿الذين يتلون﴾ إشارة إلى عمل اللسان وقوله ﴿وأقاموا الصلاة﴾ إشارة إلى عمل الجوارح ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله تعالى وقوله تعالى ﴿وأنفقوا مما رزقناهم﴾ بمعنى الشفقة على خلقه وقوله تعالى ﴿سراً وعلانية﴾ حث على الإنفاق كيفما تهيأ، فإن تهيأ سراً فذاك وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء. ولما أحل تعالى هؤلاء بالمحل الأعلى بين حالهم بقوله تعالى: ﴿يرجون﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿تجارة﴾ أي: بما عملوا ﴿لن تبور﴾ أي: تكسد وتهلك بل هي باقية؛ لأنها رفعت إلى من لا تضيع إليه الودائع وهي رائجة رابحة لكونه تعالى تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق. ﴿ليوفيهم أجورهم﴾ أي: جزاء أعمالهم بالثواب ﴿ويزيدهم من فضله﴾ قال ابن عباس ﵁: يعني سوى الثواب ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ويحتمل أن يزيدهم النظر إليه تعالى كما جاء في تفسير الزيادة وهذا هو النعمة العظمى ﴿إنه غفور شكور﴾ قال ابن عباس ﵁: يغفر الذنب العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم، وقيل: غفور عند إعطاء الأجر شكور عند إعطاء الزيادة. تنبيه: في خبر إن من قوله ﴿إن الذين يتلون كتاب الله﴾ وجهان: أحدهما: أنه الجملة من قوله تعالى: يرجون تجارة أي: إن التالين يرجون، ولن تبور صفة تجارة، وليوفيهم متعلق ب يرجون أو تبور، أو بمحذوف أي: فعلوا ذلك ليوفيهم، وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون لام العاقبة. والثاني: أن الخبر إنه غفور شكور جوز هذا الزمخشري على حذف العائد أي: غفور لهم وعلى هذا فيرجون حال من أنفقوا أي: أنفقوا ذلك راجين. ولما بين تعالى الأصل الأول وهو وجود الله تعالى الواحد بالدلائل في قوله تعالى ﴿الله الذي يرسل الرياح﴾ وقوله تعالى ﴿والله خلقكم﴾ وقوله تعالى ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء﴾ ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله تعالى: ﴿والذي أوحينا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿إليك من الكتاب﴾ أي: الجامع خيري الدارين. تنبيه: «من الكتاب» يجوز أن تكون من للبيان كما يقال: أرسل إلى فلان من الثياب جملة، وأن تكون للجنس، وأن تكون لابتداء الغاية كما يقال: جاءني كتاب من الأمير، وعلى كل فالكتاب يمكن أن يراد به اللوح

стр. 1657

المحفوظ يعني: الذي أوحينا من اللوح المحفوظ ﴿هو الحق﴾ أي: الكامل في الثبات ومطابقة الواقع، ويمكن أن يراد به القرآن وهو ما اقتصر عليه الجلال المحلي يعني: الإرشاد والتبيين اللذين أوحينا إليك من القرآن، ويمكن أن تكون من للتبعيض وهو فصل أو مبتدأ وقوله تعالى ﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ أي: لما تقدمه من الكتب حال مؤكدة؛ لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق وهذا تقرير لكونه وحياً؛ لأن النبي ﷺ لما لم يكن قارئاً كاتباً وأتى ببيان ما في كتاب الله لا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى، فإن قيل: لم يجعل ما تقدم مصدقاً للقرآن؟ أجيب: بأن القرآن كونه معجزة يكفي تصديقه بأنه وحي وأما ما تقدم فلا بد فيه من معجزة تصدقه. تنبيه: قوله تعالى ﴿هو الحق﴾ آكد من قول القائل الذي أوحينا إليك حق من وجهين: أحدهما: أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور؛ لأن الخبر في الأكثر يكون نكرة. الثاني: أن الإخبار في الغالب يكون إعلاماً بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا: زيد قام فإن السامع ينبغي أن يكون عارفاً ولا يعلم قيامه فيخبر به، فإذا كان الخبر معلوماً فتكون الأخبار للنسبة فتعرف باللام كقولنا: إن زيداً العالم في هذه المدينة إذا كان علمه مشهوراً. ﴿إن الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿بعباده لخبير﴾ أي: عالم أدق العلم وأتقنه ببواطن أحوالهم ﴿بصير﴾ أي: بظواهر أمورهم وبواطنها أي: فهو يسكن الخشية والعلم في القلوب على قدر ما أوتوا من الكتاب في علمه، فأنت أحقهم بالكمال؛ لأنك أخشاهم وأتقاهم فلذلك آتيناك هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية وقوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ في معناه وجهان: أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي: حكمنا بتوريثه أو قال تعالى ﴿أورثنا﴾ وهو يريد نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه وقال مجاهد: أورثنا أعطينا؛ لأن الميراث إعطاء واقتصر على هذا الجلال المحلي، وقيل: أورثنا أخرنا ومنه الميراث؛ لأنه تأخر عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له. تنبيه: أكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن، وقيل: إن المراد جنس الكتاب ﴿الذين اصطفينا﴾ أي: اخترنا ﴿من عبادنا﴾ قال ابن عباس ﵁: يريد بالعباد أمة محمد ﷺ أي: من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة، ونقل ابن الجوزي عن ابن عباس ﵁ أن الله تعالى أورث أمة محمد ﷺ كل كتاب أنزله أي: لأن الله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، وخصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله تعالى، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله تعالى، ثم قسمهم بقوله تعالى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ أي: في التقصير بالعمل به ﴿ومنهم مقتصد﴾ أي: يعمل به في أغلب الأوقات ﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾ وهو من يضم إلى العمل به التعليم والإرشاد إلى العمل. روى أسامة بن زيد في هذه الآية قال: قال رسول الله ﷺ «كلهم من هذه الأمة» . وروى أبو عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية

стр. 1658

فقال: قال رسول الله ﷺ «سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له» وروى أبو الدرداء قال سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ﴿ثم أورثنا الكتاب﴾ الآية (فاطر: ٣٤) قال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة، ثم قرأ قوله تعالى ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ الآية. وقال عقبة بن صهبان: سألت عائشة ﵂ عن قول الله ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ الآية فقالت: يا بني كلهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق بهم، وأما الظالم فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا، وقال مجاهد والحسن: فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المشأمة، ومنهم مقتصد هم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم. وعن ابن عباس ﵁ قال: السابق المؤمن المخلص، والمقتصد المرائي والظالم الكافر نعمة الله تعالى غير الجاحد لها؛ لأنه تعالى حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقيل: الظالم هو الراجح السيئات، والمقتصد هو الذي تساوت سيئاته وحسناته، والسابق هو الذي رجحت حسناته، وقيل: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه، والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه، والسابق من باطنه خير من ظاهره، وقيل: الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد: هو الموحد الذي يمنع جوارحه من المخالفة بالتكليف، والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد. وقيل: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم، وقيل: الظالم التالي للقرآن غير العالم به والعامل به، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العالم العامل، وقيل: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم. وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالم إخباراً بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وإن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنّى بالمقتصد؛ لأنه بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة، وقال أبو بكر الوراق: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس؛ لأن أحوال العبد ثلاثة: معصية وغفلة، ثم توبة، ثم قربة، فإذا عصى دخل في حياز الظالمين، فإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، فإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين، وقيل غير ذلك والله أعلم. ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجاري العادات ولا يوجد بالكسب والاجتهاد أشار إلى عظمته بقوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾ أي: بتمكين من له القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الجمال والجلال والكمال وتسهيله وتيسيره، لئلا يأمن أحد مكره تعالى، قال الرازي في «اللوامع» : ثم من السابقين من يبلغ محل القرب فيستغرق في وحدانيته تعالى ﴿ذلك﴾ أي: إيراثهم الكتاب أو السبق أو الاصطفاء ﴿هو الفضل الكبير﴾ . ولما ذكر الله أحوالهم بين جزاءهم ومالهم بقوله تعالى مستأنفاً جواباً لمن سأل عن ذلك: ﴿جنات عدن﴾ أي: إقامة بلا رحيل؛ لأنه لا سبب للترحيل عنها وقوله تعالى ﴿يدخلونها﴾ أي: الثلاثة أصناف، خبر جنات عدن ومن دخلها لم يخرج منها؛ لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد

стр. 1659

الخروج منها، وقرأ أبو عمرو بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء. ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما فيه من النفائس قال تعالى ﴿يحلون فيها﴾ أي: يلبسون على سبيل التزين والتحلي ﴿من أساور﴾ أي: بعض أساور ﴿من ذهب﴾ فمن الأولى للتبعيض، والثانية للتبيين وقوله تعالى ﴿ولؤلؤ﴾ عطف على ذهب أي: من ذهب مرصع باللؤلؤ، أو من ذهب في صفاء اللؤلؤ، وقرأ عاصم ونافع بالنصب عطفاً على محل من أساور، والباقون بالجر. تنبيه: أساور جمع أسورة وهي جمع سوار، وذكر الأساور من بين سائر الحلي في مواضع كثيرة كقوله تعالى ﴿وحلوا أساور من فضة﴾ (الإنسان: ٢١) يدل على كون المتحلي غير مبتذل في الأشغال؛ لأن كثرة الأعمال باليد فإذا حليت بالأساور على الفراغ من الأعمال، ولما كانت هذه الزينة لا تليق إلا على اللباس الفاخر قال تعالى ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ . ﴿وقالوا﴾ أي: ويقولون عند دخولهم، وعبر عنه بالماضي تحقيقاً له ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حزن النار، وقال قتادة: حزن الموت وقال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع بهم، وقال عكرمة: حزن السيئات والذنوب وخوف رد الطاعات، وقال القاسم: حزن زوال النعم وخوف العاقبة، وقيل: حزن أهوال القيامة، وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: الحزن في الدنيا، وقيل: همّ المعيشة، وقال الزجاج: أذهب الله تعالى عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو معاد أي: وهذا أولى الكل قال ﵊: «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون: «الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» . ثم قالوا ﴿إن ربنا﴾ أي: المحسن إلينا مع إساءتنا ﴿لغفور﴾ أي: محّاء للذنوب عيناً وأثراً للصنفين الأولين ولغيرهما من المذنبين ﴿شكور﴾ للصنف الثالث ولغيره من المطيعين. تنبيه: ذكر الله تعالى عن هذه الثلاثة ثلاثة أمور كلها تفيد الكرامة، الأول: قولهم ﴿الحمد لله﴾ فإن الحامد يثاب. الثاني: قولهم ﴿ربنا﴾ فإن الله تعالى إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادي ما لم يكن يطلب ما لا يجوز. الثالث: قولهم ﴿غفور شكور﴾ والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحمدهم في الدنيا، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في الآخرة. وقولهم: ﴿الذي أحلنا دار المقامة﴾ أي: الإقامة إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل منها إلى منزلة القبور، ومن القبور إلى منزلة العرصة التي فيها الجمع ومنها التفريق إلى دار البقاء، إما إلى الجنة، وإما إلى النار أجارنا الله تعالى ومحبينا منها. وقولهم ﴿من فضله﴾ أي: بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت مناً منه تعالى إذ لا واجب عليه، متعلق بأحلنا، ومن إما للعلة، وإما لابتداء الغاية. وقولهم ﴿لا يمسنا فيها﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ حال من مفعول أحلنا الأول أو الثاني، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما، وإن كان الحال من الأول أظهر، والنصب التعب والمشقة، واللغوب الفتور الناشئ عنه، وعلى هذا فيقال: إذا انتفى السبب انتفى المسبب، فإذا قيل: لم آكل فيعلم التغاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانياً فلم أشبع بخلاف العكس، ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل والآية

стр. 1660

الكريمة على ما تقرر من نفي السبب ثم نفي المسبب فما فائدته؟ أجيب: بأن النصب هو تعب البدن واللغوب هو تعب النفس، وقيل: اللغوب الوجع وحينئذ فالسؤال زائل، وأجاب الرازي بجواب قال ابن عادل: ليس بذاك فتركته. ولما بين تعالى ما هم فيه من النعمة في دار السرور التي قال فيها القائل: *علياء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء* بين ما لأعدائهم من النقمة زيادة في سرورهم بما قاسوا في الدنيا من تكبرهم عليهم وفخارهم بقوله تعالى: ﴿والذين كفروا﴾ أي: ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات ﴿لهم نار جهنم﴾ أي: بما تجهموا أولياء الله الدعاة إليه ﴿لا يقضي﴾ أي: يحكم ﴿عليهم﴾ أي: بموت ثان ﴿فيموتوا﴾ أي: فيتسبب عن القضاء موتهم فيستريحوا كقوله تعالى ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ (الزخرف: ٧٧) أي: بالموت فنستريح بل العذاب دائم. تنبيه: نصب فيموتوا بإضمار أن. ولما كانت الشدائد في الدنيا تنفرج وإن طال أمدها قال تعالى: ﴿ولا يخفف عنهم﴾ وأعرق في النفي بقوله تعالى: ﴿من عذابها﴾ أي: جهنم. تنبيه: في الآية الأولى أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يقتل يعتاده البدن ويصير مزاجاً فاسداً لا يحس به المعذب فقال: عذاب نار الآخرة ليس كعذاب الدنيا إما أن يفنى وإما أن يألفه البدن بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم. الثانية: وصف العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنوه ولا يجابون كما قال تعالى ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك﴾ (الزخرف: ٧٧) أي: بالموت. الثالثة، ذكر في المعذبين الأشقياء أنه لا ينقضي عذابهم ولم يقل تعالى: نزيدهم عذاباً وفي المثابين قال تعالى ﴿ويزيدهم من فضله﴾ (النور: ٣٨) وقوله تعالى ﴿كذلك﴾ إما مرفوع المحل أي: الأمر كذلك وإما منصوبه أي: مثل ذلك الجزاء العظيم ﴿نجزي كل كفور﴾ أي: كافر بالله تعالى وبرسوله، وقرأ أبو عمرو بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع كل، والباقون بنون مفتوحة وكسر الزاي ونصب كل. ﴿وهم﴾ أي: فعل ذلك بهم والحال أنهم ﴿يصطرخون فيها﴾ أي: يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون عليه من الجهد في الصياح من البكاء والتوجع يقولون ﴿ربنا﴾ أي: أيها المحسن إلينا ﴿أخرجنا﴾ أي: من النار ﴿نعمل صالحاً﴾ ثم فسروه وبينوه بقولهم ﴿غير الذي كنا نعمل﴾ في الدنيا، فإن قيل: هلا اكتفى بقولهم ﴿نعمل صالحاً﴾ كما اكتفى به في قولهم ﴿فأرجعنا نعمل صالحاً﴾ (السجدة: ١٢) وما فائدة زيادة ﴿غير الذي كنا نعمل﴾ على أنه يوهم أنهم يعملون صالحاً آخر غير الصالح الذي عملوه؟ أجيب: بأن فائدته زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي، ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً﴾ (الكهف: ١٠٤) فقالوا: أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً فنعمله، فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: ﴿أو لم نعمركم﴾ أي: نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم نعاجلكم بالأخذ. ﴿ما﴾ أي: زماناً ﴿يتذكر فيه من تذكر﴾ قال عطاء وقتادة

стр. 1661

والكلبي: ثماني عشرة سنة وقال الحسن: أربعون سنة وقال ابن عباس: ستون سنة، وروي ذلك عن علي، وروى البزار أنه ﷺ قال: «العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة» وروى البخاري أنه ﷺ قال: «من عمرّه الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» وروى الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين» وأقلهم من يجوز ذلك. وقوله تعالى: ﴿وجاءكم النذير﴾ عطف على ﴿أو لم نعمركم﴾ لأنه في معنى قد عمرناكم كقوله ﴿ألم نربك﴾ (الشعراء: ١٨) ثم قال ﴿ولبثت﴾ وقال تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ (الشرح: ١) ثم قال تعالى ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ (الشرح: ٢) إذ هما في معنى ربيناك وشرحنا، واختلف في النذير فقال الأكثرون: هو محمد ﷺ وقيل: القرآن، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع: هو الشيب، والمعنى: أو لم نعمركم حتى شبتم ويقال: الشيب نذير الموت، وفي الأثر ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت. ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال تعالى: ﴿فذوقوا﴾ أي: ما أعددناه لكم من العذاب دائماً أبداً ﴿فما للظالمين﴾ أي: الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها ﴿من نصير﴾ أي: في وقت الحاجة حتى يرفع العذاب عنهم قال البقاعي وهذا عام في كل ظالم. ولما كان تعالى عالماً بكل ما نفى وما أثبت قال تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿عالم غيب السموات والأرض﴾ لا تخفى عليه خافية فلا يخفى عليه تعالى أحوالهم وقوله تعالى ﴿إنه عليم بذات الصدور﴾ تعليل له؛ لأنه إذا علم مضمرات الصدور قبل أن يعلمها أربابها حتى تكون غيباً محضاً كان أعلم بغيره، ويعلم أنكم لو مدّت أعماركم لم ترجعوا عن الكفر أبداً ولو رددتم لعدتم لما نهيتم عنه وإنه لا مطمع في صلاحكم. ولما كان من أنشأ شيئاً كان أعلم به قال تعالى: ﴿هو﴾ أي: وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم ﴿الذي جعلكم﴾ أيها الناس ﴿خلائف في الأرض﴾ أي: يخلف بعضكم بعضاً، وقيل: جعلكم أمة واحدة خلفت من قبلها ورأت فيمن قبلها ما ينبغي أن يعتبر به، وقال القشيري: أهل كل عصر خليفة عمن تقدّمهم فمن قوم هم لسلفهم جمال ومن قوم هم أرذال وأسافل. تنبيه: خلائف جمع خليفة وهو الذي يقوم بعد الإنسان بما كان قائماً به والخلفاء: جمع خليفة قاله الأصبهاني ﴿فمن كفر فعليه كفره﴾ أي: وبال كفره ﴿ولا﴾ أي: والحال أنه لا ﴿يزيد الكافرين﴾ أي: المغطين للحق ﴿كفرهم﴾ أي: الذي هم ملتبسون به ظانون أنه يسعدهم وهم راسخون فيه غير منتقلين عنه ﴿عند ربهم﴾ أي: المحسن إليهم ﴿إلا مقتاً﴾ أي: غضباً؛ لأن الكافر السابق كان ممقوتاً ﴿ولا يزيد الكافرين﴾ أي: العريقين في صفة التغطية للحق ﴿كفرهم إلا خساراً﴾ أي: للآخرة؛ لأن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله تعالى ربح، ومن اشترى به سخط الله تعالى خسر.) ولما بين أنه سبحانه هو الذي استخلفهم أكد بيان ذلك عندهم بأمره ﷺ بما يضطرهم إلى الاعتراف بقوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿شركاءكم﴾ أضافهم إليهم؛ لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئاً من شركته؛ لأنهم ما نقصوه شيئاً من ملكه وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالسوائب

стр. 1662

وغيرها وفي أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه، ثم بين المراد من عدّهم لهم شركاء بقوله تعالى: ﴿الذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي: غيره وهم الأصنام الذين زعمتم أنهم شركاء الله تعالى ﴿أروني﴾ أي: أخبروني ﴿ماذا﴾ أي: الذي أو أي شيء ﴿خلقوا من الأرض﴾ أي: لتصح لكم دعوى الشركة فيهم وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض وإنكم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا ﴿أم لهم شرك﴾ أي: شركة مع الله تعالى وإن قلت ﴿في السموات﴾ أي: أروني ماذا خلقوا لكم من السموات فالآية من الاحتباك حذف أولاً الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانياً عليه، وحذف الأمر بالإراءة ثانياً له لدلالة مثله أولاً عليه. ﴿أم آتيناهم كتاباً﴾ ينطق على أنا اتخذنا شركاء ﴿فهم﴾ الأحسن في هذا الضمير أن يعود على الشركاء لتناسق الضمائر، وقيل: يعود على المشركين قاله مقاتل فيكون التفاتاً من خطاب إلى غيبة ﴿على بينة﴾ أي: حجة ﴿منه﴾ بأن لهم معي شركة، ولما كان التقدير لا شيء لهم من ذلك قال تعالى منبهاً على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم ﴿بل إن﴾ أي: ما ﴿يعد الظالمون﴾ أي: الواضعون الأشياء في غير موضعها ﴿بعضهم بعضاً﴾ أي: الاتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله تعالى زلفى، وأنها تشفع وتضر وتنفع ﴿إلا غروراً﴾ أي: باطلاً. ولما بين تعالى حقارة الأصنام بين عظمته سبحانه بقوله تعالى: ﴿إن الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿يمسك السموات﴾ أي: على كبرها وعلوها ﴿والأرض﴾ أي: على سعتها وبعدها عن التماسك على ما تشاهدون، وقوله تعالى ﴿أن تزولا﴾ أي: برجة عظيمة وزلزلة كبيرة يجوز أن يكون مفعولاً من أجله أي: كراهة أن تزولا، وقيل: لئلا تزولا، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً على إسقاط الخافض أي: يمنعهما من أن تزولا، ويجوز أن يكون بدل اشتمال أي: يمنع زوالهما؛ لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير القياس لولا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته، فإن ادعيتم عناداً أن شركاءكم لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق الله تعالى. ولما كان في هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان أتبعه ما هو أبين منه بقوله تعالى: معبراً بأداة الإمكان ﴿ولئن﴾ لام قسم ﴿زالتا﴾ أي: بزلزلة خراب أو غير ذلك ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أمسكهما من أحد من بعده﴾ جواب القسم الموطأ له بلام القسم وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم، ولذلك كان فعل الشرط ماضياً، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: والجملة سدت مسد الجوابين فيه تجوز، فالمراد بسدهما مسدهما أنها تدل عليهما لا أنها قائمة مقامهما إذ يلزم أن تكون معمولة وغير معمولة؛ لأنها باعتبار جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وباعتبار جواب الشرط لها محل، ومن في ﴿من أحد﴾ مزيدة لتأكيد الاستغراق وفي ﴿من بعده﴾ لابتداء الغاية، والمعنى: أحد سواه أو من بعد الزوال ﴿إنه كان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿حليماً﴾ إذ أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدّا هدّاً كما قال تعالى ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً﴾ (مريم: ٩٠) لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز الفرصة ﴿غفوراً﴾ أي: محاء لذنوب من رجع إليه وأقبل

стр. 1663

بالاعتراف عليه فلا يعاقبه ولا يعاتبه. ولما بلغ كفار مكة أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم: ﴿وأقسموا﴾ أي: كفار مكة ﴿بالله﴾ أي: الذي لا يقسم بغيره ﴿جهد أيمانهم﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها ﴿لئن جاءهم نذير﴾ أي: رسول ﴿ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾ أي: اليهود والنصارى وغيرهم أي: آية واحدة منها لما رأوا من تكذيب بعضها بعضاً ﴿إذ قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ (البقرة: ١١٣) ﴿فلما جاءهم نذير﴾ أي: على ما شرطوا وزيادة وهو محمد ﷺ الذي كانوا يشهدون أنه خيرهم نفساً وأشرفهم نسباً وأكرمهم خلقاً ﴿ما زادهم﴾ أي: مجيئه شيئاً مما هم عليه من الأحوال ﴿إلا نفوراً﴾ أي: تباعداً عن الهدى؛ لأنه كان سبباً في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت عن الطريق فدعاها فازدادت بسبب دعائه نفرة فصارت بحيث يتعذر أو يتعسر ردها، فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس ولا صدق عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق، ثم علل نفورهم بقوله تعالى: ﴿استكباراً﴾ أي: طلباً لإيجاد الكبر لأنفسهم ﴿في الأرض﴾ أي: التي من شأنها السفول والتواضع والخمول فلم يكن نفورهم لأمر محمود ولا مباح، ويجوز أن يكون استكباراً بدلاً من نفوراً وأن يكون حالاً أي: حال كونهم مستكبرين قاله الأخفش. وقوله تعالى ﴿ومكر السيء﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على استكباراً، والثاني: أنه عطف على نفوراً وهذا من إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل إذ الأصل والمكر السيء، والبصريون يؤولونه على حذف موصوف أي: العمل السيء أي: الذي من شأنه أن يسوء صاحبه وغيره وهو إرادتهم لإهانة أمر النبي ﷺ وإطفاء نور الله ، وقال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي ﷺ وقرأ حمزة في الوصل بهمزة ساكنة أي: بنية الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر واتقانه وإخفائه جهدهم، والباقون بهمزة مكسورة، وإذا وقف حمزة أبدل الهمزة ياء وأدغم الياء الأولى في الياء الثانية، ووقف الباقون بهمزة ساكنة ﴿ولا﴾ أي: والحال أنه لا ﴿يحيق﴾ أي: يحيط إحاطة لازمة خسارة ﴿المكر السيء﴾ أي: الذي هو عريق في السوء ﴿إلا بأهله﴾ أي: وإن أذى غير أهله لكنه لا يحيط بذلك الغير، فإن قيل: كثيراً ما نرى الماكر يمكر ويفيده المكر ويغلب الخصم بالمكر والآية تدل على عدم ذلك، أجيب: بأجوبة: أحدها: أن المكر في الآية هو المكر الذي مكروه مع النبي ﷺ من العزم على القتل والإخراج ولم يحق إلا بهم حيث قتلوا يوم بدر وغيره. ثانيها: أنه عام وهو الأصح، ويدل له قول الزهري: بلغنا أن النبي ﷺ قال: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله تعالى يقول: وقرأ هذه الآية، ولا تبغوا ولا تعينوا باغياً يقول الله تعالى ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾ (يونس: ٢٣) ولا تنكثوا ولا تعينوا ناكثاً قال الله تعالى ﴿فمن نكث فإنما ينكث على نفسه﴾ (الفتح: ١٠) ثالثها: أن الأعمال بعواقبها ومن مكر بغيره ونفذ فيه المكر عاجلاً في الظاهر فهو في الحقيقة هو الفائز والماكر هو الهالك كمثل راحة الكافر ومشقة المسلم في الدنيا ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى ﴿فهل ينظرون﴾ أي: ينتظرون ﴿إلا سنت الأولين﴾ أي: سنة الله تعالى فيهم من تعذيبهم

стр. 1664

بتكذيبهم رسلهم، والمعنى: فهل ينتظرون إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار. ولما كان هذا النظر يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس عدل عن ضميرهم إلى خطاب أعلى الخلق بقوله تعالى: ﴿فلن تجد﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿لسنت الله﴾ أي: طريقة الملك الأعظم التي شرعها وحكم بها وهي إهلاك العاصين وإنجاء الطائعين ﴿تبديلاً﴾ أي: من أحد يأتي بسنة غيرها تكون بدلاً لها؛ لأنه تعالى لا مكافئ له ﴿ولن تجد لسنت الله﴾ أي: الذي لا أمر لأحد معه ﴿تحويلا﴾ أي: من حالة إلى أخف منها؛ لأنه لا مرد لقضائه. فائدة: ترسم سنت لسنت الثلاثة بالتاء المجرورة كما رأيت، ووقف أبو عمرو وابن كثير والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وإذا وقف الكسائي أمال الهاء على أصله. ولما ذكر الله تعالى الأولين وسنتهم في إهلاكهم نبههم بتذكير حال الأولين بقوله تعالى: ﴿أولم يسيروا﴾ أي: فيما مضى من الزمان ﴿في الأرض﴾ أي: التي ضربوا في المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق ﴿فينظروا﴾ أي: فيتسبب عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوماً من الأيام، فإن العاقل من إذا رأى شيئاً تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عليه ما جرى من مقاله، وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله فاستحق السؤال عن حاله ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿الذين من قبلهم﴾ أي: على أي حالة كان آخر أمرهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل ﵈ فيخافوا أن يفعلوا مثل أفعالهم فيكون حالهم كحالهم فإنهم كانوا يمرون على ديارهم ويرون آثارهم، وأملهم كان فوق أملهم وعملهم كان دون عملهم، وكانوا أطول منهم أعماراً وأشد اقتداراً ومع هذا لم يكذبوا مثل محمد ﷺ وأنتم يا أهل مكة كفرتم بمحمد ومن قبله ﵈ ﴿وكانوا﴾ أي: أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا، والحال أنهم كانوا ﴿أشد منهم﴾ أي: من هؤلاء ﴿قوة وما كان الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة وأكد الاستغراق في النفي بقوله تعالى: ﴿ليعجزه﴾ أي: مريداً لأن يعجزه، ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى، وأبلغ في التأكيد بقوله تعالى: ﴿من شيء﴾ أي: قل أو جل وعم بما يصل إليه إدراكنا بقوله تعالى: ﴿في السموات﴾ أي: جهة العلو، وأكد بقوله ﴿ولا في الأرض﴾ أي: جهة السفل ﴿أنه كان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي: بالأشياء كلها حقيرها وجليلها ﴿قديراً﴾ أي: كامل القدرة أي: فلا يريد شيئاً إلا كان ولما كانوا يستعجلون بالتوعد استهزاء، كقولهم: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ (الأنفال: ٣٢) على أن التقدير ولو عاملكم الله تعالى معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم عطف عليه قوله تعالى إظهاراً للحكم مع العلم ﴿ولو يؤاخذ الله﴾ أي: بما له من صفات العلو ﴿الناس﴾ أي: المكلفين ﴿بما كسبوا﴾ أي: من المعاصي ﴿ما ترك على ظهرها﴾ أي: الأرض ﴿من دابة﴾ أي: نسمة تدب عليها كما كان في زمن نوح ﵇ أهلك الله تعالى ما على ظهر الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح. فإن قيل: إذا كان الله تعالى يؤاخذ الناس بما كسبوا فما بال الدواب؟ أجيب: بأن المطر إنعام من الله في حق العباد، وإذا لم يستحقوا الإنعام قطعت الأمطار عنهم فيظهر الجفاف على وجه الأرض فيموت

стр. 1665

جميع الحيوانات، وبأن خلقة الحيوانات نعمة والمعاصي تزيل النعم وتحل النقم والدواب أقرب النعم؛ لأن المفرد أولاً ثم المركب، والمركب إما أن يكون معدناً وإما أن يكون نامياً، والنامي إما أن يكون حيواناً أو نباتاً، والحيوان إما إنسان أو غير إنسان فالدواب أعلى درجات المخلوقات في عالم العناصر للإنسان. فإن قيل: كيف يقال لما علته الخلق من الأرض وجه الأرض وظهر الأرض مع أن الظهر مقابله الوجه فهو كالمتضاد؟ أجيب: بأن الأرض كالدابة الحاملة للأثقال والحمل يكون على الظهر، وأما وجه الأرض فلأن الظاهر من باب والبطن والباطن من باب فوجه الأرض ظهر؛ لأنه هو الظاهر وغيره منها باطن وبطن. ﴿ولكن﴾ لم يعاملهم معاملة المؤاخذ المناقش بل يحلم عنهم فهو ﴿يؤخرهم﴾ أي: في الحياة الدنيا ثم في البرزخ ﴿إلى أجل مسمى﴾ أي: سماه في الأزل لانقضاء أعمارهم ثم يبعثهم من قبورهم وهو تعالى لا يبدل القول لديه لما له من صفات الكمال ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ أي: الفناء الإعدامي قبض كل واحد منهم عند أجله، أو الإيجاد الإبقائي بعث كلاً منهم فجازاه بعمله ﴿فإن الله﴾ أي: الذي له الصفات العليا ﴿كان﴾ ولم يزل ﴿بعباده﴾ الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد واحد منهم بجميع ذواتهم وأحوالهم ﴿بصيراً﴾ أي: بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب ومن يستحق الثواب، قال ابن عباس: يريد أهل طاعته وأهل معصيته، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب الجنة أن ادخل من أي الأبواب شئت» حديث موضوع. سورة يس مكية وهي ثلاث وثمانون آية، وسبعمائة وتسعةوعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف وتسمى أيضاً: القلب والدافعة والقاضية والمعممة تعم صاحبها بخير الدارين، وتدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة، والبيضاوي ذكر هذه التسمية عن النبي ﷺ قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره ولكن المثبت مقدم على النافي. ﴿بسم الله﴾ أي: الذي جل ملكه على أن يحاط بمقدراه ﴿الرحمن﴾ الذي جعل إنذار يوم الجمع رحمة عامة ﴿الرحيم﴾ الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم لقائه وقوله تعالى: ﴿يس﴾ كـ[ألم] في المعنى والإعراب وقال ابن عباس: يس قسم، وروي عن شعبة أن معناه يا إنسان بلغة طيء على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به كما قيل: م الله في أيمن الله، وقال أكثر المفسرين: يعني محمداً ﷺ قاله الحسن وسعيد بن جبير وجماعة وقال أبو العالية: يا رجل وقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر. قال ابن عادل في ذكر هذه الحروف أوائل السور: أمور تدل على أنها غير خالية من الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها والذي يدل على أنها فيها حكمة هو أن الله ذكر من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفاً نصف ثمانية وعشرين حرفاً هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا: الهمزة ألف متحركة، ثم إن الله تعالى قسم الحروف ثلاثة أقسام تسعة أحرف من الألف إلى الذال، والتسعة الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرة في الوسط من الراء إلى الغين، وذكر من القسم الأول حرفين

стр. 1666

الألف والحاء، وترك سبعة وترك من القسم الأخير حرفين هما الألف واللام، وذكر سبعة ولم يترك من القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحداً لم يذكره وهو الخاء، ولم يذكر من القسم الأخير من حروف الشفة إلا واحداً لم يتركه وهو الميم والعشر الأوسط ذكر منه حرفاً وترك حرفاً فترك الزاي وذكر الراء، وذكر السين وترك الشين وذكر الصاد وترك الضاد وذكر الطاء وترك الظاء وذكر العين وترك الغين، وليس لها أمر يقع اتفاقاً بل هو ترتيب مقصود فهو لحكمة لكنها غير معلومة. وهب أن واحداً يدعى فيه شيئاً فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسورة ن وق وص، وبعضها بحرفين كسورة حم ويس وطس وطه، وبعضها بثلاثة أحرف كألم وطسم والر، وبعضها بأربعة أحرف كسورة المر والمص، وبعضها بخمسة أحرف كسورة حم عسق وكهعيص. وهب أن قائلاً يقول: إن هذه إشارة بأن الكلام إما حرف وإما فعل وإما اسم، والحرف كثيراً ما جاء على حرف كواو العطف وفاء التعقيب وهمزة الاستفهام وكاف التشبيه وباء الإلصاق وغيرها، وجاء على حرفين كمن للتبعيض وأو للتخيير وأم للاستفهام المتوسط وإن للشرط وغيرها، والفعل والاسم والحرف جاءت ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعلى في الاسم وألا يألوا بالواو، وعلا يعلو في الفعل والاسم، والفعل جاء على أربعة أحرف، والاسم خاصة جاء على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة كعجل ومسجد وجردحل. فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد والبعض بأكثر فلا يعلم ما السر إلا الله تعالى، ومن أعلمه الله تعالى به. وإذا علم هذا فالعبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جارحية، وكل واحد منها قسمان: قسم عقل معناه وحقيقته، وقسم لم يعلم، أما القلبية مع أنها أبعد عن الشك والجهل فمنها ما لم يعلم دليله عقلاً، وإنما وجب الإيمان به والاعتقاد سمعاً كالصراط الذي هو أدق من الشعر وأحد من السيف ويمر عليه المؤمن كالبرق الخاطف، والميزان الذي توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في نظر الناظر، وكيفية الجنة والنار، فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي، وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم مقطوع به بالسمع، ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله تعالى وصدق الرسل، وكذلك في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات. والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة فلا يكون الإتيان إلا لمحض الفائدة بخلاف ما لم تعلم الفائدة، فربما تأتي الفائدة وإن لم يؤمر كما لو قال السيد لعبده: انقل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها، ولو قال: انقلها فإن تحتها كنزاً هو لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمر. وإذا علم هذا فكذلك في العبادات اللسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود الإلهي فإذا قال: حم طس يس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ به امتثالاً لما أمر به، انتهى كلام ابن عادل بحروفه وهو كلام دقيق، وقرأ يس بإمالة الياء شعبة وحمزة والكسائي، والباقون بالفتح، وأظهر النون من يس عند واو. ﴿والقرآن﴾ قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وحمزة،

стр. 1667

وأدغم الباقون، وهي واو القسم أو العطف إن جعل يس مقسماً به، ثم وصف القرآن بقوله تعالى: ﴿الحكيم﴾ أي: المحكم بعظيم النظم وبديع المعاني، وقوله تعالى: ﴿إنك لمن المرسلين﴾ أي: الذين حكمت عقولهم على دواعي نفوسهم فصاروا بما وهبهم الله من القوة النورانية وبما تخلقوا به من أوامره ونواهيه كالملائكة الذين تقدم ذكرهم في السورة الماضية إنهم رسله جواب القسم وهو رد على الكفار حيث قالوا: لست مرسلاً، فإن قيل: المطلب يثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقسام؟ أجيب: بأوجه: أولها: أن العرب كانوا يتقون الأيمان الفاجرة، وكانوا يقولون إن الأيمان الفاجرة توجب خراب العالم، وصحح النبي ﷺ ذلك بقوله: «اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع» ثم إنهم كانوا يقولون: إن النبي ﷺ يصيبه من آلهتهم وهي الكواكب عذاب، والنبي ﷺ يحلف بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرفع شأناً وأمنع مكاناً فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب. ثانيها: أن المناظرين إذا وقع بينهما كلام وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب: إنك قررت هذا بقوة جدالك وأنت خبير في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة وعجزت أنا على القدح فيه، وهذا كثير الوقوع بين المتناظرين فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول فلا يجد أمراً إلا اليمين، فكذلك النبي ﷺ أقام البراهين وقالت الكفرة ﴿ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد أباؤكم﴾ (سبأ: ٤٣) ﴿وقالوا ما هذا إلا أفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين﴾ (سبأ: ٤٣) فالتمسك بالأيمان لعدم فائدة الدليل. ثالثها: أن هذا ليس بمجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين؛ لأن القرآن معجزة، ودليل كونه مرسلاً هو المعجزة والقرآن كذلك، فإن قيل: لِمَ لم يذكر في صورة الدليل وما الحكمة في ذكر الدليل في صورة اليمين؟ أجيب: بأن الدليل إذا ذكر في صورة اليمين، واليمين لا يقع ولاسيما من العظيم الأعلى أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه فلصورة اليمين يقبل عليه السامع لكونه دليلاً شافياً يسر به الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب وقوله تعالى: ﴿على صراط﴾ أي: طريق واسع واضح ﴿مستقيم﴾ أي: هو التوحيد والاستقامة في الأمر، يجوز أن يكون متعلقاً بالمرسلين تقول: أرسلت عليه كذا قال تعالى ﴿وأرسل عليهم طيراً أبابيل﴾ (الفيل: ٣) وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكن في ﴿لمن المرسلين﴾ لوقوعه خبراً، وأن يكون حالاً من المرسلين، وأن يكون خبراً ثانياً لإنك.H وقرأ قنبل «سراط» بالسين عوضاً عن الصاد، وخلف بالإشمام وهو بين الصاد والزاي، والباقون بالصاد الخالصة. ولما كان كأنه قيل: ما هذا الذي أرسل به؟ كان كأنه قيل جواباً: هو القرآن الذي وقع الإقسام به وهو: ﴿تنزيل﴾ أو حال كونه تنزيل ﴿العزيز﴾ أي: المتصف بجميع صفات الجلال ﴿الرحيم﴾ أي: الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم فهو الواحد المنفرد في ملكه، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي تنزيل بالنصب

стр. 1668

على الحال كما مر، أو بإضمار أعني، والباقون بالرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر كما مر. ولما ذكر تعالى المرسل وهو الله تعالى، والمرسل وهو النبي ﷺ والمرسل به وهو القرآن ذكر المرسل لهم بقوله تعالى: ﴿لتنذر قوماً﴾ أي: ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة ﴿ما أنذر﴾ أي: لم تنذر أصلاً ﴿آباؤهم﴾ أي: لم ينذروا في زمن الفترة ﴿فهم﴾ أي: بسبب زمان الفترة ﴿غافلون﴾ أي: عن الإيمان والرشد وقوله تعالى: ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ فيه وجوه: أشهرها: أن المراد بالقول هو قوله تعالى: ﴿لقد حق القول مني لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ ثانيها: أن معناه لقد سبق في علمه تعالى أن هذا يؤمن وهذا لا يؤمن فحق القول أي: وجب وثبت بحيث لا يبدل بغيره كما قال تعالى ﴿ما يبدل القول لدى﴾ (ق: ٢٩) ثالثها: المراد لقد حق القول الذي قاله الله تعالى على لسان الرسل من التوحيد وغيره ﴿فهم﴾ أي: بسبب ذلك ﴿لا يؤمنون﴾ أي: بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى استكباراً في الأرض ومكر السيء. ونزل في أبي جهل وصاحبه: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً﴾ أي: بأن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمداً ﷺ يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلى ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده إلى عنقه، فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته ولقد سمعت كلاماً وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه ولو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ووجه المناسبة لما تقدم أنه لما قال تعالى ﴿لقد حق القول على أكثرهم﴾ وتقدم أن المراد به البرهان وقال بعد ذلك: بل عاينوا وأبصروا ما يقرب من الضرورة حيث التزقت يده بعنقه، ومنع من إرسال الحجر وهو مضطر إلى الإيمان ولم يؤمن علم أنه لا يؤمن أصلاً، وقال أهل المعاني: هذا على طريق المثل ولم يكن هناك غل، أراد منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلاً لذلك فهو تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت أيديهم. وقال الفراء: معناه حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ (الإسراء: ٢٩) معناه: ولا تمسكها عن النفقة، ومناسبة هذا لما تقدم أن قوله تعالى ﴿فهم لا يؤمنون﴾ يدخل فيه أنهم لا يصلون لقوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (البقرة: ١٤٣) أي: صلاتكم عند بعض المفسرين والزكاة مناسبة للصلاة فكأنه قال: لا يصلون ولا يزكون، واختلف في عود الضمير في قوله تعالى ﴿فهي إلى الأذقان﴾ على وجهين: أشهرهما: أنه عائد على الأغلال؛ لأنها هي المحدث عنها، ومعنى هذا الترتيب بالفاء أن الغل لغلظه وعرضه يصل إلى الذقن؛ لأنه يلبس العنق جميعه، قال الزمخشري: والمعنى أنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه. ثانيهما: أن الضمير يعود إلى الأيدي، وإليه ذهب الطبري وعليه جرى الجلال المحلي؛ لأن الغل لا يكون إلا في العنق واليدين، ودل على الأيدي وإن لم تذكر

стр. 1669

الملازمة المفهومة من هذه الآلة أعني الغل. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها والأذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين ﴿فهم مقمحون﴾ أي: رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفتة إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطؤن رؤوسهم له، والإقماح رفع الرأس إلى فوق كالإقناع وهو من قمح البعير رأسه إذا رفعها بعد الشرب إما لبرودة الماء، وإما لكراهة طعمه. ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر أمامه قال تعالى: ﴿وجعلنا﴾ أي: بعظمتنا ﴿من بين أيديهم﴾ أي: الوجه الذي يمكنهم عمله ﴿سداً﴾ فلا يسلكون طريق الاهتداء. ولما كان الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال تعالى ﴿ومن خلفهم﴾ أي: الوجه الذي هو خفي عنهم ﴿سداً﴾ فلا يرجعون إلى الهداية فصارت كل جهة يلتفتون إليها منسدة فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر إلى الحق، ولا الخلوص إليه، فلذلك قال تعالى ﴿فأغشيناهم﴾ أي: جعلنا على أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة ﴿فهم﴾ أي: بسبب ذلك ﴿لا يبصرون﴾ أي: لا يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم بصر ظاهر ولا بصيرة باطنة، وأيضاً الإنسان مبدؤه من الله تعالى ومصيره إليه فعمى الكافرين بأن لا يبصروا ما بين أيديهم من المصير إلى الله تعالى، وما خلفهم من الدخول في الوجود بخلق الله تعالى كمن أحاط بهم سد فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل، وأيضاً فإن السالك إذا لم يكن له بد من سلوك طريق فإن انسد الطريق الذي قدامه يفوته المقصد ولكنه يرجع، فإذا انسد الطريق من خلفه ومن قدامه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامته هلك. فإن قيل: ذكر السد من بين الأيدي ومن الخلف ولم يذكره من اليمين والشمال فما الحكمة في ذلك؟ أجيب: بأنهم إذا قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء فصار ما إليه توجههم ما بين أيديهم، فيجعل الله تعالى السد هناك فيمنعه من السلوك فكيفما توجه الكافر يجعل الله تعالى بين يديه سداً، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سداً بفتح السين في الموضعين وهو لغة فيه، والباقون بالضم. ولما منعوا بذلك حس البصر أخبر عن حس السمع بقوله تعالى: ﴿وسواء عليهم﴾ أي: مستو ومعتدل غاية الاعتدال ﴿أأنذرتهم﴾ أي: بما أخبرناك به من الزواجر المانعة للكفر ﴿أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ ؛ لأنهم ممن علم الله تعالى أنهم لا يؤمنون، وقد سبق أيضاً في البقرة تفسيره والكلام على الهمزتين، ثم بين الله تعالى الأقل الناجي؛ لأنه المقصود بالذات بقوله تعالى: ﴿إنما تنذر﴾ أي: إنذاراً ينفع المنذر فتتأثر عنه النجاة ﴿من اتبع الذكر﴾ أي: القرآن بالتأمل فيه والعمل به ﴿وخشي الرحمن﴾ أي: خاف عقابه ﴿بالغيب﴾ أي: قبل موته ومعاينة أهواله أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه تعالى كما هو رحمن رحيم منتقم جبار ﴿فبشره﴾ أي: بسبب خشيته بالغيب ﴿بمغفرة﴾ أي: لذنوبه وإن عظمت وتكررت. ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال تعالى ﴿وأجر كريم﴾ أي: هو الجنة فإنها دار لا كدر فيها بوجه، والمقصود منها هو النظر لوجهه الكريم، اللهم متعنا ومحبينا بالنظر إلى وجهك الكريم.

стр. 1670

ولما ذكر تعالى خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى بقوله تعالى: ﴿إنا نحن﴾ أي: بما لنا من العظمة التي لا تضاهى ﴿نحيي الموتى﴾ أي: كلهم حسّاً بالبعث، ومعنى بالإنقاذ إذا أردنا من ظلمة الجهل ﴿ونكتب﴾ أي: جملة عند نفخ الروح وشيئاً فشيئاً بعده فلا يتعدى التفصيل شيئاً في ذلك الإجمال ﴿ما قدموا﴾ أي: وأخروا من جميع أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم من صالح وغيره فاكتفى بأحدهما لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ (النحل: ٨١) أي: والبرد. وقيل المعنى: ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة كقوله تعالى ﴿بما قدمت أيديهم﴾ (الجمعة: ٧) أي: بما قدموا في الوجود وأوجدوه، وقيل: نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وقوله تعالى ﴿وآثارهم﴾ فيه وجوه: أحدها: وهو مبني على التفسير الأخير، وهو كتب النيات المراد بالآثار: الأعمال. ثانيها: ما سنوا من سنة حسنة وسيئة، فالحسنة كالكتب المصنفة والقناطر المبنية، والسيئة كالظلامات المستمرة التي وضعتها الظلمة والكتب المضلة قال ﷺ «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً» . ثالثها: خطاهم إلى المساجد لما روى أبو سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم عن المسجد فأنزل الله تعالى ﴿ونكتب ما قدموا وآثارهم﴾ فقال ﷺ «إن الله يكتب خطواتكم ومشيكم ويثيبكم عليها» وقال ﷺ «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم مشياً والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام» ، فإن قيل: الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال تعالى ﴿نحيي الموتى ونكتب﴾ ولم يقل نكتب ما قدموا ونحييهم؟ أجيب: بأن الكتابة معظمة لأمر الإحياء؛ لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم يكن هناك إحياء ولا إعادة لا يبقى لها أثر أصلاً، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره فلهذا قدم الإحياء؛ لأنه تعالى قال: ﴿إنا نحن﴾ وذلك يفيد العظمة والجبروت، والإحياء العظيم يختص بالله تعالى والكتابة دونه تقرير التعريف الأمر العظيم وذلك مما يعظم ذلك الأمر العظيم. ولما كان ذلك الأمر ربما أوهم الاقتصاد على ما ذكر من أحوال الآدميين دفع ذلك بقوله تعالى: ﴿وكل شيء﴾ من أمور الدنيا والآخرة ﴿أحصيناه﴾ أي: قبل إيجاده بعلمنا القديم إحصاء وحفظاً وكتبناه ﴿في إمام﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿مبين﴾ أي: لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال والأقوال فهو تعميم بعد تخصيص؛ لأنه تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم وليست الكتابة مقتصرة عليه بل كل شيء محصي في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئاً من الأقوال والأفعال لا يعزب عن علم الله تعالى ولا يفوته كقوله تعالى ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر﴾ (القمر: ٥٢ ـ ٥٣) يعني ليس ما في الزبر منحصراً فيما فعلوه بل كل شيء مكتوب لا يبدل، فإن القلم جف بما هو كائن فلما قال تعالى ﴿نكتب ما قدموا﴾ بين أن قبل ذلك كتابة أخرى، فإن الله تعالى كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه، قيل: إن ذلك مؤكد لمعنى قوله تعالى ﴿ونكتب﴾ ؛ لأن من يكتب شيئاً في أوراق

стр. 1671

ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال تعالى: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين وهو كقوله تعالى ﴿علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (طه: ٥٢) وقوله : ﴿واضرب﴾ بمعنى واجعل ﴿لهم﴾ وقوله تعالى ﴿مثلاً﴾ مفعول أول، وقوله تعالى: ﴿أصحاب﴾ مفعول ثان والأصل: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب ﴿القرية﴾ فترك المثل وأقيم الأصحاب مقامه في الإعراب كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢) قال الزمخشري: وقيل لا حاجة إلى الإضمار بل المعنى: اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً، أو مثل أصحاب القرية بهم قال المفسرون: المراد بالقرية أنطاكية وقوله تعالى ﴿إذ جاءها﴾ إلخ بدل اشتمال من أصحاب القرية أي: إذ جاء أهلها ﴿المرسلون﴾ أي: رسل عيسى ﵇ وإضافة إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين﴾ لأنه فعل رسوله ﵇ ﴿وإذ أرسلنا﴾ إلخ بدل من إذ الأولى، وفي هذا لطيفة وهي أن في القصة أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عيسى ﵇ أرسلهم إلى أنطاكية فقال تعالى: إرسال عيسى ﵇ هو إرسالنا ورسول رسول الله بإذن الله رسول الله فلا تفهم يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول وإنما هو رسل الله تعالى، فتكذيبهم كتكذيبك فتتم التسلية بقوله تعالى: ﴿إذ أرسلنا﴾ ويؤيد هذا مسألة فقهية وهي أن كل وكيل للوكيل بإذن الموكل عند الإطلاق وكيل الموكل لا وكيل الوكيل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه، وينعزل إذا عزله الموكل الأول. تنبيه: في بعث الاثنين حكمة بالغة وهي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى ﵇ بإذن الله تعالى، فكان عليهما إنهاء الأمر إليه والإتيان بما أمر الله تعالى، والله سبحانه عالم بكل شيء لا يحتاج إلى شاهد يشهد عنده، وأما عيسى ﵇ فبشر فأمر الله تعالى بإرسال اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى ﵇ حجة ثابتة، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء والميم في الوصل، وحمزة والكسائي بضمهما، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء، والباقون بكسرها، والجميع في الوقف بسكون الميم. ﴿فكذبوهما﴾ أي: مع ما لهما من الآيات؛ لأن من المعلوم أنا ما أرسلنا رسولاً إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر سواء أكان عنا من غير واسطة، أو كان بواسطة رسولنا كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي النورين لما ذهب إلى قومه وسأل النبي ﷺ أن تكون له آية فكانت نوراً في جبهته، ثم سأل أن تكون في غير وجهه فكانت في سوطه. ولما كان المتظافر على الشيء أقوى لشأنه وأعون على ما يراد منه تسبب عن ذلك قوله تعالى ﴿فعززنا﴾ أي: قوينا ﴿بثالث﴾ يقال: عزز المطر الأرض أي: قواها ولبدها ويقال لتلك الأرض العزاز وكذا كل أرض صلبة، وتعزز لحم الناقة أي: صلب وقوي والمفعول محذوف أي: فقويناهما بثالث، أو فغلبناهما بثالث؛ لأن المقصود من البعثة نصرة الحق لا نصرتهما، والكل كانوا مقوين للدين بالبرهان قال وهب: اسم المرسلين يحيى ويونس، واسم الثالث شمعون، وقال كعب: الرسولان صادق ومصدوق والثالث: سلوم، وقرأ شعبة بتخفيف الزاي الأولى، والباقون بتشديدها والزاي الثانية ساكنة بلا خلاف. ﴿فقالوا إنا إليكم مرسلون﴾ وذلك أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى ﵇ اثنين فلما قربا من المدينة

стр. 1672

رأيا حبيباً النجار يرعى غنماً فسلما عليه فقال: من أنتما؟ فقالا: رسولا عيسى ﵇ يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال: أمعكما آية؟ قالا: نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله تعالى فقال: إن لي ابناً مريضاً منذ سنين قالا: فانطلق بنا ننظر حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحاه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحاً ففشا الخبر في المدينة وآمن حبيب النجار، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيراً من المرضى وكان لهم ملك اسمه أنطيحس وكان من ملوك الروم فانتهى الخبر إليه فدعاهما فقال لهما: من أنتما؟ فقالا: رسولا عيسى ﵇ قال: وفيما جئتما؟ قالا: ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر قال: أولنا إله دون آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك فقال: قوما حتى أنظر في أمركما وأمر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما كذبا وضربا بعث عيسى ﵇ رأس الحواريين شمعون الصفار على أثرها لينصرهما، فدخل البلد متنكراً وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به وأوصلوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعوا إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله تعالى الذي خلق كل شيء وليس له شريك فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا قالا: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد قال لهما شمعون: وما آيتكما؟ قالا: ما يتمنى الملك فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك: أرأيت إن سألت إلهك يصنع مثل هذا حتى يكون لك الشرف ولآلهتك؟ فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيراً ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، ثم قال الملك لهما: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما قالا: إلهنا قادر على كل شيء فقال الملك: إن هنا ميتاً مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائباً فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سراً، فقام الميت وقال: إني دخلت سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله تعالى، ثم قال: فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسناً يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه فتعجب الملك لما علم، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه فآمن الملك وآمن قوم وكفر آخرون، فمن لم يؤمن صاح عليهم جبريل فهلكوا. وقيل: أن ابنة الملك كانت قد توفيت ودفنت فقال شمعون للملك: اطلب من هذين الرجلين أن يحييا ابنتك فطلب الملك منهما ذلك فقاما وصليا ودعوا الله تعالى وشمعون معهما في السر فأحيا الله تعالى المرأة، ثم انشق القبر عنها فخرجت وقالت: أسلموا فإنهما صادقان قالت: ولا أظنكم تسلمون ثم طلبت من الرسولين أن يرداها إلى مكانها فذرا تراباً على رأسها فعادت إلى قبرها كما كانت، وقال ابن

стр. 1673

إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر واجتمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة بالأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين. ﴿قالوا﴾ أي: أهل القرية للرسل ﴿ما أنتم﴾ أي: وإن زاد عددكم ﴿إلا بشر مثلنا﴾ لا مزية لكم علينا فما وجه الخصوصية لكم في كونكم رسلاً دوننا، فجعلوا كونهم بشراً مثلهم دليلاً على عدم الإرسال، وهذا عام في المشركين قالوا في حق محمد ﷺ ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾ (ص: ٨) وقد استوينا في البشرية فلا يمكن الرجحان، فرد الله عليهم بقوله سبحانه ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ (الجن: ٢٣) وبقوله تعالى: ﴿الله يجتبي إليه من يشاء﴾ (الشورى: ١٣) إلى غير ذلك. تنبيه: رفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا ثم قالوا ﴿وما أنزل الرحمن﴾ أي: العام الرحمة، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته يقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا، وأغرقوا في النفي بقولهم ﴿من شيء﴾ أي: وحي ورسالة ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أنتم إلا تكذبون﴾ أي: في دعوى رسالة حالاً ومآلاً. ﴿قالوا﴾ أي: الرسل ﴿ربنا﴾ أي: الذي أحسن إلينا ﴿يعلم﴾ أي: ولهذا يظهر على أيدينا الآيات ﴿إنا إليكم لمرسلون﴾ استشهدوا بعلم الله تعالى وهو يجري مجرى القسم، وزادوا اللام المؤكدة؛ لأنه جواب عن إنكارهم. ﴿وما علينا﴾ أي: وجوباً من قبل من أرسلنا ﴿إلا البلاغ المبين﴾ أي: المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات، وهي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الميت وغيرهما فما كان جوابهم بعد هذا إلا أن: ﴿قالوا إنا تطيرنا﴾ أي: تشاءمنا ﴿بكم﴾ وذلك أن المطر حبس عنهم فقالوا: أصابنا هذا بشؤمكم ولاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له ونفرتهم عنه قالوا: ﴿لئن لم تنتهوا﴾ أي: عن مقالتكم هذه ﴿لنرجمنكم﴾ أي: لنقتلنكم قال قتادة: بالحجارة، وقيل: لنشتمنكم وقيل: لنقتلنكم شر قتلة ﴿وليمسنكم منا﴾ أي: لا من غيرنا ﴿عذاب أليم﴾ كأنهم قالوا: لا نكتفي برجمكم بحجر وحجرين بل نديم ذلك عليكم إلى الموت وهو العذاب الأليم، أو يكون المراد وليمسنكم بسبب الرجم منا عذاب أليم أي: مؤلم، وإن قلنا: الرجم: الشتم فكأنهم قالوا: ولا يكفينا الشتم بل شتم يؤدي إلى الضرب والإيلام الحسي، وإذا فسرنا أليم بمعنى مؤلم ففعيل بمعنى مفعل قليل، ويحتمل أن يقال: هو من باب قوله تعالى ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ٢١) أي: ذات رضا أي: عذاب ذو ألم فيكون فعيلاً بمعنى فاعل وهو كثير، ثم أجابهم المرسلون بأن: ﴿قالوا طائركم﴾ أي: شؤمكم الذي أحل بكم البلاء ﴿معكم﴾ وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم وكفركم فأصابكم الشؤم من قبلكم، وقال ابن عباس والضحاك: حظكم من الخير والشر، والهمزة في قوله تعالى ﴿أئن ذكرتم﴾ أي: وعظتم وخوفتم همزة استفهام وجواب الشرط محذوف أي: تطيرتم وكفرتم فهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الثانية، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفاً، وورش وابن كثير بغير إدخال، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال. ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سبباً للتطير بوجه أضربوا عنه بقولهم ﴿بل﴾ أي: ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير بسبب التطير بل ﴿أنتم قوم﴾ أي: غركم ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون ﴿مسرفون﴾ أي: عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان

стр. 1674

فعوقبتم لذلك. ولما كان السياق لأن الأمر بيد الله تعالى، فلا هادي لمن يضل ولا مضل لمن هدى فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد، ويضل القريب فيهما إذا أراد وكان بعد الدار ملزوماً في الغالب لبعد النسب قدّم مكان المجيء على فاعلة بياناً لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال تعالى: ﴿وجاء من أقصى﴾ أي: أبعد بخلاف ما مر في القصص ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية وقال ﴿المدينة﴾ لأنها أدل على الكبر المستلزم بعد الأطراف وجمع الأخلاط ولما بين الفاعل بقوله تعالى: ﴿رجل﴾ بين اهتمامه بالنهي عن المكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله تعالى: ﴿يسعى﴾ أي: يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصاً على نصيحة قومه. تنبيه: في تنكير الرجل مع أنه كان معلوماً معروفاً عند الله تعالى فيه فائدتان، الأولى: أن يكون تعظيماً لشأنه أي: رجل كامل في الرجولية، الثانية: أن يكون مفيداً ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال: إنهم تواطؤوا، والرجل هو حبيب النجار كان ينحت الأصنام، وقال السدي: كان قصاراً، وقال وهب: كان يعمل الحرير وكان سقيماً قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب في المدينة، وكان مؤمناً وآمن بمحمد ﷺ قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب الله تعالى ورأى فيه نعت محمد ﷺ وبعثته وقوله: ﴿يسعى﴾ تبصير للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جهدهم في النصح. ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه بينه بقوله تعالى: ﴿قال﴾ واستعطفهم بقوله تعالى: ﴿يا قوم﴾ وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله ﴿اتبعوا المرسلين﴾ أي: في عبادة الله تعالى وحده، فجمع بين إظهار دينه وإظهار النصيحة فقوله ﴿اتبعوا﴾ النصيحة وقوله ﴿المرسلين﴾ إظهار إيمانه، وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان؛ لأنه كان ساعياً في النصيحة، وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله ﴿يسعى﴾ دل على إردته النصح. فإن قيل: ما الفرق بين مؤمن آل فرعون حيث قال: ﴿اتبعون أهدكم﴾ (غافر: ٣٨) وهذا قال: ﴿اتبعوا المرسلين﴾ ؟ أجيب: بأن هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السبيل، وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مراراً فقال: اتبعوني في الإيمان بموسى وهرون ﵉، واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته ولم يكن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يعلمون اتباعه لهم. ولما قال لهم: اتبعوا المرسلين كأنهم منعوا كونهم مرسلين فنزل درجة وقال: ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجراً﴾ أي: أجرة؛ لأن الخلق في الدنيا سالكون طريق الاستقامة، والطريق إذا كان فيه دليل وجب اتباعه وعدم الاستماع من الدليل لا يحسن إلا عند أحد أمرين: إما لطلب الدليل الأجرة، وإما: لعدم الاعتماد على اهتدائه ومعرفة الطريق لكن هؤلاء لا يطلبون أجرة ﴿وهم مهتدون﴾ عالمون بالطريق المستقيم الموصلة إلى الحق فهب أنهم ليسوا بمرسلين أليسوا بمهتدين؟ فاتبعوهم وقوله تعالى: ﴿ومالي لا أعبد الذي فطرني﴾ أصله: وما لكم لا تعبدون ولكنه صرف الكلام عنه ليكون الكلام أسرع قبولاً حيث أراد لهم ما أراد لنفسه والمراد: تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال ﴿وإليه

стр. 1675

ترجعون﴾ دون وإليه أرجع مبالغة في التهديد وفي العدول عن مخاصمة القوم إلى حال نفسه مبالغة في الحكمة، وهي أنه لو قال: ما لكم لا تعبدون الذي فطركم لم يكن في البيان مثل قوله: ما لي؛ لأنه لما قال: مالي فأحد لا يخفى عليه حال نفسه، علم كل واحد أنه لا يطلب العلة وبيانها من أحد؛ لأنه أعلم بحال نفسه وقوله ﴿الذي فطرني﴾ أشار به إلى وجود المقتضى فإن قوله: ﴿مالي﴾ إشارة إلى عدم المانع وعند عدم المانع لا يوجد الفعل ما لم يوجد المقتضى فقوله ﴿الذي فطرني﴾ دليل المقتضي فإن الخالق ابتداء مالك والمالك يجب على المملوك إكرامه وتعظيمه ومنعم بالإيمان، والمنعم يجب على المنعم عليه شكر نعمته، وقدم بيان عدم المانع على بيان وجود المقتضي مع أن المستحسن تقديم المقتضي، لأن المقتضي لظهوره كان مستغنياً عن البيان فلا أقل من تقديم ما هو أولى بالبيان للحاجة إليه، واختار من الآيات فطرة نفسه؛ لأن خالق عمرو يجب على زيد عبادته؛ لأن من خلق عمراً لا يكون إلا كامل القدرة واجب الوجود فهو مستحق للعبادة بالنسبة إلى كل مكلف، لكن العبادة على زيد بخلق زيد أظهر إيجاباً. تنبيه: أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة فكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم أليق، روي أنه لما قال ﴿اتبعوا المرسلين﴾ أخذوه ورفعوه إلى الملك فقال له: أفأنت تتبعهم؟ فقال ﴿ومالي لا أعبد الذي فطرني﴾ أي: أي: شيء يمنعني أن أعبد خالقي وإليه ترجعون، تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم ومعنى فطرني: خلقني اختراعاً ابتداء، وقيل: خلقني على الفطرة كما قال تعالى ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ (الروم: ٣٠) ثم عاد إلى السياق الأول فقال: ﴿أأتخذ﴾ وهو استفهام بمعنى الإنكار أي: لا أتخذ وبين علو رتبته تعالى بقوله ﴿من دونه﴾ أي: سواه مع دنو المنزلة وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال ﴿آلهة﴾ وفي ذلك لطيفة وهي: أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره بين أن من دونه لا تجوز عبادته؛ لأن الكل محتاج مفتقر حادث وقوله ﴿أأتخذ﴾ إشارة إلى أن غيره ليس بإله؛ لأن المتخذ لا يكون إلهاً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام، وأدخل فيهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام وورش وابن كثير بغير إدخال ألف، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال وإذا وقف حمزة فله تسهيل الثانية والتحقيق؛ لأنه متوسط بزائد وله أيضاً إبدالها ألفاً. ثم بين عجز تلك الآلهة بقوله ﴿إن يردن الرحمن﴾ أي: العام النعمة على كل المخلوقين العابد والمعبود ﴿بضر﴾ أي: سوء ومكروه ﴿لا تغن عني شفاعتهم شيئاً﴾ أي: لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد ﴿ولا ينقذون﴾ أي: بالنصر والمظاهرة من ذلك المكروه أو من العذاب لو عذبني الله تعالى إن فعلت ذلك. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى هنا: ﴿إن يردن الرحمن﴾ بصيغة المضارع وقال في الزمر: ﴿إن أرادني الله﴾ (الزمر: ٣٨) بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك باسم الله؟ أجيب: بأن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلاً؛ لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله ﴿أأتخذ﴾ وقوله ﴿مالي لا أعبد﴾ والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله ﴿أفرأيتم﴾ (الزمر: ٣٨) تنبيه: إن يردن شرط جوابه لا تغن عني إلخ والجملة الشرطية في محل النصب صفة

стр. 1676

لآلهة. فائدة: أثبت ورش الياء بعد النون في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً. ﴿إني إذاً﴾ أي: إن عبدت غير الله تعالى ﴿لفي ضلال مبين﴾ أي: خطأ ظاهر، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء، وسكنها الباقون وهم على مذاهبهم في المد. ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه عله صرح بما لوح إليه من إيمانه بقوله: ﴿إني آمنت﴾ أي: أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره، وفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو، وسكنها الباقون، واختلف في المخاطب بقوله ﴿بربكم﴾ على أوجه أحدها: أنه خاطب المرسلين قال المفسرون: أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين قال ﴿إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ أي: اسمعوا قولي واشهدوا لي، وثانيها: هم الكفار لما نصحهم وما نفعهم قال ﴿آمنت بربكم فاسمعون﴾ وثالثها: بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كقول الواعظ: يا مسكين ما أكثر أملك يريد: كل سامع يسمعه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم، وقال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي حتى قطعوه وقتلوه وقال الحسن: خرقوا خرقاً في حلقه فعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية مشهور رضي الله تعالى عنه. تنبيه: في قوله ﴿فاسمعون﴾ فوائد: منها: أنه كلام متفكر حيث قال: اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر، ومنها: أن ينبه القوم ويقول: إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرته لآمنا معك، فإن قيل: إنه قال من قبل ﴿ومالي لا أعبد الذي فطرني﴾ وقال ههنا: ﴿آمنت بربكم﴾ ولم يقل: آمنت بربي؟ أجيب: بأنا إن قلنا: الخطاب مع الرسل فالأمر ظاهر؛ لأنه لما قال ﴿آمنت بربكم﴾ ظهر عند الرسل أنه قبل قولهم وآمن بالرب الذي دعوه إليه وقال ﴿بربكم﴾ وإن قلنا الخطاب مع الكفار ففيه بيان التوحيد؛ لأنه لما قال ﴿أعبد الذي فطرني﴾ ثم قال ﴿آمنت بربكم﴾ فهم أنه يقول: ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وهو بعينه ربكم بخلاف ما لو قال: آمنت بربي فيقول الكافر: وأنا أيضاً آمنت بربي. فائدة: أخبر النبي ﷺ «أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث نادى قومه بالإسلام ونادى على علية بالأذان فرموه بالسهام فقتلوه» . ثم إنه بين حال هذا الذي قال ﴿آمنت بربكم﴾ بعد ذلك بقوله تعالى: إيجازاً في البيات لأهل الإيمان: ﴿قيل﴾ أي: قيل له بعد قتلهم إياه، فبناه للمفعول؛ لأن المقصود المقول لا قائله والمقول له معلوم ﴿ادخل الجنة﴾ لأنه شهيد والشهداء يسرحون في الجنة حيث شاؤوا من حين الموت، وقيل: لما هموا بقتله رفعه الله تعالى إلى الجنة، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف وهو المسمى بالإشمام، والباقون بالكسر. ولما أفضى به إلى الجنة ﴿قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي﴾ أي: بغفران ربي لي المحسن إلي في الآخرة بعد إحسانه في الدنيا بالإيمان في مدة يسيرة بعد طول عمري في الكفر ﴿وجعلني من المكرمين﴾ أي: الذين أعطاهم الدرجات العلا فنصح لقومه حياً وميتاً بتمني عملهم بالكرامة له ليعملوا مثل عمله فينالوا ما ناله. تنبيه: في القصة حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار والحلم عن أهل الجهل وكظم الغيظ والتلطف في خلاص الظالم من ظلمه وأنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة

стр. 1677

الله وإن كان محسناً، وهذا كما وقع للأنصار رضي الله تعالى عنهم في المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب، وفي قول من استشهد منهم في بئر معونة كما رواه البخاري في المغازي عن أنس: «بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» وفي غزوة أُحد. كما في السيرة وغيرها: لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله تعالى بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله ﵎: فأنا أبلغهم عنكم فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ (آل عمران: ١٦٩) ، وفي التمثيل بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من حتم بموته على الكفر ولم ينقص ما قضى له من الأجل، فالله سبحانه يؤيد هذا الدين بغيرهم لتظهر قدرته وحكمته: ﴿وما أنزلنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿على قومه﴾ أي: حبيب ﴿من بعده﴾ أي: من بعد إهلاكه أو رفعه ﴿من جند من السماء﴾ لإهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك، وفيه استحقار بإهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول ﷺ وإلا لكان تحريك ريشة من جناح ملك كافياً في استئصالهم، فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى ﴿من بعده﴾ وهو تعالى لم ينزل عليهم من قبله؟ أجيب: بأن استحقاق العذاب كان بعده حيث أصروا واستكبروا فبين حال الإهلاك بقوله تعالى: ﴿وما كنا منزلين﴾ أي: ما كان ذلك من سنتنا وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير. ﴿إن﴾ أي: ما ﴿كانت﴾ أي: الواقعة التي عذبوا بها ﴿إلا صيحة﴾ صاحها بهم جبريل ﵇ فماتوا عن آخرهم وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله تعالى: ﴿واحدة﴾ أي: لحقارة أمرهم عندنا ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله تعالى: ﴿فإذا هم خامدون﴾ أي: ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت بهم حركة يوماً من الدهر شبهوا بالنار رمزاً إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد: *وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يصير رماداً بعد إذ هو ساطع* وقال المعري: *وكالنار الحياة فمن رماد ... أواخرها وأولها دخان* قال المفسرون: أخذ جبريل ﵇ بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة واحدة فماتوا ﴿يا حسرة على العباد﴾ أي: هؤلاء ونحوهم ممن كذبوا الرسل فأهلكوا وهي شدة التألم ونداؤها مجاز أي: هذا أوانك فاحضري، ثم بين تعالى سبب الحسرة والندامة بقوله تعالى: ﴿ما يأتيهم من رسول﴾ أي رسول كان في أي وقت كان ﴿إلا كانوا به﴾ أي: بذلك الرسول ﴿يستهزؤن﴾ والمستهزئ بالناصحين المخلصين أحق أن يتحسر ويتحسر عليه، وقيل: يقول الله تعالى يوم القيامة ﴿يا حسرة على العباد﴾ حين لم يؤمنوا بالرسل. ولما بين تعالى حال الأولين قال للحاضرين: ﴿ألم يروا﴾ أي: أهل مكة القائلين للنبي ﷺ لست مرسلاً، والاستفهام للتقرير أي: اعلموا وقوله تعالى ﴿كم﴾ خبرية بمعنى كثيراً وهو مفعول لأهلكنا تقديره: كثيراً من القرون أهلكنا وهي معمولة لما بعدها معلقة ليروا عن العمل ذهاباً بالخبرية مذهب الاستفهامية والمعنى: أما

стр. 1678

﴿أهلكنا قبلهم﴾ كثيراً ﴿من القرون﴾ أي: الأمم، قال البغوي: والقرن أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود ﴿أنهم﴾ أي: المهلكين ﴿إليهم﴾ أي: إلى أهل مكة ﴿لا يرجعون﴾ أي: لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون، وقيل: لا يرجعون أي: الباقون لا يرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة أي: أهلكناهم وقطعنا نسلهم ولا شك أن الإهلاك الذي يكون مع قطع النسل أتم وأعم، قال ابن عادل: والأول أشهر نقلاً. والثاني: أظهر عقلاً. وقوله تعالى: ﴿وإن﴾ نافية أو مخففة وقوله تعالى ﴿كل﴾ أي: كل الخلائق مبتدأ وقرأ ﴿لما﴾ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم بمعنى إلا، والباقون بالتخفيف واللام فارقة وما مزيدة وقوله تعالى ﴿جميع﴾ أي: مجموعون خبر أول ﴿لدنيا﴾ أي: عندنا في الموقف بعد بعثهم وقوله تعالى ﴿محضرون﴾ أي: للحساب خبر ثان وما أحسن قول القائل: *ولو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حيّ* *ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعدها عن كل شيء* ولما قال ﴿وإن كل لما جميع﴾ كان ذلك إشارة إلى الحشر فذكر ما يدل على إمكانه قطعاً لإنكارهم واستبعادهم فقال تعالى: ﴿وآية﴾ أي: علامة عظيمة ﴿لهم﴾ أي: على قدرتنا على البعث وإيجادنا له ﴿الأرض﴾ أي: هذا الجنس الذي هم منه ثم وصفها بما حقق وجه الشبه بقوله تعالى: ﴿الميتة﴾ التي لا روح لها؛ لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون بها نبات وفنى أو لم يكن بها شيء أصلاً، ثم استأنف بيان كونها آية بقوله تعالى: ﴿أحييناها﴾ أي: باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب المطر كما كان بعد اضمحلاله، فإن قيل: الأرض آية مطلقاً فلم خصها بهم حيث قال تعالى: ﴿وآية لهم﴾ ؟ أجيب: بأن الآية تعدد وتسرد لمن لم يعرف الشيء بأبلغ الوجوه، وأما من عرف الشيء بطريق الرؤية فلا يذكر له دليل فالنبي ﷺ وعباد الله المخلصين عرفوا الله تعالى قبل الأرض والسماء فليست الأرض معرفة لهم. تنبيه: آية خبر مقدم ولهم صفتها أو متعلقة بآية؛ لأنها علامة والأرض مبتدأ، وأعرب أبو البقاء آية مبتدأ ولهم الخبر والأرض الميتة مبتدأ وصفة وأحييناها خبره فالجملة مفسرة لآية وبهذا بدأ ثم قال: وقيل فذكر الوجه الأول. ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال ﴿وأخرجنا منها حباً﴾ أي: جنس الحب كالحنطة والشعير والأرز، ثم بين عموم نفعه بقوله ﴿فمنه﴾ أي: بسبب هذا الإخراج ﴿يأكلون﴾ أي: من ذلك الحب فهو حب حقيقة تعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين لا تقدرون تدعون أن ذلك خيال سحري بوجه من الوجوه، وفي هذه الآية وأمثالها حث عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله تعالى وكماله، وقد أنشد هنا الأستاذ القشيري في تفسيره وعيب على من أهمل ذلك: *يا من تصدر في دست الإمامة في ... مسائل الفقه إملاء وتدريساً* *غفلت عن حجج التوحيد تحكمها ... شيدت فرعاً وما مهدت تأسيساً* ولما ذكر الزرع وهو مالا ساق له أتبعه بذكر ما له ساق بقوله: ﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة

стр. 1679

﴿فيها﴾ أي: الأرض ﴿جنات﴾ أي: بساتين ﴿من نخيل وأعناب﴾ ذكر هذين النوعين لكثرة نفعهما وقدم النخل؛ لأنه نفع كله خشبه وسعفه وليفه وخوصه وعراجينه وثمره طلعاً وبسراً ورطباً وتمراً وفيه زينة دائماً لكونه لا يسقط ورقه. ولما كانت الجنان لا تصلح إلا بالماء قال تعالى ﴿وفجرنا﴾ أي: فتحنا سيحاً عظيماً ﴿فيها﴾ أي: الأرض ﴿من العيون﴾ شيئاً فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو العيون، ومن مزيدة عند الأخفش، قال البقاعي: والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء فكل موضع منها صالح لأن يتفجر منه الماء ولكن الله تعالى يمنعه من بعض المواضع بخلاف الأشجار ليس فيها شيء غالب على الأرض، ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض الأرض ليكون موضعاً للسكن ولو شاء لفجر الأرض كلها عيوناً كما فعل بقوم نوح فأغرق أهل الأرض كلهم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين، والباقون بالكسر. ولما كانت حياة كل شيء إنما هي بالماء أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿ليأكلوا من ثمره﴾ أي: ثمر ما ذكر وهو الجنات، وقيل: الضمير يعود على الأعناب؛ لأنها أقرب مذكور وكان من حق الضمير أن يثنى لتقديم شيئين وهما الأعناب والنخيل إلا أنه اكتفى بذكر أحدهما، وقيل: الضمير لله على طريق الالتفات من التكلم إلى الغيبة، وقرأ حمزة والكسائي برفع الثاء والميم وهي لغة فيه أو جمع ثمار، والباقون بفتحهما. وقوله تعالى: ﴿وما عملته أيديهم﴾ عطف على الثمر والمراد: ما يتخذ منه كالعصير والدبس مما موصولة ومن الذي عملته أيديهم ويؤيد هذا قراءة حمزة والكسائي وشعبة بحذف الهاء من عملته، وما نافية على قراءة الباقين بإثباتها أي: وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها، وقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد مخلوق مثل دجلة والفرات والنيل. ثم لما عدد النعم أشار إلى الشكر بقوله تعالى: ﴿أفلا يشكرون﴾ أي: اشكروا فهو أمر بصيغة الاستفهام أي: ادأبوا دائماً في إيقاع الشكر والدوام على تجديده في كل حين بسبب هذه النعم. ولما أمرهم الله تعالى بالشكر وشكر الله تعالى بالعبادة وهم تركوها وعبدوا غيره وأشركوا قال تعالى: ﴿سبحان الذي خلق الأزواج﴾ أي: الأصناف والأنواع ﴿كلها﴾ أي: وغيره لم يخلق شيئاً ثم بين ذلك بقوله تعالى: ﴿مما تنبت الأرض﴾ دخل فيه كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها ﴿ومن أنفسهم﴾ من الذكور والإناث وقوله تعالى ﴿ومما لا يعلمون﴾ يدخل فيه ما في أقطار السموات وتخوم الأرضين من المخلوقات العجيبة الغريبة. ولما استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلي استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكلي بقوله تعالى: ﴿وآية لهم الليل﴾ أي: على إعادة الشيء بعد فنائه ﴿نسلخ﴾ أي: نفصل ﴿منه النهار﴾ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكان لا يستغني عنه الجواهر، والزمان لا يستغني عنه الأعراض؛ لأن كل عرض فهو في زمان. تنبيه: نسلخ استعارة تبعية مصرحة، شبه انكشاف ظلمة الليل بكشط الجلد من الشاة والجامع ما يعقل من ترتب أحدهما على الآخر ﴿فإذا هم﴾ أي: بعد إزالة ما للنهار الذي سلخناه من الليل ﴿مظلمون﴾ أي: داخلون في الظلام بظهور الليل الذي كان الضياء ساتراً له كما يستر الجلد الشاة، قال الماوردي:

стр. 1680

وذلك أن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم نقله ابن الجوزي عنه، وقد أرشد السياق حتماً إلى أن التقدير: والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ساتره وغالباً عليه فإذا هم مبصرون. ولما ذكر الوقتين ذكر آيتيهما مبتدئاً بآية النهار بقوله تعالى: ﴿والشمس﴾ أي: التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها ﴿تجري لمستقر لها﴾ أي: لحد معين ينتهي إليه دورها لا تتجاوزه فشبه بمستقر المسافر إذا قطع سيره، وقيل: مستقرها بانتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة، وقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها لا تتجاوزه، وقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «مستقرها تحت العرش» وروي أنه ﷺ قال لأبي ذر حين غربت الشمس: «تدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ » . ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على ممر السنين وتعاقب الأحقاب عظمه بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الأمر الباهر للعقول وزاد في عظمه بصيغة التفعيل بقوله تعالى: ﴿تقدير العزيز﴾ أي: الذي لا يقدر أحد في شيء من أمره على نوع مغالبة وهو غالب على كل شيء ﴿العليم﴾ أي: المحيط علماً بكل شيء الذي يدبر الأمر فيطرد على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن ولا يلحقه يوماً نوع خلل، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى المستقر أي: ذلك المستقر تقدير العزيز العليم. ولما ذكر آية النهار أتبعها آية الليل بقوله تعالى: ﴿والقمر قدرناه﴾ أي: من حيث سيره ﴿منازل﴾ ثمانية وعشرين منزلاً في ثمانية وعشرين ليلة من كل شهر ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوماً وليلة إن كان الشهر تسعة وعشرين يوماً، وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس ﵇، فإذا صار القمر في آخر منازله دق فذلك قوله تعالى ﴿حتى عاد﴾ أي: بعد أن كان بدراً عظيماً ﴿كالعرجون﴾ من النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو منبته من النخلة رقيقاً منحنياً ثم وصفه بقوله تعالى: ﴿القديم﴾ فإنه إذا عتق يبس وتقوس واصفر فيشبه القمر في رقته وصفرته في رأي العين في آخر المنازل، قال القشيري: إن القمر يبعد عن الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدراً ثم يدنو، فكلما ازداد من الشمس دنواً ازداد في نفسه نقصاناً إلى أن يتلاشى، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والقمر برفع الراء، والباقون بالنصب والرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال، والوجهان مستويان لتقدم جملة ذات وجهين وهي قوله تعالى: ﴿والشمس تجري﴾ فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عجزها نصبت لتعطف فعلية على مثلها. ولما قرر أن لكل منهما منازل لا يعدوها فلا يغلب ما هو آيته آية الآخر بل إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان ذاك وإذا جاء ذاك ذهب هذا قال تعالى: ﴿لا الشمس﴾ التي هي آية النهار ﴿ينبغي﴾ أي: يسهل ﴿لها﴾ أي: ما دام هذا الكون موجوداً على هذا الترتيب ﴿أن تدرك القمر﴾ أي: تجتمع معه في الليل فما النهار سابق الليل ﴿ولا

стр. 1681

الليل سابق النهار﴾ أي: فلا يأتي أحدهما قبل انقضاء الآخر، فالآية من الاحتباك؛ لأنه نفى أولاً إدراك الشمس لقوتها القمر ففيه دليل على ما حذف من الثاني من نفي إدراك الشمس للقمر أي: فيغلبها وإن كان يوجد في النهار لكن من غير سلطنة فيه، بخلاف الشمس فإنها لا تكون في الليل أصلاً ونفى ثانياً سبق الليل النهار وفيه دليل على حذف سبق النهار الليل أولاً كما قدرته. ﴿وكل﴾ أي: من الشمس والقمر ﴿في فلك﴾ محيط به وهو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة؛ لأن أهل اللغة على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها، وفلكة الخيمة هي: الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرة وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي ويدل عليه قوله تعالى ﴿والسقف المرفوع﴾ ، (الطور: ٥) أجاب الرازي: بأنه ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه والسقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك على جبال. ومن الأدلة الحسية أن السماء لو كانت مستوية لكان ارتفاع أول النهار ووسطه وآخره مستوياً، وليس كذلك وذكر غير ذلك من الأدلة وفي هذا كفاية، ولما ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل جمعها جمعهم بقوله تعالى: ﴿يسبحون﴾ وقال المنجمون: قوله تعالى ﴿يسبحون﴾ يدل على أنها أحياء؛ لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال الرازي: إن أرادوا القدر الذي يكون منه التسبيح فنقول به؛ لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام ﴿ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون﴾ (الصافات: ٩١ ـ ٩٢) ولما ذكر ما حد له حدوداً في السباحة في وجه الفلك ذكر ما هيأ به من الفلك للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى: ﴿وآية لهم﴾ أي: على قدرتنا التامة ﴿أنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي: آباءهم الأصول، قال البغوي: واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى ﴿في الفلك﴾ للتعريف أي: فلك نوح ﵊ وهو مذكور في قوله تعالى ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ (هود: ٣٧) وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى: ﴿المشحون﴾ أي: الموقر المملوء حيواناً وناساً وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا يرى أيضاً ومع ذلك فسلمها الله تعالى، وأيضاً الآدمي يرسب في الماء ويغرق فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول: الخفيف لا يرسب؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال ﴿الفلك المشحون﴾ أثقل من الثقال التي ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. وقال أكثر المفسرين: إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد: إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح ﵊ وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ (الزخرف: ١٢) وقوله تعالى ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ (فاطر: ١٢) وقوله تعالى ﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾ (العنكبوت: ٦٥) إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس، فإن كان المراد: سفينة نوح عليه السلام

стр. 1682

ففيه وجوه. الأول: أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي: لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل: ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر؛ لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي: لم يكن الحمل حملاً لهم وإنما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقاً لا قيمة له وفيه جواهر قيل: إنه لم يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه. ثانيها: أن المراد بالذرية الجنس أي: حملنا أجناسهم؛ لأن ذلك الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي ﷺ عن قتل الذراري أي: النساء لأن المرأة، وإن كانت صنفاً غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذرارينا أي: أمثالنا. ثالثها: أن الضمير في قوله تعالى ﴿وآية لهم الليل﴾ للعباد وكذا ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم﴾ وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال: وآية للعبادة أنا حملنا ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً معينين كقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (النساء: ٢٩) ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ و (الأنعام: ٦٥) لذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم: هم قتلوا أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى ﴿وآية لهم﴾ أي: آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا المراد: جنس الفلك قال ابن عادل: وهو الأظهر؛ لأن سفينة نوح ﵇ لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد. وقوله تعالى في سفينة نوح ﵇ ﴿وجعلناها آية للعالمين﴾ (العنكبوت: ١٥) أي: بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى ﴿ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (لقمان: ٣١) ، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ ﴿وآية لهم الليل﴾ ولم يقل: وآية لهم الفلك؟ أجيب: بأن حملهم في الفلك هو العجب أما نفس الفلك فليس بعجيب؛ لأنه كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل فعجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. فإن قيل: قال تعالى ﴿وحملناكم في البر والبحر﴾ (الإسراء: ٧٠) ولم يقل: ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة. أجيب: بأنه تعالى لما قال ﴿في البر والبحر﴾ عم الخلق جميعاً؛ لأن ما من أحد إلا وحمل في البر والبحر، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية على الجمع، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وخلقنا لهم من مثله﴾ أي: من مثل الفلك ﴿ما يركبون﴾ فقال ابن عباس: يعني الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل: أراد به السفن التي عملت بعد سفينة نوح ﵇ على هيأتها، وقال قتادة والضحاك وغيرهما: أراد به السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار. ﴿وإن نشأ﴾ أي: لأجل ما لنا من القوة الشاملة والدرة التامة ﴿نغرقهم﴾ أي: مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس

стр. 1683

كالماء الذي حملنا آباءهم ﴿فلا صريخ لهم﴾ أي: مغيث لهم لينجيهم مما نريد بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم: أتاهم الصريخ ﴿ولا هم﴾ أي: بأنفسهم من غير صريخ ﴿ينقذون﴾ أي: يكون لهم إنقاذ أي: خلاص لأنفسهم أو غيرها. ﴿إلا رحمة﴾ أي: فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة ﴿منا﴾ أي: لهم لا وجوباً علينا ولا لمنفعة تعود منهم إلينا ﴿ومتاعاً﴾ أي: وتمتيعنا إياهم بلذاتهم ﴿إلى حين﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم. ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿اتقوا ما بين أيديكم﴾ أي: من عذاب الدنيا كغيركم ﴿وما خلفكم﴾ من عذاب الآخرة ﴿لعلكم ترحمون﴾ تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام، وقال ابن عباس ﵄ ما بين أيديكم يعني: الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني: الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، وقال قتادة ومقاتل: ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة. تنبيهان: أحدهما: ﴿إلا رحمة﴾ منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ وقيل: مستثنى منقطع وقيل: على المصدر بفعل مقدر وقيل: على إسقاط الخافض أي: إلا برحمة والفاء في قوله تعالى ﴿فلا صريخ لهم﴾ رابطة لهذه الجملة بما قبلها، فالضمير في لهم عائد على المغرقين. ثانيهما: جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾ وعلى هذا فلفظ كانوا زائد. ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾ أي: المحسن إليهم ﴿إلا كانوا﴾ أي: مع كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه ﴿عنها معرضين﴾ أي: دائماً إعراضهم. ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿أنفقوا﴾ أي: على من لا شيء له شكراً لله على ما أعطاكم قال ﷺ «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء» . وبين تعالى أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه بقوله تعالى: ﴿مما رزقكم الله﴾ أي: مما أعطاكم الله الذي له جميع صفات الكمال ﴿قال الذين كفروا﴾ أي: ستروا وغطوا ما دلهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات ﴿للذين آمنوا﴾ أي: استهزاء بهم ﴿أنطعم من لو يشاء الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة كما زعمتم في كل وقت يريده ﴿أطعمه﴾ وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله ، وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأموالهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ لكنا ننظره لا يشاء ذلك، فإنه لم يطعمهم مما ترى من فقرهم فنحن أيضاً لا نشاء ذلك موافقة لمراد الله تعالى فيه فتركوا لتأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض إرادة الله المنهي عن الجري معها والاستسلام لها، وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله تعالى وهذا الذي يزعمونه باطل؛ لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا عن الفقير لا بخلاً وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلوا الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني، فلا اعتراض لأحد في مشيئة الله وحكمه في خلقه وما كفاهم حتى قالوا لمن أرشدهم إلى الخير ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أنتم إلا في ضلال﴾ أي: محيط بكم ﴿مبين﴾ أي: في غاية الظهور وما دروا أن الضلال إنما هو لهم. فإن قيل: قولهم ﴿من لو يشاء الله أطعمه﴾ كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذم؟ أجيب: بأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله تعالى أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق

стр. 1684

مع قدرة الله تعالى وكلاهما فاسد فبين ذلك تعالى بقوله سبحانه ﴿مما رزقكم الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء؛ لأن من كان له مع الغير مال وله في خزانته مال مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من في يده مال في خزانتك أكثر مما في يدي أعطه منه. فإن قيل: ما الحكمة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على من لو يشاء الله رزقه؛ لأنهم أمروا بالإنفاق فكان جوابهم أن يقولوا: أننفق فلم قالوا: أنطعم؟ أجيب: بأن هذا بيان غاية مخالفتهم؛ لأنهم إنما أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فلم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وهذا كقول القائل لغيره: أعط زيداً ديناراً فيقول: لا أعطيه درهماً مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك هنا. تنبيه: إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضلال مبين لظنّهم أن كلام المؤمنين متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال، قال الرازي: ووجه ذلك أنهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ وهذا إشارة إلى أن الله تعالى إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل، وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام، فكيف تأمروننا به؟ ووجه آخر: وهو أنهم قالوا: إن أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله تعالى وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال، واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر، وذلك لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي الإطلاع على المقصود الذي لأجله أمر به، مثاله: إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال للعبد: أحضر المركوب فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لتسبب إلى أن يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه وكشف سره فالأدب في الطاعة: هو امتثال الأمر لا تتبع المراد، فالله سبحانه إذا قال ﴿أنفقوا مما رزقكم الله﴾ لا يجوز أن يقال لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه؟ وقد تقدم ماله بهذا تعلق. ﴿ويقولون﴾ أي: عادة مستمرة مضمومة إلى ما تقدم ﴿متى هذا﴾ وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعداً فقالوا ﴿الوعد﴾ أي: البعث الذي تهددوننا به تارة تلويحاً وتارة تصريحاً عجلوه لنا ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيه قال الله تعالى: ﴿ما ينظرون﴾ أي: ينتظرون ﴿إلا صيحة﴾ وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله ﴿واحدة﴾ وهي نفخة إسرافيل ﵇ الأولى المميتة ﴿تأخذهم﴾ وقوله تعالى ﴿وهم يخصمون﴾ قرأه حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم والمعنى: يخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالون بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد، ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنهم باختلاس فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل في القراءات الثلاث يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنافع وابن كثير وهشام نقلوا فتحها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنبيهاً على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان لذلك فكسروا أولهما فهذه أربع قراءات. ولما كانت هذه

стр. 1685

هي النفخة المميتة تسبب عنها قوله تعالى: ﴿فلا يستطيعون توصية﴾ أي: يوجدون الوصية في شيء من الأشياء ﴿ولا إلى أهلهم﴾ أي: فضلاً عن غيرهم ﴿يرجعون﴾ أي: فيروا حالهم بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجؤه الصيحة وربما أفهم التعبير بإلى أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها، وفي الحديث: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها» . ولما دل ذلك على الموت قطعاً عقبه بالبعث بقوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ أي: القرن النفخة الثانية للبعث وبين النفختين أربعون سنة. ولما كان هذا النفخ سبباً لقيامهم عنده من غير تخلف عبر تعالى بما يدل على التعقب والتسبب والفجأة بقوله تعالى: ﴿فإذا هم﴾ أي: حين النفخ ﴿من الأجداث﴾ أي: القبور واحدها جدث المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ، فإن قيل: كيف يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال؟ أجيب: بأن الله تعالى يجمع أجزاء كل ميت في الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه ﴿إلى ربهم﴾ أي: إلى الموقف الذي أعده لهم من أحسن إليهم بالتربية ﴿ينسلون﴾ أي: يسرعون المشي مع تقارب الخطا بقوة ونشاط فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى.u فإن قيل: المسيئ إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلاً ويؤخر أخرى والنسلان سرعة المشي فكيف يوجد منهم؟ أجيب: بأنهم ينسلون من غير اختيارهم، فإن قيل: قال في آية أخرى ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ (الزمر: ٦٨) وقال ههنا ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾ والقيام غير النسلان وقوله تعالى في الموضعين ﴿إذا هم﴾ يقتضي أن يكونا معاً؟ أجيب: بأن القيام لا ينافي المشي السريع؛ لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وبأن ذلك لسرعة الأمور كان الكل في زمان واحد كقول القائل: * ... مكر مفر مقبل مدبر معاً* واعلم أن النفختين يورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرام يفرقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو المراد النفخة الثانية. ولما تشوقت النفوس إلى ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون استأنف قوله تعالى: ﴿قالوا﴾ أي: الذين هم من أهل الويل ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ويلنا﴾ أي: هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ قال أبي بن كعب وابن عباس وقتادة: إنما يقولون هذا؛ لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل. وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها دعوا بالويل وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم فعدوا مكانهم الذي كانوا فيه مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ مرقداً هيناً بالنسبة إلى ما انكشف لهم من العذاب الأكبر فقالوا: من بعثنا من مرقدنا، فإن قيل: ما وجه تعلق من بعثنا من مرقدنا بقولهم يا ويلنا؟ أجيب: بأنهم لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل عليهم الصلاة والسلام فقالوا: يا ويلنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياماً فنبهنا؟ كما إذا كان الإنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لا يطيقه، ثم يرى رجلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول: أهذا ذاك أم لا؟ ويدل على هذا قولهم ﴿من مرقدنا﴾ حيث جعلوا القبور
следующие страницы →