Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
تعالى:
﴿هل أتاك﴾ أي يا أكمل الخلق ﴿حديث ضيف إبراهيم المكرمين﴾ تسلية للنبيّ ﷺ وتبشير له بالفرج وسماهم ضيفاً؛ لأنه حسبهم كذلك ويقع على الواحد والجمع لأنه مصدر، وسماهم مكرمين عند الله تعالى، أو لأنّ إبراهيم ﵇ أكرمهم بأن عجل قراهم وأجلسهم في أكرم المواضع واختيار إبراهيم لكونه شيخ المرسلين، وكون النبيّ ﷺ مأموراً بأن يتبع ملته وكان إبراهيم ﵇ أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: لأنّ إبراهيم ﵇ خدمهم بنفسه، وعن ابن عباس سماهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين، وقال ﷺ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» .
فإن قيل: إذا كان المراد من الآية التسلية والإنذار، فأي فائدة في حكاية الضيافة؟ أجيب: بأنّ في ذلك إشارة إلى أنّ الفرج في حق الأنبياء والبلاء على الجهلة يأتي من حيث لم يحتسبوا كقوله تعالى: ﴿فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ (الزمر: ٢٥)
فلم يكن عند إبراهيم ﵇ خبر من إنزال العذاب مع ارتفاع منزلته قال القشيري: وقيل كان عددهم اثني عشر ملكاً وقيل: جبريل ﵇ وكان معه تسعة وقيل: كانوا ثلاثة، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها.
﴿إذ﴾ أي حديثهم حين ﴿دخلوا عليه﴾ أي دخول استعلاء مخالف لدخول بقية الضيوف، وقرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الذال عند الدال والباقون بالإدغام.
تنبيه: اختلف في العامل في إذ على أربعة أوجه: أحدها: أنه حديث أي هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه. ثانيها: أنه منصوب بما في ضيف من معنى الفعل، لأنه في الأصل مصدر ولذلك استوى فيه الواحد المذكر وغيره، كأنه قيل: الذين أضافهم في وقت دخولهم عليه. ثالثها: أنه منصوب بالمكرمين إن أريد بإكرامهم أن إبراهيم ﵇ أكرمهم بخدمته لهم كأنه تعالى يقول: أكرموا إذ دخلوا. رابعها: أنه منصوب بإضمار اذكر، ولا يجوز نصبه بأتاك لاختلاف الزمانين.
فإن قيل: إنما أرسلوا إلى قوم لوط فما الحكمة في مجيئهم إلى إبراهيم ﵇؟ أجيب من وجهين: أحدهما: أن إبراهيم ﵇ شيخ المرسلين ولوط من قومه، وعادة الملك إذا أرسل رسولاً لملك وفي طريقه من هو أكبر منه يقول له: اعبر على فلان الملك وأخبره برسالتك وخذ فيها رأيه. ثانيهما: أن إبراهيم ﵇ كان شديد الشفقة حليماً فكان يشق عليه إهلاك أمّة عظيمة، وكان ذلك مما يحزن إبراهيم ﵇ شفقة منه على العباد، فقال لهم: بشروه بغلام يخرج من صلبه أضعاف من هلك ويكون من صلبه فروع الأنبياء ﵈ ﴿فقالوا سلاماً﴾ أي هذا اللفظ. ﴿قال سلامٌ﴾ أي: هذا اللفظ، والمشهور أنّ السلام الأوّل المراد به التحية أن نسلم سلاماً، وقيل: إن سلاماً معناه حسناً؛ لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو ويأثم، فكأنهم قالوا قولاً حسناً سليماً من الإثم فيكون مفعولاً به، لأنه في معنى القول، وأمّا رفع الثاني فالمشهور أنه التحية فهو مبتدأ وخبره محذوف أي عليكم، وقيل: إنه السلامة، أي: أمري سلام لأني لا أعرفكم، وقرأ حمزة والكسائي بكسر السين وسكون اللام والباقون بفتح السين واللام وألف بعدها والمعنى واحد.
стр. 2032
وقوله تعالى: ﴿قوم منكرون﴾ أي غرباء لا أعرفهم قال ذلك في نفسه كما قاله ابن عباس خبر مبتدأ مقدّر أي هؤلاء. وقيل: إنما أنكر أمرهم؛ لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان وقال أبو العالية: أنكر إسلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض.
﴿فراغ﴾ أي ذهب في خفية من ضيفه، فإنّ من آداب المضيف أن يبادر بالقرى حذراً من أن يكفه الضيف أو يصير منتظراً ﴿إلى أهله﴾ أي الذين عندهم بقرة ﴿فجاء بعجل﴾ أي فتى من أولاد البقر لأنه كان عامة ماله البقر ﴿سمين﴾ قد شواه وأنضجه كما قال تعالى في سورة هود ﴿حنيذ﴾ (هود: ٦٦)
أي: مشوي.
﴿فقرّبه إليهم﴾ بأن وضعه بين أيديهم ليأكلوا فلم يأكلوا ﴿قال ألا تأكلون﴾ والهمزة إمّا للإنكار عليهم في عدم أكلهم، وإمّا للعرض وإمّا للتحضيض فلم يجيبوا.
﴿فأوجس﴾ أي أضمر في نفسه ﴿منهم خيفة﴾ لما رأى إعراضهم على طعامه لظنه أنهم جاؤوه لشرّ. وقيل: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا بعذاب فلما عرفوا منه ذلك ﴿قالوا﴾ مؤنسين له ﴿لا تخف﴾ وأعلموه أنهم رسل الله ﴿وبشروه بغلام﴾ يأتيه على شيخوخته ويأس امرأته بالطعن في السنّ بعد عقمها وهو إسحاق ﵇ ﴿عليم﴾ أي مجبول جبلة مهيأة للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه، فإنّ جميع الأنبياء بعده من ذريته إلا نبينا محمداً ﷺ فإنه من ذرية إسماعيل ﵇.
تنبيه: ذكر ههنا من آداب الضيافة تسليم المضيف على الضيف ولقاءه بالوجه الحسن والمبالغة في الإكرام بقوله سلام وهو آكد وسلامهم بالمصدر في قوله سلام بالرفع زيادة على ذلك ولم يقل سلام عليكم، لأنّ الامتناع من الطعام يدل على العداوة، والغدر لا يليق بالأنبياء فقال: سلام أي امرئ مسالمة ثم فيها من آداب المضيف تعجيل الضيافة فإنّ الفاء في قوله فراغ تدل على التعقيب وإخفائها.
لأن الروغان يقتضي الإخفاء وغيبة المضيف عن الضيف ليستريح ويأتي بما يمنعه الحياء منه ويخدم الضيف بنفسه ويختار الأجود لقوله سمين، ويقدّم الطعام للضيف في مكانه ولا ينقل الضيف للطعام لقوله قربه إليهم، ويعرض الأكل عليه ولا يأمره لقوله تعالى ﴿قال ألا تأكلون﴾ ولم يقل كلوا وسروره بأكله لا كما يوجد في بعض البخلاء الذين يحضرون طعاماً كثيراً، ويجعل نظره ونظر أهل بيته إلى الطعام حتى يمسك الضيف يده عنه لقوله تعالى: ﴿فأوجس منهم خيفة﴾ لعدم أكلهم.
ومن آداب الضيف إذا حضر الطعام ولم يكن يصلح له لكونه مضرّاً به أو يكون ضعيف القوّة عن هضم ذلك الطعام أن لا يقول هذا طعام غليظ لا يصلح لي بل يأتي بعبارة حسنة ويقول: فيّ مانع من أكل الطعام لأنهم أجابوه بقولهم ﴿لا تخف﴾ ولم يذكروا في الطعام شيئاً ولا أنه يضر بهم بل بشروه بالولد إشعاراً بأنهم ملائكة وبشروه بالأشرف وهو الذكر، حيث فهموه أنهم ليسوا ممن يأكلون ثم وصفوه بالعلم دون المال والجمال؛ لأنّ العلم أشرف الصفات
ثم أدب آخر في البشارة وهو أن لا يخبر الإنسان بما يسرّه دفعة واحدة لأنه يورث مرضاً لأنهم جلسوا واستأنس بهم إبراهيم ثم قالوا نبشرك فإن قيل: قال تعالى في سورة هود ﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾ (هود: ٧٠)
فدل على أنّ إنكاره، حصل بعد تقريب العجل إليهم وههنا قال ﴿فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون﴾ ثم قال ﴿فراغ إلى أهله﴾ بفاء التعقيب وذلك يدل على أنّ تقريب الطعام منهم
стр. 2033
بعد حصول إنكاره فما وجهه؟ أجيب بأن يقال لعلهم كانوا مخالفين لصفة الناس في الشكل والهيئة ولذلك قال ﴿قوم منكرون﴾ أي عند كل أحد واشترك إبراهيم ﵇ وغيره فيه ولهذا لم يقل أنكرتم بل قال: أنتم منكرون في أنفسكم عند كل أحد منا، ثم لما امتنعوا من الطعام تأكد الإنكار لأنّ إبراهيم تفرّد بمشاهدة إمساكهم فنكرهم فوق الإنكار الأوّل وحكاية الحال في سورة هود أبسط مما ذكره ههنا، فإنه هنا لم يبين المبشر به وهناك ذكره باسمه وهو إسحاق وههنا لم يقل إنّ القوم قوم من، وهناك قال: قوم لوط.
ولما كانا بعيدين عن قبول الولد تسبب عن ذلك قوله تعالى دالاً على أنّ الولد إسحاق مع الدلالة على أنّ خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات.
﴿فأقبلت﴾ أي: من سماع هذا الكلام ﴿امرأته﴾ سارة قيل: لم يكن ذلك إقبالاً من مكان إلى مكان بل كانت في البيت، فهو كقول القائل: أقبل يفعل كذا إذا أخذ فيه وقوله تعالى: ﴿في صرّة﴾ أي: صيحة حال، أي: جاءت صائحة لأنها قد امتلأت عجباً ﴿فصكت﴾ قال ابن عباس: لطمت ﴿وجهها﴾ واختلف في صفته فقيل: هو الضرب باليد مبسوطة وقيل: هو ضرب الوجه بأطراف الأصابع فعل المتعجب، وهي عادة النساء إذا أنكرن شيئاً، وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء العريض. وقيل: جمعت أصابعها وضربت جبهتها عجباً وذاك من عادة النساء أيضاً إذا أنكرن شيئاً ﴿وقالت﴾ تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أو من غيرها ﴿عجوز﴾ قال القشيري: قيل إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة ومع ذلك ﴿عقيم﴾ فهي حال شبابها لم تكن تقبل الحبل فلم تلد قط.
ولما قالت ذلك قالوا مجيبين لها.
﴿قالوا كذلك﴾ أي مثل ما قلنا من هذه البشرى العظيمة ﴿قال ربك﴾ أي المحسن إليك بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله ﷺ ﴿إنه هو﴾ أي: وحده ﴿الحكيم﴾ أي: الذي يضع الأشياء في أحق مواضعها ﴿العليم﴾ المحيط العلم، فهو لذلك لا يعجزه شيء.
ثم بين ما كان من حال إبراهيم وحال الملائكة بعد ذلك بقوله تعالى.
﴿قال﴾ أي إبراهيم ﵇ مسبباً عما رأى من حالهم وأنّ اجتماع الملائكة على تلك الحالة لم يكن لهذه البشارة فقط ﴿فما خطبكم﴾ أي: خبركم العظيم ﴿أيها المرسلون﴾ أي لأمر عظيم وهذا أيضاً من آداب المضيف إذا بادر الضيف بالخروج قال له: ما هذه العجلة وما شأنك لأنّ في سكوته ما يوهم اشتغاله، ثم إنهم أتوا بما هو من آداب الصديق الذي لا يسرّ عن الصديق شيئاً وكان ذلك بإذن الله تعالى لهم في إطلاع إبراهيم ﵇ على إهلاكهم وجبر قلبه بتقديم البشارة بأبي الأنبياء إسحاق ﵇.
فإن قيل: فما الذي اقتضى ذكره بالفاء ولم لا قال: ما هذا الاستعجال وما خطبكم المعجل لكم. أجيب: بأنه لما أوجس منهم خيفة لو خرجوا من غير بشارة وإيناس فلما آنسوه قال: فما خطبكم، أي: بعد هذا الأنس العظيم ما هذا الإ يحاش الأليم.
﴿قالوا﴾ قاطعين بالتأكيد بأنّ مضمون خبرهم حتم لا بدّ منه ولا مدخل للشفاعة فيه ﴿إنا أرسلنا﴾ أي: بإرسال من تعلم ﴿إلى قوم مجرمين﴾ أي: هم في غاية القوّة على ما يحاولونه، وقد صرفوا ما أنعم الله تعالى به عليهم من القوّة في قطع ما يحق وصله، ووصل ما يحق قطعه يعنون قوم لوط.
﴿لنرسل عليهم﴾ أي: من السماء التي فيها
стр. 2034
ما وعد العباد به وتوعدوا ﴿حجارةً من طين﴾ أي: مهيأ للإحراق والاحتراق.
﴿مسوّمة﴾ أي: معلمة بعلامة العذاب المخصوص عليها اسم من يرمي بها وقوله تعالى: ﴿عند ربك﴾ أي: المحسن إليك بهذه البشارة وغيرها ظرف المسوّمة، أي: معلمة عنده ﴿للمسرفين﴾ أي: المتجاوزين الحدود غير قانعين بما أبيح لهم فالمسرف المتمادي ولو في الصغائر، فهم مجرمون أي: مسرفون. والمجرم قال ابن عباس: هو المشرك لأنّ الشرك أعظم الذنوب.
وهنا لطيفة: وهي أنّ الحجارة سوّمت للمصرّ المسرف الذي لا يترك الذنب في المستقبل وذلك إنما يعلمه الله تعالى فلذلك قال ﴿عند ربك للمسرفين﴾ .
ولما كان الإجرام ظاهراً قالوا ﴿إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين﴾ واللام في المسرفين لتعريف العهد أي لهؤلاء المسرفين إذ ليس لكل مسرف حجارة مسوّمة، وإسرافهم بأنهم أتوا بما لم يسبقهم به أحد من العالمين وفي هذا دليل على رجم اللائط، والفائدة في إرسال جماعة من الملائكة لهذا الأمر وإن كان يكفي فيه الواحد منهم إذ الملك العظيم قد يهلك بالأمر الحقير كما أهلك النمروذ بالبعوض، وكما أهلك فرعون بالقمل والجراد بل بالريح التي بها الحياة إظهاراً للقدرة، وقد تكثر الأسباب كما في يوم بدر أمر خمسة آلاف من الملائكة بإهلاك أهل بدر مع قلتهم إظهاراً لعظيم قدرته.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿من طين﴾ أي ليس من البرد والفاعل لذلك هو الله تعالى لا كما تقول الحكماء فإنهم يقولون: إنّ البرد يسمى حجارة فقوله تعالى: ﴿من طين﴾ يدفع ذلك التوهم قال الرازي: إن بعض من يدّعي العقل يقول لا ينزل من السماء إلا حجارة من طين مدوّرات على هيئة البرد وهيئة البنادق التي يتخذها الرماة قالوا: وسبب ذلك أنّ الإعصار تصعد الغبار من الفلوات العظيمة التي لا عمارة فيها والرياح تسوقها إلى بعض البلاد ويتفق ذلك إلى هواء ندي فيصير ذلك طيناً رطباً، والرطب إذا نزل وتفرّق استدار، بدليل أنك إذا رميت الماء إلى فوق ثم نظرت إليه رأيته يقطر كرات مدوّرات كاللآلىء الكبار، ثم في النزول إن اتفق أن تضربه النيران التي في الجوّ جعلته حجارة كالآجر المطبوخ فينزل فيصيب من هيأ الله تعالى هلاكه، وقد ينزل كثيراً في المواضع التي لا عمارة بها فلا يرى ولا يدري به فلهذا قال: ﴿من طين﴾ ، لأنّ ما لا يكون من طين كالحجر الذي يكون في الصواعق لا يكون كثيراً بحيث يمطر وهذا تعسف، لأنّ ذلك الإعصار لما وقع فإن وقع لحادث آخر لزم التسلسل ولا بدّ من الانتهاء إلى محدث ليس بحادث فذلك المحدث لا بدّ وأن يكون فاعلاً مختاراً، والمختار له أن يفعل ذلك وله أن يخلق الحجارة من طين على وجه آخر من غير نار ولا غبار لكن العقل لا طريق له إلى الجزم بطريق إحداثه، وما لا يصل العقل إليه لا يؤخذ إلا بالنقل والنص ومن المعلوم أنّ نزول حجارة الطين من السماء أغرب وأعجب من غيرها.
ولما أراد الله تعالى أن يهلك المجرمين ميز المؤمنين بقوله تعالى:
﴿فأخرجنا﴾ أي: بما لنا من العظمة بعد أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم وبين لوط ﵇ محاورات معروفة لم يدع الحال هنا إلى ذكرها ﴿من كان فيها﴾ أي: قرى قوم لوط ﴿من المؤمنين﴾ أي: المصدّقين بقلوبهم لأنا لا نسوّيهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم وقوّة المخالفين وكثرتهم.
﴿فما وجدنا فيها﴾ أي: تلك القرى، أسند الأمر إليه تشريفاً
стр. 2035
لرسله وإعلاماً بأنّ فعلهم فعله تعالى ﴿غير بيت﴾ أي: واحد وهو بيت ابن أخي إبراهيم ﵉، وقيل: كانت عدّة الناجين منهم ثلاثة عشر ﴿من المسلمين﴾ أي: العريقين في إسلام الظاهر والباطن لله تعالى من غير اعتراض أصلاً، وهم إبراهيم وآله ﵈ وإنهم أوّل من وجد منهم الإسلام الأتم وتسموا به كما مرّ في سورة البقرة، وسموا به أتباعهم فكان هذا البيت الواحد صادقاً عليه الإيمان الذي هو التصديق والإسلام الذي هو الإنقياد قال البغوي: وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعاً لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم يعني لما بينهما من التلازم وإن اختلف المفهومان، وقال الأصفهاني: وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر وقيل: هم لوط وابنتاه وصفوا بالإيمان والإسلام أي هم مصدّقون بقلوبهم عاملون بجوارحهم الطاعات.
تنبيه: في الآية إشارة إلى أنّ الكفر إذا غلب والفسق إذا فشا لا تنفع معه عبادة المؤمنين، بخلاف ما لو كان أكثر الخلق على الطريقة المستقيمة وفيهم شرذمة يسيرة يسرقون ويزنون ومثاله: أنّ العالم كالبدن، ووجود الصالحين كالأغذية الباردة والحارة والسموم والواردة عليه الضارة، ثم إنّ البدن إذا خلا عن النافع وفيه الضار هلك وإن خلا عن الضار وفيه النافع طاب ونما، وإن وجدا فيه معاً فالحكم للأغلب، وإطلاق الخاص على العام لا مانع منه لأنّ المسلم أعم من المؤمن، فإذا سمى المؤمن مسلماً لا يدل على اتحاد مفهوميهما فكأنه تعالى قال: أخرجنا المؤمنين فما وجدنا الأعم منهم إلا بيتاً من المسلمين، ويلزم من هذا أن لا يكون هناك غيرهم من المؤمنين.
﴿وتركنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿فيها﴾ أي تلك القرى بما أوقعنا بها من العذاب ﴿آية﴾ أي علامة عبرة على هلاكهم كالحجارة أو الماء المنتن، فإنا قلعنا قراهم كلها وصعدت في الجوّ كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها بشيء من ذلك ثم قلبت واتبعت بالحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبهه شيء من مياه الأرض، كما أنّ جنايتهم لم تكن تشبه جناية أحد ممن تقدّمهم من أهل الأرض ﴿للذين يخافون العذاب الأليم﴾ أي: أن يحل بهم كما حل بهذه القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذاري إلى عنان السماء وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة، وغمرهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه وعدم نفعه، وما ادّخر لهم في الآخرة أعظم وخص الذين يخافون بالذكر لأنهم المعتبرون بها. وقوله تعالى:
عطف على قوله تعالى: ﴿فيها﴾ بإعادة الجار، لأنّ المعطوف عليه ضمير مجرور فيتعلق بتركنا من حيث المعنى ويكون التقدير وتركنا في قصة موسى آية ﴿إذ أرسلناه﴾ أي: بمالنا من العظمة ﴿إلى فرعون بسلطان مبين﴾ أي بحجة واضحة وهي معجزاته الظاهرة كاليد والعصا ومع ذلك لم ينتفع بها، ولذلك سبب عنها وعقب بها قوله تعالى:
k
﴿فتولى﴾ أي: كلف نفسه الإعراض عنها بعدما دعاه علمها إلى الإقبال إليها وأشار إلى قواه بقوله تعالى: ﴿بركنه﴾ أي: بسبب ما يركن إليه من القوّة في نفسه وبأعوانه وجنوده، لأنهم له كالركن وقيل: بجميع بدنه كناية عن المبالغة في الإعراض ﴿وقال﴾ معلماً بعجزه عما أتاه به وهو لا يشعر ﴿ساحر﴾ ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله ﴿أو مجنون﴾ أي: لاجترائه علىّ مع مالي من عظيم الملك
стр. 2036
بمثل هذا الذي يدعو إليه
تنبيه: أو هنا على بابها من الإبهام على السامع أو للشك نزل نفسه مع أنه يعرفه نبياً حقاً منزلة الشاك في أمره تمويهاً على قومه، وقال أبو عبيدة: أو بمعنى الواو قال: لأنه قد قالهما قال تعالى: ﴿إنّ هذا لساحر عليم﴾ (الأعراف: ١٠٩)
وقال في موضع آخر ﴿إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ (الشعراء: ٢٧)
وردّ الناس عليه هذا وقالوا: لا ضرورة تدعو إلى ذلك وأمّا الآيتان فلا تدلان على أنه قالهما معاً في آن واحد، وإنما يفيدان أنه قالهما أعمّ من أن يكونا معاً، أو هذه في وقت وهذه في آخر.
ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء قال تعالى محذراً للأعداء.
﴿فأخذناه﴾ أي: أخذ غضب وقهر بعظمتنا وقوله تعالى: ﴿وجنوده﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على مفعول أخذناه وهو الظاهر وأن يكون مفعولاً معه.
﴿فنبذناهم﴾ أي: طرحناهم طرح مستهين بهم كما تطرح الحصيات ﴿في اليمّ﴾ أي: البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطنا الريح عليه فغرقته لما ضربه موسى ﵇ بعصاه ونشفت أرضه وأيبست ما أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا وهلاك أعدائنا ﴿وهو﴾ أي والحال أنّ فرعون ﴿مليم﴾ أي آت بما يلام عليه من تكذيب الرسول ودعوى الربوبية وغير ذلك.
ثم ذكر تعالى قصصاً أخر تسلية لنبينا ﷺ إحداها: قوله تعالى:
﴿وفي عادٍ﴾ أي: إهلاكهم وهم قوم هود ﵇ آية عظيمة ﴿إذ﴾ أي حين ﴿أرسلنا﴾ بعظمتنا ﴿عليهم الريح﴾ فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تدر الرمل وترمي بالحجارة كما مرّت الإشارة إليه على كيفية لا تطاق ﴿العقيم﴾ أي التي لا خير فيها لا تحمل المطر ولا تلقح الشجر وهي الدبور.
ثم بين عقمها وإعقامها بقوله تعالى:
﴿ما تذر﴾ أي: تترك على حالة رديئة، وأغرق في النفي فقال تعالى: ﴿من شيء أتت عليه﴾ أي: إتياناً أراد مرسلها إهلاكه بها ﴿إلا جعلته كالرميم﴾ أي: الشيء البالي الذي دهكته الأيام والليالي إلى حالة الدمار وهو في كلامهم ما يبس من نبات الأرض وديس، قاله ابن جرير.
فإن قيل: الجبال والصخور وغير ذلك أتت عليهم وما جعلتهم كالرميم أجيب بأنّ المراد أتت عليه قاصدة له وهو عاد وأبنيتهم وعروشهم، لأنها كانت مأمورة بأمر من عند الله فكأنها كانت قاصدة لهم فما تركت شيئاً من تلك الأشياء إلا جعلته كالرميم.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿وفي ثمود﴾ أي إهلاكهم وهم قوم صالح ﵇ آية عظيمة ﴿إذ﴾ أي حين ﴿قيل لهم﴾ أي ممن لا يخلف الميعاد، وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها ﴿تمتعوا﴾ أي بلبن الناقة وغيره مما مكناهم فيه من الزروع والنخيل والأبنية في الجبال والسهول وغير ذلك من جلائل الأمور على الوجه الذي أمرناكم به، ولا تطغوا ﴿حتى حين﴾ أي وقت ضربناه لآجالكم.
﴿فعتوا﴾ أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتوّ وهو التكبر والإباء ﴿عن أمر ربهم﴾ أي: مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا ناقته وأرادوا قتل نبيه صالح ﵇ ﴿فأخذتهم﴾ أي: بسبب عتوّهم أخذ قهر وعذاب ﴿الصاعقة﴾ أي: الصيحة العظيمة التي حملتها الريح فأوصلتها إلى مسامعهم بغاية العظمة ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق، وقرأ الكسائي بإسكان العين ولا ألف قبلها، والباقون بكسر العين وقبلها ألف وقوله تعالى: ﴿وهم ينظرون﴾ دال على أنها كانت في غمام وكان فيها
стр. 2037
نار، ويجوز مع كونه من النظر أن يكون أيضاً من الانتظار فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ثلاثة أيام وجعل في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه في اليوم الرابع. وقال بعض المفسرين: المراد منه هو ما أمهلهم الله تعالى بعد عقرهم الناقة وهو ثلاثة أيام بقوله تعالى: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ (هود: ٦٥)
وكان في تلك الأيام تتغير ألوانهم فتحمر وتصفر وتسودّ قال الرازي: وهذا ضعيف، لأنّ قوله تعالى ﴿فعتوا عن أمر ربهم﴾ بحرف الفاء دليل على أنّ العتوّ كان بعد قوله تعالى: ﴿تمتعوا﴾ فإذاً الظاهر أنّ المراد هو ما قدّر الله تعالى للناس من الآجال فما من أحد إلا وهو ممهل مدّة الأجل انتهى. ولحسن هذا فسرت الآية به.
﴿فما﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنهم ما ﴿استطاعوا﴾ أي: تمكنوا، وأكد النفي بقوله تعالى: ﴿من قيام﴾ أي: فما قاموا بعد نزول العذاب وما قدروا على نهوض، قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة كقوله تعالى: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ (الأعراف: ٧٨)
وقيل: هو من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه ﴿وما كانوا﴾ أي: كوناً ما ﴿منتصرين﴾ أي: لم يكن فيهم أهلية الانتصار بوجه لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم فيطاوعونه في النصرة، لأن تهيؤهم لذلك سقط بكل اعتبار.
ثالثها: قوله تعالى: ﴿وقوم نوح﴾ بالجرّ، وهي قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي عطف على ثمود أي وفي إهلاكهم بماء السماء والأرض آية، وبالنصب وهي قراءة الباقين أي وأهلكنا قوم نوح ﴿من قبل﴾ أي: من قبل إهلاك هؤلاء المذكورين ثم علل إهلاكهم بقوله تعالى: ﴿إنهم كانوا﴾ خلقاً وطبعاً لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم ﴿قوما﴾ أي: أقوياء ﴿فاسقين﴾ أي: غريقين في الخروج عن حظيرة الدين.
ثم ذكر ما يدلّ على تمام القدرة على البعث بقوله تعالى:
﴿والسماء بنيناها﴾ أي: بمالنا من العظمة ﴿بأيدٍ﴾ أي: بقوّة وشدّة عظيمة لا يقدر قدرها. فائدة: رسمت بأيد بيائين بعد الألف ﴿وإنا﴾ على عظمتنا بعد ذلك ﴿لموسعون﴾ أي: أغنياء وقادرون ذووا سعة لا تتناهى، ولذلك أوسعنا بقدر جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا تصح معها الشركة أصلاً فلسنا كمن تعرفون من الملوك، لأنهم إذا فعلوا شيئاً لم يقدروا على أعظم منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى ما ترون في جنبه ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد، وعن الحسن لموسعون الرزق بالمطر وقيل: جعلنا بينها وبين الأرض سعة.
﴿والأرض فرشناها﴾ أي: بسطناها ومهدناها بما لنا من العظمة، فصارت ممهدة جديرة بأن تستقرّ عليها الأشياء، وهي آية على تمهيد أرض الجنة وسقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها ﴿فنعم﴾ أي: فتسبب عن ذلك أن يقال: في وصفنا نعم ﴿الماهدون﴾ والمخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى، أي: نحن لكمال قدرتنا فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا واختيارنا وتقديرنا من الأزل لأنا إذا صنعنا شيئاً علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إفنائه ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار فما فيها من خير فهو آية على الجنة، وما فيها من شر فهو آية على النار وقوله تعالى:
﴿ومن كل شيء خلقنا﴾ يجوز أن يتعلق بخلقنا أي خلقنا
стр. 2038
من كل شيء ﴿زوجين﴾ وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من زوجين، لأنه في الأصل صفة له إذ التقدير خلقنا زوجين كائنين من كل شيء، أي صنفين كل منهما يزاوج الآخر من وجه وإن خالفه من آخر ولا يتم نفع أحدهما إلا بالآخر من الحيوان والنبات وغيرهما، ويدخل فيه الأضداد من الغنى والفقر والحسن والقبح والحياة والموت والظلام والنور والليل والنهار والصحة والسقم والبر والبحر والسهل والجبل والشمس والقمر والحر والبرد اللذين هما من نفس جهنم آية بينة عليها وبناؤها على الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة مذكرة بها مشوّقة إليها، والإيمان والكفر والسعادة والشقاوة والحق والباطل والحلو والمر قال الحسن: كل اثنين منها زوج والله فرد لا مثل له ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي: فعلنا ذلك كله من بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعلموا أنّ خالق هذه الأشياء واحد لا شريك له لا يعجزه حشر الأجساد وجمع الأرواح، وقرأ حفص والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد
﴿ففرّوا﴾ أي: أقبلوا والجؤوا ﴿إلى الله﴾ أي: الذي لا سمي له فضلاً عن مكافىء، وله الكمال كله فهو في غاية العلو فلا يفرّ ويسكن أحد إلى غير محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده ولا يفرّ إليه سبحانه إلا من تجرّد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دلّ عليهما بالزوجين فتكمل السياق بالتحذير والاستعطاف بالاستدعاء فهو من باب لا ملجأ منك إلى إليك أعوذ بك منك قال القشيري: ومن صح فراره إلى الله تعالى صح قراره مع الله تعالى قال البقاعي: وهو بكمال المتابعة ليس عيناً ومن فهم منه اتحاداً بذات أو صفة فقد نابذ طريق القوم فعليه لعنة الله.
﴿إني لكم منه﴾ أي: لا من غيره ﴿نذير﴾ أي: من أن يفرّ أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصد ﴿مبين﴾ أي: بين الإنذار ففرار العامّة من الجهل إلى العلم عقداً وسعياً، ومن الكسل إلى التشمير حذراً وحزماً ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق استغراقاً في وحدانيته.
﴿ولا تجعلوا﴾ أي: بأهوائكم ﴿مع الله﴾ وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعييناً للمراد، لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيهاً على ماله من صفات الكمال وتعميماً لوجوه المقاصد لئلا يظنّ لو قيل معه إنّ المراد النهي على الجعل من جهة الفرار لا من جهة غيرها ﴿إلهاً آخر﴾ ثم علل النهي مع التأكيد بطعنهم في نذارته فقال ﴿إني لكم منه﴾ أي لا من غيره، فإن غيره لا يقدر على شيء ﴿نذير﴾ أي: محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لاخلاص معها إن فعلتم ذلك ﴿مبين﴾ أي: لا أقول شيئاً من واضح النقل إلا ودليله ظاهر.
﴿كذلك﴾ أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة البعيد من الصواب بما له من الاضطراب وقع لمن قبلهم ودلّ على هذا المقدّر بقوله تعالى مستأنفاً ﴿ما أتى الذين من قبلهم﴾ أي: كفار مكة وعمم النفي فقال تعالى: ﴿من رسول﴾ أي من عند الله تعالى ﴿إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ أي مثل تكذيبهم لك بقولهم ذلك لأنّ الرسول يأتيهم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم، والهوى هو الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء أكانت أو للتفصيل، لأنّ بعضهم قال: واحداً، وبعضهم
стр. 2039
قال: آخر، أو كانت للشك لأنّ الساحر يكون لبيباً فطناً آتياً بما يعجز عنه كثير من الناس، والمجنون بالضدّ من ذلك.
فإن قيل: قوله تعالى ﴿إلا قالوا﴾ يدل على أنهم كلهم قالوا ذلك والأمر ليس كذلك، لأنّ ما من رسول إلا وآمن به قوم أجيب: بأنّ ذلك ليس بعام فإنه لم يقل إلا قالوا كلهم وإنما قال إلا قالوا ولما كان كثير منهم قائلين قال تعالى إلا ﴿إلا قالوا﴾ .
فإن قيل: فلم لم يذكر المصدّقين كما ذكر المكذبين، وقال: إلا قال بعضهم: صدقت وبعضهم كذبت أجيب: بأنّ المقصود التسلية وهي أعلى التكذيب فكأنه تعالى قال لا تأس على تكذيب قومك فإنّ أقواماً قبلك كذبوا ورسلاً كذبوا.
ثم عجب منهم بقوله تعالى:
﴿أتواصوا به﴾ فهو استفهام للتعجب والتوبيخ والضمير في به يعود على القول المدلول عليه بقالوا، أي أتواصوا الأوّلون والآخرون بهذا القول المتضمن لساحر أو مجنون والمعنى: كيف اتفقوا على معنى واحد، كأنهم تواطؤا عليه وأوصى أوّلهم آخرهم بالتكذيب وقوله تعالى ﴿بل هم قوم﴾ أي: ذو شماخة وكبر ﴿طاغون﴾ إضراب عن أنّ التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أنّ الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه، ثم إنّ الله تعالى سلى نبيه ﷺ بقوله تعالى:
﴿فتولّ﴾ أي: أعرض ﴿عنهم﴾ أي: كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ في إبلاغهم ولا تأسف على تخلفهم عن الإسلام ﴿فما أنت بملوم﴾ لأنك بلغتهم الرسالة وما قصرت فيما أمرت به.
قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية «حزن النبيّ ﷺ واشتدّ ذلك على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وإن العذاب قد حضر إذ أمر النبيّ ﷺ أن يتولى عنهم» فأنزل الله تعالى:
﴿وذكر﴾ أي: ولا تدع التذكير والموعظة ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين﴾ فطابت أنفسهم، والمعنى: ليس التولي مطلقاً بل تولّ وأقبل وأعرض وادع فلا التولي يضرّك إذا كان عليهم ولا التذكير يضيع إذا كان مع المؤمنين، وقال مقاتل: معناه عظ بالقرآن كفار مكة فإنّ الذكرى تنفع من علم الله تعالى أنه مؤمن منهم، وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإنّ الذكرى تنفعهم.
ولما بين حال من قبل النبيّ ﷺ في التكذيب بين سوء صنيعهم حيث تركوا عبادة الله تعالى الذي خلقهم للعبادة بقوله تعالى:
﴿وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون﴾ واختلف في تفسير ذلك فأكثر المفسرين على أن المراد بهم العموم، ولا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين لأنّ الغاية لا يلزم وجودها كما في قولك بريت هذا القلم لأكتب به فإنك قد لا تكتب به هكذا قال الجلال المحلي، وأوضح منه ما قاله ابن عادل: إنّ المعنى إلا معدّين للعبادة ثم منهم من يتأتى منه ذلك ومنهم من لا، كقولك: هذا القلم بريته للكتابة ثم قد لا تكتب به وقد تكتب انتهى أو إنّ المراد إلا لأمرهم بالعبادة وليقروا بها وهذا منقول عن عليّ بن أبي طالب، أو إنّ المراد ليطيعوا وينقادوا لقضائي، فالمؤمن يفعل ذلك طوعاً والكافر يفعل ذلك كرهاً، أو أنّ المراد إلا ليوحدون فأمّا المؤمن فيوحد اختياراً في الشدّة والرخاء، وأمّا الكافر فيوحد اضطراراً في الشدّة والبلاء دون النعمة والرخاء. وقال مجاهد: معناه إلا ليعرفون قال البغوي: وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده بدليل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ (الزخرف: ٨٧)
وقيل: المراد به الخصوص أي:
стр. 2040
ما خلقت السعداء من الجنّ والأنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم إلا لمعصيتي. قال زيد بن أسلم: قال هو ما جبلوا عليه من السعادة والشقاوة، ويؤيده قوله تعالى ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجنّ والإنس﴾ (الأعراف: ١٧٩)
وقيل: وما خلقت الجنّ والإنس المؤمنين وقيل: الطائعين.
تنبيه: استدلّ المعتزلة بهذه الآية على أنّ أفعال الله تعالى معللة بالأغراض وأجيبوا بوجوه منها: أنّ اللام قد ثبتت لغير الغرض كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (الإسراء: ٧٨)
وقوله تعالى ﴿فطلقوهنّ لعدّتهنّ﴾ (الطلاق: ١)
ومعناه المقارنة فيكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة ومنها قوله تعالى ﴿الله خالق كل شيء﴾ (الرعد: ١٦)
ومنها ما يدلّ على أنّ الإضلال بفعل الله كقوله تعالى ﴿يضل من يشاء﴾ (الرعد: ٢٧)
وأمثاله، ومنها قوله تعالى ﴿لا يسئل عما يفعل﴾ (الأنبياء: ٢٣)
وقوله تعالى ﴿يفعل ما يشاء﴾ (آل عمران: ٤٠)
﴿ويحكم ما يريد﴾ (المائدة: ١)
فإن قيل: ما الحكمة في أنه لم يذكر الملائكة مع أنهم من أصناف المكلفين وعبادتهم أكثر من عبادة غيرهم من المكلفين قال تعالى: ﴿بل عباد مكرمون﴾ (الأنبياء: ٢٦)
وقال تعالى ﴿لا يستكبرون عن عبادته﴾ (الأعراف: ٢٠٦)
أجيب بوجوه.
أحدها: أنّ الآية سيقت لبيان قبح ما يفعله الكفرة من ترك ما خلقوا له وهذا مختص بالجنّ والأنس، لأنّ الكفر موجود فيهما دون الملائكة. ثانيها: أن النبيّ ﷺ كان مبعوثاً إلى الجنّ والإنس فلما قال تعالى: ﴿وذكر﴾ بين ما يذكر به، وهو كون الخلق للعبادة وخصص أمّته بالذكر أي ذكر الجنّ والأنس ثالثها: أن عباد الأصنام كانوا يقولون إنّ الله تعالى عظيم الشأن خلق الملائكة وجعلهم مقربين فهم يعبدون الله تعالى وخلقهم لعبادته، ونحن لنزول درجتنا لا نصلح لعبادة الله تعالى فنعبد الملائكة وهم يعبدون الله تعالى كما قالوا ﴿ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ (الزمر: ٣)
فقال تعالى:
﴿وما خلقت الجنّ والأنس إلا ليعبدون﴾ ولم يذكر الملائكة لأن الأمر فيهم كان مسلماً من القوم فذكر المنازع فيه. رابعها: فعل الجنّ يتناول الملائكة لأنّ أصل الجنّ من الاستتار وهم مستترون عن الخلق فذكر الجنّ لدخول الملائكة فيهم.
ولما خص سبحانه خلقهم في إرادة العبادة صرّح بهذا المفهوم بقوله تعالى:
﴿ما أريد منهم﴾ أي: في وقت من الأوقات وعمم في النفي بقوله تعالى: ﴿من رزقٍ﴾ أي: شيء من الأشياء على وجه ينفعني من جلب أو دفع، لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر كما يفعل غيري من الموالي مع عبيدهم، فإنّ ملاك العبيد إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصل معايشهم وأرزاقهم، فإمّا مجهز في تجارة ليفيء ربحاً، أو مرتب في فلاحة ليغتل أرضاً، أو مسلم في حرفة لينتفع بأجرته، أو محتطب أو محتش أو مستق أو طابخ أو خابز وما أشبه ذلك من الأعمال والمهن التي هي تصرّف في أسباب المعيشة وأبواب الرزق لأني الغني المطلق وكل شيء مفتقر إليّ.
﴿وما أريد﴾ أصلاً ﴿أن يطعمون﴾ أي: أن يرزقون رزقاً خاصاً هو الإطعام وفيه تعريض بأصنامهم فإنهم كانوا يعملون معها ما ينفعها ويحضرون لها المأكل فربما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام، ثم لا يصدهم ذلك عن عبادتها وقيل: في الآية حذف مضاف أي وما أريد أن يطعموا أحداً من خلقي وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأنّ الخلق كلهم عيال الله ومن أطعم عيال الله فقد أطعمه كما صح في الحديث عن أبي هريرة أنه ﷺ قال «إن الله يقول
стр. 2041
يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما تعلم أنك لو عدته لوجدتني عنده يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن دم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو أسقيته لوجدت ذلك عندي» .
فإن قيل: ما الفائدة في تكرير الإرادتين مع أنّ من لا يريد من أحد رزقاً لا يريد أن يطعمه؟ أجيب: بأنّ السيد قد يطلب من العبد المكتسب له الرزق وقد يكون للسيد مال وافر يستغني به عن التكسب لكنه يطلب من العبد قضاء حوائجه وإحضار الطعام بين يديه فقال: لا أريد ذلك ولا هذا وقدم طلب الرزق على طلب الإطعام من باب الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى.
فإن قيل: ما فائدة تخصيص الإطعام بالذكر مع أنّ المراد عدم طلب فعل منهم غير التعظيم؟ أجيب: بأنه لما عمم النفي في طلب الأوّل بقوله تعالى ﴿من رزق﴾ وذلك إشارة إلى التعميم فذكر الإطعام ونفى الأدنى ليتبعه بنفي الأعلى بطريق الأولى فكأنه قال: ما أريد منهم من غنى ولا عمل.
فإن قيل: المطالب لا تنحصر فيما ذكره فإنّ السيد قد يشتري العبد لا لطلب رزق منه ولا للتعظيم بل يشتريه للتجارة. أجيب: بأن العموم في قوله تعالى: ﴿ما أريد منهم من رزق﴾ يتناول ذلك.
ثم بين تعالى أنه الرزاق لا غيره بقوله عز من قائل.
﴿إن الله﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال المنزه عن جميع صفات النقص ﴿هو﴾ أي: لا غيره ﴿الرزاق﴾ أي: على سبيل التكرار لكل حيّ وفي كل وقت ﴿ذو القوّة﴾ أي: التي لا تزول بوجه ﴿المتين﴾ أي: الشديد الدائم.
فإن قيل: لم لم يقل إني رزاق؟ بل قال على الحكاية عن الغائب إنّ الله هو الرزاق فما الحكمة أجيب: بأنّ المعنى قل يا محمد إنّ الله هو الرزاق، أو يكون من باب الالتفات من التكلم إلى الغيبة، أو يكون قل مضمراً عند قوله تعالى: ﴿ما أريد منهم من رزق﴾ ولم يقل القوي بل قال ذو القوّة لأنّ المقصود تقرير ما تقدّم من عدم إرادة الرزق وعدم الاستعانة بالغير، وقيد بالمتين لأنّ ذو القوّة لا يدل إلا على أنّ له قوّة ما فزاد في الوصف المتانة وهو الذي له ثبات لا يتزلزل، والمعنى في وصفه سبحانه بالقوة والمتانة أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء.
ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم إلى أن ختم بقوته التي لا حدّ لها سبب عن ذلك إيقاعه بالمتوعدين فقال تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم:
﴿فإن للذين ظلموا﴾ أي: أوقعوا الأشياء في غير مواقعها ﴿ذنوباً﴾ أي: نصيباً من العذاب طويل الشرّ كأنه من طوله صاحب ذنب ﴿مثل ذنوب أصحابهم﴾ أي: الذين تقدّم ظلمهم بتكذيب الرسل من قوم نوح وعاد وثمود، والذنوب في الأصل الدلو العظيمة المملوءة ماء وفي الحديث «فأتى بذنوب من ماء» فإن لم تكن ملأى فهي دلو ثم عبر به عن النصيب قال عمرو بن شاس:
*وفي كل حيّ قد خطبت بنعمة ... فحق لشاس من نداك ذنوب*
قال الملك: نعم وأذنبه، قال الزمخشري: وهذا تمثيل أصله في السقاة يتقسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا آخر. قال الشاعر:
стр. 2042
*لكم ذنوب ولنا ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب*
وقال الراغب الذنوب الدلو لذي له ذنب انتهى. فراعى الاشتقاق والذنوب أيضاً: الفرس الطويل الذنب، وهو صفة على فعول والذنوب لحم أسفل المتن ويقال: يوم ذنوب أي طويل الشرّ استعارة من ذلك ويجمع في القلة على أذنبة وفي الكثرة على ذنائب ﴿فلا تستعجلون﴾ أي تطلبوا أن آتيكم به قبل أوانه حق به، فإنّ ذلك لا يفعله إلا ناقص وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا أوصف به، ولا بدّ أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل فإنه أحق الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم.
﴿فويل﴾ أي شدّة عذاب ﴿للذين كفروا﴾ أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلاً إنكارها ﴿من يومهم الذي يوعدون﴾ أضافه إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين، وهو يوم القيامة وقيل يوم بدر وحذف العائد لاستكمال شروطه أي يوعدونه، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم، وأبو عمرو بكسر الهاء والميم والباقون بكسر الهاء وضم الميم وأما الوقف عليها فالجميع بكسر الهاء وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال من «قرأ سورة الذاريات أعطاه الله تعالى عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا» حديث موضوع والله أعلم.
سورة الطور
مكية وهي تسع وأربعون آية وثلاثمائةواثنتا عشرة كلمة وألف وخمسمائة حرف
﴿بسم الله﴾ الملك الأعظم ذي الملك والملكوت ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ خلقه بالرحموت ﴿الرحيم﴾ الحيّ الذي لا يموت.
وقوله تعالى: ﴿والطور﴾ وما بعده أقسام جوابها ﴿إنّ عذاب ربك لواقع﴾ والواوات التي بعد الأولى عواطف لا حروف قسم كما قاله الخليل.
والطور: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇ وهو بمدين أقسم الله تعالى به وقيل: هو الجبل الذي قال الله تعالى ﴿وطور سنين﴾ وقيل هو اسم جنس.
تنبيه: مناسبة هذه السورة لما قبلها من حيث الافتتاح بالقسم وبيان الحشر فيهما.
والمراد بالكتاب في قوله تعالى ﴿وكتاب مسطور﴾ أي: متفق الكتابة بسطور مصفوفة في حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة هو كتاب موسى ﵇ وهو التوراة وقيل: القرآن وقيل: اللوح المحفوظ وقيل: صحائف أعمال الخلق قال تعالى ﴿ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً﴾ (الإسراء: ١٣)
وقوله تعالى: ﴿في رق﴾ متعلق بمسطور أي مكتوب في رق والرق: الجلد الرقيق يكتب فيه وقال الراغب: الرق ما يكتب فيه شبه كاغد ا. هـ. فهو أعمّ من كونه جلداً وغيره ﴿منشور﴾ أي مبسوط مهيأ للقراءة.
وقوله تعالى: ﴿والبيت المعمور﴾ مختلف في مكانه فقيل في السماء العليا تحت العرش وقيل: في السماء الثالثة وقيل في السادسة وعلى كل قول هو بحيال الكعبة يقال له: الضراح حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدا ووصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به من الملائكة وقيل: هو بيت الله الحرام لكونه معموراً بالحجاج والعمار والمجاورين وقيل: اللام
стр. 2043
في البيت المعمور لتعريف الجنس كأنه تعالى أقسم بالبيوت المعمورة والعمائر المشهورة.
وقوله تعالى: ﴿والسقف المرفوع﴾ مختلف فيه أيضاً فالأكثر على أنه السماء كما قال تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ (الأنبياء: ٣٢)
وقيل: المراد به سقف الكعبة وقيل: سقف الجنة وهو العرش ونقل عن ابن عباس.
وقوله تعالى: ﴿والبحر المسجور﴾ من الأضداد يقال بحر مسجور أي مملوء وبحر مسجور أي فارغ وروى ذو الرمّة الشاعر عن ابن عباس أنه قال: خرجت أمة لتستقي فقالت إنّ الحوض مسجور أي فارغ ويؤيد هذا أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة وقيل: المسجور الممسوك ومنه ساجور الكلب لأنه يمسكه ويحبسه. وقال محمد بن كعب القرظي: يعني بالمسجور الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور وهو قول ابن عباس لما روي أنه تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة ناراً فيزاد بها في نار جهنم كما قال تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ (التكوير: ٦)
وعن علي أنه سأل يهودياً أين موضع النار في كتابكم قال: في البحر قال علي: ما أراه إلا صادقاً لقوله تعالى ﴿والبحر المسجور﴾ ، وعن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يركبن البحر رجل إلا غازياً أو معتمراً أو حاجاً فإنّ تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً» وقال الربيع بن أنس المختلط العذب بالملح. وروى الضحاك عن المنزل بن سمرة عن علي أنه قال: البحر المسجور هو بحر تحت العرش غمره كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين فيه ماء غليظ يقال له بحر الحيوان يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم وهذا قول مقاتل. فإن قيل: ما الحكمة في القسم بهذه الثلاثة أشياء؟ أجيب: بأنّ هذه الأماكن الثلاثة وهي الطور والبيت المعمور والبحر المسجور كانت لثلاثة أنبياء للخلوة بربهم والخلاص من الخلق وخطابهم مع الله تعالى، أمّا الطور فانتقل إليه موسى ﵇ وخاطب الله هناك، وأمّا البيت المعمور فانتقل إليه محمد ﷺ وقال لربه سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأمّا البحر المسجور فانتقل إليه يونس ﵇ ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فصارت هذه الأماكن شريفة بهذه الأسباب فأقسم الله تعالى بها. وأمّا ذكر الكتاب فلأن الأنبياء كان لهم مع الله تعالى في هذه الأماكن كلام والكلام في الكتاب.
تنبيه: أقسم الله تعالى في بعض السور بمجموع كقوله تعالى: ﴿والذاريات﴾ (الذاريات: ١)
و ﴿المرسلات﴾ (المرسلات: ١)
و ﴿النازعات﴾ (النازعات: ١)
وفي بعضها بإفراد كقوله تعالى ﴿والطور﴾ ولم يقل والأطوار والأبحار قال الرازي: والحكمة فيه أنّ في أكثر الجموع أقسم عليها بالمتحرّكات والريح الواحدة ليست بثابتة بل هي متبدلة بأفرادها مستمرّة بأنواعها والمقصود منها لا يحصل إلا بالتبدل والتغير فقال ﴿والذاريات﴾ إشارة إلى النوع المستمرّ لا إلى الفرد المعين المستقر، وأمّا الجبل فهو ثابت غير متغير عادة فالواحد من الجبال دائم زماناً ودهراً فأقسم في ذاك بالواحد، وكذلك في قوله تعالى ﴿والنجم﴾ (النجم: ١)
ولو قال والريح لما علم المقسم به وفي الطور علم.
وقوله تعالى: ﴿إنّ عذاب ربك﴾ أي: الذي تولى تربيتك ﴿لواقع﴾ أي: ثابت نازل بمستحقه جواب القسم كما مرّ.
﴿ما له من دافع﴾ أي: مانع لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام من كمال القدرة وجلال الحكمة قال جبير
стр. 2044
بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله ﷺ في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ والطور إلى قوله تعالى: ﴿إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع﴾ فكأنما صدع قلبي حين سمعته ولم أكن أسلمت يومئذ فأسلمت خوفاً من العذاب وما كنت أظنّ أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب.
ثم بين تعالى أنه متى يقع بقوله تعالى ﴿يوم تمور السماء﴾ أي: تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتدور دوران الرحى ويموج بعضها في بعض وتتكفأ بأهلها تكفؤ السفينة وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض. قال البغوي: والمور يجمع هذه المعاني وهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردّد والدوران والاضطراب قال الرازي: وقيل تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل ﴿موراً﴾ أي: اضطراباً شديداً.
﴿وتسير الجبال﴾ أي: تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب وحقق معناه بقوله تعالى ﴿سيراً﴾ فتصير هباء منثوراً وتكون الأرض قاعاً صفصفاً.
ثم بيّن من يقع عليه العذاب بقوله تعالى ﴿فويل﴾ أي: شدة عذاب ﴿يومئذ﴾ أي: يوم إذ يكون ما تقدّم ذكره ﴿للمكذبين﴾ أي: الغريقين في التكذيب للرسل.
﴿الذين هم﴾ من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم ﴿في خوض﴾ أي: أقوالهم وأفعالهم أفعال الخائض في الماء فهو لا يدري أين يضع رجله ﴿يلعبون﴾ فاجتمع عليهم أمران موجبان للباطل الخوض واللعب فهم بحيث لا يكاد يقع لهم قول ولا فعل في موضعه فلا يؤسس على بيان أو حجة.
فإن قيل: أهل الكبائر لا يكذبون فمقتضى ذلك أنهم لا يعذبون. أجيب بأنّ ذلك العذاب لا يقع على أهل الكبائر لقوله تعالى ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا﴾ (الملك: ٨ ـ ٩)
فالمؤمن لا يلقى فيها إلقاء هوان وإنما يدخل فيها للتطهير إدخالاً مع نوع إكرام فالويل إنما هو للمكذبين.
وقوله تعالى: ﴿يوم يدعون﴾ بدل من يوم تمور السماء أو من يومئذ قبله تقديره: فويل يومئذ يوم يدعون، أي: يدفعون دفعاً عنيفاً بجفوة وغلظة من كل من يقيمه الله تعالى لذلك ذاهبين ومتهيئين ﴿إلى نار جهنم﴾ وهي الطبقة التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة وأكد المعنى وحققه بقوله تعالى ﴿دعّاً﴾ .
قال البغوي: وذلك أنّ خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون دفعاً على وجوههم وزجاً في أقفيتهم مقولاً لهم تبكيتاً وتوبيخاً ﴿هذه النار﴾ أي: الجسم المحرق المفسد لما اتى عليه الشاغل عن اللعب ﴿التي كنتم بها﴾ في الدنيا ﴿تكذبون﴾ على التجدّد والاستمرار.
خبر مقدّم وقوله تعالى ﴿هذا﴾ هو المبتدأ وقدّم الخبر لأنه المقصود بالإنكار والتوبيخ، وذلك أنهم كانوا ينسبون محمداً ﷺ إلى السحر وأنه يغطي الأبصار بالسحر وأنّ انشقاق القمر وأمثاله سحر فوبخوا به، وقيل لهم: ﴿أفسحر هذا﴾ أي الذي أنتم فيه من العذاب مع هذا الإحراق الذي تصلون فيه ﴿أم أنتم﴾ في منام أو نحوه ﴿لا تبصرون﴾ بالقلوب كما كنتم تقولون في الدنيا قلوبنا في أكنة، ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمنذر ﴿بيننا وبينك حجاب فاعمل أننا عاملون﴾ (فصلت: ٥)
﴿اصلوها﴾ أي: إذا لم يمكنكم إنكارها وتحققتم أنه ليس بسحر ولا خلل في أبصاركم فقاسوا شدّتها ﴿فاصبروا﴾ على هذا الذي لا طاقة لكم به ﴿أو لا تصبروا﴾ فإنه لا محيص لكم عنه ﴿سواء
стр. 2045
عليكم﴾ أي: الصبر والجزع فإنّ صبركم لا ينفعكم. وقوله تعالى: ﴿إنما تجزون ما كنتم تعملون﴾ تعليل للاستواء فإنه لماكان الجزاء واجباً كان الصبر وعدمه سيين في عدم النفع.
ولما ذكر ما للمكذبين من العذاب أتبعه ما لأضدادهم من الثواب فقال تعالى ﴿إن المتقين﴾ أي: الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة ﴿في جنات﴾ أي: بساتين أية بساتين دائماً في الدنيا حكماً وفي الآخرة حقيقة ﴿ونعيم﴾ أيّ: نعيم في العاجل يعني بما لهم فيه من الأنس وفي الآجل بالفعل.
وزاد في تحقيق التنعم بقوله تعالى ﴿فاكهين﴾ أي: متلذذين معجبين ناعمين ﴿بما آتاهم﴾ أي: أعطاهم ﴿ربهم﴾ الذي تولى تربيتهم بعملهم بالطاعات إلى أن أوصلهم إلى هذا النعيم ﴿ووقاهم﴾ أي: قبل ذلك ﴿ربهم﴾ أي: المتفضل بتربيتهم بكفهم عن المعاصي والقاذورات ﴿عذاب الجحيم﴾ أي النار الشديدة التوقد.
ولما كان من باشر النعمة وجانب النقمة في غنى عظيم قال مترجماً لذلك على تقدير القول ﴿كلوا﴾ أي: أكلاً هنيئاً ﴿واشربوا﴾ أي: شرباً ﴿هنيئاً﴾ وهو الذي لا تنغيص فيه فكل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخم والسقم وغيرهما ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم﴾ أي: كوناً راسخاً ﴿تعملون﴾ أي: مجددين العمل على سبيل الاستمرار حتى كأنه طبع لكم.
ثم نبه على أنهم مع هذا النعيم مخدومون بقوله تعالى ﴿متكئين﴾ أي: مستندين استناد راحة لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة ﴿على سرر مصفوفة﴾ أي: منصوبة واحداً إلى جنب واحد مستوية كأنها الستور على أحسن نظام وأبدعه.
ثم نبه على تمام سرورهم بالتمتع بالنساء بقوله تعالى ﴿وزوجناهم﴾ أي: تزويجاً يليق بما لنا من العظمة أي صيرناهم ممتعين ﴿بحور﴾ أي: نساؤهنّ في شدّة بياض العين وسوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في غاية حسن لا توصف ﴿عين﴾ أي: واسعات الأعين في رونق وحسن.
تنبيه: اعلم أنه تعالى بين أسباب التنعم على الترتيب فأوّل ما يكون المسكن وهو الجنان، ثم الأكل والشرب ثم الفرش والبسط ثم الأزواج فهذه أمور أربعة ذكرها الله تعالى على الترتيب، وذكر في كل واحد منها ما يدل على كماله فقوله: ﴿جنات﴾ إشارة إلى المسكن وقال ﴿فاكهين﴾ إشارة إلى عدم التنغيص وعلوّ المرتبة لكونه مما آتاهم الله. وقال: ﴿كلوا واشربوا هنيئاً﴾ أي مأمون العاقبة وترك ذكر المأكول والمشروب دلالة على تنويعهما وكثرتهما. وقوله تعالى ﴿بما كنتم تعملون﴾ إشارة إلى أنه تعالى يقول: إني مع كوني ربكم وخالقكم وأدخلتكم الجنة بفضلي فلا منة لي عليكم اليوم وإنما منتي عليكم كانت في الدنيا هديتكم ووفقتكم للأعمال الصالحة كما قال تعالى ﴿بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان﴾ (الحجرات: ١٧)
وأمّا اليوم فلا منة عليكم لأنّ هذا إنجاز الوعد.
وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان وإن لم يبالغوا في الأعمال الصالحة مبتدأ وقرأ أبو عمرو ﴿وأتبعناهم﴾ أي بما لنا من الفضل الناشىء عن العظمة بقطع الهمزة وسكون التاء الفوقية وسكون العين وبعد العين نون مفتوحة بعدها ألف والباقون بهمزة وصل محذوفة وتشديد التاء الفوقية وفتح العين وبعدها تاء فوقية ساكنة وهو معطوف على آمنوا ﴿ذرياتهم﴾ أي: الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان آبائهم، فإنّ الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعاً لأحد أبويه ﴿بإيمان﴾ أي بسبب إيمان حاصل منهم ولو كان في أدنى درجات الإيمان ولكنهم ثبتوا عليه إلى
стр. 2046
أن ماتوا وذلك شرط اتباعهم الذريات قال البقاعي: ويجوز أن يراد وهو أقرب بسبب إيمان الذرّية حقيقة إن كانوا كباراً أو حكماً إن كانوا صغاراً، ثم أخبر عن الموصول المبتدأ بقوله تعالى: ﴿ألحقنا بهم﴾ تفضلاً منا عليهم ﴿ذريتهم﴾ وإن لم يكن للذرّية أعمال لأنه:
*لعين تجازى ألف عين وتكرم
والذريات هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء وإنّ المؤمن إذا كان عمله أكثر ألحق به من دونه في العمل ابناً كان أو أباً وهو منقول عن ابن عباس وغيره، ويلحق بالذرّية من النسب الذرّية بالسبب وهو المحبة فإن كان معها أخذ لعلم أو عمل كانت أجدر فتكون ذرية الإفادة كذرّية الولادة وذلك لقوله ﷺ «المرء مع من أحبّ» في جواب من سأل عمن يحب القوم ولما يلحق بهم، وقرأ ﴿ذرّيتهم بإيمان﴾ و ﴿ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ نافع بالقصر في الأولى والجمع في الثانية مع كسر التاء، وقرأ ابن كثير والكوفيون بالقصر فيهما مع ضم التاء، وقرأ أبو عمرو بالجمع فيهما مع كسر التاء، وقرأ ابن عامر بالجمع فيهما إلا أنه يرفع التاء في الأولى ويكسرها في الثانية.
فإن قيل: قوله تعالى ﴿أتبعناهم ذريّاتهم﴾ يفيد فائدة قوله تعالى ﴿ألحقنا بهم ذرياتهم﴾ أجيب بأنّ قوله تعالى ﴿ألحقنا بهم﴾ أي في الدرجات والإتباع إنما هو في حكم الإيمان وإن لم يبلغوه كما مرّ ثم أشار إلى عدم نقصان المتبوع بقوله تعالى ﴿وما ألتناهم﴾ أي: ما نقصنا المتبوعين ﴿من عملهم﴾ وأكد النفي بقوله تعالى ﴿من شيء﴾ أي: بسبب هذا الإلحاق.
ولما بين تعالى اتباع الأدنى للأعلى في الخير، بين أنّ الأدنى لا يتبع الأعلى في الشرّ بقوله تعالى: ﴿كل امرئ﴾ من الذين آمنوا والمتقين وغيرهم ﴿بما كسب﴾ أي: عمل من خير أو شرّ ﴿رهين﴾ أي: مرهون يؤخذ بالشر ويجازى بالخير وقال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك رهين في النار، والمؤمن لا يكون مرتهناً لقوله تعالى ﴿كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين﴾ (المدثر: ٣٨ ـ ٣٩)
وقال الواحدي: هذا يعود إلى ذكر أهل النار وهو قول مجاهد أيضاً قال الرازي: وفيه وجه آخر وهو أن يكون الرهين فعيلاً بمعنى الفاعل فيكون المعنى كل امرئ راهن أي دائم إن أحسن ففي الجنة مؤبداً وإن أساء ففي النار مخلداً؛ لأنّ في الدنيا دوام الأعمال بدوام الأعيان، فإنّ العرض لا يبقى إلا في جوهر ولا يوجد إلا فيه، وفي الآخرة دوام الأعيان بدوام الأعمال فإنّ الله تعالى يبقي أعمالهم لكونها عند الله تعالى من الباقيات الصالحات وما عند الله باق والباقي يبقى مع عمله.
﴿وأمددناهم﴾ أي: الذين آمنوا والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا من العظمة ﴿بفاكهة﴾ وقتاً بعد وقت زيادة على ما تقدم، ولما كانت الفاكهة ظاهرة فيما نعرفه في الدنيا وإن كان عيش الجنة بجميع الأشياء تفكهاً ليس فيه شيء يقصد به حفظ البدن قال تعالى: ﴿ولحم مما يشتهون﴾ من أنواع اللحمان والمعنى: زدناهم مأكولاً ومشروباً فالمأكول الفاكهة واللحم، والمشروب الكأس وفي هذا لطيفة: وهي أنه تعالى لما قال ﴿وما ألتناهم من عملهم من شيء﴾ ونفي النقصان يصدق بحصول المساوي فقال ليس عدم النقصان بالاقتصار على المساوي بل بالزيادة والإمداد.
وقوله تعالى: ﴿يتنازعون﴾ في موضع نصب على الحال من مفعول أمددناهم ويجوز أن يكون مستأنفاً وقوله تعالى: ﴿فيها﴾ يجوز أن يعود الضمير لشربها ويجوز أن يعود للجنة
стр. 2047
ومعنى يتنازعون يتعاطون، ويحتمل أن يقال: التنازع التجاذب ويكون تجاذبهم تجاذب ملاعبة لا تجاذب منازعة وفيه نوع لذة لأنهم يفعلون ذلك هم وجلساؤهم من أقربائهم وإخوانهم ﴿كأساً﴾ أي: خمراً من رقة حاشيتها تكاد أن لا ترى في كأسها ﴿لالغو﴾ أي: لا سقط حديث وهو ما لا ينفع من الكلام ولا يضر ﴿فيها﴾ أي: في تنازعها ولا بسببها لأنها لا تذهب بعقولهم فلا يتكلمون إلا بالحسن الجميل بخلاف المتنادمين في الدنيا على الشراب بسفههم وعربدتهم ﴿ولا تأثيم﴾ أي: لا يكون منهم ما يؤثمهم وقال الزجاج: لا يجري منهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر قال الرازي: ويحتمل أن يكون المراد من التأثيم السكر وقيل: لا يأثمون في شربها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بنصب لغو وتأثيم من غير تنوين، والباقون بالرفع فيهما مع التنوين.
ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ويعظم أنسها إلا بخدم وسقاة قال تعالى: ﴿ويطوف عليهم﴾ بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف ﴿غلمان﴾ أي: أرقاء، ولما كان أحب مال إلى الإنسان ما يختص به قال تعالى: ﴿لهم﴾ ولم يقل تعالى غلمانهم لئلا يظنّ أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحداً في الدنيا بقول أو فعل أن يكون خادماً له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعاً، وأفاد التنكير أنّ كل من دخل الجنة وجد له خدم لم يعرفهم قبل ذلك ﴿كأنهم﴾ في بياضهم وشدّة صفائهم ﴿لؤلؤ مكنون﴾ أي: مخزون مصون لم تمسه الأيدي. قال سعيد بن جبير يعني في الصدف لأنه فيها أحسن منه في غيره أو مصون في الجنة لم تغيره العوارض.Y
قال عبد الله بن عمر: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه، هذه صفة الخادم وأمّا المخدوم فروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال يا رسول الله: الخادم كاللؤلؤ المكنون فكيف المخدوم، قال «فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» وروي أنه ﷺ قال «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدامة فيجيبه ألف ببابه لبيك لبيك» وقرأ السوسي وشعبة لولو بالبدل والباقون بالهمز.
﴿وأقبل بعضهم﴾ لما ازدهاهم من السرور واللذة والحبور ﴿على بعض يتساءلون﴾ أي: يسأل بعضهم بعضاً في الجنة قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا.
﴿قالوا﴾ أي: قال كل منهم ﴿إنا كنا قبل﴾ أي: في دار العمل ﴿في أهلنا﴾ على ما لهم من العدد والعُدَد والسعة، ولنا بهم من جوانب اللذة والدواعي إلى اللعب ﴿مشفقين﴾ أي: عريقين في الخوف من الله تعالى لا يلهينا عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة والجلال والكبرياء والكمال حق قدره، والمعنى: أنهم يسألون عن سبب ما وصلوا إليه تلذذاً واعترافاً بالنعمة فيقولون ذلك خشية الله تعالى أي كنا نخاف الله تعالى.
﴿فمنّ الله﴾ الذي له جميع الكمال بسبب إشفاقنا منه ﴿علينا﴾ بالرحمة والتوفيق ﴿ووقانا﴾ أي: وجنبنا بما سترنا به ﴿عذاب السموم﴾ قال الكلبيّ عذاب النار، وقال الحسن: السموم من أسماء جهنم، والسموم في الأصل الريح الحارة التي تتخلل المسام والجمع سمائم. يقال: سمّ يومنا أي اشتدّ حره، وقال ثعلب: السموم شدة الحرّ أو شدة البرد في النهار، وقال أبو عبيدة:
стр. 2048
السموم بالنهار وقد تكون بالليل، والحرور بالليل وقد تكون بالنهار.
﴿إنا كنا﴾ أي: بما طبعنا عليه وهيئنا له ﴿من قبل﴾ أي: في الدنيا ﴿ندعوه﴾ أي: نسأله ونعبده بالفعل وأمّا خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة وسكون، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأنّ أنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا يكاد يفعله غيره فهو مما يتعجب منه غاية التعجب بقولهم: ﴿إنه هو﴾ أي: وحده، وقرأ نافع والكسائي بفتح الهمزة والباقون بكسرها ﴿البرّ﴾ أي: الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع، فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما برّه بالنعمة وربما برّه بالبؤس فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له البرّ في العقبى فعلى المؤمن أن لا يتهم ربه في شيء من قضائه ﴿الرحيم﴾ أي: المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته ثم بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته.
ولما بين تعالى أنّ في الوجود قوماً يخافون الله تعالى ويشفقون في أهليهم والنبيّ ﷺ مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى لقوله تعالى: ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ (ق: ٤٥)
فوجب التذكير. فلذلك قال تعالى: ﴿فذكر﴾ أي: عظ يا أشرف الخلق بالقرآن ودم على ذلك ولا ترجع عنه لقول المشركين لك كاهن ومجنون ﴿فما أنت بنعمة ربك﴾ أي: بسبب ما أنعم به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له بما هيأك به من رجاحة العقل وعلوّ الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة الأخلاق، وجعلك أشرف الناس عنصراً وأكملهم نفساً وأزكاهم خلقاً وهم معترفون لك بذلك قبل النبوّة. وأكد النفي بقوله تعالى: ﴿بكاهن﴾ أي: تقول كلاماً مع كونه سجعاً متكلفاً أكثره فارغ وتحكم على المغيبات من غير وحي ﴿ولا مجنون﴾ أي: تقول كلاماً لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات فلا يفترك قولهم هذا عن التذكير فإنه قول باطل لا تلحقك به معرة أصلاً، وعما قليل يكون عيباً لهم لا يغسله عنهم إلا اتباعهم لك فمن اتبعك منهم غسل عاره ومن استمرّ على عناده استمرّ تبابه وخساره.
تنبيه: نزلت هذه الآية في الذين اقتسموا عقاب مكة يرمون رسول الله ﷺ بالكهانة والسحر والجنون والشعر.
﴿أم يقولون﴾ أي: هؤلاء المقتسمون ﴿شاعر﴾ أي: هو شاعر قال الثعلبي: قال الخليل: كل ما في سورة والطور من أم فاستفهام وليس بعطف، وقال أبو البقاء: أم في هذه الآيات منقطعة وتقدم الخلاف في المنقطعة هل تقدر ببل وحدها أو ببل والهمزة أو بالهمزة وحدها، والصحيح الثاني. وقال مجاهد: في قوله تعالى: ﴿أم تأمرهم﴾ (الطور: ٣٢)
تقديره: بل تأمرهم ﴿نتربص﴾ أي ننتظر ﴿به ريب المنون﴾ أي: حوادث الدهر وتقلبات الزمان لأنها لا تدوم على حال كالريب وهو الشك فإنه لا يبقى بل هو متزلزل قال الشاعر:
*تربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يوماً أو يموت حليلها*
وقال أبو ذئب:
*أمن المنون وريبها تتوجع
* ... والدهر ليس بمعتب من يجزع*
والمنون في الأصل: الدهر، وقال الراغب: المنون المنية لأنها تنقص العدد وتقطع المدد، والمعنى: بل يقولون يعني هؤلاء المقتسمين الخراصين شاعر نتربص به ريب المنون حوادث الدهر
стр. 2049
وصروفه، وذلك أنّ العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء فإنّ الشعر كان عندهم يحفظ ويدوّن فقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره وإنما نصبر ونتربص موته ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء وتتفرّق أصحابه فإنّ أباه مات شاباً ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، والمنون يكون بمعنى الدهر وبمعنى الموت سميا بذلك لأنهما يقطعان الأجل.
ثم إنه تعالى أمر نبيه محمداً ﷺ بقوله: ﴿قل﴾ أي: لهؤلاء البعداء ﴿تربصوا﴾ أي انتظروا بي الموت ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيهاً على أنه من السقوط بمنزلة ما لا يحتاج معه إلى ردّ بمجادلة، ثم سبب عن أمره لهم بالتربص قوله: ﴿فإني معكم من المتربصين﴾ أي: العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك وأكده تنبيهاً على أنه يرجو الفرج بمصيبتهم كما يرجون الفرج بمصيبته، وأشار بالمعية إلى أنه مساوٍ لهم في ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوّتهم ووحدته وضعفه أن الأمر بخلاف ذلك.
قال القشيري: جاء في التفسير أنّ جميعهم أي الذين تربصوا به ماتوا قال ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد لتنتهي النوبة إليه فقلّ من تكون هذه صفاته إلا وسبقته المنية ولا يدرك ما تمناه من الأمنية.
فإن قيل: هذا أمر للنبيّ ﷺ ولفظ الأمر يوجب المأمور به أو يبيحه ويجوّزه وتربصهم كان حراماً. أجيب: بأنّ ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد أي تربصوا ذلك فإني متربص الهلاك بكم كقول الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني لست عنك بغافل.
﴿أم تأمرهم﴾ أي: تزين لهم تزييناً يصير ما لهم إليه من الانبعاث كالأمر ﴿أحلامهم﴾ أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا بجودتها دون الناس بحيث إنه كان يقال فيهم أولو الأحلام والنهى، فأزرى الله تعالى بعقولهم حين لم تتم لهم معرفة الحق من الباطل وذلك أنّ الأشياء لا يعبأ بها إلا إن تزينت بعقل أو نقل فقال: هل ورد أمر سمعي أم عقولهم تأمرهم ﴿بهذا﴾ أي: قولهم له ساحر كاهن مجنون وقيل: إلى عبادة الأوثان، وقيل: إلى التربص أي لا تأمرهم بذلك ﴿أم﴾ أي بل ﴿هم﴾ بظواهرهم وبواطنهم ﴿قوم﴾ ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك ﴿طاغون﴾ أي: مفترون ويقولون ما لا دليل عليه سمعاً ولا مقتضى له عقلاً، والطغيان مجاوزة الحدّ في العصيان وكذلك كل شيء مكروه ظاهر قال تعالى: ﴿لما طغى الماء﴾ (الحاقة: ١١)
تنبيه: اعلم أنّ قوله تعالى: ﴿أم تأمرهم﴾ متصل تقديره: أأنزل عليهم ذكر أم تأمرهم أحلامهم بهذا، وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ كل ما لا يكون على وفق العقل لا ينبغي أن يقال، وإنما ينبغي أن يقال ما يجب قوله عقلاً والأحلام جمع حلم وهو العقل فهما من باب واحد من حيث المعنى، لأنّ العقل يضبط المرء فيكون كالبعير المعقول لا يتحرّك من مكانه والحلم من الاحتلام وهو أيضاً سبب وقار المرء وثباته لأنّ الحلم في أصل اللغة هو ما يراه النائم فينزل ويلزم الغسل الذي هو سبب البلوغ وعنده يصير الإنسان مكلفاً، فالله تعالى من لطيف حكمته قرن الشهوة بالعقل وعند ظهور الشهوة يكمل العقل ويكلف صاحبه فأشار تعالى إلى العقل بالإشارة إلى ما يقارنه وهو الحلم ليعلم أنه يريد به كمال العقل.
﴿أم يقولون﴾ ما هو أفحش عاراً من التناقض ﴿تقوله﴾ أي: تكلف قوله من عند نفسه كذباً وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون وهم على كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعراقة آخرين
стр. 2050
في الشعر والخطب والترسل والسجع يعجزون عن مثله بل عن مثل شيء منه.
تنبيه: التقوّل تكلف القول ولا يستعمل إلا في الكذب وهذا أيضاً متصل بقوله تعالى ﴿أم يقولون شاعر﴾ تقديره أم يقولون شاعر أم يقولون تقوّله والمعنى ليس الأمر كما زعموا ﴿بل لا يؤمنون﴾ بالقرآن استكباراً.
ثم ألزمهم الحجة وأبطل جميع الأقسام.
فقال عز من قائل: ﴿فليأتوا﴾ أي: على أيّ تقدير أرادوه ﴿بحديث﴾ أي: كلام مفرق مجدّد إتيانه مع الأزمان ﴿مثله﴾ أي القرآن في البلاغة وصحة المعاني والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه لا نكلفهم أن يأتوا به جملة.
فإن قيل: الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير، والموصوف هنا حديث وهو منكر ومثله مضاف إلى القرآن والمضاف إلى القرآن معرّف فكيف هذا. أجيب: بأنّ مثلاً وغيراً لا يتعرّفان بالإضافة وذلك أن غيرا ومثلاً وأمثالهما في غاية التنكير لأنك إذا قلت: مثل زيد يتناول كل شيء فإنّ كل شيء مثل زيد في شيء فالحمار مثله في الجسم والحجم والإمكان، والنبات مثله في النموّ والنشء والذبول والفناء، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف وأمّا غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت: غير زيد صار في غاية الإبهام فإنه يتناول أموراً لا حصر لها وأما إذا قطعت غير عن الإضافة فربما يكون الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير كأسماء الأجناس وتجعله مبتدأ أو تريد به معنى معيناً.
تنبيه: قالت المعتزلة: الحديث محدث والقرآن سماه حديثاً فيكون محدثاً، وأجيبوا: بأنّ الحديث اسم مشترك يقال للمحدث والمنقول ولهذا يصح أن يقال هذا حديث قديم أي متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لانزاع فيه. قال بعض العلماء: وهذا أمر تعجيز، قال الرازي: والظاهر أنّ الأمر ههنا على حقيقته لأنه لم يقل ائتوا مطلقاً بل قال تعالى: ﴿إن كانوا﴾ أي: كوناً هم راسخون فيه ﴿صادقين﴾ أي: في أنه تقوله من عند نفسه كما يزعمون فهو أمر معلق على شرط إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز كقوله تعالى: ﴿فإنّ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر﴾ (البقرة: ٢٥٨)
وفي هذا تشنيع عليهم سواء ادعوا أنه مجنون أم شاعر أم كاهن أم غير ذلك، لأنّ العادة تحيل أن يأتي واحد من قوم وهو مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على مثله، والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم به ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم على مثل ما يأتي به، فإنه ﷺ مثلهم في الفصاحة والبلد والنسب وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول الشعر ومخالطة العلماء ومزاولة الخطب والرسائل وغير ذلك فلا يقدر على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي وهو المراد من تكذيبهم.
﴿أم خلقوا﴾ أي: وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة ﴿من غير شيء﴾ أي: خالق خلقهم فوجدوا بلا خالق وذلك مما لا يجوز أن يكون لأنّ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق ﴿أم هم الخالقون﴾ لأنفسهم وذلك في البطلان أشدّ، لأنّ ما لا وجود له كيف يخلق فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأنّ لهم خالقاً وهو الله تعالى فلم لا يوحدنه ويؤمنون به وبرسوله وبكتابه وقال الزجاج: معناه أخلقوا باطلاً لا يحاسبون
стр. 2051
ولا يؤمنون وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثاً وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء، أي: لغير شيء أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر. وقيل: معناه أخلقوا من غير أب وأم.
تنبيه: لا خلاف أنّ أم هنا ليست بمعنى بل لكن أكثر المفسرين على أن المراد ما يقع في صدر الكلام من الاستفهام بالهمزة كأنه يقول اخلقوا من غير شيء قال الرازي: ويحتمل أن يقال هو على أصل الوضع للاستفهام الذي يقع في أثناء الكلام وتقديره: أخلقوا من غير شيء أم هم الخالقون.
﴿أم خلقوا﴾ أي: على وجه الشركة ﴿السموات والأرض﴾ فهم بذلك عالمون بما فيهما على وجه الإحاطة واليقين، حتى علموا أنك تقوّلته ليصير لهم ردّه والتهكم عليه ﴿بل لا يوقنون﴾ أي: ليس لهم نوع يقين وإلا لآمنوا برسوله وكتابه.
﴿أم عندهم﴾ أي: خاصة دون غيرهم ﴿خزائن ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك فيعلموا أنّ هذا الذي أتيت به ليس من قول الله تعالى فيصح قولهم إنك تقوّلته ﴿أم هم﴾ أي: لا غيرهم ﴿المسيطرون﴾ أي: الرقباء الحافظون المتسلطون الجبارون الرؤساء الحكام الكتبة ليكونوا ضابطين للأشياء كلها، كما هو شأن كتاب السرّ عند الملوك فيعلمون أنك تقوّلت هذا الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك.
﴿أم لهم سلم﴾ يصعدون به إلى السماء ﴿يستمعون﴾ أي: يتعمدون السماع لكل ما يكون فيها ومنها ﴿فيه﴾ أي: صاعدين في ذلك السلم إلى كلام الملائكة وما يوحي إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن ﴿فليأت مستمعهم﴾ أي: مدعي الاستماع ﴿بسلطان مبين﴾ أي: بحجة بينة واضحة.
ولشبه هذا الزعم زعمهم أنّ الملائكة بنات الله قال تعالى: ﴿أم له البنات﴾ أي: بزعمكم ﴿ولكم البنون﴾ أي: خاصة لتكونوا أقوى منه فتكذبوا رسوله ﷺ وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من عذاب يأتيكم منه لضعفه وقوّتكم.
﴿أم تسألهم﴾ أي: أيها الطاهر الشيم البعيد عن مواقع التهم ﴿أجراً﴾ على إبلاغ ما أتيتهم به ﴿فهم من مغرم﴾ أي: غرم لك ولو قلّ، والمغرم التزام ما لا يجب ﴿مثقلون﴾ فهم لذلك يكذبون من كان سبباً في هذا الثقل بغير مستند ليستريحوا مما جره لهم من الثقل.
﴿أم عندهم﴾ أي: خاصة بهم ﴿الغيب﴾ أي: علم ما غاب عنهم ﴿فهم يكتبون﴾ أي: يجدّدون للناس كتابة جميع ما غاب عنهم مما ينفعهم ويضرّهم حتى يحسدوك فيما شاركتهم به منه فيردوه لذلك وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد نزاهتك عنه وبعدك منه. وقال ابن عباس معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به. واللام في الغيب لا للعهد ولا لتعريف الجنس بل المراد نوع الغيب، كما تقول اشتر اللحم تريد بيان الحقيقة لا كل لحم ولا لحماً معيناً.
﴿أم يريدون﴾ أي: بهذا القول الذي يرمونك به ﴿كيداً﴾ أي: مكراً وضرراً عظيماً ليهلكوك به ﴿فالذين كفروا﴾ وكان الأصل فهم، ولكنه قال تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ﴿هم﴾ أي خاصة ﴿المكيدون﴾ أي: المغلوبون المهلكون فإنهم مكروا به في دار الندوة فحفظه الله تعالى منهم ثم أهلكهم ببدر عند انتهاء سنين عدتها عدّة ما هنا من أم وهي خمس عشرة مرة، لأنّ بدراً كانت في الثانية من الهجرة وهي الخامسة عشر من النبوّة فقد سبب الله تعالى فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى
стр. 2052
هلاكهم بأمور خارقة للعادة، فلو كانت لهم بصائر لكفتهم في الهداية والردّ عن الضلالة والغواية.
﴿أم لهم إله﴾ أي: يمنعهم من التصديق بكتابنا أو يستندون إليه للأمان من عذابنا ﴿غير الله﴾ أي: الذي أحاط بجميع صفات الكمال ﴿سبحان الله﴾ الملك الأعظم الذي تعالى عن أن يداني جنابه شائبة نقص ﴿عما يشركون﴾ من الأصنام وغيرها.
تنبيه: الاستفهام بأم في مواضعها للتقبيح والتوبيخ، ولما بين تعالى فساد أقوالهم وسقوطها أشار إلى أنهم لم يبق لهم عذر فإنّ الآيات والحجج قد ظهرت ولم يؤمنوا فبعد ذلك استحقوا الانتقام.
وقوله تعالى: ﴿وإن يروا﴾ أي: معاينة ﴿كسفاً﴾ أي: قطعة وقيل قطعاً واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر ﴿من السماء﴾ جهاراً نهاراً ﴿ساقطاً يقولوا﴾ جواب لقولهم فأسقط علينا كسفاً من السماء كأن الله تعالى يقول لو عذبناهم بسقوط قطعة من السماء عليهم لم ينتهوا عن قولهم ويقولون لمعاندتهم: هذا ﴿سحاب﴾ فإن قيل لهم هو مخالف للسحاب بصلابته وغلظته قالوا ﴿مركوم﴾ أي: مركب بعضه على بعض فتلبد وتصلب.
وقوله تعالى: ﴿فذرهم﴾ أي: اتركهم على شر أحوالهم كقوله تعالى: ﴿فأعرض عنهم﴾ (السجدة: ٣٠)
وقوله تعالى: ﴿فتول عنهم﴾ (الصافات: ١٧٤)
إلى غير ذلك فقيل: كلها منسوخة بآية القتال قال ابن عادل وهو ضعيف وإنما المراد التهديد كقول السيد لعبده الجاني لمن يصحبه دعه فإنه سينال جنايته ﴿حتى يلاقوا يومهم الذي فيه﴾ أي: لا في غيره لأنّ ما حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر ﴿يصعقون﴾ أي: يموتون من شدة الأهوال وعظم الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور، ولكن لا نقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور لنحشرهم للحساب الذي يكذبون به.
قال البقاعي: والظاهر أنّ هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعين بالنصر فيه فما أغنى أحد منهم عن أحد شيئاً كما قال أبو سفيان بن الحارث: ما هو إلا أنا ألقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا.
وقوله تعالى: ﴿يوم لا يغني﴾ أي: بوجه من الوجوه بدل من يومهم ﴿عنهم كيدهم﴾ أي: الذي يرمونه بهذه الأقوال المتناقضة ﴿شيئاً﴾ من الإغناء في دفع شيء يكرهونه من الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من أحوال هذه الدار ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: يتجدد لهم نصر ما في ساعة ما يمنعهم من العذاب.
وقوله تعالى: ﴿وإنّ للذين ظلموا﴾ يجوز أن يكون من إيقاع الظاهر موضع المضمر وأن لا يكون، والمعنى: وإنّ للذين أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما يقولونه في القرآن ويفعلونه من العصيان ويعتقدونه من الشرك والبهتان ﴿عذاباً دون ذلك﴾ أي: غير عذاب ذلك اليوم قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين وقال البراء بن عازب: عذاب القبر، والآية تحتمل هذه المعاني كلها ﴿ولكنّ أكثرهم لا يعلمون﴾ أن العذاب نازل بهم.
﴿واصبر﴾ أي: أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ما أنت عليه من أداء الرسالة ﴿لحكم ربك﴾ أي: المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك ولو لم يرده لم يكن شيء منه فهو إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم، وسبب عن ذلك قوله تعالى مؤكداً لما يغلب على الطبع البشري في بعض أوقات الامتحان من نوع نسيان ﴿فإنك بأعيننا﴾ أي: بمرأى منا نراك ونحفظك، وجمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا سياقها وهي
стр. 2053
ظاهرة في الجمع، وإشارة إلى أنه محفوظ بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته ﴿وسبح﴾ ملتبساً ﴿بحمد ربك﴾ أي: المحسن إليك فأثبت له كل كمال من تنزيهك له عن كل نقص فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو حكمة بالغة ﴿حين تقوم﴾ قال سعيد بن جبير وعطاء: أي قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك فإن كان المجلس خيراً ازددت إحساناً وإن كان غير ذلك كان كفارة له.
وروى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال «من جلس مجلساً وكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهمّ وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا كان كفارة لما بينهما» أي من الذنوب الصغائر. وقال ابن عباس: معناه صل لله حين تقوم من مقامك وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل سبحانك اللهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك، وقال الكلبي: هو ذكر الله تعالى باللسان حتى تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة لما روى عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأيّ شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام الليل فقالت «كان إذا قام كبر عشراً وحمد الله تعالى عشراً وهلل عشراً واستغفر عشراً، وقال: اللهمّ اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة» وقيل حين تقوم لأمر ما.
﴿ومن الليل﴾ أي: الذي هو محل السكون والراحة ﴿فسبحه﴾ أي: صلّ له قال مقاتل: يعني صلاة المغرب والعشاء ﴿وإدبار النجوم﴾ أي: صل الركعتين قبل صلاة الفجر وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح هذا قول أكثر المفسرين وقال الضحاك: هي فريضة صلاة الصبح وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ (الروم: ١٧)
وقد تقدم الكلام عليها قال الرازي:
قال تعالى هنا: ﴿وإدبار النجوم﴾ وقال في سورة ق: ﴿وأدبار السجود﴾ (ق: ٤٠)
فيحتمل أن يكون المعنى واحداً والمراد من السجود جمع ساجد والنجوم سجود قال تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ (الرحمن: ٦)
وقيل المراد من النجوم نجوم السماء وقيل النجم ما لا ساق له من النبات قال الله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض﴾ (الرعد: ١٥)
الآية أو المراد من النجوم الوظائف وكل وظيفة نجم في اللغة أي إذا فرغت من وظائف الصلاة فقل سبحان الله كما مرّ، وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة والطور كان حقاً على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته» حديث موضوع.
سورة النجم
مكية ثنتان وستون آية وثلاثمائة وستون كلمةوألف وأربعمائة وخمسة أحرف
﴿بسم الله﴾ الذي أحاط بصفات الكمال ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ الموجودات بصفة الجمال ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل ودّه بصالح الأعمال.
﴿والنجم إذا هوى﴾ قال ابن عباس في رواية العوفي: يعني الثريا إذا غابت وسقطت وهوت مغيبة، والعرب تسمي الثريا نجماً، وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً «ما طلع النجم قط وفي الأرض شيء من العاهات إلا رفع» وأراد بالنجم الثريا، وقال مجاهد: هو نجم السماء كلها حين يغرب، لفظه واحد ومعناه الجمع سمى الكوكب نجماً لطلوعه وكلّ طالع
стр. 2054
نجم يقال: نجم السن والنبت والقرن إذا طلع.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنها ما يرجم به الشياطين عند استراقهم السمع وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة وقيل: المراد بالنجم القرآن سمي نجماً لأنه نزل نجوماً متفرقة في عشرين سنة ويسمى التفريق تنجيماً والمفرّق منجما هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وقال الكلبي: والهوى النزول من أعلى إلى أسفل وقال الأخفش: النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ (الرحمن: ٦)
وهويه سقوطه على الأرض.
وقال جعفر الصادق: يعني محمداً ﷺ إذا نزل من السماء ليلة المعراج والهوى النزول يقال هوى يهوى هوياً والكلام في قوله تعالى: ﴿والنجم﴾ كالكلام في قوله تعالى ﴿والطور﴾ حيث لم يقل والنجوم والأطوار وقال: ﴿والذاريات﴾ (الذاريات: ١)
﴿والمرسلات﴾ (المرسلات: ١)
كما مر.
تنبيه: أوّل هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها فإنه تعالى قال في آخر تلك ﴿وأدبار النجوم﴾ وقال تعالى في أوّل هذه: ﴿والنجم إذا هوى﴾ قال الرازي: والفائدة في تقييد القسم به في وقت هويه أنه إذا كان في وسط السماء يكون بعيداً عن الأرض لا يهتدي به الساري لأنه لا يعلم به المشرق من المغرب ولا الجنوب من الشمال، فإذا نزل عن وسط السماء تبين بنزوله جانب المغرب عن المشرق والجنوب عن الشمال.
وقوله تعالى: ﴿ما ضل﴾ أي: عن طريق الهداية ﴿صاحبكم﴾ محمد ﷺ وقتاً من الأوقات، جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدلّ على القصد مرغبة لهم فيه وقتاً من الأوقات جواب القسم وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدلّ على القصد مرغبة لهم فيه ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم يعرفون طهارة شمائله ﴿وما غوى﴾ أي: وما مال أدنى ميل ولا كان مقصده مما يسوء فإنه محروس من أسباب غواية الشياطين وغيرها.
تنبيه: الغي جهل عن اعتقاد فاسد بخلاف الضلال، وذهب أكثر المفسرين إلى أن الغي والضلال بمعنى واحد وفرق بعضهم بينهما فقال: الضلال في مقابلة الهدى، والغي في مقابلة الرشد قال تعالى: ﴿قد تبين الرشد من الغي﴾ (البقرة: ٢٥٦)
وقال تعالى ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلاً﴾ (الأعراف: ١٤٦)
قال الرازي: وتحقيق القول فيه أنّ الضلال أعم استعمالاً في الوضع تقول: ضل بعيري ورحلي ولا تقول غيّ.
فائدة: قد دافع الله سبحانه عن نبينا محمد ﷺ وأمّا باقي الأنبياء فدافعوا عن أنفسهم ليس بي ضلالة ليس بي سفاهة ونحو ذلك قاله القشيري فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿ما ضلّ صاحبكم﴾ وبين قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ (الضحى: ٧)
أجيب: بأنّ المراد من الآية الآتية وجدك ضالاً عما أنت عليه الآن من الشريعة فهداك إليها بخلاف هذه الآية.
﴿وما ينطق﴾ أي: يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا في هذا الحال ولا في الاستقبال نطقاً ناشئاً ﴿عن الهوى﴾ أي: عن أمره كالكهان الذين يغلب كذبهم صدقهم، والشعراء وغيرهم وما يقول هذا القرآن من عند نفسه.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو﴾ أي: الذي يتكلم به من القرآن وكلّ أقواله وأفعاله وأحواله ﴿إلا وحي﴾ أي: من الله تعالى وأكده بقوله تعالى: ﴿يوحى﴾ أي: يجدد إليه إيحاؤه منا وقتاً بعد وقت.
تنبيه: استدل بهذه الآية من لا يرى الاجتهاد للأنبياء، وأجيب: بأنّ الله تعالى إذا سوغ لهم الاجتهاد كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحياً لا نطقاً عن الهوى.
﴿علمه﴾ أي: صاحبكم الوحي الذي أتاكم به ملك ﴿شديد القوى﴾
стр. 2055
فلا تعجبوا من هذه البحار الزاخرة فإنّ معلمه بهذه الصفة التي هو بها بحيث ينفذ كلّ ما أمره الله تعالى به وهو جبريل ﵇، فإنه الواسطة في إبداء الخوارق. روي أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده في أوحى من رجعة الطرف، ورأى إبليس يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفحه نفحة بجناحه فألقاه في أقصى بلاد الهند.
﴿ذو مرّة﴾ قال ابن عباس: ذو منظر حسن وقال أكثر المفسرين: ذو قوة وقدرة عظيمة على الذهاب فيما أمر به، والطاقة لحمله بغاية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس في مزاولته ماض على طريقة واحدة على غاية من الشدّة لا توصف لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به، فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة لا يسأم في شيء يزاوله، ومن جملة ما أعطي من القوّة القدرة على التشكل وإلى ذلك أشار بما تسبب عن هذا من قوله تعالى ﴿فاستوى﴾ أي: فاستقام واعتدل بغاية ما يكون من قوّته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها.
﴿وهو﴾ أي: والحال أنّ جبريل ﵇ ﴿بالأفق الأعلى﴾ أي: عند مطلع الشمس، وذلك أنّ جبريل ﵇ كان يأتي النبيّ ﷺ في صورة الآدميين كما كان يأتي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله، فسأله رسول الله ﷺ أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين مرّة في الأرض ومرّة في السماء، فأمّا التي في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق وذلك أنه ﷺ كان بحراء وكان جبريل واعده أن يأتيه وهو بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب فخر ﷺ مغشياً عليه فنزل له جبريل ﵇ في صورة الآدميين.
﴿ثم دنا﴾ أي قرب منه ﴿فتدلى﴾ أي زاد في القرب.
﴿فكان﴾ منه ﴿قاب﴾ أي قدر ﴿قوسين﴾ أي عربيتين ﴿أو أدنى﴾ من ذلك وضمه إلى نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه، وأمّا في السماء فعند سدرة المنتهى ولم يره أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد ﷺ
تنبيه: القاب والقيب والقاد والقيد والقيس المقدار، وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع ومنه «لا صلاة إلى أن ترتفع الشمس مقدار رمحين» وفي الحديث «لقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها» والقد: السوط، ويقال بينهما خطوات يسيرة وقال الشاعر:
* ... وقد جعلتني من خزيمة أصبعا
فإن قيل: كيف تقدير قوله: ﴿فكان قاب قوسين﴾ أجيب: بأنّ تقديره فكان مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذفت هذه المضافات كما قال أبو علي في قوله: وقد جعلتني من خزيمة أصبعا أي ذا مقدار مسافة أصبع.
وروى الشيباني قال: سألت زراً عن قوله تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ قال أخبرنا عبد الله يعني ابن مسعود «أنه محمد ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح» وبهذا قال ابن عباس والحسن وقتادة، وقال آخرون: دنا الرب من محمد ﷺ فتدلى فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، ومعنى دنوه تعالى: قرب منزلة كقوله ﷺ حكاية عن ربه ﵎ «من تقرّب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً ومن تقرّب إليّ ذراعاً
стр. 2056
تقرّبت إليه باعاً ومن مشى إليّ أتيته هرولة» وهذا إشارة إلى المعنى المجازي قال البغوي: وروينا في قصة المعراج من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس: فدنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وهذه رواية أبي سلمة عن ابن عباس وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه وقد قدّمت الكلام على المعراج وعلى جواز رؤيته ﷺ ربه في أوّل الإسراء. وقال الضحاك: دنا محمد ﷺ من ربه فتدلى فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى وتقدّم الكلام على القاب، والقوس: ما يرمى به في قول مجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل ﵇ ومحمد ﷺ مقدار قوسين. وقال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس وهذا إشارة إلى تأكيد القرب والأصل في ذلك أنّ الحليفين من العرب كانا إذا أراد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فالصقا بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه، وقال عبد الله بن مسعود: قاب قوسين قدر ذراعين وهو قول سعيد بن جبير، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء أو أدنى بل أقرب وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بالقاب.
﴿فأوحى﴾ أي: الله تعالى وإن لم يجر له ذكر لعدم اللبس ﴿إلى عبده﴾ أي: جبريل ﵇ ﴿ما أوحى﴾ أي: جبريل ﵇ إلى النبيّ ﷺ ولم يذكر الموحي تفخيماً لشأنه وهذا التفسير ما جرى عليه الجلال المحلي وهو ظاهر، وقيل: فأوحى إلى جبريل بسبب هذا القرب وعقبه إلى عبده أي عبد الله ما أوحى أي جبريل وقيل: الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد القوى كما في قوله تعالى: ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ (الذاريات: ٥٨)
ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بكليته إلى جانب القدس، واختلف في الموحى على أقوال الأول قال سعيد ابن جبير: أوحى إليه ﴿ألم يجدك يتيماً﴾ (الضحى: ٦)
إلى قوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (الشرح: ٤)
الثاني: أوحى إليه الصلاة. الثالث: أن أحداً من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأنّ أمة من الأمم لا تدخلها قبل أمتك. الرابع: أنه مبهم لا يطلع عليه أحد وتعبدنا به على الجملة. الخامس: أنّ ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل.
﴿ما كذب الفؤاد﴾ أي: فؤاد النبيّ ﷺ ﴿ما رأى﴾ أي: ما رآه ببصره من صورة جبريل ﵇، وهذا أيضاً ما جرى عليه الجلال المحلي. وقال البقاعي: ما رأى البصر أي حين رؤية البصر كأنه حاضر القلب لا أنها رؤية بصر فقط يمكن فيها الخلو عن حضور القلب وقال القشيري ما معناه: ما كذب فؤاد النبي ﷺ ما رآه ببصره على الوصف الذي علمه قبل أن رآه، فكان علمه حق اليقين وقرأ هشام بتشديد الذال والباقون بالتخفيف.
وقوله تعالى: ﴿أفتمارونه﴾ أي: تجادلونه وتغلبونه ﴿على ما يرى﴾ خطاب للمشركين المكذبين رؤية النبيّ ﷺ لجبريل، وهذا ما قاله ابن مسعود وعائشة. ومن قال: إنّ المرئي هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده وهو قول ابن عباس قال: رآه بفؤاده مرّتين ما كذب الفؤاد ما رأى، وقال أنس والحسن وعكرمة: رأى محمد ﷺ ربه بعينه، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إنّ الله تعالى اصطفى إبراهيم ﵇ بالخلة واصطفى في موسى ﵇ بالكلام واصطفى محمداً ﷺ بالرؤية
стр. 2057
وكانت عائشة تقول لم ير محمد ﷺ ربه وتحمل الرؤية على رؤية جبريل قال مسروق قلت لعائشة: يا أمّتاه هل رأى محمد ربه فقالت لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدّثكهنّ فقد كذب؟ من حدّثك أنّ محمداً رأى ربه فقد كذب ثم قرأت ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير﴾ (الأنعام: ١٠٣)
﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب﴾ (الشورى: ٥١)
ومن حدّثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ (لقمان: ٣٤)
. ومن حدّثك أنه كتم شيئاً مما أنزل الله تعالى فقد كذب، ثم قرأت ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (المائدة: ٦٧)
الآية ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين» ، وروى أبو ذر قال سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك «قال نور أنّى أراه» وحاصل المسألة: أنّ الصحيح ثبوت الرؤية وهو ما جرى عليه ابن عباس حبر الأمّة، وهو الذي يرجع إليه في المعضلات، وقد راجعه أبو عمرو فأخبره أنه رآه ولا يقدح في ذلك حديث عائشة، لأنها لم تخبر أنها سمعت من رسول الله ﷺ أنه قال لم أر وإنما اعتمدت على الاستنباط مما تقدم وجوابه ظاهر، فإنّ الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة، وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله﴾ (الشورى: ٥١)
الآية بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، وبأنه عام مخصوص بما تقدّم من الأدلة.
وأمّا قوله ﷺ «نور أنّى أراه» فقال الماوردي: الضمير في أراه عائد إلى الله تعالى ومعناه: إنه خالق النور المانع من رؤيته أي رؤية إحاطة كما مرّ إذ من المستحيل أن تكون ذات الله نوراً إذ النور من جملة الأجسام والله تعالى منزه عن ذلك فإن قيل: هلا قيل أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به فقالوا: صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع أجيب: بأنّ التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في السماء فماذا تقولون فيه.
والواو في قوله تعالى: ﴿ولقد رآه﴾ يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون للحال أي: كيف تجادلونه فيما رآه وهو قد رآه ﴿نزلة أخرى﴾ على وجه لا شك فيه.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿نزلة﴾ فعلة من النزول كجلسة من الجلوس فلا بدّ من نزول، واختلفوا في ذلك النزول. وفيه وجوه:
الأوّل: أنّ الضمير في رآه عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة أخرى أي رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلاً من السماء مرّة أخرى وذلك أنه رآه في صورته مرتين مرة في الأرض ومرّة في السماء ﴿عند سدرة المنتهى﴾ قال الرازي: ويحتمل أن تكون النزلة لمحمد ﷺ
الثاني: أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى، وهذا قول من قال في قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ هو الله تعالى وقد قيل: إنّ النبي ﷺ رأى ربه بقلبه مرتين وعلى هذا ففي النزول وجهان: أحدهما: قول من يجوز على الله الحركة من غير تشبيه. وثانيهما: أنّ نزوله بمعنى القرب بالرحمة والفضل، الثالث: أن محمداً رأى الله تعالى نزلة أخرى والمراد من النزلة: ضدّها وهي العرجة كأنه قال: رآه عرجة أخرى قال ابن عباس: نزلة أخرى هو أنه كان للنبيّ ﷺ عرجات في تلك الليلة لمسألة التخفيف
стр. 2058
في الصلوات فيكون لكلّ عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها.
وروي عن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه أنه رأى ربه بعينه وعلى أنّ المرئي هو الله تعالى فيكون قوله تعالى: ﴿عند سدرة المنتهى﴾ ظرفاً للرائي كما إذا قال القائل رأيت الهلال فيقال له: أين رأيته فيقول: على السطح، وقد يقول: عند الشجرة الفلانية، وأمّا قول من قال: بأنّ الله تعالى في مكان فذلك باطل، وإن قيل: بأنّ المرئي جبريل ﵇ فظاهر.
الآية بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، وبأنه عام مخصوص بما تقدّم من الأدلة.
وأمّا قوله ﷺ «نور أنّى أراه» فقال الماوردي: الضمير في أراه عائد إلى الله تعالى ومعناه: إنه خالق النور المانع من رؤيته أي رؤية إحاطة كما مرّ إذ من المستحيل أن تكون ذات الله نوراً إذ النور من جملة الأجسام والله تعالى منزه عن ذلك فإن قيل: هلا قيل أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به فقالوا: صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع أجيب: بأنّ التقدير أفتمارونه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في السماء فماذا تقولون فيه.
والواو في قوله تعالى: ﴿ولقد رآه﴾ يحتمل أن تكون عاطفة ويحتمل أن تكون للحال أي: كيف تجادلونه فيما رآه وهو قد رآه ﴿نزلة أخرى﴾ على وجه لا شك فيه.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿نزلة﴾ فعلة من النزول كجلسة من الجلوس فلا بدّ من نزول، واختلفوا في ذلك النزول. وفيه وجوه:
الأوّل: أنّ الضمير في رآه عائد إلى جبريل أي رأى جبريل نزلة أخرى أي رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلاً من السماء مرّة أخرى وذلك أنه رآه في صورته مرتين مرة في الأرض ومرّة في السماء ﴿عند سدرة المنتهى﴾ قال الرازي: ويحتمل أن تكون النزلة لمحمد ﷺ
الثاني: أن الضمير عائد إلى الله تعالى أي رأى الله نزلة أخرى، وهذا قول من قال في قوله تعالى: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ هو الله تعالى وقد قيل: إنّ النبي ﷺ رأى ربه بقلبه مرتين وعلى هذا ففي النزول وجهان: أحدهما: قول من يجوز على الله الحركة من غير تشبيه. وثانيهما: أنّ نزوله بمعنى القرب بالرحمة والفضل، الثالث: أن محمداً رأى الله تعالى نزلة أخرى والمراد من النزلة: ضدّها وهي العرجة كأنه قال: رآه عرجة أخرى قال ابن عباس: نزلة أخرى هو أنه كان للنبيّ ﷺ عرجات في تلك الليلة لمسألة التخفيف في الصلوات فيكون لكلّ عرجة نزلة فرأى ربه في بعضها.
وروي عن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ رأى ربه بفؤاده مرتين وعنه أنه رأى ربه بعينه وعلى أنّ المرئي هو الله تعالى فيكون قوله تعالى: ﴿عند سدرة المنتهى﴾ ظرفاً للرائي كما إذا قال القائل رأيت الهلال فيقال له: أين رأيته فيقول: على السطح، وقد يقول: عند الشجرة الفلانية، وأمّا قول من قال: بأنّ الله تعالى في مكان فذلك باطل، وإن قيل: بأنّ المرئي جبريل ﵇ فظاهر.
تنبيه: إضافة السدرة إلى المنتهى تحتمل وجوهاً:
أحدها: إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعدّاه ملك، قال هلال بن كيسان: سأل ابن عباس كعباً عن سدرة المنتهى وأنا حاضر فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وقيل: ينتهي إليها ما هبط من فوقها ويصعد من تحتها، وقال كعب: تنتهي إليها الملائكة والأنبياء، وقال الربيع: تنتهي إليها أرواح المؤمنين.
وثانيها: إضافة الملك إلى مالكه كقولك: دار زيد وشجر زيد وحينئذ المنتهى فيه محذوف تقديره سدرة المنتهى إليه قال الله تعالى: ﴿إلى ربك المنتهى﴾ (النجم: ٤٢)
فالمنتهى إليه هو الله تعالى وإضافة السدرة إليه حينئذ كإضافة البيت إليه للتشريف والعظيم، كما يقال في التسبيح يا غاية رغبتاه ويا منتهى أملاه.
وثالثها: إضافة المحل إلى الحال فيه كقولك كتاب الفقه وعلى هذا فالتقدير سدرة عندها منتهى العلوم فتتلقى هناك.
قال البقاعي: وذلك والله أعلم ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوّة قبل الهجرة بقليل بعد أن ترقى في معارج الكمالات من السنين على عدد السموات وما بينها من المسافات فانتهى إلى منتهى سمع فيه صرير الأقلام.
وعظمها بقوله تعالى: ﴿عندها﴾ أي: السدرة ﴿جنة المأوى﴾ أي: التي لا مأوى في الحقيقة غيرها وهي الجنة التي وعدها المتقون كقوله تعالى: ﴿دار المقامة﴾ (فاطر: ٣٥)
وقيل هي جنة أخرى عندها تكون أرواح الشهداء تأوي إليها وقيل هي جنة الملائكة.
وقوله تعالى: ﴿إذ﴾ معمول لرأى أي: رأى من آيات ربه الكبرى حين ﴿يغشى السدرة﴾ وهي شجرة النبق وقوله تعالى: ﴿ما يغشى﴾ تعظيم وتكثير لما يغشاها واختلفوا فيما يغشاها فقيل: فراش أو جراد من ذهب وهو قول ابن عباس وابن مسعود والضحاك قال الرازي: وهذا ضعيف لأنّ ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن صح فيه خبر وإلا فلا وجه له ا. هـ. قال القرطبي ورواه ابن مسعود وابن عباس مرفوعاً إلى النبيّ ﷺ وقال أيضاً عن النبيّ ﷺ إنه قال «رأيت السدرة يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كلّ ورقة ملكاً قائماً يسبح الله تعالى وذلك قوله عز من قائل: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ » وقيل: ملائكة تغشاها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوقين متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة وروي في حديث المعراج عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كقلال هجر قال: فلما غشيها من أمر الله تعالى ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يقدر أن ينعتها من حسنها، فأوحى إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة» .
وقيل: يغشاها أنوار الله تعالى، لأنّ النبيّ ﷺ لما وصل إليها تجلى ربه لها كما تجلى للجبل
стр. 2059
فظهرت الأنوار، ولكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت فجعل دكا ولم تتحرّك الشجرة وخر موسى ﵇ صعقاً ولم يتزلزل محمد ﷺ وقيل: أبهمه تعظيماً له والغشيان يكون بمعنى التغطية قال الماوردي في معاني القرآن: فإن قيل: لم اختيرت السدرة لهذا الأمر دون غيرها من الشجر قلنا: لأنّ السدرة تختص بثلاثة أوصاف: ظلّ مديد وطعم لذيذ ورائحة ذكية، فشابهت الإيمان الذي يجمع قولاً وعملاً ونية فظلها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوره، وطعمها بمنزلة النية لكمونه، وريحها بمنزلة القول لظهوره، وروى أبو داود عن النبيّ ﷺ قال: «من قطع سدرة صوب الله تعالى رأسه في النار» وسئل أبو داود عن معنى هذا الحديث فقال: هو مختصر يعني: من قطع سدرة في فلاة يستظلّ بها ابن السبيل والبهائم، عبثاً وظلماً بغير حق يكون له فيها، صوب الله تعالى رأسه في النار.
ثم أكد سبحانه الرؤية وقرّرها بقوله تعالى ﴿ما زاغ﴾ أي: ما مال أدنى ميل ﴿البصر﴾ أي الذي لا بصر لمخلوق أكمل منه فما قصر عن النظر إلى ما أذن له فيه وما زاد ﴿وما طغى﴾ أي: تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه، مع أنّ ذاك العالم غريب عن بني آدم وفيه من العجائب ما يحير الناظر، بل كانت له الصفة الصادقة المتوسطة بين الشره والزهادة على أتم قوانين العدل فأثبت ما رآه على حقيقته، وكما هو قال السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من عوارفه: وأخبر تعالى بحسن أدبه في الحضرة بهذه الآية وهذه غامضة من غوامض الأدب اختص بها رسول الله ﷺ
تنبيه: اللام في البصر تحتمل وجهين:
أحدهما: المعروف أي ما زاغ بصر محمد ﷺ وعلى هذا إن قيل بأنّ الغاشي للسدرة هو الجراد والفراش فمعناه لم يلتفت إليه ولم يشتغل به ولم يقطع نظره عن مقصوده فيكون غشيان الجراد والفراش ابتلاء وامتحاناً لمحمد ﷺ وإن قيل إنّ الغاشي أنوار الله تعالى ففيه وجهان: أحدهما: لم يلتفت يمنة ولا يسرة بل اشتغل بمطالعتها. الثاني: ما زاغ البصر بصعقه بخلاف موسى ﵇ فإنه قطع النظر وغشي عليه، ففي الأوّل بيان أدب محمد ﷺ وفي الثاني بيان قوّته.
الوجه الثاني: أنّ اللام لتعريف الجنس أي ما زاغ بصره أصلاً في ذلك الموضع لعظم هيبته فإن قيل: لو كان كذلك لقال ما زاغ بصره فإنه أدلّ على العموم فإنّ النكرة في معرض النفي تعم، أجيب: بأنّ هذا مثل كقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ (الأنعام: ١٠٣)
ولم يقل ولا يدركه بصر.
ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكاراً لم يقع لهم في غيره مثله زاد في تأكيده على وجه يعمّ غيره فقال تعالى: ﴿لقد رأى﴾ أي: أبصر ما أهلناه له من الرسالة تلك الليلة إبصاراً سارياً إلى البواطن غير مقتصر على الظواهر ﴿من آيات ربه﴾ أي: المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل إليه أحد بعده ﴿الكبرى﴾ أي: العظام أي بعضها، واختلف في ذلك البعض فقيل جبريل ﵇ رآه في صورته له ستمائة جناح. وقال الرازي: والظاهر أن هذه الآيات غير تلك لأنّ جبريل ﵇ وإن كان عظيماً لكنه ورد في الأخبار أنّ لله تعالى ملائكة أعظم منه، والكبرى تأنيث الأكبر فكأنه تعالى قال رأى من آيات ربه آيات هنّ أكبر الآيات وقيل رأى: رفرفاً أخضر سد الأفق وقيل: أراد ما رأى في تلك الليلة في مسيره وعوده ومن اجتماعه تلك الليلة بالأنبياء عليهم الصلاة
стр. 2060
والسلام في السموات.
ولما قرّر تعالى الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدئ به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك بقوله تعالى:
إشارة إلى إبطال قولهم كما إذا ادّعى ضعيف الملك ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون: انظروا إلى هذا الذي يدعي الملك منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره، فلذلك قال تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾ أي كما هما فكيف تشركونهما بالله ، واللات صنم ثقيف والعزى شجرة لغسان وهما أعظم أصنامهم، اشتقوا لهما اسمين من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى وقيل: العزى تأنيث الأعز وعن ابن عباس كان اللات رجلاً يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره.
وعن مجاهد أن العزى شجرة لغطفان كانوا يعبدونه فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد يضربها بالفأس ويقول:
*يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك*
فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية بويلها واضعة يدها على رأسها ويقال إنّ خالداً رجع إلى النبي ﷺ فقال: قد قلعتها فقال ما رأيت قال ما رأيت شيئاً فقال النبيّ ﷺ ما فعلت فعاودها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة فقتلها ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال تلك العزى ولن تعبد أبداً.
وقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعيد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه لما قدم مكة فرأى الصفا والمروة ورأى أهل مكة يطوفون بهما فعاد إلى نخلة وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم ولهم إله يعبدونه وليس لكم قالوا: فما تأمرنا به، قال: أنا أصنع لكم كذلك وأخذ حجراً من الصفا وحجراً من المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذه من الصفا وقال: هذا الصفا ووضع الذي أخذه من المروة، وقال هذه المروة: ثم أخذ ثلاثة أحجار فاسندها إلى شجرة فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة حتى افتتح رسول الله ﷺ مكة فأمر برفع الحجارة وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كان تعبده ثقيف.
وأما قوله تعالى ﴿ومناة﴾ فقال قتادة: هي صخرة كانت لخزاعة بقديد، وقالت عائشة في الأنصار كانوا يصلون لمناة فكانت حذو قديد. وقال ابن زيد بيت بالمشلل تعبده بنو كعب وقال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة وقيل اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها.
وقوله تعالى: ﴿الثالثة الأخرى﴾ نعت لمناة إذ هي الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فقال أبو البقاء: توكيد لأنّ الثالثة لا تكون إلا أخرى، وقال الزمخشري: الأخرى ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار كقوله تعالى: ﴿وقالت أخراهم﴾ أي: وضعاؤهم ﴿لأولاهم﴾ أي: لأشرافهم، ويجوز أن تكون الأولية والتقدّم عندهم للات والعزى ا. هـ. قال ابن عادل: وفيه نظر لأنّ الأخرى إنما تدل على الغيرية وليس فيها تعرّض لمدح ولا ذم فإن جاء شيء فلقرينة خارجية ا. هـ. ووجه الترتيب أنّ اللات كان وثناً على صورة آدمي، والعزى شجرة نبات، ومناة صخرة فهي جماد فهي في أخريات المراتب.
فإن قيل: ما فائدة الفاء في
стр. 2061
قوله تعالى: ﴿أفرأيتم﴾ وقد وردت في مواضع بغير فاء كقوله تعالى: ﴿أرأيتم ما تدعون من دون الله﴾ (الأحقاف: ٤)
﴿أرأيتم شركاءكم﴾ (فاطر: ٤٠)
أجيب: بأنه تعالى لما قدم عظمته في ملكوته وأنّ رسوله إلى الرسل يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدّته وقوّته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدّى السدرة في مقام جلال الله وعزته قال: أفرايتم هذه الأصنام مع ذلتها وحقارتها شركاء الله تعالى مع ما تقدّم، فقال بالفاء أي عقب ما سمعتم من عظمة آيات الله الكبرى ونفاذ علمه في الملأ الأعلى وما تحت الثرى انظروا إلى اللات والعزى تعلموا فساد ما ذهبتم إليه.
تنبيه: مفعول أرأيت الأول اللات وما عطف عليه والثاني: محذوف والمعنى أخبروني ألهذه الأصنام قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله القادر على ما تقدّم ذكره.
وقرأ ابن كثير ﴿مناة﴾ بهمزة مفتوحة بعد الألف والباقون بغير همز.
ولما زعموا أيضاً أنّ الملائكة بنات الله مع كراهتهم للبنات نزل ﴿ألكم﴾ أي: خاصة ﴿الذكر﴾ أي: النوع الأعلى ﴿وله﴾ أي: وحده ﴿الأنثى﴾ أي: النوع الأسفل.
﴿تلك﴾ أي: هذه القسمة البعيدة عن الصواب ﴿إذاً﴾ أي: إذ جعلتم البنات له والبنين لكم ﴿قسمة ضيزى﴾ أي: جائرة ظالمة ناقصة فيها بخس للحق إلى الغاية عوجاء غير معتدلة، حيث خصصتم به ما أوصلتكم الكراهة له إلى دفنه حياً بل كان ينبغي أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير فخالفتم العقل والنقل والعادة.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿هي﴾ أي: هذه الأصنام ﴿إلا أسماء﴾ أي: لا حقائق لها فيما ادعيتم لها من الإلهية ليس لها من ذلك غير الأسماء وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿سميتموها﴾ أي: ابتدعتم تسميتها.
فإن قيل: الأسماء لا تسمى وإنما يسمى بها أجيب: بأن التسمية وضع الاسم فكأنه قال أسماء وضعتموها فاستعمل سميتموها استعمال وضعتموها ﴿أنتم وآباؤكم﴾ أي: لا غير ﴿ماأنزل الله﴾ أي: الذي له جميع صفات الكمال ﴿بها﴾ أي باستحقاقها للأسماء أو لما سميتموها به من الإلهية، وأغرق في النفي فقال: ﴿من سلطان﴾ أي: حجة تصلح مسلطاً على ما يدعى فيها بل لمجرد الهوى لم تروا منها آية ولا كلمتكم قط بكلمة تعتمدونها وعلى تقدير أن تتكلم الشياطين على ألسنتها فأيّ طريقة قويمة شرعت لكم، وأيّ كلام صالح أو بليغ برز إليكم منها وأيّ آية كبرى أرَتْكموها.
﴿إن﴾ أي: ما ﴿يتبعون﴾ أي: في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية جهدهم من أنها آلهة وأنها تشفع لهم أو تقربهم إلى الله تعالى ﴿إلا الظن﴾ أي: وهو غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم والظن ترجيح أحد الجائزين على زعم الظان. ولما كان الظن قد يكون موافقاً للحق مخالفاً للهوى قال تعالى: ﴿وما تهوى الأنفس﴾ أي: تشتهي وهي لما لها من النقص لا تشتهي أبداً إلا ما يهوى بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما يسوق إليها العقل.
قال القشيري: فأما الظن الجميل بالله تعالى فليس من هذا الباب، والتباس عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل إنما الظن المعلول في الله تعالى وأحكامه وصفاته ا. هـ. ولهذا كان كثير من الفقه ظنياً وقال ﷺ حكاية عن ربه «أنا عند ظن عبدي بي» .
﴿ولقد جاءهم﴾ أي: العجب أنهم يقولون ذلك والحال أنهم قد جاءهم ﴿من ربهم﴾ المحسن إليهم ﴿الهدى﴾ على لسان النبيّ ﷺ بالبرهان القاطع أنها ليست بآلهة، وأنّ العبادة
стр. 2062
لا تصلح إلا لله الواحد القهار فلم يرجعوا عما هم عليه، وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم وقرأ أبو عمرو بكسرهما والباقون بكسر الهاء وضم الميم.
﴿أم للإنسان﴾ أي: كل إنسان منهم ﴿ما تمنى﴾ أي: من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ورفاهة عيش، ومن أن الأصنام تشفع له ليس الأمر كذلك.
﴿فلله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿الآخرة﴾ فهو لا يعطي ما فيها إلا لمن تبع هداه وترك هواه ﴿والأولى﴾ أي: الدنيا فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلاً كما هو مشاهد ولكنه يعطي منها ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم عليه سبحانه في شيء منها.
﴿وكم من ملك﴾ أي: كثير من الملائكة أي ممن يعبدهم هؤلاء الكفار، ودلّ على زيادة قوّتهم بشرف مسكنهم، وهو قوله تعالى: ﴿في السموات﴾ أي: وهم في الكرامة والزلفى ﴿لا تغني شفاعتهم﴾ أي: عن أحد من الناس ﴿شيئاً﴾ ثم قصر الأمر عليه ورده بحذافيره إليه بقوله تعالى: ﴿إلا من بعد أن يأذن﴾ أي: يمكن ويريد ﴿الله﴾ أي الملك الذي لا أمر أصلاً لأحد معه ﴿لمن يشاء﴾ من عباده من الملائكة أو من الناس أن يشفع ﴿ويرضى﴾ أي: ويراه أهلاً لذلك فكيف تعبد الأصنام مع حقارتها لتشفع لهم.
﴿إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي: لا يصدقون ولا يقرّون بالبعث وغيره من أحوال يوم القيامة ﴿ليسمون الملائكة﴾ أي: كل واحد منهم ﴿تسمية الأنثى﴾ بأن سموه بنتاً، وذلك أنهم كانوا يقولون: الملائكة وجدوا من الله تعالى فهم أولاده بمعنى الإيجاد، ثم إنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث وصح عندهم أن يقال: سجدت الملائكة فقالوا بنات الله فسموهم تسمية الإناث.
فإن قيل: كيف يقال إنهم لا يؤمنون بالآخرة مع أنهم كانوا يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وكان من عادتهم أن يربطوا مركوباً على قبر من يموت ويعتقدون أنه يحشر عليه أجيب: بأنهم ما كانوا يجزمون به بل كانوا يقولون لا حشر فإن كان فلنا شفعاء بدليل ما حكى الله تعالى عنهم: ﴿وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إنّ لي عنده للحسنى﴾ (فصلت: ٥٠)
وبأنهم ما كانوا يعترفون بالآخرة على الوجه الذي وردت به الرسل فإن قيل: كيف قال: تسمية الأنثى ولم يقل تسمية الإناث أجيب بأن المراد بيان الجنس وهذا اللفظ أليق بهذا الموضع لمؤاخاة رؤوس الآي.
﴿وما﴾ أي: والحال أنهم ما ﴿لهم به﴾ أي: بما يقولون، وقيل: الضمير يعود إلى ما تقدّم من عدم قبول الشفاعة وقيل: يعود إلى الله تعالى أي ما لهم بالله تعالى ﴿من علم﴾ ثم بين تعالى الحامل لهم على ذلك بقوله تعالى: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿يتبعون﴾ أي بغاية ما يكون من شهوة النفس في ذلك وغيره ﴿إلا الظن﴾ أي الذي يتخيلونه ﴿وإن﴾ أي: والحال أن ﴿الظن﴾ أي: مطلقاً في هذا وفي غيره، ولذلك أظهر في موضع الإضمار ﴿لا يغني﴾ أي إغناء مبتدأ ﴿من الحق﴾ أي: الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله والظن إنما يعتبر في العمليات لا في العلميات ولا سيما الأصولية ﴿شيئاً﴾ أي: من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدّي أبداً إلى الجزم بالعلم بالشيء على ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين، فإنّ المقصود فيها تحقيق الأمر على ما هو عليه في الواقع، وأما الفروع فإنّ المكلف به فيها هو الظن لكن بشرطه المأذون فيه وهو ردّه إلى الأصول المستنبط منها، لعجز الإنسان عن القطع في جميع الفروع
стр. 2063
تنبيهاً على عجزه وافتقاره إلى الله تعالى ليقبل عليه ويتبرأ من حوله وقوّته ليكشف له عن الحقائق.
ولما أن أصروا على الهوى بعد مجيء الهدى سبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿فأعرض﴾ أي: يا أشرف الرسل ﴿عمن تولى﴾ أي: كلف نفسه خلاف ما يدعو إليه العقل والفطرة الأولى ﴿عن ذكرنا﴾ أي: القرآن الذي أنزلناه فلم يتله ولم يتدبر معانيه ﴿ولم يرد﴾ أي: في وقت من الأوقات ﴿إلا الحياة الدنيا﴾ أي الحاضرة لتقيده بالمحسوسات كالبهائم مع العمى عن دناءتها وحقارتها. قال الجلال المحلي: وهذا قبل الأمر بالجهاد.
قال الرازي: وأكثر المفسرين يقولون: بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿فأعرض﴾ منسوخ بآية القتال وهو باطل، لأنّ الأمر بالإعراض موافق لآية القتال فكيف ينسخ بها وذلك لأنّ النبيّ ﷺ في الأول كان مأموراً بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة فلما عارضوه بأباطيلهم أمر بإزالة شبههم والجواب عن أباطيلهم. وقيل له: وجادلهم بالتي أحسن ثم لما لم ينفع قال له ربه: أعرض عنهم ولا تقل لهم بالدليل والبرهان فإنهم لا ينتفعون به ولا يتبعون الحق، وقاتلهم والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة فكيف يكون منسوخاً بها.
﴿ذلك﴾ أي: الأمر المتناهي في الجهل والقباحة ﴿مبلغهم﴾ أي: نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم وتهكم بهم بقوله تعالى: ﴿من العلم﴾ أي غايتهم من العلم أنهم آثروا الدنيا على الآخرة، والجملة اعتراض مقرر لقصور همتهم على الدنيا وقوله تعالى: ﴿إنّ ربك﴾ أي: المحسن إليك بالرسالة ﴿هو أعلم﴾ أي: عالم ﴿بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ أي: ظاهراً وباطناً، تعليل للأمر بالإعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت، لأنّ النبيّ ﷺ كان كالطبيب للقلوب فأتى على ترتيب الأطباء في أنّ المرض إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القويّ، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي كما قيل: آخر الدواء الكي فالنبيّ ﷺ أولاً أمر القلوب بذكر الله تعالى فقط، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، كما أنّ بالغذاء تطمئن النفوس والذكر غذاء القلوب، ولهذا قال ﷺ أولاً: «قولوا لا إله إلا الله أمر بالذكر فانتفع مثل أبي بكر، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل وقال ﴿أو لم يتفكروا﴾ (الأعراف: ١٨٤)
﴿قل انظروا﴾ (يونس: ١٠١)
﴿أفلا ينظرون﴾ (الغاشية: ١٧)
إلى غير ذلك، فلما لم ينتفعوا أتى بالوعيد والتهديد فلما لم ينفعهم قال أعرض عن المعالجة واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح.
فإن قيل: إنّ الله تعالى بين أنّ غايتهم ذلك في العلم ولا يكلف الله تعالى نفساً إلا وسعها والمجنون الذي لا علم له أو الصبيّ الذي لا يؤمر بما فوق احتماله فكيف يعاقبهم الله تعالى؟ أجيب: بأنه ذكر قبل ذلك أنهم تولوا عن ذكر الله فكان عدم علمهم لعدم قبولهم العلم، وإنما قدر الله تعالى توليهم ليضاف الجهل إلى ذلك فيتحقق العقاب.
﴿ولله﴾ أي: الملك الأعظم وحده ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ أي: من الذوات والمعاني فيشمل ذلك السموات والأرض معترض بين الآية الأولى وبين قوله تعالى ﴿ليجزي الذين أساؤوا﴾ أي: بالضلال ﴿بما عملوا﴾ أي: بسببه أو بجنسه إما بواسطتك بسيوفك وبسيوف أتباعك إذ أذنت لكم
стр. 2064
في القتال، وإما بغير ذلك بالموت حتف الأنف تضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم ثم بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم في الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة.
تنبيه: اللام في ليجزي يجوز أن تتعلق بقوله تعالى: ﴿بمن ضل﴾ و ﴿بمن اهتدى﴾ ، واللام للصيرورة أي عاقبة أمرهم جميعاً للجزاء بما عملوا قال معناه الزمخشري، وأن تتعلق بما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿أعلم بمن ضلّ﴾ أي: حفظ ذلك ليجزي قاله أبو البقاء ﴿ويجزي﴾ أي: ويثيب ويكرم ﴿الذين أحسنوا﴾ أي: على ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم ﴿بالحسنى﴾ أي: بالمثوبة الحسنى وهي الجنة.
وبين المحسنين بقوله تعالى: ﴿الذين يجتنبون﴾ أي: يكلفون أنفسهم ويجهدونها على أن يتركوا ﴿كبائر الإثم﴾ أي: ما عظم الشارع إثمه بعد تحريمه بالوعيد والحد، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الباء الموحدة وبعدها ياء ساكنة والباقون بفتح الموحدة وبعدها ألف وبعد الألف همزة مكسورة وعطف على كبائر قوله تعالى: ﴿والفواحش﴾ والفاحشة من الكبائر ما كرهه الطبع وأنكره العقل واستخبثه الشرع والكبيرة صفة عائدة إلى الكيفية.
وقوله تعالى: ﴿إلا اللمم﴾ فيه أوجه: أحدها وهو المشهور أنه استثناء منقطع أي لكن اللمم، لأنه الصغائر فلم تندرج فيما قبلها ثانيها: أنه صفة وإلا بمعنى غير كقوله تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (الأنبياء: ٢٢)
أي كبائر الأثم والفواحش غير اللمم. ثالثها: أنه متصل وهذا عند من يفسر اللمم بغير الصغائر قالوا: إنّ اللمم من الكبائر والفواحش قالوا: إن معنى الآية إلا أن يلم بالفاحشة مرّة ثم يتوب ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة ومجاهد والحسن ورواه عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك قال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن قول الله إلا اللمم فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم وروى: عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «أن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» ولمسلم «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه النطق واليد زناها البطش والرجل زناها الخطأ والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» .
تنبيه: ذهب الجماهير من السلف والخلف من جميع الطوائف إلى انقسام المعاصي إلى كبائر وصغائر، وقد تظاهرت على ذلك دلائل الكتاب والسنة، وقد اختلف في ضبط الكبيرة بالحد فقال جمع: هي ما لحق صاحبها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة، وقال جمع: هي المعصية الموجبة للحد والأوّل أوجه لأنهم عدوا الربا وأكل مال اليتيم وشهادة الزور ونحوها من الكبائر ولا حد فيها وقال إمام الحرمين: هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، وأما تعريفها بالعد فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي إلى السبعين أقرب وقال سعيد بن جبير هي إلى السبعمائة أقرب أي باعتبار أصناف أنواعها وما عدا المحدود من المعاصي فمن الصغائر ولا بأس بذكر شيء من النوعين.
стр. 2065
فمن الأوّل تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها بلا عذر ومنع الزكاة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة ونسيان القرآن واليأس من رحمة الله تعالى، وأمن مكر الله تعالى، وقتل النفس عمداً أو شبه عمد، والفرار من الزحف وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والإفطار في رمضان من غير عذر، وعقوق الوالدين والزنا واللواط وشهادة الزور، وشرب الخمر وإن قل، والسرقة والغصب وقيده جماعة بما يبلغ ربع مثقال كما يقطع به في السرقة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وضرب المسلم بغير حق، وقطع الرحم والكذب على رسول الله ﷺ عمداً، وسب الصحابة، وأخذ الرشوة، والسحر والنميمة، وأما الغيبة فإن كانت في أهل العلم وحملة القرآن فهي كبيرة وإلا فصغيرة.q
ومن الصغائر النظر المحرم وكذب لا حد فيه ولا ضرر، والإشراف على سوآت الناس، وهجر المسلم فوق ثلاث والضحك في الصلاة المفروضة، والنياحة وشق الجيب في المصيبة والتبختر في المشي والجلوس بين الفساق إيناساً لهم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة يغلب تنجيسهم المسجد، واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة، والإصرار على صغيرة من نوع أو أنواع يصيرها كبيرة إلا أن تغلب طاعاته معاصيه كما أوضحت ذلك في شرح المنهاج وغيره.
﴿إنّ ربك﴾ أي: المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين والتخفيف عن أمتك ﴿واسع المغفرة﴾ يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة وله أن يفغر ما شاء من الذنوب ما عدا الشرك صغيرها وكبيرها كما قال تعالى: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: ٤٨)
بخلاف غيره من الملوك فإنه لا يغفر لمن تكرّرت ذنوبه إليهم وإن صغرت قال البيضاويّ: ولعله عقب به وعيد المسيئين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى ا. هـ. ونزل فيمن كان يقول صلاتنا صيامنا حجنا ﴿هو أعلم بكم﴾ أي: بذواتكم وأحوالكم منكم بأنفسكم ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿أنشأكم من الأرض﴾ أي: التي طبعها طبع الموت البرد واليبس بإنشاء أبيكم آدم ﵇ منها، وتهيئتكم للتكوين بعد أن لم يكن فيكم وأنتم تراب قابلية للحياة بقوة قريبة ولا بعيدة أصلاً فميز التراب الذي يصلح لتكوينكم منه والذي لا يصلح ﴿وإذ﴾ أي: وحين ﴿أنتم أجنة﴾ أي: مستورون ﴿في بطون أمهاتكم﴾ فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون إليه من خير وشرّ وإن عملتم مدة من العمر بخلافه، لأنه يعلم ما جبلكم عليه من ذلك.
وقرأ حمزة والكسائيّ في الوصل بكسر الهمزة والباقون بضمها، وكسر حمزة الميم وفتحها الباقون، وأما في الابتداء بالهمزة فالجميع بضمها.
﴿فلا تزكوا﴾ أي: تمدحوا بالزكاة وهي البركة والطهارة عن الدناءة ﴿أنفسكم﴾ أي: حقيقة بأن يثني الإنسان على نفسه فإنّ تزكيته لنفسه قال القشيري: من علامات كونه محجوباً عن الله تعالى أي: من مدح نفسه على سبيل الإعجاب، أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن، أو مجازاً بأن يثنى على غيره من إخوانه وأنه كثيراً ما يثنى بشيء فيظهر خلافه وربما حصل له الأذى بسببه «وإنّ العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع» الحديث ولذلك علل بقوله تعالى: ﴿هو أعلم﴾ أي: منكم ومن جميع الخلق ﴿بمن اتقى﴾ أي فإنه يعلم المتقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم ﵇ فمن
стр. 2066
جاهد نفسه حتى حصل منه تقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين فكيف بمن صارت له التقوى وصفا ثابتاً.
ولما بين جهل المشركين في عبادة الأصنام ذكر واحد منهم بسوء فعله فقال تعالى:
﴿أفرأيت الذي تولى﴾ أي: عن اتباع الحق والثبات عليه. قال مجاهد وأبو زيد ومقاتل نزلت في الوليد بن المغيرة كان قد اتبع النبيّ ﷺ على دينه فعيره بعض المشركين وقال له تركت دين الأشياخ وضللتهم فقال: إني خشيت عذاب الله تعالى فضمن الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله، ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله تعالى ﴿أفرأيت الذي تولى﴾ أي أدبر عن الإيمان.
﴿وأعطى قليلا﴾ أي: من المال المسمى ﴿وأكدى﴾ أي: منع الباقي، مأخوذ من الكدية أرض صلبة كالصخرة تمنع حافر البئر إذا وصل إليها من الحفر، فأكدى أصله من أكدى الحافر إذا حفر شيئاً فصادف كدية منعته من الحفر ومثله: أجبل إذا صادف جبلاً منعه من الحفر وكديت أصابعه كَلَّت من الحفر ثم استعمل في كل من طلب شيئاً فلم يصل إليه أو لم يتممه ولمن طلب شيئاً ولم يبلغ آخره قال الحطيئة:
*وأعطى قليلاً ثم أكدى عطاءه ... ومن يفعل المعروف في الناس يحمد*
وقال السدي: نزلت في العاصي بن وائل السهمي وذلك أنه ربما يوافق النبيّ ﷺ في بعض الأمور وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق فذلك قوله تعالى: ﴿وأعطى قليلاً وأكدى﴾ أي لم يؤمن به ومعنى أكدى قطع، وروي أنّ عثمان رضى الله تعالى عنه كان يعطي ماله في الخير فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقى لك شيء فقال عثمان: إنّ لي ذنوباً وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء فنزلت.
وقوله تعالى: ﴿أعنده علم الغيب﴾ أي: ما غاب هو المفعول الثاني لرأيت بمعنى أخبرني، والمفعول الأوّل محذوف اقتصاراً لأعطى ﴿فهو﴾ أي: فتسبب عن ذلك أنه ﴿يرى﴾ أي: يعلم أنّ صاحبه يتحمل عنه ذنوبه.
﴿أم﴾ أي: بل ﴿لم ينبأ﴾ أي: يخبر أخباراً عظيماً متتابعاً ﴿بما في صحف موسى﴾ أي: التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه، وكذا ما تبعها من أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها.
وقدم صحف موسى ﵇ على قوله: ﴿وإبراهيم﴾ أي: وصحفه لأنّ كتاب موسى ﵇ أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس تمكن مراجعته، ثم مدح إبراهيم ﵇ بقوله تعالى: ﴿الذي وفى﴾ أي: أتم ما أمر به من ذلك تبليغ الرسالة واستقلاله بأعباء النبوة وقيامه بأضيافه وخدمتهم إياه بنفسه، وإنه كان يخرج كل يوم فيمشي فرسخاً يرتاد ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم وعن الحسن: ما أمر الله تعالى بشيء إلا وفى به وصبر على ما امتحن به، وما قلق شيئاً من قلق وصبر على حر ذبح الولد وعلى حر النار ولم يستعن بمخلوق بل قال لجبريل ﵇ لما قال له: ألك حاجة قال: أما إليك فلا وقال الضحاك: وفي المناسك، وروي عن النبيّ
стр. 2067
صلى الله عليه وسلم أنه قال «إبراهيم الذي وفى أربع ركعات من أول النهار» وهي صلاة الضحى وروي «ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفى كان يقول: إذا أصبح وأمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى تظهرون» وقيل: وفى سهام الإسلام وهي ثلاثون عشرة في التوبة ﴿التائبون ... ﴾ (التوبة: ١١٢) ، وعشرة في الأحزاب ﴿إنّ المسلمين ... ﴾ (الأحزاب: ٣٥) ، وعشرة في المؤمنون، ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ (المؤمنون: ١)
وخص هذين النبيين لأنّ الموعودين من بني إسرائيل اليهود والنصارى يدعون متابعة موسى ﵇، ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم ﵇ ومن عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوّة محققة ولا شريعة محفوظة، وقرأ هشام بفتح الهاء وألف بعدها والباقون بكسر الهاء وياء بعدها.
ثم فسر تعالى الذي في الصحف واستأنف بقوله تعالى: ﴿ألا تزر﴾ أي: تأثم وتحمل ﴿وازرة﴾ أي: نفس بلغت مبلغاً تكون فيه حاملة لوزر ﴿وزر أخرى﴾ أي: حملها الثقيل من الإثم، وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة أن يحمل عنه الإثم، وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال كانوا قبل إبراهيم ﵇ يأخذون الرجل بذنب غيره، وكان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وامرأته والعبد بسيده، حتى جاءهم إبراهيم ﵇ فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله ﴿ألا تزر وازرة وزر أخرى﴾ .
﴿س٥٣ش٣٩/ش٤٤ وَأَن لَّيْسَ لِ?نسَانِ إِ s مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ? سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَ?ـاهُ الْجَزَآءَ ا?وْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى * وَأَنَّهُ? هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ? هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾
ولما نفى أن يضرّه أثم غيره نفي أن ينفعه سعي غيره بقوله تعالى:
﴿وأن ليس للإنسان﴾ كائناً من كان ﴿إلا ما سعى﴾ فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة فيسعى فيه ودعاء المؤمنين للمؤمن من سعيه بموادته ولو بموافقته لهم في الدين فقط، وكذا الحج عنه والصدقة ونحوها، وأما الولد فواضح في ذلك، وأما ما كان بسبب العلم والصدقة ونحوها فكذلك، وتضحية النبيّ ﷺ عن أمته أصل كبير في ذلك فإنّ من تبعه فقد واده وهو أصل في التصدق عن الغير وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها إليه.
وقال ابن عباس ﵄: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة أي: وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم ﵉ بقوله: ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ (الطور: ٢١)
فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء وقال عكرمة إنّ ذلك لقوم موسى وإبراهيم ﵉، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم لما يروى أن امرأة رفعت صبياً لها فقالت يا رسول الله ألهذا حج فقال نعم ولك أجر «وقال رجل للنبي ﷺ إنّ أمي انسلت نفسها فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم» .
قال الشيخ تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن تيمية: من اعتقد أنّ الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع وذلك باطل من وجوه كثيرة: أحدها: أنّ الإنسان ينتفع بدعاء غيره وهو انتفاع بعمل الغير. ثانيها: أنّ النبيّ ﷺ يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها ثم لأهل الكبائر في الخروج من النار وهذا انتفاع بعمل الغير. ثالثها: أن كل نبي وصالح له شفاعة وذلك انتفاع بعمل الغير. رابعها: أنّ الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض وذلك منفعة بعمل الغير. خامسها: أنّ الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم. سادسها: أنّ أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم وذلك انتفاع بمحض عمل الغير. سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين ﴿وكان أبوهما صالحاً﴾ (الكهف: ٨٢)
стр. 2068
فانتفعا بصلاح أبيهما وليس هو من سعيهما. ثامنها: أنّ الميت ينتفع بالصدقة عنه والعتق بنص السنة والإجماع وهو من عمل الغير. تاسعها: أنّ الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة وهو انتفاع بعلم الغير. عاشرها: أنّ الحج المنذور أو الصوم المنذور يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة وهو انتفاع بعمل الغير. حادي عشرها: أن المدين الذي امتنع ﷺ من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب وانتفع بصلاة النبيّ ﷺ وبردت جلدته بقضاء دينه وهو من عمل الغير. ثاني عشرها: أنّ النبيّ ﷺ قال لمن صلى وحده «ألا رجل يتصدّق على هذا فيصلى معه» فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير. ثالث عشرها: أنّ الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه وذلك انتفاع بعمل الغير. رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير. خامس عشرها: أنّ الجار الصالح ينفع في المحيا والممات كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير. سادس عشرها: أنّ جليس أهل الذكر يرحم بهم وهو لم يكن منهم ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له والأعمال بالنيات فقد انتفع بعمل غيره. سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحيّ عليه وهو عمل غيره. ثامن عشرها: أنّ الجمعة تحصل باجتماع العدد وكذلك الجماعة بكثرة العدد وهو انتفاع للبعض بالبعض. تاسع عشرها: أنّ الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ (الأنفال: ٣٣)
وقال تعالى: ﴿ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات﴾ (الفتح: ٢٥)
﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ (البقرة: ٢٥١)
فقد دفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض وذلك انتفاع بعمل الغير. عشروها: أنّ صدقة الفطر تجب عن الصغير وغيره ممن يمونه الرجل فينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي لهما. حادي عشريها: أنّ الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك ولا سعي له ومن تأمّل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأوّل الآية على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
والمراد بالإنسان العموم وقال الربيع بن أنس: ليس للإنسان يعني الكافر: وأما المؤمن فله ما سعي وما سعى له وقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله يثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير، وروي «أنّ عبد الله بن أبي كان أعطى العباس قميصاً ألبسه إياه فلما مات أرسل النبيّ ﷺ قميصه ليكفن فيه فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها» .
﴿وأن سعيه﴾ أي: من خير وشر ﴿سوف يرى﴾ أي: في ميزانه من غير شك يوم القيامة بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى، من: أريته الشيء، أي: يعرض عليه ويكشف له.
فإن قيل: العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه؟ أجيب: بأنه يرى على صورة جميلة إن كان العمل صالحاً قال الرازي وذلك على مذهبنا غير بعيد، فإن كل موجود يرى والله تعالى قادر على إعادة كل ما عدم فيعيد الفعل فيرى، وفيه بشارة للموحد وذلك أنّ الله تعالى يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ويحزن الكافر بأعماله الفاسدة فيزداد غماً.
﴿ثم يجزاه﴾ أي: السعي ﴿الجزاء الأوفى﴾ أي: الأتمّ الأكمل والمعنى: أنّ الإنسان يجزى جزاء سعيه بالجزاء الأوفى يقال: جزيت فلاناً سعيه وبسعيه. قال الرازي:
стр. 2069
الجزاء الأوفى يليق بالمؤمنين الصالحين، لأنّ جزاء الطالح وافر قال تعالى: ﴿فإنّ جهنم جزاؤكم جزاء موفوراً﴾ (الإسراء: ٦٣)
وذلك أن جهنم ضررها أكثر من نفع الآثام فهي في نفسها أوفر.
﴿وأنّ إلى ربك﴾ أي: المحسن إليك لا إلى غيره ﴿المنتهى﴾ أي: الانتهاء برجوع الخلائق ومصيرهم إليه فيجازيهم بأعمالهم وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال، وروى أبو هريرة مرفوعاً «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنّ الله تعالى لا يحيط به الفكر» وفي رواية «لا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره» قال القرطبي: ومن هذا المعنى قوله ﷺ «يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله تعالى» ولقد أحسن من قال:
*ولا تفكرن في ذي العلا عز وجهه ... فإنك تردى إن فعلت وتخذل*
*ودونك مخلوقاته فاعتبر بها ... وقل مثل ما قال الخليل المبجل*
وقيل: المراد من الآية التوحيد وفي المخاطب وجهان: أحدهما: أنه عام تقديره إلى ربك أيها السامع أو العاقل والثاني: أنه خطاب مع النبيّ ﷺ فعلى الأول يكون تهديداً وعلى الثاني يكون تسلية لقلب النبيّ ﷺ فعلى الأول تكون اللام في المنتهى للعهد المعهود في القران وعلى الثاني تكون للعموم أي إلى ربك كل منتهى.
وقوله تعالى: ﴿وأنه هو﴾ أي: لا غيره ﴿أضحك وأبكى﴾ يدل على أنّ كل ما يعمله الإنسان فبقضاء الله تعالى وخلقه حتى الضحك والبكاء، وروي أنه ﷺ مر على قوم من أصحابه وهم يضحكون فقال ﷺ «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» فنزل عليه جبريل ﵇ فقال يا محمد إنّ الله يقول لك: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ أي: قضى أسبابهما فرجع إليهم ﷺ فقال ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل فقال: ائت هؤلاء فقل لهم إن الله تعالى يقول: ﴿هو أضحك وأبكى﴾ أي قضى أسباب الضحك والبكاء وقال بسام بن عبد الله أضحك أسنانهم وأبكى قلوبهم وأنشد يقول:
*السنّ تضحك والأحشاء تحترق ... وإنما ضحكها زور ومختلق*
*يا رب باك بعين لا دموع لها ... ورب ضاحك سنّ ما به رمق*
وقال مجاهد والكلبي أضحك أهل الجنة في الجنة وأبكى أهل النار في النار، وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر وقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن لأنّ الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء وقيل: إنّ الله تعالى خص الإنسان بالضحك والبكاء من سائر الحيوان وقيل: القرد وحده يضحك ولا يبكي وإنّ الإبل وحدها تبكي ولا تضحك وقال يونس بن الحسين: سئل طاهر المقدسي أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحكوا ولا كل من دون العرش منذ خلقت جهنم وعن عائشة قالت: «لا والله ما قال رسول الله ﷺ قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ولكنه قال إنّ الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذاباً وإنّ الله تعالى هو أضحك وأبكى» .
تنبيه: قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ وما بعده يسميه البيانيون الطباق المتضادّ
стр. 2070
وهو نوع من البديع، وهو: أن يذكر ضدّان أو نقيضان أو متنافيان بوجه من الوجوه، وأضحك وأبكى لا مفعول لهما في هذا الموضع لأنهما سيقا لقدرة الله تعالى لا لبيان المقدور فلا حاجة إلى المفعول كقول القائل: فلان بيده الأخذ والعطاء يعطي ويمنع، ولا يريد ممنوعاً ومعطى واختار هذين الموضعين المذكورين لأنهما أمران لا يعللان فلا يقدر أحد من الطبائعيين يبين لاختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجهاً ولا سبباً، وإذا لم يعلل بأمر فلا بدّ له من موجد وهو الله تعالى بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال ومما يدل على ذلك أنهم إذا عللوا الضحك قالوا: لقوّة التعجب وهو باطل، لأنّ الإنسان ربما بهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك وقيل: لقوّة الفرح وليس كذلك لأنّ الإنسان قد يبكي لقوّة الفرح كما قال بعضهم:
*هجم السرور على حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني*
﴿وأنه هو﴾ أي: لا غيره ﴿أمات وأحيا﴾ وإن رأيتم أسباباً ظاهرة فإنها لا عبرة بها في نفس الأمر بل هو الذي خلقها أي أمات في الدنيا وأحيا في البعث وقال القرطبي: قضى أسباب الموت والحياة وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء وقيل: أمات الكافر بالكفر وأحيا المؤمن بالإيمان.
﴿س٥٣ش٤٥/ش٥٥ وَأَنَّهُ? خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَا?نثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ ا?خْرَى * وَأَنَّهُ? هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ? هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ?? أَهْلَكَ عَادًا ا?ولَى * وَثَمُودَا? فَمَآ أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ? إِنَّهُمْ كَانُوا? هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّـ?ـاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَىِّءَا?ءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾
﴿وأنه خلق الزوجين﴾ ثم فسرهما بقوله تعالى: ﴿الذكر والأنثى﴾ فإنه لو كان ذلك في يد غيره لمنع البنات لأنها مكروهة لغالب الناس.
وقوله تعالى: ﴿من نطفة إذا تمنى﴾ أي: تصب يشمل سائر الحيوانات لا أن ذلك مختص بآدم وحوّاء ﵉، لأنهما ما خلقا من نطفة، وهذا أيضاً تنبيه على كمال القدرة لأنّ النطفة جسم متناسب الأجزاء ويخلق الله تعالى منها أعضاء مختلفة وطباعاً متباينة، وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ (الزخرف: ٨٧)
وقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولنّ الله﴾ (لقمان: ٢٥)
فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى: ﴿وأنه خلق﴾ ولم يقل وأنه هو خلق كما قال تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾ أجيب بأن الضحك والبكاء ربما يتوهم أنهما بفعل الإنسان، والإماتة والإحياء وإن كان ذلك التوهم أبعد فيهما لكن ربما يقول به جاهل كما قال من حاج إبراهيم ﵇ أنا أحيي وأميت فأكد ذلك بالفصل، وأما خلق الذكر والأنثى من النطفة فلا يتوهم أحد أنه بخلق أحد من الناس فلم يؤكد بالفصل ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وأنه هو أغنى وأقنى﴾ (النجم: ٤٨)
حيث كان الإغناء عندهم غير مستند إلى الله تعالى، وكان في معتقدهم أن ذلك بفعلهم كما قال قارون: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ (القصص: ٧٨)
ولذلك قال: ﴿هو رب الشعرى﴾ (النجم: ٤٩)
فأكد في مواضع استبعادهم إلى الإسناد ولم يؤكد في غيره.
﴿وأن عليه﴾ أي: خاصاً به علماً وقدرة ﴿النشأة﴾ أي الحياة ﴿الأخرى﴾ للبعث يوم القيامة بعد الحياة الأولى فإن قيل: الإعادة لا تجب على الله تعالى فما معنى عليه؟ أجيب: بأنه عليه بحكم الوعد فإنه قال: ﴿إنا نحن نحيي الموتى﴾ (يس: ١٢)
فعليه بحكم الوعد لا بالعقل ولا بالشرع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الشين وبعدها ألف ممدودة قبل الهمزة والباقون بسكون الشين وبعدها الهمزة المفتوحة وإذا وقف حمزة نقل حركة
следующие страницы →