← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب أو الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم، أو أمر لرسول الله ﷺ بالمخاطبة، والباقون بياء الغيبة نظراً لقوله تعالى: ﴿إن الذين يجادلون﴾ وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب. ولما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها فقال تعالى: ﴿إن الساعة﴾ أي: القيامة التي يجادل فيها المجادلون ﴿لآتية﴾ أي: للحكم بالعدل بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي بين محسن عبيده ومسيئهم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيها﴾ أي: في إتيانها. ولما حصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلاً نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ أي: لا يصدقون بها وما ذاك إلا لعناد بعضهم ولقصور نظر الباقين على الحس. تنبيه: يأتي قبل قيام الساعة فتن أعظمها فتنة المسيح الدجال فعن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما بين خلق آدم ﵇ إلى قيام الساعة أكبر من خلق الدجال» . معناه أكبر فتنة وأعظم شوكة من الدجال، وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر الدجال فقال: «إنه أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية» ولأبي داود والترمذي عنه قال: قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله تعالى بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: «إني أنذركموه وما من نبي إلا أنذر قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه تعلمون إنه أعور والله سبحانه ليس بأعور» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «ما من نبي إلا وأنذر قومه وأمته الأعور الدجال ألا وأنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر» وفي رواية مسلم: «بين عينيه ك ف ر يقرؤه كل مسلم» . وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله ﷺ في بيتي فذكر الدجال فقال: «إن بين يديه ثلاثة سنين سنة تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله فلا تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت، ومن أشد فتنته أن يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم إني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له مثل إبله كأحسن ما تكون ضروعاً وأسنمة، ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه قالت: ثم خرج رسول الله ﷺ لحاجته ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم فأخذ بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء قلت: يا رسول الله قد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فربي خليفتي على كل مؤمن، قالت: فقلت يا رسول الله: إنا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين حينئذ؟ قال: يجزيهم ما يجزي أهل السماء من التسبيح والتقديس» . وروى البغوي بسنده عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ «يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كاضطرام السعفة في النار» انتهى. والذي جاء في صحيح

стр. 1822

مسلم قالت: قلت يا رسول الله ما مكثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا اقدروا له قدراً، قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح» . وفي رواية أبي داود: «فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جواركم من فتنته» ومنه: «ثم ينزل عيسى ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق فيدركه عند باب لد فيقتله» وعن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مع الدجال إذا خرج ماء وناراً، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء بارد وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى الناس أنه نار فإنه ماء عذب بارد» . وعن أبي هريرة: «ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال ما حدث به نبي قومه إنه أعور وإنه يجيء بمثال الجنة والنار فالتي يقول: إنها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر نوح قومه» وعن المغيرة بن شعبة قال: «ما سأل أحد رسول الله ﷺ عن الدجال أكثر ما سألته وأنه قال لي: ما يضرك قلت إنهم يقولون: أن معه جبال خبز ونهر ماء قال: هو أهون على الله من ذلك» . أي: أهون على الله من أن يجعل ما خلق الله بيده مضلاً للمؤمنين ومشككاً لقلوبهم، بل إنما جعله الله تعالى ليزدادوا إيماناً وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين، وليس معناه ليس معه شيء من ذلك لما مر في الحديث أن معه ماء وناراً وذكر فيه أحاديث كثيرة، وفي هذا القدر تذكرة لأولي الألباب أجارنا الله تعالى وأحبابنا من فتنته آمين. ولما بين تعالى أن القول بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله والتضرع إليه لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات. ولما كان أشق أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به فقال سبحانه: ﴿وقال ربكم﴾ أي: المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة ﴿ادعوني﴾ أي: اعبدوني دون غيري ﴿أستجب لكم﴾ أي: أثبكم وأغفر لكم بقرينة قوله تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون﴾ أي: يوجدون الكبر ﴿عن عبادتي﴾ أي: عن الاستجابة لي فيما دعوت إليه من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي ﴿سيدخلون﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿جهنم﴾ فتلقاهم جزاء على كفرهم بالتجهم والعبوسة والكراهة ﴿داخرين﴾ أي: صاغرين حقيرين ذليلين وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلاً منزلته للمبالغة والمراد بالعبادة: الدعاء فإنه من أبوابها، روي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «الدعاء مخ العبادة» وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يسأل الله تعالى يغضب عليه» ، فإن قيل: أنه ﷺ قال حكاية عن ربه : «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل فكيف من لم يسأل الله يغضب؟ أجيب: بأنه إن كان مستغرقاً في الثناء على الله تعالى فهو أفضل من الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة والاستغراق في معرفة الله تعالى وجلاله أفضل من طلب الجنة وإلا فالدعاء أفضل، وعن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله

стр. 1823

صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «الدعاء هو العبادة» ثم قرأ الآية، فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وقد يدعو الإنسان كثيراً فلا يستجاب له؟ أجاب الكعبي: بأن الدعاء إنما يصح بشرط ومن دعا كذلك أستجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة، ثم سأل نفسه فقال: إن الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما فائدة الدعاء وأجاب عنه بأن فيه الفزع والانقطاع إلى الله تعالى، وأجاب الرازي عن الأول: بأن كل من دعا الله تعالى وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده فهو في الحقيقة ما دعا الله تعالى إلا باللسان وأما القلب فهو يعول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله تعالى، فهذا إنسان ما دعا ربه وأما إذا دعا في وقت لا يكون القلب فيه ملتفتاً إلى غير الله تعالى فالظاهر أنه يستجاب له، وقال القشيري: الدعاء مفتاح الإجابة وأسنانه لقمة الحلال، وقرأ ابن كثير وشعبة بضم ياء سيدخلون وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء. ولما أمر الله تعالى بالدعاء فكأنه قيل الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القادر فقال تعالى مفتتحاً بالاسم الأعظم: ﴿الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿الذي جعل لكم﴾ لا غيره ﴿الليل﴾ أي: مظلماً ﴿لتسكنوا فيه﴾ راحة ظاهرة بالنوم الذي هو الموت الأصغر وراحة حقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة ﴿والنهار مبصراً﴾ لتنظروا فيه باليقظة التي هي إحياء بالمعنى، فالآية من الاحتباك حذف الظلام أولاً لكونه ليس من النعم المقصودة في نفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء المقصود في نفسه، وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل للراحة لمن أرادها والعبادة لمن اعتمدها واستزادها، فإن قيل: هلا قيل بحسب رعاية النظم: هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال جعل لكم الليل ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك فما الحكمة فيه وفي تقديم ذكر الليل؟ أجيب عن الأول: بأن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عدمية فهو غير مقصود بالذات وأما النور واليقظة فأمور وجودية مقصودة بالذات، وقد بين الشيخ عبد القادر في دلائل الإعجاز أن دلالة صيغة الاسم على التمام والكمال أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفرق، وأجيب عن الثاني: بأن الظلمة طبيعة عدمية والنور طبيعة وجودية والعدم في المحدثات مقدم على الوجود فلهذا السبب قال تعالى في سورة الأنعام ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام: ١) . ﴿إن الله﴾ أي: ذا الجلال والإكرام ﴿لذو فضل﴾ أي: عظيم جداً باختياره ﴿على الناس﴾ أي: كافة باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ الله فلا يؤمنون وينسبون أفعاله سبحانه إلى غيره جهلاً ويعلمون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره، فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس﴾ ولم يقل ولكن أكثرهم ولا يكرر ذكر الناس؟ أجيب: بأن في هذا التكرار تخصيصاً لكفران النعمة بهم وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله تعالى ولا يشكرونه كقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لظلوم كفار﴾ (إبراهيم: ٣٤) ولما بين تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال تعالى: ﴿ذلكم﴾ أي:

стр. 1824

أيها المخاطبون ﴿الله﴾ أي: الملك الأعظم المعلوم لكل أحد المتميز عن كل شيء بالأفعال التي لا يشاركه فيها أحد ﴿ربكم﴾ أي: المربي لكم المحسن إليكم ﴿خالق كل شيء﴾ أي: بما ثبت من تمام قدرته لأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية فهي أخبار مترادفة وإذا كان خالق كل شيء ﴿فأنى﴾ أي: فكيف ومن أي وجه ﴿تؤفكون﴾ أي: تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره. ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الصرف البعيد عن مناهج العقلاء ﴿يؤفك﴾ أي: يصرف ﴿الذين كانوا﴾ أي: مطبوعين على أنهم ﴿بآيات الله﴾ أي: ذي الجلال والكمال ﴿يجحدون﴾ أي: ينكرون عناداً ومكابرة. ولما كان دلائل وجوده تعالى إما أن تكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام وذكر منها أحوال الليل والنهار كما تقدم، ذكر أيضاً منها ههنا الأرض والسماء فقال تعالى: ﴿الله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ﴿الذي جعل﴾ أي: وحده ﴿لكم الأرض﴾ أي: مع كونها فراشاً ممهداً ﴿قراراً﴾ مع كونها في غاية الثقل ولا ممسك لها سوى قدرته ﴿والسماء﴾ أي: على علوها وسعتها مع كونها أفلاكاً دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار والأظلام ﴿بناء﴾ مظلة كالقبة من غير عماد وحامل. ثم ذكر دلائل النفس وهي دلالة أحوال بدن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم بقوله تعالى: ﴿وصوركم﴾ والتصوير على غير نظام واحد لا يكون إلا بقدرة قادر تام القدرة مختار ﴿فأحسن صوركم﴾ على أشكال وأحوال مع أنها أحسن الصور ليس في الوجود ما يشبهها لم يخلق الله تعالى حيواناً أحسن صورة من الإنسان كما قال تعالى: ﴿في أحسن تقويم﴾ (التين: ٤) قال ابن عباس ﵄: خلق الإنسان قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده وغير ابن آدم يتناول بفيه. ولما ذكر تعالى المساكن والساكن ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال سبحانه ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ أي: الشهية الملائمة للطباع وقيل: هو ما خلق الله تعالى لعباده من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب، وعن الحسن: أنه قال لما خلق الله تعالى آدم ﵇ وذريته قالت الملائكة ﵈: إن الأرض لا تسعهم قال الله تعالى: فإني جاعل موتاً، قالوا: إذاً لا يهنأ لهم العيش قال تعالى: فإني جاعل أملاً. ولما دل هذا على التفرد قال تعالى على وجه الإنتاج ﴿ذلكم﴾ أي: الرفيع الدرجات ﴿الله﴾ أي: المالك لجميع الملك ﴿ربكم﴾ أي: المحسن إليكم لا غيره ﴿فتبارك﴾ أي: ثبت ثباتاً عظيماً مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض ﴿الله﴾ المختص بالكمال ﴿رب العالمين﴾ كلهم فهو المحسن إليهم بالتربية وغيرها. ثم نبه تعالى بقوله سبحانه: ﴿هو الحي﴾ بما يفيد الحصر بأنه لا حي على الدوام إلا هو ثم نبه تعالى على وحدانيته بقوله سبحانه: ﴿لا إله إلا هو﴾ ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال تعالى: ﴿فادعوه﴾ أي: اعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ أي: من كل شرك جلي أو خفي. ولما كان تعالى موصوفاً بصفات الجلال والعزة استحق لذاته أن يقال له: ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بأوصاف الكمال ﴿لله﴾ أي: المسمى بهذا الاسم الجامع لمجامع معاني الأسماء الحسنى ﴿رب العالمين﴾ أي: الذي رباهم هذه التربية، وقال الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحمدوه، وعن ابن عباس

стр. 1825

رضي الله عنهما: من قال لا إله إلا الله فليقل: على أثرها الحمد لله رب العالمين. ولما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بقوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء الذين يجادلونك في البعث مقابلاً لإنكارهم بالتوكيد ﴿إني نهيت﴾ أي: ممن لا نهي لغيره نهياً عاماً ببراهين العقول ونهياً خاصاً بأدلة النقل ﴿أن أعبد الذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي: الذي له الكمال كله، قال البقاعي: ودل على أنه ما كان متعبداً قبل البعثة بشرع أحد بقوله: ﴿لما جاءني البينات﴾ أي: الحجج وهي ما تقدم من الدلائل الدالة على أن إله العالم قد ثبت كونه موصوفاً بصفات الجلال والعظمة وصريح العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا له وأما الأحجار المنحوتة والأخشاب المصورة فلا تصح أن تكون شركاء له. ثم نبه على أنه تعالى كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكراً لإحسانه بقوله: ﴿من ربي﴾ أي: المربي لي تربية خاصة هي أعلى من كل مخلوق سواي فأنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد. ولما أمره بما ينهى عنه أمره بما يتحلى به فقال: ﴿وأمرت أن أسلم﴾ أي: حين دعي إلى الكفر ﴿لرب العالمين﴾ لأن كل ما سواه مربوب له فالإقبال عليه خسار وإذا نهى ﷺ عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر والناهي هو رب العالمين كان غيره مشاركاً له في ذلك لا محالة. ولما استدل تعالى على إثبات الإلهية بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهار والأرض والسماء، ثم ذكر الليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان؛ أحدهما: حسن الصورة ورزق الطيبات، ذكر النوع الثاني: وهو كيفية تكوين البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً إلى آخر الشيخوخة والموت فقال تعالى: ﴿هو﴾ أي: لا غيره ﴿الذي خلقكم من تراب﴾ أي: بخلق أبيكم آدم ﵇ منه، قال الرازي: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث، والمني مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية كلها منتهية إلى النبات، والنبات إنما يكون من التراب والماء، فثبت أن كل إنسان متكون من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة كما قال تعالى: ﴿ثم من نطفة﴾ أي: من مني ﴿ثم من علقة﴾ أي: دم غليظ متباعد حاله عن حال النطفة كما كان حال النطفة متباعداً عن حال التراب ﴿ثم﴾ بعد أن جرت شؤون أخرى ﴿يخرجكم﴾ أي: يجدد إخراجكم شيئاً بعد شيء ﴿طفلاً﴾ أي: أطفالاً والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم لا تملكون شيئاً ولا تعلمون شيئاً ﴿ثم﴾ يدرجكم في مدارج التربية صاعدين بالقوة في أوج الكمال طوراً بعد طور وحالاً بعد حال ﴿لتبلغوا أشدكم﴾ أي: تكامل قوتكم من الثلاثين سنة إلى الأربعين وعن الشعبي صغر الغلام لسبع سنين ويحتلم لأربع عشرة وينتهي طوله لإحدى وعشرين وينتهي عقله لثمان وعشرين ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين ﴿ثم﴾ يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول ﴿لتكونوا شيوخاً﴾ ضعفاء غرباء قد ماتت قوتكم ووهنت أركانكم، وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم الشين والباقون بكسرها ﴿ومنكم من يتوفى﴾ بقبض روحه ﴿من قبل﴾ أي: قبل حال الشيخوخة أو قبل حال

стр. 1826

الأشدية أو قبل هذه الأحوال إذا خرج. تنبيه: قوله تعالى: ﴿لتبلغوا أشدكم﴾ متعلق قال الزمخشري: بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا أشدكم وكذلك لتكونوا وأما قوله: ﴿ولتبلغوا﴾ أي: كل واحد منكم ﴿أجلاً مسمى﴾ فمعناه ويفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى وهو وقت الموت وقيل: يوم القيامة ﴿ولعلكم تعقلون﴾ أي: ما في ذلك من العبر والحجج وتستدلون بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى. ولما ذكر تعالى انتقال الأجسام من كونها تراباً إلى أن بلغت الشيخوخة واستدل بهذه التقديرات على وجود الإله القادر أنتج قوله تعالى: ﴿هو﴾ أي: لا غيره ﴿الذي يحيي ويميت﴾ كما تشاهدونه في أنفسكم فكما أن الانتقال من صفة إلى صفة أخرى من الصفات المتقدمة يدل على الإله القادر فكذلك الانتقال من الحياة إلى الموت وبالعكس يدل على الإله القادر. ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة تسبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿فإذا قضى أمراً﴾ أي أراد أي: أمر كان من القيامة أو غيرها ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة، وقرأ ابن عامر بنصب النون والباقون بالرفع وتقدم توجيه ذلك في سورة البقرة، ثم إنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في آيات الله مخاطباً بذلك نبيه ﷺ فقال: ﴿ألم تر﴾ أي: يا أنور الناس قلباً وأصفاهم لباً ﴿إلى الذين يجادلون﴾ أي: بالباطل ﴿في آيات الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿أني﴾ أي: كيف ومن أي وجه ﴿يصرفون﴾ أي: عن التصديق وتكرير ذم المجادلة بتعدد المجادل والمجادل فيه أو للتوكيد وقوله تعالى: ﴿الذين كذبوا﴾ يجوز أن يكون بدلاً من الموصول قبله أو بياناً أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوباً على الذم ﴿بالكتاب﴾ أي: بسببه في جمع ما له من الشؤون التي تفوق الحصر وهو القرآن أو بجنس الكتب السماوية ﴿وبما أرسلنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿به رسلنا﴾ أي: من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله تعالى: ﴿فسوف يعلمون﴾ أي: بوعد صادق لا خلف فيه ما يحل بهم من سطواتنا وقوله تعالى: ﴿إذِ الأغلال في أعناقهم﴾ ظرف ليعلمون، فإن قيل: سوف للاستقبال وإذ للماضي فهو مثل قولك سوف أصوم أمس؟ أجيب: بأن المعنى على إذا إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار الله تعالى متيقنة مقطوعاً بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد والمعنى على الاستقبال قالوا وكما تقع إذا موقع إذ في قوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها﴾ (الجمعة: ١١) كذلك تقع إذ موقعها وقوله تعالى: ﴿والسلاسل﴾ عطف على الأغلال، فتكون في الأعناق، والسلسلة معروفة، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره في أرجلهم وخبره ﴿يسحبون﴾ والعائد محذوف أي: بها والسحب الجر بعنف، والسحاب من ذلك لأن الريح تجره أو أنه يجر الماء ﴿في الحميم﴾ أي: الماء الحار الذي يكسب الوجوه سواداً والأعراض عاراً والأرواح عذاباً والأجسام ناراً ﴿ثم في النار يسجرون﴾ أي: يلقون فيها وتوقد بهم مكردسين كما يسجر التنور بالحطب، كما قال تعالى: ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ (البقرة: ٢٤) والسجير الخليل الذي يسجر في مودة خليله، كقولهم: فلان يحترق في مودة فلان، هذه كيفية عقابهم. ﴿ثم قيل لهم﴾ تبكيتاً أي: بعد أن طال عذابهم وبلغ منهم كل مبلغ ولم يجدوا

стр. 1827

ناصراً يخلصهم ولا شافعاً يخصصهم ﴿أين﴾ وأكد التعبير عنهم بأداة ما لا يعقل في قوله تعالى: ﴿ما كنتم﴾ أي: دائماً ﴿تشركون﴾ ﴿من دون الله﴾ أي: معه وهي الأصنام ﴿قالوا ضلوا﴾ أي: غابوا ﴿عنا﴾ فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا عما ينفعنا وذلك قبل أن تقرن آلهتهم أو ضاعوا عنا فلم نجد منهم ما كنا نتوقع منهم ﴿بل لم نكن ندعو﴾ أي: لم يكن ذلك في طباعنا ﴿من قبل﴾ أي: قبل هذه الإعادة ﴿شيئاً﴾ لنكون قد أشركنا به أنكروا عبادتهم إياها كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ (الأنعام: ٢٣) وقال الحسن بن الفضل: أي: لم نكن نصنع من قبل شيئاً، أي: ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله ما كنت أعمل شيئاً ثم يقرنون بآلهتهم كما قال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (الأنبياء: ٩٨) أي: وقودها ﴿كذلك﴾ أي: مثل إضلال هؤلاء المكذبين ﴿يضل الله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة عن القصد النافع من حجة وغيرها ﴿الكافرين﴾ أي: الذين ستروا مرائي بصائرهم لئلا ينجلي فيها الحق ثم صار لهم ذلك ديدناً. ﴿ذلكم﴾ أي: الجزاء العظيم ﴿بما كنتم﴾ أي: دائماً ﴿تفرحون﴾ أي: تبالغون في السرور وتستغرقون فيه ﴿في الأرض بغير الحق﴾ من الإشراك وإنكار البعث فأشعر ذلك أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال هذه الحقيقة وهي الثبات دائماً للمفروح به وذلك لا يكون إلا في الجنة ﴿وبما﴾ أي: وبسبب ما ﴿كنتم تمرحون﴾ أي: تبالغون في الفرح مع الأشر والبطر والنشاط الموجب للاختيال والتبختر والخفة بعدم احتمال الفرح. تنبيه: قوله تعالى: ﴿تفرحون وتمرحون﴾ من باب التحنيس المحرف وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف. ولما كان السياق لذم الجدال وكان الجدال إنما يكون عن الكبر قال تعالى: ﴿ادخلوا﴾ أي: أيها المكذبون ﴿أبواب جهنم﴾ أي: الأبواب السبعة المقسومة لكم قال تعالى: ﴿لها سبعة أبواب﴾ (الحجر: ٤٤) لكل باب منهم جزء مقسوم، وسميت: جهنم لأنها تلقى صاحبها بتكبر وعبوس وتجهم ﴿خالدين فيها﴾ أي: مقدرين الخلود ﴿فبئس مثوى﴾ أي: مأوى ﴿المتكبرين﴾ أي: عن الحق والمخصوص بالذم محذوف أي: مثواكم، فإن قيل: كان قياس النظم أن يقول: فبئس مدخل المتكبرين كما تقول: زرت بيت الله فنعم المزار وصليت في المسجد فنعم المصلى؟ أجيب: بأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم المثوى فلذلك خصه بالذم وإن كان الدخول أيضاً مذموماً. ولما زيف تعالى طريقة المجادلين في آيات الله أمر نبيه ﷺ بالصبر بقوله: ﴿فاصبر﴾ أي: على أذاهم بسبب المجادلة وغيرها ﴿إن وعد الله﴾ أي: الجامع لصفات الكمال ﴿حق﴾ أي: بنصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه ﴿فإما نرينك﴾ قال الزمخشري: أصله فإن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ولذلك ألحقت النون بالفعل ألا تراك لا تقول: إن تكرمني أكرمك ولكن إما تكرمني أكرمك، قال أبو حيان: وما ذكره من تلازم النون وما الزائدة ليس مذهب سيبويه إنما هو مذهب المبرد والزجاج ونص سيبويه على التخيير ﴿بعض الذي نعدهم﴾ به من العذاب في حياتك وجواب الشرط محذوف أي: فذاك ﴿أو نتوفينك﴾ أي: قبل تعذيبهم ﴿فإلينا يرجعون﴾ أي: فنعذبهم أشد العذاب فالجواب المذكور للمعطوف فقط. ﴿ولقد أرسلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿رسلاً﴾

стр. 1828

أي: بكثرة ﴿من قبلك﴾ إلى أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به ﴿منهم من قصصنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿عليك﴾ أي: أخبارهم وأخبار أممهم ﴿ومنهم من لم نقصص عليك﴾ لا أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ذكرناهم لك بأسمائهم وإن كان لنا العلم التام والقدرة الكاملة، روي أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل وأربعة آلاف من سائر الناس ﴿وما﴾ أي: أرسلناهم والحال أنه ما ﴿كان لرسول﴾ أصلاً ﴿أن يأتي بآية﴾ أي: ملجئة أو غير ملجئة مما يطلب الرسول استعجالاً لاتباع قومه له أو اقتراحاً من قومه عليه ﴿إلا بإذن الله﴾ أي: بأمره وتمكينه فإن له الإحاطة بكل شيء فلا يخرج شيء عن أمره وهم عبيد مربوبون. تنبيه: معنى الآية أن الله تعالى قال لنبيه محمد ﷺ أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس منهم أحد أعطاه الله آيات ومعجزات إلا وقد جادله قومه وكذبوه فيها فصبروا وكانوا أبداً يقترحون على أنبيائهم ﵈ إظهار المعجزات الزائدة على الحاجة عناداً وعبثاً، وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى والله سبحانه علم الصلاح في إظهار ما أظهروه دون غيره ولم يقدح ذلك في نبوتهم، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جرم ما أظهرناها ﴿فإذا جاء أمر الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً بنزول العذاب على الكفار ﴿قُضِي﴾ أي: بأمره على أيسر وجه وأسهله بين الرسل ومكذبيهم ﴿بالحق﴾ الأمر الثابت ﴿وخسر هنالك﴾ أي: في ذلك الوقت العظيم ﴿المبطلون﴾ أي: المنسوبون إلى إيثار الباطل على الحق المعاندون الذين يجادلون في آيات الله، فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبثاً، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وأبدلاها أيضاً ألفاً، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين. ولما ذكر الله تعالى الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله القادر الحكيم، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد فقال تعالى: ﴿الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿الذي جعل لكم﴾ أي: لا غيره ﴿الأنعام﴾ أي: الأزواج الثمانية بالتذلل والتسخير، وقال الزجاج: الأنعام الإبل خاصة ﴿لتركبوا منها﴾ وهي الإبل مع قوتها ونفرتها وقد تركب البقر أيضاً ﴿ومنها﴾ أي: من الأنعام كلها ﴿تأكلون﴾ ولما كان التصرف فيها غير منضبط أجمله بقوله تعالى: ﴿ولكم فيها﴾ أي: كلها ﴿منافع﴾ أي: كثيرة بغير ذلك من الدر والوبر والصوف وغيرها ﴿ولتبلغوا عليها﴾ وهي في غاية الذل والطواعية ونبههم على نقصهم وعظم نعمته عليهم بقوله تعالى: ﴿حاجة﴾ أي: جنس الحاجة، وقوله تعالى: ﴿في صدوركم﴾ إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها قلوب الجميع حتى فاضت منها فملأت مساكنها ﴿وعليها﴾ أي: الإبل في البر ﴿وعلى الفلك﴾ أي: في البحر ﴿تحملون﴾ أي: تحملون أمتعتكم الثقيلة من مكان إلى مكان آخر وأما حمل الإنسان نفسه فقد مر بالركوب، فإن قيل: لِمَ لم يقل وفي الفلك كما قال تعالى في سورة هود: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾ (هود: ٤٠) أجيب: بأن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع على الفلك كما صح أن يقال وضع فيه صح أن يقال وضع عليه، ولما صح

стр. 1829

الوجهان كانت لفظة على أولى حتى تتم المزاوجة في قوله تعالى ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ (المؤمنون: ٢٢) وقال بعضهم: أن لفظ فيها هناك أليق لأن سفينة نوح ﵇ كما قيل مسبقة عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح لأن الناس على ظهرها. ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها الله مشتملة على آيات كثيرة قال تعالى: ﴿ويريكم﴾ أي: في كل لحظة ﴿آياته﴾ أي: دلائل قدرته ﴿فأي آيات الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال الدالة على وحدانيته ﴿تنكرون﴾ حتى تتوجه لكم المجادلة في آياته وهذا استفهام توبيخ. تنبيه: أي: منصوب بتنكرون وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام وتذكيره أشهر من تأنيثه، قال الزمخشري: وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهو في أي: أغرب لإبهامه، قال أبو حيان: ومن قلة تأنيث أي: قول الشاعر: *بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حبهم عاراً علي وتحسب* قال ابن عادل: وقوله وهو في أي أغرب إن عني أياً على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيض في النداء أن تؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ (الفجر: ٢٧) ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يا أيها المرأة إلا صاحب «البديع في النحو» وإن عني غير المناداة فكلامه صحيح، يقل تأنيثها في الاستفهام وموصولة وشرطية. ولما وصل الأمر إلى حد من الوضوح لا يخفى على أحد تسبب عنه لفت الخطاب عنهم دلالة على الغضب الموجب للعقاب المقتضي للرهب فقال تعالى: ﴿أفلم يسيروا﴾ أي: هؤلاء الذين هم أضل من الإنعام، لما حصل في صدورهم من الكبر العظيم طلباً للرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه ﴿في الأرض﴾ أي أرض كانت سير اعتبار ﴿فينظروا﴾ نظر تفكر فيما سلكوه من سبلها ونواحيها ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر ﴿الذين من قبلهم﴾ أي: مع قرب الزمان والمكان أو بعد ذلك ﴿كانوا أكثر منهم﴾ عَدداً وعُدداً ومالاً وجاهاً ﴿وأشد قوة﴾ في الأبدان كقوم هود ﵇ وبناء ﴿وآثاراً في الأرض﴾ بنحت البيوت في الجبال وحفر الآبار وبناء المصانع الجليلة وغير ذلك ﴿فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون﴾ بقوة أبدانهم وعظم عقولهم واحتيالهم وما رتبوا من المصانع لنجاتهم حين جاءهم الموت بل كانوا كأمس الذاهب. تنبيه: ما الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به. ﴿فلما جاءتهم رسلهم﴾ أي: الذين قد أرسلناهم إليهم وهم يعرفون صدقهم وأماناتهم ﴿بالبينات﴾ أي: المعجزات الظاهرات الدالة على صدقهم لا محالة واختلف في عود ضمير فرحوا في قوله تعالى: ﴿فرحوا بما عندهم من العلم﴾ على وجهين؛ أحدهما: أنه عائد إلى الكفار واختلف في ذلك العلم الذي فرحوا به فقيل: هو الأشياء التي كانوا يسمونها علماً وهي الشبهات المحكية عنهم في القرآن كقولهم: ﴿ما يهلكنا إلا الدهر﴾ (الجاثية: ٢٤) وقولهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ (الأنعام: ١٤٨) وقولهم: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ (يس: ٧٨) ﴿ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً﴾ (الكهف: ٣٦) فكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء كما قال تعالى: ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (الروم: ٣٢) وقيل: المراد علم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله تعالى دفعوه وصغروا علوم الأنبياء

стр. 1830

عن علومهم، كما روي عن بقراط أنه سمع بمجيء بعض الأنبياء ﵈ فقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل: المراد علمهم بأمر الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها كقوله تعالى: ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ذلك مبلغهم من العلم﴾ (النجم: ٢٩ ـ ٣٠) فلما جاءت الرسل ﵈ بعلوم الديانات ومعرفة الله ومعرفة المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزؤوا بها واعتقدوا أن لا علم أنفع وأجلب للفوائد من علمهم ففرحوا به، ويجوز أن يكون المراد علم الأنبياء وفرح الكفار به ضحكهم واستهزاؤهم به ويؤيده قوله تعالى: ﴿وحاق﴾ أي: أحاط على وجه الشدة ﴿بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ أي: من الوعيد الذي كانوا قاطعين ببطلانه، والوجه الثاني: أنه عائد على الرسل وفيه وجهان؛ أحدهما: أن تفرح الرسل إذا رأوا من قوم جهلاً كاملاً وإعراضاً عن الحق وعلموا سوء غفلتهم وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله تعالى وحاق بالجاهلين جزاء جهلهم واستهزائهم، الثاني: أن المراد أن الرسل فرحوا بما عند الكفار من العلم فرح ضحك واستهزاء. ﴿فلما رأوا﴾ أي: عاينوا ﴿بأسنا﴾ أي: عذابنا الشديد ومنه قوله تعالى: ﴿بعذاب بئيس﴾ (الأعراف: ١٦٥) ﴿قالوا آمنا بالله﴾ أي: الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز ونفوذ الكلمة ﴿وحده﴾ لا نشرك به شيئاً ﴿وكفرنا بما كنا﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿به مشركين﴾ يعنون الأصنام أي: لأنا علمنا أنه لا يغني من دون الله شيء. ولما كان الكفر بالغيب سبباً لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم﴾ أي: لم يصح ولم يقبل بوجه من الوجوه ﴿إيمانهم﴾ أي: لا يتجدد لهم نفعه بعد ذلك لأنه إيمان الجاء واضطرار، لا إيمان طواعية واختيار ﴿لما رأوا﴾ وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب فقال تعالى شأنه: ﴿بأسنا﴾ أي: عذابنا لامتناع قبول الإيمان حينئذ لأنه لا يتحقق ولا يتصور إلا مع الغيب، وأما عند الشهادة فقد كشفت سريرته على انه قد فاتت حقيقته وصورته، ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه، فإن قيل: أي: فرق بين قوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم﴾ وبينه، لو قيل فلم ينفعهم إيمانهم؟ أجيب: بأنه من كان في نحو قوله تعالى: ﴿ما كان الله أن يتخذ من ولد﴾ (مريم: ٣٥) والمعنى فلم يصح ولم يستقم أن ينفعهم إيمانهم. فإن قيل: كيف ترادفت هذه الفاءات؟ أجيب: بأن قوله تعالى: ﴿فما أغنى عنهم﴾ نتيجة قوله تعالى: ﴿كانوا أكثر منهم﴾ وأما قوله تعالى: ﴿فلما جاءتهم رسلهم﴾ فجار مجرى البيان والتفسير لقوله تعالى: ﴿فما أغنى عنهم﴾ كقولك رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء وقوله تعالى ﴿فلما رأوا بأسنا﴾ تابع لقوله تعالى: ﴿فلما جاءتهم﴾ كأنه قال: فكفروا فلما رأوا بأسنا آمنوا فكذلك فلم يك ينفعهم إيمانهم تابع لإيمانهم لما رأوا بأس الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿سنت الله﴾ أي: الملك الأعظم، يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة أي: الذي فعله الله تعالى بهم سنة سابقة من الله تعالى ويجوز انتصابها على التحذير أي: احذروا سنة الله تعالى في المكذبين ﴿التي قد خلت في عباده﴾ وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولم ينفعهم إيمانهم. فائدة: رسمت سنة بتاء مجرورة ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو

стр. 1831

والكسائي بالهاء، والباقون بالتاء، وأمال الكسائي الهاء في الوقف ﴿وخسر﴾ أي: هلك أي: تحقق وتبين أنه خسر ﴿هنالك الكافرون﴾ أي: العريقون في هذا الوصف فلا انفكاك بينهم وبين الكفر. تنبيه: هنالك في الأصل اسم مكان قيل: استعير هنا للزمان ولا حاجة له فالمكانية فيه ظاهرة، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبي ﷺ «من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له» حديث موضوع. وعن ابن سيرين رأى رجل في المنام سبع جوار حسان في مكان واحد لم ير أحسن منهن فقال لهن: لمن أنتن فقلن لمن يقرأ آل حم. سورة حم فصلت مكية وتسمى فصلت وهي أربع وخمسون آية وسبعمائةوتسعة وتسعون كلمة وثلاثة آلاف وثلاثمئة وخمسون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي له أوصاف الكمال ﴿الرحمن﴾ الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً ﴿الرحيم﴾ الذي فصل الكتاب تفصيلاً وبينه غاية البيان، وتقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿حم﴾ ثم إن جعلتها اسماً للسورة كانت في موضع الابتداء وخبره. ﴿تنزيل من الرحمن الرحيم﴾ وإن جعلتها تعديداً للحروف كان تنزيل خبر المبتدأ محذوف أي: هذا تنزيل وقال الأخفش: تنزيل رفع بالابتداء وخبره. ﴿كتاب﴾ فصلت، وجرى على ذلك الجلال المحلي ﴿فصلت﴾ أي: بينت ﴿آياته﴾ بالأحكام والقصص والمواعظ بياناً شافياً في اللفظ والمعنى حال كونه ﴿قرآناً﴾ أي: جامعاً مع التفصيل وهو مع جمع اللفظ وضبطه منثور اللؤلؤ منتشر المعاني لا إلى حد ولا نهاية عد بل كلما دقق النظر جل المفهوم، ولذلك قال تعالى: ﴿عربياً﴾ لأن لسان العرب أوسع الألسن ساحة وأعمقها عمقاً وأغمرها باحة وأرفعها بناء وأفصحها لفظاً وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعاً، وفي ذلك امتنان لسهولة قراءته وفهمه، وقوله تعالى: ﴿لقوم يعملون﴾ أي: العربية أو لأهل العلم وهو النظر وهو متعلق بفصلت أي: فصلت لهؤلاء وبينت لهم لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت مفصلة في نفسها لجميع الناس، أو بمحذوف صفة لقرآناً أي: كائناً لهؤلاء خاصة لما تقدم من المعنى. تنبيه: حكم الله تعالى على هذه السورة بأشياء أولها: كونها تنزيلاً والمراد المنزل والتعبير عن المفعول بالمصدر مجاز مشهور كقولك هذا بناء الأمير أي: مبنيه وهذا الدرهم ضرب السلطان أي: مضروبه ومعنى كونها منزلة أن الله تعالى كتبها في اللوح المحفوظ وأمر جبريل ﵇ أن يحفظ الكلمات ثم ينزل بها على محمد ﷺ ويؤديها إليه، فلما حصل تفهم هذه الكلمات بواسطة جبريل ﵇ سمي لذلك تنزيلاً. وثانيها: كون ذلك التنزيل من الرحمن الرحيم، وذلك يدل على أن ذلك التنزيل نعمة عظيمة من الله تعالى لأن الفعل المقرون بالصفة لابد وأن يكون مناسباً لتلك الصفة، فكونه تعالى رحماناً رحيماً صفتان دالتان على كمال الرحمة والتنزيل المضاف إلى هاتين الصفتين لا بد وأن يكون دالاً على أعظم وجوه الرحمة والنعمة، والأمر كذلك لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى

стр. 1832

والمحتاجين والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النعم من الله تعالى على أهل هذا العالم إنزال القرآن عليه. وثالثها: كونه كتاباً وهذا الاسم مشتق من الكتب وهو الجمع، فسمي كتاباً لأنه جمع فيه علوم الأولين والآخرين. ورابعها: قوله تعالى ﴿فصلت آياته﴾ أي: ميزت وجعلت تفاصيل في معان مختلفة فبعضها وصف ذات الله تعالى وصفات التنزيه والتقديس وشرح كمال قدرته وعلمه وحكمته ورحمته وعجائب أحوال خلقه من السموات والكواكب وتعاقب الليل والنهار وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وبعضها في المواعظ والنصائح، وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس، وبعضها في قصص الأنبياء ﵈ وتواريخ الماضين وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن. وخامسها: قوله تعالى: ﴿قرآناً﴾ وقد مر توجيه هذا الاسم. وسادسها: قوله تعالى: ﴿عربياً﴾ أي: إنما نزل بلغة العرب ويؤيده قوله تعالى ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ (إبراهيم: ٤) وسابعها: قوله تعالى: ﴿لقوم يعلمون﴾ أي: جعلناه قرآناً لأجل أنا أنزلناه على قوم عرب بلغتهم ليفهموا منه المراد، وثامنها وتاسعها: قوله تعالى: ﴿بشيراً﴾ أي: لمن اتبع ﴿ونذيراً﴾ أي: لمن امتنع وانقطع، وعاشرها: قوله تعالى ﴿فأعرض أكثرهم﴾ أي: عن تدبره وقبولهم ﴿فهم﴾ لذلك ﴿لا يسمعون﴾ أي: يفعلون فعل من لم يسمع لأنهم لا يسمعون سماع تأمل وطاعة فهذه صفات عشر وصف الله تعالى القرآن بها. واحتج القائلون بخلق القرآن بهذه الآية من وجوه أولها: أنه تعالى وصف القرآن بكونه منزلاً وتنزيلاً والمنزل والتنزيل مشعر بالتغيير من حال إلى حال فوجب أن يكون مخلوقاً، ثانيها: أن التنزيل مصدر هو المفعول المطلق باتفاق النحويين، ثالثها: أن المراد بالكتاب إما الكتاب وهو المصدر الذي هو المفعول المطلق وإما المكتوب الذي هو المفعول، رابعها: أن قوله تعالى: ﴿فصلت آياته﴾ يدل على أن متصرفاً تصرف فيه بالتفصيل وذلك لا يليق بالقديم، خامسها: إنما سمي قرآناً لأنه قرن بعض أجزائه ببعض وذلك يدل على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل، سادسها: وصفه بكونه عربياً وإنما صحت هذه النسبة لأن هذه الألفاظ إنما دلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب واصطلاحاتهم وما حصل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بد وأن يكون محدثاً ومخلوقاً. وأجاب أهل السنة بأن كل هذه الوجوه المذكورة عائدة إلى اللغات وإلى الحروف والكلمات وهي حادثة، وذهب قوم إلى أن في القرآن من سائر اللغات كالاستبرق والسجل فإنهما فارسيان والمشكاة فإنها حبشية والقسطاس فإنه من لغة الروم وهذا فاسد لقوله تعالى: ﴿قرآناً عربياً﴾ وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ (إبراهيم: ٤) ولما وصف الله تعالى القرآن بأنهم أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه بين أنهم صرحوا بهذه النفرة، وذكر ثلاثة أشياء مذكورة عنهم في قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾ أي: عند إعراضهم ممثلين في عدم قبولهم ﴿قلوبنا في أكنة﴾ أي: أغشية محيطة بها والأكنة جمع كنان كأغطية جمع غطاء والكنان هو الذي تجعل فيه السهام والمعنى لانفقه ما تقول ﴿مما تدعونا﴾ أيها المخبر بأنه نبي ﴿إليه﴾ فلا

стр. 1833

سبيل إلى الوصول إليها لتفقه أصلاً، فإن قيل: هلا قالوا على قلوبنا أكنة كما قالوا: ﴿وفي آذاننا﴾ أي: التي نسمع بها وهي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب ﴿وقر﴾ أي: ثقل قد أصمها عن سماعه ليكون على نمط واحد؟ أجيب: بأنه على نمط واحد لأنه لا فرق في المعنى بين قولك قلوبنا في أكنة وعلى قلوبنا أكنة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا على قلوبهم أكنة﴾ (الكهف: ٥٧) ولو قيل: إنا جعلنا قلوبهم في أكنة لم يختلف المعنى، والمعنى: إنا في ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ أي: حاجز من جبل أو نحوه فلا تلاقي ولا ترائي ﴿فاعمل﴾ أي: على دينك ﴿إننا عاملون﴾ على ديننا أو فاعمل في إبطال أمرنا إننا عاملون في إبطال أمرك، فإن قيل: هل لزيادة من في قولهم من بيننا وبينك حجاب فائدة؟ أجيب: بنعم لأنهم لو قالوا وبيننا وبينك حجاب لكان المعنى أن حجاباً حاصل وسط بين الجهتين، وإما بزيادة من، فالمعنى أن الحجاب ابتداء منا وابتداء منك فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك كلها مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. ولما أخبروا بإعراضهم وعللوا بعدم فهمهم لما يدعو إليه أمر الله نبيه محمداً ﷺ بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ما ينادى عليهم بالعجز ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ أي: لست غير بشر مما لا يرى كالملك والجني بل واحد منكم والبشر يرى بعضهم بعضاً ويسمعه ويبصره فلا وجه لما تقولونه أصلاً ﴿يوحى إلي﴾ أي: بطريق تخفى عليكم ولولا الوحي ما دعوتكم ﴿أنما إلهكم﴾ أي: الذي يستحق العبادة ﴿إله واحد﴾ لا غير واحد، وهذا ما دلت عليه الفطرة الأولى السوية وقامت عليه الأدلة العقلية وأيدتها في كل عصر الطرق النقلية وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورة النفسانية، قال الحسن: علمه الله تعالى التواضع. ولما قطع حجتهم وأزال علتهم تسبب عن ذلك قوله ﷺ ﴿فاستقيموا إليه﴾ أي: غير معوجين أصلاً على نوع شرك بشفيع ولا غيره، وعدى بإلى لتضمنه معنى توجهوا والمعنى: وجهوا استقامتكم إليه بطاعته ولا تميلوا عن سبيله ﴿واستغفروه﴾ أي: اطلبوا منه غفران ذنوبكم وهو محوها عيناً وأثراً حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها والإقلاع عنها حالاً ومآلاً، ثم هدد على ذلك فقال: ﴿وويل﴾ كلمة عذاب أو واد في جهنم ﴿للمشركين﴾ أي: من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله تعالى. ﴿الذين لا يؤتون الزكاة﴾ أي: لبخلهم وعدم إشفاقهم على الخلق وذلك من أعظم الرذائل ﴿وهم بالآخرة﴾ أي: الحياة التي بعد هذه ولا بعد لها ﴿هم كافرون﴾ واحتج من قال إنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بهذه الآية فقالوا: إن الله تعالى توعدهم بأمرين أحدهما: كونهم مشركين والثاني: لا يؤتون الزكاة، فوجب أن يكون لكل واحد من هذين تأثير في حصول الوعيد وذلك يدل على أن لعدم إيتاء الزكاة مع الشرك تأثيراً عظيماً في زيادة الوعيد وهو المطلوب، فإن قيل: لِمَ خص تعالى من أوصاف المشركين منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة؟ أجيب: بأن أحب شيء إلى الإنسان ماله وهو شقيق روحه فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على ثباته واستقامته

стр. 1834

وصدق نيته ونصوح طويته ألا ترى قوله تعالى: ﴿ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً من أنفسهم﴾ (البقرة: ٢٦٥) أي: يثبتون أنفسهم ويدلون على ثباتها بإنفاق الأموال وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا فقرت عصبيتهم ولانت شكيمتهم، وأهل الردة بعد رسول الله ﷺ ما تظاهروا إلا بمنع الزكاة فنصبت لهم الحروب وجوهدوا، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة وتخويف شديد في منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين وقرن بالكفر بالآخرة، وقال ابن عباس: هم الذين لا يقولون لا إله إلا الله وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد، وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بالزكاة ولا يرون إيتاءها واجباً وكان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك. وقال الضحاك ومقاتل: لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون، وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم. ولما ذكر تعالى ما للجاهلين وعيداً وتحذيراً ذكر ما لأضدادهم وعداً وتبشيراً فقال تعالى مجيباً لمن تشوق لذلك مؤكداً لإنكار من ينكره: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي: بما آتاهم الله تعالى من العلم النافع ﴿وعملوا الصالحات﴾ من الزكاة وغيرها من أنواع الطاعات ﴿لهم أجر﴾ أي: عظيم ﴿غير ممنون﴾ أي: غير مقطوع جزاء على سماحهم بالفاني اليسير من أموالهم في الزكاة وغيرها وما أمر الله تعالى من أقوالهم وأفعالهم في الآخرة والدنيا، والممنون المقطوع من مننت الحبل إذا قطعته ومنه قولهم قد منّه السفر أي: قطعه، وقال مقاتل: غير منقوص، ومنه المنون لأنه ينقص من الإنسان وقوته، وأنشدوا لذي الإصبع العدواني: *إني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق ولا أجري بممنون* وقيل: غير ممنون به عليهم لأن عطاء الله تعالى لا يمن به إنما يمن المخلوق، وقال السدي: نزلت في المرضى والزمنى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كما صح ما كانوا يعملون فيه، روى عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً حتى أطلقه أو ألفته إلي» . ولما ذكر سفههم في كفرهم بالآخرة، شرع في ذكر الأدلة على قدرته عليها وعلى كل ما يريد كخلق الأكوان وما فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم من الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا شريك له، فقال منكراً عليهم ومقرراً بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق: ﴿قل﴾ يا أشرف الرسل لمن أنكر الخلق منكراً عليه بقولك: ﴿أئنكم﴾ وأكد لإنكارهم التصريح بما يلزمهم من الكفر بقوله تعالى: ﴿لتكفرون﴾ أي: توجدون حقيقة الستر لأنوار العقول الظاهرة ﴿بالذي خلق الأرض﴾ أي: على سعتها وعظمها من العدم ﴿في يومين﴾ فتنكرون قدرته على إعادة ما خلقه منها ابتداء مع اعترافكم بأنه ابتدأ خلقها وخلق ذلك منها وهذان اليومان الأحد والاثنين كما قاله ابن عباس وعبد الله بن سلام، قال ابن الجوزي والأكثرون قال ابن عباس: إن الله خلق يوماً فسماه الأحد ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء ثم خلق خامساً فسماه الخميس، فخلق الله الأرض في يوم

стр. 1835

الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل، وخلق مواضع الأنهار والشجر والقرى يوم الأربعاء، وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس، وخلق الإنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم السبت ولكن، في حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار فيما بين العصر إلى الليل» ، فإن قيل: الأيام إنما كانت بدوران الأفلاك وإنما كان ذلك بعد تمام الخلق بالفعل؟ أجيب: بأن المراد في مقدار يومين أو نوبتين، خلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون، قال البيضاوي: ولعل المراد من الأرض ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة، ومن خلقها في يومين أنه خلق لها أصلاً مشتركاً ثم خلق لها صوراً بها صارت أنواعها، وكفرهم به إلحادهم في ذاته تعالى وصفاته، وقرأ قالون وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام وأدخلوا بين الهمزة المحققة والمسهلة ألفاً، وورش وابن كثير بتسهيل الثانية من غير إدخال، والباقون بتحقيقهما من غير إدخال. ولما ذكر كفرهم بالبعث وغيره عطف على تكفرون قوله تعالى: ﴿وتجعلون﴾ أي: مع هذا الكفر ﴿له أنداداً﴾ من الخشب المنجور ومن الحجر المنحوت شركاء في المعبودية ولما بكَّتهم على قبح معتقدهم عظَّم ذلك بتعظيم شأنه سبحانه فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الإله العظيم ﴿رب العالمين﴾ أي: موجدهم ومربيهم وذلك يدل قطعاً على جميع ما له من صفات الكمال. ولما ذكر تعالى ما هم به مقرون من إبداعها أتبعه بثلاثة أنواع من الصنع العجيب والفعل البديع بعد ذلك: فالأول: قوله تعالى: ﴿وجعل فيها رواسي﴾ أي: جبالاً ثوابت، وهو مستأنف ولا يجوز عطفه على صلة الموصول للفصل بينهما بأجنبي وهو قوله تعالى: ﴿وتجعلون﴾ فإنه معطوف على لتكفرون كما مر، فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿من فوقها﴾ ولم يقتصر على قوله: ﴿وجعل فيها رواسي﴾ كما اقتصر على قوله تعالى: ﴿وجعلنا فيها رواسي شامخات﴾ (المرسلات: ٢٧) وقوله تعالى: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ (فصلت: ١٠) وقوله تعالى: ﴿وجعل فيها رواسي﴾ ؟ أجيب: بأنه تعالى لو قال وجعل لها رواسي من تحتها لأوهم ذلك أن تلك الأساطين التحتانية هي التي أمسكت هذه الأرض الثقيلة عن النزول، ولكنه تعالى قال: جعلت هذه الجبال الثقال فوق الأرض ليرى الإنسان بعينه أن الأرض والجبال الثقال على أثقال، وكلها مفتقرة إلى ممسك وحافظ، وما ذاك الحافظ المدبر إلا الله تعالى. ولما هيأ الأرض لما يراد منها ذكر ما أودعها، وهو النوع الثاني: بقوله تعالى: ﴿وبارك فيها﴾ أي: بما خلق من البحار والأنهار والأشجار والثمار وغير ذلك، وقال ابن عباس: يريد شق الأنهار وخلق الجبال وخلق الأشجار والنار وخلق أصناف الحيوانات وكل ما يحتاج إليه من الحيوانات، النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿وقدر فيها أقواتها﴾ أي: أقوات أهلها بأن عيّن لكل نوع ما يصلحه ويغني به، وقال محمد بن كعب: قدر الأقوات قبل أن يخلق الخلق والأبدان

стр. 1836

أي: أقواتاً تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها، فأضاف القوت إلى الأرض لكونه متولداً من تلك الأرض حادثاً فيها لأن النحاة قالوا: يكفي في جنس الإضافة أدنى سبب، فالشيء يضاف إلى فاعله تارة وإلى محله أخرى، أي: قدر الأقوات التي يختص حدوثها بها وذلك لأنه تعالى جعل كل بلدة معدة لنوع من الأشياء المطلوبة حتى أن أهل هذه البلدة يحتاجون إلى الأشياء المتولدة في تلك البلدة وبالعكس، فصار هذا المعنى سبباً لرغبة الناس في التجارات واكتساب الأموال لتنتظم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض، فكان جميع ما تقدم من إبداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها دفعة واحدة على مقدار لا يتعداه ومنهاج بديع دبره في الأزل وارتضاه وقدره فأمضاه لا ينقص عن حاجة المحتاجين أصلاً، وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه فلا يجد له حينئذ ما يكفيه، وفي الأرض أضعاف كفايته. ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها. فقال تعالى: ﴿في أربعة أيام﴾ أي: مع اليومين الماضيين كقولك بنيت بيتي في يوم وأكملته في يومين أي: بالأول، وقال أبو البقاء: في تمام أربعة أيام ولولا هذا التقدير لكانت ثمانية، يومان في الأول وهو قوله تعالى ﴿خلق الأرض في يومين﴾ ويومان في الآخر وهو قوله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ وأربعة في الوسط وهو قوله تعالى: ﴿في أربعة أيام﴾ ، فإن قيل: إنه تعالى ذكر خلق الأرض في يومين فلو ذكر أنه خلق هذه الأنواع الثلاثة الباقية في يومين آخرين كان أبعد عن الشبهة وعن الغلط فلم ترك التصريح بذكر الكلام المجمل؟ أجيب: بأن قوله تعالى في: ﴿أربعة أيام﴾ ﴿سواء﴾ أي: استوت الأربعة استواء لا يزيد ولا ينقص فيه فائدة زائدة على ما إذا قال خلقت هذه الثلاثة في يومين لأنه لو قال تعالى خلقت هذه الأشياء في يومين لا يفيد هذا الكلام كون اليومين مستغرقين بتلك الأعمال لأنه قد يقال عملت هذا العمل في يومين مع أن اليومين ما كانا مستغرقين بذلك العمل بخلافه لما ذكر خلق الأرض وخلق هذه الأشياء، ثم قال: ﴿في أربعة أيام سواء﴾ دل على أن هذه الأيام الأربعة صارت مستغرقة في تلك الأعمال من غير زيادة ولا نقصان. ولم يفعل تعالى ذلك في أقل من لمح البصر مع تمام القدرة عليه لأن هذا أدل على الاختيار وأدخل في الابتلاء والاختبار ليضل به كثيراً ويهدي به كثيراً فيكون أعظم لأجورهم لأنه أدل على تسليمهم، وجعل مدة خلقها ضعف مدة خلق السموات مع كونها أصغر من السموات دلالة على أنها هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين الإنس والجن، فزادت لما فيها من كثرة المنافع وتباين أصناف الأعراض والجواهر لأن ذلك أدخل في المنة على سكانها والاعتناء بشأنهم وشأنها وزادت أيضاً لما فيها من الابتلاء بالمعاصي والمجاهدات والمجادلات والمعالجات كل ذلك دلالة على أن المدة ما هي لأجل القدرة بل لأجل التنبيه على ما في القدرة من المقدور وعجائب الأمور. قال البقاعي: ولعل تخصيص السماء بقصر المدة دون العكس لإجراء أمرها على ما نتعارفه من أن بناء السقف أخف من بناء البيت، تنبيهاً على أنه بنى أمر دارنا هذه على الأسباب تعليماً للتأني وتدريباً للسكينة والبعد عن العجلة، وقوله تعالى: ﴿للسائلين﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق

стр. 1837

بسواء بمعنى مستويات للسائلين، ثانيها: أنه متعلق بقدر أي: قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين المقتاتين، ثالثها: أنه متعلق بمحذوف، كأنه قيل: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها. ولما كانت السموات أعظم من الأرض في ذاتها باتساعها وزينتها ودوران أفلاكها وارتفاعها، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي ولفظ الاستواء وحرف الغاية الدال على عظم الغاية فقال تعالى: ﴿ثم استوى﴾ أي: قصد قصداً، هو القصد منتهياً قصده ﴿إلى السماء وهي﴾ أي: والحال أنها ﴿دخان﴾ قال المفسرون: هذا الدخان بخار الماء وذلك أن عرش الرحمن كان على الماء قبل خلق السموات والأرض كما قال تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ (هود: ٧) ثم إن الله تعالى أحدث في ذلك الماء اضطراباً فأزبد وارتفع فخرج منه دخان فأما الزبد فبقي على وجه الماء فخلق منه اليبوسة وأحدث منه الأرض وأما الدخان فارتفع وعلا فخلق منه السموات، فإن قيل: هذه الآية مشعرة بأن خلق الأرض كان قبل السموات وقوله تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ (النازعات: ٣٠) مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السموات وذلك يوجب التناقض؟. أجيب: بأن المشهور أنه تعالى خلق الأرض أولاً ثم خلق بعدها السموات ثم بعد خلق السماء دحا الأرض ومدها حينئذ فلا تناقض، قال الرازي: وهذا الجواب مشكل لأن الله تعالى خلق الأرض في يومين، ثم إنه في اليوم الثالث جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها، وهذه الأحوال لا يمكن إدخالها في الوجود إلا بعد أن صارت الأرض منبسطة، ثم إنه تعالى قال بعد ذلك ثم استوى إلى السماء فهذا يقتضي أن الله تعالى خلق السماء بعد خلق الأرض وبعد أن جعلها مدحوة وحينئذ يعود السؤال ثم قال: والمختار عندي أن يقال: خلق السماء مقدم على خلق الأرض وتأويل الآية أن يقال الخلق ليس عبارة عن التكوين والإيجاد والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩) فلو كان الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين لصار تقدير الآية أوجده من تراب ثم قال له كن فيكون وهذا محال، فثبت أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين بل عبارة عن التقدير، والتقدير في حق الله تعالى هو: كلمته بأن سيوجده، وإذا ثبت هذا فنقول قوله تعالى: ﴿خلق الأرض في يومين﴾ : معناه: أنه قضى بحدوثها في يومين وقضاء الله تعالى أنه سيحدث كذا في مدة كذا لا يقتضي حدوث ذلك الشيء في الحال فقضاء الله تعالى بحدوث الأرض في يومين قد تقدم على إحداث السماء حينئذ يزول السؤال. ﴿فقال لها﴾ أي: السماء عقب الاستواء ﴿وللأرض ائتيا﴾ أي: تعاليا وأقبلا منقادتين وقوله تعالى: ﴿طوعاً أو كرهاً﴾ مصدران في موضع الحال أي: طائعتين أو كارهتين ﴿قالتا أتينا﴾ أي: نحن وما فينا وما بيننا ﴿طائعين﴾ أي: أتينا على الطوع لا على الكره، والغرض تصوير أثر قدرته في المقدورات لا غير من غير أن يحقق شيئاً من الخطاب والجواب، ونحو ذلك قول القائل: قال الجدار للوتد لم تشقني قال الوتد سل من يدقني، فإن قيل: هلا قال طائعتين على اللفظ أو طائعات على المعنى لأنهما سموات وأرضون؟ أجيب: بأنه لما جعلهن مخاطبات ومجيبات ووصفهن بالطوع

стр. 1838

والكره قال: طائعين في موضع طائعات نحو قوله ساجدين. تنبيه: جمع الأمر لهما في الإخبار لا يدل على جمعه في الزمان بل قد يكون القول لهما متعاقباً، فإن قيل: إن الله تعالى أمر السماء والأرض فأطاعتا كما أن الله تعالى أنطق الجبال مع داود ﵇ فقال تعالى: ﴿يا جبال أوّبي معه والطير﴾ (سبأ: ١٠) وأنطق الأيدي والأرجل فقال تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ (النور: ٢٤) وقوله تعالى: ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ (فصلت: ٢١) وإذا كان كذلك فكيف يستبعد أن يخلق الله تعالى في ذات السموات والأرض حياة وعقلاً ثم يوجه الأمر والتكليف عليهما؟. ووجه هذا بوجوه؛ الأول: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره إلا أن يمنع منه مانع وههنا لا مانع، الثاني: أنه تعالى جمعها جمع العقلاء فقال تعالى: ﴿قالتا آتينا طائعين﴾ الثالث: قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها﴾ (الأحزاب: ٧٢) وهذا يدل على كونها عارفة بالله تعالى عالمة بتوجه تكليف الله تعالى، وأجاب الرازي عن هذا: بأن المراد من قوله تعالى: ﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً﴾ الاتيان إلى الوجود والحدوث والحصول وعلى هذا التقدير، فحال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة إذ لو كانت موجودة لم يجز، فثبت أن حال توجه هذا الأمر كانت السموات والأرض معدومة وإذا كانت معدومة لم تكن عارفة ولا فاهمة للخطاب فلم يجز توجه الأمر إليها. فإن قيل: روى مجاهد وطاووس عن ابن عباس أنه قال: قال الله للسموات والأرض: أخرجا ما فيكما من المنافع لمصالح العباد أما أنت يا سماء فاطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك وقال لهما: افعلا ما أمرتكما طوعاً وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه، وعلى هذا لا يكون المراد من قوله ﴿أتينا طائعين﴾ حدوثهما في ذاتهما، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهر ما كان مودعاً فيهما؟ أجيب: بأن هذا لم يثبت لأنه تعالى قال: ﴿فقضاهن﴾ أي: خلقهن خلقاً إبداعياً ﴿سبع سموات﴾ وهذا يدل على أن حصول السماء إنما حصل بعد قوله ائتيا طوعاً أو كرهاً. تنبيه: الضمير للسماء على المعنى كما قال تعالى: ﴿طائعين﴾ ونحوه ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ (الحاقة: ٧) ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً مفسراً بسبع سموات، وسبع سموات حال على الأول، وتمييز على الثاني، وقوله تعالى: ﴿في يومين﴾ قال أهل الأثر: إن الله تعالى خلق الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق سائر ما في الأرض يوم الثلاثاء والأربعاء وخلق السموات وما فيها في يوم الخميس والجمعة وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة فخلق آدم ﵇ وهي الساعة التي تقوم فيها القيامة، ولذلك لم يقل هنا سواء ووافق هذا آيات خلق السموات والأرض في ستة أيام، وعن ابن عباس ﵁: «أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السموات والأرض فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمعايش والعمران والخراب فهذه أربعة، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين

стр. 1839

منه فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الآجال حتى يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم فأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش قالوا: قد أصبت لو أتممت قالوا: ثم استراح، فغضب النبي ﷺ غضباً شديداً فنزل ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون﴾ (ق: ٣٨ ـ ٣٩) ، فإن قيل: اليوم عبارة عن النهار والليل وذلك إنما يحصل بطلوع الشمس وغروبها وقبل حدوث السموات والشمس والقمر كيف يعقل حصول اليوم؟. أجيب: بأن معناه أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدار اليوم كما مر، وقضاء الشيء إتمامه والفراغ منه قال ابن جرير: وإنما سمي الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم وخلق السموات والأرض أي: فرغ من ذلك وأتمه ﴿فأوحى﴾ أي: ألقى بطريق خفي وحكم بثبوت قوي ﴿في كل سماء أمرها﴾ أي: الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل وزمام مبرم لا ينحل، وقال عطاء عن ابن عباس ﵄: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله تعالى. وقال السدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها ولله في كل سماء بيت تحج إليه وتطوف به الملائكة كل واحد منها مقابل للكعبة بحيث لو وقعت منه حصاة لوقعت على الكعبة. ولما عم خص التي تلينا إشارة إلى تشريفنا فقال تعالى صارفاً القول إلى مظهر العظمة تنبيهاً على ما في هذه الآية من العظم ﴿وزينا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿السماء الدنيا﴾ أي: القربى إليكم لأجلكم ﴿بمصابيح﴾ وهي النيرات التي خلقها الله في السموات وخص كل واحدة بضوء معين وسير معين وطبيعة معينة لا يعلمها إلا الله تعالى ولا ينافي كون الدنيا مزينة بذلك أن تكون النجوم في غيرها مما هو أعلى منها لأن السياق دل على أنها زينة. وقوله تعالى: ﴿وحفظاً﴾ في نصبه وجهان؛ أحدهما: أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر أي: وحفظناها بالثواقب من الكواكب حفظاً، والثاني: أنه مفعول من أجله على المعنى فإن التقدير: وخلقنا الكواكب زينة وحفظاً قال أبو حيان: وهو تكلف وعدول عن السهل البين، والمعنى: وحفظناها من الشياطين الذين يسترقون السمع بالشهب أو من الآفات ﴿ذلك﴾ أي: الأمر الرفيع والشأن البديع ﴿تقدير العزيز﴾ أي: الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء، ﴿العليم﴾ أي: المحيط علماً بكل شيء فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والعليم إشارة إلى كمال العلم. ولما كان المتمادي على إعراضه كأنه جدد إعراضاً غير إعراضه الأول قال تعالى مفصلاً بعد قوله تعالى ﴿فأعرض أكثرهم﴾ : ﴿فإن أعرضوا﴾ أي: استمروا على إعراضهم بعد هذا الشأن أو أعرض غيرهم عن قبول ما جئتهم به من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي دلت على الوحدانية والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة ﴿فقل﴾ أي: لهم ﴿أنذرتكم صاعقة﴾ أي: فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة ﴿مثل صاعقة عاد وثمود﴾ وقال المبرد: الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان والإنذار التخويف، وإنما خص هاتين القبيلتين لأن

стр. 1840

قريشاً كانوا يمرون على بلادهم. ثم علل إيقاع ذلك بقوله تعالى: ﴿إذ﴾ يجوز أن يكون ظرفاً لصاعقة وظرفيته لا تنافي عليته أي: حين ﴿جاءتهم﴾ أي: عاداً أو ثمود ﴿الرسل﴾ لأن الزمان الطويل يجوز نسبة ما وقع في جزء منه إليه ﴿من بين أيديهم﴾ أي: من قبلهم لأن نذير الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه إن واقع ما واقعه أتاه ما عذب به ﴿ومن خلفهم﴾ وهم من أتى إليهم لأنهم لم يكونوا يعلمون إتيانهم فالخلف كناية عن الخفاء والقدام عن الجلاء وأنهم أتوهم من كل جانب واجتهدوا بهم فاعملوا فيهم كل حيلة فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض. كما حكى الله تعالى عن الشيطان ﴿لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم﴾ (الأعراف: ١٧) أي: لآتينهم من كل جهة، عن الحسن: أنذروهم من وقائع الله تعالى فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من جهة الزمن الماضي وما جرى فيه على الكفار ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم، وأتوهم مقبلين عليهم ومدبرين عنهم، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الذال عند الجيم وأدغمها الباقون. , ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿لا تعبدوا إلا الله﴾ أي: الذي له صفات الكمال جميعاً ﴿قالوا﴾ أي: الكفار لرسلهم ﴿لو شاء ربنا﴾ الذي ربانا أحسن تربية أن يرسل إلينا رسولاً ﴿لأنزل﴾ إلينا ﴿ملائكة﴾ فأرسلهم إلينا بما يريده منا لكنه لم يرسل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولاً ﴿فإنا بما﴾ أي: بسبب ما ﴿أرسلتم به﴾ أي: على زعمكم بأنكم رسل ﴿كافرون﴾ إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا. روي: «أن أبا جهل قال في ملأ قريش: التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالسحر والشعر والكهانة وكلمه ثم أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد علمت الشعر والسحر والكهانة وعلمت من ذلك علماً وما يخفى علي، فأتاه فقال له: يا محمد أنت خير أم هاشم، أنت خير أم عبد المطلب، أنت خير أم عبد الله، فلم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء فكنت رئيسنا، وإن كنت أردت الباء زوجناك عشر نسوة تختارهن من أي بنات قريش شئت، وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستعين به على ذلك، ورسول الله ﷺ ساكت فلما فرغ قال له رسول الله ﷺ أفرغت؟ قال: نعم قال: فاسمع ثم إن النبي ﷺ تعوذ ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته﴾ إلى أن بلغ قوله تعالى ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم إلا ما سكت، ثم رجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش فلما احتبس عنهم قالوا: ما نرى عتبة إلا قد صبأ فانطلقوا إليه وقالوا: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك قد صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب عتبة وأقسم لا يكلم محمداً أبداً، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً ولكني أتيته وقصصت عليه القصة وجاءني بشيء والله ما هو شعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة إلى قوله تعالى ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ فأمسكت بفيه وناشدته الرحم حتى سكت، ولقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب» . وفي رواية لمحمد بن كعب أنه قال: إني سمعت قرآناً والله ما سمعت بمثله قط

стр. 1841

ما هو شعر ولا سحر ولا كهانة يا معشر قريش أطيعوني، خلوا بينكم وبين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه والله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظفر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وأنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا لوليد بلسانه قال: هذا رأي لكم فاصنعوا ما بدا لكم. ولما جمعهم الله فيما اجتمعوا فيه حتى كأنهم تواصوا به، فصّلهم وفصّل ما اختلفوا فيه فقال مسبباً عما مضى من مقالاتهم: ﴿فأما عاد﴾ أي: قوم هود ﵇ ﴿فاستكبروا﴾ أي: طلبوا الكبر وأوجدوه ﴿في الأرض﴾ أي: كلها التي كانوا فيها بالفعل وغيرها بالقوة أو في الكل بالفعل لكونهم ملكوها كلها، ثم بين كبرهم أنه ﴿بغير الحق﴾ أي: الذي لم يطابق الواقع، ثم ذكر تعالى سبب الاستكبار بقوله تعالى: ﴿وقالوا من أشد منا قوة﴾ وذلك أن هوداً ﵇ هددهم بالعذاب، فقالوا: نحن نقدر على دفع العذاب بفضل قوتنا، وكانوا ذوي أجسام طوال طول الطويل منهم أربعمائة ذراع كما سيأتي في سورة الفجر، قال الله تعالى رداً عليهم: ﴿أولم يروا﴾ أي: يعلموا علماً هو كالمشاهدة ﴿أن الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿الذي خلقهم﴾ ولم يكونوا شيئاً ﴿هو أشد منهم قوة﴾ ومن علم أن غيره أقوى منه وكان عاقلاً انقاد له فيما ينفعه ولا يضره، وقوله تعالى: ﴿وكانوا بآياتنا يجحدون﴾ أي: يعرفون أنها حق وينكرونها، عطف على فاستكبروا. ﴿فأرسلنا﴾ أي: بسبب ذلك على مالنا من العظمة ﴿عليهم ريحاً﴾ أي: عظيمة ﴿صرصراً﴾ أي: شديد البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجهد البدن ببردها فتكون كأنها تصره أي: تجمعه في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوتها وتقطع القلب بصوتها فتقهر شجاعته وتمحق بشدة بردها كل ما مرت عليه، وقوله تعالى: ﴿في أيام نحسات﴾ أي: مشؤومات جمع نحسة، وقرأ ابن عامر والكوفيون بكسر الحاء من نحس، نحساً نقيض سعد سعداً فهو نحس والباقون بسكونها فهو إما مخفف نحس أو صفة على فعل أو وصف بمصدر قال الضحاك: أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين وكانت الريح عليهم من غير مطر، روي أن الأيام كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء قال البيضاوي: وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء. وعن عبد الله بن عباس أنه قال: الرياح ثمان: أربع منها عذاب: وهي العاصفة والصرصر والعقيم والقاصف، وأربع منها رحمة: وهي المبشرات والناشرات والمرسلات والذاريات، وعن ابن عباس ﵄ أن الله تعالى ما أرسل على عاد من الريح إلا قدر خاتمي، وفعلنا ذلك بهم ﴿لنذيقهم عذاب الخزي﴾ أي: الذل والهوان ﴿في الحياة الدنيا﴾ كما استكبروا في الأرض بغير الحق فيذبلوا عند من تعظموا عليه في الدار التي اغتروا بها فتعظموا فيها، فإن ذلك أدل على القدرة عند من تقيد بالوهم ﴿ولعذاب الآخرة﴾ أي: الذي أعد للمتكبرين في الآخرة بغير الحق ﴿أخزى﴾ أي: أشد إهانة، وهو في الأصل صفة المعذب، وإنما وصف به العذاب على الإسناد المجازي للمبالغة ﴿وهم لا ينصرون﴾ أي: لا يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبداً بوجه من الوجوه. ولما أنهى تعالى أمر صاعقة عاد، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال تعالى: ﴿وأما ثمود﴾ وهم قوم صالح ﵇ ﴿فهديناهم﴾ أي: بينا لهم طريق الهدى من أنا قادرون على البعث

стр. 1842

وعلى كل شيء فلا شريك لنا، وكان بيان ذلك بالناقة غاية البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب إبصار بصائرهم غاية الإبصار، فكرهوا ذلك لما يلزمه من تركهم طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم طريق آبائهم ﴿فاستحبوا﴾ أي: اختاروا ﴿العمى﴾ أي: الكفر ﴿على الهدى﴾ أي: الإيمان، قال القشيري قيل: إنهم آمنوا وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستبدال. فإن قيل: أليس معنى هديته حصلت فيه الهدى والدليل عليه قولك: هديته فاهتدى، وبمعنى تحصيل البغية وحصولها كما تقول ردعته فارتدع، فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ أجيب: بأنه لما مكنهم وأزاح عللهم ولم يبق لهم عذراً ولا علة فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها. ﴿فأخذتهم صاعقة العذاب﴾ أي: بسبب ذلك أخذ قهر وهوان ﴿الهون﴾ أي: ذي الهوان وهو الذي يهينهم ﴿بما كانوا﴾ أي: دائماً ﴿يكسبون﴾ أي: من شركهم وتكذيبهم صالحاً ﵇. ولما أنهى الله تعالى الخبر عن الكافرين من الفريقين أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة لمن اتبع النبي ﷺ ونذارة لمن صد عنه فقال تعالى: ﴿ونجينا﴾ أي: تنجية عظيمة بما لنا من القدرة ﴿الذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا هذا الوصف من الفريقين ﴿وكانوا﴾ أي: كوناً عظيماً ﴿يتقون﴾ أي: يتجدد لهم هذا الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بغير دليل، فإن قيل: كيف يجوز للنبي ﷺ أن ينذر قومه مثل صاعقة عاد وثمود مع العلم بأن ذلك لا يقع في أمته، وقد صرح تعالى بذلك فقال عز من قائل: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال: ٣٣) وجاء في الحديث الصحيح «أن الله تعالى رفع عن هذه الأمة هذه الأنواع» ؟ أجيب: بأنهم لما عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في الكفر عرفوا كونهم مشاركين لعاد وثمود في استحقاق مثل تلك الصاعقة، وأن السبب الموجب للعذاب واحد وربما يكون العذاب النازل من جنس ذلك العذاب وإن كان أقل درجة وهذا القدر يكفي في التخويف. ولما بين تعالى كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه ببيان كيفية عقوبتهم في الآخرة ليحصل تمام الاعتبار في الزجر والتحذير فقال تعالى: ﴿ويوم﴾ أي: واذكر يوم ﴿يحشر﴾ أي: يجمع بكره بأمر قاهر لا كلفة فيه ﴿أعداء الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿إلى النار﴾ وقرأ نافع بنون مفتوحة وضم الشين ونصب أعداء على البناء للفاعل وهو الله تعالى، والباقون بياء الغيبة مضمومة وفتح الشين على البناء للمفعول ورفع أعداء لقيامه مقام الفاعل، وجه الأول أنه معطوف على نجينا فحسن أن يكون على وفقه في اللفظ، ووجه الثاني موافقة قوله تعالى: ﴿فهم﴾ أي: بسبب حشرهم ﴿يوزعون﴾ أي: يساقون ويدفعون إلى النار، وقال قتادة: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا أي: يوقف سوابقهم حتى تصل إليهم. ولما بين تعالى إهانتهم بالوزع بين غايتها بقوله تعالى: ﴿حتى إذا ما جاؤوها﴾ أي: النار التي كانوا بها يكذبون، فما زائدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور، كما قال تعالى: ﴿شهد عليهم﴾ وبين الشاهد وعدده بقوله تعالى: ﴿سمعهم﴾ وأفرد السمع لعدم تفاوت الناس فيه ﴿وأبصارهم﴾ وجمعها لعظم تفاوت الناس فيها ﴿وجلودهم بما كانوا يعملون﴾ أي: يجددون عمله مستمرين عليه. تنبيه: في كيفية تلك الشهادة ثلاثة

стр. 1843

أقوال؛ أولها: أن الله تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه، ثانيها: أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني، ثالثها: أن يظهر في تلك الأعضاء أحوالاً تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان وتلك الأمارات تسمى شهادات كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه. فإن قيل: ما السبب في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر مع أن الحواس خمسة وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس؟ أجيب: بأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى يصير جلدة الأنف مماسة لجرم المشموم فكانا داخلين في جنس اللمس، وقال ابن عباس ﵄: المراد من شهادة الجلود شهادة الفروج وهو من باب الكنايات كما قال تعالى: ﴿لا تواعدوهن سراً﴾ (البقرة: ٢٣٥) وأراد النكاح وقال تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ (النساء: ٤٣) والمراد قضاء الحاجة وقال ﷺ «أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه» وعلى هذا التقدير تكون الآية وعيداً شديداً في إتيان الزنا لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ، وقال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الأنفس من عملهم وعن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال: «هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول: بلى قال فيقول فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلا شاهداً مني قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً وبالكرام الكاتبين عليك شهوداً قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعداً لَكُنَّ وسحقاً فعنكنَّ كنت أناضل» . ﴿وقالوا﴾ أي: الكفار الذين يحشرون إلى النار ﴿لجلودهم﴾ مخاطبين لها مخاطبة العقلاء لما فعلت فعل العقلاء ﴿لم شهدتم علينا﴾ مع أنا كنا نحاجج عنكم ﴿قالوا﴾ مجيبين لهم معتذرين ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ أراد نطقه على وجه لم يقدر على التخلف عنه فليس بعجب من قدرة الله الذي له مجامع العز ﴿وهو خلقكم أول مرة﴾ والعلم القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدماً ثم نطفاً لا تقبل النطق في مجاري العادات بوجه، ثم طوركم في أدوار الأطوار كذلك إلى أن أوصلكم إلى حيز الإدراك فقسركم على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن أنفسكم ما قدرتم ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ فينبئكم بما كنتم تعملون. تنبيه: اختلف في قوله تعالى: ﴿وهو خلقكم﴾ الآية فقيل: هو من كلام الجلود وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده وموقعه تقريب ما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وعلى إعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم. ﴿وما كنتم تستترون﴾ أي: عند ارتكابكم الفواحش خفية ﴿أن يشهد عليكم سمعكم﴾ وأكد بتكرير النافي فقال: ﴿ولا أبصاركم﴾ جمع وأفرد لما مضى ﴿ولا جلودكم﴾ والمعنى: أنكم تستترون بالحيطان والحجب عند ارتكاب الفواحش وما كان استتاركم ذلك خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم لأنكم كنتم غير عالمين بشهادتها عليكم بل كنتم جاحدين بالبعث جهلاً منكم ﴿ولكن﴾ إنما استتاركم لأنكم ﴿ظننتم﴾ بسبب إنكار البعث جهلاً منكم ﴿أن الله﴾ الذي له جميع صفات الكمال

стр. 1844

﴿لا يعلم﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿كثيراً مما تعملون﴾ وهو الخفيات من أعمالكم. روي عن ابن مسعود قال: «كنت مستتراً بأستار الكعبة فدخل ثلاثة نفر، ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول فقال الآخر: يسمع إن جهرنا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا يسمع إذا أخفينا فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى ﴿وما كنتم تستترون﴾ الآية قيل: الثقفي عبد يا ليل وختناه القرشيان ربيعة وصفوان بن أمية وقوله تعالى: ﴿وذلكم﴾ إشارة إلى ظنهم هذا وهو مبتدأ وقوله تعالى: ﴿ظنكم﴾ بدل منه، وقوله تعالى: ﴿الذي ظننتم بربكم﴾ نعت البدل والخبر ﴿أرداكم﴾ أي: أهلككم، وفي هذا تنبيه على أن من حق المؤمن أن لا يذهب عنه ولا يزول عن ذهنه أن عليه من الله تعالى عيناً كالئة ورقيباً مهيمناً حتى يكون في أوقاته وخلواته من ربه أهيب وأحسن احتشاماً وأوفر تحفظاً وتصوراً منه مع الملأ، ولا ينبسط في سره مراقبة من التشبه بهؤلاء الظانين. ولما كان الصباح محل رجاء للإفراج فكان شر الإتراح ما كان فيه، قال تعالى ﴿فأصبحتم﴾ أي: بسبب ما أعطيتموه من النعم لتستنقذوا أنفسكم به من الهلاك، كان سبب هلاككم ﴿من الخاسرين﴾ أي: العريقين في الخسارة المحكوم بخسارتهم في جميع ذلك اليوم. قال المحققون: الظن قسمان أحدهما: حسن، والآخر: فاسد، فالحسن، أن يظن بالله تعالى الرحمة والفضل والإحسان قال ﷺ عن الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي» . وقال ﷺ «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» . والظن الفاسد أن يظن أن الله تعالى يعزب عن علمه بعض هذه الأحوال. وقال قتادة: الظن نوعان: منجي ومردي، فالمنجي: قوله: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ (الحاقة: ٢٠) وقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ (البقرة: ٤٦) والمردي: هو قوله تعالى: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرادكم﴾ . ﴿فإن يصبروا فالنار مثوىً﴾ أي: منزل ﴿لهم﴾ أي: إن أمسكوا عن الاستغاثة لفرج ينتظرونه لم يجدوا ذلك وتكون النار مقاماً لهم ﴿وإن يستعتبوا﴾ أي: يسألوا العتبى وهو، الرجوع لهم إلى ما يحبون جزعاً مما هم فيه ﴿فما هم من المعتبين﴾ أي: المجابين إليها، ونحوه قوله : ﴿أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ (إبراهيم: ٢١) ولما ذكر وعيدهم في الدنيا والآخرة أتبعه سبب كفرهم الذي هو سبب الوعيد فقال تعالى: ﴿وقيضنا﴾ قال مقاتل: هيأنا وقال الزجاج: سببنا ﴿لهم﴾ أي: للكفرة وأصل التقييض: التيسير والتهيئة يقال: قيضته للدواء هيأته له ويسرته، وهذان ثوبان قيضان أي: كل منهما مكافئ للآخر في الثمن وقوله تعالى: ﴿قرناء﴾ أي: نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، جمع قرين قال تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين﴾ ﴿فزينوا لهم﴾ أي: من القبائح ﴿ما بين أيديهم﴾ أي: من أمر الدنيا حتى آثروها على الآخرة ﴿وما خلفهم﴾ أي: من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب وإنكار البعث، وقال الزجاج: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، وما خلفهم من أمر الدنيا بأن الدنيا قديمة ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك، قال القشيري: إذا أراد الله بعبده سوءاً قيض له إخوان سوء وقرناء سوء

стр. 1845

يحملونه على المخالفات ويدعونه إليها، ومن ذلك الشيطان، وشر منه النفس وبئس القرين، تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غداً عليه، وإذا أراد الله بعبده خيراً قيض الله له قرناء خير يعينونه على الطاعة ويحملونه عليها ويدعونه إليها. وروي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا أراد الله بعبد شراً قيض له قبل موته شيطاناً فلا يرى حسناً إلا قبحه عنده ولا قبيحاً إلا حسنه عنده» . وعن عائشة: إذا أراد الله بالوالي خيراً قيض له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه، وإن أراد غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى» . تنبيه: في الآية دلالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافرين لأنه تعالى قيض لهم قرناء سوء فزينوا لهم الباطل، وهذا يدل على أنه تعالى أراد منهم الكفر ولكن لا يرضاه كما قال تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (الزمر: ٧) ﴿وحق﴾ أي: وجب وثبت ﴿عليهم القول﴾ أي: كلمة العذاب، وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء وضم الميم وقوله تعالى: ﴿في أمم﴾ محله نصب على الحال من الضمير في عليهم أي: حق عليهم القول كائنين في جملة أمم كثيرة، وفي بمعنى مع ﴿قد خلت﴾ أي: لم تتعظ أمة منهم بالأخرى ﴿من قبلهم﴾ أي: في الزمان ﴿من الجن والأنس﴾ قد عملوا مثل أعمالهم، وقوله تعالى: ﴿إنهم﴾ أي: جميع المذكورين منهم وممن قبلهم ﴿كانوا خاسرين﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب وقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أصله وقالوا أي: المعرضون، ولكنه قال ذلك تنبيهاً على الوصف الذي أوجب إعراضهم ﴿لا تسمعوا﴾ أي: شيئاً من مطلق السماع ﴿لهذا القرآن﴾ وعينوه بالإشارة احترازاً عن غيره من الكتب القديمة كالتوراة، قال القشيري: لأنه مقلب القلوب وكل من استمع له صبا إليه ﴿والغوا﴾ أي: اهزؤوا ﴿فيه﴾ أي: اجعلوه ظرفاً للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات واللغط واللغو والتصدية أي: التصفير والتصفيق وغيرها، وقال ابن عباس: كان بعضهم يعني قريشاً يعلم بعضاً إذا رأيتم محمداً يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر، واللغو: هو من باب لغي بالكسر يلغى بالفتح إذا تكلم بما لا فائدة فيه ﴿لعلكم تغلبون﴾ أي: ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في أن لا يميل إليه أحد وسكت ونسي ما كان يقول، وهذا يدل على أنهم عارفون بأن من يسمعه مال إليه وأقبل بكليته عليه وقد فضحوا أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها. ﴿فلنذيقن الذين كفروا﴾ أظهر في موضع الإضمار إذ أصله فلنذيقنهم، لكنه أظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف ﴿عذاباً شديداً﴾ في الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون الهوان، وفي الآخرة بالنيران ﴿ولنجزينهم﴾ أي: بأعمالهم ﴿أسوأ﴾ أي: سوء العمل ﴿الذي كانوا يعملون﴾ أي: مواظبين عليه. ﴿ذلك﴾ أي: الجزاء الأسوأ العظيم جداً ﴿جزاء أعداء الله﴾ أي: الملك الأعظم، ثم بينه بقوله تعالى: ﴿النار﴾ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو في الوصل بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة واواً خالصة، والباقون بتحقيقهما، وأما الابتداء بالثانية فالجميع بالتحقيق، ثم فصّل بعض

стр. 1846

ما في النار بقوله تعالى: ﴿لهم فيها﴾ أي: النار ﴿دار الخلد﴾ أي: فإنها دار إقامة، قال الزمخشري: فإن قلت ما معنى قوله: ﴿لهم فيها دار الخلد﴾ قال: قلت: إن النار في نفسها دار الخلد كقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (الأحزاب: ٢١) أي: الرسول هو نفس الأسوة. وقال البيضاوي: هو كقولك في هذه الدار دار سرور يعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة قال ابن عادل: في هذا نظر إذ الظاهر وهو معنى صحيح منقول أن في النار داراً تسمى دار الخلد والنار محيطة بها وهذا أولى، وقوله تعالى: ﴿جزاءً﴾ منصوب بالمصدر الذي قبله وهو ﴿جزاء أعداء الله﴾ والمصدر ينصب بمثله كقوله تعالى: ﴿فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً﴾ (الإسراء: ٦٣) ﴿بما كانوا بآياتنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿يجحدون﴾ أي: يلغون في القراءة وسماه جحداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الإعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً وأنهم جحدوا حسداً. ولما بين تعالى أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعذاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين ما يقولون في النار بقوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: غطوا أنوار عقولهم داعين بما لا يسمع لهم فهو زيادة في عقوبتهم وحكايته لها وعظ وتحذير ﴿ربنا﴾ أي: يا أيها الذي لم يقطع قط إحسانه عنا ﴿أرنا﴾ الصنفين ﴿اللذين أضلانا﴾ أي: عن المنهج الموصل إلى محل الرضوان ﴿من الجن والإنس﴾ لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن﴾ (الأنعام: ١١٢) وقال تعالى: ﴿الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾ (الناس: ٥ ـ ٦) وقيل: هما إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه، لأن الكفر سنه إبليس، والقتل بغير حق سنه قابيل، فهما سنا المعصية، وقرأ ابن كثير والسوسي، وابن عامر وشعبة بسكون الراء من أرنا، واختلس الدوري كسر الراء، وكسرها الباقون، وشدد ابن كثير النون من اللذين ﴿نجعلهما تحت أقدامنا﴾ في النار إذلالاً لهما كما جعلانا تحت أمرهما ﴿ليكونا من الأسفلين﴾ قال مقاتل: أسفل منافي النار، وقال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل من النار أي: من أهل الدرك الأسفل وممن هودوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال باتباعنا لهما، وقال بعض الحكماء: المراد باللذين أضلانا: الشهوة والغضب، والمراد بجعلهما تحت أقدامهم: كونهما مسخرين للنفس مطيعين لها وأن لا يكونا مستوليين عليها ظاهرين عليها. ولما ذكر تعالى الوعيد أردفه بذكر الوعد كما هو الغالب فقال تعالى: ﴿إن الذين قالوا﴾ أي: قولاً حقيقياً مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقاً لداعي الله تعالى في الدنيا ﴿ربنا﴾ أي: المحسن إلينا ﴿الله﴾ أي: المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له، وثم في قوله تعالى: ﴿ثم استقاموا﴾ لتراخي الرتبة في الفضيلة فإن الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات أمر في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام. سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئاً، وقال عمر ﵁، الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعلب. وقال عثمان ﵁: أخلصوا العمل لله، وقال علي ﵁: أدوا الفرائض، وقال ابن عباس ﵄: استقاموا على أمر الله تعالى بطاعته

стр. 1847

واجتنبوا معصيته، وقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله، وقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال: اللهم ربنا ارزقنا الاستقامة، وقال سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت: يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به قال: «قل ربي الله ثم استقم فقلت: ما أخوف ما تخاف علي، فأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه فقال: هذا» . قال أبو حيان: قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ﴿تتنزل عليهم الملائكة﴾ قال ابن عباس: عند الموت وقال قتادة: إذا قاموا من قبورهم، وقال وكيع بن الجراح: البشرى: تكون في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث وهي ﴿ألا تخافوا﴾ قال مجاهد: لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمر الآخرة ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما خلفتم من أهل وولد فإنا نخلفكم في ذلك كله، وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا من ذنوبكم ولا تحزنوا فإني أغفرها لكم، والخوف غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن يلحق لوقوعه من فوات نافع أو حصول ضار، والمعنى أن الله تعالى كتب لكم الأمن من كل غم فلن تذوقوه أبداً. تنبيه: يجوز في أن: أن تكون المخففة أو الفسرة أو الناصبة، ولا ناهية على الوجهين الأولين، ونافية على الثالث ﴿وأبشروا﴾ أي: املؤوا صدوركم سروراً يظهر أثره على بشرتكم بتهلل الوجه ويعم سائر الجسد ﴿بالجنة التي كنتم﴾ أي: كوناً عظيماً على ألسنة الرسل ﵈ ﴿توعدون﴾ أي: يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل. تنبيه: فيما ذكر دلالة على أن المؤمن عند الموت وفي القبر وعند البعث يكون فارغاً من الأهوال والفزع الشديد. فإن قيل: البشارة عبارة عن الخبر الأول بحصول المنافع فأما إذا أخبر الشخص بحصول المنفعة ثم أخبر ثانياً بحصولها كان الإخبار الثاني إخباراً ولا يكون بشارة والمؤمن قد يسمع بشارات الخير فإذا سمع المؤمن هذا الخبر من الملائكة وجب أن يكون هذا إخباراً ولا يكون بشارة فما السبب في تسمية هذا الخبر بشارة؟ أجيب: بأن المؤمن قد يسمع بشارات الخير ولم يعلم بأن له الجنة فيكون ذلك بشارة، أما إذا علم أنه من أهل الجنة بإخبار نبي فإنه إذا سمع هذا الكلام من الملائكة فإنه يكون إخباراً. ولما أثبتوا لهم الخير ونفوا عنهم الضير عللوه بقولهم: ﴿نحن أولياؤكم﴾ أي: أقرب الأقرباء إليكم فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب ﴿في الحياة الدنيا﴾ نجلب لكم المسرات وندفع عنكم المضرات ونحملكم على جميع الخيرات، فنوقظكم من المنام ونحملكم على الصلاة والصيام ونبعدكم عن الآثام ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم ﴿وفي الآخرة﴾ كذلك حيث تتعادى الأخلاء إلا الأتقياء. قال السدي: تقول الملائكة ﵈: نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا ونحن أولياؤكم في الآخرة. أي: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة ﴿ولكم فيها﴾ أي: في الآخرة أي: في الجنة وقبل دخولها في جميع أوقات المحشر ﴿ما تشتهي﴾ ولو على أدنى وجوه الشهوات، كما يرشد إليه حذف المفعول ﴿أنفسكم﴾ من اللذائذ لأجل ما منعتموها من الشهوات في الدنيا ﴿ولكم فيها﴾ أي: في الآخرة ﴿ما تدعون﴾ أي: تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من القول، وقوله تعالى: ﴿نزلاً﴾ حال مما تدعون أي: هذا كله يكون لكم نزلاً كما يقدم إلى الضيف

стр. 1848

عند قدومه إلى أن يهيأ له ما يضاف به، وأما ما يعطون فهو مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولما كان من وحُوسب عُذِّب فلا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى، أشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿من﴾ أي: كائن ذلك النزل من ﴿غفور﴾ له صفة المحو للذنوب عيناً وأثراً على غاية لا يمكن وصفها ﴿رحيم﴾ أي: بالغ الرحمة وهو الله تعالى، واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن أحسن قولاً﴾ أي: من جهة القول ﴿ممن دعا إلى الله﴾ أي: الذي عم بصفات كماله جميع الخلق، فقال ابن سيرين والسدي: هو رسول الله ﷺ دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقال الحسن: هو المؤمن الذي أجاب الله تعالى دعوته ودعا الناس إلى ما أجاب إليه ﴿وعمل﴾ أي: والحال أنه قد عمل ﴿صالحاً﴾ في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه ﴿وقال إنني من المسلمين﴾ تفاخراً به وقطعاً لطمع المفسدين، وقال عكرمة: هم المؤذنون، وقالت عائشة ﵂: إن هذه الآيات نزلت في المؤذنين، وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه: وعمل صالحاً صلى ركعتين بين الأذان والإقامة، وعن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ بين كل أذانين صلاة ثلاث مرات ثم قال في الثالثة لمن شاء، وعن أنس بن مالك ﵁ قال: الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد. ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة﴾ أي: الصبر والغضب والحلم والجهل والعفو والإساءة في الجزاء وحسن العاقبة. تنبيه: في لا الثانية وجهان: أحدهما: أنها زائدة للتأكيد كقوله تعالى: ﴿ولا الظل ولا الحرور﴾ (فاطر: ٢١) لأن الاستواء لا يكتفي بواحد، الثاني: أنها مؤسسة غير مؤكدة، إذ المراد بالحسنة والسيئة الجنس، إذ لا تستوي الحسنات في أنفسها فإنها متفاوتة ولا تستوي السيئات أيضاً فرب واحدة أعظم من أخرى وهو مأخوذ من كلام الزمخشري ﴿ادفع﴾ كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس ﴿بالتي﴾ أي: بالخصال والأحوال التي ﴿هي أحسن﴾ على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات والعفو عن المسيء حسن والإحسان إليه أحسن منه. ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة﴾ عظيمة فاجأته حال كونه ﴿كأنه ولي﴾ أي: قريب فاعل ما يفعله القريب ﴿حميم﴾ أي: في غاية القرب لا يدع مهماً إلا قضاه وسهله ويسره وشفى علله وقرب بعيده وأزال درنه كما يزيل الماء الحار الوسخ، وقيل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان عدواً مؤذياً لرسول الله ﷺ فأسلم وصار ولياً مصافياً لرسول الله ﷺ ثم نبه على عظيم فضل هذه الخصلة بقوله تعالى: ﴿وما يلقاها﴾ أي: على ما هي عليه من العظمة ﴿إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ من الفضائل النفسانية، وقال قتادة: الحظ العظيم الجنة أي: وما يلقاها إلا من وجبت له الجنة وقوله تعالى: ﴿وإما﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة ﴿ينزغنك من الشيطان نزغ﴾ قال الزمخشري: النزغ والنسغ بمعنى واحد وهو شبيه النخس، والشيطان ينزغ الإنسان كأنه ينخسه فيبعثه على ما لا ينبغي، وجعل النزغ نازغاً كما قيل: جد جده أو أريد وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر أو تسويله، والمعنى: وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن ﴿فاستعذ بالله﴾ أي: استجر بالملك الأعلى من شر الشيطان واطلب من الله الدخول في عصمته مبادراً إلى ذلك وامض على شأنك ولا تطعه وتوكل

стр. 1849

على الله تعالى ﴿إنه هو﴾ أي: وحده ﴿السميع﴾ أي: لكل مسموع من استعاذتك وغيرها ﴿العليم﴾ أي: بكل معلوم من نزغه وغيره فهو القادر على رد كيده وتوهين أمره ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿ومن آياته﴾ الدالة على وحدانيته وأنه سميع عليم ﴿الليل والنهار﴾ باختلاف هيئتهما على قدرته على البعث وكل مقدور، وقدم الليل على ذكر النهار تنبيهاً على أن الظلمة عدم، والنور وجود والعدم سابق على الوجود، ﴿والشمس والقمر﴾ اللذان هما الليل والنهار، وقدم الشمس على ذكر القمر لكثرة نفعها. ولما ثبت أنه تعالى المنفرد بالخلق قال سبحانه: ﴿لا تسجدوا للشمس﴾ التي هي من أعظم أوثانكم وأعاد النافي تأكيداً فقال: ﴿ولا للقمر﴾ فإنهما دالان على وجود الإله مخلوقان مسخران فلا ينبغي السجود لهما لأن السجود عبارة عن نهاية التعظيم وهو لا يليق إلا بالذي أوجدهما من العدم كما قال تعالى: ﴿واسجدوا لله﴾ (فصلت: ٣٧) أي: الذي له كل كمال من غير شائبة نقص. واختلف في عود الضمير في قوله تعالى: ﴿الذي خلقهن﴾ على أوجه؛ أولاها: عوده للآيات الأربع كما جرى عليه الجلال المحلي، وقيل: يرجع لليل والنهار والشمس والقمر، قال الزمخشري: لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى والإناث، يقال: الأقلام بريتها وبريتهن، وناقشه أبو حيان من حيث أنه لم يفرق بين جمع القلة والكثرة في ذلك لأن الأفصح في جمع القلة أن يعامل معاملة الإناث وفي جمع الكثرة أن يعامل معاملة الأنثى، والأفصح أن يقال: الأجذاع كسرتهن والجذوع كسرتها، وأجاب بعضهم: بأن الزمخشري ليس في مقام بيان الفصيح من الأفصح بل في مقام كيف يجيء الضمير ضمير إناث بعد تقدم ثلاثة أشياء مذكرات وواحد مؤنث والقاعدة تغليب المذكر على المؤنت، وقال البغوي: إنما قال خلقهن بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنت. ولما ظهر أن الكل عبيده وكان السيد لا يرضى بإشراك عبده عبداً آخر في عبادة سيده قال تعالى: ﴿إن كنتم إياه﴾ أي: خاصة بغاية الرسوخ ﴿تعبدون﴾ كما هو صريح قولكم في الدعاء في وقت الشدائد لا سيما في البحر، وفي الآية إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين على أن يقع منهم سجود لغيره رفعاً لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجوداً لهم، فإنه تعالى أمر الملائكة ﵈ الذين هم من أشرف خلقه بالسجود لآدم ﵇ وهم في ظهره فتكبر إبليس فأبَّد لعنته إلى يوم القيامة. ﴿فإن استكبروا﴾ أي: أوجدوا التكبر عن اتباعك فيما أمرتهم به من التوحيد فلم ينزهوا الله تعالى عن الشريك ﴿فالذين عند ربك﴾ أي: من الملائكة، قال الرازي: ليس المراد بهذه العندية: قرب المكان بل كما يقال عن الملك من الجند كذا وكذا، ويدل عليه قوله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي» ، ﴿وأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي﴾ ﴿يسبحون له بالليل والنهار﴾ أي: دائماً لقوله تعالى: ﴿وهم لا يسأمون﴾ أي: لا يملون ولقوله : ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ (الأنبياء: ٢٠) ، فإن قيل: اشتغالهم بهذا العمل على الدوام يمنعهم من الاشتغال بسائر الأعمال مع أنهم ينزلون إلى الأرض كما قال تعالى ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ (الشعراء: ١٩٣ ـ ١٩٤) وقال تعالى عن الذين قاتلوا يوم بدر ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين﴾ (آل عمران: ١٢٥) أجيب: بأن الذين ذكرهم الله تعالى ههنا

стр. 1850

بكونهم مواظبين على التسبيح أقوام معينون من الملائكة. تنبيه: اختلف في مكان السجدة فقيل: هو عند قوله تعالى: ﴿إياه تعبدون﴾ وهو قول ابن مسعود والحسن ﵄ حكاه الرافعي عن أبي حنيفة وأحمد رضي الله تعالى عنهما لأنه ذكر السجدة قبيله، والصحيح عند الشافعي رضي الله تعالى عنه عند قوله تعالى ﴿لا يسأمون﴾ وهو قول ابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة ﵁ لأن عنده تم الكلام. ولما ذكر تعالى الدلائل الأربعة الفلكية أتبعها بذكر الدلائل الأرضية فقال تعالى: ﴿ومن آياته﴾ الدالة على قدرته ووحدانيته ﴿أنك﴾ أي: أيها الإنسان ﴿ترى الأرض﴾ أي: بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياساً على ما أبصرت ﴿خاشعة﴾ أي: يابسة لا نبات فيها والخشوع التذلل والتقاصر فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها كما وصفها بالهمود في قوله تعالى: ﴿وترى الأرض هامدة﴾ (الحج: ٥) وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو، كما قال تعالى: ﴿فإذا أنزلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿عليها الماء﴾ من الغمام أو غيره ﴿اهتزت﴾ أي: تحركت حركة عظيمة كثيرة سريعة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه ﴿وربت﴾ أي: تشققت فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطياً لوجهها وتشعبت عروقه وغلظت سوقه فصار يمنع سلوكها على ما كانت فيه من السهولة وتزخرفت بذلك النبات كأنها بمنزلة المختال في زيه بعدما كانت قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثة، وقرأ السوسي: ترى الأرض في الوصل بالإمالة بخلاف منه، والباقون بالفتح، وفي الوقف أمال محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي، وورش بين بين، والباقون بالفتح، ثم استدل بذلك على القدرة على البعث فقال تعالى: ﴿إن الذي أحياها﴾ أي: بما أخرج من نباتها بعد أن كانت ميتة ﴿لمحيي الموتى﴾ كما فعل بالنبات من غير فرق ﴿إنه على كل شيء قدير﴾ فهو قادر على إحياء الأرض بعد موتها وعلى إحياء هذه الأجساد بعد موتها لأن الممكنات بالنسبة إلى القدرة متساوية فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره. ثم إنه تعالى هدد من يجادل في آياته بإلقاء الشبهات فيها بقوله تعالى: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا﴾ أي: القرآن على ما لها من العظمة بالطعن والتحريف والتأويل الباطل والإلغاز فيها، وقرأ حمزة بفتح الياء والحاء من لحد، والباقون بضم الياء وكسر الحاء من ألحد يقال: لحد الحافر وألحد إذا مال عن الاستقامة بحفره في شق، فالملحد هو المنحرف، ثم اختص في العرف بالمنحرف عن الحق إلى الباطل، قال مجاهد: يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط، وقال السدي: يعاندون ويشاقون ﴿لا يخفون علينا﴾ أي: في وقت من الأوقات ونحن قادرون على أخذهم متى شئنا أخذنا ولا يعجل إلا من يخشى الفوات، قال مقاتل: نزلت في أبي جهل وقوله تعالى ﴿أفمن يلقى في النار﴾ أي: على وجهه بأيسر أمر ﴿خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة﴾ استفهام بمعنى التقرير والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون في النار وأن المؤمنين بالآيات يأتون آمنين يوم القيامة حين يجمع الله تعالى عباده للعرض عليه للحكم بينهم بالعدل، قال البغوي قيل: هو حمزة وقيل: هو عثمان وقيل: عمار بن ياسر. فائدة: أم في الرسم مقطوعة وقوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ أي: فقد علمتم

стр. 1851

مصير المسيء والمحسن تهديد فمن أراد شيئاً من الجزاءين فليعمل أعمله فإنه ملاقيه، وقوله تعالى ﴿إنه بما تعملون﴾ أي: في كل وقت ﴿بصير﴾ أي: عالم بأعمالكم فيه، وعيد بالمجازاة وقوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بالذكر﴾ أي: القرآن ﴿لما جاءهم﴾ بدل من قوله تعالى: ﴿إن الذين يلحدون﴾ أو مستأنف وخبر إن محذوف مثل معاندون أو هالكون أو أولئك ينادون، ولما بالغ تعالى في تهديد الملحدين في آيات القرآن أتبعه ببيان تعظيم القرآن فقال تعالى: ﴿وإنه﴾ أي: والحال إنه ﴿لكتاب﴾ أي: جامع لكل خير ﴿عزيز﴾ أي: فهو كثير النفع عديم النظير يغلب كل ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب منه ذلك ويعجز كل معارض ولا يعجز عن إقعاد مناهض، وقال الكلبي: عن ابن عباس ﵄ كريم على الله تعالى، وقال قتادة: أعزه الله تعالى. ﴿لا يأتيه الباطل﴾ لأنه يمتنع منه بمتانة وصفه وجزالة نظمه وحلاوة معانيه فلا يلحقه تغيير ﴿من بين يديه ولا من خلفه﴾ أي: لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات لأن قدام أوضح ما يكون وخلف أخفى ما يكون فما بين ذلك من باب أولى، والعبارة كناية عن ذلك لأن صفة الله تعالى لا وراء لها ولا أمام لها على الحقيقة، ومثل ذلك ليس وراء الله تعالى مرمى ولا دونه منتهى، وقال قتادة والسدي: الباطل هو الشيطان لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه، وقال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا فمعنى الباطل الزيادة أو النقصان، وقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا يأتي بعده كتاب فيبطله، ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿تنزيل﴾ أي: بحسب التدريج لأجل المصالح ﴿من حكيم﴾ أي: بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في أتم محله من وقت النزول وسياق النظم ﴿حميد﴾ أي: بالغ الإحاطة بأوصاف الكمال من الحكمة وغيرها والتطهر والتقديس عن كل شائبة نقصِ يحمده كل خلقه بلسان حاله إن لم يحمده بلسان قاله، فإن قيل: أما طعن فيه الطاعنون وتأوله المبطلون؟ أجيب: بأن الله تعالى حماه عن تعلق الباطل به بأن قيض قوماً عارضوهم بإبطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، فلم يخلوا طعن طاعن إلا ممحوقاً ولا قول مبطل إلا مضمحلاً ونحو هذا قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ (الحجر: ٩) ثم سلَّى نبيه محمداً ﷺ بقوله تعالى: ﴿ما يقال﴾ أي: من الكفار أو من غيرهم ﴿لك﴾ يا أكرم الخلق مما يحصل به ضيق صدر وتشويش فكر ﴿إلا ما﴾ أي: شيء ﴿قد قيل﴾ أي: حصل قوله على ذلك الوجه ﴿للرسل من قبلك﴾ فصبروا على ما أوذوا فاصبر كما صبروا ﴿إن ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك وإنزال كتابه إليك ومن يكرم بمثل هذا لا ينبغي له أن يحزن لشيء يعرض له ﴿لذو مغفرة﴾ أي: لمن تاب وآمن بك ﴿وذو عقاب أليم﴾ أي: مؤلم لمن أصر على التكذيب وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿إن ربك﴾ الآية مستأنف، وقيل: مفسر للمقول كأنه قيل للرسل: إن ربك لذو مغفرة وجرى على ذلك الزمخشري ونزل جواباً لقولهم هلا نزل القرآن بلغة العجم. ﴿ولو جعلناه﴾ أي: هذا الذكر بما لنا من العظمة ﴿قرآناً﴾ أي: على ما هو عليه من الجمع ﴿أعجمياً﴾ أي: لا يفصح ﴿لقالوا﴾ أي: هؤلاء المتعنتون ﴿لولا﴾ أي: هلا ولِمَ لا ﴿فصلت﴾ أي: بينت ﴿آياته﴾ حتى نفهمها

стр. 1852

وقولهم: ﴿أأعجمي﴾ أي: أقرآن أعجمي ﴿و﴾ نبي ﴿عربي﴾ استفهام إنكار منهم، وقال مقاتل: «كان رسول الله ﷺ يدخل على يسار غلام عامر بن الحضرمي وكان يهودياً أعجمياً يكنى أبا فكيهة فقال المشركون: إنما يعلمه يسار غلام عامر فضربه سيده وقال: إنك تعلم محمداً فقال: هو يعلمني فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وقرأ قالون وأبو عمرو بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما، وورش وابن كثير وابن ذكوان وحفص بتسهيل الثانية ولا إدخال، وأسقط هشام الأولى والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿قل هو﴾ أي: هذا القرآن ﴿للذين آمنوا﴾ أي: أردنا وقوع الإيمان منهم ﴿هدى﴾ أي: بيان لكل مطلوب ﴿وشفاء﴾ أي: لما في صدورهم من داء الكفر والهوى وقيل: من الأوجاع والأسقام متعلق كما قال الرازي بقولهم: ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾ (فصلت: ٥) الآية كأنه تعالى يقول هذا الكلام أرسلته إليكم بلغتكم لا بلغة أجنبية عنكم، فلا يمكنكم أن تقولوا قلوبنا في أكنة منه بسبب جهلنا هذه اللغة فكل من أعطاه الله تعالى طبعاً مائلاً إلى الحق وقلباً داعياً إلى الصدق فإن هذا القرآن يكون في حقه هدى وشفاء، وأما من غرق في بحر الخذلان وشغف بمتابعة الشيطان فهو في ظلمة وعمى كما قال تعالى: ﴿والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر﴾ أي: ثقل فلا يسمعون سماعاً ينفعهم ﴿وهو عليهم عمى﴾ فلا يبصرون الداعي حق الإبصار، ثم قال الرازي: وكل من أنصف علم أن التفسير على هذا الوجه الذي ذكرناه أولى مما ذكروه، أي: أنه متعلق بما قبله لأن السورة تصير بذلك من أولها إلى آخرها كلاماً واحداً منتظماً مسوقاً لغرض واحد انتهى. ولما بين بهذا بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال تعالى: ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء مثالهم مثال من ﴿ينادون﴾ أي: يناديهم من يريد نداءهم غير الله تعالى ﴿من مكان بعيد﴾ أي: هم كالمنادي من مكان بعيد لا يسمع ولا يفهم ما ينادى به. ﴿ولقد آتينا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿موسى الكتاب﴾ أي: التوراة ﴿فاختلف﴾ أي: وقع الاختلاف ﴿فيه﴾ وجه تعلقه بما قبله كأنه قيل: إنا لما آتينا موسى الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحاب الهدى ورده بعضهم، فكذلك آتيناك الكتاب فقبله بعضهم وهم أصحابك ورده آخرون وهم الذين يقولون قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴿ولولا كلمة﴾ أي: إرادة ﴿سبقت﴾ في الأزل ﴿من ربك﴾ أي: المحسن إليك بتأخير الحساب والجزاء للخلائق إلى يوم القيامة ﴿لقضي بينهم﴾ أي: في الدنيا فيما اختلفوا فيه من إنصاف المظلوم من ظالمه قال تعالى: ﴿بل الساعة موعدهم﴾ (القمر: ٤٦) ﴿ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى﴾ (فاطر: ٤٥) ﴿وإنهم لفي شك﴾ أي: المكذبين محيط بهم ﴿منه﴾ أي: القضاء يوم الفصل ﴿مريب﴾ أي: موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص من دائرته أصلاً. ثم قال تعالى لنبيه ﷺ ﴿من عمل صالحاً﴾ أي: كائناً من كان ﴿فلنفسه﴾ أي: فنفع عمله لها لا لأحد يتعداها والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها محل النقائص فلذا عبر بها ﴿ومن أساء﴾ في عمله ﴿فعليها﴾ أي: على نفسه خاصة ليس عليك منه شيء فخفف عن نفسك إعراضهم فإنهم إن آمنوا

стр. 1853

فنفع إيمانهم يعود إليهم، وإن كفروا فضرر كفرهم يعود إليهم، والله يوصل إلى كل أحد ما يليق به من الجزاء ﴿وما ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق ﴿بظلام﴾ أي: بذي ظلم ﴿للعبيد﴾ أي: هذا الجنس فلا يتصور أن يقع ظلم لأحد منهم أصلاً لأن له الغنى المطلق والحكمة البالغة. ﴿إليه﴾ أي: المحسن إليك لا إلى غيره ﴿يرد علم الساعة﴾ أي: لا سبيل إلى معرفة وقت ذلك اليوم ولا يعلمه إلا الله، وكذا العلم بحدوث الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا عند الله، ثم ذكر من أمثلة هذا الباب مثالين: أحدهما قوله تعالى: ﴿وما تخرج من ثمرات﴾ أي: في وقت من الأوقات، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بألف بعد الراء جمعاً، والباقون بغير ألف إفراداً وقوله تعالى: ﴿من أكمامها﴾ جمع كم وكمامة، قال البقاعي تبعاً للزمخشري: بالكسر فيهما وهو وعاء الطلع وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئاً من شأنه أن يخرج فهو كم، وقال الراغب: الكم ما يغطي البدن من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام وهذا يدل على أنه مضموم الكاف أو جعله مشتركاً بين كم القميص وكم الثمرة، ولا خلاف في كم القمص أنه بالضم فيجوز أن يكون في وعاء الثمرة لغتان دون كم القميص جمعاً بين القولين. والمثال الثاني قوله تعالى: ﴿وما تحمل من أنثى﴾ حملاً ناقصاً أو تاماً، وأكد النفي بإعادة النافي ليشهد كل على حياله ﴿ولا تضع﴾ حملاً حياً أو ميتاً ﴿إلا﴾ حال كونه متلبساً ﴿بعمله﴾ ولا علم لأحد غيره بذلك، ومن ادعى علماً به فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في الوقت الفلاني أو لا تخرج العام شيئاً، والمرأة الفلانية تحمل في الوقت الفلاني وتضع في وقت كذا أو لا تحمل العام شيئاً، ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علماً إلا الله تعالى. فإن قيل: قد يقول الرجل الصالح من أصحاب الكشوف قولاً فيصيب فيه وكذلك الكهان والمنجمون؟ أجيب: بأن أصحاب الكشوف إذا قالوا قولاً فهو من إلهام الله تعالى واطلاعه إياهم عليه فكان من علمه الذي يرد إليه، وأما الكهان والمنجمون فلا يمكنهم القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة وإنما غايتهم ادعاء ظن ضعيف قلما يصيب، وعلم الله تعالى هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشاركه فيه أحد جل ربنا وعلا ﴿ويوم يناديهم﴾ أي: المشركين بعد بعثهم من القبول للفصل بينهم في سائر الأمور ﴿أين شركائي﴾ أي: الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم ﴿قالوا﴾ أي: المشركون ﴿آذناك﴾ أي: أعلمناك ﴿ما منا﴾ وأكدوا النفي بإدخال الجار في المبتدأ ﴿من شهيد﴾ أي: يشهد أن لك شريكاً وذلك لما رأوا العذاب تبرؤوا من الأصنام وقيل: معناه ما منا أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنهم وضلت عنهم آلهتهم فلا يبصرونها في ساعة التوبيخ، وقيل: هذا كلام الأصنام كأن الله تعالى يحييها وأنها تقول ما منا من شهيد أي: أحد يشهد بصحة ما أضافوا إلينا من الشركة، وعلى هذا التقدير فمعنى ضلالتهم عنهم أنهم لا ينفعونهم فكأنهم ضلوا عنهم وهو معنى قوله تعالى: ﴿وضل﴾ أي: ذهب وغاب وخفي ﴿عنهم ما كانوا﴾ أي: دائماً ﴿يدعون﴾ في كل حين على وجه العبادة ﴿من قبل﴾ فهم لا يرونه فضلاً عن أنهم يجدون نفعه ﴿وظنوا﴾ أي: في ذلك الحال ﴿ما لهم﴾ وأبلغ في النفي

стр. 1854

بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال: ﴿من محيض﴾ أي: مهرب وملجأ ومعدل، ولما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار أنهم بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله تعالى في الدنيا تبرؤوا عن تلك الشركاء في الآخرة، بين تعالى أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال فإن أحس بخير وقدرة تعاظم وإن أحس ببلاء ومحنة ذلّ بقوله تعالى: ﴿لا يسأم﴾ أي: لا يمل ولا يعجز ﴿الإنسان﴾ أي: الآنس بنفسه الناظر في إعطافه الذي لم يتأهل للمعارف الإلهية والطرق الشرعية ﴿من دعاء الخير﴾ أي: لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما ﴿وإن مسه الشر﴾ أي: من فقر وشدة وغيرهما ﴿فيؤوس﴾ من فضل الله تعالى ﴿قنوط﴾ من رحمة الله تعالى، والمعنى: أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي حال الإدبار والحرمان يصير آيساً قانطاً، وهذه صفة الكافر لقوله تعالى: ﴿لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (يوسف: ٨٧) تنبيه: في قوله تعالى ﴿يؤوس قنوط﴾ مبالغة من وجهين؛ أحدهما: من طريق فعول، والثاني: من طريق التكرار واليأس من صفة القلب، والقنوط أن تظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهرة، ثم بين تعالى حال هذا الذي صار آيساً قانطاً بقوله تعالى: ﴿ولئن﴾ اللام لام القسم ﴿أذقناه﴾ أي: آتينا ذلك الإنسان ﴿رحمة﴾ أي: غنى وصحة ﴿منا﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة ﴿من بعد ضراء﴾ أي: شدة وبلاء ﴿مسته﴾ فإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقاويل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد من الله تعالى، الأول منها ما حكاه الله بقوله سبحانه: ﴿ليقولن﴾ بمجرد ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيماً لكونها استدراجاً إلى الهلاك ﴿هذا﴾ الأمر العظيم ﴿لي﴾ أي: حقي مختص بي وصل إلي لأني استوجبته بعلمي وعملي ولا يعلم المسكين أن أحداً لا يستحق على الله تعالى شيئاً لأنه إن كان عارياً من الفضائل فكلامه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله وإحسانه. النوع الثاني: من كلامه الفاسد قوله: ﴿وما أظن الساعة﴾ أي: القيامة ﴿قائمة﴾ أي: ثابتاً قيامها فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو بلسان حاله لكونه يفعل أفعال الشاك فيها، النوع الثالث: من كلامه الفاسد قوله ﴿ولئن﴾ اللام لام القسم ﴿رجعت﴾ أي: على سبيل الفرض أي: أن هذا الكافر يقول لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورددت ﴿إلى ربي﴾ أي: الذي أحسن إلي بهذا الخير الذي أنا فيه ﴿إن لي عنده للحسنى﴾ أي: الحالة الحسنى من الكرامة وهي الجنة، فكما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة، ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال تعالى شأنه: ﴿فلننبئن﴾ أي: فلنخبرن ﴿الذين كفروا﴾ أي: ستروا ما دلت عليه العقول وصرائح النقول ﴿بما عملوا﴾ لا ندع منه كثيراً ولا قليلاً صغيراً ولا كبيراً فيرون عياناً ضد ما ظنوه من الدنيا من أن لهم الحسنى ﴿وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلنا هباء منثوراً﴾ (الفرقان: ٢٣) وقال ابن عباس ﵄: لنوقفهم على مساوي أعمالهم ﴿ولنذيقهم﴾ أي: بعد إقامة الحجة عليهم بموازين القسط الوافية كمثاقيل الذر ﴿من عذاب غليظ﴾ أي: شديد لا يدع جهة من أجسامهم إلا أحاط بها. ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه

стр. 1855

في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿وإذا أنعمنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿على الإنسان﴾ أي: الواقف مع نفسه نعمة تليق بعظمتنا ﴿أعرض﴾ أي: عن التعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله تعالى ﴿ونأى﴾ أي: أبعد بعداً جعل بيننا وبينه حجاباً عظيماً ﴿بجانبه﴾ أي: ثنى عطفه متبختراً ﴿وإذا مسه الشر﴾ أي: هذا النوع قليله وكثيره ﴿فذو دعاء﴾ أي: في كشفه وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو إلا عند المس، وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله تعرفاً إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق شريف لا يفعله إلا أفراد خصهم الله بلطفه ﴿عريض﴾ أي: مديد العرض جداً وأما طوله فلا يسئل عنه، وهذا كناية عن النهاية في الكثرة، تقول العرب أطال فلان الدعاء وأعرض أي: أكثر، ثم أمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بقوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء المعرضين ﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿إن كان﴾ أي: هذا القرآن ﴿من عند الله﴾ الذي له الإحاطة بجميع صفات الجلال والجمال ﴿ثم كفرتم به﴾ أي: من غير نظر واتباع دليل ﴿من أضل﴾ منكم هكذا كان الأصل ولكنه قال: ﴿ممن هو في شقاق﴾ أي: خلاف لأولياء الله تعالى ﴿بعيد﴾ أي: عن الحق تنبيها على أنهم صاروا كذلك ومن صار كذلك فقد عرض نفسه لسطوات الله . ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق﴾ قال ابن عباس: يعني منازل الأمم الخالية ﴿وفي أنفسهم﴾ أي: بالبلايا والأمراض، وقال قتادة: يعني وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر، وقال مجاهد: في الآفاق ما يفتح الله تعالى من القرى على محمد ﷺ وفي أنفسهم فتح مكة، وقال عطاء: في الآفاق يعني: أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم في آفاق الليل والنهار والأضواء والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار وفي أنفسهم من لطائف الصنعة وبديع الحكمة في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام وحدوث الأعضاء العجيبة والتركيبات الغريبة كقوله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ (الذاريات: ٢١) تنبيه: قال النووي في تهذيبه: قال أهل اللغة: الآفاق النواحي، الواحد أفق بضم الهمزة والفاء، وأفق بإسكان الفاء. ولما كان التقدير ولا نزال نكرر عليهم هذه الدلائل عطف عليه ﴿حتى يتبين لهم﴾ غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر ﴿أنه﴾ أي: القرآن ﴿الحق﴾ أي: الكامل في الحقبة الذي يطابق الواقع المنزل من الله تعالى بالبعث والحساب والعقاب فيعاقبون على كفرهم به وبالجائي به، وقيل: الضمير في أنه لدين الإسلام، وقيل: لمحمد ﷺ ﴿أولم يكف بربك﴾ أي: المحسن إليك بهذا البيان المعجز للأنس والجان شهادة بأن القرآن من عند الرحمن. تنبيه: الباء زائدة للتأكيد كأنه قيل: أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد تزاد في الفاعل إلا مع كفى وقوله تعالى: ﴿أنه على كل شيء شهيد﴾ بدل من ربك، والمعنى: أولم يكفهم في صدقك أن ربك لا يغيب عنه شيء ما وقد شهد لك فيه بالإعجاز لجميع الخلق بكل ما تضمنته آياته ونطقت به كلماته، ففيه أعظم بشارة بتمام الدين وظهوره على المعتدين. ولما لم يبق بعد هذا التعنت مقال ولا شبهة أصلاً لضال، قال تعالى منادياً على من جحد واستمر على عناده:

стр. 1856

﴿ألا إنهم﴾ أي: هؤلاء الكفرة ﴿في مرية﴾ أي: جحد وجدال وشك وضلال عن البعث ﴿من لقاء ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم لإنكارهم البعث، ثم كرر كونه قادراً على البعث وغيره بقوله تعالى: ﴿ألا إنه﴾ أي: هذا المحسن إليهم ﴿بكل شيء﴾ أي: من الأشياء جملتها وتفصيلها كلياتها وجزئياتها أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها ﴿محيط﴾ قدرة وعلماً بكثير الأشياء وقليلها كلياتها وجزئياتها فيجازيهم بكفرهم، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبي ﷺ «من قرأ السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات» حديث موضوع. سورة الشورى مكية وهي ثلاث وخمسون آية وثمانمائة وست وستون كلمةوثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي أحاط بصفات الكمال ﴿الرحمن﴾ الذي عمت رحمته سائر عباده ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بما ترضاه إلهيته من رحمته وقوله تعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح وسئل الحسن بن الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها سورة أولها حم فجرت مجرى نظائرها فكان حم مبتدأ وعسق خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل كهيعص والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف تهج لا غير. واختلفوا في حم فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلاً، وقيل: معناها حم أي: قضى ما هو كائن، روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ح حلمه م مجده ع علمه س سناؤه ق قدرته أقسم الله تعالى بها. وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: ح: حرب قريش يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في قريش، م: ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع: عداوة لقريش يقصدهم سن سنين كسني يوسف تكون فيهم، ق: قدرة الله تعالى النافذة في خلقه. وروي عن ابن عباس أنه قال ليس من نبي صاحب كتاب إلا وأوحيت إليه حم عسق فلذلك قال تعالى: ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن ﴿يوحى إليك﴾ أي: ما دمت حياً لا يقطع ذلك عنك ﴿وإلى﴾ أي: وأوحى إلى ﴿الذين من قبلك﴾ أي: من الرسل الكرام والأنبياء الأعلام ومن جملة ما أوحى إليهم أن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء وأخذ على كل منهم العهد باتباعك وأن يكونوا من أنصارك وأتباعك وقوله تعالى: ﴿الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال فاعل الإيحاء. ولما كان نفوذ الأمر دائراً على العزة والحكمة قال تعالى: ﴿العزيز﴾ أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ الذي يصنع ما يصنعه في أتقن محاله فلذلك لا يقدر أحد على نقض ما أبرمه ولا نقص ما أحكمه. تنبيه: ما تقرر من أن الله تعالى فاعل الإيحاء هو على قراءة كسر الحاء من يوحي وهي قراءة غير ابن كثير، وأما على قراءة ابن كثير بفتح الحاء فيجوز أن يرتفع بفعل مضمر كأنه قيل: من يوحيه فقيل الله ك ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ (النور: ٣٦ ـ ٣٧) ويجوز أن يرتفع بالابتداء وما بعده خبر

стр. 1857

والجملة قائمة مقام الفاعل وأن يكون العزيز الحكيم خبرين أو نعتين والجملة من قوله تعالى: ﴿له ما في السموات﴾ أي: من الذوات والمعاني ﴿وما في الأرض﴾ كذلك خبر أول أو ثان على حسب ما تقدم في العزيز الحكيم، قال الزمخشري: لم يقل تعالى أوحى إليك ولكن قال: يوحي إليك على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على ما لا نهاية له، وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات وقوله تعالى: ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ يدل على كونه متصفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجزاء السموات والأرض على عظمتها وسعتها بالإيجاد والإعدام وأن ما في السموات وما في الأرض خلقه وملكه. ولما كان العلو مستلزماً للقدرة قال تعالى: ﴿وهو العلي﴾ على كل شيء علو رتبة وعظمة ومكانة لا علو مكان وملابسة ﴿العظيم﴾ بالقدرة والقهر والاستعلاء وقوله تعالى: ﴿تكاد السموات﴾ قرأه نافع والكسائي بالياء التحتية، والباقون بالفوقية وقوله تعالى ﴿يتفطرن﴾ أي: يشققن قرأه شعبة وأبو عمرو بعد الياء بنون ساكنة وكسر الطاء مخففة، والباقون بعد الياء بتاء فوقية مفتوحة وفتح الطاء مشددة وقوله تعالى: ﴿من فوقهن﴾ في ضميره ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه عائد على السموات أي: كل واحدة منهن تنفطر فوق التي تليها من عظمة الله تعالى أو من قول المشركين: ﴿اتخذ الله ولداً﴾ (الكهف: ٤) كما في سورة مريم أي: يبتدئ انفطارهن من هذه الجهة فمن: لابتداء الغاية متعلقة بما قبلها، الثاني: أنه يعود على الأرضين لتقدم ذكر الأرض، الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين قاله الأخفش الصغير، وقال الزمخشري: كلمة الكفر أي: على التفسير الثاني إنما جاءت من الذين تحت السموات فكان القياس أن يقال: ينفطرن من تحتهن أي: من الجهة التي جاءت منها الكلمة ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن ينفطرن أي: من الجهة التي فوقهن دون الجهة التي تحتهن، ونظيره في المبالغة قوله ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم﴾ (الحج: ١٩ ـ ٢٠) فجعل الحميم مؤثراً في أجزائهم الباطنة ا. هـ. ولما بين تعالى أن سبب كيدودة انفطارهن جلال العظمة التي منها كثرة الملائكة وشناعة الكفر، بين لها سبباً آخر وهو عظم قول الملائكة فقال تعالى: ﴿والملائكة يسبحون﴾ أي: يوقعون التنزيه لله تعالى متلبسين ﴿بحمد ربهم﴾ أي: بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحاً يليق بحالهم فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول ولا تثبت لها الجبال. تنبيه: عدل عن التأنيث ولم يقل يسبحن مراعاة للفظ التذكير وضمير الجمع، إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ويستغفرون لمن في الأرض﴾ عام فيدخل فيه الكفار ولقد لعنهم الله تعالى فقال سبحانه: ﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ (البقرة: ١٦١) فكيف يكونون لاعنين لهم ومستغفرين لهم؟ أجيب: بوجوه؛ الأول: أنه عام مخصوص بآية غافر ﴿ويستغفرون للذين آمنوا﴾ (غافر: ٧) ، الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لمن في الأرض﴾ لا يفيد العموم لأنه يصح أن يقال استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صح ذلك، الثالث: يجوز أن يكون المراد بالاستغفار أن لا يعاجلهم

стр. 1858

بالعقاب كما في قوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا﴾ إلى أن قال تعالى ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ (الإسراء: ٤٤) الرابع: يجوز أن يقال إنهم يستغفرون لكل من في الأرض أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم، وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، فإنا نقول اللهم اهد الكفار وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر، وهذا استغفار في الحقيقة وقوله تعالى: ﴿ألا إن الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بصفات الكمال ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الغفور الرحيم﴾ تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة لله تعالى، وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة.u ﴿والذين اتخذوا من دونه﴾ أي: غير الله تعالى ﴿أولياء﴾ أي: أنداداً وشركاء يعبدونهم كالأصنام ﴿الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال ﴿حفيظ﴾ أي: رقيب ومراع وشهيد ﴿عليهم﴾ أي: على أعمالهم ولا يغيب عنه شيء من أعمالهم فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم وجازاهم عليه بما أعد للكافرين، وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عيناً وأثراً ولم يعاقبهم، وإن شاء محاه عيناً وأبقى الأثر حتى يعاقبهم ﴿وما أنت﴾ يا أشرف الرسل ﴿عليهم بوكيل﴾ أي: حتى يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل بما يقوم فيه مقام الموكل سواء قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن أم قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وغير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ. ﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ذلك الإيحاء ﴿أوحينا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿إليك قرآناً﴾ أي: جامعاً لكل حكمة مع الفرق لكل ملتبس ﴿عربياً﴾ فهو بين الخطاب واضح الصواب معجز الجناب ﴿لتنذر﴾ أي: به ﴿أم القرى﴾ أي: أهل مكة التي هي أم الأرض وأصلها منها دحيت، أو لشرفها أوقع الفعل عليها عداً لها عداد العقلاء أو غير ذلك إذ ما عليك إلا البلاغ، وقوله تعالى ﴿ومن حولها﴾ معطوف على أهل المقدر قبل أم القرى، والمفعول الثاني محذوف أي: العذاب والمراد بمن حولها: قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المدر والوبر، والإنذار: التخويف ﴿وتنذر﴾ أي: الناس. ﴿يوم الجمع﴾ أي: يوم القيامة يجمع الله تعالى فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين ويجمع الأرواح بالأجساد ويجمع بين العامل وعمله ويجمع بين الظالم والمظلوم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ لأنه ركز في فطرة كل أحد وقوله تعالى: ﴿فريق﴾ يجوز فيه وجهان؛ أحدهما: أنه مبتدأ وساغ هذا في النكرة لأنه مقام تفصيل وخبره ﴿في الجنة﴾ أي: تفضلاً منه ورحمة، وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار، ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق، وساغ الابتداء بالنكرة حينئذ لشيئين: تقديم خبرها جاراً ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هم أي: المجموعون فريق، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يوم الجمع﴾ وقوله تعالى: ﴿وفريق في السعير﴾ أي: عدلاً منه فيه ما مر، وهم الذين خذلهم الله تعالى ووكلهم إلى أنفسهم، فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين والجمع بين الصنفين محال؟ أجيب: بأنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين قال القشيري: كما أنهم في الدنيا فريقان فريق في راحات الطاعات وحلاوات العبادات،

стр. 1859

وفريق في ظلمات الشرك وعقوبات الجحد والشك فكذلك غداهم فريقان، فريق هم أهل اللقاء وفريق هم أهل البلاء والشقاء. ورى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم قابضاً على كفيه ومعه كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا: لا يا رسول الله فقال: للذي في يده اليمنى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، ثم قال للذي في يده اليسرى هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفاً في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفاً في الأرحام، إذ هم في الطينة منجدلون فليس يزاد فيهم ولا ينقص منهم، إجمال من الله تعالى عليهم إلى يوم القيامة، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذن؟ فقال: اعملوا وسددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أيَّ: عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أيَّ: عمل ثم قال ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ عدل من الله تعالى» أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده. ﴿ولو شاء الله﴾ أي: المحيط بجميع أوصاف الكمال ﴿لجعلهم﴾ أي: المجموعين ﴿أمة واحدة﴾ للثواب أو للعذاب، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين مقسطين وظالمين ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد قهار لا يبالي بأحد، وهو معنى قوله تعالى ﴿ولكن يدخل من يشاء﴾ إدخاله ﴿في رحمته﴾ بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهم المقسطون، ويدخل من يشاء في نقمته بخلق الضلالة في قلوبهم فيكونوا ظالمين فلا تكون أفعالهم في مواضعها، فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير ﴿والظالمون﴾ أي: العريقون في الظلم الذين ساء ظلمهم وهم الكافرون فيدخلهم في لعنته ﴿ما لهم من ولي﴾ أي: يلي أمورهم فيجتهد في صلاحها فيدفع عنهم العذاب ﴿ولا نصير﴾ ينصرهم من الهوان فيمنعهم من النار، وعلى هذا التقدير: فالآية من الاحتباك وهو ظاهر ذكر الرحمة أولاً دليلاً على اللعنة ثانياً، والظلم وما معه ثانياً دليلاً على أضداده أولاً، وهذا تقدير لقوله تعالى: ﴿الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي: أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان ولو شاء الله تعالى لفعله لأنه أقدر منك، لكنه تعالى جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. ولما حكى الله تعالى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم قال لنبيه محمد ﷺ ﴿لست عليهم بوكيل﴾ أي: لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان، فإن الله تعالى لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الإنكار بقوله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دونه أولياء﴾ كالأصنام وهذه أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال، وبهمزة الإنكار أو بالهمزة فقط أو ببل فقط أي: ليس المتخذون أولياء ﴿فالله﴾ أي: المختص بصفات الكمال ﴿هو﴾ وحده ﴿الولي﴾ قال ابن عباس: وليك يا محمد وولي من اتبعك، والفاء: جواب الشرط المقدر كأنه قال: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي لا ولي سواه، وقيل: هي لمجرد العطف وجرى على هذا الجلال المحلي، وعلى الأول الزمخشري ﴿وهو﴾ أي: ومن شأن هذا الولي ﴿يحيي الموتى﴾

стр. 1860

أي: يجدد إحياءها في كل وقت يشاؤه ﴿وهو﴾ وحده ﴿على كل شيء قدير﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء. ولما منع تعالى نبيه محمداً ﷺ أن يحمل الكفار على الإيمان، منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في المخاصمات والمنازعات بقوله تعالى: ﴿وما اختلفتم﴾ أي: أنتم والكفار ﴿فيه من شيء﴾ أي: من أمور الدنيا أو الدين ﴿فحكمه إلى الله﴾ أي: مفوض إلى الذي هو الولي لا غيره، يميز المحق من المبطل بالنصر والإثابة والمعاقبة، وقيل: ما اختلفتم فيه من تأويل المتشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله ﴿ذلكم الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال ﴿ربي﴾ أي: الذي لا مربي لي غيره في ماض ولا حال ولا استقبال ﴿عليه﴾ أي: وحده ﴿توكلت﴾ أسلمت جميع أمري ﴿وإليه﴾ لا إلى غيره ﴿أنيب﴾ أي: أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور فأعرف منه حكمة فافعلوا أنتم كذلك واجعلوه الحكم تفلحوا ولا تعدلوا عنه في شيء من الأشياء تهلكوا، وقوله تعالى: ﴿فاطر﴾ أي: مبدع ﴿السموات والأرض﴾ خبر آخر لذلكم أو مبتدأ خبره ﴿جعل لكم﴾ أي: بعد أن خلقكم من الأرض ﴿من أنفسكم أزواجاً﴾ حيث خلق حواء من ضلع آدم فيكون بالسكون إليها بقاء نوعكم ﴿ومن﴾ أي: وجعل لكم أي: لأجلكم من ﴿الأنعام﴾ التي هي أموالكم وجمالكم وبها أعظم أقواتكم ﴿أزواجاً﴾ أي: ذكوراً وإناثاً يكون بها أيضاً بقاء نوعها ﴿يذرؤكم﴾ بالمعجمة أي: يخلقكم ويكثركم من الذرء وهو: البث ﴿فيه﴾ أي: في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجاً ليكون بينهم توالد فإنه كالمنبع للبث والتكثير فالضمير للأناسي والأنعام بالتغليب، واختلف في الكاف في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ فجرى الجلال المحلي على أنها زائدة لأنه تعالى لا مثل له، وجرى غيره على أنها ليست زائدة لأنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى، وحاصله كما قال التفتازاني: إن قولنا ليس كذاته شيء وقولنا ليس كمثله شيء عبارتان كلاهما من معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته، الأولى صريحاً والثانية كناية مشتملة على مبالغة، وهي أن المماثلة منفية عمن يكون مثله وعلى صفته فكيف عن نفسه وهذا لا يستلزم وجود المثل، ألا ترى أن قولهم مثل الأمير يفعل كذا ليس اعترافاً بوجود المثل له، فالمعنى هنا: أن مثل مثله تعالى منفي فكيف بمثله، وأيضاً مثل المثل مثل فيلزم من نفيه نفيهما، وقال البغوي: المثل صلة أي: ليس كهو شيء فأدخل المثل للتوكيد، كقوله تعالى ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ (البقرة: ١٣٧) وهذا كالتأويل الأول وقيل: إن المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله تعالى: ﴿مثل الجنة﴾ (الرعد: ٣٥) فيكون المعنى: ليس كصفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره، وأما قوله تعالى: ﴿وله المثل الأعلى﴾ (الروم: ٢٧) فمعناه أن له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله ولا يشاركه فيه أحد ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه هو لا غيره ﴿السميع البصير﴾ أي: الكامل في السمع والبصر بكل ما يسمع ويبصر، فإن قيل: هذا يفيد الحصر مع أن العباد أيضاً موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟ أجيب: بأن السمع والبصر لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال كما مر، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله تعالى فهذا هو المراد من هذا الحصر. ﴿له﴾ أي:
следующие страницы →