← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

﴿بسم الله﴾ الواحد القهار ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بإنعامه الأبرار والفجار ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه برحمته في دار القرار. ﴿عبس﴾ أي: كلح وجهه النبي ﷺ ﴿وتولى﴾ أي: أعرض بوجهه لأجل ﴿أن جاءه الأعمى﴾ وهو ابن أمّ مكتوم وأم مكتوم أمّ ابيه واسمها عاتكة بنت عامر بن مخزوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤيّ، وذلك أنه جاءه وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية ابن خلف، والوليد بن المغيرة يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم، فتعلو كلمة الله تعالى، فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى وكرّر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما اتبعه العميان والعبيد والسفلة فعبس وجهه وأعرض عنه وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: «مرحباً بمن عاتبني فيه ربي» ، ويبسط له رداءه ويقول له: «هل لك حاجة؟» واستخلفه على المدينة مرّتين في غزوتين غزاهما. قال أنس بن مالك: رأيته يوم القادسية راكباً وعليه درع وله راية سوداء. ﴿ ﴿ ﴿وما يدريك﴾ أي: أيّ شيء يجعلك دارياً بحاله ﴿لعله﴾ أي: الأعمى ﴿يزكى﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي، أي: يتطهر من الذنوب بما يسمع منك وفي ذلك إيماء بأنّ إعراضه كان لتزكية غيره. ﴿أو يذكر﴾ فيه إدغام التاء في الذال أي: يتعظ وتسبب عن تزكيته وتذكره قوله تعالى: ﴿فتنفعه الذكرى﴾ أي: العظمة المسموعة منك، وقرأ عاصم بنصب العين والباقون برفعها، فمن رفع فهو نسق على قوله تعالى: ﴿أو يذكر﴾ ومن نصب فعلى جواب الترجي كقوله تعالى في غافر: ﴿فأطلع إلى إله موسى﴾ (غافر: ٣٧) . وقال ابن عطية في جواب التمني لأن قوله تعالى: ﴿أو يذكر﴾ في حكم قوله تعالى: ﴿لعله يزكى﴾ . واعترض عليه أبو حيان: بأنّ هذا ليس تمنياً وإنما هو ترجٍ. وأجيب عنه: بأنه إنما يريد التمني المفهوم وقت الذكرى. وقرأ الذكرى أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين، والباقون بالفتح وقيل: الضمير في لعله للكافر يعني: أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يذكر فتقرّبه الذكرى إلى قبول الحق وما يدريك أنّ ما طمعت فيه كائن. ﴿أما من استغنى﴾ أي: بالمال، وقال ابن عباس ﵄: استغنى عن الله وعن الإيمان بما له من المال. ﴿فأنت له﴾ أي: دون الأعمى ﴿تصدّى﴾ أي: تتعرّض له بالإقبال عليه والمصادّة المعارضة وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الصاد بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها والباقون بالتخفيف. ﴿وما﴾ أي: فعلت ذلك والحال أنه ما ﴿عليك﴾ أي: وليس عليك بأس ﴿ألا يزكى﴾ أي: في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم إن عليك إلا البلاغ. ﴿وأما من جاءك﴾ حال كونه ﴿يسعى﴾ أي: يسرع في طلب الخير وهو ابن أمّ مكتوم ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿يخشى﴾ أي: الله أو الكفار في أذاهم على الإتيان إليك. وقيل: جاء وليس معه قائد فهو يخشى الكبوة، وقرأ قالون وأبو عمرو والسدّي بسكون الهاء والباقون بضمها. ﴿فأنت عنه تلهى﴾ فيه حذف التاء الآخرة في الأصل، أي: تتشاغل، وقرأ ﴿وتولى﴾ ، ﴿الأعمى﴾ ، ﴿يزكى﴾ ، ﴿من استغنى﴾ ، ﴿تصدّى﴾ ، ﴿يزكى﴾ ، ﴿يسعى﴾ ، ﴿يخشى﴾

стр. 2417

، ﴿تلهى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل والباقون بالفتح. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع من العاتب عليه وعن معاودة مثله. فإن قيل: ما فعله ابن أمّ مكتوم كان يستحق عليه التأديب والزجر، فكيف عاتب الله تعالى رسوله ﷺ على تأديبه، لأنه وإن كان أعمى فقد سمع مخاطبته ﷺ لأولئك الكفار، وكان بسماعه يعرف شدّة اهتمام النبيّ ﷺ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﷺ لغرض نفسه قبل تمام كلام النبيّ ﷺ معصية عظيمة، وأيضاً فإنّ الأهمّ يقدّم على المهمّ، وكان قد أسلم وتعلم ما يحتاج من أمر الدين، وأما أولئك الكفار فلم يكونوا أسلموا، وكان إسلامهم سبباً لإسلام غيرهم، فكان كلام ابن أمّ مكتوم كالسبب في قطع ذلك الخير العظيم لغرض قليل، وذلك يحرم أيضاً. فإنّ الله تعالى ذمّ الذين ينادونه من وراء الحجرات بمجرّد ندائهم، فهذا النداء الذي هو كالصارف للكفار عن الإيمان أولى أن يكون ذنباً، وأيضاً فمع هذا الاعتناء كيف لقب بالأعمى، وأيضاً فالنبيّ ﷺ له أن يؤدّب أصحابه بما يراه مصلحة، والتعبيس من ذلك القبيل؟ أجيب: بأنّ ما فعله ابن أمّ مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالماً بأنّ النبيّ ﷺ مشغولاً بغيره وأنه يرجو إسلامهم، ولكنه لم يعلم بذلك. وأيضاً الله إنما عاتبه على ذلك حتى لا تنكسر قلوب الضعفاء، أو ليعلم أنّ المؤمن الفقير خير من الغنيّ الكافر. وقال ابن زيد: إنما عبس النبيّ ﷺ لابن أمّ مكتوم وأعرض عنه لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه فدفعه ابن أمّ مكتوم وأبى إلا أن يتكلم مع النبيّ ﷺ فكان في هذا نوع جفاء منه، ومع هذا نزل في حقه ذلك، وأما ذكره بلفظ الأعمى فليس للتحقير بل كان بسبب عماه يستحق أن يزيده تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً، ولقد تأدب الناس بأدب الله تعالى في هذا تأدباً حسناً، فقد روي عن سفيان الثوري ﵁: أنّ الفقراء كانوا بمجلسه أمراء، وأما كونه ﷺ كان مأذوناً له في تأديب أصحابه فلأنّ تقديمهم ربما يوهم ترجيح تقديم الأغنياء على الفقراء فلهذا السبب عوتب. قال الحسن ﵁: لما تلا جبريل ﵇ على النبيّ ﷺ هذه الآيات عاد وجهه كأنما نسف فيه الرماد ينتظر ما يحكم الله تعالى عليه فلما قال: ﴿كلا﴾ سرّي عنه أي: لا تفعل مثل ذلك، وقد بينا نحن أنّ ذلك محمول على ترك الأولى. ثم قال الله تعالى: ﴿إنها﴾ أي: هذه السورة. وقال مقاتل ﵁: آيات القرآن. وقيل: القرآن، وأنثه لتأنيث خبره وهو قوله تعالى: ﴿تذكرة﴾ أي: عظة للخلق يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها. ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: كان حافظاً له غير ناس، وذكر الضمير لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ. ثم إنّ الله تعالى أخبر عن جلالة ذلك عنده فقال سبحانه ﴿في صحف﴾ أي: منتسخة من اللوح المحفوظ، وقيل: هي كتب الأنبياء ﵈، دليله قوله تعالى: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى﴾ (الأعلى، الآيتان: ١٨ ـ ١٩) . ﴿مكرمة﴾ أي: عند الله تعالى. ﴿مرفوعة﴾ أي: في السماء السابعة أو مرفوعة المقدار ﴿مطهرة﴾ أي: منزهة عن أيدي الشياطين لا يمسها إلا أيدي ملائكة كرام مطهرين. كما قال تعالى: ﴿بأيدي سفرة﴾ أي: كتبة ينسخونها من اللوح المحفوظ وهم الملائكة الكرام الكاتبون

стр. 2418

واحدهم سافر يقال: سفرت، أي: كتبت، ومنه قيل للكتاب: سفر وجمعه أسفار. وقيل: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم بالصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم. ثم أثنى تعالى عليهم بقوله سبحانه: ﴿كرام﴾ أي: على الله تعالى وروى الضحاك عن ابن عباس ﵄ في كرام قال: مكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إلا إذا خلا بزوجته أو برز لغائط وقيل: يؤثرون منافع غيرهم على منافع أنفسهم. وقوله: ﴿بررة﴾ جمع بارّ كساحر وسحرة وفاجر وفجرة، والبارّ هو الصادق المطيع. ومنه برّ فلان في يمينه أي: صدق، وفلان يبر خالقه أي: يطيعه. فمعنى بررة مطيعين صادقين لله تعالى في أعمالهم. ولما ذكر تعالى ترفع صناديد قريش على فقراء المسلمين عجب عباده المؤمنين من ذلك فقال سبحانه. ﴿قتل الإنسان﴾ أي: لعن الكافر، وقوله تعالى: ﴿ما أكفره﴾ استفهام توبيخ، أي: ما أشدّ تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك مما حمله على الكفر. وقوله تعالى: ﴿من أي شيء خلقه﴾ استفهام تقرير. ﴿ ﴿ ثم بينه بقوله تعالى: ﴿من نطفة﴾ أي: ماء يسير جدّاً لا من غيره. ﴿خلقه﴾ أي: أوجده مقدّراً على ما هو عليه من التخطيط ﴿فقدّره﴾ أي: علقة ثم مضغة إلى آخر خلقه فكأنه قيل: وأي سبب في هذا الترفع مع أنّ أوّله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين الوقتين حامل عذرة، فإنّ خلقة الإنسان تصلح أن يستدل بها على وجود الصانع؛ لأنه يستدل بها على أحوال البعث والحشر. قيل: نزلت في عتبة بن أبي لهب والظاهر العموم. فإن قيل: الدعاء على الإنسان إنما يليق بالعاجز فالقادر على الكل كيف يليق به ذلك، والتعجب أيضاً إنما يليق بالجاهل بسبب الشيء، فالعالم به كيف يليق به ذلك؟ أجيب: بأنّ ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقهم لأعظم العقاب حيث أتوا بأعظم القبائح. كقولهم إذا تعجبوا من شيء: قاتله الله ما أحسنه، وأخزاه الله ما أظلمه، والمعنى: اعجبوا من كفر الإنسان بجميع ما ذكرنا بعد هذا. وقيل: الاستفهام استفهام تحقير له فذكر أوّل مراتبه وهو قوله تعالى: ﴿من نطفة خلقه﴾ ولا شك أنّ النطفة شيء حقير مهين، ومن كان أصله ذلك كيف يتكبر وقوله تعالى: ﴿فقدّره﴾ أي: أطواراً وقيل: سوّاه كقوله تعالى: ﴿ثم سوّاك رجلاً﴾ (الكهف: ٣٧) أو قدّر كل عضو في الكيفية والكمية بالقدر اللائق لمصلحته كقوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقدّره تقديراً﴾ (الفرقان: ٢) ثم ذكر المرتبة الوسطى بقوله تعالى: ﴿ثم﴾ بعد انتهاء المدّة ﴿السبيل﴾ أي: طريق خروجه من بطن أمّه ﴿يسره﴾ أي: سهل له أمره في خروجه بأن فتح له الرحم وألهمه الخروج منه، ولا شك أنّ خروجه من أضيق المسالك من أعجب العجائب يقال: إنه كان رأسه في بطن أمّه من فوق ورجلاه من تحت، فإذا جاء وقت الخروج انقلب فمن الذي أعطاه ذلك الإلهام المراد، ومنه قوله تعالى: ﴿وهديناه النجدين﴾ (البلد: ١٠) أي: التمييز بين الخير والشرّ. وروي عن ابن عباس ﵄ قال: سبيل الشقاء والسعادة. وقال ابن زيد: سبيل الإسلام. قال أبو بكر بن طاهر: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدر عليه لقوله ﷺ «كل ميسر لما خلق له» . ثم ذكر المرتبة الأخيرة بقوله تعالى: ﴿ثم أماته﴾ وأشار إلى إيجاب المبادرة بالتجهيز بالفاء المعقبة في قوله تعالى: ﴿فأقبره﴾ أي: جعله في قبر يستره إكراماً له، ولم يجعله ممن يلقى على وجه الأرض تأكله الطير وغيرها. ﴿ثم إذا شاء أنشره﴾ أي: أحياه بعد موته للبعث، ومفعول شاء

стр. 2419

محذوف أي: شاء إنشاره وأنشره جواب إذا، وقرأ قالون وأبو عمرو البزي بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وسهل الثانية ورش وقنبل ولهما أيضاً إبدالها ألفاً والباقون بتحقيقهما. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع للإنسان عما هو عليه، وقيل: معناها حقاً. قال الأوّل الزمخشري وتبعه البيضاوي، وقال الثاني الجلال المحلي. ﴿لما يقض﴾ أي: يفعل ﴿ما أمره﴾ به ربه من الإيمان وترك التكبر. وقيل: لم يوف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم ﵇. وقيل: المعنى: إن ذلك الإنسان الكافر لم يقض ما أمره به من التأمّل في دلائل الله تعالى والتدبر في عجائب خلقه. ولما كانت عادة الله تعالى جارية في القرآن أنه كلما ذكر دلائل الإنسان ذكر عقبها دلائل الآفاق بدأ من ذلك بما يحتاج إليه الإنسان بقوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان﴾ أي: يوقع النظر التامّ بكل شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ﴿إلى طعامه﴾ أي: الذي هو قوام حياته كيف هيأ له أسباب المعاش ليستعدّ بها للمعاد. قال الحسن ومجاهد: فلينظر إلى طعامه إلى مدخله ومخرجه. وروي عن الضحاك أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ «يا ضحاك، ما طعامك؟» قلت: يا رسول الله، اللحم واللبن، قال: «فشرابك ماذا؟» قلت: الماء قد علمته، قال: «فإن الله تعالى ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلاً للدنيا» . وروي عن ابن عمر أنّ الرجل يدخل الخلاء فينظر ما يخرج منه فيأتيه الملك فيقول انظر إلى ما تحليت به إلام صار. وقرأ ﴿أنا صببنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الماء﴾ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة على أنه بدل اشتمال بمعنى أنّ صب الماء سبب في إخراج الطعام فهو مشتمل عليه بهذا التقدير، أو أنه تقدير لام العلة، أي: فلينظر لأنا ثم حذف الخافض، وقال البغوي: أنا بالفتح على تكرير الخافض مجازه فلينظر إلى أنا وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف تعديداً لنعمه تعالى عليه، وقوله تعالى ﴿صباً﴾ تأكيد، والمراد بالماء المطر. ولما كان الإنسان محتاجاً إلى جميع ما في الوجود ولو نقص منه شيء اختل أمره وبدأ أولاً بالسماوي لأنه أشرف وبالماء الذي هو حياة كل شيء تنبيهاً له على ابتداء خلقه. ثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال تعالى ﴿ثم﴾ أي: بعد مهلة من إنزال الماء ﴿شققنا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿الأرض﴾ أي: بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أضعف الأشياء فكيف بالأرض اليابسة، وقوله تعالى ﴿شقاً﴾ تأكيد. ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له فقال تعالى: ﴿فأنبتنا﴾ أي: بما لنا من القدرة التامة ﴿فيها﴾ أي: بسبب الشق ﴿حباً﴾ أي: قمحاً وشعيراً وسلتاً وسائر ما يحصد ويدخر، وقدّم ذلك لأنه كالأصل في التغذية ﴿وعنباً﴾ وذكره بعد الحب لأنه غذاء من وجه وفاكهة من وجه ﴿وقضباً﴾ قال ابن عباس ﵄: هو الرطب لأنه يقتضب من النخل، أي: يقطع ورجحه بعضهم لذكره بعد العنب لأنهما يقترنان كثيراً، وقيل: القت الرطب، وقيل: كل ما يقضب من البقول لبني آدم، وقيل: هو الرطبة والمقضاب أرضه، سمي بمصدر قضبه إذا قطعه لأنه يقضب مرة بعد أخرى. وقال الحسن: القضب العلف للدواب. ﴿وزيتوناً﴾ وهو ما يعصر منه الزيت يكون فيه حرافة وغضاضة فيه إصلاح المزاج. وقوله تعالى: ﴿ونخلاً﴾ جمع نخلة، وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع المرافقة في الأرض والسقي. وقوله تعالى ﴿وحدائق غلباً﴾ جمع أغلب وغلباء

стр. 2420

كحمر في أحمر وحمراء، أي: بساتين كثيرة الأشجار. والأصل في الوصف بالغلب الرقاب، يقال: رجل أغلب وامرأة غلباء غليظا الرقبة فاستعير. قال عمرو بن معد يكرب: *يمشي بها غلب الرجال كأنهم ... بزل كسين من الكحيل جلالا* وقال مجاهد ومقاتل: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض. وقال ابن عباس ﵄: الطوال. وقيل: غلاظ الأشجار. ﴿وفاكهة﴾ وهي ما تأكله الناس من ثمار الأشجار كالتين والخوخ، قال النووي في منهاجه: ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمّان وأترج ورطب ويابس أي: كالتمر والزبيب، قال: قلت: وليمون ونبق وبطيخ ولب فستق وبندق وغيرها في الأصح. ﴿وأباً﴾ وهو ما تأكله الدواب لأنه يؤب أي: يؤمّ وينتجع إليه. وقال عكرمة: الفاكهة ما يأكله الناس، والأب ما تأكله الدواب، وقيل: التبن. وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سئل عن الأب فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله تعالى ما لا علم لي به. وعن عمر ﵁ أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا عرفنا فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت بيده، ثم قال: هذا لعمر الله التكلف وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدري ما الأبّ، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه. فإن قيل: هذا يشبه النهي عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته؟ أجيب: بأنه لم يذهب إلى ذلك ولكن القوم كانت أكثر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيء من العلم الذي لا يعمل به تكلفاً عندهم، فأراد أنّ الآية مسوقة عندهم في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأب بعض ما أنبته الله تعالى للإنسان متاعاً له أو لإنعامه، فعليك بما هو أهمّ من النهوض بالشكر لله تعالى على ما بين لك، ولم يشكل مما عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له، واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك من مشكلات القرآن. ﴿متاعاً﴾ أي: العشب، أي: منفعة أو تمتيعاً كما تقدّم في السورة قبلها ﴿لكم﴾ أي: الفاكهة ﴿ولأنعامكم﴾ وتقدّم أيضاً في السورة التي قبلها معرفة الأنعام والحكمة في الاقتصار عليها. ولما ذكر تعالى هذه الأشياء وكان المقصود منها ثلاثة: أوّلها: الدلائل الدالة على التوحيد، وثانيها: الدلائل الدالة على القدرة والمعاد. وثالثها: أنّ هذا الإله الذي أحسن إلى عبيده بهذه الأنواع العظيمة من الإحسان لا يليق بالعاقل أن يتمرّد على طاعته وأن يتكبر على عبيده أتبع ذلك بما يكون كالمؤكد لهذه الأغراض وهو شرح أحوال القيامة، فإن الإنسان إذا سمعها خاف فيدعوه ذلك الخوف إلى التأمّل في الدلائل والإيمان بها والإعراض عن الكفر، ويدعوه أيضاً إلى ترك التكبر على الناس وإلى إظهار التواضع فقال تعالى: ﴿فإذا جاءت﴾ أي: كانت ووجدت لأنّ كل ما هو كائن لاقيك وجاء إليك ﴿الصاخة﴾ أي: صيحة القيامة وهي النفخة الثانية التي تصخ الأذن، أي: تصمها لشدّة وقعتها. مأخوذة من صخه بالحجر أي: صكه به. وقال الزمخشري: صخ لحديثه مثل أصاخ فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً، لأنّ الناس يصخون لها. وقال ابن العربي: الصاخة التي تورث الصمم وإنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة كقوله:

стр. 2421

*أصمني سرّهم أيام فرقتهم ... وهل سمعتم بسرّ يورث الصمما* وجواب ﴿إذا﴾ محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿فإذا جاءت الصاخة﴾ أي: اشتغل كل واحد بنفسه. وقوله تعالى: ﴿يوم يفرّ المرء﴾ بدل من إذا ﴿من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته﴾ أي: زوجته ﴿وبنيه﴾ لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئاً كقوله تعالى: ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً﴾ (الدخان: ٤١) ﴿ ﴿ فيفرّ المرء من هؤلاء الذين كان يفرّ إليهم في دار الدنيا ويستجير بهم لكثرة ما يشغله. وبدأ بالأخ لأنه أدناهم رتبة في الحب والذب، ثم بالأمّ لأنها كانت مشاركة له في الإلف ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم للأخ، وهو لها آلف وعليها أحنّ وعليها أرق وأعطف، ثم بالأب لأنه أعظم منها في الإلف لأنه أقرب منها في النوع، وللولد عليه من المعاطفة ما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله، ثم بالصاحبة لأنّ الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد، وكان الإنسان أذب عنها عند الشدائد، ثم بالولد لأنّ له من المحبة والمعاطفة بالسرور والمشاورة في الأمر ما ليس لغيره، ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره. فقدّم أدناهم مرتبة في الحب والذب، فأدناهم على سبيل الترقي وأخر الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في سورة سأل فكأنه قيل: يفرّ المرء من أخيه بل من أمّه بل من أبيه بل من صاحبته بل من بنيه، وقيل: يفرّ منهم حذراً من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ: لم تواسني بمالك، والأبوان: قصرت في برّنا، والصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون: لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل: أوّل من يفرّ من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم ﵇، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح. ولما ذكر الفرار أتبعه سببه فقال تعالى: ﴿لكل امرئ﴾ وإن كان أعظم الناس مروءة ﴿منهم يومئذ﴾ أي: إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام. ﴿شأن﴾ أي: أمر عظيم. وقوله تعالى: ﴿يغنيه﴾ حال، أي: يشغله عن شأن غيره. وعن سودة رضي الله تعالى عنها زوج النبيّ ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ «يبعث الناس حفاة عراة غرلاً ـ أي: بالقلفة ـ قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان» فقلت: يا رسول الله واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال ﷺ «قد شغل الناس ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ » . وقال قتيبة: يغنيه أي: يصرفه عن قرابته، ومنه يقال: أغن عني وجهك أي: اصرفه. وقال أهل المعاني: يغنيه أي: ذلك الهمّ الذي حصل له قد ملأ صدره، فلم يبق فيه متسع لهم آخر، فصار شبيهاً بالغنى في أنه ملك شيئاً كثيراً. ولما ذكر تعالى حال القيامة في الهول بين أنّ المكلفين على قسمين: سعداء وأشقياء فوصف سبحانه السعيد بقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ﴾ أي: إذ كان ما تقدّم من الفرار وغيره ﴿مسفرة﴾ أي: مضيئة متهللة من أسفر الصبح إذا أضاء. وعن ابن عباس: من قيام الليل لما روي في الحديث «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهارِ» . وعن الضحاك من آثار الوضوء. وقيل: من طول ما اغبرّت في سبيل الله تعالى. ﴿ضاحكة﴾ أي: مسرورة فرحة. قال الكلبيّ: يعني بالفراغ من الحساب ﴿مستبشرة﴾ أي: بما آتاها الله تعالى من الكرامة. ثم وصف الشقيّ بقوله تعالى: ﴿ووجوه يومئذ﴾ أي: إذ وجد ما ذكر. ﴿عليها غبرة﴾ أي: غبار. ﴿ترهقها﴾ أي: تعلوها ﴿قترة﴾ أي: سواد كالدخان ولا يرى أوحش من

стр. 2422

اجتماع الغبرة والسواد في الوجه كما يرى في وجوه الزنوج إذا اغبرّت. ﴿أولئك﴾ أي: البعداء البغضاء الذين يصنع بهم هذا ﴿هم﴾ أي: خاصة ﴿الكفرة الفجرة﴾ جمع الكافر والفاجر وهو الكاذب والمفتري على الله تعالى فجمع تعالى إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري إنه ﷺ قال: «من قرأ سورة عبس وتولى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» حديث موضوع، وكان من حق البيضاوي أن لا يعبر بقال بل بعن كالزمخشري أو نحوها، ويأتي مثله في نظائره. سورة التكوير مكية وهي تسع وعشرون آية ومائة وأربع كلماتوأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي أحاط علمه بالكائنات ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ وجوده سائر البريات ﴿الرحيم﴾ الذي خص حزبه بنعيم الجنات. واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إذا الشمس﴾ أي: التي هي أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها للحس ﴿كوّرت﴾ فقال ابن عباس: أظلمت. وقال قتادة: ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير: غوّرت. وقال مجاهد: اضمحلت. وقال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كرت العمامة على رأسي أكوّرها كوراً، وكورتها تكويراً إذا لففتها، وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، فمعناه أنّ الشمس يجمع بعضها إلى بعض، ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها. قال ابن عباس: يكوّر الله تعالى الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحاً دبوراً فتضرمها فتصير ناراً. وعن أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ قال: «الشمس والقمر يكوّران يوم القيامة» . تنبيه: ارتفاع الشمس على الفاعلية ورافعها فعل مضمر يفسره كوّرت؛ لأن إذا تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط. ﴿وإذا النجوم﴾ أي: كلها كبارها وصغارها ﴿انكدرت﴾ أي: انقضت وتساقطت على الأرض. قال تعالى: ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ والأصل في الانكدار الانصباب. قال العجاج في مدحه لعمرو بن معديكرب: ﴿ ﴿ *إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... تقضي البازي إذا البازي كسر *أبصر خربان فضاء فانكدر* أي: فانقض وسقط، والخربان جمع خرب وهو ذكر الحبارى، والباع يستعمل في الكرم، يقال: فلان كريم الباع؛ والمعنى: أنّ الكرام إذا ابتدروا فعل المكرمات بدرهم عمرو، أي: أسرع كانقضاض البازي. وروي عن ابن عباس أنّ النجوم قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من نور بأيدي الملائكة ﵈، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض تساقطت تلك الكواكب من أيدي الملائكة، لأنه مات من كان يمسكها. ﴿وإذا الجبال﴾ التي هي في العالم السفلي كالنجوم في العالم العلوي، وهي أصلب ما في الأرض. ﴿سيرت﴾ أي: ذهب بها عن وجه الأرض فصارت هباء منبثاً، وصارت الأرض قاعاً صفصفاً. ﴿وإذا العشار﴾ أي: النوق الحوامل جمع عشراء كالنفاس جمع نفساء، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى

стр. 2423

أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما يكون عند أهلها. روي أنه ﷺ «مرّ في أصحابه بعشار من النوق فغض بصره، فقيل له: هذه أنفس أموالنا فلم لا تنظر إليها؟ فقال: قد نهاني الله عن ذلك ثم تلا: ﴿ولا تمدّنّ عينيك﴾ (الحجر: ٨٨) الآية» . ﴿عطلت﴾ أي: تركت مسيبة مهملة بلا راع، أو عطلها أهلها عن الحلب والصر لاشتغالهم بأنفسهم، أو السحاب عطلت عن المطر والعرب تشبه السحاب بالحامل، والأوّل على وجه المثل لأنّ في القيامة لا تكون ناقة عشراء، والمعنى: أنّ يوم القيامة بحالة لو كان للرجل ناقة عشراء لعطلها واشتغل بنفسه. ﴿وإذا الوحوش﴾ أي: دواب الأرض التي لا تأنس بأحد التي تظن أنها لا عبرة بها ولا التفات إليها فما ظنك بغيرها ﴿حشرت﴾ أي: جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض ثم تصير تراباً. قال قتادة: يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. وقيل: إذا قضي بينها ردّت تراباً فلا يبقى منه إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه. وعن ابن عباس حشرها موتها، يقال إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم: حشرتهم السنة. وقرأ ﴿وإذا البحار سجرت﴾ أي: على كثرتها ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الجيم والباقون بتشديدها. قال ابن عباس: أوقدت فصارت ناراً تضطرم. وقال مجاهد: فجر بعضها في بعض العذب والملح، فصارت البحار كلها بحراً واحداً. وقال القشيري: يرفع الله تعالى الحاجز الذي ذكره، فإذا رفع ذلك البزرخ تفجرت مياه البحار فعمت الأرض كلها وصارت بحراً واحداً. وروى أبو العالية عن أبيّ بن كعب قال: ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم؛ إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فتحرّكت واضطربت وفزعت الجنّ إلى الإنس والإنس إلى الجنّ، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض فذلك قوله تعالى: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ أي: اختلطت ﴿وإذا البحار سجرت﴾ قال الجنّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تتأجج. قال: فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم. وعن ابن عباس قال: هي اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة، وهي ما ذكر من بعد. ﴿وإذا النفوس﴾ أي: من كل ذي نفس من الناس وغيرهم ﴿زوّجت﴾ أي: قرنت بأجسادها، وروي أنّ عمر سئل عن هذه الآية، فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار. وقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرىء بشيعته، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى. وقال عطاء: زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الشياطين بالكافرين. ﴿وإذا الموؤدة﴾ أي: الجارية المدفونة حية. كان الرجل في الجاهلية إذ ولد له بنت، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمّها: طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيذهب بها إلى البئر، فيقول لها: انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي بالأرض. وقال ابن عباس: كانت الحامل

стр. 2424

إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإذا ولدت ولداً حبسته. وكانوا يفعلون ذلك لخوف لحوق العار بهم من أجلهنّ، أو الخوف من الإملاق، كما قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ (الأنعام: ١٥١) وكانوا يقولون: إنّ الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهنّ، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد وفيه افتخر الفرزدق في قوله: *ومنا الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم توءد* ﴿سئلت بأيّ﴾ أي: بسبب أيّ ﴿ذنب﴾ يا أيها الجاهلون ﴿قتلت﴾ أي: استحقت به عندكم القتل، وهي لم تباشر سوءاً لكونها لم تصل إلى حدّ التكليف. فإن قيل: ما معنى سؤالها عن ذنبها الذي قتلت به، وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟ أجيب: بأن سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ (المائدة: ١١٦) . وروي أنّ قيس بن عاصم «جاء إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، إني وأدت ثمان بنات كنّ لي في الجاهلية. فقال ﷺ أعتق عن كل واحدة منهنّ رقبة. قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل؟ فقال له ﷺ أهد عن كل واحدة منهنّ بدنة إن شئت» . وروي أنه ﷺ قال: «إنّ المرأة التي تقتل ولدها تأتي يوم القيامة متعلقاً ولدها بيدها ملطخاً بدمائه فيقول: يا رب هذه أمّي وهذه قتلتني» . ﴿وإذا الصحف نشرت﴾ أي: فتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال العباد من خير وشر تطوى بالموت، وتنشر في القيامة، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول: ﴿ما لهذا الكتاب لا يغادر صغير ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ (الكهف: ٤٩) . وروي عن عمر أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وروي أنه ﷺ قال: «يحشر الناس حفاة عراة» فقالت أمّ سلمة: كيف بالنساء؟ فقال: «شغل الناس يا أمّ سلمة» . قالت: وما يشغلهم، قال: «نشر الصحف فيها مثاقيل الذر، ومثاقيل الخردل» . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بتخفيف الشين والباقون بتشديدها على تكرير النشر للمبالغة في تقريع العاصي وتبشير المطيع وقيل لتكرير ذلك من الإنسان. ﴿ ﴿ ﴿وإذا السماء﴾ أي: هذا الجنس كله أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه القدرة على الباقي. ﴿كشطت﴾ أي: نزعت عن أماكنها كما ينزع الجلد عن الشاة والغطاء عن الشيء. قال القرطبي: يقال: كشطت البعير كشطاً نزعت جلده ولا يقال سلخت لأنّ العرب لا تقول في البعير إلا كشطته أو جلدته، والمعنى: أزيلت عما فوقها. وقال القرطبي: طويت. ﴿وإذا الجحيم﴾ أي: النار الشديدة التأجج ﴿سعرت﴾ أي: أججت فأضرمت للكفار وزيد في إحمائها يقال سعرت الناء وأسعرتها. روي أنه ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة» واحتج بهذه الآية من قال: النار مخلوقة الآن لأنه يدل على أنّ سعيرها معلق بيوم القيامة. وقرأ نافع وابن ذكوان وعاصم بتشديد العين والباقون بتخفيفها. ﴿وإذا الجنة﴾ أي: البستان

стр. 2425

ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة ﴿أزلفت﴾ أي: قرّبت لأهلها ليدخلوها. قال الحسن: إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها. وقال عبد الله بن زيد: زينت والزلفى في كلام العرب القربة. وقوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ جواب إذا أوّل السورة وما عطف عليها، أي: علمت كل نفس من النفوس وقت هذه المذكورات وهو يوم القيامة، فالتنكير فيه مثله في تمرة خير من جرادة، ودلالة هذا السياق للهول على ذلك يوجب اليقين فيه ﴿ما﴾ أي: كل شيء ﴿أحضرت﴾ من خير وشر. روي عن ابن عباس وعمر أنهما قرأا فلما بلغا ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ قالا: لهذا أجريت القصة. قال الرازي: ومعلوم أنّ العمل لا يمكن إحضاره فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها، أو ما أحضرته عند المحاسبة وعند الميزان من آثار تلك الأعمال. وعن ابن مسعود: أنّ قارئاً قرأها عنده، فلما بلغ ﴿علمت نفس ما أحضرت﴾ قال: واقطع ظهراه. ﴿فلا أقسم﴾ لا مزيدة، أي: أقسم ﴿بالخنس الجوار الكنس﴾ هي النجوم الخمسة زحل والمشتري والمرّيخ والزهرة وعطارد تخنس بضم النون، أي: ترجع في مجراها وراءها بينا نرى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوّله، وتكنس بكسر النون تدخل في كناسها، أي: تغيب في المواضع التي تغيب فيها فخنوسها رجوعها، وكنوسها اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل: هي جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل، أي: تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها. ﴿والليل﴾ أي: الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها وذهاب كنوسها ﴿إذا عسعس﴾ قال البغوي: قال الحسن: أقبل بظلامه. وقال آخرون: أدبر، تقول العرب عسعس الليل وسعسع إذا أدبر، ولم يبق منه إلا القليل. ﴿والصبح إذا تنفس﴾ أي: امتدّ حتى يصير نهاراً بيناً، يقال للنهار إذا زاد تنفس، ومعنى التنفس: خروج النسيم من الجوف، وفي كيفية المجاز قولان: الأوّل: أنه إذا أقبل الصبح أقبل بإقباله روح ونسيم، فجعل ذلك نفساً له على المجاز، فقيل: تنفس الصبح. الثاني: أنه شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي حبس بحيث لا يتحرّك، فإذا تنفس وجد راحة فهنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن، فعبر عنه بالتنفس. وقوله تعالى: ﴿إنه﴾ أي: القرآن ﴿لقول رسول كريم﴾ هو المقسم عليه، والمعنى: أنه لقول رسول عن الله تعالى كريم على الله تعالى، أي: انتفت عنه وجوه المذامّ كلها، وثبت له وجوه المحامد كلها، وهو جبريل ﵇. وأضاف الكلام إليه لأنه قاله عن الله . ﴿ذي قوّة﴾ أي: شديد القوى. روى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: من قوّته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأبصر إبليس يكلم عيسى ﵇ على بعض عقاب الأرض المقدّسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى أقصى جبل بالهند، وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، ويهبط من السماء إلى الأرض ويصعد في أسرع من الطرف. ﴿عند ذي العرش﴾ أي: الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عند في الحقيقة إلا له، وهو الله . وقوله تعالى: ﴿مكين﴾ أي: ذي مكانة متعلق به عند، أي: ذي منزلة ومكانة ليس عندية جهة بل عندية إكرام وتشريف كقوله تعالى: «أنا عند المنكسرة قلوبهم» وقيل: قويّ في أداء طاعة الله تعالى وترك الإخلال بها. ﴿مطاع ثمّ﴾ أي: في السموات.

стр. 2426

قال الحسن: فرض الله تعالى على أهل السموات طاعة جبريل ﵇ كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد ﷺ قال ابن عباس: «من طاعة جبريل ﵇ الملائكة أنه لما أسري بالنبيّ ﷺ قال جبريل ﵇ لرضوان خازن الجنان: افتح له ففتح فدخلها فرأى ما فيها» . ﴿أمين﴾ أي: بليغ الأمانة على الوحي الذي يجيء به. وقيل: الرسول هو محمد ﷺ فالمعنى حينئذ: ذي قوة على تبليغ الوحي ﴿مطاع﴾ أي: يطيعه من أطاع الله تعالى. ﴿وما صاحبكم﴾ أي: الذي طالت صحبته لكم، وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى إنه ليس له وصف عندكم إلا الأمين، وهو محمد ﷺ وهذا عطف على أنه إلى آخر المقسم عليه. وأغرق في النفي فقال تعالى: ﴿بمجنون﴾ أي: كما زعمتم يتهم في قوله: ﴿بل جاء بالحق وصدّق المرسلين﴾ (الصافات: ٣٧) فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون، ولا قول متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكمل. ﴿ ﴿ تنبيه: استدلّ بذلك بعضهم على فضل جبريل ﵇ على محمد ﷺ حيث عدّ فضائل جبريل ﵇ واقتصر على نفي الجنون عن النبيّ ﷺ وهو كما قال البيضاوي: ضعيف؛ إذ المقصود منه نفي قولهم إنما يعلمه بشر، وقولهم افترى على الله كذباً، وقولهم أم به جنة لا تعديد فضله والموازنة بينهما. ﴿ولقد رآه﴾ أي: رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵇ على صورته التي خلق عليها، وله ستمائة جناح. ﴿بالأفق المبين﴾ أي: البين، وهو الأفق الأعلى الذي عند سدرة المنتهى حيث لا يكون لبس أصلاً، ولا يكون للشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق المعرفة. وقال مجاهد وقتادة: بالأفق الأعلى من ناحية المشرق. وعن ابن عباس «أنّ النبيّ ﷺ قال لجبريل ﵇: «إني أحب أن أراك على صورتك التي تكون فيها في السماء» قال: لن تقوى على ذلك، قال: «بلى» . قال: فأين تشاء أن أتخيل لك، قال: «بالأبطح» . قال: لا يسعني، قال: «فبمنى» . قال: لا تسعني. قال: «فبعرفات» . قال ذلك بالحري أن يسعني، فواعده فخرج النبيّ ﷺ للوقت، فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبل عرفات بخشخشة وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبيّ ﷺ خرّ مغشياً عليه، قال: فتحوّل جبريل عن صورته فضمه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف فكيف لو رأيت إسرافيل، ورأسه تحت العرش ورجلاه في التخوم السابعة، وإنّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً من مخافة الله تعالى حتى يصير مثل الوصع ـ يعني: العصفور ـ حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته. وقيل: إنّ محمداً ﷺ رأى ربه بالأفق المبين، وهو قول ابن مسعود وقد مرّ ذلك في سورة النجم. ﴿وما﴾ أي: وسمعه ورآه والحال أنه ما ﴿هو﴾ أي: محمد ﷺ ﴿على الغيب﴾ أي: ما غاب من الوحي وخبر السماء، ورؤية جبريل وغير ذلك مما أخبر به. وقرأ ﴿بنين﴾ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء المشالة من الظنة، وهي التهمة، أي: فليس بمتهم، والباقون بالضاد موافقة للمرسوم من الضن وهو البخل، أي: فليس ببخيل بالوحي فيزوي بعضه، أو يسأل تعليمه فلا يعلمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلواناً وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبيّ بالضاد، وكان ﷺ يقرأ

стр. 2427

بهما. قال الزمخشري: وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما لا بدّ منه للقارئ، فإنّ أكثر العجم لا يفرقون بين الحرفين وإن فرقوا ففرقاً غير صواب، وبينهما بون بعيد، فإنّ مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، وكان عمر بن الخطاب أضبط يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين. وأمّا الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء، ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان، واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب. فإن قلت: فإن وضع المصلي أحد الحرفين مكان صاحبه، قلت: هو كوضع الذال مكان الجيم والثاء مكان السين لأنّ التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما اه. كلامه بحروفه. ﴿وما هو﴾ أي: القرآن الذي من جملة معجزاته الإخبار بالمغيبات. وأغرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال تعالى: ﴿بقول شيطان﴾ أي: مسترق للسمع فيوحيه إليه كما يوحيه إلى بعض الكهنة ﴿رجيم﴾ أي: مرجوم مطرود بعيد من الرحمة، وذلك أنّ قريشاً كانوا يقولون: إنّ هذا القرآن يجيء به شيطان فيلقيه على لسانه، يريدون بالشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبيّ ﷺ في صورة جبريل يريد أن يفتنه، فنفى الله تعالى ذلك. وقوله تعالى: ﴿فأين﴾ منصوب بقوله تعالى: ﴿تذهبون﴾ لأنه ظرف مبهم، وقال أبو البقاء: أي إلى أين فحذف الجار، أي: فأيّ طريق تسلكون في إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه، وفي هذا استضلال لهم فيما يسلكون من أمر النبيّ ﷺ والقرآن كقولك لتارك الجادّة أين تذهب. ﴿إن﴾ أي: ما ﴿هو﴾ أي: القرآن الذي آتاكم به الرسول ﴿إلا ذكر﴾ أي: عظة وشرف ﴿للعالمين﴾ من إنس وجنّ وملك. وقوله تعالى: ﴿لمن شاء منكم﴾ بدل من العالمين بإعادة الجار ﴿أن يستقيم﴾ باتباع الحق. قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، وهذا هو القدر وهو رأس القدرية فنزل ﴿وما تشاؤون﴾ الاستقامة على الحق ﴿إلا أن يشاء الله﴾ أي: إلا وقت أن يشاء الملك الأعظم الذي بيده كل شيء مشيئتكم الاستقامة عليه ﴿رب العالمين﴾ أي: مالك الخلق. وفي هذا إعلام أنّ أحداً لا يعمل خيراً إلا بتوفيق الله تعالى، ولا شراً إلا بخذلانه. ونقل البغوي في أوّل السورة بإسناده إلى ابن عمر ﵄: أنه ﷺ قال: «من أحب أن ينظر في يوم القيامة فليقرأ ﴿إذا الشمس كوّرت﴾ » . وأمّا قول البيضاوي تبعاً للزمخشري إنه ﷺ قال: «من قرأ سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حسن تنشر صحيفته» . فحديث موضوع. سورة الانفطار مكية وهي تسع عشرة آية وثمانون كلمة وثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي خلق كل شيء فقدّره تقديراً ﴿الرحمن﴾ الذي دبر الكائنات تدبيراً ﴿الرحيم﴾ الذي أرسل رسوله للخلق نذيراً. ﴿إذا السماء﴾ أي: على شدّة إحكامها واتساقها وارتفاعها ﴿انفطرت﴾

стр. 2428

أي: انشقت لنزول الملائكة كقوله تعالى: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ (الفرقان: ٢٥) ﴿وإذا الكواكب﴾ أي: النجوم الصغار والكبار كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير ﴿انتثرت﴾ أي: تساقطت متفرّقة؛ لأنّ عند انتقاض تركيب السماء تنتثر النجوم على الأرض. ﴿وإذا البحار﴾ المتفرّقة في الأرض وهي ضابطة لها أتم ضبط لنفع العباد على كثرتها ﴿فجرت﴾ أي: فتح بعضها في بعض فاختلط العذب بالملح وزال البرزخ الذي بينها فصارت البحار بحراً واحداً وروي أنّ الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار فتصير مستوية. وهو معنى التسجير عند الحسن في قوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ (التكوير: ٦٠) وقال هنا: فجرت بغت. ﴿وإذا القبور﴾ أي: مع ذلك كله ﴿بعثرت﴾ أي: قلبت، يقال: بعثره وبحثره بالعين والحاء. قال الزمخشري: وهما مركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما، أي: فهما بمعنى، والمعنى: قلب أعلاها أسفلها وقلب باطنها ظاهرها، وخرج ما فيها من الموتى أحياء، وقيل: التبعثر إخراج ما في بطنها من الذهب والفضة، ثم تخرج الموتى بعد ذلك، وجواب إذا أوّل السورة وما عطف عليه. ﴿ ﴿ ﴿علمت نفس﴾ أي: كل نفس وقت هذه المذكورات، وهو يوم القيامة ﴿ما قدّمت﴾ من عمل ﴿وأخرت﴾ أي: جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما. فإن قيل: أي وقت من القيامة يحصل هذا العلم. قال الرازي: أمّا العلم الإجمالي فيحصل في أوّل زمان الحشر؛ لأنّ المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أوّل الأمر، وأمّا العلم التفصيلي، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان﴾ أي: البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه خطاب لمنكري البعث. وروى عطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في أبي الشريق ضرب النبي ﷺ فلم يعاقبه الله تعالى في أوّل أمره. وقيل: تتناول جميع العصاة لأنّ الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ﴿ما غرّك بربك﴾ أي: ما خدعك وسوّل لك الباطل حتى تركت ما أوجب عليك المحسن إليك وأتيت بالمحرّمات ﴿الكريم﴾ أي: الذي له الكمال كله المقتضي لأن لا يهمل الظالم ولا يسوى بين المحسن والمسيء، هذا إذا حملنا الإنسان على جميع العصاة، فإن حملناه على الكافر وهو ظاهر الآية فالمعنى: ما الذي دعاك إلى الكفر وإنكار الحشر والنشر. فإن قيل: كونه كريماً يقتضي أن يغترّ الإنسان بكرمه لأنه جواد مطلق، والجواد الكريم يستوي عنده طاعة المطيع وعصيان المذنب، وهذا يوجب الاغترار كما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه صيح بغلام له مرّات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب فقال له: لم لا تجيبني؟ فقال: لثقتي بحلمك وأمني عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. وقالوا أيضاً: من كرم ساء أدب غلمانه. وإذا ثبت أنّ كرمه يقتضي الاغترار به فكيف جعله ههنا مانعاً من الاغترار؟ أجيب: بأنّ حق الإنسان أن لا يغتر بكرم الله تعالى عليه حيث خلقه حياً، وتفضل عليه فهو من كرمه لا يعاجل بالعقوبة بسطاً في مدّة التوبة، وتأخيراً للجزاء إلى أن يجمع الناس للجزاء فالحاصل أنّ تأخير العقوبة لأجل الكرم، وذلك لا يقتضي الاغترار بهذا التفضيل فإنه منكر خارج عن حدّ الحكمة، ولهذا قال رسول الله ﷺ لما تلاها: «غرّه جهله» . وقال عمر: غرّه حمقه وجهله. وقال الحسن:

стр. 2429

غرّه والله شيطانه الخبيث، أي: زين له المعاصي. وقال له: افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلاً، وهو متفضل عليك آخراً حتى ورّطه. وقيل للفضيل بن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك: ﴿ما غرّك بربك الكريم﴾ ماذا تقول له؟ قال: أقول غرّني ستورك المرخاة، وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر وليس باعتذار كما يظنه الطماع، ويظنّ به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم أنما قال ﴿بربك الكريم﴾ دون سائر صفاته ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرّني كرم الكريم. وقال مقاتل: غرّه عفو الله حيث لم يعاقبه أوّل مرّة. وقال السدي: غرّه رفق الله تعالى به. وقال قتادة: سبب غرور ابن آدم تسويل الشيطان. وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله تعالى به يوم القيامة فيقول: ما غرّك بي يا ابن آدم؟ ماذا عملت فيما علمت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ ﴿الذي خلقك﴾ أي: أوجدك من العدم مهيأ بتقدير الأعضاء ﴿فسوّاك﴾ عقب تلك الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل ﴿فعدلك﴾ أي: جعل كل شيء من ذلك سليماً مودعاً فيه قوّة المنافع التي خلقه الله تعالى لها. تنبيه: قوله تعالى: ﴿الذي﴾ يحتمل الإتباع على البدل والبيان والنعت والقطع إلى الرفع والنصب. واعلم أنه لما وصف نفسه بالكرم ذكر هذه الأمور الثلاثة كالدلالة على تحقيق ذلك الكرم فقوله سبحانه ﴿الذي خلقك﴾ أي: بعد أن لم تكن لا شك أنه كرم لأنه وجود، والوجود خير من العدم، والحياة خير من الموت. كما قال تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ (البقرة: ٢٨) وقوله تعالى: ﴿فسوّاك﴾ أي: جعلك مستوي الخلقة سالم الأعضاء غاية في الكرم كما قال تعالى: ﴿أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سوّاك رجلاً﴾ (الكهف: ٣٧) أي: معتدل الخلق والأعضاء. وقال ذو النون المصري: أي: سخر لك المكوّنات أجمع، وما جعلك مسخراً لشيء منها، ثم أنطق لسانك بالذكر وقلبك بالعقل وروحك بالمعرفة ومدّك بالإيمان وشرفك بالأمر والنهي، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلاً. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد، بمعنى جعلك متناسب الأطراف فلم يجعل إحدى يديك أو رجليك أطول، ولا إحدى عينيك أوسع فهو من التعديل. وهو كقوله تعالى: ﴿بلى قادرين على أن نسوّي بنانه﴾ (القيامة: ٤) . وقال عطاء عن ابن عباس: جعلك قائماً معتدلاً حسن الصورة لا كالبهيمة المنحنية. وقال أبو علي الفارسي: عدلك خلقك في أحسن تقويم مستوياً على جميع الحيوان والنبات، وواصلاً في الكمال إلى ما لم يصل إليه شيء من أجسام هذا العالم. وأمّا قراءة التخفيف فتحتمل هذا أي: عدل بعض أعضائك ببعض ويحتمل أن يكون من العدول، أي: صرفك إلى ما شاء من الهيئات والأشكال. ونقل القفال عن بعضهم: أنهما لغتان بمعنى واحد. ﴿في أيّ صورة﴾ أي: من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من الدواب والطيور وغير ذلك من الحيوان وغيره، وما في قوله تعالى: ﴿ما شاء﴾ مزيدة، وفي أيّ متعلق بركب في قوله تعالى ﴿ركبك﴾ أي: ركبك في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح والطول والقصر والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه. فإن قيل: هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟ أجيب: بأنها بيان لعدلك ويجوز أن تتعلق بمحذوف، أي: ركبك حاصلاً في بعض

стр. 2430

الصور، ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق بعدلك ويكون في أي معنى التعجب، أي: فعدلك في صورة عجيبة: ثم قال: ﴿ما شاء ركبك﴾ من التراكيب يعني: تركيباً حسناً. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى والتعلق به، وهو موجب الشكر والطاعة إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية. وقوله تعالى: ﴿بل تكذبون﴾ أي: يا كفار مكة ﴿بالدين﴾ إضراب إلى ما هو السبب الأصلي في اغترارهم والمراد بالدين الجزاء على الأعمال والإسلام. ﴿وإنّ﴾ أي: والحال أنّ ﴿عليكم﴾ أي: ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة ﴿لحافظين﴾ أي: على أعمالكم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير. ﴿كراماً﴾ أي: على الله تعالى ﴿كاتبين﴾ أي: لهذه الأعمال في الصحف كما تكتب الشهود منكم العهود ليقع الجزاء على غاية التحرير. تنبيه: هذا الخطاب وإن كان خطاب مشافهة إلا أنّ الأمّة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين، وقوله تعالى: ﴿حافظين﴾ جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم غير الموكل بالآخر، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة، كما قيل: اثنان بالليل واثنان بالنهار، أو كما قيل: إنهم خمسة. واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة. فقيل: لا لأنّ أمرهم ظاهر وعملهم واحد، قال تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ (الرحمن: ٤١) وقيل: عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿بل تكذبون بالدين وإن عليكم لحافظين﴾ وقوله تعالى: ﴿وأمّا من أوتي كتابه بشماله﴾ (الحاقة: ٢٥) وقوله تعالى: ﴿وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ (الانشقاق: ١٠) فأخبر أنّ لهم كتاباً وأنّ عليهم حفظة. فإن قيل فأي شيء يكتب الذي عن يمينه ولا حسنة له؟ أجيب: بأنّ الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون صاحبه شاهداً على ذلك وإن لم يكتب. وفي هذه الآية دلالة على أنّ الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف الملائكة بكونهم حافظين كراماً كاتبين. ﴿يعلمون﴾ أي: على التجدد والاستمرار ﴿ما تفعلون﴾ فدل على أنهم يكونون عالمين بها حتى إنهم يكتبونها، فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة، وفي تعظيم الكتبة تعظيم لأمر الجزاء، فإنه عند الله من جلائل الأمور، ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه وفيه إنذار وتهويل للعصاة، ولطف بالمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين. ولما وصف تعالى الكرام الكاتبين لأعمال العباد ذكر أحوال العاملين، وقسمهم قسمين، وبدأ بقسم أهل السعادة. فقال تعالى: ﴿إنّ الأبرار﴾ أي: المؤمنين الصادقين في إيمانهم بأداء فرائض الله تعالى واجتناب معاصيه ﴿لفي نعيم﴾ أي: محيط بهم أبد الآبدين، وهو نعيم الجنة الذي لا نهاية له. ﴿ ﴿ ثم ذكر قسم أهل الشقاوة بقوله تعالى: ﴿وإنّ الفجار﴾ الذي من شأنهم الخروج عما ينبغي الاستقرار فيه من رضا الله تعالى إلى سخطه، وهم الكفار ﴿لفي جحيم﴾ أي: نار محرقة تتوقد غاية التوقد فهم فيها أبد الآبدين. ﴿يصلونها﴾ أي: يدخلونها ويقاسون حرّها ﴿يوم الدين﴾ أي: يوم الجزاء وهو يوم القيامة. ﴿وما هم عنها﴾ أي: الجحيم ﴿بغائبين﴾ أي: مخرجين، ويجوز أن يراد يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك في قبورهم. وقيل: أخبر الله تعالى في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات حالة الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحالة الآخرة التي يجازى فيها، وحالة البرزخ وهو قوله تعالى: ﴿وما هم

стр. 2431

عنها بغائبين﴾ . وروي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله، قال: اعرض عملك على كتاب الله تعالى، فإنك تعلم ما لك عند الله تعالى، قال: فأين أجد ذلك في كتاب الله؟ قال: عند قوله تعالى: ﴿إنّ الأبرار لفي نعيم﴾ الآية.k قال سليمان: فأين رحمة الله تعالى؟ قال: قريب من المحسنين. ثم عظم ذلك اليوم فقال: ﴿وما أدراك﴾ أي: وما أعلمك وإن اجتهدت في تطلب الدراية به ﴿ما يوم الدين﴾ أي: أيّ شيء هو في طوله وهوله وفظاعته وزلزاله. ثم كرره تعجباً لشأنه فقال تعالى: ﴿ثم ما أدراك﴾ أي: كذلك ﴿ما يوم الدين﴾ أي: إنّ يوم الدين الذي بحيث لا تدرك دراية دار كنهه في الهول والشدّة، وكيفما تصوّرته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه. والتكرير لزيادة التهويل. ثم أجمل تعالى القول في وصفه فقال سبحانه: ﴿يوم لا تملك﴾ أي: بوجه من الوجوه في وقت ما ﴿نفس﴾ أي: أيّ نفس كانت ﴿لنفس شيئاً﴾ أي: قل أوجل، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع يوم على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو يوم. وجوّز الزمخشري أن يكون بدلاً مما قبله، يعني: يوم الدين، والباقون بالفتح بإضمار أعني أو اذكر. ﴿والأمر﴾ أي: كله ﴿يومئذ﴾ أي: إذ كان البعث للجزاء ﴿لله﴾ أي: ملك الملوك لا أمر لغيره فيه فلا يملك الله تعالى في ذلك اليوم أحداً شيئاً كما ملكهم في الدنيا. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة وبعدد كل قبر حسنة» . حديث موضوع. سورة المطففين مدنية في قول الحسن وعكرمة ومقاتل. قال مقاتل: وهي أوّل سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية إلا ثمان آيات وهي قوله تعالى: ﴿إن الذين أجرموا﴾ إلى آخرها فهو مكيّ. وقال الكلبي وجابر بن زيد نزلت بين مكة والمدينة، ولعل هذا هو سبب الاختلاف وقال ابن مسعود والضحاك: مكية. وهي ست وثلاثون آية وتسع وتسعون كلمة وسبعمائة وثمانون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي توكل عليه كفاه ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ جوده الأبرار والعصاة ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل طاعته بهداه. ﴿ويل﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، وهو إمّا كلمة عذاب أو هلاك ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة، أو واد في جهنم. وقوله تعالى: ﴿للمطففين﴾ خبره، والتطفيف البخس في الكيل والوزن؛ لأنّ ما يبخس شيء طفيف حقير. قال الزجاج: وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. ﴿ ﴿ وروى ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قدم المدينة، وكانوا من أبخس الناس كيلاً فنزلت فأحسنوا الكيل، فخرج رسول الله ﷺ فقرأها عليهم وقال: «خمس بخمس» قيل: يا رسول الله ما خمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله تعالى عليهم عدوّهم، ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم المطر» . وقال: السدي: قدم رسول الله ﷺ المدينة وبها رجل يعرف بأبي جهينة، ومعه صاعان

стр. 2432

يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فنزلت. وقيل: كان أهل المدينة تجاراً يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة فنزلت. وعن عليّ أنه مرّ برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت كأنه أمر بالتسوية أوّلاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان، وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعاً وكانا مفرّقين في الحرمين، كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون. وعن ابن عمر أنه كان يمرّ بالبائع فيقول: اتق الله وأوف الكيل، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إنّ العرق يلجمهم إلى أنصاف آذانهم. وعن عكرمة أشهد أنّ كل كيال ووزان في النار فقيل له: إن ابنك كيال أو وزان فقال: أشهد أنه في النار. وعن أبيّ: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين. ثم بين تعالى المطففين من هم بقوله تعالى: ﴿الذين إذا اكتالوا﴾ أي: عالجوا الكيل ﴿على الناس﴾ أي: كائنين من كانوا لا يخافون شيئاً، ولا يراعون أحداً بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدناً ﴿يستوفون﴾ أي: إذا كالوا منهم وأبدل على مكان من للدلالة على أن اكتيالهم من الناس اكتيال يضرهم ويتحامل فيه عليهم، ويجوز أن يتعلق على بيستوفون ويقدّم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة، وأمّا أنفسهم فيستوفون لها. وقال الفراء: من وعلى يتعاقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليك فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك فكقوله: استوفيت منك. ﴿وإذا كالوهم﴾ أي: كالوا للناس أي: حقهم، أي: مالهم من الحق ﴿أو وزنوهم﴾ أي: وزنوا لهم فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال القائل: *ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر* وقال آخر: والحريص بصيدك لا الجواد. بمعنى جنيت لك ويصيد لك ويقال: وزنتك حقك، وكلتك طعامك، أي: وزنت لك وكلت لك، ونصحتك ونصحت لك، وكسبتك وكسبت لك والأكمؤ جمع كمأة، والعساقل ضرب منها، وأصله: عساقيل لأنّ واحدها عسقول كعصفور فحذفت الياء للضرورة، وبنات أوبر ضرب من الكمأة رديء. ﴿يخسرون﴾ جواب إذا، وهو يتعدى بالهمزة. يقال: خسر الرجل وأخسرته أنا مفعوله محذوف، أي: يخسرون الناس متاعهم. وقيل: يخسرون أي: ينقصون بلغة فارس أي: ينقصون الكيل أو الوزن. وقوله تعالى: ﴿ألا يظنّ أولئك﴾ أي: الأخساء البعداء الأراذل ﴿أنهم مبعوثون ليوم﴾ أي: لأجله أو فيه، وزاد التهويل بقوله تعالى: ﴿عظيم﴾ إنكاراً وتعجيباً من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة والخردلة. وقيل: الظنّ بمعنى اليقين. وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ يجوز نصبه بمبعوثون، أو بإضمار أعني، أو بدل من محل يوم فناصبه يبعثون ﴿يقوم الناس﴾ أي: من قبورهم ﴿لرب العالمين﴾ أي: الخلائق لأجل أمره وجزائه وحسابه. وعن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: «يوم يقول الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» . وعن المقداد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من

стр. 2433

العباد. حتى تكون قيد ميل أو اثنين ـ قال سليم: لا أدري أي: الميلين يعني: مسافة الأرض أو الميل الذي تكتحل به العين ـ قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه على حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاماً، فرأيت رسول الله ﷺ وهو يشير بيده إلى فيه يقول: ألجمه إلجاماً» . وعن قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجوه يوم القيامة. وعن عبد الملك بن مروان أنّ أعرابياً قال له: سمعت ما قال الله في المطففين أراد بذلك أنّ المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم، الذي سمعت به فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن، وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظنّ ووصف اليوم بالعظم وقيام الناس فيه لله تعالى خاضعين، ووصفه ذاته برب العالمين بيان بليغ لعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان في مثل حاله من الحيف، وترك القيام بالقسط والعمل على السوية، والعدل في كل أخذ وإعطاء بل في كل قول وعمل. وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ بكى نحيباً وامتنع من قراءة ما بعده. وعن بعض المفسرين أنّ لفظ التطفيف يتناول التطفيف في الوزن والكيل. وفي إظهار العيب وإخفائه وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ويقال: من لم يرض لأخيه المسلم ما يرضاه لنفسه فليس بمنصف، والمعاشرة والصحبة في هذه المادّة، والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه من هذه الجملة، ومن طلب حق نفسه من الناس ولا يعطيهم حقوقهم كما يطلبه. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع، أي: ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وههنا تم الكلام. وقال الحسن: كلا ابتداء متصل بما بعده على معنى حقاً، وجرى الجلال المحلي وأكثر المفسرين على الأوّل. ﴿إنّ كتاب الفجار﴾ أي: كتب أعمال الكفار وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف. واختلف في معنى قوله : ﴿لفي سجين﴾ فقيل: هو كتاب جامع، وهو ديوان الشر دوّن الله تعالى فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجنّ والإنس، وقيل: هو مكان تحت الأرض السابعة وهو محل إبليس وجنوده. وقال عبد الله بن عمر: سجين في الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار. ﴿ ﴿ وعن البراء قال: قال رسول الله ﷺ «سجين أسفل سبع أرضين وعليون في السماء السابعة تحت العرش» . وقال الكلبي: هو صخرة تحت الأرض السابعة خضراء خضرة السموات منها يجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس. وعن كعب الأحبار: أنّ روح الفاجر يعني: الكافر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها، ثم هبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس وذلك استهانة بها، ويشهدها الشياطين المدحورون كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون. وقال عكرمة: لفي سجين، أي: في خسار وضلال. ﴿وما أدراك﴾ أي: جعلك دارياً وإن اجتهدت في ذلك. ﴿ما سجين﴾ وقال الزجاج: أي: ليس لك ذلك ما كنت تعلمه أنت ولا قومك. وقوله تعالى: ﴿كتاب مرقوم﴾ ليس تفسيراً لسجين بل هو بيان للكتاب المذكور في قوله تعالى: ﴿إن كتاب الفجار﴾ أي: هو كتاب مرقوم، أي: مسطور

стр. 2434

بين الكتابة مكتوب فيه أعمالهم مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازون به، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه. وقيل: الرقم الختم بلغة حمير، واقتصر على هذا الجلال المحلي. وقال قتادة: رقم عليه بشرّ كأنه علم بعلامة يعرف بها أنه كافر. والمعنى: أنّ ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وسمي سجيناً فعيلاً من السجن وهو الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروح تحت الأرض كما مرّ. فإن قيل: سجين هل هو اسم أو صفة؟ أجيب: بأنه اسم علم منقول من وصف كحاتم، وهو منصرف لأنه ليس فيه إلا سبب واحد وهو التعريف. ﴿ويل﴾ أي: أعظم الهلاك ﴿يومئذ﴾ أي: إذ تقوم الناس لما تقدّم ﴿للمكذبين﴾ أي: بذلك أو بالحق. وقوله تعالى: ﴿الذين يكذبون بيوم﴾ أي: بسبب الإخبار بيوم ﴿الدين﴾ أي: الجزاء الذي هو سر الوجود بدل أو بيان للمكذبين، ثم أخبر عن صفة من يكذب بيوم الدين بثلاث صفات ذكر أولها بقوله تعالى: ﴿وما﴾ أي: والحال أنه ما ﴿يكذب به﴾ أي: بذلك اليوم ﴿إلا كل معتد﴾ أي: متجاوز عن النظر غال في التقليد، حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه، فاستحال منه الإعادة. ثم ذكر الصفة الثانية بقوله تعالى: ﴿أثيم﴾ أي: منهمك في الشهوات المحرجة بحيث اشتغل عما وراءها وحملته على الإنكار لما عداها. ثم ذكر الصفة الثالثة بقوله تعالى: ﴿إذا تتلى عليه آياتنا﴾ أي: القرآن ﴿قال أساطير الأوّلين﴾ أي: الحكايات سطرت قديماً جمع أسطور بالضم، وذلك لفرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لا تنفعه دلائل العقل، وهذا عام في كل موصوف بذلك، وقال الكلبي: هو الوليد بن المغيرة. وقيل: هو النضر بن الحارث. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع وزجر، أي: ليس هو أساطير الأوّلين، وقال الحسن: معناها حقاً كما مرّ. ﴿بل ران﴾ أي: غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم السماء ﴿على قلوبهم﴾ أي: كل من قال هذا القول ﴿ما كانوا يكسبون﴾ أي: كما يركب الصدأ من إصرارهم على الكبائر وتسويف التوبة حتى طبع على قلوبهم فلا تقبل الخير ولا تميل إليه. روى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «إن المؤمن إذا أذنب ذنباً نكتت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها وإذا زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه المبين» . وقال أبو معاذ: الران أن يسودّ القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشدّ من الران، والأقفال أشدّ من الطبع، وهو أن يقفل على القلب، قال تعالى: ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ (محمد: ٢٤) وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب ويغشى فيموت القلب. قال ﷺ «إياكم والمحقرات من الذنوب فإنّ الذنب على الذنب يوقد على صاحبه جحيماً ضخمة» . وعن الحسن: الذنب بعد الذنب يسود القلب. يقال: ران عليه الذنب وغان عليه ربنا وغينا والغين الغيم، ويقال: ران فيه النوم: رسخ فيه، ورانت به الخمرة ذهبت به. وقرأ حمزة وشعبة والكسائي بالإمالة: محضة، والباقون بالفتح وسكت حفص على اللام وقفة لطيفة من غير قطع والباقون بغير سكت. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم، وقيل: بمعنى حقاً كما مرّ ﴿إنهم عن ربهم﴾ أي: المحسن إليهم ﴿يومئذ لمحجوبون﴾ أي: فلا يرونه بخلاف المؤمنين فإنهم يرونه كما ثبت لك في الأحاديث الصحيحة. وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد

стр. 2435

لزهقت أنفسهم في الدنيا. وسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه. وفي قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ دلالة على أنّ أولياء الله يرون الله تعالى، ومن نفى الرؤية كالزمخشري جعله تمثيلاً للاستخفاف بهم وإهانتهم؛ لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء والمكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأذناب المهانون عندهم. وعن ابن عباس وقتادة: محجوبون عن رحمته. وعن ابن كيسان: عن كرامته. ﴿ثم إنهم﴾ أي: بعد ما شاء الله تعالى من إمهالهم ﴿لصالوا الجحيم﴾ أي: لداخلوا النار المحرقة. ﴿ثم يقال﴾ أي: تقول لهم الخزنة ﴿هذا﴾ أي: العذاب ﴿الذي كنتم به تكذبون﴾ أي: في دار الدنيا. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع عن التكذيب، وقيل: معناها حقاً كما مرّ. وقال البيضاوي: تكرير للأوّل ليعقب بوعد الأبرار كما عقب بوعيد الفجار إشعار بأنّ التطفيف فجور والإيفاء برّ، وردع عن التكذيب ﴿إنّ كتاب الأبرار﴾ أي: كتب أعمال المؤمنين الصادقين في إيمانهم ﴿لفي عليين﴾ وعليون علم لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته صلحاء الثقلين، منقول من جمع فعيل من العلو كسجين من السجن، سمي بذلك إمّا لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإمّا لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريماً له وتعظيماً. وروي «أنّ الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقبلونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين، وقد غفرت له وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين» . وعن البراء مرفوعاً: «عليين في السماء السابعة تحت العرش» . وقال ابن عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش، أعمالهم مكتوبة فيها. وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى. وقال عطاء عن ابن عباس: هو الجنة. وقال الضحاك: سدرة المنتهى. وقال بعض أهل المعاني علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون. قال الفراء: هو اسم موضع على صيغة الجمع لا واحد له من لفظه مثل عشرين وثلاثين. ﴿وما أدراك﴾ أي: جعلك دارياً وإن بالغت في الفحص ﴿ما عليون﴾ أي: ما كتاب عليين هو ﴿كتاب﴾ أي: عظيم ﴿مرقوم﴾ أي: فيه أنّ فلاناً أمن من النار رقماً، يا له من رقم ما أبهاه وأجمله. ﴿يشهده المقرّبون﴾ يحضرونه فيشهدون على ما فيه يوم القيامة، أو يحفظونه. ولما عظم كتابهم عظم منزلتهم بقوله تعالى: ﴿إنّ الأبرار لفي نعيم﴾ أي: في الجنة ثم بين ذلك النعيم بأمور ثلاثة: أوّلها: قوله تعالى: ﴿على الأرائك﴾ أي: الأسرة في الحجال، ولا يسمى أريكة إلا إذا كان كذلك، والحجال بكسر الحاء جمع حجلة، وهي بيت يزين بالثياب والستور والأسرة، قاله الجوهري. ﴿ينظرون﴾ أي: إلى ما شاؤوا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله تعالى من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك. وقال الرازي: ينظرون إلى ربهم بدليل قوله تعالى: ﴿تعرف﴾ أي: أيها الناظر إليهم ﴿في وجوههم﴾ عند رؤيتهم ﴿نضرة النعيم﴾ أي: بهجته وحسنه ورونقه كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه، أو الخطاب إمّا للنبيّ ﷺ أو لكل ناظر، وقال الحسن: النضرة في الوجه والسرور في

стр. 2436

القلب وهذا هو الأمر الثاني. وأمّا الثالث فهو قوله تعالى: ﴿يسقون من رحيق﴾ أي: خمر صافية طيبة وقال مقاتل: الخمر البيضاء. وقال الرازي: لعله الخمر الموصوف بقوله تعالى: ﴿لا فيها غول﴾ (الصافات: ٤٧) ﴿مختوم﴾ أي: ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار. وقال القفال: يحتمل أن يكون ختم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان، وهناك خمر أخرى تجري انهاراً لقوله تعالى: ﴿وأنهار من خمره لذة للشاربين﴾ (محمد: ١٥) إلا أنّ هذا المختوم أشرف من الجاري. ﴿ختامه مسك﴾ أي: آخر شربه يفوح منه مسك، فالمختوم الذي له ختام، أي: آخر شربه، وختم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. وقال ابن زيد: ختامه عند الله مسك. وقيل: طينه مسك. وقيل: تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطينة. ﴿وفي ذلك﴾ أي: الأمر العظيم البعيد التناول، وهو العيش والنعيم أو الشراب الذي هذا وصفه ﴿فليتنافس﴾ أي: فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار ﴿المتنافسون﴾ أي: الذين من شأنهم المنافسة، وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره؛ لأنه نفيس جداً، والنفيس هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه، والمنافسة في مثل هذا بكثرة الأعمال الصالحة والنيات الخالصة. وقال مجاهد: فليعمل العاملون نظيره قوله تعالى: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ (الصافات: ٦١) وقال مقاتل بن سليمان: فليسارع المتسارعون. وقال عطاء: فليستبق المستبقون. وقال الزمخشري: فليرتقب المرتقبون. والمعنى: واحد. وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس ويريده كل أحد لنفسه، وينفس فيه على غيره أي: يضنّ. ﴿ومزاجه﴾ أي: ما يمزج به ذلك الرحيق ﴿من تسنيم﴾ وهو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه؛ لأنها تأتيهم من فوق على ما روي أنها تجري في الهواء مسنمة فتصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة، فإذا امتلأت أمسكت. وقوله تعالى: ﴿عيناً﴾ نصب على المدح، وقال الزجاج: نصب على الحال. ﴿يشرب بها﴾ أي: بسببها على طريقة المزج منها ﴿المقرّبون﴾ وضمن يشرب معنى يلتذ، فهم يشربونها صرفاً، وتمزج سائر أهل الجنة. ﴿إنّ الذين أجرموا﴾ أي: قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وهم رؤوساء قريش. ﴿كانوا من الذين آمنوا﴾ وهم فقراء الصحابة عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ﴿يضحكون﴾ أي: استهزاء بهم. ﴿وإذا مرّوا﴾ أي: المؤمنون ﴿بهم﴾ أي: بالذين أجرموا ﴿يتغامزون﴾ أي: يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء بهم. وقيل: يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون بأعينهم.x قيل: جاء عليّ بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين فسخروا منه المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع وضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل عليّ إلى النبيّ ﷺ ﴿وإذا انقلبوا﴾ أي: رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من غير تكرّه ﴿إلى أهلهم﴾ أي: منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم. وقرأ حمزة والكسائي في الوصل بضم الهاء والميم، وأبو عمرو بكسر الهاء، والباقون بكسر الهاء وضم الميم ﴿انقلبوا﴾ حالة كونهم ﴿فاكهين﴾ أي: متلذذين بما كان من مكنتهم ورفعتهم التي أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم، قال ابن برجان: روي عنه ﵊: «إن الدين بدأ غريباً وسيعود

стр. 2437

غريباً كما بدأ» «يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر» وفي أخرى: «يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة» وفي أخرى: «العالم فيهم أنتن من جيفة حمار فالله المستعان» . وقرأ حفص بغير ألف بين الفاء والكاف والباقون بالألف، قيل هما بمعنى، وقيل: فكهين فرحين وفاكهين ناعمين. وقيل: فاكهين أصحاب فاكهة ومزاح. ﴿وإذا رأوهم﴾ أي: رأى المجرمون المؤمنين ﴿قالوا﴾ أي: المجرمون ﴿إنّ هؤلاء﴾ أي: المؤمنين ﴿لضالون﴾ أي: لإيمانهم بمحمد ﷺ يرون أنهم على شيء، وهم على ضلال في تركهم التنعيم الحاضر بسبب شيء لا يدرى هل له وجود أم لا؟ قال الله تعالى: ﴿وما﴾ أي: والحال أنهم ما ﴿أرسلوا﴾ أي: الكفار ﴿عليهم﴾ أي: على المؤمنين ﴿حافظين﴾ أي: موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، وهذا تهكّم بهم. وقيل: هو من جملة قول الكفار، وأنهم إذا رأوا المسلمين قالوا: إنّ هؤلاء لضالون، وأنهم لم يرسلوا عليهم حافظين، إنكار لصدّهم إياهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام، وجدّهم في ذلك. وقوله تعالى: ﴿فاليوم﴾ منصوب بيضحكون، ولا يضر تقديمه على المبتدأ؛ لأنه لو تقدّم العامل هنا لجاز؛ إذ لا لبس بخلاف: زيد قام في الدار لا يجوز في الدار زيد قام، ومعنى فاليوم أي: في الآخرة ﴿الذين آمنوا﴾ ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان ﴿من الكفار يضحكون﴾ وفي سبب هذا الضحك وجوه منها: أنّ الكفار كانوا يضحكون على المؤمنين في الدينا بسبب ما هم فيه من الضر والبؤس، وفي الآخرة يضحك المؤمنون على الكافرين بسبب ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه. ومنها أنهم علموا أنهم كانوا في الدنيا على غير شيء، وأنهم باعوا الباقي بالفاني. ومنها أنهم يرون أنفسهم قد فازوا بالنعيم المقيم ونالوا بالتعب اليسير راحة الأبد. ومنها: قال أبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا وتفتح لهم أبوابها فإذا رأوها وقد فتحت أبوابها أقبلوا إليها يريدون الخروج والمؤمنون ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى أبوابها غُلِّقت دونهم، يفعل ذلك بهم مراراً فذلك سبب الضحك. ومنها: أنهم إذا دخلوا الجنة وأجلسوا على الأرائك ينظرون إلى الكفار كما قال تعالى: ﴿على الأرائك﴾ أي: الأسرة العالية ﴿ينظرون﴾ إليهم كيف يعذبون في النار ويرفعون أصواتهم بالويل والثبور ويلعن بعضهم بعضاً. تنبيه: ينظرون حال من يضحكون، أي: يضحكون ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان. وقال كعب: بين الجنة والنار كوى، إذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوّ له كان في الدنيا اطلع عليه من تلك الكوى كما قال تعالى: ﴿فاطلع فرآه في سواء الجحيم﴾ (الصافات: ٥٥) فإذا اطلعوا من الجنة على أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا. قال الله تعالى: ﴿هل ثوّب الكفار﴾ أي: هل جوزوا ﴿ما كانوا يفعلون﴾ أي: جزاء استهزائهم بالمؤمنين، ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوّبه وأثابه بمعنى واحد إذا جازاه. قال أوس: *سأجزيك أو يجزيك عني مثوّب ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدى وقرأ الكسائي وهشام بإدغام اللام في الثاء والباقون بالإظهار. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة المطففين سقاه الله تعالى من الرحيق المختوم يوم القيامة» . حديث موضوع.

стр. 2438

سورة الانشقاق مكية وهي ثلاث أو خمس وعشرون آية ومائةوسبع كلمات وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي شقق الأرض بالنبات ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ جوده أهل الأرض والسموات ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل طاعته بالجنات. وقوله تعالى: ﴿إذا السماء﴾ أي: على ما لها من الأحكام والعظمة ﴿انشقت﴾ كقوله تعالى: ﴿إذا الشمس كوّرت﴾ (التكوير: ١) ﴿ ﴿ في إضمار الفعل وعدمه، وفي إذا هذه احتمالان: أحدهما: أن تكون شرطية، والثاني: أن تكون غير شرطية. فعلى الأوّل في جوابها أوجه: أحدها: أنه محذوف ليذهب المقدر كل مذهب، أو اكتفاء بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار، وهو قوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ (الإنفطار: ٥، وسورة التكوير: ١٤) والثاني: جوابها ما دل عليه ﴿فملاقيه﴾ الثالث: أنه ﴿يا أيها الإنسان﴾ على حذف الفاء وعلى كونها غير شرطية فهي مبتدأ، وخبرها إذا الثانية والواو مزيدة، تقديره: وقت انشقاق السماء وقت مدّ الأرض، أي: يقع الأمران في وقت. قاله الأخفش. وقيل: إنه منصوب مفعولاً به بإضمار اذكر انشقاقها بالغمام، وهو من علامات القيامة كقوله تعالى: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ (الفرقان: ٢٥) وعن عليّ تنشق من المجرّة. قال ابن الأثير: المجرّة هي البياض المعترض في السماء والسراب من جانبها. ﴿وأذنت﴾ أي: سمعت وأطاعت في الانشقاق ﴿لربها﴾ أي: لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي ورد عليه الأمر من جهة المطاع، فأنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع، كقوله: ﴿أتينا طائعين﴾ (فصلت: ١١٠) ﴿وحقت﴾ أي: حق لها أن تسمع وتطيع بأن تنقاد ولا تمتنع. يقال: حق بكذا فهو محقوق وحقيق. ﴿وإذا الأرض﴾ أي: على ما لها من الصلابة ﴿مدّت﴾ أي: زيد في سعتها كمدّ الأديم ولم يبق عليها بناء ولا جبل، كما قال تعالى: ﴿قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمّتا﴾ (طه: ١٠٦ ـ ١٠٧) وعن ابن عباس مدّت مدّ الأديم العكاظيّ لأنّ الأديم إذا مدّ زال كل انثناء فيه وأمت واستوى. ﴿وألقت﴾ أي: أخرجت ﴿ما فيها﴾ من الكنوز والموتى كقوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ (الزلزلة: ٢١) . ﴿وتخلت﴾ أي: خلت منها حتى لم يبق في بطنها شيء، وذلك يؤذن بعظم الأمر كما تلقي الحامل ما في بطنها عند الشدّة، ووصفت الأرض بذلك توسعاً وإلا فالتحقيق أنّ الله تعالى هو المخرج لتلك الأشياء من الأرض. وقوله تعالى: ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ تقدّم تفسيره، وهذا ليس بتكرار لأنّ الأول في السماء وهذا في الأرض، وتقدّم جواب إذا. ومن جملة ما قيل فيه: وما عطف عليه أنه محذوف دل عليه ما بعده، تقديره: لقي الإنسان عمله وذلك كله يوم القيامة. واختلف في الإنسان في قوله تعالى: ﴿يا أيها الإنسان﴾ أي: الآنس بنفسه الناسي لأمر ربه ﴿إنك كادح﴾ فقيل: المراد جنس الإنسان كقولك: يا أيها الرجل، فكأنه خطاب خص به أحد من الناس. قال القفال: وهو أبلغ من العموم؛ لأنه قائم مقام التنصيص على مخاطبة كل واحد منهم على التعيين بخلاف اللفظ العامّ. وقيل: المراد منه رجل بعينه، فقيل: هو محمد ﷺ والمعنى: إنك كادح في إبلاغ رسالات الله تعالى وإرشاد عباده وتحمل الضرر من الكفار، فأبشر فإنك تلقى الله تعالى بهذا العمل. وقال

стр. 2439

ابن عباس: هو أبيّ بن خلف وكدحه هو جدّه واجتهاده في طلب الدنيا، وإيذاء النبيّ ﷺ والإصرار على الكفر. والكدح: جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها من كدح جلده إذا خدشه. ومعنى كادح ﴿إلى ربك﴾ أي: جاهد إلى لقائه وهو الموت، أي: هذا الكدح يستمرّ إلى هذا الزمن وقال القفال: تقديره إنك كادح في دنياك. ﴿كدحاً﴾ تصير إلى ربك. وقوله تعالى: ﴿فملاقيه﴾ يجوز أن يكون عطفاً على كادح، والسبب فيه ظاهر، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: فأنت ملاقيه، وقيل: جواب إذا، والضمير في ملاقيه إمّا للرب أي: ملاقي حكمه لا مفر لك منه، وإمّا للكدح إلا أنّ الكدح عمل وهو عرض لا يبقى، فملاقاته ممتنعة، فالمراد جزاء كدحك من خير أو شرّ. وقال الرازي: المراد ملاقاة الكتاب الذي فيه بيان تلك الأعمال، ويؤكد هذا قوله تعالى بعده: ﴿فأمّا من أوتي كتابه﴾ أي: كتاب عمله الذي كتبته الملائكة. ﴿بيمينه﴾ أي: من أمامه وهو المؤمن المطيع. ﴿فسوف يحاسب﴾ أي: يقع حسابه بوعد لا خلف فيه، وإن طال الأمد لإظهار الجبروت والكبرياء والقهر. ﴿حساباً يسيراً﴾ هو عرض عمله عليه كما فسر في حديث الصحيحين وفيه: «من نوقش الحساب هلك» وفي رواية: «من حوسب عذب» . وقالت عائشة: «أليس يقول الله تعالى: ﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾ فقال: إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب» وإنما حوسب حساباً سهلاً لأنه كان يحاسب نفسه فلا تقع له المخالفة إلا ذهولاً، فلأجل ذلك تعرض أعماله فيقبل حسنها ويعفى عن سيئها. ﴿وينقلب﴾ أي: يرجع بنفسه من غير مزعج برغبة وقبول ﴿إلى أهله﴾ أي: الذين أهله بهم في الجنة من الحور العين والآدميات والذريات إذا كانوا مؤمنين ﴿مسروراً﴾ أي: قد أوتي جنة وحريراً، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقاً من العرض على الله يحاسب نفسه حساباً عسيراً مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش. ﴿س٨٤ش١٠/ش١٥ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ? وَرَآءَ ظَهْرِهِ? * فَسَوْفَ يَدْعُوا? ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ? كَانَ فِى? أَهْلِهِ? مَسْرُورًا * إِنَّهُ? ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَى? إِنَّ رَبَّهُ? كَانَ بِهِ? بَصِيرًا﴾ ﴿وأمّا من أوتي كتابه وراء ظهره﴾ وهو الكافر تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل يسراه وراء ظهره فيأخذ بها كتابه. ﴿فسوف يدعو﴾ أي: بوعد لا خلف في وقوعه ﴿ثبوراً﴾ يقول: يا ثبوراه، والثبور: الهلاك، كقوله تعالى: ﴿دعوا هنالك ثبوراً﴾ (الفرقان: ١٣) ﴿ويصلى سعيراً﴾ أي: يدخل النار الشديدة. وقرأ أبو عمرو وعاصم بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام، والباقون بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وإذا فتح ورش غلظ اللام، وإذا أمال رقق والباقون بالفتح. ﴿إنه كان﴾ أي: بما هو له كالجبلة ﴿في أهله﴾ أي: عشيرته في الدنيا ﴿مسروراً﴾ قال القفال: أي: منعماً مستريحاً من التعب بأداء العبادات واحتمال مشقة الفرائض من الصلاة والجهاد مقدماً على المعاصي آمناً من الحساب والثواب والعقاب لا يخاف الله تعالى، ولا يرجوه فأبدله الله تعالى بذلك السرور غماً باقياً لا ينقطع. وقيل: إنّ قوله تعالى: ﴿إنه كان في أهله مسروراً﴾ كقوله تعالى: ﴿وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين﴾ (المطففين: ٣١) أي: متنعمين في الدنيا معجبين بما هم عليه من الكفر بالله تعالى والتكذيب بالبعث، ويضحكون ممن آمن بالله تعالى، وصدّق بالحساب كما قال ﷺ «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . ﴿إنه ظنّ﴾ أي: لضعف نظره ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: أنه ﴿لن يحور﴾ أي: لن يرجع إلى الله تعالى

стр. 2440

تكذيباً بالمعاد. يقال: لا يحور ولا يحول، أي: لا يرجع ولا يتغير. قال لبيد: *وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رماداً بعد إذ هو ساطع وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حوري، أي: ارجعي. وقوله تعالى: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي في لن يحور، أي: بلى ليحورنّ. ﴿إنّ ربه﴾ أي: الذي ابتدأ إنشاؤه ورباه ﴿كان﴾ أي: أزلاً وأبداً ﴿به بصيراً﴾ أي: من يوم خلقه إلى يوم بعثه، أو بأعماله لا ينساها. وقال عطاء: بصيراً بما سبق عليه في أمّ الكتاب من الشقاوة. واختلفوا في الشفق في قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بالشفق﴾ فقال مجاهد: هو النهار كله. وقال عكرمة: ما بقي من النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقال قوم: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة. تنبيه: سمي بذلك لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان رقة القلب عليه واللام في لا أقسم مزيدة للتأكيد. ﴿والليل﴾ أي: الذي يغلبه ويذهبه ﴿وما وسق﴾ أي: ما جمع وضم يقال وسقه فاتسق واستوسق قال الشاعر: *مستوسقات لو يجدن سائقاً* ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين اتسع واستوسع، ومعناه: وما جمعه وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها. ﴿والقمر﴾ أي: الذي هو آيته ﴿إذا اتسق﴾ أي: إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة. وقال قتادة: استدار وهو افتعل من الوسق. تنبيه: قد اختلف العلماء في القسم بهذه الأشياء هل هو قسم بها أو بخالقها؟ فذهب المتكلمون. إلى أنّ القسم واقع بربها وإن كان محذوفاً؛ لأنّ ذلك معلوم من حيث ورود الحظر بأن يقسم بغير الله تعالى أو بصفة من صفاته، وقد مرّ أنّ ذلك يكره في حق الإنسان، فإنّ الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه وجواب القسم. ﴿ ﴿ ﴿لتركبنّ﴾ أي: أيها الناس، أصله تركبون حذفت نون الرفع لتوالي الأمثال والواو لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتح الباء الموحدة على خطاب الإنسان، والباقون بضمها على خطاب الجمع، وهو معنى الإنسان إذ المراد به الجنس أي: لتركبنّ أيها الإنسان ﴿طبقاً﴾ مجاوزاً ﴿عن طبق﴾ أي: حالاً بعد حال. قال عكرمة: رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وعن ابن عباس: الموت ثم البعث ثم العرض. وعن عطاء: مرّة فقيراً ومرّة غنياً. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم لما روي أنه ﷺ قال: «لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» . وقوله تعالى: ﴿فما لهم﴾ أي: الكفار ﴿لا يؤمنون﴾ استفهام إنكار، أي: أيّ مانع لهم من الإيمان، أو أي حجة في تركه بعد وجود براهينه. ﴿و﴾ ما لهم ﴿إذا قرئ﴾ أي: من أي: قارئ قراءة مشروعة ﴿عليهم القرآن﴾ أي: الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم الفارق بين كل ملتبس ﴿لا يسجدون﴾ أي: لا يخضعون بأن يؤمنوا به لإعجازه، أو لا يصلون، قاله مقاتل، أو لا يسجدون لتلاوته لما روى أنه ﷺ «قرأ ﴿واسجد واقترب﴾ (العلق: ١٩) فسجد ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق رؤوسهم فنزلت» . وعن أبي هريرة قال: «سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿اقرأ باسم ربك﴾ و ﴿إذا السماء انشقت﴾ » . وعن نافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ

стр. 2441

﴿إذا السماء انشقت﴾ فسجد فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه. وليس في ذلك دلالة على وجوبها فهي مندوبة. وعن الحسن: هي واجبة. واحتج أبو حنيفة على وجوب السجود بأنه تعالى ذمّ من سمعه ولم يسجد. وعن ابن عباس: ليس في المفصل سجدة، وما روى أبو هريرة يخالفه. وعن أنس: صليت خلف أبي بكر وعمر وعثمان فسجدوا. ﴿بل الذين كفروا يكذبون﴾ أي: بالقرآن والبعث. ﴿والله أعلم بما يوعون﴾ أي: بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو بما يجمعون في صحفهم من الكفر والتكذيب وأعمال السوء، ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب. وقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ أي: مؤلم استهزاء بهم، أو أنّ البشارة بمعنى الإخبار، أي: أخبرهم. وقوله تعالى: ﴿إلا﴾ استثناء منقطع، أي: لكن ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿لهم أجر غير ممنون﴾ أي: غير مقطوع ولا منقوص ولا ممنون به عليهم. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾ أعاذه الله تعالى أن يعطيه كتابه وراء ظهره» حديث موضوع. سورة البروج مكية وهي اثنتان وعشرون آية ومائة وتسع كلماتوأربعمائة وثمانية وخمسون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي أحاط علمه بالكائنات ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ جوده سائر المخلوقات ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل السعادة بالجنات. وقوله تعالى: ﴿والسماء﴾ أي: العالية غاية العلوّ، المحكمة غاية الإحكام ﴿ذات البروج﴾ قسم أقسم الله تعالى به، وتقدّم الكلام على ذلك مراراً، وفي البروج أقوال: فقال مجاهد: هي البروج الاثنا عشر، شبهت بالقصور؛ لأنها تنزلها السيارات. وقال الحسن: هي النجوم، وقيل: هي منازل القمر. وقال عكرمة: هي قصور في السماء. وقيل: عظام الكواكب سميت بروجاً لظهورها. وقيل: أبواب السماء. وقوله تعالى: ﴿واليوم الموعود﴾ قسم آخر وهو يوم القيامة. قال ابن عباس: وعد أهل السماء وأهل الأرض أن يجتمعوا فيه. واختلفوا في قوله : ﴿وشاهد ومشهود﴾ فقال أبو هريرة وابن عباس: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة. وروى مرفوعاً: «اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة. والشاهد يوم الجمعة» خرّجه الترمذي في جامعه. قال القشيري: فيوم الجمعة يشهد على عامله بما عمل فيه. قال القرطبي: وكذا سائر الأيام والليالي لما روى أبو نعيم الحافظ عن معاوية أنّ النبيّ ﷺ قال: «ليس من يوم يأتي على العبد إلا ينادى فيه يا ابن آدم أنا خلق جديد، وأنا فيما تعمل عليك شاهد، فاعمل فيّ خيراً أشهد لك به غداً فإني إذا مضيت لم ترني أبداً، ويقول الليل مثل ذلك» حديث غريب. وحكى القشيري عن عمر أنّ الشاهد يوم الأضحى. وقال ابن المسيب: الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة. وروي عن علي: الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر. وقال مقاتل: أعضاء الإنسان هي الشاهد لقوله تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم

стр. 2442

ألسنتهم﴾ (النور: ٢٤) الآية. وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم لقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً﴾ (البقرة: ١٤٣) الآية. وقيل: الشاهد محمد ﷺ لقوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهداً﴾ (الأحزاب: ٤٥) وقيل: آدم. وقيل: الحفظة الشاهد والمشهود أولاد آدم، وقيل: غير ذلك وكل ذلك صحيح. واختلف في جواب القسم فقال الجلال المحلي: جواب القسم محذوف صدره أي: لقد ﴿قتل﴾ أي: لعن ﴿أصحاب الأخدود﴾ وقال الزمخشري: محذوف ويدل عليه قوله: ﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ وكأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون يعني: كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود، فإنّ السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم. واستظهر هذا البيضاوي. والأخدود: هو الشق المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه أخاديد، واختلف فيهم فعن صهيب أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليّ غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب فقعد إليه، وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتى الساحر مرّ بالراهب فقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه وإذا رجع قعد إلى الراهب وسمع كلامه، فإذا أتى أهله ضربوه فشكا إلى الراهب فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر،. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر فأخذ حجراً ثم قال: اللهمّ إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى تمضي الناس فرماها فقتلها فمضى الناس فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي: بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبلى فإن ابتليت فلا تدل عليّ فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس الملك وكان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: هذا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فإن آمنت به دعوت الله تعالى فشفاك فآمن بالله فشفاه الله تعالى، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربي. قال: ربك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام فقال له الملك: أي: بنيّ قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقال: ارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك فقيل: له: ارجع عن دينك فأبى ففعل به كالراهب، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه وقال: اذهبوا إلى جبل كذا فاصعدوا به، فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهمّ اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور وتوسطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فقال: اللهمّ اكفنيهم بما شئت فانكفأت السفينة بهم فغرقوا، وجاء يمشي

стр. 2443

إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى. فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ووضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده على صدغه موضع السهم فمات. فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام ثلاثاً، فأتى الملك فقيل: له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك فحدت وأضرم النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. أو قيل له: اقتحم، قال: ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أمّاه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت» . قال البغوي: هذا حديث صحيح. وقيل: إنّ الصبي قال لها: قعي ولا تقاعسي. وقيل: ما هي إلا غميضة فصبرت. وذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أنّ رجلاً كان قد بقي على دين عيسى، فوقع على نجران فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخدّ الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفاً في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفاً. ثم غلب أرياط على اليمن فخرج ذو نواس هارباً واقتحم البحر بفرسه فغرق. قال الكلبي: وذو نواس قتل عبد الله بن التامر ﵁. وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن خربة احترقت في زمن عمر فوجدوا عبد الله بن التامر واضعاً يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده عنها أنبعت دماً وإذا تركت ارتدّت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه: ربي الله. فبلغ ذلك عمر فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه. وعن ابن عباس قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شرحبيل في الفترة قبل أن يولد النبيّ ﷺ بسبعين سنة، وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام، ولم يجد بدّاً من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم، وكان في طريقه راهب حسن الصوت فأعجبه ذلك، وذكر قريباً من معنى حديث صهيب إلى أن قال الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول. قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم على اسم إلهي، ففعل الملك فقتله فقال الناس: لا إله إلا إله، عبد الله بن التامر لا دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة، وأخذ أفواه السكك وأخدّ أخدوداً وملأه ناراً ثم عرضهم رجلاً رجلاً، فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال: ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود وأحرقه، وكان في مملكته امرأة فأسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاثة: أحدهم رضيع فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار فأبت، فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع فقال لها الصبي: يا أمّاه لا ترجعي عن الإسلام فإنك على الحق ولا بأس عليك فألقى الصبي في النار، وألقيت أمّه على أثره. وعن علي أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال: هم أهل كتاب، وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم،

стр. 2444

فتناولها بعض ملوكهم فسكر فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: يا أيها الناس إنّ الله تعالى أحل لكم نكاح الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك: أنّ الله تعالى حرّمه. فخطب فلم يقبلوا منه فقالت: ابسط فيهم السوط فلم يقبلوا، فأمرت بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها، فهم الذين أرادهم الله تعالى بقوله: ﴿أصحاب الأخدود﴾ وعن مقاتل: كانت الأخاديد ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، وأخرى بالشام، وأخرى بفارس حرقوا بالنار، أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس فبختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس. فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهما قرآناً، وأنزل في التي كانت بنجران. وذلك أنّ رجلاً مسلماً ممن يقرأ الإنجيل أجر نفسه في عمل وجعل يقرأ الانجيل فرأت بنت المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل فذكرت ذلك لأبيها فرمقه فرآه فسأله فلم يخبره، فلم يزل به حتى أخبره بالدين وبالإسلام فتابعه هو وسبعة وثمانون إنساناً ما بين رجل وامرأة، وهذا بعد ما رفع عيسى ﵇ إلى السماء، فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخدّ لهم في الأرض، وأوقد فيها فعرضهم على الكفر، فمن أبى أن يكفر قذفه في النار، ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وأنّ امرأة جاءت ومعها صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار، فضُربت حتى تقدّمت فلم تزل كذلك ثلاث مرّات، فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها يا أمّاه إني أرى أمامك ناراً لا تُطفأ، فلما سمعت ذلك قذفا جميعاً أنفسهما في النار فجعلها الله وابنها في الجنة. فقذف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنساناً فذلك قوله تعالى: ﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ . وقوله تعالى: ﴿النار﴾ بدل اشتمال من الأخدود. وقوله تعالى: ﴿ذات الوقود﴾ وصف لها بأنها نار عظيمة لها، ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس، واللام في الوقود للجنس. وقوله تعالى: ﴿إذ هم عليها قعود﴾ ظرف لقتل أي: لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها، ومعنى عليها على ما يدنوا منها من حافات الأخدود كقوله: *وبات على النار الندى والمحلق* وكما تقول: مررت عليه تريد مستعلياً المكان الذي يدنو منه، فكانوا يقعدون حولها على الكراسي. وقال القرطبي: عليها. قوله وقال القرطبي عليها كذا في جميع النسخ وفيه سقط فراجعه. ﴿وهم على ما يفعلون بالمؤمنين﴾ بالله من تعذيبهم بالإلقاء في النار إن لم يرجعوا عن إيمانهم ﴿شهود﴾ أي: يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به أو شهود بمعنى حضور، إذ روي أنّ الله تعالى أنجى المؤمنين الملقين في النار بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى القاعدين فأحرقتهم. قال الرازي: يمكن أن يكون المراد بأصحاب الأخدود القاتلين، ويمكن أن يكون المراد بهم المقتولين. والمشهور أن المقتولين هم المؤمنون. وروي أن المقتولين هم الجبابرة. روي أنهم لما ألقوا المؤمنين في النار عادت النار على الكفرة فأحرقتهم، ونجّى الله المؤمنين منها سالمين وإلى هذا القول ذهب الربيع بن أنس والواحدي. وتأوّلوا قوله تعالى: ﴿فلهم عذاب جهنم﴾ أي: في الآخرة ﴿ولهم عذاب الحريق﴾ أي: في الدنيا. فإن فسر أصحاب الأخدود بالقاتلين فيكون قوله تعالى: ﴿قتل أصحاب الأخدود﴾ دعاء عليهم كقوله تعالى: ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ (عبس: ١٧) وإن فسر بالمقتولين كان المعنى:

стр. 2445

أنّ المؤمنين قتلوا بالنار فيكون ذلك خبراً لا دعاءً. والمقصود من هذه الآية: تثبيت قلوب المؤمنين وإخبارهم بما كان يلقاه من قبلهم من الشدائد. وذكر لهم النبيّ ﷺ قصة الغلام ليصبروا على ما يلقون من أذى الكفار ليتأسوا بهذا الغلام في صبره على الأذى والصلب، وبذل نفسه في إظهار دعوته ودخول الناس في الدين مع صغر سنه، وكذلك صبر الراهب على التمسك بالحق حتى نشر بالمنشار، وكذلك أكثر الناس لما آمنوا بالله تعالى. ﴿وما نقموا﴾ أي: وما أنكروا وكرهوا ﴿منهم﴾ من الخلات وكان ذنباً ونقصاً ﴿إلا أن يؤمنوا﴾ أي: يجدّدوا الإيمان مستمرّين عليه ﴿بالله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿العزيز﴾ في ملكه الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء. ﴿الحميد﴾ أي: المحيط بجميع صفات الكمال، فهو يثيب من أطاعه أعظم ثواب وينتقم ممن عصاه بأشدّ العذاب. وهذا استثناء على طريقة قول القائل: *ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب* أي: من ضرابها، والكتائب بالتاء المثناة: جمع كتيبة وهي الجيش، وقال ابن الرقيات: ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلمون إن غضبوا ونظيره قوله تعالى: ﴿هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ (المائدة: ٥٩) ولما ذكر تعالى الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزاً غالباً قادراً يخشى عقابه، حميداً منعماً يجب الحمد على نعمه، ويرجى ثوابه قرر ذلك بقوله تعالى: ﴿الذي له﴾ أي: خاصة ﴿ملك السموات والأرض﴾ أي: على جهة العموم مطلقاً، فكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوع له تقديراً، لأنّ ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغيّ، وإنّ الناقمين أهلٌ لانتقام الله تعالى منهم بعذاب لا يعدله عذاب. ﴿والله﴾ الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة ﴿على كل شيء شهيد﴾ فلا يغيب عنه شيء، وهذا لأنّ الله علم ما فعلوا وهو مجازيهم عليه. ولما ذكر قصة اأصحاب الأخدود أتبعها ما يتفرّع من أحكام الثواب والعقاب فقال تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ أي: أحرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء إذا أحرقته، والعرب تقول: فتن فلان الدرهم والدينار إذا أدخله الكور لينظر جودته. ونظيره ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ (الذاريات: ٧) . قال الرازي: ويحتمل أن يكون المراد: كلُّ مَنْ فَعَلَ ذلك. قال: وهذا أولى لأنّ اللفظ عامّ والحكم عامٌّ، والتخصيص ترك للظاهر من غير دليل. ولما كانت التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان عبر سبحانه بأداة التراخي فقال تعالى: ﴿ثم لم يتوبوا﴾ أي: عن كفرهم وعما فعلوا. ﴿فلهم عذاب جهنم﴾ أي: بكفرهم ﴿ولهم عذاب الحريق﴾ أي: عذاب إحراقهم المؤمنين في الآخرة، وقيل: في الدنيا فأحرقتهم كما تقدّم، ومفهوم الآية أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وذلك يدل على أنّ الله تعالى يقبل التوبة من القاتل المتعمد خلاف ما يروى عن ابن عباس ﵄. ولما ذكر سبحانه وعيد المجرمين ذكر ما أعدّ للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾ أي: أقرّوا بالإيمان من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في كل زمان ﴿وعملوا الصالحات﴾ تحقيقاً لإيمانهم ﴿لهم جنات﴾ أي: بساتين تفضلاً منه تعالى ﴿تجري من تحتها﴾ أي: تحت غرفها وأسرّتها وجميع أماكنها ﴿الأنهار﴾ يتلذذون ببردها

стр. 2446

في نظير ذلك الحرّ الذي صبروا عليه في الدنيا، ويزول عنهم برؤية ذلك مع خضرة الجنان جميع المضارّ والأحزان. ﴿ذلك﴾ أي: الأمر العالي الدرجة العظيم البركة ﴿الفوز﴾ أي: الظفر بجميع المطالب ﴿الكبير﴾ وهو رضا الله تعالى لا دخول الجنة. وقال تعالى: ﴿ذلك الفوز﴾ ولم يقل تلك، لأنّ ذلك إشارة إلى إخبار الله تعالى بحصول الجنان وتلك إشارة إلى الجنة الواحدة، وإخبار الله تعالى عن ذلك يدل على كونه راضياً. ﴿إنّ بطش ربك﴾ أي: أخذ المحسن إليك المربي لك المدبر لأمرك الجبابرة والظلمة ﴿لشديد﴾ كقوله تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إنّ أخذه أليم شديد﴾ (هود: ١٠٢) قال المبردّ: ﴿إنّ بطش ربك﴾ جواب القسم، والبطش هو الأخذ بعنف فإذا وصف بالشدّة فقد تضاعف. ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة دل على كمال قدرته واختصاصه بذلك بقوله تعالى مؤكداً لما له من الإنكار: ﴿إنه هو﴾ أي: وحده ﴿يبدئ﴾ أي: يوجد ابتداء أيّ خلق أراد إلى أيّ هيئة أراد ﴿ويعيد﴾ أي: ذلك المخلوق عند البعث. وروى عكرمة قال: عجب الكفار من إحياء الله تعالى الأموات أي: فنزلت. وقال ابن عباس ﵄: يبدئ لهم عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده عليهم في الآخرة، وهذا اختيار الطبري. وقيل: يبدئ البطش ويعيده فيبطش بهم في الدنيا والآخرة، أو دل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدّة بطشه، أو أوعد الكفرة بأن يعيدهم كما بدأهم ليبطش لهم؛ إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا بالإعادة. ﴿وهو﴾ أي: وحده ﴿الغفور﴾ أي: الستور لعباده المؤمنين. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها. وقوله تعالى: ﴿الودود﴾ مبالغة في الود. قال ابن عباس ﵄: هو المتودّد لعباده بالمغفرة، وعن المبرد: هو الذي لا ولد له. وأنشد: *وأركب في الودّ عريانة ... ذلول الجماع لقاحاً ودودا* ﴿ ﴿ أي: لا ولد لها تحنّ إليه. وقيل: هو فعول بمعنى مفعول كالركوب والحلوب بمعنى المركوب والمحلوب. وقيل: يغفر ويودّ أن يغفر. ﴿ذو العرش﴾ ومالكه، أي: ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير ملكه، وإن لم يكن على سرير، ويقال: ثلّ عرشه، أي: ذهب سلطانه، أو السرير الدال على اختصاص الملك بالملك، وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة الذي به قوام الأمور، وقرأ ﴿المجيد﴾ حمزة والكسائي بجرّ الدال على أنه نعت للعرش أو لربك في قوله تعالى: ﴿إن بطش ربك﴾ قال مكي: وقيل: لا يجوز أن يكون نعتاً للعرش لأنه من صفات الله تعالى اه. وهذا ممنوع لأنّ مجد العرش علوّه وعظمه كما قاله الزمخشري. وقد وصف العرش بالكريم في آخر المؤمنين. وقرأ الباقون برفع الدال على أنه خبر بعد خبر. وقيل: هو نعت لذو، واستدل بعضهم على تعدّد الخبر بهذه الآية، ومن منع قال لأنها في معنى خبر واحد، أي: جامع بين هذه الأوصاف الشريفة، أو كل منها خبر لمبتدأ مضمر، والمجد: هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه موصوف بذلك وتقدّم وصف عرشه بذلك. ﴿فعالٌ﴾ أي: على سبيل التكرار والمبالغة ﴿لما يريد﴾ قال القفال: أي: يفعل ما يريد على ما يراه لا يعترض عليه أحد، ولا يغلبه غالب فيدخل أولياءه الجنة لا يمنعه مانع، ويدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر، ويمهل العصاة على ما يشاء إلى أن يجازيهم، ويعاجل بعضهم بالعقوبة إذا شاء،

стр. 2447

فهو يفعل ما يريد. وعن أبي اليسر: دخل ناس من الصحابة على أبي بكر الصدّيق ﵁ يعودونه فقالوا: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: قد رآني. قالوا: فماذا قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد. وقال الزمخشري: فعال خبر مبتدأ محذوف، وإنما قال فعال لأنّ ما يريد ويفعل في غاية الكثرة. وقال الطبري: رفع فعال وهو نكرة محضة على وجه الإتباع لإعراب الغفور الودود. تنبيه: دلت هذه الآية أنّ جميع أفعال العباد مخلوقة لله تعالى. قال بعضهم: ودلت على أنّ الله تعالى لا يجب عليه شيء لأنها دالة على أنه يفعل ما يريد. ﴿هل﴾ أي: قد ﴿أتاك﴾ أي: يا أشرف الرسل ﴿حديث﴾ أي: خبر ﴿الجنود﴾ أي: الجموع الكافرة المكذبة لأنبيائهم وقوله تعالى: ﴿فرعون وثمود﴾ يجوز أن يكون بدلاً من الجنود، واستشكل كونه بدلاً؛ لأنه لم يكن مطابقاً للمبدل منه في الجمعية. وأجيب: بأنه على حذف مضاف، أي: جنود فرعون وأنّ المراد فرعون وقومه، واستغنى بذكره عن ذكرهم لأنهم أتباعه، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أعني لأنه لما لم يطابق ما قبله وجب قطعه. والمعنى: إنك قد عرفت ما فعل الله تعالى بهم حين كذبوا رسلهم كيف هلكوا بكفرهم فقومك إن لم يؤمنوا بك فعل بهم كما فعل بهؤلاء، فاصبر كما صبر الأنبياء قبلك على أممهم. ﴿بل الذين كفروا﴾ أي: من هؤلاء الذين لا يؤمنون بك ﴿في تكذيب﴾ لك لا يرعوون عنه، ومعنى الإضراب: أنّ حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا قصتهم ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشدّ من تكذيبهم، وإنما خص فرعون وثمود لأنّ ثمود في بلاد العرب وقصتهم عندهم مشهورة، وإن كانوا من المتقدّمين، وأمر فرعون كان مشهوراً عند أهل الكتاب وغيرهم، وكان من المتأخرين في الهلاك فدل بهما على أمثالهما. وقوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: والحال أن الملك الذي له الكمال كله ﴿من ورائهم محيط﴾ وفيه وجوه: أحدها: أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحصره، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه ينسدّ عليه مسلكه فلا يجد مهرباً، يقول الله تعالى: فهم كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم، إياك فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم. ثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقوله تعالى: ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ (يونس: ٢٢) فهو عبارة عن مشارفة الهلاك. ثالثها: أنه تعالى محيط بأعمالهم، أي: عالم بها فيجازيهم عليها. ﴿بل هو﴾ أي: هذا القرآن الذي كذبوا به، وهو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴿قرآن﴾ أي: جامع لكل منفعة جليلة بالغ الذروة العليا في كل شرف ﴿مجيد﴾ أي: شريف وحيد في اللفظ والمعنى، وليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة. ﴿في لوح﴾ هو في الهواء فوق السماء السابعة. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدّق بوعيده واتبع رسله أدخله الجنة، قال: واللوح لوح من درّة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدرّ والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور وكلامه نور، معقود بالعرش وأصله في حجر ملك. وقرأ ﴿محفوظ﴾ بالرفع نافع على أنه نعت لقرآن، والباقون بالجرّ على أنه نعت للوح. وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش وقال البغوي: هو أمّ الكتاب، ومنه تنسخ الكتب محفوظ من الشياطين ومن الزيادة فيه

стр. 2448

والنقصان. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة البروج أعطاه الله تعالى بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات» حديث موضوع. سورة الطارق مكية وهي سبع عشرة آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وإحدى وسبعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ مالك الخلق أجمعين ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ جوده المؤمنين والكافرين ﴿الرحيم﴾ الذي خص رحمته بعباده المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿والسماء والطارق﴾ قسم أقسم الله تعالى به، وقد أكثر الله تعالى في كتابه العزيز ذكر السماء والشمس والقمر؛ لأنّ أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة. ولما كان الطارق يطلق على غير النجم أبهمه أوّلاً، ثم عظم القسم به بقوله تعالى: ﴿وما أدراك﴾ أي: أعلمك يا أشرف خلقنا، وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه ﴿ما الطارق﴾ وهذا مبتدأ وخبر في محل المفعول الثاني لأدري، وما بعد ما الأولى خبرها، وفيه تعظيم لشأن الطارق. وأصله كل آت ليلاً ومنه النجوم لطلوعها ليلاً. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة وابن ذكوان بخلافٍ عنه بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح.k ثم فسر الطارق بقوله تعالى: ﴿ ﴿ ﴿النجم الثاقب﴾ أي: المضيء لثقبه الظلام بضوئه فينفذ فيه كما قيل: دُرِّيّ لأنه يدرؤه، أي: يدفعه، والمراد جنس النجوم أو جنس الشهب التي يرجم بها. وقال محمد بن الحسين: هو زحل. وقال ابن زيد: هو الثريا. وقال ابن عباس ﵄: هو الجدي. وقال عليّ: هو نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها، ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة فهو طارق حين ينزل وحين يرجع. وفي الصحاح: الطارق النجم الذي يقال له: كوكب الصبح. قال الماوردي: وأصل الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، وسمي النجم طارقاً لأنه يطرق الجني أي: يقتله. روي أنّ أبا طالب أتى النبيّ ﷺ بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأت الأرض نوراً ففزع أبو طالب، وقال: أيّ شيء هذا؟ فقال رسول الله ﷺ «هذا نجم رمي به وإنه آية من آيات الله تعالى» فعجب أبو طالب فنزلت السورة. وقال مجاهد: الثاقب المتوهج، وجواب القسم. ﴿إن كل نفس﴾ أي: من الأنفس مطلقاً لا سيما نفوس الناس ﴿لما عليها﴾ أي: بخصوصها ﴿حافظ﴾ وقرأ ابن عامر وعاصم بتشديد الميم والباقون بتخفيفها تكون مزيدة، وإن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: أنه واللام فارقة وعلى تشديدها فإن نافية، ولما بمعنى إلا. والحافظ: هو المهيمن الرقيب وهو الله تعالى، ﴿وكان الله على كل شيء رقيباً﴾ (الأحزاب: ٥٢) ، ﴿وكان الله على كل شيء مقيتاً﴾ (النساء: ٨٥) ، أو ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير وشرّ. وروى الزمخشري عن النبيّ ﷺ أنه قال: «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب أحدكم عن قصعة العسل الذباب ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين اختطفته الشياطين. ولما ذكر تعالى أن على كل نفس حافظاً أتبعه بوصية الإنسان بالنظر في حاله فقال تعالى: ﴿فلينظر الإنسان﴾ أي: الآنس بنفسه الناظر في عطفه نظر اعتبار في أمره ونشأته

стр. 2449

الأولى حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسرّه في عاقبته. وقوله تعالى: ﴿مم خلق﴾ استفهام، أي: من أيّ شيء، وجوابه. ﴿خلق﴾ أي: الإنسان على أيسر وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم ﵇ من تراب وأمّه حوّاء رضي الله تعالى عنها من ضلعه. ﴿من ماء دافق﴾ أي: مدفوق، فاعل بمعنى مفعول كقوله تعالى: ﴿عيشة راضية﴾ (الحاقة: ٢١) أو دافق على النسب، أي: ذي دفق أو اندفاق. وقال ابن عطية: يصح أن يكون الماء دافقاً؛ لأنّ بعضه يدفق بعضاً أي: يدفعه فمنه دافق ومنه مدفوق، والدفق الصب أي: مصبوب في الرحم، ولم يقل تعالى من ماءين فإنه من ماء الرجل وماء المرأة، لأنّ الولد مخلوق منهما لامتزاجهما في الرحم فصارا كالماء الواحد، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه. ﴿يخرج من بين الصلب﴾ أي: للرجل وهو عظام الظهر ﴿والترائب﴾ أي: للمرأة جمع تريبة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة، وعن عكرمة: الترائب ما بين ثدييها، وقيل: الترائب التراقي، وقيل: أضلاع الرجل التي أسفل الصدر. وحكى الزجاج: أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر. وقال ابن عادل جاء في الحديث: «أنّ الولد يخلق من ماء الرجل يخرج من صلبه العظم والعصب، ومن ماء المرأة يخرج من ترائبها اللحم والدم. وحكى القرطبي: إنّ ماء الرجل ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الانثيين، وهذا لا يعارضه قوله تعالى: ﴿من بين الصلب والترائب﴾ لأنه ينزل من الدماغ ثم يجتمع في الانثين قال المهدودي: ومن جعل يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة لضمير للإنسان. والضمير في قوله تعالى: ﴿إنه﴾ للخالق المدلول عليه بخلق لأنه معلوم أن لا خالق سواه وفي الضمير في قوله تعالى: ﴿على رجعه﴾ وجهان أحدهما: أنه ضمير الإنسان أي: بعثه بعد موته ﴿لقادر﴾ وهذا قول ابن عباس ﵄، والثاني: أنه ضمير الماء، أي: رجع المنيّ في الإحليل أو الصلب وهذا قول مجاهد. وعن الضحاك أنّ المعنى: إنه على ردَّ الإنسان في الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الكبر. وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج؛ لقادر. وقال الماوردي: يحتمل أنه قادر على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه إلى الآخرة؛ لأنّ الكفار يسئلون فيها الرجعة. وقوله تعالى: ﴿يوم﴾ منصوب برجعه ومن يجعل الضمير في رجعه للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب، أو الإحليل وحاله الأولى نصب الظرف بمضمر، أي: واذكر يوم. ﴿تبلى﴾ تختبر وتكشف، ﴿السرائر﴾ أي: ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات وغيرهما وما أخفى الأعمال وذلك يوم القيامة وبلاؤها تعرفها وتصفحها والتمييز بين ما طاب منها وما خبث. وعن الحسن أنه سمع رجلاً ينشد: *سيبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السرائر* فقال: ما أغفله عما في والسماء والطارق. وقال عطاء بن رباح: إن السرائر فرائض الأعمال كالصوم والصلاة والوضوء والغسل من الجنابة، فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، ولو شاء العبد لقال: صمت ولم يصم، وصليت، ولم يصل واغتسلت ولم يغتسل فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها. وقال ابن عمر: يبدي الله تعال كل سرّ فيكون زيناً في وجوه، وشيناً في وجوه. يعني: فمن أدّاها كان وجهه مشرقاً، ومن لم يؤدها كان وجهه أغبر. ﴿فما له﴾ أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث الذي

стр. 2450

أخرجت سرائره. وأعرق في النفي والتعميم فقال تعالى: ﴿من قوة﴾ أي: منعة في نفسه يمتنع بها ﴿ولا ناصر﴾ أي: ينصره من عذاب الله تعالى فيدفعه عنه. ثم ذكر تعالى قسماً آخر فقال تعالى: ﴿والسماء﴾ أي: التي تقدّم الإقسام بها، وَصَفَها بما يؤكد العلم بالبعث فقال تعالى: ﴿ذات الرجع﴾ أي: التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي تتحرك عنه فترجع الأحوال التي كانت، وتصرّمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب، والفصول من الشتاء وما فيه من برد ومطر، والصيف وما فيه من حرّ وصفاء وسكون، وغير ذلك. وقيل: ذات النفع. وقيل: ذات الملائكة لرجوعهم فيهم بأعمال العبادة. وقيل: ذات المطر لعوده كل حين، أو لما قيل: من أن السحاب تحمل الماء من البحار، ثم ترجعه إلى الأرض، وعلى هذا يجوز أن يراد بالسماء السحاب. ﴿والأرض﴾ أي: مسكنكم الذي أنتم ملابسوه ومعاينوه كل وقت. ﴿ذات الصدع﴾ أي: تنصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار والعيون، نظيره: قوله تعالى: ﴿ثم شققنا شقاً﴾ (عبس: ٢٦) الآية والصدع بمعنى الشق لأنه يصدع الأرض فتنصدع، به فكأنما قال تعالى: والأرض ذات النبات. وقال مجاهد: ذات الطرق التي تصدعها المشاة، وقيل: ذات الحرث لأنه يصدعها، وقيل: ذات الأموات لإصداعهم عنها للنشور. قال الرازي: واعلم أنه تعالى كما جعل كيفية خلقة الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقة النبات فقوله تعالى: ﴿والسماء ذات الرجع﴾ كالأب، وقوله تعالى: ﴿والأرض ذات الصدع﴾ كالأمّ وكلاهما من النعم العظام، لأنّ نعم الدنيا موقوفةٌ على ما ينزل من السماء مكرّراً، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك. ثم أردف هذا القسم بالمقسم عليه وهو قوله تعالى: ﴿إنه لقول فصل﴾ وفي هذا الضمير قولان أحدهما: ما قاله القفال: وهو أن المعنى: أنّ ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم يوم تبلى السرائر قول فصل وحق. والثاني: أنه عائد على القرآن، أي: القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل له: فرقان. قال الرازي: والأوّل أولى؛ لأنّ عود الضمير إلى المذكور السالف أولى انتهى. وأكثر المفسرين على الثاني. والفصل: الحكم الذي ينفصل به الحق من الباطل، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم الجزم. ويقال: هذا قول فصل قاطع للشرّ والنزاع معناه جدّ؛ لقوله تعالى: ﴿وما هو﴾ أي: في باطنه ولا ظاهره ﴿بالهزل﴾ أي: باللعب والباطل بل هو جدّ كله لا هوادة فيه: ومن حقه وقد وصفه الله تعالى بذلك أن يكون مهيباً في الصدور، معظماً في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى أنّ جبار السموات والأرض يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده ويوعده حتى إن لم يستفزه الخوف، ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جاداً غير هازل، فقد نفى الله تعالى عن المشركين ذلك في قوله تعالى: ﴿وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون﴾ (النجم: ٦١) ﴿والغوا فيه﴾ (فصلت: ٢٦) هذا على عود الضمير للقرآن، وعلى جعله للأوّل فيكون الشخص خائفاً وجلاً من ذلك الذي تبلى فيه السرائر. ﴿إنهم﴾ أي: الكفار أعداء الله تعالى ﴿يكيدون كيداً﴾ أي: يمكرون بمحمد ﷺ وأصحابه. واختلف في ذلك الكيد، فقيل: إلقاء الشبهات كقولهم ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ (الأنعام: ٢٩) ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾ (يس: ٧٨) ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ (ص: ٥) وما أشبه ذلك وقيل: قصدهم قتله لقوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ (الأنفال: ٣٠)

стр. 2451

الآية. وأما قوله تعالى: ﴿وأكيد﴾ أي: أنا بإتمام اقتداري ﴿كيداً﴾ فاختلف فيه أيضاً، فقيل: معناه أجازيهم جزاء كيدهم، وقيل: هو ما أوقع الله تعالى بهم يوم بدر من القتل والأسر، وقيل: استدراجهم من حيث لا يعلمون، وقيل: كيد الله تعالى لهم بنصره وإعلاء درجته تسمية لأحد المتقابلين باسم الآخر لقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) . وقول الشاعر: *ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا* وكقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ (التوبة: ٦٧) ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ (النساء: ١٤٢) ولما كان هذا معلماً بأنهم عدم لا اعتبار بهم، قال تعالى مسبباً عنه تهديداً لهم ﴿فمهل الكافرين﴾ أي: فمهل يا أشرف الخلق هؤلاء البعداء، ولا تستعجل بالانتقام ولا بالدعاء عليهم بإهلاكهم فإنا لا نعجل لأنّ العجلة وهي إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به نقص. وقوله تعالى: ﴿أمهلهم﴾ تأكيد حسنه مخالفة اللفظ، أي: أنظرهم ﴿رويداً﴾ أي: قليلاً، وهو مصدر مؤكد لمعنى العامل مصغر، روداً وأرواداً على الترخيم، وقد أخذهم الله تعالى ببدر ونسخ الإمهال بالأمر بالجهاد والقتال. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة الطارق أعطاه الله تعالى بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات» حديث موضوع. سورة الأعلى مكية في قول الجمهور وقال الضحاك مدنية، قال النووي: وكان النبيّ ﷺ يحيها لكثرة مااشتملت عليه من العلوم والخبرات، وهي تسع عشرة آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وأربعة وثمانون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ عالم الغيب فلا تخفى عليه خافية ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ جوده كل أنس وجنّ وملك ودابة ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بمعرفتهم إحسانه. واختلف في قوله : ﴿سبح اسم ربك﴾ فالأكثرون على أن المعنى: نزه ربك المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال عما لا يليق به، فاسم زائد، كقول لبيد: * ... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما* وقيل: عَظِّمْ ربك ﴿الأعلى﴾ والاسم زائد كما مرّ، قصد به تعظيم المسمى، وذكر الطبري أن المعنى: نزه اسم ربك الأعلى عن أن تسمي به أحداً سواه. وقيل: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم لذكره وقال الرازي: معنى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ أي: نزِّهْهُ عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه. أما في ذاته فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، وأما في صفاته فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهيةٌ ولا ناقصة، وأما في أفعاله فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور، وأما في أسمائه فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجهٍ من الوجوه، سواءٌ ورد الإذن فيها أم لم يرد، وأما في أحكامه سبحانه فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه بل لمحض المالكية. قال البغوي: ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحد، لأنّ أحداً لا يقول سبحان الله. وسبحان اسم ربنا إنما يقول: سبحان الله وسبحان ربنا. فكان معنى: ﴿سبح اسم

стр. 2452

ربك﴾ اه. وكون الاسم عين المسمى أو غيره قد ذكرتها في مقدّمتي على البسملة والحمدلة. وعن ابن عباس ﵄: سبح أي: صل بأمر ربك. وذهب جماعة من الصحابة والتابعين على أنّ المراد قل: سبحان ربي الأعلى، وعن ابن عباس ﵄: أنّ النبيّ ﷺ قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال: «سبحان ربي الأعلى» . وعن عقبة بن عامر «أنه لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ (الواقعة: ٧٤) قال لنا رسول الله ﷺ «اجعلوها في ركوعكم» . ولما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم» . وروي أنه ﷺ كان يقول ذلك. وروي «أنّ أوّل من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل» . ولما أمر تعالى بالتسبيح فكان سائلاً قال: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة فما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال تعالى: ﴿الذي خلق﴾ أي: أوجد من العدم فله صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء ﴿فسوّى﴾ أي: مخلوقه. وقال الرازي: يحتمل أن يريد الناس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه تعالى، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً: أحدها: اعتدال قامته وحسن خلقه، كما قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (التين: ٤) وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (المؤمنون: ١٤) . ثانيها: كل حيوان مستعدّ لنوع واحد من الأعمال فقط، أمّا الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات. ثالثها: أنه تعالى هيأه للتكليف والقيام بأداء العبادات. وقال بعضهم: خلق في أصلاب الآباء وسوّى في أرحام الأمّهات. ومن حمله على جميع الحيوانات فمعناه: أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من الآلات والأعضاء، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية: هو أنه تعالى قادرٌ على كل الممكنات، عالمٌ بجميع المعلومات، يخلق ما أراد على وفق إرادته موصوفاً بالأحكام والإتقان، مبرّأٌ عن النقص والاضطراب. وقرأ ﴿والذي قدر﴾ الكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد قال البغوي: وهما بمعنى واحد، أي: أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها وغير ذلك من أحوالها، فجعل البطش لليد، والمشي للرجل، والسمع للأذن، والبصر للعين ونحو ذلك ﴿فهدى﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراعيها. وقال مقاتل والكلبي: في قوله تعالى: ﴿فهدى﴾ عرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (طه: ٥٠) أي: الذكر للأنثى. وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل: قدّر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعاشهم إن كانوا أناساً، ولمراعيهم إن كانوا وحوشاً. وقال السدّي: قدّر مدّة الجنين في الرحم ثم هداه إلى الخروج من الرحم، ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته وأدويته وأمور دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض إلى معايشها ومصالحها. يقال: إن الأفعى إذا أتى عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح عينيها بورق الرازيانج الغض فيردّ إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها فترجع باصرة بإذن الله تعالى. وقيل: ﴿فهدى﴾ أي: دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالماً قادراً،

стр. 2453

والاستدلال بالخلق والهداية معتمد الأنبياء، قال إبراهيم ﵇ ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (الشعراء: ٧٨) وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (طه: ٥٠) ولما ذكر سبحانه ما يختص بالناس اتبعه ما يختص بالحيوان فقال تعالى: ﴿والذي أخرج المرعى﴾ أي: أنبت ما ترعاه الدواب. وقال ابن عباس ﵄: المرعى الكلأ الأخضر. ﴿فجعله﴾ أي: بعد أطوار من زمن إخراجه بعد خضرته ﴿غثاء﴾ أي: جافاً هشيماً ﴿أحوى﴾ أي: أسود يابساً. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون أحوى حالاً من المرعى أي: أخرجه أحوى أي: أسود من شدّة الخضرة والري فجعله غثاء بعد حويه. وقال ابن زيد: هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ولذهاب الدنيا بعد نضارتها. وقوله تعالى: ﴿سنقرؤك فلا تنسى﴾ بشارة من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ بإعطاء آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمّي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه، فهو نفيٌ أخبر الله تعالى أنّ نبيه ﷺ لا ينسى. وقيل: نهيٌ، والألف مزيدة للفاصلة كقوله تعالى: ﴿السبيلا﴾ (الأحزاب: ٦٧) أي: فلا تفعله كرامةً، وتكريره لئلا ينساه، ومنعه مكي لأنه لا ينهى عما ليس باختياره. وأجيب: بأنّ هذا غير لازم؛ إذ المعنى: النهي عن تعاطي أسباب النسيان وهو شائع. قال الرزاي: وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين. الأوّل: أنه كان رجلاً أمّياً فحفظه لهذا الكتاب المطوّل من غير دراسة ولا تكرار خارق للعادة فيكون معجزاً. الثاني: أنّ هذه السورة من أول ما نزل بمكة، فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع فكان هذا إخباراً، فيكون معجزاً. وفي المشيئة في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء الله﴾ أي: المَلِك الذي له الأمر كله وجوه: أحدها: التبرّك بهذه الكلمة كقوله تعالى: ﴿ولا تقولنّ لشيءٍ إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣ ـ ٢٤) فكأنه تعالى يقول: إني عالم بجميع المعلومات، وعالم بعواقب الأمور على التفصيل، ومع ذلك لا أخبر بوقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة، فأنت وأمّتك يا أشرف الخلق أولى بها. ثانيها: قال الفرّاء: إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمداً ﷺ شيئاً؛ إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى يصيره ناسياً لذلك لقدر عليه كقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك﴾ (الإسراء: ٨٦) ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك. ونظيره قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ (الزمر: ٦٥) مع أنه ﷺ ما أشرك البتة ففائدة هذا الاستثناء أنّ الله تعالى يعرفه قدرته حتى يعلم أنّ عدم النسيان من فضل الله تعالى وإحسانه لا من قوّته. ثالثها: أنّ الله تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوّز ﷺ في كل ما ينزل عليه من الوحي أن يكون ذلك هو المستثنى، فلا جرمٌ بالغ في التثبت والتحفظ في جميع المواضع، فكان المقصود من ذكر الاستثناء بقاؤه ﷺ على التيقظ في جميع الأحوال. رابعها: أن ينساه بنسخ تلاوته وحكمه، وكان ﷺ يجهر بالقراءة مع قراءة جبريل ﵇ خوف النسيان فكأنه قيل له: لا تعجل بها إنك لا تنسى ولا تتعب نفسك بالجهر بها. ﴿إنه﴾ أي: الذي مهما شاء كان ﴿يعلم الجهر﴾ أي: القول والفعل ﴿وما يخفى﴾ أي: منهما، وعن ابن عباس ﵄: ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، وما يخفى ما نسخ من صدرك. وقوله تعالى: ﴿ونيسرك

стр. 2454

لليسرى﴾ عطف على سنقرؤك، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما من الجملة اعتراض. قال الضحاك: واليسرى هي الشريعة اليسرى وهي الحنيفية السهلة.v وقال ابن مسعود: اليسرى الجنة، أي: نيسرك إلى العمل المؤدّي إلى الجنة، وقيل: اليسرى الطريقة اليسرى، وهي أعمال الخير والأمر في قوله تعالى: ﴿فذكر﴾ للنبيّ ﷺ أي: فذكر بالقرآن ﴿إن نفعت الذكرى﴾ أي: الموعظة، وإن شرطية، وفيه استبعاد لتذكرهم. ومنه قول القائل: *لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي* ولأنه ﷺ قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوّاً وطغياناً، وكان ﷺ يتلظى حسرة وتلهفاً ويزداد جهداً في تذكيرهم، وحرصاً عليه فقيل: إن نفعت الذكرى وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. وقيل: إن بمعنى إذ كقوله تعالى: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ (آل عمران: ١٣٩) وقيل: بعده شيء محذوف تقديره إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ (النحل: ٨١) أي: البرد وقاله الفراء والنحاس. وقيل: إن بمعنى ما لا بمعنى الشرط لأنّ الذكرى باقية بكل حال. ثم بين تعالى من تنفعه الذكرى بقوله سبحانه. ﴿سيذكر﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿من يخشى﴾ أي: يخاف الله تعالى فهي كآية ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ (ق: ٤٥) وإن كان النبيّ ﷺ يجب عليه تذكيرهم نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم. وقال ابن عباس: نزلت في ابن أمّ مكتوم. وقيل: في عثمان بن عفان. قال الماوردي: وقد تذكر من يرجوه إلا أن تذكر الخاشع أبلغ فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء. وقال القشيري: المعنى: عمم أنت بالتذكير والوعظ وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء. فإن قيل: التذكير إنما يكون بشيء قد علم، وهؤلاء لم يزالوا كفاراً معاندين أجيب: بأنّ ذلك لظهوره وقوّة دليله، كأنه معلوم لكنه يزول بسبب التقليد والفساد. تنبيه: السين في قوله تعالى: ﴿سيذكر﴾ يحتمل أن تكون بمعنى سوف، وسوف من الله تعالى واجب كقوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ من خشي فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر. ولما بين تعالى من ينتفع بالذكرى بين من لا ينتفع بها بقوله تعالى: ﴿ويتجنبها﴾ أي: الذكرى أن يتركها جانباً لا يلتفت إليها ﴿الأشقى﴾ . ﴿الذي يصلى النار﴾ وهو الكافر. فإن قيل: الأشقى يستدعي وجود شقي فكيف قال هذا القسم؟ أجيب: بأنّ لفظ الأشقى من غير مشاركة كقوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرّاً وأحسن مقيلاً﴾ (الفرقان: ٢٤) ، وقوله تعالى: ﴿وهو أهون عليه﴾ (الروم: ٢٧) . قال الرازي: الفرق ثلاثة العارف والمتوقف والمعاند، فالسعيد هو العارف، والمتوقف له بعض الشقاوة، والأشقى هو المعاند. وقال الزمخشري: الأشقى هو الكافر؛ لأنه أشقى من الفاسق، أو الذي هو أشقى الكفرة؛ لتوغله في معاداة النبيّ ﷺ وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعقبة بن ربيعة. واختلف في قوله تعالى: ﴿الكبرى﴾ أي: العظمى على وجوه: أحدها: قال الحسن: هي نار جهنم، والصغرى نار الدنيا. ثانيها: أنّ في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة، فكما أنّ الكافر أشقى العصاة فكذلك يصلى أعظم النيران. ثالثها: أنّ النار الكبرى هي النار السفلى فهي نصيب

стр. 2455

الكفار، كما قال تعالى: ﴿إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ (النساء: ١٤٥) . فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ يقتضي أن ثم حالة غير الحياة والموت، وذلك غير معقول. أجيب: عن ذلك بوجهين: أحدهما: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه كما قال تعالى: ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ (فاطر: ٣٦) وهذا جاء على مذهب العرب يقولون للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حيّ ولا هو ميت. ثانيهما: أنّ نفس أحدهم في النار في حلقة لا تخرج فيموت، ولا ترجع إلى موضعها فيحيا. تنبيه: قوله تعالى: ثم للتراخي بين الرتب في الشدّة. ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله تعالى أتبعه بالوعد لضدّه فقال تعالى: ﴿قد أفلح﴾ أي: فاز بكل مراد ﴿من تزكى﴾ أي: تطهر من الكفر بالإيمان؛ لما روي عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من تزكى وشهد أي لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله» . وقيل: تطهر للصلاة وأدّى الزكاة. ﴿وذكر اسم ربه﴾ أي: بقلبه ولسانه مكبراً ﴿فصلى﴾ أي: الصلوات الخمس. قال الزمخشري: وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة؛ لأنّ الصلاة معطوفة عليها. وقال قتادة: تزكى: عَمِلَ صالحاً. وعن عطاء نزلت في صدقة الفطر. قال ابن سيرين: قد أفلح من تزكى، قال: خرج فصلى بعد ما أدّى زكاة الفطر وصلى صلاة العيد. قال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل فإنّ هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. وأجاب البغوي: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كقوله تعالى: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ (البلد: ٢) والسورة مكية وظهر أثر الحل يوم الفتح قال ﷺ «أحلت لي ساعة من نهار» . وقيل: المراد زكاة الأعمال لا زكاة الأموال، أي: زكى أعماله من الرياء والتقصير. وروي عن عطاء أنه قال: إنّ هذه الآية نزلت في عثمان، وذلك أنه كان بالمدينة منافق له نخلة مائلة إلى دار رجل من الأنصار، إذا هبت الريح تساقط منها بسر ورطب في دار الأنصاري فيأكل هو وعياله من ذلك، فخاصمه المنافق، فذكر الأنصاري ذلك للنبيّ ﷺ فأرسل خلف المنافق وهو لا يعلم نفاقه فقال له النبيّ ﷺ «إنّ أخاك الأنصاري ذكر أنّ بسرك ورطبك يقع في منزله فيأكل هو وعياله منه فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها؟ قال: أبيع عاجلاً بآجل لا أفعل» فذكروا أنّ عثمان قد أعطاه حائطاً من نخل بدل نخلته. ويقول فيه: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ وفي المنافق ﴿ويتجنبها الأشقى﴾ وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وقرأ ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب، ومعناه على القراءة الأولى: بل تؤثرون الأشقون، وعلى القراءة الثانية: بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا بالعز الحاضر مع أنها شرٌّ وفانية اشتغالاً بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات على الاستكثار من الثواب. ﴿والآخرة﴾ ، أي: والحال أنّ الدار التي هي غاية القصد المبرأة عن العيب المنزهة عن الخروج عن الحكمة ﴿خير﴾ ، أي: من الدنيا ﴿وأبقى﴾ لأنها تشتمل على السعادة الجسمانية، والروحانية، ليست كذلك فالآخرة خير من الدنيا ولأنّ الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام والآخرة ليست كذلك، ولأنّ الدنيا فانية والأخرة باقية، والباقي خير من الفاني. وعن عمر:
следующие страницы →