← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

جاهد نفسه حتى حصل منه تقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتاً. ولما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحد منهم بسوء فعله فقال تعالى: ﴿أفرأيت الذي تولى﴾ أي: عن اتباع الحق والثبات عليه. قال مجاهد وأبو زيد ومقاتل نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبيّ ﷺ على دينه فعيره بعض المشركين وقال له تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال: إني خشيت عذاب الله تعالى فضمن الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله تعالى ﴿أفرأيت الذي تولى﴾ أي أدبر عن الإيمان. ﴿وأعطى قليلا﴾ أي: من المال المسمى ﴿وأكدى﴾ أي: منع الباقي، مأخوذ من الكدية أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر إذا وصل إليها من الحفر، فأكدى أصله من أكدى الحافر إذا حفر شيئاً فصادف كدية منعته من الحفر ومثله: أجبل إذا صادف جبلاً منعه من الحفر وكديت أصابعه كَلَّت من الحفر ثم استعمل في كل من طلب شيئاً فلم يصل إليه أو لم يتممه ولمن طلب شيئاً ولم يبلغ آخره قال الحطيئة: *وأعطى قليلاً ثم أكدى عطاءه ... ومن يفعل المعروف في الناس يحمد* وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل السهمي وذلك أنه ربما يوافق النبيّ ﷺ في بعض الأمور وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى: ﴿وأعطى قليلاً وأكدى﴾ أي لم يؤمن به ومعنى أكدى قطع، وروي أنّ عثمان رضى الله تعالى عنه كان يعطي ماله في الخير فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان: إنّ لي ذنوباً وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء فنزلت. وقوله تعالى: ﴿أعنده علم الغيب﴾ أي: ما غاب هو المفعول الثاني لرأيت بمعنى أخبرني، والمفعول الأوّل محذوف اقتصاراً لأعطى ﴿فهو﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنه ﴿يرى﴾ أي: يعلم أنّ صاحبه يتحمل عنه ذنوبه. ﴿أم﴾ أي: بل ﴿لم ينبأ﴾ أي: يخبر أخباراً عظيماً متتابعاً ﴿بما في صحف موسى﴾ أي: التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه، وكذا ما تبعها من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها. وقدم صحف موسى ﵇ على قوله: ﴿وإبراهيم﴾ أي: وصحفه لأنّ كتاب موسى ﵇ أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس تمكن مراجعته، ثم مدح إبراهيم ﵇ بقوله تعالى: ﴿الذي وفى﴾ أي: أتم ما أمر به من ذلك تبليغ الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة وقيامه بأضيافه وخدمتهم إياه بنفسه، وإنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يرتاد ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وعن الحسن: ما أمر الله تعالى بشيء إلا وفى به وصبر على ما امتحن به، وما قلق شيئاً من قلق وصبر على حر ذبح الولد وعلى حر النار ولم يستعن بمخلوق بل قال لجبريل ﵇ لما قال له: ألك حاجة قال: أما إليك فلا وقال الضحاك: وفي المناسك، وروي عن النبيّ

стр. 2067

صلى الله عليه وسلم أنه قال «إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول النهار» وهي صلاة الضحى وروي «ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى كان يقول: إذا أصبح وأمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى تظهرون» وقيل: وفى سهام الإسلام وهي ثلاثون عشرة في التوبة ﴿التائبون ... ﴾ (التوبة: ١١٢) ، وعشرة في الأحزاب ﴿إنّ المسلمين ... ﴾ (الأحزاب: ٣٥) ، وعشرة في المؤمنون، ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (المؤمنون: ١) وخص هذين النبيين لأنّ الموعودين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون متابعة موسى ﵇، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم ﵇ ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوّة محققة ولا شريعة محفوظة، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها. ثم فسر تعالى الذي في الصحف واستأنف بقوله تعالى: ﴿ألا تزر﴾ أي: تأثم وتحمل ﴿وازرة﴾ أي: نفس بلغت مبلغاً تكون فيه حاملة لوزر ﴿وزر أخرى﴾ أي: حملها الثقيل من الإثم، وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن يحمل عنه الإثم، وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال كانوا قبل إبراهيم ﵇ يأخذون الرجل بذنب غيره، وكان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وامرأته والعبد بسيده، حتى جاءهم إبراهيم ﵇ فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾ . ﴿س٥٣ش٣٩/ش٤٤ وَأَن لَّيْسَ لِ?نسَانِ إِ s مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ? سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَ?ـاهُ الْجَزَآءَ ا?وْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى * وَأَنَّهُ? هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ? هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ولما نفى أن يضرّه أثم غيره نفي أن ينفعه سعي غيره بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان﴾ كائناً من كان ﴿إلا ما سعى﴾ فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة فيسعى فيه ودعاء المؤمنين للمؤمن من سعيه بموادته ولو بموافقته لهم في الدين فقط، وكذا الحج عنه والصدقة ونحوها، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ما كان بسبب العلم والصدقة ونحوها فكذلك، وتضحية النبيّ ﷺ عن أمته أصل كبير في ذلك فإنّ من تبعه فقد واده وهو أصل في التصدق عن الغير وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها إليه. وقال ابن عباس ﵄: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي: وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم ﵉ بقوله: ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ (الطور: ٢١) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إنّ ذلك لقوم موسى وإبراهيم ﵉، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما يروى أن امرأة رفعت صبياً لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم ولك أجر «وقال رجل للنبي ﷺ إنّ أمي انسلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم» . قال الشيخ تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أنّ الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة: أحدها: أنّ الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أنّ النبيّ ﷺ يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بعمل الغير. ثالثها: أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. رابعها: أنّ الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أنّ الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أنّ أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾ (الكهف: ٨٢)

стр. 2068

فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما. ثامنها: أنّ الميت ينتفع بالصدقة عنه والعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير. تاسعها: أنّ الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعلم الغير. عاشرها: أنّ الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشرها: أن المدين الذي امتنع ﷺ من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب وانتفع بصلاة النبيّ ﷺ وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير. ثاني عشرها: أنّ النبيّ ﷺ قال لمن صلى وحده «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلى معه» فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشرها: أنّ الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشرها: أنّ الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشرها: أنّ جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحيّ عليه وهو عمل غيره. ثامن عشرها: أنّ الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشرها: أنّ الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال: ٣٣) وقال تعالى: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾ (الفتح: ٢٥) ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ (البقرة: ٢٥١) فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير. عشروها: أنّ صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي لهما. حادي عشريها: أنّ الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له ومن تأمّل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأوّل الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة. والمراد بالإنسان العموم وقال الربيع بن أنس: ليس للإنسان يعني الكافر: وأما المؤمن فله ما سعي وما سعى له وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير، وروي «أنّ عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصاً ألبسه إياه فلما مات أرسل النبيّ ﷺ قميصه ليكفن فيه فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها» . ﴿وأن سعيه﴾ أي: من خير وشر ﴿سوف يرى﴾ أي: في ميزانه من غير شك يوم القيامة بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى، من: أريته الشيء، أي: يعرض عليه ويكشف له. فإن قيل: العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه؟ أجيب: بأنه يرى على صورة جميلة إن كان العمل صالحاً قال الرازي وذلك على مذهبنا غير بعيد، فإن كل موجود يرى والله تعالى قادر على إعادة كل ما عدم فيعيد الفعل فيرى، وفيه بشارة للموحد وذلك أنّ الله تعالى يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غماً. ﴿ثم يجزاه﴾ أي: السعي ﴿الجزاء الأوفى﴾ أي: الأتمّ الأكمل والمعنى: أنّ الإنسان يجزى جزاء سعيه بالجزاء الأوفى يقال: جزيت فلاناً سعيه وبسعيه. قال الرازي:

стр. 2069

الجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين، لأنّ جزاء الطالح وافر قال تعالى: ﴿فإنّ جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً﴾ (الإسراء: ٦٣) وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام فهي في نفسها أوفر. ﴿وأنّ إلى ربك﴾ أي: المحسن إليك لا إلى غيره ﴿المنتهى﴾ أي: الانتهاء برجوع الخلائق ومصيرهم إليه فيجازيهم بأعمالهم وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال، وروى أبو هريرة مرفوعاً «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنّ الله تعالى لا يحيط به الفكر» وفي رواية «لا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره» قال القرطبي: ومن هذا المعنى قوله ﷺ «يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله تعالى» ولقد أحسن من قال: *ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه ... فإنك تردى إن فعلت وتخذل* *ودونك مخلوقاته فاعتبر بها ... وقل مثل ما قال الخليل المبجل* وقيل: المراد من الآية التوحيد وفي المخاطب وجهان: أحدهما: أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل والثاني: أنه خطاب مع النبيّ ﷺ فعلى الأول يكون تهديداً وعلى الثاني يكون تسلية لقلب النبيّ ﷺ فعلى الأول تكون اللام في المنتهى للعهد المعهود في القران وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كل منتهى. وقوله تعالى: ﴿وأنه هو﴾ أي: لا غيره ﴿أضحك وأبكى﴾ يدل على أنّ كل ما يعمله الإنسان فبقضاء الله تعالى وخلقه حتى الضحك والبكاء، وروي أنه ﷺ مر على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال ﷺ «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» فنزل عليه جبريل ﵇ فقال يا محمد إنّ الله يقول لك: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ أي: قضى أسبابهما فرجع إليهم ﷺ فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال: ائت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول: ﴿هو أضحك وأبكى﴾ أي قضى أسباب الضحك والبكاء وقال بسام بن عبد الله أضحك أسنانهم وأبكى قلوبهم وأنشد يقول: *السنّ تضحك والأحشاء تحترق ... وإنما ضحكها زور ومختلق* *يا رب باك بعين لا دموع لها ... ورب ضاحك سنّ ما به رمق* وقال مجاهد والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار، وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن لأنّ الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء وقيل: إنّ الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من سائر الحيوان وقيل: القرد وحده يضحك ولا يبكي وإنّ الإبل وحدها تبكي ولا تضحك وقال يونس بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم وعن عائشة قالت: «لا والله ما قال رسول الله ﷺ قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ولكنه قال إنّ الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً وإنّ الله تعالى هو أضحك وأبكى» . تنبيه: قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ وما بعده يسميه البيانيون الطباق المتضادّ

стр. 2070

وهو نوع من البديع، وهو: أن يذكر ضدّان أو نقيضان أو متنافيان بوجه من الوجوه، وأضحك وأبكى لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما سيقا لقدرة الله تعالى لا لبيان المقدور فلا حاجة إلى المفعول كقول القائل: فلان بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع، ولا يريد ممنوعاً ومعطى واختار هذين الموضعين المذكورين لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبائعيين يبين لاختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجهاً ولا سبباً، وإذا لم يعلل بأمر فلا بدّ له من موجد وهو الله تعالى بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ومما يدل على ذلك أنهم إذا عللوا الضحك قالوا: لقوّة التعجب وهو باطل، لأنّ الإنسان ربما بهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك وقيل: لقوّة الفرح وليس كذلك لأنّ الإنسان قد يبكي لقوّة الفرح كما قال بعضهم: *هجم السرور على حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني* ﴿وأنه هو﴾ أي: لا غيره ﴿أمات وأحيا﴾ وإن رأيتم أسباباً ظاهرة فإنها لا عبرة بها في نفس الأمر بل هو الذي خلقها أي أمات في الدنيا وأحيا في البعث وقال القرطبي: قضى أسباب الموت والحياة وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان. ﴿س٥٣ش٤٥/ش٥٥ وَأَنَّهُ? خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَا?نثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ ا?خْرَى * وَأَنَّهُ? هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ? هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ?? أَهْلَكَ عَادًا ا?ولَى * وَثَمُودَا? فَمَآ أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ? إِنَّهُمْ كَانُوا? هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّـ?ـاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَىِّءَا?ءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ ﴿وأنه خلق الزوجين﴾ ثم فسرهما بقوله تعالى: ﴿الذكر والأنثى﴾ فإنه لو كان ذلك في يد غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لغالب الناس. وقوله تعالى: ﴿من نطفة إذا تمنى﴾ أي: تصب يشمل سائر الحيوانات لا أن ذلك مختص بآدم وحوّاء ﵉، لأنهما ما خلقا من نطفة، وهذا أيضاً تنبيه على كمال القدرة لأنّ النطفة جسم متناسب الأجزاء ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة وطباعاً متباينة، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ (الزخرف: ٨٧) وقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنّ الله﴾ (لقمان: ٢٥) فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿وأنه خلق﴾ ولم يقل وأنه هو خلق كما قال تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ أجيب بأن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد فيهما لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم ﵇ أنا أحيي وأميت فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بخلق أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ (النجم: ٤٨) حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ (القصص: ٧٨) ولذلك قال: ﴿هو رب الشعرى﴾ (النجم: ٤٩) فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره. ﴿وأن عليه﴾ أي: خاصاً به علماً وقدرة ﴿النشأة﴾ أي الحياة ﴿الأخرى﴾ للبعث يوم القيامة بعد الحياة الأولى فإن قيل: الإعادة لا تجب على الله تعالى فما معنى عليه؟ أجيب: بأنه عليه بحكم الوعد فإنه قال: ﴿إنا نحن نحيي الموتى﴾ (يس: ١٢) فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين وبعدها ألف ممدودة قبل الهمزة والباقون بسكون الشين وبعدها الهمزة المفتوحة وإذا وقف حمزة نقل حركة

стр. 2071

الهمزة إلى الشين. ﴿وأنه هو﴾ أي: وحده من غير نظر إلى سعي ساع ولا غيره ﴿أغنى﴾ قال أبو صالح: أغنى الناس بالأموال ﴿وأقنى﴾ أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية وقال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والبقر والغنم وقال الحسن وقتادة: أخدم، وقال ابن عباس: أغنى وأقنى أعطى فأرضى وقال مجاهد ومقاتل: أقنى أرضى بما أعطى وقنع قال الراغب: وتحقيقه أنه جعل له قنية من الرضا وقال سليمان التيمي: أغنى نفسه وأفقر خلقه إليه وقال ابن زيد: أغنى أكثر وأقنى أقل وقرأ ﴿يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ (الرعد: ٢٦) وقال الأخفش: أقنى أفقر وقال ابن كيسان: أولد وقال الزمخشري: أقنى أعطى القنية وهي المال الذي تأثلته وعزمت على أن لا يخرج من يدك. تنبيه: حذف مفعولا أغنى وأقنى لأنّ المراد نسبة هذين الفعلين إليه، وكذلك باقيها وألف أقنى منقلبه عن ياء لأنه من القنية قال الشاعر: * ... ألا إنّ بعد العدم للمرء قنية* ويقال: قنيت كذا وأقنيته قال الشاعر: * ... قنيت حياتي عفة وتكرّما* ﴿وأنه هو﴾ أي: لا غيره ﴿رب الشعرى﴾ أي: رب معبودهم وكانت خزاعة تعبد الشعرى، وأوّل من سنّ ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضاً والشعرى تقطعها طولاً فهي مخالفة لها فعبدها وعبدتها خزاعة وحمير، وأبو كبشة أحد أجداد النبيّ ﷺ من قبل أمّهاته وبذلك كان مشركو قريش يسمون النبيّ ﷺ بابن أبي كبشة حين دعا إلى الله تعالى وخالف أديانهم تشبيهاً بذلك الرجل في أنه أحدث ديناً غير دينهم. والشعرى في لسان العرب كوكبان: تسمى أحدهما الشعرى العبور وهي المرادة في الآية الكريمة وهي تطلع بعد الجوزاء في شدّة الحرّ ويقال لها: مرزم الجوزاء وتسمى كلب الجبار أيضاً، وتسمى الشعرى اليمانية. والثانية: الشعرى الغميصاء وهي التي في الذراع والمجرة بينهما، وتسمى الشامية وسبب تسميتها بالغميضاء على ما زعمه العرب أنهما كانا أختين أو زوجتين لسهيل فانحدر سهيل إلى اليمن فأتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء تبكي حتى غمصت عينها ولذلك كانت أخفى من العبور وكان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم. ﴿وأنه أهلك عاداً الأولى﴾ وهم قوم هود ﵇ هلكوا بريح صرصر، والأخرى قوم صالح وقيل: الأخرى إرم وقيل: الأولى أول الخلق هلاكاً بعد قوم نوح، وقرأ نافع وأبو عمرو بتشديد اللام بعد الدال المفتوحة نقلاً وهمز قالون الواو بعد اللام همزة ساكنة والباقون بتنوين الدال وكسر التنوين وسكون اللام وبعدها همزة مضمومة، فإذا قرأ القارئ عاد الأولى لقالون وأبي عمرو فله في الوصل أي وصل عاد بالأولى وجه واحد وهو النقل المذكور، وقالون على أصله بالهمزة كما ذكر، فإذا وقف على عاداً وابتدأ بالولى فله الابتداء بهمزة الوصل وهو ألولى، وله أيضاً الابتداء بغير همز الوصل وهو لولى، وقالون يهمز الواو في الوجهين الأوّلين ولم يهمز في الوجه الثالث الذي هو الأصل، ووافقهما ورش في الأوجه المذكورة في الوصل

стр. 2072

والابتداء لا في الوجه الثالث الذي هو الأصل فإنه ليس من مذهبه إلا النقل. ﴿وثموداً﴾ وهم قوم صالح أهلكهم الله تعالى بصحية ﴿فما أبقى﴾ منهم أحداً، وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين للدّال في الوصل وسكون الدال في الوقف والباقون بالتنوين في الوصل والوقف على الألف. ﴿وقوم نوح﴾ أي: أهلكهم لأجل ظلمهم بالتكذيب ﴿من قبل﴾ أي: قبل الفريقين ﴿إنهم﴾ أي: قوم نوح ﴿كانوا﴾ أي: بما لهم من الأخلاق التي هي كالجبلات التي لا انفكاك عنها ﴿هم﴾ أي: خاصة ﴿أظلم﴾ أي: من الطائفتين المذكورتين ﴿وأطغى﴾ أي: وأشدّ تجاوزاً في الظلم وعلوّاً وإسرافاً في المعاصي وتجبراً وعتوّاً لتمادي دعوة نوح ﵇ قريباً من ألف سنة، ولأنهم أطول أعماراً وأشدّ أبداناً وكانوا مع ذلك ملء الأرض، روي أنّ الرجل منهم كان يأخذ بيد ابنه فينطلق به إلى نوح ﵇ فيقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإنّ أبي قد مشى بي إلى هذا وقال لي ما قلت لك فيموت الكبير على الكفر وينشأ الصغير على وصية أبيه ولهذا قال نوح ﵇: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ (نوح: ٢٦ ـ ٢٧) وقوله تعالى: ﴿والمؤتفكة﴾ منصوب بقوله تعالى: ﴿أهوى﴾ وقدّم لأجل الفواصل، والمراد بالمؤتفكة قرى قوم لوط رفعها إلى عنان السماء على جناح جبريل ﵇، ثم أهواها إلى الأرض أي أسقطها وأتبعها بحجارة النار الكبريتية، وهو قوله تعالى: ﴿فغشاها﴾ أي: أتبعها ما غطاها فكان لها بمنزلة الغشاء وهوّله بقوله تعالى: ﴿ما غشى﴾ أي: أمراً عظيماً من الحجارة المنضودة المسمومة وغيرها مما لا تسع العقول وصفه. ﴿فبأيّ آلاء﴾ أي: أنعم ﴿ربك﴾ أي: المحسن إليك ﴿تتمارى﴾ أي: تشك أيها الإنسان وقيل: أراد الوليد بن المغيرة وقال ابن عباس: تتمارى أي تكذب وقيل: الخطاب للنبيّ ﷺ أي تشك في إجالة الخواطر في فكرك في إرادة هداية جميع قومك بحيث لا تريد أن أحداً منهم يهلك، وقد حكم ربك بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته فكان بعض خواطرك في تلك الإجالة يشكك ببعضها بعضاً. ﴿هذا﴾ أي: النبي ﷺ ﴿نذير﴾ أي: محذر بليغ التحذير ﴿من النذر الأولى﴾ أي: من جنسهم أي رسول كالرسل قبله أرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال تعالى ﴿الأولى﴾ على تأويل الجماعة، أو هذا القرآن نذير من النذر الأولى أي إنذار من جنس الإنذارات الأولى التي أنذر بها من قبلكم. ﴿أزفت الأزفة﴾ أي: قربت الموصوفة بالقرب في قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة﴾ (القمر: ١) وهو يوم القيامة. ﴿ليس لها من دون الله﴾ أي: من أدنى رتبة من رتبة الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلماً وقوله تعالى: ﴿كاشفة﴾ يجوز أن يكون وصفاً وأن يكون مصدراً، فإن كان وصفا احتمل أن يكون التأنيث لأجل أنه وصف لمؤنث محذوف تقديره نفس كاشفة، أو حال كاشفة أي مبينة متى تقوم كقول تعالى: ﴿لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ (الأعراف: ١٨٧) أو ليس لها نفس كاشفة أي قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله تعالى غير أنه تعالى لا يكشفها، أو ليس لها الآن نفس كاشفة بالتأخير وإن كان مصدراً فهي بمعنى الكشف كالعافية والمعنى ليس لها من دون الله كشف أي لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره. ﴿أفمن هذا الحديث﴾ قال: أكثر المفسرين المراد بالحديث القرآن

стр. 2073

العظيم الذي يأتي على سبيل التجدد بحسب الوقائع والحاجات ﴿تعجبون﴾ إنكاراً وهو في غاية ما يكون من ترقيق القلوب، وقرأ أبو عمرو بإدغام المثلثة في التاء المثناة بخلاف عنه. ﴿وتضحكون﴾ أي: استهزاء من هذا الحديث وتجدّدون ذلك في كل وقت ﴿ولا تبكون﴾ أي كما هو حق من يسمعه لما فيه من الوعد والوعيد وغير ذلك وقال الرازي يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى حديث أزفت الآزفة، فإنهم كانوا يتعجبون من حشر الأجساد والعظام البالية. وقوله تعالى: ﴿وأنتم سامدون﴾ جملة مستأنفة أخبر الله تعالى عنهم بذلك ويحتمل أن تكون حالاً أي انتفى عنكم البكاء في حال كونكم سامدين، واختلف في معنى السمود فقيل: هو الإعراض والغفلة عن الشيء أي: وأنتم معرضون غافلون عما يطلب منكم وقيل: هو اللهو يقال: دع عنا سمودك، أي: لهوك قاله الوالبي والعوفي عن ابن عباس وقال الشاعر: *ألا أيها الإنسان إنك سامد ... كأنك لا تفنى ولا أنت هالك* فهذا بمعنى لاه لاعب وقيل هو الجمود وقيل هو الاستكبار قال الشاعر: *رمى الحدثان نسوة آل سعد ... بمقدار سمدن له سمودا* *فردّ شعورهنّ السود بيضا ... ورد وجوههنّ البيض سودا* فهذا بمعنى الجمود والخشوع وقال عكرمة وأبو عبيدة: السمود الغناء بلغة حمير يقولون: يا جارية اسمدي لنا أي: غني، فكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا وقال مجاهد أشِرون وقال الضحاك: غضاب يتبرطمون وقال الراغب: السامد اللاهي الرافع رأسه من قولهم بعير سامد في سيره وقال الحسن: السامد الواقف للصلاة قبل وقوف الإمام لما روي: أنه ﷺ خرج والناس ينتظرونه قياماً فقال: «مالي أراكم سامدين» وتسميد الأرض أن يجعل فيها السماد وهو سرجين ورماد وقوله تعالى: ﴿فاسجدوا﴾ أي: اخضعوا خضوعاً كثيراً بالسجود ﴿لله﴾ أي الملك الأعظم يحتمل أن يكون المراد به سجود التلاوة وأن يكون المراد به سجود الصلاة ﴿واعبدوا﴾ أي: اشتغلوا بكل أنواع العبادة ولم يقل واعبدوا الله إما لكونه معلوماً من قوله تعالى: ﴿فاسجدوا لله﴾ وإما لأنّ العبادة في الحقيقة لا تكون إلا لله ويقوّى الاحتمال الأوّل ما روى عكرمة عن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ «سجد في النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجنّ والإنس» وعن عبد الله ابن مسعود قال أوّل سورة أنزلت فيها سجدة النجم قال: فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه إلا رجلاً شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصا أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد ذلك قتل كافراً وهو أمية بن خلف كما في بعض الروايات. وروى زيد بن ثابت قال: قرأت على النبيّ ﷺ ﴿والنجم﴾ فلم يسجد فيها وهذا يدلّ على أنّ سجود التلاوة غير واجب، قال عمر بن الخطاب ﵁ إنّ الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء وهو قول الشافعي وأحمد ﵄، أي: فهي مستحبة وذهب قوم إلى وجوبها على القارئ والمستمع جميعاً وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي وذهب قوم إلى أنها في المفصل غير مستحبة. وما رواه البيضاوي

стр. 2074

تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ «من قرأ سورة والنجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد ﷺ وجحد به» حديث موضوع. سورة القمر وتسمى اقتربت مكية إلا ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ الآياتوهي خمس وخمسون آية وثلاثمائة واثنتان وأربعونكلمة وألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفاً ﴿بسم الله﴾ أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته ﴿الرحمن﴾ الذي وسعت رحمته كل شيء فعمت الشقي والسعيد نعمته ﴿الرحيم﴾ الذي خص بإتمام نعمته من اصطفاه فأسعدتهم رحمته. ﴿اقتربت الساعة﴾ دنت القيامة وفي أول هذه السورة مناسبة لآخر ما قبلها، وهو قوله تعالى: ﴿أزفت الأزفة﴾ (النجم: ٥٧) فكأنه أعاد ذلك مستدلاً عليه بقوله تعالى: ﴿أزفت الأزفة﴾ فهو حق إذ القمر انشق. وقوله تعالى: ﴿وانشق القمر﴾ ماض على حقيقته وهو قول عامّة المسلمين إلا من لا يلتفت إلى قوله وقد صح في الأخبار أنّ القمر انشق على عهد

стр. 2075

رسول الله ﷺ مرّتين، وعن ابن مسعود قال: «انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه فقال رسول الله ﷺ اشهدوا» وروى أنس بن مالك أنّ أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراً بينهما. وقال سنان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين. وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله: لم ينشق بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك وقيل انشق بمعنى سينشق يوم القيامة، وأوقع الماضي موقع المستقبل وهو خلاف الإجماع وقيل انشق بمعنى انفلق عنه الظلام عند طلوعه كما يسمى الصبح فلقاً وأنشد النابغة: *فلما أدبروا ولهم دوي ... دعانا عند شق الصبح داع* وإنما ذكرت ذلك تنبيهاً على ضعفه. وروى أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة فسلوا السفار فسألوهم فقالوا نعم قد رأيناه فأنزل الله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ . ﴿وإن يروا﴾ أي: كفار قريش ﴿آية﴾ أي: معجزة له ﷺ كانشقاق القمر ﴿يعرضوا﴾ عنها ﴿ويقولوا﴾ هذا ﴿سحر مستمرّ﴾ أي: ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم مرّ الشيء واستمرّ إذا ذهب مثل قولهم: قر واستقر قاله مجاهد وقتادة، وقال أبو العالية والضحاك: مستمرّ أي: قوي شديد، من قولهم: مر الحبل إذا صلب واشتد، وأمررته: إذا أحكمت فتله، واستمر الشيء إذا قوي واستحكم، وقيل: مستمرّ أي دائم، فإنّ محمداً ﷺ كان يأتي كل زمان بمعجز فقالوا: هذا سحر مستمرّ دائم لا يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف سحر السحرة، فإنّ بعضهم يقدر على أمر وأمرين وثلاثة ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكلّ قاله الزمخشري ومنه قول الشاعر: *ألا إنما الدنيا ليال وأعصر ... وليس على شيء قديم بمستمرّ* وعن حذيفة أنه خطب بالمدائن ثم قال ألا إنّ الساعة قد اقتربت وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم مستمرّ دائم مطرد، وكل شيء قد انقادت طريقه ودامت حاله قيل فيه قد استمّر وقال أبو حيان: سبب نزولها أنّ مشركي قريش قالوا للنبيّ ﷺ إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فرقتين ووعدوا بالإيمان إن فعل ذلك وقال ليلة بدرأي ليلة أربعة عشر في الشهر فسأل ربه فانشق القمر فقالوا سحر مستمرّ ولم يؤمنوا. ﴿وكذبوا﴾ بكون انشقاقه دالاً على صدق الرسول ﷺ وجزموا بالتكذيب عناداً ﴿واتبعوا﴾ أي: بمعالجة فطرتهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى التصديق ﴿أهواءهم﴾ في أنه ﷺ سحر القمر وأنه خسوف في القمر وظهور شيء في جانب آخر من الجوّ يشبه نصف القمر وأنه سحر أعيننا وأنّ القمر لم يصبه شيء فهذه أهواؤهم. قال القشيري: إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب لأنّ الله تعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصروا الرشد واتباع الرضا مقرون بالتصديق لأنّ الله تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين البصيرة فيأتي بالتصديق. ﴿وكل أمر﴾ أي: من أموركم من الخير أو الشرّ ﴿مستقرّ﴾ أي: بأهله في الجنة أو النار وقال قتادة وكل أمر مستقرّ فالخير مستقر بأهل الخير والشرّ مستقرّ بأهل الشرّ وقيل مستقرّ قول المصدّقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعذاب، وقيل: كل أمر مستقرّ في علم الله تعالى لا يخفى عليه شيء فهم كذبوا واتبعوا أهواءهم والأنبياء صدقوا وبلغوا كقوله تعالى: ﴿لا يخفى على الله منهم شيء﴾ (غافر: ١٦) ﴿ولقد جاءهم﴾ أي أهل مكة في القرآن قبل الانشقاق ﴿من الأنباء﴾ أي: أخبار إهلاك الأمم الماضية المكذبة رسلهم لأنّ الأنباء الأخبار العظام التي لها وقع كقول الهدهد ﴿وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾ (النمل: ٢٢) لأنه كان خبراً عظيماً له وقع وخطر وقال تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ﴾ (الحجرات: ٦) أي بأمر عظيم له خطر وإنما يجب التثبت فيما يتعلق به حكم ويترتب عليه أمر ذو بال ﴿ما فيه﴾ خاصة ﴿مزدجر﴾ أي: عمّاهم فيه من الباطل، ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله تعالى. تنبيه: المزدجر اسم مصدر أي ازدجار أو اسم مكان أي موضع ازدجار والدال بدل من تاء الافتعال وازدجرته وزجرته نهيته بغلظة وما موصولة أو موصوفة. وقوله تعالى: ﴿حكمة﴾ خبر مبتدأ محذوف أو بدل من ما أومن مزدجر ﴿بالغة﴾ أي: لها أعظم البلوغ إلى أنهى غايات الحكمة لصحتها ووضوحها ففيها مع الزجر ترجئة ومواعظ وأحكام ودقائق ﴿فما تغن﴾ أي: تنفع ﴿النذر﴾ أي: الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها ومنها إنما المغني بذلك هو الله تعالى فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن. قال البقاعي: ولعل الإشارة بإسقاط ياء تغني بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه كما سقطت غاية أحرف الكلمة سقطت ثمرة الإنذار وهو القبول. تنبيه: يجوز في ما أن تكون استفهامية وتكون في محل نصب مفعولاً مقدّماً أي أي شيء تغني النذر وأن تكون نافية أي لم تغن النذر شيئاً والنذر جمع نذير والمراد به المصدر أو اسم الفاعل. ولما كان ﷺ شديد التعلق بطلب نجاتهم فهو لذلك ربما اشتهى إجابتهم إلى مقترحاتهم تسبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿فتولّ عنهم﴾ أي: كلف نفسك الإعراض عن تمني ذلك فما عليك إلا البلاغ وأمّا الهداية فإلى الله تعالى وحده. تنبيه: قال أكثر المفسرين نسختها آية السيف وقال الرازي

стр. 2076

إنّ قول المفسرين في قوله تعالى: ﴿فتولّ﴾ منسوخ ليس كذلك بل المراد منه لا تناظرهم بالكلام وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ منصوب باذكر، أي: واذكر يوم ﴿يدع الداع﴾ . وقيل: منصوب بيخرجون بعده والداعي معرف كالمنادي في قوله تعالى: ﴿يوم ينادي المنادي﴾ (ق: ٤١) لأنه معلوم قد أخبر عنه فقيل إنّ منادياً ينادي وداعياً يدعو، فقيل: الداعي إسرافيل ﵇ ينفخ قائماً على صخرة بيت المقدس قاله مقاتل، وقيل: جبريل ﵇ وقيل: ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حدّ العلمية ويكون كقولنا جاء رجل فقال الرجل قاله الرازي. وقرأ نافع وأبو عمرو بحذف الياء بعد العين وقفاً وإثباتها وصلاً وابن كثير بإثباتها وقفا ووصلا والباقون بحذفها وقفا ووصلا ﴿إلى شيء نكر﴾ أي: منكر فظيع لم ير مثله فينكرونه استعظاماً. فإن قيل ما ذلك الشيء المنكر أجيب بأنه الحساب أو الجمع له أو النشر للجمع فإن قيل النشر لا يكون منكراً فإنه أحياء ولأنّ الكافر من أين يعرف وقت النشر ما يُجزى عليه لينكره أجيب بأنه يعلم ذلك لقوله تعالى عنهم: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ (يس: ٥٢) وقرأ ابن كثير بسكون الكاف والباقون بالرفع. ولما بين تعالى دعاءه بما هال أمره بين حال المدعوّين زيادة في الهول فقال تعالى: ﴿خشعاً أبصارهم﴾ أي: ينظرون نظر الخاضع الذليل السافل المنزلة المستوحش الذي هو شرّ حال، ونسب الخشوع إلى الأبصار لأنّ الذل والعز يتبين في النظر والذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلاً مع هيبة يعرف منها ذلك كما قال تعالى: ﴿خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ (الشورى: ٤٥) وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين والباقون بضم الخاء ولا ألف بعدها وفتح الشين مشدّدة أمّا القراءة الأولى فهي جارية على اللغة الفصحى من حيث إنّ الفعل وما جرى مجراه إذا قدّم على الفاعل وحد تقول: تخشع أبصارهم، ولا تقول: تخشعن أبصارهم وأمّا القراءة الثانية فجاءت على لغة طيىء يقولون: أكلوني البراغيث قال الزمخشري: ويجوز أن يكون في خشعاً ضمير هم ويقع أبصارهم بدلاً عنه ا. هـ. وتقدّم نظير ذلك في قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ (الأنبياء: ٣) وجملة ﴿خُشَّعاً أبصارهم﴾ حال من فاعل ﴿يخرجون﴾ أي: الناس ﴿من الأجداث﴾ أي: القبور ﴿كأنهم جراد﴾ أي: في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض وصغارهم وضعفهم وتموّجهم يقال في الجيش الكثير المائج بعضه فوق بعض جاؤوا كالجراد وكالذباب ﴿منتشر﴾ أي: منبث متفرّق في كل مكان لكثرتهم لا يدرون أين يذهبون. ﴿مهطعين﴾ أي: مسرعين مادّي أعناقهم ﴿إلى الداعي﴾ مصوبي رؤوسهم إليه لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر في ذل وخضوع وصمت واستكانة هذا حال الكل، وأمّا الكافر فنبه عليه بقوله تعالى: ﴿يقول﴾ أي: على سبيل التكرار ﴿الكافرون﴾ أي الذين كانوا في الدنيا عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة: ﴿هذا﴾ أي الوقت الذي نحن فيه لما نرى فيه من الأهوال ﴿يوم عسر﴾ أي: في غاية العسر والصعوبة والشدّة وذلك بحسب حالهم فيه كما قال تعالى في سورة المدّثر: ﴿يوم عسير على الكافرين﴾ (المدثر: ٩ ـ ١٠) ولما فرغ من حكاية كلام الكافرين ومن ذكر علامات الساعة أعاد ذكر بعض الأنبياء فقال تعالى: ﴿كذبت﴾ أي:

стр. 2077

أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل ﴿قبلهم﴾ أي: أهل مكة ﴿قوم نوح﴾ مع ما كان بهم من القوّة ولهم من الانتشار في جميع الأقطار، وأنث فعلهم تحقيراً لهم، وتهويناً لأمرهم في جنب قدرته تعالى. فإن قيل: إلحاق الضمير المؤنث بالفعل قبل ذكر الفاعل جائز وحسن بالاتفاق وإلحاق ضمير الجمع بالفعل قبيح عند أكثرهم فلا يجوزون كذبوا قوم نوح ويجوّزون كذبت فما الفرق؟ أجاب الرازي بأنّ التأنيث إنما جاز قبل الجمع لأن الأنوثة والذكورة للفاعل أمر لا يتبدل ولم تحصل الأنوثة للفاعل بسبب فعله بخلاف الجمع لأنّ الجمع للفاعلين بسبب فعلهم ﴿فكذبوا عبدنا﴾ نوحاً ﵇ على ماله من العظمة بنسبته إلينا مع تشريفنا إياه بالرسالة ﴿وقالوا﴾ زيادة على التكذيب ﴿مجنون﴾ أي: فهذا الذي يصدر منه من الخوارق أمر من الجنّ. ﴿وازدجر﴾ وهل هذا من مقولهم أي قالوا: إنه ازدجر أي ازدجرته الجنّ وذهبت بلبه قاله مجاهد، أو هو من كلام الله تعالى أخبر الله تعالى عنه بأنه انتهر وازدجر بالسب وأنواع الأذى، وقالوا: ﴿لئن لم تنته يا نوح لتكوننّ من المرجومين﴾ (الشعراء: ١١٦) . قال الرازي: وهذا أصح لأنّ المقصود تقوية قلب النبيّ ﷺ بذكر من تقدّمه وأيضاً يترتب عليه قوله تعالى: ﴿فدعا ربه﴾ وهذا الترتيب في غاية الحسن، لأنّهم لمّا زجروه وانزجر هو عن دعائهم دعا ربه الذي رباه بالإحسان إليه وبرسالته ﴿أني﴾ أي: بأني ﴿مغلوب﴾ أي: من قومي كلهم بالقوّة والمنعة لا بالحجة وأكده ابلاغاً في الشكاية وإظهار الذل العبودية؛ لأنّ الله تعالى عالمٌ بسر العبد وجهره فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل وكذا الإبلاغ فيه، وقال ابن عطية: غلبتني نفسي وحملتني على الدعاء عليهم. قال ابن عادل: وهو ضعيف. ﴿فانتصر﴾ أي: أوقع نصرتي عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه فانتقم لي منهم. ﴿ففتحنا﴾ أي: بسبب دعائه فتحاً يليق بعظمتنا ﴿أبواب السماء﴾ أي: كلها في جميع الأقطار، وعَبَّرَ بجمع القلة عن جمع الكثرة والمراد من الفتح والأبواب والسماء حقائقها فإنّ للسماء أبواباً تفتح وتغلق وقيل: هذا على سبيل الاستعارة فإنّ الظاهر أنّ الماء كان من السحاب فهو كقول القائل في المطر الوابل جرت ميازيب السماء وفي قوله تعالى: ﴿ففتحنا﴾ بيان بأنّ الله تعالى انتصر منهم وانتقم بماء لا بجند أنزله ومن العجب أنهم كانوا يطلبون المطر سنين فأهلكهم الله تعالى بمطلوبهم وقرأ ابن عامر بتشديد التاء بعد الفاء والباقون بالتخفيف. وفي الباء في قوله تعالى: ﴿بماء﴾ وجهان: أظهرهما: أنّها للتعدية وذلك على المبالغة في أنه جعل الماء كالآلة للفتح به كما تقول فتحت بالمفتاح والثاني أنها للحال أي فتحناها ملتبسة بماء ﴿منهمر﴾ أي: منصب بأبلغ ما يكون من السيلان والصب كثرة وعظماً ولذلك لم يقل بمطر لأنّه خارجٌ عن تلك العادة واستمرّ ذلك أربعين يوماً. ﴿وفَجّرْنا﴾ أي: صدّعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأسلنا ﴿الأرض عيونا﴾ أي: جميع عيون الأرض ولكنَّه عدل عنه للتهويل بالإبهام ثمَّ البيان وإفادة أنّ وجه الأرض صار كله عيوناً وقرأ ابن كثير وابن ذكوان وشعبة وحمزة والكسائي بكسر العين والباقون بضمها. ﴿فالتقى الماء﴾ أي: المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا، وزاد في تعظيمه بأداة الاستعلاء فقال تعالى: ﴿على أمرٍ﴾ أي: حالٍ

стр. 2078

﴿قد قدرِ﴾ أي: قضى أي في الأزل وهو هلاكهم غرقاً بماء مقدّر لا يزيد قطرة ولا يهلك غير من أمرناه بإهلاكهم. ﴿وحملناه﴾ أي: نوحاً ﵇ تتميماً لانتصاره ﴿على ذات﴾ أي: سفينة صاحبةِ ﴿ألواح﴾ أي: أخشاب نجرت حتى صارت عريضة ﴿ودسر﴾ جمع دسار ككتاب وهو ما تشدّ به السفينة من مسمار وحديد أو خشب أو من خيوط الليف ونحوها قال البقاعي: ولعله عبّر عن السفينة بما شرحها تنبيهاً على قدرته على ما يريد. ﴿تجري﴾ أي: السفينة ﴿بأعيننا﴾ أي: محفوظة من أنْ تدخل بحر الظلمات، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات بحفظنا على مالنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء بأعين كثيرة ولا يغيب عنه أصلاً، وجوّزوا أنْ يكون جمع تكسير لعين الماء. وقوله تعالى: ﴿جزاء﴾ منصوب بفعل مقدّر أي أغرقوا انتصاراً ﴿لمن كان كفر﴾ وهو نوح ﵊ أو الباري تعالى: ﴿ولقد تركناها﴾ أي: أبقينا هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة وقيل تلك السفينة بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقاياها أول هذه الأمّة ﴿آية﴾ أي: علامة عظيمة على مالنا من العلم المحيط والقدرة التامّة ﴿فهل من مدّكر﴾ أي: معتبر ومتعظ بها وأصله مذتكر أبدلت التاء دالاً مهملة وكذا المعجمة وأدغمت فيها. وقوله تعالى: ﴿فكيف كان﴾ أي وجد وتحقق ﴿عذابي﴾ أي: لمن كفر وكذب رسلي ﴿ونذر﴾ أي: إنذاري، استفهام تقرير فكيف خبر كان وهي للسؤال عن الحال والمعنى حمل المخاطبين على الإقرار بوقوع عذابه تعالى بالمكذبين لنوح موقعه وقرأ ورش بإثبات الياء بعد الراء وصلا لا وقفاً جميع ما في هذه السورة، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً. قال البقاعي: ولما كان هذا المفصل مما أنزل أول القرآن تيسيراً على الأمّة نبه على ذلك بقوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا﴾ أي: على مالنا من العظمة ﴿القرآن﴾ أي: على ماله من الجمع والفرق والعظمة المناسبة لكونه وصفاً لنا ﴿للذكر﴾ أي: الاتعاظ والتذكر والتدبر والفهم والتشريف والحفظ لمن يراعيه. قال ابن برجان: أنزلناه باللسان العربي ونزلناه للإفهام تنزيلاً، وضربنا لهم الأمثال، وأطلنا لهم في هذه الأعمار ليتذكروا الميثاقَ المأخوذَ عليهم، وقال القشيري: يسرّ قراءته على ألسنة قوم وعلمه على قلوب قوم وفهمه على قلوب قوم وحفظه على قلوب قوم وكلهم أهل القرآن وخاصته وليس يُحفظ من كتب الله تعالى عن ظهر قلب غيره. قاله المحلى. ﴿فهل من مدكر﴾ أي: معتبر ومتعظ بها وتقدم أصله. ولما انقضت قصة نوح ﵇ على هذا الهول العظيم ذكر قصة عاد لأنها أعظم قصة جرت بعد قوم نوح فيما تعرفه العرب بقوله تعالى: ﴿س٥٤ش١٨/ش٢٢ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ﴿كذبت عاد﴾ أي: أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولهم هود ﵊ في دعائه لهم إليّ وإنذاره عذابي ﴿فكيف﴾ أي: فعلى أي الأحوال لأجل تكذيبهم ﴿كان عذابي﴾ لهم ﴿ونذر﴾ أي: وإنذاري إياهم بلسان رسولي قبل نزوله، أي وقع موقعه. فإن قيل: لِمَ لم يقل: فكذبوا هودا كما قال تعالى في قصة نوح: ﴿فكذبوا عبدنا﴾ أجيب: بأنّ تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم وكثرة عنادهم وإمّا لأن قصة عاد ذكرت مختصرة. ثم بين عذابهم بقوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا﴾ أي: بمالنا من العظمة. ﴿عليهم ريحاً﴾

стр. 2079

وعبر بحرف الاستعلاء إعلاماً بالنقمة، ثم وصف الريح بقوله تعالى: ﴿صرصراً﴾ أي: شديدة الصوت من صرصر الباب أو القلم إذا صوت، وقيل: الشديدة البرد من الصر، وهو البرد، وقال مكي: أصله صرّر من صرَّ الشيء إذا صوت لكن أبدلوا من الراء المشدّة صاداً وهذا قول الكوفيين وقال الرازي: الصرصر: الدائمة الهبوب، من أصر على الشيء إذا دام وثبت. وأكد شؤمها بذم زمانها فقال تعالى: ﴿في يوم نحس﴾ أي: شديد القباحة قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر وهو شوال لثمان بقين منه، واستمر إلى غروب شمس الأربعاء آخره، فإنه قال تعالى في سورة الحاقة: ﴿سبع ليال وثمانية أيام حسوماً﴾ وقال تعالى في حم السجدة: ﴿في أيام نحسات﴾ (فصلت: ١٦) فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان، وقوله تعالى: ﴿مستمر﴾ أي: دائم الشؤم إلى وقت نفاذ المراد منه يفيد ما تفيده الأيام، لأنّ الاستمرار ينبىء عن امتداد الزمان كما تنبىء عنه الأيام، والحكاية مذكورة هنا على سبيل الاختصار، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز فاستمر عليهم بنحوسه ولم يبق منهم أحد إلا أهلكه، هذا وصفها في ذاتها. وأمّا وصفها بفعلها فيهم فذكره بقوله تعالى: ﴿تنزع﴾ أي: تأخذ ﴿الناس﴾ أي: الذين هم صور لاثبات لهم بأرواح التقوى من الأرض: بعضهم من وجهها، وبعضهم من حُفَرٍ حفروها ليمتنعوا بها من العذاب فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم الهباء المنثور فتقلع رؤوسهم من جثثهم. وقوله تعالى: ﴿كأنهم﴾ أي: حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم ﴿أعجاز نخل﴾ أي: أصول نخل قطعت رؤوسها حال من الناس مقدرة. وقوله: ﴿منقعر﴾ صفة لنخل باعتبار الجنس وأنث في الحاقة فقال: ﴿نخل خاوية﴾ (الحاقة: ٧) باعتبار معنى الجماعة. قال ابن عادل: وإنما ذكَّر هنا وأنث هناك مراعاة للفواصل في الموضعين. وقال الرازي: ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة فقال تعالى: ﴿والنخل باسقات﴾ (ق: ١٠) وذلك حال عنها وهي كالوصف، وقال تعالى: ﴿نخل خاوية﴾ (الحاقة: ٧) و ﴿نخل منقعر﴾ فحيث قال: منقعر كان المختار ذلك لأنّ المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول لأنه ورد عليه القعر فهو مقعور، والخاوي والباسق فاعل، وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى: تقول: امرأة قتيل، وأمّا الباسقات فهي فاعلات حقيقة لأنّ البسوق أمر قائم بها، وأمّا الخاوية فهي من باب حسن الوجه لأنّ الخاوي موضعها فكأنه قال نخل خاوية المواضع، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ. تنبيه: الأعجاز جمع عجْز وهو مؤخر الشيء، ومنه العجْز لأنه يؤدي إلى تأخير الأمور، والمنقعر المنقلع من أصله: يقال: قعرت النخلة: قلعتها من أصلها فانقعرت، وقعرت البئر وصلت إلى قعرها، وقعرت الإناء شربت ما فيه حتى وصلت إلى قعره. وكرّر قوله تعالى: ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ للتهويل. وقيل: الأوّل: لما حاق بهم في الدنيا، والثاني: لما يحيق بهم في الآخرة، كما قال أيضاً في قصتهم: ﴿لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى﴾ (فصلت: ١٦) وتقدّم تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر﴾ وكرّره إيذاناً بأنّ تفسير القرآن مع إعجازه لا يكون إلا بعظمة تفوت قوى البشر، وتعجز عنها منهم القدر. ولما انقضت قصة عاد ذكر تعالى قصة ثمود لأنها تلي

стр. 2080

قصة عاد في الفظاعة، فقال تعالى: ﴿كذبت ثمود﴾ أي قوم صالح ﵇ وقوله تعالى: ﴿بالنذر﴾ جمع نذير بمعنى منذر أي بالإنذارات التي أنذرهم بها نبيهم صالح ﵇ إن لم يؤمنوا به. ثم علل ذلك وعقبه بقوله تعالى: ﴿فقالوا﴾ منكرين لما جاءهم من الله تعالى غاية الإنكار ﴿أبشراً﴾ إنكار الرسالة، هذا النوع ليكون إنكار النبوة نبيهم على أبلغ الوجوه وهو منصوب بفعل يفسره ﴿نتبعه﴾ الآتي، وقولهم: ﴿منا﴾ نعت له أي فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا، وقولهم: ﴿واحداً﴾ نعت له أيضاً، ثم عظموا الإنكار بقولهم ﴿نتبعه﴾ أي: نجاهد أنفسنا في خلع مألوفنا وما كان عليه آباؤنا، والاستفهام بمعنى النفي والمعنى: كيف نتبعه ونحن أشد الناس قوّة وكثرة وهو واحد منّا. ثمَّ استنتجوا من هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين: ﴿إنَّا إذاً﴾ أي: إن أتبعناه ﴿لفي ضلال﴾ أي: ذهاب عن الصواب محيط بنا ﴿وسعر﴾ أي: ونيران جمع سعير فعكسوا عليه وقالوا: إن اتبعناك كنا إذاً كما تقول، وقيل: السعر الجنون يقال ناقة مسعورة قال الشاعر: *كأنّ بها سعر إذا العيس هزها ... ذميل وإرخاء من السير متعب* ثم استدلوا بأمر آخر ساقوه مساق الإنكار فقالوا: ﴿أألقي﴾ أي: أنزل ﴿الذكر﴾ أي: الوحي الذي يكون به الشرف الأعظم بغتة في سرعة ﴿عليه﴾ لأنه لم يكن عندهم في مضمار هذا الشأن، ولا توسموا فيه قبل إشارته به شيئاً منه بل أتاهم به بغتة في غاية الإسراع ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص بقولهم: ﴿من بيننا﴾ أي: وفينا من هو أولى بذلك منه سنا وشرفاً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: بتحقيق الهمزة الأولى المفتوحة وتسهيل الثانية المضمومة كالواو، وأدخل قالون وأبو عمرو بينهما ألفا بخلاف عن أبي عمرو ولم يدخل ورش وابن كثير ألفا، وأمّا هشام فله تسهيل الثانية وتحقيقها وإدخال الألف بينهما مع التحقيق، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال، وإذا وقف حمزة فله في الثانية التسهيل وإبدالها واواً والتحقيق. ثم أضربوا عن ذلك الاستفهام لأنه بمعنى النفي بقولهم: ﴿بل هو كذاب﴾ أي: بليغ في الكذب في قوله إنه أوحى إليه ما ذكر ﴿أشر﴾ أي: متكبر بطر غلبت عليه البطالة حتى أعجبته نفسه فتجبر فهو يريد الترفع، قال الله تعالى: ﴿سيعلمون﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿غداً﴾ أي: في الزمن الآتي القريب وهو يوم القيامة، لأنّ كل ما حقق إتيانه قريب عند نزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة. وقرأ ابن عامر وحمزة بعد السين بتاء الخطاب وفيه وجهان: أحدهما أنه حكاية عن قول صالح ﵇ لقومه. والثاني: أنه خطاب من الله تعالى على جهة الالتفات، والباقون بياء الغيبة جرياً على الغيب قبله في قوله تعالى: ﴿فقالوا أبشراً﴾ واختار هذه القراءة مكي، لأنّ عليها الأكثر. ﴿من الكذاب الأشر﴾ أي: وهو هم بأن يعذبوا على تكذيبهم لنبيه صالح ﷺ وروي أنهم تعنتوا عليه فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء فقال تعالى: ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿مرسلوا الناقة﴾ أي موجدوها لهم ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلناه لذلك وخصصناه من بين الأحجار دلالة على إرسالنا صالحاً ﵇: مخصصين له

стр. 2081

من بين قومه وذلك أنهم قالوا لصالح ﵇ نريد أن نعرف المحق، منا بأن ندعوا آلهتنا وتدعو إلهاك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق فدعوا أوثانهم فلم تجبهم، فقالوا: ادع أنت فقال: فما تريدون؟ قالوا: تخرج لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء وبراء، فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان، فوعدوه بذلك وأكدوا فكذبوا بعدما كذبوا في أنّ آلهتهم تجيبهم، وصدق هو ﵇ في كل ما قال فأخبره ربه سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها ﴿فتنة لهم﴾ أي: امتحاناً يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها وتخليهم عنها، لأنّ المعجزة فتنة لأنّ بها يتميز المثاب من المعذب، فالمعجزة تصديق وحينئذ يفترق المصدّق من المكذب، أو يقال: إخراج الناقة من الصخرة معجزة ودورانها بينهم وقسمة الماء كان فتنة، ولهذا قال تعالى: ﴿إنا مرسلوا الناقة﴾ ولم يقل: ﴿مخرجوا﴾ . ﴿فارتقبهم﴾ أي: كلف نفسك انتظارهم فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار من يحرسهم ﴿واصطبر﴾ أي: عالج نفسك واجتهد في الصبر عليهم، وأصل الطاء في اصطبر تاء فتحولت طاء لتكون موافقة للصاد في الإطباق ﴿ونبئهم﴾ أي: أخبرهم إخباراً عظيماً بأمر عظيم وهو ﴿أن الماء﴾ أي: الذي يشربونه وهو ماء بئرهم ﴿قسمة بينهم﴾ أي: بين قوم صالح ﵇ والناقة فغلَّب العاقل عليها، والمعنى أنا إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه، ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم وتوسع الكل بدل الماء لبنا. ﴿كل شرب﴾ أي: نصيب من الماء ﴿محتضر﴾ أي: فالناقة تحضر الماء يوم وردها وتغيب عنهم يوم ورودهم قاله: مقاتل، وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم غيبها فيشربون، ويحضرون اللبن يوم وردها فيحتلبون. تنبيه: الحكمة في قسمة الماء إمّا لأنّ الناقة عظيمة الخلق فتنفر منها حيواناتهم فكان يوم للناقة ويوم لهم، وإمّا لقلة الماء فلا يحملهم، وإمّا لأنّ الماء كان مقسوماً بينهم لكل فريق يوم، فيوم ورد الناقة على هؤلاء يرجعون على الآخرين وكذلك الآخرون فيكون النقصان على الكل، ولا تختص الناقة بجميع الماء، روي أنهم كانوا يكتفون في يوم وردها بلبنها، وليس في الآية إلا القسمة دون كيفيتها وظاهر قوله تعالى: ﴿كل شرب محتضر﴾ يعضد الوجه الثالث، وحضر واحتضر بمعنى واحد. وقوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم﴾ فيه حذف قبله، أي: فتمادوا على ذلك ثم ملّوه فعزموا على عقرها فنادوا صاحبهم وهو قدّار بن سالف الذي انتدبوه بطراً وأشراً لقتل الناقة وكذباً في وعدهم الإيمان وإكرامها بالإحسان وكان أشجعهم، وقيل كان رئيسهم. ﴿فتعاطى﴾ أي: فاجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مكترث به ﴿فعقر﴾ أي: فتسبب عن ذلك عقرها، وقيل: فتعاطى الناقة فعقرها، أو فتعاطى السيف فقتلها، والتعاطي تفاعل الشيء بتكليف. قال محمد بن إسحق كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها فانتظم به عضلة ساقها ثم شدّ عليها بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت رغاءة واحدة ثم نحرها. وقال ابن عباس: كان الذي عقرها احمر أزرق أشقر أكشف أقعى يقال له قدار بن سالف، والعرب تسمي الجزار قدار تشبيهاً بقدار بن سالف مشؤوم آل ثمود. ﴿فكيف كان عذابي﴾ أي: كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على تعرفه والسؤال عنه ﴿ونذر﴾ أي: إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله،

стр. 2082

أي وقع موقعه. وبينه بقوله تعالى: ﴿إنا﴾ أي: بمالنا من العظمة ﴿أرسلنا﴾ أي: إرسالاً عظيماً ﴿عليهم صيحة﴾ وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابه بقوله تعالى: ﴿واحدة﴾ صاحها عليهم جبريل ﵇ فلم يكن لهم بصيحته هذه التي هي واحدة طاقة، كما قال تعالى ﴿فكانوا كهشيم المحتظر﴾ (القمر: ٣١) وهو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهنّ فيها من الذئاب والسباع، وما يسقط من ذلك فما داسته هو الهشيم والهشيم المهشوم المكسور، ومنه سمي هاشم لهشمه الثريد في الجفان غير أنّ الهشيم يستعمل كثيراً في الحطب المتكسر اليابس قال المفسرون كانوا كالخشب المتكسر الذي يخرج من الحظائر، بدليل قوله تعالى: ﴿هشيماً تذروه الرياح﴾ (الكهف: ٤٥) وهو من باب إقامة الصفة مقام الموصوف، وتشبيههم بالهشيم: إمّا لكونهم يابسين كالموتى الذين ماتوا من زمان، أو لانضمام بعضهم إلى بعض فاجتمعوا بعضهم فوق بعض كما يجمع الحاطب الحطب يضعه شيئاً فوق شيء منتظراً حضور من يشتري منه. قال ابن عادل: ويحتمل أن يكون ذلك لبيان كونهم في الجحيم، أي كانوا كالحطب اليابس الذي للوقيد، كقوله تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (الأنبياء: ٩٨) ، وقوله تعالى: ﴿فكانوا لجهنم حطبا﴾ (الجن: ١٥) تنبيهات أحدها: أنه تعالى ذكر ﴿فكيف كان عذابي ونذر﴾ في ثلاثة مواضع؛ ذكرها في حكاية نوح ﵇ بعد بيان العذاب؛ وذكرها ههنا قبل بيان العذاب؛ وذكرها في حكاية عاد قبل بيانه، وبعد بيانه فحيث ذكر قبل بيان العذاب فللبيان، كقول العارف حكاية لغير العارف: هل تعلم كيف كان أمر فلان؟ وغرضه أن يقول: أخبرني عنه وحيث ذكرها بعد بيان العذاب ذكرها للتعظيم؛ كقول فلان: أي ضرب وأيما ضرب، ويقول: ضربته وكيف ضربته؟ أي قوياً وفي حكاية عاد ذكرها مرتين: للبيان والاستفهام. ثانيها: أنه تعالى ذكر في حكاية نوح ﵇ الذي للتعظيم وفي حكاية ثمود ذكر الذي للبيان؛ لأنّ عذاب قوم نوح كان بأمر عظيم عام وهو الطوفان الذي عمّ العالم ولا كذلك عذاب قوم هود فإنه كان مختصاً بهم. ثالثها: أنه تعالى ذكر في هذه السورة خمس قصص، وجعل القصة المتوسطة مذكورة على أتم وجه، لأنّ حال صالح ﵇ كان أتمّ مشابهة بحال محمد ﷺ لأنه أتى بأمر عجيب أرضى، وكان أعجب مما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لأنّ عيسى ﵇ أحيى الميت، لكن الميت كان محلا للحياة، فقامت الحياة بإذن الله تعالى في محل كان قابلاً لها، وموسى ﵇ انقلبت عصاه ثعباناً، فأثبت الله تعالى له في الخشب الحياة بإذنه سبحانه، لكن الخشبة نبات كان له قوة في النمو، فأشبه الحيوان في النمّو، وصالح ﵇ كان الظاهر في بدء خروج الناقة من الحجر، والحجر جماد ليس محلاً للحياة، ولا محلاً للنمو، ونبينا ﷺ أتى بأعجب من الكل، وهو المتصرّف في الجرم السماوي الذي يقول المشرك لا وصول لأحد إلى السماء، وأمّا الأرضيات فقالوا: إنها أجسام مشتركة المواد تقبل كل واحدة منها صورة الأخرى، والسماويات لا تقبل ذلك فلما أتى بما اعترفوا بأنه لا يقدر على مثله آدمي كان أتمّ وأبلغ من معجزة صالح ﵇ التي هي أتم من معجزة سائر الأنبياء غير محمد ﷺ ﴿ولقد يسرنا﴾ أي: على مالنا من العظمة

стр. 2083

﴿القرآن﴾ أي: الكتاب الجامع لكل خير الفارق بين كل ملبس، ﴿للذكر﴾ أي: الحفظ، والتذكر، والتدبر وحصول الشرف في الدارين؛ ﴿فهل من مدّكر﴾ أي: من ناظر بعين الإنصاف، والتجرّد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فيعينه عليه. ولما انقضت قصة ثمود بما تعرفه العرب بالأخبار، ورؤية الآثار، فقال تعالى: ﴿كذبت قوم لوط﴾ أي: وهم في قوة عظيمة على ما يحاولونه، وإن كانوا في تكذيبهم هذا أضعف من عقول النساء عن التجرد عن الهوى بما دلّ عليه تأنيث الفعل بالتاء، وكذا ما قبلها من القصص ﴿بالنذر﴾ أي: بالأمور المنذرة لهم على لسان نبيهم لوط ﵇. ودلّ على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الأخبار عن عذابهم، فقال تعالى مؤكداً توعداً لمن استمرّ على التكذيب ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿أرسلنا عليهم حاصباً﴾ أي: ريحاً شديدة ترميهم بالحصباء، وهي صغار الحجارة الواحد دون ملء الكف فهلكوا ﴿إلا آل لوط﴾ وهم من آمن به، فكان إذا رأيته فكأنك رأيت لوطاً ﵇ لما يلوح عليه من أفعاله، والمشي على منواله في أقواله وأفعاله ﴿نجيناهم﴾ أي: تنجية عظيمة ﴿بسحر﴾ أي: بآخر ليلة من الليالي، وهي الليلة التي عذب فيها قومه، «وانصرف» لأنه نكرة لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها، ولو قصد به وقت بعينه لمنع الصرف للتعريف، والعدل عن أل هذا هو المشهور، وزعم صدر الأفاضل: أنه مبني على الفتح كأمس مبنياً على الكسر. تنبيه: قال الجلال المحلي: وهل أرسل الحاصب على آل لوط أو لا: قولان؛ وعبر عن الاستثناء على الأوّل بأنه متصل، وعلى الثاني بأنه منقطع، وإن كان من الجنس تسمحاً. وقوله تعالى: ﴿نعمة﴾ أما مفعول له؛ وإمّا مصدر بفعل من لفظها أو من معنى نجيناهم لأن تنجيتهم، إنعام فالتأويل: إمّا في العامل، وإمّا في المصدر. وقوله تعالى: ﴿من عندنا﴾ متعلق بنعمة، أو بمحذوف صفة لها. ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الإنجاء العظيم الذي جعلناه جزاء لهم ﴿نجزي من شكر﴾ أي: من آمن بالله تعالى، وأطاعه قال بعض المفسرين: وهو وعد لأمة محمد ﷺ بأنه يصونهم عن الهلاك العام؛ وقال الرازي: ويمكن أن يقال: هو وعد لهؤلاء بالثواب يوم القيامة كما أنجاهم في الدنيا من العذاب، لقوله تعالى: ﴿ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين﴾ (آل عمران: ١٤٥) وقال مقاتل: من وحد الله تعالى لم يعذبه مع المشركين. ﴿ولقد أنذرهم﴾ أي: رسولنا لوط ﵇ ﴿بطشتنا﴾ أي: أخذتنا المقرونة من الشدّة بما لنا من العظمة، وهي العذاب الذي نزل بهم، وقيل: هي عذاب الآخرة لقوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ (الدخان: ١٦) ﴿فتماروا﴾ أي تجادلوا وكذبوا ﴿بالنذر﴾ أي بإنذاره فكان سبباً للأخذ. ﴿ولقد راودوه عن ضيفه﴾ أي أرادوا أن يخلي بينهم وبين القوم الذين أتوه في صورة الأضياف، ليخبثوا بهم، وكانوا ملائكة في صورة شباب مرد؛ وأفرد لأنّ المراد الجنس ﴿فطمسنا﴾ أي: فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا ﴿أعينهم﴾ أي: أعميناها، وجعلناها بلاشق كباقي الوجه بأن صفقها جبريل ﵇ بجناحه؛ وقال الضحاك: بل أعماهم الله تعالى فلم يروا الرسل وقالوا: لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا فرجعوا فلم يروهم؛ وهذا قول ابن عباس وروي أنهم صارت أعينهم مع وجوههم كالصفيحة الواحدة؛ وقال

стр. 2084

القشيري: مسح بجناحه على وجوههم فعموا، ولم يهتدوا للخروج. قال ابن جرير: والعرب تقول: طمست الريح الأعلام إذا دفنتها بما تسفي عليها، فانطلقوا هاربين مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه، بل يصادمون الجدران خوفاً مما هو أعظم من ذلك، وهم يقولون عند ذلك لوط سحر الناس، وما أدّتهم عقولهم إلى أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم. قال القشيري: وكذلك أجرى الله تعالى سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلتبس عليهم كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم. وقوله تعالى: ﴿فذوقوا عذابي ونذر﴾ أي: إنذاري وتخويفي، خطاب لهم أي: قلنا لهم على لسان الملائكة فذوقوا، فهو خطاب مع كل مكذب أي: إن كنتم تكذبون فذوقوا. قال القرطبي: والمراد من هذا الأمر الخبر أي: فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط ﵇. فإن قيل: النذر كيف تذاق؟ أجيب بأنّ المراد ثمرته وفائدته. فإن قيل: إذا كان المراد بقوله تعالى: ﴿عذابي﴾ هو العذاب العاجل وبقوله تعالى: ﴿ونذر﴾ هو العذاب الآجل: فهما لم يكونا في زمان واحد، فكيف قال تعالى: ﴿فذوقوا﴾ ؟ أجيب: بأنّ العذاب الآجل أوّله متصل بآخر العذاب العاجل فهما كالواقع في زمان واحد، وهو قوله تعالى: ﴿أغرقوا فأدخلوا ناراً﴾ (نوح: ٢٥) ﴿ولقد صبحهم﴾ أي: أتاهم وقت الصباح؛ وقرأ نافع، وابن كثير، وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال عند الصاد؛ والباقون: بلا إظهار؛ وحقق المعنى بقوله تعالى: ﴿بكرة﴾ أي في أوّل نهار العذاب؛ وانصرف بكرة لأنه نكرة؛ ولو قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف؛ ﴿عذاب﴾ أي: فقلع بلادهم ورفعها؛ ثم قلبها وحصبها بحجارة النار وخسفها وغمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به حيوان؛ ﴿مستقر﴾ أي ثابت عليهم غير زائل ليس بخيال ولا سحر كما قالوا عند الطمس، فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة المتصل بالعذاب الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار. فقال لهم لسان الحال إن لم ينطق لسان المقال: ﴿فذوقوا﴾ أي: بسبب أفعالكم الخبيثة ﴿عذابي ونذر﴾ . تنبيه: قد علم من تكرير هذا أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول كان، وكان استئناف كل قصة منبهاً على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها. ﴿ولقد يسرنا﴾ أي: على مالنا من العظمة ﴿القرآن﴾ أي: الجامع الفارق بين الحق والباطل؛ ولو شئنا لأعليناه بما لنا من القدرة إلى حد تعجز القوى عن فهمه، كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته ﴿للذكر فهل من مدكر﴾ أي: فيخلص نفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظناً منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه جهلاً منهم، وعدم اكتراث بالعواقب. ولما انقضت قصة لوط ﵇ أتبعها قصة موسى ﵇ لأنها بعد قوم لوط؛ بقوله تعالى: ﴿ولقد جاء آل فرعون﴾ أي: فرعون ملك القبط بمصر؛ وقومه الذين إذا رآهم أحد كان كأنه فيهم لشدّة قربهم منه، وتخلقهم بأخلاقه ﴿النذر﴾ أي الإنذار على لسان موسى وهرون ﵉؛ فلم يؤمنوا بل ﴿كذبوا﴾ أي: تكذيباً عظيماً مستهزئين ﴿بآياتنا﴾ التي أتاهم بها موسى ﵇ ﴿كلها﴾ أي: التسع التي أوتيها وهي: العصا، واليد، والسنين، والطمس، والطوفان، والجراد، والقمل،

стр. 2085

والضفادع، والدم. فإن قيل كيف قال: ﴿ولقد جاء﴾ ولم يقل في غيره جاء؟ أجيب: بأنّ موسى ﵇ لما جاء كان غائباً عن القوم، فقدم عليهم كما قال تعالى: ﴿فلما جاء آل لوط المرسلون﴾ (الحجر: ٦١) وقال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ لأنه جاءهم من عند الله من السموات بعد المعراج، كما جاء موسى قومه من الطور؛ والنذر: الرسل ولقد جاءهم يوسف وبنوه إلى أن جاءهم موسى ﵇، وقيل: النذر: الإنذارات تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ أبو عمرو وقالون: بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر؛ وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية؛ ولهما أيضاً إبدالها ألفاً وورش على أصله في الهمزة المسهلة؛ ومدّ بعد الجيم حمزة وابن ذكوان، والباقون بالفتح؛ وإذا وقف حمزة وهشام أبدلا الهمزة ألفاً مع المدّ والتوسط والقصر؛ ﴿فأخذناهم﴾ أي: بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوح من الإغراق ﴿أخذ عزيز﴾ أي: لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء ﴿مقتدر﴾ أي: لا يعجل بالأخذ لأنه لا يخاف الفوت ولا يخشى معقباً لحكمه بالغ القدرة إلى حد لا يدرك الوصف كنهه. ثم خوّف كفار مكة فقال تعالى: ﴿أكفاركم﴾ أي: الراسخون منكم يا أهل مكة في الكفر الثابتون عليه، يا أيها المكذبون، لهذا النبيّ الكريم الساترون لشموس دينه ﴿خير﴾ في الدنيا بالقوة والكثرة، أو في الدين عند الله أو عند الناس ﴿من أولئكم﴾ أي: المذكورين من قوم نوح إلى فرعون الذين وعظناكم بهم في هذه السورة؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي ليسوا بأقوى منهم فمعناه نفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم. تنبيه: قوله تعالى: ﴿خير﴾ مع أنّه لا خير فيهم إما أن يكون كقول حسان: *فشر كما لخير كما الفداء* أو هو بحسب زعمهم واعتقادهم؛ أو المراد بالخير شدّة القوّة؛ أو لأنّ كل ممكن فلا بدّ وأن يكون له صفات محمودة، فالمراد تلك الصفات ﴿أم لكم﴾ أي: يا أهل مكة ﴿براءة في الزبر﴾ أي: أنزل إليكم من الكتب السماوية أنّ من كفر منكم فهو في أمان من عذاب الله تعالى والاستفهام هنا أيضاً بمعنى النفي أي ليس الأمر كذلك. ﴿أم يقولون﴾ أي: كفار قريش ﴿نحن جميع﴾ أي جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له ﴿منتصر﴾ أي على كل من يعاديه، لأنهم على قلب رجل واحد ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي. ولما قال أبو جهل يوم بدر: إنا جميع منتصر نزل ﴿سيهزم الجمع﴾ بأيسر أمر بوعد لا خلف فيه. وقال مقاتل: ضرب أبو جهل يوم بدر فرسه فتقدم من الصف وقال: نحن ننتصر اليوم على محمد وأصحابه فأنزل الله تعالى: ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر﴾ وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: لما نزلت ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ ، كنت لا أدري أي جمع يهزم فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يثب في درعه ويقول: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ فهزموا ببدر ونصر رسول الله ﷺ ولم يقل الأدبار لموافقة رؤوس الآي. ﴿بل الساعة﴾ أي: القيامة التي يكون فيها الجمع الأكبر والهول الأعظم ﴿موعدهم﴾ أي: للعذاب ﴿والساعة أدهى﴾ أي من كل ما يفرض وقوعه في الدنيا وأدهى أفعل تفضيل من الداهية، وهي أمر هائل لا يهتدي لدوائه فهي أمر عظيم؛ يقال: دهاه أمر كذا أي أصابه دهواً ودهياً؛

стр. 2086

وقال ابن السكيت دهته داهية دهواء ودهياء وهي توكيد لها وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح ﴿وأمر﴾ لأنّ عذابها للكفار غير مفارق ولا مزايل فهي أعظم نائبة وأشد مرارة من الأسر والقتل يوم بدر وفي رواية: أن النبيّ ﷺ كان يثب في درعه ويقول: اللهمّ إن قريشاً جادلتك وتجاهر رسولك بفخرها بخيلها فأخنهم الغداة. يقال: أخنى عليه الدهر أي غلبه وأهلكه ومنه قول النابغة: *أخني عليها الذي أخنى على لبد* وأخنيت عليه أفسدت ثم قال: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ قال عمر: فعرفت تأويلها وهذا من معجزات رسول الله ﷺ لأنّه أخبر عن غيب فكان كما أخبر؛ قال ابن عباس: كان بين نزول هذه الآية وبين بدر سبع سنين. فالآية على هذا مكية وفي البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: «لقد أنزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب» ﴿بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر﴾ وعن ابن عباس أنه ﷺ قال: «وهو في قبة له يوم بدر أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا، فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك وهو في الدرع فخرج وهو يقول: ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم﴾ يريد يوم القيامة ﴿والساعة أدهى وأمر﴾ مما لحقهم يوم بدر» . ﴿إن المجرمين﴾ أي: المشركين القاطعين لما أمر الله تعالى أن يوصل ﴿في ضلال﴾ أي: هلاك بالقتل في الدنيا ﴿وسعر﴾ أي: نار مسعرة أي مهيجة في الآخرة وقيل: ﴿في ضلال﴾ أي: عمى عن القصد بالبعث وسعر. قال الضحاك أي: نار تسعر عليهم وقيل ضلال ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، وسعر جمع سعير نار مسعرة وقال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة: في عناء وعذاب. ثم بين عذابهم في الآخرة بقوله تعالى: ﴿يوم يسحبون﴾ أي: في القيامة إهانة لهم من أي ساحب كان ﴿في النار﴾ أي الكاملة النارية ﴿على وجوههم﴾ لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى مقولاً لهم من أي قائل اتفق ﴿ذوقوا﴾ لأنه لا منعة لهم ولا حمية بوجه ﴿مَسَّ سقر﴾ أي: حرّ النار وألمها فإن مسها سبب للتألم بها، وسقر علم لجهنم مشتقة من سقرته الشمس أو النار أي لوحته ويقال: صقرته بالصاد وهي مبدلة من السين قال ذو الرمة: *إذا ذابت الشمس اتقى صقراتها ... يا فنان مربوع الصريمة معبل* وعدم صرفها للتعريف والتأنيث. وقال بعض المفسرين: إنّ هذه الآية نزلت في القدرية لما روي أنه ﷺ قال: «مجوس هذه الأمة القدرية» وهم المجرمون الذين سماهم الله تعالى في قوله سبحانه ﴿إنّ المجرمين في ضلال وسعر﴾ وفي مسلم عن أبي هريرة قال: «جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله ﷺ في القدر فنزلت هذه الآية إلى آخرها» قال الرازي: والقدري هو الذي ينكر القدر وينسب الحوادث لاتصالات الكواكب لما مرّ أنّ قريشاً خاصموا النبيّ ﷺ في القدر، ومذهبهم أن الله تعالى مكن العبد من الطاعة والمعصية وهو قادر على خلق ذلك في العبد وقادر على أن يطعم الفقير ولهذا قالوا: أنطعم من لو

стр. 2087

يشاء الله أطعمه منكرين لقدرته تعالى على الإطعام. وقوله ﷺ «القدرية مجوس هذه الأمة» إن أريد بالأمة المرسل إليهم مطلقاً كالقوم فالقدرية في زمانه ﷺ هم المشركون المنكرون قدرته على الحوادث فلا يدخل فيهم المعتزلة؛ وإن كان المراد بالأمة من آمن به ﷺ فمعناه أن نسبة القدرية إليهم كنسبة المجوس إلى الأمة المتقدمة؛ فإنّ المجوس أضعف الكفرة المتقدّمين شبهة وأشدّ مخالفة للعقل وكذا القدرية في هذه الأمة؛ وكونهم كذلك لا يقتضي الجزم بكونهم في النار فالحق أنّ القدري: هو الذي ينكر قدرة الله تعالى وقد ردّ عليهم بالكتاب والسنة. أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿إنا﴾ أي: بمالنا من العظمة ﴿كل شيء﴾ من الأشياء المخلوقة صغيرها وكبيرها ﴿خلقناه بقدر﴾ أي: قضاء وحكم وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقوّة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان محدود مكتوب ذلك في اللوح قبل وقوعه. وأمّا من السنة: فما روى عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام قال وعرشه على الماء. وعن طاووس اليماني قال: أدركت ما شاء الله تعالى من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون كل شيء بقدر الله تعالى؛ قال: وسمعت من عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ «كل شيء بقدر حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز» وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «لا يؤمن بالله عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله: بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر؛ وزاد عبد الله خيره وشره» . تنبيه: ﴿كل شيء﴾ منصوب بفعل مضمر يفسره الظاهر، ولما بين أنّ كل شيء بفعله بيّن يسر ذلك وسهولته عليه بقوله تعالى: ﴿وما أمرنا﴾ في كل شيء أردناه وإن عظم أمره ﴿إلا واحدة﴾ أي: فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك أحداث قول لأنه قديم بل تعلق القدرة بالمقدور على وفق الإرادة الأزلية؛ وقيل إلا كلمة واحدة وهي قوله تعالى ﴿كن﴾ كما قال تعالى: ﴿إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما نعقله وأخفه بقوله تعالى: ﴿كلمح بالبصر﴾ واللمح النظر بالعجلة وفي الصحاح لمحة وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف أي فكما أن لمح أحدكم بصره لا كلفة عليه فيه فكذلك الأفعال كلها عندنا بل أيسر؛ وعن ابن عباس معناه: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر. ﴿ولقد أهلكنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿أشياعكم﴾ أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السابقة والقدرة عليكم كالقدرة عليهم فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم ولذلك سبب عنه قوله تعالى: ﴿فهل من مدكر﴾ أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعف وأنّ قدرته تعالى عليه كقدرته تعالى عليهم ليرجع عن غيه خوفاً من سطوته والاستفهام بمعنى الأمر أي ادكروا واتعظوا. ﴿وكل شيء فعلوه﴾ قال الجلال المحلي: أي: العباد. وقال أكثر المفسرين: أي: الأشياع لأنه هو المتقدم ذكره ﴿في الزبر﴾ أي مكتوب في دواوين الحفظة. وقيل: في اللوح المحفوظ. وقيل: في أم الكتاب فلتحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية هذا ما أطبق

стр. 2088

عليه القراء بما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل لأنه لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد. ﴿وكل صغير وكبير﴾ أي: من الخلق وأعمالهم وآجالهم ﴿مستطر﴾ أي: مكتوب في اللوح المحفوظ. ولما وصف الكفار وصف المؤمنين مؤكداً رداً على المنكر فقال عز من قائل: ﴿إنّ المتقين﴾ أي: العريقين في وصف الخوف من الله الذي وفقهم لطاعته ﴿في جنات﴾ أي: خلال بساتين ذات أشجار تستر داخلها وقوله تعالى: ﴿ونهر﴾ أريد به الجنس: لأن فيها أنهاراً من ماء وعسل ولبن وخمر؛ أفرده لموافقة رؤوس الآي ولشدة اتصال بعضها ببعض فكأنها شيء واحد. والمعنى: أنهم يشربون من أنهارها وقيل: هو السعة والصفاء من النهار. وكما جعل للمتقين في تلك الدار ذلك جعل لهم في هذه الدار أيضاً جنات العلوم وأنهار المعارف ولهذا كانوا ﴿في مقعد صدق﴾ أي حق لا لغو فيه ولا تأثيم، ولم يقل في مجلس صدق، لأنّ القعود جلوس فيه مكث ومنه قواعد البيت والقواعد من النساء ولذا قال: ﴿عند مليك﴾ أي: ملك تام الملك ﴿مقتدر﴾ أي: قادر لا يعجزه شيء وهو الله تعالى. وعند إشارة للرتبة والكرامة والمنزلة من فضله تعالى، جعلنا الله تعالى ومحبينا منهم. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة القمر في كل غبّ ـ أي يقرأ يوماً ويترك يوماً ـ بعثه الله تعالى يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر» . حديث موضوع. سورة الرحمن وتسمى عروس القرآن لأنها مجمع النعم والجمال والبهجة في نوعها والكمال مكية كلها في قول الحسن وعروة وابن الزبير وعطاء وجابر؛ وقال ابن عباس: إلا آية منها وهي: قوله تعالى: ﴿يسأله من في السموات والأرض﴾ (الرحمن: ٢٩) الآية وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنية كلها قال ابن عادل: والأوّل أصح لما روى عروة بن الزبير قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي ﷺ ابن مسعود، وذلك أن الصحابة قالوا: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قط فمن رجل يسمعهموه، فقال ابن مسعود: أنا فقالوا نخشى عليك وإنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه، فأبى ثم قام عند المقام فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الرحمن علم القرآن﴾ ثم تمادى بها رافعاً صوته وقريش في أنديتها فتأملوا وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ قالوا: هو يقول الذي يزعم محمد أنه أنزل عليه ثم ضربوه حتى أثروا في وجهه، وصح أنّ النبيّ ﷺ «قام يصلي الصبح بنخلة فقرأ بسورة الرحمن، ومرّ النفر من الجن فآمنوا به» وهي سبع وثمانون آية وثلاثمائة، وإحدى وخمسون كلمة وألف وستمائة وستة وثلاثون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي ظهرت إحاطة كماله بما ظهر من عجائب مخلوقاته؛ ﴿الرحمن﴾ الذي ظهر عموم رحمته بما بهر من بدائع مصنوعاته؛ ﴿الرحيم﴾ الذي ظهر اختصاصه لأهل طاعته بما تحققوا من الذلّ المفيد للعز بلزوم عباداته. ولما كانت هذه السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والأخروية صدرها بقوله تعالى: ﴿علم﴾ أي: من شاء ﴿القرآن﴾ وقدم من نعمه الدينية ما هو أعلى مراتبها وأقصى مراقبها وهو إنعامه تعالى بالقرآن العظيم، وتنزيله وتعليمه لأنه أعظم

стр. 2089

وحي الله تعالى رتبة، وأعلاها منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثراً؛ وهو سنام الكتب السماوية، ومصداقها والعيار عليها. تنبيه: أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها؛ لأنّ آخر تلك مليك مقتدر، وأوّل هذه أنه رحمن. قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي: الرحمن: فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسماً من أسماء الله تعالى الر، وحم، ون، فيكون مجموع هذه الرحمن.l ولله ﵎ رحمتان: رحمة سابقة بها خلق الخلق؛ ورحمة لاحقة بها أعطاهم الرزق والمنافع، فهو رحمن باعتبار السابقة، رحيم باعتبار اللاحقة، ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره رحمن ولما خلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه بحسب الطاقة البشرية فأطعم ونفع جاز أن يقال له: رحيم. وفي إعراب الرحمن ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر أي الله الرحمن الثاني: أنه مبتدأ وخبره مضمر أي الرحمن ربنا. الثالث: أنه مبتدأ خبره علم القرآن؛ فإن قيل: كيف يجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ (آل عمران: ٧) أجيب بأنا أن قلنا بعطف الراسخين على الله فهو ظاهر، وإن قلنا بالوقف على الله ويبتدأ بقوله تعالى: ﴿والراسخون﴾ (آل عمران: ٧) فلأن من علم كتاباً عظيماً فيه مواضع مشكلة قليلة وتأمّلها بقدر الإمكان فإنه يقال فلان يعلم الكتاب الفلاني، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين في تلك المواضع القليلة، وكذا القول في تعليم القرآن، أو يقال المراد لا يعلمه من تلقاء نفسه بخلاف الكتب التي تستخرج بقوة الذكاء والفكر. واختلف في سبب نزول هذه الآية فقال أكثر المفسرين: نزلت حين قالوا: وما الرحمن، وقيل: نزلت جواباً لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر وهو رحمان اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب؛ فأنزل الله تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن﴾ أي: سهله ليذكر ويقرأ، كما قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ (القمر: ١٧) ولما كان كأنه قيل كيف يعلمه وهو صفة من صفاته، ولمن علمه قال تعالى مستأنفاً أو معللاً ﴿خلق الإنسان﴾ أي: الجنس بأن قدره وأوجده على هذا الشكل المعروف والتركيب الموصوف منفصلاً عن جميع الجمادات، وأصله منها ثم عن سائر الناميات، ثم عن غيره من الحيوانات، وخلقه له دليل على خلقه لكل شيء موجود ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ (القمر: ٤٩) وقيل علم القرآن جعله علامة. وآية ﴿علمه البيان﴾ أي القوّة الناطقة وهي الإدراك للأمور الكلية والجزئية، والحكم على الحاضر والغائب بقياسه على الحاضر، وغير ذلك مما أودعه له سبحانه مع تعبيره عما أدركه مما هو غائب في ضميره وإفهامه لغيره: تارة بالقول وتارة بالفعل، نطقاً وكتابة وإشارة وغيرها، فصار بذلك ذا قدرة في نفسه والتكميل لغيره فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم القرآن، وقال ابن عباس وقتادة والحسن: يعني آدم ﵇ علم أسماء كل شيء، وقيل: علمه اللغات كلها وكان آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية، وعن ابن عباس أيضاً وابن كيسان: المراد بالإنسان ههنا محمد ﷺ والمراد من البيان: الحلال والحرام والهدى من الضلال، وقيل: ما كان وما يكون لأنه بين عن الأولين والآخرين، وعن يوم الدين، وقال الضحاك: البيان: الخير والشرّ، وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه وما يضره. وقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقيل: بيان الكتابة والخط بالقلم نظيره قوله تعالى: ﴿علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ .

стр. 2090

فإن قيل: لِمَ قدّم تعليم القرآن للإنسان على خلقه وهو متأخر عنه في الوجود؟ أجيب: بأنّ التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. فإن قيل: كيف صرح بذكر المفعولين في علمه البيان ولم يصرح بهما في علم القرآن؟ أجيب: بأنّ في ذلك إشارة إلى أن النعمة في التعميم لا في تعليم شخص دون شخص، وبأنّ المراد من قوله تعالى: ﴿علمه البيان﴾ : تعديد النعم على الإنسان واستدعاء الشكر منه؛ ولم يذكر الملائكة لأنّ المقصود ذكر ما يرجع إلى الإنسان. وقيل: تقديره علم جبريل القرآن وقيل علم محمداً ﷺ وقيل علم الإنسان وهذا أولى لعمومه. تنبيه هذه الجمل من قوله تعالى: ﴿علم القرآن﴾ إلى هنا جيء بها من غير عاطف لأنها سيقت لتعديد نعمه؛ كقولك: فلان أحسن إلى فلان أكرمه أشاد ذكره رفع قدره؛ فلشدّة الوصل ترك العاطف؛ وهي أخبار مترادفة للرّحمن. ولما ذكر تعالى خلق الإنسان وإنعامه عليه بتعليمه البيان ذكر نعمتين عظيمتين بقوله تعالى: ﴿الشمس﴾ وهي آية النهار ﴿والقمر﴾ وهي آية الليل ﴿بحسبان﴾ فإنهما على قانون واحد وحساب لا يتغيران وبذلك تتم منفعتهما للزراعات وغيرها ولولا الشمس والقمر لفات كثير من المنافع الظاهرة بخلاف غيرهما من الكواكب فإنّ نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما، وإنهما بحسبان لا يتغير أبدا، ولو كان سيرهما غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزراعات في أوقاتها ومعرفة فصول السنة، والمعنى يجريان بحسبان معلوم فأضمر الخبر. قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك: يجريان بحسبان في منازل لا يعدوانها ولا يحيدان عنها. وقال أبو زيد وابن كيسان بهما تحسب الأوقات والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئاً إن كان الدهر كله ليلاً أو نهاراً. وقال السدي: بحسبان تقدير آجالهما أي: يجريان بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا نظيره ﴿كل يجري إلى أجل مسمى﴾ (لقمان: ٢٩) ﴿والنجم﴾ أي: النبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له كالبقول ﴿والشجر﴾ أي: الذي له ساق كشجر الرمان وتقدم الجواب عن قوله تعالى: ﴿وأنبتنا عليه شجرة من يقطين﴾ (الصافات: ١٤٦) في سورة الصافات ﴿يسجدان﴾ أي: ينقادان لله تعالى فيما يريده طبعاً انقياد الساجد من المكلفين طوعاً وقال الضحاك سجودهما سجود ظلالهما. وقال الفراء سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت الشمس ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء، وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما كما قال تعالى: ﴿يتفيؤوا ظلاله﴾ (النحل: ٤٨) وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء وسجوده في قول مجاهد دوران ظله؛ وقيل: سجود النجم أفوله وسجود الشجر إمكان الاجتناء لثمارها حكاه الماوردي. وقال النحاس: أصل السجود في اللغة الاستسلام والانقياد لله فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله وانقيادها له، ومن الحيوان كذلك. فإن قيل: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟ أجيب بأنه استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي لما علم أنّ الحسبان حسبانه والسجود له لا لغيره كأنه قيل الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له. فإن قيل: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ أجيب: بأنّ الشمس والقمر سماويان والنجم والشجر أرضيان فبين القبيلين تناسب من

стр. 2091

حيث التقابل، فإن السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأنَّ جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله تعالى فهو مناسب لسجود النجم والشجر. ﴿والسماء﴾ أي: ورفع السماء ثم فسر ناصبها فيكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدّة ما فيها من الحكم فقال تعالى: ﴿رفعها﴾ أي حسا قال البقاعي: بعدما كانت ملتصقة بالأرض ففتقها وأعلاها عنها؛ وقال الزمخشري وتبعه البيضاوي: خلقها مرفوعة؛ قال البيضاوي: محلاً ورتبه، وقال الزمخشري: حيث جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه. ﴿ووضع الميزان﴾ أي: العدل الذي دبر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا كما قال ﷺ «بالعدل قامت السموات والأرض» وقال السدي: وضع في الأرض العدل الذي أمر به يقال وضع الله الشريعة ووضع فلان كذا أي: ألفه. وقيل على هذا الميزان القرآن لأنّ فيه بيان ما يحتاج إليه وهو قول الحسين بن الفضل، وقال الحسن وقتادة والضحاك هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾ (الرحمن: ٩) والقسط هو العدل؛ وقيل هو الحكم، وقيل المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. ﴿أن﴾ أي: لأجل أن ﴿لا تطغوا﴾ أي: تتجاوزوا الحدود ﴿في الميزان﴾ فمن قال: الميزان العدل قال: طغيانه الجور؛ ومن قال: إنه الميزان الذي يوزن به قال: طغيانه البخس قال ابن عباس: لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أنه قال: يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس المكيال والميزان ومن قال: إنه الحكم قال: طغيانه التحريف. وقيل فيه إضمار أي: وضع الميزان وأمركم أن لا تطغوا فيه. فإن قيل: إذا كان المراد به ما يوزن به فأيّ نعمة عظيمة فيه حتى يعدّ في الآلاء؟ أجيب: بأنّ النفوس تأبى الغبن ولا يرضى أحد أن يغلبه غيره ولو في الشيء اليسير، ويرى أنّ ذلك استهانة به فلا يترك خصمه يغلبه فوضع الله تعالى معياراً بيّن به التساوي ولا تقع به البغضاء بين الناس وهو الميزان، وهو كل ما توزن به الأشياء بين الناس، ويعرف مقاديرها به من ميزان ومكيال ومقياس، فهو نعمة كاملة ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء اللذين لا يتبين فضلهما إلا عند فقدهما. ﴿وأقيموا الوزن بالقسط﴾ أي: افعلوه مستقيماً بالعدل. وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالعدل. وقال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية ﴿ولا تخسروا الميزان﴾ أي: لا تنقصوا الموزون، أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان؛ وكرّر لفظ الميزان تشديداً للتوصية وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه؛ وقيل: كرّره لمحال رؤوس الآي، وقيل كرّره ثلاث مرات: الأول: بمعنى الآلة وهو قوله تعالى: ﴿ووضع الميزان﴾ والثاني: بمعنى المصدر أي لا تطغوا في الوزن. والثالث: للمفعول أي لا تخسروا الموزون. قال ابن عادل: وبين القرآن والميزان مناسبة، فإنّ القرآن فيه العلم الذي لا يوجد في غيره من الكتب والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من

стр. 2092

الآلات. ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء، ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيهاً على شدّة العناية والاهتمام به فقال تعالى: ﴿والأرض﴾ أي: ووضع الأرض ثم فسر ناصبها كما فعل في قوله تعالى: ﴿والسماء رفعها﴾ فقال تعالى: ﴿وضعها﴾ أي: دحاها وبسطها على الماء ﴿للأنام﴾ أي: كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت. وقيل: هو الحيوان وقيل: بنو آدم خاصة. وهو مروي عن ابن عباس ونقل النووي في التهذيب عن الزبيدي الأنام الخلق قال: ويجوز الأنيم وقال: الواحدي قال الليث: الأنام ما على ظهر الأرض من جميع الخلق. وقال: الحسن هم الأنس والجن. ﴿فيها﴾ أي: الأرض ﴿فاكهة﴾ أي: ما يتفكه به الإنسان من ألوان الثمار ونكرها لأنّ الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها فهو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، إذ التنكير فيها للتعظيم والتكثير، نبه عليه بتعريف فرع منها ونوه به لأنّ فيه مع التفكه التقوت وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر بالقصد الأوّل فقال تعالى: ﴿والنخل﴾ ودل على تمام القدرة بقول تعالى: ﴿ذات﴾ أي: صاحبة ﴿الأكمام﴾ أي: أوعية ثمرها وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر، والأكمام جمع كم بالكسر قال الجوهري: والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء النور والجمع كمام وأكمة وإكمام والكمامة ما يكم به فم البعير لئلا يعض؛ وكم القميص بالضم والجمع أكمام وكممه والكمة القلنسوة المدوّرة لأنها تغطي الرأس. ﴿والحب﴾ أي: جميع الحبوب التي يقتات بها كالحنطة والشعير ﴿ذو العصف﴾ قال ابن عباس: تبن الزرع وورقه الذي يعصفه الريح، وقال مجاهد: ورق الشجر والزرع، وقال سعيد بن جبير: بقل الزرع الذي أوّل ما ينبت منه وهو قول الفراء. والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك وقيل: العصف حطام النبات. ﴿والريحان﴾ وهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الرزق قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هو الرزق بلغة حمير، كقولهم: سبحان الله وريحانه نصبوهما على المصدر يريدون تنزيهاً له واسترزاقاً. وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي يشم، وهو قول ابن زيد. وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقال الفراء: العصف المأكول من الزرع والريحان ما لا يؤكل وقال الكلبي: العصف الورق الذي يؤكل والريحان هو الحب المأكول. وقيل: كل بقلة طيبة الريح سميت ريحاناً، لأنّ الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي يشم. وفي الصحاح: والريحان نبت معروف، والريحان الرزق تقول: خرجت أبتغي ريحان الله، وفي الحديث: «الولد من ريحان الله» . وقرأ ابن عامر: بنصب الحب وذا والريحان بخلق مضمر، أي: وخلق الحب وذا العصف والريحان. وقرأ حمزة والكسائي: برفع الحب وذو عطفا على فاكهة، وجرّ الريحان عطفاً على العصف، والباقون: برفع الثلاثة عطفاً على فاكهة أي وفيها أيضاً هذه الأشياء. ولما دخل في قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ الجنّ والأنس خاطبهما بقوله تعالى: ﴿فبأيّ آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المحسن إليكما المدبر لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها؟ وكرر هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين

стр. 2093

موضعاً تقريراً للنعمة، وتأكيداً في التذكير، وفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها ليفهمهم النعم، ويقرّرهم بها كما تقول لمن تتابع عليه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلاً فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا، قال القائل: *كم نعمة كانت لكم كم كم وكم* وقال آخر: *لا تقتلي مسلماً إن كنت مسلمة ... إياك من دمه إياك إياك* وقال آخر: *لا تقطعنّ الصديق ما طرفت ... عيناك من قول كاشح أشر* *ولا تملنّ يوماً زيارته ... زره وزره وزر وزر وزر* وقال الحسن بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجة قال بعض العلماء: والتكرير ههنا كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر﴾ (القمر: ١٧) وكقوله تعالى: فيما سيأتي ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ (المرسلات: ١٥) وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أنّ التكرير لاختلاف النعم، فلذلك كرّر التوقيف مع كل واحدة. وقال الرازي: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات، والمراد به التقرير والزجر وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة؛ قال: وكرّرت هذه اللفظة في هذه السورة نيفاً وثلاثين مرة: إما للتأكيد، ولا يعقل لخصوص العدد معنى. وقيل: الخطاب مع الأنس والجنّ والنعمة منحصرة في دفع المكروه، وتحصيل المقصود، وأعظم المكروهات: نار جهنم ولها سبعة أبواب، وأعظم المقاصد نعيم الجنة ولها ثمانية أبواب، فالمجموعة خمسة عشر وذلك بالنسبة للإنس والجنّ ثلاثون والزائد لبيان التأكيد. وروى جابر بن عبد الله قال: «قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال ما لي أراكم سكوتاً للجنّ كانوا أحسن منكم ردّاً ما قرأت عليهم هذه الآية من مرّة ﴿فبأيّ آلاء ربكما تكذبان﴾ إلا قالوا ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد» وقرأ ورش ﴿فبأيّ آلاء﴾ على أصله بالمدّ، والتوسط، والقصر جميع ما في هذه السورة. ولما ذكر تعالى خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيهما من الدلالات على وحدانيته وقدرته ذكر خلق العالم الصغير فقال تعالى: ﴿خلق الإنسان﴾ أي: آدم ﵇ ﴿من صلصال﴾ أي: من طين يابس له صلصلة أي صوت إذا نقر ﴿كالفخار﴾ أي كالخزف المصنوع المشوي بالنار، وقيل هو طين خلط برمل؛ وقيل: هو الطين المنتن من صل اللحم وأصل إذا أنتن. تنبيه: قال تعالى: هنا. من ﴿صلصال كالفخار﴾ وقال تعالى في الحجر: ﴿من حما مسنون﴾ وقال تعالى في الصافات: ﴿من طين لازب﴾ (الصافات: ١١) وقال تعالى في آل عمران ﴿كمثل آدم خلقه من تراب﴾ (آل عمران: ٥٩) وكله متفق المعنى وذلك أنه أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء، فصار طيناً، ثم ترك حتى صار حمأ مسنوناً ثم منتناً ثم صوّره كما يصوّر الإبريق وغيره من الأواني، ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر صوت صوتاً، يعلم منه هل فيه عيب أو لا فالمذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدؤه وتارة أثناؤه فالأرض أمّه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي هو من فيح جهنم؛ فمن التراب جسده ونفسه، ومن الماء روحه

стр. 2094

وعقله، ومن النار غوايته وحدته، ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه، فالغالب في جبلته التراب، فلهذا نسب إليه، وإن خلق من العناصر الأربع، كما أنّ الجانّ خلق من العناصر الأربع لكن الغالب في جبلته النار فنسب إليها؛ كما قال تعالى: ﴿وخلق الجانّ﴾ أي: أبا الجنّ، وهو إبليس وقيل: هو أبوهم وليس هو بإبليس؛ وقيل: هو اسم جنس كالإنسان ﴿من مارج من نار﴾ وهو لهبها الخالص من الدخان؛ وقال القشيري: هو اللهب المختلط بسواد النار، فالنار أغلب عناصره. وقال الليث: المارج الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد. وعن ابن عباس: أنه اللهب الذي يعلو النار فيختلط بعضه ببعض أحمر وأصفر وأخضر وهو مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلط بعضها ببعض؛ ونحوه عن مجاهد. وقال أبو عبيدة والحسن: المارج المختلط من النار وأصله من مرج إذا اضطرب واختلط قال القرطبي: يروى أنّ الله تعالى خلق نارين فمرج أحداهما بالأخرى فأكلت إحداهما الأخرى وهي نار السموم، فخلق منها إبليس. تنبيه: ﴿من مارج من نار﴾ مَنْ الأولى لابتداء الغاية؛ وفي الثانية وجهان: أحدهما: أنها للبيان. والثاني: أنها للتبعيض. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ الناشئة عن مبدئكما ومربيكما وسيد كما ﴿تكذبان﴾ أي: مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات. ﴿رب﴾ أي: خالق ومدبر ﴿المشرقين﴾ أي: مشرق الشتاء ومشرق الصيف ﴿ورب المغربين﴾ كذلك. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ربكما أي الذي دبر لكما هذا التدبير العظيم ﴿تكذبان﴾ أي: بما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك. ﴿مرج﴾ أي: أرسل الرحمن ﴿البحرين﴾ أي: العذب والملح فجعلهما مضطربين من طبعهما الاضطراب حال كونهما ﴿يلتقيان﴾ أي: يتماسان على وجه الأرض بلا فصل بينهما في رؤية العين. وقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض. قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام. وقيل: يلتقي طرفاهما. وقال الحسن وقتادة: بحر فارس والروم. وقال ابن جريج: البحر المالح والأنهار العذبة. وقيل: بحر المشرق وبحر المغرب. وقيل: بحر اللؤلؤ وبحر المرجان. ﴿بينهما برزخ﴾ أي حاجز عظيم فعلى القول بأنهما بحر السماء وبحر الأرض فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض؛ قاله الضحاك وعلى الأقوال الباقية: قال الحسن وقتادة: هو الأرض. وقال بعضهم هو القدرة الإلهية وهذا أولى. ﴿لا يبغيان﴾ اختلف فيه. فقال قتادة: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم كما طغيا فأهلكا من على الأرض في أيام نوح ﵇، فجعل بينهما وبين الناس اليبس، وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه. وقيل البرزخ ما بين الدنيا والآخرة أي: بينهما مدة قدّرها الله تعالى وهي مدّة الدنيا فهما لا يبغيان فإذا أذن الله تعالى في انقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وإذا البحار فجرت﴾ (الإنفطار: ٣) وقال سهل بن عبد الله: البحران طريق الخير والشرّ، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة، وقال الرازي: معنى الآية أنّ الله تعالى أرسل بعض البحرين إلى بعض ومن شأنهما الاختلاط، فحجزهما ببرزخ من قدرته فهما لا يبغيان أي لا يتجاوز كل واحد منهما ما حدّه له خالقه

стр. 2095

لا في الظاهر ولا في الباطن فمتى حفرت على جنب الملح في بعض الأماكن وجدت الماء العذب وإن قربت الحفرة منه؛ قال البقاعي: بل كلما قربت كان أحلى فخلطهما سبحانه في رأي العين وحجز بينهما في غيب القدرة هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك، فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها المدركون العقلاء؟. ﴿فبأي آلاء﴾ أي نعم ﴿ربكما﴾ أي الموجد لكما والمربي ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلكم تنجون من عذاب الله تعالى. ﴿يخرج منهما اللؤلؤ﴾ وهو كبار الجوهر ﴿والمرجان﴾ وهو صغار الجوهر، قاله علي وابن عباس والضحاك: وقيل: بالعكس؛ وقيل: المرجان حجر أحمر وقيل: حجر شديد البياض والمرجان أعجمي أي بمخالطة العذب المالح من غير واسطة أو بواسطة السحاب فصار ذلك كالذكر والأنثى، وقال الرازي: فيكون العذب كاللقاح للملح، وقال أبو حيان: قال الجمهور: إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي تقع فيها الأنهار والمياه العذبة فأسند ذلك إليهما، وهذا مشهور عند الغواصين. قال مكي: كما قال: ﴿على رجل من القريتين عظيم﴾ (الزخرف: ٣١) أي: من إحدى القريتين وحذف المضاف كثير شائع؛ وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿نسيا حوتهما﴾ (الكهف: ٦١) وإنما الناسي فتاه، ويعزى لأبي عبيدة؛ قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله تعالى ﴿يا معشر الجنّ والأنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ وكانت الرسل من الأنس، وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان، وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً، وقال ابن عباس: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر والصدف تفتح أفواهها للمطر وقد شاهده الناس فيكون تولده من بحر السماء وبحر الأرض، وهذا قول الطبري. وقال الزمخشري: فإن قلت لم قال منهما، وإنما يخرجان من الملح؟ قلت: لما التقيا وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر ولا يخرجان من جميع البحر وإنما يخرجان من بعضه؛ وتقول خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محاله بل من دار واحدة من دوره، وقيل: لايخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب ا. هـ. وقال بعضهم: كلام الله تعالى أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، فمن الجائز أنه يسوقهما من البحر العذب إلى الملح، واتفق أنهم لم يخرجوهما إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التجار المتردّدين القاطعين المفاوز فكيف بما في قعر البحر. قال ابن عادل: والجواب عن هذا أنّ الله تعالى لا يخاطب الناس ولا يمتن عليهم إلا بما يألفون ويشاهدون. وقرأ نافع وأبو عمرو: يخرج بضم الياء وفتح الراء مبنياً للمفعول، والباقون بفتح الياء وضم الراء مبنياً للفاعل على المجاز. وقرأ السوسي وشعبة: بإبدال الهمزة الساكنة واواً وصلاً ووقفاً، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى والثانية. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: الملك الأعظم المالك لكما ﴿تكذبان﴾ أبكثرة النعم من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها، وإخراج الحلي العجيبة أم بغيرها. ﴿وله﴾ أي: لا لغيره ﴿الجواري﴾ أي: السفن الكبار والصغار الفارغة والمشحونة فلا تغترّوا بالأسباب الظاهرة فتقفوا معها فتسندوا شيئاً من ذلك إليها، وقرأ: ﴿والمنشآت﴾ حمزة وأبو بكر بخلاف عنه بكسر

стр. 2096

الشين بمعنى أنها تنشئ الموج بجريها أو تنشئ السير إقبالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها أي قلوعها والشراع القلع وعن مجاهد كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت وإلا فليست منها ونسبة الرفع إليها مجاز كما يقال: أنشأت السحابة المطر وقرأ الباقون بفتح الشين وهو اسم مفعول أي أنشأها الله تعالى أو الناس أو رفعوا شراعها. تنبيه: الجواري جمع جارية وهو اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر لأنّ جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك فيقولون لك الفلك ولك الملك؛ وإذا خافوا الغرق دعوا الله وحده، وسميت السفينة جارية لأنّ شأنها ذلك وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية كما قال تعالى: ﴿إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية﴾ (الحاقة: ١١) وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك فقال تعالى لنوح ﵇: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ (هود: ٣٧) ثم بعدما عملها سماها سفينة فقال تعالى: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾ (العنكبوت: ١٥) قال الرازي: فالفلك أولاً ثم السفينة ثم الجارية ا. هـ. والمرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية لأنّ شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها بخلاف الزوجة فهي من الصفات الغالبة. والسفينة فعليه بمعنى فاعله عند ابن دريد؛ كأنها تسفن الماء وفعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى مسفونة وقوله تعالى: ﴿في البحر﴾ متعلق بالمنشآت وقوله تعالى: ﴿كالأعلام﴾ حال إمّا من الضمير المستكن في المنشآت وإمّا من الجواري وكلاهما بمعنى واحد؛ والأعلام الجبال والعلم الجبل الطويل علماً على الأرض قال القائل: *إذا قطعنا علماً بدا لنا علم* وقال آخر: *ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبى شمالات* وقالت الخنساء في أخيها صخر: *وإن صخراً لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار* أي: جبل فالسفن في البحر كالجبال في البرّ؛ وجمع الجواري. ووحد البحر وجمع الأعلام إشارة إلى عظمة البحر. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ العظمى التي عمت خلقه ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من خلق موادّ السفن والإرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر وأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره أم غيرها؟. وقوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ أي: هالك غلب فيه من يعقل على غيره وجميعهم مراد؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (ص: ٣٢) ورد هذا بأنه قد تقدّم ذكرها في قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها﴾ (الرحمن: ١٠) وقيل: الضمير عائد إلى الجواري. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلكت أهل الأرض فنزل: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك. فإن قيل: الكلام في تعدّد النعم فأين النعمة في فناء الخلق؟ أجيب: بأنها التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب. ﴿ويبقى﴾ أي: بعد فناء الكل بقاء مستمرّا إلى ما لا نهاية له ﴿وجه ربك﴾ أي: ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه. فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وخاطب ههنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ ولم يقل وجه

стр. 2097

ربكما؟ أجيب: بأنّ الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أنّ غيره فان فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه؛ المخاطب عن الفناء، فإن قيل: فلو قال: ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل؛ أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى: ﴿ذو الجلال﴾ أي: العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به ﴿والإكرام﴾ أي: الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها؟. وقوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ أي: هالك غلب فيه من يعقل على غيره وجميعهم مراد؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (ص: ٣٢) ورد هذا بأنه قد تقدّم ذكرها في قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها﴾ (الرحمن: ١٠) وقيل: الضمير عائد إلى الجواري. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلكت أهل الأرض فنزل: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك. فإن قيل: الكلام في تعدّد النعم فأين النعمة في فناء الخلق؟ أجيب: بأنها التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب. ﴿ويبقى﴾ أي: بعد فناء الكل بقاء مستمرّا إلى ما لا نهاية له ﴿وجه ربك﴾ أي: ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه. فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وخاطب ههنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ ولم يقل وجه ربكما؟ أجيب: بأنّ الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أنّ غيره فان فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه؛ المخاطب عن الفناء، فإن قيل: فلو قال: ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل؛ أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى: ﴿ذو الجلال﴾ أي: العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به ﴿والإكرام﴾ أي: الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها؟. وقوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ أي: هالك غلب فيه من يعقل على غيره وجميعهم مراد؛ والضمير في عليها للأرض قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر كقوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (ص: ٣٢) ورد هذا بأنه قد تقدّم ذكرها في قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها﴾ (الرحمن: ١٠) وقيل: الضمير عائد إلى الجواري. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلكت أهل الأرض فنزل: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ فأيقنت الملائكة بالهلاك. فإن قيل: الكلام في تعدّد النعم فأين النعمة في فناء الخلق؟ أجيب: بأنها التسوية بينهم في الموت والموت سبب للنقل إلى دار الجزاء والثواب. ﴿ويبقى﴾ أي: بعد فناء الكل بقاء مستمرّا إلى ما لا نهاية له ﴿وجه ربك﴾ أي: ذاته فالوجه عبارة عن وجود ذاته. قال ابن عباس: الوجه عبارة عنه. فإن قيل كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ وخاطب ههنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ ولم يقل وجه ربكما؟ أجيب: بأنّ الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع ليعلم كل أحد أنّ غيره فان فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه؛ المخاطب عن الفناء، فإن قيل: فلو قال: ويبقى وجه الرب من غير خطاب كان أدل على فناء الكل؛ أجيب: بأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر والموضع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب ولما ذكر تعالى مباينته للمخلوقات وصف نفسه بالإحاطة الكاملة فقال تعالى: ﴿ذو الجلال﴾ أي: العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به ﴿والإكرام﴾ أي: الإحسان العام وهو صفة فعله مع جلاله وعظمته. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المربى لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من بقاء الرب وفناء الكل والحياة الدائمة والنعيم المقيم أم بغيرها؟. الكتاب: السراج المنير للخطيب الشربينى وقوله تعالى: ﴿يسأله من في السموات﴾ أي: كلها كلهم ﴿والأرض﴾ كذلك مستأنف وقيل: حال من وجه والعامل فيه يبقى أي: يبقى مسؤولاً من أهل السموات والأرض بلسان الحال أو المقال أو بهما. قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً. وقال ابن جريج: يسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض كما في الحديث، قال القرطبي: وفي الحديث: «إن من الملائكة ملكاً له أربعة أوجه وجه كوجه الإنسان يسأل الله تعالى الرزق لبني آدم، ووجه كوجه الأسد وهو يسأل الله تعالى الرزق للسباع، ووجه كوجه الثور وهو يسأل الله تعالى الرزق للبهائم، ووجه كوجه النسر وهو يسأل الله تعالى الرزق للطير» . وقال ابن عطاء: إنهم يسألوه القوّة على العبادة. وقوله تعالى: ﴿كل يوم﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر وهو قوله تعالى: ﴿هو في شان﴾ والشأن الأمر روى أبو الدرداء: عن النبيّ ﷺ قال: «كل يوم هو في شان قال من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كربة ويرفع أقواماً ويضع آخرين» . وعن ابن عمر: عن النبيّ ﷺ قال: «يفغر ذنباً ويكشف كرباً ويجيب داعياً» . وقال أكثر المفسرين من شأنه أنه يحيي ويميت ويرزق ويعزّ قوماً ويذل قوماً ويشفي قوماً ويفرج مكروباً ويجيب داعياً ويعطي سائلاً ويغفر ذنباً إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء. وروى البغوي: عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: «إنّ مما خلق الله لوحاً من درّة بيضاء دفتاه من ياقوتة حمراء قلمه نور وكلماته نور ينظر الله تعالى فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعزّ ويذلّ ويفعل ما يشاء» ، فذلك قوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شان﴾ . وقال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله تعالى يومان أحدهما: اليوم الذي هو مدّة عمر الدنيا فشأنه فيه أي: في كل يوم من أيامها الأمر والنهي والإماتة والإحياء والاعطاء والمنع، والثاني: يوم القيامة وشأنه فيه الجزاء والحساب والثواب والعقاب. وقال أبو سليمان الداراني: في هذه الآية له في كل يوم إلى العبيد برّ جديد. وقال بعض المفسرين: شأنه تعالى أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر عسكراً من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمّهات، وعسكراً من الأرحام إلى الدنيا، وعسكراً

стр. 2098

من الدنيا إلى القبور ثم يرتحلون جميعاً إلى الله تعالى. وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا إنّ الله لا يقضي يوم السبت شيئاً. وسأل بعض الملوك وزيره عن هذه الآية فاستمهله إلى الغد وذهب كئيباً يتفكر فيها، فقال له غلام أسود: يا مولاي أخبرني ما أصابك لعل الله تعالى يسهل لك على يدي؛ فأخبره فقال: أنا أفسرها للملك فأعلمه فقال أيها الملك شأن الله تعالى أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحيّ، ويشفي سقيما، ويسقم صحيحا، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا، ويغني فقيرا، فقال الأمير: أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال: يا مولاي هذا من شأن الله تعالى. وعن عبد الله بن طاهر: أنه دعا الحسين بن الفضل وقال له أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشف لي قوله تعالى: ﴿فأصبح من النادمين﴾ (المائدة: ٣١) وقد صح أنّ الندم توبة. وقوله تعالى: ﴿كل يوم هو في شان﴾ وصح أنّ القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة وقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم: ٣٩) فمعناه ليس له إلا ما يسعى فما بال الأضعاف؟ قال الحسين: يجوز أن لا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون في هذه الأمة لأنّ الله تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم. وقيل: إنّ ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ولكن على حمله، وأما قوله تعالى ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ فمعناه أنه ليس له إلا ما يسعى عدلاً ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً فضلاً، وأما قوله تعالى: ﴿كل يوم هو شان﴾ فإنها شؤون يبديها لاشؤون يبتديها؛ فقام عبد الله: فقبل رأسه وسوغ خراجه. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ المدبر لكما هذا التدبر العظيم ﴿تكذبان﴾ أي: أبتلك النعم أم بغيرها؟. ﴿سنفرغ لكم﴾ أي سنقصد لحسابكم وجزائكم؛ وقرأ حمزة والكسائي: بعد السين بالياء التحتية والباقون بالنون ﴿أيه الثقلان﴾ أي: الإنس والجنّ وذلك يوم القيامة فإنه تعالى لا يفعل ذلك في غيره قال القرطبي: يقال فرغت من الشغل أفرغ فراغاً وفروغاً وتفرّغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلت وليس بالله تعالى شغل يفرغ منه؛ وإنما المعنى سنقصد لمجازاتكم ومحاسبتكم فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك؛ كقول القائل لمن يريد تهديده: إذا أتفرّغ لك أي أقصدك وأنشد ابن الأنباري لجرير: *الآن وقد فرغت إلى نمير ... فهذا حين كنت لهم عذابا* يريد: وقد قصدت، وأنشد الزجاج والنحاس: *فرغت إلى العبد المقيد في الحجل* وفي حديث النبي ﷺ «أنه لما بايع الأنصار ليلة العقبة صاح الشيطان: يا أهل الحباحب هذا مذمم يبايع بني قيلة على حربكم، فقال النبيّ ﷺ هذا أزبّ العقبة أما والله يا عدوّ الله لأتفرغنّ لك» أي: أقصد إلى إبطال أمرك. وهذا اختيار الكسائي وغيره. قال ابن الأثير الأزبّ في اللغة الكثير الشعر؛ وهو ههنا شيطان اسمه أزبّ العقبة وهو الحية. وقيل: إنّ الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور ثم قال تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان﴾ أي ما وعدناكم ونوصل كلاً إلى ما وعدناه أقسم ذلك وأتفرّغ منه قاله الحسن ومقاتل وابن زيد. تنبيه: رسمْ ﴿أيه﴾ بغير ألف فإذا وقف عليها وقف أبو عمرو والكسائي أيها بالألف ووقف الباقون على الرسم أيه وفى

стр. 2099

الوصل قرأ ابن عامر أيه برفع الهاء والباقون بنصبها. فائدة: سمى الإنس والجن بالثقلين لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف؛ وقيل: سموا بذلك لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتا. قال الله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ (الزلزلة: ٢) ومنه قولهم: أعطه ثقله أي وزنه؛ وقال بعض أهل المعاني كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل ومنه قيل لبيض النعام: ثقل؛ لأنّ واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به؛ وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب؛ وقيل: الثقل الإنس لشرفهم وسمي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغلب كالقمرين والعمرين والثقل العظيم الشريف. قال ﷺ «إني تارك فيكم ثقلين كتاب الله وعترتي» . ﴿فبأيّ آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المحسن إليكما بهذا الصنيع المحكم ﴿تكذبان﴾ أي: أبتلك النعم من إثابة أهل طاعته وعقوبة أهل معصيته أم بغيرها؟. ﴿يا معشر الجنّ﴾ أي: يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق ﴿والإنس﴾ أي: الخواص والمستأنسين والمأنوسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع ﴿إن استطعتم﴾ أي: وجدت لكم إطاعة الكون في ﴿أن تنفذوا﴾ أي: تسلكوا بأجسامكم وتمضوا من غير مانع يمنعكم ﴿من أقطار﴾ أي: نواحي ﴿السموات والأرض﴾ هاربين من الله تعالى من أنواع الجزاء بينكم، أو عصياناً عليه في قبول أحكامه وجري مراداته وأقضيته عليكم من الموت وغيره. وقوله تعالى: ﴿فانفذوا﴾ أمر تعجيز والمعنى: إن استطعتم أن تجوزوا نواحي السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا، يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله تعالى أينما تولوا فثم ملك الله . فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس ههنا، وتقديم الإنس على الجنّ في قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن﴾ (الإسراء: ٨٨) أجيب بأنّ النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجنّ أليق إن أمكن والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن فقدم في كل موضع ما يليق به. فإن قيل: لم جمع في قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم﴾ وفي قوله تعالى: ﴿إن استطعتم﴾ وثنى في قوله ﴿أيه الثقلان﴾ أجيب: بأنهما فريقان في حال الجمع كقوله تعالى: ﴿فإذا هم فريقان يختصمون﴾ (النمل: ٤٥) ﴿وهذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ . ﴿لا تنفذون﴾ أي: لا تقدرون على النفوذ ﴿إلا بسلطان﴾ أي: إلا بقوّة وقهر وأنى لكم ذلك؟ وروى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال معناه إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان أي بينة من الله تعالى. تنبيه: في هذه الآيات والتي في الأحقاف وفي قل أوحى دليل على أنّ الجنّ مكلفون مخاطبون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء مؤمنهم كمؤمنهم وكافرهم ككافرهم. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون به قدرته على ما يريد ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرهما؟. وقال البغوىّ: وفي الخبر يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون ﴿يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم﴾ الآية، فذلك قوله تعالى: ﴿يرسل عليكما﴾ أي: أيها المعاندون؛ قال ابن عباس ﵄: حين يخرجون من القبور لسوقهم إلى المحشر ﴿شواظ من نار﴾ قال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار. وقال ابن عباس

стр. 2100

رضي الله تعالى عنهما: هو اللهب الخالص الذي لا دخان له. وقال الضحاك هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس كدخان الحطب وقال سعيد بن جبير: عن ابن عباس ﵄: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر وقيل: هو اللهب الأحمر. وقال عمرو: هو النار والدخان جميعاً وحكاه الأخفش عن بعض العرب قال حسان: *هجوتك فاختضعت لها بذل ... بقافية تأجج كالشواظ* وقرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل صوار من البقر وصوار وهو القطيع من البقر. واختلف في قوله : ﴿ونحاس﴾ فقيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله تعالى ويعذبهم به. وقيل: هو الدخان الذي لا لهب معه قاله الخليل، وهو معروف في كلام العرب؛ وأنشد الأعشى: *تضيء كضوء سراج السلي ... ط لم يجعل الله فيه نحاسا* وقال ابن برحان والعرب تسمى الدخان نحاساً بضم النون وكسرها، وأجمع القراء على ضمها ا. هـ وقال الضحاك: هو دردري الزيت المغلي. وقال الكسائي: التي لها ريح شديد. ﴿فلا تنتصران﴾ أي فلا تمتنعان ولا ينصر بعضكم بعضاً من ذلك بل يسوقكم إلى المحشر. ﴿فبأي آلاء﴾ أي نعم ﴿ربكما﴾ أي: المدبر لكما هذا التدبير المتقن ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم ـ فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء ـ أم بغيرها؟. ﴿فإذا انشقت السماء﴾ أي: انفرجت، فكانت أبواباً لنزول الملائكة ﴿فكانت وردة﴾ أي: محمرّة مثل الوردة ﴿كالدهان﴾ أي: كالأديم الأحمر على خلاف العهد بها لشدّة حرّ نار جهنم. وقال مجاهد والضحاك وغيرهما: الدهان الدهن والمعنى صارت في صفاء الدهن؛ والدهان على هذا جمع دهن. وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حمرة الورد وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها؛ وقال الحسن: كصب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً؛ وجواب إذا فما أعظم الهول. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: الخالق والرازق لكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما يكون بعد ذلك؟. ﴿فيومئذ﴾ أي: فتسبب عن يوم إذ انشقت السماء أنه ﴿لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جانّ﴾ أي: سؤال تعرّف واستعلام، بل سؤال تقريع وتوبيخ وملام، وذلك أنه لا يقال له هل فعلت كذا؟ بل يقال له لم فعلت كذا؟ على أنّ ذلك اليوم طويل وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه، وتارة لا يسأل والأمر في غاية الشدّة وكل لون من تلك الألوان يسمى يوماً فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض وقيل: المعنى ألا يسألون إذا استقروا في النار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم لأنّ الله تعالى حفظها عليهم وكتبتها الملائكة؛ رواه العوفي عن ابن عباس ﵄. وعن الحسن ومجاهد: لا تسأل الملائكة عنهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم؛ دليله قوله تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ (الرحمن: ٤١) . ورواه مجاهد عنه أيضاً: في قوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ (الحجر: ٩٢) وقوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ (الرحمن: ٣٩) قال لا يسألهم ليعرف ذلك منهم ولكنه يسألهم لم عملتموها سؤال توبيخ؛ وقال أبو العالية: لا يسأل

стр. 2101

غير المجرم عن ذنب المجرم؛ وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم ثم يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم. تنبيه: الجانّ هنا وفيما يأتي بمعنى الجني والإنس بمعنى الإنسي. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: الذي ربى كلاً منكم بما لا مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما أنعم الله تعالى على عبادة المؤمنين في هذا اليوم؟. ﴿يعرف﴾ أي: لكل أحد ﴿المجرمون﴾ أي: العريقون في هذا الوصف ﴿بسيماهم﴾ أي العلامات التي صور الله تعالى ذنوبهم فيها، فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة وظاهرة الدلالة عليهم، كما يعرف الآن الليل إذا جاء لا يخفى على أحد أصلاً وكذا النهار ونحوهما لغير الأعمى؛ قال البقاعي: وتلك السيمى والله أعلم زرقه العيون، وسواد الوجوه، والعمى والصمم والمشي على الوجوه، ونحو ذلك، وكما يعرف المحسنون بسيماهم: من بياض الوجوه، وإشراقها، وتبسمها، والغرّة والتحجيل، ونحو ذلك. وسبب عن هذه المعرفة قوله تعالى: مشيراً بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من أيّ آخذ كان ﴿فيؤخذ بالنواصي﴾ أي: منهم وهي مقدمات الرؤوس ﴿والأقدام﴾ بعد أن يجمع بينها فيسحبون بها سحباً من كل ساحب أقامه الله تعالى لذلك لا يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار؛ وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره وعنه يؤخذ برجلي الرجل فيجمع بينهما وبين ناصيته حتى يندق ظهره، ثم يلقى في النار؛ وفعل بالكافر ذلك ليكون أشدّ لعذابه؛ وقيل: تسحبه الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على وجهه وتارة تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المنعم عليكما الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما وعد أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في الدنيا أو غير ذلك من الفضل؟. ﴿هذه جهنم﴾ أي: يقال لهم إذا ألقوا فيها هذه جهنم ﴿التي يكذب﴾ أي: ماضياً وحالاً ومآلاً استهانة؛ ولو ردّوا إلى الدنيا بعد إدخالهم إياها لعادوا لما انهوا عنه. ﴿بها المجرمون﴾ أي: المشركون الحقيقون بالإجرام، وهو قطع ما من حقه أن يوصل وهو ما أمر الله تعالى به وخص هذا الاسم إشارة إلى أنها تلقاهم بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاعة كما كانوا يفعلون مع الصالحين عند الإجرام المذكور. ﴿يطوفون بينها﴾ أي بين درك النار ﴿وبين حميم آن﴾ أي: حارمتناه في الحرارة وهو منقوص كقاض؛ يقال: أنى يأني فهو آن؛ كقضى يقضي فهو قاض؛ والمعنى أنهم يسعون بين الحميم والجحيم، فإذا استغاثوا من النار جعل عذابهم الحميم الآن الذي صار كالمهل؛ وهو قوله تعالى: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل﴾ (الكهف: ٢٩) وقال كعب الأحبار: وادٍ من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون فيه حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم خلقاً جديداً، فيلقون في النار، فذلك قوله تعالى: ﴿يطوفون بينها وبين حميم آن﴾ . فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة؟ فكيف قال : ﴿فبأيّ آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المحسن أيها الثقلان إليكما ﴿تكذبان﴾ أجيب: من وجهين: أحدهما: أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن المعاصي وترغيب في الطاعات، وهذا من أعظم النعم؛ روي أنّ النبي ﷺ أتى على شاب يقرأ في

стр. 2102

الليل ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان﴾ (الرحمن: ٣٧) فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول ويحي من يوم تنشق فيه السماء ويحي فقال النبيّ ﷺ «ويحك يا فتى منها فو الذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء من بكائك» . الثاني: أنّ المعنى إن كذبتم بالنعمة المتقدّمة استحقيتم هذه العقوبات وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم. ولما عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم وقدمه لما اقتضاه مقام التكذيب من الترهيب، وجعله سابعاً إشارة إلى أبواب النار السبع، عطف عليه ما للخائف الذي أداه خوفه إلى الطاعة، وجعله ثامناً على عدد أبواب الجنة الثمانية فقال تعالى: ﴿ولمن خاف﴾ أي: من الثقلين ووحد الضمير مراعاة للفظ من إشارة إلى قلة الخائفين ﴿مقام ربه﴾ أي: قيامه بين يدي ربه للحساب بترك المعصية والشهوة؛ قال القرطبي: ويجوز أن يكون المقام للعبد ثم يضاف إلى الله تعالى وهو كالأجل في قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ (الأعراف: ٣٤) وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾ (نزح: ٤) . وقال مجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله تعالى فيدعها من مخافته . ﴿جنتان﴾ أي: لكل خائف جنتان على حدة. قال مقاتل: جنة عدن وجنة النعيم وقال محمد بن علي الترمذي: جنة بخوف ربه وجنة بترك شهوته؛ وقال ابن عباس: من خاف مقام ربه بعد أداء الفرائض؛ وقيل: جنتان لجميع الخائفين؛ وقيل: جنة لخائف الإنس وأخرى لخائف الجنّ فيكون من باب التوزيع؛ وقيل: مقام هنا مقحم كما تقول أخاف جانب فلان، وفعلت هذا لمكانك، وأنشد: *................ ونفيت عنه ... مقام الذئب؛ كالرجل اللعين* يريد ونفيت عنه الذئب؛ قال ابن عادل: وليس بجيد لأنّ زيادة الاسم ليست بالسهلة؛ وقيل: إنّ الجنتين جنته التي خلقت له وجنة، ورثها؛ وقيل: إحدى الجنتين منزله والأخرى منزل أزواجه كما يفعل رؤساء الدنيا؛ وقيل: إحدى الجنتين مسكنه والأخرى بستانه؛ وقيل: إحدى الجنتين أسافل القصور والأخرى أعاليها؛ وقال الفراء: إنها جنة واحدة وإنما ثنى مراعاة لرؤوس الآي؛ وأنكر القتيبي هذا وقال: لا يجوز أن يقال خزنة النار عشرون وإنما قال: تسعة عشر مراعاة لرؤوس الآي؛ وقيل: جنة واحدة وإنما ثنى تأكيداً كقوله تعالى: ﴿ألقيا في جهنم﴾ (ق: ٢٤) وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل إلا أن يبلغه الله تعالى إليه إلا أن يبلغه الله تعالى الجنة» أخرجه الترمذي. قوله أدلج الإدلاج مخففاً سير أول الليل، ومثقلاً سير آخر الليل؛ والمراد من الإدلاج التشمير والجد والاجتهاد في أوّل الأمر فإن من سار في أوّل الليل كان جديراً ببلوغ المنزل. روى البغوي بسنده عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقص على المنبر وهو يقول: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ الثالثة: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ قلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء» . فائدة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أنّ من قال لزوجته إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق إنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفا من الله تعالى وحياء منه؛ وقاله سفيان الثوري وأفتى به. هذا ومذهب

стр. 2103

الشافعي أنه لا يحنث إذا كان مسلماً ومات على الإسلام. وقال عطاء: نزلت هذه الآية في أبي بكر حين ذكر ذات يوم الجنة حين أزلفت والنار حين أبرزت؛ وقال الضحاك: بل شرب ذات يوم لبناً على ظمأ فأعجبه فسأل عنه، فأخبر عنه أنه من غير حل فاستقاءه ورسول الله ﷺ ينظر إليه فقال: رحمك الله لقد أنزلت فيك آية وتلا عليه الآية. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ المربي لكما بإحسانه الكبار التي لا يقدر أحد على شيء منها ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعمة أم بغيرها من نعمة التي لا تحصى؟. ثم وصف الجنتين بقوله تعالى: ﴿ذواتا﴾ أي: صاحبتا أو خبر لمبتدأ محذوف أي: هما ذواتا، وفي تثنية ذات لغتان الردّ إلى الأصل، فإنّ أصلها ذوية فالعين واو واللام ياء لأنها مؤنثة ذوو الثانية التثنية على اللفظ فيقال ذاتا. وقوله تعالى ﴿أفنان﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه جمع فنن كطلل وهو الغصن المستقيم طولاً تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع، قال النابغة الذبياني: *بكاء حمامة تدعو هديلا ... مفجعة على فنن تغني وفي الحديث: «أهل الجنة مرد مكحولون الوفانين» يريد الأفانين وهو جمع أفنان وأفنان جمع فنن من الشعر شبه بالغصن ذكره الهروي. وقال قتادة: ذواتا أفنان أي: ذواتا سعة وفضل على سواهما. والوجه الثاني: أنه جمع فن وإليه أشار ابن عباس. والمعنى ذواتا أنواع وأشكال وقال الضحاك: ألوان من الفاكهة واحدها فنّ إلا أنّ الكثير في فنّ أن يجمع على فنون: وقال عطاء كل غصن فنون من الفاكهة، ولذا سبب عنه قوله تعالى: ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المحسن إليكما والمدبر لكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به، أم بغيرها؟. ولما كانت الجنان لا تقوم إلا بأنهار قال تعالى: ﴿فيهما عينان تجريان﴾ أي: في كل واحدة منهما عين جارية قال ابن عباس تجريان: ماء بالزيادة والكرامة من الله تعالى على أهل الجنة؛ وعن ابن عباس أيضاً والحسن: تجريان بالماء الزلال إحدى العينين التسنيم والأخرى السلسبيل؛ وقال عطية: أحدهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين؛ وقيل: تجريان من جبل من مسك قال أبو بكر الوراق: فيهما عينان تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخالفة الله فتجريان في أي مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في الأشجار في كلّ غصن منها وإن زاد علوها. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المالك لكما والمحسن إليكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم التي ذكرها وجعل لها في الدنيا أمثالاً كثيرة أم بغيرها؟. ﴿فيهما﴾ أي: الجنتين ﴿من كل فاكهة﴾ أي: تعلمونها أو لا تعلمونها ﴿زوجان﴾ أي: صنفان ونوعان قيل: معناه أنّ فيهما من كلّ ما يتفكه به ضربين رطباً ويابساً؛ وقال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرّة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ذواتا أفنان﴾ و ﴿فيهما عينان تجريان﴾ و ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾ كلها أوصاف للجنتين فما الحكمة في فصل بعضها عن بعض بقوله تعالى ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ مع أنه تعالى لم يفصل حين ذكر العذاب بين الصفات؛ بل قال تعالى: ﴿يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران﴾ مع أنّ إرسال الشواظ غير إرسال النحاس؟ أجيب: بأنه تعالى جمع

стр. 2104

العذاب جملة، وفصل آيات الثواب ترجيحاً لجانب الرحمة على جانب العذاب، وتطييباً للقلب وتهييجاً للسامع فإن إعادة ذكر المحبوب وتطويل الكلام في اللذات مستحسن. فإن قيل: فما وجه توسط آية العينين بين ذكر الأفنان وآية الفاكهة والفاكهة إنما تكون على الأعصان، والمناسبة ألا يفصل بين آية الأغصان والفاكهة؟ أجيب: بأنّ ذلك على عادة المتنعمين إذا خرجوا متفرجين في البستان؛ فأوّل قصدهم الفرجة بالخضرة والماء ثم يكون الأكل تبعاً. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ التي ادخرها الموجد لكما المحسن إليكما ﴿تكذبان﴾ أبتلك النعم أم بغيرها مما فوضه إليكم من سائر النعم التي لا تحصى. ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره؛ قال تعالى مخبراً عن هؤلاء الذين يخافون مقام ربهم ﴿متكئين﴾ أي: لهم ما ذكر حال الاتكاء، والعامل في الحال محذوف أي يتنعمون متكئين ﴿على فرش﴾ وعظمها بقول تعالى مخاطباً للمكلفين بما يحتمل عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على الحقيقة شيء من الدنيا ﴿بطائنها من استبرق﴾ وهو ما غلظ من الديباج؛ قال ابن مسعود: وأبو هريرة: إذا كانت البطائن التي تلي الأرض هكذا، فما ظنك بالظهارة؟. وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من استبرق فما الظاهر؟ قال: هذا مما قال الله تعالى ﴿فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين﴾ (السجدة: ١٧) وقال ابن عباس: إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم فأمّا الظواهر فلا يعلمها إلا الله تعالى؛ ونظير ذلك في الجنة قوله تعالى: ﴿عرضها السموات والأرض﴾ (آل عمران: ١٣٣) وأمّا الطول فلا يعلمه إلا الله ، لكن قال القرطبي: وفي الخبر عن النبيّ ﷺ أنه قال: «ظواهرها نور يتلألأ» . وقيل: الظهائر من السندس. وعن الحس البطائن: هي الظواهر وهو قول الفراء. وروي عن قتادة: والعرب تقول للبطن ظهر فيقولون: هذا بطن السماء وظهر الأرض. وقال الفراء: قد تكون البطانة الظهارة والظهارة البطانة لأنّ كل واحد منهما يكون وجهاً، والعرب تقول هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا، وقالوا: لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا ولي كلّ واحد منهما قوم كالحائط بينك وبين قوم وعلى أديم السماء؛ وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ماء الظواهر. تنبيه: قال الرازي: الاستبرق معرب وهو الديباج الثخين؛ أي: وهذا ومثله لا يخرج القرآن عن كونه عربياً لأن العربي ما نطقت به العرب وضعاً واستعمالاً من لغة غيرها، وذلك كله سهل عليهم وبه يحصل الإعجاز بخلاف ما لم يستعملوه من كلام العجم لصعوبته عليهم، وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح الفارغ القلب المتنعم البدن بخلاف المريض والمهموم. ﴿وجنى الجنتين﴾ أي: ثمرها ﴿دان﴾ أي: قريب؛ قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجنيها وليّ الله تعالى إن شاء قائماً، وإن شاء قاعداً وإن شاء مضطجعاً، وقال قتادة: لا يردّ يده بُعْد ولا شوك. قال الرازي: جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ الثمرة على رؤوس الشجر في الدنيا بعيدة على الإنسان المتكىء وفي الجنة هو متكىء والثمرة تتدلى إليه؛ وثانيها: أنّ الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة ويتحرك إليها وفي الآخرة هي تدنو إليهم وتدور عليهم؛ وثالثها أنّ الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها وثمار

стр. 2105

الجنة كلها تدنوا إليهم في وقت واحد ومكان واحد. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ أي: المربي لكما الذي يقدر على كلّ ما يريده ﴿تكذبان﴾ أمن قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار أم من غيرها؟. ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا بالنسوان الحسان قال تعالى: ﴿فيهنّ﴾ أي الجنان التي علم مما مضى أنّ لكلّ فرد من الخائفين منها جنتين، فصح الجمع؛ وقال الزمخشري فيهنّ في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى، أو في الجنتين لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس ا. هـ. قال أبو حيان: وفيه أي: الأوّل بعد لأن الاستعمال أن يقال على الفراش كذا، ولا يقال في الفراش كذا إلا بتكلف ولذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول ذلك؛ وقيل يعود على الجنتين لأن أقل الجمع اثنان وقال الفراء كل موضع في الجنة جنة فلذلك صح أن يقال فيهنّ ﴿قاصرات الطرف﴾ أي: الأعين على أزواجهنّ المتكئين من الأنس والجنّ. قال الرازي وقوله قاصرات الطرف أي نساء وأزواج فحذف الموصوف لنكتة وهي أنه تعالى لم يذكرهنّ باسم الجنس وهو النساء بل بالصفات، فقال تعالى: ﴿حور عين﴾ (الواقعة: ٢٢) ﴿كواعب أترابا﴾ (النبأ: ٣٣) ﴿قاصرات الطرف﴾ ﴿حور مقصورات﴾ (الرحمن: ٧٢) ولم يقل: نساء عربا ولا نساء قاصرات لوجهين: أما على عادة العظماء كبنات الملوك إنما يذكرن بأوصافهنّ؛ وإما لأنهنّ لما كملن كأنهنّ خرجن عن جنسهنّ. وقوله تعالى: ﴿قاصرات الطرف﴾ يدلّ على عفتهنّ وعلى حسن المؤمنين في أعينهنّ فيحببن أزواجهنّ حباً شديد يشغلهنّ عن النظر إلى غيرهم. قال ابن زيد: تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة أحسن منك فالحمد الله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك، ويدلّ أيضاً على الحياء لأن الطرف حركة الجفن والحيية لا تحرّك جفنها ولا ترفع رأسها. تنبيه: انظر إلى حسن هذا الترتيب فإنه تعالى بين أولاً: المسكن وهو الجنة، ثم بين ما يتنزه به وهو البستان والأعين الجارية، ثم ذكر المأكول فقال تعالى: ﴿فيهما من كل فاكهة﴾ ثم ذكر موضع الراحة بعد الأكل وهو الفراش، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه. ولما كان الاختصاص بالشيء من أعظم الملذذات لا سيما المرأة قال تعالى ﴿لم يطمثهنّ﴾ أي: لم يجامعهنّ ويتسلط عليهنّ؛ يقال طمثت المرأة كضرب وفرح حاضت، وطمثها الرجل افتضها، وأيضاً جامعها ﴿إنس قبلهم﴾ أي: المتكئين ﴿ولا جان﴾ فكأنه قال: هنّ أبكار لم يخالطهنّ أحد فإنّ هذا جمع كلّ من يمكن منه جماع، وفي ذلك دليل على أنّ الجني يغشى كما يغشى الإنسي ويدخل الجنة ويكون لهم فيها جنتان، قال ضمرة: للمؤمنين منهم أزواج من الحور فالإنسيات للإنس والجنيات للجنّ، وقال مقاتل لأنهنّ خلقن في الجنة فعلى قوله يكونون من حور الجنة؛ وقال الشعبي: من نساء الدنيا لم يمسسهن منذ أنشئن خلق وهو قول الكلبي. أي: لم يجامعهنّ في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان؛ وأمّا في الدنيا فقال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسمّ ينطوي الجني على إحليله فيجامع معه. وقال القرطبي: لم يطمثهن لم يصبهنّ بالجماع قبل أزواجهنّ أحد، وهذا شامل لنساء الجنة ولنساء الدنيا بعد إنشائهنّ خلقاً جديداً، وقرأ الكسائي: يطمثهنّ بضم الميم في الموضعين بخلاف عنه وتخييراً في أحدهما، وهما لغتان: يقال طمثها يطمثها ويطمثها إذا جامعها. ﴿فبأي آلاء﴾ أي: نعم ﴿ربكما﴾ المدبر مصالحكما ﴿تكذبان﴾
следующие страницы →