Полный текст (2 552 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
بمكة فهم عمر أن يبطش به، فنزلت بالغفر والتجاوز، وروى ميمون بن مهران: «أن فتحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضااًحسناً﴾ (البقرة: ٢٤٥)
قال: احتاج رب محمد فسمع ذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه فبعث النبي ﷺ إليه فرده» .
وقال القرطبي والسدي: «نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل مكة كانوا في أذى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت» . ثم نسختها آية القتال، قال الرازي: وإنما قالوا بالنسخ لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يقتلوا ولا يقاتلوا، فلما أمر الله تعالى بالمقاتلة كان نسخاً والأقرب أن يقال إنه محمول على ترك المنازعة وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية، وقال ابن عباس: لا يرجون أيام الله أي: ثوابه ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الماضية وتقدم تفسير أيام الله عند قوله تعالى ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ (إبراهيم: ٥)
وقوله تعالى ﴿ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون﴾ علة للأمر، والقوم: هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو التنويع أو لكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون لنجزي نحن بما لنا من العظمة، والباقون بالياء التحتية أي: ليجزي الله .
ولما رغب ورهب وقرر أنه لا بد من الجزاء زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال تعالى شارحاً للجزاء:
﴿من عمل صالحاً﴾ قل أو جل ﴿فلنفسه﴾ أي: خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا والآخرة وهو مَثَل ضربه الله تعالى للذين يغفرون ﴿ومن أساء﴾ كذلك ﴿فعليها﴾ خاصة إساءته كذلك، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين، وذلك في غاية الظهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكاً يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيماً، وإن كانت نقائص النفوس غطت على كثير من العقول ذلك ﴿ثم﴾ أي: بعد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ ﴿إلى ربكم﴾ أي: الملك المالك لكم لا إلى غيره ﴿ترجعون﴾ أي: تصيرون فيجازي المصلح والمسيء.
﴿ولقد آتينا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿بني إسرائيل الكتاب﴾ أي: الجامع للخيرات وهو يعم التوراة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم ﵈ ﴿والحكم﴾ أي: العلم والعمل الثابتين ثبات الأحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل وللعمل من الإتقان بالعلم ﴿والنبوة﴾ التي تدرك بها الخيرات العظيمة التي لا يمكن إبلاغ الخلق إليها بلوغ اكتساب منهم فأكثرنا فيهم من الأنبياء ﵈.
﴿ورزقناهم﴾ بما لنا من العظمة لإقامة أبدانهم ﴿من الطيبات﴾ أي: الحلالات من المن والسلوى وغيرهما ﴿وفضلناهم﴾ أي: بما لنا من العزة ﴿على العالمين﴾ قال أكثر المفسرين: علامي زمانهم، وقال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحب إليه منهم، أي: لما آتاهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثر فيهم من الأنبياء مما لم يفعله بغيرهم ممن سبق وكل ذلك فضيلة ظاهرة.
﴿وآتيناهم﴾ مع ذلك ﴿بينات من الأمر﴾ أي: الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو
стр. 1927
في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافاً يسيراً لا يضر مثله ولا يعد اختلافاً، فلما جاءهم العلم اختلفوا كما قال تعالى ﴿فما اختلفوا﴾ أي: أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾ أي: الذي من شأنه الجمع على المعلوم فكان ما هو سبب الاجتماع سبباً لهم في الافتراق ﴿بغياً﴾ أي: للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرياسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس ﴿بينهم﴾ أي: واقعاً فيهم لم يعدهم إلى غيرهم وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله تعالى الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أمرهم مؤكداً لأجل إنكارهم ﴿إن ربك﴾ أي: المحسن إليك ﴿يقضي بينهم﴾ أي: بإحصاء الأعمال والجزاء عليها ﴿يوم القيامة﴾ أي: الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك ﴿فيما كانوا﴾ أي: لما هو لهم كالجبلة ﴿فيه يختلفون﴾ بغاية الجهد، والمعنى: أنه لا ينبغي للمبطل أن يفرح بنعم الدنيا فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها فإنه سيرى في الآخرة ما يسوءه وذلك كالزجر لهم.
ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً أمر رسوله ﷺ أن يعدل عن تلك الطريقة وأن يتمسك بالحق وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق فقال تعالى:
﴿ثم﴾ أي: بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم ﴿جعلناك﴾ أي: بما لنا من العزة والقدرة ﴿على شريعة﴾ أي: طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدأة ﴿من الأمر﴾ أي: أمر الدين الذي هو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباح ﴿فاتبعها﴾ أي: اتبع بغاية جهدك شريعتك الثابتة بالحجج ﴿ولا تتبع أهواء﴾ أي: آراء ﴿الذين لا يعلمون﴾ أي: لا علم لهم أو لهم علم لكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلاً من كفار العرب وغيرهم، قال الكلبي: «إن رؤساء قريش قالوا للنبي ﷺ وهو بمكة: ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن فأنزل الله تعالى هذه الآية» . ثم علل هذا النهي مهدداً بقوله تعالى مؤكداً:
﴿إنهم﴾ وأكد النفي فقال عز من قائل ﴿لن يغنوا عنك﴾ أي: لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدأ ﴿من الله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿شيئاً﴾ أي: من إغناء أي: إن اتبعتهم، كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم ﴿وإن الظالمين﴾ أي: الغريقين في هذا الوصف وهم الكفرة، وكان الأصل: وإنهم ولكنه تعالى أظهر للإعلام بوصفهم ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالوهم باتباع أهوائهم ﴿والله﴾ أي: الذي له صفات الكمال ﴿وليّ المتقين﴾ أي: الذين همهم الأعظم الاتصاف باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله تعالى، والمعنى: أن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله سبحانه وليهم وناصرهم.
﴿هذا﴾ أي: الوحي المنزل وهو القرآن ﴿بصائر﴾ أي: معالم ﴿للناس﴾ أي: في الحدود والأحكام فيبصروا بها ما ينفعهم وما يضرهم ﴿وهدى﴾ أي: قائد إلى كل خير مانع من كل زيغ ﴿ورحمة﴾ أي: كرامة وفوز ونعمة
стр. 1928
﴿لقوم يوقنون﴾ أي: ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له وقوله تعالى:
﴿أم حسب﴾ منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها أو بالهمزة وحدها ومعنى الهمزة فيها: إنكار الحسبان ﴿الذين اجترحوا﴾ أي: اكتسبوا ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي: كاسبهم وقال تعالى ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ (الأنعام: ٦٠)
﴿السيئات﴾ أي: الكفر والمعاصي ﴿أن نجعلهم﴾ أي: بما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة ﴿كالذين آمنوا وعملوا﴾ تصديقاً لإقرارهم ﴿الصالحات﴾ أي: بأن نتركهم بغير حساب للفصل بين المحسن والمسيء.
ولما كانت المماثلة مجملة بينها استئنافاً بقوله تعالى: ﴿سواء﴾ أي: مستو استواء عظيماً ﴿محياهم ومماتهم﴾ أي: حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني، وقرأ حمزة والكسائي وحفص سواء بالنصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما كالذين آمنوا، ويكون المفعول الثاني للجعل كالذين آمنوا أي: أحسبوا أن نجعلهم مثلهم في حال استواء محياهم ومماتهم ليس الأمر كذلك، وقرأه الباقون بالرفع على أنه خبر ومحياهم ومماتهم مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار، والمعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين أي: في رغد من العيش مساوٍ لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين: لئن بعثنا لنعطي من الخير مثل ما تعطون، قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة ﴿ساء ما يحكمون﴾ أي: ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بأعمالهم الصالحات في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية أي: بئس حكماً حكمهم هذا.
ولما بين تعالى أن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة ذلك فقال تعالى:
﴿وخلق الله﴾ أي: الذي له جميع أوصاف الكمال ﴿السموات والأرض﴾ وقوله تعالى ﴿بالحق﴾ متعلق بخلق وقوله تعالى ﴿ولتجزى﴾ أي: بأيسر أمر ﴿كل نفس﴾ أي: منكم ومن غيركم معطوف على بالحق في المعنى لأن كلاً منهما سبب فعطف العلة على مثلها أو أنه معطوف على معلل محذوف والتقدير: خلق هذا العالم إظهاراً للعدل والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت بين الدرجات والدركات من المحقين والمبطلين ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كسبت﴾ من خير أو شر ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿لا يظلمون﴾ أي: لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه هذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ولو وجد منه غير ذلك لم يكن ظلماً منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم في نفس الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما يتعارفونه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر ثم عاد إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طرائقهم فقال:
﴿أفرأيت﴾ أي: أعلمت علماً هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس ﴿من اتخذ﴾ أي: بغاية جهده ﴿إلهه هواه﴾ أي: ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن، روي عن أبي رجاء العطاردي وهو ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة
стр. 1929
خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة قال: كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر فإذا لم نجد حجراً جمعنا حثوة من تراب فحلبنا عليها ثم طفنا بها. قال الأصفهاني: سئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هوان سرقت نونه فنظمه من قال:
*نون الهوان من الهوى مسروقة ... فأسير كل هوى أسير هوان*
وقال آخر أيضاً:
*إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا*
﴿وأضله الله﴾ أي: بما له من الإحاطة ﴿على علم﴾ منه تعالى أي: عالماً بأنه من أهل الضلالة قبل خلقه ﴿وختم﴾ زيادة على الإضلال الخاص ﴿على سمعه﴾ فلا فهم له في الآيات المسموعة ﴿وقلبه﴾ أي: فهو لا يعي ما فى حقه وعيه ﴿وجعل على بصره غشاوة﴾ أي: ظلمة فلا يبصر الهوى ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أي: أيهتدي، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الغين وسكون الشين، والباقون بكسر الغين وفتح الشين وألف بعد الشين وإذا صار بهذه المثابة ﴿فمن يهديه﴾ وأشار تعالى إلى قدرته عليه بقوله ﴿من بعد الله﴾ أي: إن أراد الله إضلاله الذي له الإحاطة بكل شيء أي: لا يهتدي ﴿أفلا تذكرون﴾ أي: ألم يكن لكم نوع تذكر فتتعظوا وفيه إدغام إحدى التاءين في الذال.
﴿وقالوا﴾ أي: في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه تعالى قادر على كل شيء ﴿ما هي﴾ أي: الحياة ﴿إلا حياتنا﴾ أي: أيها الناس ﴿الدنيا﴾ أي: هذه التي نحن فيها ﴿نموت ونحيا﴾ ، فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكروا القيامة كان يجب أن يقولوا: نحيا ونموت فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ أجيب: من وجوه أولها: أن المراد بقولهم نموت أي: حال كونهم نطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقولهم ونحيا ما حصل بعد ذلك في الدنيا، ثانيها: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا، ثالثها: قال الزجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعض ونحيا بعض، رابعها: قال الرازي: إنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ ثم قال بعده ﴿نموت ونحيا﴾ يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لا يطرأ عليه الموت بعد ذلك وهو في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد، وقال البيضاوي: يحتمل أنهم أرادوا به التناسخ أي: وهو أن روح الشخص إذا خرجت تنتقل إلى شخص آخر فيحيا بعد أن لم يكن فإنه عقيدة أكثر عبدة الأصنام ﴿وما يهلكنا﴾ أي: بعد الحياة ﴿إلا الدهر﴾ أي: مر الزمان الطويل بغلبته علينا وطول العمر واختلاف الليل والنهار من دهره إذا غلبه ﴿وما﴾ أي: قالوه والحال أنه ما ﴿لهم بذلك﴾ أي: المقول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه وأن الإهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه وأغرق في النفي فقال تعالى ﴿من علم﴾ أي: كثير ولا قليل ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هم إلا يظنون﴾ أي: بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف وأنه لم يرجع أحد من الموتى هذا ظنهم الفاسد.
روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما» . وعنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا يسب أحدكم
стр. 1930
الدهر فإن الدهر هو الله تعالى ولا يقولن للعنب الكرم فإن الكرم هو الرجل المسلم» . ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبُّه عند النوازل لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله تعالى عنهم فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان يرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سبه.u
﴿وإذا تتلى﴾ أي: تتابع بالقراءة من أي تال كان ﴿عليهم آياتنا﴾ أي: على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها ﴿بينات﴾ أي: في غاية المكنة في الدلالة على البعث فلا عذر لهم في ردها ﴿ما كان﴾ أي: بوجه من وجوه الكون ﴿حجتهم﴾ أي: قولهم الذي ساقوه مساق الحجة ﴿إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا﴾ أي: أحياء ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: في أنا نبعث فهو لا يستحق أن يسمى شبهة فسمي حجة بزعمهم أو لأن من كانت حجته هذه فليست له ألبتة حجة كقوله:
*تحية بينهم ضرب وجيع*
ثم إن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يجيبهم بقوله تعالى:
﴿قل الله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة ﴿يحييكم﴾ أي: حين كنتم نطفاً ﴿ثم يميتكم﴾ أي: بأن يخرج أرواحكم من أجسادكم فتكونون كما كنتم قبل الإحياء كما تشاهدون ﴿ثم يجمعكم﴾ أي: بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد منتهين ﴿إلى يوم القيامة﴾ أي: القيام الأعظم لكونه عاماً لجميع الخلائق ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك بوجه من الوجوه ﴿فيه﴾ بل هو معلوم علماً قطعياً ضرورياً ﴿ولكن أكثر الناس﴾ أي: وهم القائلون ما ذكر ﴿لا يعلمون﴾ أي: لا يتجدد لهم علم لما لهم من النفوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل فهم واقفون مع المحسوسات لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور وقوله تعالى:
﴿ولله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿ملك السموات﴾ أي: كلها ﴿والأرض﴾ أي: التي ابتدأكم منها تعميم للقدرة بعد تخصيصها ﴿ويوم تقوم الساعة﴾ أي: توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمام أمره الناهض بأعباء ما يريد ثم كرر للتأكيد والتهويل قوله تعالى ﴿يومئذ﴾ أي: يوم تقوم يخسرون هكذا كان الأصل ولكنه قال تعالى للتعميم والتعليق بالوصف ﴿يخسر المبطلون﴾ أي: الداخلون في الباطل الغريقون في الاتّصاف به الذين كانوا لا يرضون بقضائي.
تنبيه: الحياة والعقل والصحة كأنها رأس مال والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية يجري مَجرى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلا الحرمان والخذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران.
﴿وترى﴾ أي: في ذلك اليوم ﴿كل أمة﴾ أي: أهل دين ﴿جاثية﴾ أي: مجتمعة لا يخالطها غيرها وهي مع ذلك باركة على الركب رعباً واستيفازاً لما لعلها تؤمر به جلسة المخاصم بين يدي الحاكم تنتظر القضاء الحاتم والأمر الجازم اللازم لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم ﴿كل أمة﴾ من الجاثين ﴿تدعى إلى كتابها﴾ أي: الذي أنزل عليها وتعبدها الله تعالى به والذي نسخته الحفظة ﵈ من أعمالها ليطبق أحدهما بالآخر فمن وافق كتابه ما أمر به من كتاب ربه نجا ومن خالفه هلك ويقال لهم حالة الدعاء ﴿اليوم تجزون﴾ أي: على وفق الحكمة بأيسر أمر ﴿ما﴾ أي: عين الذي
стр. 1931
﴿كنتم﴾ بما هو لكم كالجبلات ﴿تعملون﴾ أي: مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر، فإن قيل: الجثو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة؟ أجيب: بأن الجاثي الآمن يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقاً.
﴿هذا كتابنا﴾ أي: الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا عليهم الصلاة والسلام ﴿ينطق﴾ أي: يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق ﴿عليكم بالحق﴾ أي: الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم وذلك بأن يقول: من عمل كذا فهو عاص، ومن عمل كذا فهو مطيع فينطبق ذلك على ما عملتموه سواء بسواء من غير زيادة ولا نقصان، وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ.
ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة الحقوق بكتابة الوثائق وكانوا كأنهم يقولون ومن يحفظ أعمالنا على كثرتها مع طول المدة وبعد الزمان؟ قال تعالى مجيباً بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك ﴿إنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة المغنية عن الكتابة ﴿كنا﴾ على الدوام ﴿نستنسخ ما كنتم﴾ طبعاً لكم وخلقاً ﴿تعملون﴾ قولاً وفعلاً ونية أي: نأمر الملائكة ﵈ بكتبها وإثباتها عليكم، وقيل: نستنسخ أي: نأخذ نسخه وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله تعالى منه ما كان له من ثواب أو عقاب ويطرح منه اللغو نحو قولهم هلم واذهب، والاستنساخ من اللوح المحفوظ، تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ من كتاب كتاب، وقال الضحاك: نستنسخ أي: نثبت، وقال السدي: نكتب، وقال الحسن: نحفظ.
ثم بين تعالى أحوال المطيعين بقوله تعالى:
﴿فأما الذين آمنوا﴾ أي: من الأمم الجاثية ﴿وعملوا﴾ أي: تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ أي: الطاعات فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه ﴿فيدخلهم﴾ أي: في ذلك اليوم ﴿ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بالتوفيق بالإيمان ﴿في رحمته﴾ التي من جملتها الجنة والنظر إلى وجهه الكريم الذي هو الغاية القصوى وتقول لهم الملائكة تشريفاً: سلام أيها المؤمنون ودل على عظمة الرحمة بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الإحسان العالي المنزلة ﴿هو﴾ أي: لا غيره ﴿الفوز المبين﴾ أي: الظاهر الذي لا يخفى على أحد شيء من أمره لأنّه لا يشوبه كدر أصلاً ولا نقص بخلاف ما كان من أسبابه في الدنيا فإنها مع كونها كانت فوزاً كانت خفية جداً على غير الموقنين. ثم بين تعالى أحوال الفريق الآخر بقوله تعالى:
﴿وأما الذين كفروا﴾ أي: ستروا ما أمر الله تعالى به ﴿أفلم﴾ أي: فيقال لهم ألم ﴿تكن﴾ تأتيكم رسلي فلم تكن ﴿آياتي﴾ على ما لها من عظمة إضافتها إلي وأعظمها القرآن ﴿تتلى﴾ أي: تواصل قراءتها من أي تال كان فكيف إذا كانت بواسطة الرسل تلاوة مستعلية ﴿عليكم﴾ لا تقدرون على دفع شيء منها.
تنبيه: حذف المقول المعطوف عليه كما تقرر اكتفاء بالمقصود واستغناء بالقرينة ﴿فاستكبرتم﴾ أي: فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع والإخبات والخضوع إن طلبتم الكبر لأنفسكم أوجدتموه على رسلي وآياتي ﴿وكنتم قوماً﴾ أي: ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه ﴿مجرمين﴾ أي: غريقين في قطع ما يستحق الوصل وذلك هو الخسران المبين.
﴿وإذا﴾ أي: وكنتم إذا ﴿قيل﴾ أي: من أي قائل كان ولو على سبيل
стр. 1932
التأكيد ﴿إن وعد الله﴾ أي: الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات الكمال ﴿حق﴾ أي: ثابت لا محيد عنه مطابق للواقع من البعث وغيره لأن أقل الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف به فكيف إذا كان الإخلاف فيه متناقضاً للحكم وقرأ ﴿والساعة﴾ حمزة بالنصب عطفاً على وعد الله، والباقون برفعها وفيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: الابتداء وما بعدها من الجملة المنفية وهو قوله تعالى ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيها﴾ خبرها، ثانيها: العطف على محل اسم إن لأنه قبل دخولها مرفوع بالابتداء، ثالثها: أنه عطف على محل إن واسمها معاً لأن بعضهم كالفارسي والزمخشري يرون أن لأن واسمها موضعاً وهو الرفع بالابتداء ﴿قلتم﴾ أي: راضين لأنفسكم بحضيض الجهل ﴿ما ندري﴾ أي: الآن دراية علم ولو بذلنا جهدنا في محاولة الوصول إليه ﴿ما الساعة﴾ أي: لا نعرف حقيقتها فضلاً عما تخبروننا به من أحوالها.
تنبيه: الساعة هنا مرفوعة باتفاق ﴿إن﴾ أي: ما ﴿نظن﴾ أي: نعتقد ما تخبروننا به عنها ﴿إلا ظناً﴾ وأما وصوله إلى درجة العمل فلا ﴿وما نحن﴾ وأكدوا النفي فقالوا ﴿بمستيقنين﴾ أي: بموجود عندنا اليقين في أمرها، قال الرازي: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين: منهم من كان قاطعاً بنفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾ ومنهم من كان شاكاً متحيراً فيه لأنهم لكثرة ما سمعوه من الرسل ﵈ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحته صاروا شاكين فيه وهم المذكورون في هذه الآية، ويدل على ذلك أنه حكى تعالى مذهب أولئك القاطعين ثم أتبعه بحكاية قول هؤلاء فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول.
ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضاً عنهم إيذاناً بشدة الغضب عليهم فقال تعالى:
﴿وبدا﴾ أي: ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال والزلازل والأهوال وظهر ﴿لهم﴾ غاية الظهور ﴿سيئات ما عملوا﴾ في الدنيا فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك ﴿وحاق﴾ أي: أحاط ﴿بهم﴾ على حال القهر والغلبة قال أبو حيان: ولا يستعمل إلا في المكروه ﴿ما كانوا﴾ جبلة وطبعاً ﴿به يستهزئون﴾ أي: يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك، وهذا كالدليل على أن هذه الفرقة لما قالوا إن نظن إلا ظناً إنما ذكروه استهزاء وسخرية فصار هذا الفريق أشر من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا منكرين وما كانوا مستهزئين وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء، وقرأ حمزة في الوقف بتسهيل الهمزة بعد الزاي كالواو وله أيضاً إبدالها ياء ونقل عنه أيضاً غير ذلك.
﴿وقيل﴾ أي: لهم على أفظع الأحوال وأشدها قولاً لا معقب له فكأنه بلسان كل قائل ﴿اليوم ننساكم﴾ أي: نترككم في العذاب ﴿كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾ أي: كما تركتم الإيمان والعمل للقائه، وقيل: نجعلكم منزلة الشيء المنسي غير المبالى به كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه ﴿ومأواكم النار﴾ ليس لكم براح عنها ﴿وما لكم من ناصرين﴾ ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة فجمع الله تعالى عليهم من وجوه العذاب ثلاثة أشياء: قطع الرحمة عنهم، وتصيير مأواهم النار، وعدم الأنصار؛ لأنهم أتوا
стр. 1933
بثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة وهي: الإصرار على إنكار الدين الحق، والاستهزاء به والسخرية، والاستغراق في حب الدنيا. وهو المراد بقوله تعالى:
﴿ذلكم﴾ أي: العذاب العظيم ﴿بأنكم اتخذتم﴾ أي: بتكليف منكم لأنفسكم ﴿آيات الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿هزواً﴾ أي: استهزاء بها ولم تتفكروا فيها، وقرأ ﴿اتخذتم﴾ ابن كثير وحفص بإظهار الذال عند التاء والباقون بالإدغام ﴿وغرتكم الحياة الدنيا﴾ الدنيئة لضعف عقولكم فآثرتموها لكونها حاضرة وأنتم كلابها فقلتم: لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالآخرة ﴿فاليوم﴾ أي: بعد إيوائهم فيها ﴿لا يخرجون منها﴾ أي: النار لأن الله تعالى لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء التحتية وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء ﴿ولا هم يستعتبون﴾ أي: لا يطلب من طالب ما منهم الإعتاب وهو الاعتذار لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذر ولا توبة.
ولما تم الكلام في المباحث الروحانية ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال عز من قائل:
﴿فلله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿الحمد﴾ أي: الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿رب السموات﴾ أي: ذوات العلو والاتساع والبركات ﴿ورب الأرض﴾ أي: ذات القبول للواردات ﴿رب العالمين﴾ أي: خالق ما ذكر إذ الكلُّ نعمة منه دال على كمال قدرته فاحمدوا الله الذي هو خالق السموات والأرضين وخالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين.
ولما أفاد ذلك غناه الغنى المطلق وسيادته وأنه لا كفء له عطف عليه بعض اللوازم لذلك تنبيهاً على مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء الشركة التي لا يرضونها لأنفسهم فقال تعالى:
﴿وله﴾ أي: وحده ﴿الكبرياء﴾ أي: الكبر الأعظم الذي لا نهاية له ﴿في السموات﴾ كلها ﴿والأرض﴾ جميعاً اللتين فيهما آيات الموقنين روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «يقول الله : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار» . وفي رواية عذبته وفي رواية قصمته ﴿وهو﴾ وحده ﴿العزيز﴾ الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ﴿الحكيم﴾ الذي يضع الأشياء في مواضعها ولا يضع شيئاً إلا كذلك كما أحكم أمره ونهيه وجميع شرعه، وأحكم نظم هذا القرآن جملاً وآيات وفواصل وغايات بعد أن حرر معانيه وتنزيله فصار معجزاً في نظمه ومعناه وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب» حديث موضوع.
стр. 1934
سورة الأحقاف
مكية
إلا قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله﴾ الآية وإلا ﴿فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل﴾ الآية وإلا ﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ الثلاث آيات، وهي خمس وثلاثون آية وستمائة وأربع وأربعون كلمة، وألفان وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفاً.
﴿بسم الله﴾ الذي لا يذل من والى ولا يعز من عادى. ﴿الرحمن﴾ الذي سبقت رحمته غضبه ﴿الرحيم﴾ الذي خص حزبه بعمل الأبرار للفوز في دار القرار، وتقدّم الكلام على قوله تعالى:
﴿حم﴾ مراراً، وقرأ ابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بإمالة الحاء محضة، وقرأ ورش وأبو عمرو بإمالتها بين بين وفتحها الباقون. وقيل: المراد بحم حكمة محمد ﷺ التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد.
وقوله تعالى:
﴿تنزيل الكتاب﴾ أي الجامع لجميع الخيرات بالتدريج على حسب المصالح ﴿من الله﴾ أي الجبار المتكبر المختص بصفات الكمال ﴿العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في صنعه لأنه لم يفعل شيئاً إلا في أوفق محاله وأنه الخالق للخير والشرّ وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه.
﴿ما خلقنا﴾ أي؛ على مالنا من العظمة الموجبة للتفرّد بالكبرياء ﴿السموات والأرض﴾ على ما فيهما من الآيات ﴿وما بينهما إلا﴾ خلقاً ملتبساً ﴿بالحق﴾ أي: الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرّف المطلق ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا ﴿وأجل﴾ أي وبتقدير أجل ﴿مسمى﴾ ينتهي إليه وهو يوم القيامة.
﴿والذين كفروا عما أنذروا﴾ أي: خوفوا به من القرآن من هول ذلك اليوم الذي لا بدّ لكل خلق من انتهائه إليه ﴿معرضون﴾ أي لا يؤمنون به ولا يهتمون للاستعداد له.
ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ
﴿قل﴾ أي: لهؤلاء المعرّضين أنفسهم لغاية الخطوب منكراً عليهم تبكيتاً وتوبيخاً
стр. 1935
﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمّل وروية باطنة. ﴿ما تدعون﴾ أي: تعبدون ثم نبه على سفولهم بقوله تعالى:
﴿من دون الله﴾ أي: المالك الأعظم الذي كل شيء دونه فلا كفء له مفعول أوّل وقوله تعالى: ﴿أروني﴾ أي: أخبروني تأكيد وقوله: ﴿ماذا خلقوا﴾ مفعول ثان وقوله تعالى: ﴿من الأرض﴾ بيان لما أي: ليصح ادّعاء أنهم شركاء فيها باختراع ذلك الجزء.
﴿أم لهم﴾ أي: الذين تدعونهم ﴿شرك﴾ أي مشاركة ﴿في﴾ خلق. ﴿السموات﴾ أي: بنوع من أنواع الشركة مع الله تعالى و ﴿أم﴾ بمعنى همزة الإنكار ولما كان الدليل أحد شيئين سمع وعقل قال تعالى: ﴿ائتوني بكتاب﴾ أي: منزل على دعواكم في هذه الأصنام: أنها خلقت شيئاً أو أنها تستحق أن تعبد.
تنبيه أبدل ورش والسوسيّ الهمزة من ﴿ائتوني﴾ في الوصل ﴿ياء﴾ وحققها الباقون. وأما الابتداء بها، فجميع القرّاء أبدلوها ياء بعد الابتداء بهمزة الوصل مكسورة.
﴿من قبل هذا﴾ أي: القرآن الذي أنزل علي كالتوراة والإنجيل والزبور، وهذا من أعلام النبوّة، فإنها كلها شاهدة بالوحدانية لو أتى بها آت لشهدت عليه. ولما ذكر تعالى الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به وهو: النقل القاطع، سهل عليهم فنزل إلى ما دونه فقال: ﴿أو أثارة﴾ أي: بقية ﴿من علم﴾ يؤثر عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام: أنها تقرّبكم إلى الله تعالى: وقال المبرد: ﴿أثارة﴾ ما يؤثر من علم كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان. ومن هذا المعنى سميت الأخبار بالآثار. يقال: جاء في الأثر كذا وكذا. وقال الواحدي: وكلام أهل اللغة في هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال؛ الأوّل: الأثارة واشتقاقها من: أثرت الشيء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار. والثاني: من الأثر الذي هو الرواية. والثالث: من الأثر بمعنى العلامة. وقال الكلبي في تفسير الأثارة: أي بقية من علم يؤثر عن الأوّلين أي: يسند إليهم وقال مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء قال الرازي: وههنا قول آخر: أو أثارة من علم هو علم الخط الذي يخط في الرمل، والعرب كانوا يخطونه وهو علم مشهور روي أنه ﷺ قال: «كان نبيّ من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه» فعلى هذا الوجه معنى الآية ﴿أئتوني بعلم من قبل هذا﴾ الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وأقوالهم ودلائلهم. ثم أشار إلى تقريعهم بالكذب إذ لم يقيموا دليلاً على دعواهم بقوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: عريقين في الصدق على ما تدّعون لأنفسكم. ولما أبطل سبحانه قولهم في الأصنام بعدم قدرتها أتبعه إبطاله بعدم علمها بقوله تعالى:
﴿ومن أضلّ﴾ وهو استفهام بمعنى النفي أي: لا أحد أضل ﴿ممن يدعو﴾ أي: يعبد ما لا قدرة له ولا علم. ومن انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ببديهة العقل. وأرشد إلى سفولها بقوله . ﴿من دون الله﴾ أي: من أدنى رتبة من رتب الذي له صفات الكمال فهو يعلم كل شيء. ويقدر على كل شيء فهو بحيث يجيب الدعاء، ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا شاء، ويدبر عبده لما يعلم من سرّه وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به، ويريد العبد في كثير من الأشياء ما لو وكل فيه إلى نفسه، وأجيب إلى طلبته، كان فيه حتفه فيدبره سبحانه بما تشتدّ كراهته له، فيكشف الحال على أنه لم يكن له فرج إلا فيه. ﴿من لا يستجيب له﴾ أي: لا توجد الإجابة، ولا يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها، لأنه لا أهلية له لذلك.
стр. 1936
والمعنى: أنه لا أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجدل، ممن يدعو من دون الله الأصنام، فيتخذها آلهة ويعبدها وهي إذا دعيت لا تسمع ولا تجيب لا في الحال، ولا في المآل ﴿إلى يوم القيامة﴾ وإنما جعل ذلك غاية؛ لأنّ يوم القيامة قد قيل: إن الله تعالى يحييها ويخاطب من يعبدها. فلذلك جعله الله تعالى حدّاً وقيل المراد عبدة الملائكة وعيسى وأنهم يوم القيامة يظهرون عبادة هؤلاء العابدين. ﴿وهم عن دعائهم﴾ أي: دعاء المشركين إياهم. ﴿غافلون﴾ أي: لهم هذا الوصف لا ينفكون عنه لا يعلمون من يدعوهم ومن لا يدعوهم وعبر بالغفلة التي هي من أوصاف العقلاء للجماد تغليباً إن كان المراد أعمّ من الأصنام وغيرها مما عبدوه من عقلاء الإنس وغيرهم ولما غيّا سبحانه بيوم القيامة فأفهم أنهم يستجيبون لهم فيه، بيّن ما يحاورونهم به إذ ذاك. فقال تعالى:
﴿وإذا حشر﴾ أي: جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر. ﴿الناس﴾ أي: يوم القيامة ﴿كانوا﴾ أي: المدعوّون ﴿لهم﴾ أي: الداعين ﴿أعداء﴾ ويعطيهم الله تعالى قوّة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدوّ عدوّه ﴿وكانوا﴾ أي: المعبودون ﴿بعبادتهم﴾ أي: الداعين وهم المشركون إياهم.
﴿كافرين﴾ أي: جاحدين لأنهم كانوا عنها غافلين، كما قال تعالى في سورة يونس ﵇ ﴿وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون﴾ (يونس: ٢٨) ثم بين تعالى أنهم في نهاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه. بقوله سبحانه:
﴿وإذا تتلى﴾ أي: تقرأ من أي قارئ كان على وجه المتابعة ﴿عليهم﴾ أي: هؤلاء البعداء البغضاء ﴿آياتنا﴾ التي لا أعظم منها في أنفسها بإضافتها إلينا وهي القرآن وقوله تعالى: ﴿بينات﴾ أي: ظاهرات حال قالوا هكذا كان الأصل. ولكنه تعالى بين الوصف الحامل لهم على القول فقال : ﴿قال الذين كفروا﴾ أي: ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها هكذا كان الأصل ولكن قال تعالى ﴿للحق﴾ أي: لأجله ﴿لما﴾ أي: حين ﴿جاءهم﴾ أي: من غير نظر وتأمّل ﴿هذا﴾ أي: الذي يتلى ﴿سحر﴾ أي: خيال لا حقيقة له ﴿مبين﴾ أي: ظاهر في أنه خيال باطل.
وقوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه﴾ إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحراً إلى ذكر ما هو أشنع وإنكار له وتعجب، ثم بين تعالى بطلان شبهتهم بقوله تعالى: ﴿قل﴾ أي: يا أشرف الخلق ﴿إن افتريته﴾ أي: تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد به نصيحتكم فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني أصلاً وذلك هو معنى قوله: ﴿فلا تملكون﴾ أي: أيها المنصوحون بوجه من الوجوه ولا في وقت من الأوقات. ﴿لي من الله﴾ أي: المتكبر الحليم ﴿شيئاً﴾ من الأشياء لما يردّ عني انتقامه لأنّ الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب فكيف من يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة وملازمته مساءً وصباحاً فأيّ حامل لي حينئذ على افترائه؟ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله: ﴿هو﴾ أي: الله سبحانه ﴿أعلم﴾ أي: منكم ومن كل أحد ﴿بما تفيضون فيه﴾ أي: بما تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه بأنه سحر. ﴿كفى به شهيداً﴾ أي: شاهداً بليغ الشهادة لأنه أعلم بجميع أحوالنا.
﴿بيني وبينكم﴾ أي أن القرآن جاء من عنده فيشهد لي بالصدق ولكم بالكذب، وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني لا أقدر على ما تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين، وأنتم عرب مثلي، بل وأنا أمّي وفيكم أنتم الكتبة، والذين خالطوا العلماء، وسمعوا أحاديث الأمم، وضربوا بعد بلاد العرب في بلاد
стр. 1937
العجم، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون ﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿الغفور﴾ أي: الذي من شأنه أن يمحو الذنوب أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿الرحيم﴾ أي الذي يكرم بعد المغفرة ويتفضل بالتوفيق لما يرضيه قال الزجاج: هذا دعاء إلى التوبة ومعناه غفور لمن تاب منكم رحيم به ولما حكى تعالى طعنهم في كون القرآن معجزاً بقولهم: إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله تعالى على سبيل الفرية حكى عنهم شبهة أخرى وهو أنهم كانوا يقترحون عليه معجزات عجيبة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله تعالى عن ذلك. بقوله :
﴿قل﴾ أي: لهؤلاء الذين نسبوك إلى الافتراء ﴿ما كنت﴾ أي: كونا مّا ﴿بدعاً﴾ أي: منشأ مبتدعاً محدثاً مخترعاً، بحيث أكون أجنبياً منقطعاً ﴿من الرسل﴾ أي: لم يتقدّم لي منهم مثال في أصل ما جئت به وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد تقدّمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به، ودعوا إليه كما دعوت إليه، وصدّقهم الله تعالى بمثل ما صدّقني به. فثبت بذلك رسالتهم وسعد بهم من صدّقهم من قومهم وشقي من كذبهم فانظروا إلى آثارهم واسألوا عن سيرهم من أتباعهم وأنصارهم وأشياعهم.
﴿تنبيه﴾ البدع والبديع من كل شيء: المبدأ والبدعة؛ ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله. وفي الحديث «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» قال البقاعي معناه والله أعلم: أنه يبتدع ما يخالف السنة إذا كانت البدعة ضدّ السنة فإذا أحدث ما يخالفها كان بإحداثه ضالاً مشركاً وكان وما أحدث في النار. ولم يدخل تحت هذا ما يخترعه الإنسان من أفعال البّر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكر. ا. هـ. وقال ابن عبد السلام: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة: قال والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة؛ فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، كالاشتغال بعلم النحو، أو في قواعد التحريم فمحّرمة، كمذهب القدرية والمجسمة والرافضة، قال: والردّ على هؤلاء من البدع الواجبة، أوفى قواعد المندوب، فمندوبة كبناء الربط والمدارس، وكل إحسان لم يحدث في العصر الأوّل كصلاة التراويح، أو في قواعد المكروه فمكروهة كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف أو في قواعد المباح فمباحة، كالمصافحة عقب الصبح والعصر والتوسع في المآكل والملابس. وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعيّ رضى الله تعالى عنه أنه قال: المحدثات ضربان؛ أحدهما: ما خالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً فهو بدعة وضلالة، والثاني: ما أحدث من الخير فهو غير مذموم.
واختلف في تفسير قوله تعالى عن قوله ﵊: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ على وجهين؛ أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا والثاني: أن يحمل على أحوال الآخرة. أما الأوّل؛ ففيه وجوه. أحدها: أنّ معناه لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا ومن المغلوب. ثانيها: قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي ﷺ بمكة: رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء فقصها على أصحابه فاستبشرّوا بذلك ورأوا أن ذلك فرج ما بهم من أذى المشركين. ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي قلت متى تهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟ فسكت النبي ﷺ فأنزل الله تعالى:
﴿قل ما كنت بدعاً من الرسل
стр. 1938
وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ هو شيء رأيته في المنام. ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أتبع﴾ أي: بغاية جهدي وجدّي ﴿إلاما﴾ أي: الذي ﴿يوحى﴾ أي: يجدّد لقاؤه ممن لا يوحى بحق سواه ﴿إلي﴾ على سبيل التدريج لا يطلع عليه حق اطلاعه غيري. ثالثها: قال الضحاك: لا أدري ما تؤمرون به ولا ما أومر به من التكاليف والشرائع، ولا من الابتلاء والامتحان.
﴿وما أنا﴾ أي: بإخباري لكم عما يوحى إليّ ﴿إلا نذير مبين﴾ أي: بيّن الإنذار رابعها: كأنه يقول: ما أدري ما يفعل بي في الدنيا؛ أموت، أو أقتل كما قتل الأنبياء قبلي؟ ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون؛ أترمون بالحجارة من السماء، أو يخسف بكم، أو يفعل بكم ما يفعل بسائر الأمم؟ قال السدّي: ثم أخبره الله تعالى أنه يظهر دينه على الأديان بقوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ (التوبة: ٢٣)
وقال في أمّته ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ (الأنفال: ٣٣)
فأخبره الله تعالى بما يصنع به وبأمّته.
وأما من حمل الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: لما نزلت هذه الآية، فرح المشركون والمنافقون واليهود. وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً﴾ (الفتح: ٥)
فقالت الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأنزل الله : ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ (سورة الفتح، آية: ٥)
الآية وأنزل: ﴿وبشر المؤمنين بأنّ لهم من الله فضلاً كبيراً﴾ (الأحزاب: ٤٧)
فبين لهم ما يفعل به وبهم وبهذا قال أنس والحسن وعكرمة. وقالوا إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه، لأنه إنما أخبر به عام الحديبية فنسخ ذلك.
قال الرازي: وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول من وجهين؛ أحدهما: أن النبي ﷺ لا بدّ وأن يعلم من نفسه ومتى علم كونه نبياً علم أنه لا تصدر عنه الكبائر، وأنه مغفور له وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكاً في أنه هل هو مغفور له أو لا ثانيهما: أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء وقد قال تعالى في حقهم ﴿إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (الأحقاف: ١٣)
فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفور لهم؟ فثبت ضعف هذا القول.
﴿قل﴾ يا أفضل الخلق لهؤلاء المصرّين على التكذيب ﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿إن كان﴾ أي: هذا الذي أتيتكم به وهو القرآن ﴿من عند الله﴾ أي: الملك الأعظم. ﴿وكفرتم به﴾ أي: أيها المشركون ﴿وشهد شاهد﴾ واحد أو أكثر ﴿من بني إسرائيل﴾ أي: الذي جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم ﴿على مثله﴾ أي: مثل ما في القرآن من أنّ من وحد فقد آمن ومن أشرك فقد كفر وأن الله تعالى أنزل ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم فتطابقت عليه كتبهم وتضافرت به رسلهم، وتواترت على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام ﴿فآمن﴾ أي: هذا الذي شهد هذه الشهادة ﴿واستكبرتم﴾ أي: أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرياسة والفخر، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير شبهة فضللتم، فوضعتم الشيء في غير موضعه، فانسدّ عليكم باب الهداية.
واختلف في هذا الشاهد فقال قتادة والضحاك وأكثر المفسرين: هو عبد الله بن سلام شهد بنبوّة المصطفى ﷺ وآمن به، واستكبرت اليهود فلم يؤمنوا به. كما روى أنس
стр. 1939
قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ فأتاه فنظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس وجه كذاب، وتأمّله فتحقق أنه النبيّ المنتظر، فقال له: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي: «ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمّه؟ فقال ﷺ أخبرني بهنّ جبريل آنفاً قال: جبريل؟ قال: نعم قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة فقرأ ﴿من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ (سورة البقرة، آية: ٩٧)
ثم قال: أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإذا سبق ماء المرأة نزعته. فقال: أشهد أنك لرسول الله حقاً. ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك فجاءت اليهود، فقال لهم النبيّ ﷺ أيّ رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال أفرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فقالوا: شرّنا وابن شرّنا، وانتقصوه فقال: هذا ما كنت أخاف منه يا رسول الله. قال سعد بن أبي وقاص: «ما سمعت النبيّ ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام؟ وفيه نزلت هذه الآية ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾ (الأحقاف: ١٠)
وقيل: الشاهد هو موسى بن عمران قال الشعبي: قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأنّ ال ﴿حم﴾ نزلت بمكة وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة قبل وفاة رسول الله ﷺ بعامين فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في عهد الرسول الله ﷺ بالمدينة؟ وإنما نزلت الآية في محاجة كانت من رسول الله ﷺ وكانت بالمدينة وأجاب الكلبي: بأنّ السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية، وأن الله تعالى أمر رسوله ﷺ بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين. وقيل المراد بالشاهد موسى، ومثل القرآن هو التوراة. فشهد موسى على التوراة، ومحمد على الفرقان فكل واحد يصدّق الآخر: لأن التوراة مشتملة على البشارة بمحمد ﷺ والقرآن مصدّق للتوراة. وجواب الشرط: ألستم ظالمين دل عليه قوله تعالى:
﴿إن الله﴾ أي: الملك الأعظم ذا العزة والحكمة ﴿لا يهدي القوم﴾ أي: الذين لهم قوّة على القيام بما يريدون ﴿الظالمين﴾ أي: الذين من شأنهم وضع الأمور في غير مواضعها فلأجل ذلك لا يهديكم، إذ لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب عنه هلاككم.
﴿س٤٦ش١١/ش١٤ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا? لِلَّذِينَءَامَنُوا? لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ? وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا? بِهِ? فَسَيَقُولُونَ هَاذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِن قَبْلِهِ? كِتَابُ مُوسَى? إِمَامًا وَرَحْمَةً? وَهَاذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا? وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا? رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا? فَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ * أُو?لَا??ـ?ِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءَ? بِمَا كَانُوا? يَعْمَلُونَ﴾
﴿وقال الذين كفروا﴾ أي: تعمدوا تغطية الحق ﴿للذين﴾ أي: لأجل إيمان الذين ﴿آمنوا﴾ أي سبقوهم إلى الإيمان ﴿لو كان﴾ أي: إيمانهم بالقرآن ﴿خيراً﴾ أي: من جملة الخيور ﴿ما سبقونا إليه﴾ ونحن أشرف منهم، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير. كما لم يسبقونا إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها لكن ليس بخير، فلهذا سبقونا إليه ﴿وإذ﴾ أي: فحين ﴿لم يهتدوا به﴾ أي: بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان ﴿فسيقولون هذا﴾ أي: القرآن الذي سبقتم إليه ﴿إفك﴾ أي: شيء مصروف عن وجهه إلى قفاه ﴿قديم﴾ أي: أفك غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله تعالى كما
стр. 1940
قالوا أساطير الأولين ﴿ومن﴾ أي: قالوا ذلك، والحال أنه كان في بعض الزمن الذي من ﴿قبله﴾ أي: القرآن ﴿كتاب موسى﴾ كليم الله تعالى، حال كون كتابه وهو التوراة ﴿إماما﴾ أي: يستحق أن يؤمّه كل من سمع به ﴿ورحمة﴾ لما فيه من نعم الدلائل على الله تعالى، والبيان الشافي، وفي الكلام محذوف، تقديره: وتقدّمه كتاب موسى إماماً ورحمة ولم يهتدوا به كما قال تعالى في الآية الأولى ﴿وإذ لم يهتدوا به﴾ .k
﴿وهذا﴾ أي: القرآن ﴿كتاب﴾ أي: جامع لجميع الخيرات ﴿مصدّق﴾ أي: لكتاب موسى ﵇، وغيره من الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى في أنّ محمداً ﷺ رسول من عند الله تعالى وقوله تعالى: ﴿لساناً﴾ حال من الضمير في مصدّق. وقوله:
﴿عربياً﴾ صفة ل ﴿لساناً﴾ وهو المسوّغ لوقوع هذا الجامد حالاً أي: في أعلى طبقات اللسان العربي، مع كونه أسهل الكتب تناولاً، وأبعدها عن التكلف، ليس هو بحيث يمنعه علوّه بفخامة الألفاظ، وجلالة المعاني، ودقة الإشارة عن سهولة الفهم، وقرب التناول. وقوله تعالى: ﴿لينذر﴾ أي: الكتاب بحسن بيانه، وعظم شأنه ﴿الذي ظلموا﴾ أي: سواء كانوا عريقين في الظلم، أم لا وقرأ نافع وابن عامر: بالتاء خطاباً أي: أيها الرسول. والباقون: بالياء غيبة بخلاف عن البزي. ﴿وبشرى﴾ أي: كاملة ﴿للمحسنين﴾ أي: المؤمنين، بأنّ لهم الجنة ولما قرّر دلائل التوحيد والنبوّة، وذكر شبهات المتكبرين وأجاب عنها ذكر بعد ذلك طريقة المحقين. فقال تعالى:
﴿إن الذين قالوا ربنا﴾ أي: خالقنا ومولانا والمحسن إلينا ﴿الله﴾ وحده ﴿ثم استقاموا﴾ أي: جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والاستقامة في الأمور التي هي منتهى العلم، و ﴿ثم﴾ للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد ﴿فلا خوف عليهم﴾ أي: من لحوق مكروه ﴿ولاهم يحزنون﴾ أي: على فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط. ﴿أولئك﴾ أي: العالون الدرجات ﴿أصحاب الجنة خالدين فيها﴾ خلوداً لا آخر له جوزوا بذلك ﴿جزاءً بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا﴾ طبعاً وخلقاً ﴿يعملون﴾ أي: على سبيل التجديد المستمر.
ولما كان رضا الله تعالى في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما كما ورد به الحديث حث عليه بقوله تعالى:
﴿ووصينا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الإنسان﴾ أي: هذا النوع الذي أنس بنفسه ﴿بوالديه﴾ وقرأ: ﴿حسناً﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بضم الحاء وسكون السين. وقرأ الكوفيون بسكون الحاء وقبلها همزة مكسورة وفتح السين وبعدها ألف، فهو منصوب على المصدر بفعل مقدّر، أي: وصيناه أن يحسن إليهما إحساناً، ومثله حسناً. وقرأ:
﴿حملته أمّه كرهاً﴾ أي: على مشقة ﴿ووضعته كرهاً﴾ أي: بمشقة الكوفيون وابن ذكوان بضم الكاف فيهما، والباقون بالفتح، وهما لغتان بمعنى واحد. مثل الضعف والضعف، وقيل: المضموم اسم، والمفتوح مصدر. وليس المراد ابتداء الحمل. فإنّ ذلك لا يكون بمشقة لقوله تعالى: ﴿فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمّرت به فلما أثقلت﴾ (سورة الأعراف، آية: ١٨٩)
فحينئذ حملته كرهاً ووضعته كرهاً.
تنبيه: دلت الآية على أنّ حق الأم أعظم لأنه تعالى قال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً﴾ فذكرهما معاً ثم خص الأم بالذكر فقال: ﴿حملته أمّه كرهاً ووضعته كرهاً﴾ وذلك يدل على أن حقها أعظم، وأنّ وصول المشاق إليها بسبب الولد كثيرة والأخبار كثيرة. في هذا الباب. ﴿وحمله وفصاله﴾ أي: من الرضاع ﴿ثلاثون شهراً﴾ كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد، ومبالغة في الوصية
стр. 1941
بها. وفي ذلك دلالة على أنّ أقل مدّة الحمل ستة أشهر، لأنه لما كان مجموع مدة الحمل والرضاع ثلاثين شهراً، وقال تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين﴾ (البقرة: ٢٣٣)
فإذا أسقطنا الحولين الكاملين، وهي أربعة وعشرون شهراً من ثلاثين بقي مدة الحمل ستة أشهر.
روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر، أرضعت أحد وعشرين شهراً. وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهراً وروي عن أبي بكر أنّ امرأة دفعت إليه وقد ولدت لستة أشهر فأمر برجمها، فقال عمر: لا رجم عليها، وذكر الطريق المتقدمة وعن عثمان نحوه، وأنه همّ بذلك، فقرأ ابن عباس ﵄ عليه الآية. وأما مدة أكثر الحمل فليس في القرآن ما يدل عليه، واختلف الأئمة في ذلك: فعند الشافعي أربع سنين. وقوله تعالى:
﴿حتى إذا بلغ أشده﴾ لا بد فيه من جملة محذوفة. تكون حتى غاية لها، أي: عاش واستمّرت حياته حتى إذا بلغ أشده قال ابن عباس ﵄ في رواية عطاء: الأشد ثماني عشرة سنة، وقيل: نهاية قوّته وغاية شبابه واستوائه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة فذلك قوله تعالى: ﴿وبلغ أربعين سنة﴾ وقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁، وقيل: نزلت في أبي بكر الصدّيق ﵁: وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو وأمّه أم الخير بنت صخر بن عمرو وقال عليّ بن أبي طالب ﵁ الآية في أبي بكر الصدّيق أسلم أبواه جميعاً ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله تعالى بهما ولزم ذلك من بعده، وكان أبو بكر يصحب النبيّ ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبيّ ﷺ ابن عشرين سنة في تجارته إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة، وتنبأ النبيّ ﷺ آمن به ثم آمن أبواه، ثم ابنه عبد الرحمن، وابن عبد الرحمن أبو عتيق ثم إنّ أبا بكر دعا ربه بأن ﴿قال رب أوزعني﴾ أي: ألهمني، وقرأ ورش والبزي: بفتح الياء في الوصل، والباقون بسكونها ﴿أن أشكر نعمتك التي أنعمت﴾ أي: بها ﴿علي﴾ أي: وعلى أولادي ﴿وعلى والديّ﴾ وهي: التوحيد.
وأكثر المفسرين: على أنّ الأشد ثلاث وثلاثون. قال الرازي: مراتب الحيوان ثلاثة؛ لأنّ بدن الحيوان لا يكون إلا برطوبة غريزية وحرارة غريزية والرطوبة الغريزية زائدة في أوّل العمر ناقصة في آخره. والانتقال من الزيادة إلى النقصان لا يعقل حصوله إلا إذا حصل الاستواء في وسط هاتين المدّتين، فثبت أنّ مدّة العمر منقسمة إلى ثلاثة أقسام فأوّلها: أن تكون الرطوبة الغريزية زائدة على الحرارة الغريزية. وحينئذ تكون الأعضاء عظيمة التمدد في ذواتها وزيادتها في الطول والعرض والعمق وهذا هو سن النشء والثانية وهي المرتبة المتوسطة أن تكون الرطوبة الغريزية وافية بحفظ الحرارة الغريزية من غير زيادة ولا نقصان. وهذا هو سن الوقوف، وهو حين الشباب.
والمرتبة الثالثة: أن تكون الرطوبة الغريزية ناقصة عن الوفاء بحفظ الحرارة الغريزية ثم هذا النقصان على قسمين فالأول: هو النقصان الخفي، وهو سن الكهولة. والثاني: هو النقصان الظاهر، وهو سن الشيخوخة.
قال المفسرون: لم يبعث نبيّ قط إلا بعد الأربعين سنة. قال الرازي: وهذا يشكل بعيسى ﵇ فإنه تعالى جعله نبياً من أوّل عمره، إلا أنه يجب أن يقال: الأغلب أنه ما جاء الوحي
стр. 1942
إلا بعد الأربعين، وهكذا كان الأمر في حق نبينا ﷺ ثم إنّ أبا بكر دعا أيضاً فقال: ﴿وأن أعمل صالحاً ترضاه﴾ قال ابن عباس: أجاب الله تعالى دعاء أبي بكر، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله تعالى، منهم بلال ولم يرد شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه ودعا أيضاً فقال: ﴿وأصلح لي في ذرّيتي﴾ فأجاب الله تعالى دعاءه، فلم يكن له ولد إلا آمن فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعاً وأدرك أبواه وابنه عبد الرحمن وابن ابنه أبو عتيق النبيّ ﷺ وهم مؤمنون. ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة.
تنبيه أصلح يتعدى بنفسه لقوله تعالى: ﴿وأصلحنا له زوجه﴾ (الأنبياء: ٩٠)
وإنما تعدى بفي لتضمنه معنى ألطف بي في ذرّيتي، أو لأنه جعل الذرّية ظرفاً للإصلاح والمعنى: هب لي الصلاح في ذرّيتي وأوقعه فيهم.
﴿إني تبت﴾ أي: رجعت ﴿إليك﴾ عن كل ما يقدح في الإقبال عليك. وأكده إعلاماً بأنّ حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع: فينكر إخباره به وكذا قوله: ﴿وإني من المسلمين﴾ أي: الذين أسلموا بظواهرهم وبواطنهم فانقادوا أتمّ انقياد. ﴿أولئك﴾ أي: العالون الرتبة، القائلون هذا القول أبو بكر، وغيره.
﴿الذين يتقبل﴾ بأسهل وجه ﴿عنهم﴾ وأشار بصيغة التفعل إلى أنه يعمل في قبوله عمل المعتني، والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له على عمله وقوله تعالى: ﴿أحسن ما عملوا﴾ أي: أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا.
فإن قيل: كيف قال الله تعالى ﴿أحسن﴾ والله تعالى يتقبل الأحسن وما دونه؟.
أجيب بوجهين أحدهما: أنّ المراد بالأحسن الحسن، كقوله تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ (الزمر: ٥٥)
وكقوله: الناقص والأشج أعدلا بني مروان. أي: عادلا بني مروان.
ثانيهما: أنّ الحسن من الأعمال هو المباح الذي لا يتعلق به ثواب ولا عقاب. والأحسن ما يغاير ذلك، وهو المندوب، أو الواجب.
ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسناً، نبه على ذلك بقوله تعالى:
﴿ويتجاوز﴾ أي بوعد لا خلف فيه ﴿عن سيئاتهم﴾ أي: فلا يعاقبهم عليها. وقرأ حفص وحمزة والكسائي: بنون مفتوحة قبل الفوقية من ﴿يتقبل﴾ ونصب ﴿أحسن﴾ ، ونون مفتوحة قبل الفوقية من ﴿يتجاوز﴾ والباقون بياء مضمومة قبل الفوقية من ﴿يتقبل﴾ ، و ﴿يتجاوز﴾ ورفع ﴿أحسن﴾ وقوله تعالى:
﴿في أصحاب الجنة﴾ في محل الحال أي: كائنين في جملة أصحاب الجنة. كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي: في جملتهم. وقيل: خبر مبتدأ مضمر أي: هم في أصحاب الجنة وقوله تعالى: ﴿وعد الصدق﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنّ قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يتقبل عنهم﴾ في معنى الوعد. فيكون قوله تعالى: ﴿يتقبل﴾ ، و ﴿يتجاوز﴾ وعداً من الله تعالى لهم بالتقبل والتجاوز. والمعنى يعامل من صفته ما قدّمنا بهذا الجزاء. وذلك وعد من الله تعالى صدق، لكونه مطابقاً للواقع ﴿الذي كانوا يوعدون﴾ أي: يقع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام حين أخبروا بقوله تعالى: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات﴾ (التوبة: ٧٢)
ولما وصف تعالى الولد البار بوالديه وصف الولد العاق لهما. بقوله تعالى:
والمراد به الجنس. وقال ابن عباس والسدي: نزلت في عبد الله بن أبيّ. وقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه؛ كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام، وهو يأبى، وهو ﴿قوله أف لكما﴾ وقال الحسن وقتادة:
стр. 1943
إنها نزلت في كل كافر عاق لوالديه وعلى ثبوت أنها نزلت فيمن تقدم، لا ينافي أن المراد الجنس، فإنّ خصوص السبب لا يوجب التخصيص وفي ﴿أف﴾ قراءات ذكرت في سورة بني إسرائيل ﴿أتعدانني﴾ أي: على سبيل الاستمرار والتجديد في كل وقت وقرأ هشام بإدغام النون الأولى في الثانية وفتح الياء نافع وابن كثير وسكنها الباقون. ﴿أن أخرج﴾ أي: من مخرج يخرجني من الأرض بعد أن غبت فيها وصرت تراباً يحييني كما كنت أوّل مرّة ﴿وقد﴾ أي: والحال أنه قد ﴿خلت﴾ أي: مضت على سنن الموتى ﴿القرون﴾ أي: الأمم الكثيرة مع صلابتهم ﴿من قبلي﴾ أي: قرناً بعد قرن، وتطاولت الأزمان، ولم يخرج منهم أحد من القبور ﴿وهما﴾ أي: والحال أنهما كلما قال لهما ذلك ﴿يستغيثان الله﴾ أي: يطلبان بدعائهما من له جميع صفات الكمال أن يغيثهما بإلهامه قبول كلامهما ويقولان إن لم ترجع ﴿ويلك﴾ أي: هلاكك بمعنى: هلكت ﴿آمن﴾ أي: أوقع الإيمان الذي لا إيمان غيره، وهو الذي ينقذ من كل هلكة، ويوجب كل فوز، بالتصديق بالبعث وبكل ما جاء عن الله تعالى. ثم علّلا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة إنكاره بقولهما: ﴿إنّ وعد الله﴾ أي: الملك المحيط بجميع صفات الكمال حق أي: ثابت أعظم ثبات؛ لأنه لو لم يكن حقاً لكان نقصاً من جهة الأخلاق الذي لا يرضاه لنفسه أقل الملوك. فكيف بملك الملوك؟ ﴿فيقول﴾ مسبباً عن قولهما ومعقباً له ﴿ما هذا﴾ أي: الذي تذكرانه من البعث ﴿إلا أساطير﴾ أي: أكاذيب ﴿الأوّلين﴾ التي كتبوها.
﴿أولئك﴾ أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير.
﴿الذين حق﴾ أي: ثبت ووجب ﴿عليهم القول﴾ أي: الكامل في بابه، بأنهم أسفل السافلين. وهذا كما قال البيضاوي يردّ على من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر؛ لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جبّ عنه إن كان لإسلامه وقال البقاعي: وهذا يكذب من قال: إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه أسلم وصار من أكابر الصحابة فحقت له الجنة، ولما أثبت لهم هذه الشنعة بين كثرة من شاركهم فيها بقوله تعالى: ﴿في﴾ أي: كائنين في ﴿أمم﴾ أي: خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس، ويتبع بعضهم بعضاً ﴿قد خلت﴾ أي: تلك الأمم ﴿من قبلهم﴾ وكانوا قدوتهم وأدخل الجار؛ لأنّ المحكوم عليه بعض السالفين ﴿من الجنّ﴾ لأنّ العرب كانت تستعظمهم، وتستجير بهم وذلك لأنهم يتظاهرون لهم، ويؤذونهم ولم يقطع أذاهم لهم، وتسلطهم عليهم ظاهراً وباطناً إلا القرآن: فإنه أحرقهم بأنواره، وجلاهم عن تلك البلاد بتجلي آثاره ﴿وإلانس﴾ ولا نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم وقوله تعالى ﴿إنهم﴾ أي: كلهم ﴿كانوا﴾ أي: جبلة وطبعاً وخلقاً لا يقدرون على الانفكاك عنه ﴿خاسرين﴾ أي عريقين في هذا الوصف تعليل للحكم على الاستئناف. ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ قال ابن عباس: يريد من سبق إلى الإسلام فهو أفضل ممن تخلف عنه ولو ساعة وقال مقاتل: ولكل واحد من الفريقين يعنى البارّ بوالديه والعاق لهما درجات في الإيمان والكفر والطاعة والمعصية.
فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدرجات على أهل النار وقد روي «الجنة درجات والنار دركات» أجيب من وجوه أحدها: أنّ ذلك على جهة التغليب وثانيها: قال ابن زيد: درج أهل الجنة تذهب علواً، ودرج أهل النار تذهب هبوطاً وثالثها: المراد بالدرجات المراتب المتزايدة،
стр. 1944
فدرجات أهل الجنة في الخيرات والطاعات، ودرجات أهل النار في المعاصي والسيئات.
وقوله تعالى: ﴿وليوفيهم أعمالهم﴾ أي: جزاءها معلله محذوف، تقديره: جازاهم بذلك. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو وهشام، وعاصم: بالياء التحتية أي: الله والباقون بالنون أي نحن وقوله تعالى: ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي: شيئاً بنقص للمؤمنين ولا بزيادة للكافرين (والواو) إمّا استئناف وإمّا حال مؤكدة.
﴿ويوم﴾ أي: واذكر يا أفضل الخلق لهؤلاء يوم يعرضون هكذا كان الأصل. ولكنه تعالى أظهر الوصف الذي أوجب لهم الخزي بقوله تعالى: ﴿يعرض الذين كفروا على النار﴾ أي: يصلون لهيبها ويقلبون فيها، كما يعرض اللحم الذي يشوى وقيل: تعرض عليهم النار ليروا أهوالها، مقولاً لهم على سبيل التنديم والتقريع والتوبيخ والتشنيع؛ لأنهم لم يذكروه تعالى حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها عند مخالفة أمره . ﴿أذهبتم طيباتكم﴾ أي: لذاتكم باتباعكم الشهوات. وقرأ ابن كثير وابن عامر قبل الدال: بهمزتين مفتوحتين الأولى: محققة بلا خلاف. والثانية: مسهلة بخلاف عن هشام وأدخل هشام بينهما ألفاً ولم يدخل ابن كثير وابن ذكوان والباقون بهمزة واحدة محققة. ﴿في حياتكم الدنيا﴾ أي: القريبة الدنية المؤذن وصفها لمن يعقل بحياة أخرى بعدها، فكان سعيكم في حركاتكم وسكناتكم لأجلها حتى نلتموها ﴿واستمتعتم﴾ أي: طلبتم وأوجدتم انتفاعكم ﴿بها﴾ وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم. والمعنى: أن ما قدّر لكم من الطيبات والدرجات فقد استوفيتموه في الدنيا فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها وعن عمر ﵁ «لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي» قال الواحدي: إنّ الصالحين يؤثرون التقشف والزهد في الدنيا رجاء أن يكون ثوابهم في الآخرة أكمل لأنّ هذه الآية لا تدل على المنع من التمتع لأنها وردت في حق الكافر وإنما وبخ الله تعالى الكافر لأنه تمتع بالدنيا ولم يؤدّ شكر المنعم فلا يوبخ بتمتعه ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج
لعباده والطيبات من الرزق﴾ (الأعراف: ٣٢)
نعم لا ينكر أنّ الاحتراز عن التنعم أولى لأنّ النفس إذا اعتادت التنعم صعب عليها الاحتراز والانقياد وحينئذ ربما حمل الميل إلى تلك الطيبات على فعل ما لا ينبغي.
روى عمر قال: «دخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو على رمال حصير، قد أثر الرمال بجنبه فقلت: يا رسول الله، ادع الله تعالى أن يوسع على أمتك، فإنّ فارس والروم قد وسع عليهم وهم يعبدون غير الله تعالى. فقال ﷺ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» وعن عائشة ﵂ قالت: ما شبع آل رسول الله ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله ﷺ وعنها أنها قالت: «كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ناراً وما هو إلا الماء والتمر» «وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم الشعير» والأحاديث في هذا كثيرة ولما كانت الاستهانة بالأوامر والنواهي استهانة بيوم الجزاء سبب عنه قوله تعالى:
﴿فاليوم تجزون﴾ أي: على إعراضكم عنا ﴿عذاب الهون﴾ أي: الهوان العظيم المجتمع الشديد الذي فيه ذلّ وخزي ﴿بما كنتم﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿تستكبرون﴾
стр. 1945
أي: تطلبون الترفع وتوجدونه على الاستمرار ﴿في الأرض﴾ التي هي لكونها تراباً وموضوعة على الزوال والخراب أحق شيء بالتواضع والذل والهوان ﴿بغير الحق﴾ أي: الأمر الذي يطابقه الواقع، وهو أوامرنا ونواهينا ﴿وبما كنتم﴾ أي: على الاستمرار ﴿تفسقون﴾ أي: بسبب الاستكبار الباطل، والفسوق عن طاعة الله تعالى.
تنبيه: دلت الآية على أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة لأنّ الله تعالى علل عذابهم بأمرين؛ أولهما: الكفر. وثانيهما: الفسق وهذا الفسق لا بدّ وأن يكون مغايراً لذلك الكفر، لأنّ العطف يوجب المغايرة فثبت أنّ فسق الكفار يوجب العقاب في حقهم ولا معنى للفسق إلا ترك المأمورات وفعل المنهيات.
ولما كان قوم عاد أكثر أموالاً وقوة وجاهاً من أهل مكة، ذكر تعالى قصتهم ليعتبروا، فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا. فقال عز من قائل:
﴿واذكر﴾ يا أشرف الرسل، لهؤلاء الذين لا يتعظون ﴿أخا عاد﴾ وهو أخوك هود ﵇، الذي كان بين قوم أشدّ من قومك، ولم يخف عاقبتهم وأمرهم ونهاهم ونجيناه منهم فهو لك قدوة، وفيه أسوة، ولقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره موعظة. وقوله تعالى: ﴿إذ أنذر﴾ بدل اشتمال من ﴿أخا﴾ ﴿قومه﴾ أي: الذين لهم قوة على القيام فيما يحاولونه. ﴿بالأحقاف﴾ قال ابن عباس: واديين عمان ومهرة، وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: مهرة إليها تنسب الإبل المهرية. وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم. وكانوا من قبيلة إرم قال قتادة: ذكر لنا: أن عاداً كانوا حياً من اليمن، كانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر.
﴿وقد﴾ أي: والحال أنّه قد ﴿خلت النذر﴾ أي: مرّت ومضت الرسل الكثيرون ﴿من بين يديه﴾ أي: قبل هود، كنوح وشيث وآدم ﵈ ﴿ومن خلفه﴾ أي: بعده والمعنى؛ أنّ الرسل الذين بعثوا قبله، والذين سيبعثون بعده كلهم منذرون نحو إنذاره، والجملة حال، أو اعتراض. ولما أشار إلى كثرة الرسل، ذكر وحدتهم في أصل الدعاء، فقال مفسراً للإنذار معبراً بالنهي ﴿أن لا تعبدوا﴾ أي: أيها العباد المنذرون، بوجه من الوجوه شيئاً من الأشياء ﴿إلا الله﴾ أي: الملك الذي لا ملك غيره، ولا خالق سواه، ولا منعم إلا هو فإني أراكم تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم والملك لا يقرّ على مثل هذا ﴿إني أخاف عليكم﴾ لكونكم قومي، وأعز الناس عليّ ﴿عذاب يوم عظيم﴾ أي لا يدع جهة إلا ملأها عذابه إن أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك.
﴿قالوا﴾ له في جوابه منكرين عليه ﴿أجئتنا﴾ أي: يا هود، ﴿لتأفكنا﴾ أي: لتصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه ﴿عن آلهتنا﴾ فلا نعبدها، ولا نعتد بها ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ من العذاب؛ سموا الوعيد وعداً ﴿إن كنت﴾ أي: يقال عنك كوناً ثابتاً ﴿من الصادقين﴾ في أنك رسول من الله، وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا.I
﴿قال﴾ أي هود مكذباً لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء من ذلك: ﴿إنما العلم﴾ أي: المحيط بكل شيء، عذابكم وغيره. ﴿عند الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال، فهو ينزل علم ما توعدون به على من يشاء إن شاء. ولا علم لي إلى الآن، ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة، ﴿وأبلغكم﴾ أي: في الحال والاستقبال وقرأ أبو عمرو بسكون الباء الموحدة وتخفيف اللام والباقون: بفتح الموحدة وتشديد اللام.
стр. 1946
﴿ما أرسلت به﴾ ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، سواء أكان وعداً أم وعيداً أم غير ذلك. ولم يذكر الغاية؛ لأنّ ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم ﴿ولكني أراكم﴾ أي: أعلمكم علماً كالرؤية. وقرأ نافع والبزي وأبو عمرو: بفتح الياء والباقون: بسكونها. وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين وأمالها أبو عمرو، وحمزة، والكسائي محضة. والباقون بالفتح. ﴿قوماً تجهلون﴾ أي: باستعجال العذاب. فإنّ الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا مقترحين.
﴿فلما رأوه﴾ أي: العذاب الذي توعدهم به ﴿عارضا﴾ أي: سحاباً أسود بارزاً في الأفق، ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر، حال كونه قاصداً إليهم. ﴿مستقبل أوديتهم﴾ أي: طالباً لأن يكون مقابلاً لها وموجداً لذلك. ﴿قالوا﴾ على عادة جهلهم، مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل، لأنّ جهلهم به استمّر حتى كاد أن يواقعهم. ﴿هذا عارض﴾ أي: سحاب معترض في عرض السماء. أي: ناحيتها. ﴿ممطرنا﴾ قال المفسرون: كان حبس عنهم المطر أياماً فساق الله تعالى إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى ﴿بل هو﴾ أي: هذا العارض الذي ترونه ﴿ما استعجلتم به﴾ أي: طلبتم العجلة في إتيانه وقوله تعالى: ﴿ريح﴾ بدل من ﴿ما﴾ ﴿فيها عذاب أليم﴾ أي: شديد الإيلام وروي أنها كانت تحمل الفسطاط فترفعه في الجوّ، وتحمل الظعينة في الجوّ، فترفعها وهودجها حتى ترى كأنها جرادة وكانوا يرون ما كان خارجاً عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض، ثم تقذف بهم. ثم وصف تلك الريح. بقوله تعالى:
﴿تدمر﴾ أي: تهلك إهلاكاً عظيماً شديداً. ﴿كل شيء﴾ أي: أتت عليه من الحيوان والناس وغيرهما، هذا شأنها فمن سلم منها كهود ﵇ ومن آمن به، فسلامته أمر خارق للعادة. كما أنّ أمرها في إهلاك كل ما مرّت عليه أمر خارق للعادة. ﴿بأمر ربها﴾ أي: المبدع لها والمربي والمحسن بالانتقام من أعدائه.
فإن قيل: ما فائدة إضافة الرب إلى الريح أجيب: بأنّ فائدة ذلك: الدلالة على أنّ الريح وتصريف أعنتها، مما يشهد بعظيم قدرته لأنها من أعاجيب خلقه، وأكابر جنوده.
وذكر الأمر وكونها مأمورة من جهته عز وعلا يعضد ذلك ويقويه فليس من تأثير الكواكب والقرانات.
قيل: إنّ أوّل من أبصر العذاب امرأة منهم، قالت: رأيت ريحاً فيها كشهب النار. وروي: أنّ أوّل ما عرفوا به أنه عذاب أليم: أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم، وغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمال الله عليهم الأحقاف فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين ثم أمر الله تعالى الريح، فكشفت عنهم الرمال، وحملتهم، فرمت بهم في البحر.
وروي: أن هوداً ﵇ لما أحس بالريح خط على نفسه وعلى المؤمنين خطاً إلى جنب عين تنبع وكانت الريح التي تصيبهم ريحاً طيبة هادئة، والريح التي تصيب قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء وتضربهم على الأرض.
وعن ابن عباس اعتزل هود ومن معه في حظيرة، ما يصيبهم من الريح إلا ما يلين على الجلود وتلذه الأنفس. وإنها لتمرّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة. وأثر المعجزة إنما ظهر في تلك الريح
стр. 1947
من هذا الوجه «قال ﷺ ما أمر الله تعالى خازن الريح أن يرسل على عاد إلا مقدار الخاتم وذلك القدر أهلكهم بكليتهم» كما قال تعالى:
﴿فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم﴾ أي: فجاءتهم الريح فدمّرتهم، فأصبحوا بحيث لو خضت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم. وقرأ عاصم وحمزة: بالياء التحتية المضمومة ورفع النون من مساكنهم، لقيامه مقام الفاعل. والباقون: بالتاء الفوقية مفتوحة مبنياً للفاعل، ونصب مساكنهم مفعولاً به. وأمال الألف بعد الراء ورش بين بين، وأبو عمرو وحمزة والكسائي محضة. وكذلك من ﴿القرى﴾ ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الجزاء الهائل؛ في أصله، أو جنسه، أو نوعه، أو شخصه من الإهلاك. ﴿نجزي﴾ بعظمتنا دائماً إذا شئنا ﴿القوم المجرمين﴾ أي: العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه الشنيع «وروي أنه ﷺ كان إذا رأى الريح فزع وقال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به، وإذا رأى مخيلة أي: سحابة. قام وقعد، وجاء وذهب، وتغير لونه، فنقول له: يا رسول الله ما تخاف؟ فيقول: إني أخاف أن يكون مثل قوم عاد حيث قالوا: هذا عارض ممطرنا فاحذروا أيها العرب مثل ذلك إن لم ترجعوا» فإن قيل قال تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال: ٣٣)
فكيف يحصل التخويف أجيب بأنّ ذلك كان قبل نزول الآية ثم أخبر الله تعالى عن مكنة عاد بقوله سبحانه:
﴿ولقد مكناهم﴾ أي: تمكيناً تظهر به عظمتنا ﴿فيما﴾ أي: في الذي ﴿إن﴾ نافية أي: ما ﴿مكناكم﴾ يا أهل مكة ﴿فيه﴾ من قوّة الأبدان، وطول الأعمار، وكثرة الأموال، وغيرها. ثم إنّهم مع ذلك ما نجوا من عذاب الله تعالى. فكيف يكون حالكم؟.
تنبيه: قال البقاعي: وجعل النافي إن؛ لأنها أبلغ من ﴿ما﴾ لأن ما تنفى تمام الفوت، لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها فوت تمام الإدراك. وإن تنفي أدنى مظاهر مدخولها، فكيف بما وراء من تمامه؟ لأنّ الهمزة أوّل مظهر لفوت الألف، والنون لمطلق الإظهار. هذا إلى ما في ذلك من عذوبة اللفظ، وصونه عن ثقل التكرار، إلى غير ذلك من بديع الأسرار ا. هـ.
وقال الزمخشريّ: إن نافية أي: فيما ما مكناكم فيه إلا أن إن أحسن في اللفظ، لما في مجامعة ما بمثلها من التكرار المستبشع، ومثله مجتنب. ألا ترى أنّ الأصل في مهما ما ما فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء ولقد أغث أبو الطيب في قوله:
*لعمرك ما ما بان منك لضارب
وما ضرّه لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال:
لعمرك ما إن بان منك لضارب. وقد جعلت إن صلة مثلها فيما أنشده الأخفش رحمه الله تعالى:
*يرجى المرء ما إن لا يراه
... وتعرض دون أدناه الخطوب
وتؤوّل بأنا مكناهم في مثل ما مكناكم فيه والوجه هو الأوّل ﴿وجعلنا لهم﴾ أي على ما اقتضته عظمتنا ﴿سمعاً﴾ وأفرده لقلة التفاوت فيه ﴿وأبصاراً﴾ وجمعه لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار، وكذا في قوله تعالى: ﴿وأفئدة﴾ أي: فتحنا عليهم أبواب النعم، وأعطيناهم سمعاً فما استعملوه في سماع الدلائل. وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في دلائل ملكوت السموات والأرض وأعطيناهم أفئدة، أي: قلوباً فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب
стр. 1948
الدنيا ولذاتها. فلا جرم قال تعالى: ﴿فما أغنى عنهم﴾ في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان هود ﵇ ثم النقمة بيد الريح ﴿سمعهم﴾ وأكد النفي بتكرير النافي بقوله تعالى: ﴿ولا أبصارهم﴾ وكذا في قوله تعالى: ﴿ولا أفئدتهم﴾ أردنا إهلاكهم، وأكد بإثبات الجار بقوله تعالى: ﴿من شيء﴾ أي: من الأشياء وإن قل وقال الجلال المحلي إنّ ﴿من﴾ زائدة وقوله تعالى: ﴿إذ﴾ معمولة لأغنى وأشربت معنى التعليل. أي: لأنهم ﴿كانوا﴾ أي: طبعاً وخلقاً ﴿يجحدون﴾ أي: يكرّرون على ممر الزمان الجحد ﴿بآيات الله﴾ أي: الإنكار لما يعرب عن دلائل الملك الأعظم ﴿وحاق﴾ أي: نزل ﴿بهم ما كانوا به يستهزئون﴾ لأنهم؛ كانوا يطلبون نزول العذاب على سبيل الاستهزاء ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم أتبعهم من كان مشاركاً لهم في التكذيب فشاركهم في الهلاك فقال تعالى:
﴿ولقد أهلكنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿ما حولكم﴾ يا أهل مكة ﴿من القرى﴾ كحجر ثمود وعاد وأرض سدوم وسبأ ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس، وغيرهم ممن فيهم معتبر ﴿وصرّفنا﴾ أي: بينا ﴿الآيات﴾ أي: الحجج البينات ﴿لعلهم﴾ أي: الكفار ﴿يرجعون﴾ أي: ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات، حال من يرجع عن الغيّ الذي كان يرتكبه، لتقليد أو شبهة كشفتها الآيات وفضحتها الدلالات؛ فلم يرجعوا فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكهم. ﴿فلولا﴾ أي: فهلا ولم لا ﴿نصرهم الذين﴾ أي: نصر هؤلاء المهلكين الذين ﴿اتخذوا﴾ أي: اجتهدوا في صرف أنفسهم عن دواعي العقل حتى أخذوا. ﴿من دون الله﴾ أي: الملك الذي هو أعظم من كل عظيم ﴿قرباناً﴾ أي: متقرباً بهم إلى الله تعالى: ﴿آلهة﴾ معه وهم الأصنام ومفعول اتخذوا الأوّل ضمير محذوف يعود على الموصول أي: هم، وقرباناً المفعول الثاني، وآلهة بدل منه ﴿بل ضلوا﴾ أي: غابوا ﴿عنهم﴾ وقت نزول النقمة. وقرأ الكسائي بإدغام اللام في الضاد، والباقون بالإظهار ﴿وذلك﴾ أي: اتخاذهم الأصنام آلهة قرباناً ﴿إفكهم﴾ أي: كذبهم ﴿وما كانوا﴾ أي: على وجه الدوام لكونه في طباعهم ﴿يفترون﴾ أي: يتعمدون كذبه، لأنّ إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا كذلك، لأنّ من نظر فيها مجرداً نفسه عن الهوى اهتدى. ﴿وإذ﴾ أي: واذكر إذ ﴿صرفنا﴾ أي: أملنا ﴿إليك نفراً﴾ وهو اسم يطلق على ما دون العشرة وسيأتي في ذلك خلاف ﴿من الجنّ﴾ أي جنّ نصيبين اليمن، أو جنّ نينوى ﴿يستمعون القرآن﴾ أي: يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس، وأنت في صلاة الفجر في نخلة، تصلي بأصحابك ﴿فلما حضروه﴾ أي: صاروا بحيث يستمعونه ﴿قالوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض، ورضي الآخرون ﴿أنصتوا﴾ أي: اسكتوا، وميلوا بكلياتكم، واستمعوا. حفظاً للأدب على بساط الخدمة وفيه تأدب مع العلم في تعلمه. قال القشيري: فأهّل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار.
تنبيه: ذكروا في كيفية هذه الواقعة قولين: أحدهما «قال سعيد بن جبير: كان الجنّ تستمع فلما رجموا قالوا هذا الذي حدث في السماء إنما حدث لشيء في الأرض فذهبوا يطلبون السبب، وكان قد اتفق أنّ النبيّ ﷺ لما أيس من أهل مكة أن يجيبوه، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام
стр. 1949
فلما انصرف إلى مكة وكان ببطن نخلة قام يقرأ القرآن، فمرّ به نفر من أشرار جنّ نصيبين، كان إبليس بعثهم ليعرف السبب الذي أوجب حراسة السماء بالرجم، فسمعوا القرآن فعرفوا أن ذلك هو السبب» . والقول الثاني أنّ الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن فصرف الله تعالى إليه نفراً من الجنّ يستمعون منه القرآن وينذرون قومهم روي أن الجنّ كانوا يهوداً لأنّ في الجنّ مللاً كما في الإنس من اليهود والنصارى، وعبدة الأوثان، والمجوس وأطبق المحققون على أنّ الجن مكلفون سئل ابن عباس هل للجنّ ثواب قال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب يلبثون في أبواب الجنة ويزدحمون على أبوابها. «وروى الطبراني عن ابن عباس أن أولئك الجنّ كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلى قومهم» «وعن زرّ ابن حبيش كانوا تسعة، أحدهم زوبعة» «وعن قتادة ذكر لنا أنهم صرفوا إليه من نينوى» وروي في الحديث: «أنّ الجنّ ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون» واختلفت الروايات هل كان عبد الله بن مسعود مع رسول الله ﷺ ليلة الجنّ أو لا؟ وروى عن أنس قال كنت عند النبيّ ﷺ وهو بظاهر المدينة، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازة فقال النبي ﷺ إنها لمشية جني، ثم أتى فسلم على النبيّ ﷺ فقال ﷺ إنها لنغمة جنيّ فقال الشّيخ: أجل يا رسول الله. فقال له النبيّ ﷺ من أيّ الجنّ أنت؟ فقال
يا رسول الله، أنا هام بن هيم بن لاقيس بن إبليس فقال له النبيّ ﷺ لا أرى بينك وبين إبليس إلا أبوين. قال: أجل يا رسول الله، قال: كم أتى عليك من العمر؟ قال: أكلت عمر الدنيا إلا القليل، كنت حين قُتل هابيل غلاماً ابن أعوام، فكنت أتشرف على الآكام، وأصطاد الهام، وأورّش بين الأنام. فقال النبيّ ﷺ بئس العمل. فقال: يا رسول الله، دعني من العتب فإني ممن آمن مع نوح ﵇ وعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال: والله إني لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت هوداً فعاتبته في دعوته فبكى وأبكاني، وقال والله إني لمن النادمين، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت إبراهيم، وآمنت به، وكنت بينه وبين الأرض إذ رمي به في المنجنيق، وكنت معه في النار إذ ألقي فيها وكنت مع يوسف إذ ألقي في الجب، فسبقته إلى قعره. ولقيت موسى بن عمران بالمكان الأثير. وكنت مع عيسى بن مريم ﵉. فقال لي: إن لقيت محمداً فاقرأ ﵇. قال أنس: فقال النبيّ ﷺ وعليه السلام وعليك يا هام ما حاجتك؟ قال: إنّ موسى علمني التوراة، وإنّ عيسى علمني الإنجيل، فعلّمني القرآن قال أنس: فعلمه النبيّ ﷺ سورة الواقعة عم يتساءلون وإذا الشمس كوّرت وقل يا أيها الكافرون وسورة الإخلاص والمعّوذتين. ﴿فلما قضي﴾ أي: فرغ من قراءته ﴿ولوا﴾ أي: رجعوا ﴿إلى قومهم﴾ الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه ﴿منذرين﴾ أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول الله ﷺ قال ابن عباس جعلهم رسول الله صلى الله
стр. 1950
عليه وسلم رسلاً إلى قومهم.
ولما كان كأنه قيل ما قالوا لهم في إنذارهم؟ قيل:
﴿قالوا يا قومنا﴾ مترققين لهم، ومترفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم، يهمهم ما يهمهم ﴿إنا سمعنا﴾ أي: ما بيننا وبين القارىء واسطة. وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد التوراة شيء جامع لجميع ما يراد منه، مغن عن جميع الكتب غير هذا. وبذلك عرفوا أنه ناسخ لجميع الشرائع بقولهم: ﴿كتاباً﴾ أي: ذكراً جامعاً، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل ﴿أنزل﴾ أي: ممن لا منزل غيره، وهو ملك الملوك لأنّ عليه من رونق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها، فكيف إذا انضم إلى ذلك الإعجاز؟ وعلموا قطعاً بعربيته أنه عربي، وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ويسمعون قراءة الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة والرسائل والأشعار، وأنه مباين لجميع ذلك ﴿من بعد موسى﴾ فلم يقتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة، من الإنجيل وما قبله، لأنه لا يساوي التوراة في الجمع، وروي عن عطاء والحسن: إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهوداً. «وعن ابن عباس ﵄ أنّ الجنّ ما سمعوا أمر عيسى، فلذلك قالوا من بعد موسى» ولما أخبروا بأنه منزل، أتبعوه ما يشهد له بالصحة بقولهم:
﴿مصدقاً لما بين يديه﴾ أي: من جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله، ثم بينوا تصديقه بقولهم: ﴿يهدي إلى الحق﴾ الأمر الثابت الذي يطابق الواقع، فلا يقدر أحد على إزالة شيء مما يخبر به الكامل في جميع ذلك ﴿وإلى طريق﴾ موصل إلى المقصود ﴿مستقيم﴾ لا عوج فيه ﴿يا قومنا﴾ الذين لهم قوة العلم والعمل ﴿أجيبوا داعي الله﴾ أي: الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال. فإن دعوة هذا الداعي عامة لجميع الخلق، فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره وفي هذه الآية دلالة على أنه ﷺ كان مبعوثاً إلى الجن، كما كان مبعوثاً إلى الإنس ﴿وآمنوا به﴾ أي: أوقعوا التصديق بسبب الداعي، وهو النبي ﷺ لا بسبب آخر فإن المفعول معه مفعول مع الله تعالى.
فإن قيل قوله تعالى: ﴿أجيبوا داعي الله﴾ أمر بإجابته في كل ما أمر به فيدخل فيه الأمر بالإيمان فكيف قال وآمنوا به؟ أجيب بأنه إنما ذكر الإيمان على التعيين، لأنه أهمّ الأقسام وأشرفها وقد جرت العادة في القرآن العظيم بأن يذكر اللفظ العام، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه، كقوله تعالى ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ (البقرة: ٩٨)
وقوله تعالى ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ (الأحزاب: ٧)
ولما أمر تعالى بالإيمان ذكر فائدته بقوله تعالى: ﴿يغفر لكم﴾ أي: الله تعالى ﴿من ذنوبكم﴾ أي: بعضها من الشرك وما شابهه مما هو حق لله تعالى وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا بالعقوبات والنكبات والهموم ونحوها، مما أشار إليه قوله تعالى ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾ (الشورى: ٣٠)
وأما المظالم فلا تغفر إلا برضا أربابها، وقيل: ﴿من﴾ زائدة والتقدير: يغفر لكم ذنوبكم، وقيل: بل فائدته أن كلمة ﴿من﴾ هنا لابتداء الغاية، والمعنى: أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل ﴿ويجركم﴾ أي: يمنعكم منع الجار لجاره لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه.
﴿من عذاب أليم﴾ «قال ابن عباس: فاستجاب لله تعالى لهم من قومهم نحو سبعين رجلاً من الجنّ فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فوافوه في البطحاء، فقرأ عليهم القرآن
стр. 1951
وأمرهم ونهاهم» .
تنبيه: اختلفوا في أن الجنّ هل لهم ثواب أو لا فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ويقال لهم: كونوا تراباً، مثل البهائم واحتجوا على ذلك بقوله تعالى ﴿ويجركم من عذاب أليم﴾ وهو قول أبي حنيفة.
والصحيح أنّ حكمهم حكم بني آدم يستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك وتقدّم عن ابن عباس ﵄ أيضاً نحو ذلك قال الضحّاك: يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، لأنّ كل دليل دلّ على أنّ البشر يستحقون الثواب فهو بعينه قائم في حق الجن، والفرق بينهما بعيد جداً وذكر النقاش في تفسيره حديثاً أنهم يدخلون الجنة، فقيل: هل يصيبون من نعيمها قال يلهمهم الله تعالى تسبيحه وذكره فيصيبهم من لذته ما يصيب بني آدم من نعيم الجنة وقال أرطأة بن المنذر سألت ضمرة بن حبيب هل للجنّ ثواب؟ قال: نعم وقرأ ﴿لم يطمثهنّ إنس قبلهم ولا جانّ﴾ (الرحمن: ٥٦)
وقال عمر بن عبد العزيز إن مؤمني الجنّ حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها» ولما أفهم كلامهم أنهم إن لم يجيبوا ينتقم منهم بالعذاب الأليم، أتبعوه ما هو أغلظ إنذاراً منه.
فقالوا ﴿ومن لا يجب﴾ أي: لا يتجدد منه أن يجيب ﴿داعي الله﴾ أي: الملك الذي لا كفء له ﴿فليس بمعجز﴾ أي: لا يعجز الله بالهرب منه ﴿في الأرض﴾ فيفوته فإنه أيّ مكان سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة به ﴿وليس له من دونه﴾ أي: الله تعالى الذي لا مجير عليه ﴿أولياء﴾ يفعلون لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء ﴿أولئك﴾ البعيدون من كل خير ﴿في ضلال مبين﴾ ظاهر في نفسه أنه ضلال مظهر لكل أحد قبح إحاطته بهم.
تنبيه: ههنّا همزتان مضمومتان من كلمتين ولا نظير لهما في القرآن العظيم قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى كالواو مع المدّ والقصر وسهل الثانية ورش وقنبل بعد تحقيق الأولى ولهما أيضاً إبدال الثانية ألفاً وأسقط الأولى أبو عمرو مع المدّ والقصر والباقون بتحقيقهما وهم على مراتبهم في المدّ.
﴿أولم يروا﴾ أي: يعلموا علماً هو في الوضوح كالرؤية ﴿أن الله﴾ ودل على ما دلّ عليه هذا الاسم الأعظم بقوله تعالى: ﴿الذي خلق السموات﴾ على ما احتوت عليه بما يعجز الوصف من العبر ﴿والأرض﴾ على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة بالعيان والخبر ﴿ولم يعي﴾ أي: ولم يتعب ولم يعجز ﴿بخلقهنّ﴾ أي: بسبب من الأسباب. فإنه لو حصل له شيء من ذلك أدّى إلى نقصان فيهما، أو في إحداهما. وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجارّ في خبر إن فقال: ﴿بقادر﴾ أي: قدرة عظيمة ﴿على أن يحيي﴾ أي: على سبيل التجديد مستمرّاً ﴿الموتى﴾ والأمر فيهم لكونه إعادة وكونه جزءاً يسيراً مما ذكر، اختراعه أصغر شأناً وأسهل صنعاً وأجاب بقوله تعالى ﴿بلى﴾ لأنّ هذا الاستفهام الإنكاري في معنى النفي.
أي: قد علموا أنه قادر على ذلك علماً هو في إيقانه كالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك، وأن الإعادة أهون من الابتداء في مجاري عاداتهم، ولكنهم عن ذلك غافلون لأنهم عنه معرضون. وقوله تعالى: ﴿إنه على كل شيء قدير﴾ تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود. كأنه لما صدر السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد. ولما أثبت البعث بما أقام من الدلائل، ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال. بقوله تعالى:
﴿ويوم﴾ أي: واذكر يوم ﴿يعرض﴾ أي: بأيسر أمر
стр. 1952
من أوامرنا ﴿الذين كفروا﴾ أي: ستروا بغفلتهم وتماديهم الأدلة الظاهرة ﴿على النار﴾ عرض الجند على الملك، فيسمعون من تغيظها وزفيرها ما لو قدّر أن أحداً يموت في ذلك اليوم لماتوا من معاينته، وهائل رؤيته ثم يقال لهم ﴿أليس هذا﴾ أي: الأمر الذي كنتم به توعدون، ولرسلنا في إخبارهم به تكذبون ﴿بالحق﴾ أي: الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، أم هو خيال وسحر ﴿قالوا﴾ أي: مصدّقين حيث لا ينفعهم التصديق ﴿بلى﴾ وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه بقولهم: ﴿وربنا﴾ أي إنه لحق هو أثبت الأشياء، وليس فيه شيء مما يقارب السحر.
تنبيه: المقصود من هذا الاستفهام التحكم والتوبيخ على استهزائهم بوعد الله تعالى ووعيده. ﴿قال فذوقوا العذاب﴾ أي: باشروه مباشرة الذائق باللسان. ومعنى الأمر؛ الإهانة بهم والتوبيخ لهم ثم صرّح بالسبب فقال تعالى: ﴿بما كنتم﴾ أي: خلقاً مستمرّاً ﴿تكفرون﴾ في دار العمل.
ولما قرّر تعالى المطالب الثلاثة؛ وهي التوحيد، والنبوّة، والمعاد. وأجاب عن الشبهات أردفه بما يجري مجرى الوعظ والنصيحة لنبيه محمد ﷺ وذلك لأنّ الكفار كانوا يؤذونه ويوحشون صدره. فقال تعالى:
﴿فاصبر﴾ أي: على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة، وعلى أذى قومك قال القشيري: الصبر، هو الوثوق بحكم الله تعالى والثبات من غير بث ولا استكراه ﴿كما صبر أولو العزم﴾ أي: الثبات والجدّ في الأمور. وقال ابن عباس ﵄: أولو الحزم وقوله تعالى: ﴿من الرسل﴾ يجوز فيه أن تكون ﴿من﴾ تبعيضية وعلى هذا فالرسل: أولو عزم وغير أولي عزم ويجوز أن تكون للبيان، وعليه جرى الجلال المحلي فكلهم على هذا أولو عزم.
قال ابن زيد كل الرسل كانوا أولي عزم وحزم ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت من للتجنيس لا للتبعيض كما يقال: اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز. وقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو العزم إلا يونس لعلة كانت فيه. ألا ترى أنه قيل لنبينا ﷺ ﴿ولا تكن كصحاب الحوت﴾ (القلم: ٤٨)
وقال قوم: هم نجباء الرسل، وهم المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر لقوله تعالى بعد ذكرهم ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام: ٩٠)
وقال الكلبيّ هم الذين أمروا بالجهاد، وأظهروا المكاشفة مع أعداء الله تعالى وقيل: هم ستة؛ نوح وهود وصالح ولوط. وشعيب وموسى. وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء وقال مقاتل: هم ستة، نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده، وذهاب بصره ويوسف صبر في الجب والسجن، وأيوب صبر على الضرّ. وقال ابن عباس وقتادة هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، أصحاب الشرائع فهم مع محمد ﷺ خمسة ونظمهم بعضهم في بيت فقال:
*محمد إبراهيم موسى كليمه ... فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم*
قال البغوي: ذكرهم الله تعالى على التخصيص في قوله تعالى ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم﴾ (الأحزاب: ٧)
وفي قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً﴾ (الشورى: ١٣)
الآية.
وعن مسروق قال «قالت عائشة ﵂: قال لي رسول الله ﷺ يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم
стр. 1953
إلا الصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها. ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم قال تعالى ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ وإني والله لا بدّ لي من طاعته والله لأصبرنّ كما صبروا ولأجهدنّ، ولا قوّة إلا بالله، ولما أمره الله تعالى بالصبر الذي هو من أعلى الفضائل، نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل. فقال عز من قائل:
﴿ولا تستعجل لهم﴾ أي: لا تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئاً مما يسوءهم في غير حينه الأليق به. فإنه نازل بهم في وقته لا محالة.
قيل: إنّ النبيّ ﷺ ضجر من قومه، وأحب أن ينزل الله تعالى العذاب بمن أبى من قومه، فأمر بالصبر وترك الاستعجال ثم أخبر أنّ ذلك العذاب إذا نزل بهم يستقصرون مدّة لبثهم في الدنيا، حتى يحسبونها ساعة من نهار فقال تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون﴾ أي: من العذاب بهم في الآخرة ﴿لم يلبثوا﴾ أي: في الدنيا ﴿إلا ساعة من نهار﴾ استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، أو كأنه لم يكن لهول ما عاينوا، ولأنّ ما مضى وإن كان طويلاً صار كأنه لم يكن قال الشاعر:
*كأنّ شيئاً لم يكن إذا مضى ... كأنّ شيئاً لم يكن إذا أتى*
تنبيه: تم الكلام ههنا وقوله تعالى ﴿بلاغ﴾ خبر مبتدأ محذوف قدره بعضهم: تلك الساعة بلاغ لدلالة قوله تعالى ﴿إلا ساعة من نهار﴾ وبعضهم: هذا أي القرآن بلاغ أي تبليغ من الله تعالى إليكم وجرى عليه الجلال المحلي. ﴿فهل﴾ أي: لا ﴿يهلك﴾ أي: بالعذاب إذا نزل ﴿إلا القوم﴾ أي: الذين هم أهل القيام بما يحاولونه من اللدد، ﴿الفاسقون﴾ أي: العريقون في إدامة الخروج عن الانقياد والطاعة، وهم الكافرون. قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع فضل الله ورحمته إلا القوم الفاسقون ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله أقوى من هذه الآية. وما قاله البيضاويّ تبعاً للزمخشري: من أنه ﷺ قال من قرأ سورة الأحقاف كتب الله له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا. حديث موضوع.
سورة محمد
ﷺ .
مكية وتسمى القتال والذين كفروا وهي: ثمان وثلاثون آية، وخمسمائةوتسع وثلاثون كلمة، وألفان وثلثمائة وتسعة وأربعون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الملك الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه ﴿الرحمن﴾ الذي عمت رحمته تارة بالبرهان، وتارة بالسيف واللسان ﴿الرحيم﴾ الذي خص حزبه بالحفظ في طريق الجنان. واختلف في قوله تعالى:
﴿الذين كفروا﴾ من هم؟ فقيل: هم الذين كانوا يطعمون الجيش يوم بدر منهم أبو جهل والحارث ابنا هشام، وعقبة، وشيبة ابنا ربيعة، وغيرهم، وقيل: كفار قريش وقيل: أهل الكتاب وقيل: كل كافر لأنهم ستروا أنوار الأدلة وضلوا على علم ﴿وصدّوا﴾ أي: امتنعوا بأنفسهم، ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر، ﴿عن سبيل الله﴾ أي: الطريق الرحب المستقيم الذي شرعه الملك الأعظم، ﴿أضلّ﴾ أي: أبطل إبطالاً عظيماً يزيل العين والأثر، ﴿أعمالهم﴾ كإطعام الطعام، وصلة
стр. 1954
الأرحام، وفك الأسارى، وحفظ الجوار، وغير ذلك. فلا يرون لها في الآخرة ثواباً ويجزي عليها في الدنيا من فضله تعالى.
تنبيه: أوّل هذه السورة مناسب لآخر السورة المتقدمة.
ولما ذكر تعالى أهل الكفر معبراً عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم، ذكر أضدادهم كذلك؛ ليعمّ من كان منهم من جميع الفرق. بقوله تعالى: ﴿والذي آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان باللسان ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لدعواهم ﴿الصالحات﴾ أي: الأعمال الكاملة في الصلاح، بتأسيسها على الإيمان. ولما كان هذا الوصف لا يخص أتباع محمد ﷺ خصهم بقوله تعالى: ﴿وآمنوا﴾ أي: مع ذلك ﴿بما نزل﴾ أي: ممن لا منزل إلا هو، منجماً مفرقاً ليجدّدوا بعد الإيمان به إجمالاً الإيمان بكل نجم منه ﴿على محمد﴾ النبيّ الأميّ العربيّ القرشيّ المكيّ المدنيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ﷺ وقوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي: هذا الذي نزل عليه ﷺ موصوف بأنه ﴿الحق﴾ أي: الكامل في الحقيقة ينسخ ولا ينسخ كائناً ﴿من ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بإرساله أما إحسانه إلى أمّته فواضح وأمّا سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة، وأمّته هي الشاهدة لهم جملة معترضة وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائيّ ﴿وهو﴾ بسكون الهاء والباقون بضمّها ﴿كفر عنهم سيئاتهم﴾ أي: ستر أعمالهم السيئة بالإيمان، وعملهم الصالح ﴿وأصلح بالهم﴾ أي: حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد.
﴿ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء الطائفتين.
﴿بأن﴾ أي: بسبب أن ﴿الذين كفروا﴾ أي: ستروا مرائي عقولهم ﴿اتبعوا﴾ أي: بغاية جهدهم ومعالجتهم ﴿الباطل﴾ من العمل الذي لا حقيقة له في الخارج تطابقه وذلك هو الابتداع والميل مع الهوى فضلوا ﴿وأن الذين آمنوا﴾ أي: ولو كانوا في أقل درجات الإيمان ﴿اتبعوا﴾ أي بغاية جهدهم ﴿الحق﴾ أي الذي له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهو العلم بموافقة العمل وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه ﴿من ربهم﴾ أي: الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن اعتقادهم فاهتدوا ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الضرب العظيم الشأن ﴿يضرب الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ﴿للناس﴾ أي: كل من فيه قوّة الاضطراب والحركة ﴿أمثالهم﴾ أي: أمثال أنفسهم، أو أمثال الفريقين المتقدّمين، أو أمثال جميع الأشياء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها، مبيناً لها مثل هذا البيان، ليأخذ كل أحد من ذلك جزاء حاله، فقد علم من هذا المثل أنّ من اتبع الباطل أضلّ الله تعالى عمله، ووفر سيئاته، وأفسد باله ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائناً من كان. وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والعمل بها.
ولما بين تعالى أنّ الذين كفروا أضلّ أعمالهم، وأن اعتبار الإنسان بالعمل، ومن لا عمل له فهو همج إعدامه خير من وجوده سبب عنه. قوله تعالى:
﴿فإذا لقيتم الذين كفروا﴾ أيها المؤمنون في المحاربة، وقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ أصله: فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، ضماً إلى التأكيد الاختصار والحكمة في اختيار ضرب الرقبة دون غيرها من الأعضاء، لأنّ المؤمن هنا ليس بدافع إنما هو رافع، وذلك لأن من يدفع الصائل لا ينبغي أولاً أن يقصد
стр. 1955
مقتله بل يتدرج ويضرب غير المقتل، فإن اندفع فذاك، ولا يرقى إلى درجة الإهلاك فأخبر تعالى أنه ليس المقصود دفعهم عنكم بل المقصود رفعهم من وجه الأرض؛ فإذاً ينبغي أن يكون قصدكم أولاً إلى قتلهم، بخلاف دفع الصائل. فالرقبة أظهر المقاتل وقطع الحلقوم والأوداج مستلزم للموت لكن في الحرب لا يتهيأ ذلك والرقبة ظاهرة في الحرب، ففي ضربها حز العنق، وهو مستلزم للموت، بخلاف سائر المواضع، ولا سيما في الحرب وفي قوله تعالى: ﴿لقيتم﴾ ما ينبىء عن مخالفتهم الصائل؛ لأن قوله تعالى ﴿لقيتم﴾ يدل على أنّ القصد من جانبهم، بخلاف قولنا: لقيكم ولذلك؛ قال تعالى في غير هذا الموضع ﴿واقتلوهم حيث ثقفتموهم﴾ (البقرة: ١٩١)
﴿حتى إذا أثخنتموهم﴾ أي: أكثرتم فيهم القتل، وهذه غاية الأمر بضرب الرقاب، لا لبيان غاية القتل.
﴿فشدّوا﴾ أي: فأمسكوا عن القتل وأسروهم ﴿الوثاق﴾ أي: ما يوثق به الأسرى وقوله تعالى: ﴿فإما مناً بعد﴾ أي: في جميع أزمان ما بعد الأسر ﴿وإما فداء﴾ فيه وجهان أشهرهما: أنهما منصوبان على المصدر بفعل لا يجوز إظهاره، لأنّ المصدر متى سيق تفصيلاً لعاقبة جملة، وجب نصبه بإضمار فعل لا يجوز إظهاره، والتقدير: فإما أن تمنوا مناً أي: بإطلاقهم من غير شيء، وإما أن تفدوا فداء أي: تفادوهم بمال أو أسرى مسلمين ومثل هذا قول القائل:
*لأحمدنّ فإما درء واقعة ... تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل*
والثاني: قاله أبو البقاء أنهما مفعولان بهما لعامل مقدّر تقديره: أولوهم مَنَّاً، واقبلوا منهم فداء قال أبو حيان: وليس بإعراب نحوي وقوله تعالى: ﴿حتى تضع الحرب أوزارها﴾ أي: أثقالها من السلاح وغيره بأن يسلم الكافر، أو يدخل في العهد، مجاز وقيل: هو من مجاز الحذف أي: أهل الحرب وهو غاية للقتل والأسر. والمعنى أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى تدخل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال وذلك عند نزول عيسى ﵇ وجاء في الحديث: «الجهاد حاضر منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال» وقال الفراء حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم.
تنبيه: اختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال قوم هي منسوخة بقوله تعالى ﴿فإمّا تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم﴾ (الأنفال: ٥٧)
وبقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (التوبة: ٥)
وإليه ذهب قتادة والضحاك والسدّي وابن جريج وهو قول الأوزاعي، وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز المّن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء وذهب آخرون إلى أنّ الآية محكمة والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقهم أو يمنّ عليهم فيطلقهم بغير عوض. أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن وعطاء وأكثر الصحابة والعلماء وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قال ابن عباس رضى الله عنهما لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى في الأسارى ﴿فإما مناً بعدوا ما فداء﴾ وهذا هو الأصح والاختيار لأنه عمل به ﷺ والخلفاء بعده، روى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ قال: «بعث النبيّ ﷺ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه في سارية من
стр. 1956
سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا ذم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل ما شئت، حتى كان الغد فقال له ﷺ ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى إذا كان بعد الغد، قال: ما عندك يا ثمامة قال: عندي ما قلت لك؟. قال: أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدين إليّ. والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد أصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم مكة، قال له قائل: صبوت قال: لا، ولكن أسلمت مع
محمد ﷺ
وعن عمران بن حصين قال: أسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من عقيل فأوثقوه وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبيّ ﷺ ففداه رسول الله ﷺ بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف.
قوله تعالى: ﴿ذلك﴾ يجوز أن يكون خبر مبتدإ مضمر، أي: الأمر ذلك وأن ينتصب بإضمار افعلوا قال الرازي: ويحتمل أن يقال: ذلك واجب. أو مقدّم كما يقول القائل إن فعلت فذاك. أي: فذاك مقصود ومطلوب، قال المفسرون: ومعناه ذلك الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار. ﴿ولو يشاء الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي له جميع الكمال ﴿لاتنصر منهم﴾ أي: بنفسه من غير أحد انتصاراً عظيماً، فيهلكهم بأن لا يبقي منهم أحداً وكفاكم أمرهم بغير قتال.
﴿ولكن﴾ أمركم بذلك ﴿ليبلو﴾ أي يختبر ﴿بعضكم ببعض﴾ أي يفعل في ذلك فعل المختبر، ليرتب عليه الجزاء فيصير من قتل من المؤمنين إلى الجنة ومن قتل من الكافرين إلى النار.
فإن قيل: فما فائدة الابتلاء مع حصول العلم عند المبتلي، فإذا كان الله تعالى عالماً بجميع الأشياء فأي فائدة فيه؟ أجيب: بأن هذا السؤال كقول القائل: لم عاقب الكافر وهو مستغن؟ ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضرّ؟ وجوابه: ﴿لا يسئل عما يفعل﴾ (الأنبياء: ٢٣)
. ونزل يوم أحد لما فشا في المسلمين القتل والجراحات ﴿والذين قتلوا في سبيل الله﴾ أي: لأجل تسهيل طريق الملك الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال ﴿فلن يضلّ﴾ أي: لا يضيع ولا يبطل ﴿أعمالهم﴾ وقرأ أبو عمرو وحفص: بضم القاف وكسر التاء مبنياً للمفعول على معنى أنه أصاب القتل بعضهم كقوله تعالى ﴿قاتل معه ربيون﴾ (آل عمران: ١٤٦)
والباقون بفتح القاف والتاء وألف بينهما أي جاهدوا.
﴿سيهديهم﴾ أي أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات بوعد لا خلف فيه ﴿ويصلح بالهم﴾ أي يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم ﴿ويدخلهم الجنة﴾ أي: الكاملة في النعيم ﴿عرفها﴾ أي: أعلمها، وبينها ﴿لهم﴾ أي: بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة قال مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم منها لا يخطئون كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا، يستدلون عليها وعن مقاتل: أنّ الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله تعالى وعن ابن
стр. 1957
عباس ﵄: عرفها لهم: طيبها مشتق من العرف وهو الريح الطيبة يقال طعام معرف أي: مطيب. ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بذلك ﴿إن تنصروا الله﴾ أي: دينه ورسوله ﷺ ﴿ينصركم﴾ أي: على عدوّكم فإنه الناصر لا غيره، من عدد أو عدد. ويثبت أقدامكم أي في القيام بحقوق الإسلام والمجاهده مع الكفار ولما بين تعالى ما لأهل الإيمان بين ما لأهل الكفران بقوله تعالى:
﴿والذين كفروا﴾ وهو مبتدأ أي: ستروا ما دل عليه العقل، وقادت إليه الفطرة الأولى، وخبره تعسوا يدل عليه قوله تعالى: ﴿فتعساً لهم﴾ أي: هلاكاً لهم وخيبة من الله تعالى، وقال ابن عباس: أي بعداً لهم وقيل التعس الجرّ على الوجه، والنكس: الجرّ على الرأس وقوله تعالى: ﴿وأضل أعمالهم﴾ عطف على تعسوا أي: أبطلها وإن كانت ظاهرة الإتقان؛ لأجل تضييع الأساس وهو الإيمان. وقوله تعالى:
﴿ذلك﴾ يجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجار بعده، أو خبر مبتدأ مضمر. أي: الأمر ذلك ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كرهوا ما أنزل الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي لا نعمة إلا منه من القرآن وما أنزل الله تعالى فيه من التكاليف والأحكام لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذّ فشق عليهم ذلك، وتعاظمهم والذي أنزله من القرآن وغيره هو روح الوجود الذي لا بقاء بدونه فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبعتها أشباحهم وهو معنى قوله تعالى مسبباً بياناً لمعنى إضلال أعمالهم ﴿فأحبط﴾ أي: أبطل إبطالاً لاصلاح معه ﴿أعمالهم﴾ بسبب: أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر إلا له، ولا يقبل من العمل إلا ما حدّه ورسمه ثم خوّف الكفار بقوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ أي: التي فيها آثار الوقائع ﴿فينظروا كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿الذين من قبلهم دمّر الله﴾ أي: أوقع الملك الأعظم الهلاك ﴿عليهم﴾ بما عم أهاليهم وأموالهم، وكل من رضي أفعالهم أو مقالهم. وعدل عن أن يقول ﴿ولهؤلاء﴾ إلى قوله تعالى ﴿وللكافرين﴾ تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف وهو العراقة في الكفر ﴿أمثالها﴾ أي: أمثال عاقبة من قبلهم.
﴿ذلك﴾ أي: الأمر العظيم وهو نصر المؤمنين وقهر الكافرين، ﴿بأن الله﴾ أي: بسبب أنّ الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال ﴿مولى﴾ أي: ولي وناصر ﴿الذين آمنوا﴾ فهو يفعل معهم بما له من الجلال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له قال القشيري: ويصح أن يقال: أرجى آية في القرآن هذه الآية؛ لأن الله تعالى لم يقل إنه هادي العباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد بل علق ذلك بالإيمان ﴿وأنّ الكافرين﴾ أي: العريقين في هذا الوصف.l
﴿لا مولى لهم﴾ فيدفع العذاب عنهم وهذا لا يخالف قوله تعالى ﴿وردّوا إلى الله مولاهم الحق﴾ (سورة يونس، آية: ٣٠)
فإنّ المولى فيه بمعنى المالك ثم ذكر ما للفريقين بقوله تعالى:
﴿إنّ الله﴾ أي الذي له جميع الصفّات ﴿يدخل الذين آمنوا﴾ أي: أوقعوا التصديق ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لما ادعوا أنهم أوقعوه ﴿الصالحات﴾ أي: الطاعات ﴿جنات﴾ أي: بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها ﴿تجري من تحتها﴾ أي: من تحت قصورها ﴿الأنهار﴾ فهي دائمة النموّ والبهجة والنضارة والثمرة ﴿والذين كفروا يتمتعون﴾ أي: في الدنيا بالملاذ، كما تتمتع الأنعام
стр. 1958
ناسين ما أمر الله تعالى به معرضين عن كتابه.
﴿ويأكلون﴾ على سبيل الاستمرار ﴿كما تأكل الأنعام﴾ أي: أكل التذاذ ومرح من أيّ موضع كان وكيف الأكل من غير تمييز الحرام من غيره، إذ ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، لا يلتفتون إلى الآخرة؛ لأنّ الله تعالى أعطاهم الدنيا، ووسع عليهم فيها، وفرغهم لها حتى شغلتهم عنه هواناً بهم وبغضاً لهم فيدخلهم ناراً وقودها الناس والحجارة كما قال تعالى: ﴿والنار مثوى لهم﴾ أي: منزل ومقام ومصير ولما ضرب الله تعالى لهم مثلاً بقوله تعالى ﴿أفلم يسيروا في الأرض﴾ ولم ينفعهم مع ما تقدم من الدلائل ضرب للنبيّ ﷺ مثلاً تسلية له. فقال تعالى:
﴿وكأين﴾ أي: وكم ﴿من قرية﴾ أريد أهلها أي: كذبت رسولها ﴿هي أشد قوة﴾ وأكثر عدداً ﴿من قريتك﴾ مكة أي: أهلها وقوله تعالى: ﴿التي أخرجتك﴾ روعي فيه لفظ قرية وقوله تعالى: ﴿أهلكناهم﴾ أي: بأنواع العذاب روعي فيه معنى قرية الأول ﴿فلا ناصر لهم﴾ يدفع عنهم الهلاك. كذلك نفعل بهم فاصبر كما صبر رسلهم قال ابن عباس: «لما خرج رسول الله ﷺ من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال أنت أحب أرض الله إلى الله وأحب بلاد الله إليّ ولو أنّ المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك» فأنزل الله تعالى هذه.
﴿أفمن كان﴾ أي: في جميع أحواله ﴿على بينة﴾ أي: حجة ظاهرة البيان في أنها حق ﴿من ربه﴾ أي: المربي والمدبر له المحسن إليه وهم النبيّ ﷺ والمؤمنون ﴿كمن زين له﴾ بتزيين الشيطان بتسليطنا له عليه ﴿سوء عمله﴾ فرآه حسناً وهم: أبو جهل والكفار ﴿واتبعوا أهواءهم﴾ في ذلك ولا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلاً عن دليل ولما تكرّر ذكر الجنة في هذه السورة بين صفتها. بقوله تعالى:
﴿مثل﴾ أي: صفة ﴿الجنة﴾ أي: البساتين العظيمة التي تستر داخلها من كثرة أشجارها ﴿التي وعد المتقون﴾ أي: الذين حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن فعل لم يدلّ عليه دليل على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين.
تنبيه: اختلف في إعراب هذه الآية على أوجه:
أحدها: أن ﴿مثل﴾ مبتدأ وخبره مقدّر. قدره النضر بن شميل: مثل الجنة ما تسمعون. فما تسمعون خبره و ﴿فيها أنهار﴾ مفسر له. وقدّره سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة. والجملة بعدها أيضاً مفسرة للمثل.
ثانيها: أن ﴿مثل﴾ زائدة تقديره: الجنة التي وعد المتقون ﴿فيها أنهار﴾ ونظير زيادة ﴿مثل﴾ هنا زيادة اسم في قول القائل:
*إلى الحول ثم اسم السلام عليكما
ثالثها: أنّ مثل الجنة مبتدأ، والخبر: قوله تعالى ﴿كمن هو خالد في النار﴾ فقدّره ابن عطية: أمثل أهل الجنة كمن هو خالد فقدر حرف الإنكار ومضافاً ليصح وقدّره الزمخشريّ: أمثّل الجنة كمثل جزاء من هو خالد. والجملة من قوله تعالى ﴿فيها أنهار﴾ حال من الجنة أي: مستقرّة فيها أنهار ﴿من ماء﴾ ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم، مع اتحاد الأرض ببساطها، وشدّة اتصالها، للدلالة على أنّ فاعل ذلك قادر مختار وقد يكون آسناً أي: متغيراً عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من أصل خلقته، أو من عارض عرض له من منبعه، أو مجراه قال تعالى: ﴿غير آسن﴾ أي: ثابت له في وقت ما شيء من الطعم، أو اللون، أو الريح بوجه من الوجوه وإن طالت إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه بخلاف ماء الدنيا فيتغير
стр. 1959
لعارض وقرأ ابن كثير: بقصر الهمزة والباقون: بمدّها وهما لغتان ﴿وأنهار من لبن﴾ ولما كان التغير غير محمود قال تعالى: ﴿لم يتغير طعمه﴾ أي: بنفسه عن أصل خلقته وإن أقام مدى الدهر بخلاف لبن الدنيا، لخروجه من الضرع وهذا يفهم: أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها تغير. وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة، كما كان في الدنيا متنوعاً ﴿وأنهار من خمر﴾ ولما كان الخمر يكره طعمها وإنما يشربها شاربوها لأثرها. وإنه متى تغير طعمها زال اسمها عرّف أنّ كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن، غير متعرّض لطعم فقال تعالى: ﴿لذة﴾ أي: لذيذة ﴿للشاربين﴾ في طيب الطعم، وحسن العاقبة بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب ﴿وأنهار من عسل﴾ ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطاً، لخروجه من بطون النحل بالشمع، وغيره من القذى قال تعالى:
﴿مصفى﴾ أي: هو صاف صفاء ما اجتهد في تصفيته من ذلك وهذا الوصف ثابت له دائماً لا انفكاك له في وقت ما.
تنبيه: قال أبو حيان في حكمة ترتيب هذه الأنهار: إنه بدأ بالماء الذي لا تستغني عنه المشروبات، ثم باللبن إذ كان يجري مجرى المطعومات في كثير من أوقات العرب، ثم بالخمر لأنه إذا حصل الريّ والمطعم، تشوّقت النفس إلى ما تلتذ به، ثم بالعسل لأنّ فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب، ا. هـ. فإن قيل ما الحكمة في قوله تعالى في الخمر: ﴿لذة للشاربين﴾ ولم يقل في اللبن لم يتغير طعمه للطاعمين، ولا قال في العسل مصفى للناظرين. أجاب الرازي: بأنّ اللذة تختلف باختلاف الأشخاص فرب طعام يلتذ به شخص، ويعافه الآخر. فقال: لذة للشاربين بأسرهم، ولأنّ الخمر كريهة الطعم في الدنيا فقال: لذة أي: لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم. وأمّا الطعم واللون فلا يختلف باختلاف الناس، فإنّ الحلو والحامض وغيرهما يدركه كل أحد لكن قد يعافه بعض الناس، ويلتذ به البعض مع اتفاقهم على أنّ له طعماً واحداً. وكذلك اللبن فلم يكن للتصريح بالتعميم حاجة.
فائدة: روي عن كعب الأحبار أنه قال: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة ونهر الفرات نهر لبنهم ونهر مصر نهر خمرهم ونهر سيحان وجيجان نهر عسلهم وهذه الأنهار الأربعة، تخرج من نهر الكوثر وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر: إن كعب الأحبار سئل هل تجد لهذا النيل في كتاب الله خبراً فقال أي: والذي فلق البحر لموسى إني أجده في كتاب الله تعالى أنّ الله يوحي إليه في كل عام مرتين يوحى إليه عند جريه أنّ الله يأمرك أن تجري فيجري ما كتب الله تعالى له ثم يوحى إليه بعد ذلك يا نيل غر حميداً وعن كعب أيضاً أنه قال: أربعة أنهر من الجنة، وضعها الله تعالى في الدنيا فالنيل: نهر العسل في الجنة، والفرات: نهر الخمر في الجنة، وسيحان: نهر الماء في الجنة، وجيجان: نهر اللبن في الجنة» وعنه أيضاً أنه قال: النيل في الآخرة لبناً، أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ، والفرات خمر أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله ، وجيجان ماء أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله وأصل هذا كله ما في الصحيح في وصف الجنة عن أبي هريرة «أن النبيّ ﷺ قال سيحان وجيجان والنيل والفرات من أنهار الجنة» ولما كانت الثمار
стр. 1960
ألذ مستطاب بعد منافع الشراب قال تعالى:
﴿ولهم فيها﴾ وقوله تعالى: ﴿من كل الثمرات﴾ فيه وجهان أحدهما: أنّ هذا الجار صفه لمقدر، ذلك المقدر مبتدأ، وخبره الجار قبله، وهو لهم وفيها متعلق بما تعلق به والتقدير ولهم فيها زوجان من كل الثمرات كأنه انتزعه من قوله تعالى ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ وقدّره بعضهم صنف والأوّل كما قال ابن عادل أليق ثانيهما أن ﴿من﴾ مزيدة في المبتدأ.
﴿ومغفرة من ربهم﴾ فهو راض عنهم مع إحسانه إليهم بما ذكر، بخلاف سيد العبيد في الدنيا فإنه قد يكون مع إحسانه إليهم ساخطاً عليهم وقوله تعالى: ﴿كمن هو خالد في النار﴾ خبر مبتدأ مقدّر أي: أمن هو في هذا النعيم، كمن هو مقيم إقامة لا انقطاع معها في النار التي لا ينطفئ لهيبها، ولا ينفك أسيرها، ووحده لأنّ الخلود يعم من فيها على حدّ سواء، ﴿وسقوا﴾ أي: عوض ما ذكر من شراب أهل الجنة ﴿ماء حميماً﴾ هو في غاية الحرارة ﴿فقطع أمعاءهم﴾ أي: مصارينهم، فخرجت من أدبارهم وهو جمع مع بالقصر وألفه عن ياء لقولهم معيان.
﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ أي: في خطب الجمعة، وهم المنافقون والضمير في قوله تعالى ﴿ومنهم﴾ يحتمل أن يعود إلى الناس كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾ (البقرة: ٨١)
بعد ذكر الكفار ويحتمل أن يعود إلى أهل مكة؛ لأنّ ذكرهم سبق في قوله تعالى ﴿هي أشدّ قوة من قريتك التي أخرجتك﴾ ويحتمل أن يرجع إلى معنى قوله تعالى ﴿هو خالد في النار وسقوا ماء حميما﴾ أي: ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك ﴿حتى إذا﴾ أي: واستمر جهلهم لأنفسهم في الإصغاء حتى إذا ﴿خرجوا﴾ أي: المستمعون والسامعون ﴿من عندك قالوا﴾ أي: الفريقان تعامياً واستهزاءً.
﴿للذين أوتوا العلم﴾ بسبب تهيئة الله تعالى لهم من صفاء الأفهام بتجردهم عن النفوس والحظوظ، وانقيادهم لما تدعو إليه الفطرة الأولى. منهم ابن مسعود وابن عباس ﴿ماذا قال﴾ أي: النبيّ ﷺ ﴿آنفا﴾ أي: قبل افتراقنا وخروجنا عنه روى مقاتل: «أنّ النبيّ ﷺ كان يخطب ويعيب المنافقين فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود استهزاء ماذا قال محمد آنفاً» أي الساعة، أي: لا ترجع إليه وقرأ البزي بقصر الهمزة بخلاف عنه والباقون بالمدّ وهما لغتان بمعنى واحد وهما اسما فاعل كحاذر وحذر، ﴿أولئك﴾ أي: البعداء من كل خير ﴿الذين طبع الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿على قلوبهم﴾ أي: بالكفر فلم يفهموا فهم انتفاع؛ لأنّ مثل هذا الجمود لا يكون إلا بذلك ﴿واتبعوا﴾ أي: بغاية جهدهم
﴿أهواءهم﴾ أي: في الكفر والنفاق، فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام، ويقبلون على جمع الحطام، فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية ﴿مثل الجنة﴾ بأنهم ﴿زين لهم سوء عملهم﴾ ثم ذكر تعالى أضداد هؤلاء.
بقوله سبحانه:
﴿والذين اهتدوا﴾ أي: اجتهدوا باستماعهم منك في الإيمان، والتسليم والإذعان بأنواع المجاهدات وهم المؤمنون ﴿زادهم﴾ أي: الله الذي طبع على قلوب الكفرة، ﴿هدى﴾ بأن شرح صدورهم، ونورها بأنوار المشاهدات، فصارت أوعية للحكمة ﴿وآتاهم تقواهم﴾ أي: ألهمهم ما يتقون به النار، قال ابن برحان: التقوى عمل الإيمان كما أن أعمال الجوارح عمل الإسلام.
﴿فهل﴾ أي: ما ﴿ينظرون﴾ أي: ينتظرون وجودها إشارة إلى شدة
стр. 1961
قربها.
﴿إلا الساعة﴾ وقوله تعالى: ﴿أن تأتيهم﴾ أي: الكافرين بدل اشتمال من الساعة أي: ليس الأمر إلا أن تأتيهم ﴿بغتة﴾ أي: فجأة من غير شعور بها، ولا استعداد لها. وقوله تعالى: ﴿فقد جاء أشراطها﴾ جمع شرط بسكون الراء وفتحها قال أبو الأسود:
*فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا ... فقد جعلت أشراطاً وله تبدو*
والأشراط: العلامات ومنه أشراط الساعة وأشرط الرجل نفسه أي ألزمها أموراً قال أوس:
*فأشرط فيها نفسه وهو يقسم ... فألقى بأسباب له وتوكلا*
والشرط: القطع أيضاً، مصدر شرط الجلد يشرطه شرطاً قال السهيلي عن ابن سعد عن أنس قال «رأيت النبيّ ﷺ قال بأصبعيه هكذا بالوسطى والتي تلي الإبهام بعثت والساعة كهاتين» وعن أنس قال: «لأحدّثنكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ يقول: أنّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الربا، ويشرب الخمر، وتقل الرجال، وتكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد» وعن أبي هريرة قال: «بينما النبيّ ﷺ في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي، فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم: لم يسمع حتى إذا قضى حديثه، قال: أين السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله قال: إذا ضيعت الأمانة، فانتظر الساعة فقيل: كيف إضاعتها قال: إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة» .
ومن أشراطها انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها، وغير ذلك وما بعد مقدّمات الشيء إلا حضوره.
﴿فأنى﴾ أي: فكيف وأين ﴿لهم﴾ أي التذكر والاتعاظ والتوبة ﴿إذا جاءتهم ذكراهم﴾ أي: الساعة لا تنفعهم.
نظيره قوله تعالى ﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ ولما علم بذلك أنّ الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت للعمل، أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها، سبب عنه أمر أعظم الخلق تكويناً ليكون لغيره تكليفاً فقال:
﴿فاعلم أنه﴾ أي: الشأن العظيم ﴿لا إله﴾ أي: لا معبود بحق ﴿إلا الله﴾ أي: إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين، فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة وقيل: الخطاب مع النبيّ ﷺ والمراد غيره وقال الحسن بن الفضل: فازدد علماً إلى علمك وقال أبو العالية وابن عيينة معناه إذا جاءتهم الساعة، فاعلم أنه لا ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله، ﴿واستغفر لذنبك﴾ أي: لأجله، أمر بذلك مع عصمته لتستن به أمته وقد فعله قال ﷺ «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» وقيل: معنى قوله ﴿لذنبك﴾ أي: لذنب أهل بيتك وللمؤمنين والمؤمنات الذين ليسوا من أمتك بأهل بيت وقيل: المراد النبيّ، والذنب هو ترك الأفضل الذي هو بالنسبة إليه ذنب وحسناتنا دون ذلك قال ﷺ «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة» وقيل: هو كل مقام عال ارتفع منه إلى أعلى منه. وقوله تعالى: ﴿وللمؤمنين والمؤمنات﴾ فيه إكرام من الله تعالى لهذه الأمّة؛ حيث أمر نبيه ﷺ أن يستغفر لذنوبهم ﴿والله﴾ المحيط بجميع صفات الكمال ﴿يعلم متقلبكم﴾ أي: تصرّفكم لأشغالكم بالنهار، ومكانه وزمانه
стр. 1962
﴿ومثواكم﴾ أي: مأواكم إلى مضاجعكم بالليل أي: هو عالم بجميع أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها فاحذروه، والخطاب للمؤمنين وغيرهم، وقيل: يعلم متقلبكم في أعمالكم، ومثواكم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يخشى ويتقى وأن يستغفر ويسترحم، وعن سفيان ابن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله تعالى حين بدأ به ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ فأمر بالعمل بعد العلم وقال: ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ (الحديد: ٢٠)
الآية.
﴿ويقول الذين آمنوا﴾ طلباً للجهاد.
﴿لولا﴾ أي: هلا، ولا التفات إلى قول بعضهم أن لا زائدة والأصل لو ﴿نزلت سورة﴾ أي سورة كانت، نسرّ بسماعها، ونتعبد بتلاوتها، ونعمل بما فيها ﴿فإذا أنزلت سورة﴾ أي: قطعة من القرآن، تكامل نزولها كلها تدريجاً، أو جملة وزادت على مطلوبهم في الحسن بأنها ﴿محكمة﴾ أي: مبينة، لا يلتبس شيء منها بنوع إجمال، ولا ينسخ لكونه جامعاً للمحاسن في كل زمان ومكان وقال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة. وهي أشدّ القرآن على المنافقين ﴿وذكر فيها القتال﴾ أي: الأمر به ﴿رأيت الذين في قلوبهم مرض﴾ أي: شك وهم المنافقون. ﴿ينظرون إليك﴾ شرراً بتحديق شديد، كراهية منهم للجهاد، وجبنا منهم عن لقاء العدوّ ﴿نظر المغشيّ﴾ والأصل نظراً مثل نظر المغشي ﴿عليه من الموت﴾ الذي هو: نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه، بل شاخص لا يطرف كراهية القتال؛ من الجبن والخوف. والمعنى: أنّ المؤمن كان ينتظر نزول الأحكام والتكاليف ويطلب تنزيلها، وإذا تأخر عنه التكليف كان يقول هلا أمرت بشيء من العبادة خوفاً من أن لا يؤهل لها وأمّا المنافق، فإذا أنزلت السورة أو الآية وفيها تكليف شق عليه ذلك فحصل التباين بين الفريقين في العلم والعمل وقوله تعالى ﴿فأولى لهم﴾ وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولي وهو القرب ومعناه الدعاء عليه بأن يليهم المكروه.
وقوله تعالى:
﴿طاعة وقول معروف﴾ مستأنف، أي: طاعة ومعروف خير لهم وأمثل، أي: لو أطاعوا وقالوا قولاً معروفاً لكان أمثل وأحسن، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها وصفت بدليل قوله تعالى: ﴿وقول معروف﴾ فإنه موصوف فكأنه تعالى قال: طاعة مخلصة وقول معروف خير، وقيل: يقول المنافقون قبل نزول السورة المحكمة طاعة رفع على الحكاية، أي: أمرنا طاعة أو منا طاعة وقول معروف حسن، وقيل: متصل بما قبله واللام في قوله تعالى ﴿لهم﴾ بمعنى الباء أي فأولى بهم طاعة الله ورسوله، وقوله: معروف بالإجابة أولى بهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء. ثم سبب عنهما قوله تعالى مسنداً إلى الأمر ما هو لأهله تأكيداً لمضمون الكلام: ﴿فإذا عزم الأمر﴾ ، أي: فإذا أمر بالقتال الذي ذكر في أوّل السورة وغيره من الأوامر أمراً مجزوماً به مقروحاً عليه ﴿فلو صدقوا الله﴾ أي: الملك الأعظم في قولهم الذي قالوه في طلب التنزيل ﴿لكان﴾ أي: صدقهم له ﴿خيراً لهم﴾ أي: من تعللهم، وجملة لو جواب إذا، نحو: إذا جاءني طعام فلو جئتني لأطعمتك، وقيل: محذوف، وتقديره: فاصدق كذا قدّره أبو البقاء وعزم الأمر على سبيل المجاز، كقوله: قد جدّت الحرب فجدوا، أو يكون على حذف مضاف أي عزم أهل الأمر.
وقوله تعالى: ﴿فهل عسيتم﴾ فيه التفات عن الغيبة، أي: لعلكم ﴿إن توليتم﴾ أي: أعرضتم عن الإيمان والجهاد ﴿أن تفسدوا﴾ أي:
стр. 1963
توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجدّده ﴿في الأرض﴾ بالمعصية والبغي وسفك الدماء الذي يسخط الله تعالى، ويغضبه أشدّ غضب على فاعله، وتكونوا في غاية الجراءة عليه وترجعوا إلى الفرقة بعدما جمعكم الله بالإسلام. وقرأ نافع بكسر السين والباقون بفتحها ﴿وتقطعوا﴾ أي: تقطيعاً كثيراً ﴿أرحامكم﴾ أي: تعودوا إلى أمر الجاهلية في الإغارة من بعض على بعض وغير ذلك، قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله تعالى ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن، وقال بعضهم: هو من الولاية. قال الفراء: يقول فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم نزلت في بني أمية وبني هاشم.
﴿أولئك﴾ أي: المفسدون ﴿الذين لعنهم الله﴾ أي: طردهم أشدّ الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم، ثم سبب عن لعنهم قوله تعالى ﴿فأصمهم﴾ أي: عن الانتفاع بما سمعوه ﴿وأعمى أبصارهم﴾ أي عن الانتفاع بما يبصرون فليس سماعهم سماع إدراك، ولا إبصارهم إبصار اعتبار، فلا سماع ولا إبصار.
﴿أفلا يتدبرون﴾ بقلوب منفتحة منشرحة ليهتدوا إلى كل خير ﴿القرآن﴾ أي: يجهدوا أنفسهم في أن يتفكروا في الكتاب الجامع لكل خير، الفارق بين الحق والباطل، حتى لا يجسروا على المعاصي
فإن قيل قال تعالى: ﴿فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ فكيف يمكنهم التدبر في القرآن؟ وهو كقول القائل للأعمى: أبصر وللأصم اسمع، أجيب بثلاثة أوجه مترتبة بعضها أحسن من بعض؛ الأول: تكليف ما لا يطاق جائز. والله تعالى أمر من علم منه بأنه لا يؤمن أن يؤمن فلذلك جاز أن يصمهم، ويعميهم، ويذمهم على ترك التدبر.
الثاني: أن قوله ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ المراد منه الناس.
الثالث: أن يقال أنّ هذه الآية وردت محققة لمعنى الآية المتقدّمة، كأنه تعالى قال ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾ أي: أبعدهم عنه، أو عن الصدق، أو الخير، أو غير ذلك من الأمور الحسنة فأصمهم لا يسمعون حقيقة الكلام، وأعماهم لا يبصرون طريقة الإسلام فإذا هم بين أمرين: إمّا لا يتدبرون القرآن، فيبعدون عنه لأنّ الله تعالى لعنهم وأبعدهم عن الخير والصدق، والقرآن منها هو الصنف الأعلى بل النوع الأشرف.
وإمّا يتدبرون لكن لا تدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة تقديره أفلا يتدبرون القرآن لكونهم ملعونين مبعدين ﴿أم﴾ أي: بل ﴿على قلوب﴾ أي: من قلوب الفاعلين لذلك ﴿أقفالها﴾ فلا تعي شيئاً ولا تفهم أمراً، ولا تزداد إلا غباوة وعناداً لأنها لا تقدر على التدبير قال القشيري: فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، فلا يحصل لهم فهم الخطاب. والباب إذا كان مغلقاً فكما لا يدخل فيه شيء لا يخرج ما فيه فلا كفرهم يخرج، ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل. ا. هـ فإن قيل ما الفائدة في تنكير القلوب.
أجاب الزمخشري بقوله: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون للتنبيه على كونه موصوفاً، لأنّ النكرة بالوصف أولى من المعرفة كأنه قال أم على قلوب قاسية أو مظلمة
الثاني: أن تكون للتبعيض كأنه قال أم على بعض القلوب لأنّ النكرة لا تعم تقول: جاءني رجال فيفهم البعض، وجاءني الرجال فيفهم الكل. والتنكير في القلوب للتنبيه على الإنكار الذي في القلوب، وذلك لأنّ القلب إذا كان عارفاً كان معروفاً، لأنّ القلب خلق للمعرفة فإذا لم تكن فيه المعرفة، فكأنه لا يعرف قلباً
стр. 1964
فلا يكون قلباً يعرف، كما يقال للإنسان المؤذي: هذا ليس بإنسان فكذلك يقال: هذا ليس بقلب، هذا حجر، وإذا علم هذا، فالتعريف إمّا بالألف واللام، وإما بالإضافة بأن يقال على قلوبهم أقفالها، وهي لعدم عود فائدة إليهم كأنها ليست لهم.
فإن قيل قد قال تعالى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ (البقرة: ٧)
وقال تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم﴾ (الزمر: ٢٢)
أجيب بأنّ الأقفال أبلغ من الختم، فترك الإضافة لعدم انتفاعهم رأساً.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿أقفالها﴾ بالإضافة؟ ولم يقل أقفال كما قال: ﴿قلوب﴾ .
أجيب بأنّ الأقفال كأنها ليست إلا لها ولم يضف القلوب إليهم لعدم نفعها إياهم، وأضاف الأقفال إليها لكونها مناسبة لها، أو يقال: أراد به أقفالاً مخصوصة هي أقفال الكفر والعناد ولما أخبر تعالى بأقفال قلوبهم بين منشأ ذلك.
فقال تعالى:
﴿إنّ الذين ارتدوا﴾ أي: من أهل الكتاب وغيرهم ﴿على أدبارهم﴾ أي: رجعوا كفارا ﴿من بعدما تبين﴾ أي: غاية البيان ﴿لهم الهدى﴾ أي: بالدلائل التي هي من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين ﴿الشيطان سوّل لهم﴾ أي: زين وسهل لهم اقتراف الكبائر ﴿وأملى﴾ أي: ومدّ الشيطان ﴿لهم﴾ في الآمال والأماني بإرادته تعالى فهو المضل لهم وقرأ أبو عمرو: بضم الهمزة وكسر اللام وفتح الياء والباقون: بفتح الهمزة واللام وسكون الألف المنقلبة وأمالها حمزة والكسائي محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح قال في الكشاف: فإن قلت: من هؤلاء؟ قلت: اليهود كفروا بمحمد ﷺ من بعدما تبين لهم الهدى وهو نعته في التوراة وقيل: هم المنافقون.
﴿ذلك﴾ أي: إضلالهم ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قالوا﴾ أي: المنافقون ﴿للذين كرهوا﴾ أي: وهم المشركون ﴿ما﴾ أي: جميع ما ﴿نزل الله﴾ أي: الملك الأعظم على التدريج بحسب الوقائع، تنزيلاً في إعجاز الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة المفردات وجزالتها، مع السهولة في النطق، والعذوبة في السمع، والملاءمة للطبع ﴿سنطيعكم في بعض الأمر﴾ أي: أمر المعاونة على عداوة النبي ﷺ وتثبيط الناس عن الجهاد معه قالوا ذلك سراً، فأظهره الله تعالى، ﴿والله﴾ أي: قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة ﴿يعلم﴾ أي: على ممر الأوقات ﴿أسرارهم﴾ أي: كلها؛ هذا الذي أفشاه عليهم، وغيره مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم ولعلهم لم يعلموه فضلاً عن أقوالهم التي تحدثت بها أنفسهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا مروءات. وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر الهمزة مصدراً والباقون بفتحها جمع سر.
﴿فكيف﴾ أي: حالهم ﴿إذا توفتهم الملائكة﴾ أي: قبضت رسلنا، وهم ملك الموت وأعوانه أرواحهم كاملة وقوله تعالى: ﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له وعن ابن عباس: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره. وقوله تعالى:
﴿ذلك﴾ إشارة إلى التوفي الموصوف ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿اتبعوا﴾ أي: عالجوا فطرتهم الأولى في أن اتبعوا ﴿ما أسخط الله﴾ أي: الملك الأعظم، وهو الكفر وكتمان نعت الرسول ﷺ وعصيان الأمر ﴿وكرهوا﴾ بالإشراك ﴿رضوانه﴾ بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان، فهم لما دونه بالقعود عن الطاعات أكره؛ لأنّ ذلك ظاهر غاية الظهور في أنّ فاعله غير معذور في ترك
стр. 1965
النظر فيه.
﴿فأحبط﴾ أي: فلذلك تسبب عنه أنه أفسد.
﴿أعمالهم﴾ أي: الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلاً لتضييع الأساس من مكارم الأخلاق؛ من القرى والأخذ بيد الضعيف والتصدّق والإعتاق وغير ذلك من وجوه الإرفاق.
﴿أم حسب الذين﴾ وكان الأصل أم حسبوا لضعف عقولهم كما أفهمه التعبير بالحسبان ولكنه عبر تعالى بما دلّ على الآفة التي أدّتهم إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿في قلوبهم﴾ أي: التي إذا أفسدت فسد جميع أجسادهم ﴿مرض﴾ أي: آفة لا طب لها حسباناً هو في غاية الثبات كما دل عليه التأكيد في قوله تعالى: ﴿أن لن يخرج الله﴾ أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول ﷺ والمؤمنين على سبيل التجديد والاستمرار وقوله تعالى: ﴿أضغانهم﴾ جمع ضغن، وهي الأحقاد أي أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى تعرفوا نفاقهم وكانت صدورهم تغلي حنقاً عليهم.
﴿ولو نشاء لأريناكهم﴾ من رؤية البصر وجاء على الأفصح من اتصال الضميرين ولو جاء على أريناك إياهم جاز وقال الرازي الإراءة هنا بمعنى التعريف وقوله تعالى ﴿فلعرفتهم﴾ عطف على جواب لو ﴿بسيماهم﴾ أي: بسبب علاماتهم التي نجعلها غالبة عليهم عالية لهم في إظهار ضمائرهم غلبة لا يقدرون على مدافعتها بوجه ولم يذكرهم سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من الفتن وقوله تعالى ﴿ولتعرفنهم﴾ جواب قسم محذوف ﴿في لحن القول﴾ أي: الصادر منهم، ولحنه فحواه أي معناه وما يدل عليه ويلوح عليه من ميله عن حقائقه إلى عواقبه، وما يؤول إليه أمره مما يخفى على غيرك قال أنس: ما خفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم. وعن ابن عباس: لحن القول هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا وقيل اللحن أن تلحن بكلامك أي تميله إلى نحو من الانحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال:
*ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... واللحن يعرفه ذوو الألباب*
وقيل للمخطىء: لاحن، لأنه يعدل بالكلام عن الصواب. وقال أبو حيان: كانوا اصطلحوا على ألفاظ يخاطبون بها الرسول ﷺ مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح ﴿والله﴾ أي: بما له من الكمال ﴿يعلم أعمالكم﴾ كلها الفعلية والقولية جليها وخفيها علماً ثابتاً غيبياً وعلماً راسخاً شهودياً يتجدّد بحسب تجدّدها مستمرّاً باستمرار ذلك.
﴿ولنبلونكم﴾ أي: نعاملكم معاملة المبتلى، بأن نخالطكم بما لنا من العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس والنواهي الكريهة إليها. ﴿حتى نعلم﴾ أي: بالابتلاء علماً شهودياً يشهده غيرنا مطابقاً لما كنا نعلمه علماً غيبياً، فنستخرج من سرائركم ما جبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد منكم بل ولا تعلمونه حق علمه ﴿المجاهدين منكم﴾ في القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالاً للأمر بذلك ﴿والصابرين﴾ أي: على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد قال القشيري: فبالابتلاء والامتحان تتبين جواهر الرجال فيظهر المخلص ويفتضح المماذق وينكشف المنافق ا. هـ.
وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا ﴿ونبلو أخباركم﴾ أي: نخالطها
следующие страницы →