← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الليل سابق النهار﴾ أي: فلا يأتي أحدهما قبل انقضاء الآخر، فالآية من الاحتباك؛ لأنه نفى أولاً إدراك الشمس لقوتها القمر ففيه دليل على ما حذف من الثاني من نفي إدراك الشمس للقمر أي: فيغلبها وإن كان يوجد في النهار لكن من غير سلطنة فيه، بخلاف الشمس فإنها لا تكون في الليل أصلاً ونفى ثانياً سبق الليل النهار وفيه دليل على حذف سبق النهار الليل أولاً كما قدرته. ﴿وكل﴾ أي: من الشمس والقمر ﴿في فلك﴾ محيط به وهو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة؛ لأن أهل اللغة على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها، وفلكة الخيمة هي: الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرة وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي ويدل عليه قوله تعالى ﴿والسقف المرفوع﴾ ، (الطور: ٥) أجاب الرازي: بأنه ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه والسقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك على جبال. ومن الأدلة الحسية أن السماء لو كانت مستوية لكان ارتفاع أول النهار ووسطه وآخره مستوياً، وليس كذلك وذكر غير ذلك من الأدلة وفي هذا كفاية، ولما ذكر لها فعل العقلاء من كونها على نظام محرر لا يختل وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل جمعها جمعهم بقوله تعالى: ﴿يسبحون﴾ وقال المنجمون: قوله تعالى ﴿يسبحون﴾ يدل على أنها أحياء؛ لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال الرازي: إن أرادوا القدر الذي يكون منه التسبيح فنقول به؛ لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام ﴿ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون﴾ (الصافات: ٩١ ـ ٩٢) ولما ذكر ما حد له حدوداً في السباحة في وجه الفلك ذكر ما هيأ به من الفلك للسباحة على وجه الماء بقوله تعالى: ﴿وآية لهم﴾ أي: على قدرتنا التامة ﴿أنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي: آباءهم الأصول، قال البغوي: واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد والألف واللام في قوله تعالى ﴿في الفلك﴾ للتعريف أي: فلك نوح ﵊ وهو مذكور في قوله تعالى ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ (هود: ٣٧) وهو معلوم عند العرب ثم وصف الفلك بقوله تعالى: ﴿المشحون﴾ أي: الموقر المملوء حيواناً وناساً وهو يتقلب في تلك المياه التي لم ير أحد قط مثلها ولا يرى أيضاً ومع ذلك فسلمها الله تعالى، وأيضاً الآدمي يرسب في الماء ويغرق فحمله في الفلك وقع بقدرته تعالى لكن من الطبيعيين من يقول: الخفيف لا يرسب؛ لأنه يطلب جهة فوق فقال ﴿الفلك المشحون﴾ أثقل من الثقال التي ترسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. وقال أكثر المفسرين: إن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد: إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح ﵊ وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون﴾ (الزخرف: ١٢) وقوله تعالى ﴿وترى الفلك فيه مواخر﴾ (فاطر: ١٢) وقوله تعالى ﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾ (العنكبوت: ٦٥) إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس، فإن كان المراد: سفينة نوح عليه السلام

стр. 1682

ففيه وجوه. الأول: أن المراد حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك ما بقي للأب نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي: لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري قال ابن عادل: ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر؛ لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال تعالى ﴿حملنا ذريتهم﴾ أي: لم يكن الحمل حملاً لهم وإنما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صندوقاً لا قيمة له وفيه جواهر قيل: إنه لم يحمل الصندوق وإنما حمل ما فيه. ثانيها: أن المراد بالذرية الجنس أي: حملنا أجناسهم؛ لأن ذلك الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النساء لنهي النبي ﷺ عن قتل الذراري أي: النساء لأن المرأة، وإن كانت صنفاً غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذرارينا أي: أمثالنا. ثالثها: أن الضمير في قوله تعالى ﴿وآية لهم الليل﴾ للعباد وكذا ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم﴾ وإذا علم هذا فكأنه تعالى قال: وآية للعبادة أنا حملنا ذرية العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً معينين كقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ (النساء: ٢٩) ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ و (الأنعام: ٦٥) لذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال فقال هؤلاء القوم: هم قتلوا أنفسهم فهم في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً معينين بل المراد أن بعضهم قتل بعضهم فكذلك قوله تعالى ﴿وآية لهم﴾ أي: آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم أو ذرية بعض منهم وإن قلنا المراد: جنس الفلك قال ابن عادل: وهو الأظهر؛ لأن سفينة نوح ﵇ لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد. وقوله تعالى في سفينة نوح ﵇ ﴿وجعلناها آية للعالمين﴾ (العنكبوت: ١٥) أي: بوجود جنسها ومثلها ويؤيده قوله تعالى ﴿ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ (لقمان: ٣١) ، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ ﴿وآية لهم الليل﴾ ولم يقل: وآية لهم الفلك؟ أجيب: بأن حملهم في الفلك هو العجب أما نفس الفلك فليس بعجيب؛ لأنه كبيت مبني من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل فعجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. فإن قيل: قال تعالى ﴿وحملناكم في البر والبحر﴾ (الإسراء: ٧٠) ولم يقل: ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النقمة. أجيب: بأنه تعالى لما قال ﴿في البر والبحر﴾ عم الخلق جميعاً؛ لأن ما من أحد إلا وحمل في البر والبحر، وأما الحمل في البحر فلم يعم فقال: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الياء التحتية وكسر الفوقانية على الجمع، والباقون بغير ألف وفتح الفوقانية على الإفراد واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وخلقنا لهم من مثله﴾ أي: من مثل الفلك ﴿ما يركبون﴾ فقال ابن عباس: يعني الإبل فالإبل في البر كالسفن في البحر وقيل: أراد به السفن التي عملت بعد سفينة نوح ﵇ على هيأتها، وقال قتادة والضحاك وغيرهما: أراد به السفن الصغار التي تجري في الأنهار كالفلك الكبار في البحار. ﴿وإن نشأ﴾ أي: لأجل ما لنا من القوة الشاملة والدرة التامة ﴿نغرقهم﴾ أي: مع أن هذا الماء الذي يركبونه ليس

стр. 1683

كالماء الذي حملنا آباءهم ﴿فلا صريخ لهم﴾ أي: مغيث لهم لينجيهم مما نريد بهم من الغرق أو فلا إغاثة كقولهم: أتاهم الصريخ ﴿ولا هم﴾ أي: بأنفسهم من غير صريخ ﴿ينقذون﴾ أي: يكون لهم إنقاذ أي: خلاص لأنفسهم أو غيرها. ﴿إلا رحمة﴾ أي: فنحن ننقذهم إن شئنا رحمة ﴿منا﴾ أي: لهم لا وجوباً علينا ولا لمنفعة تعود منهم إلينا ﴿ومتاعاً﴾ أي: وتمتيعنا إياهم بلذاتهم ﴿إلى حين﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم. ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿اتقوا ما بين أيديكم﴾ أي: من عذاب الدنيا كغيركم ﴿وما خلفكم﴾ من عذاب الآخرة ﴿لعلكم ترحمون﴾ تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام، وقال ابن عباس ﵄ ما بين أيديكم يعني: الآخرة فاعملوا لها وما خلفكم يعني: الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، وقال قتادة ومقاتل: ما بين أيديكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة. تنبيهان: أحدهما: ﴿إلا رحمة﴾ منصوب على المفعول له وهذا مستثنى مفرغ وقيل: مستثنى منقطع وقيل: على المصدر بفعل مقدر وقيل: على إسقاط الخافض أي: إلا برحمة والفاء في قوله تعالى ﴿فلا صريخ لهم﴾ رابطة لهذه الجملة بما قبلها، فالضمير في لهم عائد على المغرقين. ثانيهما: جواب إذا محذوف تقديره أعرضوا يدل عليه قوله تعالى بعده ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾ وعلى هذا فلفظ كانوا زائد. ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾ أي: المحسن إليهم ﴿إلا كانوا﴾ أي: مع كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم فضله وامتنانه ﴿عنها معرضين﴾ أي: دائماً إعراضهم. ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: من أي: قائل كان ﴿أنفقوا﴾ أي: على من لا شيء له شكراً لله على ما أعطاكم قال ﷺ «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» «إنما يرحم الله تعالى من عباده الرحماء» . وبين تعالى أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه بقوله تعالى: ﴿مما رزقكم الله﴾ أي: مما أعطاكم الله الذي له جميع صفات الكمال ﴿قال الذين كفروا﴾ أي: ستروا وغطوا ما دلهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات ﴿للذين آمنوا﴾ أي: استهزاء بهم ﴿أنطعم من لو يشاء الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة كما زعمتم في كل وقت يريده ﴿أطعمه﴾ وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله ، وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأموالهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ لكنا ننظره لا يشاء ذلك، فإنه لم يطعمهم مما ترى من فقرهم فنحن أيضاً لا نشاء ذلك موافقة لمراد الله تعالى فيه فتركوا لتأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض إرادة الله المنهي عن الجري معها والاستسلام لها، وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله تعالى وهذا الذي يزعمونه باطل؛ لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا عن الفقير لا بخلاً وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلوا الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني، فلا اعتراض لأحد في مشيئة الله وحكمه في خلقه وما كفاهم حتى قالوا لمن أرشدهم إلى الخير ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أنتم إلا في ضلال﴾ أي: محيط بكم ﴿مبين﴾ أي: في غاية الظهور وما دروا أن الضلال إنما هو لهم. فإن قيل: قولهم ﴿من لو يشاء الله أطعمه﴾ كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذم؟ أجيب: بأن مرادهم كان الإنكار لقدرة الله تعالى أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق

стр. 1684

مع قدرة الله تعالى وكلاهما فاسد فبين ذلك تعالى بقوله سبحانه ﴿مما رزقكم الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحح أمره بالإعطاء؛ لأن من كان له مع الغير مال وله في خزانته مال مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء ولا يجوز أن يقول من في يده مال في خزانتك أكثر مما في يدي أعطه منه. فإن قيل: ما الحكمة في تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق على من لو يشاء الله رزقه؛ لأنهم أمروا بالإنفاق فكان جوابهم أن يقولوا: أننفق فلم قالوا: أنطعم؟ أجيب: بأن هذا بيان غاية مخالفتهم؛ لأنهم إنما أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فلم يأتوا بالإنفاق ولا بأقل منه وهو الإطعام وهذا كقول القائل لغيره: أعط زيداً ديناراً فيقول: لا أعطيه درهماً مع أن المطابق هو أن يقول: لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتم فكذلك هنا. تنبيه: إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضلال مبين لظنّهم أن كلام المؤمنين متناقض ومن تناقض كلامه يكون في غاية الضلال، قال الرازي: ووجه ذلك أنهم قالوا ﴿أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾ وهذا إشارة إلى أن الله تعالى إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل، وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحد على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ الله فلا قدرة لنا على الإطعام، فكيف تأمروننا به؟ ووجه آخر: وهو أنهم قالوا: إن أراد الله تجويعهم فلو أطعمناهم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله تعالى وأنه لا يجوز وأنتم تقولون أطعموهم فهو ضلال، واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر، وذلك لأن العبد إذا أمره السيد بأمر لا ينبغي الإطلاع على المقصود الذي لأجله أمر به، مثاله: إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عدوه بحيث لا يطلع عليه أحد وقال للعبد: أحضر المركوب فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لتسبب إلى أن يريد أن يطلع عدوه على الحذر منه وكشف سره فالأدب في الطاعة: هو امتثال الأمر لا تتبع المراد، فالله سبحانه إذا قال ﴿أنفقوا مما رزقكم الله﴾ لا يجوز أن يقال لم لم يطعمهم الله مما في خزائنه؟ وقد تقدم ماله بهذا تعلق. ﴿ويقولون﴾ أي: عادة مستمرة مضمومة إلى ما تقدم ﴿متى هذا﴾ وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعداً فقالوا ﴿الوعد﴾ أي: البعث الذي تهددوننا به تارة تلويحاً وتارة تصريحاً عجلوه لنا ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيه قال الله تعالى: ﴿ما ينظرون﴾ أي: ينتظرون ﴿إلا صيحة﴾ وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله ﴿واحدة﴾ وهي نفخة إسرافيل ﵇ الأولى المميتة ﴿تأخذهم﴾ وقوله تعالى ﴿وهم يخصمون﴾ قرأه حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصم يخصم والمعنى: يخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالون بإخفاء فتحة الخاء وتشديد الصاد، ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنهم باختلاس فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل في القراءات الثلاث يختصمون فأدغمت التاء في الصاد فنافع وابن كثير وهشام نقلوا فتحها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنبيهاً على أن الخاء أصلها السكون، والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان لذلك فكسروا أولهما فهذه أربع قراءات. ولما كانت هذه

стр. 1685

هي النفخة المميتة تسبب عنها قوله تعالى: ﴿فلا يستطيعون توصية﴾ أي: يوجدون الوصية في شيء من الأشياء ﴿ولا إلى أهلهم﴾ أي: فضلاً عن غيرهم ﴿يرجعون﴾ أي: فيروا حالهم بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجؤه الصيحة وربما أفهم التعبير بإلى أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها، وفي الحديث: «لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها» . ولما دل ذلك على الموت قطعاً عقبه بالبعث بقوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ أي: القرن النفخة الثانية للبعث وبين النفختين أربعون سنة. ولما كان هذا النفخ سبباً لقيامهم عنده من غير تخلف عبر تعالى بما يدل على التعقب والتسبب والفجأة بقوله تعالى: ﴿فإذا هم﴾ أي: حين النفخ ﴿من الأجداث﴾ أي: القبور واحدها جدث المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ، فإن قيل: كيف يكون ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال؟ أجيب: بأن الله تعالى يجمع أجزاء كل ميت في الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه ﴿إلى ربهم﴾ أي: إلى الموقف الذي أعده لهم من أحسن إليهم بالتربية ﴿ينسلون﴾ أي: يسرعون المشي مع تقارب الخطا بقوة ونشاط فيا لها من قدرة شاملة وحكمة كاملة حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى.u فإن قيل: المسيئ إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رجلاً ويؤخر أخرى والنسلان سرعة المشي فكيف يوجد منهم؟ أجيب: بأنهم ينسلون من غير اختيارهم، فإن قيل: قال في آية أخرى ﴿فإذا هم قيام ينظرون﴾ (الزمر: ٦٨) وقال ههنا ﴿فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون﴾ والقيام غير النسلان وقوله تعالى في الموضعين ﴿إذا هم﴾ يقتضي أن يكونا معاً؟ أجيب: بأن القيام لا ينافي المشي السريع؛ لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وبأن ذلك لسرعة الأمور كان الكل في زمان واحد كقول القائل: * ... مكر مفر مقبل مدبر معاً* واعلم أن النفختين يورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرام يفرقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو المراد النفخة الثانية. ولما تشوقت النفوس إلى ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون استأنف قوله تعالى: ﴿قالوا﴾ أي: الذين هم من أهل الويل ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ويلنا﴾ أي: هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ قال أبي بن كعب وابن عباس وقتادة: إنما يقولون هذا؛ لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل. وقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها دعوا بالويل وصار عذاب القبر في جنبها كالنوم فعدوا مكانهم الذي كانوا فيه مع ما كانوا فيه من عذاب البرزخ مرقداً هيناً بالنسبة إلى ما انكشف لهم من العذاب الأكبر فقالوا: من بعثنا من مرقدنا، فإن قيل: ما وجه تعلق من بعثنا من مرقدنا بقولهم يا ويلنا؟ أجيب: بأنهم لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل عليهم الصلاة والسلام فقالوا: يا ويلنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياماً فنبهنا؟ كما إذا كان الإنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لا يطيقه، ثم يرى رجلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول: أهذا ذاك أم لا؟ ويدل على هذا قولهم ﴿من مرقدنا﴾ حيث جعلوا القبور

стр. 1686

موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياماً فتنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا، وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من مرقدنا إشارة إلى متوهمهم احتمال الانتباه. وقولهم ﴿هذا﴾ إشارة إلى البعث ﴿ما﴾ أي: الذي ﴿وعد﴾ أي: به ﴿الرحمن﴾ أي: العام الرحمة الذي رحمته مقتضية ولا بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه ويجازي كلاً بعمله من غير حيف وقد رحمنا بإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام إلينا بذلك وطالما أنذرونا حلوله وحذرونا صعوبته وطوله ﴿وصدق﴾ أي: في أمره ﴿المرسلون﴾ أي: الذين أتونا بوعد الله تعالى ووعيده. تنبيه: في إعراب هذا وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقف تاماً على قوله تعالى ﴿من مرقدنا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى أو من قول الملائكة أو من قول المؤمنين، الثاني: أنها من كلام الكفار فتكون في محل نصب بالقول الثاني من الوجهين الأولين هذا صفة لمرقدنا وما وعد منقطع عما قبله، ثم في (ما) وجهان أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي: الذي وعده الرحمن وصدق المرسلون فيه حق عليكم وإليه ذهب الزجَّاج والزمخشري، والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: في هذا الذي وعد الرحمن. ﴿إن﴾ أي: ما ﴿كانت﴾ أي: النفخة التي وقع الإحياء بها ﴿إلا صيحة واحدة﴾ أي: كما كانت صيحة الإماتة واحدة ﴿فإذا هم﴾ أي: فجأة من غير توقف أصلاً ﴿جميع﴾ أي: على حالة الاجتماع لم يتأخر منهم أحد ﴿لدينا﴾ أي: عندنا ﴿محضرون﴾ ثم بين تعالى ما يكون في ذلك اليوم بقوله تعالى: ﴿فاليوم لا تظلم نفس﴾ أي: أي نفس كانت مكروهة أو محبوبة ﴿شيئاً﴾ أي: لا يقع لها ظلم ما من أحد ما في شيء ما ﴿ولا تجزون﴾ أي: على عمل من الأعمال شيئاً من الجزاء من أحد ﴿إلا ما كنتم تعملون﴾ ديدناً لكم بما ركز في جبلاتكم ثم بين تعالى حال المحسن بقوله تعالى: ﴿إن أصحاب الجنة﴾ أي: الذين لا حظ للنار فيهم ﴿اليوم﴾ أي: يوم البعث وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم ودخول بعضهم إليها ووقوف الباقين للشفاعات ونحوها من الكرامات عند دخول أهل النار النار، وعبر بما يدل على أنهم بكلياتهم مقبلون عليه ومطرقون له مع توجههم إليه بقوله ﴿في شغل﴾ أي: عظيم جداً لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في الطاعات. وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم العين، والباقون بالإسكان ثم بين ذلك الشغل بقوله ﴿فاكهون﴾ أي: متلذذون في النعمة، واختلف في هذا الشغل فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في افتضاض الإبكار، وقال وكيع بن الجراح ﵄: في السماع، وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم، وقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضاً، وقيل: في ضيافة الله تعالى فاكهون، وقيل: في شغل عن هول اليوم يأخذون ما آتاهم الله تعالى من الثواب فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب. وقوله تعالى ﴿فاكهون﴾ متمم لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شغل جاز أن يقال: هم في شغل أعظم من التفكر في اليوم وأهواله فإن من تصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخسران وقع في ماله يقول: أنا مشغول عن هذا بأهم منه فقال: فاكهون أي: شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور، وقال ابن عباس ﵄: فاكهون:

стр. 1687

فرحون. ولما كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال تعالى: ﴿هم﴾ أي: بظواهرهم وبواطنهم ﴿وأزواجهم﴾ أي: أشكالهم الذين لهم في غاية الملاءمة كما كانوا يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون ويصفون أقدامهم في خدمتنا وهم يبكون من خشيتنا، وفي هذا إشارة إلى عدم الوحشة ﴿في ظلال﴾ أي: يجدون فيها برد الأكباد وغاية المراد فلا تصيبهم الشمس كما كانوا يشوون أكبادهم في دار العمل بحر الصيام والصبر في مرضاتنا على الآلام ويعرون أيديهم وقلوبهم من الأموال ببذل الصدقات في سبيلنا على ممر الليالي وكر الأيام. تنبيه: ظلال جمع ظل كشعاب أو ظله كقباب ويؤيده قراءة حمزة والكسائي بضم الظاء ولا ألف بين اللامين وهم مبتدأ وخبره في ظلال كما قاله أبو البقاء. ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من زيادة العلم الموجب لارتياح النفس وبهجة العين بانفساح البصر عند مد النظر قال تعالى ﴿على الأرائك﴾ أي: السرر المزينة العالية التي هي داخل الحجال قال ثعلب لا تكون أريكة حتى تكون عليها حجلة وقال ابن جرير الأرائك الحجال فيها السرر وروى أبو عبيدة في (الفضائل) عن الحسن قال: كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا رجل من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة فيها السرير وهذا جزاء لما كانوا يلزمون المساجد ويغضون أبصارهم ويضعون نفوسهم لأجلنا ﴿متكئون﴾ كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين بين أيدينا في أغلب الأحوال، والاتكاء الميل على شق مع الاعتماد على ما يريح الاعتماد عليه أو الجلوس مع التمكن على هيئة المتربع وفي هذا إشارة إلى الفراغ وقوله تعالى: ﴿لهم﴾ أي: خاصة بهم ﴿فيها فاكهة﴾ أي: لا تنقطع أبداً ولا مانع لهم من تناولها ولا يتوقف ذلك على غير الإرادة إشارة إلى أن لا جوع هناك؛ لأن التفكه لا يكون لدفع الجوع ﴿ولهم ما يدعون﴾ أي: يتمنون. تنبيه: في ما هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية نكرة موصوفه، والعائد على هذين محذوف مصدرية، ويدعون مضارع ادعى افتعل من دعا يدعو أشرب معنى التمني، وقال الزجاج: هو من الدعاء أي: ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من دعوت غلامي فيكون الافتعال بمعنى: الفعل كالاحتمال بمعنى: الحمل والارتحال بمعنى: الرحل، وقيل: افتعل بمعنى: تفاعل أي: ما يتداعونه كقولهم: ارتموا وتراموا بمعنى واحد، ثم فسر الذي يدعونه أي: يطلبونه بغاية الاشتياق إليه واستأنف الإخبار عنه بقوله تعالى: ﴿سلام﴾ أي: عظيم جداً عليكم يا أهل الجنة والسلام يجمع جميع النعم ثم بين هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله ﴿قولاً من رب﴾ أي: دائم الإحسان ﴿رحيم﴾ أي: عظيم الإكرام بما ترضاه الإلهية كما كانوا في الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا فيرحمهم في حال السلام وسماع الكلام بلذّة الرؤية مع التقوية على الدهش والضعف لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام الأكرم مع قصورهم عنه. روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته

стр. 1688

عليهم في ديارهم» ، وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم لقوله تعالى ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ (الرعد: ٢٣ ـ ٢٤) أي: يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم وقيل: يعطيهم السلامة الأبدية. ولما ذكر ما للمؤمنين من النعيم ذكر ما للكافرين من الجحيم بقوله تعالى: ﴿وامتازوا﴾ أي: ويقال للمجرمين امتازوا أي: انفردوا ﴿اليوم أيها المجرمون﴾ عن المؤمنين عند اختلاطهم بهم قال الضحاك: لكل كافر في النار بيت يدخل ذلك البيت فيردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى، وقيل: إن قوله تعالى ﴿وامتازوا﴾ أمر تكوين فحين يقول ﴿امتازوا اليوم﴾ فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم وفي وجوههم سواد كما قال تعالى ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ (الرحمن: ٤١) ولما أمروا بالامتياز وشخصت منهم الأبصار وكلحت الوجوه وتنكست الرؤوس قال تعالى موبخاً لهم: ﴿ألم أعهد إليكم﴾ أي: أوصيكم إيصاء عظيماً بما نصبت من الأدلة ومنحت من العقول وبعثت من الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزلت من الكتب في بيان الطريق الموصل إلى النجاة. ولما كان المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتبكيتهم وكانت هذه السورة قلباً وكان القلب أشرف الأعضاء وكان الإنسان أشرف الموجودات خصه بالخطاب بقوله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ أي: على لسان رسلي عليهم الصلاة والسلام، واختلف في معنى: هذا العهد على وجوه أقواها: ألم أوص إليكم كما مر، وقيل: آمركم، وقيل: غير ذلك، واختلفوا في هذا العهد أيضاً على أوجه: أظهرها: أنه مع كل قوم على لسان رسلهم كما مر، وقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله تعالى ﴿ولقد عهدنا إلى آدم﴾ (طه: ١١٥) وقيل: هو الذي كان مع ذريته ﵇ حين أخرجهم وقال ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ (الأعراف: ١٧٢) ﴿أن لا تعبدوا الشيطان﴾ أي: البعيد المحترق بطاعتكم فيما يوسوس به إليكم والطاعة قد تطلق على العبادة. ثم علل النهي عن عبادته بقوله تعالى: ﴿إنه لكم﴾ والتأكيد؛ لأن أفعالهم أفعال من يعتقد صداقته ﴿عدو مبين﴾ أي: ظاهر العداوة جداً من جهة عداوته لأبيكم التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشرف منها ومن جهة أمركم بما ينغص الدنيا من التخالف والخصام، ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب فيه عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه فكيف إذا كان أكثره أكداراً وأدناساً؟ فكيف إذا كان شاغلاً عن الباقي؟ فكيف إذا كان عائقاً عن المولى؟ فكيف إذا كان مغضباً له حاجباً عنه؟ فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزنا، والشرب، ونحو ذلك، ويكره ما يسخطه من المجاهدة، والعبادة ونحو ذلك؟ أجيب: بأنه يستعين عليه بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله تعالى، فيستعين بشهوته التي خلقها الله تعالى فيه لمصالح بقائه وبقاء نوعه ويجعلها سبباً لفساد حاله، ويدعوه بها إلى مسالك المهالك، وكذا يستعين بغضبه الذي خلقه الله تعالى فيه لدفع المفاسد ويجعله سبباً لوباله وفساد أحواله، وميل الإنسان إلى المعاصي كميل المريض إلى المضار، وذلك حيث ينحرف المزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد في مرضه ومن معدته فاسدة لا تهضم القليل من الغداء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. ولما منع من عبادة الشيطان

стр. 1689

أمر بعبادة الرحمن بقوله عاطفاً على أن لا: ﴿وأن اعبدوني﴾ أي: وحدوني وأطيعوني ﴿هذا﴾ أي: الأمر بعبادتي ﴿صراط﴾ أي: طريق ﴿مستقيم﴾ أي: بليغ الاستقامة وعبادة الشيطان طريق ضيق معوج غاية الضيق والعوج، وقرأ قنبل بالسين وخلف بالإشمام أي: بين الصاد والزاي والباقون بالصاد. ثم ذكر ما ينبه لعداوة الشيطان بقوله تعالى: ﴿ولقد أضل منكم﴾ أي: عن الطريق الواضح السوي بما سلطه به من الوسوسة ﴿جبلاً﴾ أي: أممااًكباراً عظاماً ما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد، ومع ذلك كان يلعب بهم كما تلعب الصبيان بالكرة، فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيداً وأحقر أمراً، وقرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء الموحدة وتشديد اللام مع التنوين، وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضم الجيم وسكون الموحدة، والباقون بضم الجيم والموحدة وكلها لغات ومعناها: الخلق والجماعة أي: خلقاً ﴿كثيراً﴾ ثم زاد في التوبيخ والإنكار بقوله تعالى: ﴿أفلم تكونوا تعقلون﴾ أي: عداوته وإضلاله، وما حل بهم من العذاب فتؤمنوا ويقال لهم في الآخرة: ﴿هذه جهنم﴾ أي: التي تستقبلكم بالعبوسة، والتجهم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين ﴿التي كنتم توعدون﴾ أي: إن لم ترجعوا عن غيّكم. ﴿اصلوها﴾ أي: قاسوا حرها وتوقدها وهول أمر ذلك اليوم فإن ذكره على حد ما مضى بقوله تعالى: ﴿اليوم﴾ ليكونوا في شغل شاغل كما كان أصحاب الجنة وشتان ما بين الشغلين ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم تكفرون﴾ أي: تسترون ما هو ظاهر جداً بعقولكم من آياتي في دار الدنيا. تنبيه: في هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه أحدها: قوله تعالى ﴿اصلوها﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله تعالى ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان: ٤٩) ثانيها: قوله تعالى ﴿اليوم﴾ يعني: العذاب حاضر ولذاتهم قد مضت وبقي اليوم العذاب. ثالثها: قوله تعالى ﴿بما كنتم تفكرون﴾ فإن الكفر والكفران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشد الآلام كما قيل: *أليس بكاف لذي همة ... حياء المسيئ من المحسن* ولما كان كأنه قيل هل يحكم في ذلك اليوم بعلمه، أو يجري الأمر على قاعدة الدنيا في العمل بالبينة؟ نبه على أظهر من قواعد الدنيا بقوله تعالى مهولاً: ﴿اليوم﴾ على النسق الماضي في مظهر العظمة؛ لأنه أليق بالتهويل ﴿نختم﴾ أي: بما لنا من عظيم القدرة ﴿على أفواههم﴾ أي: الكفار لاجترائهم على الكذب كقوله سبحانه ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ (الأنعام: ٢٣) ﴿وتكلمنا أيديهم﴾ أي: بما عملوا إقراراً هو أعظم شهادة ﴿وتشهد أرجلهم﴾ أي: عليهم بكلام بين هو مع كونه شهادة إقرار ﴿بما كانوا﴾ أي: في الدنيا بجبلاتهم ﴿يكسبون﴾ فكل عضو ينطق بما صدر عنه، فالآية من الاحتباك أثبت الكلام للأيدي أولاً: لأنها كانت مباشرة دليلاً على حذفه من حيز الأرجل ثانياً: وأثبت الشهادة للأرجل ثانياً؛ لأنها كانت حاضرة دليلاً على حذفها من حيز الأيدي أولاً. وتقريبه: أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر شهادة، وفي كيفية هذا الختم وجهان أقواهما أن الله تعالى يسكت ألسنتهم، وينطلق جوارحهم فتشهد عليهم، وإن ذلك في قدرة الله تعالى يسير، أما الإسكات فلا خفاء فيه، وأما الإنطاق فإن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة فجاز تحريك غيره

стр. 1690

بمثلها والله سبحانه قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم، وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرؤوس لا يجدون عذراً فيعتذرون، ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهور الأمر بحيث لا يسمع منه الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن. والصحيح الأول لما روى أبو هريرة: «أن ناساً سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: فهل تضارون في رؤية الشمس عند الظهيرة ليست في سحاب قالوا: لا يا رسول الله قال: والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤيتهما قال: فيلقى العبد فيقول: ألم أكرمك ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تتزايد وتترافع قال: بلى يا رب قال: فظننت أنك ملاقي فيقول: لا يا رب فيقول اليوم أنساك كما نسيتني إلى أن قال: ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصمت وصليت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع ثم قال: فيقال له: أفلا نبعث عليك شاهدنا قال: فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليه فيختم على فيه، فيقال لفخذه: انطقي قال: فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، قال: وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط الله عليه» . ولما روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: «كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك قال: قلنا: الله ورسوله أعلم قال: من مخاطبة العبد ربه قال: يقول العبد: يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول: بلى فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني فيقول تعالى ﴿كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً﴾ (الإسراء: ١٤) وبالكرام الكاتبين شهوداً فيختم على فيه ويقول لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول: بُعداً لَكُنَّ أو سحقاً فعنكن كنت أناضل» وقال ﷺ «أول ما يسأل من أحدكم فخذه وكفه» . تنبيه: ههنا سؤالات: الأول: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال ﴿نختم﴾ وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدي والأرجل، الثاني: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي والشهادة للأرجل، الثالث: أن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو على العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً، وغير الصديقين من الكفار والفساق لا تقبل شهادتهم، والأيدي والأرجل صدرت الذنوب عنها فهي فسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتهم؟ أجيب: عن الأول: بأنه لو قال: نختم على أفواههم وننطِق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً وقهراً والإقرار بالإجبار غير مقبول فقال ﴿وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم﴾ أي: بالاختيار بعدما يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. وأجيب عن الثاني: بأن الأفعال تسند إلى الأيدي قال تعالى ﴿وما عملته أيديهم﴾ أي: ما عملوه وقال تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (البقرة: ١٩٥) أي: ولا تلقوا أنفسكم فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل ينبغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهن. وأجيب عن الثالث: بأن الأيدي والأرجل ليسوا من أهل التكلف ولا ينسب إليها عدالة ولا فسق إنما المنسوب من ذلك إلى

стр. 1691

العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقال: ورد أن العين تزني وأن الفرج يزني وأن اليد كذلك؛ لأن معناه أن المكلف يزني بها لا أنها هي تزني، وأيضاً فإنا نقول: في رد شهادتها قبول شهادتها؛ لأنها إن كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لابد أن يكون مذنباً في الدنيا وإن صدقت في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا، وهذا كمن قال لفاسق: إن كذبت في نهار هذا اليوم فعبدي حر فقال الفاسق: كذبت في نهار هذا اليوم عتق العبد؛ لأنه إن صدق في قوله: كذبت في نهار هذا اليوم فقد وجد الشرط ووقع الجزاء، وإن كذب في قوله كذبت فقد كذب في نهار ذلك اليوم فقد وجد الشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني: كذبت في نهار ذلك اليوم الذي علقت عتق عبدك على كذبي فيه، ثم بين أنه قادر على إذهاب الأبصار كما هو قادر على إذهاب البصائر بقوله تعالى: k ﴿ولو نشاء﴾ وعبر بالمضارع ليتوقع في كل حين فيكون أبلغ في التهديد ﴿لطمسنا على أعينهم﴾ أي: الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق وهو معنى الطمس كقوله تعالى ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ (البقرة: ٢٠) يقول: إنا أعمينا قلوبهم ولو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة وقوله تعالى ﴿فاستبقوا الصراط﴾ أي: ابتدروا الطريق ذاهبين كعادتهم عطف على لطمسنا ﴿فأنى﴾ أي: فكيف ﴿يبصرون﴾ الطريق حينئذ وقد أعمينا أعينهم أي: لو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عمياً يترددون فلا يبصرون الطريق وهذا قول الحسن والسدي، وقال ابن عباس ومقاتل: معناه لو نشاء لطمسنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم أفعل ذلك بهم. ولما كان هذا كله مع القدرة على الحركة قال تعالى: ﴿ولو نشاء﴾ أي: مسخهم ﴿لمسخناهم﴾ أي: حولناهم عن تلك الحالة فجعلناهم حجارة أو جعلناهم قردة وخنازير. ولما كان المقصود من المفاجأة بهذه المصائب بيان أنه سبحانه لا كلفة عليه في شيء من ذلك قال تعالى ﴿على مكانتهم﴾ أي: المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منهم شاغلاً له بجلوس أو قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه، وقرأ شعبة بألف بعد النون على الجمع، والباقون بغير ألف على الإفراد ﴿فما استطاعوا﴾ أي: بأنفسهم بنوع معالجة ﴿مضيا﴾ أي: إلى جهة من الجهات ثم عطف على جملة الشرط قوله تعالى ﴿ولا يرجعون﴾ أي: يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة على أن هذه الأمور حق لا كما يقولون من أنها خيال وسحر قيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع. ﴿ومن نعمره﴾ أي: نطل عمره إطالة كثيرة ﴿ننكسه﴾ قرأه عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح النون الثانية وتشديد الكاف مكسورة من نكسه مبالغة، والباقون بفتح النون الأولى وسكون الثانية وتخفيف الكاف مضمومة من نكسه وهي محتملة للمبالغة وعدمها ومعنى ننكسه: ﴿في الخلق﴾ أي: خلقه نرده إلى أرذل العمر يشبه الصبي في الخلق، وقيل: ننكسه في الخلق أي: ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بعد زيادتها؛ لأن الله تعالى أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنتين وأربعين سنة حسمت غرائزه فلا تزيد فيه غريزة ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء هذا

стр. 1692

في البدن، وأما في المعارف فتارة وتارة وهذا أيضاً في غير الأنبياء ﵈، أما هم فلا ينقص شيء من قواهم بل تزداد كما روي أن النبي ﷺ كان يمشي غير مكترث وأن الصحابة ﵃ يجهدون أنفسهم فيكون جهدهم أن لا يدركوا مشيته الهوينا و «أنه ﷺ صارع ركانة» الذي كان يضرب بقوته المثل، وكان واثقاً من نفسه أنه يصرع من صارعه فلم يملكه النبي ﷺ نفسه وعاد إلى ذلك ثلاث مرات كل ذلك لا يتمسك في يده حتى خرج يقول: إن هذا لعجب يا محمد تصرعني» ، وحتى: «أنه دار على نسائه وهن تسع كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد» إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس. ولم يحك عن نبي من الأنبياء ﵈ ممن عاش منهم ألفاً وممن عاش دون ذلك أنه نقص شيء من قواه بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة: «أن ملك الموت ﵇ أرسل إلى موسى ﵇ ليقبض روحه فلما جاءه صَكّهُ ففقأ عينه فقال لربه: أرسلتني لعبد لا يريد الموت قال: ارجع إليه فقل له: يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال: أي: رب ثم ماذا؟ قال: الموت قال: فالآن» وكان موسى وقت قبضه ابن مائة وعشرين سنة ﴿أفلا يعقلون﴾ أي: أن القادر على ذلك عندهم قادر على البعث فيؤمنون، وقرأ نافع وابن ذكوان بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة. ولما منح الله تعالى نبينا محمداً ﷺ غرائز من الفضائل مما عجز عنها الأولون والآخرون، وأتى بقرآن أعجز الأنس والجن، وعلوم وبركات فاقت القوى ليس بشعر خلافاً لما رموه به بغياً وكذباً وعدواناً قال تعالى: ﴿وما علمناه﴾ أي: نحن ﴿الشعر﴾ فيما علمناه وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم، ورويِّ مقصود وقافية يلتزمها ويدير المعاني عليها ويحتلب الألفاظ تكلفاً إليها كما كان زهير وغيره في قصائدهم ﴿وما أنا من المتكلفين﴾ (ص: ٨٦) لأن ذلك، وإن كنتم أنتم تعدونه فخراً لا يليق بجنابنا؛ لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافية ملتزمة على أن فيه نقيصة أخرى وهي أعظم ما يوجب النفرة عنه وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني، ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه على جميع فنون البلاغة ومكناه من سائر وجوه الفصاحة، ثم أسكنا فيه ينابيع الحكمة ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة بما ألهمنا إياه، ثم ألقاه إليه جبريل ﵇ مما أمرناه به من جوامع الكلم والحكم فلا تكلف عنده أصلاً: «ما خير ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم» . ولما كان الشعر مع ما يبنى عليه من التكلف الذي هو بعيد جداً عن سجايا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكيف شرفهم بما يكسب مدحاً وهجواً فيكون أكثره كذباً إلى غير ذلك. قال تعالى ﴿وما ينبغي له﴾ أي: وما يصح له الشعر ولا يسهل له على ما أختبرتم من طبعه نحواً من أربعين سنة؛ لأن منصبه أجل وهمته أعلى من أن يكون مداحاً أو عياباً أو أن يتقيد بما قد يجر نقيصة في المعنى وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له، كما جعلناه أمياً لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض، وما كان يتزن له بيت شعر حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً روى الحسن: «أن النبي

стр. 1693

صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: *كفى بالشيب والإسلام للمرء ناهياً* فقال أبو بكر ﵁: إنما قال الشاعر: *كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً فقال عمر ﵁: أشهد أنك رسول الله يقول الله ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ وعن ابن شريح قال: قلت لعائشة ﵂: أكان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر قالت: «كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت: وربما قال: *ويأتيك بالأخبار من لم تزود* وفي رواية قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بين قيس طرفة العبدي: *ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود* فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله فقال: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي» وقيل: معناه ما كان متأتياً له، وأما قوله ﷺ كما رواه مسلم والبخاري: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» وقوله كما رواه الشيخان أيضاً: * «هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت» * فاتفاقي من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك وقد يقع مثله كثيراً في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعراً، هذا وقد روى أنه حرك الباءين في قوله: أنا النبي لا كذب وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية من قوله هل أنت إلا إصبع إلخ. وقيل: الضمير للقرآن أي: وما يصح أن يكون القرآن شعراً، فإن قيل: لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي ﷺ أشياء من جملتها السحر والكهانة ولم يقل: وما علمناه السحر وما علمناه الكهانة؟ أجيب: بأن الكهانة إنما كانوا ينسبون النبي ﷺ إليها عندما كان يخبر عن الغيوب وتكون كما يقول وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكليم الجذع والحجر وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو القرآن عليهم لكنه ﷺ ما كان يتحدى إلا بالقرآن كما قال تعالى ﴿إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ (البقرة: ٢٣) إلى غير ذلك ولم يقل: إن كنتم في شك من رسالتي فأخبروا بالغيوب أو أشبعوا الخلق الكثير بالشيء اليسير. فلما كان تحديه ﷺ بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم. وما نفى أن يكون ما أتى به من جنس الشعر قال تعالى: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو﴾ أي: هذا الذي آتاكم به ﴿إلا ذكر﴾ أي: شرف وموعظة ﴿وقرآن﴾ أي: جامع للحكم كلها دنيا وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في المتعبدات وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين والنظر إلى وجه الله العظيم ﴿مبين﴾ أي: ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإعجاز ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين﴾ (ص: ٨٦) كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن بلاغته جداً إنما ذكر للأذكياء جداً وقوله تعالى: ﴿لينذر﴾ ضميره للنبي ﷺ ويدل له قراءة نافع وابن عامر بالتاء الفوقية على الخطاب وقيل: للقرآن ويدل له قراءة الباقين بالياء التحتية على الغيبة، واختلف في قوله تعالى ﴿من كان حياً﴾ على قولين: أحدهما:

стр. 1694

أن المراد به المؤمن؛ لأنه حي القلب والكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ (الأنعام: ١٢٢) والثاني: المراد به العاقل فهماً فيعقل ما يخاطب به فإن الغافل كالميت ﴿ويحق﴾ أي: يجب ويثبت ﴿القول﴾ أي: العذاب ﴿على الكافرين﴾ أي: الغريقين في الكفر فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء، ويمكن أن تكون هذه الآية من الاحتباك حذف الإيمان أولاً لما دل عليه من ضده ثانياً، وحذف الموت ثانياً لما دل عليه من ضده أولاً، وأفرد الضمير في الأول على اللفظ إشارة إلى قلة السعداء، وجمع في الثاني على المعنى إعلاماً بكثرة الأشقياء. ﴿أو لم يروا﴾ أي: يعلموا علماً هو كالرؤية، والاستفهام للتقرير والواو الداخلة عليها للعطف ﴿أنا خلقنا لهم﴾ أي: في جملة الناس ﴿مما عملت أيدينا﴾ أي: مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد المبالغة في الاختصاص والتفرد في الإحداث، كما يقول القائل: عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد ﴿أنعاماً﴾ على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها، وإنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلقه وإيجاده، لأن الأنعام أكثر أموال العرب والنفع بها أعم ﴿فهم لها مالكون﴾ أي: خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك أو فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم: *أصبحت لا أملك السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا* *والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا* والشاهد في قوله: ولا أملك رأس البعير أي: لا أضبطه والمعنى: لم نخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة كما قال تعالى: ﴿وذللناها لهم﴾ أي: يسرنا قيادها ولو شئنا جعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف، فمن قدر على تذليل الأشياء الصعبة جداً لغيره قادر على تطويع الأشياء لنفسه ثم سبب عن ذلك قوله تعالى ﴿فمنها ركوبهم﴾ أي: ما يركبون وهي الإبل؛ لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ﴿ومنها يأكلون﴾ أي: ما يأكلون لحمه. ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار وكانت منافعها لغير ذلك كثيرة قال تعالى: ﴿ولهم فيها منافع﴾ أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها وغير ذلك ﴿ومشارب﴾ أي: من ألبانها جمع مشرب بالفتح، وخص الشرب من عموم المنافع بعموم نفعه وجمعه لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة، ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان لو فقدها الإنسان لتكدرت معيشته تسبب عنها استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله تعالى: ﴿أفلا يشكرون﴾ أي: المنعم عليهم بها فيؤمنون. ولما ذكرهم تعالى نعمه وحذرهم نقمه عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم بقوله تعالى موبخاً لهم: ﴿واتخذوا من دون﴾ أي: غير ﴿الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال والعظمة ﴿آلهة﴾ أي: أصناماً يعبدونها بعدما رأوا منه تعالى تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة وعلموا أنه المنفرد بها ﴿لعلهم ينصرون﴾ أي: رجاء أن ينصروهم فيما أحزنهم من الأمور والأمر بالعكس

стр. 1695

كما قال تعالى: ﴿لا يستطيعون﴾ أي: الآلهة المتخذة ﴿نصرهم﴾ أي: العابدين ﴿وهم﴾ أي: العابدون ﴿لهم﴾ أي: للآلهة ﴿جند محضرون﴾ أي: الكفار جند الأصنام فيغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جنده يحضرون في النار وهذا كقوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (الأنبياء: ٩٨) وقوله تعالى: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ (الصافات: ٢٢ ـ ٢٣) ولما بين تعالى ما تبين من قدرته الظاهرة الباهرة ووهن أمرهم في الدنيا والآخرة ذكر ما يسلى نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿فلا يحزنك قولهم﴾ أي: في تكذيبك كقولهم: ﴿لست مرسلاً﴾ (الرعد: ٤٣) ﴿إنا نعلم ما﴾ أي كل ما ﴿يسرون﴾ أي: في ضمائرهم من التكذيب وغيره ﴿وما يعلنون﴾ أي: يظهرونه بألسنتهم من الأذى وغيره من عبادة الأصنام فنجازيهم عليه. ولما ذكر تعالى دليلاً على عظم قدرته ووجوب عبادته بقوله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً﴾ ذكر دليلاً من الأنفس أبين من الأول بقوله تعالى: ﴿أولم ير﴾ أي: يعلم ﴿الإنسان﴾ علماً هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر ﴿أنا خلقناه﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿من نطفة﴾ أي: شيء حقير يسير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا إياه من تراب وأنه من لحم وعظام ﴿فإذا هو﴾ أي: فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة هي أبعد شيء من حالة النطفة وهي أنه ﴿خصيم﴾ أي: بليغ الخصومة ﴿مبين﴾ أي: في غاية البيان عما يريده حتى إنه ليجادل من أعطاه العقل والقدرة في قدرته وأنشد الأستاذ القشيري في ذلك: *أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني* *وكم علمته علم القوافي ... فلما قال قافية هجاني* وفي هذا تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر وفيه تقبيح بليغ لإنكاره، حيث تعجب منه وجعله إفراطاً في الخصومة بيناً ومنافاته لجحود القدرة على ما هو أهون مما علمه في بدء خلقه ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفاً مكرماً بالعقوق والتكذيب. ﴿وضرب﴾ أي: هذا الإنسان ﴿لنا﴾ أي: على ما يعلم من عظمتنا ﴿مثلاً﴾ أي: أمراً عجيباً وهو نفي القدرة على إحياء الموتى، روي: «أن أبي بن خلف الجمحي وهو الذي قتله النبي ﷺ بأحد مبارزة، أتى النبي ﷺ بعظم بال يفتته بيده فقال: أترى الله يحيي هذا بعدما رم؟ فقال ﷺ نعم ويبعثك ويدخلك النار» فنزلت. وقيل: هو العاصي بن وائل قاله الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأول ﴿ونسي﴾ أي: هذا الذي تصدى على مهانة أصله لمخاصمة الجبار ﴿خلقه﴾ أي: بدء أمره من المني وهو أغرب من مثله، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول وأن يكون بمعنى الترك، ثم استأنف الإخبار عن هذا المثل بأن ﴿قال﴾ أي: على طريق الإنكار ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ أي: صارت تراباً تمرّ مع الرياح ورميم قال البيضاوي: بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسماً بالغلبة ولذلك لم يؤنث، أو اسم مفعول من رممته، وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء ا. هـ.

стр. 1696

قال البغوي: ولم يقل: رميمة؛ لأنه معدول عن فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله تعالى ﴿وما كانت أمك بغيا﴾ (مريم: ٢٨) أسقط الهاء؛ لأنها مصروفة عن باغية. تنبيه: هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر؛ لأن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثرون ﴿أءذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد﴾ (السجدة: ١٠) ﴿أءذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون﴾ (المؤمنون: ٨٢) ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ قالوا: ذلك على طريق الاستبعاد فأبطل الله تعلى استبعادهم بقوله تعالى: ﴿ونسي خلقه﴾ أي: نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة الأجزاء ثم جعلنا لهم من النواصي إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذان بهما استحقوا الإكرام، فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة مذرة لم تكن محلاً للحياة أصلاً، ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه واختاروا العظم بالذكر؛ لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوى جانب الاستبعاد من البلاء والتفتت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وضرب لنا مثلاً﴾ أي: جعل قدرتنا كقدرتهم ونسي خلقه العجيب وبدأه الغريب، ومنهم من ذكر شبهة وإن كان في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لم يبق شيئاً فكيف الحكم على العدم بالوجود؟ فأجاب تعالى عن هذه الشبهة بأن قال تعالى لنبيه ﷺ ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿يحييها﴾ أي: بعد أن أنشأها أول مرة ﴿الذي أنشأها﴾ أي: من العدم ثم أحياها ﴿أول مرة﴾ فكما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكوراً كذلك يعيده إن لم يبق شيئاً مذكوراً. الوجه الثاني: أن من تفرقت أجزاؤه في مشارق العالم ومغاربه وصار بعضها في أبدان السباع وبعضها في حواصل الطيور وبعضها في جدران الربوع كيف تجتمع. وأبعد من هذا لو أكل إنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل فإن أعيدت أجزاء الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء تنخلق منها أعضاؤه وإما أن تعاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك، فإذا أكل إنسان إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله ﴿وهو بكل خلق﴾ أي: مخلوق ﴿عليم﴾ أي: يجمع الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحه وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البقاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال إنكارهم بقوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم﴾ أي: في جملة الناس ﴿من الشجر الأخضر﴾ أي: الذي تشاهدون فيه الماء ﴿ناراً﴾ قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما: المرخ والأخرى: العفار، الأول: بفتح الميم والخاء المعجمة شجر سريع الوري أي: القدح، والثاني: بفتح المهملة وفاء وراء بعد ألف الزند فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل

стр. 1697

السواكين وهما أخضران يقطران الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار وهو أنثى فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب ﴿فإذا أنتم﴾ أي: فتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنه ﴿منه﴾ أي: من الشجر الموصوف بالخضرة ﴿توقدون﴾ أي: توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى وهذا أدل على القدرة على البعث فإنه جمع فيه بين الماء والنار والخشب فلا الماء يطفئ النار ولا النار تحرق الخشب. ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى: ﴿أوليس الذي خلق﴾ أي: أوجد من العدم ﴿السموات والأرض﴾ أي: على كبرهما وعظم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع، وأثبت الجار تحقيقاً للأمر وتأكيداً للتقرير فقال تعالى ﴿بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ أي: مثل هؤلاء الأناسي في الصغر أي: يعيدهم بأعيانهم، وقيل: الضمير يعود على السموات والأرض لتضمنهم من يعقل والأول أظهر؛ لأنهم المخاطبون وقوله تعالى ﴿بلى﴾ جواب ليس وإن دخل عليها الاستفهام المصير لها إيجاباً أي: هو قادر على ذلك أجاب نفسه تعالى ﴿وهو﴾ مع ذلك أي: مع كونه عالماً بالخلق ﴿الخلاق﴾ أي: الكثير الخلق ﴿العليم﴾ أي: البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب. ولما تقرر ذلك أنتج قوله تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم القدرة على البعث: ﴿إنما أمره﴾ أي: شأنه ووصفه ﴿إذا أراد شيئاً﴾ أي: خلق شيء من جوهر أو عرض أي شيء كان ﴿أن يقول له كن﴾ أي: أن يريده ﴿فيكون﴾ أي: يحدث وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعاً لمادة الشبهة وهو قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، وقرأ ابن عامر والكسائي بنصب النون عطفاً على يقول، والباقون بالرفع أي: فهو يكون. ولما كان ذلك تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من الأمثال فلذلك قال: ﴿فسبحان﴾ أي: تنزه عن كل شائبة نقص تنزهاً لا يبلغ أفهامكم كنهه وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال ﴿الذي بيده﴾ أي: قدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره ﴿ملكوت كل شيء﴾ أي: ملكه التام وملكه ظاهراً وباطناً. ولما كان التقدير فمنه تبدؤون عطف عليه قوله تعالى ﴿وإليه﴾ أي: لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي: معنى في جميع أموركم وحسّاً بالبعث لينصف بينكم فيدخل بعضاً النار وبعضاً الجنة، وعن ابن عباس: كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به فإذا به لهذه الآية. وما رواه البيضاوي عنه ﷺ «إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس» ، و «أيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون قبض روحه وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه» ، و «أيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان ويمكث في قبره وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو

стр. 1698

ريان» حديث موضوع. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ سورة يس في ليلة أصبح مغفوراً له» وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات» . وعن يحيى بن أبي كثير قال: بلغنا أن من قرأ يس حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي ومن قرأها حين يمسي لم يزل في فرح حتى يصبح. سورة الصافات مكية وهي مائة واثنان وثمانون آية، وثمان مئة وستون كلمة، وثلاثة آلاف وثمان مئة وستة وعشرون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي له الكمال المطلق ﴿الرحمن﴾ الذي من رحمته العدل في الدارين ﴿الرحيم﴾ الذي لا يدنو من جنابه نقص واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿والصافات صفا﴾ أي: وهو ترتيب الجمع على خط، فقال ابن عباس والحسن وقتادة: هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة، وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ «ألا تصفون كصفوف الملائكة عند ربهم» قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: «يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف» . وقيل: هي الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد، وقيل: هي الطير تصف أجنحتها في الهواء لقوله تعالى: ﴿والطير صافات﴾ (النور: ٤١) . واختلف أيضاً في قوله تعالى: ﴿فالزاجرات زجراً﴾ فأكثر المفسرين على أنها الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن تنهي وتزجر عن القبيح، واختلف أيضاً في قوله تعالى: ﴿فالتاليات ذكراً﴾ فالأكثر أيضاً، أنهم الملائكة ﵈ يتلون ذكر الله تعالى، وقيل: هم جماعة قراء القرآن. فإن قيل: قال أبو مسلم الأصفهاني: لا يجوز حمل هذه الألفاظ على الملائكة؛ لأنها مشعرة بالتأنيث والملائكة ﵈ مبرؤون من هذه الصفة. أجيب بوجهين: الأول: أن الصافات جمع الجمع فإنه يقال: جماعة صافة ثم تجمع على صافات. والثاني: أنهم مبرؤون من التأنيث المعنوي وأما التأنيث اللفظي فلا، وكيف وهم يسمون بالملائكة مع أن علامة التأنيث حاصلة. تنبيه: اختلف الناس ههنا في المقسم به على قولين: أحدهما: أن المقسم به خالق هذه الأشياء لنهيه ﷺ عن الحلف بغير الله تعالى، ولأن الحلف في مثل هذا الموضع تعظيم للمحلوف به، ومثل هذا التعظيم لا يليق إلا بالله تعالى، ففي ذلك إضمار تقديره ورب الصافات ورب الزاجرات ورب التاليات، ومما يؤيد هذا أنه تعالى صرح به في قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها﴾ (الشمس: ٥ ـ ٧) والثاني: وعليه الأكثر أن المقسم به هذه الأشياء لظاهر اللفظ فالعدول عنه خلاف الدليل، وأما النهي عن الحلف بغير الله تعالى فهو نهي للمخلوق عن ذلك، وأما قوله تعالى: ﴿وما بناها﴾ فإنه علق لفظ القسم بالسماء ثم عطف عليه القسم بالباني للسماء ولو كان المراد بالقسم بالسماء القسم بمن بنى السماء لزم التكرار في موضع واحد، وهو لا يجوز، وأيضاً لا يبعد أن تكون الحكمة في قسم الله تعالى بهذه الأشياء، التنبيه على شرف ذواتها. وقال البيضاوي: أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية على مراتب باعتبارها تفيض عليهم أنوار

стр. 1699

الهيبة منتظرين لأمر الله الزاجرين، للأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور فيها، أو الناس عن المعاصي بإلهام الخبر، أو الشياطين عن التعرض لهم التالين لآيات الله وجلايا قدسه على أنبيائه وأوليائه أو بطواف الأجرام المترتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح المدبرة لها والجواهر القدسية المستغرقة في بحار القدس يسبحون الليل والنهار لا يفترون، أو بنفوس العلماء الصادقين في العبارات الزاجرين عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين آيات الله وشرائعه، أو بنفوس الغزاة الصادقين في الجهاد الزاجرين للخيل والعدو التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مباراة العدو، وقال الزمخشري: الفاء في، فالزاجرات والتاليات إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود كقوله: *يا لهف زيابة للحرث ... الصابح فالغانم فالآيب* أي: الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك: خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها كقوله: «رحم الله المحلقين فالمقصرين» ، والبيضاوي ذكر هذا حديثاً قال شيخنا القاضي زكريا: لم أره بهذا اللفظ ا. هـ، لكنه لفضل المتقدم على المتأخر وهذا للعكس، وقرأ أبو عمرو وحمزة بالإدغام فيما ذكر، والباقون بالإظهار؛ وجواب القسم. ﴿إن إلهكم﴾ أي: الذي اتخذتم من دونه آلهة ﴿لواحد﴾ إذ لو لم يكن واحداً لاختل هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة وما يترتب عليها فكان غير حكيم، فإن قيل: ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين: الأول: أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو الكافر، فالأول باطل؛ لأن المؤمن مقرّ به من غير حلف. والثاني: باطل أيضاً؛ لأن الكافر لا يقرّ به سواء حصل الحلف أو لم يحصل فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير، الثاني: أنه يقال أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق، فقال: ﴿والذاريات ذرواً﴾ (الذاريات: ١) إلى قوله ﴿إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع﴾ (الذاريات: ٥) وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لا يليق بالعقلاء؟ أجيب: عن ذلك بأوجه: أولها: أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور بالدلائل اليقينية، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيداً لما تقدم لاسيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب. ثانيها: أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل: إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة. ثالثها: أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشيائ على صحة قوله تعالى: ﴿إن إلهكم لواحد﴾ (الصافات: ٤) عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحد، وهو قوله تعالى: ﴿رب﴾ أي: موجد ومالك ومدبر ﴿السموات﴾ أي: الأجرام العالية ﴿والأرض﴾ أي: الأجرام السافلة ﴿وما بينهما﴾ أي: من الفضاء المشحون بما يعجز عن عده القوي، وذلك؛ لأنه تعالى بين في قوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء: ٢٢) أن انتظام أحوال السموات والأرض يدل على أن الإله واحد فههنا لما قال ﴿إن إلهكم لواحد﴾ أردفه

стр. 1700

بقوله ﴿رب السموات والأرض وما بينهما﴾ كأنه قيل: بينا أن النظر في انتظام هذا العالم يدل على أن الإله واحد فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد. تنبيه: علم من قوله تعالى ﴿وما بينهما﴾ أنه تعالى خالق لأعمال العباد؛ لأن أعمالهم موجودة فيما بين السماء والأرض وهذه الآية دلت على أن كل ما حصل بين السماء والأرض، فالله ربه ومالكه وهذا يدل على أن فعل العبد حصل بخلق الله تعالى، فإن قيل: الأعراض لا يصح وصفها بأنها حصلت بين السماء والأرض؛ لأن هذا الوصف إنما يكون حاصلاً في حيز وجهة والأعراض ليست كذلك؟ أجيب: بأنها لما كانت حاصلة في الأجسام الحاصلة بين السماء والأرض فهي أيضاً حاصلة بين السموات والأرض ﴿ورب المشارق﴾ أي: والمغارب وجمعها باعتبار جميع السنة فإن الله تعالى خلق للشمس ثلاث مئة وستين كوة في المشرق وثلاثمئة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل. وقيل: كل موضع أشرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب كأنه أراد جميع ما أشرقت عليه الشمس. وقيل: المراد بالمشارق مشارق الكواكب ومغاربها؛ لأن لكل كوكب مشرقاً ومغرباً، فإن قيل: إن الله تعالى قال في موضع ﴿رب المشرق والمغرب﴾ (الشعراء: ٢٨) وقال في موضع آخر ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ (الرحمن: ١٧) فما الجمع بين هذه المواضع؟ أجيب: بأن المراد بقوله ﴿رب المشرق والمغرب﴾ الجهة فالمشرق جهة والمغرب جهة وبقوله تعالى: ﴿رب المشرقين ورب المغربين﴾ مشرقا الشتاء والصيف ومغربا الشتاء والصيف وأما موضع الجمع فقد مر. فإن قيل: لم اكتفى بذكر المشارق؟ أجيب: بوجهين. الأول: أنه اكتفى به كقوله تعالى ﴿تقيكم الحر﴾ (النحل: ٨١) والثاني: أن الشروق أقوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً منه فذكر المشرق تنبيهاً على كثرة إحسان الله تعالى على عباده ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم خليل الرحمن ﵇ بقوله ﴿إن الله يأتي بالشمس من المشرق﴾ (البقرة: ٢٥٨) : ﴿إنا زينا﴾ أي: بعظمتنا التي لا تدانى ﴿السماء﴾ ولما كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السموات وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها قال تعالى ﴿الدنيا﴾ أي: التي هي أدنى السموات إليكم ﴿بزينة الكواكب﴾ أي: بضوئها كما قاله ابن عباس أو بها، وقرأ عاصم وحمزة بزينة بالتنوين، والباقون بغير تنوين والإضافة للبيان كقراءة تنوين بزينة المبينة بالكواكب ونصب الياء الموحدة من الكواكب شعبة، وكسرها الباقون. فإن قيل: قد ثبت في علم الهيئة أن هذه الكواكب الثوابت مركوزة في الكرة الثامنة وأن السيارات مركوزة في الكرات الستة المحيطة بسماء الدنيا فكيف يصح قوله تعالى ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ ؟ أجيب: بأن الناس الساكنين على سطح كرة الأرض إن نظروا إلى السماء الدنيا فإنهم يشاهدونها مزينة بهذه الكواكب فصح قوله تعالى ﴿إنا زينا السماء بزينة الكواكب﴾ وقوله تعالى: ﴿وحفظاً﴾ منصوب بفعل مقدر أي: حفظناها بالشهب أو معطوف على زينة باعتبار المعنى، كأنه قال: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظاً ﴿من كل شيطان﴾ أي: بعيد

стр. 1701

عن الخير محترق ﴿مارد﴾ أي: عات خارج عن الطاعة. ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا الحفظ وثمرته وبيان كيفيته استأنف قوله تعالى: ﴿لا يسمعون﴾ أي: الشياطين المفهومون من كل شيطان ﴿إلى الملأ الأعلى﴾ أي: الملائكة أو أشرافهم في السماء، وعدى السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة لنفيه وتهويلاً لما يمنعهم عنه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص بفتح السين وتشديدها وتشديد الميم من التسمع وهو طلب السماع، وقرأ الباقون بسكون السين وتخفيف الميم ﴿ويقذفون﴾ أي: الشياطين يرمون بالشهب ﴿من كل جانب﴾ أي: من آفاق السماء وقوله تعالى: ﴿دحوراً﴾ مصدر دحره أي: طرده وأبعده وهو مفعول له، وقيل: هو جمع داحر نحو قاعد وقعود فيكون حالاً بنفسه من غير تأويل، وقيل: غير ذلك ﴿ولهم﴾ أي: في الآخرة ﴿عذاب﴾ غير هذا ﴿واصب﴾ أي: دائم، وقال مقاتل: أي: دائم في الدنيا إلى النفخة الأولى وقوله تعالى: ﴿إلا من خطف﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مرفوع المحل بدلاً من ضمير لا يسمعون وهو أحسن؛ لأنه غير موجب. والثاني: أنه منصوب على أصل الاستثناء، والمعنى: أن الشياطين لا يسمعون الملائكة إلا من خطف، وقوله تعالى: ﴿الخطفة﴾ مصدر معرف بأل الجنسية أو المعرفة ومعنى اختطف اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة ﴿فاتبعه﴾ أي: لحقه ﴿شهاب﴾ أي: كوكب ﴿ثاقب﴾ أي: مضيء قوي لا يخطئه يقتله أو يحرقه أو يثقبه أو يخبله. تنبيه: ههنا سؤالات: أولها: أن هذه الشهب التي يرمى بها هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا؟ والأول: باطل؛ لأنها تبطل وتضمحل فلو كانت تلك الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء ولم يوجد ذلك فإن أعداد كواكب السماء باقية لم تتغير البتة، وأيضاً فجعلها رجوماً للشياطين مما يوجب وقوع النقصان في زينة السماء الدنيا فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض، وإن كانت هذه الشهب جنساً آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهو أيضاً مشكل؛ لأنه تعالى قال في سورة الملك ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشيطانين﴾ (الملك: ٥) فالضمير في قوله ﴿وجعلناها﴾ عائد على المصابيح فوجب أن تكون تلك المصابيح هي المرجوم بها بأعيانها. ثانيها: كيف يجوز أن تذهب الشياطين حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم البتة؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الفعل من عاقل؟ فكيف من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة؟. ثالثها: دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلاً قبل مجيء النبي ﷺ ولذلك ترى الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي ﷺ بزمان طويل ذكروا ذلك وتكلموا في سبب حدوثه، وإذا ثبت أن ذلك كان موجوداً قبل مجيء النبي ﷺ امتنع حمله على مجيء النبي ﷺ رابعها: الشيطان مخلوق من النار كما حكى عن قول إبليس لعنه الله تعالى ﴿خلقتني من نار﴾ (الأعراف: ١٢) وقال تعالى ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ (الحجر: ٢٧) ولهذا السبب يقدر على الصعود إلى السموات وإذا كان كذلك فكيف يعقل إحراق النار بالنار؟. أجيب عن الأول: بأن هذه الشهب غير تلك

стр. 1702

الكواكب الثابتة وأما قوله تعالى ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين﴾ (الملك: ٥) فنقول: كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير والفساد ومنها ما لا يكون كذلك وهي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى ويجعلها رجوماً للشياطين إلى حيث يعلمون وبها يزول الإشكال. وعن الثاني: بأن هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لا تشتهر بسبب ندرتها بين الشياطين وأجاب أبو علي الجبائي: بأن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين وإلا لم يذهبوا إليه وإنما يمنعون من المصير إلى موضع الملائكة ومواضعها مختلفة، فربما صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب، وربما صاروا إلى غيره ولا صادفوا الملائكة ولا تصيبهم الشهب، فلما هلكوا في بعض الأوقات وسلموا في بعض الأوقات جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنها لا تصيبهم الشهب فيها، كما يجوز فيمن سلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة، وفي جواب أبي علي نظر: إذ ليس في السماء موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد. وعن الثالث: بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي ﷺ لكن بقلة، ولما جاء النبي ﷺ وقعت بكثرة فصارت بسبب الكثرة معجزة. وعن الرابع: بأن الشياطين ليسوا من نار خالصة وعلى التنزل بأنهم من النيران الخالصة إلا أنها نيران ضعيفة ونيران الشهب أقوى حالاً منهم فلا جرم صار الأقوى مبطلاً للأضعف، ألا ترى أن السراج الضعيف إذا وضع في النار القوية فإنه ينطفئ؟ فكذلك ههنا. ولما كان المقصود الأعظم من القرآن إثبات الأصول الأربعة وهي الإلهيات والمعاد والنبوات وإثبات القضاء والقدر افتتح الله سبحانه هذه السورة بإثبات ما يدل على الصانع وعلى علمه وقدرته وحكمته ووحدانيته، وهو خالق السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق والمغارب، ثم فرع عليها إثبات الحشر والنشر والقيامة وهو أن من قدر على ما هو أشق وأصعب وجب أن يقدر على ما هو دونه، وهو قوله تعالى: ﴿فاستفتهم﴾ أي: سل كفار مكة أن يفتوك بأن يبينوا لك ما تسألهم عنه من إنكارهم البعث وأصله من الفتوة وهي الكرم ﴿أهم أشد﴾ أي: أقوى وأشق وأصعب ﴿خلقاً﴾ أي: من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها ﴿أم من خلقنا﴾ أي: من الملائكة والسموات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب. تنبيه: في الإتيان بمن تغليب للعقلاء وهو استفهام بمعنى التقرير أي: هذه الأشياء أشد خلقاً كقوله تعالى ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ (غافر: ٥٧) وقوله تعالى ﴿أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها﴾ (النازعات: ٢٧) وقيل: معنى أم من خلقنا أي: من الأمم الماضية؛ لأن لفظ من يذكر لمن يعقل؛ والمعنى: أن هؤلاء الأمم ليسوا بأحكم خلقاً من غيرهم من الأمم الخالية وقد أهلكناهم بذنوبهم فمن الذي يؤمن هؤلاء من العذاب ﴿إنا خلقناهم﴾ أي: أصلهم آدم بعظمتنا ﴿من طين﴾ أي: تراب رخو مهين ﴿لازب﴾ أي: شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وخمر بحيث يعلق باليد وقال مجاهد والضحاك: منتن فهو مخلوق من غير أب ولا أم وقرأ حمزة والكسائي: ﴿بل عجبت﴾ بضم التاء والباقون بفتحها، أما بالضم فبإسناد التعجب إلى الله تعالى وليس هو كالتعجب

стр. 1703

من الآدميين كما قال تعالى ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ (التوبة: ٧٩) وقال تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ (التوبة: ٦٧) فالعجب من الآدميين إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما في الحديث: «عجب ربكم من شاب ليست له صبوة» وفي حديث آخر: «عجب ربكم من الكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم» قوله الكم الألّ أشد القنوط. وقيل: هو رفع الصوت بالبكا، وسئل الجنيد عن هذه الآية فقال: إن الله تعالى لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله ﷺ فلما عجب رسوله قال تعالى ﴿وإن تعجب فعجب قولهم﴾ (الرعد: ٥) أي: هو كما تقوله، وأما الفتح فعلى أنه خطاب للنبي ﷺ أي: عجبت من تكذيبهم إياك. ﴿ويسخرون﴾ أي: وهم يسخرون من تعجبك قال قتادة: عجب نبي الله ﷺ من هذا القرآن حين أنزل ومن ضلال بني آدم، وذلك أن النبي ﷺ كان يظن أن كل من سمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي ﷺ فقال تعالى ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ . ﴿وإذا ذكروا﴾ أي: وعظوا بالقرآن ﴿لا يذكرون﴾ أي: لا يتعظون. ﴿وإذا رأوا آية﴾ قال ابن عباس وقتادة: يعني انشقاق القمر ﴿يستسخرون﴾ أي: يستهزئون بها وقيل: يستدعي بعضهم من بعض السخرية. ﴿وقالوا إن﴾ أي: ما ﴿هذا إلا سحر مبين﴾ أي: ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ثم خصّوا البعث بالإنكار إعلاماً بأنه أعظم مقصود بالنسبة إلى السحر فقالوا مظهرين له في مظهر الإنكار: ﴿أءذا متنا﴾ وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا ﴿وكنا﴾ أي: كوناً في غاية التمكن ﴿تراباً﴾ وقدموه؛ لأنه أدل على مرادهم؛ لأنه أبعد عن الحياة ﴿وعظاماً﴾ كأنهم جعلوا كل واحد من الموت أو الكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة والمختلطة بهما مانعاً من البعث، وهذا بعد اعترافهم بأن ابتداء خلقهم كان من التراب، ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من قرأ به كما سيأتي بيانه زيادة في الإنكار فقالوا ﴿أئنا لمبعوثون﴾ . وقولهم ﴿أو آباؤنا الأولون﴾ عطف على محل إن واسمها أو على الضمير في مبعوثون فإنه مفصول عنه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم، وهذا بيان للسبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط بالأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم، فهذا الإنسان كيف يعقل عوده بعينه حياً؟ ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال لنبيه محمد ﷺ ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿نعم﴾ أي: تبعثون على كل تقدير قدرتموه ﴿وأنتم داخرون﴾ أي: مكرهون عليه صاغرون ذليلون وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب؛ لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي على أنه أمر ممكن وإذا ثبت الجواز القطعي فلا سبيل إلى القطع بالوقوع إلا بإخبار المخبر الصادق، فلما قامت المعجزة على صدق محمد ﷺ كان واجب الصدق فكان مجرد قوله ﴿نعم﴾ دليلاً قاطعاً على الوقوع، وقرأ ﴿متنا﴾ بضم الميم ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة، وكسرها الباقون. وأما ﴿أءذا﴾ و ﴿أئنا﴾ فقرأ نافع والكسائي بالاستفهام في الأول والخبر في الثاني وابن

стр. 1704

عامر بالخبر في الأول والاستفهام في الثاني، والباقون بالاستفهام فيهما وسهل الهمزة الثانية في الاستفهام نافع وابن كثير وأبو عمرو وحقق الباقون، وأدخل في الاستفهام الفاء بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال، وقرأ قالون وابن عامر أو آباؤنا بسكون الواو على أنها أو العاطفة المقتضية للشك، والباقون بفتحها على أنها همزة الاستفهام دخلت على واو العطف، وقرأ الكسائي ﴿نعم﴾ بكسر العين وهو لغة فيه، وقوله تعالى: ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ جواب شرط مقدر أي: إذا كان كذلك فإنما البعثة زجرة أي: صيحة واحدة هي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها، وأمرها في الإعادة كأمرها بكن في الابتداء ولذلك رتب عليها ﴿فإذا هم ينظرون﴾ أي: أحياء في الحال من غير مهلة ينظر بعضهم بعضاً، وقيل: ينظرون ما يحدث لهم أو ينظرون إلى البعث الذي كذبوا به، ولا فرق بين من صار كله تراباً ومن لم يتغير أصلاً ومن هو بين ذلك، قال البقاعي: ولعله خص بالذكر؛ لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة ولذلك قال ﷺ «إذا قبض الروح تبعه البصر» وأما السمع فقد يكون لغير الحي؛ لأنه ﷺ قال في الكفار من قتلى بدر: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قال: وشاهدت أنا في بلاد العرب المجاورة لنابلس شجرة لها شوك يقال لها: الغبيرا متى قيل عندها: هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة أخذ ورقها في الحال في الذبول فإنه سبحانه أعلم ما سبب ذلك. تنبيه: لا أثر للصيحة في الموت ولا في الحياة بل خالق الموت والحياة هو الله تعالى كما قال تعالى ﴿الذي خلق الموت والحياة﴾ (الملك: ٢) روي أن الله تعالى يأمر الملك إسرافيل فينادي: أيها العظام النخرة والجلود البالية والأجزاء المتفرقة اجتمعوا بإذن الله تعالى. ﴿وقالوا﴾ أي: كل من جمعه البعث من الكفرة بعد القيام من القبور معلنين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل ﴿يا ويلنا﴾ أي: هلاكنا وهو مصدر لا فعل له من لفظه وقال الزجّاج: الويل كلمة يقولها القائل وقت الهلكة وتقول لهم الملائكة: ﴿هذا يوم الدين﴾ أي: الحساب والجزاء. ﴿هذا يوم الفصل﴾ أي: بين الخلائق ﴿الذي كنتم به تكذبون﴾ وقيل: هو أيضاً من كلام بعضهم لبعض وقوله تعالى: ﴿احشروا﴾ أي: اجمعوا بكره وصغار ﴿الذين ظلموا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالشرك أمر من الله تعالى للملائكة ﵈، وقيل: أمر من بعضهم لبعض أي: احشروا الظلمة من مقامهم إلى الموقف، وقيل: منه إلى جهنم ﴿وأزواجهم﴾ أي: وأشباههم عابدوا الصنم مع عبدة الصنم وعابدو الكواكب مع عبدتها كقوله تعالى ﴿وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ (الواقعة: ٧) أي: أشكالاً وأشباهاً، وقال الحسن: وأزواجهم المشركات، وقال الضحاك ومقاتل: قرناؤهم من الشياطين وعلى هذا اقتصر الجلال المحلي أي: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة ﴿وما كانوا يعبدون من دون الله﴾ أي: غيره في الدنيا من الأوثان والطواغيت زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم، ومثل الأوثان الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بعبادة الله تعالى الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال، وقال مقاتل: يعني إبليس وجنوده واحتج بقوله تعالى: ﴿أن لا تعبدوا الشيطان﴾ (يس: ٦٠) ﴿فاهدوهم إلى صراط الجحيم﴾ قال ابن عباس: دلوهم إلى طريق النار، وقال ابن كيسان: قدموهم، قال البغوي: والعرب

стр. 1705

تسمي السائق هادياً، قال الواحدي: هذا وهم؛ لأنه يقال: هدى إذا تقدم ومنه الهادية والهوادي وهاديات الوحوش ولا يقال: هدى بمعنى قدم. ﴿وقفوهم﴾ أي: احبسوهم قال البغوي: قال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط فقيل لهم: قفوهم ﴿إنهم مسؤولون﴾ قال ابن عباس: عن جميع أقوالهم وأفعالهم، وروي عنه عن لا إله إلا الله، وقيل: تسألهم خزنة جهنم ﵈ ﴿ألم يأتكم نذير﴾ (الملك: ٨) أي: رسل منكم جاؤكم بالبينات ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾ (الزمر: ٧١) ، وروي عن أبي برزة الأسلمي قال: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيم أفناه وعلمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه» . وفي رواية و «عن شبابه فيم أبلاه» ، وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً يوم القيامة لازماً به وإن دعا رجل رجلاً ثم قرأ ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ ويقال لهم توبيخاً: ﴿ما لكم﴾ أي: أي شيء حاصل لكم شغلكم وألهاكم حال كونكم ﴿لا تناصرون﴾ قال ابن عباس: لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم في الدنيا، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، فقيل لهم يوم القيامة ما لكم لا تناصرون، وقيل: يقال للكفار ما لشركائكم لا يمنعونكم من العذاب ويقال عنهم: ﴿بل هم اليوم مستسلمون﴾ قال ابن عباس: خاضعون وقال الحسن: منقادون يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم في دفع تلك المضار. ولما أخبر عنهم بأنهم سئلوا فلم يجيبوا ربما كان يظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد تكذيبهم فقال عاطفاً على قوله تعالى: ﴿وقالوا يا ويلنا﴾ (الصافات: ٢٠) ﴿وأقبل بعضهم﴾ أي: الذين ظلموا ﴿على بعض﴾ أي: بعد إيقافهم لتوبيخهم وعبر عن خصامهم تهكماً بقوله تعالى: ﴿يتساءلون﴾ أي: يتلاومون ويتخاصمون. ﴿قالوا﴾ أي: الأتباع منهم للمتبوعين ﴿إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين﴾ قال الضحاك: أي: من قبل الدين فتضلوننا عنه، وقال مجاهد: عن الصراط الحق واليمين عبارة الدين الحق كما أخبر الله تعالى عن إبليس لعنه الله تعالى ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ (الأعراف: ١٧) فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق واليمين ههنا استعارة عن الخيرات والسعادات، لأن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر، قال ابن عادل: لا تباشر الأعمال الشريفة إلا باليمين ويتفاءلون بالجانب الأيسر و «كان ﷺ يحب التيامن في شأنه كله» ، وكاتب الحسنات من الملائكة على اليمين، ووعد الله تعالى المؤمن أن يعطيه الكتاب باليمين، وقيل: إن الرؤساء كانوا يحلفون للمستضعفين أن ما يدعونهم إليه هو الحق فوثقوا بأيمانهم، وقيل: عن اليمين عن القوة والقدرة كقوله تعالى: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ (الحاقة: ٤٥) ﴿قالوا﴾ أي: المتبوعون لهم ﴿بل لم تكونوا مؤمنين﴾ أي: وإنما يصدق الإضلال منا أن لو كنتم مؤمنين فرجعتم عن الإيمان إلينا وإنما الكفر من قبلكم. ﴿وما كان لنا عليكم من سلطان﴾ أي: قوة وقدرة حتى نقهركم ونجبركم على متابعتنا ﴿بل كنتم قوماً طاغين﴾ أي: ضالين مثلنا. ﴿فحق﴾ أي: وجب ﴿علينا﴾ جميعاً ﴿قول

стр. 1706

ربنا﴾ أي: كلمة العذاب وهو قوله تعالى ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (هود: ١١٩) ﴿إنا﴾ أي: جميعاً ﴿لذائقون﴾ أي: العذاب بذلك القول ونشأ عنه قولهم: ﴿فأغويناكم﴾ أي: فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه ﴿إنا كنا غاوين﴾ أي: ضالين فأحببتم أن تكونوا مثلنا، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليست من قبلهم إذ لو كان كل غواية بإغواء غاوٍ فمن أغوى الأول قال الله تعالى: ﴿فإنهم﴾ أي: المتبوعين والأتباع ﴿يومئذ﴾ أي: يوم القيامة ﴿في العذاب مشتركون﴾ أي: كما كانوا مشتركين في الغواية. ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة ﴿كذلك﴾ أي: كما نفعل بهؤلاء ﴿نفعل بالمجرمين﴾ غير هؤلاء أي: نعذبهم التابع منهم والمتبوع ثم وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ أي: يتكبرون عن كلمة التوحيد أو عمن يدعوهم إليها. ﴿ويقولون أئنا﴾ في الهمزتين ما مر ﴿لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون﴾ يعنون محمداً ﷺ ثم إن الله تعالى كذبهم في ذلك الكلام بقوله تعالى: ﴿بل جاء بالحق﴾ أي: الدين الحق ﴿وصدق المرسلين﴾ أي: صدقهم في مجيئهم بالتوحيد فأتى بما أتى به المرسلون من قبله ثم التفت من الغيبة إلى الحضور فقال تعالى: ﴿إنكم لذائقو العذاب الأليم﴾ ثم كأنه قيل: كيف يليق بالرحيم الكريم المتعالي الغني عن الضر والنفع أن يعذب عباده؟ فأجاب بقوله تعالى: ﴿وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ أي: جزاء عملكم وقوله تعالى: ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ أي: المؤمنين استثناء منقطع، وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام بعد الخاء أي: إن الله تعالى أخلصهم واصطفاهم بفضله، والباقون بالكسر أي: إنهم أخلصوا الطاعة لله تعالى وقوله: ﴿أولئك لهم﴾ أي: في الجنة ﴿رزق معلوم﴾ أي: بكرة وعشياً بيان لحالهم وإن لم يكن ثم بكرة ولا عشية فيكون المراد منه معلوم الوقت وهو مقدار غدوة أو عشية، وقيل: معلوم الصفة أي: مخصوص بصفات من طيب طعم ولذة وحسن منظر، وقيل معناه: أنهم يتقينون دوامه لا كرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ومتى ينقطع، وقيل: معلوم القدر الذي يستحقونه بأعمالهم من ثواب الله تعالى وقوله: ﴿فواكه﴾ يجوز أن يكون بدلاً من رزق، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: ذلك الرزق فواكه وفي الفواكه جمع فاكهة قولان: أحدهما: أنها عبارة عما يؤكل للتلذذ لا للحاجة وأرزاق أهل الجنة كلها فواكه؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات فإن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد فكل ما يأكلونه فعلى سبيل التلذذ. والثاني: أن المقصود بذكر الفاكهة التنبيه بالأدنى على الأعلى أي: لما كانت الفاكهة حاضرة أبداً كان المأكول للغذاء أولى بالحضور. ﴿وهم مكرمون﴾ أي: في نيله يصل إليهم من غير تعب وسؤال لا كما عليه رزق الدنيا. ولما ذكر مأكلهم ذكر مسكنهم بقوله تعالى: ﴿في جنات النعيم﴾ أي: في جنات ليس فيها إلا النعيم وهو متعلق بمكرمون أو خبر ثان لأولئك أو حال من المستكن في مكرمون وقوله تعالى: ﴿على سرر متقابلين﴾ أي: لا يرى بعضهم قفا بعض حال، ويجوز أن يتعلق على سرر بمتقابلين، ولما ذكر المأكل والمسكن ذكر بعد ذلك صفة

стр. 1707

المشرب بقوله تعالى: ﴿يطاف عليهم﴾ أي: على كل منهم ﴿بكأس﴾ أي: بإناء فيه خمر فهو اسم للإناء بشرابه فلا يكون كأساً حتى يكون فيه شراب وإلا فهو إناء، وقيل: المراد بالكأس: الخمر كقول الشاعر: *وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها أي: رب كأس شربت لطلب اللذة وكأس شربت للتداوي من خمارها، والكأس مؤنثة كما قاله الجوهري، وقوله تعالى ﴿من معين﴾ أي: من شراب معين أو من نهر معين مأخوذ من عين الماء أي: يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمي عيناً لظهوره يقال: عان الماء إذا ظهر جارياً وقوله تعالى: ﴿بيضاء﴾ أي: أشد بياضاً من اللبن قاله الحسن صفة لكأس، وقال أبو حيان: صفة لكأس أو للخمر، واعترض بأن الخمر لم يذكر، وأجيب عنه: بأن الكأس إنما سميت كأساً إذا كان فيها الخمر وقوله تعالى ﴿لذة﴾ صفة أيضاً وصفه بالمصدر مبالغة كأنها نفس اللذة وعينها كما يقال: فلان جود وكرم إذا كان المراد المبالغة، وقال الزجاج: أو على حذف المضاف أي: ذات لذة وقوله تعالى ﴿للشاربين﴾ أي: بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب صفة للذة، وقال الليث: اللذة واللذيذة يجريان مجرى واحد في النعت يقال: شراب لذ ولذيذ وقوله تعالى: ﴿لا فيها غول﴾ صفة أيضاً، واختلف في الغول فقال الشعبي أي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها وقال الكلبي: معناه الإثم أي: لا إثم فيها، وقال قتادة: وجع البطن، وقال الحسن: صداع، وقال أهل المعاني الغول: فساد يلحق في خفاء يقال: اغتاله اغتيالاً إذا أفسد عليه أمره في خفية، وخمر الدنيا يحصل منها أنواع الفساد منها السكر وذهاب العقل ووجع البطن والصداع والقيء والبول ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة ﴿ولا هم عنها ينزفون﴾ أي: يسكرون، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف الشارب إذا نزف عقله من السكر، والباقون بفتحها من نزف الشارب نزيفاً إذا ذهب عقله أفرده بالذكر وعطفه على ما يعمه؛ لأنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه. ولما ذكر تعالى صفة مشروبهم ذكر عقبه صفة منكوحهم بقوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف﴾ أي: حابسات الأعين غاضات الجفون قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لحسنهم عندهن وقوله تعالى ﴿عين﴾ جمع عيناء وهي الواسعة العين والذكر أعين قال الزجاج: كبار الأعين حسانها يقال: رجل أعين وامرأة عيناء ورجال ونساء عين. ﴿كأنهن﴾ أي: في اللون ﴿بيض﴾ للنعام ﴿مكنون﴾ أي: مستور بريشه لا يصل إليه غبار ولونه وهو البياض في صفرة يقال: هذا أحسن ألوان النساء تكون المرأة مشربة بصفرة قال ذو الرمة في ذلك: *بيضاء في ترح صفراء في غنج ... كأنها فضة قد مسها ذهب* قال المبرد: والعرب تشبه المرأة الناعمة في بياضها وحسن لونها ببيضة النعامة، وقال بعضهم: إنما شبهت المرأة بها في أجزائها فإن البيضة من أي جهة أتيتها كانت في رأي العين مشبهة للأخرى وهو في غاية المدح وقد لحظ هذا بعض الشعراء فقال: *تناسبت الأعضاء فيها فلا ترى ... بهن اختلافاً بل أتين على قدر*

стр. 1708

ويجمع البيض على بيوض قال الشاعر: *بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها* ﴿فأقبل بعضهم﴾ أي: بعض أهل الجنة ﴿على بعض يتساءلون﴾ معطوف على يطاف عليهم أي: يشربون فيتحادثون على الشراب قال القائل: *وما بقيت من اللذات إلا ... محادثة الكرام على المدام* وأتى بقوله تعالى: ﴿فأقبل﴾ ماضياً لتحقق وقوعه كقوله تعالى ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ (الأعراف: ٤٤) وقوله تعالى ﴿يتساءلون﴾ حال من فاعل أقبل وتساؤلهم عن المعارف والفضائل وما جرى لهم وعليهم في الدنيا. ولما ذكر تعالى أن أهل الجنة يتساءلون عند اجتماعهم على الشراب ويتحدثون كان من جملة كلماتهم أنهم يتذكرون ما كان حصل لهم في الدنيا مما يوجب الوقوع في عذاب الله تعالى ثم إنهم تخلصوا منه وهو ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله: ﴿قال قائل منهم﴾ أي: من أهل الجنة في الجنة في مكالمتهم ﴿إني كان لي قرين﴾ أي: في الدنيا ينكر البعث. ﴿يقول أءِنك لمن المصدقين﴾ أي: كان يوبخني على التصديق بالبعث ويقول تعجباً. ﴿أءذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أءنا لمدينون﴾ أي: مجزيون ومحاسبون من الدين بمعنى الجزاء وهذا استفهام إنكار. تنبيه: اختلف في ذلك القرين فقال مجاهد: كان شيطاناً، وقيل: كان من الإنس، وقال مقاتل: كانا أخوين، وقيل: كانا شريكين حصل لهما ثمانية آلاف دينار فتقاسماها واشترى أحدهما داراً بألف دينار فأراها صاحبه، وقال: كيف ترى حسنها؟ فقال: ما أحسنها ثم خرج فتصدق بألف دينار وقال: اللهم إن صاحبي قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك داراً من دور الجنة، ثم إن صاحبه تزوج امرأة حسناء بألف دينار، فتصدق صاحبه بألف دينار لأجل أن يزوجه الله تعالى من الحور العين، ثم إن صاحبه اشترى بساتين بألفي دينار، فتصدق هذا بألفي دينار ثم إن الله تعالى أعطاه ما طلبه في الجنة، وقيل: كان أحدهما كافراً اسمه ينطواوس والآخر مؤمن اسمه يهودا وهما اللذان قص الله تعالى خبرهما في سورة الكهف في قوله تعالى ﴿واضرب لهم مثلاً رجلين﴾ (الكهف: ٣٢) ﴿قال﴾ أي: ذلك القائل لإخوته ﴿هل أنتم مطلعون﴾ أي: معي إلى النار لننظر حاله فيقولون: لا. ﴿فاطلع﴾ ذلك القائل من بعض كوى الجنة قال ابن عباس ﵄: أن في الجنة كوى ينظر أهلها منها إلى النار ﴿فرآه﴾ أي: رأى قرينه ﴿في سواء الجحيم﴾ أي: وسط النار وإنما يسمى وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه. ﴿قال﴾ له توبيخاً مقسماً بقوله ﴿تالله إن كدت﴾ أي: قاربت وإن مخففة من الثقيلة ﴿لتردين﴾ أي: لتهلكني بإغوائك إياي بإنكار البعث والقيامة. ﴿ولولا نعمة ربي﴾ أي: إنعامه علي بالإيمان والهداية والعصمة ﴿لكنت من المحضرين﴾ معك في النار. تنبيه: أثبت الياء بعد النون في ﴿لتردين﴾ ورش، والباقون بالتخفيف. ولما تم الكلام مع قرينه الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة وقال: ﴿أفما نحن بميتين﴾ وهذا عطف على محذوف أي: أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين أي: ممن شأنه الموت، وقال بعضهم: إن أهل الجنة لا يعلمون في أول دخولهم الجنة أنهم لا يموتون

стр. 1709

فإذا جيء بالموت على صورة كبش أملح وذبح يقول أهل الجنة للملائكة: أفما نحن بميتين؟ فتقول الملائكة: لا فعند ذلك يعلمون أنهم لا يموتون، وعلى هذا فالكلام حصل قبل ذبح الموت، وقيل: إن الذي تكاملت سعادته إذا عظم تعجبه بها يقول ذلك على جهة التحديث بالنعمة التي أنعم الله تعالى بها عليه، وقيل: يقوله المؤمن لقرينه توبيخاً له بما كان ينكره، وقوله: ﴿إلا موتتنا الأولى﴾ منصوب على المصدر والعامل فيه الوصف قبله ويكون استثناء مفرغاً، وقيل: هو استثناء منقطع أي: لكن الموتة الأولى كانت لنا في الدنيا وهي متناوله لما في القبر بعد الإحياء للسؤال وهذا قريب في المعنى من قوله تعالى ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾ (الدخان: ٥٦) ﴿وما نحن بمعذبين﴾ هو استفهام تلذذ وتحدث بنعمة الله تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب. ﴿إن هذا﴾ أي: الذي ذكر لأهل الجنة ﴿لهو الفوز العظيم﴾ هو قول أهل الجنة عند فراغهم من هذه المحادثات وقوله تعالى: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ قيل: إنه من بقية كلامهم، وقيل: إنه ابتداء كلام من الله تعالى أي: لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الإنصرام. ولما ذكر تعالى ثواب أهل الجنة ووصفها وذكر مآكل أهل الجنة ومشاربهم وقال ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ أتبعه بقوله تعالى: ﴿أذلك﴾ أي: المذكور لأهل الجنة ﴿خير نزلاً﴾ وهو ما يعد للنازل من ضيف أو غيره ﴿أم شجرة الزقوم﴾ أي: المعدة لأهل النار نزلاً، وانتصاب نزلاً على التمييز أو الحال وفي ذكره دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقدم للنازل ولهم ما وراء ذلك مما تقصر عنه الأفهام، وكذا الزقوم لأهل النار وهي: اسم شجرة صغيرة الورق زفرة مرة تكون بتهامة ثم سميت به: الشجرة الموصوفة، وإذا عرف هذا فالحاصل من الرزق المعلوم لأهل الجنة اللذة والسرور وحاصل شجرة الزقوم الألم والغم، ومعلوم أنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر في الخيرية إلا أنه جاء هذا الكلام على سبيل السخرية بهم أو لأجل أن المؤمنين لما اختاروا ما أوصلهم إلى الرزق الكريم والكافرون اختاروا ما أوصلهم إلى العذاب الأليم قيل لهم ذلك توبيخاً لهم على اختيارهم. ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة البالغة ﴿جعلناها فتنة﴾ أي: محنة وعذاباً ﴿للظالمين﴾ أي: الكافرين قال الكلبي: في الآخرة وابتلاء في الدنيا لما سمعوا بأنها في النار قالوا: كيف ذلك والنار تحرق الشجر ولم يعلموا أن من قدر على خلق يعيش في النار ويتلذذ بها فهو أقدر على خلقه الشجر في النار وحفظه من الإحراق. ولما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعرى: أكثر الله في بيوتكم الزقوم فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد الزقوم، ثم أدخلهم أبو جهل بيته وقال لجاريته: زقمينا فأتته بزبد وتمر وقال: تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد، وهذا عناد منه وكذب فإنه من العرب العرباء وهم إنما يطلقونه على شجرة مسمومة يخرج لها لبن متى مس جسم أحد تورم فمات، والتزقم البلع الشديد للأشياء الكريهة وأما الزبد بالرطب فيسمى: ألوقة قاله ابن الكلبي وأنشد: *وإني لمن سالمتهم لألوقة ... وإني لمن عاديتهم سم أسود* ثم إن الله تعالى وصف هذه الشجرة بصفتين: الأولى: قوله تعالى: ﴿إنها شجرة تخرج في أصل

стр. 1710

الجحيم﴾ قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها. الصفة الثانية قوله تعالى: ﴿طلعها﴾ أي: ثمرها قال الزمخشري: الطلع للنخلة فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها إما استعارة لفظية أو معنوية قال ابن قتيبة: سمي طلعاً لطلوعه كل سنة فكذلك قيل: طلع النخل لأول ما يخرج من ثمره ثم وصف ذلك الطلع بقوله تعالى: ﴿كأنه رؤوس الشياطين﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه حقيقة وأن رؤوس الشياطين شجرة معينة بناحية اليمن وتسمى: الأستن قال النابغة: *تحيد عن أستن سود أسافله ... مثل الإماء الغوادي تحمل الحزما* وهو شجر منكر الصورة مر، تسميه العرب بذلك تشبيهاً برؤوس الشياطين في القبح ثم صار أصلاً يشبه به، وقيل: الشياطين صنف من الحيات لهن أعراف قال الراجز: *عنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف* وقيل: شجرة يقال لها: الصوم ومنه قول ساعدة بن حربة: *موكل بسروف الصوم يرقبها ... من المعارف محفوظ الحشا ورم* فعلى هذا خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة فالكلام حقيقة. والثاني: أنه من باب النخيل والتمثيل، وذلك أن كل ما يستنكر ويستقبح في الطباع والصورة يشبه بما يتخيله الوهم وإن لم يكن يراه، والشياطين وإن كانوا موجودين غير مرئيين للعرب إلا أنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات التخيلية وذلك كقول امرئ القيس: *أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال* ولم ير أنيابها بل ليست موجودة البتة قال الرازي: وهذا هو الصحيح وذلك أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة ﵈ كمال الفضل في الصورة والسيرة فكما حسن تشبيه يوسف ﵇ بالملك عند إرادة الكمال والفضيلة في قول النسوة ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ (يوسف: ٣١) فكذلك حسن التشبيه برؤوس الشياطين في القبح وتشويه الخلقة، ويؤكد هذا أن العقلاء إذا رأوا شيئاً شديد الاضطراب منكر الصورة قبيح الخلقة قالوا: إنه شيطان وإذا رأوا شيئاً حسناً قالوا: إنه ملك من الملائكة، وقال ابن عباس ﵄: هم الشياطين بأعيانهم. ﴿فإنهم﴾ أي: الكفار ﴿لآكلون منها﴾ أي: من الشجرة أو من طلعها ﴿فمالئون منها البطون﴾ والملء حشو الوعاء بما لا يحتمل الزيادة عليه، فإن قيل: كيف يأكلونها مع نهاية خشونتها ونتنها ومرارة طعمها؟ أجيب: بأن المضطر ربما استروح من الضرر بما يقاربه في الضرر فإذا جوعهم الله تعالى الجوع الشديد فزعوا إلى إزالة ذلك الجوع بتناول هذا الشيء، أو يقال: إن الزبانية يكرهونهم على الأكل من تلك الشجرة لعذابهم. ولما ذكر الله تعالى طعامهم بتلك الشناعة والكراهية وصف شرابهم بما هو أشنع منه بقوله تعالى: ﴿ثم إن لهم عليها﴾ أي: بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش ﴿لشوباً من حميم﴾ أي: ماء حار يشربونه فيختلط بالمأكول منها فيصير شوباً، وعطف بثم لأحد معنيين: إما لأنه يؤخر ما يظنونه يرويهم من عطشهم زيادة في عذابهم فلذلك أتى بثم المقتضية للتراخي، وإما لأن العادة تقتضي

стр. 1711

تراخي الشرب عن الأكل فعمل على ذلك المنوال، وأما ملء البطن فيعقب الأكل فلذلك عطف على ما قبله بالفاء قال الزجاج: الشراب اسم عام في كل ما خلط بغيره والشوب الخلط والمزج ومنه شاب اللبن يشوبه أي: خلطه ومزجه. ﴿ثم إن مرجعهم﴾ أي: مصيرهم ﴿لإلى الجحيم﴾ قال مقاتل: أي: بعد أكل الزقوم وشرب الحميم وهذا يدل على أنهم عند شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم وذلك بأن يكون الحميم في موضع خارج عن الجحيم فهم يردون الحميم لأجل الشرب كما ترد الإبل الماء ويدل عليه قوله تعالى ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ (الرحمن: ٤٤) وقوله تعالى: ﴿إنهم ألفوا﴾ أي: وجدوا ﴿آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون﴾ تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد قال الفراء: الإهراع الإسراع يقال: هرع وأهرع إذا استحث والمعنى: أنهم يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم، وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث، ثم إنه تعالى ذكر لرسوله ﷺ ما يسليه في كفرهم وتكذيبهم يقوله سبحانه: ﴿ولقد ضل قبلهم﴾ أي: قبل قومك ﴿أكثر الأولين﴾ أي: من الأمم الماضية. ﴿ولقد أرسلنا فيهم منذرين﴾ أي: أنبياء أنذروهم من العواقب فبين تعالى أن إرساله الرسل قد تقدم والتكذيب لهم قد سلف فوجب أن يكون له ﷺ أسوة بهم حتى يصبر كما صبروا ويستمر على الدعاء إلى الله تعالى وإن تمردوا فليس عليه إلا البلاغ، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار الدال، والباقون بالإدغام ثم قال تعالى: ﴿فانظر كيف كان عاقبة المنذرين﴾ أي: الكافرين كان عاقبتهم العذاب وهذا خطاب وإن كان ظاهره مع النبي ﷺ إلا أن المقصود منه خطاب الكفار؛ لأنهم سمعوا بالأخبار ما جرى على قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من أنواع العذاب فإن لم يعلموا ذلك فلا أقل من ظن وخوفه يحتمل أن يكون زاجراً لهم عن كفرهم وقوله تعالى: ﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ استثناء من المنذرين استثناء منقطع؛ لأنه وعيد وهم لا يدخلون في هذا الوعيد، وقيل: استثناء من قوله تعالى ﴿ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين﴾ والمراد بالمخلصين: الموحدون نجوا من العذاب وتقدمت القراءة في المخلصين، ثم شرع تعالى في تفصيل القصص بعد إجمالها بقوله تعالى: ﴿ولقد نادانا نوح﴾ أي: نادى ربه أن ينجيه مع من نجي من الغرق بقوله: رب إني مغلوب فانتصر فأجاب الله تعالى دعاءه وقوله تعالى ﴿فلنعم المجيبون﴾ جواب قسم مقدر أي: فوالله ومثله: لعمري لنعم السيدان وجدتما، والمخصوص بالمدح محذوف أي: نحن أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه. ﴿ونجيناه وأهله من الكرب العظيم﴾ أي: من الغرق وأذى قومه وهذه الإجابة كانت من النعم العظيمة وذلك من وجوه أولها: أنه تعالى عبر عن ذاته بصيغة الجمع فقال: ﴿ولقد نادانا نوح﴾ فالقادر العظيم لا يليق به إلا الإحسان العظيم. وثانيها: أنه تعالى أعاد صيغة الجمع فقال تعالى ﴿فلنعم المجيبون﴾ وفي ذلك أيضاً ما يدل على تعظيم تلك النعمة لا سيما وقد وصف الله تعالى تلك الإجابة بأنها نعمت الإجابة. وثالثها: أن الفاء في قوله تعالى ﴿فلنعم المجيبون﴾ تدل على أن حصول تلك الإجابة مرتب على ذلك النداء وهذا يدل على أن النداء بالإخلاص سبب لحصول الإجابة وقوله تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ يفيد الحصر، وذلك يدل على أن كل من سواه وسوى ذريته قد فنوا

стр. 1712

فالناس كلهم من نسله ﵇ قال ابن عباس ﵁: ذريته بنوه الثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس وحام أبو السودان ويافث أبو الترك والخزرج ويأجوج ومأجوج وما هنالك قال ابن عباس ﵄: لما خرج نوح من السفينة مات كل من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم. ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ أي: أبقينا له ثناء حسناً وذكراً جميلاً فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة، وقيل: أن نصلي عليه إلى يوم القيامة وقوله تعالى: ﴿سلام على نوح﴾ مبتدأ وخبر وفيه أوجه أحدها: أنه مفسر لتركنا، والثاني: أنه مفسر لمفعوله أي: تركنا عليه ثناء وهو هذا الكلام، وقيل: ثم قول مقدر أي: فقلنا سلام وقيل: ضمن تركنا معنى قلنا، وقيل: سلط تركنا على ما بعده ﴿في العالمين﴾ متعلق بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبوت هذه التحية في الملائكة والثقلين جميعاً وقوله تعالى: ﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ تعليل لما فعل بنوح ﵇ من التكرمة بأنه مجازاة له أي: إنما خصصناه بهذه التشريفات الرفيعة من جعل الدنيا مملوءة من ذريته ومن ترقية ذكره الحسن في ألسنة العالمين لأجل كونه محسناً وقوله تعالى: ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانه بالإيمان إظهاراً لجلالة قدره وأصالة أمره. ﴿ثم أغرقنا الآخرين﴾ كفار قومه. القصة الثانية: قصة إبراهيم ﵇ المذكورة في قوله تعالى: ﴿وإن من شيعته﴾ أي: ممن شايعه في الإيمان وأصول الشريعة ﴿لإبراهيم﴾ ولا يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالباً، وقال الكلبي: الضمير يعود على محمد ﷺ أي: وإن من شيعة محمد ﷺ لإبراهيم عليه الصلاة السلام والشيعة قد تطلق على المتقدم كقول القائل: *ومالي إلا آل أحمد شيعة ... وما لي إلا مذهب الحق مذهب» * فجعل آل أحمد وهم متقدمون عليه وهو تابع لهم شيعة له قاله الفراء، والمعروف أن الشيعة تكون في المتأخر قالوا: كان بين نوح وإبراهيم نبيان هود وصالح، وروى الزمخشري: أنه كان بين نوح وإبراهيم ألفان وستمائة وأربعون سنة وفي العامل في قوله تعالى: ﴿إذ جاء ربه﴾ وجهان أحدهما: اذكر مقدراً وهو المعروف، والثاني: قال الزمخشري: ما في معنى الشيعة من معنى المشايعة يعني: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين جاء ربه ورد هذا أبو حيان قال: لأن فيه الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي وهو لإبراهيم؛ لأنه أجنبي من شيعته ومن إذ، واختلف في قوله ﴿بقلب سليم﴾ فقال مقاتل والكلبي: المعنى أنه سليم من الشرك؛ لأنه أنكر على قومه الشرك، وقال الأصوليون: معناه أنه عاش ومات على طهارة القلب من كل معصية وقوله تعالى: ﴿إذا قال لأبيه وقومه﴾ بدل من إذ الأولى أو ظرف لسليم أو لجاء وقوله تعالى لهم: ﴿ماذا﴾ أي: ما الذي ﴿تعبدون﴾ استفهام توبيخ تهجين لتلك الطريقة تقبيحها وفي قوله: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون﴾ أوجه من الإعراب أحدها: أنه مفعول من أجله أي: أتريدون آلهة دون الله إفكاً فآلهة مفعول به ودون ظرف لتريدون وقدمت معمولات الفعل اهتماماً بها وحسنه كون العامل رأس فاصلة، وقدم المفعول من أجله على المفعول به

стр. 1713

اهتماماً به؛ لأنه مكافح لهم بأنهم على إفك وباطل وبهذا الوجه بدأ الزمخشري، الثاني: أن يكون مفعولاً به بتريدون ويكون آلهة بدلاً منه جعلها نفس الإفك مبالغة فأبدلها منه وفسره بها واقتصر على هذا ابن عطية، الثالث: أنه حال من فاعل تريدون أي: أتريدون آلهة آفكين أو ذوي إفك، وإليه نحا الزمخشري، واعترضه أبو حيان بأن جعل المصدر حالاً لا يطرد إلا مع نحو أما علماً فعالم، والإفك أسوأ الكذب. ﴿فما ظنكم﴾ أي: أتظنون ﴿برب العالمين﴾ أنه جوز جعل هذه الجمادات مشاركة له في العبودية أو تظنون برب العالمين أنه من جنس هذه الأجسام حتى جعلتموها مساوية له في العبودية فنبههم بذلك على أنه ليس كمثله شيء، أو فما ظنكم برب العالمين إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يترككم بلا عذاب لا، وكانوا نجامين فخرجوا إلى عيد لهم وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا التبرك عليه فإذا رجعوا أكلوه وقالوا للسيد إبراهيم ﵊: اخرج. ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ إيهاماً لهم أنه يعتمد عليها فيتبعوه. ﴿فقال إني سقيم﴾ أي: عليل وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة وأراد أن يتخلف عنهم ليبقى خالياً في بيت الأصنام فيقدر على كسرها. فإن قيل: النظر في علم النجوم غير جائز فكيف قدم إبراهيم ﵇ عليه وأيضاً لم يكن سقيماً فكيف أخبرهم بخلاف حاله؟ أجيب عن ذلك: بأنا لا نسلم أن النظر في علم النجوم والاستدلال بها حرام؛ لأن من اعتقد أن الله تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بطبع وخاصة لأجلها يظهر منه أثر مخصوص فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل وأما الكذب فغير لازم؛ لأن قوله ﴿إني سقيم﴾ على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم، وعلى تقدير تسليم ذلك أجيب بأوجه: أحدها: أن نظره في النجوم أو في أوقات الليل والنهار وكانت تأتيه الحمى في بعض ساعات الليل والنهار، فنظر ليعرف هل هي تلك الساعة فقال ﴿إني سقيم﴾ فجعله عذراً في تخلفه عن العيد الذي لهم فكان صادقاً فيما قال؛ لأن السقم كان يأتيه في ذلك الوقت. ثانيها أنهم كانوا أصحاب النجوم أي: يعلمونها ويقضون بها على أمورهم، فلذلك نظر إبراهيم في النجوم أي: في علم النجوم كما تقول: نظر فلان في الفقه أي: في علم الفقه فأراد إبراهيم أن يوهمهم أنه نظر في عملهم وعرف منه ما يعرفونه حتى إذا قال لهم ﴿إني سقيم﴾ سكنوا إلى قوله، وأما قوله ﴿إني سقيم﴾ فمعناه سأسقم كقوله تعالى ﴿إنك ميت﴾ (الزمر: ٣٠) أي: ستموت. ثالثها: أن نظره في النجوم هو قوله تعالى ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكباً﴾ إلخ الآيات (الأنعام: ٧٦) فكان نظره ليتعرف هذه الكواكب هل هي قديمة أو حادثة وقوله ﴿إني سقيم﴾ أي: سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل بلوغه. رابعها: قال ابن زيد: كان له نجم مخصوص وكلما طلع على صفة مخصوصة مرض إبراهيم فلهذا الاستقراء لما رآه في تلك الحالة المخصوصة قال ﴿إني سقيم﴾ أي: هذا السقم واقع لا محالة. خامسها: أن قوله ﴿إني سقيم﴾ أي: مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك كقوله تعالى لمحمد ﷺ ﴿فلعلك باخع نفسك﴾ (الكهف: ٦) سادسها: قال الرازي: قال بعضهم: ذلك القول من

стр. 1714

إبراهيم ﵇ كذبة وأوردوا فيه حديثاً عن النبي ﷺ أنه قال: «ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات» قلت: ولبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن ينقل؛ إذ فيه نسبة الكذب إلى إبراهيم ﵇ فقال ذلك الرجل: فكيف نحكم بكذب الراوي العدل؟ فقلت له: لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبة الكذب إلى الخليل كان من المعلوم بالضرورة أن نسبة الكذب إلى الراوي أولى، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله ﴿فنظر نظرة في النجوم﴾ أي: نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال: إنها منجمة أي: مفرقة ومنه نجوم المكاتب والمعنى: أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها حتى يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذراً أحسن من قوله: ﴿إني سقيم﴾ والمراد: أنه لا بد من أن يصير سقيماً كما تقول لمن رأيته يتجهز للسفر إنك مسافر. ولما قال: ﴿إني سقيم﴾ تولوا عنه كما قال تعالى: ﴿فتولوا عنه﴾ أي: إلى عيدهم ﴿مدبرين﴾ أي: هاربين مخافة العدوى وتركوه وعذروه في عدم الخروج إلى عيدهم. ﴿فراغ﴾ أي: مال في خفية وأصله من روغان الثعلب وهو تردده وعدم ثبوته بمكان ولا يقال: راغ حتى يكون صاحبه مخفياً لذهابه ومجيئه ﴿إلى آلهتهم﴾ وعندها الطعام ﴿فقال﴾ استهزاء بها ﴿ألا تأكلون﴾ أي: الطعام الذي كان بين أيديهم فلم ينطقوا فقال استهزاء بها أيضاً: ﴿ما لكم لا تنطقون﴾ فلم تجب. ﴿فراغ عليهم﴾ أي: مال عليهم مستخفياً وقوله تعالى ﴿ضرباً﴾ مصدر واقع موقع الحال أي: فراغ عليهم ضارباً أو مصدر لفعل، وذلك الفعل حال تقديره فراغ يضرب ضرباً وقوله تعالى: ﴿باليمن﴾ متعلق بضرباً إن لم نجعله مؤكداً وإلا فبعامله، واليمين يجوز أن يراد بها إحدى اليدين وهو الظاهر، وأن يراد بها القوة واقتصر عليه الجلال المحلي فالباء على هذا للحال أي: متلبساً بالقوة وأن يراد بها الحلف وفاء بقوله ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ (الأنبياء: ٥٧) والباء على هذا للسبب وعدى راغ الثاني بعلى لما كان مع الضرب المستولي من فوقهم إلى أسفلهم بخلاف الأول فإنه مع توبيخ لهم، وأتى بضمير العقلاء في قوله تعالى: ﴿عليهم ضرباً﴾ على ظن عبدتها أنها كالعقلاء ثم إنه ﵇ كسرها فبلغ قومه من ورائه ذلك. ﴿فأقبلوا إليه﴾ أي: إلى إبراهيم بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة ﴿يزفون﴾ أي: يسرعون المشي، وقرأ حمزة بضم الياء على البناء للمفعول من أزفه أي: يحملون على الزفيف، والباقون بفتحها من زف يزف فقالوا: نحن نعبدها وأنت تكسرها. ﴿قال﴾ لهم توبيخاً ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ أي: من الحجارة وغيرها أصناماً. ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ أي: نحتكم ومنحوتكم فاعبدوه وحده. تنبيه: دلت هذه الآية على مذهب الأشعرية وهو أن فعل العبد مخلوق لله وهو الحق وذلك؛ لأن النحويين اتفقوا على أن لفظ ما مع ما بعده في تقدير المصدر فقوله تعالى ﴿وما تعملون﴾ معناه وعملكم وعلى هذا فيصير معنى الآية: والله خلقكم وخلق عملكم. ولما أورد عليهم الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريقة الإيذاء لئلا يظهر للعامة عجزهم بأن: ﴿قالوا ابنوا له بنياناً﴾ قال ابن عباس ﵄: بنوا حائطاً من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وملؤوه ناراً

стр. 1715

فطرحوه فيها وذلك هو قوله تعالى ﴿فألقوه في الجحيم﴾ وهي النار العظيمة قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم. ﴿فأرادوا به كيداً﴾ أي: شراً بإلقائه في النار لتهلكه ﴿فجعلناهم الأسفلين﴾ أي: المقهورين الأذلين بإبطال كيدهم وجعلنا ذلك برهاناً نيراً على علو شأنه حيث جعلنا النار عليه برداً وسلاماً وخرج منها سالماً. ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي﴾ أي: إلى حيث أمرني ربي ونظيره قوله تعالى ﴿وقال إني مهاجر إلى ربي﴾ (العنكبوت: ٢٦) أي: مهاجر إليه من دار الكفر ﴿سيهدين﴾ أي: إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي وهو الشام، وإنما بتّ القول لسبق وعده ولفرط توكله أو للبناء على عادته تعالى معه ولم يكن كذلك حال موسى ﵇ حيث قال ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾ (القصص: ٢٢) فلذلك ذكر بصيغة التوقع. ولما وصل إلى الأرض المقدسة قال: ﴿رب هب لي من الصالحين﴾ أي: هب لي ولداً صالحاً يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة؛ لأن لفظ هب غلب في الولد وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى ﴿ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبياً﴾ (مريم: ٥٣) قال الله تعالى: ﴿فبشرناه بغلام حليم﴾ أي: ذي حلم كثير في كبره غلام في صغره، ففيه بشارة بأنه ابن وأنه يعيش وينتهي إلى سن يوصف بالحلم وأي حلم أعظم من أنه عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال: ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ (الصافات: ١٠٢) وقيل: ما وصف الله تعالى نبياً بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه اسماعيل عليهما الصلاة والسلام وحالتهما المذكورة تشهد عليه. ﴿فلما بلغ معه السعي﴾ أي: أن يسعى معه قال ابن عباس ﵄ وقتادة: بلغ معه السعي إي المشي معه إلى الجبل وقال مجاهد عن ابن عباس ﵄: ما شب حتى بلغ سعيه بسعي إبراهيم والمعنى: بلغ أن يتصرف معه وأن يعينه في عمله، وقال الكلبي: يعني العمل لله تعالى وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة، وقيل: سبع سنين. تنبيه: معه متعلق بمحذوف على سبيل البيان كأن قائلاً قال: مع من بلغ السعي؟ فقيل: مع أبيه ولا يجوز تعلقه ببلغ؛ لأنه يقتضي بلوغهما معاً حد السعي ولا يجوز تعلقه بالسعي؛ لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه. وقوله تعالى ﴿قال يا بني إني أرى﴾ أي: رأيت ﴿في المنام أني أذبحك﴾ يحتمل أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره، وقيل: إنه رأى في ليلة التروية في منامه كأن قائلاً يقول له: إن الله تعالى يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح أمن الله أم من الشيطان؟ فمن ثم سمى يوم التروية فلما أمسى رأى أيضاً مثل ذلك فعرف أنه من الله تعالى فسمي يوم عرفة ثم رأي مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر، وهذا قول أكثر المفسرين، وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة وعلى هذا فتقدير اللفظ: أرى في المنام ما يوجب أني أذبحك. تنبيه: اختلف في الذبيح فقيل: هو اسحق ﵇ وبه قال: عمر وعلي وابن مسعود ﵃ وغيرهم، وقيل: إسماعيل وبه قال ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب ﵃ وغيرهم وهو الأظهر كما قاله البيضاوي؛ لأنه الذي وهب له أثر الهجرة ولأن البشارة بإسحق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام ولقوله ﷺ «أنا ابن الذبيحين» . وقال له أعرابي: يا ابن الذبيحين فتبسم النبي ﷺ فسئل عن ذلك فقال: إن عبد المطلب لما حفر بئر

стр. 1716

زمزم نذر إن سهل الله أمرها ليذبحن أحد ولده فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمائة من الإبل ولذلك سنت الإبل مائة والذبيح الثاني إسماعيل، ونقل الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة. وقد وصف الله تعالى إسماعيل ﵇ بالصبر دون إسحاق ﵇ في قوله تعالى ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ (الأنبياء: ٨٥) وهو صبره على الذبح ووصفه أيضاً بصدق الوعد فقال: ﴿إنه كان صادق الوعد﴾ (مريم: ٥٤) لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فقال ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ (الصافات: ١٠٢) وقال تعالى: ﴿فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب﴾ (هود: ٧١) فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟ هذا يناقض البشارة المتقدمة. وقال الإمام أحمد بن حنبل: الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵇ وعليه جمهور العلماء من الخلف والسلف قال ابن عباس: وزعمت اليهود أنه اسحق ﵇ وكذبت اليهود وما روي أنه ﷺ «سئل أي النسب أشرف؟ فقال: يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله» فالصحيح أنه قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم والزوائد من الراوي، وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت وقال محمد بن إسحاق: كان إبراهيم ﵇ إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى بلغ إسماعيل معه السعي أمر في المنام أن يذبحه قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ﵇ ثلاث ليال متتابعات فلما تيقن ذلك قال لابنه ﴿فانظر ماذا ترى﴾ من الرأي: فشاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به قال ابن اسحق وغيره ولما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا الشعب نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب شعب ثبير أخبره بما أمر. ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ أي: ما أمرت به ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ أي: على ذلك، وقرأ ﴿يا بني﴾ حفص بفتح الياء، والباقون بالكسر، وقرأ ﴿إني أرى﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وقرأ ﴿ماذا ترى﴾ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء، والباقون بفتحهما والحكمة في مشاورته في هذا الأمر ليظهر له صبره في طاعة الله تعالى فيكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحكمة إلى هذا الحد العظيم والصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا. وقرأ يا أبت ابن عامر في الوصل بفتح التاء، وكسرها الباقون والتاء عوض عن ياء الإضافة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابن عامر، ووقف الباقون بالتاء والرسم بالتاء وفتح ياء ستجدني في الوصل نافع، وسكنها الباقون. ﴿فلما أسلما﴾ أي: انقادا وخضعا لأمر الله، وقال قتادة: أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه ﴿وتله للجبين﴾ أي: صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة، والجبهة بين الجبينين وشذ جمعه على أجبن، وقياسه في القلة أجبنة كأرغفة وفي الكثرة جبن وجبنان كرغيف ورغف ورغفان، وقيل: إنه لما أراد ذبحه قال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب فينقص

стр. 1717

أجري، واكفف عني ثيابي حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء وتراه أمي فتحزن حزناً طويلاً، واشحذ شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ ﵍ مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله تعالى ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تجل شيئاً ثم أنه شحذها مرتين أو ثلاثاً بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئاً، قال السدي: ضرب الله تعالى صفيحة من نحاس على حلقه قال: فقال الإبن عند ذلك يا أبت كبني على وجهي لجبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رحمة تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا أنظر الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ووضع السكين على قفاه فانقلبت السكين. ﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا﴾ أي: بالعزم والإتيان بالمقدمات ما أمكنك. تنبيه: في جواب لما ثلاثة أوجه أظهرها: أنه محذوف، أي: نادته الملائكة ﵈ أو ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم بعد الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه. ونقل ابن عطية أن التقدير: فلما أسلما سلما وتله للجبين ويعزى هذا لسيبويه وشيخه الخليل. الثاني: أنه وتله للجبين والواو زائدة، وهو قول الكوفيين والأخفش، الثالث: أنه وناديناه والواو زائدة أيضاً واقتصر على هذا الجلال المحلي، وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار: أن إبراهيم ﵇ لما رأى ذبح ولده قال الشيطان: لئن لم أفتن آل إبراهيم عند هذا لم أفتن أحداً منهم أبداً فتمثل الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام وقال: هل تدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب قال: والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم به وأشد حباً له من ذلك، قال: إنه يزعم أن الله أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن إن يطيع ربه، فخرج من عندها الشيطان، ثم أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره، قال: فليفعل ما أمره به ربه فسمع وطاعة، فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم فقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ولدك هذا، فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئاً كما أراد الله . وروى أبو الطفيل عن ابن عباس ﵁: أن إبراهيم ﵊ لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. فإن قيل: لم قال تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟ أجيب: بأنه جعله مصدقاً لأنه قد أتى بما أمكنه

стр. 1718

والمطلوب استسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعل، اوقيل: كان قد رأى في النوم معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم وقد فعل في اليقظة ما رآه في النوم، ولذلك قال: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذه التكاليف الشاقة الشديدة وظهر منه كمال الطاعة والانقياد لا جرم قال الله تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وقوله تعالى: ﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى، والمعنى: إنا كما عفونا عن ذبح ولدك كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل: جزاء الله تعالى بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه. ﴿إن هذا﴾ أي: الذبح المأمور به ﴿لهو البلاء المبين﴾ أي: الاختبار الظاهر الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم، والمحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها وقال مقاتل: البلاء ههنا النعمة وهو أن فدى ابنه بالكبش كما قال تعالى: ﴿وفديناه﴾ أي: المأمور بذبحه وهو إسماعيل وهو الأظهر، وقيل: إسحق ﴿بذبح عظيم﴾ أي: عظيم الجثة سمين أو عظيم القدر؛ لأن الله تعالى فدى به نبياً ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين ﵊، وهو كبش أتى به جبريل ﵇ من الجنة وهو الذي قربه هابيل، فقال لإبراهيم: هذا فدا ولدك فاذبحه دونه، فكبر إبراهيم وكبر ولده، وكبر جبريل وكبر الكبش وأخذ إبراهيم الكبش، وأتى به المنحر من منى فذبحه، قال البغوي: قال أكثر المفسرين: كان ذلك الذبح كبشاً رعى في الجنة أربعين خريفاً، وقيل: كان وعلاً أهبط عليه من ثبير، وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة. تنبيه: الذبح مصدر ويطلق على ما يذبح وهو المراد في هذه الآية. ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ثناء حسناً، وقوله تعالى: ﴿سلام﴾ أي: منا ﴿على إبراهيم﴾ سبق بيانه في قصة نوح ﵉. ﴿كذلك﴾ أي: كما جزيناك ﴿نجزي المحسنين﴾ لأنفسهم، وقوله تعالى: ﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانه بالإيمان إظهاراً لجلالة قدره وأصالة أمره وقوله تعالى: ﴿وبشرناه بإسحق﴾ فيه دليل على أن الذبيح غيره، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، وقوله تعالى ﴿نبياً﴾ حال مقدرة أي: يوجد مقدراً نبوته، وقوله تعالى: ﴿من الصالحين﴾ يجوز أن يكون صفة لنبياً وأن يكون حالاً من الضمير في نبياً فتكون حالاً متداخلة، ويجوز أن تكون حالاً ثانية ومن فسر الذبيح بإسحق ﵇ جعل المقصود من البشارة نبوته، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل. ﴿وباركنا عليه﴾ أي: على إبراهيم ﵇ بتكثير ذريته ﴿وعلى إسحق﴾ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب ﵈ فجميع الأنبياء بعده من صلبه إلا نبينا محمداً ﷺ فإنه من ذرية إسماعيل ﵇ وفيه إشارة إلى أنه مفرد علم فهو ﷺ أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿ومن ذريتهما محسن﴾ أي: مؤمن طائع ﴿وظالم﴾ أي: كافر وفاسق ﴿لنفسه مبين﴾ أي: ظاهر ظلمه، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب ولا غير ذلك والله أعلم. القصة الثالثة: قصة موسى وهارون ﵉ المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولقد مننا على موسى وهارون﴾

стр. 1719

أي: أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية. ﴿ونجيناهما وقومهما﴾ أي: بني إسرائيل ﴿من الكرب﴾ أي: الغم ﴿العظيم﴾ أي: الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، وقيل: من الغرق، والضمير في قوله تعالى: ﴿ونصرناهم﴾ يعود على موسى وهارون وقومهما، وقيل: على الإثنين بلفظ الجمع تعظيماً كقوله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ (الطلاق: ١) وقول الشاعر: فإن شئت حرمت النساء سواكم. ﴿فكانوا هم الغالبين﴾ أي: على فرعون وقومه في كل الأحوال، أما في أول الأمر فبظهور الحجة، وأما في آخر الأمر فبالدولة والرفعة. تنبيه: يجوز في هم أن يكون تأكيداً، وأن يكون بدلاً، وأن يكون فصلاً وهو الأظهر. ﴿وآتيناهما الكتاب المستبين﴾ أي: المستنير البليغ البيان المشتمل على جميع العلوم المحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا وهو التوراة كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ (المائدة: ٤٤) ﴿وهديناهما الصراط المستقيم﴾ أي: دللناهما على الطريق الموصل إلى الحق والصواب عقلاً وسمعاً. ﴿وتركنا﴾ أي: أبقينا ﴿عليهما﴾ ثناء حسناً ﴿في الآخرين﴾ ﴿سلام﴾ أي: منا ﴿على موسى وهارون﴾ ﴿إنا كذلك﴾ أي: كما جزيناهما ﴿نجزي المحسنين﴾ وقوله تعالى: ﴿إنهما من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانهما بالإيمان وإظهار لجلالة قدره وأصالة أمره. القصة الرابعة قصة الياس ﵇ المذكورة في قوله تعالى: ﴿وإن الياس لمن المرسلين﴾ روي عن ابن مسعود أنه قال: الياس هو إدريس، وهو قول عكرمة وقال أكثر المفسرين: إنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، قال ابن عباس: وهو ابن عم اليسع ﵉، وقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن بشير بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ﵉. تنبيه: أذكر فيه شيئاً من قصته ﵇ قال علماء السير والأخبار: لما قبض الله تعالى حزقيل النبي ﵇ عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون الله ، فبعث الله تعالى إليهم إلياس نبياً وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى ﵇ بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون ﵇ لما فتح الشام قسمها على بني إسرائيل وأحل سبطاً منها ببعلبك ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم الياس، فبعثه الله تعالى إليهم نبياً وعليهم يومئذ ملك اسمه لاجب وكان أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان لهم صنم طوله عشرون ذراعاً وله أربعة وجوه وكان يسمى: ببعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة سادن أي: خادم، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك، وكان الياس يدعوهم إلى عبادة الله وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك فإنه آمن به وصدقه، فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة تسمى: بإزميل جبارة وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، وكانت تبرز للناس فتقضي بينهم وكانت قتالة للأنبياء، ويقال: إنها هي التي قتلت يحيى بن زكريا ﵉، وكان له كاتب رجل مؤمن حليم يكتم إيمانه وكان قد خلص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتلهم إذا بعث كل واحد

стр. 1720

منهم سوى الذين قتلتهم وكانت في نفسها غير محصنة، وكانت قد تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل وقتلتهم كلهم بالاغتيال وكانت معمرة يقال: إنها ولدت سبعين ولداً، وكان لاجب هذا جار رجل صالح يقال له: مزدكي، وكان له جنينة يعيش منها وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان عليها يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان الملك يحسن جوار صاحبها مزدكي ويحسن إليه، وامرأته إزميل تحسده لأجل تلك الجنينة وتحتال أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها وتحتال أن تقتله، والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلاً، ثم أنه اتفق خروج الملك إلى مكان بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته إزميل ذلك فجمعت جمعاً من الناس وأمرتهم أنهم يشهدون على مزدكي أنه سب زوجها لاجب فأجابوها إليه وكان في حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه البينة، فأحضرت مزدكي وقالت له: بلغني أنك شتمت الملك فأنكر فأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر فقال لها: ما أصبت ولا أبداً نفلح بعده فقد جاورنا منذ زمان فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا فختمت أمره بأسوء الجوار قالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك فقال لها: أوما كان يسعه حلمك فتحفظين جواره؟ قالت: قد كان ما كان فبعث الله إلياس إلى لاجب الملك، وأمره الله أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب عليهم لوليه حين قتلوه ظلماً وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ويردا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني: لاجب وامرأته في جوف الجنينة، ثم يضعهما جثتين ملقيين فيها حتى تتفرق عظامهما من لحومهما ولا يتمتعان بها إلا قليلاً، فجاء إلياس فأخبر الملك بما أوحى الله في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه، وقال: يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلاً، وهم بتعذيبه وقتله، فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هارباً، ورجع الملك إلى عبادة بعل وارتقى إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه، ويقال: أنه بقي سبع سنين شريداً خائفاً يأوي الشعوب والكهوف، يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا العيون عليه والله تعالى يستره منهم، فلما طال الأمر على إلياس وطال عصيان قومه وضاق بذلك ذرعاً أوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين: يا إلياس ما هذا الخوف الذي أنت فيه ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي؟ فسلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: تميتني فتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه: يا الياس ما هذا اليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها؟ وإنما قوامهما وصلاحهما بك وأشباهك وإن كنتم قليلاً ولكن سلني فأعطك، قال إلياس: إن لم تمتني فاعطني ثأري من بني إسرائيل، قال الله تعالى: وأي: شيء تريد أن أعطيك؟ قال: تمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشئ سحابة عليهم إلا بدعوتي ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي فإنهم لا يذكرهم إلا ذلك، قال الله تعالى: يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا
следующие страницы →