← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

فقال رجل: ائت قرية كذا فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وإلى هذه أن تباعدي وقال: قيسوا ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له» . وفي رواية فقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة فقال: لا فقتله فكمل مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على عالم فقال: «إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال: نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا إلى أن قال: فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة» . وعن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أو نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم﴾ (محمد: ٣٣) فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقيل لنا: الكبائر والفواحش فكنا إذا رأينا من أصاب منها شيئاً خفنا عليه، ومن لم يصب منها شيئاً رجونا له فأنزل الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله﴾ وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر. ولما كان التقدير وأقلعوا عن ذنوبكم فإنها قاطعة عن الخير مبعدة عن الكمال عطف عليه استعظاماً قوله تعالى: ﴿وأنيبوا﴾ أي: ارجعوا بكلياتكم وكلوا حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا طريقكم ﴿إلى ربكم﴾ أي: الذي لم تروا إحساناً إلا وهو منه ﴿وأسلموا﴾ أي: وأخلصوا ﴿له﴾ أعمالكم ﴿من قبل أن يأتيكم﴾ أي: وأنتم صاغرون ﴿العذاب﴾ أي: القاطع لكل عذوبة، المجرّع لكل مرارة وصعوبة ﴿ثم لا تنصرون﴾ أي: لا يتجدد لكم نوع نصر أبداً إن لم تتوبوا. ﴿واتبعوا﴾ أي: عالجوا أنفسكم وكلفوها أن تتبع ﴿أحسن ما أنزل إليكم﴾ أي: على سبيل العدل كالإحسان الذي هو أعلى من العفو الذي هو فوق الانتقام باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل من كتب الله تعالى، واتباع أحاسن ما فيه فتصل من قطعك وتعطي من حرمك وتحسن إلى من ظلمك، هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة الخالق بأن تكون كأنك تراه الذي هو أعلى من استحضار أنه يراك الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ذلك. ولما كان هذا شديداً على النفس رغب فيه بقوله تعالى بمظهر صفة الإحسان موضع الإضمار: ﴿من ربكم﴾ أي: الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه بالعظائم. وقال الحسن ﵁: معنى الآية الزموا طاعته واجتنبوا معصيته فإن في القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ (البقرة: ١٠٦) وقيل: العزائم دون الرخص وقوله تعالى: ﴿من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون﴾ أي: ليس عندكم شعور بإتيانه بوجه من الوجوه فيه تهديد وتخويف. ولما خوفهم الله تعالى بهذا العذاب بين أنهم بتقدير نزوله عليهم ماذا يقولون، فحكى الله تعالى عنهم ثلاثة أنواع من الكلام الأول: ما ذكره بقوله تعالى: ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تقول نفسٌ﴾ أي: عند وقوع العذاب وإفرادها وتنكيرها كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ قال الحسن: قصرت في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله،

стр. 1787

وقال سعيد بن جبير: في حق الله وقيل: ضيعت في ذات الله، وقيل: معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله تعالى والعرب تسمي الجانب جنباً، قال في «الكشاف» : هذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه ألا ترى إلى قول الشاعر: *إن السماحة والمروءة والندى ... في قبة ضربت على ابن الحشرج* أي: فإنه لم يصرح بثبوت هذه الصفات المذكورة لابن الحشرج بل كنى عن ذلك في قبة مضروبة عليه فأفاد اثباتها له، والقبة تكون فوق الخيمة تتخذها الرؤساء، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة والدوري عن أبي عمرو بين بين وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿وإن﴾ أي: والحال إني ﴿كنت﴾ أي: كان ذلك في طبعي ﴿لمن الساخرين﴾ أي: المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في غير منزلتها وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة أي: تقول هذا لعله يقبل منها ويعفى عنها على عادة المعترفين في وقت الشدائد لعلهم يعاودون إلى أجمل العوائد. الثاني من الكلمات التي حكاها الله تعالى عنهم بعد نزول العذاب عليهم: ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿أو تقول﴾ أي: تلك النفس المفرطة ﴿لو أن الله﴾ أي: الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل ﴿هداني﴾ أي: لبيان الطريق ﴿لكنت من المتقين﴾ أي: الذين لا يقدمون على فعل إلا ما يدلهم عليه دليل. الثالث من الكلمات ما ذكره الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿أو تقول﴾ أي: تلك النفس المفرطة ﴿حين ترى العذاب﴾ أي: الذي واجهها عياناً ﴿لو أن﴾ أي: يا ليت ﴿لي كرة﴾ أي: رجعة إلى دار العمل ﴿فأكون﴾ أي: يتسبب عن رجوعي إليها أن أكون ﴿من المحسنين﴾ أي: العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن. تنبيه: في نصب فأكون وجهان أحدهما: عطفه على كرة فإنها مصدر فعطف مصدر مؤول على مصدر مصرح به كقولها: *للبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف* والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله تعالى: ﴿لو أن لي كرة﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول: يكون فيه الكون متمنى ويجوز أن تضمر أن وأن تظهر، والثاني: يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمنى لا متمنى ويجب أن تضمر أن. ثم أجاب الله تعالى هذا القائل بقوله سبحانه: ﴿بلى قد جاءتك أياتي﴾ أي: القرآن وهي سبب الهداية ﴿فكذبت بها﴾ أي: قلت ليست من عند الله ﴿واستكبرت﴾ أي: تكبرت عن الإيمان بها ﴿وكنت من الكافرين﴾ . فإن قيل: هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله: ﴿لو أن الله هداني﴾ (الزمر: ٥٧) ولم يفصل بينهما؟ أجيب: بأنه لا يخلو إما أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن وإما أن تؤخر القرينة الوسطى، فلم يحسن الأول لما فيه من تبتير النظم بالجمع بين القرائن، وأما الثاني فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية، ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب، فإن قيل: كيف صح أن تقع بلى جواباً لغير منفي؟ أجيب: بأن قوله ﴿لو أن الله هداني﴾ بمعنى ما هديت. ﴿ويوم القيامة﴾

стр. 1788

أي: الذي لا يصح في الحكمة تركه ﴿ترى﴾ أي: أيها المحسن ﴿الذين كذبوا على الله﴾ أي: الحائز لجميع صفات الكمال بنسبة الشريك والولد إليه، وقال الحسن: هم الذين يقولون إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل، قال البقاعي: وكأنه عنى من المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا قولهم إنهم يخلقون أفعالهم قال: ويدخل فيه من تكلم في الدين بجهل وكل من كذب وهو يعلم أنه كاذب في أي شيء كان، فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله تعالى لا يعلم كذبه أي: ولا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله وقوله تعالى: ﴿وجوههم مسودة﴾ جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية وقيل: في محل نصب مفعولاً ثانياً لأن الرؤية قلبية، ورد بأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وذكر أن هذا السواد مخالف لسائر أنواع السواد ﴿أليس في جهنم مثوى﴾ أي: مأوى ﴿للمتكبرين﴾ أي: الذين تكبروا على اتباع أمر الله تعالى وهو تقرير لأنهم يرونه كذلك. ولما ذكر الله تعالى الذين أشقاهم أتبعهم حال الذين أسعدهم بقوله تعالى: ﴿وينجي الله﴾ أي: يفعل بما له من صفات الكمال في نجاتهم فعل المبالغ في ذلك ﴿الذين اتقوا﴾ أي: بالغوا في وقاية أنفسهم من غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات حماهم هنا من العقوبات ﴿بمفازتهم﴾ أي: بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة بألف بعد الزاي جمعاً على أن لكل متق مفازة، والباقون بغير ألف بعد الزاي إفراداً وقوله تعالى ﴿لا يمسهم السوء﴾ جملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقال: لا يمسهم السوء فلا محل لها، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من الذين اتقوا، ومعنى الكلام لا يمسهم مكروه ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي: ولا يطرق بواطنهم حزن على فائت لأنه لا يفوت لهم شيء أصلاً. ولما كان المخوف منه والمحزون عليه جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر على دفعهما إلا القادر المبدع القيوم قال تعالى مستأنفاً أو معللاً، مظهراً الاسم الأعظم تعظيماً للمقام: ﴿الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً والذي نجاهم ﴿خالق كل شيء﴾ أي: من خير وشر وإيمان وكفر فلا يكون شيء أصلاً إلا بخلقه. ولما دل هذا على القدرة الشاملة وكان لا بد معها من العلم الكامل قال تعالى: ﴿وهو على كل شيء﴾ أي: مع القهر والغلبة ﴿وكيل﴾ أي: حفيظ لجميع ما يريده قيوم لا عجز يلم بساحته ولا غفلة وقوله تعالى: ﴿له مقاليد السموات والأرض﴾ جملة مستأنفة والمقاليد جمع مقلاد مثل مفتاح ومفاتيح أو مقليد مثل منديل ومناديل أي: هو مالك أمرها وحافظها وهي من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي المفاتيح والكلمة أصلها فارسية، فإن قيل: ما للكتاب المبين والفارسية؟ أجيب: بأن التعريب قد أحالها عربية كما أخرج استعمال المهمل عن كونه مهملاً، قال الزمخشري: «سأل عثمان النبي ﷺ عن تفسير قوله تعالى: ﴿له مقاليد السموات والأرض﴾ فقال: يا عثمان ما سألني أحد عنها قبلك تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله

стр. 1789

وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير» . وروى هذا الطبراني بسند ضعيف بل رواه ابن الجوزي في الموضوعات، ثم قال الزمخشري وتأويله على هذا: أن الله تعالى في هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السموات والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه، وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة وقال الكلبي: خزائن المطر والنبات. ولما وصف الله تعالى بالصفة الإلهية والجلالة وهو كونه خالقاً للأشياء وكونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: ﴿والذين كفروا﴾ أي: لبسوا ما اتضح من الدلالات وجحدوا ﴿بآيات الله﴾ أي: دلائل قدرته الظاهرة الباهرة ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء ﴿هم الخاسرون﴾ لأنهم خسروا أنفسهم وكل شيء متصل بها على وجه النفع، وقال الزمخشري: ﴿والذين كفروا﴾ متصل بقوله: ﴿وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم﴾ (الزمر: ٦١) واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء كلها وأن له مقاليد السموات والأرض، واعترضه الرازي: بأن وينجي جملة فعلية والذين كفروا جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الفعلية لا يجوز واعترض الآخر بأنه لا مانع من ذلك. ولما دعا كفار قريش النبي ﷺ إلى دين آبائهم قال الله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿أفغير الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ أي: العريقون في الجهل لأن الدليل القاطع قد قام بأن الله تعالى هو المستحق للعبادة فمن عبد غيره فهو جاهل، وقرأ نافع بتخفيف النون وفتح الياء وابن كثير بتشديد النون وسكون الياء، وابن عامر بنونين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وسكون الياء والباقون بتشديد النون وسكون الياء. ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ أي: الذي عملته قبل الشرك، فإن قيل: الموحى إليهم جماعة فكيف قال لئن أشركت على التوحيد؟ أجيب: بأن تقدير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي: أوحي إليك وإلى كل واحد منهم لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي: كل واحد منا، فإن قيل: كيف صح هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم؟ أجيب: بأن قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ قضية شرطية، والقضية الشرطية لا يلزم من صدقها صدق جزئها، ألا ترى أن قولك لو كانت الخمسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين، قضية صادقة مع أن كل واحد من جزأيها غير صادق قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء: ٢٢) ولم يلزم من هذا صدق أن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا أو أن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره كما قاله أكثر المفسرين أو أن ذلك على سبيل الفرض المحال ذكر ليكون ردعاً للأتباع. ولما كان السياق للتهديد وكانت العبارة شاملة لما تقدم على الشرك من الأعمال وما تأخر عنه لم يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية البقرة وهي ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر﴾ (البقرة: ٢١٧) قال تعالى: ﴿ولتكونن﴾ أي: لأجل حبوطه ﴿من الخاسرين﴾ فإن من ذهب جميع عمله لا شك في خسارته أما من أسلم بعد ردته فإنما يحبط ثواب عمله لا عمله كما نص عليه الشافعي. تنبيه: اللام الأولى موطئة للقسم

стр. 1790

والأخريان للجواب. ولما كان التقدير لا تشرك بنا عطف عليه قوله تعالى: ﴿بل الله﴾ أي: المتصف بصفات الكمال وحده ﴿فاعبد﴾ أي: مخلصاً له العبادة ﴿وكن من الشاكرين﴾ أي: العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير الخلائق أجمعين. ولما حكى الله تعالى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول أن يعبد الله ولا يعبد سواه، وبين أنهم لو عرفوا الله تعالى حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية قال: ﴿وما قدروا الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿حق قدره﴾ أي: ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره مع أنهم لو استغرقوا الزمان كله في عبادته وخالص طاعته بحيث لم يخل شيء منه عنها لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضه عنها فكيف إذا عدل به غيره. ولما بين أنهم ما عظموه تعظيماً لائقاً به أردفه بما يدل على كمال عظمته بقوله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته﴾ وهو مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي: ما عظموه حق عظمته والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة كقوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ (البقرة: ٢٨) أي: كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا، وجميعاً حال وهي دالة على أن المراد بالأرض: الأرضون لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع، وقدم الأرض على السموات لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها. ولما كان في هذه الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة وكان الأمر في الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال تعالى: ﴿يوم القيامة﴾ ولا قبضة هناك لا حقيقة ولا مجازاً وكذا الطي واليمين وإنما هو تمثيل وتخييل لتمام القدرة. ولما كانوا يعلمون أن السموات سبع متطابقة بما يشاهدونه من سير النجوم جمع ليكون مع جميعاً كالتصريح في جمع الأرض أيضاً في قوله تعالى: ﴿والسموات مطويات﴾ أي: مجموعات ﴿بيمينه﴾ قال الإمام الرازي: وههنا سؤالات؛ الأول: أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع ثم إنه تعالى قال في صفة العرش ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (الحاقة: ١٧) ، فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم فكيف يجوز تقرير عظمة الله بكونه حاملاً للسموات والأرض؟ وأجاب: بأن مراتب التعظيم كثيرة. فأولها: تقرير الله بكونه قادراً على هذه الأجسام العظيمة كما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكونه قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ شرح حال لا تحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم معترفون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم، وإن كان الخطاب مع المكذبين بالنبوة فهم ينكرون قوله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة﴾ فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟. وأجاب عنه: بأن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأرضين من وجوه العمارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإفنائها يوم القيامة، وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق، فإنه

стр. 1791

يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض وذلك يدل على كمال الاستغناء. السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرته تعالى، فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ وأجاب: بأنه خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا. ولما كان هذا إنما هو تمثيل يعهد والمراد به الغاية في القدرة نزه نفسه المقدس عما ربما نسبه له المجسم والمشبه فقال تعالى: ﴿سبحانه﴾ أي: تنزه من هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص ﴿وتعالى﴾ علو الإيحاط به ﴿عما يشركون﴾ معه لأنه لو كان له شريك ينازعه في هذه القدرة أو بعضها لمنعه شيئاً منها وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء البتة. روى البخاري في صحيحه في التوحيد وغيره عن عبد الله بن مسعود قال: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: إذا كان يوم القيامة جعل الله تعالى السموات على إصبع والأرضين على إصبع والماء والثرى على إصبع والخلائق على إصبع ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك. فلقد رأيت النبي ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه تعجباً وتصديقاً لقول الحبر ثم قرأ النبي ﷺ ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الآية» وإنما ضحك ﷺ وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما فهم علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، وإنما يدل ذلك على القدرة الباهرة وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأذهان هينة عليه هواناً لا يصل السامع إلى الوقوف عليه إلا بإجراء العبارة في مثل هذه الطريقة على التخييل. وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك أين الجبابرة أين المتكبرون، ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون» . وللبخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» . قال أبو سليمان الخطابي: ليس فيما يضاف إلى الله من وصف اليدين شمال لأن الشمال محل النقص والضعف، وقد ورد كلتا يديه يمين وليس عندنا معنى اليد الجارحة وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها وننتهي حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة الصحيحة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة رضي الله تعالى عنهم، وقال سفيان ابن عيينة: كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه انتهى. وقد قدمنا أن السلف يجرون المتشابه على ما هو عليه وأن الخلف يؤولونه والأول أسلم والثاني أحكم. ولما ذكر تعالى كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال العظمة وهو شرح مقدمات يوم القيامة فقال: ﴿ونفخ في الصور﴾ أي: القرن النفخة الأولى لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم ﴿فصعق﴾ أي: مات ﴿من في السموات ومن

стр. 1792

في الأرض﴾ واختلف فيمن استثنى الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿إلا من شاء الله﴾ فقال الحسن: هو الله وحده وقال ابن عباس: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ﵈، ثم يميت الله تعالى ميكائيل وإسرافيل وجبريل وملك الموت، وقيل: حملة العرش، وقيل: الحور والولدان، وقيل: الشهداء لقوله تعالى: ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ (آل عمران: ١٦٩) وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش» . وقال جابر: هو موسى ﵇ لأنه صعق فلا يصعق ثانياً وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم وهذا أسلم، ﴿ثم نفخ فيه﴾ أي: في الصور نفخة ﴿أخرى﴾ أي: نفخة ثانية ﴿فإذا هم﴾ أي: جميع الخلائق الموتى ﴿قيام﴾ أي: قائمون ﴿ينظرون﴾ أي: يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب جسيم، وقيل: ينتظرون أمر الله تعالى فيهم وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى لأن لفظة ثم للتراخي، وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «ما بين النفختين أربعون قالوا: أربعون يوماً، قال أبو هريرة: أبيت، قالوا: أربعون شهراً، قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة، قال: أبيت، قال: ثم ينزل الله تعالى من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» وقوله تعالى: ﴿فإذا هم﴾ يدل على أن قيامهم يحصل عقب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء تدل على التعقيب. ولما ذكر تعالى إقامتهم بالحياة التي هي نور البدن أتبعه بنور أرض القيامة فقال: ﴿وأشرقت﴾ أي: أضاءت إضاءة عظيمة مالت بها إلى الحمرة ﴿الأرض﴾ أي: التي أوجدت لحشرهم وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾ (إبراهيم: ٨) . ﴿بنور ربها﴾ أي: خالقها وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه قال ﷺ «سترون ربكم» وقال: «كما لا تضارون في الشمس في يوم الصحو» وقال الحسن والسدي: بعدل ربها. ﴿ووضع الكتاب﴾ أي: كتاب الأعمال للحساب لقوله تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ (الإسراء: ١٣) وقوله تعالى: ﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ (الكهف: ٤٩) وقيل: الكتاب اللوح المحفوظ تقابل به الصحف، وقيل: الكتاب الذي أنزل إلى كل أمة تعمل به، واقتصر على هذا البقاعي. ﴿وجيء بالنبيين﴾ أي: للشهادة على أممهم واختلف في قوله تعالى: ﴿والشهداء﴾ فقال ابن عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة وهم: محمد ﷺ وأصحابه لقوله تعالى: ﴿جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس﴾ (البقرة: ١٤٣) وقال عطاء ومقاتل: يعني الحفظة لقوله تعالى: ﴿وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد﴾ (ق: ٢١) وقيل: هم المستشهدون في سبيل الله. ولما بين تعالى أنه يوصل إلى كل واحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها قوله تعالى: ﴿وقضى بينهم﴾ أي: العباد ﴿بالحق﴾ أي: العدل، ثانيها: قوله تعالى: ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، ثالثها: قوله تعالى: ﴿ووفيت كل نفس ما عملت﴾ أي: جزاء ما عملته، رابعها: قوله تعالى: ﴿وهو أعلم بما يفعلون﴾ أي: فلا يفوته شيء من أفعالهم ثم فصل التوفية بقوله تعالى مقدماً أهل الغضب: ﴿وسيق الذين كفروا﴾ أي: بالعنف

стр. 1793

والدفع ﴿إلى جهنم﴾ كما قال تعالى: ﴿يوم يدعون إلى نار جهنم دعا﴾ (الطور: ١٣) أي: يدفعون إليها دفعاً وقوله تعالى: ﴿زمراً﴾ حال أي: جماعات في تفرقة بعضهم على أثر بعض كل أمة على حدة. ﴿حتى إذا جاؤوها﴾ أي: على صفة الذل والصغار، وأجاب إذا بقوله تعالى: ﴿فتحت أبوابها﴾ أي: السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها، وقرأ الكوفيون فتحت وفتحت الآتية بالتخفيف والباقون بالتشديد على التكثير. ﴿وقال لهم خزنتها﴾ إنكاراً عليهم وتقريعاً وتوبيخاً ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾ أي: من جنسكم لأن قيام الحجة بالجنس أقوى ﴿يتلون﴾ أي: يتلون مرة بعد مرة وشيئاً في إثر شيء ﴿عليكم آيات ربكم﴾ أي: المحسن إليكم من القرآن وغيره ﴿وينذرونكم﴾ أي: يخوفونكم ﴿لقاء يومكم﴾ وقولهم ﴿هذا﴾ إشارة إلى يوم البعث، فإن قيل: لم أضيف إليهم اليوم؟ أجيب: بأنهم أرادوا لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة، قال الزمخشري: وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضاً في أوقات الشدة، ويجوز أن يراد باليوم يوم البعث كله وجرى عليه البقاعي وهو أولى ولما قال لهم الخزنة ذلك ﴿قالوا بلى﴾ أتونا وتلوا علينا وحذرونا ﴿ولكن حقت﴾ أي: وجبت ﴿كلمة العذاب﴾ أي: التي سبقت في الأزل علينا هكذا كان الأصل ولكنهم قالوا ﴿على الكافرين﴾ تخصيصاً بأهل هذا الوصف وبياناً لأنه موجب دخولهم وهو تغطيتهم الأنوار التي أتتهم بها الرسل عليهم الصلاة والسلام. تنبيه: في الآية دليل على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا لهم أنهم ما بقي لهم عذر ولا على بعد مجيء الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلو لم يكن مجيء الرسل شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدة، وقيل: كلمة العذاب هي قوله تعالى: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (هود: ١١٩) ثم كأنه قيل: فماذا وقع بعد هذا التقريع؟. ﴿قيل﴾ : وقع أن الملائكة قالت لهم ﴿ادخلوا أبواب جهنم﴾ أي: طبقاتها المتجهمة لداخلها ﴿خالدين﴾ أي: مقدرين الخلود ﴿فيها﴾ ولما كان سبب كفرهم بالآيات هو التكبر قالوا لهم: ﴿فبئس مثوى﴾ أي: منزل ومقام ﴿المتكبرين﴾ أي: الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم فلذلك تعاطوا أسبابها. ولما ذكر تعالى أحوال الكافرين أتبعه أحوال أضدادهم فقال عز من قائل: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم﴾ أي: الذين كلما زادهم إحساناً زادوا له هيبة ﴿إلى الجنة﴾ وقوله تعالى: ﴿زمراً﴾ حال أي: جماعات أهل الصلاة المستكثرين منها على حدة وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك من الأعمال التي تظهر آثارها على الوجوه. فإن قيل: السوق في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يساقوا إليه وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأي حاجة فيه إلى السوق؟ أجيب: بأن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل، والمراد بسوق أهل الجنة: سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين سراعاً إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يشرف ويكرم من الوافدين على بعض الملوك، فشتان ما بين السوقين هذا سوق تشريف وإكرام وذاك سوق إهانة وانتقام، وهذا من بدائع أنواع البديع وهو أن

стр. 1794

يأتي سبحانه بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم، ويأتي بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم فسبحان من أنزله معجز المباني وتمكن المعاني عذب الموارد والمثاني. وقيل: إن المحبة والصداقة باقية بين المتقين إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدواً إلا المتقين﴾ (الإحزاب: ٦٧) فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبابي وأصدقائي فيتأخرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السوق إلى الجنة. ولما ذكر تعالى السوق ذكر غايته بقوله تعالى: ﴿حتى إذا جاؤوها﴾ اختلف في جواب إذا على أوجه أحدها قوله تعالى: ﴿وفتحت أبوابها﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش، وإنما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجون مغلقة عادة إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فتفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتح انتظاراً لمن يدخلها، فعلى هذا أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون مقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ (ص: ٥٠) فلذلك جيء بالواو فكأنه قال: حتى إذا جاؤوها وقد فتحت أبوابها. ثانيها قوله تعالى: ﴿وقال لهم خزنتها﴾ أي: بزيادة الواو أيضاً أي: حتى إذا جاؤوها قال لهم خزنتها، ثالثها: قال الزجاج: القول عندي إن الجواب محذوف تقديره دخلوها بعد قوله تعالى: ﴿إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها﴾ أي: حين الوصول ﴿سلام عليكم﴾ تعجيلاً للمسرة بالبشارة بالسلامة التي لا عطب فيها ﴿طبتم﴾ أي: صلحتم لسكناها لأنها دار طهرها الله تعالى من كل دنس وطيبها من كل قذر فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها فما أبعد أحوالنا من تلك المناسبة وما أضعف سعينا في اكتساب تلك الصفة إلا أن يهب لنا الوهاب الكريم توبة نصوحاً تنقي أنفسنا من درن الذنوب وتميط وضر هذه القلوب ثم سببوا عن ذلك ﴿فادخلوها خالدين﴾ أي: مقدرين الخلود. وسمى بعضهم الواو في قوله تعالى: ﴿وفتحت﴾ واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ (الكهف: ٢٢) وقيل: تقدير الجواب ﴿حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها﴾ يعني أن الجواب بلفظ الشرط ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صح، وقدره الجلال المحلي بقوله: دخلوها وقال: إن قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾ عطف على دخلوها المقدر ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿الذي صدقنا وعده﴾ في قوله تعالى: ﴿تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً﴾ (مريم: ٦٣) فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في هذه الساعة ﴿وأورثنا﴾ كما وعدنا ﴿الأرض﴾ أي: الأرض التي لا أرض في الحقيقة غيرها وهي أرض الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وقولهم: ﴿نتبوأ﴾ أي: ننزل ﴿من الجنة حيث نشاء﴾ جملة حالية وحيث ظرف على بابها وقيل: مفعول به، وإنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجهين؛ أحدهما: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم ﵇ لأنه تعالى قال: ﴿فكلا منها رغداً حيث شئتما﴾ فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم ﵇ كان ذلك سبباً للإرث، ثانيها: أن الوارث ينصرف فيما ورثه كيف شاء من غير منازع فكذلك المؤمنون يتصرفون

стр. 1795

في الجنة حيث شاؤوا وأرادوا، فإن قيل: كيف يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ أجيب: بأن لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ من جنته حيث شاء ولا يحتاج إلى جنة غيره ولا يشتهي أحد إلا مكانه مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها ولما كانت بهذا الوصف الجليل تسبب عنه مدحها بقوله: ﴿فنعم﴾ أي: أجرنا هكذا كان الأصل ولكنه قال: ﴿أجر العاملين﴾ ترغيباً في الأعمال وحثاً على عدم الاتكال. ولما ذكر سبحانه الذين أكرمهم من المتقين وما وصلوا إليه من المقامات أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات فقال تعالى صارفاً الخطاب لعلو الخبر إلى أعلى الخلق لأنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره: ﴿وترى الملائكة﴾ أي: القائمين بجميع ما عليهم من الحقوق وقوله تعالى: ﴿حافين﴾ حال أي: محدقين ﴿من حول العرش﴾ أي: من جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفاً من ربهم، فإدخال من يفهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله تعالى أنهم لا يملؤون حوله، وهذا أولى من قول البيضاوي: إن من زائدة وقوله تعالى: ﴿يسبحون﴾ حال من ضمير حافين ﴿بحمد ربهم﴾ أي: متلبسين بحمده يقولون سبحان الله وبحمده فهم ذاكرون له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذاً به، وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق ﴿وقضي بينهم﴾ أي: بين جميع الخلق ﴿بالحق﴾ أي: العدل فيدخل المؤمن الجنة والكافر النار أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم ﴿وقيل﴾ أي: وقال المؤمنون من المقضي بينهم والملائكة وطي ذكرهم لتعيينهم وتعظيمهم ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بجميع أوصاف الكمال، وعدل بالقول إلى ما هو أحق بهذا المقام فقال ﴿لله﴾ ذي الجلال والإكرام علمنا ذلك في هذا اليوم عين اليقين كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين. ولما كان هذا اليوم أحق الأيام بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر قال واصفاً له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم ﴿رب العالمين﴾ أي: الذين ابتدأهم أول مرة من العدم، وأقامهم ثانياً بما رباهم به من التدبير، وأعادهم ثالثاً بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير وأبقاهم رابعاً لا إلى أخير وقيل: إن الله تعالى ابتدأ ذكر الخلق بالحمد لله في قوله سبحانه: ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض﴾ (الأنعام: ١) وختم بالحمد في آخر الأمر وهو استقرار الفريقين في منازلهم فنبه بذلك على تحميده في بداية كل أمر وخاتمته والله أعلم بمراده وأسرار كتابه، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين» . حديث موضوع، وقوله عن عائشة ﵂ وعن أبيها: «أنه ﵊ كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر» رواه الترمذي وغيره. سورة غافر (المؤمن) مكية قال الحسن: إلا قوله: ﴿وسبح بحمد ربك﴾ لأن الصلوات نزلت بالمدينة، وقد قيل في الحواميم: أنها كلها مكية عن ابن عباس وابن الحنفية، وتسمى: سورة الطول وسورة غافر وهي: خمس وقيل: اثنتان

стр. 1796

وثمانون آية وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة وأربع آلاف وتسعمائة وستون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الملك الأعظم الذي يعطي كلاً من عباده ما يستحقه فلا يقدر أحد أن يناقض في شيء من ذلك ولا يعارض. ﴿الرحمن﴾ الذي عمهم برحمته في الدنيا بالخلق والرزق والبيان الذي لا خفاء معه. ﴿الرحيم﴾ الذي يخص برحمته من يشاء من عباده فيجعله حكيماً وفي ملك الأرض وملكوت السموات عليماً. وقوله تعالى: ﴿حم﴾ قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وورش وأبو عمرو بين بين والباقون بالفتح وقد سبق الكلام في حروف التهجي، وقال ابن عباس: ﴿حم﴾ اسم الله الأعظم وعنه قال: الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة وقيل: حم اسم السورة، وقيل: الحاء افتتاح أسمائه حليم وحميد وحي وحكيم وحنان والميم افتتاح أسمائه ملك مجيد منان، وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معنى حم: حم بضم الحاء وتشديد الميم، وهل يجوز أن يجمع حم على حواميم؟ نقل ابن الجوزي عن شيخه الجواليقي أنه خطأ وليس بصواب بل الصواب أن يقول: قرأت آل حم. وفي الحديث عن ابن مسعود عن النبي ﷺ إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات. وقال الكميت: *وجدنا لكم في آل حم آية ... تأولها منا تقي ومعرب* ومنهم من جوزه، وروي في ذلك أحاديث منها: قوله ﷺ «الحواميم ديباج القرآن» . وقوله ﷺ «الحواميم سبع وأبواب جهنم سبع جهنم والحطمة ولظى والسعير وسقر والهاوية والجحيم، فتجيء كل حم منهن يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فتقول لا يدخل النار من كان يؤمن بي ويقرؤني» . وقوله ﷺ «لكل شيء ثمرة وثمرة القرآن ذوات حم هن روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم» . وقوله ﷺ «الحواميم في القرآن كمثل الحبرات في الثياب» . وقال ابن عباس: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم، قال ابن عادل: فإن صحت هذه الأحاديث فهي الفصل في ذلك أي: فتدل على جواز الجمع، وقال البيضاوي في حم السجدة: ولعل افتتاح هذه السبع بحم وتسميتها به لكونها مصدرة بيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى أي: أخذاً مما قيل إن حم اسم من أسماء القرآن وقوله تعالى: ﴿تنزيل الكتاب﴾ أي: الجامع من الحدود والأحكام والمعارف والإكرام إما خبر لحم إن كانت مبتدأ، وإما خبر لمبتدأ مضمر وإما مبتدأ وخبره ﴿من الله﴾ أي: الجامع لجميع صفات الكمال، ولما كان النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر لأجل أن المقام لإثبات الصدق وعداً ووعيداً قال تعالى: ﴿العزيز﴾ أي: في ملكه ﴿العليم﴾ بخلقه، فبين تعالى أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن الذي يتضمن المصالح والإعجاز ولولا كونه عزيزاً عالماً لما صح ذلك. ﴿غافر الذنب﴾ أي: بتوبة وغير توبة للمؤمن إن شاء وأما الكافر فلا بد من توبته بالإسلام ﴿وقابل التوب﴾ أي: ممن عصاه وهو يحتمل أن يكون اسماً مفرداً مراداً به الجنس كالذنب وأن يكون جمعاً لتوبة كتمر وتمرة ﴿شديد العقاب﴾ أي: على الكافر، فإن قيل: إن شديد صفة مشبهة فإضافته غير محضة بكل حال بخلاف اسم الفاعل إذا لم يرد به الحال ولا الاستقبال

стр. 1797

كغافر الذنب وقابل التوب فإن إضافته محضة تفيد التعريف، قال سيبويه: كل ما إضافته غير محضة يجوز أن تجعل محضة وتوصف به المعارف إلا الصفة المشبهة ولم يستثن الكوفيون شيئاً؟ أجيب: بأن شديد معناه مشدد كأذين بمعنى مأذون فتتمحض إضافته أو الشديد عقابه، فحذف اللام للازدواج مع أمن الالتباس أو بالتزام مذهب الكوفيين هو أن الصفة المشبهة يجوز أن تتمحض إضافتها أيضاً فتكون معرفة يقولون في نحو حسن الوجه يجوز أن تصير إضافته محضة وقال الرازي: لا نزاع في جعل غافر وقابل صفتين وإنما كان كذلك لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار فكذلك شديد العقاب لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد فمعناه كونه بحيث يقال شديد عقابه وهذا المعنى حاصل أبداً، فلا يوصف بأنه حصل بعد أن لم يكن قال أبو حيان: وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ولا نظر فيه ويلزمه أن يكون: ﴿حكيم عليم﴾ و ﴿مليك مقتدر﴾ معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد، ولأنها صفات لم تحصل بعد إن لم تكن ويكون تعريف صفاته بأل وتنكيرها سواء وهذا لا يقوله مبتدئ في علم النحو فكيف من يصنف فيه ويقدم على تفسير كتاب الله تعالى. قال الزمخشري: فإن قلت ما بال الواو في قوله: ﴿وقابل التوب﴾ قلت: فيها نكتة جليلة وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات، وأن يجعلها محاءة للذنوب كأن لم يذنب، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول. قال ابن عادل: وبعد هذا الكلام الأنيق وإبراز هذه المعاني الحسنة، قال أبو حيان: وما أكثر تبجح هذا الرجل وشقشقته والذي أفادته الواو الجمع وهذا معلوم من ظاهر علم النحو. وأنشد بعضهم: *وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم* وقال آخر: *قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم* ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب بالعقوبة أتبعه التشويق إلى الفضل فقال تعالى ﴿ذي الطول﴾ أي: سعة الفضل والإنعام والقدرة والغنى والسعة والمنة فلا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه، قال ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله شديد العقاب لمن لا يقول: لا إله إلا الله ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله، وقال الحسن: ذو الفضل، وقال قتادة: ذو النعم ثم علل تمكنه من كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال تعالى: ﴿لا إله إلا هو إليه﴾ وحده ﴿المصير﴾ أي: المرجع فلو جعل معه إلهاً آخر يشاركه في صفة الرحمة والفضل لما كانت الحاجة إلى عبوديته شديدة فكان الترغيب والترهيب الكاملان حاصلين بسبب هذا التوحيد وقوله تعالى: ﴿إليه المصير﴾ مما يقوي الرغبة في الإقرار بالعبودية له، روي أن عمر رضي الله تعالى عنه افتقد رجلاً ذا بأس شديد من أهل الشام، فقيل له: تتابع في هذا الشراب، فقال عمر لكاتبه: اكتب من عمر إلى فلان، سلام عليك وأنا أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو بسم الله الرحمن الرحيم حم إلى قوله تعالى: ﴿إليه المصير﴾ وختم الكتاب وقال لرسوله: لا تدفعه إليه حتى تجده صاحياً، ثم أمر من عنده بالدعاء له بالتوبة فلما أتته الصحيفة جعل يقرؤها ويقول قد وعدني الله أن يغفر لي وحذرني عقابه، فلم يبرح يرددها حتى بكى ثم نزع وأحسن النزوع وحسنت توبته، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا

стр. 1798

فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم قد زل زلة فسددوه وقفوه وادعوا له الله تعالى أن يتوب عليه ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه. ولما قرر تعالى أن القرآن كتاب أنزله ليهتدي به في الدين ذكر أحوال من يجادل لغرض إبطاله فقال: ﴿ما يجادل﴾ أي: يخاصم ويماري أي: يفتل الأمور إلى مراده ﴿في آيات الله﴾ أي: في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدال كالشمس على أنه تعالى إليه المصير بأن يغش نفسه بالشك في ذلك ﴿إلا الذين كفروا﴾ قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن قوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ وقوله تعالى: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ (البقرة: ١٧٦) وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ «إن جدالاً في القرآن كفر» . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سمع رسول الله ﷺ قوماً يتمارون في القرآن فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم ضربوا كتاب الله بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوه وما جهلتم عنه فكلوه إلى عالمه» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: هاجرت إلى رسول الله ﷺ يوماً فسمعت أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب فقال: «إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب» . تنبيه: الجدال نوعان: جدال في تقرير الحق وجدال في تقرير الباطل. أما الأول: فهو حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: ١٢٥) وحكى عن قوم نوح قولهم: ﴿يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾ (هود: ٣٢) . وأما الثاني: فهو مذموم وهو المراد بهذه الآية فجدالهم في آيات الله هو قولهم مرة هذا سحر، ومرة هذا شعر، ومرة هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ومرة إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا. ولما أثبت أن الحشر لا بد منه وأن الله تعالى قادر كل القدرة لأنه لا شريك له، وهو محيط بجميع أوصاف الكمال تسبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿فلا يغررك تقلبهم﴾ أي: تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم ﴿في البلاد﴾ كبلاد الشام واليمن فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح﴾ وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما يحاولونه وكانوا حزباً واحداً لم يفرقهم شيء، ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان وكان للإجمال من الردع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل، قال تعالى: ﴿والأحزاب﴾ أي: الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عدداً ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله: ﴿من بعدهم﴾ كعاد وثمود ﴿وهمت كل أمة﴾ أي: من هؤلاء ﴿برسولهم﴾ أي: الذي أرسلناه إليهم ﴿ليأخذوه﴾ أي: ليتمكنوا من إصابته بما أرادوه من تعذيب أو قتل.s ويقال للأسير: أخيذ، وقال ابن عباس: ليقتلوه ويهلكوه ﴿وجادلوا بالباطل﴾ أي: بالأمر الذي لا حقيقة له وليس له من ذاته إلا الزوال كما تفعل قريش ومن ضاهاهم من العرب ثم بين علة مجادلتهم بقوله تعالى: ﴿ليدحضوا﴾ أي: ليزيلوا ﴿به الحق﴾ أي: الذي جاءت به الرسل ﵈ ﴿فأخذتهم﴾ أي: أهلكتهم وهم صاغرون، وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بالإدغام ﴿فكيف كان عقاب﴾ لهم أي: هو واقع موقعه وهم يمرون على ديارهم

стр. 1799

ويرون أثرهم وهذا تقريع فيه معنى التعجب. تنبيه: حذفت ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى شيء من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد، ولما كان التقدير فحقت عليهم كلمة الله تعالى عطف عليه. ﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ ﴿حقت كلمة ربك﴾ أي: المحسن إليك وهي ﴿لأملأن جهنم﴾ الآية ﴿على الذين كفروا﴾ لكفرهم، وقرأ نافع وابن عامر بألف بعد الميم على الجمع والباقون بغير ألف على الإفراد، وقوله: ﴿أنهم أصحاب النار﴾ في محل رفع بدل من ﴿كلمة ربك﴾ أي: مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار ومعناها: كما وجب إهلاكهم في الدنيا بالعذاب المستأصل كذلك وجب هلاكهم بعذاب النار في الآخرة أو في محل نصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل ولما بين تعالى أن الكفار بالغوا في إظهار العداوة للمؤمنين بقوله: ﴿ما يجادل في آيات الله﴾ وما بعده، بين تعالى أن الملائكة الذين هم حملة العرش والحافون حوله يبالغون في إظهار المحبة والنصر للمؤمنين فقال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش﴾ وهو مبتدأ وقوله: ﴿ومن حوله﴾ عطف عليه وقوله تعالى: ﴿يسبحون﴾ خبره ﴿بحمد ربهم﴾ أي: المحسن إليهم، قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك فلك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك فلك الحمد على عفوك بعد قدرتك قال: وكأنهم يرون ذنوب بني آدم وقيل: إنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمر الله تعالى بأربعة أخر كما قال تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (الحاقة: ١٧) وهم من أشراف الملائكة وأفضلهم لقربهم من محل رحمة ربهم قال ابن الخازن: وجاء في الحديث: أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة جناحان منها على وجه مخافة أن ينظر إلى العرش فيضعف وجناحان يهفو بهما في الهواء، ليس لهم كلام غير التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد، ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء. وقال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرض والأرضون والسموات إلى حجزتهم وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وقال ميسرة بن عرفة: أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها والتي تليها أشد خوفاً من التي تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون ألف حجاب من نور وسبعون ألف حجاب من ظلمة. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» ، وأما صفة العرش فقيل: أنه من جوهرة خضراء وهو من أعظم المخلوقات خلقاً. روى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطائر المسرع ثلاثين ألف عام، ويكسي العرش كل يوم سبعين ألف لون من نور لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله تعالى كلها، والأشياء كلها

стр. 1800

في العرش كحلقة في فلاة، وقال مجاهد: بين السماء السابعة والعرش سبعون ألف حجاب حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة. وقيل: إن العرش قبلة أهل السماء كما أن الكعبة قبلة أهل الأرض، وأما من حول العرش فهم الكروبيون وهم سادات الملائكة. قال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة صف خلف صف يطوفون بالعرش يقبل هؤلاء ويقبل هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضاً هلل هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام أيديهم على أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم فإذا سمعوا تكبير هؤلاء وتهليلهم رفعوا أصواتهم فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك وأحلمك أنت الله لا إله غيرك أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون ومن وراء هؤلاء وهؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى، ليس منهم أحد إلا يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام، وما بين شحمتي أذنيه إلى عاتقه أربعمائة عام، وقد احتجب الله عن الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجاباً من نار وسبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور وسبعين حجاباً من در أبيض وسبعين حجاباً من ياقوت أحمر وسبعين حجاباً من زبرجد أخضر وسبعين حجاباً من ثلج وسبعين حجاباً من ماء وسبعين حجاباً من برد، وما لا يعلم علمه إلا الله تعالى، فسبحان من له هذا الملك العظيم. ولما كان تعالى لا يحيط به علماً أحد من خلقه أشار إلى أنهم مع قربهم كغيرهم لا فرق في ذلك بينهم وبين من في الأرض السفلى بقوله تعالى: ﴿ويؤمنون به﴾ لأن الإيمان إنما يكون بالغيب فهم يصدقون بأنه واحد لا شريك له ولا مثل له ولا نظير له، فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿ويؤمنون به﴾ ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمده مؤمنون؟ أجيب: بأن فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله والترغيب فيه كما وصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في غير موضع من كتابه بالصلاح، لذلك وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ فأبان بذلك فضل الإيمان ولما كانوا لقربهم أشد الخلق خوفاً لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف وكان أقرب ما يتقرب به إلى الملك لتقربه إلى أهل وده نبه سبحانه بقوله تعالى: ﴿ويستغفرون﴾ أي: يطلبون محو الذنوب عيناً وأثراً ﴿للذين آمنوا﴾ أي: أوقعوا هذه الحقيقة فهم يستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم، وفي ذلك تنبيه على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعث على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن، فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان ولا بين سماوي وأرضي قط، ولكن لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلي والتناسب الحقيقي حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض قال تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ (الشورى: ٥) واستغفارهم بأن يقولوا ﴿ربنا﴾ أي: أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره فهو معمول لقول مضمر في محل نصب على الحال من فاعل يستغفرون أو خبر بعد خبر ﴿وسعت كل شيء رحمة وعلماً﴾ أي: وسعت رحمتك كل شيء وعلمك كل شيء، فأزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم كأنَّ ذاته رحمة وعلم واسعان

стр. 1801

كل شيء، وأكثر ما يكون الدعاء بذكر الرب لأن الملائكة قالوا في هذه الآية وقال آدم ﵇: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (الأعراف: ٢٣) وقال نوح ﵇: ﴿رب إن قومي كذبون﴾ (الشعراء: ١١٧) وقال: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾ (إبراهيم: ٤١) وقال إبراهيم ﵇: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى﴾ (البقرة: ٢٦٠) وقال: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ (البقرة: ١٢٨) وقال يوسف ﵇: ﴿رب قد آتيتني من الملك﴾ (يوسف: ١٠١) وقال موسى ﵇: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ (الأعراف: ١٤٣) وقال: ﴿رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي﴾ (القصص: ١٦) وقال سليمان ﵇: ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكاً﴾ (ص: ٣٥) وقال عيسى ﵇: ﴿ربنا أنزل علينا مائدة من السماء﴾ (المائدة: ١١٤) وقال تعالى لمحمد ﷺ ﴿وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين﴾ (المؤمنون: ٩٧) ، فإن قيل: لفظ الله أعظم من لفظ الرب فلم خص لفظ رب بالدعاء؟ أجيب: بأن العبد يقول: كنت في العدم المحض والنفي الصرف فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك وإحسانك سبباً لإجابة دعائي ﴿فاغفر للذين تابوا﴾ أي: رجعوا إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوها عيناً وأثراً فلا عقاب ولا عتاب ولا ذكر لها ﴿واتبعوا﴾ أي: كلفوا أنفسهم على مالها من العوج إن لزموا ﴿سبيلك﴾ المستقيم الذي لا لبس فيه. ولما كان الغفران قد يكون لبعض الذنوب وكان له أن يعذب من لا ذنب له وأن يعذب من غفر ذنبه قالوا: ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ أي: اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة وتتم نعمتك عليهم فإنك وعدت من كان كذلك بذلك ولا يبدل القول لديك وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء وإن الخلق عبيدك، ولما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم وكان ذلك لا يستلزم الثواب قالوا مكررين صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان. ﴿ربنا﴾ أيها المحسن إلينا ﴿وأدخلهم جنات عدن﴾ أي: إقامة ﴿التي وعدتهم﴾ أي: إياها وقولهم: ﴿ومن صلح﴾ معطوف على هم في وعدتهم وقدموا قولهم: ﴿من آبائهم﴾ على قولهم: ﴿وأزواجهم وذرياتهم﴾ لأن الآباء أحق الناس بالإجلال وقدموا الأزواج في اللفظ على الذرية لأنهم أشد إلصاقاً بالشخص وطلبوا لهم ذلك لأن الإنسان لا يتم نعيمه إلا بأهله، قال سعيد بن جبير: يدخل الجنة المؤمن فيقول: أين أبي أين ولدي وزوجتي؟ فيقال له: إنهم لم يعملوا مثل عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة. ﴿إنك أنت﴾ أي: وحدك ﴿العزيز﴾ أي: فأنت تغفر لمن شئت ﴿الحكيم﴾ فكل فعلك في أتم مواضعه فلا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه. ﴿وقهم السيئات﴾ أي: بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها، فإن قيل: هذا مكرر مع قوله: ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ ؟ أجيب: بأن التفاوت حاصل من وجهين: أحدهما: أن يكون قولهم وقهم عذاب الجحيم دعاء مذكوراً للأصول وقولهم: وقهم السيئات دعاء مذكوراً للفروع وهم الآباء والأزواج والذريات، ثانيهما: أن يكون قوله: ﴿وقهم عذاب الجحيم﴾ مقصوراً على إزالة عذاب الجحيم وقوله: ﴿وقهم السيئات﴾ يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف يوم القيامة والسؤال والحساب، فيكون تعميماً بعد تخصيص وهذا أولى. وقال بعض المفسرين: إن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار عنهم بقولهم وقهم عذاب الجحيم، وطلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم: وأدخلهم جنات عدن، ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا من العقائد الفاسدة بقولهم وقهم السيئات. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر

стр. 1802

الميم والهاء، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم ثم قالت الملائكة: ﴿ومن تق السيئات﴾ أي: جزاءها كلها ﴿يومئذ﴾ أي: يوم تدخل فريقاً الجنة وفريقاً النار المسببة عن السيئات وهو يوم القيامة ﴿فقد رحمته﴾ أي: الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها معها أن يسمى رحمة فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا: ﴿وذلك﴾ أي: الأمر العظيم جداً ﴿هو الفوز العظيم﴾ أي: النعيم الذي لا ينقطع في جوار ملك لا تصل العقول إلى كنه عظمته وإجلاله هذا آخر دعاء الملائكة للمؤمنين، قال مطرف: أنصح عباد الله تعالى للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين. ثم إنه تعالى بعد أن ذكر أحوال المؤمنين عاد إلى ذكر أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله تعالى وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ (غافر: ٤) فقال تعالى مستأنفاً مؤكداً لإنكارهم آيات الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا﴾ أي: أوقعوا الكفر ولو لحظة ﴿ينادون﴾ يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرض عليهم سيئاتهم وعاينوا العذاب فيقال لهم: ﴿لمقت الله﴾ أي: الملك الأعظم إياكم ﴿أكبر﴾ والتقدير: لمقت الله لأنفسكم أكبر ﴿من مقتكم أنفسكم﴾ فاستغنى بذكرها مرة وقوله تعالى: ﴿إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ منصوب بالمقت الأول والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: كان الله تعالى يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان يدعوكم إلى الإيمان فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر، أشد ما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا وقعتم فيها باتباعكم هواهن. وذكروا في تفسير مقتهم أنفسهم وجوهاً؛ أولها: أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا. ثانيها: أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين يدعونهم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء أيضاً يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضاً بأنهم مقتوا أنفسهم كقوله تعالى: ﴿اقتلوا أنفسكم﴾ (النساء: ٦٦) والمراد أن يقتل بعضكم بعضاً. ثالثها: قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهو في النار بقوله: ما كان لي عليكم من سلطان إلى قوله ولوموا أنفسكم، ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم. وأما الذين ينادون الكفار بهذا الكلام فهم خزنة جهنم، وعن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا لمقت الله أكبر، وقيل: معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض كقوله تعالى: ﴿يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً﴾ (العنكبوت: ٢٥) و ﴿إذ تدعون﴾ تعليل، والمقت: أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال فالمراد منه: أبلغ الإنكار وأشده، وعن مجاهد: مقتوا أنفسهم حين رأوا أعمالهم ومقت الله تعالى إياهم في الدنيا، إذ يدعون إلى الإيمان فيكفرون أكبر، وقال الفراء: معناه: ينادون إن مقت الله يقال: ناديت أن زيداً قائم وناديت لزيد قائم، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي بإدغام الذال في التاء والباقون بالإظهار ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطاب: ﴿قالوا ربنا﴾ أي: أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا ﴿أمتنا اثنتين﴾ أي: إماتتين ﴿وأحييتنا اثنتين﴾ أي: إحيائتين، قال ابن عباس

стр. 1803

وقتادة والضحاك: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا ثم أماتهم الموتة الأولى التي لا بد منها ثم أحياهم للبعث يوم القيامة فهما موتتان وحياتان وهو كقوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم﴾ (البقرة: ٢٨) وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للمسألة ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة، وقيل: واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر ورد بأن الصعق ليس بموت وما في القبر ليس بحياة حتى يكون عنه موت وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه الحصا على التسبيح والحجر على التسليم والضب على الشهادتين. ﴿فاعترفنا بذنوبنا﴾ أي: بكفرنا بالبعث ﴿فهل إلى خروج﴾ من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك ﴿من سبيل﴾ أي: طريق ونظيره هل إلى مرد من سبيل، والمعنى: أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسداً باطلاً تمنوا الرجوع إلى الدنيا ليشتغلوا بالأعمال الصالحة، فإن قيل: الفاء في قوله تعالى: ﴿فاعترفنا بذنوبنا﴾ تقتضي أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سبباً لهذا الاعتراف فما وجه هذه السببية؟ أجيب: بأنهم كانوا منكرين البعث فلما شاهدوا هذا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن تلك الإماتة والإحياء. ولما كان الجواب قطعاً لا سبيل إلى ذلك علله بقوله تعالى: ﴿ذلكم﴾ أي: القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتاً منه لكم ﴿بأنه﴾ أي: كان بسبب أنه ﴿إذا دُعي الله﴾ أي: الملك الأعظم من أي داع وفي إعراب قوله تعالى ﴿وحده﴾ وجهان؛ أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال وجاز مع كونه معرفة لفظاً لكونه في قوة النكرة كأنه قيل: منفرداً، ثانيهما: وهو قول يونس: أنه منصوب على الظرف، والتقدير: دعي على حِدَته وهو مصدر محذوف الزوائد، والتقدير: أوحدته إيحاداً. ﴿كفرتم﴾ بتوحيده ﴿وإن يشرك به﴾ أي: يجعل له تعالى شريك ﴿تؤمنوا﴾ أي: تصدقوا بالإشراك ﴿فالحكم﴾ أي: فتسبب عن القطع بأنه لا رجعة وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم مع ادعائهم العقول الراجحة ونحو ذلك أن الحكم كله ﴿لله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿العلي﴾ أي: عن أن يكون له شريك ﴿الكبير﴾ أي: الذي لا يليق الكبر إلا له. ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله تعالى: ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الذي يريكم﴾ أي: بالصبر والبصيرة ﴿آياته﴾ أي: علاماته الدالة على تفرده بصفات الكمال وأنه لا يجوز جعل هذه الأحجار المنحوتة والخشب المصور شركاء لله في العبودية، ومن آياته الدالة على كمال القدرة والعظمة قوله تعالى: ﴿وينزل لكم من السماء﴾ أي: جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى حين الحكم بنزوله ﴿رزقاً﴾ أي: أسباب رزق كالمطر لإقامة أبدانكم لأن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان ومصالح الأبدان، والله تعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان وعند حصولهما يكمل الأنعام الكامل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿وما يتذكر﴾ ذلك تذكراً

стр. 1804

تاماً فيتعظ بهذه الآيات ﴿إلا من ينيب﴾ أي: يرجع إلى الله تعالى ويقبل بكليته إلى الله تعالى في جميع أموره فيعرض عن غير الله تعالى ولهذا قال عز من قائل: ﴿فادعوا﴾ وصرح بالاسم الأعظم فقال تعالى: ﴿الله﴾ الذي له صفات الكمال أي: فاعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ أي: الأفعال التي يقع الجزاء عليها فمن كان يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصاً، اجتهد في تصفية أعماله فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص ﴿ولو كره﴾ أي: الدعاء منكم ﴿الكافرون﴾ أي: السائرون لأنوار عقولهم. ولما ذكر تعالى من صفات كبريائه كونه مظهراً للآيات ذكر ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهي قوله تعالى: ﴿رفيع الدرجات﴾ وهذا يحتمل أن يكون المراد منه الرافع، وأن يكون المراد منه المرتفع، فإن حملناه على الأول ففيه وجهان: أولها: أنه تعالى يرفع درجات الأنبياء والأولياء، ثانيهما: يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجة معينة كما قال تعالى عنهم: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ (الصافات: ١٦٤) وجعل لكل واحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة: ١١) وعين لكل جسم درجة معينة، فجعل بعضها سفلية كدرة وبعضها فلكية وبعضها من جواهر العرش والكرسي، وأيضاً جعل لكل واحد مزية معينة في الخلق والخلق والرزق والأجل فقال تعالى: ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ (الأنعام: ١٦٥) وجعل لكل واحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة، وفي الآخرة تظهر تلك الآثار وإن حملنا الرفيع على المرتفع فهو أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال. تنبيه: في رفيع وجهان؛ أحدهما: أنه مبتدأ والخبر ﴿ذو العرش﴾ أي: الكامل الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو فهو محيط بجميع الأكوان ومادة لكل جماد وحيوان وعال بجلاله وعظمته عن كل ما يخطر في الأذهان وقوله تعالى: ﴿يلقي الروح﴾ أي: الوحي سماه روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح. ﴿من أمره﴾ قال ابن عباس: أي: رضاه، وقوله: ﴿يلقي﴾ يجوز أن يكون خبراً ثانياً وأن يكون حالاً، ويجوز أن تكون الثلاثة أخباراً لقوله تعالى: ﴿هو الذي يريكم آياته﴾ . ولما كان أمره تعالى غالباً على كل أمر أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال تعالى: ﴿على من يشاء﴾ أي: يختار ﴿من عباده﴾ للنبوة وفي هذا دليل على أنها عطائية وقوله: ﴿لينذر﴾ أي: يخوف غاية الإلقاء والفاعل هو الله تعالى، أو الروح، أو من يشاء، أو الرسول. والمنذر به محذوف تقديره لينذر العذاب. ﴿يوم التلاق﴾ أي: يوم القيامة فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل السماء والأرض، وقال مقاتل: يلتقي الخلق والخالق تعالى. وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم، وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله والأولى أن تفسر الآية بما يشمل الجميع. ﴿يوم هم بارزون﴾ أي: خارجون من قبورهم وقيل: ظاهرون لا يسترهم شيء من جبل أو شجر أو تلال أو غير ذلك، وقيل: بارزون كناية عن ظهور حالهم وانكشاف أسرارهم كما قال تعالى: ﴿يوم تبلى

стр. 1805

السرائر﴾ (الطلاق: ٩) والأولى أيضاً أن تفسر الآية بما يشمل الجميع كما قال تعالى: ﴿لا يخفى على الله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة ﴿منهم﴾ أي: من أعمالهم وأحوالهم ﴿شيء﴾ وإن دق وخفي ويقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق ﴿لمن الملك اليوم﴾ أي: يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد، فلا يجيبه أحد فيجيب نفسه فيقول تعالى: ﴿لله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ثم دل على ذلك بقوله تعالى: ﴿الواحد﴾ أي: الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسيمة ولا غيرهما ﴿القهار﴾ أي: الذي قهر الخلق بالموت، وقيل: يجيبونه بلسان الحال أو المقال فيقولون ذلك، وقال الرازي: لا يبعد أن يكون السائل والمجيب هو الله تعالى، ولا يبعد أيضاً أن يكون السائل جمعاً من الملائكة والمجيب جمعاً آخرين وليس على التعيين، فإن قيل: الله تعالى لا يخفى عليه شيء منهم في جميع الأيام فما معنى تقييد هذا العلم بذلك اليوم؟ أجيب: بأنهم كانوا يتوهمون في الدنيا أنهم إذا استتروا بالحيطان والحجب أن الله تعالى لا يراهم وتخفى عليه أعمالهم فهم في ذلك اليوم صائرون من البروز والانكشاف إلى حال لا يتوهمون فيها مثل ما يتوهمون في الدنيا كما قال تعالى: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون﴾ (فصلت: ٢٢) وقال تعالى: ﴿يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم﴾ (النساء: ١٠٨) وهو معنى قوله تعالى: ﴿وبرزوا لله الواحد القهار﴾ (إبراهيم: ٤٨) ولما أخبر تعالى عن إذعان كل نفس بانقطاع الأسباب أخبرهم بما يزيد رعبهم ويبعث رغبتهم وهو نتيجة تفرده بالملك فقال تعالى: ﴿اليوم تجزى﴾ أي: تقضى وتكافأ ﴿كل نفس بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كسبت﴾ أي: عملت لا تترك نفس واحدة لأن العلم قد شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم، والحكمة قد منعت إهمال أحد منهم فيجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿لا ظلم اليوم﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿إن الله﴾ أي: التام القدرة الشامل للعلم ﴿سريع الحساب﴾ أي: بليغ السرعة فيه لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير ولا يشغله شأن عن شأن لأنه تعالى لا يحتاج إلى تكلف عدّ ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب ولا شيء، فكان في ذلك ترجية وخوف الفريقين لأن المؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب والظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب، وعن ابن عباس: إذا أخذ في حسابهم لم يقل أهل الجنة إلا فيها ولا أهل النار إلا فيها. ثم نبه تعالى بقوله سبحانه: ﴿وأنذرهم يوم الآزفة﴾ أي: القيامة على أن يوم القيامة قريب، ونظيره قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة﴾ (القمر: ١) قال الزجاج: إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن ما هو كائن قريب، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر كقوله تعالى في صفة القيامة: ﴿أزفت الآزفة﴾ (النجم: ٥٧) أي: قربت قال النابغة: *أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكان وقد* وقال كعب بن زهير: *بان الشباب وهذا الشيب قد أزفا ... ولا أرى لشباب بائن خلفا* تنبيه: الآزفة: نعت لمحذوف مؤنث كيوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة الآزفة، قال القفال: وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة لأنها مرجع معناها على الداهية، ويوم القيامة له أسماء كثيرة تدل على أهواله باعتبار مواقفه وأحواله، منها يوم البعث وهو ظاهر

стр. 1806

ومنها يوم التلاق لما مر ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه وخسرانه، وقيل: المراد بيوم الآزفة مشارفتهم دخول النار فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف، وقال أبو مسلم: هو يوم حضور الأجل فإن يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب. ولما ذكر تعالى اليوم هوَّل أمره بما يحصل فيه من المشاق بقوله تعالى: ﴿إذ القلوب﴾ أي: من كل من حضره ترتفع ﴿لدى﴾ أي: عند ﴿الحناجر﴾ أي: حناجر المجموعين فيه وهو جمع حنجور وهو الحلقوم يعني أنها زالت عن أماكنها صاعدة من كثرة الرعب حتى كادت تخرج. ثم أسند إليها ما يسند للعقلاء فقال تعالى: ﴿كاظمين﴾ أي: ممتلئين خوفاً ورعباً وحزناً مكروبين فقد استدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم. ولما كان من المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك والشفاعات قال تعالى مستأنفاً: ﴿ما للظالمين﴾ أي: العريقين في الظلم ﴿من حميم﴾ أي: قريب صادق في مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم ﴿ولا شفيع يطاع﴾ فيشفع لهم. تنبيه: احتج المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة عن المذنبين، فقالوا: نفي حصول شفيع لهم يطاع يوجب أن لا يحصل لهم هذا الشفيع وأجيبوا بوجوه؛ أولها: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع كقولك ما عندي كتاب يباع، لا يقتضي نفي الكتاب فهذا ينفي أن لهم شفيعاً يطيعه الله تعالى ما من شفيع إلا من بعد إذنه، ثانيها: أن المراد بالظالمين في هذه الآية ههنا الكفار لأنها وردت في زجر الكفار قال تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان: ١٣) ، ثالثها: أن لفظ الظالمين إما أن يفيد الاستغراق أو لا، فإن كان المراد: جميعهم فيدخل فيه الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا الجمع شفيعاً لأن بعضه كفار وليس لهم شفيع، فحينئذ لا يكون لهذا الجمع شفيع، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع. ولما أمر الله تعالى بإنذار يوم الآزفة وما يعرض فيه من شدة الغم والكرب وأن الظالم لا يجد من يحميه ولا يشفع له، ذكر اطلاعه على جميع ما يصدر من الخلق سراً وجهراً فقال تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين﴾ أي: خيانتها التي هي أخفى ما يقع من أفعال الظاهر، جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهو الإشارة بالعين، قال أبو حيان: من كسر عين وغمز ونظر يفهم المراد. ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر أتبعه أخفى أفعال الباطن فقال تعالى: ﴿وما تخفي الصدور﴾ أي: القلوب فعلم من ذلك أن الله تعالى عالم بجميع أفعالهم لأن الأفعال على قسمين أفعال الجوارح وأفعال القلوب، فأما أفعال الجوارح فأخفاها خيانة الأعين والله تعالى عالم بها فكيف الحال في سائر الأعمال، وأما أفعال القلوب فهي معلومة لله تعالى لقوله : ﴿وما تخفي الصدور﴾ (غافر: ١٩) وقوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: المتصف بجميع صفات الكمال ﴿يقضي بالحق﴾ أي: الثابت الذي لا ينتفي يوجب عظيم الخوف لأن الحاكم إذا كان عالماً بجميع الأحوال وثبت أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى. ولما عول الكفار في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام بين الله تعالى أنه لا فائدة فيها البتة فقال تعالى: ﴿والذين يدعون﴾ أي: يعبدون ﴿من دونه﴾ وهم الأصنام ﴿لا يقضون﴾ لهم ﴿بشيء﴾ من الأشياء أصلاً فكيف يكونون

стр. 1807

شركاء لله تعالى، وقرأ نافع وهشام تدعون بتاء الخطاب للمشركين والباقون بياء الغيبة إخباراً عنهم بذلك. ولما أخبر تعالى أنه لا فعل لشركائهم وأن الأمر له وحده قال تعالى مؤكداً لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكار ذلك ﴿إن الله﴾ أي: المنفرد بصفات الكمال ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿السميع﴾ أي: لجميع أقوالهم ﴿البصير﴾ أي: بجميع أفعالهم، ففي ذلك تقرير لعلمه تعالى بخائنة الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه، فثبت أن الأمر له وحده فما تنفعهم شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبينا محمد ﷺ وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، فإن كان أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيه فيشفع فيشفعه الله تعالى، فيفصل بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره جنته أو ناره. ولما أوعدهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار وختمه بالإنذار بما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار أتبعه الوعظ والتخويف بالمشاهدة ممن تتبع الديار، والاعتبار بما كان لهم فيها من عجائب الآثار فقال عز من قائل: ﴿أولم يسيروا في الأرض﴾ أي: في أي أرض ساروا فيها ﴿فينظروا﴾ أي: نظر اعتبار كما هو شأن أهل البصائر ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿الذين كانوا﴾ أي: سكاناً للأرض عريقين في عمارتها ﴿من قبلهم﴾ أي: قبل زمانهم من الكفار كعاد وثمود ﴿كانوا هم﴾ أي: المتقدمون لما لهم من القوة الظاهرة والباطنة ﴿أشد منهم﴾ أي: من هؤلاء ﴿قوة﴾ أي: ذوات ومعاني وإنما جيء بالفصل وحقه أنه يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من المعرفة في امتناع دخول اللام عليه، وقرأ ابن عامر منكم بكاف والباقون بهاء الغيبة ﴿و﴾ أشد ﴿آثاراً في الأرض﴾ لأن آثارهم لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليه ألوف من السنين، وأما المتأخرون فتنطمس آثارهم في أقل من قرن ومع قوتهم ﴿فأخذهم الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة ﴿بذنوبهم﴾ أي: بسببها ﴿وما كان لهم﴾ من شركائهم الذين ضلوا بهم هؤلاء ومن غيرهم ﴿من الله﴾ أي: المتصف بجميع صفات الكمال ﴿من واق﴾ أي: يقيهم عذابه والمعنى: أن العاقل من اعتبر بغيره وأن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء، ولما كذبوا رسلهم أهلكهم الله تعالى عاجلاً، وقرأ ابن كثير في الوقف بالياء بعد القاف والباقون بغير ياء واتفقوا على التنوين في الوصل. ثم ذكر تعالى سبب أخذهم بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الأخذ العظيم ﴿بأنهم﴾ أي: الذين كانوا من قبل ﴿كانت تأتيهم رسلهم بالبينات﴾ أي: الآيات الدالة على صدقهم دلالة هي من وضوح الأمر بحيث لا يسع منصفاً إنكارها، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها. ولما كان مطلق الكفر كافياً في العذاب عبر بالماضي فقال تعالى: ﴿فكفروا﴾ أي: سببوا عن إتيان الرسل ﵈ إليهم الكفر بهم ﴿فأخذهم الله﴾ أي: الملك الأعظم أخذ غضب ﴿إنه قوي﴾ أي: متمكن مما يريد غاية التمكن ﴿شديد العقاب﴾ لا يؤبه بعقاب دون عقابه. ولما سلَّى تعالى رسوله ﷺ بذكر الكفار الذين

стр. 1808

كذبوا الأنبياء ﵈ قبله وبمشاهدة آثارهم، سلاه أيضاً بذكر قصة موسى ﵇ المذكورة في قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿موسى بآياتنا﴾ أي: الدالة على جلالنا ﴿وسلطان﴾ أي: أمر قاهر عظيم جداً لا حيلة لهم في مدافعة شيء منه ﴿مبين﴾ أي: بين في نفسه يتبين لكل من يمكن إطلاعه عليه أنه ظاهر، وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول إلى أذاه مع ما له من القوة والسلطان. ﴿إلى فرعون﴾ أي: ملك مصر ﴿وهامان﴾ أي: وزيره ﴿وقارون﴾ أي: قريب موسى ﴿فقالوا﴾ أي: هؤلاء ومن معهم هو ﴿ساحر﴾ لعجزهم عن مقاهرته أما من عدا قارون فأولاً وآخراً بالقوة والفعل، وأما قارون ففعله آخراً بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولاً، وإن هذا كان قوله وإن لم يقله بالفعل في ذلك الزمان فقد قاله في النية، فدل ذلك على أنه لم يزل قائلاً به لأنه لم يتب منه ثم وصفوه بقولهم: ﴿كذاب﴾ لخوفهم من تصديق الناس له. ﴿فلما جاءهم بالحق﴾ أي: بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه كائناً ﴿من عندنا﴾ على ما لنا من القهر فآمن معه طائفة من قومه ﴿قالوا﴾ أي: فرعون وأتباعه ﴿اقتلوا﴾ أي: قتلاً حقيقياً بإزالة الروح ﴿أبناء الذين آمنوا﴾ به أي: فكانوا ﴿معه﴾ أي: خصوهم بذلك واتركوا من عداهم فلعلهم يكذبونه ﴿واستحيوا نساءهم﴾ أي: اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن، قال قتادة: هذا غير القتل الأول لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى ﵇ أعاد القتل عليهم فمعناه أعيدوا عليهم القتل لئلا ينشؤوا على دين موسى فيقوى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين فلهذا أمر بقتل الأبناء واستحياء نسائهم ﴿وما﴾ أي: والحال أنه ما ﴿كيد الكافرين﴾ تعميماً وتعليقاً بالوصف ﴿إلا في ضلال﴾ أي: مجانبة للسداد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولاً في الحذر من موسى ﵇ ولا آخراً في صد من آمن به مرادهم بل كان فيه تبارهم وهلاكهم، وكذا أفعال الفجرة مع أوليائه تعالى ما حفر أحد منهم لأحد منهم حفرة مكراً إلا أركسه الله تعالى فيها. ﴿وقال فرعون﴾ أي: أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه عندما علم أنه عاجز عن قتله، وملأه ما رأى منه خوفاً دافعاً عن نفسه ما يقال من أنه ما ترك موسى ﵇ مع استهانته به إلا عجزاً منه موهماً أن قومه هم الذين يردونه عنه وأنه لولا ذلك لقتله. ﴿ذروني﴾ أي: اتركوني على أي حالة كانت ﴿أقتل موسى﴾ وزاد في الإيهام للأغبياء والمناداة على نفسه عند البصراء بقوله: ﴿وليدع ربه﴾ أي: الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه من هذه الخوارق، وقيل: كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى، وفي منعه من قتله وجوه؛ أولها: لعله كان فيهم من يعتقد بقلبه كون موسى ﵇ صادقاً فيتحيل في منع فرعون من قتله، وثانيها: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سحرنا فإن قتلته أدخلت الشبهة على الناس ويقولون: إنه كان محقاً وعجزوا عن جوابه فقتلوه، وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب تلك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكهم بخصم خارجي حتى يصيروا آمنين من قبل ذلك الملك،

стр. 1809

وقرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بالسكون. ثم ذكر فرعون السبب الموجب لقتل موسى ﵇ وهو إما فساد الدين أو فساد الدنيا فقال: ﴿إني أخاف﴾ أي: إن تركته ﴿أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ أي: لا بد من وقوع أحد الأمرين إما فساد الدين، وإما فساد الدنيا. أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه فلما كان موسى ﵇ ساعياً في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أن يجتمع عليه أقوام ويصير ذلك سبباً في وقوع الخصومات وإثارة الفتن، وبدأ فرعون بذكر الدين أولاً لأن حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم. ولما توعد فرعون موسى ﵇ بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعان بالله واعتمد على فضله كما قال تعالى: ﴿وقال موسى إني عذت﴾ أي: اعتصمت عند ابتداء الرسالة ﴿بربي﴾ ورغبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله: ﴿وربكم﴾ أي: المحسن إلينا أجمعين وأرسلني لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا ﴿من كل متكبر﴾ أي: عات طاغ متعظم على الحق هذا وغيره ﴿لا يؤمن﴾ أي: لا يتجدد له تصديق ﴿بيوم الحساب﴾ من ربه له وهو يعلم أنه لا بد من حسابه هو لمن تحت يده من رعاياه وعبيده فيحكم على ربه بما لا يحكم به على نفسه، وبهذين الأمرين يقدم الإنسان على اتقاء الناس لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه عن إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقراً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له عن الجري على موجب تكبره، فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائل فلا جرم تعظم القسوة والإيذاء. واختلف في الرجل المؤمن في قوله تعالى: ﴿وقال رجل مؤمن﴾ أي: راسخ الإيمان ﴿من آل فرعون﴾ أي: من وجوههم ورؤسائهم ﴿يكتم إيمانه﴾ أي: يخفيه خفاء شديداً خوفاً على نفسه، فقال مقاتل والسدي: كان قبطياً ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله تعالى عنه: ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾ (القصص: ٢٠) ، وقيل: كان إسرائيلياً، وعن ابن عباس: لم يكن في آل فرعون غيره وغير امرأة فرعون وغير المؤمن الذي أنذر موسى ﵇ الذي قال: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «الصديقون حبيب النجار مؤمن آل يس، ومؤمن آل فرعون الذي قال ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله﴾ (غافر: ٢٨) والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم» . وعن جعفر بن محمد أن مؤمن آل فرعون قال ذلك سراً وقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه جهاراً ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله﴾ وروي عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله ﷺ قال: «جاء رسول الله ﷺ بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً وقال له: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ قال: أنا ذلك فأقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله ﷺ وقال: ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم﴾ فكان أبو بكر أشد من ذلك» . وعن أنس بن مالك قال: «ضربوا رسول الله

стр. 1810

صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله قالوا: من هذا؟ قيل: هذا ابن أبي قحافة» . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وأكثر العلماء كان اسم الرجل حزقيل، وقال ابن إسحاق: جبريل، وقيل: حبيب. ولما حكى الله تعالى عن موسى ﵇ أنه ما زاد في دفع فرعون وشره على الاستعاذة بالله تعالى، بين أنه تعالى قبض له إنساناً أجنبياً حتى ذب عنه بأحسن الوجوه، وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: ﴿أتقتلون رجلاً﴾ أي: هو عظيم في الرجال حساً ومعنى ثم علل قتلهم له بما ينافيه فقال: ﴿أن﴾ أي: لأجل أن ﴿يقول﴾ قولاً على سبيل الإنكار ﴿ربي﴾ أي: المربي والمحسن إلي ﴿الله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال ﴿وقد﴾ أي: والحال أنه قد ﴿جاءكم بالبينات﴾ أي: الآيات الظاهرات من غير لبس ﴿من ربكم﴾ أي: الذي لا إحسان عندكم إلا منه ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتله غير جائز وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: ﴿وإن يك﴾ أي: هذا الرجل ﴿كاذباً فعليه﴾ أي: خاصة ﴿كذبه﴾ أي: كان وبال كذبه عليه وليس عليكم منه ضرر فاتركوه ﴿وإن يك صادقاً يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ أي: العذاب عاجلاً وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئاً، فإن قيل: لم قال ﴿بعض الذي يعدكم﴾ وهو نبي صادق لا بد لما يعدهم أن يصيبهم كله؟ أجيب: بأنه إنما قال ذلك ليهضم موسى بعض حقه في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً فضلاً عن أن يتعصب له، وهذا أولى من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأنشد قول لبيد: *تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو ترتبط بعض النفوس حمامها* وأنشد أيضاً قول عمرو بن سهم: d *قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل* وقال الآخر: *إن الأمور إذا الأحداث دبرها ... دون الشيوخ ترى في بعضها خللا* وقوله: ﴿إن الله﴾ أي: الذي له مجامع العظمة ﴿لا يهدي﴾ إلى ارتكاب ما ينفع واجتناب ما يضر ﴿من هو مسرف﴾ بإظهار الفساد وبتجاوز الحدود ﴿كذاب﴾ فيه احتمالان؛ أحدهما: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى ﵇، والمعنى أن الله تعالى هدى موسى ﵇ إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة ومن هداه الله تعالى إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذاباً، فدل على أن موسى ﵇ ليس من المسرفين الكذابين، ثانيهما: أن يكون المراد أن فرعون مسرف في عزمه على قتل موسى ﵇ كذاب في ادعائه الإلهية والله تعالى لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يبطله ويهدم أمره. ولما استدل مؤمن آل فرعون على أنه لا يجوز قتل موسى ﵇، خوف فرعون وقومه ذلك العذاب الذي توعدهم به في قوله: ﴿يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال: ﴿يا قوم﴾ وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحاً بالمقصود فقال: ﴿لكم الملك﴾ ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله: ﴿اليوم﴾ وأشار إلى ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله: ﴿ظاهرين﴾ أي: عالين على بني إسرائيل

стр. 1811

وغيرهم، وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء وأهل الرخاء يتوقعون البلاء ونبه بقوله: ﴿في الأرض﴾ أي: أرض مصر على الاحتياج ترهيباً لهم وعرفها لأنها كالأرض كلها لحسنها وجمعها المنافع ثم حذرهم من سخط الله تعالى فقال: ﴿فمن ينصرنا﴾ أي: أنا وأنتم أدرج نفسه فيهم عند ذكر الشر بعد إفراده لهم بالملك إبعاداً للتهمة وحثاً على قبول النصيحة. ﴿من بأس الله﴾ أي: الذي له الملك كله ﴿إن جاءنا﴾ أي: غضباً لهذا الذي يدعي أنه أرسله فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله تعالى بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد. ولما قال المؤمن هذا الكلام ﴿قال فرعون﴾ أي: لقومه جواباً لما قاله هذا المؤمن: ﴿ما أريكم﴾ من الآراء ﴿إلا ما أرى﴾ أي: إنه صواب على قدر مبلغ علمي ولا أرى لكم إلا ما أرى لنفسي، وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم ﴿وما أهديكم﴾ أي: بما أشرت به عليكم من قتل موسى وغيره ﴿إلا سبيل الرشاد﴾ أي: الذي أرى أنه صواب لا أظهر شيئاً وأبطن غيره. ولما ظهر لهذا المؤمن أن فرعون ذل لكلامه ارتفع إلى أصرح من الأسلوب الأول كما أخبرنا الله تعالى بقوله: ﴿وقال الذي آمن﴾ أي: بعد قول فرعون هذا الكلام الذي دل على عجزه وجهله وذله ﴿يا قوم﴾ وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف منهم اتهامه فقال: ﴿إني أخاف عليكم﴾ أي: من المكابرة في أمر موسى ﵇ ﴿مثل يوم الأحزاب﴾ أي: أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم وجمع الأحزاب مع التفسير أغنى عن جمع اليوم مع أن إفراده أردع وأقوى في التخويف وأفظع للإشارة إلى قوة الله تعالى وأنه قادر على إهلاكهم في أقل زمان. ولما أجمل فصل وبين أو أبدل بعد أن هول بقوله: ﴿مثل دأب﴾ أي: عادة ﴿قوم نوح﴾ أي: فيما دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المجادلة والمقاومة لما يريدونه ﴿وعاد وثمود﴾ مع ما بلغكم من جبروتهم. تنبيه: لابد من حذف مضاف يريد مثل جزاء دأبهم. ولما كان هؤلاء أقوى الأمم اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال: ﴿والذين من بعدهم﴾ أي: بالقرب من زمانهم كقوم لوط ﴿وما الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿يريد ظلماً للعباد﴾ أي: فلا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم ولا يهلكهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام وهو أبلغ من قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ (فصلت: ٤٦) من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم. ولما أشرق من آفاق هذا الوعظ شمس البعث ونور الحشر قال: ﴿ويا قوم إني أخاف عليكم﴾ وقوله: ﴿يوم التناد﴾ أجمع المفسرون أنه يوم البعث وفي تسميته بهذا الاسم وجوه؛ أولها: أن أصحاب النار ينادون أصحاب الجنة وأصحاب الجنة ينادون أصحاب النار كما حكى الله تعالى عنهم، ثانيها: قال الزجاج: هو قوله تعالى ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾ (الإسراء: ٧١) ثالثها: ينادي بعض الظالمين بعضاً بالويل والثبور فيقولون يا ويلنا. رابعها: ينادون إلى المحشر. خامسها: ينادى المؤمن ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ (الحاقة: ١٩) والكافر ﴿يا ليتني لم أوت كتابيه﴾ (الحاقة: ٢٥) . سادسها: ينادى باللعنة على الظالمين. سابعها: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار ثم ينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت. ثامنها: ينادى بالسعادة والشقاوة إلا أن فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً وفلان بن فلان شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبداً وهذه الأمور كلها

стр. 1812

تجتمع في هذا اليوم فلا بد من تسميته بها كلها. ولما كان عادة المتنادين الإقبال وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة الأهوال فقال تعالى مبدلاً أو مبيناً: ﴿يوم تولون﴾ أي: عن الموقف ﴿مدبرين﴾ قال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار وفروا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى أماكنهم فذلك قوله تعالى: ﴿والملك على إرجائها﴾ (الحاقة: ١٧) وقوله تعالى: ﴿يا معشر الجن والأنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان﴾ (الرحمن: ٣٣) وقال مجاهد: فارين من النار غير معجزين، وقيل: منصرفين عن الموقف إلى النار ثم أكد التهديد بقوله تعالى: ﴿مالكم من الله﴾ أي: الملك الجبار الذي لا يذل ﴿من عاصم﴾ أي: من فئة تحميكم وتنصركم وتمنعكم من عذابه. ثم نبه على قوة ضلالهم وشدة جهالتهم فقال تعالى: ﴿ومن يضلل الله﴾ أي: الملك المحيط بكل شيء ﴿فما له من هاد﴾ أي: إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه. تنبيه: في قراءة هاد ما تقدم في قوله: ﴿من واق﴾ (الرعد: ٣٤) ولما قال لهم مؤمن آل فرعون: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ ذكر لهم مثالاً بقوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم﴾ أي: جاء آباءكم يا معشر القبط، ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما جرت به العادة من التقليد ومن أنهم على طبعهم لا سيما أن كانوا لم يفارقوا مساكنهم ﴿يوسف﴾ أي: نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام ﴿من قبل﴾ أي: قبل زمن موسى ﵇ ﴿بالبينات﴾ أي: الآيات الظاهرات لا سيما في أمر يوم التناد ﴿فما زلتم﴾ أي: ما برحتم أنتم تبعاً لآبائكم ﴿في شك﴾ أي: محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة الظن ﴿مما جاءكم به﴾ من التوحيد، وقال ابن عباس: من عبادة الله وحده لا شريك له فلم تنتفعوا البتة بتلك البينات ودل على تمادي شكهم بقوله تعالى: ﴿حتى إذا هلك﴾ فهو غاية أي: فما زلتم في شك حتى هلك ﴿قلتم لن يبعث الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿من بعده﴾ أي: يوسف ﵇ ﴿رسولاً﴾ أي: أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة، وهذا ليس إقراراً منهم برسالته بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته والتكذيب برسالة من بعده وقوله تعالى: ﴿كذلك﴾ خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر كذلك أو مثل هذا الضلال ﴿يضل الله﴾ أي: بما له من صفات القهر ﴿من هو مسرف﴾ أي: مشرك متغال في الأمور خارج عن الحدود ﴿مرتاب﴾ أي: شاك فيما تشهد به البينات بغلبة الوهم والانهماك في التقليد ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في الشك والإسراف فقال سبحانه: ﴿الذين يجادلون﴾ وهو مبتدأ أي: يخاصمون خصاماً شديداً ﴿في آيات الله﴾ أي: المحيط بأوصاف الكمال لاسيما الآيات الدالة على يوم التناد فإنها أظهر الآيات، وكذا الآيات الدالة على وجوده وعلى ما هو عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه أو يستحيل ﴿بغير سلطان﴾ أي: برهان ﴿أتاهم﴾ وقوله: ﴿كبر﴾ أي: جدالهم ﴿مقتاً﴾ خبر المبتدأ ويجوز في الذين أوجه أيضاً منها: أنه بدل من قوله تعالى: ﴿من هو مسرف﴾ وإنما جمع اعتباراً بمعنى من، ومنها: أن يكون بياناً له، ومنها: أن يكون صفة له وجمع على معنى من أيضاً، ومنها أن ينصب بإضمار أعني، وقال الزجاج قوله: ﴿الذين يجادلون﴾ تفسير لمسرف مرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي: في إبطالها بالتكذيب

стр. 1813

بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً ﴿عند الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿و﴾ كبر مقتاً أيضاً ﴿عند الذين آمنوا﴾ أي: الذين هم خاصته، ودلت الآية على أنه يجوز وصفه تعالى بأنه مقت بعض عباده إلا أنها صفة واجبة التأويل في حق الله تعالى كالغضب والحياء والعجب وقوله تعالى: ﴿كذلك﴾ أي: ومثل هذا الطبع العظيم ﴿يطبع الله﴾ أي: الذي له جميع العظمة يدل على أن الكل من عند الله كما هو مذهب أهل السنة ﴿على كل قلب متكبر﴾ أي: متكلف ما ليس له وليس لأحد غير الله ﴿جبار﴾ أي: ظاهر الكبر قويه قهار، وقال مقاتل: الفرق بين المتكبر والجبار أن المتكبر عن قبول التوحيد والجبار في غير الحق، قال الرازي: كما أن السعادة في أمرين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله، فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله والجبار كالمضاد للشفقة على خلق الله، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان: بتنوين الباء الموحدة، ووصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم: رأت عيني وسمعت أذني أو على حذف مضاف أي: على كل ذي قلب متكبر جبار فهي حينئذ مساوية لقراءة الباقين بغير تنوين ثم إن فرعون عليه اللعنة أعرض عن جواب المؤمن لأنه لم يجد فيه مطعناً. ﴿وقال فرعون يا هامان﴾ وهو وزيره ﴿ابن﴾ وعرفه بشدة اهتمامه بالإضافة إليه في قوله ﴿لي صرحاً﴾ أي: بناء مكشوفاً عالياً لا يخفى على الناظر وإن بعد، من صرح الشيء إذا ظهر ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ أي: التي لا أسباب غيرها لعظمها، وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان يلبس على قومه وهو يعرف الحق فإن عاقلاً لا يعد ما رامه في عداد الممكن العادي. ولما كان بلوغها أمراً عظيماً أورده على نمط مشوق إليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيماً لشأنه ليتشوف السامع إلى بنائه بقوله: ﴿أسباب السموات﴾ أي: الأمور الموصلة إليها وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه، وقرأ الكوفيون بسكون الياء والباقون بالفتح وقرأ ﴿فاطلع﴾ حفص بنصب العين وفيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه جواب الأمر في قوله ابن لي فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين كقوله: *يا ناق سيري عنقاً فسيحاً ... إلى سليمان فنستريحا* وهذا أوفق لمذهب البصريين، ثانيها: قال أبو حيان: أنه منصوب على التوهم لأن خبر لعل جاء مقروناً بأن كثيراً في النظم وقليلاً في النثر، فمن نصب توهم أن الفعل المرفوع الواقع خبراً منصوب بأن والعطف على التوهم كثير وإن كان لا ينقاس، ثالثها: على جواب الترجي في لعل وهو مذهب كوفي وإلى هذا نحا الزمخشري وتبعه البيضاوي قال: وهو الأولى تشبيهاً للترجي بالتمني والباقون عطفاً على أبلغ أي: فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع ﴿إلى إله موسى﴾ ولعله أراد أن يبني له صرحاً في موضع عال يرصد فيه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله تعالى إياه أو أن يرى فساد قول موسى، فإن أخباره عن إله السماء يتوقف على اطلاعه ووصوله إليه وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان وذلك لجهله بالله

стр. 1814

تعالى وكيفية أسبابه ﴿وإني لأظنه﴾ أي: موسى ﵇ ﴿كاذباً﴾ في دعوى الرسالة وفي أن له إلهاً غيري قال فرعون: ذلك تمويهاً ﴿وكذلك﴾ أي: مثل ذلك التزيين العظيم الشأن ﴿زين﴾ أي: زين المزين النافذ الأمر وهو الله تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه والشيطان مجازاً بالتسبب بالوسوسة التي هي بخلق الله تعالى ﴿لفرعون سوء عمله﴾ في جميع أمره فأقبل عليه راغباً فيه مع بعده عن عقل أقل ذوي العقول فضلاً عن ذوي الهمم منهم فضلاً عن الملوك وأطاعه فيه قومه وقرأ غير الكوفيين ﴿وصد﴾ بفتح الصاد أي: نفسه ومنع غيره، وقرأ الكوفيون بضمها أي: منعه الله تعالى ﴿عن السبيل﴾ أي: طريق الهدى وهي الموصلة إلى الله تعالى ﴿وما كيد فرعون﴾ أي: في إبطال ما جاء به موسى ﵇ ﴿إلا في تباب﴾ أي: خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه. ولما كان فساد ما قال فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان أعرض المؤمن عنه: ﴿وقال الذي آمن﴾ أي: مشيراً إلى وهن قول فرعون بالإعراض عنه بقوله: ﴿يا قوم﴾ أي: يا من لا قيام لي إلا بهم وأنا غير متهم في نصيحتهم ﴿اتبعوني﴾ أي: كلفوا أنفسكم اتباعي لأن السعادة غالباً تكون فيما يكره الإنسان ﴿أهدكم سبيل﴾ أي: طريق ﴿الرشاد﴾ أي: الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى المقصود، وأما ما قال فرعون مدعياً أنه سبيل الرشاد فلا يوصل إلا إلى النار فهو تعريض به شبيه بالتصريح به، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل الإيمان أن لا يخلي نفسه عن الوعظ لغيره، وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد النون وقفاً ووصلاً، وأثبتها قالون وأبو عمرو وصلاً لا وفقاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً ثم إن ذلك المؤمن زهدهم في الدنيا وكرر: ﴿يا قوم﴾ كما كرر إبراهيم ﵇ يا أبت زيادة في استعطافهم بقوله: ﴿إنما هذه الحياة﴾ وحقرها بقوله: ﴿الدنيا﴾ إشارة إلى دناءتها بقوله: ﴿متاع﴾ إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة من جملة مدلولات المتاع فلا يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة لأنها دار النقلة والزوال والتزود والارتحال، والإخلاد إليها هو أصل الشر كله ومنه تشعب جميع ما يؤدي إلى سخط الله تعالى ويجلب الشقاوة في العاقبة ثم رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿وإن الآخرة﴾ أي: لكونها مقصودة بالذات ﴿هي دار القرار﴾ أي: التي لا تحول منها أصلاً لأنها الوطن المستقر، قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكانت الآخرة خيراً من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن، وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب فكان الترغيب في نعيم الجنان والترهيب من عذاب النيران من أعظم وجوه الترغيب والترهيب. والآية من الاحتباك ذكر المتاع أولاً دليلاً على حذف التوسع ثانياً والقرار ثانياً دليلاً على حذف الارتحال أولاً ثم قال ذلك المؤمن لقومه: ﴿من عمل سيئة﴾ أي: ما يسوء من أي صنف كان الذكور والإناث المؤمنين والكافرين ﴿فلا يجزى﴾ أي: من الملك الذي لا ملك سواه ﴿إلا مثلها﴾ عدلاً منه لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ﴿ومن عمل صالحاً﴾ أي: ولو قل ﴿من ذكر أو أنثى وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿مؤمن﴾ إذ لا يصح عمل بدون إيمان

стр. 1815

﴿فأولئك﴾ أي: العالو الرتبة والهمة ﴿يدخلون الجنة﴾ أي: بأمر من له الأمر كله بعد أن تضاعف لهم أعمالهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بضم الياء وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء ﴿يرزقون فيها﴾ أي: الجنة من غير احتياج إلى تحيل ولا إلى أسباب ﴿بغير حساب﴾ لخروج ما فيها لكثرته عن الحصر فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، وهذا من باب الفضل وفضل الله لا حد له ورحمته غلبت غضبه، وأما جزاء السيئة فمن باب العدل فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم، قال الأصبهاني: فإذا عارضنا عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد بسبق الرحمة الغضب فانهدمت قواعد المعتزلة ثم كرر الوعظ عليهم بقوله: ﴿ويا قوم ما﴾ أي: أي شيء من الحظوظ والمصالح ﴿لي﴾ في أني ﴿أدعوكم إلى النجاة﴾ والجنة شفقة عليكم ورحمة لكم واعترافاً بحقكم ﴿وتدعونني إلى النار﴾ والهلاك بالكفر فالآية من الاحتباك، ذكر النجاة الملازمة للإيمان أولاً دليلاً على حذف الهلاك الملازم للكفران ثانياً والنار ثانياً دليلاً على حذف الجنة أولاً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بفتح ياء مالي والباقون بسكونها واتفقوا على سكون الياء من تدعونني. ولما أخبر ذلك المؤمن بقلة إنصافهم إجمالاً بينه بقوله: ﴿تدعونني﴾ أي: توقعون دعائي إلى معبوداتكم ﴿لأكفر﴾ أي: لأجل أن أكفر ﴿بالله﴾ الذي له مجامع القهر والعز والعظمة والكبرياء ﴿وأشرك به﴾ أي: أجعل له شريكاً ﴿ما ليس لي به﴾ أي: بربوبيته ﴿علم﴾ أي: نوع من العلم بصلاحيته لشيء من الشركة فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل الإقدام عليه إلا بالدليل القطعي الذي لا يحتمل نوعاً من الشرك، فالمراد بنفي العلم نفي الإله كأنه قال وأشرك به ما ليس بإله وما ليس بإله كيف يعقل جعله شريكاً للإله. ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بين أنه يدعوهم إلى الإيمان بقوله: ﴿وأنا أدعوكم﴾ أي: أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده ﴿إلى العزيز﴾ أي: البالغ العزة الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء، وأما فرعون فهو في غاية العجز فكيف يكون إلهاً وأما الأصنام فإنها أحجار منحوتة فكيف يعقل كونها آلهة، وقرأ نافع وأنا بالمد بعد النون، وقالون يمد ويقصر وورش بالمد لا غير والباقون بغير مد. وقوله: ﴿الغفار﴾ أي: الذي يتكرر منه دائماً محو الذنوب عيناً وأثراً إشارة إلى أنهم يجب عليهم أن لا ييأسوا من رحمة الله تعالى بسبب إصرارهم على الكفر مدة مديدة فإن الإله العالم وإن كان عزيزاً لا يغلب قادراً لا يعارض لكنه غفار يغفر كفر سبعين سنة بإيمان ساعة واحدة وقوله: ﴿لا جرم﴾ رد لما دعوه إليه وجرم فعل بمعنى حق وفاعله ﴿أنما﴾ أي: الذي ﴿تدعونني إليه﴾ من هذه الأنداد ﴿ليس له دعوة﴾ بوجه من الوجوه فإنه لا إدراك له هذا إن أريد ما لا يعقل وإن أريد شيء مما يعقل فلا دعوة له مقبولة بوجه فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة ﴿في الدنيا﴾ أي: التي هي محل الأسباب الظاهرة ﴿ولا في الآخرة﴾ أي: ليس له استجابة دعوة فيهما فسمى استجابة الدعوة دعوة إطلاقاً لاسم أحد المتضايفين على الآخر كقوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) وكقولهم: «كما تدين تدان» ، وقيل: ليس له دعوة أي: عبادة في الدنيا لأن الأوثان لا تدعي الربوبية ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة

стр. 1816

تتبرأ من عابديها ثم قال: ﴿وأن مردنا﴾ أي: مرجعنا ﴿إلى الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال فيجازي كل أحد بما يستحقه ﴿وأن المسرفين﴾ أي: المجاوزين للحدود الغريقين في هذا الوصف، قال قتادة: وهم المشركون لقوله تعالى: ﴿هم﴾ أي: خاصة ﴿أصحاب النار﴾ أي: ملازموها، وعن مجاهد: هم السفاكون للدماء بغير حلها، وقيل: الذين غلب شرهم هم المسرفون. ولما بالغ هذا المؤمن في هذا الشأن ختم كلامه بخاتمة لطيفة هي قوله: ﴿فستذكرون﴾ أي: قطعاً بوعد لا خلف فيه مع القرب ﴿ما أقول لكم﴾ حين لا ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام الذي يكون فيه القدم على القدم إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن قبلتم نصحي أو لم تقبلوه. ولما خوفهم بذلك توعدوه وخوفوه بالقتل فعوّل في دفع تخويفهم وكبرهم ومكرهم على الله تعالى بقوله: ﴿وأفوض﴾ أي: أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير الله ﴿أمري﴾ أي: فيما تمكرونه بي ﴿إلى الله﴾ أي: الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً فهو يحمي منكم من شاء وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى ﵇ حين خوفه فرعون بالقتل فرجع موسى ﵇ في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون.Y ولما علق تفويضه بالاسم العلم الجامع المقتضي للإحاطة علل ذلك بقوله: ﴿إن الله﴾ أي: الذي لا يخفى عليه شيء ﴿بصير﴾ أي: بالغ العلم ﴿بالعباد﴾ ظاهراً وباطناً فيعلم من يستحق النصرة فينصره لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة، قال مقاتل: فلما قال هذه الكلمات قصدوا قتله. ﴿فوقاه الله﴾ أي: حصل له وقاية تنجيه منهم جزاء على تفويضه ﴿سيئات﴾ أي: شدائد ﴿ما مكروا﴾ ديناً ودنيا فنجاه مع موسى ﵇، قال قتادة: وكان قبطياً تصديقاً لوعده سبحانه بقوله تعالى: ﴿أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ (القصص: ٣٥) ولما كان المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله قال تعالى: ﴿وحاق﴾ أي: نزل محيطاً بعد إحاطة الإغراق ﴿بآل فرعون﴾ أي: فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم هذا إن قلنا أن الآل مشترك بين الشخص وأتباعه وإن لم نقل ذلك فالإحاقة بفرعون من باب أولى لأن العادة جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه ﴿سوء العذاب﴾ أي: الغرق في الدنيا والنار في الآخرة، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ معناه: أنه رجع إليهم ما هموا به من المكر بالمسلمين، كقول العرب: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً، فإذا فسر سوء العذاب بالغرق في الدنيا ونار جهنم في الآخرة لم يكن مكرهم راجعاً إليهم لأنهم لا يعذبون بذلك؟ أجيب: بأنهم هموا بشر فأصابهم ما وقع عليه اسم السوء ولا يشترط في الحيق أن يكون الحائق ذلك السوء بعينه وقوله تعالى: ﴿النار﴾ في إعرابه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه بدل من سوء العذاب، قاله الزجاج، ثانيها: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو أي: سوء العذاب النار لأنه جواب لسؤال مقدر وقوله تعالى: ﴿يعرضون﴾ على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من النار وأن يكون حالاً من آل فرعون، ثالثها: أنه مبتدأ وخبره يعرضون ﴿عليها غدواً وعشياً﴾ أي: صباحاً ومساء، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف

стр. 1817

طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدو وتروح إلى النار ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة. وقال قتادة: تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشياً ما دامت الدنيا. وروى ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة» . ثم أخبر الله تعالى عن مستقر آل فرعون يوم القيامة بقوله : ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ يقال لهم: ﴿أدخلوا آل﴾ أي: يا آل ﴿فرعون﴾ أي: هو بنفسه وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به ﴿أشد العذاب﴾ وهو عذاب جهنم، أجارنا الله تعالى نحن وأحباءنا منها فإنه أشد مما كانوا فيه أو أشد عذاب جهنم، وهذه الآية نص على إثبات عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن كعب، وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الخاء وصلاً وابتداء على أمر الملائكة بإدخالهم النار، والباقون بوصل الهمزة وضم الخاء وصلاً في الابتداء بضم الهمزة واختلف في العامل في قوله تعالى: ﴿وإذا﴾ على ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه معطوف على غدواً فيكون معمولاً ليعرضون على النار في هذه الأوقات كلها، قاله أبو البقاء، ثانيها: أنه معطوف على قوله إذا القلوب لدى الحناجر قاله الطبري ونظر فيه لبعد ما بينهما، وثالثها: أنه منصوب بإضمار اذكر أي: واذكر يا أشرف الخلق لقومك إذ ﴿يتحاجون﴾ أي: الكفار ﴿في النار﴾ أي: يتخاصمون فيها أتباعهم ورؤساؤهم مما لا يغنيهم ﴿فيقول الضعفاء﴾ أي: الأتباع ﴿للذين استكبروا﴾ أي: طلبوا أن يكونوا كبراءهم الرؤساء ﴿أنا كنا لكم﴾ أي: دون غيركم ﴿تبعاً﴾ أي: أتباعاً فتكبرتم على الناس بنا ﴿فهل أنتم﴾ أيها الكبراء ﴿مغنون﴾ أي: كافون ومجزئون وحاملون ﴿عنا نصيباً من النار﴾ . تنبيه: تبعاً اسم جمع لتابع ونحوه خادم وخدم، قال البغوي: والتبع يكون واحداً وجمعاً في قول أهل البصرة واحده تابع، وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع، وقيل: إنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي: تابعين، وقيل: مصدر ولكنه على حذف مضاف أي: ذوي تبع ونصيباً منصوب بفعل مقدر يدل عليه قولهم مغنون وتقديره: هل أنتم دافعون عنا نصيباً، وقيل: منصوب على المصدر، قال البقاعي: كما كان شيئاً كذلك ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً﴾ في موضع غني فكذلك نصيباً ومن النار صفة لنصيباً. ﴿قال الذين استكبروا﴾ أي: من شدة ما هم فيه ﴿إنا كل﴾ أي: نحن وأنتم ﴿فيها﴾ فكيف نغني عنكم ولو قدرنا أغنينا عن أنفسنا ﴿إن الله﴾ أي: المحيط بأوصاف الكمال ﴿قد حكم﴾ بالعدل ﴿بين العباد﴾ أي: فأدخل أهل الجنة دارهم وأهل النار دارهم فلا يغني أحد عن أحد شيئاً فعند ذلك يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين فيرجعون كلهم إلى خزنة جهنم يسألونهم كما حكى الله عنهم بقوله : ﴿وقال الذين في النار﴾ أي: جميعاً الأتباع والمتبوعون ﴿لخزنة جهنم﴾ أي: لخزنتها فوضع جهنم موضع المضمر للتهويل أو لبيان محلهم فيها، قال البيضاوي: ويحتمل أن تكون جهنم أبعد دركاتها

стр. 1818

من قولهم بئر جهنام أي: بكسر الجيم والهاء وتشديد النون بعيد القعر، وقال بعض أهل اللغة: هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ سميت بذلك: لغلظ عذابها وهي عجمية منعت من الصرف للتعريف والعجمة، وقيل: عربية ومنعت من الصرف للتعريف والتأنيث ﴿ادعوا ربكم﴾ أي: المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألماً من النار ﴿يخفف عنا يوماً﴾ أي: قدر يوم ﴿من العذاب﴾ أي: شيئاً، فيوماً ظرف ليخفف ومفعول يخفف محذوف أي: يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم ويجوز أن يكون من العذاب هو المفعول ليخفف ومن تبعيضية ويوماً ظرفاً، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما لا في كل يوم ولا في يوم معين. ﴿قالوا﴾ أي: الخزنة لهم ﴿أولم تك تأتيكم﴾ على سبيل التجدد شيئاً في أثر شيء ﴿رسلكم﴾ أي: الذين هم منكم وأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم لأن الجنس إلى الجنس أميل والإنسان من مثله أقبل ﴿بالبينات﴾ أي: التي لا شيء أوضح منها أرادوا بذلك إلزامهم الحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإجابة، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بضمها وكذلك رسلنا ورسلهم ﴿قالوا﴾ أي: الكفار ﴿بلى﴾ أي: أتونا كذلك ﴿قالوا﴾ أي: الخزنة لهم ﴿فادعوا﴾ أي: أنتم فإنا لا نشفع لكافر ﴿وما دعاء الكافرين﴾ أي: الذين ستروا مرأى عقولهم عن أنوار الحق ﴿إلا في ضلال﴾ أي: ذهاب في غير طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة الآخرة، من زرع شيئاً في الدنيا حصده في الآخرة والآخرة ثمرة الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما غرس في الدنيا وفي هذا إقناطهم عن الإجابة. ولما ذكر تعالى وقاية موسى ﵇ وذلك المؤمن من مكر فرعون وقومه منّ بقوله تعالى: ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿لننصر رسلنا﴾ أي: على من عاداهم ﴿والذين آمنوا﴾ أي: اتسموا بهذا الوصف ﴿في الحياة الدنيا﴾ أي: بإلزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة وإن غلبوا في بعض الأحيان، فإن العاقبة تكون لهم ولو بأن يقيض الله تعالى لأعدائهم من يقتص منهم ولو بعد حين وقل أن يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم ﴿ويوم يقوم الأشهاد﴾ وهو جمع شاهد كصاحب وأصحاب والمراد بهم: من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين، أما الملائكة فهم الكرام الكاتبون يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب، وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ (النساء: ٤١) وأما المؤمنون فقال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس﴾ (البقرة: ١٤٣) وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ بدل من يوم قبله أو بيان له أو نصب بإضمار أعني يوم ﴿لا تنفع الظالمين﴾ أي: الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير موضعها ﴿معذرتهم﴾ أي: اعتذارهم، فإن قيل: هذا يدل على أنهم يذكرون الأعذار ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف هذا مع قوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات: ٣٦) أجيب: بأن هذا لا يدل على أنهم ذكروا الاعتذار بل ليس فيه إلا أن ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً يوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يعتذرون في وقت آخر، وقرأ نافع والكوفيون بالياء التحتية والباقون بتاء الخطاب

стр. 1819

﴿ولهم﴾ أي: خاصة ﴿اللعنة﴾ أي: البعد عن كل خير مع الإهانة بكل ضير ﴿ولهم﴾ أي: خاصة ﴿سوء الدار﴾ أي: الآخرة أي: أشد عذابها. ولما بين تعالى أنه ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال تعالى: ﴿ولقد آتينا﴾ أي: بما لنا من العزة ﴿موسى الهدى﴾ أي: ما يُهتَدَى به في الدنيا من المعجزات والصحف والشرائع ﴿وأورثنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿بني إسرائيل﴾ أي: بعدما كانوا فيه من الذل ﴿الكتاب﴾ أي: الذي أنزلناه عليه وآتيناه الهدى به وهو التوراة إيتاء هو الإرث لا ينازعهم فيه أحد توارثوه خلفاً عن سلف ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم وأورثناه لهم من بعد موسى ﵇ حال كونه. ﴿هدى﴾ أي: بياناً عاماً لكل من تبعه ﴿وذكرى﴾ أي: عظة عظيمة ﴿لأولي الألباب﴾ أي: القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية. ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال موسى ﵇ خاطب بعد ذلك محمداً ﷺ بقوله تعالى: ﴿فاصبر﴾ أي: يا أشرف الخلق على أذى قومك كما صبر موسى ﵇ على أذى فرعون ﴿إن وعد الله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿حق﴾ أي: في إظهار دينك وإهلاك أعدائك قال الكلبي: نسخت آية القتل آية الصبر، وقوله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك﴾ إما أن يكون المصدر مضافاً للمفعول أي: لذنب أمتك في حقك، وإما أن يكون ذلك تعبداً من الله تعالى ليزيده به درجة وليصير سنة يستن به من بعده ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي﴾ هو من بعد الزوال ﴿والإبكار﴾ قال الحسن ﵁: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس ﵄: الصلوات الخمس وذلك أن العشي من زوال الشمس إلى غروبها والإبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولما ابتدأ بالرد على الذين يجادلون في آيات الله واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المتقدم إلى هنا نبه تعالى على الماهية التي تحمل الكفار على تلك المجادلة فقال تعالى: ﴿إن الذين يجادلون﴾ أي: يناصبون العداوة ﴿في آيات الله﴾ أي: الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته اللازم منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا ﴿بغير سلطان﴾ أي: برهان ﴿أتاهم أن﴾ أي: ما ﴿في صدورهم﴾ أي: بصدهم عن سواء السبيل، قال ابن عادل: ما حملهم على تكذيبك ﴿إلا كبر﴾ أي: تكبر عن الحق وتعظم عن التفكير والتعلم وآذن ذكر الصدور دون القلوب بعظمه جداً فإنه قد ملأ القلوب وفاض منها حتى شغل الصدور التي هي مساكنها ﴿ما هم ببالغيه﴾ قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر لأن الله تعالى مذلهم، وقال ابن قتيبة: إن في صدورهم إلا كبر على محمد ﷺ وطمع أن يغلبوه وما هم ببالغي ذلك، قال المفسرون: نزلت في اليهود وذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ «إن صاحبنا المسيح بن داود يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد الملك علينا» قال الله تعالى: ﴿فاستعذ﴾ أي: اعتصم ﴿بالله﴾ أي: المحيط بكل شيء من فتنة الدجال ومن كيد من يحسدك ويبغى عليك وغير ذلك كما عاذ به موسى ﵇ لينجز لك ما وعدك به كما أنجز له ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنه هو﴾ أي:

стр. 1820

وحده ﴿السميع﴾ أي: لأقوالهم ﴿البصير﴾ أي: لأفعالهم. ولما وصف تعالى جدالهم في الآيات بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالاً فقال: ﴿لخلق السموات﴾ أي: على عظمها وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها ﴿والأرض﴾ أي: على ما ترون من عجائبها وكثرة منافعها ﴿أكبر﴾ عند كل من يعقل ﴿من خلق الناس﴾ أي: خلق الله تعالى لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما فعلم قطعاً أن الذي قدر على ابتدائه مع عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم ﴿ولكن أكثر الناس﴾ وهم الذين ينكرون البعث وغيره ﴿لا يعلمون﴾ أي: لا علم لهم أصلاً بل هم كالبهائم لغلبة الغفلة عليهم. تنبيه: تقدير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد. ثانيها: أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله فهذا الاستدلال صحيح لما ثبت في الأصول أن حكم الشيء حكم مثله. ثالثها: أن يقال لما قدر على الأقوى الأكمل قدر على الأقل الأرذل بالأولى، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل البتة ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السموات والأرض هو الله تعالى ويعلمون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه أولاً فهذا برهان كلي في إفادة هذا المطلوب، ثم إن هذا البرهان على قوته صار لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منه: الذين ينكرون الحشر والنشر فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم ولا حجة بل بمجرد الحسد والكبر والغضب. ثم لما بين تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون وإن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون نبه تعالى على الفرق بين البيانين بذكر مثال فقال تعالى: ﴿وما يستوي﴾ أي: بوجه من الوجوه من حيث البصر ﴿الأعمى والبصير﴾ أي: وما يستوي المستدل والجاهل المقلد ﴿والذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا حقيقة الإيمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي: تحقيقاً لإيمانهم ﴿ولا المسيء﴾ أي: وما يستوي المحسن والمسيء فلا زائدة للتوكيد لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد قسم المؤمنين أعاد معه لا توكيداً، والمراد بالأول: التفاوت بين العالم والجاهل، وبالثاني: التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة. ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه قال تعالى: ﴿قليلاً ما يتذكرون﴾ أي: يتعظ المجادلون وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد إلا أنه قليلاً ما يتذكرون، فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عمل صالح أو فاسد. تنبيه: التقابل يأتي على ثلاث طرق؛ إحداها: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية. والثانية: أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى: ﴿مثل الفريقين﴾ كالأعمى والأصم والبصير والسميع. الثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور﴾ (فاطر: ١٩ ـ ٢٠) كل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي

стр. 1821

التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم، أو أمر لرسول الله ﷺ بالمخاطبة، والباقون بياء الغيبة نظراً لقوله تعالى: ﴿إن الذين يجادلون﴾ وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب. ولما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها فقال تعالى: ﴿إن الساعة﴾ أي: القيامة التي يجادل فيها المجادلون ﴿لآتية﴾ أي: للحكم بالعدل بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي بين محسن عبيده ومسيئهم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيها﴾ أي: في إتيانها. ولما حصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلاً نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ أي: لا يصدقون بها وما ذاك إلا لعناد بعضهم ولقصور نظر الباقين على الحس. تنبيه: يأتي قبل قيام الساعة فتن أعظمها فتنة المسيح الدجال فعن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم ﵇ إلى قيام الساعة أكبر من خلق الدجال» . معناه أكبر فتنة وأعظم شوكة من الدجال، وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال: «إنه أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية» ولأبي داود والترمذي عنه قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله تعالى بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلا أنذر قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه تعلمون إنه أعور والله سبحانه ليس بأعور» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما من نبي إلا وأنذر قومه وأمته الأعور الدجال ألا وأنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» وفي رواية مسلم: «بين عينيه ك ف ر يقرؤه كل مسلم» . وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فذكر الدجال فقال: «إن بين يديه ثلاثة سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت، ومن أشد فتنته أن يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم إني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له مثل إبله كأحسن ما تكون ضروعاً وأسنمة، ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم فأخذ بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء قلت: يا رسول الله قد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فربي خليفتي على كل مؤمن، قالت: فقلت يا رسول الله: إنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين حينئذ؟ قال: يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» . وروى البغوي بسنده عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار» انتهى. والذي جاء في صحيح

стр. 1822

مسلم قالت: قلت يا رسول الله ما مكثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدراً، قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح» . وفي رواية أبي داود: «فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته» ومنه: «ثم ينزل عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله» وعن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مع الدجال إذا خرج ماء وناراً، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى الناس أنه نار فإنه ماء عذب بارد» . وعن أبي هريرة: «ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة والنار فالتي يقول: إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه» وعن المغيرة بن شعبة قال: «ما سأل أحد رسول الله ﷺ عن الدجال أكثر ما سألته وأنه قال لي: ما يضرك قلت إنهم يقولون: أن معه جبال خبز ونهر ماء قال: هو أهون على الله من ذلك» . أي: أهون على الله من أن يجعل ما خلق الله بيده مضلاً للمؤمنين ومشككاً لقلوبهم، بل إنما جعله الله تعالى ليزدادوا إيماناً وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين، وليس معناه ليس معه شيء من ذلك لما مر في الحديث أن معه ماء وناراً وذكر فيه أحاديث كثيرة، وفي هذا القدر تذكرة لأولي الألباب أجارنا الله تعالى وأحبابنا من فتنته آمين. ولما بين تعالى أن القول بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله والتضرع إليه لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات. ولما كان أشق أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به فقال سبحانه: ﴿وقال ربكم﴾ أي: المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة ﴿ادعوني﴾ أي: اعبدوني دون غيري ﴿أستجب لكم﴾ أي: أثبكم وأغفر لكم بقرينة قوله تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون﴾ أي: يوجدون الكبر ﴿عن عبادتي﴾ أي: عن الاستجابة لي فيما دعوت إليه من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي ﴿سيدخلون﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿جهنم﴾ فتلقاهم جزاء على كفرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة ﴿داخرين﴾ أي: صاغرين حقيرين ذليلين وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلاً منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة: الدعاء فإنه من أبوابها، روي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «الدعاء مخ العبادة» وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه» ، فإن قيل: أنه ﷺ قال حكاية عن ربه : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل فكيف من لم يسأل الله يغضب؟ أجيب: بأنه إن كان مستغرقاً في الثناء على الله تعالى فهو أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة والاستغراق في معرفة الله تعالى وجلاله أفضل من طلب الجنة وإلا فالدعاء أفضل، وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله

стр. 1823

صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ الآية، فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وقد يدعو الإنسان كثيراً فلا يستجاب له؟ أجاب الكعبي: بأن الدعاء إنما يصح بشرط ومن دعا كذلك أستجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة، ثم سأل نفسه فقال: إن الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما فائدة الدعاء وأجاب عنه بأن فيه الفزع والانقطاع إلى الله تعالى، وأجاب الرازي عن الأول: بأن كل من دعا الله تعالى وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده فهو في الحقيقة ما دعا الله تعالى إلا باللسان وأما القلب فهو يعول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله تعالى، فهذا إنسان ما دعا ربه وأما إذا دعا في وقت لا يكون القلب فيه ملتفتاً إلى غير الله تعالى فالظاهر أنه يستجاب له، وقال القشيري: الدعاء مفتاح الإجابة وأسنانه لقمة الحلال، وقرأ ابن كثير وشعبة بضم ياء سيدخلون وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء. ولما أمر الله تعالى بالدعاء فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القادر فقال تعالى مفتتحاً بالاسم الأعظم: ﴿الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿الذي جعل لكم﴾ لا غيره ﴿الليل﴾ أي: مظلماً ﴿لتسكنوا فيه﴾ راحة ظاهرة بالنوم الذي هو الموت الأصغر وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة ﴿والنهار مبصراً﴾ لتنظروا فيه باليقظة التي هي إحياء بالمعنى، فالآية من الاحتباك حذف الظلام أولاً لكونه ليس من النعم المقصودة في نفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل للراحة لمن أرادها والعبادة لمن اعتمدها واستزادها، فإن قيل: هلا قيل بحسب رعاية النظم: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال جعل لكم الليل ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك فما الحكمة فيه وفي تقديم ذكر الليل؟ أجيب عن الأول: بأن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات وأما النور واليقظة فأمور وجودية مقصودة بالذات، وقد بين الشيخ عبد القادر في دلائل الإعجاز أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفرق، وأجيب عن الثاني: بأن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود فلهذا السبب قال تعالى في سورة الأنعام ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام: ١) . ﴿إن الله﴾ أي: ذا الجلال والإكرام ﴿لذو فضل﴾ أي: عظيم جداً باختياره ﴿على الناس﴾ أي: كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ الله فلا يؤمنون وينسبون أفعاله سبحانه إلى غيره جهلاً ويعلمون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس﴾ ولم يقل ولكن أكثرهم ولا يكرر ذكر الناس؟ أجيب: بأن في هذا التكرار تخصيصاً لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله تعالى ولا يشكرونه كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ (إبراهيم: ٣٤) ولما بين تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال تعالى: ﴿ذلكم﴾ أي:

стр. 1824

أيها المخاطبون ﴿الله﴾ أي: الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل شيء بالأفعال التي لا يشاركه فيها أحد ﴿ربكم﴾ أي: المربي لكم المحسن إليكم ﴿خالق كل شيء﴾ أي: بما ثبت من تمام قدرته لأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية فهي أخبار مترادفة وإذا كان خالق كل شيء ﴿فأنى﴾ أي: فكيف ومن أي وجه ﴿تؤفكون﴾ أي: تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الصرف البعيد عن مناهج العقلاء ﴿يؤفك﴾ أي: يصرف ﴿الذين كانوا﴾ أي: مطبوعين على أنهم ﴿بآيات الله﴾ أي: ذي الجلال والكمال ﴿يجحدون﴾ أي: ينكرون عناداً ومكابرة. ولما كان دلائل وجوده تعالى إما أن تكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام وذكر منها أحوال الليل والنهار كما تقدم، ذكر أيضاً منها ههنا الأرض والسماء فقال تعالى: ﴿الله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ﴿الذي جعل﴾ أي: وحده ﴿لكم الأرض﴾ أي: مع كونها فراشاً ممهداً ﴿قراراً﴾ مع كونها في غاية الثقل ولا ممسك لها سوى قدرته ﴿والسماء﴾ أي: على علوها وسعتها مع كونها أفلاكاً دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار والأظلام ﴿بناء﴾ مظلة كالقبة من غير عماد وحامل. ثم ذكر دلائل النفس وهي دلالة أحوال بدن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم بقوله تعالى: ﴿وصوركم﴾ والتصوير على غير نظام واحد لا يكون إلا بقدرة قادر تام القدرة مختار ﴿فأحسن صوركم﴾ على أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها لم يخلق الله تعالى حيواناً أحسن صورة من الإنسان كما قال تعالى: ﴿في أحسن تقويم﴾ (التين: ٤) قال ابن عباس ﵄: خلق الإنسان قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه. ولما ذكر تعالى المساكن والساكن ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال سبحانه ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ أي: الشهية الملائمة للطباع وقيل: هو ما خلق الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب، وعن الحسن: أنه قال لما خلق الله تعالى آدم ﵇ وذريته قالت الملائكة ﵈: إن الأرض لا تسعهم قال الله تعالى: فإني جاعل موتاً، قالوا: إذاً لا يهنأ لهم العيش قال تعالى: فإني جاعل أملاً. ولما دل هذا على التفرد قال تعالى على وجه الإنتاج ﴿ذلكم﴾ أي: الرفيع الدرجات ﴿الله﴾ أي: المالك لجميع الملك ﴿ربكم﴾ أي: المحسن إليكم لا غيره ﴿فتبارك﴾ أي: ثبت ثباتاً عظيماً مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض ﴿الله﴾ المختص بالكمال ﴿رب العالمين﴾ كلهم فهو المحسن إليهم بالتربية وغيرها. ثم نبه تعالى بقوله سبحانه: ﴿هو الحي﴾ بما يفيد الحصر بأنه لا حي على الدوام إلا هو ثم نبه تعالى على وحدانيته بقوله سبحانه: ﴿لا إله إلا هو﴾ ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال تعالى: ﴿فادعوه﴾ أي: اعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ أي: من كل شرك جلي أو خفي. ولما كان تعالى موصوفاً بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له: ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي: المسمى بهذا الاسم الجامع لمجامع معاني الأسماء الحسنى ﴿رب العالمين﴾ أي: الذي رباهم هذه التربية، وقال الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحمدوه، وعن ابن عباس

стр. 1825

رضي الله عنهما: من قال لا إله إلا الله فليقل: على أثرها الحمد لله رب العالمين. ولما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بقوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء الذين يجادلونك في البعث مقابلاً لإنكارهم بالتوكيد ﴿إني نهيت﴾ أي: ممن لا نهي لغيره نهياً عاماً ببراهين العقول ونهياً خاصاً بأدلة النقل ﴿أن أعبد الذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي: الذي له الكمال كله، قال البقاعي: ودل على أنه ما كان متعبداً قبل البعثة بشرع أحد بقوله: ﴿لما جاءني البينات﴾ أي: الحجج وهي ما تقدم من الدلائل الدالة على أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا له وأما الأحجار المنحوتة والأخشاب المصورة فلا تصح أن تكون شركاء له. ثم نبه على أنه تعالى كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكراً لإحسانه بقوله: ﴿من ربي﴾ أي: المربي لي تربية خاصة هي أعلى من كل مخلوق سواي فأنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. ولما أمره بما ينهى عنه أمره بما يتحلى به فقال: ﴿وأمرت أن أسلم﴾ أي: حين دعي إلى الكفر ﴿لرب العالمين﴾ لأن كل ما سواه مربوب له فالإقبال عليه خسار وإذا نهى ﷺ عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي هو رب العالمين كان غيره مشاركاً له في ذلك لا محالة. ولما استدل تعالى على إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار والأرض والسماء، ثم ذكر الليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان؛ أحدهما: حسن الصورة ورزق الطيبات، ذكر النوع الثاني: وهو كيفية تكوين البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً إلى آخر الشيخوخة والموت فقال تعالى: ﴿هو﴾ أي: لا غيره ﴿الذي خلقكم من تراب﴾ أي: بخلق أبيكم آدم ﵇ منه، قال الرازي: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية كلها منتهية إلى النبات، والنبات إنما يكون من التراب والماء، فثبت أن كل إنسان متكون من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة كما قال تعالى: ﴿ثم من نطفة﴾ أي: من مني ﴿ثم من علقة﴾ أي: دم غليظ متباعد حاله عن حال النطفة كما كان حال النطفة متباعداً عن حال التراب ﴿ثم﴾ بعد أن جرت شؤون أخرى ﴿يخرجكم﴾ أي: يجدد إخراجكم شيئاً بعد شيء ﴿طفلاً﴾ أي: أطفالاً والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم لا تملكون شيئاً ولا تعلمون شيئاً ﴿ثم﴾ يدرجكم في مدارج التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال طوراً بعد طور وحالاً بعد حال ﴿لتبلغوا أشدكم﴾ أي: تكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين وعن الشعبي صغر الغلام لسبع سنين ويحتلم لأربع عشرة وينتهي طوله لإحدى وعشرين وينتهي عقله لثمان وعشرين ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين ﴿ثم﴾ يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول ﴿لتكونوا شيوخاً﴾ ضعفاء غرباء قد ماتت قوتكم ووهنت أركانكم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم الشين والباقون بكسرها ﴿ومنكم من يتوفى﴾ بقبض روحه ﴿من قبل﴾ أي: قبل حال الشيخوخة أو قبل حال
следующие страницы →