Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
تعالى عنهما قال: يختلط ماء الرجل وهو أبيض غليظ بماء المرأة وهو أصفر رقيق فيخلق منهما الولد فما كان من عصب وعظم وقوّة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة، قال القرطبيّ: وقد روي هذا مرفوعاً ذكره البزار وعن قتادة: أمشاج ألوان وأطوار، يريد أنها تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقاً آخر. وعن ابن مسعود ﵁: هي عروق النطفة. وقال مجاهد: نطفة الرجل بيضاء وحمراء، ونطفة المرأة خضراء وصفراء، والغرض من هذا التنبيه على أنّ الإنسان محدَث فلا بد له من محدث قادر على تصويره وقد صوّره على صور مختلفة فمنها صغير وكبير وطويل وقصير ومستدير وعريض.
ولما كان الإنسان محتاجاً إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه جعل بين العظام مفاصل ثم أوصلها بأوتار وعروق ولحم، ودوّر الرأس وشق في جانبيه السمع، وفي مقدمه البصر والأنف والفم، وشق في البدن سائر المنافذ، ثم مد اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع وركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة، فسبحان من خلق تلك الأشياء من نطفة سخيفة ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (القيامة: ٤٠)
وقوله تعالى: ﴿نبتليه﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه حال من فاعل خلقنا أي: خلقناه حال كوننا مبتلين له، والثاني: أنه حال من الإنسان وصح ذلك لأنّ في الجملة ضميرين كل منهما يعود على ذي الحال، ثم هذه الحال يجوز أن تكون مقارنة إن كان المعنى: نبتليه نصرّفه في بطن أمّه نطفة ثم علقة، كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأن تكون مقدرة إن كان المعنى: نبتليه نختبره بالتكليف لأنه وقت خلقه غير مكلف، وفيما يختبره به وجهان: أحدهما: قال الكلبي: تختبره بالخير والشرّ. والثاني: قال الحسن: نختبر شكره في السرّاء وصبره في الضرّاء. وقيل: نبتليه نكلفه بالعمل بعد الخلق. قال مقاتل ﵁: وقيل: نكلفه ليكون مأموراً بالطاعة ومنهياً عن المعاصي.
﴿فجعلناه﴾ أي: بما لنا من العظمة بسبب ذلك ﴿سميعاً بصيراً﴾ أي: عظيم السمع والبصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه ومعرفة الحجج ببصيرته، فيصح تكليفه وابتلاؤه فقدّم العلة الغائية لأنها متقدّمة في الاستحضار على التابع لها المصحح لورودها، وقدّم السمع لأنه أنفع في المخاطبات، ولأنّ الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية، وخصهما بالذكر لأنهما أنفع الحواس، ولأنّ البصر يفهم البصيرة وهي تتضمن الجميع، وقال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والأصل إنا جعلناه سميعاً بصيراً نبتليه، أي: جعلنا له ذلك للابتلاء. وقيل: المراد بالسميع المطيع كقولك سمعاً وطاعة وبالبصير العالم يقال: لفلان بصر في هذا الأمر.
﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿هديناه السبيل﴾ أي: بينا له وعرّفناه طريق الهدى والضلال والخير والشرّ ببعثة الرسل، وقال مجاهد ﵁: بينا له السبيل إلى السعادة والشقاوة. وقال السدّي ﵁: السبيل هنا خروجه من الرحم. وقيل: منافعه ومضارّه التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله. قال الرازي: والآية تدل على أنّ العقل متأخر عن الحواس. قال: وهو كذلك.
وقوله تعالى: ﴿إمّا شاكراً﴾ أي: لإنعام ربه عليه ﴿وإمّا كفوراً﴾ أي: بليغ الكفر بالإعراض والتكذيب نصب على الحال وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال من مفعول
стр. 2382
هديناه أي: هديناه مبيناً له كلتا حالتيه، والثاني: أنه حال من السبيل على المجاز. قال الزمخشري: ويجوز أن يكونا حالين من السبيل أي: عرّفناه السبيل إمّا سبيلاً شاكراً وإمّا سبيلاً كفوراً كقوله تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد: ١٠)
فوصف السبيل بالشكر والكفر مجازاً، وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» الحديث، وعن جابر ﵁: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إمّا شاكراً وإمّا كفوراً» .
ولما قسمهم إلى قسمين ذكر جزاء كل فريق فقال تعالى:
﴿إنا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿أعتدنا﴾ أي: هيأنا وأحضرنا بشدّة وغلظة ﴿للكافرين﴾ أي: العريقين في الكفر خاصة وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل فقال تعالى: ﴿سلاسلا﴾ جمع سلسلة أي: يقادون ويوثقون بها ﴿وأغلالاً﴾ أي: في أعناقهم تشد فيها السلاسل فتجمع أيديهم إلى أعناقهم ﴿وسعيراً﴾ أي: ناراً حامية جداً شديدة الاتقاد.
وقرأ نافع وهشام وشعبة والكسائي سلاسلاً وصلاً بالتنوين والباقون بغير تنوين وأما الوقف على الثانية فوقف عليها بغير ألف قنبل وحمزة، ووقف البزي وابن ذكوان وحفص بغير ألف وبالألف، ووقف الباقون بالألف ولا وقف على الأولى والرسم بالألف. أمّا من نوّن سلاسل فوجه بأوجه منها أنه قصد بذلك التناسب لأنّ ما قبله وما بعده منوّن منصوب. ومنها أن الكسائي وغيره من أهل الكوفة حكوا عن بعض العرب أنهم يصرفون جميع ما لا ينصرف إلا أفضل منك. وقال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأنّ الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها. وروي عن بعضهم أنه يقول: رأيت عمراً بالألف يعني عمر بن الخطاب ﵁، وأيضاً هذا الجمع قد جمع وإن كان قليلاً، قالوا صواحب وصواحبات. وفي الحديث: «إنكن صواحبات يوسف» ومنها أنه مرسوم في الإمام أي: مصحف الحجاز والكوفة بالألف، رواه أبو عبيدة ورواه قالون عن نافع، وروى بعضهم ذلك عن مصاحف البصرة أيضاً.
وقال الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون هذا التنوين بدلاً من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف، والثاني: أن يكون صاحب هذه القراءة ممن ضرى برواية الشعر ومرّن لسانه على صرف غير المنصرف ا. هـ. قال بعض المفسرين: وفي هذه العبارة فظاظة وغلظة لا سيما على مشايخ الإسلام وأئمة العلماء الأعلام، وأما من لم ينوّنه فوجهه ظاهر لأنه على صيغة منتهى الجموع وقولهم: قد جمع نحو صواحبات لا يقدح لأنّ المحذور جمع التكسير، وهذا جمع تصحيح، وأما من لم يقف بالألف فواضح.
ولما أوجز في جزاء الكافر أتبعه جزاء الشاكر وأطنب تأكيداً للترتيب فقال تعالى: ﴿إنّ الأبرار﴾ جمع برّ كأرباب جمع رب أو بار كأشهاد جمع شاهد، وفي الصحاح وجمع البار البررة وهم الصادقون في أيمانهم المطيعون لربهم الذين سمت همتهم عن المستحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، وروى ابن عمر ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إنما سماهم الله تعالى الأبرار؛ لأنهم برّوا الآباء والأبناء كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق» . وقال الحسن ﵁: البرّ الذي لا يؤذي الذرّ. وقال قتادة ﵁: الأبرار الذين يؤدّون حق الله ويوفون بالنذر. وفي الحديث «الأبرار الذين لا يؤذون
стр. 2383
أحداً» .
﴿يشربون من كأس﴾ هو إناء شرب الخمر وهي فيه والمراد من خمر تسمية للحالّ باسم المحل ومن للتبعيض ﴿كان مزاجها﴾ أي: ما تمزج به ﴿كافوراً﴾ لبرده وعذوبته وطيب عرفه، وذكر فعل الكون يدل على أنّ له شأناً في المزج عظيماً يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد، والكافور نبت معروف وكان اشتقاقه من الكفر وهو الستر لأنه يغطي الأشياء برائحته والكافور أيضاً كمام الشجر الذي هو ثمرتها، والكافر البحر، والكافر الليل، والكافر الساتر لنعم الله تعالى، والكافر الزارع لتوريته الحب في الأرض، قال الشاعر:
*وكافر مات على كفره ... وجنة الفردوس للكافر*
والكفارة تغطية الإثم في اليمين الفاجرة والنذور الكاذبة بالمغفرة، والكافور: ماء جوف الشجر مكفور فيغرزونه بالحديد فيخرج إلى ظاهر الشجر فيضربه الهواء فيجمد وينعقد كالصمغ الجامد على الأشجار.
فإن قيل: مزج الكافور بالمشروب لا يكون لذيذاً فما السبب في ذكره؟ أجيب: بأوجه:
أحدها: قال ابن عباس ﵄: الكافور اسم عين في الجنة يقال لها عين الكافور، أي: يمازجها ماء هذه العين التي تسمى كافوراً في بياض الكافور ورائحته وبرده ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرّته.
ثانيها: أنّ رائحة الكافور عرض، والعرض لا يكون إلا في جسم فخلق الله تعالى تلك الرائحة في جرم ذلك الشراب، فسمي ذلك الجسم كافوراً وإن كان طعمه طيباً فيكون الكافور ريحها لا طعمها.
ثالثها: أنّ الله تعالى يخلق الكافور في الجنة مع طعم طيب لذيذ ويسلب عنه ما فيه من المضرّة، ثم إنه تعالى يمزجه بذلك الشراب كما أنه تعالى يسلب عن جميع المأكولات والمشروبات ما معها في الدنيا من المضارّ وقال سعيد عن قتادة ﵃: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقيل: يخلق فيها رائحة الكافور وبياضه فكأنها مزجت بالكافور.
وقوله تعالى: ﴿عيناً﴾ في نصبه أوجه: أحدها: أنه بدل من ﴿كافوراً﴾ لأنّ ماءها في بياض الكافور وفي رائحته وبرده واقتصر على هذا الجلال المحلي.
الثاني: أنه بدل من محل ﴿من كأس﴾ قاله مكي ولم يقدّر حذف مضاف، وقدّر الزمخشري على هذا الوجه حذف مضاف، قال: كأنه قيل: يشربون خمراً خمر عين. الثالث: أنه نصب على الاختصاص قاله الزمخشري. الرابع: أنه بإضمار أعني قاله القرطبي، وقيل: غير ذلك.
﴿يشرب بها﴾ قال الجلال المحلي: منها. وقال البقاعي: أي: بمزاجها. وقال الزمخشري: بها الخمر، قال: كما تقول شربت الماء بالعسل والأوّل أوضح. ﴿عباد الله﴾ أي: أولياؤه.
فإن قيل: الكفار عباد الله وهم لا يشربون منها بالاتفاق؟ أجيب: بأنّ لفظ عباد الله مختص بأهل الإيمان ولكن يشكل بقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (الزمر: ٧)
فإنه يصير تقدير الآية ولا يرضى لعبادة المؤمنين الكفر مع أنه سبحانه لا يرضى الكفر للكافر ولا لغيره، وقد يجاب بأنّ هذا أكثري لا كلي، أو يقال: حيث أضيف العباد أو العبد إلى اسم الله الظاهر سواء كان بلفظ الجلالة أم لا فالمراد به المؤمن، وإن أضيف إلى ضميره تعالى فيكون بحسب المقام، فتارة يختص بالمؤمن كقوله تعالى: ﴿إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ (الحجر: ٤٢)
وتارة يعمّ كقوله تعالى: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ وقوله تعالى: ﴿نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ (الحجر: ٤٩)
﴿يفجرونها﴾ أي: يجرونها حيث شاؤوا من منازلهم وإن علت ﴿تفجيراً﴾ سهلاً لا يمتنع عليهم.
﴿س٧٦ش٧/ش١٣ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ? مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ? مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَشُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَـ?ـاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَالِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّـ?ـاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَ?ـاهُم بِمَا صَبَرُوا? جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُّتَّكِـ?ِينَ فِيهَا عَلَى ا?رَآ?ـ?ِكِ? يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَزَمْهَرِيرًا﴾
стр. 2384
ولما ذكر جزاءهم ذكر وصفهم الذي يستحقون عليه ذلك بقوله تعالى: ﴿يوفون بالنذر﴾ وهذا يجوز أن يكون مستأنفاً ويجوز أن يكون خبراً لكان مضمرة. قال الفراء: التقدير: كانوا يوفون بالنذر في الدنيا وكانوا يخافون. وقال الزمخشري: يوفون جواب من عسى يقول: ما لهم يرزقون ذلك. قال أبو حيان: واستعمل عسى صلة لمن وهو لا يجوز، وأتى بالمضارع بعد عسى غير مقرون بأن وهو قليل أو في الشعر، والوفاء بالنذر مبالغة في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأنّ من وفّى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله تعالى كان بما أوجبه الله تعالى عليه أوفى، وقال الكلبي:
﴿يوفون بالنذر﴾ أي: يتممون العهود لقوله تعالى: ﴿وأفوا بعهد الله﴾ (النمل: ٩١)
﴿أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: ١)
أمروا بالوفاء بها لأنهم عقدوها على أنفسهم باعتقادهم الإيمان. قال القرطبي: والنذر حقيقة ما أوجبه المكلف على نفسه من شيء يفعله، وإن شئت قلت في حدّه: هو إيجاب المكلف على نفسه من الطاعات ما لو لم يوجبه لم يلزمه. وروي أنه ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» .
ولما دل وفاؤهم على سلامة طباعهم قال تعالى عاطفاً دلالة على جمعهم للأمرين المتعاطفين، فهم يفعلون الوفاء لا لأجل شيءٍ بل لكرم الطبع. ﴿ويخافون﴾ أي: مع فعلهم للواجبات ﴿يوماً﴾ قال ابن عبد السلام: شرّ يوم أو أهوال يوم ﴿كان﴾ أي: كوناً هو في جبلته ﴿شرّه﴾ أي: ما فيه من الشدائد ﴿مستطيراً﴾ أي: فاشياً منتشراً غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر وهو أبلغ من طار. وقال قتادة ﵁: كان شرّه فاشياً في السموات فانشقت وتناثرت الكواكب وكوّرت الشمس والقمر وفزعت الملائكة ونسفت الجبال وغارت المياه وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء، وفي ذلك إشعار بحسن عقيدتهم وإحسانهم واجتنابهم عن المعاصي فإن الخوف أدل دليل على عمارة الباطن، قالوا: ما فارق الخوف قلباً إلا خرب، ومن خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل.
فإن قيل: لم قال تعالى: ﴿كان شرّه﴾ ولم يقل سيكون؟ أجيب: بأنه كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ (النحل: ١)
فبما قيل في ذاك يقال هنا.
﴿ويطعمون الطعام﴾ أي: على حسب ما يتيسر لهم من عال ودون، وقوله تعالى: ﴿على حبه﴾ حال إما من الطعام أي: كائنين على حبهم إياه فهو في غاية المكنة منهم والاستعلاء على قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (آل عمران: ٩٢)
ليفهم أنهم للفضل أشدّ بذلاً، ولهذا قال ﷺ في حق الصحابة ﵃: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد، وإما من الفاعل والضمير في حبه لله أي: على حب الله وعلى التقديرين فهو مصدر مضاف للمفعول. وقال الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطعام.
﴿مسكيناً﴾ أي: محتاجاً احتياجاً يسيراً فصاحب الاحتياج الكثير أولى ﴿ويتيماً﴾ أي: صغيراً لا أب له ﴿وأسيراً﴾ أي: في أيدي الكفار. وخص هؤلاء بالذكر لأنّ المسكين عاجز عن الاكتساب بنفسه عما يكفيه، واليتيم مات من يكتسب له وبقي عاجزاً عن الكسب لصغره، والأسير لا يتمكن لنفسه نصراً ولا حيلة.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير ﵃: الأسير المحبوس فيدخل في ذلك المملوك والمسجون والكافر الذي في أيدي المسلمين، وقد نقل في غزوة بدر أن بعض الصحابة ﵃ كان يؤثر
стр. 2385
أسيره على نفسه بالخبز، وكان الخبز إذ ذاك عزيزاً حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارمهم حتى كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأنّ النبيّ ﷺ لما دفعهم إليهم قال: «استوصوا بهم خيراً» . وقيل: الأسير المملوك، وقيل: المرأة لقول النبيّ ﷺ «اتقوا الله في النساء فإنهنّ عندكم عوان» أي: أسرى.
وقوله تعالى: ﴿إنما نطعمكم﴾ على إضمار القول أي: يقولون بلسان المقال أو الحال: إنما نطعمكم أيها المحتاجون ﴿لوجه الله﴾ أي: لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك، وعبر بالوجه لأنّ الوجه يستحى منه ويرجى ويخشى عند رؤيته ﴿لا نريد منكم﴾ لأجل ذلك ﴿جزاء﴾ أي: لنا من أعراض الدنيا ﴿ولا شكوراً﴾ أي: لشي من قول ولا فعل، روي أنّ عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل المبعوث ما قالوا، فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً عند الله تعالى.
ثم عللوا قولهم هذا على وجه التأكيد بقولهم ﴿إنا نخاف من ربنا﴾ أي: الخالق لنا المحسن إلينا ﴿يوماً﴾ أي: أهوال يوم هو في غاية العظمة وبينوا عظمته بقولهم ﴿عبوساً﴾ قال ابن عباس ﵄: ووصف اليوم بالعبوس مجاز على طريقين أن يوصف بصفة أهله من الأشقياء كقولك: نهارك صائم روي أن الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وأن يشبه في شدّته وضرره بالأسد العبوس أو بالشجاع الباسل.
﴿قمطريراً﴾ قال ابن عباس ﵄: طويلاً. وقال مجاهد وقتادة ﵃: القمطرير الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبس. وقال الكلبي: العبوس الذي لا انبساط فيه والقمطرير الشديد وقال الأخفش: القمطرير أشدّ ما يكون من الأيام وأطوله في البلاد يقال يوم قمطرير وقماطير إذا كان شديداً كريهاً.
ولما كان فعلهم هذا خالصاً لله تعالى سبب عنه جزاءهم فقال تعالى: ﴿فوقاهم الله﴾ أي: الملك الأعظم بسبب خوفهم ﴿شر ذلك اليوم﴾ أي: العظيم ولا بدّ لهم من نعيم ظاهر وباطن ومسكن يقيمون فيه وملبس وقد أشار إلى الأوّل بقوله تعالى: ﴿ولقاهم﴾ أي: أعطاهم ﴿نضرة﴾ أي: حسناً دائماً في وجوههم، وأشار إلى الثاني بقوله تعالى: ﴿وسروراً﴾ أي: في قلوبهم دائماً في مقابلة خوفهم في الدنيا.
وأشار إلى الثالث بقوله تعالى: ﴿وجزاهم بما صبروا﴾ أي: بسبب ما أوجدوا من الصبر على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الشهوات وبذل المحبوبات ﴿جنة﴾ أي: ادخلوا بستاناً جامعاً يأكلون منه ما يشتهون جزاء على ما كانوا يطعمون وإن كان غيرهم يشاركهم في ذلك دونهم في الجزاء وأشار إلى الرابع بقوله تعالى: ﴿وحريراً﴾ أي: ألبسوه أي: هو في غاية العظمة وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري عن ابن عباس أنّ الحسن والحسين ﵄ مرضا فعادهما رسول الله ﷺ في ناس فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما صوم ثلاثة أيام إن برئا فشفيا وما معهما شيء، فاستقرض عليّ من شمعون اليهودي الخيبري ثلاثة آصع من شعير وطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا لم يذوقوا
стр. 2386
إلا الماء وأصبحوا صياماً، فلما أمسوا وضعوا الطعام بين أيديهم فوقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك زاد في الكشاف فلما أصبحوا أخذ عليّ رضي الله تعالى عنه بيد الحسن والحسين فأقبلوا إلى رسول الله ﷺ فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها فساءه ذلك فنزل جبريل ﵇ وقال: خذها يا محمد ـ أي: السورة ـ هنأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة حديث موضوع.
ثم بين حالهم فيها بقوله تعالى ﴿متكئين فيها﴾ أي: الجنة. واختلفوا في إعراب متكئين، فقال الجلال المحلي: حال من مرفوع ادخلوها المقدر. وقال أبو البقاء: يجوز أن يكون حالاً من المفعول في جزاهم وأن يكون صفة، واعترض عليه في كونه صفة بأنه لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم الضمير، فيقال: متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له وقيل: إنه من فاعل صبروا، واعترض أنّ الصبر كان في الدنيا والاتكاء في الآخرة، وأجيب بأنه يصح أن يكون حالاً مقدرة لأنّ مآلهم بسبب صبرهم إلى هذه الحالة.
ثم أشار إلى زيادة راحتهم بقوله تعالى: ﴿على الأرائك﴾ أي: السرر في الحجال ولا تكون أريكة إلا مع وجود الحجلة وقيل: الأرائك الفرش على السرر. وقوله تعالى: ﴿لا يرون فيها﴾ أي: الجنة حال ثانية على الخلاف المتقدم في الأولى، ومن جوّز أن تكون الأولى صفة جوّزه في الثانية. وقيل: إنها حال من الضمير المرفوع المستكن في متكئين فتكون حالاً متداخلة. ﴿شمساً﴾ أي: حرًّا ﴿ولا﴾ يرون فيها ﴿زمهريراً﴾ أي: برداً شديداً فالآية من الاحتباك دل نفي الشمس أوّلاً على نفي القمر ودل نفي الزمهرير الذي هو سبب البرد ثانياً على نفي الحرّ الذي سببه الشمس، فأفاد هذا أنّ الجنة غنية عن النيرين، لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين إلى معرفة زمان إذ لا تكليف فيها بوجه وأنها ظليلة معتدلة دائماً بخلاف الدنيا، فإنّ فيها الحاجة إلى ذلك، والحرّ والبرد فيها من فيح جهنم، قال رسول الله ﷺ «اشتكت النار إلى ربها قالت: يا رب أكل بعضي بعضاً فجعل لها نفسين نفساً في الشتاء ونفساً في الصيف فشدة ما تجدونه من البرد من زمهريرها وشدة ما تجدونه من الحرّ من سمومها» وقيل: الزمهرير القمر بلغة طيء، وأنشدوا:
*وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر*
ويروى ما ظهر.
﴿ودانية﴾ أي: قريبة مع الارتفاع ﴿عليهم ظلالها﴾ أي: شجرها من غير أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال. واختلف في نصب دانية، فقال البغوي: عطف على متكئين. وقال الجلال المحلي: عطف على محل لا يرون وذكره البغوي بعد الأوّل بصيغة قيل، قال البيضاوي: أو عطف على جنة أي: وجنة أخرى دانية لأنهم وعدوا جنتين لقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (الرحمن: ٤٦)
. فإن قيل: إن الظل إنما يوجد حيث توجد الشمس، والجنة لا شمس فيها فكيف يحصل الظل؟ أجيب: بأنّ أشجار الجنة تكون بحيث لو كان هناك شمس لكانت تلك الأشجار مظلة منها، وإن كان لا شمس ولا قمر كما أن أمشاطهم الذهب والفضة وإن كان لا وسخ ولا شعث.
﴿وذللت قطوفها﴾ جمع قطف بالكسر وهو العنقود واسم للثمار المقطوفة أي: المجنية ﴿تذليلاً﴾ أي: سهل تناولها تسهيلاً عظيماً لا يردّ اليد
стр. 2387
عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة كانت من اتكاء وغيره، فإن كانوا قعوداً أو مضطجعين تدلت إليهم، وإن كانوا قياماً وكانت على الأرض ارتفعت إليهم، وقال البراء: ذللت لهم فهم يتناولون منها كيف شاؤوا، فمن أكل قائماً لم يؤذه ومن أكل جالساً لم يؤذه ومن أكل مضطجعاً لم يؤذه، وهذا جزاؤهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر الله تعالى.
ولما وصف تعالى طعامهم ولباسهم وسكنهم وصف شرابهم بقوله تعالى: ﴿ويطاف﴾ أي: من أي طائف كان لكثرة الخدم ﴿عليهم بآنية﴾ جمع إناء كسقاء وأسقية وجمع الآنية أوان وهي ظروف للمياه ومعنى يطاف أي: يدور على هؤلاء الأبرار الخدم إذا أرادوا الشرب. ثم بين تلك الآنية بقوله تعالى: ﴿من فضة﴾ قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء أي: الذي في الجنة أشرف وأعلى ولم ينف الآنية الذهبية بل المعنى: يسقون في الأواني الفضة وقد يسقون في الأواني الذهب كما قال تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ (النحل: ٨١)
أي: والبرد فنبه بذكر أحدهما على الآخر.
ولما جمع الآنية خص فقال تعالى ﴿وأكواب﴾ جمع كوب، وهو كوز لا عروة له فيسهل الشرب منه من كل موضع فلا يحتاج عند التناول إلى إدارة ﴿كانت﴾ أي: تلك الأكواب كوناً هو من جبلتها ﴿قوارير﴾ أي: كانت بصفة القوارير من الصفاء والرقة والشفوف والإشراق، جمع قارورة وهي ما أقرّ فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف. وقيل: هو خاص بالزجاج.
ولما كان رأس آية وكان التعبير بالقوارير ربما أفهم أنها من الزجاج، وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار لإفراط الصلابة، قال تعالى معيد للفظ أوّل الآية الثانية تأكيداً للاتصاف بالصالح من أوصاف الزجاج وبياناً لنوعها: ﴿قوارير من فضة﴾ أي: قد جمعت صفتي الجوهرين المتباينين صفاء الزجاج وشفوفه وبريقه، وبياض الفضة وشرفها ولينها، وقال الكلبي: إن الله تعالى جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإنّ أرض الجنة من فضة فجعل منها قوارير يشربون منها. وقرأ نافع وشعبة والكسائي وصلاً بالتنوين فيهما ووافقهم ابن كثير في الأول دون الثاني، والباقون بغير تنوين، وأما الوقف فمن نون وقف بالألف، ومن لم ينون وقف بغير ألف إلا هشاماً، فإنه وقف على الثاني بالألف وفي الوصل لم ينون فالقراءات حينئذ على خمس مراتب: إحداها: تنوينهما معاً، والوقف عليهما بالألف. الثانية: مقابله وهو عدم تنوينهما وعدم الوقف عليهما بالألف، الثالثة: عدم تنوينهما والوقف عليهما بالألف، الرابعة: تنوين الأول دون الثاني والوقف على الأول بالألف وعلى الثاني بدونها. الخامسة: عدم تنويهما معاً والوقف على الأول بالألف، وعلى الثاني بدونها. وأما من نوّنهما فلما مرّ في تنوين سلاسل؛ لأنهما صيغة منتهى الجموع ذاك على مفاعل وذا على مفاعيل، والوقف بالألف التي هي بدل التنوين، فأما عدم تنوينهما وعدم الوقف بالألف فظاهر، وأما من نوّن الأول دون الثاني فإنه ناسب بين الأول وبين رؤوس الأي، ولم يناسب بين الثاني وبين الأوّل، والوجه في وقفه
على الأوّل بالألف وعلى الثاني بغير ألف ظاهر، وأما من لم ينوّنهما ووقف على الأوّل بألف وعلى الثاني بدونها فلأنّ الأوّل رأس آية فناسب بينه وبين رؤوس الأي في الوقف بالألف وفرق بينه وبين الثاني لأنه ليس برأس آية، وأما من لم ينوّنهما ووقف عليهما بالألف، فإنه ناسب بين الأول
стр. 2388
وبين رؤوس الأي وناسب بين الثاني وبين الأول.
وقال الزمخشري: وهذا التنوين بدل من ألف الإطلاق؛ لأنها فاصلة وفي الثاني لإتباعه الأوّل يعني: أنهم يأتون بالتنوين بدلاً من حرف الإطلاق الذي للترنم، كقوله:
*يا صاح ما هاج العيون الذرفن*
وقوله تعالى ﴿قدّروها تقديراً﴾ صفة لقوارير من فضة وفي الواو في قدّروها وجهان: أحدهما: أنه للمطاف عليهم، ومعنى تقديرهم لها أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على تقادير وأشكال على حسب شهواتهم فجاءت كما قدّروا. والثاني: أنه للطائفين بها دل عليه قوله تعالى: ﴿ويطاف عليهم﴾ (الإنسان: ١٥)
على أنهم قدّروا شرابها على قدر الري وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته لا يفضل عنه ولا يعجز، وعن مجاهد ﵁ لا تغيض ولا تفيض وعن ابن عباس ﵄ قدّروها على ملء الكف حتى لا تؤذيهم بثقل أو بإفراط صغر، وجوّز أبو البقاء أن تكون الجملة مستأنفة.
﴿ويسقون﴾ أي: ممن أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة ﴿فيها﴾ أي: في الجنة أو تلك الأكواب ﴿كأساً﴾ أي: خمراً في إناء ﴿كان مزاجها﴾ أي: ما تمزج به على غاية الإحكام ﴿زنجبيلاً﴾ أي: غاية اللذة، وكانت العرب تلتذ بالشراب الممزوج به لهضمه وتطييبه الطعم، والزنجبيل: نبت معروف، وسمي الكأس بذلك لوجود طعم الزنجبيل فيها قال الأعشى:
*كأن القرنفل والزنجبي ... ل باتابفيها وأريا مشورا*
وقال المسيب بن علس:
*وكأن طعم الزنجبيل به ... إذ اذقته وسلافة الخمر*
وقوله تعالى: ﴿عيناً فيها﴾ أي: الجنة بدل من زنجبيلاً وكون الزنجبيل عيناً فيه خرق للعوائد؛ لأنّ الزنجبيل عندنا شجر يحتاج في تناوله إلى علاج، فبين أنه هناك عين لا يحتاج في صيرورته زنجبيلاً إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها حتى يصير شجراً ليتحوّل عن طعم الماء إلى طعم الزنجبيل ﴿تسمى﴾ أي: تلك العين لسهولة إساغتها ولذة طعمها وسموّ وصفها ﴿سلسبيلاً﴾ والمعنى: أن ماء تلك العين كالزنجبيل الذي تلتذ به العرب سهل المساغ في الحلق، فليس هو كزنجبيل الدنيا يلذع في الحلق فتصعب إساغته. والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من الشراب غاية في السلاسة زيدت فيه الباء زيادة في المبالغة في هذا المعنى، وقال مقاتل وابن حبان ﵄: سميت سلسبيلاً لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان. قال البغوي: وشراب الجنة في برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع. وقال مقاتل ﵁: يشربها المقربون صرفاً وتمزج لسائر أهل الجنة.
ولما ذكر تعالى المطوف به لأنه الغاية المقصودة وصف الطائف لما في طوافه من العظمة المشهودة بقوله تعالى.
﴿ويطوف عليهم﴾ أي: بالشراب وغيره من الملاذ والمحاب ﴿ولدان﴾ أي: غلمان هم في سن من هو دون البلوغ؛ لأنّ الفقهاء قالوا:
الناس غلمان وصبيان وأطفال وذراري إلى البلوغ ثم هم بعد البلوغ شبان وفتيان إلى الثلاثين، ثم هم بعدها كهول إلى الأربعين ثم بعدها شيوخ واستنبط بعضهم ذلك من القرآن في حق بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال الله تعالى في حق يحيى: ﴿وآتيناه الحكم صبياً﴾ (مريم: ١٢)
وفي حق عيسى: ﴿يكلم الناس في المهد وكهلاً﴾ (آل عمران: ٤٦)
وعن إبراهيم: ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له
стр. 2389
إبراهيم﴾ (الأنبياء: ٦٠)
وعن يعقوب: ﴿إنّ له اباً شيخاً كبيراً﴾ (يوسف: ٧٨)
. وقالوا: وأقل أهل الجنة من يخدمه ألف غلام، ويعطى في الجنة قدر الدنيا عشر مرّات. وقرأ حمزة بضم الهاء والباقون بكسرها.
ثم وصف تعالى تلك الغلمان بقوله تعالى: ﴿مخلدون﴾ أي: قد حكم من لا يرد حكمه بأن يكونوا كذلك دائماً من غير علة ولا ارتفاع عن ذلك الحدّ مع أنهم مزينون بالحلي وهو الحلق والأساور والقرط والملابس الحسنة.
﴿إذا رأيتهم﴾ أي: يا أعلى الخلق وأنت أثبت الناس نظراً أو أيها الرائي الشامل لكل راء في أي حالة رأيتهم فيها ﴿حسبتهم﴾ أي: من بياضهم وصفاء ألوانهم وانتشارهم في الخدمة ﴿لؤلؤاً منثوراً﴾ أي: من سلكه أو من صدفه وهو أحسن منه في غير ذلك، قال بعض المفسرين: هم غلمان ينشئهم الله تعالى لخدمة المؤمنين. وقال بعضهم: أطفال المؤمنين لأنهم ماتوا على الفطرة. وقال ابن برجان: وأرى والله أعلم أنهم من علم الله تعالى إيمانه من أولاد الكفار، وتكون خدماً لأهل الجنة كما كانوا لنا في الدنيا سبياً وخداماً. وأما أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم سناً وملكاً سروراً لهم. ويؤيد هذا قوله ﷺ في ابنه إبراهيم ﵇: «إن له لظئراً تتم رضاعه في الجنة» فإنه يدل على انتقال شأنه فيما هنالك وكتنقله في الأحوال في الدنيا، ولا دليل على خصوصيته بذلك. وقرأ السوسي وشعبة بإبدال الهمزة الأولى الساكنة وقفاً ووصلاً، وإذا وقف حمزة أبدل الأولى والثانية.
ولما ذكر المخدوم والخدم ذكر المكان بقوله تعالى: ﴿وإذا رأيت﴾ أي: وجدت منك الرؤية ﴿ثم﴾ أي: هناك في أي مكان كان في الجنة، وأي شيء كان فيها. وقوله تعالى ﴿رأيت﴾ جواب إذا أي: رأيت ﴿نعيماً﴾ أي: ليس فيه كدر بوجه من الوجوه ولا يقدر على وصفه واصف. ﴿وملكاً كبيراً﴾ أي: لم يخطر على باله مما هو فيه من السعة وكثرة الموجود والعظمة.
قال سفيان الثوري: بلغنا أن المُلْك الكبير تسليم الملائكة عليهم. وقيل: كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك، وقال الحكيم الترمذي: هو ملك التكوين إذا أرادوا شيئاً، قالوا له: كن فيكون. وفي الخبر: إنّ الملك الكبير هو أنّ أدناهم منزلة أي: وما فيهم دنيء الذي في ملكه مسيرة ألف عام ويرى أقصاه كما يرى أدناه وإن أعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه كل يوم. أي: قدر يوم من أيام الدنيا مرّتين.
ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم ذكر لباسهم بقوله تعالى: ﴿عاليهم﴾ أي: فوقهم ﴿ثياب سندس﴾ هو ما رق من الحرير ﴿خضر وإستبرق﴾ وهو ما غلظ من الديباج فهو البطائن، والسندس الظهائر، وقرأ نافع وحمزة ﴿عاليهم﴾ بسكون الياء بعد اللام وكسر الهاء والباقون بفتح الياء وضم الهاء؛ لأنّ الياء لما سكنت كسرت الهاء ولما تحرّكت ضمت الهاء، فأما قراءة نافع وحمزة ففيها أوجه: أظهرها: أن يكون خبراً مقدّماً، وثياب مبتدأ مؤخر.
وأمّا قراءة الباقين ففيها أيضاً أوجه: أظهرها: أن يكون خبراً مقدّماً وثياب مبتدأ مؤخراً. كأنه قال: فوقهم ثياب. قال أبو البقاء: لأنّ عاليهم بمعنى فوقهم، والضمير المتصل به للمطوف عليهم أو للخادم والمخدوم جميعاً وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب. وقرأ نافع وحفص خضر وإستبرق برفعهما، وقرأ حمزة والكسائي بخفضهما. وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع خضر وجرّ إستبرق، وقرأ ابن كثير وشعبة بجرّ خضر ورفع إستبرق.
وحاصل القراءات
стр. 2390
في ذلك أربع مراتب: الأولى: رفعهما، الثانية: خفضهما، الثالثة: رفع الأوّل وخفض الثاني، الرابعة: عكس ذلك. فأمّا القراءة الأولى: فإنّ رفع خضر على النعت لثياب ورفع إستبرق نسق على الثياب، ولكن على حذف مضاف أي: وثياب إستبرق، وأمّا القراءة الثانية: فيكون جرّ خضر على النعت لسندس. ثم استشكل على هذا وصف المفرد بالجمع، فقال مكي: هو اسم جمع، وقيل: هو جمع سندسة كتمر وتمرة، ووصف اسم الجنس بالجمع صحيح قال تعالى: ﴿وينشىء السحاب الثقال﴾ (الرعد: ١٢) ، ﴿وأعجاز نخل منقعر﴾ (القمر: ٢٠) ، ﴿ومن الشجر الأخضر﴾ (يس: ٨٠)
وإذا كانوا قد وصفوا المحلى لكونه مراداً به الجنس بالجمع في قولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض وفي التنزيل ﴿أو الطفل الذين﴾ فلأن يوجد ذلك في أسماء الجموع أو أسماء الأجناس الفارق بينها وبين واحدها تاء التأنيث بطريق الأولى، وجرّ إستبرق نسقاً على سندس لأنّ المعنى: ثياب من سندس وثياب من إستبرق، وأمّا القراءة الثالثة: فرفع خضر نعتاً لثياب وجرّ إستبرق نسقاً على سندس أي: ثياب خضر من سندس ومن إستبرق، فعلى هذا يكون الإستبرق أيضاً أخضر، وأمّا القراءة الرابعة: فجرّ خضر على أنه نعت لسندس ورفع إستبرق على النسق على ثياب بحذف مضاف أي: وثياب إستبرق.
ثم أخبر تعالى عن تحليتهم بقوله سبحانه ﴿وحلوا﴾ أي: المخدوم والخادم ﴿أساور من فضة﴾ وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب وهي بالغة من الأعضاء ما يبلغه التحجيل في الوضوء كما قال ﷺ «الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» فلذلك كان أبو هريرة يرفع إلى المنكبين وإلى الساقين.
تنبيه: قال هنا: ﴿أساور من فضة﴾ وفي سورة فاطر: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾ (فاطر: ٣٣)
وفي سورة الحج: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ﴾ (الحج: ٢٣)
فقيل: حلي الرجال الفضة وحلي النساء الذهب. وقيل: تارة يلبسون الذهب وتارة يلبسون الفضة. وقيل: يجمع في يدي أحدهم سواران من ذهب، وسواران من فضة، وسواران من لؤلؤ لتجتمع لهما محاسن الجنة قاله سعيد بن المسيب. وقيل: يعطى كل أحد ما يرغب فيه وتميل نفسه إليه. وقيل: أسورة الفضة إنما تكون للولدان وأسورة الذهب للنساء. وقيل: هذا للنساء والصبيان. وقيل: هذا يكون بحسب الأوقات والأعمال.
﴿وسقاهم ربهم﴾ أي: الموجد لهم المحسن إليهم المدبر لمصالحهم ﴿شراباً طهوراً﴾ أي: ليس هو كشراب الدنيا سواء أكان من الخمر أم من الماء أم من غيرهما فهو بالغ الطهارة.
وقال عليّ ﵁: إذا توجه أهل الجنة إلى الجنة مروا بشجرة يخرج من ساقها عينان فيشربون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلا تتغير أبشارهم ولا تشعث شعورهم أبداً، ثم يشربون من الأخرى فيخرج ما في بطونهم من الأذى ثم تستقبلهم خزنة الجنة فيقولون لهم سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقال النخعي وأبو قلابة: هو إذا شربوه بعد أكلهم طهرهم وصار ما أكلوه وشربوه رشح مسك وضمرت بطونهم. وقال مقاتل: هو من عين ماء على باب الجنة تنبع من ساق شجرة، من شرب منها نزع الله تعالى ما كان في قلبه من غش وغل وحسد وما كان في جوفه من أذى، وعلى هذا فيكون فعول للمبالغة. وقال الرازي: قوله تعالى ﴿طهوراً﴾ في تفسيره احتمالات: أحدها: لا يكون نجساً كخمر الدنيا، وثانيها: المبالغة في البعد عن الأمور المستقذرة لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة
стр. 2391
وتدوسه الأرجل الدنسة ولم يجعل في الدنان والأباريق التي لم يعن بتنظيفها.
وثالثها: أنه لا يؤول إلى النجاسة لأنها ترشح عرقاً من أبدانهم له ريح كريح المسك، وعلى هذين الوجهين يكون الطهور مطهراً لأنه يطهر بواطنهم من الأخلاق الذميمة والأشياء المؤذية.
فإن قيل: هل هذا نوع آخر غير ما ذكر قبل ذلك من أنهم يشربون من الكافور والزنجبيل والسلسبيل أم لا؟ أجيب: بأنه نوع آخر لوجوه: أولها: رفع. ثانيها: أنه تعالى أضاف هذا الشراب إلى نفسه بقوله تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ وذلك يدل على فضل هذا دون غيره، ثالثها: ما روي أنه تقدّم إليهم الأطعمة والأشربة، فإذا فرغوا منها أتوا بالشراب الطهور فيشربون فيطهر ذلك بطونهم ويفيض عرقاً من جلودهم مثل ريح المسك، وهذا يدل على أنّ ذلك الشراب مغاير لتلك الأشربة، ولأنّ هذا الشراب يهضم سائر الأشربة، ثم إنّ له مع هذا الهضم تأثيراً عجيباً وهو أنه يجعل سائر الأطعمة والأشربة عرقاً يفوح منه ريح كريح المسك ويطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الخسيسة والركون إلى ما سوى الحق فيتجرّد لمطالعة جلاله متلذذاً بلقائه باقياً ببقائه وهو منتهى درجات الصدّيقين وكل ذلك يدل على المغايرة.
وقوله تعالى: ﴿إنّ﴾ على إضمار القول أي: ويقال لهم إنّ ﴿هذا كان لكم جزاء﴾ أي: على أعمالكم التي كنتم تجاهدون فيها أنفسكم عن هواها إلى ما يرضي ربكم والإشارة إلى ما تقدّم من عطاء الله تعالى لهم ﴿وكان﴾ أي: على وجه الثبات ﴿سعيكم مشكوراً﴾ أي: لا نضيع شيئاً منه ونجازي بأكثر منه أضعافاً مضاعفة.
ولما بين تعالى بهذا القرآن العظيم الوعد والوعيد ذكر سبحانه أنه من عنده وليس هو بسحر ولا كهانة ولا شعر بقوله تعالى: ﴿إنا نحن﴾ أي: على ما لنا من العظمة التي لا نهاية لها لا غيرنا ﴿نزلنا عليك﴾ وأنت أعظم الخلق إنزالاً استعلى حتى صار المنزَّل خلُقُاً لك ﴿القرآن﴾ أي: الجامع لكل هدى ﴿تنزيلاً﴾ قال ابن عباس: متفرّقاً آية بعد آية ولم ينزل جملة واحدة.
قال الرازي: والمقصود من هذه الآية تثبيت الرسول ﷺ وشرح صدره فيما نسبوه إليه ﷺ من كهانة وسحر، فذكر تعالى أنّ ذلك وحي من الله تعالى فكأنه تعالى يقول: إن كان هؤلاء الكفار يقولون: إنّ ذلك كهانة فأنا الله الملك الحق أقول على سبيل التأكيد: إنّ ذلك وحي حق وتنزيل صدق من عندي. وفي ذلك فائدتان، الأولى: إزالة الوحشة الحاصلة بسبب طعن الكفار، لأنّ الله تعالى عظمه وصدّقه. الثانية: تقويته على تحمل مشاق التكليف، فكأنه تعالى يقول له: إني ما نزلت القرآن عليك متفرّقاً إلا لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، وقد اقتضت تلك الحكمة تأخير الإذن في القتال.
﴿فاصبر لحكم ربك﴾ أي: المحسن إليك. قال ابن عباس: اصبر على أذى المشركين ثم نسخ بآية القتال. وقيل: اصبر لما يحكم عليك به من الطاعات أو انتظر حكم الله إذ وعدك بالنصر عليهم ولا تستعجل فإنه كائن لا محالة ﴿ولا تطع منهم﴾ أي: الكفرة الذين هم ضد الشاكرين ﴿آثماً﴾ أي: داعياً إلى إثم سواء كان مجرّداً عن مطلق الكفر أو مصاحباً له ﴿أو كفوراً﴾ أي: مبالغاً في الكفر وداعياً إليه وإن كان كبيراً وعظيماً في الدنيا، فإنّ الحق أكبر من كل كبير. وقال قتادة: أراد بالآثم والكفور أبا جهل، وذلك أنه
стр. 2392
لما فرضت الصلاة على النبيّ ﷺ نهاه أبو جهل عنها وقال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأنّ على عنقه.
وقال مقاتل: أراد بالآثم عتبة بن ربيعة وبالكفور الوليد بن المغيرة، وكانا أتيا النبيّ ﷺ يعرضان عليه الأموال والتزويج على أن يترك ذكر النبوّة عرض عليه عتبة ابنته وكانت من أجمل النساء، وعرض عليه الوليد أن يعطيه من الأموال حتى يرضى ويترك ما هو عليه، فقرأ عليهما رسول الله ﷺ عشر آيات من أوّل حم السجدة إلى قوله تعالى: ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ (فصلت: ١٣)
فانصرفا عنه. وقال أحدهما: ظننت أنّ الكعبة ستقع عليّ.
فإن قيل: كانوا كلهم كفرة فما معنى القسمة في قوله: ﴿آثماً أو كفوراً﴾ أجيب: بأنّ معناه: ولا تطع منهم راكباً لما هو إثم داعياً لك إليه أو فاعلاً لما هو كفر داعياً لك إليه؛ لأنهم إمّا أن يدعوه إلى مساعدتهم على فعل هو إثم أو كفر أو غير إثم ولا كفر، فنهي أن يساعدهم على الاثنين دون الثالث.
ثم قال فإن قيل: معنى أو: ولا تطع أحدهما فهلا جيء بالواو ليكون نهياً عن إطاعتهما جميعاً؟ أجيب: بأنه لو قال: ولا تطعهما لجاز أن يطيع أحدهما وإذا قيل: ولا تطع أحدهما علم أنّ الناهي عن طاعة أحدهما أنهى عن طاعتهما جميعاً كما إذا نهى أن يقول لأبويه: أف علم أنه نهى عن ضربهما بطريق الأولى.
فإن قيل: إنه ﷺ ما كان يطيع أحداً منهم فما فائدة هذا النهي؟ أجيب: بأنّ المقصود بيان أنّ الناس محتاجون إلى التنبيه والإرشاد لأجل ما تركب فيهم من الشهوة الداعية إلى النساء وأنّ الواحد لو استغنى عن توفيق الله تعالى وإرشاده لكان أحق الناس به هو رسول الله ﷺ المعصوم دائماً أبداً، ومتى ظهر لك ذلك عرفت أنّ كل مسلم لا بدّ له من الرغبة إلى الله تعالى والتضرّع إليه أن يصونه عن الشهوات.
﴿واذكر﴾ أي: في الصلاة ﴿اسم ربك﴾ أي: المحسن إليك بكل جميل ﴿بكرة﴾ أي: الفجر ﴿وأصيلاً﴾ أي: الظهر والعصر.
﴿ومن الليل﴾ أي: بعضه والباقي للراحة بالنوم ﴿فاسجد له﴾ أي: المغرب والعشاء ﴿وسبحه ليلاً طويلاً﴾ أي: صل التطوّع فيه كما تقدّم من ثلثيه أو نصفه أو ثلثه أو اذكره بلسانك بكرة عند قيامك من منامك الذي هو الموتة الصغرى وتذكرك أنه يحيي الموتى ويحشرهم جميعاً وأصيلاً أي: عند انقراض نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل يوم الفصل، وفي ذكر الوقتين إشارة إلى دوام الذكر وذكر اسمه لازم لذكره والذي عليه أكثر المفسرين. الأوّل قال ابن عباس وسفيان: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة لأنّ الصلاة أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر لأنها ذكر اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أركان لسانية وحركات وسكنات على هيئات مخصوصة من عادتها أن لا تفعل إلا بين يدي الملوك.
ولما خاطب رسول الله ﷺ بالتعظيم والأمر والنهي عدل سبحانه إلى شرح أحوال الكفار والمتمردّين فقال تعالى: ﴿إنّ هؤلاء﴾ أي: الذين يغفلون عن الله من الكفار والمتمردّين ﴿يحبون﴾ أي: محبة تجدّد عندهم زيادتها في كل وقت ﴿العاجلة﴾ لقصور نظرهم وجمودهم على المحسوسات التي الإقبال عليها منشأ البلادة والقصور ومعدن
стр. 2393
الأمراض للقلوب التي في الصدور، ومن تعاطى أسباب الأمراض مرض وسمي كفوراً، ومن تعاطى ضدّ ذلك شفي وسمي شاكراً.
﴿ويذرون﴾ أي: ويتركون ﴿وراءهم﴾ أي: قدّامهم على وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه أو خلف ظهورهم لا يعبؤون به وقوله تعالى: ﴿يوماً﴾ مفعول يذرون لا ظرف وقوله تعالى: ﴿ثقيلاً﴾ وصف له استعير له الثقل لشدّته وهو له من الشيء الثقيل الباهظ لحامله ونحوه ثقلت في السموات والأرض.
﴿نحن خلقناهم﴾ أي: بما لنا من العظمة لا غيرنا ﴿وشددنا﴾ أي: قوّينا ﴿أسرهم﴾ أي: توصيل عظامهم بعضها ببعض وتوثيق عظامهم بالأعصاب بعد أن كانوا نطفاً أمشاجاً في غاية الضعف. وأصل الأسر الربط والتوثيق، ومنه أسر الرجل إذا وثق بالقدّ وهو الإسار، وفرس مأسور الخلق ﴿وإذا شئنا﴾ أي: بما لنا من العظمة أن نبدّل ما نشاء من صفاتهم أو ذواتهم ﴿بدّلنا أمثالهم﴾ أي: جئنا بأمثالهم بدلاً منهم إمّا بأن نهلكهم ونأتي ببدلهم ممن يطيع، وإمّا بتغيير صفاتهم كما شوهد في بعض الأوقات من المسخ وغيره، وقوله تعالى: ﴿تبديلاً﴾ تأكيد. قال الجلال المحلي: ووقعت إذا موقع إن، نحو ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ (النساء: ١٣٣)
لأنه تعالى لم يشأ ذلك وإذاً لما يقع. وفي ذلك رد لقول الزمخشري: وحقه أن يجيء بإن لا بإذا كقوله: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم﴾ (محمد: ٣٨)
﴿إن يشأ يذهبكم﴾ (النساء: ١٣٣)
﴿إن هذه﴾ أي: السورة أو الآيات القريبة ﴿تذكرة﴾ أي: عظة للخلق فإنّ في تصفحها تنبيهات للغافلين، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر قلبه وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه ﴿فمن شاء﴾ أي: بأن اجتهد في وصوله إلى ربه ﴿اتخذ﴾ أي: أخذ بجهده في مجاهدة نفسه ومغالبة هواه ﴿إلى ربه﴾ أي: المحسن إليه الذي ينبغي له أن يحبه بجميع جوارحه وقلبه ويجتهد في القرب منه ﴿سبيلاً﴾ أي: طريقاً واضحاً سهلاً واسعاً بأفعال الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس وأزلنا جميع موانع الفهم، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئتنا.
﴿وما تشاؤون﴾ أي: في وقت من الأوقات شيئاً من الأشياء. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير بالياء التحتية على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب. وإذا وقف حمزة سهل الهمزة مع المدّ والقصر، وله أيضاً إبدالها واواً مع المدّ والقصر ﴿إلا﴾ وقت ﴿أن يشاء الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي له الأمر كله والملك كله على حسب ما يريد ويقدر وقد صح بهذا ما قال الأشعري وسائر أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسباً لا تؤثر إلا بمشيئة الله تعالى، وانتفى مذهب القدرية الذين يقولون: إنا نخلق أفعالنا، ومذهب الجبرية القائلين: لا فعل لنا أصلاً، ومثل الملوي ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدّد سكينة وهيأها وأوجد فيها أسباب القطع وأزال عنها موانعه، ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن يتحامل عليها التحامل المعروف لذلك، ولو وضع عليها ما لا يصلح للقطع كحطبة مثلاً لم تقطع ولو تحامل، فالعبد كالسكين خلقه الله تعالى وهيأه بما أعطاه من القدرة للفعل، فمن قال: أنا أخلق فعلي مستقلاً به فهو كمن قال: السكين تقطع بمجرّد وضعها من غير تحامل، ومن قال: الفاعل هو الله من غير نظر إلى العبد أصلاً كان كمن قال: هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من غير سكين، والذي يقول: إنه باشر بقدرته المهيأة لفعل
стр. 2394
يخلقه الله تعالى لها في ذلك الفعل، كمن قال: إنّ السكين قطعت بالتحامل عليها بهذا أجرى الله عادته في الناس ولو شاء غير ذلك فعل، ولا يخفى أنّ هذا هو الحق الذي لا مرية فيه.
ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم بقوله تعالى ﴿إنّ الله﴾ أي: المحيط علماً وقدرة ﴿كان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿عليماً﴾ أي: بما يستأهل كل أحد ﴿حكيماً﴾ أي: بالغ الحكمة فهو يمنع منعاً محكماً من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه فمن علم في جبلته خيراً أعانه عليه، ومن علم منه الشرّ ساقه إليه وحمله عليه وهو معنى قوله تعالى: ﴿يدخل من يشاء﴾ أي: ممن علمه من أهل السعادة ﴿في رحمته﴾ أي: جنته وهم المؤمنون. وقوله تعالى ﴿والظالمين﴾ أي: الكافرين منصوب بفعل يفسره قوله تعالى: ﴿أعدّ لهم﴾ مثل أوعد وكافأ ليطابق الجمل المعطوف عليها ﴿عذاباً أليماً﴾ أي: مؤلماً فهم فيه خالدون أبد الآبدين.
وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنه ﷺ قال: «من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريراً» حديث موضوع.
سورة المرسلات عرفاً
مكية
في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها وهي قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ فمدنية.
وقال ابن مسعود: «نزلت والمرسلات عرفاً على النبيّ ﷺ ليلة الجنّ ونحن معه نسير حتى أوينا إلى غار منى فنزلت، فبينما نحن نتلقاها منه وإن فاه رطب بها إذ وثبت حية فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت، فقال النبيّ ﷺ وقيتم شرّها كما وقيت شرّكم» ا. هـ. والغار المذكور مشهور في منى وقد زرته ولله الحمد، وعن كريب مولى ابن عباس قال: قرأت سورة والمرسلات عرفاً فسمعتني أمّ الفضل امرأة العباس فبكت. وقالت: والله يا بني لقد أذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعته من رسول الله ﷺ يقرأ بها في صلاة المغرب.
وهي خمسون آية وإحدى وثمانون كلمة وثمانمائة وستة عشر حرفاً.
﴿بسم الله﴾ الملك الحق المبين ﴿الرحمن﴾ المنعم على الخلق أجمعين ﴿الرحيم﴾ الذي خص بكرامته عباده المؤمنين.
﴿والمرسلات عرفاً﴾ أي: الرياح متتابعة كعرف الفرس يتلو بعضها بعضاً ونصبها على الحال، هذا ما عليه الجمهور من أنها الرياح قال تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح﴾ (الحجر: ٢٢)
وقال تعالى: ﴿ويرسل الرياح﴾ (الأعراف: ٥٧)
. وروى مسروق عن عبد الله قال: هي الملائكة أرسلت بالعرف من أمر الله تعالى ونهيه والخير والوحي، وهو قول أبي هريرة ومقاتل والكلبي، وقال ابن عباس ﵄: هم الأنبياء ﵈ أرسلوا بلا إله إلا الله. وقال أبو صالح: هم الرسل ترسل بما يعرفون به من المعجزات. وقيل: المراد السحاب لما فيها من نعمة ونقمة عارفة بما أرسلت إليه ومن أرسلت إليه.
﴿فالعاصفات﴾ أي: الرياح الشديدة ﴿عصفاً﴾ أي: عظيماً بما لها من النتائج الصالحة، وقيل: الملائكة شبهت لسرعة جريها في أمر الله تعالى بالرياح، وقيل: الملائكة تعصف بروح الكافر يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف أي: تعصف بركابها فتمضي كأنها ريح في السرعة،
стр. 2395
وعصفت الحرب بالقوم أي: ذهبت بهم. وقيل: يحتمل أنها الآيات المهلكة كالزلازل والخسوف.
﴿والناشرات ونشراً﴾ أي: الرياح اللينة تنشر المطر. وقال الحسن: هي الرياح التي يرسلها الله تعالى بين يدي رحمته، وقيل: الأمطار لأنها تنشر النبات بمعنى تحييه. وروي عن السدي أنها الملائكة تنشر كتب الله تعالى. وروى الضحاك أنها الصحف تنشر على الله تعالى بأعمال العباد.
تنبيه: إنما قال الله تعالى ﴿والناشرات﴾ بالواو لأنه استئناف قسم آخر.
﴿فالفارقات فرقاً﴾ أي: الرياح تفرق السحاب وتبدده قاله مجاهد، وعن ابن عباس هي الملائكة تفرّق الأقوات والأرزاق والآجال، وقيل: هم الرسل فرّقوا بين ما أمر الله تعالى به وما نهى عنه أي: بينوا ذلك، وقيل: آيات القرآن تفرّق بين الحق والباطل والحلال والحرام.
﴿فالملقيات ذكراً﴾ أي: الملائكة تنزل بالوحي إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقيل: هو جبريل ﵇ وحده سمي باسم الجمع تعظيماً.
فإن قيل: ما المناسبة على هذا بين الرياح والملائكة في القسم؟ أجيب: بأنّ الملائكة روحانيون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم كالرياح.
وقيل: المراد به الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل عليهم، وذكراً مفعول به ناصبه الملقيات.
﴿عذراً أو نذراً﴾ مصدران من عذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوّف على فعل كالكفر والشكر. ويجوز أن يكون جمع عذير بمعنى المعذور، وجمع نذير بمعنى الإنذار، وبمعنى العاذر والمنذر. ونصبهما إمّا على البدل من ذكراً على الوجهين الأوّلين أو على المفعول له، وإمّا على الوجه الثالث، فعلى الحال بمعنى عاذرين أو منذرين. وقرأ ﴿أو نذراً﴾ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة بضم الذال والباقون بسكونها.
وقوله تعالى: ﴿إنما توعدون لواقع﴾ جواب القسم، ومعناه أنّ الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة، وقال الكلبي: المراد أنّ كل ما توعدون به من الخير والشرّ لواقع.
ثم بين وقت وقوعه فقال تعالى: ﴿فإذا النجوم﴾ أي: على كثرتها ﴿طمست﴾ أي: محي نورها أو ذهب نورها ومحقت ذواتها، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿انتثرت﴾ (الإنفطار: ٢٠)
و ﴿انكدرت﴾ (التكوير: ٢)
قال الزمخشري: ويجوز أن يمحق نورها ثم تنتثر ممحوقة النور.
﴿وإذا السماء﴾ أي: على عظمها ﴿فرجت﴾ أي: فتحت وشققت فكانت أبواباً، والفرج الشق ونظيره ﴿إذا السماء انشقت﴾ (الانشقاق: ١)
﴿وإذا الجبال﴾ أي: على صلابتها ﴿نسفت﴾ أي: ذهب بها كلها بسرعة من نسفت الشيء: إذا اختطفته، أو نسفت كالحب إذا نسف بالمنسف، ونحوه ﴿وبست الجبال بساً﴾ (الواقعة: ٥)
﴿وكانت الجبال كثيباً مهيلاً﴾ (المزمل: ١٤)
﴿وإذا الرسل﴾ أي: الذين أنذروا الناس ذلك اليوم فكُذبوا ﴿أقتت﴾ قال مجاهد والزجاج: المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي فيه يحضرون للشهادة على أممهم، أي: جمعت لميقات يومٍ معلومٍ وهو يوم القيامة، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه، فالمعنى: جعل لها وقت أجل للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كقوله تعالى: ﴿يوم يجمع الله الرسل﴾ (المائدة: ١٠٩)
. وقرأ أبو عمرو بواو مضمومة والباقون بهمزة مضمومة وهما لغتان، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم: وكدت وأكدت.
وقوله تعالى: ﴿لأي يوم﴾ أي: عظيم متعلق بقوله تعالى: ﴿أجلت﴾ وهذه الجملة معمولة لقول مضمر أي: يقال لأي يوم أجلت، وهذا القول المضمر يجوز أن يكون جواباً لإذا وأن يكون حالاً من مرفوع.
стр. 2396
﴿أقتت﴾ أي: مقولاً فيها لأي يوم أجلت أي: أخرت، وهذا تعظيم لذلك اليوم وتعجيب له وقوله تعالى: ﴿ليوم الفصل﴾ بيان ليوم التأجيل. وقيل: اللام بمعنى إلى، ذكره مكي. قال ابن عباس: يوم فصل الرحمن بين الخلائق كقوله تعالى: ﴿إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين﴾ (الدخان: ٤٠)
ثم أتبع هذا التعظيم تعظيماً آخر بقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الفصل﴾ أي: ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله في شدّته ومهابته، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين والباقون بالفتح.
ثم أتبعه تهويلاً ثالثاً بقوله تعالى: ﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ يكون يوم الفصل ﴿للمكذبين﴾ أي: بذلك، قال القرطبي: ويل عذاب وخزي لمن كذب بالله تعالى وبرسله وكتبه وبيوم الفصل، وهو وعيد وكرّره في هذه السورة عند كل آية كأنه قسمه بينهم على قدر تكذيبهم، فإنّ لكل مكذب بشيء عذاباً سوى عذاب تكذيبه بشيء آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم جرماً من تكذيبه لغيره؛ لأنه أقبح في تعظيمه وأعظم في الردّ على الله تعالى، وإنما يقسم له من الويل على قدر ذلك وعلى قدر وفاقه، وهو قوله تعالى: ﴿جزاء وفاقاً﴾ (النبأ: ٢٦)
. وقيل: كرره لمعنى تكرار التخويف والوعيد، وروي عن النعمان بن بشير قال: ويل واد في جهنم فيه ألوان العذاب، وقاله ابن عباس وغيره، وروي أنه ﵊ قال: «عرضت عليّ جهنم فلم أر فيها وادياً أعظم من الويل» ، وروي أيضاً أنه مجمع ما يسيل من قيح أهل النار وصديدهم، وإنما يسيل الشيء فيما سفل من الأرض، وقد علم العباد في الدنيا أنّ شرّ المواضع ما استنقع فيها مياه الأدناس والأقذار والغسالات والجيف وماء الحمامات، فذكر أنّ الوادي مستنقع صديد أهل الكفر والشرك ليعلم العاقل أنه لا شيء أقذر منه قذارة ولا أنتن منه نتناً.
تنبيه: ويل مبتدأ، وسوّغ الابتداء به الدعاء، ويومئذ ظرف للويل وللمكذبين خبره. وقال الزمخشري: فإن قلت كيف وقع النكرة مبتدأ؟ قلت: هو في أصله مصدر منصوب ساد مسدّ فعله لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه ﴿سلام عليكم﴾ (الرعد: ٢٤)
واعترض بأنّ الذي ذكره ليس من المسوّغات التي ذكرها النحويون، وإنما المسوغ كونه دعاء وفائدة العدول إلى الرفع ما ذكره.
﴿ألم نهلك﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الأوّلين﴾ من لدن آدم ﵇ إلى زمن محمد ﷺ كقوم نوح وعاد وثمود بتكذيبهم أي: أهلكناهم ﴿ثم نتبعهم الآخرين﴾ أي: ممن كذبوا ككفار مكة فنهلكهم كما أهلكنا الأوّلين ونسلك بهم سبيلهم؛ لأنهم كذبوا مثل تكذيبهم.
﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك الفعل الشنيع ﴿نفعل بالمجرمين﴾ أي: بكل من أجرم فيما يستقبل إمّا بالسيف وإمّا بالهلاك.d
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ يوجد ذلك الفعل ﴿للمكذبين﴾ أي: بآيات الله وأنبيائه، قال البيضاوي: فليس تكراراً وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد لأنّ الويل الأوّل بعذاب الآخرة، وهذا للإهلاك في الدنيا مع أنّ التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب.
﴿ألم نخلقكم﴾ أي: أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا تغيرها عظمة ﴿من ماء مهين﴾ أي: ضعيف حقير وهو المني، وهذا نوع آخر من تخويف الكفار وهو من وجهين: الأوّل: أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم وكل ما كان نعمه عليه أكثر كان جنايته في حقه أقبح وأفحش. الثاني:
стр. 2397
أنه تعالى ذكرهم أنه قادر على الابتداء، والقادر على الابتداء قادر على الإعادة، فكما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة لا جرم قال تعالى في حقهم: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾ (السجدة: ٨)
. وقرأ كل القراء بإدغام القاف في الكاف وإبقاء الصفة ولهم أيضاً إدغام الصفة مع الحذف.
﴿فجعلناه﴾ أي: بما لنا من القدرة والعظمة بالإنزال للماء في الرحم ﴿في قرار﴾ أي: مكان ﴿مكين﴾ أي: حريز وهو الرحم.
﴿إلى قدر معلوم﴾ أي: وهو وقت الولادة، كقوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة﴾ إلى قوله: ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ (لقمان: ٣٤)
﴿فقدرنا﴾ أي: ذلك دون غيرنا ﴿فنعم القادرون﴾ نحن، وقرأ نافع والكسائي بتشديد الدال فيصح على هذه القراءة أن يكون المعنى: فقدّرناه والباقون بالتخفيف، وقال عليّ كرم الله وجهه: ولا يبعد أن يكون المعنى في التخفيف والتشديد واحداً؛ لأنّ العرب تقول: قدر وقدرعليه الموت.
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ كان ذلك ﴿للمكذبين﴾ أي: بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة.
وقوله تعالى: ﴿ألم نجعل﴾ أي: نصير بما شئنا بما لنا من العظمة ﴿الأرض كفاتاً﴾ مصدر كفت بمعنى ضم وعاء ضامّة.
﴿أحياء﴾ أي: على ظهرها في الدور وغيرها ﴿وأمواتاً﴾ أي: في بطنها في القبور وغيرها. وقيل: الأحياء والأموات ترجع إلى الأرض أي: الأرض منقسمة إلى حيّ وهو الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت، وقيل: كفاتاً جمع كافت كصيام وقيام جمع صائم وقائم، وقال الخليل: تقليب الشيء ظهراً لبطن أو بطناً لظهر ويقال انكفت القوم إلى منازلهم، أي: انقلبوا، فمعنى الكفات أنهم يتصرّفون على ظهرها وينقلبون إليها فيدفعون فيها.
﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من القدرة التامّة ﴿فيها﴾ أي: الأرض ﴿رواسي﴾ أي: جبالاً لولاها لمادت بأهلها، ومن العجائب مراسيها من فوقها خلافاً لمراسي السفن ﴿شامخات﴾ أي: مرتفعات جمع شامخ وهو المرتفع جدّاً، ومنه شمخ بأنفه إذا تكبر، جعل كناية عن ذلك كثنى العطف وصعر الخدّ، كما قال لقمان لابنه: ﴿ولا تصعر خدّك للناس﴾ (لقمان: ١٨)
﴿وأسقيناكم﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿ماء﴾ أي: من الأنهار والعيون والغدران والآبار وغير ذلك ﴿فراتاً﴾ أي: عذباً تشربون منه ودوابكم وتسقون منه زرعكم، وهذه الأمور أعجب من البعث، روي في الأرض من الجنة سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة.
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ تقوم الساعة ﴿للمكذبين﴾ أي: بأمثال هذه النعم.
وقوله تعالى: ﴿انطلقوا﴾ على إرادة القول، أي: يقال للمكذبين يوم القيامة: انطلقوا. ﴿إلى ما كنتم به تكذبون﴾ من العذاب يعني: النار فقد شاهدتموها عياناً.
﴿انطلقوا إلى ظل﴾ أي: ظل دخان جهنم لقوله تعالى: ﴿وظل من يحموم﴾ (الواقعة: ٤٣)
. ﴿ذي ثلاث شعب﴾ أي: تشعب لعظمه كما يرى الدخان العظيم يتفرّق ذوائب. وقيل: يخرج لسان من النار فيحيط بالكفار كالسرادق ويتشعب من دخانها ثلاث شعب فتظللهم حتى يفرغ حسابهم والمؤمنون في ظل العرش، وقيل: إن الشعب الثلاث: هي الضريع والزقوم والغسلين؛ لأنها أوصاف النار وقوله تعالى: ﴿لا ظليل﴾ أي: كنين يظلهم من حرّ ذلك اليوم تهكم بهم وردّ لما يوهم لفظ الظل. ﴿ولا يغني﴾ أي: ولا يردّ عنهم شيئاً ﴿من اللهب﴾ أي: لهب النار، فليس كالظل الذي يقي حرّ الشمس، وهذا تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين. واللهب ما يعلو
стр. 2398
على النار إذا اضطربت من أحمر وأصفر وأخضر.
﴿إنها﴾ أي: النار ﴿ترمي﴾ أي: من شدّة الاشتعال ﴿بشرر﴾ وهو ما تطاير من النار ﴿كالقصر﴾ أي: كل شررة كالقصر من البناء في عظمه وارتفاعه. قال ابن مسعود: يعني الحصون، وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿ترمي بشرر كالقصر﴾ قيل: هي الخشب العظام المقطعة، قال: وكنا نعمد إلى الخشبة فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندّخرها للشتاء فكنا نسميها القصر. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام واحدتها قصرة مثل جمرة وجمر.
وقوله تعالى: ﴿كأنه﴾ أي: الشرر ﴿جمالات﴾ قرأه حمزة والكسائي وحفص بغير ألف بعد اللام على التوحيد والباقون بالألف على الجمع، جمع جمالة وهي التي قرأ بها أوّلاً وهي جمع جمل مثل حجارة وحجر. وقوله تعالى: ﴿صفر﴾ جمع أصفر أي: في هيئتها ولونها. وفي الحديث «شرار النار أصفر كالقير» والعرب تسمي سود الإبل صفراً لشوب سوادها بصفرة، فقيل: صفر في الآية بمعنى سود لما ذكروا في شعر عمران بن حطان الخارجي:
*دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم ... بمثل الجمال الصفر نزاعة الشوى*
قال الترمذيّ: وهذا القول ضعيف ومحال في اللغة أن يكون من يشوبه شيء قليل، فينسب كله إلى ذلك الشائب، فالعجب ممن قد قال هذا. وقد قال الله تعالى: ﴿جمالات صفر﴾ فلا نسلم من هذا شيئاً في اللغة. وقيل: شبه الشرر بالجمالات لسرعة سيرها، وقيل: لمتابعة بعضها بعضاً.
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ يكون ذلك ﴿للمكذبين﴾ أي: بهذه الأمور العظام.
﴿هذا﴾ أي: يوم القيامة ﴿يوم لا ينطقون﴾ أي: بشيء من فرط الدهشة والحيرة، وهذا نوع آخر من أنواع تخويف الكفار بين أنه ليس لهم عذر ولا حجة فيما أتوا به من القبائح وهذا في بعض المواقف، فإنّ يوم القيامة يوم طويل ذو مواطن ومواقيت ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت، ولذلك ورد الأمر أن في القرآن الكريم ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون.
وروى عكرمة أنّ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سأله ابن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ و ﴿لا تسمع إلا همساً﴾ (طه: ١٠٨)
و ﴿أقبل بعضهم على بعض يتساءلون﴾ (الصافات: ٢٧)
فقال: إنّ الله تعالى يقول: ﴿وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ (الحج: ٤٧)
فإنّ لكل مقدار من هذه الأيام لوناً من هذه الألوان. وقال الحسن: فيه إضمار أي: هذا يوم لا ينطقون فيه بحجة نافعة، فجعل نطقهم كلا نطق لأنه لا ينفع ولا يسمع، ومن نطق بما لا ينفع فكأنه ما نطق كما يقال لمن تكلم بكلام لا يفيد: ما قلت شيئاً. وقيل: إنّ هذا وقت جوابهم ﴿اخسؤوا فيها ولا تكلمون﴾ (المؤمنون: ١٠٨)
﴿ولا يؤذن لهم﴾ أي: في العذر وقوله تعالى: ﴿فيعتذرون﴾ عطف على يؤذن من غير تسبب عنه فهو داخل في حيز النفي أي: لا إذن فلا اعتذار.
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ كان هذا الموقف ﴿للمكذبين﴾ أي: الذين لا تقبل منهم معذرة.
﴿هذا يوم الفصل﴾ وهذا نوع آخر من أنواع تهديد الكفار وتخويفهم أي: يقال لهم هذا اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق فيتبين المحق من المبطل ﴿جمعناكم﴾ أيها المكذبون من هذه الأمّة بما لنا من العظمة ﴿والأوّلين﴾ من المكذبين قبلكم فتحاسبون وتعذبون جميعاً. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: جمع الذين كذبوا محمداً ﷺ والذين كذبوا النبيين من قبل.
وقوله تعالى: ﴿فإن كان لكم
стр. 2399
كيد﴾ أي: حيلة في دفع العذاب عنكم ﴿فكيدون﴾ أي: فاحتالوا لأنفسكم وقاوون، ولن تجدوا ذلك تقريع لهم على كيدهم لدين الله تعالى وذويه وتسجيل عليهم بالعجب، وقيل: إنّ ذلك من قول النبيّ ﷺ فيكون كقول هود ﵇ ﴿فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون﴾ (هود: ٥٥)
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ يقال لهم هذا الكلام فيكون زيادة في عذابهم ﴿للمكذبين﴾ أي: الراسخين في التكذيب في ذلك.
ثم ذكر ضد المكذبين بقوله تعالى: ﴿إنّ المتقين﴾ أي: الذين اتقوا الشرك لأنهم في مقابلة المكذبين ﴿في ظلال﴾ أي: تكاثف أشجار إذ لا شمس يظل من حرّها ﴿وعيون﴾ أي: من ماء وعسل ولبن وخمر كما قال تعالى: ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ (محمد: ١٥)
. وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص بضم العين والباقون بكسرها.
﴿وفواكه مما يشتهون﴾ في هذا إعلام بأن المأكل والمشرب في الجنة بحسب شهواتهم بخلاف الدنيا فبحسب ما يجد الناس في الأغلب.
وقوله تعالى: ﴿كلوا واشربوا﴾ في موضع الحال من ضمير المتقين في الظرف الذي هو في ظلال أي: هم مستقرّون في ظلال مقولاً لهم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿هنيئاً﴾ حال أي: متهنئين ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم تعملون﴾ من طاعات الله تعالى.
﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿كذلك﴾ أي: كما جزينا المتقين هذا الجزاء العظيم ﴿نجزي المحسنين﴾ أي: نثيب الذين أحسنوا في تصديقهم بمحمد ﷺ وأعمالهم في الدنيا.
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ يكون هذا النعيم للمتقين المحسنين ﴿للمكذبين﴾ أي: يمحض لهم العذاب المخلد ضدّ النعيم المؤبد.
وقوله تعالى: ﴿كلوا وتمتعوا﴾ خطاب للكفار في الدنيا ﴿قليلاً﴾ أي: من الزمان وغايته إلى الموت وهو زمان قليل لأنه زائل مع قصر مدّته في زمن الآخرة وفي هذا تهديد لهم، ويجوز أن يكون ذلك خطاباً لهم في الآخرة إيذاناً بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم، وكانوا من أهله تذكيراً بحالهم السمجة بما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم والملك الخالد، وهذا ما جرى عليه الزمخشري أوّلاً وذكر الأول ثانياً، واقتصر الجلال المحلي على ما ذكرته أولاً وهو أولى. قال بعض العلماء: التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين، والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن، والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطراً من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها.
ثم علل ذلك مؤكداً بقوله تعالى لأنهم ينكرون وصفهم بذلك: ﴿إنكم مجرمون﴾ ففيه دلالة على أنّ كل مجرم يتمتع أياماً قلائل، ثم البقاء في الهلاك أبداً.
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ تعذبون بإجرامكم ﴿للمكذبين﴾ حيث عرّضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.
﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: لهؤلاء المجرمين من أي: قائل كان ﴿اركعوا﴾ أي: صلوا الصلاة التي فيها الركوع كما نقل عن ابن عباس ﵄ وأطلقوه عليها تسمية لها باسم جزئها، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة ولأنه خاص بصلاة المسلمين ﴿لا يركعون﴾ أي: لا يصلون، قال الرازي: وهذا ظاهر لأنّ الركوع من أركانها، فبين تعالى أنّ هؤلاء الكفار من صفتهم أنهم إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون ويجوز أن يكون اركعوا بمعنى
стр. 2400
اخشعوا وتواضعوا لله بقبول وحيه واتباع دينه، واطرحوا هذا الاستكبار لا يخشعون ولا يقبلون ذلك ويصرون على استكبارهم، وأن يكون بمعنى اركعوا في الصلاة إذ روي أنها نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله ﷺ بالصلاة فقالوا: لا نجبي فإنها مسبة علينا فقال ﷺ «لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود» . قال في القاموس: جبى تجبية وضع يديه على ركبتيه أو على الأرض أو انكب على وجهه، والتجبية أن تقوم قيام الراكع. واستدل بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وأنهم حال كفرهم يستحقون الذم والعقاب بترك الصلاة؛ لأنّ الله تعالى ذمهم حال كفرهم، وعلى أنّ الأمر للوجوب لأنّ الله تعالى ذمهم بمجرّد ترك المأمور به، وهو يدل على أنّ الأمر للوجوب.
فإن قيل: إنما ذمهم لكفرهم. أجيب بأنه تعالى ذمهم على كفرهم من وجوه إلا أنه تعالى إنما ذمهم في هذه الآية لتركهم المأمور به.
وقرأ هشام والكسائي بضم القاف والباقون بكسرها.
﴿ويل يومئذ﴾ أي: إذ يكون الفصل ﴿للمكذبين﴾ أي: بما أمروا به.
قال الرازي: إنه تعالى لما بالغ في زجر الكفار من أول هذه السورة إلى آخرها بهذه الوجوه العشرة المذكورة وحث على التمسك بالنظر والاستدلال والانقياد للدين الحق ختم السورة بالتعجب من الكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل القطعية مع تجليها ووضوحها ﴿فبأي حديث بعده﴾ أي: القرآن ﴿يؤمنون﴾ أي: لا يمكن إيمانهم بغيره من كتب الله تعالى بعد تكذيبهم به لاشتماله على الإعجاز الذي لم يشتمل عليه غيره، واستدل بعض المعتزلة بهذه الآية على أنّ القرآن حادث لأن الله تعالى وصفه بأنه حديث والحديث ضد القديم والضدان لا يجتمعان، فإذا كان حديثاً وجب أن لا يكون قديماً. وأجيب: بأن المراد منه هذه الألفاظ ولا نزاع في أنها محدثة.
وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة والمرسلات كتب الله تعالى له أنه ليس من المشركين» حديث موضوع.
سورة عم يتساءلون
وتسمى سورة النبأ مكية وهي أربعون أو إحدى وأربعون آية ومائةوثلاثة وسبعون كلمة وسبعمائة وسبعون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الذي له الملك كله ﴿الرحمن﴾ الذي عم الوجود بفضله ﴿الرحيم﴾ الذي تمحضت أولياؤه جنته. وقوله تعالى:
﴿عم﴾ أصله عن ما على أنه حرف جر دخل على ما الاستفهامية وأدغمت النون في الميم وحذفت ألف ما، كقوله فيم واستعمال الأصل قليل. ومنه قول حسان:
*على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرّغ في رماد*
ومعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن كأنه قال عن أي شيء ﴿يتساءلون﴾ ، ونحوه قولك: زيد ما زيد جعلته لانقطاع قرينه وعدم نظيره كأنه شيء خفي عليك، فأنت تسأل عن جنسه وتفحص عن جوهره كما تقول: ما الغول، وما العنقاء تريد أي شيء هو من الأشياء هذا أصله، ثم جرد للعبارة عن التفخيم حتى وقع في كلام من لا تخفى عليه خافية، ولذا لما وقف البزي ألحق الميم هاء السكت بخلاف عنه، والضمير في يتساءلون لأهل مكة، كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم. وذلك أن النبيّ
стр. 2401
صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد، ويسألون الرسول والمؤمنين عنه استهزاء، وقيل: الضمير للمسلمين والكافرين جميعاً وكانوا جميعاً يتساءلون عنه، أما المسلم فليزداد خشية واستعداداً، وأما الكافر فليزداد استهزاء.
ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا؟ فقال تعالى: ﴿عن النبأ العظيم﴾ قال مجاهد والأكثرون: هو القرآن، دليله قوله تعالى: ﴿قل هو نبأ عظيم﴾ (ص: ٦٧)
وقال قتادة: هو البعث.
فإن قيل: إذا كان الضمير يرجع للكافر، فكيف يكون قوله تعالى: ﴿الذي هم﴾ أي: بضمائرهم مع ادعائهم أنها أقوى الضمائر ﴿فيه مختلفون﴾ مع أنّ الكفار كانوا متفقين على إنكار البعث؟ أجيب: بأنا لا نسلم اتفاقهم على ذلك بل كان فيهم من يثبت المعاد الروحاني وهم جمهور النصارى، وأما المعاد الجسماني فمنهم من يقطع القول بإنكاره ومنهم من يشك، وأما إذا كان المتساءل عنه القرآن فقد اختلفوا فيه كثيراً وقيل: المتساءل عنه نبوة محمد ﷺ
وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع للمتسائلين هزؤاً، ﴿سيعلمون﴾ ما يحل بهم على إنكارهم له.
وقوله تعالى: ﴿ثم كلا سيعلمون﴾ تأكيد وجيء فيه بثم للإيذان بأن الوعيد الثاني أشدّ من الأول. وقال الضحاك: الأولى للكفار والثانية للمؤمنين، أي: سيعلم الكافرون عاقبة تكذيبهم وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم.
ثم أومأ تعالى إلى القدرة على البعث بقوله تعالى: ﴿ألم نجعل﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الأرض مهاداً﴾ أي: فراشاً كالمهد للصبيّ وهو ما يمهد له فينوّم عليه تسمية للممهود بالمصدر كضرب الأمير.
﴿والجبال﴾ أي: التي تعرفون شدّتها وعظمها. ﴿أوتاداً﴾ أي: تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد، والاستفهام للتقرير، فيستدل بذلك على قدرته على جميع الممكنات. وإذا ثبت ذلك ثبت القول بصحة البعث، وإنه قادر على تخريب الدنيا بسماواتها وكواكبها وأرضها وعلى إيجاد عالم الآخرة.
تنبيه: مهاداً مفعول ثان لأنّ الجعل بمعنى التصيير، ويجوز أن يكون بمعنى الخلق فتكون حالاً مقدّرة.
﴿وخلقناكم﴾ أي: بما دل على ذلك من مظاهر العظمة ﴿أزواجاً﴾ أي: أصنافاً ذكوراً وإناثاً وقيل: ألواناً.
﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿نومكم سباتاً﴾ أي: راحة لأبدانكم. قال الزجاج: السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل: معناه جلعنا نومكم قطعاً لأعمالكم وقيل: المسبوت الميت من السبت وهو القطع لأنه مقطوع عن الحركة والنوم أحد التوفيتين.
وقوله تعالى: ﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الليل﴾ أي: بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن ﴿لباساً﴾ فيه استعارة أي: يستركم عن العيون بظلمته كما إذا أردتم هرباً من عدوّ أو بياتاً له أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور. قال الشاعر:
*وكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أنّ المانوية تكذب*
ولما جعل النوم موتاً جعل اليقظة معاشاً فقال تعالى: ﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من القدرة التامّة ﴿النهار﴾ أي: الذي آيته الشمس ﴿معاشاً﴾ أي: حياة تبعثون فيه عن نومكم، أو وقت معاش تتقلبون فيه في حوائجكم ومكاسبكم لتحصيل ما تعيشون به فمعاشاً على هذا اسم زمان.
﴿وبنينا﴾ بما لنا من الملك التامّ ﴿فوقكم سبعاً﴾ أي: سبع سماوات وقوله تعالى: ﴿شداداً﴾ جمع شديدة أي: قوية
стр. 2402
محكمة لا يؤثر فيها مرور الزمان لا فطور فيها ولا فروج. ونظيره قوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ (الأنبياء: ٣٢)
﴿وجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة مما لا يقدر عليه غيرنا ﴿سراجاً﴾ أي: منيراً متلألئاً ﴿وهاجاً﴾ أي: وقاداً وهي الشمس.
﴿وأنزلنا﴾ أي: بما لنا من كمال الأوصاف ﴿من المعصرات﴾ أي: السحاب إذا أعصرت أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع أي: حان أن يجز، وأعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض.
وعن الحسن وقتادة: هي السماوات، وتأويله أنّ الماء ينزل من السماء إلى السحاب فكأنّ السموات عصرن. وقيل: من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب. وقيل: الرياح ذوات الأعاصير، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشىء السحاب وتدرّ أخلافه. ﴿ماء ثجاجاً﴾ أي: منصباً بكثرة يقال: ثجه وثج بنفسه. وفي الحديث: «أفضل الحج العج والثج» أي: رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي، وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مثجاً يسيل غرباً، يعني: يثج الكلام ثجاً في خطبته.
﴿لنخرج﴾ أي: بعظمتنا التي ربطنا بها المسببات بالأسباب ﴿به﴾ أي: بذلك الماء ﴿حباً﴾ أي: نجماً ذا حب مما يتقوّت به كالحنطة والشعير والأرز ﴿ونباتاً﴾ أي: ما يعتلف به كالتبن والحشيش، كما قال تعالى: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ (طه: ٥٤)
﴿والحب ذو العصف والريحان﴾ (الرحمن: ١٢)
﴿وجنات﴾ أي: بساتين تجمع أنواع الأشجار والنبات المقتات وغيره ﴿ألفافاً﴾ أي: ملتفة بالشجر جمع لفيف كشريف وأشراف.
وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة لفاء وجمعها لف بضم اللام وجمع الجمع ألفاف. وقيل: لا واحد له كالأوزاع والأخياف. وقيل: الواحد لف. قال صحاب الإقليد أنشدني الحسن بن علي الطوسي:
*جنة لف وعيش مغدق ... وندامى كلهم بيض زهر*
وقال الزمخشري: ولو قيل: هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد لكان قولاً وجيهاً.
﴿إن يوم الفصل﴾ أي: بين الخلائق ﴿كان﴾ أي: في علم الله تعالى وفي حكمه كوناً لا بدّ منه ﴿ميقاتاً﴾ أي: وقتاً للثواب والعقاب، أو وقتاً توقت به الدنيا وتنتهي عنده مع ما فيها من الخلائق.
وقوله تعالى: ﴿يوم ينفخ في الصور﴾ أي: القرن بدل من يوم الفصل أو بيان له، والنافخ إسرافيل ﵇ أو من أذن الله تعالى له في ذلك ﴿فتأتون﴾ أي: بعد القيام من القبور إلى الموقف ﴿أفواجاً﴾ أي: جماعات مختلفة.
وعن معاذ أنه سأل عنه رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ سألت عن أمر عظيم من الأمور ثم أرسل عينيه باكياً، وقال: تحشر عشرة أصناف من أمّتي، بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون أرجلهم فوق وجوههم يسحبون عليها، وبعضهم عمياً، وبعضهم صماً بكماً، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم، يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم.
ثم فسر هؤلاء بقوله: فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس يعني: النمام، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، وأما المنكبون على وجوههم فأكلة الربا، واما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم البكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين
стр. 2403
يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم فعلهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، وأما الذين أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتبعون الشهوات واللذات ويمنعون حق الله تعالى في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» ا. هـ. وقد تكلم في صحة هذا الحديث نعوذ بالله تعالى من هؤلاء ونسأله التوفيق لنا ولأحبابنا، فإنه كريم جواد لا يردّ من سأله.
﴿وفتحت السماء﴾ أي: شققت لنزول الملائكة ﴿فكانت أبواباً﴾ فإن قيل: هذه الآية تقتضي أنّ السماء بجملتها تصير أبواباً؟ أجيب: بوجوه أوّلها: أنّ تلك الأبواب لما كثرت صارت كأنها ليست إلا أبواباً مفتحة، كقوله تعالى: ﴿وفجرنا الأرض عيوناً﴾ (القمر: ١٢)
كأنّ كلها عيون تتفجر. ثانيها: أنه على حذف مضاف، أي: فكانت ذات أبواب. ثالثها: أن الضمير في قوله تعالى: ﴿فكانت أبواباً﴾ يعود إلى مضمر، والتقدير فكانت تلك المواضع المفتوحة أبواباً، وقيل: الأبواب الطرق والمسالك أي: تكشط فينفتح مكانها وتصير طرقاً لا يسدها شيء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف التاء بعد الفاء والباقون بتشديدها.
﴿وسيرت الجبال﴾ أي: ذهب بها عن أماكنها ﴿فكانت سراباً﴾ أي: لا شيء كما أنّ السراب كذلك يظنه الرائي ماء وليس بماء، قال الرازي: إنّ الله تعالى ذكر أحوال الجبال بوجوه مختلفة ويمكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها الاندكاك وهو قوله تعالى: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ (الحاقة: ١٤)
والحالة الثانية: أن تصير كالعهن المنفوش وهو قوله تعالى: ﴿وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ (القارعة: ٥)
والحالة الثالثة: أن تصير كالهباء وهو قوله تعالى: ﴿وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً﴾ (الواقعة: ٥ ـ ٦)
الحالة الرابعة: أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدّمة قارة في مواضعها فترسل عليها الرياح فتنسفها عن وجه الأرض، فتطيرها في الهواء وهو قوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن الجبال قل ينسفها ربي نسفاً﴾ (طه: ١٠٥)
الحالة الخامسة: أن تصير سراباً أي: لا شيء كما يرى السراب من بعد. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ بإدغام تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار.
﴿إنّ جهنم﴾ أي: النار التي تلقى أصحابها متجهمة لهم بغاية ما يكرهون ﴿كانت مرصاداً﴾ أي: ترصد الكفار أو موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مرورهم عليها، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أوّلها عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاماً جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج فإن جاء به تاماً جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا فيقال: انظروا إن كان له تطوّع أكملوا أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
وأما الكافر فهو مستمرّ فيها كما قال تعالى: ﴿للطاغين﴾ أي: الكافرين ﴿مآبا﴾ أي: مرجعاً يرجعون إليه.
وقرأ حمزة ﴿لابثين فيها﴾ بغير ألف بين اللام والباء الموحدة والباقون بألف وهما لغتان والأولى أبلغ قاله البيضاوي.
وقوله تعالى: ﴿أحقاباً﴾ جمع حقب والحقب الواحد
стр. 2404
ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهراً كل شهر ثلاثون يوماً كل يوم ألف سنة، روي ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁، وقال مجاهد: الأحقاب ثلاثة وأربعون حقباً. وقال الحسن: إنّ الله تعالى لم يجعل لأهل النار مدّة بل قال: ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدّة إلا الخلود، روي عن عبد الله أنه قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا. وقال مقاتل بن حبان: الحقب الواحد سبعة عشر ألف سنة. قال: وهذه الآية منسوخة نسختها ﴿فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ يعني: أنّ العدد قد ارتفع والخلود قد دخل وعلى تقدير عدم النسخ فهو من قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار، ويجوز أن يراد ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ .
﴿لا يذقون﴾ أي: غير ذائقين ﴿فيها﴾ أي: النار ﴿برداً ولا شراباً﴾ ﴿إلا حميماً وغساقاً﴾ ثم يبدّلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق من جنس آخر من العذاب، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأ الرزق فهو حقب وجمعه أحقاب فيتنصب حالاً عنهم يعني: لابثين فيها حقبين جهدين، وقوله تعالى: ﴿لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً﴾ تفسير له والاستثناء منقطع يعني: لا يذوقون فيها برداً. قال عطاء والحسن: أي: راحة وروحاً، أي: ينفس عنهم حرّ النار ولا شراباً يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميماً أي: ماء حارًّا غاية الحرارة وغساقاً وهو ما يسيل من صديد أهل النار فإنهم يذوقونه وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ البرد النوم ومثله، قال الكسائي وأبو عبيدة: تقول العرب منع البرد البرد أي: أذهب البرد النوم، قال الشاعر:
*فلو شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخاً ولا بردا*
وقرأ حمزة والكسائيّ وجعفر بتشديد السين والباقون بتخفيفها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الغساق الزمهرير يحرقهم ببرده.
جوزوا بذلك ﴿جزاء وفاقاً﴾ أي: موافقاً لعملهم قال مقاتل: وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الكفر ولا عذاب أعظم من النار.
وقوله تعالى: ﴿إنهم كانوا لا يرجون حساباً﴾ بيان لما وافقه هذا الجزاء أي: لا يخافون أن يحاسبوا. والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا أنهم يحاسبون.
﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي: بما جاءت به الأنبياء ﵈، وقيل: القرآن وقرأ ﴿كذاباً﴾ غير الكسائيّ بالتشديد أي: تكذيباً، قال الفراء: وهي لغة يمانية فصيحة يقولون في مصدر التفعيل فعال. وقال الزمخشري: وفعال في باب فعل كله فاش في كلام فصحاء من العرب لا يقولون غيره، وسمعني بعضهم أفسر آية فقال: لقد فسرتها فساراً ما سمع بمثله. وقرأ الكسائيّ بالتخفيف مصدر كذب بدليل قول الشاعر:
*فصدقته وكذبته ... والمرء ينفعه كذابه*
قال الزمخشري: وهو مثل قوله: ﴿أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ (نوح: ١٧)
يعني: وكذبوا بآياتنا فكذبوا كذاباً، أو تنصبه بكذبوا لأنه يتضمن معنى كذبوا؛ لأنه كل مكذب بالحق كاذب، وإن جعلته بمعنى المكاذبة فمعناه وكذبوا بآياتنا فكاذبوا مكاذبة، أو كذبوا بها مكاذبين لأنهم إذا كانوا عند المسلمين كاذبين
стр. 2405
وكان المسلمون عندهم كاذبين فبينهم مكاذبة، أو لأنهم يتكلمون بما هو إفراط في الكذب فعل من يغالب في أمر فبلغ فيه أقصى جهده.
﴿وكل شيء﴾ أي: من الأعمال وغيرها ﴿أحصيناه﴾ أي: ضبطناه، وقوله تعالى: ﴿كتاباً﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه مصدر في موضع إحصاء والإحصاء والكتب يتشاركان في معنى الضبط، ثانيهما: أن يكون حالاً بمعنى مكتوباً في اللوح المحفوظ كقوله تعالى: ﴿وكل شيء أحصيناه في إمام مبين﴾ (يس: ١٢)
. وقيل: أراد ما تكتبه الملائكة الموكلون بالعباد بأمر الله تعالى إياهم بالكتابة لقوله تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين﴾ (الإنفطار: ١٠ ـ ١١)
والجملة اعتراض.
وقوله تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم﴾ أي: شيئاً من الأشياء في وقت من الأوقات ﴿إلا عذاباً﴾ تسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات، قال الرازي: وفي هذه الآية مبالغات منها لن للتأكيد ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله تعالى: ﴿فذوقوا﴾ بعد ذكر العذاب، قال أبو بردة: سألت النبيّ ﷺ عن أشدّ آية في القرآن؟ فقال ﷺ «قوله تعالى: ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً﴾ » أي: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب و ﴿كلما خبت زدناهم سعيراً﴾ .
ولما ذكر تعالى ما للكافرين أتبعه بذكر ما للمؤمنين فقال تعالى:
﴿إنّ للمتقين مفازاً﴾ أي: مكان فوز في الجنة.
وقوله تعالى: ﴿حدائق﴾ أي: بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من مفازاً بدل الإشمال أو البعض أو بيان له وقوله تعالى: ﴿وأعناباً﴾ أي: كروماً عطف على مفازاً.
﴿وكواعب﴾ أي: جواري تكعب ثديهنّ جمع كاعب ﴿أتراباً﴾ أي: على سنّ واحد جمع ترب بكسر التاء وسكون الراء وقيل: الأتراب اللدات.
﴿وكأساً دهاقاً﴾ أي: خمراً مالئة محالها وفي القتال ﴿وأنهار من خمر﴾ والدهاق المترعة ودهق الحوض ملأه حتى قال: قطني، وقال ابن عباس: مترعة مملوءة. وقال عكرمة: صافية.
﴿لا يسمعون فيها﴾ أي: الجنة في وقت ما عند شرب الخمر وغيره من الأحوال ﴿لغواً﴾ أي: لغطاً يستحق أن يلغى بأن يكون ليس له معنى، وقوله تعالى: ﴿ولا كذاباً﴾ قرأه بالتخفيف الكسائي وبالتشديد الباقون، أي: تكذيباً من واحد لغيره بخلاف ما يقع في الدنيا عند شرب الخمر.
﴿جزاء من ربك﴾ أي: المحسن إليك بما أعطاك جزاهم بذلك جزاء. وقوله تعالى: ﴿عطاء﴾ بدل من جزاء وهو اسم مصدر وجعله الزمخشري منصوباً بجزاء نصب المفعول به، وردّه أبو حيان بأنه جعل جزاء مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة التي هي ﴿إنّ للمتقين﴾ قال: والمصدر المؤكد لا يعمل لأنه لا ينحل لحرف مصدري والفعل ولا نعلم في ذلك خلافاً ﴿حساباً﴾ أي: كافياً وافياً يقال: أحسبت فلاناً أي: أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة أي: عطاء كثيراً، وقيل: جزاء بقدر أعمالهم.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن﴾ برفع رب والرحمن وابن عامر وعاصم بخفضهما والآخران بخفض الأول ورفع الثاني.
أما رفعهما فمن أوجه: أحدها: أن يكون رب خبر مبتدأ مضمر أي: هو رب والرحمن كذلك، أو مبتدأ خبره لا يملكون، ثانيها: أن يجعل رب مبتدأ والرحمن خبره، ولا يملكون خبراً ثانياً أو مستأنفاً، ثالثها: أن يكون ربّ مبتدأ والرحمن نعته، ولا يملكون خبر رب. رابعها: أن يكون رب مبتدأ والرحمن مبتدأ ثانٍ ولا يملكون خبره، والجملة خبر الأوّل، وحصل الربط بتكرير المبتدأ بمعناه وهو
стр. 2406
رأي الأخفش، ويجوز أن يكون لا يملكون حالاً وتكون لازمة.
وأما جرّهما فعلى البيان والنعت أو يجعل رب السموات تابعاً للأوّل والرحمن تابعاً للثاني، وأما جرّ الأوّل فعلى التبعية للأوّل. ورفع الثاني، فعلى الابتداء والخبر الجملة الفعلية وهي لا يملكون أي: الخلق. ﴿منه﴾ أي: من الله تعالى ﴿خطاباً﴾ والضمير في لا يملكون لأهل السموات والأرض أي: ليس في أيديهم ما يخاطب به الله، ويأمر به في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد يتصرفون فيه تصرّف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه أولا يملكون أن يخاطبوا بشيء من نقص العذاب أو زيادة في الثواب إلا أن يهب لهم ذلك ويأذن لهم فيه.
وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ متعلق بلا يملكون أو لا يتكلمون ﴿يقوم الروح والملائكة﴾ وقوله تعالى: ﴿صفاً﴾ حال أي: مصطفين، والروح أعظم خلقاً من الملائكة وأشرف منهم وأقرب من رب العالمين، وعن ابن عباس ﵄: هو ملك عظيم ما خلق الله تعالى بعد العرش خلقاً أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفاً وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثلهم، وقال الشعبي: هو جبريل ﵇، وقيل: ملك موكل على الأرواح.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: الروح ملك أعظم من السموات ومن الجبال ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفاً وحده.
وقال مجاهد وقتادة ﵃: الروح خلق على صورة بني آدم وليسوا بناس يقومون صفاً والملائكة صفاً هؤلاء جند وهؤلاء جند. وروى مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا معه واحد منهم، وقال الحسن ﵁: هو بنو آدم ورواه قتادة عن ابن عباس ﵄ وقال: هذا ما كان يكتمه ابن عباس، وقيل: هو جند من جنود الله تعالى ليسوا ملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام. وقيل: أرواح بني آدم، وقال زيد بن أسلم: هو القرآن، وقرأ ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ (الشورى: ٥٢)
وإذا كان هؤلاء ﴿لا يتكلمون﴾ وهم من أفضل الخلق وأشرفهم وأكثرهم طاعة وأقربهم منه تعالى لا يملكون التكلم، فما ظنك بمن عداهم من أهل السموات والأرض، ويجوز رجوع الضمير للخلق أجمعين.
﴿إلا من أذن له﴾ أي: في الكلام إذناً خاصاً ﴿الرحمن﴾ أي: الملك الذي لا تكون النعمة إلا منه ﴿وقال﴾ قولاً ﴿صواباً﴾ في الدنيا أي: حقاً من المؤمنين والملائكة وهما شريطتان: أن يكون المتكلم مأذوناً له في الكلام، وأن يتكلم بالصواب فلا يشفع لغير مرتضى. لقوله تعالى: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (الأنبياء: ٢٨)
وقيل: القول الصواب لا إله إلا الله.
﴿ذلك﴾ أي: المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلوّ منزلته ﴿اليوم الحق﴾ أي: الكائن لا محالة وهو يوم القيامة ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه﴾ أي: المحسن إليه ﴿مآباً﴾ أي: مرجعاً وسبيلاً لطاعته ليسلم من العذاب في ذلك اليوم، فإنّ الله تعالى جعل لهم قوة واختياراً، ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا بمشيئة الله تعالى.
﴿إنّا﴾ أي: على ما لنا من العظمة ﴿أنذرناكم﴾ أي: يا كفار مكة ﴿عذاباً قريباً﴾ أي: عذاب يوم القيامة الآتي وكل آت قريب، وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ ظرف لعذاباً بصفته ﴿ينظر المرء﴾ أي: كل امرئ سواء كان مؤمناً أو كافراً نظراً لا مرية فيه ﴿ما﴾ أي: الذي ﴿قدمت يداه﴾ أي: كسبه في الدنيا من خير وشرّ،
стр. 2407
وقال الحسن ﵁: أراد بالمرء المؤمن أي: يجد لنفسه عملاً، وأما الكافر فلا يجد لنفسه عملاً فيتمنى أن يكون تراباً، ولأنه تعالى قال: ﴿ويقول الكافر﴾ فعلم أنه أراد بالمرء المؤمن وقيل: هو الكافر لقوله تعالى: ﴿إنا أنذرناكم﴾ فيكون الكافر ظاهراً وضع موضع الضمير لزيادة الذمّ. ومعنى ﴿ما قدّمت يداه﴾ من الشرّ كقوله تعالى: ﴿ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق، ذلك بما قدمت يداك﴾ (الحج: ٩ ـ ١٠)
وما يجوز أن تكون استفهامية منصوبة بقدّمت أي: ينظر أي شيء قدّمت يداه أو موصولة منصوبة بينظر يقال: نظرته بمعنى نظرت إليه والراجع إلى الصلة محذوف.
وقال مقاتل ﵁: نزل قوله تعالى: ﴿يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه﴾ في أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، و ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾ في أخية الأسود بن عبد الأسد وقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الكافر هنا إبليس، وذلك أنه عاب آدم ﵇ بأنه خلق من تراب وافتخر بأنه خلق من نار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه من الثواب والراحة ورأى ما هو فيه من الشدّة والعذاب تمنى أنه كان بمكان آدم فيقول ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ . قال: ورأيته في بعض التفاسير.
قال البغويّ: قال أبو هريرة ﵁ فيقول التراب: لا ولا كرامة لكل من جعلك مثلي. وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: يحشر الخلق كلهم من دابة وطائر وإنسان ثم يقال للبهائم والطير: كونوا تراباً، فعند ذلك يقول الكافر ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ أي: فلا أعذب وقيل: معنى ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ أي: لم أبعث. وقال أبو الزناد: إذا قضي بين الناس وأمر بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجنّ: عودوا تراباً فيعودون تراباً فعند ذلك يقول الكافر حين يراهم: ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ ، وقال ليث بن أبي سليم مؤمنو الجنّ يعودون تراباً. وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهما: مؤمنو الجنّ حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، والذي عليه الأكثر أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون كبني آدم، وقيل: يحشر الله تعالى الحيوان غير مكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم يردّه تراباً فيودّ الكافر حاله.
وما قاله البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة عمّ سقاه الله تعالى برد الشراب يوم القيامة» حديث موضوع.
سورة النازعات
مكية
وهي خمس أو ست وأربعون آية ومائةوسبعون كلمة وسبعمائة وثلاثون حرفاً
﴿بسم الله﴾ الذي أحاط علمه بالكائنات ﴿الرحمن﴾ الذي أنعم على سائر الموجودات ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بالجنات
﴿والنازعات﴾ أي: الملائكة تنزع أرواح الكفار ﴿غرقاً﴾ أي: تنزع أرواحهم من أجسادهم بشدّة كما يغرق النازع في القوس ليبلغ بها غاية المدّ بعدما نزعها، حتى إذا كادت تخرج ردّها إلى جسده فهذا عملهم بالكفار. وقال عليّ وابن مسعود ﵄: يريد نفس الكفار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من تحت كل شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين نزعاً كالسفود ينزع من الصوف الرطب، ثم يغرقها أي: يرجعها إلى أجسادهم ثم ينزعها، فهذا عمله في الكفار.
وقال السدّي ﵁: والنازعات هي النفوس حين
стр. 2408
تغرق في الصدور، وقال مجاهد ﵁: هي الموت ينزع النفوس. وقال الحسن وقتادة ﵃: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب. وقال عطاء وعكرمة ﵃: هي النفوس، وقيل: الغزاة.
تنبيه: غرقاً يجوز أن يكون مصدراً على حذف الزوائد بمعنى إغراقاً، وانتصابه بما قبله لملاقاته في المعنى، وأن يكون على الحال أي: ذوات إغراق.
يقال: أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل وبلغ أقصى غايته.
﴿والناشطات نشطاً﴾ أي: الملائكة تنشط أرواح المؤمنين أي: تسلها برفق فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه.
وفي الحديث: «كأنما نشط من عقال» . وعن ابن عباس ﵄: «هي أنفس المؤمنين تنشط للخروج عند الموت لما ترى من الكرامة؛ لأنّ الجنة تعرض عليهم قبل الموت» . وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: «هي الملائكة تنشط أرواح الكفار مما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكد والغم» والنشط الجذب والنزع، يقال: نشط الدنو نشطاً انتزعها» . وقال السدّي ﵁: هي النفس تنشط من بين القدمين، أي: تجذب، وقال قتادة ﵁: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي: تذهب. يقال: نشط من بلد إلى بلد إذا خرج في سرعة، ويقال حمار ناشط ينشط من بلد إلى بلد. وقال الجوهري: يعني النجوم تنشط من برج إلى برج، كالثور الناشط من بلد إلى بلد.
﴿والسابحات سبحاً﴾ أي: الملائكة تسبح من السماء بأمره أي: ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد. يقال له: سابح إذا أسرع في جريه، وقال عليّ ﵁: هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين. قال الكلبي: كالذي يسبح في الماء، فأحياناً ينغمس وأحياناً يرتفع يسلونها سلاً رفيقاً بسهولة، ثم يدعونها حتى تستريح. وعن مجاهد ﵁: السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم. وقال قتادة والحسن ﵃: هي النجوم تسبح في أفلاكها، وكذا الشمس والقمر، قال تعالى: ﴿كل في فلك يسبحون﴾ (الأنبياء: ٣٣)
. وقال عطاء: هي السفن في الماء. وقال ابن عباس ﵄: أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى لقاء الله تعالى ورحمته حتى تخرج، وقيل: هي خيل الغزاة، قال عنترة:
*والخيل تعلم حين تس ... بح في حياض الموت سبحا*
﴿فالسابقات سبقاً﴾ أي: الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال مجاهد ﵁: هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وقال ابن مسعود ﵁: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها شوقاً إلى لقاء الله تعالى وكرامته، وقد عاينت السرور. وقال قتادة ﵁: هي النجوم يسبق بعضها بعضاً في السير. وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق في الجهاد، وقيل: هي ما يسبق من الأرواح قبل الأجساد إلى جنة أو نار. قال الجرجاني: ذكر السابقات بالفاء لأنها مسببة عن الذي قبلها، أي: واللاتي يسبحن فيسبقن.
قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله تعالى: ﴿فالمدبرات أمراً﴾ أي: الملائكة تدبر أمر الدنيا، أي: تنزل بتدبيره. قال الرازي: ويمكن الجواب بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، وقال ابن عباس ﵄: المدبرات هي الملائكة وكلوا بأمور عرّفهم الله تعالى العمل بها.
قال عبد الرحمن بن سابط: يدبر الأمر في الدنيا أربعة من الملائكة: جبريل
стр. 2409
وميكائيل وملك الموت وإسرافيل ﵈، فأما جبريل فوكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وليس في الملائكة أقرب منه وبينه وبين العرش خمسمائة عام. وقيل: هي الكواكب السبع، حكي عن معاذ بن جبل ﵁.
وفي تدبيرها بالأمور وجهان: أحدهما تدبير طلوعها وأفولها، والثاني في تدبير ما قضى الله تعالى فيها من تقليب الأحوال أقسم بهذه الأمور على قيام الساعة والبعث، وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه، ولله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وأما العباد فلا يصح لهم أن يقسموا بغير الله تعالى وصفاته.
وقوله تعالى: ﴿يوم ترجف﴾ أي: تضطرب اضطراباً كثيراً مزعجاً ﴿الراجفة﴾ أي: الصيحة منصوب بالجواب، أي: لتبعثنّ يا كفار مكة ﴿يوم ترجف الراجفة﴾ وهي النفخة الأولى بها يرجف كل شيء، أي: يتزلزل ويتحرّك لها كل شيء، ويموت منها جميع الخلائق فوصفت بما يحدث منها. ﴿تتبعها الرادفة﴾ أي: الصيحة التابعة لها وهي النفخة الثانية، ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة، والجملة حال من الراجفة واليوم واسع للنفختين وغيرهما، فصح ظرفيته للبعث الواقع عقيب الثانية. وقال قتادة ﵁: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله ، وقال عطاء: الراجفة القيامة والرادفة البعث. روي عن أبيّ بن كعب ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع الليل قام وقال: يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه» .
﴿قلوب يومئذ﴾ أي: إذ قام الخلائق بالصيحة التابعة للأولى ﴿واجفة﴾ أي: خائفة قلقة مضطربة من الوجيف وهو صفة القلوب، وقال مجاهد ﵁: وجلة. وقال السدّي: زائلة عن أماكنها، نظيره ﴿إذ القلوب لدى الحناجر﴾ (غافر: ١٨)
﴿أبصارها﴾ أي: أبصار أصحابها، فهو من الاستخدام ﴿خاشعة﴾ أي: ذليلة من الخوف، ولذا أضافها إلى القلوب، كقوله تعالى: ﴿خاشعين من الذل﴾ (الشورى: ٤٥)
﴿يقولون﴾ أي: أرباب القلوب والأبصار في الدنيا استهزاء وإنكاراً للبعث ﴿أئنا لمردودون﴾ أي: بعد الموت ﴿في الحافرة﴾ أي: في الحياة التي كنا فيها قبل الموت، وهي حالتنا الأولى، فنصير أحياء بعد الموت كما كنا، تقول العرب: رجع فلان في حافرته، أي: رجع من حيث جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء وأوّل الشيء. وقال بعضهم: الحافرة وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت حافرة بمعنى المحفورة. كقوله تعالى: ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ٢١)
أي: مرضية، وقيل: سميت حافرة لأنها مستقرّ الحوافر، أي: إنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقاً جديداً نمشي عليها، وقال ابن زيد: الحافرة النار.
﴿أئذا كنا﴾ أي: كوناً صار جبلة لنا. ﴿عظاماً نخرة﴾ أي: بالية متفتتة نحيى بعد ذلك، وقرأ: أئنا وإذا نافع وابن عامر والكسائي بالاستفهام في الأوّل والخبر في الثاني، والباقون بالاستفهام فيهما، وسهل نافع وابن كثير وأبو عمرو والباقون بالتحقيق، وأدخل بين الهمزتين قالون وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه ألفاً والباقون بغير إدخال.
وقرأ نخرة حمزة وشعبة والكسائي بالألف بعد النون والباقون بغير ألف، وهما لغتان، مثل: الطمع والطامع، والحذر والحاذر، معناهما البالية، وفرق قوم بينهما فقالوا: النخرة البالية، والنخرة المجوّفة التي تمر فيها الريح فتنخر أي: تصوّت.
﴿قالوا﴾ أي: المنكرون
стр. 2410
للبعث ﴿تلك﴾ أي: رجعتنا العجيبة إلى الحياة ﴿إذاً﴾ أي: إن صحت ﴿كرّة﴾ أي: رجعة ﴿خاسرة﴾ أي: ذات خسران أو خسار أصحابها، والمعنى: إن صحت فنحن إذاً خاسرون بتكذيبنا وهو استهزاء منهم. وعن الحسن ﵁ أن خاسرة بمعنى كاذبة، أي: ليست كائنة.
قال الله تعالى: ﴿فإنما هي﴾ أي: الرادفة التي يتبعها البعث ﴿زجرة﴾ أي: صيحة بانتهار تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر والمنع من التخلف ﴿واحدة﴾ عبر بالزجرة لأنه أشدّ من النهي، لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلاً فكان كأنه بلسان قال عن تلك الصيحة: أيها الأجساد البالية انتهي عن الرقاد وقومي إلى الميعاد بما حكمنا به من المعاد، فقد انتهى زمن الحصاد، وآن أوان الاجتناء لما قدّم من الزاد، فيا خسارة من ليس له زاد.
﴿فإذا هم﴾ أي: فتسبب عن تلك النفخة وهي الثانية أن كل الخلائق ﴿بالساهرة﴾ أي: صاروا على وجه الأرض بعدما كانوا في جوفها. والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، قال بعض أهل اللغة: تراهم سموها ساهرة لأنّ فيها نوم الحيوان وسهرهم. قال سفيان ﵁: هي أرض الشام، وقال قتادة ﵁: هي جهنم.
فإن قيل: بم يتعلق ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ ؟ أجيب: بأنه متعلق بمحذوف معناه لا تستصعبوها ﴿فإنما هي زجرة واحدة﴾ يعني: لا تحسبوا تلك الكرّة صعبة على الله تعالى، فإنها سهلة هينة في قدرته تعالى.
وقال الزمخشري: الساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك، لأنّ السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة أي: جارية الماء وفي ضدها نائمة. قال الأشعث بن قيس:
*وساهرة يضحى السراب مجللاً ... لأقطارها قد جبتها متلثما*
أو لأنّ سالكها لا ينام خوف الهلكة. وقال الراغب: هي وجه الأرض. وقيل: أرض القيامة، وحقيقتها التي يكثر الوطء بها كأنها سهرت من ذلك، والأسهران عرقان في الأنف، والساهور غلاف القمر الذي يدخل فيه عند كسوفه. وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: الساهرة أرض من فضة لم يعص الله عليها قط جعلها حينئذ، وقيل: الساهرة اسم للأرض السابعة يأتي بها الله تعالى فيحاسب عليها الخلائق، وذلك حين تبدّل الأرض غير الأرض وقال وهب بن منبه: جبل بيت المقدس. وقال عثمان بن أبي العاتكة: إنه اسم مكان من الأرض بعينه بالشأم، وهو الصقع الذي بين جبل أريحاء وجبل حسان يمدّه الله تعالى كيف شاء.
ثم إنّ الله تعالى سلى نبيه ﷺ بقوله تعالى:
﴿هل أتاك﴾ يا أشرف الخلق ﴿حديث موسى﴾ أي: أليس قد أتاك حديثه، فيسليك على تكذيب قومك ويهدّدهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم، فإنه كان أقوى أهل الأرض بما كان له من كثرة الجنود فلما أصرّ على التكذيب ولم يرجع ولا أفاده التأديب أغرقناه وآله، ولم نبقِ منهم أحداً، وقد كانوا لا يحصون عدداً بحيث قيل: إنّ طليعته كانت على عدد بني إسرائيل ستمائة ألف فكيف بقومك الضعاف.
وقوله تعالى: ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿ناداه﴾ منصوب بحديث لا بأتاك ﴿ربه﴾ أي: المحسن إليه بالرسالة وغيرها ﴿بالواد المقدّس﴾ أي: المطهر غاية الطهر بتشريف الله تعالى له بإنزال النبوّة المفيضة للبركات. وقوله تعالى: ﴿طوى﴾ اسم الوادي وهو الذي طوي فيه الشرّ عن بني إسرائيل، ومن أراد الله تعالى من خلقه ونشر فيه
стр. 2411
بركات النبوّة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه وغيره برفع عذاب الاستئصال عنه، فإن العلماء قالوا: إنّ عذاب الاستئصال ارتفع حين أنزلت التوراة، وهو واد بالطور بين إيلة ومصر، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو بغير تنوين في الوصل والباقون بالتنوين.
وقوله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون﴾ أي: ملك مصر الذي كان يستعبد بني إسرائيل على إرادة القول ﴿إنه طغى﴾ أي: تجاوز الحدّ في الكفر وعلا وتكبر.
وقال الرازي: لم يبين أنه طغى في أي شيء، فقيل: تكبر على الله تعالى وكفر به، وقيل: تكبر على الخلق واستعبدهم. ﴿ ﴿
وروي عن الحسن ﵁ قال: كان فرعون علجاً من همدان، وقال مجاهد ﵁: كان من أهل إصطخر. وعن الحسن أيضاً: كان من أصبهان يقال له: ذو الظفر طوله أربعة أشبار.
وقوله تعالى: ﴿فقل﴾ أي: له ﴿هل لك﴾ أي: هل لك سبيل ﴿إلى أن تزكى﴾ أي: تتطهر من الكفر والطغيان. قال ابن عباس ﵄: بأن تشهد أن لا إله إلا الله. وقال أبو البقاء: لما كان المعنى أدعوك جاء بإلى، وقال غيره: يقال هل لك في كذا، وهل لك إلى كذا كما تقول: هل ترغب فيه وهل ترغب إليه. وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي، والأصل تتزكى والباقون بتخفيفها.
﴿وأهديك إلى ربك﴾ أي: وأنبهك على معرفة المحسن إليه ﴿فتخشى﴾ لأنّ الخشية لا تكون إلا بالمعرفة قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨)
أي: العلماء به، وذكر الخشية لأنها ملاك الأمر من خشي الله تعالى أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شرّ. ومنه قوله ﷺ «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» بدأ بمخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرفيق ليستدعيه للتلطف في القول ويستنزله بالمداراة من علوه كما أمر بذلك في قوله تعالى: ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ (طه: ٢٥)
الآية. وقال الرازي: سائر الآيات تدل على أنه تعالى لما نادى موسى ﵇ ذكر له أشياء كثيرة ﴿نودي إني أنا ربك﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لنريك من آياتنا الكبرى اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ (طه: ١٢ ـ ٢٤)
فدل قوله تعالى: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى﴾ أنه من جملة ما ناداه به لا كل ما ناداه به، وأيضاً فليس الغرض أنه ﵇ كان مبعوثاً إلى فرعون فقط، بل إلى كل من كان في الطور إلا أنه خصه بالذكر لأنّ دعوته جارية مجرى كل القوم.
والفاء في قوله تعالى: ﴿فأراه﴾ عاطفة على محذوف يعني: فذهب فأراه ﴿الآية الكبرى﴾ كقوله تعالى: ﴿اضرب بعصاك الحجر فانفجرت﴾ (البقرة: ٦٠)
أي: فضرب فانفجرت.
واختلفوا في الآية الكبرى أي: العلامة العظمى وهي المعجزة. فقال عطاء وابن عباس ﵃: هي العصا. وقال مقاتل والكلبي ﵄: هي اليد البيضاء تبرق كالشمس، والأوّل أولى لأنه ليس في اليد إلا انقلاب لونها، وهذا حاصل في العصا لأنها لما انقلبت حية لا بدّ وأن يتغير اللون الأوّل، فإذن كل ما في اليد فهو حاصل في العصا، وأمور أخر وهي الحياة في الجرم الجمادي وتزايد أجزائه، وحصول القدرة الكبيرة والقوّة الشديدة وابتلاعها أشياء كثيرة وزوال الحياة والقدرة عنها، وذهاب تلك الأجزاء التي عظمت، وزوال ذلك اللون والشكل اللذين صارت العصا بهما حية، وكل واحد من هذه الوجوه كان معجزاً مستقلاً في نفسه، فعلمنا أنّ الآية الكبرى هي العصا. وقال مجاهد ﵁: هي مجموع العصا واليد، وقيل: فلق البحر، وقيل: جميع آياته التسع.
﴿فكذب﴾ أي: فتسبب عن رؤيته ذلك
стр. 2412
أن كذب موسى ﵇ ﴿وعصى﴾ الله تعالى بعد ظهور الآية وتحقيق الأمر، وقيل: كذب بالقول وعصى بالتمرّد والتجبر.
﴿ثم أدبر﴾ أي: تولى وأعرض عن الإيمان بعد المهل والأناة إعراضاً عظيماً بالتمادي على أعظم ما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة، حال كونه ﴿يسعى﴾ أي: يعمل بالفساد في الأرض، أو أنه لما رأى الثعبان أدبر مرعوباً يسعى أي: يسرع في مشيته. قال الحسن ﵁: كان رجلاً طياشاً خفيفاً، وتولى عن موسى ﵇ يسعى ويجتهد في مكايدته، أو أريد: ثم أقبل يسعى كما تقول: أقبل فلان يفعل كذا بمعنى أنشأ يفعل، فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالإقبال.
﴿فحشر﴾ أي: فتسبب عن إدباره أنه جمع السحرة للمعارضة وجنوده للقتال ﴿فنادى﴾ حينئذ بأعلى صوته. قال حمزة الكرماني: قال له موسى ﵇: إنّ ربي أرسلني إليك لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في النعيم والسرور، ثم تموت فتدخل الجنة فقال: حتى أستشير هامان فاستشاره، فقال: أتصير عبداً بعدما كنت رباً، فعند ذلك جمع بعث الشرط وجمع السحرة والجنود.
فلما اجتمعوا قام عدوّ الله على سريره ﴿فقال أنا ربكم الأعلى﴾ أي: لا رب فوقي، وقيل: أراد أنّ الأصنام أرباب وأنا ربها وربكم، وقيل: أمر منادياً فنادى في الناس بذلك، وقيل: قام فيهم خطيباً فقال ذلك.
﴿فأخذه الله﴾ أي: أهلكه بالغرق الملك الأعظم الذي لا كفء له ﴿نكال﴾ أي: عقوبة ﴿الآخرة﴾ أي: هذه الكلمة وهي قوله ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ . ﴿والأولى﴾ وهي قوله: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ (القصص: ٣٨)
. قال ابن عباس ﵄: وكان بين الكلمتين أربعون سنة، والمعنى: أمهله في الأولى ثم أخذه في الآخرة فعذبه بكلمتيه. وقال الحسن ﵁: ﴿نكال الآخرة والأولى﴾ هو أن أغرقه في الدنيا وعذبه في الآخرة. وعن قتادة ﵁: الآخرة هي قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ والأولى تكذيبه لموسى ﵇.
ثم إنه تعالى ختم هذه القصة بقوله تعالى: ﴿إنّ في ذلك﴾ أي: الأمر العظيم الذي فعله فرعون والذي فعل به حين كذب وعصى ﴿لعبرة﴾ أي: لعظة ﴿لمن يخشى﴾ أي: لمن يخاف الله تعالى لأنّ الخشية أساس الخير كما مرّت الإشارة إليه.
ثم خاطب تعالى منكري البعث بقوله تعالى:
﴿أأنتم﴾ أي: أيها الأحياء مع كونكم خلقاً ضعيفاً ﴿أشدّ خلقاً﴾ أي: أخلقكم بعد الموت أشدّ في تقديركم ﴿أم السماء﴾ أي: فمن قدر على خلق السماء على عظمها من السعة والكبر والعلوّ والمنافع قدر على الإعادة، وهذا كقوله تعالى: ﴿لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ (غافر: ٥٧) ، والمقصود من الآية الاستدلال على منكري البعث، ونظيره قوله تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم﴾ (يس: ٨١)
ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، والباقون بتحقيقهما، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال. ﴿ ﴿
وقوله تعالى: ﴿بناها﴾ بيان لكيفية خلقه إياها فالوقف على السماء والابتداء بما بعدها وقوله تعالى: ﴿رفع سمكها﴾ جملة مفسرة لكيفية البناء، والسمك الارتفاع أي: جعل مقدارها في سمت العلوّ مديداً رفيعاً مسيرة خمسمائة عام ﴿فسوّاها﴾ أي: فعدلها مستوية ملساء ليس فيها تفاوت ولا فطور، أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها من قولك: سوّى فلان أمر فلان.
﴿وأغطش﴾ أي: أظلم ﴿ليلها﴾ أي:
стр. 2413
جعله مظلماً بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت الشمس ظهرت عليه، فصار لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء، وأضاف الليل إلى السماء لأنّ الليل يكون بغروب الشمس والشمس تضاف إلى السماء. ويقال: نجوم الليل، لأنّ ظهورها بالليل.
وقوله تعالى: ﴿وأخرج ضحاها﴾ فيه حذف، أي: ضحى شمسها، أو أضاف الليل والضحى لها للملابسة التي بينها وبينهما لأنّ الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوّها، وإنما عبر عن النهار بالضحى؛ لأنّ الضحى أكمل أجزاء النهار بالنور والضوء.
﴿والأرض بعد ذلك﴾ أي: بعد المذكور كله ﴿دحاها﴾ أي: بسطها ومهدها للسكنى وبقية المنافع، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو فلا معارضة بينها وبين آية فصلت؛ لأنه خلق الأرض أولاً غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض. قال ابن عباس ﵄: خلق الله تعالى الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء فسوّاها سبع سموات ثم دحا الأرض بعد ذلك. وقيل: معناه والأرض مع ذلك دحاها كقوله تعالى: ﴿عتلّ بعد ذلك﴾ (القلم: ١٣)
أي: مع ذلك، ومنه قولهم: أنت أحمق، وأنت بعد هذا سيء الخلق.
وقيل: بعد بمعنى قبل كقوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر﴾ (الأنبياء: ١٠٥)
أي: من قبل، وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: خلق الله تعالى الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
﴿أخرج منها﴾ أي: الأرض ﴿ماءها﴾ أي: بتفجير عيونها، وإضافتها إليها دليل على أنه مودوع فيها ﴿ومرعاها﴾ أي: النبات الذي يرعى مما يأكله الناس والأنعام من العشب والشجر والثمر والحب حتى النار والملح، لأنّ النار من العيدان قال تعالى: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾ (الواقعة: ٧١)
الآية، والملح من الماء، واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله تعالى عن إخوة يوسف ﵇: ﴿يرتع ويلعب﴾ (يوسف: ١٢)
والمرعى في الأصل موضع الرعي.
تنبيه: أخرج حال بإضمار قد أي: مخرجاً، وإضمار قد هو قول الجمهور وخالف الكوفيون والأخفش.
﴿والجبال أرساها﴾ أي: أثبتها على وجه الأرض لتسكن، ونظيره قوله تعالى: ﴿والجبال أوتاداً﴾ (النبأ: ٧)
وقوله تعالى: ﴿متاعاً﴾ مفعول له لمقدّر، أي: فعل ذلك منفعة أو مصدر لعامل مقدّر أي: متعكم تمتيعاً.
﴿لكم﴾ وقوله تعالى: ﴿ولأنعامكم﴾ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم، وذكر الأنعام لكثرة الانتفاع بها.
﴿فإذا جاءت الطامة الكبرى﴾ أي: الداهية التي تطم على الدواهي أي: تعلو وتغلب، وفي أمثالهم: جرى الوادي فطم على القرى، قال ابن عباس: وهي النفخة الثانية التي يكون معها البعث. وقال الضحاك: هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء فتغمره. وقال القاسم بن الوليد الهمداني: هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار.
وقوله تعالى: ﴿يوم يتذكر﴾ أي: تذكراً عظيماً ﴿الإنسان﴾ أي: الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له بدل من إذا ﴿ما سعى﴾ في الدنيا من خير أو شرّ، يعني: إذا رأى أعماله مدوّنة في كتابه تذكرها، وكان قد نسيها كقوله تعالى: ﴿أحصاه الله ونسوه﴾ (المجادلة: ٦)
وما في ﴿ما سعى﴾ موصولة أو مصدرية.
﴿وبرّزت الجحيم﴾ أي: أظهرت النار المحرقة إظهاراً بيناً مكشوفاً ﴿لمن يرى﴾ أي: لكل راء، كقولهم: قد تبين الصبح لذي عينين، يريدون لكل من له بصر، وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد، لكن الناجي لا ينصرف بصره إليها فلا يراها، كما قال تعالى: ﴿لا يسمعون
стр. 2414
حسيسها﴾ (الأنبياء: ١٠٢)
وجواب إذا قوله: ﴿فأمّا من طغى﴾ أي: تجاوز الحد في العدوان حتى كفر بربه ﴿وآثر﴾ أي: قدّم واختار ﴿الحياة الدنيا﴾ أي: انهمك فيها ولم يستعدّ للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس ﴿فإنّ الجحيم﴾ أي: النار الشديدة التوقد العظيمة ﴿هي﴾ أي: خاصة ﴿المأوى﴾ أي: مأواه كما تقول للرجل: غض الطرف، تريد طرفك، وليست الألف واللام بدلاً عن الإضافة، ولكن لما علم أنّ الطاغي هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره تركت الإضافة.
تنبيه: ﴿هي﴾ يجوز أن تكون فصلاً أو مبتدأ.
﴿وأمّا من خاف مقام ربه﴾ أي: قيامه بين يديه لعلمه بالمبدأ وبالمعاد، وقال مجاهد: خوفه في الدنيا من الله تعالى عند مواقعة الذنب فيقلع عنه نظيره ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (الرحمن: ٤٦)
﴿ونهى النفس﴾ أي: الأمارة بالسوء ﴿عن الهوى﴾ وهو اتباع الشهوات وزجرها عنها وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير.
﴿فإنّ الجنة﴾ أي: البستان لكل ما يشتهى ﴿هي﴾ أي: خاصة ﴿المأوى﴾ أي: ليس له سواها مأوى، وحاصل الجواب أنّ العاصي في النار والطائع في الجنة. قال الرازي: هذان الوصفان مضادان للوصفين المتقدّمين فقوله تعالى: ﴿فأما من خاف مقام ربه﴾ ضد قوله تعالى: ﴿فأما من طغى﴾ . ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ ضد قوله تعالى: ﴿وآثر الحياة الدنيا﴾ فكما دخل في ذينك الوصفين جميع القبائح دخل في هذين الوصفين جميع الطاعات. وقال عبد الله بن مسعود: أنتم في زمان يقود الحق الهوى، وسيأتي زمان يقود الهوى الحق، فتعوّذوا بالله من ذلك الزمان.
تنبيه: اختلف في سبب نزول هاتين الآيتين، فقيل: نزلتا في مصعب بن عمير وأخيه. روى الضحاك عن ابن عباس قال: ﴿أمّا من طغى﴾ فهو أخو مصعب بن عمير أسر يوم بدر وأخذته الأنصار فقالوا: من أنت، قال: أنا أخو مصعب بن عمير فلم يشدّوه في الوثاق وأكرموه وبيتوه عندهم فلما أصبحوا حدّثوا مصعب بن عمير حديثه، فقال: ما هو لي بأخ شدّوا أسيركم، فإنّ أمّه أكثر أهل البطحاء حلياً ومالاً، فأوثقوه حتى تبعث أمّه فداءه، ﴿وأمّا من خاف مقام ربه﴾ فمصعب بن عمير وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أحد حين تفرق الناس عنه حتى نفذت المشاقص في جوفه، والمشاقص جمع مشقص وهو السهم العريض، فلما رآه ﷺ متشحطاً في دمه قال ﷺ «عند الله أحتسبك» وقال ﷺ لأصحابه: «لقد رأيته وعليه بردان ما تعرف قيمتهما وإنّ شراك نعله من ذهب» وعن ابن عباس أيضاً: نزلت في رجلين أبي جهل بن هشام ومصعب بن عمير. وقال السدي: نزلت الآية الثانية في أبي بكر الصديق ﵁. وقال الكلبي: هما عامّتان.
ولما سمع المشركون أخبار القيامة ووصفها بالأوصاف الهائلة مثل الطامّة الكبرى والصاخة والقارعة وسألوا رسول الله ﷺ استهزاءً متى تكون الساعة؟ نزل: ﴿يسئلونك﴾ يا أشرف الخلق ﴿عن الساعة﴾ أي: البعث الآخر لكثرة ما تتوعدهم به من أمرها ﴿أيان مرساها﴾ أي: في أي وقت إرساؤها، أي: إقامتها أرادوا متى يقيمها الله تعالى ويثبتها ويكوّنها، أو أيان منتهاها ومستقرّها، كما أنّ مرسى السفينة مستقرّها حيث تنتهي إليه.
فأجابهم الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿فيم﴾ أي: في أي شيء ﴿أنت من ذكراها﴾ أي: من أن تذكر وقتها لهم وتعلهم به.
تنبيه: ﴿فيم﴾ خبر مقدّم و ﴿أنت﴾ مبتدأ مؤخر و ﴿من ذكراها﴾ متعلق بما تعلق به الخبر، والمعنى: أنت في أي شيء من ذكراها، أي: ما أنت من
стр. 2415
ذكراها لهم وتبيين وقتها في شيء. وعن عائشة ﵂ «لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت» فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أيّ شغل واهتمام أنت من ذكراها والسؤال عنها، والمعنى: أنهم يسألونك عنها فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها.
﴿إلى ربك﴾ أي: المحسن إليك بأنواع النعم ﴿منتهاها﴾ أي: منتهى علمها لم يؤت علمها أحداً من خلقه كقوله تعالى: ﴿إنما علمها عند ربي﴾ (الأعراف: ١٨٧)
وقوله تعالى: ﴿إنّ الله عنده علم الساعة﴾ (لقمان: ٣٤)
قال القرطبي: ويجوز أن يكون إنكاراً على المشركين في مسألتهم، أي: فيم أنت من ذلك حتى يسألونك، بيانه: ولست ممن يعلمه. روي معناه عن ابن عباس ﵄، وقيل: الوقف على قوله تعالى: ﴿فيم﴾ وهو خبر مبتدأ مضمر أي: فيم هذا السؤال، ثم يبتدأ بقوله تعالى: ﴿أنت من ذكراها﴾ أي: أرسلناك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في فم الساعة ذكر من ذكراها وعلامة من علاماتها فكفاهم بذلك دليلاً على دنوّها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها.
﴿إنما أنت﴾ أي: يا أشرف الرسل ﴿منذر﴾ أي: إنما بعثت لإنذار ﴿من يخشاها﴾ أي: لتخويف من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى؛ لأنه المنتفع به، أي: إنما ينفع إنذارك من يخافها وإن كنت منذر الكل مكلف.
﴿كأنهم﴾ قال البغوي: يعني: كفار قريش ﴿يوم يرونها﴾ أي: يعلمون قيام الساعة علماً هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع الصيحة وقيامهم من القبور مع علمهم بما مرّ من زمانهم وما أتى فيه ﴿لم يلبثوا﴾ أي: في الدنيا أو في القبور ﴿إلا عشية﴾ أي: من الزوال إلى غروب الشمس ﴿أو ضحاها﴾ أو ضحى عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال، والعشية بعد ذلك أضيف إليها الضحى؛ لأنها من النهار، والإضافة تحصل بأدنى ملابسة، وهي هنا كونهما من نهار واحد، فالمراد ساعة من نهار من أوّله أو آخره لم يستكملوا نهاراً تامّاً، ولم يجمعوا بين طرفيه، وهذا كما قال ﷺ «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع» .
فإن قيل: هلا قال: إلا عشية أو ضحى، وما فائدة الإضافة؟ أجيب: بأنّ ذلك للدلالة على أنّ مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوماً كاملاً، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه، فلما ترك اليوم أضافه على عشيته فهو كقوله تعالى: ﴿لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ (الأحقاف: ٣٥)
وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة.
تنبيه: قرأ ﴿حديث موسى﴾ ، ﴿طوى﴾ ، ﴿طغى﴾ ، ﴿تزكى﴾ ، ﴿فتخشى﴾ ، ﴿وعصى﴾ ، ﴿يسعى﴾ ، ﴿فنادى﴾ ، ﴿الأعلى﴾ ، ﴿والأولى﴾ ، ﴿يخشى﴾ ، ﴿ما سعى﴾ ، ﴿طغى﴾ ، ﴿الدنيا﴾ ، ﴿المأوى﴾ ، ﴿عن الهوى﴾ ، ﴿المأوى﴾ ، حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين وبين، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين. وقرأ ﴿فأراه الآية الكبرى﴾ ، ﴿الطامّة الكبرى﴾ ﴿لمن يرى﴾ ، ﴿من ذكراها﴾ ، أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح في الجميع.
وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة والنازعات كان ممن حبسه الله تعالى في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة مكتوبة» حديث موضوع.
سورة عبس
مكية وتسمى سورة السفرة
وهي اثنان وأربعون آية ومائة وثلاثون كلمة وثلاثمائة وثلاثون حرفاً
стр. 2416
﴿بسم الله﴾ الواحد القهار ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بإنعامه الأبرار والفجار ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه برحمته في دار القرار.
﴿عبس﴾ أي: كلح وجهه النبي ﷺ ﴿وتولى﴾ أي: أعرض بوجهه لأجل ﴿أن جاءه الأعمى﴾ وهو ابن أمّ مكتوم وأم مكتوم أمّ ابيه واسمها عاتكة بنت عامر بن مخزوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤيّ، وذلك أنه جاءه وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية ابن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة الله تعالى، فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرّر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما اتبعه العميان والعبيد والسفلة فعبس وجهه وأعرض عنه وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربي» ، ويبسط له رداءه ويقول له: «هل لك حاجة؟» واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. قال أنس بن مالك: رأيته يوم القادسية راكباً وعليه درع وله راية سوداء. ﴿ ﴿
﴿وما يدريك﴾ أي: أيّ شيء يجعلك دارياً بحاله ﴿لعله﴾ أي: الأعمى ﴿يزكى﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي، أي: يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وفي ذلك إيماء بأنّ إعراضه كان لتزكية غيره.
﴿أو يذكر﴾ فيه إدغام التاء في الذال أي: يتعظ وتسبب عن تزكيته وتذكره قوله تعالى: ﴿فتنفعه الذكرى﴾ أي: العظمة المسموعة منك، وقرأ عاصم بنصب العين والباقون برفعها، فمن رفع فهو نسق على قوله تعالى: ﴿أو يذكر﴾ ومن نصب فعلى جواب الترجي كقوله تعالى في غافر: ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾ (غافر: ٣٧)
. وقال ابن عطية في جواب التمني لأن قوله تعالى: ﴿أو يذكر﴾ في حكم قوله تعالى: ﴿لعله يزكى﴾ .
واعترض عليه أبو حيان: بأنّ هذا ليس تمنياً وإنما هو ترجٍ. وأجيب عنه: بأنه إنما يريد التمني المفهوم وقت الذكرى.
وقرأ الذكرى أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح وقيل: الضمير في لعله للكافر يعني: أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر فتقرّبه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن.
﴿أما من استغنى﴾ أي: بالمال، وقال ابن عباس ﵄: استغنى عن الله وعن الإيمان بما له من المال.
﴿فأنت له﴾ أي: دون الأعمى ﴿تصدّى﴾ أي: تتعرّض له بالإقبال عليه والمصادّة المعارضة وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها والباقون بالتخفيف.
﴿وما﴾ أي: فعلت ذلك والحال أنه ما ﴿عليك﴾ أي: وليس عليك بأس ﴿ألا يزكى﴾ أي: في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم إن عليك إلا البلاغ.
﴿وأما من جاءك﴾ حال كونه ﴿يسعى﴾ أي: يسرع في طلب الخير وهو ابن أمّ مكتوم ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿يخشى﴾ أي: الله أو الكفار في أذاهم على الإتيان إليك. وقيل: جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة، وقرأ قالون وأبو عمرو والسدّي بسكون الهاء والباقون بضمها.
﴿فأنت عنه تلهى﴾ فيه حذف التاء الآخرة في الأصل، أي: تتشاغل، وقرأ ﴿وتولى﴾ ، ﴿الأعمى﴾ ، ﴿يزكى﴾ ، ﴿من استغنى﴾ ، ﴿تصدّى﴾ ، ﴿يزكى﴾ ، ﴿يسعى﴾ ، ﴿يخشى﴾
стр. 2417
، ﴿تلهى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح.
وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع من العاتب عليه وعن معاودة مثله. فإن قيل: ما فعله ابن أمّ مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر، فكيف عاتب الله تعالى رسوله ﷺ على تأديبه، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته ﷺ لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدّة اهتمام النبيّ ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﷺ لغرض نفسه قبل تمام كلام النبيّ ﷺ معصية عظيمة، وأيضاً فإنّ الأهمّ يقدّم على المهمّ، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين، وأما أولئك الكفار فلم يكونوا أسلموا، وكان إسلامهم سبباً لإسلام غيرهم، فكان كلام ابن أمّ مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك يحرم أيضاً. فإنّ الله تعالى ذمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرّد ندائهم، فهذا النداء الذي هو كالصارف للكفار عن الإيمان أولى أن يكون ذنباً، وأيضاً فمع هذا الاعتناء كيف لقب بالأعمى، وأيضاً فالنبيّ ﷺ له أن يؤدّب أصحابه بما يراه مصلحة، والتعبيس من ذلك القبيل؟
أجيب: بأنّ ما فعله ابن أمّ مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالماً بأنّ النبيّ ﷺ مشغولاً بغيره وأنه يرجو إسلامهم، ولكنه لم يعلم بذلك. وأيضاً الله إنما عاتبه على ذلك حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء، أو ليعلم أنّ المؤمن الفقير خير من الغنيّ الكافر.
وقال ابن زيد: إنما عبس النبيّ ﷺ لابن أمّ مكتوم وأعرض عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه فدفعه ابن أمّ مكتوم وأبى إلا أن يتكلم مع النبيّ ﷺ فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا نزل في حقه ذلك، وأما ذكره بلفظ الأعمى فليس للتحقير بل كان بسبب عماه يستحق أن يزيده تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً، ولقد تأدب الناس بأدب الله تعالى في هذا تأدباً حسناً، فقد روي عن سفيان الثوري ﵁: أنّ الفقراء كانوا بمجلسه أمراء، وأما كونه ﷺ كان مأذوناً له في تأديب أصحابه فلأنّ تقديمهم ربما يوهم ترجيح تقديم الأغنياء على الفقراء فلهذا السبب عوتب.
قال الحسن ﵁: لما تلا جبريل ﵇ على النبيّ ﷺ هذه الآيات عاد وجهه كأنما نسف فيه الرماد ينتظر ما يحكم الله تعالى عليه فلما قال: ﴿كلا﴾ سرّي عنه أي: لا تفعل مثل ذلك، وقد بينا نحن أنّ ذلك محمول على ترك الأولى. ثم قال الله تعالى: ﴿إنها﴾ أي: هذه السورة. وقال مقاتل ﵁: آيات القرآن. وقيل: القرآن، وأنثه لتأنيث خبره وهو قوله تعالى: ﴿تذكرة﴾ أي: عظة للخلق يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها.
﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: كان حافظاً له غير ناس، وذكر الضمير لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ.
ثم إنّ الله تعالى أخبر عن جلالة ذلك عنده فقال سبحانه ﴿في صحف﴾ أي: منتسخة من اللوح المحفوظ، وقيل: هي كتب الأنبياء ﵈، دليله قوله تعالى: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ (الأعلى، الآيتان: ١٨ ـ ١٩)
. ﴿مكرمة﴾ أي: عند الله تعالى.
﴿مرفوعة﴾ أي: في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار ﴿مطهرة﴾ أي: منزهة عن أيدي الشياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة كرام مطهرين.
كما قال تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾ أي: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وهم الملائكة الكرام الكاتبون
стр. 2418
واحدهم سافر يقال: سفرت، أي: كتبت، ومنه قيل للكتاب: سفر وجمعه أسفار. وقيل: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم.
ثم أثنى تعالى عليهم بقوله سبحانه: ﴿كرام﴾ أي: على الله تعالى وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ في كرام قال: مكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إلا إذا خلا بزوجته أو برز لغائط وقيل: يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. وقوله: ﴿بررة﴾ جمع بارّ كساحر وسحرة وفاجر وفجرة، والبارّ هو الصادق المطيع. ومنه برّ فلان في يمينه أي: صدق، وفلان يبر خالقه أي: يطيعه. فمعنى بررة مطيعين صادقين لله تعالى في أعمالهم.
ولما ذكر تعالى ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب عباده المؤمنين من ذلك فقال سبحانه.
﴿قتل الإنسان﴾ أي: لعن الكافر، وقوله تعالى: ﴿ما أكفره﴾ استفهام توبيخ، أي: ما أشدّ تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك مما حمله على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿من أي شيء خلقه﴾ استفهام تقرير. ﴿ ﴿
ثم بينه بقوله تعالى: ﴿من نطفة﴾ أي: ماء يسير جدّاً لا من غيره. ﴿خلقه﴾ أي: أوجده مقدّراً على ما هو عليه من التخطيط ﴿فقدّره﴾ أي: علقة ثم مضغة إلى آخر خلقه فكأنه قيل: وأي سبب في هذا الترفع مع أنّ أوّله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين الوقتين حامل عذرة، فإنّ خلقة الإنسان تصلح أن يستدل بها على وجود الصانع؛ لأنه يستدل بها على أحوال البعث والحشر. قيل: نزلت في عتبة بن أبي لهب والظاهر العموم.
فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز فالقادر على الكل كيف يليق به ذلك، والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فالعالم به كيف يليق به ذلك؟ أجيب: بأنّ ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء: قاتله الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا.
وقيل: الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أوّل مراتبه وهو قوله تعالى: ﴿من نطفة خلقه﴾ ولا شك أنّ النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر وقوله تعالى: ﴿فقدّره﴾ أي: أطواراً وقيل: سوّاه كقوله تعالى: ﴿ثم سوّاك رجلاً﴾ (الكهف: ٣٧)
أو قدّر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدّره تقديراً﴾ (الفرقان: ٢)
ثم ذكر المرتبة الوسطى بقوله تعالى: ﴿ثم﴾ بعد انتهاء المدّة ﴿السبيل﴾ أي: طريق خروجه من بطن أمّه ﴿يسره﴾ أي: سهل له أمره في خروجه بأن فتح له الرحم وألهمه الخروج منه، ولا شك أنّ خروجه من أضيق المسالك من أعجب العجائب يقال: إنه كان رأسه في بطن أمّه من فوق ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام المراد، ومنه قوله تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد: ١٠)
أي: التمييز بين الخير والشرّ.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال: سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن زيد: سبيل الإسلام. قال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر عليه لقوله ﷺ «كل ميسر لما خلق له» . ثم ذكر المرتبة الأخيرة بقوله تعالى: ﴿ثم أماته﴾ وأشار إلى إيجاب المبادرة بالتجهيز بالفاء المعقبة في قوله تعالى: ﴿فأقبره﴾ أي: جعله في قبر يستره إكراماً له، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض تأكله الطير وغيرها.
﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ أي: أحياه بعد موته للبعث، ومفعول شاء
стр. 2419
محذوف أي: شاء إنشاره وأنشره جواب إذا، وقرأ قالون وأبو عمرو البزي بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وسهل الثانية ورش وقنبل ولهما أيضاً إبدالها ألفاً والباقون بتحقيقهما.
وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع للإنسان عما هو عليه، وقيل: معناها حقاً. قال الأوّل الزمخشري وتبعه البيضاوي، وقال الثاني الجلال المحلي. ﴿لما يقض﴾ أي: يفعل ﴿ما أمره﴾ به ربه من الإيمان وترك التكبر. وقيل: لم يوف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم ﵇. وقيل: المعنى: إن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به من التأمّل في دلائل الله تعالى والتدبر في عجائب خلقه.
ولما كانت عادة الله تعالى جارية في القرآن أنه كلما ذكر دلائل الإنسان ذكر عقبها دلائل الآفاق بدأ من ذلك بما يحتاج إليه الإنسان بقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان﴾ أي: يوقع النظر التامّ بكل شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ﴿إلى طعامه﴾ أي: الذي هو قوام حياته كيف هيأ له أسباب المعاش ليستعدّ بها للمعاد.
قال الحسن ومجاهد: فلينظر إلى طعامه إلى مدخله ومخرجه. وروي عن الضحاك أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ «يا ضحاك، ما طعامك؟» قلت: يا رسول الله، اللحم واللبن، قال: «فشرابك ماذا؟» قلت: الماء قد علمته، قال: «فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا» .
وروي عن ابن عمر أنّ الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه فيأتيه الملك فيقول انظر إلى ما تحليت به إلام صار.
وقرأ ﴿أنا صببنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الماء﴾ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة على أنه بدل اشتمال بمعنى أنّ صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، أو أنه تقدير لام العلة، أي: فلينظر لأنا ثم حذف الخافض، وقال البغوي: أنا بالفتح على تكرير الخافض مجازه فلينظر إلى أنا وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف تعديداً لنعمه تعالى عليه، وقوله تعالى ﴿صباً﴾ تأكيد، والمراد بالماء المطر.
ولما كان الإنسان محتاجاً إلى جميع ما في الوجود ولو نقص منه شيء اختل أمره وبدأ أولاً بالسماوي لأنه أشرف وبالماء الذي هو حياة كل شيء تنبيهاً له على ابتداء خلقه. ثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال تعالى ﴿ثم﴾ أي: بعد مهلة من إنزال الماء ﴿شققنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الأرض﴾ أي: بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء فكيف بالأرض اليابسة، وقوله تعالى ﴿شقاً﴾ تأكيد.
ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له فقال تعالى: ﴿فأنبتنا﴾ أي: بما لنا من القدرة التامة ﴿فيها﴾ أي: بسبب الشق ﴿حباً﴾ أي: قمحاً وشعيراً وسلتاً وسائر ما يحصد ويدخر، وقدّم ذلك لأنه كالأصل في التغذية ﴿وعنباً﴾ وذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه ﴿وقضباً﴾ قال ابن عباس ﵄: هو الرطب لأنه يقتضب من النخل، أي: يقطع ورجحه بعضهم لذكره بعد العنب لأنهما يقترنان كثيراً، وقيل: القت الرطب، وقيل: كل ما يقضب من البقول لبني آدم، وقيل: هو الرطبة والمقضاب أرضه، سمي بمصدر قضبه إذا قطعه لأنه يقضب مرة بعد أخرى. وقال الحسن: القضب العلف للدواب.
﴿وزيتوناً﴾ وهو ما يعصر منه الزيت يكون فيه حرافة وغضاضة فيه إصلاح المزاج. وقوله تعالى: ﴿ونخلاً﴾ جمع نخلة، وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع المرافقة في الأرض والسقي.
وقوله تعالى ﴿وحدائق غلباً﴾ جمع أغلب وغلباء
стр. 2420
كحمر في أحمر وحمراء، أي: بساتين كثيرة الأشجار. والأصل في الوصف بالغلب الرقاب، يقال: رجل أغلب وامرأة غلباء غليظا الرقبة فاستعير. قال عمرو بن معد يكرب:
*يمشي بها غلب الرجال كأنهم ... بزل كسين من الكحيل جلالا*
وقال مجاهد ومقاتل: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض. وقال ابن عباس ﵄: الطوال. وقيل: غلاظ الأشجار.
﴿وفاكهة﴾ وهي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ، قال النووي في منهاجه: ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمّان وأترج ورطب ويابس أي: كالتمر والزبيب، قال: قلت: وليمون ونبق وبطيخ ولب فستق وبندق وغيرها في الأصح. ﴿وأباً﴾ وهو ما تأكله الدواب لأنه يؤب أي: يؤمّ وينتجع إليه. وقال عكرمة: الفاكهة ما يأكله الناس، والأب ما تأكله الدواب، وقيل: التبن. وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سئل عن الأب فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا علم لي به. وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا عرفنا فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت بيده، ثم قال: هذا لعمر الله التكلف وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه.
فإن قيل: هذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟ أجيب: بأنه لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم كانت أكثر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم الذي لا يعمل به تكلفاً عندهم، فأراد أنّ الآية مسوقة عندهم في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأب بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعاً له أو لإنعامه، فعليك بما هو أهمّ من النهوض بالشكر لله تعالى على ما بين لك، ولم يشكل مما عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك من مشكلات القرآن.
﴿متاعاً﴾ أي: العشب، أي: منفعة أو تمتيعاً كما تقدّم في السورة قبلها ﴿لكم﴾ أي: الفاكهة ﴿ولأنعامكم﴾ وتقدّم أيضاً في السورة التي قبلها معرفة الأنعام والحكمة في الاقتصار عليها.
ولما ذكر تعالى هذه الأشياء وكان المقصود منها ثلاثة: أوّلها: الدلائل الدالة على التوحيد، وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. وثالثها: أنّ هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان لا يليق بالعاقل أن يتمرّد على طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد لهذه الأغراض وهو شرح أحوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمّل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضاً إلى ترك التكبر على الناس وإلى إظهار التواضع فقال تعالى:
﴿فإذا جاءت﴾ أي: كانت ووجدت لأنّ كل ما هو كائن لاقيك وجاء إليك ﴿الصاخة﴾ أي: صيحة القيامة وهي النفخة الثانية التي تصخ الأذن، أي: تصمها لشدّة وقعتها. مأخوذة من صخه بالحجر أي: صكه به. وقال الزمخشري: صخ لحديثه مثل أصاخ فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً، لأنّ الناس يصخون لها. وقال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم وإنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة كقوله:
следующие страницы →