Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
زمزم نذر إن سهل الله أمرها ليذبحن أحد ولده فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا له: افد ابنك بمائة من الإبل ولذلك سنت الإبل مائة والذبيح الثاني إسماعيل، ونقل الأصمعي أنه قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح فقال: يا أصمعي أين عقلك ومتى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه والمنحر بمكة.
وقد وصف الله تعالى إسماعيل ﵇ بالصبر دون إسحاق ﵇ في قوله تعالى ﴿وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين﴾ (الأنبياء: ٨٥)
وهو صبره على الذبح ووصفه أيضاً بصدق الوعد فقال: ﴿إنه كان صادق الوعد﴾ (مريم: ٥٤)
لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فقال ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ (الصافات: ١٠٢)
وقال تعالى: ﴿فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب﴾ (هود: ٧١)
فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟ هذا يناقض البشارة المتقدمة.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵇ وعليه جمهور العلماء من الخلف والسلف قال ابن عباس: وزعمت اليهود أنه اسحق ﵇ وكذبت اليهود وما روي أنه ﷺ «سئل أي النسب أشرف؟ فقال: يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله» فالصحيح أنه قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم والزوائد من الراوي، وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت وقال محمد بن إسحاق: كان إبراهيم ﵇ إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى بلغ إسماعيل معه السعي أمر في المنام أن يذبحه قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ﵇ ثلاث ليال متتابعات فلما تيقن ذلك قال لابنه ﴿فانظر ماذا ترى﴾ من الرأي: فشاوره ليأنس بالذبح وينقاد للأمر به قال ابن اسحق وغيره ولما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا الشعب نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب شعب ثبير أخبره بما أمر. ﴿قال يا أبت افعل ما تؤمر﴾ أي: ما أمرت به ﴿ستجدني إن شاء الله من الصابرين﴾ أي: على ذلك، وقرأ ﴿يا بني﴾ حفص بفتح الياء، والباقون بالكسر، وقرأ ﴿إني أرى﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، والباقون بالسكون، وقرأ ﴿ماذا ترى﴾ حمزة والكسائي بضم التاء وكسر الراء، والباقون بفتحهما والحكمة في مشاورته في هذا الأمر ليظهر له صبره في طاعة الله تعالى فيكون فيه قرة عين لإبراهيم حيث يراه قد بلغ في الحكمة إلى هذا الحد العظيم والصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة والثناء الحسن في الدنيا.
وقرأ يا أبت ابن عامر في الوصل بفتح التاء، وكسرها الباقون والتاء عوض عن ياء الإضافة، ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابن عامر، ووقف الباقون بالتاء والرسم بالتاء وفتح ياء ستجدني في الوصل نافع، وسكنها الباقون.
﴿فلما أسلما﴾ أي: انقادا وخضعا لأمر الله، وقال قتادة: أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه ﴿وتله للجبين﴾ أي: صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة، والجبهة بين الجبينين وشذ جمعه على أجبن، وقياسه في القلة أجبنة كأرغفة وفي الكثرة جبن وجبنان كرغيف ورغف ورغفان، وقيل: إنه لما أراد ذبحه قال: يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب فينقص
стр. 1717
أجري، واكفف عني ثيابي حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء وتراه أمي فتحزن حزناً طويلاً، واشحذ شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ ﵍ مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فقال له إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله تعالى ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه يقبله وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تجل شيئاً ثم أنه شحذها مرتين أو ثلاثاً بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئاً، قال السدي: ضرب الله تعالى صفيحة من نحاس على حلقه قال: فقال الإبن عند ذلك يا أبت كبني على وجهي لجبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رحمة تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا أنظر الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ووضع السكين على قفاه فانقلبت السكين.
﴿وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا﴾ أي: بالعزم والإتيان بالمقدمات ما أمكنك.
تنبيه: في جواب لما ثلاثة أوجه أظهرها: أنه محذوف، أي: نادته الملائكة ﵈ أو ظهر صبرهما أو أجزلنا لهما أجرهما، وقدره بعضهم بعد الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال والوصف مما لا يدرك كنهه.
ونقل ابن عطية أن التقدير: فلما أسلما سلما وتله للجبين ويعزى هذا لسيبويه وشيخه الخليل.
الثاني: أنه وتله للجبين والواو زائدة، وهو قول الكوفيين والأخفش، الثالث: أنه وناديناه والواو زائدة أيضاً واقتصر على هذا الجلال المحلي، وروى أبو هريرة عن كعب الأحبار: أن إبراهيم ﵇ لما رأى ذبح ولده قال الشيطان: لئن لم أفتن آل إبراهيم عند هذا لم أفتن أحداً منهم أبداً فتمثل الشيطان في صورة رجل وأتى أم الغلام وقال: هل تدرين أين يذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب قال: والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم به وأشد حباً له من ذلك، قال: إنه يزعم أن الله أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن إن يطيع ربه، فخرج من عندها الشيطان، ثم أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره، قال: فليفعل ما أمره به ربه فسمع وطاعة، فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم فقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ولدك هذا، فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئاً كما أراد الله .
وروى أبو الطفيل عن ابن عباس ﵁: أن إبراهيم ﵊ لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى فنودي من الجبل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.
فإن قيل: لم قال تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟ أجيب: بأنه جعله مصدقاً لأنه قد أتى بما أمكنه
стр. 1718
والمطلوب استسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعل، اوقيل: كان قد رأى في النوم معالجة الذبح ولم ير إراقة الدم وقد فعل في اليقظة ما رآه في النوم، ولذلك قال: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ قال المحققون: السبب في هذا التكليف كمال طاعة إبراهيم لتكاليف الله تعالى فلما كلفه الله تعالى بهذه التكاليف الشاقة الشديدة وظهر منه كمال الطاعة والانقياد لا جرم قال الله تعالى: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾ وقوله تعالى: ﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ ابتداء إخبار من الله تعالى، والمعنى: إنا كما عفونا عن ذبح ولدك كذلك نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل: جزاء الله تعالى بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه.
﴿إن هذا﴾ أي: الذبح المأمور به ﴿لهو البلاء المبين﴾ أي: الاختبار الظاهر الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم، والمحنة البينة الصعوبة التي لا محنة أصعب منها وقال مقاتل: البلاء ههنا النعمة وهو أن فدى ابنه بالكبش كما قال تعالى:
﴿وفديناه﴾ أي: المأمور بذبحه وهو إسماعيل وهو الأظهر، وقيل: إسحق ﴿بذبح عظيم﴾ أي: عظيم الجثة سمين أو عظيم القدر؛ لأن الله تعالى فدى به نبياً ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين ﵊، وهو كبش أتى به جبريل ﵇ من الجنة وهو الذي قربه هابيل، فقال لإبراهيم: هذا فدا ولدك فاذبحه دونه، فكبر إبراهيم وكبر ولده، وكبر جبريل وكبر الكبش وأخذ إبراهيم الكبش، وأتى به المنحر من منى فذبحه، قال البغوي: قال أكثر المفسرين: كان ذلك الذبح كبشاً رعى في الجنة أربعين خريفاً، وقيل: كان وعلاً أهبط عليه من ثبير، وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة.
تنبيه: الذبح مصدر ويطلق على ما يذبح وهو المراد في هذه الآية.
﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ثناء حسناً، وقوله تعالى: ﴿سلام﴾ أي: منا ﴿على إبراهيم﴾ سبق بيانه في قصة نوح ﵉.
﴿كذلك﴾ أي: كما جزيناك ﴿نجزي المحسنين﴾ لأنفسهم، وقوله تعالى:
﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانه بالإيمان إظهاراً لجلالة قدره وأصالة أمره وقوله تعالى:
﴿وبشرناه بإسحق﴾ فيه دليل على أن الذبيح غيره، وقد مرت الإشارة إلى ذلك، وقوله تعالى ﴿نبياً﴾ حال مقدرة أي: يوجد مقدراً نبوته، وقوله تعالى: ﴿من الصالحين﴾ يجوز أن يكون صفة لنبياً وأن يكون حالاً من الضمير في نبياً فتكون حالاً متداخلة، ويجوز أن تكون حالاً ثانية ومن فسر الذبيح بإسحق ﵇ جعل المقصود من البشارة نبوته، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل.
﴿وباركنا عليه﴾ أي: على إبراهيم ﵇ بتكثير ذريته ﴿وعلى إسحق﴾ بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب ﵈ فجميع الأنبياء بعده من صلبه إلا نبينا محمداً ﷺ فإنه من ذرية إسماعيل ﵇ وفيه إشارة إلى أنه مفرد علم فهو ﷺ أفضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ﴿ومن ذريتهما محسن﴾ أي: مؤمن طائع ﴿وظالم﴾ أي: كافر وفاسق ﴿لنفسه مبين﴾ أي: ظاهر ظلمه، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصة وعيب ولا غير ذلك والله أعلم.
القصة الثالثة: قصة موسى وهارون ﵉ المذكورة في قوله تعالى:
﴿ولقد مننا على موسى وهارون﴾
стр. 1719
أي: أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية.
﴿ونجيناهما وقومهما﴾ أي: بني إسرائيل ﴿من الكرب﴾ أي: الغم ﴿العظيم﴾ أي: الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم، وقيل: من الغرق، والضمير في قوله تعالى:
﴿ونصرناهم﴾ يعود على موسى وهارون وقومهما، وقيل: على الإثنين بلفظ الجمع تعظيماً كقوله تعالى ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ (الطلاق: ١)
وقول الشاعر:
فإن شئت حرمت النساء سواكم.
﴿فكانوا هم الغالبين﴾ أي: على فرعون وقومه في كل الأحوال، أما في أول الأمر فبظهور الحجة، وأما في آخر الأمر فبالدولة والرفعة.
تنبيه: يجوز في هم أن يكون تأكيداً، وأن يكون بدلاً، وأن يكون فصلاً وهو الأظهر.
﴿وآتيناهما الكتاب المستبين﴾ أي: المستنير البليغ البيان المشتمل على جميع العلوم المحتاج إليها في مصالح الدين والدنيا وهو التوراة كما قال تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ (المائدة: ٤٤)
﴿وهديناهما الصراط المستقيم﴾ أي: دللناهما على الطريق الموصل إلى الحق والصواب عقلاً وسمعاً.
﴿وتركنا﴾ أي: أبقينا ﴿عليهما﴾ ثناء حسناً ﴿في الآخرين﴾ ﴿سلام﴾ أي: منا ﴿على موسى وهارون﴾ ﴿إنا كذلك﴾ أي: كما جزيناهما ﴿نجزي المحسنين﴾ وقوله تعالى:
﴿إنهما من عبادنا المؤمنين﴾ تعليل لإحسانهما بالإيمان وإظهار لجلالة قدره وأصالة أمره.
القصة الرابعة قصة الياس ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿وإن الياس لمن المرسلين﴾ روي عن ابن مسعود أنه قال: الياس هو إدريس، وهو قول عكرمة وقال أكثر المفسرين: إنه نبي من أنبياء بني إسرائيل، قال ابن عباس: وهو ابن عم اليسع ﵉، وقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن بشير بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ﵉.
تنبيه: أذكر فيه شيئاً من قصته ﵇ قال علماء السير والأخبار: لما قبض الله تعالى حزقيل النبي ﵇ عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون الله ، فبعث الله تعالى إليهم إلياس نبياً وكانت الأنبياء من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى ﵇ بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون ﵇ لما فتح الشام قسمها على بني إسرائيل وأحل سبطاً منها ببعلبك ونواحيها وهم السبط الذين كان منهم الياس، فبعثه الله تعالى إليهم نبياً وعليهم يومئذ ملك اسمه لاجب وكان أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام، وكان لهم صنم طوله عشرون ذراعاً وله أربعة وجوه وكان يسمى: ببعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة سادن أي: خادم، وكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك، وكان الياس يدعوهم إلى عبادة الله وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك فإنه آمن به وصدقه، فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة تسمى: بإزميل جبارة وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، وكانت تبرز للناس فتقضي بينهم وكانت قتالة للأنبياء، ويقال: إنها هي التي قتلت يحيى بن زكريا ﵉، وكان له كاتب رجل مؤمن حليم يكتم إيمانه وكان قد خلص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتلهم إذا بعث كل واحد
стр. 1720
منهم سوى الذين قتلتهم وكانت في نفسها غير محصنة، وكانت قد تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل وقتلتهم كلهم بالاغتيال وكانت معمرة يقال: إنها ولدت سبعين ولداً، وكان لاجب هذا جار رجل صالح يقال له: مزدكي، وكان له جنينة يعيش منها وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان عليها يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها،
وكان الملك يحسن جوار صاحبها مزدكي ويحسن إليه، وامرأته إزميل تحسده لأجل تلك الجنينة وتحتال أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها وتحتال أن تقتله، والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلاً، ثم أنه اتفق خروج الملك إلى مكان بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته إزميل ذلك فجمعت جمعاً من الناس وأمرتهم أنهم يشهدون على مزدكي أنه سب زوجها لاجب فأجابوها إليه وكان في حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه البينة، فأحضرت مزدكي وقالت له: بلغني أنك شتمت الملك فأنكر فأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر فقال لها: ما أصبت ولا أبداً نفلح بعده فقد جاورنا منذ زمان فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا فختمت أمره بأسوء الجوار قالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك فقال لها: أوما كان يسعه حلمك فتحفظين جواره؟ قالت: قد كان ما كان فبعث الله إلياس إلى لاجب الملك، وأمره الله أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب عليهم لوليه حين قتلوه ظلماً وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ويردا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني: لاجب وامرأته في جوف الجنينة، ثم يضعهما جثتين ملقيين فيها حتى تتفرق عظامهما من لحومهما ولا يتمتعان بها إلا قليلاً، فجاء إلياس فأخبر الملك بما أوحى الله في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه، وقال: يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلاً، وهم بتعذيبه وقتله، فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هارباً، ورجع الملك إلى عبادة بعل وارتقى إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه، ويقال: أنه بقي سبع سنين شريداً خائفاً يأوي الشعوب والكهوف، يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا العيون عليه والله تعالى يستره منهم، فلما طال الأمر على إلياس وطال عصيان
قومه وضاق
بذلك ذرعاً أوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين: يا إلياس ما هذا الخوف الذي أنت فيه ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي؟ فسلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: تميتني فتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه: يا الياس ما هذا اليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها؟ وإنما قوامهما وصلاحهما بك وأشباهك وإن كنتم قليلاً ولكن سلني فأعطك، قال إلياس: إن لم تمتني فاعطني ثأري من بني إسرائيل، قال الله تعالى: وأي: شيء تريد أن أعطيك؟ قال: تمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشئ سحابة عليهم إلا بدعوتي ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي فإنهم لا يذكرهم إلا ذلك، قال الله تعالى: يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا
стр. 1721
ظالمين، قال: ست سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك، قال: فخمس سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك، ولكن أعطيك ثأرك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك، قال: فبأي شيء أعيش؟ قال: أسخر لك جنساً من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف ومن الأرض التي لم تقحط، قال إلياس: قد رضيت، فأمسك الله تعالى عنهم المطر حتى هلكت الماشية والهوام والشجر وجهد الناس جهداً عظيماً، وإلياس على حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان وقد عرف ذلك قومه.l
قال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس بعجوز فقال لها: هل عندكم طعام؟ قالت: نعم شيء من دقيق وزيت قليل فدعا بهما ودعا فيه بالبركة حتى ملأ خوابيها دقيقاً وخوابيها زيتاً، فلما رأوا ذلك عندها، قالوا لها: من أين لك هذا؟ قالت: مر بي رجل من حاله كذا وكذا ثم وصفته بصفته فعرفوه وقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم ثم أنه أوى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب به مرض فآوته وأخفت أمره فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه وكان يذهب حيثما ذهب، وكان إلياس قد كبر سنه واليسع غلام شاب ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس أنك قد أهلكت كثيراً من الخلق ممن لم يعص من البهائم والطير والهوام بحبس المطر، فقال إلياس: يا رب دعني أنا الذي أكون أدعو لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء لعلهم أن يرجعوا عما هم عليه من عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال: إنكم قد هلكتم جوعاً وجهداً وقد هلكت البهائم والهوام والشجر بخطاياكم وإنكم على باطل، فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ودعوتم الله ، ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء قالوا: أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء ثم قالوا لإلياس: إنا قد هلكنا فادع الله لنا فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر فأغاثهم وحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم المطر لم ينزعوا عن كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه أن يريحه منهم، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ومعه
اليسع حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر به أقبل فرس من نار، وقيل: لونه كلون النار حتى وقف بين يديه فوثب عليه إلياس وانطلق به الفرس وناداه اليسع: يا إلياس ما تأمرني؟ فقذف إليه بكسائه من الجو الأعلى فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، وكان ذلك آخر عهده به ورفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وكساه الريش، فكان إنسياً ملكياً أرضياً سماوياً، وسلط الله تعالى على لاجب الملك وقومه عدواً لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى أرهقهم فقتل لاجب وامرأته إزميل في بستان مزدكي فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما، ونبأ الله تعالى اليسع وبعثه رسولاً إلى
стр. 1722
بني إسرائيل فأوحى الله تعالى إليه وأيده، فآمنت به بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع.
روى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: الياس والخضر يصومان رمضان ببيت المقدس ويوافيان موسم الحج في كل عام، وقيل: إن الياس موكل بالفيافي والخضر موكل بالبحار فذلك قوله تعالى ﴿وإن إلياس لمن المرسلين﴾ .
﴿إذ﴾ أي: اذكر يا أفضل الخلق إذ ﴿قال لقومه ألا تتقون﴾ أي: ألا تخافون الله.
ولما خوفهم على سبيل الإجمال ذكر ما هو السبب لذلك التخويف بقوله تعالى:
﴿أتدعون بعلاً﴾ اسم لصنم لهم من ذهب وبه سميت البلد أيضاً مضافاً إلى بك أي: أتعبدونه أو تطلبون الخير منه، وقيل: البعل الرب بلغة اليمن سمع ابن عباس رجلاً منهم ينشد ضالة فقال آخر: أنا بعلها فقال: الله أكبر وتلا الآية، ويقال: من بعل هذه الدار أي: من ربها، وسمي الزوج بعلاً لهذا المعنى قال الله تعالى ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ (البقرة: ٢٢٨)
وقالت امرأة إبراهيم ﴿وهذا بعلي شيخاً﴾ والمعنى: أتدعون بعض البعول ﴿وتذرون﴾ أي: وتتركون ﴿أحسن الخالقين﴾ فلا تعبدونه، وقرأ ابن ذكوان بهمزة الوصل من إلياس في الوصل فإن ابتدأ بها ابتدأ بفتحها، والباقون بهمزة مكسورة وصلاً وابتداء وقوله تعالى:
﴿الله ربكم ورب آبائكم الأولين﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بنصب الهاء من الاسم الكريم ونصب الباء الموحدة من ربكم ورب وذلك إما على المدح أو البدل أو البيان إن قلنا إن إضافة أفعل إضافة محضة، والباقون بالرفع في الثلاثة وذلك إما على خبر مبتدأ مضمر أي: هو الله وعلى أن الجلالة مبتدأ وما بعده الخبر.
أي: في العذاب وإنما أطلقه اكتفاء بالقرينة أو لأن الإحضار المطلق مخصوص بالشر عرفاً وقوله تعالى:
[إلا عباد الله المخلصين] أي: المؤمنين مستثنى من فاعل فكذبوه، وفيه دلالة على أن في قومه من لم يكذبه، فلذلك استثنوا ولا يجوز أن يكونوا مستثنين من ضمير لمحضرون لفساد المعنى؛ لأنه يلزم أن يكونوا مندرجين فيمن كذب لكنهم لم يحضروا لكونهم عباد الله المخلصين وهو بين الفساد لا يقال: هو مستثنى منه استثناء منقطعاً؛ لأنه يصير المعنى: لكن عباد الله المخلصين من غير هؤلاء لم يحضروا، ولا حاجة إلى هذا إذ به يفسد نظم الكلام وتقدم الكلام على قراءة المخلصين في أول السورة.
﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ ثناء حسناً.
﴿سلام﴾ أي: منا، وقوله تعالى: ﴿على إل ياسين﴾ قرأه نافع وابن عامر بفتح الهمزة ممدودة وكسر اللام وقطعها عن الياء كما رسمت أي: أهله والمراد به إلياس، والباقون بكسر الهمزة وسكون اللام وهي مقطوعة عن الياء قيل: هو إلياس المتقدم، وقيل: هو ومن آمن معه فجمعوا معه تغليباً كقولهم للمهلب وقومه: المهلبون، وقيل: هو محمد ﷺ أو القرآن أو غيره من كتب الله تعالى، قال البيضاوي: والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا قوله تعالى:
﴿إنا كذلك نجزي المحسنين﴾ أي: كما جزيناه.
﴿إنه من عبادنا المؤمنين﴾ إذ الظاهر أن الضمير لإلياس.
القصة الخامسة قصة لوط ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿وإن لوطاً لمن المرسلين﴾ ﴿إذ﴾ أي: واذكر إذ ﴿نجيناه وأهله أجمعين﴾ ﴿إلا عجوزاً في الغابرين﴾ أي: الباقين في العذاب.
﴿ثم دمرنا﴾ أي: أهلكنا ﴿الآخرين﴾ أي: كفار قومه.
стр. 1723
﴿وإنكم﴾ يا أهل مكة ﴿لتمرون عليهم مصبحين﴾ أي: على منازلهم في متاجركم إلى الشام فإن سدوم في طريقه، وقوله تعالى: ﴿وبالليل﴾ عطف على الحال قبلها أي: ملتبسين بالليل والمعنى: أن أولئك القوم كانوا يسافرون إلى الشام، والمسافر في أكثر الأمر إنما يمشي في أول الليل وفي أول النهار فلهذا السبب عبر الله تعالى عن هذين الوقتين ثم قال تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾ أي: أليس فيكم عقل يا أهل مكة فتنظروا ما حل بهم فتعتبروا؟
القصة السادسة: وهي آخر القصص، قصة يونس ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿وإن يونس لمن المرسلين﴾ وقوله تعالى:
﴿إذ أبق﴾ ظرف للمرسلين أي: هو من المرسلين حتى في هذه الحالة وأبق أي: هرب وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه. ﴿إلى الفلك المشحون﴾ أي: السفينة المملوءة، قال ابن عباس ﵄ ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب فتأخر عنهم فخرج كالمنشوز منهم فقصد البحر فركب السفينة، فقال الملاحون: ههنا عبد آبق من سيده فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فقال يونس: أنا الآبق فزج نفسه في البحر.
وروي في القصة: أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له فجاء مركب وأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها فحال الموج بينه وبين المركب ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى فأخذت ابنه الأكبر، وجاء ذئب فأخذ ابنه الأصغر فبقي فريداً، فجاءت مركب أخرى فركبها وقعد ناحية من القوم، فلما جرت السفينة في البحر ركدت فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل وقوف السفينة كما نراه من غير ريح ولا سبب ظاهر فأقرعوا فمن خرجت القرعة على سهمه نغرقه فإن تغريق واحد خير من غرق الكل فاقترعوا فخرجت القرعة على يونس فذلك قوله تعالى:
﴿فساهم﴾ أي: قارع أهل السفينة ﴿فكان من المدحضين﴾ أي: المغلوبين بالقرعة فألقوه في البحر.
﴿فالتقمه﴾ ابتلعه ﴿الحوت وهو مليم﴾ أي: آت بما يلام عليه من ذهابه إلى البحر وركوبه السفينة بلا إذن من ربه وقيل: مليم نفسه.
﴿فلولا أنه كان من المسبحين﴾ أي: الذاكرين قبل ذلك وكان ﵇ كثير الذكر، وقال ابن عباس ﵄: من المصلين، وقال وهب: من العابدين، وقال الحسن: ما كان له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملاً صالحاً، قال الضحاك: شكر الله تعالى له طاعته القديمة، اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة، فإن يونس كان عبداً صالحاً ذاكراً لله تعالى فلما وقع في الشدة في بطن الحوت شكر الله تعالى له ذلك، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله: ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (الأنبياء: ٨٧)
﴿للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ أي: صار بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة وهو حي أو ميت وفي ذلك حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده في الضراء.
﴿فنبذناه﴾ أي: ألقيناه من بطن الحوت فأضاف النبذ إلى نفسه سبحانه مع أن النبذ إنما حصل بفعل الحوت فهو يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ﴿بالعراء﴾ أي: بوجه الأرض، وقال السدي: بالساحل والعراء الأرض الخالية من الشجر والنبات، روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح الله تعالى حتى انتهى إلى الأرض فلفظه.
تنبيه: اختلفوا في مدة
стр. 1724
لبثه في بطن الحوت فقال الحسن: لم يلبث إلا قليلاً ثم أخرج من بطن الحوت، وقال بعضهم: التقمه بكرة ولفظه عشية، وقال مقاتل بن حبان: ثلاثة أيام، وقال عطاء: سبعة أيام، وقال الضحاك: عشرين يوماً، وقيل: شهراً، وقيل: أربعين يوماً، قال الرازي: ولا أدري بأي دليل عينوا هذه المقادير؟ وروى أبو بردة عن النبي ﷺ أنه قال: سبح يونس في بطن الحوت فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا: ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة فقال تعالى: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه كل يوم وليلة عمل صالح، قال: نعم فشفعوا له فأمر الحوت فقذفه بالساحل.
وروي أن يونس ﵇ لما ابتلعه الحوت ابتلع الحوت حوت آخر أكبر منه فلما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله تعالى ساجداً وقال: يا رب اتخذت لي مسجداً لم يعبدك أحد في مثله ﴿وهو سقيم﴾ أي: عليل كالفرخ الممعوط.
﴿وأنبتنا عليه﴾ أي: له وقيل: عنده ﴿شجرة من يقطين﴾ قال المبرد والزجاج: اليقطين كل ما لم يكن له ساق من عود كالقثاء والقرع والبطيخ والحنظل وهو قول الحسن ومقاتل، قال البغوي: المراد هنا القرع على قول جميع المفسرين، وروى الفراء أنه قيل عند ابن عباس: هو ورق القرع فقال: ومن جعل القرع من بين الشجر يقطيناً كل ورقة انشقت وشربت فهو يقطين.
فإن قيل: الشجر ما له ساق واليقطين مما لا ساق له كما قال تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ (الرحمن: ٦)
. أجيب: بأن الله تعالى جعل لها ساقاً على خلاف العادة في القرع معجزة له ﵇ ولو كان منبسطاً على الأرض لم يمكن أن يستظل به قال مقاتل بن حبان: كان يونس ﵇ يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بكرة وعشياً حتى اشتد لحمه ونبت شعره.
وروي أن يونس ﵇ كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، وكان قد أوحى الله تعالى إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل له: يبعث إلى بني إسرائيل نبياً، فاختار من بني إسرائيل يونس ﵇ لقوته وأمانته فقال يونس: الله أمرك بهذا؟ قال: لا ولكن أمرت أن أبعث قوياً أميناً وأنت كذلك، فقال يونس: في بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لم تبعثه؟ فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم فوجد سفينة مشحونة فحملوه فيها فلما أشرف على لجة البحر أشرفوا على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه فقال التجار: قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرجت عليه نغرقه في البحر فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل، فخرج من بينهم يونس فقال: يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كسائه ورمى بنفسه فالتقمه الحوت، وأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تكسر منه عظماً ولا تقطع منه وصلاً، ثم إن الحوت خرج إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم إلى دجلة وصعد به ورماه في أرض نصيبين بالعراء وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، ثم إن الأرضة أكلتها،
стр. 1725
فحزن يونس لذلك حزناً شديداً، فقال:
يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت فقال: يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف إو يزيدون تركتهم فانطلق إليهم، فانطلق إليهم وذلك قوله تعالى:
﴿وأرسلناه﴾ أي: بعد ذلك كقبله إلى قومه بنينوى من أرض الموصل ﴿إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ قال ابن عباس: إن أو بمعنى الواو، وقال مقاتل والكلبي: بمعنى بل، وقال الزجاج: على الأصل بالنسبة للمخاطبين، واختلفوا في مبلغ الزيادة فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا عشرين ألفاً، ورواه أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ وقال الحسن: بضعاً وثلاثين ألفاً، وقال سعيد بن جبير: تسعين ألفاً.
فإن قيل: الشجر ما له ساق واليقطين مما لا ساق له كما قال تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ (الرحمن: ٦)
. أجيب: بأن الله تعالى جعل لها ساقاً على خلاف العادة في القرع معجزة له ﵇ ولو كان منبسطاً على الأرض لم يمكن أن يستظل به قال مقاتل بن حبان: كان يونس ﵇ يستظل بالشجرة وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بكرة وعشياً حتى اشتد لحمه ونبت شعره.
وروي أن يونس ﵇ كان يسكن مع قومه فلسطين فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً وبقي سبطان ونصف، وكان قد أوحى الله تعالى إلى بني إسرائيل إذا أسركم عدوكم أو أصابتكم مصيبة فادعوني أستجب لكم، فلما نسوا ذلك وأسروا أوحى الله تعالى بعد حين إلى نبي من أنبيائهم أن اذهب إلى ملك هؤلاء الأقوام وقل له: يبعث إلى بني إسرائيل نبياً، فاختار من بني إسرائيل يونس ﵇ لقوته وأمانته فقال يونس: الله أمرك بهذا؟ قال: لا ولكن أمرت أن أبعث قوياً أميناً وأنت كذلك، فقال يونس: في بني إسرائيل من هو أقوى مني فلم لم تبعثه؟ فألح الملك عليه فغضب يونس منه وخرج حتى أتى بحر الروم فوجد سفينة مشحونة فحملوه فيها فلما أشرف على لجة البحر أشرفوا على الغرق فقال الملاحون: إن فيكم عاصياً وإلا لم يحصل في السفينة ما نراه فقال التجار: قد جربنا مثل هذا فإذا رأيناه نقترع فمن خرجت عليه نغرقه في البحر فلأن يغرق واحد خير من غرق الكل، فخرج من بينهم يونس فقال: يا هؤلاء أنا العاصي وتلفف في كسائه ورمى بنفسه فالتقمه الحوت، وأوحى الله تعالى إلى الحوت لا تكسر منه عظماً ولا تقطع منه وصلاً، ثم إن الحوت خرج إلى نيل مصر ثم إلى بحر فارس ثم إلى البطائح ثم إلى دجلة وصعد به ورماه في أرض نصيبين بالعراء وهو كالفرخ المنتوف لا شعر ولا لحم، فأنبت الله تعالى عليه شجرة من يقطين فكان يستظل بها ويأكل من ثمرها حتى اشتد، ثم إن الأرضة أكلتها، فحزن يونس لذلك حزناً شديداً، فقال: يا رب كنت أستظل تحت هذه الشجرة من الشمس والريح وأمص من ثمرها وقد سقطت فقال: يا يونس تحزن على شجرة أنبتت في ساعة ولا تحزن على مائة ألف إو يزيدون تركتهم فانطلق إليهم، فانطلق إليهم وذلك قوله تعالى:
﴿وأرسلناه﴾ أي: بعد ذلك كقبله إلى قومه بنينوى من أرض الموصل ﴿إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ قال ابن عباس: إن أو بمعنى الواو، وقال مقاتل والكلبي: بمعنى بل، وقال الزجاج: على الأصل بالنسبة للمخاطبين، واختلفوا في مبلغ الزيادة فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا عشرين ألفاً، ورواه أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ وقال الحسن: بضعاً وثلاثين ألفاً، وقال سعيد بن جبير: تسعين ألفاً.
﴿فآمنوا﴾ أي: الذين أرسل إليهم عند معاينة العذاب الموعودين به ﴿فمتعناهم﴾ أي: أبقيناهم بما لهم ﴿إلى حين﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم.
تنبيه: قال البيضاوي: ولعله إنما لم يختم قصته وقصة لوط ﵉ بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشعائر الكثيرة وأولي العزم من الرسل واكتفاء بالسلام الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة وقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ
﴿فاستفتهم﴾ أي: استخبر كفار مكة توبيخاً لهم ﴿ألربك البنات ولهم البنون﴾ قال الزمخشري: معطوف على مثله في أول السورة، قال أبو حيان: وإذا كانوا قد عدوا الفصل بجملة نحو: كل لحماً واضرب زيداً وخبزاً من أقبح التراكيب فكيف بجمل كثيرة وقصص متباينة؟ فأجيب عنه: بأن الفصل وإن كثر بين الجمل المتعاطفة مغتفر وأما المثال الذي ذكره فمن قبيل المفردات.
ألا ترى كيف عطف خبزاً على لحماً؟ وأيضاً الفاصل ليس بأجنبي، كما أشار إليه البيضاوي بقوله: أمر رسوله أولاً باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث وساق الكلام في تقريره جاراً لما يلائمه من القصص موصولاً بعضها ببعض، ثم أمره ﷺ باستفتائهم عن وجه القسمة، حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم: الملائكة بنات الله وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر من التجسيم وتجويز البنات على الله تعالى، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام المتكونة الفاسدة وتفضيل أنفسهم الخسيسة عليه سبحانه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرنعهما لهم واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكاره ذلك وإبطاله في كتابه العزيز مراراً وجعله مما تكاد السموات ينفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، والإنكار ههنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما.
ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشاً وأجناس العرب جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح قالوا: الملائكة بنات الله، وهذا الكلام يشتمل على أمرين أحدهما: إثبات البنات لله تعالى وذلك باطل؛ لأن العرب كانوا يستنكفون من البنات والشيء الذي يستنكف منه المخلوق كيف يمكن إثباته للخالق؟ والثاني: إثبات أن الملائكة إناث وهذا أيضاً باطل؛ لأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر، أما الحس فمفقود؛ لأنهم لم يشاهدوا كيف خلق الله تعالى الملائكة، وهو المراد من قوله تعالى:
﴿أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون﴾ وإنما خص علم المشاهدة؛ لأن أمثال ذلك لا يعلم إلا به، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء والإشعار بأنهم
стр. 1726
لفرط جهلهم يثبتونه كأنهم قد شاهدوا خلقهم. وأما الخبر فمفقود أيضاً؛ لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون لم يدل على صدقهم دليل، وهذا هو المراد من قوله تعالى:
﴿ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون﴾ أي: فيما زعموا وقوله تعالى:
﴿أصطفى البنات على البنين﴾ استفهام إنكار واستبعاد، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء.
فائدة: همزة أصطفى همزة قطع مفتوحة مقطوعة وصلاً وابتداء.
هذا الحكم الفاسد ﴿أفلا تذكرون﴾ أي: أنه تعالى منزه عن ذلك، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتخفيف الذال، والباقون بالتشديد.
وأما النظر فمفقود من وجهين؛ الأول: أن دليل العقل يقتضي فساد هذا المذهب؛ لأنه تعالى أكمل الموجودات، والأكمل له اصطفاء الأبناء على البنات يعني: أن إسناد الأفضل إلى الأفضل أقرب إلى العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولهم باطلاً، الثاني: أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم وإذا لم يجدوا دليلاً ظهر بطلان مذهبهم وهذا هو المراد بقوله تعالى:
﴿أم لكم سلطان مبين﴾ أي: حجة واضحة أن لله ولداً.
﴿فأتوا بكتابكم﴾ أي: التوراة فأروني ذلك فيه ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: في قولكم هذا.
﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ قال مجاهد وقتادة: أراد بالجنة الملائكة ﵈ سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار، وقال ابن عباس: حي من الملائكة يقال لهم: الجن منهم إبليس لعنه الله، وقيل: هم خزان الجنة، قال الرازي: وهذا القول عندي مشكل؛ لأنه تعالى أبطل قولهم: الملائكة بنات الله، ثم عطف عليه قوله تعالى: ﴿وجعلوا﴾ إلخ والعطف يقتضي المغايرة، فوجب أن يكون المراد من الآية غير ما تقدم، وقال مجاهد: قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه منكراً عليهم: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن، وهذا أيضاً بعيد؛ لأن المصاهرة لا تسمى نسباً، قال الرازي: وقد روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء الجن﴾ (الأنعام: ١٠٠)
أن قوماً من الزنادقة يقولون: إن الله تعالى وإبليس أخوان فالله تعالى هو الحر الكريم وإبليس هو الأخ الشرير، فالمراد من ذلك هو هذا المذهب وهو مذهب المجوس، قال: وهذا القول عندي هو أقرب الأقاويل في الرد عليه بهذه الآية ﴿ولقد علمت الجنة أنهم﴾ أي: أهل هذا القول ﴿لمحضرون﴾ أي: إلى النار ومعذبون، وقيل: المراد ولقد علمت الجنة أنهم لمحضرون العذاب، فعلى الأول الضمير عائد إلى القائل، وعلى الثاني عائد إلى نفس الجنة.
ثم إنه تعالى نزه نفسه عما قالوه من الكذب فقال تعالى:
﴿سبحان الله عما يصفون﴾ بأن لله تعالى ولداً ونسباً وقوله تعالى:
﴿إلا عباد الله المخلصين﴾ أي: المؤمنين استثناء منقطع أي: لكن عباد الله المخلصين ينزهون الله تعالى عما يصف هؤلاء. الثالث: أنه ضمير محضرون أي: لكن عباد الله تعالى ناجون وعلى هذا فتكون جملة التسبيح معترضة وظاهر كلام أبي البقاء أنه يجوز أن يكون استثناء متصلاً؛ لأنه قال: مستثنى من جعلوا أو محضرون، ويجوز أن يكون منفصلاً، فظاهر هذه العبارة أن الوجهين الأولين هو فيهما متصل لا منفصل وليس ببعيد كأنه قيل: وجعل الناس، ثم استثنى منهم هؤلاء وكل من لم يجعل بين الله وبين الجنة
стр. 1727
نسباً فهو عند الله مخلص من الشرك، وقوله تعالى:
a
﴿فإنكم﴾ أي: يا أهل مكة ﴿وما تعبدون﴾ أي: من الأصنام عود إلى خطابهم؛ لأنه لما ذكر الدلائل الدالة على فساد مذاهب الكفار أتبعه بما ينبه به على أن هؤلاء الكفار لا يقدرون على إضلال أحد إلا إذا كان قد سبق حكم الله تعالى في حقه بالعذاب والوقوع في النار، كما قال تعالى:
﴿ما أنتم عليه﴾ أي: على معبودكم، وعليه متعلق بقوله: ﴿بفاتنين﴾ أي: بمضلين أحداً من الناس.
﴿إلا من هو صال الجحيم﴾ أي: إلا من سبق له في علم الله تعالى الشقاوة.
تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنه لا تأثير لإيحاء الشيطان ووسوسته وإنما المؤثر هو الله حيث قضاه وقدره، ثم إن جبريل ﵇ أخبر النبي ﷺ بأن الملائكة ليسوا بمعبودين كما زعمت الكفار بقوله:
﴿وما منا﴾ أي: معشر الملائكة ملك ﴿إلا له مقام معلوم﴾ في السموات يعبد الله تعالى فيه لا يتجاوزه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي ويسبح، وروى أبو ذر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «أطت السماء وحق لها أن تئط والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً» قيل: الأطيط أصوات الأقتاب وقيل: أصوات الإبل وحسها، ومعنى الحديث: ما في السماء من الملائكة قد أثقلها حتى أطت، وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة ﵈ وإن لم يكن ثم أطيط، وقال السدي: إلا له مقام معلوم في القرب والمشاهدة.
﴿وإنا لنحن الصافون﴾ أي: أقدامنا في الصلاة، وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء كصفوف الناس في الأرض.
﴿وإنا لنحن المسبحون﴾ أي: المنزهون الله تعالى عما لا يليق به، وقيل: هذا حكاية كلام النبي ﷺ والمؤمنين، والمعنى: وما منا إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله تعالى في القيامة وإنا لنحن الصافون في الصلاة والمنزهون له تعالى عن السوء، ثم إنه تعالى أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال:
﴿وإن كانوا﴾ أي: كفار مكة، وإن مخففة من الثقيلة ﴿ليقولون لو أن عندنا ذكراً﴾ أي: كتاباً ﴿من الأولين﴾ أي: من كتب الأمم الماضين.
﴿لكنا عباد الله المخلصين﴾ أي: لأخلصنا العبادة له وما كذبنا ثم جاءهم الذكر الذي هو سيد الأذكار والمهيمن عليها وهو القرآن العظيم.
﴿فكفروا به فسوف يعلمون﴾ عاقبة هذا الكفر وهذا تهديد عظيم، ولما هددهم بذلك أردفه بما يقوي قلب النبي ﷺ بقوله تعالى:
﴿ولقد سبقت كلمتنا﴾ أي: بالنصر ﴿لعبادنا المرسلين﴾ وهي قوله تعالى ﴿لأغلبن أنا ورسلي﴾ (المجادلة: ٢١)
أو هي قوله تعالى:
﴿إنهم لهم المنصورون﴾ .
﴿وإن جندنا﴾ أي: المؤمنين ﴿لهم الغالبون﴾ أي: الكفار، والنصرة والغلبة قد تكون بالحجة وقد تكون بالدولة والاستيلاء، وقد تكون بالدوام والثبات، فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضعف أحوال الدنيا فهو الغالب في الآخرة، فالحكم في ذلك للأغلب في الدنيا فلا ينافي ذلك قتل بعض الأنبياء ﵈ وهزم كثير من المؤمنين، وإنما سمى ذلك كلمة وهي كلمات لانتظامها في معنى واحد.
﴿فتول عنهم﴾ أي: أعرض عن كفار مكة، واختلف في قوله تعالى: ﴿حتى حين﴾ فقال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يوم بدر، وقال السدي: حتى يأمرك الله تعالى بالقتال، وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله، وقيل: إلى فتح مكة، وقال
стр. 1728
مقاتل بن حبان: نسختها آية القتال.
﴿وأبصرهم﴾ أي: إذا نزل بهم العذاب من القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة، ﴿فسوف يبصرون﴾ أي: ما قضيناه لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة وسوف للوعيد لا للتبعيد.
ولما قيل لهم ذلك قالوا استهزاء: متى نزول العذاب؟ فقال تعالى تهديداً لهم:
﴿أفبعذابنا يستعجلون﴾ أي: إن ذلك الاستعجال جهل؛ لأن لكل شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيناً لا يتقدم ولا يتأخر.
﴿فإذا نزل﴾ أي: العذاب ﴿بساحتهم﴾ قال مقاتل: بحضرتهم، وقيل: بفنائهم، قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم فشبه العذاب بجيش هجم فأناخ بفنائهم بغتة ﴿فساء﴾ أي: فبئس صباحاً ﴿صباح المنذرين﴾ أي: الكافرين الذين أنذروا بالعذاب، وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «أن رسول الله ﷺ حين خرج إلى خيبر أتاها ليلاً وكان إذا جاء قوماً بليل لم يغر حتى يصبح، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيها ومكاتلها، فلما رأوه قالوا: محمد والله محمد والخميس، فقال رسول الله ﷺ «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قالها ثلاث مرات» وقوله تعالى:
﴿وتول عنهم حتى حين﴾ ﴿وأبصر فسوف يبصرون﴾ فيه وجهان أحدهما: أن في هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال يوم القيامة على هذا فالتكرار زائل، والثاني: أنها مكررة للمبالغة في التهديد والتهويل.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله أولاً: ﴿وأبصرهم﴾ وههنا قال: ﴿وأبصر﴾ بغير ضمير؟ أجيب: بأنه حذف مفعول أبصر الثاني إما اختصاراً لدلالة الأول عليه وإما اقتصاراً تفنناً في البلاغة، ثم إنه تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية فقال تعالى:
﴿سبحان ربك رب العزة﴾ أي: الغلبة والقوة وفي قوله تعالى: ﴿رب﴾ إشارة إلى كمال الحكمة والرحمة، وفي قوله تعالى ﴿العزة﴾ إشارة إلى كمال القدرة وأنه القادر على جميع الحوادث؛ لأن الألف واللام في قوله تعالى: ﴿العزة﴾ تفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكاً له سبحانه لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله : ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾ أي: أن له ولداً كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات وقوله تعالى:
﴿وسلام على المرسلين﴾ أي: المبلغين من الله تعالى التوحيد والشرائع تعميم للرسل بعد تخصيص بعضهم.
﴿والحمد لله رب العالمين﴾ أي: على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام وعلى ما أفاض عليهم ومن اتبعهم من النعمة وحسن العاقبة، ولذلك أخره عن التسليم والغرض من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوا ذلك ولا يغفلوا عنه لما روى البغوي عن علي ﵁ أنه قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين إلخ. وأما ما رواه البيضاوي عن النبي ﷺ «أن من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرئ من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمناً بالمرسلين» فموضوع.
سورة ص
مكية
стр. 1729
وهي ست أو ثمان وثمانون آية، وسبعمائةواثنتان وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف وتسعة وتسعون حرفاً
﴿بسم الله﴾ المنزه عن كل شائبة نقص ﴿الرحمن﴾ الذي عم جوده سائر مخلوقاته ﴿الرحيم﴾ بمن خلقه، واختلف في تفسير قوله تعالى:
﴿ص﴾ فقيل: قسم وقيل: هو اسم للسورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في أوائل السور وقال محمد بن كعب القرظي: مفتاح اسمه الصمد وصادق الوعد، وقال الضحاك: معناه صدق الله، وروي عن ابن عباس: صدق محمد ﷺ وقيل: معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضته. ﴿والقرآن﴾ أي: الجامع مع البيان لكل خير ﴿ذي الذكر﴾ أي: الموعظة والتذكير وقال ابن عباس: ذي البيان، وقال الضحاك: ذي الشرف ودليله قوله تعالى: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ (الزخرف: ٤٤) ، فإن قيل: هذا قسم فأين المقسم عليه؟ أجيب: بأنه محذوف تقديره: ما الأمر كما قال كفار مكة من تعدد الآلهة وقوله تعالى:
﴿بل الذين كفروا﴾ أي: من أهل مكة إضراب انتقال من قصة إلى أخرى ﴿في عزة﴾ أي: حمية وتكبر عن الإيمان ﴿وشقاق﴾ أي: خلاف وعداوة للنبي ﷺ والتنكير في عزة وشقاق للدلالة على شدتهما، وقيل: جواب القسم قد تقدم وهو قوله تعالى: ﴿ص﴾ أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمد الصادق وقال الفراء: ﴿ص﴾ معناها وجب وحق فهو جواب قوله: ﴿والقرآن﴾ كما تقول: نزل والله، وقال الأخفش: قوله تعالى: ﴿إن كل إلا كذب الرسل﴾ وقال السدي: إن ذلك لحق تخاصم أهل النار، قال البغوي: وهذا ضعيف لأنه تخلل بين القسم وبين هذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة وقال مجاهد: في عزة متعازين.
﴿كم﴾ أي: كثيراً ﴿أهلكنا من قبلهم﴾ وأكد كثرتهم بقوله تعالى: ﴿من قرن﴾ أي: من أمة من الأمم الماضية كانوا في شقاق مثل شقاقهم.
تنبيه: كم مفعول أهلكنا، ومن قرن تمييز، ومن قبلهم لابتداء الغاية ﴿فنادوا﴾ أي: استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة ﴿ولات﴾ أي: وليس الحين ﴿حين مناص﴾ أي: منجى وفرار، قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص أي: اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله تعالى ذلك، والمناص مصدر ناص ينوص إذا تقدم، ولات بمعنى: ليس بلغة أهل اليمن، وقال النحويون: هي لا زيدت فيها التاء كقولهم: رب وربت، وثم وثمت، وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا: لات كما قالوا: ثمت ولا تعمل إلا في الأزمان خاصة نحو لات حين ولات أوان كقول الشاعر:
*طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء*
والأكثر حينئذ حذف مرفوعها فتقديره ولات الحين حين مناص، وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع كقول القائل:
*من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح*
أي: لا براح لي، ولما حكى تعالى عن الكفار كونهم في عزة وشقاق أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة بقوله تعالى:
﴿وعجبوا﴾ أي: الكفار الذين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق﴾ ﴿أن﴾ أي: لأجل أن ﴿جاءهم منذر﴾ هو النبي ﷺ وفي قوله تعالى: ﴿منهم﴾ وجهان أحدهما: أنهم قالوا أن محمداً مساو لنا في الخلقة الظاهرة والأخلاق الباطنية والنسب
стр. 1730
والشكل والصورة فكيف يعقل أن يختص من بيننا بهذا المنصب العالي. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد والترغيب في الآخرة ثم إن هذا الرجل من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكل ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون من قوله: ﴿وقال الكافرون﴾ وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشارة إلى أنهم يسترون الحق مع معرفتهم إياه فهم جاحدون لا جاهلون ومعاندون لا غافلون وإيذاناً بشدة غضبه عليهم وذماً لهم على قولهم: ﴿هذا﴾ أي: النذير ﴿ساحر﴾ أي: فيما يظهره معجزة ﴿كذاب﴾ أي: فيما يقول على الله ﵎:
﴿أجعل﴾ أي: صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه ﴿الآلهة﴾ أي: التي نعبدها ﴿إلهاً واحداً﴾ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد ﴿إن هذا﴾ أي: القول بالوحدانية ﴿لشيء عجاب﴾ أي: بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا ونشاهده من أن الواحد لا يفي عمله وقدرته بالأشياء الكثيرة، وقال البغوي: العجب والعجاب واحد كقولهم: رجل كريم وكرام، وكبير وكبار، وطويل وطوال، وعريض وعراض، وسبب قولهم ذلك أنه روى أنه لما أسلم عمر ﵁ شق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش: ـ وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلاً أكبرهم سناً الوليد بن المغيرة ـ اذهبوا إلى أبي طالب، فأتوا إليه وقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إليه فحضر فقال له: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول الله ﷺ ماذا تسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، قال: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أتعطوني أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيكها وعشر أمثالها، فقال رسول الله ﷺ «قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقاموا» فقالوا ذلك.
﴿وانطلق الملأ منهم﴾ أي: أشراف قريش من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب وسماعهم من النبي ﷺ قولوا لا إله إلا الله ﴿أن امشوا﴾ أي: يقول بعضهم لبعض امشوا أي: اذهبوا ﴿واصبروا﴾ أي: اثبتوا ﴿على آلهتكم﴾ أي: على عبادتها، قال الزمخشري: ويجوز أنهم قالوا: امشوا أي: أكثروا واجتمعوا، من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها، ومنه الماشية للتفاؤل.
فائدة: الجميع يكسرون النون في الوصل من أن امشوا والهمزة في الابتداء من امشوا.
ولما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة بمكانه قال المشركون ﴿إن هذا﴾ أي: الذي نراه من زيادة أصحاب محمد ﷺ ﴿لشيء يراد﴾ أي: بنا فلا مرد له أو أن الصبر على عبادة الآلهة لشيء يراد وهو أهل للإرادة فهو أهل أن لا ننفك عنه، وقيل: هذا المذكور من التوحيد لشيء يراد منا وقيل: إن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم.
﴿ما سمعنا بهذا﴾ أي: الذي يقوله محمد من التوحيد ﴿في الملة الآخرة﴾ قال ابن عباس: يعنون في النصرانية لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون بل يقولون: ثالث ثلاثة، وقال مجاهد: يعنون ملة قريش دينهم الذي هم عليه ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هذا﴾ أي: الذي يقوله ﴿إلا اختلاق﴾
стр. 1731
افتعال وكذب.
﴿أأنزل عليه﴾ أي: محمد ﷺ ﴿الذكر﴾ أي: القرآن ﴿من بيننا﴾ وليس بأكبرنا ولا أشرفنا وهذا استفهام على سبيل الإنكار لاختصاصه ﵊ بالوحي وهو مثلهم، وفي ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية كالواو، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو بخلاف عن ورش وابن كثير بغير إدخال، وعن هشام فيها ثلاثة أوجه: تحقيق الهمزتين، وإدخال ألف بينهما، وتحقيقهما من غير إدخال ألف بينهما، قال الله ﵎: ﴿بل هم في شك﴾ أي: تردد محيط بهم مبتدأ لهم ﴿من ذكري﴾ أي: وحيي وما أنزلت لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل الذي لو نظروا فيه لزال هذا الشك عنهم ﴿بل﴾ أي: ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن كان قولهم قول من هو في شك ﴿لما يذوقوا عذاب﴾ أي: الذي أعددته للمكذبين ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول ولصدقوا النبي ﷺ فيما جاء به ولا ينفعهم التصديق حينئذ.
﴿أم﴾ أي: بل ﴿عندهم خزائن﴾ أي: مفاتيح ﴿رحمة﴾ أي: نعمة ﴿ربك﴾ وهي النبوة يعطونها من شاؤوا، ونظيره قوله تعالى ﴿أهم يقسمون رحمة ربك﴾ (الزخرف: ٣٢)
أي: نبوة ربك ﴿العزيز﴾ أي: الغالب الذي لا يغلبه أحد ﴿الوهاب﴾ الذي له أن يهب كل ما يشاء من النبوة أو غيرها لمن يشاء من خلقه.
ولما كانت خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾ (الجن: ٢١)
ومن جملته السموات والأرض وما بينهما وهم عاجزون عن هذا القسم قال الله تعالى:
﴿أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما﴾ أي: ليس لهم ذلك فلأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله تعالى أولى، وقوله تعالى: ﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ جواب شرط محذوف أي: إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يريدونه وهذا غاية التهكم بهم والتعجيز أو التوبيخ، قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سبب واستدل حكماء الإسلام بقوله تعالى: ﴿فليرتقوا في الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله تعالى فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات: أسباباً وهذا يدل على ذلك وقوله تعالى:
﴿جُندٌ ما هنالك مهزوم من الأحزاب﴾ خبر مبتدأ مضمر أي: هم قريش جند من الكفار المتحزبين على الرسل ﵈، مهزوم: مكسور عما قريب، فمن أين لهم تدبير الإلهية والتصرف في الأمور الربانية، فلا تكترث بما تقوله قريش، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فقال تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ (القمر: ٤٥)
فجاء تأويلها يوم بدر وهنالك إشارة إلى بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق، قال الرازي: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون مهزومين في الموضع الذي ذكروا فيه هذه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون مهزومين في مكة وما ذاك إلا في يوم الفتح.
تنبيه: في ما وجهان، أحدهما: أنها مزيدة، والثاني: أنها لجند على سبيل التعظيم للمهزومين وللتحقير، فإن ما الصفة تستعمل لهذين المعنيين، وقد تقدم الكلام
стр. 1732
عليها في أوائل البقرة، وهنالك صفة لجند وكذلك مهزوم ومن الأحزاب ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ معزياً له ﵇:
﴿كذبت﴾ أي: مثل تكذيبهم ﴿قبلهم قوم نوحٍ﴾ أنث قوم باعتبار المعنى واستمروا على عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم ولم يسمحوا بالإذعان ولا بالتضرع إلى نوح ﵇ ﴿وعادٌ﴾ سماهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من المكنة بالملك واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح العقيم ورأوها تحمل الإبل فيما بين السماء والأرض وهم لا يذعنون لما دعاهم إليه هود ﵇ ﴿وفرعونُ ذو الأوتاد﴾ كانت له أوتاد يعذب الناس عليها وكان إذا غضب على أحد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد يشد كل يد وكل رجل منه إلى سارية وتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت، وقال مجاهد: كان يمد الرجل مستلقياً بين أربعة أوتاد على الأرض يشد رجليه ويديه ورأسه على الأرض بالأوتاد، قال السدي: كان يشد الرجل بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات، وقال ابن عباس: ذو البناء المحكم، وقيل: ذو الملك الشديد الثابت، وقال العتبي: تقول العرب: هم في عز ثابت الأوتاد يريدون أنه دائم شديد قال الأسود بن يعقوب:
*ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد
وقال الضحاك: ذو القوة والبطش، وقال عطية: ذو الجموع والجنود الكثيرة لأنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يقوي الوتد الشيء، والأوتاد جمع وتد وفيه لغات وتد بفتح الواو وكسر التاء وهو الفصحى، ووتد بفتحتين، وودّ بإدغام التاء في الدال.
﴿وثمود﴾ واستمروا فيما هم فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ثم حمرتها ثم سوادها ولم يكن في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم ﴿وقوم لوط﴾ أي: الذين لهم قوة القيام بما يحاولونه واستمروا في عزتهم وفي شقاقهم حتى ضربوا بالعشاء وطمس الأعين ولم يقدروا على الوصول إلى ما أرادوا من الدخول إلى بيت لوط ﵇ ولم يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم ﴿وأصحاب الأيكة﴾ أي: الغيضة، وهم قوم شعيب ﵊ ﴿أولئك الأحزاب﴾ أي: المتحزبون على الرسل ﵈ الذين خص الجند المهزوم منهم، وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مبالغة في وصفهم بالقوة كما يقال: فلان هو الرجل أي: أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين إذا نزل عليهم العذاب، وفي الآية زجر وتخويف للسامعين.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿كل﴾ أي: من الأحزاب ﴿إلا كذب الرسل﴾ أي: لأنهم إذا كذبوا واحداً منهم فقد كذبوا جميعهم لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد ﴿فحق عقاب﴾ أي: فوجب عليهم ونزل بهم عذابي.
ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال تعالى:
﴿وما ينظر﴾ وحقرهم بقوله تعالى: ﴿هؤلاء﴾ أي: وما ينتظر كفار مكة ﴿إلا صيحة واحدة﴾ وهي نفخة الصور الأولى، كقوله تعالى: ﴿ما ينظرون إلا صيحةً واحدةً تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية﴾ (يس: ٥٠)
الآية والمعنى: أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معدٌّ لهم يوم القيامة، فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يقطع كل ساعة بحضوره،
стр. 1733
قيل: المراد بالصيحة عذاب يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة كما يقال: صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر:
*صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان*
ونظيره قوله تعالى: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ (يونس: ١٠٢)
الآية. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿ما لها﴾ أي: الصيحة ﴿من فواق﴾ بضم الفاء، والباقون بفتحها، وهما لغتان بمعنى واحد وهو الزمان الذي بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع والمعنى: ما لها من توقف قدر فواق ناقة، وفي الحديث: «العبادة قدر فواق ناقة» وهذا في المعنى كقوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (الأعراف: ٣٤)
وقال ابن عباس: ما لها من رجوع من أفاق المريض إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أفاقت الناقة تفيق إفاقة، رجعت واجتمعت الفيقة في ضرعها، والفيقة اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم يترك ساعة حتى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق أي: العذاب لا يمهلهم بذلك القدر.
﴿وقالوا﴾ أي: كفار مكة استهزاءً لما نزل قوله تعالى في الحاقة: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ (الحاقة: ١٩)
﴿وأما من أوتي كتابه بشماله﴾ (الحاقة: ٢٥)
﴿ربنا﴾ أي: يا أيها المحسن إلينا ﴿عجل لنا قطنا﴾ أي: كتاب أعمالنا في الدنيا ﴿قبل يوم الحساب﴾ وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول، وقال مجاهد والسدي: يعنون عقوبتنا ونصيبنا من العذاب، قال عطاء: قاله النضر ابن الحارث وهو قوله: ﴿إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ (الأنفال: ٣٢)
وقال مجاهد: قطنا حسابنا، يقال لكتاب الحساب: قط، وقال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتاب بالجوائز ويجمع على قطوط وقططة، كقرد وقرود وقردة، وفي القلة على أقطة وأقطاط، كقدح وأقدحة وأقداح، إلا أن أفعلة في فعل شاذ.
ولما أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة أولها: من أمر النبوات وإثباتها كما قال تعالى: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب﴾ (ص: ٤)
وثانيها: تعجبهم من الإلهيات فقالوا ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: ﴿ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء أمر الله تعالى نبيه ﵇ بالصبر فقال سبحانه:
وأشار بحرف الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال ﴿على ما يقولون﴾ أي: على ما يقول الكافرون من ذلك، ثم إنه تعالى لما أمر نبيه بالصبر ذكر قصص الأنبياء ﵈ تسلية له فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليعلمه أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهم خاص، وحزن خاص، فيعلم حينئذ أن الدنيا لا تنفك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجات العالية عند الله تعالى لا يحصل إلا بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا.
وبدأ من ذلك بقصة داود ﵇ فقال تعالى: ﴿واذكر عبدنا﴾ أي: الذي أخلصناه لنا وأخلص نفسه للنظر إلى عظمتنا والقيام في خدمتنا وأبدل منه أو بينه بقوله تعالى: ﴿داود ذا الأيد﴾ قال ابن عباس: أي: القوة في العبادة، روي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «أحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود وأحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه» وقيل: ذا القوة في الملك ووصفه
стр. 1734
تعالى بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً ﷺ ليلة المعراج قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ (الإسراء: ١)
وأيضاً وصف الأنبياء ﵈ بالعبودية مشعر بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة ﴿إنه أواب﴾ أي: رجاع إلى مرضاة الله تعالى، والأواب فعال من آب يؤب إذا رجع قال الله تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم﴾ (الغاشية: ٢٥)
وهذا بناء مغالبة كما يقال: قتال وضراب وهو أبلغ من قاتل وضراب وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد بن جبير: مسبح بلغة الحبشة، ويؤيد هذا قوله تعالى:
﴿إنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء ﴿سخرنا الجبال﴾ أي: التي هي أقسى من قلوب قومك وأنها أعظم الأراضي صلابة وقوةً وعلواً ورفعةً بأن جعلناها منقادة ذلولاً كالجمل الأنف، ثم قيد ذلك بقوله تعالى: ﴿معه﴾ أي: مصاحبة له ﴿يسبحن﴾ أي: بتسبيحه وفي كيفية تسبيحها وجوه أحدها: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاً وقدرة ونطقاً وحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى، ثانيها: قال القفال: إن داود ﵇ أوتي من شدة الصوت وحسنه ما كان له في الجبال دوي حسن وما يصغي الطير إليه لحسنه فيكون دوي الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً. روى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود ﵇ حتى أنه كان إذا قرأ الزبور دنت منه الوحوش حتى يؤخذ بأعناقها، ثالثها: أن الله تعالى سخر الجبال حتى أنها كانت تسير إلى حيث يريده داود ﵇ فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدرته تعالى واتقان حكمته ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي: غدوةً وعشياً، والإشراق هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءها، قال الزجاج: يقال: شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنى واحد والأول أكثر استعمالاً، تقول العرب: شرقت الشمس ولما تشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى قال ابن عباس: كنت أمر بهذه الآية ولم أدر ما هي حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب: «أن رسول الله ﷺ دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الضحى وقال: يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق» ، وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكر صلاة الضحى في القرآن قالوا: لا فقرأ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. وقوله تعالى:
الكتاب: السراج المنير للخطيب الشربينى
﴿والطير محشورةً﴾ أي: مجموعة إليه تسبح معه، عطف مفعول على مفعول، وهما الجبال والطير، أو حال على حال، وهما يسبحن، ومحشورة كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة أدل على القدرة والحاشر هو الله تعالى؟ فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله تعالى من الطير مع أنه لا عقل لها؟ أجيب: بأنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً ولا حتى تعرف الله تعالى فتسبحه حينئذ ويكون ذلك معجزة لداود ﵇ ﴿كلٌ﴾ أي: من الجبال والطير ﴿له﴾ أي: لداود أي: لأجل تسبيحه ﴿أواب﴾ أي: رجاع إلى طاعته بالتسبيح وقيل: كل مسبح فوضع أواب موضع مسبح وقيل: الضمير في له للباري ﵎ والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى.
﴿وشددنا﴾ أي: قوينا بما لنا من العظمة ﴿ملكه﴾
стр. 1735
بالحرس والجنود، قال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض سلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، وعن ابن عباس: أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم عند داود فقال: إن هذا قد غصبني بقراً فسأله داود فجحد فقال للآخر: البينة فلم تكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما فأوحى الله تعالى إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى الله تعالى إليه مرة ثانية فلم يفعل فأوحى الله تعالى إليه مرة ثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة فأرسل داود إليه فقال له: إن الله تعالى أوحى إلي أن أقتلك فقال: تقتلني بغير بينة فقال: نعم والله لأنفذن أمر الله تعالى فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله قال: لا تعجل حتى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت ابن هذا فقتلته فبذلك أخذت، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل واشتد به ملكه فذلك قوله تعالى: ﴿وشددنا ملكه﴾ ﴿وآتيناه﴾ أي: بعظمتنا ﴿الحكمة﴾ أي: النبوة والإصابة في الأمور.
واختلف في تفسيره قوله تعالى: ﴿وفصل الخطاب﴾ فقال ابن عباس: بيان الكلام أي: معرفة الفرق بين ما يلتبس في كلام المخاطبين له من غير كبير رؤية في ذلك، وقال ابن مسعود والحسن: علم الحكمة والبصر بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب ﵁: هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به، وقال أبي بن كعب: فصل الخطاب الشهود والإيمان، وقال مجاهد وعطاء ويروى عن الشعبي: إن فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه، أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر وأول من قاله داود ﵇، وقيل غيره كما ذكرته في شرح المنهاج عند قول المنهاج أما بعد، وقيل: هو الخطاب الفصل الذي ليس باختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء وصف كلام النبي ﷺ فصل لا نزر ولا هذر، وقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ
﴿وهل﴾ استفهام معناه التعجب والتشويق إلى استماع ما بعده ﴿أتاك﴾ يا أفضل الخلق ﴿نبأ﴾ أي: خبر ﴿الخصم﴾ وهو في الأصل مصدر ولذلك يصلح للمفرد والمذكر والمراد به هنا الجمع بدليل قوله تعالى ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿تسوروا﴾ أي: تصعدوا وعلوا ﴿المحراب﴾ أي: البيت الذي كان يدخل فيه داود ويشتغل فيه بالعبادة والطاعة، قال الزمخشري: فإن قلت: بما انتصب إذ؟ قلت: لا يخلو إما أن ينتصب بأتاك أو بنبأ أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأتاك لأن إتيان النبأ رسول الله ﷺ لم يقع إلا في عهده لا في عهد داود ولا بنبأ؛ لأن النبأ واقع في عهد داود فلا يصح إتيانه رسول الله ﷺ وإن أردت بالنبأ القصة في نفسها لم تكن ناصباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا، انتهى. فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف، ويجوز أن ينتصب بالخصم لما فيه من معنى الفعل وقوله تعالى:
﴿إذ﴾ أي: حين ﴿دخلوا على داود﴾ بدل من إذ الأولى أو ظرف لتسوروا، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند التاء في الأول وعند الدال في الثاني ووافقهم ابن ذكوان في الأول والباقون بالإدغام فيهما ﴿ففزع منهم﴾ أي: لأنهم نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون من
стр. 1736
يدخل عليه، فإنه ﵇ كان جزأ زمانه يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للوعظ ويوماً للاشتغال بحاجته فتسور عليه ملكان على صورة الإنسان في يوم الخلوة ﴿قالوا لا تخف﴾ وقولهم: ﴿خصمان﴾ خبر مبتدأ وضمر أي: نحن خصمان أي: فريقان، ليطابق ما قبله من ضمير الجمع وقيل: اثنان، والضمير بمعناهما وقد مر أن الخصم يطلق على الواحد والأكثر، وقولهم: ﴿بغى بعضنا على بعض﴾ جملة يجوز أن تكون مفسرة لحالهم وأن تكون خبراً ثانياً، فإن قيل: كيف قالوا بغى بعضنا على بعض وهم ملائكة على المشهور؟ أجيب: بأن ذلك على سبيل الفرض أي: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر وهذا من معاريض الكلام لا من تحقيق البغي من أحدهما ﴿فاحكم بيننا بالحق﴾ أي: الأمر الثابت الذي يطابق الواقع ﴿ولا تشطط﴾ أي: ولا تجر في الحكومة ﴿واهدنا﴾ أي: أرشدنا ﴿إلى سواء الصراط﴾ أي: وسط الطريق الصواب فقال لهما: تكلما فقال أحدهما:
﴿إن هذا أخي﴾ أي: على ديني وطريقتي أو في النصح لا من جهة النسب ﴿له تسع وتسعون نعجة﴾ أي: امرأة ﴿ولي نعجة واحدة﴾ امرأة واحدة، والنعجة هي الأنثى من الضأن ولكن كثر في كلامهم الكناية عن المرأة، قال ابن عون:
*أنا أبوهن ثلاثة هنه ... رابعة في البيت صغرا هنه*
*ونعجتي خمساً توافيهنه*
قال الحسن بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن ثم نعاج ولا بغي فهو كقولهم: ضرب زيد عمراً واشترى بكر داراً ولا ضرب هناك ولا شراء، وقرأ حفص بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿فقال أكفلنيها﴾ قال ابن عباس: أعطنيها وقال مجاهد: انزل لي عنها وحقيقته ضمها إلي واجعلني كافلها وهو الذي يعولها وينفق عليها والمعنى: طلقها لأتزوجها ﴿وعزني﴾ أي: غلبني ﴿في الخطاب﴾ أي: الجدال لأنه أفصح مني في الكلام، وقيل: قهرني لقوة ملكه، قال الضحاك: يقول: إن تكلم كان أفصح مني وإن حارب كان أبطش مني، وحقيقة المعنى: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده وإن كان الحق معي وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود وسيأتي الكلام على قصته إن شاء الله تعالى عن قريب.
﴿قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه﴾ وهذا جواب قسم محذوف أريد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإضافة والانضمام أي: ليضمها مضافة إلى نعاجه، فإن قيل: كيف قال: ﴿لقد ظلمك﴾ ولم يكن سمع قول صاحبه؟ أجيب: بأن معناه: إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك أو أنه قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول ولم يذكر الله تعالى ذلك لدلالة الكلام عليه، وقيل: التقدير أن الخصم الذي هذا شأنه قد ظلمك، وقرأ قالون وابن كثير وهشام وعاصم بإظهار الدال عند الظاء والباقون بالإدغام، وقوله: ﴿وإن كثيراً من الخلطاء﴾ أي: مطلقاً منكم ومن غيركم والخلطاء جمع خليط وهم الشركاء الذين خلطوا أموالهم، وقال الليث: خليط الرجل مخالطه ﴿ليبغي﴾ أي: ليعتدي ﴿بعضهم﴾ غالباً ﴿على بعض﴾ فيريدون غير الحق. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ أجيب: بأن المخالطة توجب كثرة المنازعة
стр. 1737
والمخاصمة لأنهما إذا اختلطا اطلع كل منهما على أحوال صاحبه فكل ما يملكه من الأشياء النفيسة إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيفضي ذلك إلى زيادة المنازعة والمخاصمة، فلذلك خص داود ﵇ الخلطاء بالبغي والعدوان ثم استثنى فقال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا﴾ أي: تحقيقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: الطاعات فإنهم لا يقع منهم شيء لأن مخالطة هؤلاء تكون لأجل الدين وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بعضهم وقليل ما هم﴾ أي: هم قليل فقليل خبر مقدم وما مزيدة للتعظيم وهو مبتدأ، وقال الزمخشري: ما للإبهام وفيه تعجب من قلتهم قال: فإن أردت أن تحقق فائدتها وموقعها فأخرجها من قول امرئ القيس:
*وحديث ما على قصره
وانظر هل بقي لها معنى ﴿وظن داود﴾ أي: لذهابهم قبل فصل الأمر وقد همه من ذلك أمر من عظمه لا عهد له بمثله ﴿أنما فتناه﴾ أي: امتحناه، قال المفسرون: إن الظن هنا بمعنى العلم لأن داود لما قضى الأمر بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ثم صعدا إلى السماء حيال وجهه فعلم أن الله تعالى ابتلاه بذلك فثبت أن داود علم ذلك، وقال ابن عباس: إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه تحولا في صورتهما وعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه ﴿فاستغفر ربه﴾ أي: طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه ﴿وخرّ﴾ أي: سقط من قيامه توبة لربه عن ذلك ﴿راكعاً﴾ أي: ساجداً على تسمية السجود ركوعاً لأنه مبدؤه أو خر للسجود راكعاً أو مصلياً كأنه أحرم بركعتي الاستغفار ﴿وأناب﴾ أي: رجع إلى الله تعالى.
قال الرازي: وللناس في هذه القصة ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة منه، وثانيها: على الصغيرة، وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داود ﵇ أحب امرأة أوريا فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله تعالى ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته وعرضا تلك الواقعة عليه، فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبه لذلك واشتغل بالتوبة، قالوا: وسبب ذلك أن داود ﵇ تمنى يوماً من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأل ربه: أن يمتحنه كما امتحنهم ويعطيه من الفضل ما أعطاهم فأوحى الله تعالى إليه أنك تبتلى في يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم جاءه الشيطان فتمثل له في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن فأعجبه حسنها فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل لينظروا إلى قدرة الله تعالى فطارت غير بعيدة فتبعها فطارت من كوة، فنظر داود أين تقع فأبصر داود امرأة في بستان تغتسل فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها فزاده إعجاباً، فسأل عنها فقيل له: امرأة أوريا وزوجها في غزاة فأحب داود أن يقتله ويتزوج بها، فأرسل داود إلى ابن أخته أن قدم أوريا قبل التابوت وكان من قدم على التابوت لا يحل أن يرجع وراءه حتى يفتح الله تعالى على يديه أو يقتل، فقدمه ففتح على يديه فكتب إلى داود فأمر أن يقدمه بعد ذلك ففعل ثلاث مرات فقتل في الثالثة فلما انقضت عدتها تزوج بها فهي أم سليمان ﵉.
قال الرازي: والذي أدين الله تعالى به وأذهب إليه أن ذلك باطل لوجوه.
الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داود لأنها لو نسبت إلى أفسق الناس وأشدهم
стр. 1738
فجوراً لانتفى منها والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربما لعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إلى داود ﵇.
ثانيها: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته، أما الأول: فأمر منكر قال ﷺ «من سعى في ذم مسلم ولو بشطر كلمة جاء مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله» ، وأما الثاني: فمنكر أيضاً قال ﷺ «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه» فإن أوريا لم يسلم من داود ﵇ لا في روحه ولا في منكوحه.
ثالثها: إن الله تعالى وصف داود ﵇ بصفات تنافي كونه ﵇ موصوفاً بهذا الفعل المنكر.
الصفة الأولى: أنه تعالى أمر محمداً ﷺ أن يقتدي بداود ﵇ في المصابرة على المكاره فلو قلنا: إن داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم عبد مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل ﷺ بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله تعالى.
الصفة الثانية: أنه وصفه بكونه عبداً له وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصوف كاملاً في وصف العبودية في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحظورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلا في طاعة الهوى والشهوة.
الصفة الثالثة: وهي قوله تعالى ﴿ذا الأيد﴾ أي: ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحظورات وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم.
الصفة الرابعة: كونه أواباً كثير الرجوع إلى الله فكيف يليق هذا الوصف بمن قلبه مشغول بالفسق والفجور.
الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن﴾ أَفَتَرى أنه سخرت له الجبال ليتخذ سبيل القتل والفجور؟.
الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿والطير محشورة﴾ قيل: إنه كان محرماً عليه صيد شيء من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على روحه ومنكوحه.
الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وشددنا ملكه﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد إنا ملكناه بقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لم يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك.
الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾ والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إنا آتيناه الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف من مزاحمة أخص أصحابه في الروح والمنكوح، فهذه الصفات التي وصف بها قبل شرح القصة وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة.
فأولها: قوله تعالى: ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ وقوله تعالى:
﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ فكيف أن الله تعالى يجعله خليفة ويقع منه ذلك، وقد روي عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: من حدثكم بحديث داود على ما ترويه القصاص فاجلدوه مائة جلدة وستين وهو حد الفرية أي: الكذب على الأنبياء، ومما يقوي هذا أنهم قالوا: إن المغيرة بن شعبة زنا وشهد ثلاثة من الصحابة بذلك وأما الرابع فلم يقل إني رأيت ذلك بعيني، فإن عمر ﵁ كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد
стр. 1739
منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان هذا الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك، فكيف الحال مع داود ﵇ مع أنه من أكابر الأنبياء ﵈، فثبت بما ذكرنا أن القصة الذي ذكرها هؤلاء باطلة لا يجوز ذكرها.d
قال الرازي: حضرت في مجلس وفيه بعض الأكابر فكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة بسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود ﵇ كان من أكابر الأنبياء والرسل، وقال الله تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ (الأنعام: ١٢٤)
ومن مدحه الله تعالى بمثل هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في الطعن فيه وأيضاً بتقدير أنه ما كان نبياً فلا شك أنه كان مسلماً وقال ﷺ «لا تذكروا موتاكم إلا بخير» وذكرت له أشياء أخر قال: سكت ولم يذكر شيئاً.
فإن قيل: قد ذكر هذه القصة كثير من المحدثين والمفسرين. أجيب: بأنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القطعية واجباً والمحققون يردون هذا القول ويحكمون عليه بالكذب، وأما القول الثاني: فقالوا: تحمل هذه القصة على حصول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود ﵇ فآثره أهلها فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا: إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب البتة أما وقوع بصره عليها بغير قصد فليس بذنب وأما حصول الميل عقب النظر فليس أيضاً ذنباً لأن الميل ليس في وسعه فليس مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها تزوج بها. الثالث: أنه كان أهل زمان داود ﵇ يسأل بعضهم بعضاً أن يطلق زوجته حتى يتزوجها وكانت عادة مألوفة معهودة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود ﵇ وقعت على تلك المرأة فأحبها فسأله النزول عنها فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان، فقيل له ذلك، وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذه وجوه ثلاثة لو حملت هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حق داود ﵇ إلا ترك الأفضل والأولى.
وأما القول الثالث: فقال تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود ﵇ بل يوجب أعظم أنواع المدح والثناء له وهو أنه قد روي أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبي الله داود ﵇ وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل فيه بطاعة ربه فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوروا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً تمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً، وقالوا: ﴿خصمان بغى بعضنا على بعض﴾ إلى آخر القصة فعلم غرضهم وقصد أن ينتقم منهم وظن أن ذلك ابتلاء من الله تعالى فاستغفر ربه مما هم به وأناب، فإن قيل: ههنا أربعة ألفاظ يمكن أن يحتج بها في إلحاق الذنب بداود ﵇ أحدها: قوله تعالى: ﴿وظن داود أنما فتناه﴾ وثانيها: قوله تعالى: ﴿فاستغفر ربه﴾ وثالثها: قوله تعالى: ﴿وأناب﴾ ورابعها: قوله تعالى: ﴿فغفرنا له ذلك﴾ . أجيب: بأن هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكر لاحتمال أن تكون الزلة إنما حصلت من باب ترك الأفضل والأولى كما مر، وحمل هذه الألفاظ
стр. 1740
على هذا الوجه لا يلزم منه إسناد شيء من الذنوب إليه بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطاعات إليه، وقيل: إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته وهناك أشياء كثيرة ذكرها البغوي وغيره وفيما ذكرناه كفاية.
﴿فغفرنا له ذلك﴾ أي: ما استغفر منه ﴿وإن له عندنا لزلفى﴾ أي: زيادة خير في الدارين بعد المغفرة ﴿وحسن مآب﴾ أي: مرجع في الجنة.
ولما تم الكلام في شرح القصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داود خلافة الأرض بقوله تعالى:
﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ أي: تدبر أمر العباد بأمرنا وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول الأول كما مر لأن من البعيد جداً أن يوصف الرسول بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة في انتزاع أزواجهم من أيديهم ثم يذكر عقبه أن الله تعالى فوض خلافة الأرض إليه، ثم في تفسير كونه خليفة وجهان:
أحدهما: جعلناك تخلف من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفه وذلك إنما يعقل في حق من تصح عليه الغيبة وذلك على الله تعالى محال.
ثانيهما: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم فبهذا التأويل يسمى خليفة ومنه يقال: خليفة الله تعالى في أرضه.
وحاصله: أن خليفة الرجل يكون نافذ الحكم في رعيته وحقيقة الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة للزوم نفاذ الحكم في تلك الحقيقة ﴿فاحكم بين الناس﴾ أي: الذين يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا ﴿بالحق﴾ أي: بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الحقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات وإذا كانت الأحكام على وفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أفضى ذلك إلى تخريب العالم ووقوع الهرج فيه والمرج في الخلق وذلك يفضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تتبع الهوى﴾ أي: لا تمل مع ما تشتهي إذا خالف أمر الله تعالى ثم سبب عنه قوله تعالى: ﴿فيضلك﴾ أي: ذلك الاتباع أو الهوى ﴿عن سبيل الله﴾ لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله﴾ أي: عن الإيمان بالله تعالى ﴿لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا﴾ أي: بسبب نسيانهم ﴿يوم الحساب﴾ أي: المرتب عليه تركهم الإيمان ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا، وقال الزجاج: بتركهم العمل لذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا أي: تركوا القضاء بالعدل.
﴿وما خلقنا السماء﴾ التي ترونها ﴿والأرض وما بينهما﴾ أي: مما تحسون به من الرياح وغيرها خلقاً ﴿باطلاً﴾ أي: عبثاً قال الله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ (المؤمنون: ١١٥)
تنبيه: احتج أهل السنة بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى خلق كل ما بين السماء والأرض وأعمال العباد مما بين السماء والأرض فوجب أن يكون تعالى خالقاً لها، ودلت على صحة القول بالحشر والنشر لأنه تعالى لما خلق الخلق في هذا العالم فإما أن يكون خلقهم للإضرار والانتفاع أو لا لشيء، والأول باطل لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم، والثالث أيضاً باطل، لأن هذه الحالة حاصلة خالصة حين كانوا معدومين فلم يبق إلا أن يقال: خلقهم للانتفاع وذلك الانتفاع
стр. 1741
إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة. والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة وتحمل الضرر الكثير لوجدان المنفعة القليلة لا يليق بالحكمة، ولما بطل هذا القول ثبت القول بوجود حياة بعد هذه الحياة الدنيا وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة.
تنبيه: يجوز في باطلاً أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أو حالاً من ضميره أي: خلقاً باطلاً وأن يكون حالاً من فاعل خلقنا أي: مبطلين أو ذوي باطل وأن يكون مفعولاً من أجله أي: للباطل وهو العبث ﴿ذلك﴾ أي: خلق ما ذكر لا لشيء ﴿ظن الذين كفروا﴾ أي: أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيء وأنه لا بعث ولا حساب ﴿فويل﴾ أي: هلاك عظيم بسبب هذا الظن أو واد في جهنم ﴿للذين كفروا﴾ أي: مطلقاً بهذا الظن وغيره من أي شرك كان ﴿من النار﴾ لأن من أنكر الحشر والنشر كان شاكاً في حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض.
ونزل لما قال كفار مكة للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة مثل ما تعطون.
﴿أم نجعل﴾ أي: على عظمتنا ﴿الذين آمنوا﴾ أي: امتثالاً لأوامرنا ﴿وعملوا الصالحات﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿كالمفسدين﴾ أي: المطبوعين على الفساد والراسخين فيه ﴿في الأرض﴾ أي: في السفر وغيره لم نجعلهم مثلهم وأم منقطعة والاستفهام فيها لإنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلاً ليدل على نفيه وكذا التي في قوله تعالى: ﴿أم نجعل المتقين كالفجار﴾ كرر الإنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية، أولاً بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم وقوله تعالى:
﴿كتاب﴾ خبر مبتدأ مضمر أي: هذا كتاب ثم وصفه بقوله تعالى: ﴿أنزلناه﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿إليك﴾ يا أشرف الخلق ﴿مبارك﴾ أي: كثير خيره ونفعه، وقوله تعالى: ﴿ليدبروا﴾ أصله ليتدبروا أدغمت التاء في الدال ﴿آياته﴾ أي: ليتفكروا في أسراره العجيبة ومعانيه اللطيفة فيأتمروا بأوامره ومناهيه فيؤمنوا ﴿وليتذكر﴾ أي: وليتعظ به ﴿أولو الألباب﴾ أي: أصحاب العقول.
القصة الثانية: قصة سليمان ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿ووهبنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿لداود سليمان﴾ ابنه فجاء عديم النظير في ذلك الزمان ديناً ودنيا وعلماً وحكمة وعظمة ورحمة، والمخصوص بالمدح في قوله تعالى: ﴿نعم العبد﴾ محذوف أي: سليمان، وقيل: داود ﴿إنه أواب﴾ أي: رجاع إلى التسبيح والذكر في جميع الأوقات.
﴿إذ﴾ أي: اذكر إذ ﴿عرض عليه﴾ أي: سليمان، وقوله تعالى: ﴿بالعشي﴾ وهو ما بعد الزوال إلى الغروب، وقوله تعالى: ﴿الصافنات﴾ أي: الخيل العربية الخالصة جمع صافنة وفيه خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج: هو الذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وهي علامة الفراهة فيه وأنشد:
*ألف الصفون فلا يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا*
وقيل: هو الذي يجمع يديه ويسويهما، وقيل: هو القائم مطلقاً أي: سواء كان من الخيل أم من غيرها قاله القتيبي واستدل بقوله ﷺ «من سره أن تقوم الناس له صفوناً فليتبوأ مقعده من النار» أي: يديمون له القيام وجاء الحديث قمنا صفوناً أي: صافين أقدامنا،
стр. 1742
وقيل: هو قيام الخيل مطلقاً، أي: سواء وقف على طرف سنبكه أم لا، قال الفراء: على هذا رأيت أشعار العرب، واختلف أيضاً في قوله تعالى: ﴿الجياد﴾ فهي إما من الجودة ويقال: جاد الفرس يجود جودة وجودة بالفتح والضم فهو جواد للذكر والأنثى، وهو الذي يجود في جريه بأعظم ما يقدر عليه، والجمع جياد وأجواد وأجاويد، وقيل: جمع لجود بالفتح كثياب وثوب، وإما من الجيد وهو العنق، والمعنى: طويلة الأجياد وهو دال على فراهتها.
قال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس، وقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس، وقال عوف عن الحسن: بلغني أنها كانت خيلاً خرجت من البحر لها أجنحة، وعن عكرمة: أنها كانت عشرين ألف فرس لها أجنحة فصلى سليمان الصلاة الأولى التي هي الظهر وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه منها تسعمائة فرس فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك هيبة له فاغتم لذلك.
﴿فقال إني أحببت﴾ أي: أردت ﴿حب الخير﴾ أي: الخيل ﴿عن ذكر ربي﴾ أي: صلاة العصر ﴿حتى توارت﴾ أي: الشمس ﴿بالحجاب﴾ أي: استترت بما يحجبها عن الأبصار.
﴿ردوها علي﴾ أي: الخيل المعروضة، وقيل: الضمير يرجع للشمس، قال الرازي: وهذا بعيد لوجوه.
الأول: أن الصافنات مذكورة بالصريح والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر.
وثانيها: أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العصر كان ذلك ذنباً عظيماً ومن كان هذا حاله فطريقه التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة، فأما أن يقول على سبيل العظمة لرب العالمين مثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقب ذلك الجرم العظيم الذي لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير فكيف يجوز إسناده للرسول ﵇ المطهر المكرم.
ثالثها: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وحيث لم ينقل علمنا فساده، انتهى. قال أكثر المفسرين: فلما ردوا الخيل إليه أقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف أخذاً من قوله تعالى ﴿فطفق مسحاً﴾ أي: فأخذ يمسح السيف مسحاً ﴿بالسوق والأعناق﴾ أي: سوقها وأعناقها يقطعها من قولهم: مسح علاوته إذا ضرب عنقه، قالوا: فعل ذلك تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لمرضاته حيث اشتغل عن طاعته وكان ذلك مباحاً له وإن كان حراماً علينا كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام وبقي منها مائة فرس فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل من نسل تلك المائة.
قال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله الله تعالى خيراً منها وأسرع وهي الريح تجري بأمره كيف شاء، قال الرازي: وهذا عندي بعيد لوجوه.
الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي: اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل: مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح.
الثاني: أن القائلين بهذا القول أجمعوا على أن لسليمان ﵇ أنواعاً من الأفعال المذمومة فأولها: ترك الصلاة وثانيها: أنه استولى عليه الإشتغال بحب الدنيا حتى نسي الصلاة وقال صلى الله عليه
стр. 1743
وسلم «حب الدنيا رأس كل خطيئة» وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة. ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ردوها علي وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها: أنه اتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وقد نهى النبي ﷺ عن ذبح الحيوان إلا لأكله، وهذه أنواع من الكبائر ينسبونها إلى سليمان ﵇ مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها، وخلاصتها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقب قوله: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب﴾ وأن الكفار لما بالغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد ﷺ اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ثم ذكر عقبه قصة سليمان ﵇ فقال تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان﴾ الآية والتقدير: أنه تعالى قال لمحمد ﷺ يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا: إن سليمان ﵇ أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان المقصود من قصة سليمان ﵇ في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً.
قال: والصواب: أن تقول إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما هو في دين محمد ﷺ ثم إن سليمان ﵇ احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما أجريها لأمر الله تعالى وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله: ﴿عن ذكر ربي﴾ ثم إنه ﵇ أمر بإجرائها وسيرها حتى توارت بالحجاب أي: غابت عن بصره ثم إنه أمر الرابضين أن يردوها فردوا تلك الخيل إليه، فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها والغرض من ذلك أمور:
الأول: تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو.
الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه.
الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسها ويمسح لها سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير هو الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من المنكرات إلى سليمان ﵇ والعجب منهم كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة.
قال: فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه فالجواب أن نقول: لفظ الآية لا تدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا وأيضاً فإن الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يدل على صحة هذه الحكايات دليل قطعي ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات من أقوام لا يلتفت إلى أقوالهم والذي ذهبنا إليه قول الزهري وابن كيسان ا. هـ، وقد يجاب من جهة الجمهور أن ما نسبه إليهم ممنوع.
وبيان ذلك أن قوله: إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح يقال: القرينة كافية في ذلك وقوله أنهم جمعوا أنواعاً مذمومة أولها: ترك
стр. 1744
الصلاة إنما يكون ذلك مذموماً إذا تركها متعمداً ولم يكن ذلك بل نسيها وقد نام ﷺ في الوادي حتى طلعت الشمس وقضى الصبح والنسيان والنوم لا مؤاخذة فيهما، وقوله: ثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إنما اشتغل بذلك لأمر الجهاد وهو مطلوب في حقه، وقوله: ثالثها: أنه لم يشتغل بالتوبة يقال: إنه لم يأت بذنب، وقوله: رابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ردوها علي ممنوع والمخاطب إنما هو جماعته، وقوله: خامسها إلى أن قال: وقد نهى النبي ﷺ عن عقر الحيوان قد مر عنهم أن ذلك كان مباحاً له فليس فيما قالوه نسبة سليمان ﵊ إلى معصية فلو قال: الأولى أن يقال: كذا كان أولى، وقرأ قنبل بهمزة ساكنة بعد السين وقيل عنه أيضاً بضم الهمزة وواو بعدها، واختلف في سبب الفتنة التي وقعت لسليمان ﵇ في قوله تعالى:
﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿على كرسيه جسداً ثم أناب﴾ فقال محمد بن إسحاق: عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر وكان الله تعالى قد أعطى سليمان في ملكه سلطاناً لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فأخذها وقتل ملكها وسبا ما فيها وأصاب فيما أصاب بنتاً لذلك الملك يقال لها جرادة لم ير مثلها حسناً وجمالاً فاصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حباً لم يحبه شيئاً من نسائه وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها فشق ذلك على سليمان ﵇.
فقال لها: ويحك ما هذا الحزن؟ قالت له: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصاب فيحزنني ذلك فقال لها سليمان ﵇: قد أبدلك الله ملكاً هو أعظم من ملكه وسلطاناً هو أعظم من سلطانه وهداك إلى الإسلام وهو خير من ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك ولكن إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري أراها بكرة وعشياً لرجوت أن يذهب ذلك حزني، فأمر سليمان ﵇ الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها فعمدت إليه حين صنعوه وألبسته ثياباً مثل ثيابه التي كان يلبسها، ثم كانت إذا خرج سليمان ﵇ تذهب إليه مع ولائدها فتسجد له ويسجدن معها له تبعاً لها كما كانت تصنع في ملكه، وسليمان ﵇ لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحاً، فبلغ ذلك آصف بن برخيا وكان صديقاً لسليمان ﵇ وكان لا يرد عن أبواب سليمان ﵇ أي ساعة أراد دخول شيء من بيوت سليمان ﵇ حاضراً كان سليمان ﵇ أو غائباً.
فقال: يا نبي الله كبر سني ورق عظمي ونفد عمري وقد حان مني الذهاب وقد أحببت أن أقوم مقاماً قبل الموت أذكر فيه من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأثني عليهم بعملي فيهم وأعلم الناس ببعض ما كانوا يجهلون من كثير أمرهم، فقال: افعل فجمع سليمان ﵇ الناس فقام فيهم خطيباً فذكر من مضى من أنبياء الله ﵎ وأثنى على كل نبي بما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان ﵇ فقال: ما كان أحكمك في صغرك ثم انصرف، فوجد سليمان ﵇ في نفسه من ذلك حتى امتلأ غضباً، فلما دخل داره
стр. 1745
دعاه فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله تعالى فأثنيت عليهم خيراً في كل زمانهم وكل حال أمرهم فلما ذكرتني جعلت تثني علي خيراً في صغري وسكت عما سوى ذلك من أمري فما الذي أحدثت في آخر عمري فقال آصف: إن غير الله تعالى يعبد في دارك، فقال سليمان ﵇: إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان ﵇ إلى داره فكسر الصورة وعاقب تلك المرأة وولائدها، وخرج وحده إلى فلاة ففرش الرماد وجلس عليه تائباً إلى الله تعالى.l
وكانت له أم ولد يقال لها: الأمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها وكان ملكه فيه فوضعه عندها يوماً، فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة سليمان ﵇ وقال لها: يا أمينة خاتمي فناولته الخاتم وتختم به وجلس على كرسي سليمان ﵇ فعكف عليه الطير والجن والإنس وتغيرت صفة سليمان ﵇، فأتى الأمينة يطلب الخاتم فأنكرته فعرف أن الخطيئة قد أدركته فكان يدور على البيوت يتكفف وإذا قال: أنا سليمان حثوا عليه التراب وسبوه وأخذ ينقل السمك للسماكين فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا أمسى باع إحداها بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها فمكث كذلك أربعين صباحاً مدة ما كان عبد الوثن في داره فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان.
وسأل آصف نساء سليمان ﵇ فقلن: ما يدع امرأة في دمها ولا يغتسل من جنابة فقال آصف: إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين، ثم خرج على بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة فلما مضى أربعون صباحاً طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين وقد عمل له سليمان ﵇ بسمكتين صدر يومه ذلك حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه فأعطى السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان ﵇ بسمكتيه فباع السمكة التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله الخاتم في جوفها فأخذه فجعله في يده ووقع ساجداً، وعكفت عليه الطير والجن والأنس ورجع إلى ملكه وأخذ ذلك الشيطان وحبسه في صخرة وألقاه في البحر هذا ملخص حديث وهب، وقال الحسن: ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه.
وقال السدي: كان سبب فتنة سليمان ﵇ أنه كانت له مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة: وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان يأتمنها على خاتمه إذا أتى حاجته فقالت له يوماً: إن أخي بينه وبين فلان خصومة فأحب أن تقضي له فقال: نعم ولم يفعل فابتلى بقوله: نعم، وذكر نحو ما تقدم وفي بعض الروايات أن سليمان ﵇ لما افتتن سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه فأعاده سليمان ﵇ إلى يده فسقط فأيقن سليمان ﵇ بالفتنة، فأتاه آصف فقال لسليمان ﵇: إنك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك في يدك ففر إلى الله تعالى تائباً فإني أقوم مقامك وأسير بسيرك إلى أن يتوب الله تعالى عليك، ففر سليمان ﵇ إلى الله تعالى وأعطى آصف الخاتم فوضعه في يده فثبت فأقام آصف في ملك سليمان ﵇ يسير بسيره أربعة عشر يوماً إلى أن رد الله تعالى على سليمان ﵇ ملكه وتاب عليه ورجع إلى ملكه وجلس على سريره وأعاد الخاتم في يده، فهو الجسد
стр. 1746
الذي ألقي على كرسيه.
وروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان ﵇ عن الناس ثلاثة أيام فأوحى الله تعالى إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي فابتلاه الله وذكر نحو ما تقدم من حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه.
قال الرازي: واستبعد أهل التحقيق هذا الكلام من وجوه؛ الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يشتبه في الصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذٍ لا يبقى اعتماد على شيء من ذلك فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس على صورة محمد وعيسى وموسى ﵈ ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال وذلك يبطل الدين بالكلية.
الثاني: أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي الله تعالى سليمان ﵇ بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ يجب أن يقتلهم ويمزق تصانيفهم ويخرب ديارهم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل في حق أكابر الأنبياء أولى.
الثالث: كيف يليق بحكمة الله تعالى وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان ﵇ ولا شك أنه قبيح أي: على غير رأي الحسن كما مر.
الرابع: لو قلنا إن سليمان ﵇ أذن لتلك المرأة في عبادتها تلك الصورة فهذا كفر منه، وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف يؤاخذ الله تعالى سليمان ﵇ بفعل لم يصدر منه أي: وقد يقال: إنما أوخذ بذلك لكونه كان سبباً في عملها.
قال: فأما أهل التحقيق فقد ذكروا وجوهاً؛ الأول: أن فتنة سليمان ﵇ أنه ولد له ابن فقالت: الشياطين إن عاش صار مسلطاً علينا مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله، فعلم سليمان ﵇ ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو يشتغل بمهماته إذ ألقي ذلك الولد ميتاً على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يثق ولم يتوكل على الله تعالى فاستغفر ربه وتاب.
الثاني: روي عن النبي ﷺ أنه قال: «قال سليمان لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل امرأة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله تعالى، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله تعالى لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين» فذلك قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً﴾ (ص: ٣٤)
الثالث: أنه أصابه مرض فصار يجلس على كرسيه وهو مريض فذلك قوله تعالى ﴿وألقينا على كرسيه جسداً﴾ وذلك لشدة المرض والعرب تقول في الضعيف: أنه لحم على وضم وجسم بلا روح ﴿ثم أناب﴾ أي: رجع إلى حال الصحة أي: وهذا أظهر ما قيل كما قاله البيضاوي.
الرابع: لا يبعد أيضاً أن يقال: إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط وقوع خوف أو وقوع بلاء توقعه من بعض الجهات حتى صار بقوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الخفي على ذلك الكرسي ثم إن الله تعالى أزال عنه ذلك الخوف وأعاده إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة، فإن قيل: لولا تقدم الذنب.
لما ﴿قال رب اغفر لي﴾ . أجيب: بأن الإنسان لا ينفك عن ترك الأفضل وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولأنه أبدأ في مقام هضم النفس وإظهار الندم والخضوع كما قال ﷺ «إني لاستغفر الله تعالى في اليوم والليلة سبعين
стр. 1747
مرة» مع أنه ﷺ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى واختلف في قول سليمان ﵇ ﴿وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أي: سواي نحو فمن يهديه من بعد الله أي: سوى الله فقال عطاء بن أبي رباح: يريد هب لي ملكاً لا تسلبنيه في باقي عمري ﴿إنك أنت الوهاب﴾ وقال مقاتل: إن الشيطان لما استولى على ملكه طلب أن يعطيه الله ملكاً لا يقدر الشيطان على أن يقوم فيه مقامه البتة وقال: من أنكر أن الشيطان لم يستول على ذلك أن ذلك محتمل لوجوه؛ الأول: أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري البتة ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي ويدل على صحة هذا القول قوله تعالى:
﴿فسخرنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿له الريح تجري بأمره رُخاءً﴾ أي: حالة كونها لينة غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا تدرك الخيل غدوها شهر ورواحها شهر ﴿حيث أصاب﴾ أي: أراد فكون الريح جارية بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب دال على صحة نبوته لا يقدر أحد على معارضته، وقد جعل الله تعالى لنبينا محمد ﷺ أعظم من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة شهر من جوانبه الأربعة فهي أربعة أشهر.
الثاني: أنه ﵇ لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى التغيرات فسأل ربه ملكاً لا يمكن أن ينتقل مني إلى غيري.
الثالث: أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية حتى احترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل.
الرابع: سأل ذلك ليكون علامة على قبول توبته حيث أجاب الله تعالى دعاءه ورد عليه ملكه وزاده فيه، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن عفريتاً من الجن أتاني الليلة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه فذكرت دعوة أخي سليمان ﴿وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فرددته خاسئاً» فعلم من هذه الأوجه أنه ليس في كلام سليمان ﵇ ما يشبه الحسد وهو طلب ما لا ينبغي لأحد غيره، وأجاب الزمخشري بأجوبة غير ذلك منها: أن سليمان ﵇ كان ناشئاً في بيت الملك والنبوة ووارثاً لهما فأراد أن يطلب من ربه معجزة فطلب على حسب ألفه ملكاً زائداً على الممالك زيادة خارقة للعادة بالغة حد الإعجاز ليكون ذلك دليلاً على نبوته قاهراً للمبعوث إليهم ثم قال: وعن الحجاج أنه قيل له: إنك حسود، فقال: أحسد مني من قال: ﴿وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ قال: وهذا من جراءته على الله تعالى وشيطنته ومن شيطنته ما حكي عنه طاعتنا أوجب من طاعة الله لأنه شرط في طاعته فقال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: ٣٦)
وأطلق في طاعتنا فقال ﴿وأولي الأمر منكم﴾ (النساء: ٥٩) ، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿رخاء﴾ ينافيه قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ولسليمان الريح عاصفة﴾ أجيب عن ذلك بوجهين: الأول: أن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة إلا أنها لما أمرت بأمره كانت لذيذة طيبة وكانت رخاء. الثاني: أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى فلا منافاة بين الآيتين.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿حيث﴾ ظرف لتجري أو لسخرنا.
فائدة:
стр. 1748
روي أن رجلين خرجا يقصدان رؤبة يسألانه عن معنى: أصاب فقال لهما: أين تصيبان؟ فعرفا، وقالا: هذا بغيتنا. وقوله تعالى:
﴿والشياطين﴾ عطف على الريح، وقوله تعالى: ﴿كل بناءٍ﴾ بدل من الشياطين كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية، روي أن سليمان ﵇ أمر الجان فبنت له اصطخر وكان فيها قرار مملكة الترك قديماً وبنت له الجان أيضاً تدمر وبيت المقدس وباب جيرون وباب البريد اللذين بدمشق على أحد الأقوال، وبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسلحين ويبنون ومدينة صنعاء، وقوله تعالى: ﴿وغواصٍ﴾ عطف على بناء أي: يغوصون له في البحر يستخرجون اللؤلؤ وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر، وقوله تعالى:
﴿وآخرين مقرنين﴾ أي: مشدودين ﴿في الأصفاد﴾ أي: القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم عطف على كل فهو داخل في حكم البدل، فكأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر، فإن قيل: أجسامهم إما أن تكون كثيفة أو لطيفة فإن كانت كثيفة وجب أن يراها صحيح الحاسة وإن كانت لطيفة فلا تقوى على العمل ولا يمكن تقرينها؟ أجيب: بأن أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى وتقوى على العمل ويمكن تقرينها، أو أن المراد: تمثيل كفهم عن الشرور بالإقتران في الصفد وهو القيد ويسمى به العطاء لأنه يربط المنعم عليه وفرقوا بين فعل الصفد بمعنى القيد وفعله بمعنى العطاء فقالوا: صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد في الخير والشر في ذلك نكتة وهي: أن القيد ضيق فناسبه تقليل حروف فعله والعطاء واسع فناسبه تكثير حروف فعله، والوعد خير وهو خفيف فناسبه تقليل حروفه، والإيعاد شر وهو ثقيل فناسبه تكثير حروفه.
﴿هذا﴾ أي: وقلنا هذا الأمر الكبير ﴿عطاؤنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿فامنن أو أمسك﴾ قال ابن عباس ﵄: أعط من شئت وامنع من شئت، قال المفسرون: أي: لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت، وقال الحسن: ما أنعم الله تعالى على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان ﵇ فإنه إن أعطى أجر وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة، وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين يعني خل من شئت منهم وأمسك من شئت في وثاقك لا تبعة عليك فيما تتعاطاه وقوله تعالى ﴿بغير حساب﴾ فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه متعلق بعطاؤنا أي: أعطيناك بغير حساب ولا تقدير وهو دال على كثرة الإعطاء، ثانيها: أنه حال من عطاؤنا أي: في حال كونه غير محاسب عليه لأنه جم كثير يعسر على الحاسب ضبطه، ثالثها: أنه متعلق بامنن أو أمسك ويجوز أن يكون حالاً من فاعلهما أي: غير محاسب عليه.
ولما ذكر تعالى ما أنعم عليه به في الدنيا أتبعه بما أنعم عليه به في الآخرة بقوله :
﴿وإن له عندنا﴾ أي: في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا ﴿لزلفى﴾ أي: قربى عظيمة ﴿وحسن مآب﴾ وهو الجنة.
القصة الثالثة قصة أيوب ﵇ المذكورة في قوله تعالى:
﴿واذكر عبدنا﴾ أي: الذي هو أهل للإضافة إلى جنابنا ويبدل منه ﴿أيوب﴾ وهو ابن الروم بن عيص بن اسحق وامرأته ليا بنت يعقوب ﵉ وقوله
стр. 1749
تعالى: ﴿إذ نادى ربه﴾ بدل من عبدنا بدل اشتمال وأيوب عطف بيان له وقوله: ﴿إني﴾ أي: بأني ﴿مسني الشيطان﴾ أي: المحترق باللعنة البعيد من الرحمة ﴿بِنُصبٍ﴾ أي: بمشقة وضر ﴿وعذاب﴾ أي: ألم جيء به على حكاية كلامه الذي نادى بسببه ولو لم يحكه لقيل: إنه مسه لأنه غائب، وقال قتادة ﵁: النصب في الجسد والعذاب في المال، واختلف العلماء في هذه الآلام والأسقام الحاصلة في جسده على قولين؛ أحدهما: أنها حصلت بفعل الشيطان، والثاني: أنها حصلت بفعل الله تعالى، والعذاب المضاف في هذه الآية إلى الشيطان وهو عذاب الوسوسة وإلقاء الخواطر الفاسدة، أما تقرير القول الأول فهو ما روي أن إبليس لعنه الله سأل ربه فقال: هل في عبيدك من لو سلطتني عليه يمتنع مني، فقال الله تعالى: نعم عبدي أيوب فجعل يأتيه بوساوسه وهو يرى إبليس عياناً ولا يلتفت إليه، فقال: رب إنه قد امتنع علي فسلطني على ماله فكان الشيطان يجيئه ويقول له: يا أيوب هلك من مالك كذا وكذا، فيقول أيوب له: الله أعطى والله أخذ ثم يحمد الله ، فقال: يا رب إن أيوب لا يبالي بماله فسلطني على جسده فأذن فيه فنفخ في جلد أيوب فحدث أسقام عليه وآلام شديدة فمكث في ذلك البلاء سنين حتى استقذره أهل بلده فخرج إلى الصحراء وما كان يقرب منه أحد فجاء الشيطان إلى امرأته، وقال: إن زوجك إن استغاث بي خلصته من هذا البلاء فذكرت المرأة ذلك لزوجها فحلف بالله لئن عافاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة وعند هذه الواقعة قال ﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ فأجاب الله تعالى دعاءه وأوحى إليه أن ﴿اركض برجلك﴾ إلى آخر الآية.
وأما تقرير القول الثاني: فإن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس في الأمراض والأسقام ويدل عليه وجوه.
الأول: أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ولعل ما عندنا من الخيرات والسعادات قد حصل بفعله وحينئذ لا سبيل إلى معرفة من يعطي الحياة والموت والصحة والسقم أهو الله تعالى أم الشيطان.
ثانيها: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء ولم لا يخرب دورهم ولم لا يقتل أولادهم.
ثالثها: أن الله تعالى حكى عن الشيطان أنه قال: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ (إبراهيم: ٢٢)
فصرح بأنه لا قدرة له على البشر إلا بإلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة، فدل ذلك على فساد القول بأن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان؟.
أجيب: بأنه إذا كان لابد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك بل الحق أن المراد بقوله: ﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة كاد يلقيه في أنواع العذاب، والقائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا أوجهاً؛ أولها: أن علته كانت شديدة الألم ثم طالت تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ولم يبق له مال البتة وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول
стр. 1750
عليهم ومن خدمتهم، والشيطان كان يذكره النعمة التي كانت عليه والآفات التي حصلت له وكان يحتال في دفع تلك الوساوس، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله تعالى وقال: مسني الشيطان بنصب وعذاب لأنه كلما كثرت تلك الخواطر كان تألم قلبه منها أشد.
ثانيها: أنه لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان ليقنطه مرة ويزلزله ليجزع مرة فخاف من خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال: ﴿إني مسني الشيطان﴾ .
ثالثها: قيل: إن امرأته كانت تخدم الناس وتأخذ منهم قدر القوت وتجيء به إلى أيوب ﵇ فاتفق لها أنهم لما استخدموها طلبت بعض النساء منها قطع إحدى ذؤابتيها على أن تعطيها قدر القوت ففعلت، ثم في اليوم الثاني فعلت مثل ذلك فلم يبق لها ذؤابة وكان أيوب ﵇ إذا أراد أن يتحرك على فراشه تعلق بتلك الذؤابة فلما لم يجد الذؤابة وقعت الخواطر الرديئة في قلبه فعند ذلك قال: ﴿مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ .
رابعها: روي أنه ﵇ قال في بعض الأيام: يا رب لقد علمت أني ما اجتمع علي أمران إلا آثرت طاعتك ولما أعطيتني المال كنت للأرامل قيماً ولابن السبيل معيناً ولليتامى أباً، فنودي يا أيوب ممن كان ذلك التوفيق فأخذ أيوب ﵇ التراب فوضعه على رأسه وقال: منك يا رب ثم خاف من الخواطر الأولى فقال: ﴿مسني الشيطان بنصب وعذاب﴾ وذكروا أقوالاً أخر في سبب بلائه، منها: أن رجلاً استغاثه على ظالم فلم يغثه، وقيل: كانت مواشيه ترعى في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يعظه، وقيل: أعجب بكثرة ماله وأعلم أن داود وسليمان ﵉ كانا ممن أفاض الله عليهما أصناف الآلاء والنعماء وأيوب ﵇ كان ممن خصه الله بأنواع البلاء والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار كأن الله تعالى قال: يا محمد اصبر على سفاهة قومك فإنه ما كان في الدنيا أكثر من الأنبياء نعمة ومالاً وجاهاً من داود وسليمان ﵉، وما كان فيهم أكثر بلاء ومحنة من أيوب ﵇، فتأمل أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره.
ولما اشتكى أيوب ﵇ الشيطان وسأل ربه أن يزيل عنه تلك البلية أجاب الله تعالى له بأن قال له:
﴿اركض﴾ أي: اضرب ﴿برجلك﴾ أي: الأرض فضرب فنبعت عين ماء، فقيل له: ﴿هذا مغتسل باردٌ﴾ أي: ماء تغتسل منه فيبرأ ظاهرك ﴿وشراب﴾ أي: وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهر اللفظ يدل على أنه نبعت له عين واحدة من الماء فاغتسل منه وشرب منه، وأكثر المفسرين قالوا: نبعت له عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى فذهب الداء من ظاهره ومن باطنه بإذن الله تعالى وقيل: ضرب برجله اليمنى فنبعت عين حارة فاغتسل منها ثم باليسرى فنبعت عين باردة فشرب منها، وقيل: ضرب الأرض فنبعت له عين ماء فذهب كل داء كان بظاهره ثم مشى أربعين خطوة فركض برجله الأرض مرة أخرى فنبعت عين ماء عذب فشرب منه فذهب كل داء كان في باطنه.
﴿ووهبنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿له أهله﴾ أي: بأن جعلناهم عليه بعد تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم، وقيل: وهبنا له مثل أهله والأول هو ظاهر الآية فلا يجوز العدول عنه من غير ضرورة ﴿ومثلهم معهم﴾ حتى
стр. 1751
كان له ضعف ما كان، وقوله تعالى: ﴿رحمة﴾ أي: نعمة ﴿منا﴾ مفعول لأجله أي: وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه ﴿وذكرى﴾ أي: وتذكيراً بحاله ﴿لأولي الألباب﴾ أي: أصحاب العقول ليعلموا أن من صبر ظفر وأن رحمة الله تعالى واسعة وهو عند القلوب المنكسرة فما بينه وبين الإجابة الأحسن الإنابة فمن دام إقباله عليه أغناه عن غيره كما قيل:
*لكل شيء إذا فارقته عوض ... وما عن الله إن فارقت من عوض*
وهذا تسلية لنبيه ﷺ كما مر وقوله تعالى:
﴿وخذ بيدك ضغثاً﴾ معطوف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش والقضبان فيها مائة عود كشمراخ النخلة وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان، وقوله : ﴿فاضرب به ولا تحنث﴾ يدل على تقدم يمين منه ﵊ واختلفوا في سبب حلفه عليها ويبعد ما قيل أنها رغبته في طاعة الشيطان ويبعد أيضاً ما روي أنها قطعت ذؤابتيها لأن المضطر يباح له ذلك، بل الأقرب ما روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل: رحمة بنت افراثيم بن يوسف ﵇ ذهبت لحاجة فأبطأت عليه فحلف في مرضه ليضربنها مائة إذا برئ.
ولما كانت حسنة الخدمة جعل الله تعالى يمينه بأهون شيء عليه وعليها وهذه الرخصة باقية في الحدود لما روي أنه ﷺ «أتي برجل ضعيف قد زنا بأمة فقال ﷺ خذوا مائة شمراخ واضربوه بها ضربة واحدة» ﴿إنا وجدناه صابراً﴾ أي: فيما أصابه في النفس والأهل والمال.
فإن قيل: كيف وجده صابراً وقد شكا إليه؟ أجيب بأوجه: أحدها: أن شكواه إلى الله تعالى كتمني العافية فلا يسمى جزعاً ولهذا قال يعقوب ﵇: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ (يوسف: ٨٦)
وكذلك شكوى العليل وذلك أن أصبر الناس على البلاء لا يخلو من تمني العافية وطلبها، فإذا صح أن يسمى صابراً مع تمني العافية أفلا يعد صابراً مع اللجوء إلى الله تعالى والدعاء بكشف ما به مع التعالج ومشاورة الأطباء. ثانيها: أن الآلام حين كانت على الجسد لم يذكر شيئاً فلما تعاظمت الوساوس على القلب تضرع إلى الله تعالى. ثالثها: أن الشيطان عدو والشكاية من العدو إلى الحبيب لا تقدح في الصبر، ويروى أنه قال في مناجاته: إلهي قد علمت أنه لم يخالف لساني قلبي ولم يتبع قلبي بصري ولم آكل إلا ومعي يتيم ولم أبت شبعاناً ولا كاسياً ومعي جائع أو عريان فكشف الله تعالى عنه ثم استأنف قوله تعالى: ﴿نعم العبد﴾ أي: أيوب ﵇ ثم علل بقوله تعالى: مؤكداً لئلا يظن أن بلاءه قادح في ذلك ﴿إنه أواب﴾ أي: رجاع إلى الله تعالى روي: أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿نعم العبد﴾ في حق سليمان ﵇ تارة وفي حق أيوب ﵇ أخرى عظم في قلوب أمة محمد ﷺ وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿نعم العبد﴾ تشريف عظيم فإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب ﵇ لم نقدر عليه فكيف السبيل إلى تحصيله فأنزل الله تعالى قوله : ﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ (الأنفال: ٤٠)
والمراد: أنك أيها الإنسان إن لم تكن نعم العبد فأنا نعم المولى وإن كان منك غير الفضل فأنا مني الفضل، وإن كان منك التقصير فمني الرحمة والتيسير.
القصة الرابعة: قصة إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵉ المذكورة
стр. 1752
في قوله تعالى:
﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق﴾ بن إبراهيم ﴿ويعقوب﴾ بن إسحاق ﴿أولي الأيدي﴾ أي: أصحاب القوى في العبادة، وقال ابن عباس ﵄: أولي القوة في طاعة الله تعالى ﴿والأبصار﴾ أي: المعرفة بالله أي: البصائر في الدين وأولي الأعمال الجليلة والعقائد الشرعية، فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالإبصار عن المعارف لأنها أقوى عبادتها، وفيه تعريض بكل من لم يكن من عمال الله تعالى ولا من المستبصرين في دين الله، وفيه توبيخ أيضاً على تركهم المجاهدة والتأمل مع كونهم متمكنين منهما فهم في حكم الزمنى الذين لا يقدرون على أعمال جوارحهم والناقصي العقول الذين لا استبصار لهم، وقال قتادة ومجاهد: أعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين، وقرأ ابن كثير بفتح العين وسكون الباء الموحدة ولا ألف بعدها على التوحيد على أنه إبراهيم وحده لمزيد شرفه وإبراهيم عطف بيان وإسحاق ويعقوب عطف على عبدنا والباقون بكسر العين وفتح الموحدة وألف بعدها على الجمع.
﴿إنا أخلصناهم بخالصةٍ﴾ أي: اصطفيناهم وجعلناهم لنا خالصين بخصلة خالصة لا شوب فيها وهي ﴿ذكرى الدار﴾ الآخرة أي: ذكرها والعمل لها لأن مطمح نظرهم الفوز بلقائه وذلك في الآخرة وإطلاق الدار للإشعار بأنها الدار الحقيقة والدنيا معبر، وقرأ نافع وهشام خالصة بغير تنوين بالإضافة للبيان أو أن خالصة مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله والباقون بالتنوين، فمن أضاف فمعناه أخلصناهم بذكرى الدار الآخرة وأن يعملوا لها، والذكرى بمعنى: الذكر، قال مالك بن دينار: نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها، وقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله ، وقال السدي: أخلصوا الخوف للآخرة وقال ابن زيد: أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، ومن قرأ بالتنوين فمعناه: بخلة خالصة هي ذكرى الدار فيكون ذكرى الدار بدلاً من الخالصة أو جعلناهم مخلصين بما أخبرنا من ذكر الآخرة، والمراد بذكرى الدار: الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة، وقيل: إنه أبقى لهم الذكر الجميل في الدنيا وقيل: هو دعاؤه ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء: ٨٤)
﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين﴾ أي: اصطفاء لا يقدح فيه قادح فصاروا في غاية الرسوخ في هذا الوصف ﴿الأخيار﴾ أي: المختارين من أبناء جنسهم والأخيار جمع خير بالتشديد أو خير بالتخفيف كأموات في جمع ميت أو ميت، واحتج العلماء بهذه الآية على إثبات عصمة الأنبياء ﵈ لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم أخياراً على الإطلاق وهذا يفهم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات بدليل صحة الاستثناء منه.
القصة الخامسة: قصة إسماعيل واليسع وذي الكفل ﵈ المذكورة في قوله تعالى:
﴿واذكر﴾ يا أشرف الخلق ﴿إسماعيل﴾ أي: أباك وما صبر عليه من البلاء بالغربة والإنفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار إليه بعد ذلك البلاء من الفرج والرياسة والذكر في هذه البلدة ﴿واليسع﴾ وهو ابن إخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبئ واللام كما في قوله:
* ... رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً
وقرأ حمزة والكسائي بتشديد اللام وسكون الياء بعدها والباقون بسكون اللام وفتح الياء بعدها ﴿وذا الكفل﴾
стр. 1753
وهو ابن عم اليسع أو بشر بن أيوب واختلف في نبوته وكفلته فقيل: فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم وقيل: كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة ﴿وكل﴾ أي: وكلهم ﴿من الأخيار﴾ فهم قوم خيرون من الأنبياء تحملوا الشدائد في دين الله تعالى وصبروا فاذكرهم يا أفضل الخلق بفضلهم وصبرهم لتسلك طريقهم.
ولما أجرى تعالى ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتمه قال مؤكداً لشأنهم وشرف ما ذكر من أعمالهم:
﴿هذا﴾ أي: ما تلوناه عليك من ذكرهم وذكر غيرهم ﴿ذكر﴾ أي: شرف في الدنيا وموعظة من ذكر القرآن ذي الذكر ثم عطف على قوله تعالى: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد﴾ (ص: ٢٦)
ما لأضدادهم فقال تعالى رداً على من ينكر ذلك من كفار العرب وغيرهم ﴿وإن للمتقين لحسن مآب﴾ أي: مرجع.
ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء أبدل منه أو بينه بقوله تعالى:
﴿جنات عدنٍ﴾ أي: إقامة في سرور وطيب عيش، ثم إنه تعالى وصف أهل الجنة بأشياء أولها قوله تعالى: ﴿مفتحة لهم الأبواب﴾ أي: أن الملائكة يفتحون لهم أبواب الجنة ويحيونهم بالسلام كما قال تعالى: ﴿حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها﴾ (الزمر: ٧٣)
الآية وقيل: المعنى أنهم كلما أرادوا انفتاح الأبواب انفتحت لهم وكلما أرادوا انغلاقها انغلقت لهم، وقيل: المراد من هذا الفتح وصف تلك المساكن بالسعة وقرة العيون فيها، ثانيها: قوله تعالى:
﴿متكئين فيها﴾ وقد ذكر في آيات أخر كيفية ذلك الاتكاء فقال تعالى في آية: ﴿على الأرائك متكئون﴾ (يس: ٥٦)
وقال في آية أخرى: ﴿متكئين على رفرف خضر﴾ (الرحمن: ٧٦)
ثالثها: قوله تعالى ﴿يدعون فيها﴾ أي: الجنات ﴿بفاكهة كثيرة وشراب﴾ أي: كثير فيدعون فيها بألوان الفاكهة وألوان الشراب.
ولما بين المسكن والمأكول والمشروب ذكر أمر المنكوح تتميماً للنعمة بقوله سبحانه تعالى:
﴿وعندهم قاصرات الطرف﴾ أي: حابسات الطرف أي: العين على أزواجهن ﴿أتراب﴾ أي: أسنانهن واحدة وهي بنات ثلاث وثلاثين سنة واحدها ترب، وعن مجاهد: متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن وقيل: أتراب للأزواج، قال القفال: والسبب في اعتبار هذه الصفة لما تشابهن في الصفة والسن والجبلة كان الميل إليهن على السوية وذلك يقتضي عدم الغيرة وقرأ قوله تعالى:
﴿هذا ما يوعدون﴾ ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالفوقية على الخطاب، وجه الغيبة تقدم ذكر المتقين، ووجه الخطاب الالتفات إليهم والإقبال عليهم أي: قل للمتقين هذا ما توعدون ﴿ليوم الحساب﴾ أي: في يوم الحساب أو لأجله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء.
﴿إن هذا﴾ أي: المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب ﴿لرزقنا ما له من نفاد﴾ أي: انقطاع وهذا إخبار عن دوام هذا الثواب.
تنبيه: من نفاد فاعل ومن مزيدة والجملة في محل نصب على الحال من رزقنا أي: غير نافد ويجوز أن يكون خبراً ثانياً لأن أي: دائم.
ولما وصف تعالى ثواب المؤمنين وصف بعده عقاب الظالمين ليكون الوعيد مذكوراً عقب الوعد والترغيب عقب الترهيب بقوله تعالى:
﴿هذا وإن للطاغين لشر مآب﴾ أي: مرجع هذا في مقابلة قوله تعالى: ﴿وإن للمتقين لحسن مآب﴾ (ص: ٤٩)
والمراد بالطاغين الكفار، وقال الجبائي: على مذهبه الفاسد هم أصحاب الكبائر سواء كانوا كفاراً أم لا واحتج الأول بأن هذا ذم
стр. 1754
مطلق فلا يحمل إلا على الكامل في الطغيان وهو الكافر، واحتج هو بقوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ (العلق: ٦ ـ ٧)
فدل على أن الوصف بالطغيان قد يحصل لصاحب الكبيرة لأن من تجاوز حد تكاليف الله تعالى وتعداها فقد طغى ورد هذا بأن المراد بالإنسان هنا هو الكافر أيضاً.
تنبيه: هذا يحتمل أن يكون مبتدأ والخبر مقدر أي: كما ذكر، كما قدره الزمخشري، وقدره أبو علي بقوله: هذا للمؤمنين، وقال الجلال المحلي: هذا المذكورة للمؤمنين ويحتمل أن يكون خبر متبدأ مضمر أي: الأمر هذا وقوله تعالى:
﴿جهنم﴾ أي: الشديدة الإضطرام الملاقية لمن يدخلها بغاية العبوسة والتجهم فيه إعراب جنات المتقدم، وقوله تعالى: ﴿يصلونها﴾ أي: يدخلونها فيباشرون شدائدها حال من جهنم ﴿فبئس المهاد﴾ أي: المهد والفراش مستعار من فرش النائم، وهذا معنى قوله تعالى ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾ (الأعراف: ٤١)
شبه الله تعالى ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفرش للنائم، والمخصوص بالذم محذوف أي: هي وفي قوله تعالى:
﴿هذا﴾ أي: العذاب المفهوم مما بعده أوجه من الإعراب أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر هذا، ثم استأنف أمر إقفال ﴿فليذوقوه﴾ ثانيها: أنه مبتدأ أو خبره ﴿حميمٌ وغساقٌ﴾ واسم الإشارة يكتفي بواحده في المثنى كقوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾ (البقرة: ٦٨)
أو يكون المعنى: هذا جامع بين الوصفين ويكون قوله تعالى: ﴿فليذوقوه﴾ جملة اعتراضية. ثالثها: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي: هذا كما ذكر وهذا للطاغين وقيل غير ذلك، وقيل: هذا على التقديم والتأخير والتقدير: هذا حميم وغساق فليذوقوه وقيل التقدير: جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه ثم يبتدئ فيقول: حميم وغساق أي: منه حميم وغساق، والحميم: الحار الذي انتهى حره، والغساق: ما يسيل من صديد أهل النار، وقال كعب: هو عين في جهنم يسيل إليها كل ذوب حية وعقرب، وقال أبو عمرو: هو القيح الذي يسيل من أهل النار فيجتمع فيسقونه، وقال قتادة: هو ما يغسق أي: يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار ولحومهم وفروج الزناة، وقيل: هو المنتن بلغة الترك، حكى الزجاج لو قطرت منه قطرة بالمغرب لأنتنت أهل المشرق، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بتشديد السين والباقون بالتخفيف وقرأ أبو عمرو:
﴿وأخر﴾ بضم الهمزة على جمع أخرى مثل الكبرى والكبر أي: أصناف أخر من العذاب ﴿من شكله﴾ أي: مثل المذكور من الحميم والغساق، والباقون بفتح الهمزة ممدودة على التوحيد على أنه لما ذكروا، اختار أبو عبيدة الجمع لأنه تعالى نعته بالجمع فقال : ﴿أزواج﴾ أي: أصناف أي: عذابهم من أنواع مختلفة، ويقال لهم عند دخولهم النار بأتباعهم:
﴿هذا فوج﴾ أي: جمع كثيف ﴿مقتحم﴾ أي: داخل ومفعوله محذوف أي: مقتحم النار ﴿معكم﴾ بشدة، فيقول المتبوعون: ﴿لا مرحباً بهم﴾ أي: لاسعة عليهم أو لا سمعوا مرحباً وقولهم: ﴿إنهم صالو النار﴾ أي: داخلون النار بأعمالهم مثلنا تعليل لاستجابة الدعاء عليهم ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿كلما دخلت أمة لعنت أختها﴾ (الأعراف: ٣٨)
وقال الكلبي: إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار خوفاً من تلك المقامع.
﴿قالوا﴾ أي: الأتباع ﴿بل أنتم لا مرحباً بكم﴾ أي: إن الدعاء الذي دعوتم به علينا أيها الرؤساء أنتم أحق به منا وعللوا ذلك بقولهم ﴿أنتم قدمتموه﴾ أي: الكفر ﴿لنا﴾ أي: بدأتم به قبلنا وشرعتموه وسننتموه لنا،
стр. 1755
وقيل: أنتم قدمتم هذا العذاب لنا بدعائكم إيانا إلى الكفر ﴿فبئس القرار﴾ أي: النار لنا ولكم.
﴿قالوا﴾ أي: الأتباع أيضاً ﴿ربنا من قدم لنا هذا﴾ أي: شرعه وسنه لنا ﴿فزده عذاباً ضعفاً﴾ أي: مثل عذابه على كفره ﴿في النار﴾ قال ابن مسعود: يعني حيات وأفاعي.
﴿وقالوا﴾ أي: الطاغون وهم في النار ﴿ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار﴾ يعنون فقراء المؤمنين كعمار وخباب وصهيب وبلال وسلمان الذين كانوا يسترذلونهم ويسخرون بهم وقولهم:
﴿أتخذناهم سخرياً﴾ صفة أخرى ل ﴿رجالاً﴾ أي: كنا نسخر بهم في الدنيا، وقرأ نافع وحمزة والكسائي بضم السين والباقون بكسرها ﴿أم زاغت﴾ أي: مالت ﴿عنهم الأبصار﴾ أي: فلم نرهم حين دخلوها وقال ابن كيسان: أي: أم كانوا خيراً منا ونحن لا نعلم فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئاً.
﴿إن ذلك﴾ أي: الذي حكيناه عنهم ﴿لحق﴾ أي: واجب وقوعه فلا بد أن يتكلموا به ثم بين ذلك الذي حكاه عنهم بقوله تعالى: ﴿تخاصم أهل النار﴾ أي: في النار وإنما سماه تخاصماً لأن قول القادة للأتباع: لا مرحباً بهم، وقول الأتباع للقادة: بل أنتم لا مرحباً بكم من باب الخصومة.
تنبيه: يصح في تخاصم أوجه من الإعراب أحدها: أنه بدل من لحق، الثاني: أنه عطف بيان، الثالث: أنه خبر ثان لأن، الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هو تخاصم.
ولما شرح سبحانه نعيم أهل الثواب وعقاب أهل العذاب عاد إلى تقرير التوحيد والنبوة والبعث المذكورات أول السورة بقوله تعالى:
﴿قل﴾ يا أفضل الخلق للمشركين ﴿إنما أنا منذرٌ﴾ أي: مخوف بالنار لمن عصى ﴿و﴾ لا بد من الإقرار بأنه ﴿ما من إله إلا الله﴾ أي: الجامع لجميع الأسماء الحسنى ﴿الواحد القهار﴾ فكونه واحداً يدل على عدم الشريك وكونه قهاراً مشعر بالتخويف والترهيب.
ولما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب بقوله تعالى: شأنه:
﴿رب السموات﴾ أي: مبدعها وحافظها على علوها وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع ﴿والأرض﴾ أي: على سعتها وضخامتها وكثافتها وما فيها من العجائب ﴿وما بينهما﴾ أي: الخافقين من الفضاء والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها ربي كل شيء من ذلك إيجاداً وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب فدل ذلك على قهره وتفرده ﴿العزيز﴾ أي: الغالب على أمره ﴿الغفار﴾ فكونه رباً يشعر بالتربية والكرم والإحسان والجود وكونه غفاراً يشعر بأن العبد لو أقدم على المعاصي والذنوب ثم تاب إليه فإنه يغفرها برحمته، وهذا الموصوف بهذه الصفات هو الذي تجب عبادته لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى ثوابه وقوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: لهم ﴿هو نبأ عظيم﴾ يعود على القرآن وما فيه من القصص والأخبار، وقيل: تخاصم أهل النار، وقيل: على ما تقدم من إخباره ﷺ بأنه نذير مبين وبأن الله تعالى إله واحد متصف بتلك الصفات الحسنى وقوله تعالى:
﴿أنتم عنه معرضون﴾ صفة لنبأ أي: لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة إما على التوحيد فما مر وإما على النبوة، فقوله تعالى:
﴿ما كان لي من علم بالملأ الأعلى﴾ أي: الملائكة فقوله: ﴿بالملأ﴾ متعلق بقوله
следующие страницы →