Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
العجزة ﴿يقسمون﴾ أي: على التجدد والاستمرار ﴿رحمت ربك﴾ أي: إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه أنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك له من تخصيصك بالإرسال إليهم لإنقاذهم من الضلال وجعلك وأنت أفضل العالمين الرسول إليهم، ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسباً وأفضلهم حسباً وأعظمهم عقلاً وأصفاهم لباً وأرحمهم قلباً، ليتصرفوا في تلك الرحمة التي هي روح الوجود وسر الأمر لا يحب شهواتهم ولا يقدرون على التصرف في المتاع الزائل بمثل ذلك كما قال تعالى: ﴿نحن قسمنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿بينهم﴾ أي: في الأمر الزائل الذي يعمهم ويجب تخصيص كل منهم لما لديه ﴿معيشتهم﴾ أي: التي يعدونها رحمة ويقصرون عليهم النعمة ﴿في الحياة الدنيا﴾ التي هي أدنى الأشياء عندنا وأشار بتأنيثها إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل، وأما الآخرة فعبر بالحيوان لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتفانوا على ذلك فلم يبق منهم أحد، فكيف يدخل في الوهم أن نجعل إليهم شيئاً من الكلام في أمر النبوة التي هي روح الوجود وبها سعادة الدارين ﴿ورفعنا﴾ أي: بما لنا من نفوذ الأمر ﴿بعضهم﴾ وإن كان ضعيف البدن قليل العقل ﴿فوق بعض﴾ وإن كان قوياً غزير العقل ﴿درجات﴾ في الجاه والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظم حال الوجود، فإنه لابد في انتظامه من تشارك الموجودين وتعاونهم ففاوتنا بينهم في الجثث والقوى والهمم، ليقتسموا الصنائع والمعارف ويكون كل ميسراً لما خلق له وجانحاً لما هُيىء لتعاطيه فلم يقدر أحد من دني أو غني أن يعدو قدره ويرتقي فوق منزلته.
ثم علل ذلك بما ثمرته عمارة الأرض بقوله تعالى: ﴿ليتخذ﴾ أي: بغاية جهده ﴿بعضهم بعضاً سخرياً﴾ أي: ليستخدم بعضهم بعضاً فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض هذا بماله وهذا بأعماله فيلتئم قوام العالم؛ لأن المقادير لو تساوت لتعطلت المعايش فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنيء، فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا، قال ابن الجوزي: فإذا كانت الأرزاق بقدر الله تعالى لا بحول المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة وهذا هو المراد بقوله تعالى: صارفاً القول عن مظهر العظمة إلى الوصف بالإحسان إظهار الشرف النبي ﷺ
﴿ورحمت ربك﴾ أي: المربي لك والمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك التي هي لعظمتها جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمي غيرها رحمة ﴿خير مما يجمعون﴾ من حطام الدنيا الفاني فإنه وإن تأتَّى فيه خير في استعماله في وجوه البر بشرطه فهو بالنسبة إلى النبوة وما قاربها مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش، وقيل: المراد بالرحمة: الجنة، وجرى عليه البغوي وتبعه الجلال المحلي وابن عادل، وجرى على الأول البيضاوي وتبعه البقاعي وهو الظاهر من الآية الكريمة.
فائدة: اتفق القراء هنا على قراءة سخريا بضم السين ثم بين تعالى حقارة الدنيا وخستها التي يفتخرون بها بقوله تعالى:
﴿ولولا أن يكون الناس﴾ أي: أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس بأنفسهم ﴿أمة واحدة﴾ أي: في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا
стр. 1892
المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارهم وهممهم إلا من عصمه الله تعالى ﴿لجعلنا﴾ أي: في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على معارضتها لحقارة الدنيا عندنا وبغضاً لها ﴿لمن يكفر﴾ وقوله تعالى: ﴿بالرحمن﴾ أي: العام الرحمة دليل على حقارة الدنيا من جهة إعطائها إلا بعد الممقوت، وعلى أن صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها الله تعالى من الرفق بالمؤمنين وقوله تعالى: ﴿لبيوتهم﴾ بدل من لمن بدل اشتمال بإعادة العامل واللامان للاختصاص ﴿سقفاً من فضة﴾ قال البقاعي: كأنه خصها أي: الفضة لإفادتها النور، وقرأ أبو عمرو وورش وحفص بضم الباء الموحدة والباقون بكسرها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسقفاً بفتح السين وسكون القاف على إرادة الجنس، والباقون بضمها جمعاً وقوله تعالى: ﴿ومعارج﴾ جمع معرج وهو السلم أي: من فضة أيضاً وسميت المصاعد من الدرج معارج لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج ﴿عليها﴾ خاصة لتيسر أمرها لهم ﴿يظهرون﴾ أي: يعلون ويرتقون على ظهرها إلى المعالي.
﴿ولبيوتهم أبواباً﴾ أي: من فضة أيضاً وقوله تعالى ﴿وسرراً﴾ أي: من فضة جمع سرير ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتهم وأحوالهم بقوله تعالى: ﴿عليها يتكئون﴾ ودل على ما هو أعظم من الفضة بقوله تعالى:
﴿وزخرفاً﴾ أي: ذهباً وزينة كاملة عامة.
تنبيه: زخرفاً يجوز أن يكون منصوباً بجعل أي: وجعلنا لهم زخرفاً، وجوز الزمخشري: أن ينتصب عطفاً على محل من فضة، كأنه قيل: سقفاً من فضة وذهب، فلما حذف الخافض انتصب أي: بعضها كذا وبعضها كذا، وقيل: الزخرف هو الذهب لقوله تعالى: ﴿أو يكون لك بيت من زخرف﴾ (الإسراء: ٩٣)
فيكون المعنى ويجعل لهم مع ذلك ذهباً كثيراً، وقيل: الزخرف الزينة لقوله تعالى: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت﴾ (يونس: ٢٤)
فيكون المعنى نعطيهم زينة عظيمة في كل باب ﴿وإن كل ذلك﴾ أي: البعيد من الخير لكونه في الأغلب مبعداً مما يرضينا ﴿لما متاع الحياة الدنيا﴾ أي: التي اسمها دال على دناءتها يتمتع به فيها ثم يزول، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: بتشديد الميم بعد اللام بمعنى إلا حكى سيبويه: (أنشدتك الله لما فعلت) بمعنى إلا، وتكون أن نافية أي: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وقرأ الباقون: بالتخفيف فتكون إن هي المخففة من الثقيلة أي: وإنه كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا.
﴿والآخرة﴾ أي: الجنة التي لا دار تعدلها بل لا دار في الحقيقة إلا هي ﴿عند ربك﴾ أي: المحسن إليك بأن جعلك أفضل الخلق ﴿للمتقين﴾ أي: الذين هم دائماً واقفون عن أدنى تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم من الكفار، ولهذا لما ذكر عمر ﵁ كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي ﷺ «ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» وقال ﷺ «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها الكافر قطرة ماء» .
وروى المستورد بن شداد قال: «كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله ﷺ على السخلة الميتة فقال رسول الله ﷺ أترى هذه هانت على أهلها حتى ألقوها قالوا: من هوانها ألقوها قال رسول الله ﷺ فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها» أخرجه
стр. 1893
الترمذي وقال حديث حسن. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أحب الله عبده حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء» .
قال البقاعي: ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية وتذهيب السقوف وغيرها من مبادي الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، أوفي زمن الدجال لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك سبحانه.
فإن قيل: لم بين تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر فلِمَ لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير سبباً لاجتماع الناس على الإسلام؟ أجيب: بأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا وهذا الإيمان إيمان المنافقين فاقتضت الحكمة أن لا يجعل ذلك للمسلمين حتى أن كل من دخل في الإسلام يدخل لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى.
﴿ومن يعش﴾ أي: يعرض ﴿عن ذكر الرحمن﴾ أي: الذي عمت رحمته فلا رحمة على أحد إلا وهي منه تعالى كما فعل هؤلاء حين متعناهم وأباءهم حتى أبطرهم ذلك وهو شيء يسير جداً، فأعرضوا عن الآيات والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظراً ضعيفاً كنظر من عشا بصره وهو من ساء بصره بالليل والنهار ﴿نقيض﴾ أي: نسبب ﴿له﴾ عقاباً على إعراضه عن ذكر الله تعالى ﴿شيطاناً﴾ أي: شخصاً نارياً بعيداً من الرحمة يكون غالباً عليه محيطاً به مثل قيض البيضة وهو القشر الداخل ﴿فهو له قرين﴾ أي: مشدود به لا يفارقه فلا يمكنه التخلص منه ما دام متعامياً عن ذكر الله تعالى، فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه على عين الهدى كما أن من يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي يثيره إلى كل خير، فذكر الله تعالى حصن حصين من الشيطان الرجيم متى خرج العبد منه أسره العدو كما ورد في الحديث» .
﴿وأنهم﴾ أي: القرناء ﴿ليصدونهم﴾ أي: العاشين ﴿عن السبيل﴾ أي: الطريق الذي من حاد عنه هلك لأنه لا طريق له في الحقيقة سواه ﴿ويحسبون﴾ أي: العاشون مع سيرهم في المهالك لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ ﴿أنهم مهتدون﴾ أي: غريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق على الذاكرين.
تنبيه: ذكر الإنسان والشيطان بلفظ الجمع لأن قوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً﴾ فهو له قرين يفيد: الجمع وإن كان اللفظ على الواحد، قال أبو حيان: الظاهر أن ضميري النصب في وأنهم ليصدونهم: عائدان على مَنْ من حيث معناها وأما لفظها أولاً فأفراد في له وله ثم راعى معناها فجمع في قوله تعالى: ﴿وإنهم ليصدونهم﴾ والضمير المرفوع على الشيطان لأن المراد به: الجنس ولأن كل كافر معه قرينه، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: بفتح السين والباقون بكسرها وقرأ:
﴿حتى إذا جاءنا﴾ نافع وابن عامر وأبو بكر: بمد الهمزة بعد الجيم على التثنية أي: جاء العاشي والشيطان،
стр. 1894
والباقون بغير مد إفراد أي: جاء العاشي ﴿قال﴾ أي: العاشي تندماً وتحسراً لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل ﴿يا ليت بيني وبينك﴾ أي: أيها القرين ﴿بعد المشرقين﴾ أي: ما بين المشرق والمغرب على التغليب قاله ابن جرير وغيره، أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن الآخر ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعاً له أنواع المذام ﴿فبئس القرين﴾ والمخصوص بالذم محذوف أي: أنت لأنك الذي قد أضللتني وأوصلتني إلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض قال أبو سعيد الخدري: «إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصيرا إلى النار» وفي فاعل قوله تعالى:
d
﴿ولن ينفعكم اليوم﴾ قولان أحدهما: أنه ملفوظ به وهو أنكم وما في حيزها والتقدير: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب بالتأسي كما ينفعكم الاشتراك في مصائب الدنيا فيتأسى المصاب بمثله ومنه قول الخنساء:
*ولولا كثرة الباكين حولي ... على موتاهم لقتلت نفسي*
*وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي*
والثاني: أنه مضمر فقدره بعضهم ضمير التمني المدلول عليه بقوله: ﴿يا ليت بيني﴾ أي: لن ينفعكم تمنيكم البعد وبعضهم اجتماعكم وبعضهم ظلمكم وجحدكم، وعبارة من عبر بأن الفاعل محذوف مقصوده الإضمار المذكور لا الحذف إذ الفاعل لا يحذف إلا في مواضع ليس هذا منها والمعنى: ولن ينفعكم اليوم في الآخرة ﴿إذ ظلمتم﴾ أي: أشركتم في الدنيا ﴿أنكم في العذاب مشتركون﴾ أي: لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب كما كنتم تشتركون في الدنيا.
تنبيه: استشكل المعربون هذه الآية ووجهه أن قوله تعالى: ﴿اليوم﴾ ظرف حالي وإذ ظرف ماضي وينفعكم مستقبل لاقترانه بلن التي لنفي المستقبل، والظاهر أنه عامل في الظرفين وكيف يعمل الحدث المستقبل الذي لم يقع إلا بعد في ظرف حالي وماض هذا مما لا يجوز؟ أجيب: عن أعماله في الظرف الحالي على سبيل قربه منه لأن الحال قريب من الاستقبال فيجوز في ذلك قال تعالى: ﴿فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً﴾ (الجن: ٩)
وقال الشاعر:
*سأسعى الآن إذ بلغت أباها ... وهو إقناعي وإلا فالمستقبل*
يستحيل وقوعه في الحال عقلاً وأما قوله تعالى: ﴿إذ﴾ ففيها للناس أوجه كثيرة قال ابن جني: راجعت أبا علي فيها مراراً كثيرة فآخر ما حصلت منه أن الدنيا والآخرة متصلتان وهما سواء في حكم الله تعالى وعلمه، فإذ بدل من اليوم حتى كأنها مستقبلة أو كان اليوم ماض وإلى هذا نحا الزمخشري قال: وإذ بدل من اليوم، وحمل الزمخشري على معنى إذ تبين وصح ظلمكم ولم يبق لأحد ولا لكم شبهة في أنكم كنتم ظالمين ونظيره:
*إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة*
أي: تبين أني ولد كريمة.
ولما وصفهم في الآية المتقدمة بالعشي وصفهم بالصمم والعمى بقوله تعالى:
﴿أفأنت﴾ أي: وحدك من غير إرادة الله تعالى ﴿تسمع الصم﴾ وقد أصممناهم بما صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء
стр. 1895
﴿أوتهدي العمي﴾ الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية الخسارة روي أنه ﷺ «كان يجتهد في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا تصميماً على الكفر وعناداً في الغي فنزلت» . أي: هم في النفرة عنك وعن دينك بحيث إذا أسمعتهم القرآن كانوا كالصم وإذا أريتهم المعجزات كانوا كالعمي وقوله تعالى ﴿ومن كان﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿في ضلال مبين﴾ عطف على العمي باعتبار تغاير الوصفين، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى بين في نفسه أنه ضلال وأنه محيط بالضال، يظهر لكل أحد ذلك فهو بحيث لا يخفى على أحد فالمعنى: ليس شيء من ذلك إليك بل هو إلى الله تعالى القادر على كل شيء وأما أنت فليس عليك إلا البلاغ فلا تتعب نفسك.
﴿فإما نذهبن بك﴾ أي: من بين أظهرهم بموت أو غيره وما مزيدة مؤكدة بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة ﴿فإنا منهم﴾ أي: من الذين تقدم التعريض بأنهم صم عمي ضلال لم تنفعهم مشاعرهم ﴿منتقمون﴾ أي: بعد فراقك لأن وجودك بين أظهرهم هو سبب تأخير العذاب عنهم.
﴿أو نرينك﴾ وأنت بينهم ﴿الذي وعدناهم﴾ أي: من العذاب وعبر فيه بالوعد ليدل على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه ﴿فإنا﴾ أي: بما لنا من العظمة التي أنت أعلم الخلق بها ﴿عليهم﴾ أي: على عقابهم ﴿مقتدرون﴾ على كلا التقديرين، وأكد بأن لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته وكذا بالإتيان بنون العظمة وصيغة الافتعال.
﴿فاستمسك﴾ أي: اطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال من أحوال الإمساك ﴿بالذي أوحى إليك﴾ من حين نبوتك إلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره ﴿إنك على صراط﴾ أي: طريق واسع واضح جداً ﴿مستقيم﴾ أي: موصل إلى المقصود لا يصح أصلاً أن يلحقه شيء من عوج.
﴿وإنه﴾ أي: الذي أوحى إليك في الدين والدنيا ﴿لذكر﴾ أي: لشرف عظيم جداً وموعظة وبيان ﴿لك ولقومك﴾ قريش خصوصاً لنزوله بلغتهم والعرب عموماً وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم روى الضحاك عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ «كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك قال: لقريش» . وروى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان» . وروى معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين» . وقال مجاهد: القوم هم العرب فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب حتى يكون الأكثر لقريش ولبني هاشم، وقيل: ذكر لك بما أعطاك من الحكمة ولقومك من المؤمنين بما هداهم الله تعالى به ﴿وسوف تسألون﴾ أي: عن القرآن يوم القيامة وعن قيامكم بحقه وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له، وقال الكلبي: تسألون هل أديتم شكر إنعامنا عليكم بهذا الذكر الجميل، وقال مقاتل: يقال لمن كذب به لم كذبت؟ فيسأل سؤال توبيخ وقيل: يسألون هل عملتم بما دل عليه القرآن من التكاليف. وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أسري بالنبي ﷺ إلى المسجد الأقصى إلى السموات العلى بعث له آدم وولده من
стр. 1896
المرسلين ﵈ فأذن جبريل ﵇ ثم أقام وقال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل ﵇:
﴿واسأل من أرسلنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن﴾ أي: غيره ﴿آلهة يعبدون﴾ فقال رسول الله ﷺ لا أسأل قد اكتفيت ولست شاكاً فيه. وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وأبي زيد: قالوا جمع له الرسل ليلة أسري به وأمر أن يسألهم فلم يسأل ولم يشك. وقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء ﵈ هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد وهو قول مجاهد وقتادة والسدي، ولم يسأل النبي ﷺ على واحد من القولين لأن المراد من الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله تعالى ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى.
ولما طعن كفار قريش في نبوة محمد ﷺ وبكونه فقيراً معدماً عديم الجاه والمال بين الله تعالى أن موسى ﵇ بعد أن أورد المعجزات القاهرة التي لا يشك في صحتها عاقل أورد عليه فرعون هذه الشبهة التي ذكرها كفار قريش فقال تعالى:
﴿ولقد أرسلنا﴾ أي: بما ظهر من عظمتنا ﴿موسى﴾ أي: الذي كان يرى فرعون أنه أحق الناس بعظمته لأنه رباه وكفله ﴿بآياتنا﴾ التي قهر بها عظماء الخلق وبجابرتهم فدل ذلك على صحة دعواه ﴿إلى فرعون﴾ الذي ادعى أنه الرب الأعلى ﴿وملائه﴾ أي: القبط ﴿فقال﴾ أي: بسبب إرسالنا ﴿إني رسول رب العالمين﴾ أي: مالكهم ومدبرهم ومربيهم فقالوا له: ائت بآية فأتى بها.
﴿فلما جاءهم بآياتنا﴾ أي: بآيتي اليد والعصا اللتين شاهدوا فيهما عظمتنا ودلهم ذلك على قدرتنا على جميع الآيات ﴿إذا هم﴾ أي: بأجمعهم ﴿منها يضحكون﴾ أي: فاجؤا المجيء بها من غير توقف ولا تأمل بالضحك سخرية واستهزاء، قيل: إنه لما ألقى عصاه صارت ثعباناً فلما أخذه وصار عصا كما كانت ضحكوا.
ولما أعرض عليهم اليد البيضاء ثم عادت كما كانت ضحكوا:
﴿وما﴾ أي: والحال إنا ما ﴿نريهم﴾ على ما لنا من الجلال والعلو وأغرق في النفي بإثبات الجار فقال تعالى: ﴿من آية﴾ أي: من آيات العذاب كالطوفان وهو ماء دخل بيوتهم ووصل إلى حلوق الجالسين سبعة أيام والجراد وغير ذلك ﴿الا هي أكبر﴾ أي: في الرتبة ﴿من أختها﴾ أي: التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها ﴿وأخذناهم﴾ أي: أخذ قهر وغلبة ﴿بالعذاب﴾ أي: أنواع العذاب كالدم والقمل والضفادع والبرد الكبار الذي لم يعهد مثله ملتهباً بالنار وموت الإبكار فكانت آيات على صدق موسى ﵇ بما لها من الإعجاز، وعذاباً لهم في الدنيا موصولاً بعذاب الآخرة فيا لها من قدرة باهرة وحكمة ظاهرة ﴿لعلهم يرجعون﴾ أي: ليكون حالهم عندنا إذا نظرهم الجاهل بالعواقب حال من يرجى رجوعه.
﴿و﴾ لما عاينوا العذاب ﴿قالوا﴾ لموسى أي: قال فرعون بالمباشرة وأتباعه بالموافقة له: ﴿يا أيها الساحر﴾ فنادوه بذلك في تلك الحالة لشدة شكيمتهم وفرط حماقتهم، أو لأنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحراً ﴿ادع لنا ربك﴾ أي: المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراماً لك ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿عهد عندك﴾ أي: من كشف العذاب عنا إن آمنا ﴿إننا لمهتدون﴾ أي: مؤمنون.
﴿فلما كشفنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة التي ترهب الجبال
стр. 1897
﴿عنهم العذاب﴾ أي: الذي أنزلناه بهم ﴿إذا هم ينكثون﴾ أي: فاجؤا الكشف بتجدد النكث بإخلاف بعد إخلاف.
﴿ونادى فرعون﴾ أي: زيادة على نكثه ﴿في قومه﴾ أي: الذين هم في غاية القيام معه وأمر كلاً منهم أن يشيع قوله إشاعة تعم البعيد والقريب فتكون كأنها مناداة إعلاماً بأنه مستمر على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع فيرجعون.
ولما كان كأنه قيل: بم نادى أجاب بقوله: ﴿قال﴾ أي: خوفاً من إيمان القبط لما رأى من أن ما شاهدوه من باهر الآيات مثله يزلزل ويأخذ القلوب ﴿يا قوم﴾ مستعطفاً بإعلامهم أنهم لحمة واحدة ومستنهضاً بوصفهم بأنهم ذو قوة على ما يحاولنه مقرراً لهم على عذره في نكثه بقوله: ﴿أليس لي﴾ أي: وحدي ﴿ملك مصر﴾ أي: كله فلا اعتراض علي من بني إسرائيل ولا غيرهم ﴿وهذه﴾ أي: والحال أن هذه ﴿الأنهار﴾ أي: أنهار النيل قال البيضاوي: ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس، وقال البقاعي: كأنه كان قد أكثر من تشقيق الخلجان إلى بساتينه وقصوره ونحو ذلك من أموره فقال: ﴿تجري من تحتي﴾ أي: تحت قصري أو أمري أو بين يدي في جناني وزاد في التقرير بقوله: ﴿أفلا تبصرون﴾ أي: هذا الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني، وهذا لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه.
﴿أم أنا خير﴾ أي: مع ما وصفت لكم من ضخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء ﴿من هذا﴾ وكنى بإشارة القريب عن تحقيره ثم وصفه بما يبين مراده بقوله: ﴿الذي هو معين﴾ أي: ضعيف حقير ذليل لأنه يتعاطى أموره بنفسه وليس له ملك ولا قوى يجري بها نهراً ولا ينفذ بها أمراً ﴿ولا يكاد يبين﴾ أي: لا يقرب من أن يعرب عن معنى من المعاني لما في لسانه من الحبسة، فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة بلسانه على تصريف المعاني وتنويع البيان ليستجلب القلوب وينعش الألباب فتكثر أتباعه ويضخم أمره، وقد كذب في جميع قوله فقد كان موسى ﵇ أبلغ أهل زمانه قولاً وفعلاً بتقدير الله تعالى الذي أرسله له وأمره إياه ولكن اللعين أسند هذا إلى ما بقي في لسانه من الحبسة تخييلاً لاتباعه لأن موسى ﵇ ما دعا بإزالة جميع حبسته بل بعقدة منها فإنه قال ﴿واحلل عقدة من لسان يفقهوا قولي﴾ (طه: ٢٧ ـ ٢٨)
تنبيه: في أم من قوله أم أنا خير أقوال؛ أحدها: أنها منقطعة فتقدر ببل التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي للإنكار، والثاني: أنها بمعنى بل فقط كقوله:
*بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح*
أي: بل أنت، الثالث: أنها منقطعة لفظاً متصلة معنى قال أبو البقاء: أم هنا منقطعة في اللفظ لوقوع الجملة بعدها في اللفظ وهي في المعنى متصلة معادلة إذ المعنى: أنا خير منه أم لا وأينا خير، قال ابن عادل: وهذه عبارة غريبة أن تكون منقطعة لفظاً متصلة معنى وذلك أنهما معنيان مختلفان فإن الانقطاع يقتضي إضراباً إما إبطالاً وإما انتقالاً ثم إن فرعون اللعين ظن أن القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الإعراض الدنيوية والتحلي بحلي الملوك ولذا قال:
﴿فلولا﴾
стр. 1898
أي: فهلا ﴿ألقي عليه﴾ عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة ﴿أساورة﴾ وقرأ حفص بسكون السين ولا ألف بعدها كالأحمرة، والباقون بفتح السين وألف بعدها فأسورة جمع سوار كحمار وأحمرة وهو جمع قلة وأساور جمع أسوار بمعنى سوار يقال: سوار المرأة وإسوارها والأصل: أساوير بالياء فعوض من حرف المد تاء التأنيث كزنديق وزنادقة وبطريق وبطارقة، وقيل: بل هي جمع أسورة فهي جمع الجمع قاله الزجاج، والسوار ما يوضع في المعصم من الحلية ﴿من ذهب﴾ ليكون ذلك إمارة له على صحة دعواه كما نفعل نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من المهمات، إذ كان من عادتهم أنهم إذا جعلوا واحداً منهم رئيساً لهم سوروه بسوار من ذهب وطوقوه بطوق من ذهب فطلب فرعون من موسى ﵇ مثل عادتهم ﴿أو جاء معه﴾ أي: صحبته عندما جاء إلينا بهذا النبأ الجسيم والملم العظيم ﴿الملائكة﴾ أي: هذا النوع وأشار إلى كثرتهم بما بين من الحال بقوله: ﴿مقترنين﴾ أي: يقارن بعضهم بعضاً بحيث يملؤون الفضاء ويكونون في غاية القرب منه بحيث يكون مقارناً لهم ليجاب إلى هذا الأمر الذي جاء يطلبه كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولاً إلى أمر يحتاج إلى دفاع وخصام ونزاع، فكان حاصل أمره كما ترى أنه تعزز بإجراء المياه فأهلكه الله تعالى بها، إيماء إلى أن من تعزز بشيء دون الله تعالى أهلكه الله به واستصغر موسى ﵇ وعابه بالفقر والعي فسلطه الله تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استصغر أحد شيئاً إلا غلبه، أفاده القشيري.
﴿فاستخف﴾ أي: بسبب هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم لملكه عند من له لب ﴿قومه﴾ الذين لهم قوة عظيمة فحملهم بغروره على ما كانوا مهينين له من خفة الحلم ﴿فأطاعوه﴾ أي: بأن أقروا بملكه واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى ﵇ ﴿أنهم كانوا﴾ أي: بما في جبلاتهم من الشر ﴿قوماً فاسقين﴾ أي: غريقين في الخروج عن طاعة الله تعالى إلى معصيته فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق.
﴿فلما آسفونا﴾ أي: أغضبونا في الإفراط في العناد والعصيان منقول من أسف إذا اشتد غضبه، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له: أتغضب يا أبا خالد فقال: قد غضب الذي خلق الأحلام إن الله تعالى يقول: ﴿فلما آسفونا﴾ أي: أغضبونا ﴿انتقمنا منهم﴾ أي: أوقعنا بهم على وجه المكافأة بما فعلوا برسولنا ﵇ عقوبة عظيمة منكرة مكروهة كأنها بعلاج ﴿فأغرقناهم أجمعين﴾ أي: إهلاك نفس واحدة لم يلفت منهم أحد على كثرتهم وقوتهم وشدتهم.
تنبيه: ذكر لفظ الأسف في حق الله تعالى وذكر لفظ الانتقام كل واحد منهما من المتشابهات التي يجب تأويلها فمعنى الغضب في حق الله تعالى: إرادة العذاب ومعنى الانتقام: إرادة العقاب بجرم سابق وقال بعض المفسرين: معنى آسفونا: احزنوا أولياءنا.
﴿فجعلناهم﴾ أي: بأخذنا لهم على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه ﴿سلفاً﴾ أي: متقدماً لكل من يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة أو قدوة لمن يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك في الدارين أو إحداهما عاقبتهم كما قال تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يدعون
стр. 1899
إلى النار﴾ (القصص: ٤١)
﴿ومثلاً﴾ أي: حديثاً عجيب الشأن سائراً سير المثل ﴿للآخرين﴾ أي: الذين خلفوا بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالاً لآخرين فمن أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن غيه، ومن أريد به الشر اقتدى به في الشر، وقرأ حمزة والكسائي: بضم السين واللام والباقون بفتحهما، فأما الأولى: فتحتمل ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه جمع سليف كرغيف ورغف وسمع القاسم بن معن من العرب: سليف من الناس كالفريق منهم، والثاني: أنه جمع سالف كصابر وصبير، والثالث: أنها جمع سلف كاسد وأسد، وأما الثانية: فتحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون جمعاً لسالف كحارس وحرس وخادم وخدم وهذا في الحقيقة اسم جمع لا جمع تكسير إذ ليس في أبنية التكسير صيغة فعل، والثاني: أنه مصدر يطلق على الجماعة تقول سلف الرجل يسلف سلفاً أي: تقدم والسلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو قرض وسلف الرجل آباؤه المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف، وقال طفيل: سلفوا سلفاً فصد السبيل عليهم صروف المنايا والرجال تغلب واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿ولما ضرب ابن مريم مثلاً﴾ فقال ابن عباس ﵄ وأكثر المفسرين: نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعرى مع النبي ﷺ في شأن عيسى ﵇ لما نزل قوله تعالى ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ كما تقدم في سورة الأنبياء والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعرى عيسى ابن مريم مثلاً وجادل رسول الله ﷺ بعبادة النصارى إياه ﴿إذا قومك﴾ أي: من قريش ﴿منه﴾ أي: من هذا المثل ﴿يصدون﴾ أي: يرفع لهم ضجيج فرحاً بسبب ما رأوا من سكوت النبي ﷺ فإن العادات قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج، وقال قتادة: يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلهاً كما عبدت النصارى عيسى.
﴿وقالوا آلهتنا﴾ أي: التي نعبدها من الأصنام ﴿خير أم هو﴾ قال قتادة: يعنون محمداً ﷺ فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا، وقال السدي وابن زيد: يعنون عيسى ﵇ قالوا: توهم محمد أن كل ما نعبد من دون الله فهو في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار قال الله تعالى: ﴿ما ضربوه﴾ أي: المثل ﴿لك إلا جدلا﴾ أي: خصومة بالباطل لعلمهم أن لفظ ما لغير العاقل فلا يتناول من ذكروه ﴿بل هم قوم﴾ أي: أصحاب قوة على القيام فيما يحاولونه ﴿خصمون﴾ أي: شديدُ الخصام.
روى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال رسول الله ﷺ «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدال» . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم يصدون بكسر الصاد، والباقون بضمها وهما بمعنى واحد يقال صد يصد ويصد كعكف يعكف ويعكف وعرش يعرش ويعرش، وقيل: الضم من الصدود وهو الإعراض، وقرأ الكوفيون: آلهتنا بتحقيق الهمزتين، والباقون بتسهيل الثانية واتفقوا على إبدال الثانية ألفاً، ثم إنه تعالى بين أن عيسى عبد من عبيده الذين أنعم عليهم بقوله تعالى:
﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو﴾ أي: عيسى ﵇ ﴿إلا عبد﴾ أي: وليس هو بإله ﴿أنعمنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿عليه﴾ أي: بالنبوة والإقدار على
стр. 1900
الخوارق ﴿وجعلناه﴾ أي: بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته ﴿مثلاً﴾ أي: أمراً عجيباً كالمثل لغرابته من أنثى فقط بلا واسطة ذكر كما خلقنا آدم من غير ذكر وأنثى وشرفناه بالنبوة ﴿لبني إسرائيل﴾ الذين هم أعرف الناس به، بعضهم بالمشاهدة، وبعضهم بالنقل القريب المتواتر فيعرفون به قدرة الله تعالى على ما يشاء حيث خلقه من غير أبٍ.
﴿ولو نشاء﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿لجعلنا﴾ ما هو أغرب مما صنعناه من أمر عيسى ﵇ ﴿منكم﴾ أي: جعلا مبتدأ منكم إما بالتوليد كما جعلنا عيسى ﵇ من أنثى من غير ذكر، وجعلنا آدم ﵇ من تراب من غير أنثى ولا ذكر، وإما بالبدلية ﴿ملائكة في الأرض يخلفون﴾ أي: يخلفونكم في الأرض والمعنى: أن حال عيسى ﵇ وإن كانت عجيبة فالله تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك، وأن الملائكة مثلكم من حيث إنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليداً كما جاز خلقها إبداعاً فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله تعالى.
﴿وإنه﴾ أي: عيسى ﵇ ﴿لعلم للساعة﴾ أي: نزوله سبب للعلم بقرب الساعة التي هي تعم الخلائق كلها بالموت فنزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها قال ﷺ «يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عادلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية وتهلك في زمنه الملل كلها إلا الإسلام» .
وروي: «أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها: أنيق وبيده حربة وعليه مخصرتان وشعر رأسه دهين يقتل الدجال ويأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر، وروي في صلاة الصبح فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ﵇ ويصلي خلفه على شريعة محمد ﷺ ثم يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به» . وقال النبي ﷺ «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» . وقال الحسن وجماعة. وإنه أي: القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها ويخبركم أحوالها وأهوالها ﴿فلا تمترن بها﴾ حذف منه نون الرفع للجزم وواو الضمير لالتقاء الساكنين من المرية وهي الشك أي: لا تشكن فيها وقال ابن عباس: لا تكذبوا بها ﴿واتبعوني﴾ أي: أوجدوا تبعكم لي ﴿هذا﴾ أي: كل ما أمرتكم به من هذا أو غيره ﴿صراط﴾ أي: طريق واضح ﴿مستقيم﴾ أي: لا عوج له، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بغير ياء وصلاً وقفاً.
﴿ولا يصدنكم الشيطان﴾ أي: عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود بأيسر سعي ﴿إنه لكم﴾ أي: عامة وأكد الخبر لأن أفعال التابعين له أفعال من ينكر عداوته ﴿عدو مبين﴾ أي: واضح العداوة في نفسه مناد بها وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم آدم ﵇ حتى أنزلكم بإنزاله عن محل الراحة إلى موضع النصب عداوة ناشئة عن الحسد فهي لا تنفك أبداً.
﴿ولما جاء عيسى﴾ أي: إلى بني إسرائيل ﴿بالبينات﴾ أي: المعجزات أي: بآيات الإنجيل وبالشرائع الواضحات ﴿قال﴾ منبهاً لهم ﴿قد جئتكم﴾ بما يدلكم قطعاً على أني آية من عند الله وكلمة منه ﴿بالحكمة﴾ أي: الأمر المحكم الذي لا يستطاع نقضه، ولا يدفع بالمعاندة لأخلصكم بذلك مما وقعتم فيه من الضلال ﴿ولأبين لكم﴾ أي: بياناً واضحاً
стр. 1901
﴿بعض الذي تختلفون﴾ أي: الآن ﴿فيه﴾ ولا تزالون تجددون الخلاف بسببه، فإن قيل: لِمَ لم يبين لهم كل الذي يختلفون فيه؟.
أجيب: بأنه بين لهم كل ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا فإن الأنبياء لم تبعث لبيانه، ولذلك قال نبينا ﷺ «أنتم أعلم بأمر دنياكم» . ويحتمل أن يكون المراد أنه يبين لهم بعض المتشابه وهو ما يكون بيانه كافياً في رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه، فإن الشأن في كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه، فالمحكم: ما ليس فيه التباس، والمتشابه: ما يكون ملتبساً وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز والإشارة التي لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب، فالصادق الذي رسخ علماً وإيماناً يرد المتشابه منه إلى المحكم أو يعجز فيقول: الله أعلم بمراده ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾ (آل عمران: ٨)
ولا يتزلزل، والكاذب يتبع المتشابه فيجريه على ظاهره كأهل الإلحاد الجوامد المفتونين أو يؤوله بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا يوافق المحكم فيفتتن.
ولما بين لهم الأصول والفروع قال: ﴿فاتقوا الله﴾ أي: خافوا من له الملك الأعظم من الكفر والإعراض عن دينه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم، ومن المعلوم لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجه إلا بإذنه ﴿وأطيعون﴾ أي: فيما أبلغه عنه إليكم من التكاليف فطاعتي لأمره بما يرضيه هو ثمرة التقوى وكلما زاد المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه.
﴿إن الله﴾ أي: الذي اختص بالجلال والجمال فكان أهلاً لأن يُتقى ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿ربي وربكم﴾ أي: المحسن إلي وإليكم ﴿فاعبدوه﴾ أي: بما أمركم به لأنه صدقني في أمركم باتباعي بما أظهره على يدي فصار هو الآمر لكم لا أنا ﴿هذا﴾ أي: الأمر العظيم الذي دعوتكم إليه ﴿صراط﴾ أي: طريق واسع جداً واضح ﴿مستقيم﴾ لا عوج فيه.
ولما كان الطريق الواضح القويم موجباً للاجتماع عليه والوفاق عند سلوكه بين تعالى أنهم اختلفوا فيه بقوله تعالى:
﴿فاختلف الأحزاب﴾ أي: الفرق المتحزبة ﴿من بينهم﴾ أي: اختلافاً ناشئاً ابتداء من بني إسرائيل في عيسى أهو الله؟ أو ابن الله؟ أو ثالث ثلاثة؟ وقوله تعالى: ﴿فويل﴾ كلمة عذاب ﴿للذين ظلموا﴾ أي: وضعوا الشيء في غير موضعه بما قالوه في عيسى ﵇ ﴿من عذاب يوم أليم﴾ أي: مؤلم وإذا كان اليوم مؤلماً فما الظن بعذابه.
﴿هل ينظرون﴾ أي: هل ينظر كفار مكة أو الذين ظلموا ﴿إلا الساعة﴾ أي: ساعة الموت العام والبعث والقيامة فإن ذلك لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه وقوله تعالى: ﴿أن تأتيهم﴾ بدل من الساعة، فإن قيل: قوله تعالى: ﴿بغتة﴾ أي: فجأة يفيد قوله تعالى: ﴿وهم لا يشعرون﴾ أي: بوقت مجيئها قبله؟ أجيب: بأنه يجوز أن تأتيهم بغتة وهم يعرفونه بسبب أنهم يشاهدونه.
﴿الأخلاء﴾ أي: الأحباء في الدنيا على المعصية وقوله تعالى: ﴿يومئذ﴾ أي: يوم القيامة، متعلق بقوله تعالى: ﴿بعضهم لبعض عدو﴾ أي: يتعادون في ذلك اليوم لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتحابون له سبباً للعذاب ﴿إلا المتقين﴾ أي: المتحابين في الله على طاعة الله تعالى وهم الموحدون الذين يخالل بعضهم بعضاً على الإيمان والتقوى فإن خلتهم لا تصير عداوة.
روى أبو ثور عن مَعْمَر عن قَتَادة عن أبي إسحاق أن علياً قال في الآية: خليلان مؤمنان وخليلان كافران فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلاناً
стр. 1902
كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك يأمرني بالخير وينهاني عن الشر ويخبرني أني ملاقيك يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله المؤمن جمع الله بينهما فيقول: لِيثنين أحدكم على صاحبه فيقول: نِعم الأخ ونِعم الخليل ونِعم الصاحب، قال: ويموت أحد الكافرينِ فيقول: يا رب إن فلاناً كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويخبرني أني غير ملاقيك فبئس الأخ وبئس الخليل وبئس الصاحب. ثم بين تعالى ما يتلقى به المؤمنين الذين قد توادوا فيه سبحانه تشريفاً لهم وتسكيناً لما يقتضيه ذلك المقام من الأهوال بقوله تعالى:
﴿يا عباد﴾ فأضافهم إلى نفسه إضافة تشريفٍ لأن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين، وفيه أنواع كثيرة توجب المدح أولها: أن الحق خاطبهم بنفسه من غير واسطة وهذا تشريف عظيم بدليل أنه تعالى لما أراد تشريف نبيه محمد ﷺ قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ والثاني قوله: ﴿لا خوف﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿عليكم اليوم﴾ أي: في يوم الآخرة مما يحويه من الأهوال والأمور الشداد والزلزال، وثالثها: قوله تعالى: ﴿ولا أنتم تحزنون﴾ أي: لا يتجدد لكم حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم شيء تسرون به، وقرأ شعبة بفتح الياء في الوصل وسكنها نافع وأبو عمرو وابن عامر وحذفها الباقون وقفاً ووصلاً وقوله تعالى:
﴿الذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا هذه الحقيقة يجوز أن يكون نعتاً لعبادي أو بدلاً منه أو عطف بيان له أو مقطوعاً منصوباً بفعلٍ أي: أعني الذين آمنوا أو مرفوعاً وخبره مضمر تقديره يقال لهم: ادخلوا الجنة، قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم فيقول الذين آمنوا ﴿بآياتنا﴾ الظاهرة عظمتها في نفسها أولاً وبنسبتها إلينا ثانياً ﴿وكانوا﴾ أي: دائماً بما هو لهم كالجبلة والخلق ﴿مسملين﴾ أي: منقادين للأوامر والنواهي أتم انقياد فبذلك يعدلون إلى حقيقة التقوى فينكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم فيمر حسابهم على أحسن الوجوه ثم يقال لهم:
﴿ادخلوا الجنة﴾ ولما كان السرور لا يكمل إلا بالرفيق السار قال تعالى: ﴿أنتم وأزواجكم﴾ أي: نساؤكم اللاتي كن مشاكلات لكم في الصفات، وأما قرناؤهم من الرجال فدخلوا في قوله تعالى وكانوا مسلمين ﴿تحبرون﴾ أي: تسرون وتنعمون والحبرة: المبالغة في الإكرام على أحسن الوجوه وقوله تعالى:
﴿يطاف﴾ قبله محذوف أي: يدخلون يطاف ﴿عليهم﴾ أي: المتقين الذي جعلناهم بهذا النداء ملوكاً ﴿بصحاف من ذهب﴾ فيها من ألوان الأطعمة والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم، والصحاف جمع صَحْفَة كجفنة وجفان، قال الجوهري: الصحفة كالقصعة والجمع صحاف، قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة ثم الصحفة تشبع الخمسة ثم المِئكلة تشبع الرجلين والثلاثة ثم الصحيفة تشبع الرجل والصحيفة الكتاب والجمع صحف وصحائف.
ولما كانت آلة الشرب في الدنيا أقل من آنية الأكل جرى على ذلك المعهود فعبر بجمع القلة في قوله تعالى: ﴿وأكواب﴾ جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا عروة له إيذاناً بأنه لا حاجة أصلاً إلى تعليق شيء لتبريد أو صيانة
стр. 1903
عن أذى أو نحو ذلك: وقيل: هو كالإبريق إلا أنه لا عروة له، وقيل: إنه لا خرطوم له، وقيل: إنه لا عروة له ولا خرطوم معاً قال الجواليقي: ليتمكن الشارب من أين شاء فإن العروة تمنع من ذلك وقال عدي:
*متكئاً تصفق أبوابه ... يطوف عليه العبد بالكوب*
ثم إنه تعالى لما ذكر التفصيل ذكر بياناً كلياً فقال ﴿وفيها﴾ أي: الجنة ﴿ما تشتهي الأنفس﴾ من الأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة جزاء لهم بما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا ﴿وتلذ الأعين﴾ أي: من الأشياء المبصرة التي أعلاها النظر إلى وجهه الكريم جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق.
روي أن رجلاً قال: «يا رسول الله أفي الجنة خيل فإني أحب الخيل فقال: إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرساً من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت، فقال أعرابي: يا رسول الله أفي الجنة إبل فإني أحب الإبل فقال: يا أعرابي إن أدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك» وقرأ نافع وابن عامر وحفص بهاء بعد الياء بإثبات العائد على الموصول كقوله تعالى: ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ والباقون بغيرها بعد الياء كقوله تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ وهذه القراءة مشبهة بقوله تعالى: ﴿وما عملته أيديهم﴾ وهذه الهاء في هذه السورة رسمت في مصاحف المدينة والشام وحذفت من غيرها، وقد وقع لأبي عبد الله الفاسي شارح القصيدة وهم فسبق قلمه فكتب الهاء منه محذوفة في مصاحف المدينة والشام مثبوتة في غيرها فعكس.
ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالدوام قال تعالى عائداً إلى الخطاب لأنه أشرف وأكد ﴿وأنتم فيها خالدون﴾ لبقائها وبقاء كل ما فيها فلا كلفة عليهم أصلاً من خوف من زوال ولا خوف من فوات. ثم أشار إلى فخامتها بأداة البعد فقال تعالى:
﴿وتلك الجنة﴾ أي: العالية المقام ﴿التي أورثتموها﴾ شبه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل، وقرأ أبو عمرو وهشام وحمزة والكسائي بإدغام الثاء المثلثة في المثناة وأظهرها الباقون ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم تعملون﴾ أي: مواظبين على ذلك لا تفترون لأن العمل كان لهم كالجبلة التي جبلوا عليها فالمنة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم أنفسهم.
ولما ذكر سبحانه الطعام والشراب ذكر الفاكهة فقال:
﴿لكم فيها فاكهة﴾ أي: ما يؤكل تفكهاً وإن كان لحماً وخبزاً ﴿كثيرة﴾ ودل على الكثرة وعلى دوام النعمة بقصد التفكه لكل شيء فيها بقوله تعالى: ﴿منها﴾ أي: لا من غيرها مما يلحظ فيه القوت ﴿تأكلون﴾ فلا تنفد أبداً ولا تتأثر بأكل الآكلين لأنها على صفة الماء النابع لا يؤخذ منها شيء إلا خلف مكانه مثله في الحال، ورد في الحديث: «أنه لا ينزع رجل ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها» .
تنبيه:
لما بعث الله تعالى نبيه محمداً ﵊ إلى العرب وكانت في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ذكر الله تعالى هذه المعاني مرة بعد أخرى تكميلاً لرغباتهم وتقوية لدواعيهم ومِنْ في قوله تعالى ﴿منها تأكلون﴾ تبعيضية أو ابتدائية وقدم الجار لأجل الفاصلة.
ولما ذكر سبحانه الوعد أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن فقال تعالى:
﴿إن المجرمين﴾ أي: الراسخين في قطع ما أمر الله به أن يوصل ﴿في عذاب جهنم﴾
стр. 1904
أي: النار التي من شأنها إلقاء داخلها بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى ﴿خالدون﴾ لأن اجتراءهم كان طبعاً لهم لا ينفكون عنه أصلاً ما بقوا.
﴿لا يفتر عنهم﴾ أي: لا يقصد إضعافه بنوع من الضعف فنفي التفتر نفي للفتور من غير عكس، قال البيضاوي: وهو من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلاً والتركيب للضعف ﴿وهم فيه﴾ أي: العذاب ﴿مبلسون﴾ أي: ساكتون سكوت يأس من النجاة والفرج، وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت من نار ثم يقفل عليه فيبقى خالداً لا يرى ولا يرى.
﴿وما ظلمناهم﴾ نوعاً من الظلم ﴿ولكن كانوا﴾ جبلة وطبعاً وعملاً وصنعاً ﴿هم الظالمين﴾ لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم لا ينفكون عن ذلك ما بقوا والأعمال بالنيات.
ولما كان مفهوم الإبلاس السكوت بين تعالى أنهم ليسوا ساكتين دائماً بقوله تعالى:
﴿ونادوا﴾ ثم بين أن المنادي خازن النار بقوله تعالى: مؤكداً البعد بأداته ﴿يا مالك ليقض علينا﴾ أي: سل سؤالاً حتماً أن يقضي القضاء الذي لا قضاء مثله وهو الموت على كل واحد منا وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا: ﴿ربك﴾ أي: المحسن إليك فلم يروا للَّه تعالى عليهم إحساناً وهم في تلك الحالة ولا شك أن إحسانه ما انقطع عن موجود أصلاً، وأقل ذلك أنه لا يعذب أحداً منهم فوق استحقاقه، ولذلك جعل النار دركات كما جعل الجنة درجات فأجاب مالك ﵇ بأن ﴿قال﴾ مؤكداً قطعاً لأطماعهم لأن كلامهم هذا هو بحيث يفهم الرجاء وإعلاماً بأن رحمة الله التي موضع الرجاء خاصة بغيرهم ﴿إنّكم ماكثون﴾ أي: دائماً أبداً لا خلاص لكم بموت ولا غيره وليس في القرآن متى أجابهم هل أجابهم في الحال أو بعد مدة لكن.
روى ابن عباس: أن أهل النار يدعون مالكاً خازن النار يقولون: ليقض علينا ربك أي: ليمتنا ربك فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة إنكم ماكثون أي: مقيمون في العذاب. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: يجيبهم بعد أربعين، وعن غيره مائة سنة واختلفوا في أن قولهم: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ على أي وجه طلبوه فقال بعضهم: على التمني وقال آخرون: على وجه الاستغاثة وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم من ذلك العذاب. ثم إنه تعالى ذكر ما هو كالعلة لذلك الجواب بقوله تعالى:
﴿لقد جئناكم﴾ أي: في هذه السورة خصوصاً وفي جميع القرآن عموماً ﴿بالحق﴾ على لسان الرسل وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال عند الجيم، والباقون بالإدغام ﴿ولكن أكثركم للحق كارهون﴾ لما فيه من المنع من الشهوات فلذلك أنتم تقولون إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط لا لأجل أن في حقيّته نوعاً من الخفاء، فإن قيل: كيف قال: ونادوا يا مالك بعد أن وصفهم بالإبلاس؟ أجيب: بأنها أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم، روى أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب فيقولون: ادعوا مالكاً فيدعون ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ .
ولما ذكر تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال تعالى:
﴿أم أبرموا﴾ أي: أحكم كفار مكة ﴿أمراً﴾ أي: في المكر برسول الله ﷺ وفي رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون عليهم ﴿فإنا مبرمون﴾
стр. 1905
أي: محكمون أمراً في مجازاتهم أي: مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى: ﴿أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون﴾ (الطور: ٤٢)
قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم المكر في دار الندوة.
تنبيه: أم منقطعة والإبرام: الإتقان وأصله في الفتل يقال أبرم الحبل، أي: أتقن فتله وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل قال زهير:
*لعمري لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم*
﴿أم يحسبون أنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة المقتضية لجميع صفات الكمال ﴿لا نسمع سرهم﴾ أي: كلامهم الخفي ولو كان في الضمائر فيما يغضبنا، والسر ما حدث به الشخص نفسه أو غيره في مكان خال.
ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن السر ما يخفى وهو يعلم ما في الضمائر وهي مما يعلم حقق أن المراد به حقيقته بقوله تعالى: ﴿ونجواهم﴾ أي: تناجيهم في كلامهم المرتفع فيما بينهم حتى كأنه على نجوة أي: مكان عال، فعلم أن المراد حقيقة السمع وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ﴿بلى﴾ نسمع الصنفين كليهما على حد سواء ﴿ورسلنا﴾ وهم الحفظة من الملائكة على الجميع السلام على ما لهم من العظمة بنسبتهم إلينا ﴿لديهم﴾ أي: عندهم، وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها ﴿يكتبون﴾ أي: يجددون الكتابة كل ما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد لأن من علم أن أعماله محصاة مكتوبة يجتنب ما يخاف عاقبته، وعن يحيى بن معاذ الرازي: من ستر عن الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق.
ولما تقدم أول السورة تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعائهم لله ولداً من الملائكة وهددهم بقوله تعالى: ﴿ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يقول لهم:
﴿قل﴾ أي: لهؤلاء البعداء البغضاء ﴿إن كان للرحمن﴾ أي: العام الرحمة ﴿ولد﴾ أي: على زعمكم والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة وغيرهم ﴿فأنا﴾ أي: في الرتبة، وقرأ نافع بمد الألف بعد النون والباقون بغير مد ﴿أول العابدين﴾ للرحمن العبادة التي هي العبادة ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة وهي الخالصة أي: فأنا لا أعبد غيره لا ولداً ولا غيره، ولم يشأ لي الرحمن أن أعبد الولد ولا غيره، أو يكون المعنى: أنا أول العابدين للرحمن على وجه الإخلاص لم أشرك به شيئاً أصلاً في وقت من الأوقات بما سميتموه ولداً أو شريكاً أو غيرهما، ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمته فلو أن الإخلاص له ممنوع ما شاءه لي ولولا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي ولو أن له ولداً لشاء لي عبادته، فإن عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه وخصوصها بي لكوني عبده خالصاً يمنع على زعمكم من أن يشقيني وأنا أخلص له فبطلت شبهتكم بمثلها بل بأقوى منها، وهذا مما علق بشيء هو بنقيضه أولى.
وقال الزمخشري: إن كان للرحمن ولد وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه، وهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض وهو المبالغة في نفي الولد والإطناب فيه وأن لا يترك
стр. 1906
الناطق به شبهة إلا مضمحلة مع الترجمة عن نفسه بثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالاً مثلها فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها، ثم قال: وقد تمحل الناس بما أخرجوه من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم بإضافة الولد إليه، وقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد.
وقال ابن عباس: إن أن نافية أي: ما كان له ولد فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ولداً ولو كان له ولد إله لعبدته تقرباً إليه بعبادة ولده، وروي أن النضر بن عبد الدار بن قصي قال: إن الملائكة بنات الله تعالى فنزلت فقال النضر: ألا ترون أنه قد صدقني فقال له الوليد بن المغيرة: ما صدقك ولكن قال ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له ثم إنه تعالى نزه نفسه فقال:
﴿سبحان رب﴾ أي: مبدع ومالك ﴿السموات والأرض﴾ أي: اللتين كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإيجاد والتربية.
ولما كانت خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلاً قال محققاً لملكه لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له، ولم يعد العطف لأن العرش من السموات ﴿رب العرش﴾ أي: المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السموات والأرض ﴿عما يصفون﴾ أي: يقولون من الكذب من أن له ولداً أو شريكاً وذلك أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكل ما كان كذلك فهو لا يقبل التجزي بوجه من الوجوه، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله وهذا إنما يعقل فيمن تكون ذاته قابلة للتجزي والتبعيض، وإذا كان ذلك محالاً في حق إله العالم امتنع إثبات الولد.
ولما ذكر تعالى هذا البرهان القاطع قال تعالى مسبباً عن ذلك:
﴿فذرهم﴾ أي: اتركهم على أسوأ أحوالهم ﴿يخوضوا﴾ أي: يفعلوا في باطلهم فعل الخائض في الماء ﴿ويلعبوا﴾ أي: يفعلوا فعل اللاعب في دنياهم ﴿حتى يلاقوا﴾ أي: يفعلوا بتصرم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في أن يلقوا ﴿يومهم الذي يوعدون﴾ أي: بوعد لا خلف فيه وهو يوم القيامة فيظهر فيه وعيدهم والمقصود منه التهديد لأنه تعالى ذكر الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا فلم يلتفتوا إليها لأجل استغراقهم في طلب المال والجاه والرياسة، فاتركهم في ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الموعود به ثم زاد في التنزيه فقال تعالى:
﴿وهو الذي في السماء إله﴾ أي: معبود لا شريك له ﴿وفي الأرض إله﴾ تتوجه الرغبات إليه في جميع الأحوال وتخلص إليه في جميع أوقات الاضطرار، فقد وقع الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذه الرتبة وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير فرق لأنه لا مشارك له في هذا الاستحقاق فعبادة غيره باطلة، وقرأ قالون والبزي بتسهيلها مع المد والقصر، وقرأ أبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المد والقصر، وقرأ ورش وقنبل بتسهيل
стр. 1907
الثانية وإبدالها أيضاً ألفاً وقرأ الباقون بتحقيقهما.
تنبيه: كل من الظرفين متعلق بما بعده لأن إله بمعنى معبود أي: معبود في السماء ومعبود في الأرض وحينئذ يقال: الصلة لا تكون إلا جملة أو ما في تقديرها وهو الظرف وعديله ولا شيء منهما هنا؟ أجيب: بأن المبتدأ حذف لدلالة المعنى عليه وذلك المحذوف هو العائد تقديره وهو الذي هو في السماء إله وهو في الأرض إله، وإنما حذف لطول الصلة بالمعمول فإن الجار متعلق بإله ومثله ما أنا بالذي قائل لك سوأ ﴿وهو الحكيم﴾ أي: البليغ الحكمة في تدبير خلقه ﴿العليم﴾ أي: البالغ في علمه بمصالحهم.
﴿وتبارك﴾ أي: وثبت ثباتاً لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال له مع اليمن والبركة وكل كمال فلا شبيه له حتى يدعى أنه ولد له أو شريك. ثم وصفه تعالى بما يبين تباركيته واختصاصه بالألوهية فقال عز من قائل: ﴿الذي له ملك السموات﴾ أي: كلها ﴿والأرض﴾ كذلك ﴿وما بينهما﴾ أي: وما بين كل اثنين منهما، والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار ﴿وعنده﴾ أي: وحده ﴿علم الساعة﴾ أي: العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها ﴿وإليه﴾ أي: وحده لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ بأيسر أمر تحقيقاً لملكه وقطعاً للنزاع في وحدانيته، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء التحتية على الغيبة، والباقون بالفوقية على الالتفات للتهديد.
﴿ولا يملك﴾ أي: بوجه من الوجوه في وقت ما ﴿الذين يدعون﴾ أي: يعبدون أي: الكفار ﴿من دونه﴾ أي: الله تعالى ﴿الشفاعة﴾ كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله وقوله تعالى ﴿إلا من شهد بالحق﴾ أي: قال: لا إله إلا الله، فيه قولان؛ أحدهما: أنه متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله والمعنى: لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد إلا من شهد بالحق ﴿وهم يعلمون﴾ أي: بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم وهم عيسى ومريم وعزير والملائكة فإنهم يملكون أن يشفعوا للمؤمنين بتمليك الله تعالى إياهم لها، والثاني: هو منقطع إن خص بالأصنام.
﴿ولئن سألتهم﴾ أي: الكفار مع ادعائهم الشريك ﴿من خلقهم﴾ أي: العابدين والمعبودين معاً ﴿ليقولون الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال لتعذر المكابرة من فرط ظهوره ﴿فأنى﴾ أي: فكيف وأي جهة بعد أن أثبتوا له الخلق والأمر ﴿يؤفكون﴾ أي: يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في العبادة كما أنا توحدنا في الخلق. وقرأ:
﴿وقيله﴾ أي: قول محمد ﷺ عاصم وحمزة بخفض اللام والهاء على معنى وعنده علم الساعة وعلم قبله، والباقون بنصب اللام ورفع الهاء على المصدر بفعله المقدر أي: وقال ﴿يا رب إن هؤلاء قوم﴾ أي: أقوياء على الباطل ولم يضفهم إلى نفسه بأن يقول قومي ونحو ذلك من العبارات ولا سماهم باسم قبيلتهم لما شأنه من حالهم ﴿لا يؤمنون﴾ أي: لا يتجدد منهم هذا الفعل أصلاً.
﴿فاصفح﴾ أي: اعف عفو من أعرض ﴿عنهم﴾ صفحاً فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ ﴿وقل﴾ أي: لهم ﴿سلام﴾ أي: شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم، قال ابن عباس: وهذا منسوخ بآية السيف، وقال الرازي: وعندي التزام النسخ في مثل هذه المواضع مشكل لأن الأمر لا يقيد بالفعل إلا مرة واحدة فسقطت دلالة اللفظ فأي حاجة إلى التزام النسخ، وأيضاً فاللفظ المطلق قد يتقيد بحسب العرف فإذا كان كذلك فلا حاجة إلى التزام النسخ
стр. 1908
وجرى على النسخ الجلال المحلي فقال: وهذا قبل أن يؤمر بقتالهم وقوله تعالى: ﴿فسوف يعلمون﴾ فيه تهديد لهم وتسلية للنبي ﷺ وقرأ نافع وابن عامر بتاء الخطاب التفاتاً، والباقون بياء الغيبة نظراً لما تقدم وما قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري من أن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون» حديث موضوع.
سورة الدخان
مكية وقيل: إلا قوله تعالى: ﴿إنا كاشفوا العذاب قليلاً﴾ الآيةوهي ست أو سبع أو تسع وخمسون آية وثلاثمئةوست وأربعون كلمة وألف وأربعمائة وواحد وثلاثون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الملك الجبار الواحد القهار.
﴿الرحمن﴾ الذي عم بنعمته سائر مخلوقاته ﴿الرحيم﴾ بأهل وداده وقوله تعالى:
﴿حم﴾ قرأه ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وقرأه ورش وأبو عمرو بالإمالة بين بين والباقون بالفتح وتقدمت الإشارة إلى شيء من أسرار أخواتها وقوله تعالى:
﴿والكتاب المبين﴾ فيه احتمالان؛ الأول: أن يكون التقدير هذه حم والكتاب المبين كقولك: هذا زيد والله، الثاني: أن يكون التقدير حم والكتاب المبين.
﴿إنا أنزلناه﴾ فيكون في ذلك تقدير قسمين على شيء واحد ويجوز أن يكون ﴿إنا أنزلناه﴾ جواب القسم وأن يكون اعتراضاً والجواب قوله تعالى: ﴿إنا كنا منذرين﴾ واختاره ابن عطية، وقيل: ﴿إنا كنا﴾ مستأنف و ﴿فيها يفرق﴾ يجوز أن يكون مستأنفاً وأن يكون صفة ليلة وما بينهما اعتراض.
تنبيه: يجوز أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء ﵈ كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب﴾ (الحديد: ٢٥)
ويجوز أن يكون المراد به اللوح المحفوظ قال الله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾ (الرعد: ٣٩)
وقال تعالى: ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾ (الزخرف: ٤)
ويجوز أن يكون المراد به القرآن واقتصر على ذلك البيضاوي وتبعه الجلال المحلي، وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن في ليلة مباركة، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل له إليه حاجة: أتشفع بك إليك وأقسم بحقك عليك وجاء في الحديث: «أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك» . والمبين: هو المشتمل على بيان ما بالناس من حاجة إليه في دينهم ودنياهم فوصفه بكونه مبيناً وإن كانت حقيقة الإبانة لله تعالى لأن الإبانة حصلت به كقوله تعالى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ (الروم: ٣٥)
فوصفه بالتكلم إذ كان غاية في الإبانة فكأنه ذو لسان ينطق مبالغة في وصفه.
واختلف في قوله : ﴿في ليلة مباركة﴾ فقال قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين: هي ليلة القدر: وقال عكرمة وطائفة: إنها ليلة البراءة وهي ليلة النصف من شعبان، واحتج الأولون بوجوه؛ الأول: قوله تعالى ﴿إنا أنزلنا في ليلة القدر﴾ (القدر: ٤)
فقوله تعالى ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ يجب أن تكون هي تلك الليلة
стр. 1909
المسماة بليلة القدر لئلا يلزم التناقض، ثانيها: قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ (البقرة: ١٨٥)
فقوله تعالى ههنا ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ يجب أن تكون هذه الليلة المباركة في رمضان فثبت أنها ليلة القدر، ثالثها: قوله تعالى في صفة ليلة القدر: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ (القدر: ٤)
وقال تعالى ههنا.
﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ وقال ههنا ﴿رحمة من ربك﴾ وقال تعالى في ليلة القدر ﴿سلام هي﴾ (القدر: ٥)
وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هي الأخرى، رابعها: نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لثنتي عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان، والليلة المباركة هي: ليلة القدر، خامسها: أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم، ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان لأن الزمان شيء واحد في الذات والصفات فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم، ومن المعلوم أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا، وأعظم الأشياء وأشرفها شعباً في الدين هو القرآن لأنه ثبت به نبوة محمد ﷺ وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل كما قال تعالى في صفته: ﴿ومهيمناً عليه﴾ (المائدة: ٤٨)
وبه ظهرت درجات أرباب السعادات ودركات أرباب الشقاوات فعلى هذا لا شيء إلا والقرآن أعظم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً، وحيث أطبقوا على أن ليلة القدر هي التي وقعت في رمضان علمنا أن القرآن إنما أنزل في تلك الليلة وهذه أدلة ظاهرة واضحة، واحتج الآخرون على أنها ليلة النصف من شعبان بوجوه؛ أولها: أن لها أربعة أسماء الليلة المباركة وليلة البراءة وليلة الصك وليلة الرحمة، وقيل: بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة.
وقيل في تسميتها: ليلة البراءة والصك أن البندار إذا استوفى الخراج من أهله كتب لهم البراءة وكذلك الله تعالى يكتب لعباده المؤمنين البراءة في هذه الليلة، ثانيها: أنها مختصة بخمس خصال الأولى: قال تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ والثانية: فضيلة العبادة فيها، روى الزمخشري أنه ﷺ قال: «من صلى في هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك: ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمنونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكايد الشيطان» . ثالثها: نزول الرحمة قال ﷺ «إن الله يرحم أمتي في هذه الليلة بعدد شعر أغنام بني كلب» . رابعها: حصول المغفرة فيها قال ﷺ «إن الله يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلا الكاهن والساحر ومدمن الخمر وعاق والديه والمصر على الزنا» . خامسها: أنه تعالى أعطى رسول الله ﷺ في هذه الليلة تمام الشفاعة في أمته، قال الزمخشري: وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان في أمته فأعطي الثلث منها ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطي الثلثين ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطي الجميع إلا من شرد عن الله شرود البعير.
وروي أن عطية الحروري سأل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ (القدر: ١)
كيف يصح ذلك مع أن الله تعالى أنزل القرآن في جميع الشهور فقال ابن عباس: يا ابن الأسود لو هلكت أنا ووقع في نفسك هذا ولم
стр. 1910
تحرجوا به لهلكت، نزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور في السماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك في أنواع الوقائع حالاً فحالاً، وقال قتادة وابن زيد: أنزل الله تعالى القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ نجوماً في عشرين سنة وقوله تعالى ﴿إنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿كنا﴾ أي: دائماً لعبادنا ﴿منذرين﴾ أي: مخوفين استئناف بين به المقتضى للإنزال وكذلك قوله تعالى:
﴿فيها﴾ أي: الليلة المباركة سواء قلنا إنها ليلة القدر أو ليلة النصف ﴿يفرق﴾ أي: ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة ﴿كل أمر حكيم﴾ أي: محكم الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحي به من الكتب وغيرها والأرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها من جميع أقسام الحوادث وجزئياتها في أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيماناً، قال ابن عباس: يكتب في أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال حتى الحجاج يقال: يحج فلان ويحج فلان، وقال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل عمل وأجل وخلق ورزق وما يكون في تلك السنة، وقال عكرمة: ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أحد قال ﷺ «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح النساء ويولد له وقد خرج اسمه في ديوان الموتى» .
وعن ابن عباس: أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدور، وروي: أن الله تعالى أنزل القرآن من اللوح المحفوظ في ليلة البراءة ووقع الفراغ في ليلة القدر فدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل ونسخة الحروب إلى جبريل وكذلك الزلازل والصواعق والخسف ونسخة الأعمال، قال ابن عادل: إلى إسرافيل وقال الزمخشري: إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم ونسخة المصائب إلى ملك الموت، قال الزمخشري: وعن بعضهم يعطى كل عامل بركات أعماله فيلقى على ألسنة الخلق مدحه وعلى قلوبهم هيبته وقوله تعالى:
﴿أمراً﴾ أي: فرقاً حال من فاعل أنزلناه ومن مفعوله أي: أنزلناه آمرين أو مأموراً به كائناً ﴿من عندنا﴾ على مقتضى حكمتنا وقوله تعالى: ﴿إنا كنا﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿مرسلين﴾ جواب ثالث أو مستأنف أو بدل من قوله تعالى: ﴿إنا كنا منذرين﴾ أي: لنا صفة الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال لمصالح العباد لا بد فيه من الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا يكون لبس فلا يكون لأحد على الله تعالى حجة، قال البقاعي: وهذا الكلام المنتظم والقول الملتئم بعضه ببعض المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال دال على أنه لم ينزل صحيفة ولا كتاباً إلا في هذه الليلة، فيدل على أنها ليلة القدر للأحاديث الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها، وكذلك قوله تعالى في سورة القدر: ﴿تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر﴾ (القدر: ٤)
فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمر الحكيم ثم بين تعالى حال الرسالات بقوله تعالى:
﴿رحمة﴾ وعدل لأجل
стр. 1911
ما اقتضاه التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم بالعظمة من قوله: ﴿منا﴾ إلى قوله تعالى ﴿من ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك وإرسال كل نبي مضى من قبلك فإن رسالاتهم كانت لب الأنوار في العبادات وتمهيد الشرائع في البلاد حتى استنارت القلوب واطمأنت النفوس بما صارت تعهد من شرع الشرائع وتوطئة الأديان فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت أنوارك الآفاق فكنت نتيجة كل من تقدمك من الرفاق وقال ابن عباس: معنى رحمة من ربك أي: رأفة مني بخلقي ونعمة عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل، وقال الزجاج: أنزلناه في ليلة مباركة للرحمة ﴿إنه هو﴾ أي: وحده ﴿السميع العليم﴾ أي: أن تلك الرحمة كانت رحمة في الحقيقة لأن المحتاجين إما أن يذكروا حاجاتهم بألسنتهم أو لم يذكروها فإن ذكروها فإنه سميع وإن لم يذكروها فهو تعالى عالم بها.
﴿رب﴾ أي: مالك ومنشئ ومدبر ﴿السموات﴾ أي: جميع الأجرام العالية ﴿والأرض وما بينهما﴾ مما تشاهدون من هذا الفضاء وما فيه من الهواء وغيره مما تعلمون من أكساب العباد وغيرها مما لا تعلمون، ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه مالك الملك كله، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بخفض الباء الموحدة على البدل أو البيان أو النعت، والباقون برفعها على إضمار مبتدأ أو على أنه مبتدأ خبره لا إله إلا هو، والمقصود من هذه الآية أن المنزِّل إذا كان موصوفاً بهذه الجلالة والكبرياء كان المنزَّل الذي هو القرآن في غاية الشرف والرفعة، فإن قيل: ما معنى الشرط الذي هو قوله تعالى ﴿إن كنتم موقنين﴾ ؟ أجيب: بأنهم كانوا يقرون بأن للسموات والأرض رباً وخالقاً فقيل لهم: إن كنتم يا أهل مكة موقنين بأنه تعالى رب السموات والأرض فأيقنوا بأن محمداً عبده ورسوله.
ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان وحدانيته أنتج ذلك قوله تعالى:
﴿لا إله إلا هو﴾ أي: وإلا لنازعه في أمرهما منازع، أو أمكن أن ينازع فيكون محتاجاً لا محالة وإلا لدفع عنه من يمكن نزاعه وخلافه إياه فلا يكون صالحاً للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإنجاء لكل من يوافقهم على ممر الزمان وتطاول الدهر ومر الحدثان على نظام مستمر وحال ثابت مستقر.
ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره ثبت قوله تعالى: ﴿يحيي ويميت﴾ لأن ذلك من أجل ما فيهما من التدبير وهو تنبيه على تمام دلائل التوحيد لأنه لا شيء ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه ويحال شيء من الأمر عليه فهما جملتان الأولى: نافية لما أثبتوه من الشركة، والثانية، مثبتة لما نفوه من البعث ﴿ربكم﴾ أي: الذي أفاض عليكم ما تشاهدونه من النعم في الأرواح وغيرها ﴿ورب آبائكم الأولين﴾ أي: الذي أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما تعلمون فلم يقدر أحد منهم على ممانعة، ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة.
﴿بل هم﴾ أي: بضمائرهم ﴿في شك﴾ أي: من البعث ﴿يلعبون﴾ أي: يفعلون دائماً فعل التارك لما هو فيه من أخذ الجد الذي لا مرية فيه إلى اللعب الذي لا فائدة فيه ولا ثمرة له بوجه استهزاء بك يا أشرف الرسل فقال ﷺ «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» قال تعالى:
﴿فارتقب﴾ أي: انتظر بكل جهد عالياً عليهم ناظراً لأحوالهم نظر من هو حارس
стр. 1912
لها ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ أي: ظاهر.
﴿يغشى الناس﴾ أي: المهددين بهذا فقالوا عند إتيانه ﴿هذا عذاب اليم﴾ أي: يخلص وجعه إلى القلب فيبلغ في ألمه كما كنتم تؤلمون من يدعوكم إلى الله تعالى، واختلف في هذا الدخان فروى أبو الصفاء عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة قال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام ففزعنا، فأتينا ابن مسعود وكان متكئاً فغضب فجلس فقال: من علم فليقل به ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: لا أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾ فإن قريشاً أبطأوا عن الإسلام فدعاهم النبي ﷺ فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله تعالى لهم فقرأ ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ إلى قوله تعالى ﴿عائدون﴾ وهذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد واختيار الفراء والزجاج وهو قول ابن مسعود وكان ينكر أن يكون الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخاناً.
وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان في هذه الحالة وجهين الأول: أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض فبسبب انقطاع المطر يرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء وذلك يشبه الدخان ويقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان، ولهذا يقال للسنة المجدبة الغبراء، الثاني: أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان والسبب فيه: أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه ويرى الدنيا كالمملوءة من الدخان.
ونقل عن علي بن أبي طالب: أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة، ويروى أيضاً عن ابن عباس في المشهور عنه لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان فتلا رسول الله ﷺ الآية وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كالزكمة وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار» . وقال ﷺ «باكروا بالأعمال ستاً وذكر منها طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة» رواه الحسن. واحتج الأولون بأنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون:
﴿ربنا اكشف عنا العذاب﴾ ثم عللوا بما علموا أنه الموجب للكشف فقالوا مؤكدين ﴿إنا مؤمنون﴾ أي: عريقون في وصف الإيمان فإذا حمل على القحط الذي وقع بمكة استقام، فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مشى إليه أبو سفيان فناشده الله والرحم وواعده إن دعا لهم وأزال عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزالها الله عنهم رجعوا إلى شركهم، أما إذا حمل على أن المراد منه: ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون﴾ ولم يصح أيضاً أن يقال: ﴿إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون﴾ قال البقاعي: ويصح أن يراد به
стр. 1913
طلوع الشمس من مغربها، روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها» ثم قرأ الآية.
﴿أنى﴾ أي: كيف ومن أين ﴿لهم الذكرى﴾ أي: هذا التذكر العظيم الذي وصفوا به أنفسهم، وقرأ حمزة والكسائي أنى بالإمالة محضة، وقرأ أبو عمرو بالإمالة بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح وأمال الذكرى محضة أبو عمرو وحمزة والكسائي، وأمال ورش بين بين، والباقون بالفتح وكذلك الكبري ﴿وقد﴾ أي: والحال أنه قد ﴿جاءهم﴾ ما هو أعظم من ذلك وأدخل في وجوب الطاعة ﴿رسول مبين﴾ أي: ظاهر غاية الظهور، وموضح غاية الإيضاح، وهو محمد ﷺ وأظهر دال قد نافع وابن ذكوان وعاصم وأدغمها الباقون.
﴿ثم تولوا عنه﴾ أي: أطاعوا ما دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ ﴿وقالوا﴾ أي: زيادة على إساءتهم بالتولي ﴿معلم﴾ أي: علمه غيره القرآن من البشر، قال بعضهم: علمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وقال آخرون: إنه ﴿مجنون﴾ أي: يلقي الجن إليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي.
﴿إنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿كاشفو العذاب﴾ أي: بدعاء النبي ﷺ فإنه دعا فرفع عنهم القحط ﴿قليلاً﴾ أي: زمناً يسيراً، قيل: إلى يوم بدر، وقيل: ما بقي من أعمارهم ﴿إنكم عائدون﴾ أي: ثابت عودكم عقب كشفنا عنكم إلى الكفران لما في جبلاتكم من العوج وطبائعكم من المبادرة إلى الزلل، فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل وقوله تعالى:
﴿يوم نبطش﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿البطشة الكبرى﴾ أي: يوم بدر منصوب باذكر أو بدل من يوم تأتي، والبطش: الأخذ بقوة ﴿إنا منتقمون﴾ أي: منهم في ذلك اليوم وهو قول ابن عباس وأكثر العلماء وفي رواية عن ابن عباس: أنه يوم القيامة.
﴿ولقد فتنا﴾ أي: اختبرنا بما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم حقيقة الحال بالإبلاء والتمكين ثم الإرسال ﴿قبلهم﴾ أي: هؤلاء العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم ﴿قوم فرعون﴾ أي: مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة بما أحاط به من الدنيا وسيأتي التصريح به في آخر القصة ﴿وجاءهم﴾ أي: فرعون وقومه زيادة في فتنتهم ﴿رسول كريم﴾ هو موسى ﵇ قال الكلبي: كريم على ربه بمعنى أنه تعالى أعطاه أنواعاً كثيرة من الإكرام، وقال مقاتل: حسن الخلق، وقال الفراء: يقال فلان كريم قومه، قيل: ما بعث نبي إلا من أشراف قومه وأكرمهم ثم فسر ما بلغهم من الرسالة بقوله:
﴿أن أدوا إلي﴾ ما أدعوكم إليه من الإيمان أي: أظهروا طاعتكم بالإيمان لي يا ﴿عباد الله﴾ أو أطلقوا بني إسرائيل ولا تعذبوهم وأرسلوهم معي كقوله ﴿فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم﴾ (طه: ٤٧)
﴿إني لكم﴾ أي: خاصة بسبب ذلك ﴿رسول﴾ أي: من عند الله الذي لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه ﴿أمين﴾ أي: بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل إلا من كان كذلك وقوله ﵇:
﴿وأن لا تعلوا﴾ معطوف على أنّ الأولى وأَنْ هذه مقطوعة في الرسم، والمعنى لا تتكبروا ﴿على الله﴾ تعالى بإهانة وحيه ورسوله ﴿إني آتيكم بسلطان﴾ أي: برهان ﴿مبين﴾ أي: بين على رسالتي فتوعدوه حين قال لهم ذلك بالرجم فقال:
стр. 1914
﴿وإني عذت﴾ أي: اعتصمت وامتنعت ﴿بربي﴾ الذي رباني على ما اقتضاه لطفه وإحسانه إلي ﴿وربكم﴾ الذي أعاذني من تكبركم وقوة مكَّنتكم ﴿أن ترجمون﴾ أي: أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي فإني قلت: إني أخاف أن يقتلون فقال تعالى ﴿سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا﴾ (القصص: ٣٥)
فمن أعظم آياتي أن لا تصلوا مع قوتكم وكثرتكم إلى قتلي مع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني، وقال ابن عباس: أن ترجمون بالقول وهو الشتم وتقولوا: هو ساحر، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي عذت بإدغام الذال في التاء، والباقون بالإظهار، وقرأ ورش بإثبات الياء بعد النون في ترجمون في الوصل دون الوقف، والباقون بغير ياء وقفاً وصلاً وكذلك فاعتزلون الآتي.
ولما كان التقدير فإن آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم عطف عليه قوله تعالى:
﴿وإن لم تؤمنوا لي﴾ أي: تصدقوا لأجل ما أخبرتكم به ﴿فاعتزلون﴾ أي: كونوا بمعزل مني لا عليّ ولا ليّ فلا تتعرضوا إلي بسوء فإنه ليس جزاء دعائكم إلى ما فيه فَلا حُكم، والفاء في قوله تعالى:
﴿فدعا﴾ تدل على أنه متصل بمحذوف قبله وتأويله أنهم كفروا ولم يرضوا فدعا موسى ﵇ ﴿ربه﴾ الذي أحسن إليه سياسته وسياسة قومه ثم فسر ما دعا بقوله: ﴿أن هؤلاء﴾ أي: الحقيرين الأذلين الأرذلين ﴿قوم﴾ لهم قوة على القيام فيما يحاولونه ﴿مجرمون﴾ أي: موصوفون بالعراقة في قطع ما أمرت به أن يوصل، فإن قيل: الكفر أعظم حالاً من الجرم فما السبب في أنه جعل الكفار مجرمين حين أراد المبالغة في ذمهم؟ أجيب: بأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه والفاسق في دينه، أخس الناس. ثم تسبب عن دعائه لأنه ممن يستجاب دعاؤه قوله تعالى:
﴿فأسر بعبادي﴾ أي: بني إسرائيل الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن يظلمهم وتفريغهم لعبادتي وقوله تعالى: ﴿ليلاً﴾ نصب على الظرفية، والإسراء: سير الليل، فذكر الليل تأكيد بغير اللفظ وإنما أمره بالسير بالليل لأنه أوقع بالقبط موت الإبكار ليلاً فأمر موسى أن يخرج بقومه في ذلك الوقت خوفاً من أن يموتوا مع القبط.
ولما علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم الموت منعوهم الخروج وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى البحر فقتلوهم، علل هذا الأمر بقوله مؤكداً له لأن حال القبط عندما أمرهم بالخروج كان حال من لا يتهيأ له الخروج في قوله: ﴿إنكم متبعون﴾ أي: مطلوبون بغاية الجهد من عدوكم فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من الجزع من إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسبب وقوع الموت الناشئ فيهم، فإن القلوب بيد الله تعالى فهو ينسي قلب فرعون بعد رؤية هذه الآيات حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم لما دبرته في القدم من سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم روع مدافعتهم، فإني أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بكم فلم أكلفكم بمباشرة شيء من أمرهم، وقرأ نافع وابن كثير فاسر بوصل الهمزة بعد الفاء، والباقون بقطعها، قال الزمخشري: وفيه وجهان إضمار القول بعد الفاء أي: فقال اسر بعبادي، وجواب شرط مقدر كأنه قال: إن كان الأمر كما تقول: فأسر بعبادي، قال أبو حيان: وكثيراً
стр. 1915
ما يدعى حذف الشرط ولا يجوز إلا لدليل واضح كأن يتقدمه الأمر أو ما أشبهه يقال: سرى وأسرى لغتان.
ولما أمر بالإسراء أمر بما يفعل فيه فقال تعالى:
﴿واترك البحر﴾ أي: إذا سريت بهم وتبعك العدو ووصلت بعد إليه وأمرناك بضربه لينفتح لتدخلوا فيه فدخلتم ونجيتم ﴿رهواً﴾ بعد خروجكم منه بأجمعكم وفي الرهو وجهان أحدهما: أنه الساكن أي: اتركه ساكناً قال الأعشى:
*يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل*
أي: مشياً ساكناً على هينه قاراً على حاله بحيث يبقى المرتفع من مائه مرتفعاً، والمنخفض منخفضاً كالجدار، وطريقه الذي سرتم به يابساً ذا سير سهل على الحالة التي دخلتم فيها لأن موسى لما جاوز البحر أراد أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق، فأمر أن يتركه ساكناً على هيئته قاراً على حاله ليدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله تعالى عليهم، والثاني: أن الرهو الفجوة الواسعة وعن بعض العرب أنه رأى جملاً فالجاً فقال: سبحان الله رهو بين سنامين أي: اتركه مفتوحاً على حاله منفرجاً ﴿إنهم جند مغرقون﴾ أي: متمكنون في هذا الوصف وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة الموجبة للعلو في الأمور.
ولما أخبر تعالى عن غرقهم أخبر عن متخلفهم بقوله تعالى:
﴿كم تركوا﴾ أي: كثيراً ترك الذين سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا ﴿من جنات﴾ أي: بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء الثمار والنبات وحسنها الذي يستر الهموم ودل على كرم الأرض بقوله تعالى: ﴿وعيون﴾ ﴿وزروع﴾ أي: ما هو دون الأشجار، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين والباقون بضمها ثم أخبر عن منازلهم بقوله تعالى: ﴿ومقام كريم﴾ أي: مجلس شريف هو أهل لأن يقوم الإنسان فيه لأنه في النهاية فيما يرضيه.
﴿ونعمة﴾ وهي اسم للتنعم بمعنى الترفيه والعيش اللين الرغد ﴿كانوا فيها﴾ أي: دائماً ﴿فاكهين﴾ أي: فعلهم في عيشهم فعل المتفكه المترفه لا فعل من يضطر إلى إقامة نفسه وقوله تعالى:
﴿كذلك﴾ خبر لمبتدأ مضمر أي: الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه فلا يغتر أحد بما ابتليناه من النعم لئلا نصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم وقوله تعالى: ﴿وأورثناها﴾ أي: تلك الأمور العظيمة عطف على تركوا ﴿قوماً﴾ أي: ناساً ذوي قوة في القيام على ما يحاولونه وحقق أنهم غيرهم تحقيقاً لإغراقهم بقوله تعالى: ﴿آخرين﴾ ليسوا منهم في شيء وهم بنو إسرائيل وقيل: غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر بل سكنوا الأرض المقدسة.
ولما سكن القوم الآخرون بمصر ورثوا كنوزها وأموالها ونعمها ومقامها الكريم وقوله تعالى:
﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم لهوانهم، وإذا لم تبك المساكن فما ظنك بالساكن الذي هو فيها تقول العرب: إذا مات رجل خطير في تعظيم مهلكه: بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح وأظلمت له الشمس قال الفرزدق:
*فالشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمر*
وقالت الخارجية:
стр. 1916
*أيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تجزع على ابن طريف*
وقال جرير:
*لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع*
وذلك على سبيل التخييل والتمثيل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء، عليه قال الزمخشري: وكذلك ما يروى عن ابن عباس من بكاء مصلى المؤمن وآثاره في الأرض ومصاعد عمله ومهابط رزقه في السماء تمثيل، ونفى ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ تهكماً بهم وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال فيه: بكت عليه السماء والأرض.
وروى أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مسلم إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله فإذا مات وفقداه بكيا عليه وتلا هذه الآية» . وقال علي ﵁: إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وعن الحسن: فما بكى عليهم الملائكة والمؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين يعني فما بكى عليهم أهل السماء وأهل الأرض. وقال عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها، وقال السدي: لما قتل الحسين بن علي ﵄: بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها، وقرأ أبو عمرو عليهم في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي بضمهما، والباقون: بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف فحمزة بضم الهاء والباقون بالكسر ﴿وما كانوا منظرين﴾ أي: لما جاء وقت هلاكهم لم يمهلوا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك تقصير.
ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمراً باهراً لا يكاد يصدق فضلاً عن أن يكون بإهلاك أعدائهم، أكد سبحانه الأخبار بذلك إشارة إلى ما يحق له من العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا النبي ﷺ وأتباعه كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالاً وأنهم في قبضتهم فقال تعالى:
﴿ولقد نجينا﴾ أي: بما لنا من العظمة تنجية عظيمة ﴿بني إسرائيل﴾ بعبدنا المخلص لنا ﴿من العذاب المهين﴾ أي: من استعباد فرعون وقتله أبناءهم وقوله تعالى:
﴿من فرعون﴾ بدل من العذاب على حذف المضاف، أو جعله عذاباً لإفراطه في التعذيب، أو حال من المهين أي: واقعاً من جهته ﴿إنه كان عالياً﴾ أي: في جبلته العراقة في العلو ﴿من المسرفين﴾ أي: العريقين في مجاوزة الحدود.
﴿ولقد اخترناهم﴾ أي: بني إسرائيل بما لنا من العظمة ﴿على علم﴾ أي: عالمين بأنهم أحقاء بأن يختاروا ويجوز أن يكون المعنى مع علم منا بأنهم يزيغون ويفرط منهم الفرطات في بعض الأحوال. ثم بين المفضل عليه بعد أن بين المفضل بقوله تعالى: ﴿على العالمين﴾ أي: الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتب وأرسلنا إليهم من الرسل، وقيل: على الناس جميعاً لكثرة الأنبياء منهم، وقيل: عام دخله التخصص ثم بين آثار الاختيار بقوله تعالى:
﴿وآتيناهم﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿من الآيات﴾ أي: العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم من حين أتى موسى عبدنا ﵇ فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين للشريعة ﵈ ﴿ما فيه بلاء﴾ أي: اختبار مثله يميل من ينظره أو يسمعه إلى غير ما كان عليه، وذلك بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن
стр. 1917
والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات التسع ﴿مبين﴾ أي: بين في نفسه موضح لغيره.
﴿إن هؤلاء﴾ إشارة إلى كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار على مثل ما حل بهم ﴿ليقولون﴾ أي: بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في الإنكار.
﴿أن﴾ أي: ما ﴿هي﴾ وقولهم ﴿إلا موتتنا﴾ على حذف مضاف أي: ما الحياة إلا حياة موتتنا ﴿الأولى﴾ التي كانت قبل نفخ الروح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الجاثية ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ (الأنعام: ٢٩)
وقال الجلال المحلي: إن هي ما الموتة التي بعدها الحياة إلا موتتنا الأولى أي: وهم نطف، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿وما نحن بمنشرين﴾ أي: بمبعوثين بحيث نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت، يقال: نشره وأنشره أحياه ثم احتجوا على نفي الحشر والنشر بقولهم:
﴿فأتوا﴾ أي: أيها الزاعمون أنا نبعث بعد الموت ﴿بآبائنا﴾ أي: لكوننا نعرفهم ونعرف وفور عقولهم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: ثابتاً صدقكم في أنا نبعث يوم القيامة أحياء بعد الموت ثم خوفهم الله تعالى بمثل عذاب الأمم الخالية فقال تعالى:
﴿أهم خير﴾ أي: في الدين والدنيا ﴿أم قوم تُبّع﴾ أي: ليسوا خيراً منهم فهو استفهام على سبيل الإنكار، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كل واحد منهم يسمى تبعاً لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم في ملوك الحرب، وقال قتادة: هو تبع الحميري وكان من ملوك اليمن سمي بذلك: لكثرة أتباعه وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه، ولذلك ذم الله تعالى قومه ولم يذمه، وعن النبي ﷺ «لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم» . وعنه ﷺ «ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي» . وعن عائشة ﵂ قالت: «لا تسبوا تبعاً فإنه كان رجلاً صالحاً» . وذكر عكرمة عن ابن عباس: أنه كان تبع الآخر وهو أبو كرب أسعد بن مليك وكان سار بالجيوش نحو المشرق وحبر الحبر وبنى قصر سمرقند، وملك بقومه الأرض طولها والعرض وكان أقرب المملكين إلى قريش زماناً ومكاناً، وكان له بمكة المشرفة ما ليس لغيره من الآثار، قال الرازي في اللوامع: هو أول من كسا البيت ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق.
قال البغوي بعد أن ذكر قصته مع الأنصار: لما قتل ابنه غيلة في المدينة الشريفة وما وعظ به اليهود في الكف عن خراب المدينة لأنها مهاجر نبي من قريش إنه صدقهم واتبع دينهم وذلك قبل نسخه. وعن الرياشي آمن تبع بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة عام، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿أهم خير أم قوم تبع﴾ مع أنه لا خير في الفريقين؟ أجيب: بأن معناه أهم خير في القوة والشوكة كقوله تعالى: ﴿أكفاركم خير من أولئكم﴾ (القمر: ٤٣)
بعد ذكر آل فرعون ويجوز في قوله تعالى: ﴿والذين من قبلهم﴾ أي: مشاهير الأمم كمدين وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد، ثلاثةُ أوجه؛ أحدها: أن يكون معطوفاً على قوم تبع، ثانيها: أن يكون مبتدأ وخبره ﴿أهلكناهم﴾ أي: بعظمتنا وإن كانوا أصحاب مكنة وقوة، وأما على الأول ﴿فأهلكناهم﴾ إما مستأنف، وإما حال من الضمير المستكن في الصلة، ثالثها: أن يكون منصوباً بفعل مقدر يفسره أهلكناهم ولا محل لأهلكناهم حينئذ ﴿إنهم
стр. 1918
كانوا﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿مجرمين﴾ أي: عريقين في الإجرام فليحذر هؤلاء إن ارتكبوا مثل أفعالهم من مثل حالهم.
ولما أنكر تعالى على كفار مكة قولهم، ووصفهم بأنهم أضعف ممن كان قبلهم، ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث والقيامة فقال تعالى:
﴿وما خلقنا السموات﴾ أي: على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها وجمعها لأن العمل كلما زاد كان أبعد عن العبث.
ولما كان الدليل على تطابق الأرض دليلاً دقيقاً وحدها بقوله تعالى: ﴿والأرض﴾ أي: على ما فيها من المنافع ﴿وما بينهما﴾ أي: النوعين وبين كل واحدة منهما وما يليها ﴿لاعبين﴾ أي: على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص، ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعباً بل اللعب أخف منه، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين للصفة القدسية وقد تقدم تقرير هذا الدليل في أول سورة يونس وفي آخر سورة المؤمنين عند قوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً﴾ (المؤمنون: ١١٥)
وفي ص عند قوله تعالى ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً﴾ (ص: ٢٨) .
﴿ما خلقناهما﴾ أي: السموات والأرض مع ما بينهما وقوله تعالى: ﴿إلا بالحق﴾ حال إما من الفاعل وهو الظاهر، وإما من المفعول أي: إلا محقين في ذلك يستدل به على وحدانيتنا وقدرتنا وغير ذلك، أو متلبسين بالحق ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي: هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون: ﴿إن هي إلا موتتنا الأولى﴾ وكذا من نحا نحوهم ﴿لا يعلمون﴾ أي: إنا خلقنا الخلق بسبب إقامته الحق عليهم فهم لأجل ذلك يجترؤون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، ولو تذكروا ما ذكرناه في جبلاتهم لعلموا علماً ظاهراً أنه الحق الذي لا معدل عنه، كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم ويشترطون الحكم بالحق ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه.
ولما ذكر الدليل على إثبات البعث والقيامة ذكر عقبه يوم الفصل فقال تعالى:
﴿إن يوم الفصل﴾ أي: يوم القيامة يفصل الله تعالى فيه بين العباد، قال الحسن: سمي بذلك؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بين أهل الجنة والنار، وقيل: يفصل فيه بين المؤمن وما يكرهه وبين الكافر وما يريده ﴿ميقاتهم﴾ أي: وقت موعدهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت فيه الكتب على ألسنة الرسل ﴿أجمعين﴾ لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والأنس والملائكة وجميع الحيوانات وقوله تعالى:
﴿يوم لا يغني﴾ أي: بوجه من الوجوه بدل من يوم الفصل، أو منصوب بإضمار أعني، أو صفة لميقاتهم، ولا يجوز أن ينتصب بالفصل نفسه لما يلزم من الفصل بينهما بأجنبي وهو ميقاتهم ﴿مولى﴾ أي: من قرابة أو غيرها ﴿عن مولى﴾ بقرابة أو غيرها أي: لا يدفع عنه ﴿شيئاً﴾ من الأشياء كثر أو قل ﴿ولا هم﴾ أي: القسمان ﴿ينصرون﴾ أي: ليس لهم ناصر يمنعهم من عذاب الله تعالى.
تنبيه: المولى إما في الدين، أو في النسب، أو العتق، وكل هؤلاء لا يسمون بالمولى فلما لم تحصل النصرة منهم فأن لا تحصل ممن سواهم أولى، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً﴾ إلى قوله تعالى ﴿ولا هم ينصرون﴾ (البقرة: ٤٨)
وقال الواحدي: المراد بقوله تعالى: ﴿مولى عن مولى﴾ الكفار
стр. 1919
لأنه ذكر بعده المؤمن فقال تعالى:
﴿إلا من رحم الله﴾ أي: أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم لبعض بإذن الله تعالى في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه وقال ابن عباس: يريد المؤمن فإنه يشفع له الأنبياء والملائكة.
تنبيه: يجوز في ﴿إلا من رحم الله﴾ أوجه؛ أحدها: وهو قول الكسائي أنه منقطع، ثانيها: أنه متصل تقديره لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين فإنهم يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم كما مر، ثالثها: أن يكون مرفوعاً على البدلية من مولى الأول ويكون يغني بمعنى ينفع قاله الحوفي، رابعها: أنه مرفوع المحل أيضاً على البدل من واو ينصرون أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحم الله ﴿إنه﴾ أي: وحده ﴿هو العزيز﴾ أي: المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ولا عقاب بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة بأحد ﴿الرحيم﴾ أي: الذي لا يمنع عزته أن يكرم من شاء.
ولما وصف تعالى اليوم ذكر بعده وعيد الكفار فقال سبحانه:
﴿إن شجرت الزقوم﴾ هي من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في الجحيم وقد مر الكلام عليها في الصافات، ورسمت بالتاء المجرورة فوقف عليها بالهاء أبو عمرو وابن كثير والكسائي، ووقف الباقون بالتاء على الرسم.
﴿طعام الأثيم﴾ أي: المبالغ في اكتساب الآثام حتى صارت به إلى الكفر قال أكثر المفسرين: هو أبو جهل.
﴿كالمهل﴾ أي: وهو ما يمهل في النار حتى يذوب من ذهب أو فضة وكل ما في معناهما من المنطبعات سواء كان من صفر أو حديد أو رصاص، وقيل: هو عكر القطران، وقيل: عكر الزيت وقرأ ﴿يغلي في البطون﴾ أي: من شدة الحر ابن كثير وحفص بالياء التحتية على أن الفاعل ضمير يعود على طعام، وجوز أبو البقاء أن يعود على الزقوم، وقيل: يعود على المهل نفسه والباقون بالتاء الفوقية على أن الفاعل ضمير الشجر.
﴿كغلي﴾ أي: مثل غلي ﴿الحميم﴾ أي: الماء الذي تناهى حره بما يوقد تحته، وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه» ويقال للزبانية:
﴿خذوه﴾ أي: هذا الأثيم أخذ قهر فلا تدعوه يملك من أمره شيئاً ﴿فاعتلوه﴾ أي: جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب والإهانة بحيث يكون كأنه محمول، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بضم التاء والباقون بكسرها وهما لغتان في مضارع عتل، قال البقاعي: وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من قراءة الكسر ﴿إلى سواء﴾ أي: وسط ﴿الجحيم﴾ أي: النار التي هي غاية في الاضطرام والتوقد وهو موضع خروج الشجرة التي هي طعامه.
﴿ثم صبوا فوق رأسه﴾ أي: ليكون المصبوب محيطاً بجميع جسده ﴿من عذاب الحميم﴾ أي: من الحميم الذي لا يفارقه العذاب فهو أبلغ مما في آية ﴿يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ (الحج: ١٩)
ويقال له توبيخاً وتقريعاً:
﴿ذق﴾ أي: العذاب ﴿إنك﴾ وأكد بقوله: ﴿أنت﴾ أي: وحدك دون هؤلاء الذين يخبرون بحقارتك ﴿العزيز الكريم﴾ بزعمك وقولك: ما بين جبليها أعز وأكرم مني، وقرأ الكسائي بفتح الهزة بعد القاف على معنى العلة أي: لأنك، وقيل: تقديره ذق عذاب الحميم إنك أنت العزيز، والباقون بالكسر على الاستئناف المفيد للعلة فتتحد القراءتان معنى، وهذا
стр. 1920
الكلام الذي على سبيل التهكم أغيظ للمستهزأ به ومثله قول جرير لشاعر سمى نفسه زهرة اليمن:
*ألم يكن في رسوم قد رسمت بها ... من كان موعظة يا زهرة اليمن*
وكان هذا الشاعر قد قال:
*أبلغ كليباً وأبلغ عنك شاعرها ... أني الأعز وأني زهرة اليمن*
ويقال لهم:
﴿إن هذا﴾ أي: الذي ترون من العذاب ﴿ما كنتم به﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿تمترون﴾ أي: تعالجون أنفسكم وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من الفطرة الأولى من التصديق بالممكن لاسيما من جرب صدقه وظهرت خوارق العادات على يده بحيث كنتم لشدة ردكم له كأنكم تخصونه بالشك.
ولما ذكر وعيد الكفار أردفه بآيات الوعد فقال:
﴿إن المتقين﴾ أي: العريقين في هذا الوصف ﴿في مقام﴾ أي: موضع إقامة لا يريد الحال فيه تحولاً عنه ﴿أمين﴾ أي: يأمن صاحبه فيه من كل ما لا يعجبه، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الميم أي: في مجلس أمين، والباقون بضمها على المصدر أي: في إقامة وقوله تعالى:
﴿في جنات﴾ أي: بساتين تقصر العقول عن إدراك كل وصفها، بدل من قوله تعالى في مقام أمين أو خبر ثان وقرأ ﴿وعيون﴾ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين، والباقون بضمها.
ولما كان لا يتم العيش إلا بكسوة البدن أشار إلى ذلك بقوله تعالى:
﴿يلبسون﴾ ودل على الكثرة جداً بقوله تعالى: ﴿من سندس﴾ وهو ما رق من الحرير يعمل وجوهاً ﴿وإستبرق﴾ هو ما غلظ منه يعمل بطائن، وسمي بذلك: لشدة بريقه وقوله تعالى: ﴿متقابلين﴾ أي: في مجلسهم ليستأنس بعضهم ببعض حال وقوله: ﴿يلبسون﴾ حال من الضمير المستكن في الجار أو خبر ثان فيتعلق الجار به أو مستأنف، فإن قيل: الجلوس على هذه الهيئة موحش لأن كل واحد منهم يصير مطلعاً على ما يفعل الآخر وأيضاً فقليل الثواب إذا طلع على كثيره ينغص عليه؟ أجيب: بأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا وقد قال تعالى ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ (الأعراف: ٤٣)
وقوله تعالى:
﴿كذلك﴾ يجوز فيه وجهان؛ أحدهما: النصب نعتاً لمصدر أي: نفعل بالمتقين فعلاً كذلك أي: مثل ذلك الفعل، ثانيهما: الرفع على خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر كذلك.
ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال تعالى: ﴿وزوجناهم﴾ أي: قرناهم كما تقرن الأزواج وليس المراد به العقد لأن فائدة العقد الحل والجنة ليست بدار تكليف من تحليل أو تحريم ﴿بحور﴾ أي: جوار بيض حسان نقيات الثياب ﴿عين﴾ أي: واسعات الأعين قال البيضاوي: واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرهن.
ولما كان الشخص في الدنيا يخشى كلف النفقات وصف ما هنالك من سعة الخيرات فقال تعالى:
﴿يدعون﴾ أي: يطلبون طلباً هو غاية المسرة ﴿فيها﴾ أي: الجنة أي: يؤتون ﴿بكل فاكهة﴾ أي: لا يمتنع عليهم صنف من الأصناف لبعد مكان ولا فقدان ولا غير ذلك من الشأن، وفي ذلك إيذان بأنه مع سعته ليس فيه شيء لإقامة البنية وإنما هو للتفكه والتلذذ حال كونهم مع ذلك ﴿آمنين﴾ في غاية الأمن من كل مخوف.
﴿لا يذوقون فيها﴾ أي: الجنة ﴿الموت﴾ لأنها دار خلود لا دار فناء وقوله تعالى ﴿إلا الموتة الأولى﴾ فيه أوجه؛ أحدها: أنه استثناء منقطع أي: لكن
стр. 1921
الموتة الأولى قد ذاقوها، ثانيها: أنه متصل وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يصير بلطف الله كأنه في الجنة لاتصاله بأسبابها ومشاهدته إياها وما يعطاه من نعيمها فكأنه مات فيها، ثالثها: أن إلا بمعنى سوى أي: سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا كما في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ (النساء: ٢٢)
أي: سوى ما قد سلف، رابعها: أن إلا بمعنى بعد، أي: لا يذوقون فيها الموت بعد الموتة الأولى في الدنيا واختاره الطبري لكن نوزع بأن إلا بمعنى بعد لم يثبت وقد يجاب: بأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، خامسها: قال الزمخشري: أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله: ﴿إلا الموتة الأولى﴾ موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها، سادسها: المراد بالمتقين أعم من الراسخين وغيرهم وإن ضمير فيها يرجع للآخرة، فالعاصي إذا أراد الله تعالى تعذيبه بالنار يذيقه فيها موتة أخرى كما جاء في الأحاديث الصحيحة فيكون على المجموع، سابعها: أن الموتة الأولى في الجنة المجازية فلا يكون ذلك بالمحال وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا.
قال بعض العلماء: الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن التقي فإنها جنة صغرى لتوليه سبحانه إياه فيها وقربه منه ونظره إليه وذكره له وعبادته إياه وشغله به وهو معه أينما كان، فإن قيل: أهل النار لا يذوقون الموت أبداً فلم بشر أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه؟ أجيب: بأن البشارة ما وقعت بدوام الحياة فقط بل مع حصول تلك الخيرات والسعادات فافترفا ﴿ووقاهم﴾ أي: المتقين ﴿عذاب الجحيم﴾ أي: التي تقدم أنها لكل كفار أثيم وأما غير المتقين من العصاة فيدخل الله تعالى من أراد منهم النار فيعذب كلاً منهم على قدر ذنوبه ثم يميتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم، فيخرجهم ثم يحييهم بما يرش عليهم من ماء الحياة، ثم يدخلهم الله تعالى الجنة.
روي عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا فحماً أدخلوا الجنة فيقول أهل الجنة: من هؤلاء فيقال: هؤلاء الجهنميون» . وروي أنه ﷺ قال: «يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا فيها حمماً ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة» ، فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة. وقوله تعالى:
﴿فضلاً﴾ مفعول لأجله أي: فعل ذلك بهم لأجل الفضل، وجعله أبو البقاء: منصوباً بمقدر أي: تفضلنا بذلك فضلاً أي: تفضلاً.
تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله تعالى فضلاً وإحساناً وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص من النار والفوز بالجنة فإنما يحصل بفضل الله تعالى ﴿من ربك﴾ أي: المحسن إليك بكمال إحسانه إلى أتباعك إحساناً يليق بك، قال الرازي في اللوامع: أصل الإيمان رؤية الفضل في جميع الأحوال.
ولما عظمه الله تعالى بإظهار هذه الصفة مضافة إليه ﷺ زاد تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الفضل العظيم الواسع ﴿هو﴾ أي: خاصة ﴿الفوز﴾ أي: الظفر بجميع المطالب ﴿العظيم﴾ لأنه خلاص عن المكاره ولم يدع جهة من الشرف إلا ملأها، وهذا يدل على أن
стр. 1922
الفضل أعلى من درجات الثواب المستحق لأنه تعالى وصفه بكونه فوزاً عظيماً، وأيضاً فإن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك الخلعة أعلى من إعطاء تلك الأجرة.
ولما بيّن تعالى الدليل وشرح الوعد والوعيد قال تعالى:
﴿فإنما يسرناه﴾ أي: سهلنا القرآن سهولة كبيرة ﴿بلسانك﴾ أي: هذا العربي المبين وهم عرب سجيتهم الفصاحة ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي: يفهمونه فيتعظون به وإن لم يتعظوا ولم يؤمنوا به.
﴿فارتقب﴾ أي: فانتظر ما يحل بهم ﴿إنهم مرتقبون﴾ أي: منتظرون ما يحل بك فمفعولا الارتقاب محذوفان أي: فارتقب النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ذلك، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري أنه ﷺ قال: «من قرأ حم الدخان ليلة جمعة أصبح مغفوراً له» . رواه الترمذي وزاد الزمخشري: «من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» ورواه البغوي عن أبي هريرة. قال ابن عادل: قال أبو أمامة رضي الله تعالى عنه: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ حم الدخان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتاً في الجنة» والله تعالى أعلم بالصواب.
سورة الجاثية
مكية إلا ﴿قل للذين آمنوا يغفروا﴾ الآية هي سبع وثلاثون آية وأربعمائة وثمان وثمانون كلمة، وألفان ومائة وواحد وتسعون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الذي تفرد بتمام العز والكبرياء ﴿الرحمن﴾ الذي أحكم رحمته بالبيان العام للسعداء والأشقياء ﴿الرحيم﴾ الذي خص بملابسة طاعته الأولياء وتقدم الكلام على قوله تعالى:
﴿حم﴾ ثم إن جعلتها اسماً مبتدأ مخبراً عنه بقوله تعالى:
﴿تنزيل الكتاب﴾ أي: الجامع لكل خير لم يكن بد من حذف مضاف تقديره، تنزيل حم تنزيل الكتاب. وقوله تعالى: ﴿من الله﴾ أي: المحيط بصفات الكمال صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان تنزيل الكتاب مبتدأ والظرف خبراً ﴿العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في صنعه.
ولما كانت الحواميم كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس لبيان القرآن حذف ما ذكر في البقرة من قوله تعالى ﴿خلق﴾ ليكون ما هنا أشمل فقال تعالى:
﴿إن في السموات﴾ أي: ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة وما لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب ﴿والأرض﴾ كذلك وبما حوت من المعادن والمعاش ﴿لآيات﴾ أي: دلالات على وجود الإله القادر الفاعل المختار فإن من المعلوم أنه لا بد لكل ذلك من صانع متصف بذلك وقال تعالى ﴿للمؤمنين﴾ لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم يهديهم بإيمانهم، فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة وأدلة الإلهية فيهما واضحة.
ولما ذكر النظر في آيات الآفاق أتبعها آيات الأنفس بقوله تعالى:
﴿وفي خلقكم﴾ أي: خلق كل منكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة إلى أن صار إنساناً المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار والقدرة على السار والضار ﴿وما﴾ أي: وخلق ما ﴿يبث﴾ أي: ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية على سبيل
стр. 1923
التجدد والاستمرار ﴿من دابة﴾ مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزيئات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال والطبائع والمنافع وغير ذلك ﴿آيات﴾ دالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته.
وقرأ حمزة والكسائي آيات بكسر التاء حملاً على اسم إن، والباقون بالرفع حملاً على محل إن واسمها، ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف قال تعالى ﴿لقوم﴾ أي: فيهم أهلية القيام بما يحاولونه ﴿يوقنون﴾ أي: يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان فلا يخالجهم شك في وحدانيته.
﴿واختلاف الليل والنهار﴾ بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره ﴿وما أنزل الله﴾ أي: الذي تمت عظمته فنفذت كلمته ﴿من السماء من رزق﴾ أي: مطر وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق ﴿فأحيا به﴾ أي: بسببه ﴿الأرض﴾ أي: الصالحة للحياة ولذلك قال تعالى ﴿بعد موتها﴾ أي: يبسها وتهشيم ما كان فيها من النبات ﴿وتصريف﴾ أي: تحويل ﴿الرياح﴾ باختلاف جهاتها وأحوالها.
وقرأ حمزة والكسائي بالتوحيد، والباقون بالجمع وقوله تعالى ﴿آيات﴾ فيه القراءتان المتقدمتان، أما الرفع فظاهر وأما الكسر ففيه وجهان؛ أحدهما: أنها معطوفة على اسم إن والخبر قوله ﴿وفي خلقكم﴾ كأنه قيل: وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات، والثاني: أن تكون كررت تأكيداً لآيات الأولى ويكون ﴿في خلقكم﴾ معطوفاً على ﴿في السموات﴾ كرر معه حرف الجر توكيداً، ونظيره أن تقول: إن في بيتك زيداً وفي السوق زيداً فزيداً الثاني تأكيد للأول كأنك قلت: إن زيداً زيداً في بيتك وفي السوق وليس في هذه عطف على معمولي عاملين ألبتة.
ولما كانت هذه الآية أوضح دلالة من بقيتها على البعث قال تعالى فيها ﴿لقوم يعقلون﴾ الدليل فيؤمنون وأبدى بعض المفسرين معنى لطيفاً فقال: إن المنصفين إذا نظروا في السموات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا وإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيماناً فأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم.
ولما ذكر هذه الآيات العظيمات قال تعالى مشيراً إلى علو رتبتها بأداة البعد:
﴿تلك﴾ أي: الآيات المذكورة ﴿آيات الله﴾ أي: حجج المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجل منها الدالة على وحدانيته ﴿نتلوها﴾ أي: نقصها ﴿عليك﴾ سواء أكانت مرئية أو مسموعة ملتبسة ﴿بالحق﴾ أي: الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله ليس بسحر ولا كذب ﴿فبأي حديث﴾ أي: خبر عظيم صادق يتجدد علمه به يستحق أن يتحدث به واستغرق كل حديث فقال تعالى ﴿بعد الله﴾ أي: حديث الملك الأعظم وهو القرآن ﴿وآياته﴾ أي: حججه ﴿يؤمنون﴾ أي: كفار مكة أي: لا يؤمنون، وقرأ ابن عامر وشعبة والكسائي بتاء الخطاب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿نتلوها عليك بالحق﴾ ، والباقون بياء الغيبة ردوه على قوله تعالى ﴿وفي خلقكم﴾ وهو أقوى تبكيتاً.
ولما بين الآيات للكفار وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها بعد ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون؟ أتبعه
стр. 1924
بوعيد عظيم لهم فقال تعالى:
﴿ويل لكل أفاك﴾ أي: مبالغ في صرف الحق عن وجهه ﴿أثيم﴾ أي: مبالغ في اكتساب الإثم وهو أن يبقى مصراً على الإنكار والاستكبار، قال المفسرون: يعني النضر ابن الحارث والآية عامة فيمن كان موصوفاً بهذه الصفة وفسر هذا بقوله تعالى:
﴿يسمع آيات الله﴾ أي: دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها ﴿تتلى عليه﴾ بجميع ما فيها وهي القرآن من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز وهي القرآن العظيم، فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق، وقرأ حمزة والكسائي بإمالة محضة وورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿ثم يصر﴾ أي: يدوم دواماً عظيماً على قبح ما هو فيه حال كونه ﴿مستكبراً﴾ أي: طالباً للكبر عن الإذعان وموجداً له ﴿كأن﴾ أي: كأنه ﴿لم يسمعها﴾ أي: حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء ﴿فبشره﴾ أي: على هذا الفعل الخبيث ﴿بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم، والبشارة على الأصل أو التهكم، وقرأ ابن كثير وحفص ﴿أليم﴾ بالرفع والباقون بالجر.
﴿وإذا علم﴾ أي: بلغه ﴿من آياتنا﴾ أي: القرآن ﴿شيئاً﴾ وعلم أنه من آياتنا ﴿اتخذها هزواً﴾ أي: مهزواً بها.
تنبيه: في الضمير المؤنث وجهان؛ أحدهما: أنه عائد على ﴿آياتنا﴾ يعني القرآن، والثاني: أنه يعود على ﴿شيئاً﴾ وإن كان مذكراً لأنه بمعنى الآية كقول أبي العالية:
*نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها*
لأنه أراد بشيء جاريةً يقال لها: عنبة، والمعنى: اتخذ ذلك الشيء هزواً إلا أنه تعالى قال: ﴿اتخذها﴾ للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمد ﷺ خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد وقوله تعالى ﴿أولئك لهم عذاب مهين﴾ أي: ذو إهانة إشارة إلى معنى ﴿كل أفاك أثيم﴾ (الشعراء: ٢٢٢)
ليدخل فيه جميع الأفاكين، فحمل أولاً على لفظها فأفراد ثم على معناها فجمع كقوله تعالى ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (الروم: ٣٢)
ثم وصف تعالى كيفية ذلك العذاب فقال:
﴿من ورائهم﴾ أي: أمامهم لأنهم في الدنيا ﴿جهنم﴾ قال الزمخشري: والوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام قال:
*أليس ورائي إن تراخت منيتي ... أدبّ مع الولدان أزحف كالنسر*
ومنه قوله تعالى ﴿من ورائهم﴾ أي: من قدامهم ا. هـ ثم بين تعالى أن ما سلكوه في الدنيا لا ينفعهم بقوله تعالى: ﴿ولا يغني﴾ أي: ولا يدفع ﴿عنهم ما كسبوا﴾ من الأموال في رحلهم ومتاجرهم والأولاد ﴿شيئاً﴾ من الإغناء. وقوله تعالى: ﴿ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء﴾ أي: من الأوثان عطف على ﴿ما كسبوا﴾ و ﴿ما﴾ فيهما إما مصدرية، أو بمعنى الذي أي: لا يغني عنهم كسبهم ولا اتخاذهم أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ أي: لا يدع جهة من جهاتهم ولا زماناً من أزمانهم ولاعضواً من أعضائهم إلا ملأه، فإن قيل: قال تعالى في الأول ﴿مهين﴾ وفي الثاني ﴿عظيم﴾ فما الفرق بينهما؟ أجيب: بأن كون العذاب مهيناً يدل على حصول العذاب مع الإهانة، وكونه عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضرر وقوله تعالى:
﴿هذا هدى﴾ إشارة إلى القرآن يدل عليه قوله تعالى ﴿والذين كفروا بآيات ربهم﴾ هي القرآن أي: هذا القرآن كامل في الهداية
стр. 1925
كما تقول: زيد رجل أي: كامل في الرجولية وأيما رجل ﴿لهم عذاب﴾ كائن ﴿من رجز﴾ أي: شديد العذاب ﴿أليم﴾ أي: بليغ الإيلام.
ولما ذكر تعالى ذكر الربوبية ذكر بعض آثارها وما فيها من آياته فقال مستأنفاً دالاً على عظمتها بالاسم الأعظم:
﴿الله﴾ أي: الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال ﴿الذي سخر﴾ أي: وحده من غير حول منكم ولا قوة في ذلك بوجه من الوجوه ﴿لكم البحر﴾ أيها الناس بركم وفاجركم بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القابلية للسير فيه من الرقة والليونة ﴿لتجري الفلك﴾ أي: السفن ﴿فيه بأمره﴾ أي: بإذنه ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها، ففي ذلك دلالة ظاهرة على وحدانيته لأن جريان الفلك على وجه الماء لا يحصل إلا بثلاثة أشياء؛ أحدها: الرياح التي توافق المراد، وثانيها: خلق وجه الماء على الملامسة التي تجري عليها الفلك، وثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغرق فيه، وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر ﴿ولتبتغوا﴾ أي: تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص على اللؤلؤ والمرجان وغير ذلك ﴿من فضله﴾ لم يصنع شيئاً منه سواه ﴿ولعلكم تشكرون﴾ نعمه على ذلك.
﴿وسخر لكم ما في السموات﴾ من شمس وقمر ونجم بها وغير ذلك بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه ﴿وما في الأرض﴾ من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيره ولو شاء لجعله كما في السماء لا وصول لكم إليه وقوله تعالى ﴿جميعاً﴾ توكيد لما دل عليه معنى ما من العموم وقيل: حال من ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ وقوله تعالى ﴿منه﴾ حال أي: سخرها كائنة منه تعالى لا صنع لأحد غيره في شيء من ذلك، قال ابن عباس: كل ذلك رحمة منه، وقال الزجاج: كل ذلك تفضل منه وإحسان، وقال بعض العارفين: سخر لك الكل لئلا يسخرك لشيء منها فتكون مسخراً لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه ﴿إن في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم من تسخيره لنا كل شيء في الكون ﴿لآيات﴾ أي: دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا ﴿لقوم﴾ أي: ناس فيهم أهلية القيام بما يجعل إليهم ﴿يتفكرون﴾ فيعلمون أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئاً واختلف في سبب نزل قوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: يا أفضل الخلق ﴿للذين آمنوا﴾ ادعوا التصديق بكل ما جاءهم عن الله تعالى ﴿يغفروا﴾ أي: يستروا ستراً بالغاً ﴿للذين لا يرجون أيام الله﴾ أي: مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفة الكمال، فقال ابن عباس: «نزلت في عمر بن الخطاب ﵁ وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها: المريسيع، فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له ما حبسك؟ قال غلام عمر: قعد على طرف البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي ﷺ وقرب أبي بكر ﵁، فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية» .
وقال مقاتل: إن رجلاً من بني غفار شتم عمر
стр. 1926
بمكة فهم عمر أن يبطش به، فنزلت بالغفر والتجاوز، وروى ميمون بن مهران: «أن فتحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضااًحسناً﴾ (البقرة: ٢٤٥)
قال: احتاج رب محمد فسمع ذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه فبعث النبي ﷺ إليه فرده» .
وقال القرطبي والسدي: «نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل مكة كانوا في أذى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت» . ثم نسختها آية القتال، قال الرازي: وإنما قالوا بالنسخ لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يقتلوا ولا يقاتلوا، فلما أمر الله تعالى بالمقاتلة كان نسخاً والأقرب أن يقال إنه محمول على ترك المنازعة وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية، وقال ابن عباس: لا يرجون أيام الله أي: ثوابه ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الماضية وتقدم تفسير أيام الله عند قوله تعالى ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ (إبراهيم: ٥)
وقوله تعالى ﴿ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون﴾ علة للأمر، والقوم: هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو التنويع أو لكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون لنجزي نحن بما لنا من العظمة، والباقون بالياء التحتية أي: ليجزي الله .
ولما رغب ورهب وقرر أنه لا بد من الجزاء زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال تعالى شارحاً للجزاء:
﴿من عمل صالحاً﴾ قل أو جل ﴿فلنفسه﴾ أي: خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا والآخرة وهو مَثَل ضربه الله تعالى للذين يغفرون ﴿ومن أساء﴾ كذلك ﴿فعليها﴾ خاصة إساءته كذلك، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين، وذلك في غاية الظهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكاً يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيماً، وإن كانت نقائص النفوس غطت على كثير من العقول ذلك ﴿ثم﴾ أي: بعد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ ﴿إلى ربكم﴾ أي: الملك المالك لكم لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي: تصيرون فيجازي المصلح والمسيء.
﴿ولقد آتينا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿بني إسرائيل الكتاب﴾ أي: الجامع للخيرات وهو يعم التوراة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم ﵈ ﴿والحكم﴾ أي: العلم والعمل الثابتين ثبات الأحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل وللعمل من الإتقان بالعلم ﴿والنبوة﴾ التي تدرك بها الخيرات العظيمة التي لا يمكن إبلاغ الخلق إليها بلوغ اكتساب منهم فأكثرنا فيهم من الأنبياء ﵈.
﴿ورزقناهم﴾ بما لنا من العظمة لإقامة أبدانهم ﴿من الطيبات﴾ أي: الحلالات من المن والسلوى وغيرهما ﴿وفضلناهم﴾ أي: بما لنا من العزة ﴿على العالمين﴾ قال أكثر المفسرين: علامي زمانهم، وقال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحب إليه منهم، أي: لما آتاهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثر فيهم من الأنبياء مما لم يفعله بغيرهم ممن سبق وكل ذلك فضيلة ظاهرة.
﴿وآتيناهم﴾ مع ذلك ﴿بينات من الأمر﴾ أي: الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو
стр. 1927
في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافاً يسيراً لا يضر مثله ولا يعد اختلافاً، فلما جاءهم العلم اختلفوا كما قال تعالى ﴿فما اختلفوا﴾ أي: أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ أي: الذي من شأنه الجمع على المعلوم فكان ما هو سبب الاجتماع سبباً لهم في الافتراق ﴿بغياً﴾ أي: للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرياسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس ﴿بينهم﴾ أي: واقعاً فيهم لم يعدهم إلى غيرهم وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله تعالى الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أمرهم مؤكداً لأجل إنكارهم ﴿إن ربك﴾ أي: المحسن إليك ﴿يقضي بينهم﴾ أي: بإحصاء الأعمال والجزاء عليها ﴿يوم القيامة﴾ أي: الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك ﴿فيما كانوا﴾ أي: لما هو لهم كالجبلة ﴿فيه يختلفون﴾ بغاية الجهد، والمعنى: أنه لا ينبغي للمبطل أن يفرح بنعم الدنيا فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها فإنه سيرى في الآخرة ما يسوءه وذلك كالزجر لهم.
ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً أمر رسوله ﷺ أن يعدل عن تلك الطريقة وأن يتمسك بالحق وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق فقال تعالى:
﴿ثم﴾ أي: بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم ﴿جعلناك﴾ أي: بما لنا من العزة والقدرة ﴿على شريعة﴾ أي: طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدأة ﴿من الأمر﴾ أي: أمر الدين الذي هو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباح ﴿فاتبعها﴾ أي: اتبع بغاية جهدك شريعتك الثابتة بالحجج ﴿ولا تتبع أهواء﴾ أي: آراء ﴿الذين لا يعلمون﴾ أي: لا علم لهم أو لهم علم لكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلاً من كفار العرب وغيرهم، قال الكلبي: «إن رؤساء قريش قالوا للنبي ﷺ وهو بمكة: ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن فأنزل الله تعالى هذه الآية» . ثم علل هذا النهي مهدداً بقوله تعالى مؤكداً:
﴿إنهم﴾ وأكد النفي فقال عز من قائل ﴿لن يغنوا عنك﴾ أي: لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدأ ﴿من الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿شيئاً﴾ أي: من إغناء أي: إن اتبعتهم، كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم ﴿وإن الظالمين﴾ أي: الغريقين في هذا الوصف وهم الكفرة، وكان الأصل: وإنهم ولكنه تعالى أظهر للإعلام بوصفهم ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالوهم باتباع أهوائهم ﴿والله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿وليّ المتقين﴾ أي: الذين همهم الأعظم الاتصاف باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله تعالى، والمعنى: أن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله سبحانه وليهم وناصرهم.
﴿هذا﴾ أي: الوحي المنزل وهو القرآن ﴿بصائر﴾ أي: معالم ﴿للناس﴾ أي: في الحدود والأحكام فيبصروا بها ما ينفعهم وما يضرهم ﴿وهدى﴾ أي: قائد إلى كل خير مانع من كل زيغ ﴿ورحمة﴾ أي: كرامة وفوز ونعمة
стр. 1928
﴿لقوم يوقنون﴾ أي: ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له وقوله تعالى:
﴿أم حسب﴾ منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها أو بالهمزة وحدها ومعنى الهمزة فيها: إنكار الحسبان ﴿الذين اجترحوا﴾ أي: اكتسبوا ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي: كاسبهم وقال تعالى ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ (الأنعام: ٦٠)
﴿السيئات﴾ أي: الكفر والمعاصي ﴿أن نجعلهم﴾ أي: بما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة ﴿كالذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإقرارهم ﴿الصالحات﴾ أي: بأن نتركهم بغير حساب للفصل بين المحسن والمسيء.
ولما كانت المماثلة مجملة بينها استئنافاً بقوله تعالى: ﴿سواء﴾ أي: مستو استواء عظيماً ﴿محياهم ومماتهم﴾ أي: حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سواء بالنصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما كالذين آمنوا، ويكون المفعول الثاني للجعل كالذين آمنوا أي: أحسبوا أن نجعلهم مثلهم في حال استواء محياهم ومماتهم ليس الأمر كذلك، وقرأه الباقون بالرفع على أنه خبر ومحياهم ومماتهم مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار، والمعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين أي: في رغد من العيش مساوٍ لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين: لئن بعثنا لنعطي من الخير مثل ما تعطون، قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة ﴿ساء ما يحكمون﴾ أي: ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بأعمالهم الصالحات في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية أي: بئس حكماً حكمهم هذا.
ولما بين تعالى أن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة ذلك فقال تعالى:
﴿وخلق الله﴾ أي: الذي له جميع أوصاف الكمال ﴿السموات والأرض﴾ وقوله تعالى ﴿بالحق﴾ متعلق بخلق وقوله تعالى ﴿ولتجزى﴾ أي: بأيسر أمر ﴿كل نفس﴾ أي: منكم ومن غيركم معطوف على بالحق في المعنى لأن كلاً منهما سبب فعطف العلة على مثلها أو أنه معطوف على معلل محذوف والتقدير: خلق هذا العالم إظهاراً للعدل والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت بين الدرجات والدركات من المحقين والمبطلين ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كسبت﴾ من خير أو شر ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿لا يظلمون﴾ أي: لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه هذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ولو وجد منه غير ذلك لم يكن ظلماً منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم في نفس الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما يتعارفونه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر ثم عاد إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طرائقهم فقال:
﴿أفرأيت﴾ أي: أعلمت علماً هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس ﴿من اتخذ﴾ أي: بغاية جهده ﴿إلهه هواه﴾ أي: ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن، روي عن أبي رجاء العطاردي وهو ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة
стр. 1929
خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة قال: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب فحلبنا عليها ثم طفنا بها. قال الأصفهاني: سئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه فنظمه من قال:
*نون الهوان من الهوى مسروقة ... فأسير كل هوى أسير هوان*
وقال آخر أيضاً:
*إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا*
﴿وأضله الله﴾ أي: بما له من الإحاطة ﴿على علم﴾ منه تعالى أي: عالماً بأنه من أهل الضلالة قبل خلقه ﴿وختم﴾ زيادة على الإضلال الخاص ﴿على سمعه﴾ فلا فهم له في الآيات المسموعة ﴿وقلبه﴾ أي: فهو لا يعي ما فى حقه وعيه ﴿وجعل على بصره غشاوة﴾ أي: ظلمة فلا يبصر الهوى ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أي: أيهتدي، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الغين وسكون الشين، والباقون بكسر الغين وفتح الشين وألف بعد الشين وإذا صار بهذه المثابة ﴿فمن يهديه﴾ وأشار تعالى إلى قدرته عليه بقوله ﴿من بعد الله﴾ أي: إن أراد الله إضلاله الذي له الإحاطة بكل شيء أي: لا يهتدي ﴿أفلا تذكرون﴾ أي: ألم يكن لكم نوع تذكر فتتعظوا وفيه إدغام إحدى التاءين في الذال.
﴿وقالوا﴾ أي: في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه تعالى قادر على كل شيء ﴿ما هي﴾ أي: الحياة ﴿إلا حياتنا﴾ أي: أيها الناس ﴿الدنيا﴾ أي: هذه التي نحن فيها ﴿نموت ونحيا﴾ ، فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكروا القيامة كان يجب أن يقولوا: نحيا ونموت فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ أجيب: من وجوه أولها: أن المراد بقولهم نموت أي: حال كونهم نطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقولهم ونحيا ما حصل بعد ذلك في الدنيا، ثانيها: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا، ثالثها: قال الزجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعض ونحيا بعض، رابعها: قال الرازي: إنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ ثم قال بعده ﴿نموت ونحيا﴾ يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لا يطرأ عليه الموت بعد ذلك وهو في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد، وقال البيضاوي: يحتمل أنهم أرادوا به التناسخ أي: وهو أن روح الشخص إذا خرجت تنتقل إلى شخص آخر فيحيا بعد أن لم يكن فإنه عقيدة أكثر عبدة الأصنام ﴿وما يهلكنا﴾ أي: بعد الحياة ﴿إلا الدهر﴾ أي: مر الزمان الطويل بغلبته علينا وطول العمر واختلاف الليل والنهار من دهره إذا غلبه ﴿وما﴾ أي: قالوه والحال أنه ما ﴿لهم بذلك﴾ أي: المقول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه وأن الإهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه وأغرق في النفي فقال تعالى ﴿من علم﴾ أي: كثير ولا قليل ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هم إلا يظنون﴾ أي: بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف وأنه لم يرجع أحد من الموتى هذا ظنهم الفاسد.
روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما» . وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا يسب أحدكم
стр. 1930
الدهر فإن الدهر هو الله تعالى ولا يقولن للعنب الكرم فإن الكرم هو الرجل المسلم» . ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبُّه عند النوازل لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان يرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سبه.u
﴿وإذا تتلى﴾ أي: تتابع بالقراءة من أي تال كان ﴿عليهم آياتنا﴾ أي: على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها ﴿بينات﴾ أي: في غاية المكنة في الدلالة على البعث فلا عذر لهم في ردها ﴿ما كان﴾ أي: بوجه من وجوه الكون ﴿حجتهم﴾ أي: قولهم الذي ساقوه مساق الحجة ﴿إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا﴾ أي: أحياء ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: في أنا نبعث فهو لا يستحق أن يسمى شبهة فسمي حجة بزعمهم أو لأن من كانت حجته هذه فليست له ألبتة حجة كقوله:
*تحية بينهم ضرب وجيع*
ثم إن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يجيبهم بقوله تعالى:
﴿قل الله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة ﴿يحييكم﴾ أي: حين كنتم نطفاً ﴿ثم يميتكم﴾ أي: بأن يخرج أرواحكم من أجسادكم فتكونون كما كنتم قبل الإحياء كما تشاهدون ﴿ثم يجمعكم﴾ أي: بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد منتهين ﴿إلى يوم القيامة﴾ أي: القيام الأعظم لكونه عاماً لجميع الخلائق ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك بوجه من الوجوه ﴿فيه﴾ بل هو معلوم علماً قطعياً ضرورياً ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي: وهم القائلون ما ذكر ﴿لا يعلمون﴾ أي: لا يتجدد لهم علم لما لهم من النفوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل فهم واقفون مع المحسوسات لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور وقوله تعالى:
﴿ولله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿ملك السموات﴾ أي: كلها ﴿والأرض﴾ أي: التي ابتدأكم منها تعميم للقدرة بعد تخصيصها ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي: توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد ثم كرر للتأكيد والتهويل قوله تعالى ﴿يومئذ﴾ أي: يوم تقوم يخسرون هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى للتعميم والتعليق بالوصف ﴿يخسر المبطلون﴾ أي: الداخلون في الباطل الغريقون في الاتّصاف به الذين كانوا لا يرضون بقضائي.
تنبيه: الحياة والعقل والصحة كأنها رأس مال والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية يجري مَجرى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلا الحرمان والخذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران.
﴿وترى﴾ أي: في ذلك اليوم ﴿كل أمة﴾ أي: أهل دين ﴿جاثية﴾ أي: مجتمعة لا يخالطها غيرها وهي مع ذلك باركة على الركب رعباً واستيفازاً لما لعلها تؤمر به جلسة المخاصم بين يدي الحاكم تنتظر القضاء الحاتم والأمر الجازم اللازم لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم ﴿كل أمة﴾ من الجاثين ﴿تدعى إلى كتابها﴾ أي: الذي أنزل عليها وتعبدها الله تعالى به والذي نسخته الحفظة ﵈ من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا ومن خالفه هلك ويقال لهم حالة الدعاء ﴿اليوم تجزون﴾ أي: على وفق الحكمة بأيسر أمر ﴿ما﴾ أي: عين الذي
следующие страницы →