← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

النعمة هي أن وفقك الله فراعيت حق اليتيم والسائل فحدّث بها ليقتدي بك غيرك. وعن الحسن بن علي قال: إذا عملت خيراً فحدّث به إخوانك ليقتدوا بك إلا أن هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء وظن أنّ غيره يقتدي به كما علم مما مرّ. وروي «أنّ شخصاً كان جالساً عند النبيّ ﷺ فرآه رث الثياب فقال له ﷺ ألك مال؟ قال: نعم. فقال له ﷺ إذا آتاك الله مالاً فلير أثره عليك» . وروي أنه ﷺ قال: «إنّ الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده» . فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى أخر حق نفسه عن حق اليتيم والسائل؟ أجيب: بكأنه يقول: أنا أغنى الأغنياء وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم وأختار قوله : فحدث على قوله تعالى فأخبر ليكون ذلك حديثاً عنه لا ينساه ويعيده مرّة بعد أخرى. وقرأ ﴿والضحى﴾ ، ﴿سجى﴾ ، ﴿قلى﴾ ، ﴿الأولى﴾ ، ﴿فترضى﴾ ، ﴿فآوى﴾ ، ﴿فهدى﴾ ، ﴿فأغنى﴾ ، حمزة والكسائيّ بإمالة محضة لكن حمزة لم يمل سجى، وأمال ورش وأبو عمرو بين بين والفتح عن ورش قليل، والباقون بالفتح. وروى أبيّ بن كعب «أنّ النبي ﷺ كان إذا بلغ الضحى كبر بين كل سورتين إلى أن يختم القرآن، ويفصل بينهما بسكتة» . وكان المعنى: في ذلك «أنّ الوحي تأخر عن رسول الله ﷺ أياماً فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه السورة فقال ﷺ الله أكبر» . قال مجاهد: قرأت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأمرني به، وأخبر أنه ﷺ أمره به. وبعض القرّاء لا يكبر لأنّ ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن. وقال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سوره وآياته وحروفه بغير زيادة ولا نقصان فالتكبير ليس بقرآن. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة والضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد أن يشفع له وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل» حديث موضوع. سورة ألم نشرح مكية وهي ثمان آيات وتسع وعشرون كلمة ومائة وثلاثة أحرف. ﴿بسم الله﴾ الظاهر الباطن الملك العلام ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ المخلوقين بالإنعام ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بدار السلام. وقوله تعالى: ﴿ألم نشرح﴾ استفهام تقرير، أي: شرحنا بما يليق بعظمتنا ﴿لك﴾ يا أشرف الخلق ﴿صدرك﴾ بالنبوّة وغيرها حتى وسع مناجاتنا ودعوة الخلق، أو فسحناه بما أودعنا فيه من الحكم والعلوم وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي كان يكون معه العمى والجهل. وعن الحسن: ملىء حكمة وعلماً. وقيل: إنه إشارة إلى ما روي أنّ جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ في صباه أو في يوم الميثاق فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيماناً وعلماً. فإن قيل: لم قال تعالى صدرك ولم يقل قلبك؟ أجيب: بأن محل الوسوسة هو الصدر كما قال تعالى: ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ (الناس: ٥) ﴿ ﴿ وأبدلها بدواعي الخير فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب. وقال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، والشيطان يجيء إلى الصدر الذي

стр. 2487

هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكاً أغار فيه وثبت جنده فيه وبث فيه الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة، فإذا طرد العدوّ في الابتداء حصل الأمن وانشرح الصدر. فإن قيل: لم قال تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ولم يقل: ألم نشرح صدرك؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: كأنه تعالى يقول لام بلام فأنت إنما تفعل جميع الطاعة لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك. ثانيهما: أنّ فيه تنبيهاً على أنّ منافع الرسالة عائدة إليك لأجلك لا لأجلنا. واختلف في قوله تعالى: ﴿ووضعنا﴾ ، أي: بما لنا من العظمة ﴿عنك وزرك﴾ فقال الحسن ومجاهد: حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية وهو قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ (الفتح: ٢) وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك، وأضافها إليه لاشتغال قلبه بها. ﴿الذي أنقض﴾ ، أي: أثقل ﴿ظهرك﴾ قال أبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوّة والقيام بها حتى لا تثقل عليك وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي حتى يكاد يرمي نفسه من شاهق إلى أن جاءه جبريل ﵇، وأزال عنه ما كان يخاف من تغير العقل وقيل: عصمناك من احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوّة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر. ﴿ورفعنا﴾ ، أي: بما لنا من القدرة التامّة ﴿لك ذكرك﴾ روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يقول الله : لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، ومشارق الأرض ومغاربها. ولو أنّ رجلاً عبد الله تعالى، وصدّق بالجنة والنار، وكل شيء ولم يشهد أنّ محمداً رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافراً وقيل: أعلينا ذكرك فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات. وقال الضحاك: لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به. وقال مجاهد: يعني التأذين. وفيه يقول حسان بن ثابت: *أغرّ عليه للنبوّة خاتم ... من الله مشهور يلوح ويشهد* *وضم الإله اسم النبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد* *وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد* وقيل: رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله. وقيل: عام في كل ما ذكر، وهذا أولى وكم من موضع في القرآن يذكر فيه النبيّ ﷺ من ذلك قوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة: ٦٢) . وقوله تعالى: ﴿ومن يطيع الله ورسوله فقد فاز﴾ (الأحزاب: ٧١) . وقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (المائدة: ٩٢) ولما كان المشركون يعيرونه ﷺ والمؤمنين بالفقر والضيقة حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، ذكره ما أنعم الله به عليه من جلائل النعم، ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدّة فقال تعالى: ﴿فإن مع العسر﴾ ، أي: ضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم ﴿يسراً﴾ ، أي: كالشرح والوضع والتوفيق

стр. 2488

للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يهمك، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً. فإن قيل: إنّ مع للصحبة فما معنى اصطحاب العسر واليسر؟ أجيب: بأن الله تعالى أراد أن يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية وتقوية القلوب. وقوله تعالى: ﴿إنّ مع العسر ويسراً﴾ استئناف وعد الله تعالى بأن العسر متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة، كقولك: للصائم فرحة، ثم فرحة، أي: فرحة عند الإفطار وفرحة عند لقاء الرب، ويجوز أن يراد باليسرين ما تيسر من الفتوح في أيام رسول الله ﷺ وما تيسر لهم أيام الخلفاء وقيل: تكرير. فإن قيل: ما معنى قول ابن عباس ﵁ وابن مسعود ﵄: لن يغلب عسر يسرين، وقد روي مرفوعاً أنه ﷺ «خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين» أجيب: بأن هذا حمل على الظاهر وبناء على قوّة الرجاء، وأنّ موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه، والقول عنه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر في قوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ (المرسلات: ١٥) لتقرير معناها في النفوس، وتمكينها في القلوب، وكما تكرر المفرد في قولك: زيد زيد. وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردف بيسر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف. وإنما كان العسر واحد لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو، لأنّ حكمه حكم زيد في قولك: إنّ مع زيد مالاً إنّ مع زيد مالاً، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضاً. وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر فقد تناول بعضاً غير البعض الأوّل بغير إشكال، أو بأن لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين فيها واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فدائم غير زائل، أي: لا يجتمعان في الغلبة كقوله ﷺ «شهرا عيد لا ينقصان» ، أي: لا يجتمعان في النقصان. فإن قيل: فما معنى التنكير؟ أجيب: بأنه للتفخيم، كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً وأي يسر. روى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه» . وللطبراني عنه قال: قال رسول الله ﷺ «لو كان العسر في جحر لدخل اليسر حتى يخرجه» . ثم قرأ رسول الله ﷺ الآية» . ولما عدد تعالى على نبيه ﷺ نعمه السابقة ووعده الآنفة حثه على الشكر والاجتهاد في العبادة بقوله تعالى: ﴿فإذا فرغت﴾ قال ابن عباس ﵄: فرغت من صلاتك المكتوبة ﴿فانصب﴾ ، أي: انصب في الدعاء. وقال ابن مسعود ﵁: فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وقال الشعبيّ: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. وقال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوّك فانصب في عبادة ربك وصل. وقال ابن حيان عن الكلبيّ: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب ﴿استغفر لذنبك وللمؤمنين﴾ (محمد: ١٩) . قال عمر بن الخطاب ﵁: إني أكره أن أرى أحدكم فارغاً لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة. ﴿وإلى ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بفضائل النعم

стр. 2489

خصوصاً بما ذكر في هاتين السورتين ﴿فارغب﴾ ، أي: اجعل رغبتك إليه خصوصاً، ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه. وقيل: تضرع إليه راغباً في الجنة راهباً من النار عصمنا الله تعالى وأحبابنا منها بمحمد ﷺ وآله. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشريّ أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتمّ ففرج عني» حديث موضوع. سورة التين والزيتون مكية وقال ابن عباس ﵄ وقتادة مدنية وهي ثمان آيات وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي له الملك كله ﴿الرحمن﴾ الذي وسع الخلائق عدله ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وفضله. وقوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ قسم وتقدّم نظائر ذلك أقسم بهما لأنهما عجيبتان من بين أصناف الأشجار المثمرة، روي أنه «أهدي للنبيّ ﷺ طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت: إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه» لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيباً واستاك به وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة» . وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو تينكم هذا الذي تأكلون وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت. وقال عكرمة: هما جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانية طور تيناً وطور زيتاً؛ لأنهما منبتا التين والزيتون. وقيل: التين جبال ما بين حلوان وهمدان، والزيتون جبال الشام لأنها منابتهما، كأنه قيل: ومنابت التين والزيتون. وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا. وقال الضحاك: مسجدان بالشام. وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس، وحسن القسم بهما لأنهما موضع الطاعة. وقيل: التين مسجد نوح ﵇ الذي بناه على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس. ﴿ ﴿ ﴿وطور سينين﴾ ، أي: الجبل الذي ناجى عليه موسى ﵇ ربه ، وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي هو فيه فأضيف الجبل إلى المكان الذي هو فيه. وقال مقاتل والكلبيّ: سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسماً للبقعة أو الأرض، ولو جعل اسماً للمكان أو للمنزل، أو اسم مذكر لانصرف لأنك سميت مذكراً بمذكر وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدّسة، وقد بارك فيها قال الله تعالى: ﴿إلى المسجد القصى الذي باركنا حوله﴾ (الإسراء: ١) ولا يجوز أن يكون سينين نعتاً للطور لإضافته إليه. ﴿وهذا البلد الأمين﴾ ، أي: الآمن، من أمن الرجل أمانة فهو أمين، وهي مكة حرسها الله تعالى؛ لأنها الحرم الذي يأمن الناس فيه في الجاهلية والإسلام، لا ينفر صيده ولا يعضد ورقه، أي: شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله. قال الزمخشريّ: ومعنى القسم بهذه

стр. 2490

الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر منها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ﵇، ومولد عيسى ﵇ ومنشؤه والطور المكان الذي نودي منه موسى ﵇، ومكة البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد رسول الله ﷺ ومبعثه اه. وقوله تعالى: ﴿لقد خلقنا﴾ ، أي: قدّرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة والقدرة التامّة ﴿الإنسان﴾ جواب القسم والمراد بالإنسان: الجنس الذي جمع فيه الشهوة والعقل، وفيه من الإنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه الشامل لآدم ﵇ وذريته. وقيل: نزلت في منكري البعث. وقيل: في الوليد بن المغيرة وقيل: كلدة بن أسيد. وقوله تعالى: ﴿في أحسن تقويم﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم. وقال أبو البقاء: في أحسن تقويم في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم القوام لأن التقويم فعل وذاك وصف للخالق لا للمخلوق، ويجوز أن يكون التقدير في أحسن قوام التقويم فحذف المضاف، ويجوز أن تكون في زائدة، أي: قومناه أحسن تقويم اه. وأحسن تقويم أعدله لأنه تعالى خلق كل شيء منكباً على وجهه وخلق الإنسان مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها. قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإنّ الله تعالى خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً وهذه صفات الله تعالى وعبر عنها بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: «إن الله تعالى خلق آدم على صورته» يعني: على صفاته المتقدّم ذكرها. وفي رواية على صورة الرحمن ومن أين يكون للرحمن صورة شخصية فلم تكن إلا معاني. وروي أنّ عيسى بن يوسف الهاشميّ كان يحب زوجته حباً شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالق ثلاثاً إن لم تكوني أحسن من القمر فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني فبات بليلة عظيمة فلما أصبح غدا إلى دار المنصور فأخبره الخبر، فاستحضر الفقهاء واستشارهم، فقال جميع من حضر قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم، فقال الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والتين والزيتون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ يا أمير المؤمنين فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى: الأمر كما قال الرجل فأقبل على زوجتك، فأرسل المنصور إليها أطيعي زوجك فما طلقك. وهذا يدل على أنّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى ولذلك قيل: إنه العالم الأصغر إذ كل ما في المخلوقات اجتمع فيه. ﴿ثم رددناه﴾ أي: بعض أفراداه بما لنا من القدرة الكاملة ﴿أسفل سافلين﴾ أي: إلى الهرم وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله، والسافلون هم الضعفاء والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعاً لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً، فقوس ظهره بعد اعتداله، وأبيض شعره بعد اسوداده، وكل بصره وسمعه وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه فمشيه دليف وصوته خفات وقوّته ضعف وشهامته خرف. وقيل: ثم رددناه إلى النار لأنها دركات بعضها أسفل من بعض. فقوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا﴾ أي: تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ أي: الطاعات استثناء متصل على الثاني على أنّ المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً يعني: أقبح من قبح صورة

стр. 2491

وأشوهه خلقة، وهم أهل النار وأسفل من سفل من أهل الدركات. فالاتصال على هذا واضح، وعلى الأوّل منقطع، أي: لكن الذين كانوا صالحين من الهرمى ﴿فلهم﴾ أي: فتسبب عن ذلك أن كان لهم ﴿أجر غير ممنون﴾ أي: ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم وصبرهم على ابتلاء الله تعالى لهم بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة على تخاذل نهوضهم وفي الحديث: «إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل» . وروي عن ابن عباس ﵄ قال: إلا الذين قرؤوا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر. ثم قال تعالى إلزاماً للحجة: ﴿فما يكذبك﴾ أي: أيها الإنسان الكافر ﴿بعد﴾ أي: بعد ما ذكر من خلق الإنسان من نطفة وتقويمه بشراً سوياً وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يستوي ويكمل ويصير في أحسن تقويم، ثم يردّ إلى أرذل العمر الدال على القدرة على البعث، فيقول: إنّ الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني فما سبب تكذيبك أيها الإنسان ﴿بالدين﴾ أي: الجزاء بعد هذا الدليل القاطع. وقيل: الخطاب للنبيّ ﷺ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء أو البعث بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت وقوله تعالى: ﴿أليس الله﴾ أي: الملك الأعظم على ما له من صفات الكمال ﴿بأحكم الحاكمين﴾ أي: بأقضى القاضين. وعيد للكفار وأنه يحكم عليهم بما هم أهله. وفي الحديث: «من قرأ التين إلى آخرها فليقل: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين» . وقول البيضاوي تبعاً للزمخشريّ: عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة والتين أعطاه الله تعالى خصلتين العافية واليقين ما دام في دار الدنيا وإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة» حديث موضوع. سورة العلق مكية وهي عشرون آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وسبعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي له صفة الكمال المستحق للإلهية ﴿الرحمن﴾ الذي عم جوده سائر البرية ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل طاعته بألطافه السنية. عن ابن عباس ﵄ ومجاهد: أنّ أوّل سورة نزلت من القرآن. ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وأوّل ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله تعالى: ﴿ما لم يعلم﴾ وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «أوّل ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة» ولمسلم «الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتى جاءه الحق» . وفي رواية «حتى فجاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ،. قلت: ما أنا بقارئ،. قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ،. قلت: ما أنا بقارئ،. قال: فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾ فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 2492

يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، فقالت له خديجة: كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله تعالى أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني أكون فيها جذعاً ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال له رسول الله ﷺ أو مخرجيّ هم؟ فقال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي» زاد البخاري قال: «وفتر الوحي حتى حزن النبيّ ﷺ فيما بلغنا حزناً غدا منه مراراً حتى يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل ﵇ فقال له: يا محمد إنك لرسول الله حقاً فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا مثل ذلك، فإذا وافى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له: مثل ذلك» . ففي الحديث دليل صحيح على أن سورة اقرأ أوّل ما نزل من القرآن، وفيه ردّ على من قال: إنّ المدثر أول ما نزل من القرآن، وعلى من قال: إنّ الفاتحة أوّل ما نزل ثم سورة القلم. وفي هذا الحديث من مراسيل الصحابة، ومرسل الصحابي حجة عند جميع العلماء إلا ما انفرد به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني. وإنما ابتدئ ﷺ بالرؤيا لئلا يفجأه الملك فيأتيه بصريح النبوّة بغتة فلا تحملها القوى البشرية، فبدئ بأوائل علامة النبوّة توطئة للوحي. تنبيه: محل ﴿باسم ربك﴾ النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربك أو مستعيناً به، قل: بسم الله ثم اقرأ. وقال أبو عبيدة: مجازه اقرأ اسم ربك، يعني: أنّ الباء زائدة، والمعنى: اذكر اسمه، أمر أن يبتدئ القراءة باسم الله تعالى تأديباً. وقيل: الباء بمعنى على، أي: أقرأ على اسم ربك كما في قوله تعالى: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾ (هود: ٤١) قاله الأخفش. فإن قيل: كيف قدم هذا الفعل على الجاررّ وقدر مؤخراً في بسم الله الرحمن الرحيم، أي: على سبيل الأولوية كما في ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (الفاتحة: ٤) ولأنه تعالى مقدم ذاتاً لأنه قديم واجب الوجود لذاته فيقدم ذكراً؟ أجيب: بأن هذا في ابتداء القراءة وتعليمها لما مرّ أنها أول سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم باعتبار هذا العارض، وإن كان ذكر الله تعالى أهم في نفسه. وذكرت أجوبة غير هذا في مقدّمتي على البسلمة والحمدلة وقوله تعالى: ﴿الذي خلق﴾ يجوز أن لا يقدّر له مفعول، ويراد أنه الذي حصل منه الخلق واستأثر به لا خالق سواه وأن يقدّر له مفعول ويراد خلق كل شيء فيتناول كل مخلوق لأنه مطلق فليس بعض المخلوقات أولى بتقديره من بعض. وقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان﴾ أي: هذا الجنس الذي من شأنه الإنس بنفسه، وما رأى من أخلاقه وحسنه وما ألفه من أبناء

стр. 2493

جنسه تخصيص بالذكر من بين ما يتناوله الخلق لأنّ التنزيل إليه وهو أشرف ما على الأرض ويجوز أن يراد الذي خلق الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان﴾ (الرحمن: ١ ـ ٢) فقيل: الذي خلق مبهماً، ثم فسره بقوله: ﴿خلق الإنسان﴾ تفخيماً لخلق الإنسان ودلالة على عجيب فطرته وقوله تعالى: ﴿من علق﴾ جمع علقة وهي الدم الجامد، فإذا جرى فهو المسفوح ولما كان الإنسان اسم جنس في معنى الجمع جمع العلق، ولمشاكلة رؤس الآي أيضاً وقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ تكرير للمبالغة، أو الأول مطلق والثاني للتبيلغ، أو في الصلاة قال البيضاوي: ولعله لما قيل له: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ قال ما أنا بقارئ فقيل له اقرأ: ﴿وربك الأكرم﴾ أي: الزائد في الكرم على كل كريم، فإنه ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة مع كفرهم وجحودهم لنعمه، وركوبهم المناهي في إطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرّم بإفادة الفوائد العلمية تكرّم حيث قال الأكرم: ﴿الذي علم﴾ أي: بعد الحلم عن معاجلتهم بالعقاب جوداً منه تعالى من غير مانع من خوف عاقبة، ولا رجاء منفعة ﴿بالقلم﴾ أي: الخط بالقلم. ﴿علم الإنسان ما لم يعلم﴾ فدل على كمال كرمه بأنه علَّم عباده مالم يعلموه، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأوّلين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به. ولبعضهم في صفة القلم: *وروا قم رقش كمثل أراقم ... قطف الخطا نيالة أقصى المدى* *سود القوائم ما يجدّ مسيرها ... إلا إذا لعبت بها بيض المدى* وقال قتادة: القلم نعمة من الله تعالى، ولولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش فدل على كمال كرمه تعالى. وروى عبد الله بن عمر قال: «قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث قال: نعم فاكتب فإنّ الله تعالى علم بالقلم» . ويروى أنّ سليمان ﵇ سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى،. فقال: فما قيده؟ قال: الكتابة. وعن عمر قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان، وهي القلم والعرش وجنة عدن وآدم ﵇. وفيمن علم بالقلم ثلاثة أقوال: أحدها: قال كعب: أوّل من كتب بالقلم آدم ﵊. ثانيها: قال الضحاك: إدريس ﵇. ثالثها: أنه جميع من كتب بالقلم لأنه ما علم إلا بتعليم الله تعالى. وقال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل: القلم الأوّل: الذي خلقه الله تعالى بيده وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ، والثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير والكوائن، والثالث: أقلام الناس يكتبون بها كلامهم ويصلون بها إلى مآربهم. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهنّ الكتابة» . قال بعض العلماء: وإنما حذرهم ﷺ عن ذلك، لأنّ في إسكانهنّ الغرف تطلعاً إلى الرجال وليس في ذلك تحصين لهنّ ولا تستر، وذلك أنهنّ لا يملكن أنفسهنّ حين يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة فحذر من ذلك، وكذلك تعليم الكتابة ربما كان سبباً للفتنة

стр. 2494

لأنها قد تكتب لمن تهوى، والكتابة عين من العيون بها يبصر الشاهد الغائب، والخط إشارة اليد وفيها تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسان، فهي أبلغ من اللسان فأحب ﷺ أن يقطع عن المرأة أسباب الفتنة تحصيناً لها. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع لمن كفر بنعمة الله تعالى بطغيانه، وإن لم يذكره لدلالة الكلام عليه، فإنه تعالى قد عدّ مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهاراً لما أنعم عليه من أن نقله من أحسن المراتب إلى أعلاها تقريراً لربوبيته وتحقيقاً لأكرميته، ﴿إن الإنسان﴾ أي: هذا النوع الذي من شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه ﴿ليطغى﴾ أي: من شأنه إلا من عصمه الله تعالى أن يزيد على الحدّ الذي لا ينبغي له مجاوزته. ﴿ ﴿ ﴿أن رآه﴾ أي: رأى نفسه ﴿استغنى﴾ أي: وجد له الغنى بالمال وقيل: أن يرتفع عن منزلته في اللباس والطعام وغير ذلك. نزلت في أبي جهل كان إذا زاد ماله زاد في ثيابه ومركبه وطعامه فذلك طغيانه. وعن ابن عباس ﵄ لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد أتزعم أنّ من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة ذهباً لعلنا نأخذ فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد خيرهم في ذلك فإن شاؤوا فعلنا بهم ما أرادوا، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدة، فكف رسول الله ﷺ عن الدعاء إبقاء لهم. وقيل: ﴿أن رآه استغنى﴾ بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله تعالى: ﴿أن رآه﴾ كما يقال إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم، فرأى علمية واستغنى مفعول ثان، وأن رأى مفعول له. ﴿إنَّ إلى ربك﴾ أي: المحسن إليك بالرسالة التي رفع بها ذكرك لا إلى غيره ﴿الرجعى﴾ مصدر كالبشرى بمعنى الرجوع، ففي ذلك تخويف للإنسان بأن يجازي العاصي بما يستحقه. وقوله تعالى: ﴿أرأيت﴾ في مواضعها الثلاث للتعجب ﴿الذي ينهى﴾ أي: على سبيل التجدد والاستمرار وهو أبو جهل. ﴿ ﴿ ﴿عبداً﴾ أي: من العبيد وهو النبيّ ﷺ ﴿إذا صلى﴾ أي: خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي أعظم العبادات. نزلت في أبي جهل وذلك أنه نهى النبيّ ﷺ عن الصلاة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقالوا: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته، ولأعفرنّ وجهه في التراب،. قال: فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته فنكص على عقبيه وهو يتقي بيده، فقيل: له: مالك؟، فقال: إن بيني وبينه خندقاً من النار وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله ﷺ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً فأنزل الله تعالى هذه الآية» . وفي رواية «لو فعله لأخذته الملائكة» زاد الترمذي: «عياناً» . وعن الحسن أنه أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة وفائدة التنكير في قوله تعالى: ﴿عبداً﴾ الدلالة على أنه كامل العبودية، كأنه قيل: ينهى أشدّ الخلق عبودية عن العبادة وهذا عين الجهل. وقيل: إن هذا الوعيد يلزم كل من ينهى عن الصلاة عن طاعة الله تعالى ولا يدخل في ذلك المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، وفي الأوقات المكروهة لأنه قد ورد النهي عن ذلك في الأحاديث الصحيحة ولا يدخل أيضاً منع السيد عبده والرجل زوجته عن صوم التطوّع وقيام الليل والاعتكاف، لأنّ ذلك مصلحة إلا أن يأذن

стр. 2495

فيه السيد والزوج. ﴿أرأيت إن كان﴾ أي: المنهي وهو النبيّ ﷺ ﴿على الهدى﴾ وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء، وعن ورش إبدالها ألفاً، وأسقطها الكسائي، والباقون بالتحقيق وقوله تعالى: ﴿أو أمر بالتقوى﴾ أي: بالإخلاص والتوحيد للتقسيم. تنبيه: قوله تعالى: ﴿أرأيت﴾ تكرير للأوّل وكذا الذي في قوله: ﴿أرأيت إن كذب﴾ وهو أبو جهل ﴿وتولى﴾ عن الإيمان. ﴿ألم يعلم﴾ أي: يقع له علم يوماً من الأيام ﴿بأن الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿يرى﴾ ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك، أي: أعجب منه يا مخاطب في نهيه عن الصلاة من حيث إنّ المنهي على الهدى آمر بالتقوى وفي وجه التعجب وجوه: أحدها: إنه ﷺ قال «اللهمّ أعز الإسلام إمّا بأبي جهل وإمّا بعمر بن الخطاب» وهو ينهى عبداً إذا صلى. الثاني: إنه يلقب بأبي الحكم فقيل: أيلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة فيتعجب منه، ومن حيث أن الناهي مكذب متول عن الإيمان. الثالث: إنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته ثم إنه ينهى عن طاعة الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع للناهي ﴿لئن لم ينته﴾ أي: عما هو فيه واللام لام قسم ﴿لنسفعاً بالناصية﴾ أي: لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدّة. قال عمرو بن معديكرب: *قوم إذا نقع الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع* والنقع الصوت. ولما علم أنها ناصية المذكور اكتفى باللام عن الإضافة، والآية وإن كانت في أبي جهل فهي عظة للناس وتهديد لمن يمنع غيره عن طاعة الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿ناصية﴾ بدل من الناصية قال الزمخشري: وجاز بدلها عن المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت، أي: ب ﴿كاذبة خاطئة﴾ واستقلت بفائدة واعترض عليه بأنّ هذا مذهب الكوفيين فإنهم لا يجيزون إبدال نكرة من معرفة إلا بشرط وصفها، أو كونها بلفظ الأوّل ومذهب البصريين لا يشترط شيء، والمعنى: لنأخذن بناصية أبي جهل الكاذبة في قولها الخاطئة في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ والمخطئ غير مأخوذ ووصفت الناصية بالكاذبة الخاطئة كوصف الوجوه في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة: ٢٣) وإنما وصفت الناصية بالكاذبة لأنه كان يكذب على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً ﷺ وعلى رسوله في أنه ساحر وليس بنبي ووصفت بأنها خاطئة لأنّ صاحبها تمرّد على الله تعالى كما قال تعالى: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ (الحاقة: ٣٧) فهما في الحقيقة لصاحبها وفيه من الحسن والجزالة ما ليس في قولك ناصية كاذب خاطىء. وروي أنّ أبا جهل مرّ برسول الله ﷺ وهو يصلي فقال: ألم أنهك فأغلظ عليه رسول الله ﷺ فقال: أتنهرني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً، فوالله لأملأنّ عليك هذا الوادي إن شئت خيلاً جرداً ورجالاً مرداً فأنزل الله تعالى: ﴿فليدع﴾ أي: دعاء استغاثة ﴿ناديه﴾ أي: أهل ناديه ليعينوه فهو على حذف مضاف، لأنّ النادي هو المجلس الذي ينتدى فيه القوم قال تعالى: ﴿وتأتون في ناديكم المنكر﴾ (العنكبوت: ٢٩) أي: يتحدّثون فيه أو على التجوّز لأنه مشتمل على الناس كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢) ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى فليدع عشيرته فلينتصر بهم. ﴿سندع﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿الزبانية﴾ قال ابن عباس ﵄:

стр. 2496

يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها بشدّة، جمع زبني مأخوذ من الزبن وهو الدفع. وقال الزمخشري: الزبانية في كلام العرب الشُّرط الواحد زبنية. وقال الزجاج: هم الملائكة الغلاظ الشداد. قال ابن عباس ﵄: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله تعالى. وروي «أنّ النبيّ ﷺ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لنسفعاً بالناصية﴾ قال: أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك» . قال الله تعالى: ﴿فليدع ناديه سندع الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل: له: خشيت منه؟ قال: لا ولكن رأيت عنده فارساً وهدّدني بالزبانية فلا أدري الزبانية، ومال إليّ الفارس فخشيت منه أن يأكلني. قال ابن عباس ﵄: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته» . وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع لأبي جهل، أي: ليس الأمر على ما يظنه أبو جهل ﴿ولا تطعه﴾ أي: فيما دعاك إليه من ترك الصلاة كقوله تعالى: ﴿ولا تطع المكذبين﴾ وقوله تعالى: ﴿واسجد﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، وأن يكون سجود التلاوة في هذه السورة، ويدل لهذا ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سجدت مع رسول الله ﷺ في ﴿إذا السماء انشقت﴾ (الانشقاق: ١) وفي ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ سجدتين، وهذا نص أن المراد سجود التلاوة، ويدل للأوّل قوله تعالى: ﴿أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كلا لا تطعه واسجد﴾ أي: ودم على سجودك. قال الزمخشري: يريد الصلاة لأنه لا يرى سجود التلاوة في المفصل والحديث عليه. ﴿واقترب﴾ أي: وتقرّب إلى ربك بطاعته وبالدعاء إليه. قال ﷺ «أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن ـ أي: فحقيق ـ أن يستجاب لكم» . «وكان ﷺ يكثر في سجوده من البكاء والتضرّع حتى قالت عائشة ﵂: قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر فما هذا البكاء في السجود؟ وما هذا الجهد الشديد؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً» . وفي رواية: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» . وقرأ ليطغى، واستغنى، إذا صلى، على الهدى، بالتقوى، وتولى حمزة والكسائي جميع ذلك بالإمالة محضة، وورش وأبو عمرو بين بين والفتح عن ورش قليل، والباقون بالفتح. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله» حديث موضوع. سورة القدر مدنية في قول أكثر المفسرين، وحكى الماوردي عكسه، وذكر الواحدي أنها أوّل سورة نزلت بالمدينة وهي خمس آيات وثلاثون كلمة ومائة واثنتا عشر حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الملك الأعظم الذي لا يعبد إلا إياه ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بجوده جميع خلقه أقصاه وأدناه ﴿الرحيم﴾ الذي قرّب أهل طاعته وأبعد من عداهم وأشقاه. وقوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه﴾ أي: بما لنا من العظمة، أي: القرآن فيه تعظيم له من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصاً به دون غيره. والثاني: أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة والاستغناء عن

стр. 2497

التنبيه عليه. والثالث: الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه، وهو قوله تعالى: ﴿في ليلة القدر﴾ . ﴿وما أدراك﴾ أي: أعلمك يا أشرف الخلق ﴿ما ليلة القدر﴾ فإن في ذلك تعظيماً لشأنها. روي أنه أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وأملاه جبريل ﵇ على السفرة، ثم كان ينزله على رسول الله ﷺ نجوماً في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحاجة إليه. وحكى الماوردي عن ابن عباس ﵄: أنه نزل في شهر رمضان وفي ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل ﵇ عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي ﷺ عشرين سنة. قال ابن العربي: وهذا باطل ليس بين جبريل وبين الله تعالى واسطة، ولا بين جبريل وبين محمد ﷺ واسطة، وعن الشعبي: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. وقيل: المعنى أنزل في شأنها وفضلها فليست ظرفاً، وإنما هو كقول عمر ﵁: خشيت أن ينزل فيّ قرآن. وقول عائشة ﵂ لأنا أحقر في شأني أن ينزل فيّ قرآن. وسميت ليلة القدر لأن الله تعالى يقدّر فيها ما يشاء من أمره إلى السنة القابلة من أمر الموت والأجل والرزق وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور من الملائكة، وهم إسرافيل وميكائيل وعزرائيل وجبرائيل ﵈، كقوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ (الدخان: ٤) وعن ابن عباس ﵄: أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وهذا يصلح أن يكون جمعاً بين القولين في قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ فإنه قيل فيها: إنها ليلة النصف من شعبان وقيل: ليلة القدر وحينئذ لا خلاف، وقيل: سميت بذلك لتضيقها بالملائكة. قال الخليل: لأن الأرض تضيق فيها الملائكة كقوله تعالى: ﴿ومن قدر عليه رزقه﴾ (الطلاق: ٧) وقيل: سميت بذلك لعظمها وشرفها وقدرها من قولهم: لفلان قدر، أي: شرف ومنزلة قاله الأزهري وغيره. وقيل: سميت بذلك لأن للطاعة قدراً عظيماً وثواباً جزيلاً. وقيل: لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر على رسول ذي قدر، ومعنى أنّ الله تعالى يقدر الآجال: أنه يظهر ذلك لملائكته ويأمرهم بفعل ما هو من سعتهم بأن يكتب لهم ما قدّره في تلك السنة، ويعرّفهم إياه، وليس المراد أنه يحدث في تلك الليلة لأن الله تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل قيل: للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله تعالى المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض، قال نعم، قيل له: فما معنى ليلة القدر، قال: سوق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدّر. واختلفوا هل هي باقية أو لا؟ فقيل: إنها كانت مرّة ثم انقطعت، وقيل: إنها رفعت بعد النبي ﷺ والصحيح أنها باقية إلى يوم القيامة. وروي عن عبد الله بن محسن مولى معاوية قال: قلت لأبي بكر: زعموا أن ليلة القدر قد رفعت، قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر رمضان أستقبله، قال: نعم. وعن سعيد بن المسيب أنه سئل عن ليلة القدر أهي شيء كان فذهب، أم هي في كل عام، فقال: بل هي لأمة محمد ﷺ ما بقي منهم اثنان، واستدل من قال برفعها بقوله ﷺ حين تلاحى الرجلان: «إني خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم» وهذا غفلة من هذا

стр. 2498

القائل ففي آخر الحديث «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» فلو كان المراد رفع وجودها لم يأمر بالتماسها. واختلفوا في وقتها فأكثر أهل العلم أنها مختصة برمضان، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ (البقرة: ١٨٥) . وقال تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ . فوجب أن لا تكون ليلة القدر إلا في رمضان لئلا يلزم التناقض. وروي عن أبي بن كعب أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان حلف بذلك ثلاث مرات، وعن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر فقال: «هي في كل رمضان» وقيل: هي دائرة في جميع السنة لا تختص برمضان حتى لو علق طلاق امرأته أو عتق عبده بليلة القدر لا يقع ما لم تنقض سنة من حين حلف، يروى ذلك عن أبي حنيفة. وعن ابن مسعود أنه قال: من أراد أن يعرف ليلة القدر فلينظر إلى غرة رمضان، أي: إلى أوّله فإن كان يوم الأحد فليلة القدر ليلة تسع وعشرين، وإن كان يوم الإثنين فليلة القدر إحدى وعشرين، وإن كان يوم الثلاثاء فليلة سبع وعشرين، وإن كان يوم الأربعاء فليلة تسعة عشر، وإن كان يوم الخميس فليلة خمس وعشرين، وإن كان ليلة الجمعة فليلة سبعة عشر، وإن كان يوم السبت فليلة ثلاث وعشرين. وعلى القول الأول هل هي في كل زمان أو في العشر الأخير قولان: أحدهما: أنها في كل شهره. واختلفوا في، أي: ليلة منه فقال ابن رزين: هي الليلة الأولى من رمضان، وقال الحسن البصري: السابعة عشر، وقال أنس: التاسعة عشر، وقال محمد بن إسحاق: الحادية والعشرون، وقال ابن عباس: الثالثة والعشرون، وقال أبيّ بن كعب: السابعة والعشرون. وقيل: التاسعة والعشرون، وقيل: ليلة الثلاثين، وكل استدل على قوله بما يطول الكلام عليه. والقول الثاني وهو ما عليه الأكثرون أنها مختصة بالعشر الأخير منه، واستدل لذلك بأشياء منها: ما روى عبادة بن الصامت «أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر فقال: في رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر» . ومنها: ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان» . وعن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها» . وعنها قالت «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» . واختلفوا في أنها أي: ليلة من العشر، هل في ليلة من ليالي العشر كله، أو في أوتاره فقط، وهل تلزم ليلة بعينها، أو تنتقل في جميعه أقوال. والذي عليه الأكثر أنها في جميعه، ولكن أرجاها أوتاره وأرجى الأوتار عند إمامنا الشافعي ﵁ ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين يدل للأوّل خبر الصحيحين وللثاني خبر مسلم وأنها تلزم عنده ليلة بعينها. وقال المزني صاحب الشافعي وابن خزيمة: أنها متنقلة في ليالي العشر جمعاً بين الأحاديث، قال النووي: وهو قويّ. وقال في مجموعه أنه الظاهر المختار وخصها بعض العلماء بأوتار العشر الأواخر، وبعضهم بأشفاعه. وقال ابن عباس وأبيّ: هي ليلة سبع وعشرين وهو مذهب أكثر أهل العلم، واستنبط ذلك بعضهم من أنّ ليلة القدر ذكرت ثلاث مرّات، وهي تسعة أحرف، وإذا ضربت تسعة في ثلاثة تكن سبعة وعشرين، وبعضهم استنبط ذلك من عدد كلمات السورة،

стр. 2499

وقال: إنها ثلاثون كلمة وفاقاً، وقوله تعالى: ﴿هي﴾ السابع والعشرون، وهي كناية عن هذه الليلة فبان أنها ليلة السابع والعشرين، وهو استنباط لطيف وليس بدليل كما قيل: وفيها نحو الثلاثين قولاً وبضع وعشرون حديثاً وأفردت بالتصنيف، وفيما ذكرناه كفاية. وذكروا للسبب في إخفائها عن الناس وجوهاً: أحدها: أنه تعالى أخفاها ليعظموا جميع السنة على القول بأنها فيها، أو جميع رمضان على القول به، أو جميع العشر الأخير على القول به، كما أخفى رضاه في الطاعات ليرغبوا في كلها، وأخفى غضبه في المعاصي ليحذروها كلها، وأخفى وليه من المسلمين ليعظموهم كلهم، وأخفى الإجابة في الدعاء ليبالغوا في الدعوات، وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليجتهدوا في العبادة في جميع الأوقات المنهيّ عنها طمعاً في إدراكها، وأخفى الاسم الأعظم ليعظموا كل أسمائه تعالى، وأخفى الصلاة الوسطى ليحافظوا على الكل، وأخفى التوبة ليواظب المكلف على جميع أقسامها، وأخفى قيام الساعة ليكونوا على وجل من قيامها بغتة. ثانيها: أن العبد إذا لم يتيقن ليلة القدر واجتهد في الطاعة رجاء أن يدركها فيباهي الله تعالى به ملائكته، ويقول: تقولون فيهم يفسدون ويسفكون الدماء وهذا جدّه واجتهاده في الليلة المظنونة، فكيف لو جعلتها معلومة فحينئذ يظهر أني أعلم ما لا تعلمون. ثالثها: ليجتهدوا في طلبها والتماسها فينالوا بذلك أجر المجتهدين في العبادة، بخلاف ما لو عينت في ليلة بعينها لحصل الاقتصار عليها ففاتت العبادة في غيرها. ثم ذكر الله تعالى فضلها من ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكره بقوله سبحانه: ﴿ليلة القدر﴾ أي: التي خصصناها بإنزالنا فيها ﴿خير من ألف شهر﴾ ليس فيها ليلة القدر فالعمل الصالح فيها خير منه في ألف شهر ليست فيها ليلة قدر. وعن ابن عباس ﵄ «ذكر لرسول الله ﷺ رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله ﷺ لذلك وتمنى ذلك لأمّته، فقال: يا رب، جعلت أمتي أقصر الأمم أعماراً وأقلها أعمالاً، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، فقال تعالى: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك ولأمتك إلى يوم القيامة» ، أي: فهي من خصائص هذه الأمة. وعن مالك أنه سمع من يثق به من أهل العلم أنّ رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي يبلغ غيرهم، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر التي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وقيل: إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له: عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر، فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد، وهي أفضل ليالي السنة، ويدخل في ذلك ليلة الإسراء فهي أفضل منها إن لم تكن ليلة الإسراء ليلة القدر، كما قيل: إن الإسراء كان في رمضان، وإنما كان كذلك لما يريد الله تعالى فيها من المنافع فيكتب فيها جميع خير السنة وشرّها ورزقها وأجلها وبلائها ورخائها ومعاشها إلى مثلها من السنة، ولا يشكل ذلك بما قيل: إن الآجال من شعبان إلى شعبان حتى أن الرجل لينكح ويولد له وقد خرج اسمه في الموتى، لما ورد أنّ الله تعالى يأمر بنسخ ما يكون في السنة من الآجال والأمراض والأرزاق ونحوها في ليلة النصف من شعبان، فإذا كان ليلة القدر فيسلمها

стр. 2500

إلى أربابها. وقيل: يقدّر في ليلة النصف من شعبان الآجال والأمراض، وفي ليلة القدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة. الوجه الثاني: من فضائلها ما ذكره الله تعالى في قوله جلّ ذكره. ﴿تنزل﴾ أي: تنزلاً متدرجاً متواصلاً على غاية ما يكون من الخفة والسرعة بما أشار إليه حذف التاء ﴿الملائكة﴾ أي: إلى الأرض. روي أنه إذا كان ليلة القدر تنزل الملائكة وهم سكان سدرة المنتهى ﴿والروح﴾ أي: جبريل ﵇ ﴿فيها﴾ أي: في الليلة ومعه أربعة ألوية فينصب لواء على قبر النبيّ ﷺ ولواء على ظهر بيت المقدس، ولواء على ظهر المسجد الحرام، ولواء على ظهر سيناء، ولا يدع بيتاً فيه مؤمن ولا مؤمنة إلا دخله وسلم عليهم، يقول: يا مؤمن ويا مؤمنة السلام يقرئك السلام إلا على مدمن خمر، وقاطع رحم، وآكل لحم خنزير. وعن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا كان ليلة القدر نزل جبريل ﵇ في كبكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم، أو قاعد يذكر الله تعالى» . وهذا يدل على أن الملائكة كلهم لا ينزلون، وظاهر الآية نزول الجميع وجمع بين ذلك بما روي أنهم ينزلون فوجاً فوجاً كما أنّ أهل الحج يدخلون الكعبة فوجاً بعد فوج، وإن كانت لا تسعهم دفعة واحدة كما أن الأرض لا تسع الملائكة دفعة واحدة، ولذلك ذكر بلفظ تنزل الذي يقتضي المرّة بعد المرّة، أي: ينزل فوج ويصعد فوج والله أعلم بذلك. وعن أبي هريرة ﵁: أن الملائكة في تلك الليلة أكثر من عدد الحصى، وقال بعضهم: الروح ملك تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة وله ألف رأس أعظم من الدنيا، وفي كل رأس ألف وجه، وفي كل وجه ألف فم، وفي كل فم ألف لسان يسبح الله تعالى بكل لسان ألف نوع من التسبيح والتحميد والتمجيد، ولكل لسان لغة لا تشبه لغة أخرى. فإذا فتح أفواهه بالتسبيح خرّت ملائكة السموات السبع سجداً مخافة أن تحرقهم أنوار أفواهه، وإنما يسبح الله تعالى غدوة وعشية فينزل في ليلة القدر لشرفها وعلوّ شأنها فيستغفر للصائمين والصائمات من أمة محمد ﷺ بتلك الأفواه كلها إلى طلوع الفجر. وعن عليّ أنه ﷺ قال: «رأيت ليلة أسري بي ملكاً رجلاه جاوزت من الأرض السابعة السفلى، ورأسه من السماء السابعة العليا، ومن لدن رأسه إلى قدميه وجوه وأجنحة في كل وجه فم ولسان يسبح الرحمن تسبيحاً لا يسبحه العضو الآخر، ولو أمره الله تعالى أن يلتقم السموات السبع والأرضين السبع لقمة واحدة، كما يلتقم أحدكم اللقمة لأطاق ذلك، ثم لم تكن تلك في فيه إلا كلقمة أحدكم في فيه، ولو سمع أهل الدنيا صوته بالتسبيح لصعقوا، ما بين شحمة أذنه إلى منكبه خفقان الطير السريع سبعة آلاف سنة، وهو رأس الملائكة» . وقيل: الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا في تلك الليلة ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر. ﴿بإذن ربهم﴾ أي: بأمر المحسن إليهم المربي لهم ﴿من كل أمر﴾ أي: قضاه الله تعالى فيها لتلك السنة إلى قابل، وتقدّم الجمع بينها وبين ليلة النصف من شعبان، ومن سببية بمعنى الباء. الوجه الثالث: فضائلها ما ذكره تعالى بقوله سبحانه: ﴿سلام﴾ أي: عظيم جدّاً، وهو خبر مقدّم والمبتدأ. ﴿هي﴾ جعلت سلاماً لكثرة السلام فيها من الملائكة لا يمرّون بمؤمن ولا مؤمنة إلا سلمت عليه وستمرّون

стр. 2501

على ذلك من غروب الشمس ﴿حتى﴾ أي: إلى ﴿مطلع الفجر﴾ أي: وقت مطلعه، أي: طلوعه. وقرأ الكسائي بكسر اللام على أنه كالمرجع، واسم زمان على غير قياس كالمشرق، والباقون بفتحها. ومن فضائلها أنّ من قامها غفرت له ذنوبه ففي الصحيحين: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه» . قال النووي في «شرح مسلم» : ولا ينال فضلها إلا من أطلعه الله تعالى عليها فلو قامها إنسان ولم يشعر بها لم ينل فضلها. قال الأذرعي وكلام المتولي ينازعه حيث قال: يستحب التعبد في كل ليالي العشر حتى يحوز الفضيلة على اليقين اه. وهذا أولى نعم حال من أطلق أكمل إذا قام بوظائفها. وعن أبي هريرة مرفوعاً «من صلى العشاء الأخيرة في جماعة من رمضان فقد أدرك ليلة القدر» ، أي: أخذ حظاً منها. ويسنّ لمن رآها أن يكتمها، ويسنّ أن يكثر الدعاء والتعبد في ليالي رمضان وأن يكون من دعائه: «اللهمّ إنك عفوّ كريم تحب العفو فاعف عني» . ومن علاماتها أنّ الشمس تطلع صبيحتها لا شعاع لها، رواه مسلم عن أبيّ بن كعب وعن ابن مسعود: قال: «إنّ الشمس تطلع كل يوم بين قرني شيطان إلا صبيحة ليلة القدر فإنها تطلع يومئذ بيضاء ليس لها شعاع» . فإن قيل: لا فائدة في هذه العلامة فإنها قد انقضت. أجيب: بأنه يستحب أن يجتهد في ليلتها ويبقى يعرفها كما مرّ عن الشافعي أنها تلزم ليلة واحدة. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبيّ ﷺ «من قرأ سورة القدر أعطى من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر» حديث موضوع. سورة لم يكن وتسمى القيامة، وتسمى المنفكين مكية في قول يحيى بن سلام، ومدنية في قول الجمهور، وهي ثمان آيات وأربع وتسعون كلمة وثلاث مائة وتسعون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي لا يخرج شيء عن مراده ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بنعمه جميع عباده ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بإسعاده. ولما كان الكفار جنسين أهل كتاب ومشركين ذكرهم الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ أي: في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال ﴿من أهل الكتاب﴾ أي: من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقاً فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا. ﴿والمشركين﴾ أي: بعبادة الأصنام والنار والشمس، ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق، بأن لم يكن لهم كتاب. تنبيه: من للبيان. وقوله تعالى: ﴿منفكين﴾ خبر يكن، أي: منفصلين وزائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكاً يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا تبقى لهم به علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحماً من فك الكتاب والختم والعظم إذا أزيل ما كان ملتصقاً أو متصلاً به، أو عن الموعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به، فإنّ أهل الكتاب كانوا يستفتحون به، والمشركين كانوا يقسمون بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من

стр. 2502

إحدى الأمم. فإن قيل: لِمَ قال تعالى: ﴿كفروا﴾ بلفظ الماضي، وذكر المشركين باسم الفاعل؟ ﴿ ﴿ أجيب: بأنّ أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أوّل الأمر، لأنهم كانوا مصدّقين بالتوراة والإنجيل وبمبعث محمد ﷺ بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وذلك يدل على الثبات على الكفر. وقوله تعالى: ﴿حتى﴾ أي: إلى أن ﴿تأتيهم البينة﴾ متعلق بيكن أو بمنفكين، والبينة الآية التي هي البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا طوراً وضياء ونوراً، وذلك هو الرسول ﷺ وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب، وهو القرآن. وقوله تعالى: ﴿رسول﴾ أي: عظيم جدّاً بدل من البينة بنفسه، أو بتقدير مضاف، أي: سنة رسول، أو مبتدأ وزاد عظمته بقوله تعالى واصفاً له: ﴿من الله﴾ أي: الذي له الجلال والإكرام وهو محمد ﷺ لأنه في نفسه بينة وحجة ولذلك سماه الله تعالى سراجاً منيراً، ولأنّ اللام في البينة للتعريف، أي: هو الذي سبق ذكره في التوراة والإنجيل على لسان موسى وعيسى ﵈. وقد يكون التعريف للتفخيم؛ إذ هو البينة التي لا مزيد عليها والبينة كل البينة، وكذا التنكير وقد جمعها الله تعالى ههنا في حق الرسول ﷺ ونظيره: قوله تعالى حين أثنى على نفسه: ﴿ذو العرش المجيد فعال لما يريد﴾ (البروج، الآيتان: ١٥ ـ ١٦) فنكر بعد التعريف. وقال أبو مسلم: المراد من البينة مطلق الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء التوراة أو الزبور أو الانجيل أو القرآن، وعبر بالمضارع لتجدّد البيان في كل وقت بتجدّد الرسالة والتلاوة. وقال البغوي: لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي: حتى أتتهم البينة، وتبعه على ذلك الجلال المحلى. وقوله تعالى: ﴿يتلو صحفاً﴾ صفة الرسول، أو خبره والرسول ﷺ وإن كان أمّياً لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها. وقيل: المراد جبريل ﵇ وهو التالي للصحف المنتسخة من اللوح التي ذكرت في سورة عبس، ولا بدّ من مضاف محذوف وهو الوحي. والصحف جمع صحيفة وهي: القرطاس، والمراد فيها عبر بها عنه لشدّة المواصلة ﴿مطهرة﴾ أي: في غاية الطهارة والنزاهة من كل قذر مما جعلنا لها من البعد عن الأدناس بأنّ الباطل من الشرك بالأوثان، وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، وأنها لا يمسها إلا المطهرون. ﴿فيها﴾ أي: تلك الصحف ﴿كتب﴾ أي: أحكام مكتوبة ﴿قيمة﴾ أي: مستقيمة ناطقة بالحق والعدل الذي لا مرية فيه ليس فيه شرك، ولا اعوجاج بنوع من الأنواع. ﴿وما تفرّق الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: عما كانوا عليه، وخص أهل الكتاب بالتفرق دون غيرهم وإن كانوا مجموعين مع الكافرين، لأنهم يظنون بهم علماً فإذا تفرّقوا كان غيرهم ممن لا كتاب له أدخل في هذا الوصف. ﴿إلا من بعد جاءتهم البينة﴾ أي: أتتهم البينة الواضحة، والمعنيّ به محمد ﷺ أتى بالقرآن موافقاً للذي في أيديهم من الكتاب بنعته وصفته، وذلك أنهم كانوا مجمعين على نبوته فلما بعث ﷺ جحدوا نبوّته وتفرّقوا، فمنهم من كفر بغياً وحسداً ومنهم من آمن كقوله تعالى: ﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم﴾ (الشورى: ١٤) . وقال تعالى: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ (البقرة: ٨٩) وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق لا تفرّقهم

стр. 2503

فيه. وقرأ حمزة وابن ذكوان بإمالة الألف بعد الجيم محضة، والباقون بالفتح. ولما كان حال من أضل على علم أشنع زاد في فضيحتهم فقال تعالى: ﴿وما أمروا﴾ أي: هؤلاء في التوراة والإنجيل ﴿إلا ليعبدوا الله﴾ أي: يوحدوا الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره، واللام بمعنى أن كقوله تعالى: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾ (النساء: ٢٦) . وقوله تعالى: ﴿مخلصين له الدين﴾ فيه دليل على وجوب النية في العبادات لأنّ الإخلاص من عمل القلب، وهو أن يراد به وجه الله تعالى لا غيره، ومن ذلك قوله: ﴿إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين﴾ (الزمر: ١١) . ﴿حنفاء﴾ أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصل الحنف في اللغة: الميل وخصه العرف بالميل إلى الخير، وسموا الميل إلى الشرّ إلحاداً والحنيف المطلق الذي يكون متبرئاً عن أصول الملل الخمسة اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين. وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات، وعن توابعها من الخطأ والنسيان إلى العمل الصالح، وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأوّل من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى ما يعنى وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص. الناظر: أحدهما: إلى الحق، والثاني: إلى الخلق. ولما ذكر أصل الدين أتبعه الفروع، وبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع التجرّد عن العوائق، فقال عز من قائل: ﴿ويقيموا﴾ أي: يعدلوا من غير اعوجاج بجميع الشرائط والأركان والحدود ﴿الصلاة﴾ لتصير بذلك أهلاً بأن تقوم بنفسها، وهي من التعظيم لأمر الله تعالى. ولما ذكر تعالى صلة الخالق أتبعها صلة الخلائق بقوله تعالى: ﴿ويؤتوا الزكاة﴾ أي: يدفعوها لمستحقيها شفقة على خلق الله تعالى إعانة على الدين، أي: ولكنهم حرّفوا ذلك وبدّلوه بطبائعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله تعالى في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل وجاه، وغير ذلك كما هو واضح من قوله تعالى: ﴿وممارزقناهم ينفقون﴾ (البقرة: ٣) . ﴿وذلك﴾ أي: والحال أنّ هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور ﴿دين القيمة﴾ أي: الملة المستقيمة، وأضاف الدين إلى القيمة وهي نعته لاختلاف اللفظين، وأنث القيمة ردّاً بها إلى الملة. وقيل: الهاء للمبالغة فيه. وقيل: القيمة هي الكتب التي جرى ذكرها، أي: وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال تعالى: ﴿وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ (البقرة: ٢١٣) . وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى: ﴿وذلك دين القيمة﴾ فقال: القيمة جمع القيم، والقيم والقائم واحد. قال البغوي: ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله تعالى بالتوحيد. ثم ذكر تعالى ما للفريقين فقال سبحانه: ﴿إنّ الذين كفروا﴾ أي: وقع منهم الستر لمرأى عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك، وإن لم يكونوا عريقين فيه ﴿من أهل الكتاب﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿والمشركين﴾ أي: العريقين في الشرك ﴿في نارجهنم﴾ أي: النار التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة ﴿خالدين فيها﴾ أي: يوم القيامة، أو في الحال لسعيهم لموجباتها. واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب التساوي في النوع، بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء البعداء البغضاء ﴿هم﴾ أي: خاصة بما لضمائرهم من الخبث ﴿شر البرية﴾ أي:

стр. 2504

الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم وفرّطوا في حوائجهم ومآربهم، وهذا يحتمل أن يكون على التعميم، وأن يكون بالنسبة لعصر النبيّ ﷺ لقوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ (البقرة: ٤٧) أي: عالمي زمانهم، ولا يبعد أن يكون في كفار الأمم قبل من هو شرّ منهم، مثل فرعون وعاقر ناقة صالح. ولما ذكر تعالى الأعداء وبدأ بهم لأنّ ذلك أردع لهم أتبعه الأولياء فقال تعالى مؤكداً ما للكفار من الإنكار: ﴿إنّ الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿الصالحات﴾ أي: هذا النوع ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء العالو الدرجات ﴿هم﴾ أي: خاصة ﴿خير البرية﴾ أي: على التعميم، أو برية عصرهم يأتي فيه ما مرّ. وقرأ نافع وابن ذكوان بالهمز في الحرفين لأنه من قولهم برأ الله الخلق، والباقون بالياء المشدّدة بعد الراء كالذرية ترك همزه في الاستعمال. ثم ذكر ثوابهم بقوله تعالى: ﴿ ﴿ ﴿جزاؤهم﴾ أي: على طاعاتهم وعظمه بقوله تعالى: ﴿عند ربهم﴾ أي: المربي لهم والمحسن إليهم ﴿جنات عدن﴾ أي: إقامة لا يحولون عنها ﴿تجري﴾ أي: جرياً دائماً لا انقطاع له ﴿من تحتها﴾ أي: تحت أشجارها وغرفها ﴿الأنهار خالدين فيها﴾ أي: يوم القيامة، أو في الحال لسعيهم في موجباتها وأكد معنى الخلود تعظيماً لجزائهم بقوله تعالى: ﴿أبداً رضي الله﴾ أي: بما له من نعوت الجلال والجمال ﴿عنهم﴾ أي: بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق ﴿ورضوا عنه﴾ لأنهم لم يبق لهم أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم أنه تفضل في جميع ذلك لا يجب عليه لأحد شيء، ولا يقدره أحد حق قدره فلو أخذ الخلق بما يستحقونه لأهلكهم كما قال تعالى: ﴿لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ (فاطر: ٤٥) . وقال ابن عباس: ورضوا عنه بثواب الله . ﴿ذلك﴾ أي: الأمر العالي الذي جوزوا به ﴿لمن خشي ربه﴾ أي: خاف المحسن إليه خوفاً يليق به فلم يركن إلى التسويف والتكاسل، فإنّ الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير وهي للعارفين، فإنّ الإنسان إذا استشعر عذاباً يأتيه لحقته حالة يقال لها: الخوف، وهي انخلاع القلب عن طمأنينته، فإن اشتدّ سمي: وجلاً لجولانه في نفسه، فإن اشتدّ سمي: رهباً لأدائه إلى الهرب وهي حالة المؤمنين الفارّين إلى الله تعالى. ومن غلب عليه الحب لاستغراقه في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة ووراء هذا الخشية ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر: ٢٨) فمن خاف ربه هذا الخوف أنفك عن جميع ما عنده مما لا يليق بجنابه تعالى، وما فارق الخوف قلباً إلا خرب. روى أنس «أنّ النبيّ ﷺ قال لأبيّ بن كعب: إنّ الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لم يكن الذين كفروا﴾ قال أبيّ: وسماني لك؟ قال النبيّ ﷺ نعم فبكى أبيّ» . قال البقاعي: سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من الصحابة قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبيّ ﷺ فأمرهما فعرضا عليه فحسن لهما قال: فسقط في نفسي من التكذيب أشدّ ما يكون في الجاهلية، فضرب ﷺ في صدري ففضت عرقاً وكأنما أنظر إلى الله فرقاً، أي: خوفاً ثم قصَّ عليّ خبر التخفيف بالسبعة الأحرف، وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل، وفيها أنه تعالى يبعث رسوله ﷺ يوم البعث شهيداً، وأنه نزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة، وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا،

стр. 2505

وأنّ اليهود اختلفوا في السبت. وسورة لم يكن على قصرها حاوية إجمالاً لكل ما في النحل على طولها وزيادة، وفيها التحذير من الشك بعد البيان، وتقبيح حال من فعل ذلك وأنّ حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد فيكون شر البرية فقرأها ﷺ تذكيراً له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصوّراً، فيكون أرسخ في النفس، وأثبت في القلب، وأعشق للطبع، فاختصه الله بالتثبيت، وأراد له الثبات فكان من المريدين المرادين لما وصل إلى قلبه بركة ضربة النبيّ ﷺ لصدره، وصار كلما قرأ هذه السورة الجامعة غائباً عن تلاوة نفسه مصغياً بإذن قلبه إلى روح النبوّة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي وصل إليه بسر تلك الضربة، ولثبوته في هذا المقام قال ﷺ «اقرؤكم أُبيّ» . قال القرطبي: وفيه من الفقه قراءة العالم على المتعلم. وقال بعضهم: إنما قرأ النبيّ ﷺ على أبيّ ليعلم الناس التواضع، لئلا يأنف أحد من التعلم والقراءة على دونه في المنزلة. وقيل: إنّ أبياً كان أسرع أخذاً لألفاظ رسول الله ﷺ فأراد بقراءته عليه أن يأخذ ألفاظه ويقرأ كما سمع رسول الله ﷺ يقرأ عليه ويعلم غيره وفيه فضيلة عظيمة لأبيّ؛ إذ أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يقرأ عليه. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة لم يكن كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلاً» . حديث موضوع. سورة الزلزلة مدنية في قول ابن عباس وقتادة ومكية في قول ابن مسعود وعطاء وجابر وهي ثمان آيات وخمس وثلاثون كلمة ومائة وتسع وأربعون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ الخلق بنعمته الظاهرة قسماً ﴿الرحيم﴾ الذي أتم النعمة على خواصه حقيقة عيناً واسماً. ولما قال تعالى: للمؤمنين ﴿جزاؤهم عند ربهم جنات عدن﴾ كأنَّ المكلف قال: متى يكون ذلك فقيل: له: ﴿إذا زلزلت الأرض﴾ أي: تحرّكت واضطربت لقيام الساعة، فالعاملون كلهم يكونون في الخوف وأنت في ذلك الوقت تنال جزاءك وتكون آمناً لقوله تعالى: ﴿وهم من فزع يومئذ آمنون﴾ (النمل: ٨٩) . ﴿زلزالها﴾ أي: تحريكها الشديد المناسب لعظم جرم الأرض وعظمة ذلك كما تقول: أكرم التقي إكرامه، وأهن الفاسق إهانته تريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة. ولما كان الاضطراب العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال تعالى: ﴿ ﴿ ﴿وأخرجت الأرض﴾ أي: كلها، ولم يضمر تحقيقاً للعموم ﴿أثقالها﴾ أي: مما هو مدفون فيها من الكنوز والأموات. قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها، وإذا كان فوقها فهو ثقل عليها. وقال ابن عباس ومجاهد: أثقالها أمواتها تخرجهم في النفخة الثانية، ومنه قيل للجنّ والإنس: الثقلان. وقيل: أثقالها كنوزها، ومنه الحديث: «تنفى الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول:

стр. 2506

في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً» فيعطيها الله تعالى قوّة إخراج ذلك كله كما كان يعطيها قوّة أن تخرج النبات الصغير اللطيف الطريّ الذي هو أنعم من الحرير، فتشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاويل شق النواة مع ما لها من الصلابة التي استعصت بها على الحديد، فتنفلق نصفين وينبت منها سائر ما يريده فالذي قدر على ذلك قادر على تكوين الموتى في بطن الأرض، وإعادتهم على ما كانوا عليه كما يكون الجنين في البطن، ويشق جميع منافذه من السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل هناك بيكار ولا منشار، ثم يخرج من البطن. هكذا إخراج الموتى من غير فرق كل ذلك عليه هين سبحانه. ما أعظم شأنه وأعز سلطانه. ﴿وقال الإنسان﴾ أي: هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما أكده عنده من أمر البعث لما له من الإنس بنفسه، والنظر في عطفه على سبيل التعجب أو الدهش والحيرة أو الكافر كما يقول: ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ (يس: ٥٢) فيقول له المؤمن: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ (يس: ٥٢) . ﴿ما لها﴾ أي: أيّ شيء ثبت للأرض في هذه الزلزلة الشديدة التي لم يعهد مثلها ولفظت ما في بطنها. ﴿يومئذ﴾ أي: إذ كان ما ذكر من الزلزال وما لزم عنه وقوله تعالى: ﴿تحدّث أخبارها﴾ جواب إذا وهو الناصب لها عند الجمهور، ومعنى تحدّث، أي: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شرّ يومئذ، ثم قيل: هو من قول الله تعالى، وقيل: من قول الإنسان، أي: يقول الإنسان ما لها تحدّث أخبارها متعجباً. روى الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: «قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿يومئذ تحدّث أخبارها﴾ قال: «أتدرون ما أخبارها قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا وكذا كذا وكذا. قال: فهذه أخبارها» . في تحديثها بأخبارها ثلاثة أقوال: أحدها: أنّ الله تعالى يقلبها حيواناً ناطقاً فتتكلم بذلك. ثانيها: أنّ الله تعالى يحدث فيها الكلام. ثالثها: أن يكون فيها بيان يقوم مقام الكلام. قيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره يومئذ تحدث أخبارها فيقول الإنسان مالها أي: تخبر الأرض بما عمل عليها. ﴿بأن ربك﴾ متعلق بتحدِّث، ويجوز أن يتعلق بنفس أخبارها والباء سببية، أي: تحدّث بسبب أن ربك المحسن إليك بأنواع النعم ﴿أوحى لها﴾ أي: أذن لها أن تتكلم بذلك المذكور بالقال أو بالحال على ما مرّ. قال البقاعي: وعدل عن قوله إليها إلى قول الله تعالى: ﴿لها﴾ إيذاناً بالإسراع في الإيحاء. وقال البغوي: أوحى إليها واحد. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة،. وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: ﴿يومئذ﴾ بدل من يومئذ قبله منصوب بقوله تعالى: ﴿يصدر﴾ أو بأذكر مقدّراً، أي: واذكر يوم إذ كان ما تقدّم وهو حين يقوم الناس من القبور يصدر ﴿الناس﴾ أي: يرجعون من قبورهم إلى ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم. وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد بين الصاد والزاي، والباقون بالصاد الخالصة ﴿أشتاتاً﴾ أي: متفرّقين بحسب مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر، وآمن وخائف، ومطيع وعاص. وعن ابن عباس: متفرّقين على قدر أعمالهم أهل الإيمان على حدة، أو متفرّقين فأخذ ذات اليمين

стр. 2507

على الجنة، وأخذ ذات الشمال إلى النار ﴿ليروا﴾ أي: يرى الله تعالى المحسن منهم والمسيء بواسطة من شاء من جنوده، أو بغير واسطة حين يكلم سبحانه كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر بذلك رسوله ﷺ ﴿أعمالهم﴾ فيعلموا جزاءها، أو صادرين عن الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله، ثم سبب عن ذلك قوله تعالى مفصلاً الجملة التي قبله: ﴿فمن يعمل﴾ من محسن أو مسيء، مسلم أو كافر ﴿مثقال ذرّة خيراً﴾ أي: من جهة الخير ﴿يره﴾ أي: يرى ثوابه حاضراً لا يغيب عنه شيء منه، لأنّ المحاسب له الإحاطة علماً وقدرة. ﴿ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره﴾ فالمؤمن يراه ليشتدّ سروره به، والكافر يوقف على عمله أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان، أو على أنه جوزي في الدنيا فهو صورة بلا معنى ليشتدّ ندمه وتبقى حسرته. وعن ابن عباس: من يعمل من الكفار خيراً يره في الدنيا ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرّة من شر عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرّة من شر من المؤمنين يره في الدنيا ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا تاب ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرّة من خير يقبل منه ويضاعف في الآخرة وفي بعض الأحاديث: إنّ الذرّة لا زنة لها، وهذا مثل ضربه الله تعالى ليبين أنه لا يغفل عن عمل ابن آدم صغيراً ولا كبيراً، وهو كقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة﴾ (النساء: ٤٠) . وذكر بعض أهل اللغة أنّ الذرأن يضرب الرجل يده على الأرض فما علق من التراب فهو الذر. وعن ابن عباس: إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها فكل واحدة مما لزق من التراب ذرّة، وفسرها بعضهم بالنملة الصغيرة، وبعضهم بالهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة. وقال محمد كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرّة من خير من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله تعالى خير ومن يعمل مثقال ذرّة من شرّ، من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله تعالى شررّ ودليله ما روى أنس «أن هذه الآية نزلت على النبيّ ﷺ وأبو بكر يأكل فأمسك وقال: يا رسول الله وإنا لنرى ما عملنا من خير وشرّ؟ فقال ﷺ يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فمثاقيل ذر الشر ويدّخر لكم مثاقيل ذر الخير حتى تعطوه يوم القيامة» . وقال أبو إدريس: إنّ مصداقه من كتاب الله : ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ (الشورى: ٣٠) . وقال مقاتل: نزلت في رجلين أحدهما كان يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة، ويقول: إنما وعد الله تعالى النار على الكبائر فنزلت هذه الآية لترغبهم في القليل من الخير يعطوه ولهذا قال ﷺ «اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة» وتحذرهم من اليسير من الذنب، ولهذا قال ﷺ لعائشة: «إياك ومحقرات الذنوب فإنّ لها من الله تعالى طالباً» وقال ابن مسعود: هذه الآية أحكم آية في القرآن وأصدق. وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية. وقال كعب الأحبار: لقد أنزل على محمد ﷺ آيتان أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره﴾ . وكان ﷺ يسمي هذه الجامعة الفاذة

стр. 2508

حين سئل عن زكاة الحمير فقال: «ما نزل عليّ فيها شيء غير هذه الآية الجامعة الفاذة» : ﴿فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره﴾ . وروى مالك في الموطأ أنّ مسكيناً استطعم عائشة ﵂ وبين يديها عنب، فقالت لإنسان خذ حبة فأعطه إياها فجعل ينظر إليها ويتعجب فقالت: أتعجب كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرّة، وكذا تصدّق عمر ﵁، وإنما فعلا ذلك لتعليم الغير وإلا فهما من كرماء الصحابة. قال الربيع بن خيثم مرّ رجل بالحسن وهو يقرأ هذه الآية فلما بلغ آخرها قال: حسبي قد انتهت الموعظة. تنبيه: قوله تعالى: ﴿يره﴾ جواب الشرط في الموضعين. وقرأ هشام بسكون هاء يره وصلاً في الحرفين، والباقون بضمها وصلاً وساكنة وقفاً كسائر هاء الكناية. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبيّ ﷺ «من قرأ إذا زلزلت أربع مرّات كان كمن قرأ القرآن كله» ، رواه الثعلبي بسند ضعيف لكن يشهد له ما رواه ابن أبي شيبة مرفوعاً «إذا زلزلت تعدل ربع القرآن» . سورة والعاديات مكية في قول ابن مسعود وجابر والحسن وعكرمة وعطاء، ومدنية في قول ابن عباس وأنس ابن مالك، وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة وثلاثة وستون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي له الأمر كله فلا يسئل عما يفعل ﴿الرحمن﴾ الذي نعمته أتم نعمة وأشمل ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بتوفيقه وأتم نعمته عليهم وأكمل. وقوله : ﴿والعاديات ضبحاً﴾ قسم أقسم الله سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدون. وعن ابن عباس أنه حكاه فقال: أح أح، قال عنترة: *والخيل تكدح حين تض ... بح في حياض الموت ضبحا* وانتصاب ضبحاً على يضبحن أو بالعاديات، كأنه قيل: والضابحات ضبحاً لأنّ الضبح يكون مع العدو، أو على الحال، أي: ضابحات، والعاديات جمع عادية وهي الجارية بسرعة من العدو وهو المشي بسرعة. ﴿ ﴿ وعن ابن عباس: كنت جالساً في الحجر فجاء رجل فسألني عن العاديات ضبحاً ففسرتها بالخيل فذهب إلى عليّ ﵁، وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت، فقال: ادعه لي فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأوّل غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان؛ فرس للزبير وفرس للمقداد العاديات ضبحاً الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى. قال الزمخشري: فإن صحت الرواية فقد استعير الضبح للإبل كما استعير المشافر والحافر للإنسان، والشفتان للمهر وما أشبه ذلك. قال ابن عباس: وليس شيء من الحيوان يضبح غير الفرس والكلب والثعلب، ونقل غيره أنّ الضبح يكون في الإبل والأسود من الحيات والبوم والضرو والأرنب والثعلب والفرس. ثم اتبع عدوها ما ينشأ عنه فقال تعالى عاطفاً بأداة التعقيب: ﴿فالموريات قدحاً﴾ قال عكرمة والضحاك: هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة لا سيما عند سلوك الأوعار، وقدحاً منصوب لما انتصب به ضبحاً. قال

стр. 2509

الزمخشري: ففيه الثلاثة أوجه المتقدّمة. وعن ابن عباس: أورت بحوافرها غباراً، وهذا إنما يناسب من فسر العاديات بالإبل. وقال ابن مسعود: هي الإبل تطأ الحصى فتخرج منه النار أصل القدح: الاستخراج، ومنه قدحت العين إذا أخرجت منها الماء الفاسد. وعن قتادة وابن عباس أيضاً: أنّ الموريات قدحاً الرجال في الحرب، والعرب تقول: إذا أرادوا أنّ الرجل يمكر بصاحبه والله لأمكرنّ بك ثم لأورين لك، وعن ابن عباس أيضاً: هم الذين يغزون فيورون نيرانهم بالليل لحاجتهم وطعامهم، وعنه أيضاً: إنها نيران المجاهدين إذا كثرت إرهاباً ليظنهم العدوّ كثيراً قال القرطبي: وهذه الأقوال مجاز كقولهم: فلان يوري زناد الضلالة والأوّل الحقيقة وأنّ الخيل من شدّة عدوها تقدح النار بحوافرها. وقال مقاتل: تسمى تلك النار نار أبي حباب، وأبو حباب كان شيخاً من مضر في الجاهلية من أبخل الناس، وكان لا يوقد نار الخبز ولا غيره حتى تنام العيون فيوقد نويرة تقد مرّة وتخمد أخرى، فإن استيقظ لها أحداً أطفأها كراهة أن ينتفع بها أحد، فشبهت العرب هذه النار بناره لأنه لا ينتفع بها. ولما ذكر العدو وما يتأثر عنده ذكر نتيجته وغايته بقوله: ﴿فالمغيرات﴾ أي: بإغارة أهلها وقوله تعالى: ﴿صبحاً﴾ ظرف، أي: التي تغير وقت الصبح يقال أغار بغير إغارة إذا باغت عدوّه لنهب أو قتل أو أسر، قال الشاعر: *فليت لي بهم قوماً إذا اركبوا ... شنوا الإغارة فرساناً وركبانا* وغار لغية. ﴿فأثرن﴾ أي: فهيجن ﴿به﴾ أي: بفعل الإغارة ومكانها وزمانها من شدّة العدو ﴿نقعاً﴾ أي: غبار الشدّة حركتهنّ والنقع الغبار. تنبيه: عطف الفعل وهو فأثرن على الاسم لأنه في تأويل الفعل لوقوعه صلة لأل. وقال الزمخشري: معطوف على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، لأنّ المعنى واللاتي عدون فأورين فأغرن فأثرن. ﴿فوسطن به﴾ أي: بذلك النقع أو العدو أو الوقت ﴿جمعاً﴾ من العدوّ، أي: صرن وسط العدو وهو الكتيبة، يقال: وسطت القوم بالتخفيف ووسطتهم بالتشديد، وتوسطتهم بمعنى واحد. وقال القرطبي: يعني جمع منى وهو مزدلفة، فوجه القسم على هذا أنّ الله تعالى أقسم بالإبل لما فيها من المنافع الكثيرة وتعريضه بإبل الحج للترغيب فيه، وفيه تعريض على من لم يحج بعد القدرة عليه كما في قوله تعالى: ﴿ومن كفر﴾ أي: من لم يحج ﴿فإنّ الله غنيّ عن العالمين﴾ (آل عمران: ٩٧) وجواب القسم قوله تعالى: ﴿إنّ الإنسان﴾ أي: هذاالنوع بما له من الإنس بنفسه والنسيان لما ينفعه ﴿لربه﴾ المحسن إليه بإبداعه ثم بإبقائه وتدبيره وتربيته ﴿لكنود﴾ قال ابن عباس: لكفور جحود لنعم الله تعالى. وقال الكلبي: هو بلسان ربيعة ومضر الكفور وبلسان كندة وحضرموت العاصي. وقال الحسن: هو الذي يعدّ المصائب وينسى النعم وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير والأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً، وفي الحديث عن أبي امامة هو الذي يأكل وحده ويمنع رفده ويضرب عبده. وقال الفضيل بن عياض: الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، والشكور الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. ﴿وإنه﴾ أي: الإنسان ﴿على ذلك﴾

стр. 2510

أي: الكنود العظيم حيث أقدم على مخالفة الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه ﴿لشهيد﴾ أي: يشهد على نفسه ولا يقدّر أن يجحده لظهور أثره عليه، أو أن الله تعالى على كنوده لشاهد على سبيل الوعيد. ﴿وإنه﴾ أي: الإنسان من حيث هو ﴿لحب﴾ أي: لأجل حب ﴿الخير﴾ أي: المال الذي لا يعدّ غيره لجهله خيراً ﴿لشديد﴾ أي: بخيل بالمال ضابط له ممسك عليه، أو بليغ القوة في حبه لأنّ منفعته في الدنيا، وهو متقيد بالعاجل الحاضر المحسوس مع علمه بأنّ أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه تعالى، ومع ذلك فهو لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق، وهو لحب عبادة ربه وشكر نعمته ضعيف متقاعس. ثم سبب عن ذلك قوله تعالى: ﴿أفلا يعلم﴾ أي: هذا الإنسان الذي أنساه أنسه بنفسه ﴿إذا بعثر﴾ أي: انتثر بغاية السهولة وأخرج ﴿ما في القبور﴾ أي: من الموتى. قال أبو عبيدة: بعثرت المتاع: جعلت أسفله أعلاه. قال محمد بن كعب: ذلك حين يبعثون. فإن قيل: لِمَ قال: ﴿ما في القبور﴾ ولم يقل من، ثم قال بعد ذلك: ﴿إن ربهم بهم﴾ أجيب: عن الأوّل بأنّ ما في الأرض غير المكلفين أكثر فأخرج الكلام على الأغلب، أو أنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل يصيرون كذلك بعد البعث، فلذلك كان الضمير الأوّل ضمير غير العقلاء، والضمير الثاني ضمير العقلاء. ﴿وحُصِّل﴾ أي: أخرج وجمع بغاية السهولة ﴿ما في الصدور﴾ من خير وشر مما يظن مضمره أنه لا يعلمه أحد أصلاً، وظهر مكتوباً في صحائف الأعمال وهذا يدل على أن النيات يحاسب عليها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها. وتخصيص الصدر بذلك لأنه محله القلب. ﴿إن ربهم﴾ أي: المحسن إليهم بخلقهم وخلقهم وتربيتهم ﴿بهم يومئذ﴾ أي: إذا كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة ﴿لخبير﴾ أي: لمحيط بهم من جميع الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم فكيف بظواهرها ومعنى علمه بهم يوم القيامة مجازاته لهم، وإلا فهو خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره فكيف ينبغي للعاقل أن يعلق آماله بالمال فضلاً عن أن يؤثره على الباقي. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر حسنات من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً» حديث موضوع. سورة القارعة مكية وهي إحدى عشرة آية وست وثلاثون كلمة ومائة واثنان وخمسون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الملك الأعلى ﴿الرحمن﴾ الذي عمت نعمه إيجاده جميع الورى ﴿الرحيم﴾ الذي يخص أولياءه بالتوفيق لما يحب ويرضى. ولما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته بقوله تعالى: ﴿القارعة﴾ أي: الصيحة، أو القيامة التي تقرع القلوب بأهوالها والأجرام الكثيفة بالتشقق والانفطار، والأشياء الثابتة بالانتشار. وقوله تعالى: ﴿ما القارعة﴾ تهويل لشأنها وهما مبتدأ وخبر، خبر القارعة، وأكد تعظيمها إعلاماً بأنه مهما خطر في بالك من عظمها فهي أعظم منه، فقال تعالى: ﴿وما أدراك﴾ أي: أعلمك ﴿ما القارعة﴾ أي: إنك لا تعرفها لأنك لم تعهد مثلها، وما الأولى مبتدأ وما بعدها خبره، وما الثانية وخبرها في محل المفعول الثاني لأدري. ﴿ ﴿ واختلف في ناصب ﴿يوم﴾ على

стр. 2511

وجهين أحدهما أنه بمضمر دلّ عليه القارعة، أي: تقرعهم يوم. وقيل تقديره: تأتي القارعة يوم ﴿يكون الناس﴾ والثاني أنه أذكر مقدّراً فهو مفعول به لا ظرف. وقوله تعالى: ﴿كالفراش المبثوث﴾ يجوز أن يكون خبراً للناقصة وأن يكون حالاً من فاعل التامة، أي: يؤخذون ويحشرون شبه الفراش شبههم في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش إلى النار، والفراش طائر معروف. قال قتادة: الفراش الطير الذي يتساقط في النار والسراج، الواحدة فراشة. وقال الفراء: هو الهمج من البعوض والجراد وغيرهما، وبه يضرب المثل في الطيش والهرج يقال: أطيش من فراشة. وأنشدوا: *فراشة الحلم فرعون العذاب وأن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب* وفي أمثالهم: أضعف من فراشة، وأذل وأجهل. وسمي فراشاً لتفرشه وانتشاره. وروى مسلم عن جابر قال: «قال رسول الله ﷺ مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهنّ عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي» . وفي تشبيه الناس بالفراش مبالغات شتى منها الطيش الذي يلحقهم وانتشارهم في الأرض، وركوب بعضهم بعضاً، والكثرة والضعف، والذلة والمجيء من غير ذهاب، والقصد إلى الداعي من كل جهة، والتطاير إلى النار. قال جرير: *إنّ الفرزدق ما علمت وقومه ... مثل الفراش غشين نار المصطلى* والمبثوث المتفرق، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿كأنهم جراد منتشر﴾ (القمر: ٧) فإن قيل: كيف شبه الشيء الواحد بالصغير والكبير معاً لأنه شبههم بالجراد المنتشر والفراش المبثوث؟ أجيب: بأنّ التشبيه بالفراش في ذهاب كل واحد إلى غير جهة الآخر، وأمّا التشبيه بالجراد فبالكثرة والتتابع. ﴿وتكون الجبال﴾ على ما هي عليه من الشدّة والصلابة وأنها صخوراً راسخة ﴿كالعهن﴾ أي: الصوف المصبوغ ألواناً لأنها ملوّنه قال تعالى: ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر﴾ (فاطر: ٢٧) أي: وغير ذلك ﴿المنفوش﴾ أي: المندوف المفرّق الأجزاء فتراها لذلك متطايرة في الجوّ كالهباء المنثور، كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿هباءً منبثاً﴾ (الواقعة: ٦) حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمّتا. ثم سبب عن ذلك تعالى مفصلاً لهم: ﴿فأمّا من ثقلت موازينه﴾ أي: برجحان الحسنات، وفي الموازين قولان: أحدهما: أنه جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله تعالى، وهذا قول الفراء. والثاني: قال ابن عباس: إنه جمع ميزان له لسان وكفتان لا يوزن فيه إلا الأعمال، فتوزن فيه الصحف المكتوبة فيها الحسنات والسيئات أو الأعمال أنفسها، فيؤتى بحسنات المؤمن في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان فإذا رجحت فالجنة له، ويؤتى بسيئات الكافر في أقبح صورة فيخف ميزانه فيدخل النار. وقيل: إنما توزن أعمال المؤمنين فمن ثقلت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن ثقلت سيئاته على حسناته دخل النار فيقتص منه على قدرها، ثم يخرج منها فيدخل الجنة، أو يعفو الله عنه فيدخل الجنة بفضله ورحمته. وأمّا الكافر فقد قال الله تعالى في حقه: ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً﴾ (الكهف: ١٠٥) ثم قيل: إنه ميزان واحد بيد جبريل

стр. 2512

عليه السلام يزن به أعمال بني آدم، فعبر عنه بلفظ الجمع. وقيل: موازين لكل حادثة ميزان، وقيل: الموازين الحجج والدلائل قاله عبد العزيز بن يحيى، واستشهد بقول الشاعر: *قد كنت قبل لقائكم ذا مرّة ... عندي لكل مخاصم ميزانه* ﴿فهو﴾ أي: بسبب رجحان حسناته ﴿في عيشة﴾ أي: حياة يتقلب فيها. قال البقاعي: ولعله ألحقها بالهاء الدالة على الوحدة، والمراد العيش ليفهم أنها على حالة واحدة في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا ﴿راضية﴾ أي: ذات رضا أو مرضية لأنّ أمّه جنة عالية. ﴿وأمّا من خفت﴾ أي: طاشت ﴿موازينه﴾ أي: غلبت سيئاته، أو لم تكن له حسنة لاتباعه الباطل وخفته عليه في الدنيا. ﴿فأمّه﴾ أي: التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض أم لأنها تقصد لذلك، ويسكن إليها كما يسكن إلى الأمّ وكذا المسكن ﴿هاوية﴾ أي: نار نازلة سافلة جدّاً، فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلاً فهو في عيشة ساخطة فالآية من الاحتباك ذكر العيشة أولاً دليلاً على حذفها ثانياً وذكر الأمّ ثانياً، دليلاً على حذفها أوّلاً، والهاوية اسم من أسماء جهنم وهي المهواة لا يدرك قعرها. وقال قتادة: هي كلمة عربية كان الرجل إذا وقع في أمر شديد يقال: هوت أمّه. وقيل: أراد أمّ رأسه يعني أنهم يهوون في النار على رؤوسهم، وإلى هذا التأويل ذهب قتادة وأبو صالح. وروي عن أبي بكر أنه قال: وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينهم يوم القيامة باتباع الحق وثقله في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحسنات أن يثقل، وإنما خفت موازين من خفت موازينه باتباعهم الباطل وخفته في الدنيا، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا السيئات أن يخف. ﴿وما أدراك﴾ أي: وأيّ شيء أعلمك وإن اشتدّ تكلفك ﴿ماهيه﴾ أي: الهاوية، والأصل ما هي فدخلت الهاء للسكت وقرأ حمزة في الوصل بغيرها بعد الياء التحتية ووقف بها، والباقون بإثباتها وصلاً ووقفاً. فإن قيل: قال هنا: ﴿وما أدراك ماهيه﴾ وقال أوّل السورة: ﴿وما أدراك ما القارعة﴾ ولم يقل ما أدراك ما الهاوية؟. أجيب: بأنّ كونها قارعة أمر محسوس وكونها هاوية ليس كذلك فظهر الفرق. وقوله تعالى: ﴿نار حامية﴾ خبر مبتدأ مضمر، أي: هي، أي: الهاوية نار شديدة الحرارة. روى مسلم أنّ النبيّ ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد جزء من سبعين جزءً من حرّ جهنم، قالوا: وإنها لكافية يا رسول الله؟ قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءً كلها مثل حرّها» وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: عن النبيّ ﷺ «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة» حديث موضوع. سورة التكاثر مكية وهي ثمان آيات وثمانية وعشرون كلمة ومائة وعشرون حرفاً ﴿بسم الله﴾ ذي الجلال والإكرام ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بالإيجاد بعد الإعدام ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بتمام الإنعام. ولما ختم القارعة بالشقي افتتح هذه بفعل الشقاوة ومبتدأ الحشر لينزجر السامع. فقال تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر﴾ أي: شغلكم المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة

стр. 2513

المال والعدد عن طاعة ربكم، وما ينجيكم من سخطه. ﴿حتى زرتم المقابر﴾ أي: ألهاكم التكاثر بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم منفقين أعماركم في طلب الدنيا، والاستباق إليها والتهالك عليها إلى أن أتاكم الموت، لا همّ لكم غيرها عما هو أولى بكم من السعي لعاقبتكم، والعمل لآخرتكم، وزيارة القبر عبارة عن الموت. قال الأخطل: *لن يخلص العام خليل عشراً ... ذاق الضماد أو يزور القبرا* تنبيه: حتى غاية لقوله تعالى: ﴿ألهاكم﴾ وهو عطف عليه، والمعنى: حتى أتاكم الموت فصرتم في المقابر زواراً ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار، يقال لمن مات: قد زار قبره. فإن قيل: شأن الزائر أن ينصرف قريباً والأموات ملازمون للقبور فكيف يقال: إنه زار القبر، وأيضاً حتى زرتم إخبار عن الماضي فكيف يحمل على المستقبل. أجيب: عن الأول: بأن سكان القبور لا بد أن ينصرفوا عنها، فإن كل آت قريب، وعن الثاني: لتحققه عبر عنه بالماضي كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ (النحل: ١٠) ﴿ ﴿ وقال أبو مسلم: إنّ الله تعالى يتكلم بهذه السورة يوم القيامة تعبيراً للكفار وهم في ذلك الوقت قد تقدّمت منهم زيارة القبور. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في حيين من قريش بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا أيهم أكثر عدداً فكثرهم بنو عبد مناف، وقالت بنو سهم: إنّ البغي أهلكنا في الجاهلية فعادّونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات، لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عدداً، والمعنى: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى استوعبتم عددهم ثم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة القبور تهكماً بهم، وإنما حذف الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة. وقال قتادة: في اليهود قالوا نحن أكثر من بني فلان وبنو فلان أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضلالاً، أو أنهم كانوا يزورون المقابر فيقولون: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان عند تفاخرهم، والمعنى: ألهاكم ذلك وهو مما لا يعينكم ولا يجدي عنكم في دنياكم وآخرتكم عما يعينكم من أمر الدين الذي هو أهمّ وأعنى من كل مهمّ من المقابر، والمقابر: جمع مقبرة بفتح الباء وضمها، ويسمى سعيد المقبري لأنه كان يسكن المقابر. قال القرطبي: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة، واعترضه ابن عادل: بأنّ الله تعالى قال في سورة أخرى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ (عبس: ٢١) وهذا ممنوع فإنه قال المقابر، فلفظ هذه الآية غير لفظ تلك. وزيارة القبور من أعظم الأدوية للقلب القاسي لأنها تذكر الموت والآخرة، وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها قال ﷺ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة» . وروى أبو هريرة أنّ رسول الله ﷺ «لعن زوّارات القبور» . فتكره لهنّ لقلة صبرهنّ وكثرة جزعهنّ نعم زيارة النبيّ ﷺ سنة لهنّ ويلحق به بقية الأنبياء والعلماء، وينبغي لمن زار القبور أن يتأدّب بآدابها ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها الطواف عليها فقط فإنّ هذه حالة يشاركه فيها البهائم، بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى وإصلاح فساد قلبه، ونفع الميت بما يتلوه عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب الجلوس عليها. ويسلم إذا دخل المقابر فيقول: «السلام عليكم

стр. 2514

دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» . وإذا وصل على قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضاً، وأتاه من قبل وجهه لأنه في زيارته كمخاطبه حياً، ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، ويتأمّل حال من مضى من إخوانه كيف انقطعت آمالهم ولم تغن عنهم أموالهم، ومجيء التراب على محاسنهم ووجوههم، وافترقت في التراب أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم وأنه لا بدّ صائر إلى مصيرهم، وأنّ حاله كحالهم وماله كمالهم. وعن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: «انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية قال: يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدّقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت» . وعن مالك قال: «قال رسول الله ﷺ يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان، ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» . وقرأ ألهاكم حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بذنبه. وقوله تعالى: ﴿سوف تعلمون﴾ إنذار ليخافوا فينتبهوا عن غفلتهم وقوله تعالى: ﴿ثم كلا سوف تعلمون﴾ تكرير للتأكيد وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأوّل وأشدّ كما يقال للمنصوع أقول لك لا تفعل، والمعنى سوف تعلمون والخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول لقاء الله تعالى، وإن هذا التنبيه نصيحة لكم ورحمة عليكم. وعن عليّ كرم الله وجهه ورضي الله عنه ﴿كلا سوف تعلمون﴾ في الدنيا. ﴿ثم كلا سوف تعلمون﴾ في الآخرة فعلى هذا يكون غير مكرّر لحصول التغاير بينهما لأجل تغاير المتعلقين وثم على بابها من المهلة. وعن ابن عباس ﴿كلا سوف تعلمون﴾ ما ينزل بكم من العذاب في القبور ﴿ثم كلا سوف تعلمون﴾ في الآخرة إذا حل بكم العذاب فالتكرار للحالتين. وروى زر بن حبيش عن علي كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة فأشار على أنّ قوله تعالى: ﴿كلا سوف تعلمون﴾ في القبور. وقيل: ﴿كلا سوف تعلمون﴾ إذا نزل بكم الموت وجاءتكم رسل ربكم بنزع أرواحكم ﴿ثم كلا سوف تعلمون﴾ في القيامة أنكم معذبون، وعلى هذا تضمنت أحوال القيامة، من بعث وحشر وعرض وسؤال إلى غير ذلك من أهوال القيامة، وقال الضحاك: ﴿كلا سوف تعلمون﴾ يعني الكفار ﴿ثم كلا سوف تعلمون﴾ أيها المؤمنون فالأوّل وعيد والثاني وعد. ولما كان هذا أمراً صادقاً أشار تعالى إلى أنه يكفي هذه الأمّة المرحومة التأكيد بمرّة واحدة، فقال سبحانه مردّداً الأمر بين تأكيد الردع تالياً بالأداة الصالحة له، ولأن يكون بمعنى حقاً كما يقوله أئمة القراءة. ﴿كلا﴾ أي: ليشتدّ ارتداعكم عن التكاثر، فإنه أساس كل بلاء فإنكم ﴿لو تعلمون﴾ أي: أيها الكافرون ﴿علم اليقين﴾ أي: لو يقع لكم علم على وجه اليقين مرّة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون فحذف الجواب أخوف ليذهب الوهم معه كل مذهب ولا يجوز أن يكون. ﴿لترون الجحيم﴾ جوابها الآن هذا مثبت، وجواب لو يكون منفياً ولأنه تعالى عطف عليه، ثم لتسألن وهو مستقبل لا بد من وقوعه وحذف جواب لو كثير. قال الأخفش: التقدير لو تعلمون علم اليقين لالهاكم بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد، وأوضح به

стр. 2515

ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيماً. وقوله تعالى: ﴿ثم لترونها﴾ تكرير للتأكيد، والأولى إذا رأتهم من مكان بعيد، والثانية إذا وردوها والمراد بالأولى المعرفة والثانية الإبصار. ﴿عين اليقين﴾ أي: الرؤية التي هي نفس اليقين، فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين. قال الرازي: واليقين مركب الإخلاص في هذا الطريق، وهو غاية درجات العامة وأوّل خطرة الخاصة. قال ﷺ «خير ما ألقي في القلب اليقين» وعلمه قبول ما ظهر من الحق وقبول ما غاب للحق والوقوف على ما قام بالحق. وقال قتادة: اليقين هنا الموت، وعنه أيضاً. البعث، أي: لو تعلمون علم الموت، أو البعث فعبر عنه الموت باليقين، والعلم من أشدّ البواعث على العمل. وقيل: لو تعلمون اليوم في الدنيا علم اليقين بما أمامكم مما وصفت.. ﴿لترونّ الجحيم﴾ بعيون قلوبكم، فإنّ علم اليقين يريك الجحيم بعين فؤادك. وقرأ لترونَ ابن عامر والكسائي بضم التاء، والباقون بالفتح. ﴿ثم لتسئلنّ﴾ حذف منه نون الرفع لتوالي النونات، والواو لالتقاء الساكنين ﴿يومئذ﴾ أي: يوم رؤيتها ﴿عن النعيم﴾ وهو ما يلتذ به في الدنيا من الصحة والفراغ والأمن والمطعم والمشرب وغير ذلك، والمراد بذلك ما يشغله عن الطاعة للقرينة والنصوص الكثيرة كقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ (الأعراف: ٣٢) وقوله تعالى: ﴿كلوا من الطيبات﴾ (المؤمنون: ٥١) وقال الحسن: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار، لأنّ أبا بكر ﵁ لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم من خبز وشعير ولحم وبسر وماء عذب، أيكون من النعيم الذي يسأل عنه، فقال ﷺ «إنما ذلك للكفار ثم قرأ ﷺ ﴿وهل نجازي إلا الكفور﴾ (سبأ: ١٧) » لأنّ ظاهر الآية يدل على ذلك لأنّ الكفار ألهاهم التكاثر بالدنيا والتفاخر بلذاتها عن طاعة الله تعالى، والاشتغال بشكره فالله تعالى يسألهم عنها يوم القيامة حتى يظهر لهم أن الذي ظنوه لسعادتهم كان من أعظم الأسباب لشقاوتهم. وقيل: السؤال عام في حق المؤمن والكافر لقوله ﷺ «أوّل ما يسأل العبد يوم القيامة عن النعيم فيقال له: ألم نصحح جسمك، ألم نروك من الماء البارد؟» . وقيل: الزائد على ما لا بدّ منه، وقيل: غير ذلك. قال الرازي: والأولى على جميع النعم لأنّ الألف واللام تفيد الاستغراق وليس صرف اللفظ على البعض أولى من صرفه إلى الباقي، فيسأل عنها هل شكرها أم كفرها. وإذا قيل: إنّ هذا السؤال للكافر، فقيل: هو في موقف الحساب، وقيل: بعد دخول النار يقال لهم: إنما حل بكم هذا العذاب لاشتغالكم في الدنيا بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم من هذه النار، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبيّ ﷺ «من قرأ ألهاكم التكاثر لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية» حديث موضوع إلا آخره، فرواه الحاكم بلفظ «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية؟ قال: أو ما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر» . سورة العصر مكية وروي عن ابن عباس وعبادة أنها مدنية، وهي ثلاث آيات وأربع عشرة كلمة وثمانية وستون حرفاً

стр. 2516

﴿بسم الله﴾ الذي كل شيء هالك إلا وجهه ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ الوجود بإنعامه فليس شيء شبهه ﴿الرحيم﴾ الذي أعز أولياءه فكانوا للدّهر غرّة ولأهله جبهه. وقوله تعالى: ﴿والعصر﴾ قسم، واختلف في المراد به. فقال ابن عباس: والدهر أقسم به لأنّ فيه عبرة للناظر بتصرّف الأحوال وتبدلها وما فيها من الدلالة على الصانع، وقيل: معناه ورب العصر ومرّ الكلام في أمثاله وقال ابن كيسان أراد بالعصر الليل والنهار، يقال لهما العصران وقال الحسن: بعد زوال الشمس إلى غروبها وقال قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار وقال مقاتل: أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى، وهذا أشبه قال ﷺ «من فاتته الصلاة الوسطى فكأنما وتر أهله وماله» ولأنّ التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بعشائهم. ونقل ابن عادل عن مالك أنّ من حلف أن لا يكلم الرجل عصراً لم يكلمه سنة. قال ابن العربيّ: إنما حمل مالك يمين الحالف على السنة لأنه أكثر ما قيل: فيه. ونقل عن الشافعي يبرّ بساعة إلا أن تكون له نية. وجواب القسم. ﴿ ﴿ ﴿إن الإنسان﴾ أي: الجنس ﴿لفي خسر﴾ أي: نقص بحسب مساعيهم في أهوائهم وصرف أعمارهم في إغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر، والإعراض عن الغائب، والإغترار بالفاني. تنبيه: تنكير خسر يحتمل التهويل والتحقير، فإن حمل على الأوّل وهو الظاهر كان المعنى: أنّ الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا الله تعالى، لأنّ الذنب يعظم أمّا لعظم من في حقه الذنب، أو لأنه وقع في مقابلة النعم العظيمة، فلذلك كان الذنب في غاية العظم. وإن حمل على الثاني كان المعنى: إن خسران الإنسان دون خسران الشيطان ولما كان الحكم على الجنس حكماً على الكلّ لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك، وكان فيهم من خلصه الله تعالى مما طبع عليه الإنسان وحفظه عن الميل استثناهم بقوله عز من قائل: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ أي: أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبيّ ﷺ به من توحيده سبحانه، والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ﴿وعملوا﴾ أي: تصديقاً لما أقرّوا به من الإيمان ﴿الصالحات﴾ أي: هذا الجنس من إيقاع الأوامر واجتناب النواهي، واشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية، فلم يلحقهم شيء من الخسران. وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: المراد بالإنسان الكافر، وقال في رواية الضحاك: يريد به جماعة من المشركين الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب. وقيل: لفي خسر غبن وقال الأخفش لفي هلكة وقال الفراء: لفي عقوبة. وقال ابن زيد: لفي شرّ. وروى ابن عوف عن إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وأهرم لفي ضعف ونقص وتراجع إلا المؤمنين فإنه يكتب لهم أجورهم التي كانوا يعملونها في حال شبابهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا﴾ (التين: ٤ ـ ٦) ولما كان الإنسان بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر إلا بتكميل غيره، وحينئذ كان وارثاً لأنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا للتكميل. قال تعالى مخصصاً لما دخل في الأعمال الصالحة منبهاً على عظمه: ﴿وتواصوا﴾ أي: أوصى بعضهم بعضاً بلسان الحال والمقال ﴿بالحق﴾ أي: الأمر الثابت وهو كل ما

стр. 2517

حكم الشرع بصحته ولا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله تعالى وطاعته، واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة ﴿وتواصوا﴾ أيضاً ﴿بالصبر﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات، وعلى ما يبتلي الله به عباده من الأمراض وغيرها. ويروى عن أبيّ بن كعب أنه قال: قرأت على النبي ﷺ والعصر، ثم قلت: ما تفسيرها يا رسول الله؟ فقال ﷺ «والعصر قسم من الله أقسم ربكم بآخر النهار أنّ الإنسان لفي خسر أبو جهل إلا الذين آمنوا أبو بكر، وعملوا الصالحات عمر وتواصوا بالحق عثمان، وتواصوا بالصبر عليّ» . وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفاً عليه. وقال قتادة: بالحق، أي: بالقرآن. وقال السدّي: الحق هنا الله . وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبيّ ﷺ «من قرأ سورة والعصر غفر الله له، وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر» . حديث موضوع. سورة الهمزة مكية وهي تسع آيات وثلاثون كلمة ومائة وثلاثون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الحكم العدل ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ جوده أهل البخل وأولي العدل ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بزيادة الفضل وقوله تعالى: ﴿ويل﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه كلمة عذاب، والثاني: أنه واد في جهنم ﴿لكل همزة لمزة﴾ قال ابن عباس: هم المشاؤون بالنميمة المفرّقون بين الأحبة الباغون للبرآء العيب، فعلى هذا هما بمعنى. وقال ﷺ «شرّ عباد الله المشاؤون بالنميمةالمفسدون بين الأحبة الباغون للبراء العيب» . وقال مقاتل: الهمزة الذي يعيبك في الغيب، واللمزة الذي يعيبك في الوجه. وقال أبو العالية والحسن: الهمزة الذي يغتاب ويطعن في وجه الرجل، واللمزة الذي يغتابه من خلفه، وهذا اختيار النحاس. ومنه قوله تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ (التوبة: ٥٨) . وقال سعيد بن جبير: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة الطعان عليهم. وقال ابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم. وقال سفيان الثوري: يهمز بلسانه ويلمز بعينه. وقال ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه ويشير برأسه ويرمز بحاجبه. وحاصل هذه الأقاويل يرجع إلى أصل واحد وهو الطعن وإظهار العيب، ويدخل في ذلك من يحاكي الناس بأقوالهم وأفعالهم وأصواتهم ليضحكوا منهم. وأصل الهمز الكسر واللمز الطعن، ثم خصا بالكسر من أعراض الناس والطعن فيهم حتى صار ذلك عادة، لأنه خلق ثابت في جبلتهم والذي دلّ على الاعتياد صيغة فعلة بضم ففتح، كما يقال: ضحكة للذي يفعل الضحك كثيراً حتى صار عادة له وضرى به. واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية، فقال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم. وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أنّ سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحيّ. وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبيّ ﷺ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه. وقال مجاهد: هي عامّة في حق من هذه صفته. وقوله تعالى: ﴿الذي جمع مالاً﴾ بدل من كل،

стр. 2518

أو ذمّ منصوب أو مرفوع. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد الميم على المبالغة والتكثير ولأنه يوافق قوله تعالى: ﴿وعدّده﴾ والباقون بتخفيفها، وهي محتملة للتكثير وعدمه، ومعنى عدّده: أحصاه وجعله للحوادث. وقال الضحاك: أعدّ ماله لمن يرثه من أولاده، وقيل: فاخر بعدده وكثرته: والمقصود الذم على إمساك المال عن سبيل الطاعة كقوله تعالى: ﴿مناع للخير﴾ (ص: ٥) وقوله تعالى: ﴿جمع فأوعى﴾ (المعراج: ١٨) ﴿يحسب﴾ أي: يظنّ لجهله ﴿أنّ ماله أخلده﴾ أي: أوصله إلى رتبة الخلد في الدنيا فيصير خالداً فيها لا يموت، أو يعمل من تشييد البنيان الموثق بالصخر والآجر وغرس الأشجار وعمارة الأرض عمل من يظنّ أنّ ماله أبقاه حياً، أو هو تعريض بالعمل الصالح، أو أنه هو الذي أخلد صاحبه في النعيم، فأمّا المال فما أخلد أحداً فيه. وروي أنه كان للأخنس أربعة آلاف دينار، وقيل: عشرة آلاف دينار. وعن الحسن: أنه عاد موسراً فقال: ما تقول في ألوف لم أفتد بها من لئيم ولا تفضلت بها على كريم؟ قال: لماذا؟ قال: لنبوة الزمان، وجفوة السلطان ونوائب الدهر، ومخافة الفقر. قال: إذاً تدعه لمن لا يحمدك، وترد على من لا يعذرك. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين، والباقون بكسرها. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع له عن حسبانه، وقيل: معناه حقاً. وقوله تعالى: ﴿لينبذنّ﴾ جواب قسم محذوف، أي: ليطرحن بعد موته ﴿في الحطمة﴾ أي: الطبقة من جهنم التي شأنها أن تحطم، أي: تكسر بشدّة وعنف كل ما طرح فيها يكون أخسر الخاسرين ويقال للرجل الأكول: إنه لحطمة. ﴿وما أدراك﴾ أي: وأيّ شيء أعلمك، ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع كونك أعلم الحكماء ﴿ما الحطمة﴾ أي: الدركة النارية التي سميت هذا الاسم بهذه الخاصة، وإنه ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالاً لها، ثم فسرها بقوله تعالى: ﴿نار الله﴾ أي: الملك الأعظم الذي له الملك كله ﴿الموقدة﴾ أي: التي وجد وتحتم إيقاده، ومن الذي يطيق محاولة ما أوقد فهي لا يزال لها هذا الاسم ثابتاً. روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت فهي سوداء مظلمة» . ﴿التي تطلع﴾ أي: إطلاعاً شديداً ﴿على الأفئدة﴾ جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدّة ذكائه فكان ينبغي أن يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص، وإطلاعها عليه بأن تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالاً بليغاً سُمِّيَ بذلك لشدّة توقدّه وخُصَّ لأنه ألطف ما في البدن وأشدّ تألماً بأدنى شيء من الأذى، ولأنه منشأ العقائد الفاسدة، ومعدن حبّ المال الذي هو منشأ حبّ الفساد والضلال، وعنه تصدر الأفعال القبيحة. وقيل: معنى ﴿تطلع على الأفئدة﴾ أي: تعمل ما يستحقه كل واحد منهم من العذاب يقال: اطلع على كذا، أي: علمه. ثم أشار إلى خلودهم فيهابقوله تعالى مؤكداً لأنهم يكذبون بها: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ قال الحسن: مطبقة، أي: بغاية الضيق. وقال مجاهد: مغلقة بلغة قريش، يقال: أصدت الباب، أي: أغلقته ومنه قول عبد الله بن قيس: *إنّ في القصر لو دخلنا غزالاً ... مفتناً مؤصداً عليه الحجاب* ثم بين حال عذابهم بقوله تعالى: ﴿في﴾ أي: في حال كونهم موثوقين في ﴿عمد﴾ قرأ حمزة والكسائي وشعبة بضم العين والميم جمع عمود نحو رسول ورسل، وقيل: جمع عماد ككتاب وكتب، والباقون

стр. 2519

بفتحهما فقيل: هو اسم جمع لعمود، وقيل: بل هو جمع له. قال الفراء: كأديم وأدم. وقال أبو عبيدة: هو جمع عماد. ﴿ممددة﴾ أي: معترضة كأنها موضوعة على الأرض في غاية المكنة فلا يستطيع الموثوق بها على نوع حيلة في أمرها. قال رسول الله ﷺ «إنّ الله يبعث عليهم ملائكة بأطباق من نار ومسامير من نار، وعمد من نار، فيطبق عليهم بتلك الأطباق، وتسدّ بتلك المسامير، وتمدّ بتلك العمد فلا يبقى فيها خلل يدخل منه روح ولا يخرج منه غم فيكون كلامهم فيها زفيراً وشهيقاً» . وقال قتادة: عمد تعذبون بها، واختاره الطبريّ. وقال ابن عباس: إنّ العمد الممدّدة أغلال في أعناقهم. وقال أبو صالح قيود في أرجلهم. وقال القشيري: العمد أوتاد الأطباق. وقيل: المعنى في دهور ممدودة لا انقطاع لها. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن النبيّ ﷺ «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد ﷺ وأصحابه» حديث موضوع. سورة الفيل مكية وهي خمس آيات وعشرون كلمة وستة وتسعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي قدّر به في كل شيء عاملة ﴿الرحمن﴾ الذي له النعمة الشاملة ﴿الرحيم﴾ الذي يخص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة: وقوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ استفهام تعجب، أي: أعجب ﴿كيف فعل ربك﴾ أي: المحسن إليك ﴿بأصحاب الفيل﴾ فهو خطاب للنبيّ ﷺ وهو وإن لم يشهد تلك الواقعة لكن شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها، وإنما قال تعالى: كيف لأن المراد ذكر ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله وقدرته وعزة بيته، وشرف رسوله ﷺ وكانت قصة الفيل ما روي أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف إليها الحاج، وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها، ولست منتهياً حتى أصرف إليها حج العرب فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة، فخرج إليها فدخلها ليلاً فقعد فيها ولطخ بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من أجترأ علييّ فقيل: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع الذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك، وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلاً لم ير مثله عظماً وجسماً وقوّة فبعث به إليه فخرج أبرهة في الحبشة سائراً إلى مكة، وخرج معه بالفيل واثنى عشر فيلاً غيره، وقيل: ثمانية عشر، وقيل: كان معه ألف فيل. وقيل: كان وحده، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقاً عليهم فخرج ملك من ملوك اليمن يقال له ذونفر بمن أطاعه من قومه فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذانفر، فقال له: أيها الملك استبقني فإن استبقائي خير لك من قتلي فاستبقاه فأوثقه، وكان أبرهة رجلاً حليماً. ثم سار حتى إذا دنا من بلاد خثعم خرج له نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم، ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلاً، فقال نفيل: أيها الملك إني دليل بأرض العرب وهاتان

стр. 2520

يداي على قومي بالسمع والطاعة فاستبقاه، وخرج معه يدله حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف، فقال: أيها الملك نحن عبيدك ليس عندنا خلاف لك إنما تريد البيت الذي بمكة نحن نبعث معك من يدلك عليه فبعثوا أبا رغال مولى لهم، فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال وهو الذي يرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلاً من الحبشة يقال له: الأسود بن مسعود على مقدمة خيله وأمره بالغارة على نعم الناس فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير. ثم إنّ أبرهة بعث بحناطة الحميري إلى أهل مكة فقال: سل عن شريفها ثم أبلغه ما أرسلك به إليه أخبره أني لم آت لقتال، إنما جئت لأهدم هذا البيت. فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم فقال: إنّ الملك أرسلني إليك لأخبرك إنه لم يأت لقتال إنما جئت لأهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم، فقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال، ولا لنا به يدانا سنخلي بينه وبين ما جاء إليه، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم ﵇، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخلّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوّة. قال: فانطلق معي إلى الملك، قال بعض العلماء: أنه أردفه على بغلة كان عليها وركب معه بنيه حتى قدم العسكر، وكان ذو نفر صديقاً لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا، فقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشياً، ولكن سأبعث إلى أنيس سائس الفيل، فإنه صديق لي فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم خطرك ومنزلتك عنده، فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إنّ هذا سيد قريش صاحب عين مكة يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب الملك له مائتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي أحبّ ما وصل إليه من الخير. فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش صاحب عين مكة يطعم الناس في السهل والوحوش على رؤوس الجبال يستأذن عليك، وأنا أحبّ أن تأذن له فيكلمك وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك فأذن له، وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً وسيماً فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه وكره أن يجلس معه على السرير، وأن يجلس تحته فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم دعاه فأجلسه معه. ثم قال لترجمانه: قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ إليّ مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك، قال لِمَ؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك، وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب سيمنعه. قال: ما كان ليمنعه مني، قال: فأنت وذاك فأمر بإبله فردت عليه، وقيل: عرض عليه عبد المطلب أموال تهامة ليرجع فأبى فلما ردت الإبل على عبد المطلب خرج فأخبر قريشاً الخبر، وأمرهم أن يتفرّقوا في الشعاب، ويتحرّزوا في رؤوس الجبال تخوّفاً عليهم من معرّة الجيش، وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: *يا رب لا أرجو سواكا ... يا ربّ فامنع منهم حماكا* *إنّ عدوّ البيت من عاداكا ... أمنعهم أن يخربوا قراكا*

стр. 2521

وقال أيضاً: *لا هم إن المرء يمنع ... رحله فامنع حلالك* *لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك* *جروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك* *عمدوا حماك بكيدهم ... جهلاً وما رقبوا جلالك* *إن كنت تاركهم وكع ... بتنا فأمر ما بدا لك* ثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه فأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيأ للدخول وهيأ جيشه وهيأ فيله، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه وقال: أبرك محمود وارجع راشداً من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى فوجهوه راجعاً إلى اليمن فقام مهرولاً، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك فضربوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم وخرج عبد المطلب يشتدّ حتى صعد الجبل فأرسل الله تعالى عليهم ما قصه في قوله سبحانه: ﴿ألم يجعل﴾ أي: جعل بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش ﴿كيدهم﴾ أي: في هدم الكعبة ﴿في تضليل﴾ أي: خسارة وهلاك. ﴿وأرسل عليهم﴾ أي: خاصة من بين ما هناك من كفار العرب ﴿طيراً﴾ أي: طيوراً سوداء، وقيل: خضراء وقيل: بيضاء ﴿أبابيل﴾ أي: جماعات بكثرة متفرّقة يتبع بعضها بعضاً من نواحي شتى فوجاً فوجاً وزمرة زمرة أما كل فرقة منها طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق. وقيل: أبابيل كالإبل المؤبلة. قال الفراء: لا واحد لها من لفظها، وقيل: واحدها إبالة. وقال الكسائي: كنت أسمع النحويين يقولون: واحدها أبول كعجول وعجاجيل. وقال ابن عباس: كانت طيراً لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب. وقال عكرمة لها رؤوس كرؤوس السباع. وقال سعيد بن جبير: خضر لها مناقير صفر وقال قتادة: طير سود. ﴿ترميهم﴾ أي: الطير ﴿بحجارة﴾ أي: عظيمة في الكثرة والفعل، صغيرة في المقدار والحجم مع كل طائر حجر في منقاره، وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة. وعن ابن عباس أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بالحمرة كالجزع الظفاري، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه ففرّوا فهلكوا في كل طريق ومنهل وأمّا أبرهة فتساقطت أنامله كلها كلما سقطت أنملة اتبعها مدّة وقيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير، وما مات حتى انصدع صدره من قلبه، وانفلت وزيره أبويكسوم وطائر يحلق فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحجر فخرّ ميتاً بين يديه لأن تلك الحجارة كانت ﴿من سجيل﴾ أي: طين متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو ولما تسبب عن هذا الرمي هلاكهم، وكان ذلك بفعل الله تعالى لأنه الذي خلق الأثر قطعاً، لأنّ مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك قال الله تعالى: ﴿فجعلهم﴾ أي: ربك المحسن إليك بإحسانه على قومك لأجلك بذلك ﴿كعصف مأكول﴾ أي: كورق زرع أكلته فراثته فيبس وتفرّقت أجزاءه شبه قطع أوصالهم بتفرّق أجزاء الروث. قال مجاهد: العصف ورق الحنطة. وقال قتادة: هو التبن. وقال عكرمة كالحبّ إذا أكل وصار أجوف، لأنّ الحجر كان يأتي في الرأس فيحرق

стр. 2522

بما له الحرارة وشدّة الوقع كلما مرّ به حتى يخرج من الدبر، ويصير موضع تجويفه أسود لما له من من النارية. وقال ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له، وروي أن الحجر كان يقع على أحدهم فيخرج كل ما في جوفه فيبقى كقشر الحنطة إذا خرجت منه الحبة وعن عكرمة: من أصابه جدره وهو أوّل جدري ظهر. وعن أبي سعيد الخدري أنه سئل عن الطير فقال: حمام مكة منها، وقيل: جاءت عشية ثم صبحتهم. واختلف في تاريخ عام الفيل، فقيل: كان قبل مولد النبيّ ﷺ بأربعين سنة وقيل: بثلاث وعشرين سنة. والأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه النبيّ ﷺ وعن عائشة قالت: رأيت سائس الفيل وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس، وقال عبد الملك بن مروان: لعتاب بن أسيد: أنت أكبر أم النبيّ ﷺ فقال: النبيّ ﷺ أكبر مني، وأنا أسنّ منه، ولد ﷺ عام الفيل وأنا أدركت سائسه وقائده أعميين مقعدين يستطعمان الناس، بل قيل: لم يكن بمكة أحد إلا رأى قائد الفيل وسائسه أعميين يتكففان الناس لأنّ عائشة مع صغر سنها رأتهما. وقال ابن إسحاق لما ردّ الله تعالى الحبشة عن مكة المشرّفة عظمت العرب قريشاً، وقالوا: أهل الله قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوّهم، فكان ذلك نعمة من الله عليهم. وقال بعض العلماء: كانت قصة الفيل مما نعدّه من معجزاته ﷺ وإن كانت قبله، لأنها كانت توكيداً لأمره وتمهيداً لشأنه. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشريّ عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ» حديث موضوع. سورة قريش مكية في قول الجمهور ومدنية في قول الضحاك والكلبيوهي أربع آيات وسبع عشرة كلمة وثلاثة وسبعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي له جميع الكمال ﴿الرحمن﴾ ذي النعم والأفضال ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بالقرب والإجلال. وقوله تعالى: ﴿لإيلاف قريش﴾ في متعلقه أوجه أحدها: أنه ما في السورة قبلها من قوله تعالى: ﴿فجعلهم كعصف مأكول﴾ . قال الزمخشري: وهذا بمنزلة التضمين في الشعر، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلا به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل، وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب، وقرأ في الأولى والتين اه. وإلى هذا ذهب الأخفش. وقال الرازي: المشهور أنهما سورتان ولا يلزم من التعلق الاتحاد لأنّ القرآن كسورة واحدة. ثانيها: أنه مضمر تقديره فعلنا ذلك، وهو إيقاعهم للإيلاف وهو الفهم لبلدهم الذي ينشأ عنه طمأنينتهم وهيبة الناس لهم وقيل: تقديره اعجبوا لئلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة رب هذا البيت. ثالثها: أنه متعلق بقوله تعالى: ﴿فليعبدوا﴾ أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين لأنهما أظهر نعمة عليهم، وهذا هو الذي صدر به الزمخشري كلامه، وفي هذا إشارة إلى تمام قدرته سبحانه، وأنه إذا أراد شيئاً يسر سببه لأنّ التدبير كله له يخفض من يشاء، وإن عز،

стр. 2523

ويرفع من يشاء وإن ذل، وقريش هم ولد النضر بن كنانة ومن ولده النضر فهو قرشيّ، ومن لم يلده النضر فليس بقرشيّ. قال ﷺ «إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» وأخرج الحاكم وصححه البيهقي عن أم هانئ بنت أبي طالب أنّ النبيّ ﷺ قال: «فضل الله قريشاً بسبع خلال أني منهم، وأنّ النبوّة فيهم، وأنّ الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم وأنّ الحجابة والسقاية فيهم، وأنّ الله أنزل فيهم سورة من القرآن» وسموا قريشاً من القرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش لعياله ويقترش، أي: يكتسب، وهم كانوا تجاراً حرّاصاً على جمع المال، وقا أبو ريحانة: سأل معاوية عبد الله بن عباس ﵄: لم سميت قريش قريشاً؟ قال: لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه تعبث بالسفن، ولا تطاق إلا بالنار يقال لها: القرش، ولا تمرّ بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى،. قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها، قال: نعم فأنشده شعر الجمحي: *وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشاً* *تأكل الغث والسمين فلا تت ... رك فيه لذي الجناحين ريشاً* *هكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلون البلاد أكلاً كميشا* *ولهم آخر الزمان نبيّ ... يكثر القتل منهموا والخموشا* وقيل: هو من تقرش الرجل إذا تنزه عن مدانس الأمور، أومن تقارشت الرماح في الحرب إذا دخل بعضها في بعض. وقوله تعالى: ﴿إيلافهم﴾ بدل من الإيلاف الأول، وقرأ ابن عامر لإلاف بغير ياء بعد الهمزة، والباقون لإيلاف بياء بعدها، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني وهو إيلافهم بالياء بعد الهمزة. قال ابن عادل: ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء، وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطاً، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منها خطاً، وهذا أدل دليل على أنّ القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرّد الخط. وقوله تعالى: ﴿رحلة الشتاء﴾ منصوب بإيلافهم مفعول به كما نصب يتيماً بإطعام، وهي التي يرحلونها في زمنه إلى اليمن لأنها بلاد حارة ينالون منهامتاجر الحبوب. ﴿والصيف﴾ التي يرحلونها إلى الشام في زمنه؛ لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الثمار، وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم المعظم وبيت الله، والناس يتخطفون من حولهم ولا يجترىء أحد عليهم. والإيلاف من قولك: آلفت المكان أولفه إيلافاً إذا بلغته فأنا مؤلف، والأصل رحلتي الشتاء والصيف ولكنه أفرد ليشمل كل رحلة كما هو شأن المصادر وأسماء الأجناس، وفي ذلك إشارة إلى أنهم يتمكنون من الرحلة إلى أي بلاد أرادوا لشمول الأمن لهم. قال مالك: الشتاء نصف السنة والصيف نصفها. وقال قوم: الزمان أربعة أقسام شتاء وربيع وصيف وخريف، وقيل: شتاء وصيف وقيظ وخريف. قال القرطبي: الذي قاله مالك أصح لأنّ الله تعالى قسم الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثاً، وروى عكرمة عن ابن

стр. 2524

عباس ﵄: أنهم كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف، وقال آخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة إحداهما: في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ، والأخرى في الصيف إلى الشام، وكان الحرم وادياً جدباً لا زرع فيه ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم ولولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، وأول من سنّ لهم الرحلة هاشم بن عبد مناف، وكانوا يقسمون ربحهم بين الغني والفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، وفي ذلك يقول الشاعر: *قل للذي طلب السماحة والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف* *هلا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من ضر ومن اتلاف* *الرائشين وليس يوجد رائش ... والقائلين هلم للأضياف* *والخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي* *والقائلين بكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الإيلاف* *عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف* *سفرين سنهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف* وتبع هاشماً على ذلك إخوته فكان هاشم يؤالف إلى الشام، وعبد شمس إلى الحبشة، والمطلب إلى اليمن، ونوفل إلى فارس، وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بجاه هذه الإخوة، أي: بعهودهم التي أخذوها بالأمان لهم من ملك كل ناحية من هذه النواحي. ولما كان هذا التدبير لهم من الله تعالى كافياً لهمومهم الظاهرة بالغنى والباطنة بالأمن، وكان شكر المنعم واجباً، قال تعالى: ﴿فليعبدوا﴾ أي: قريش على سبيل الوجوب شكراً على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه التي لا تحصى، لأنهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران ﴿رب هذا البيت﴾ أي: الموجد له والمحسن إلى أهله بحفظه من كل طاغ، وبإذلال الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم، وعطفه عليهم بإكمال إعزازه لهم في الدنيا والآخرة، والمراد به الكعبة عبر عنها بالإشارة تعظيماً لشأنها. ثم وصف نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت بقوله تعالى: ﴿الذي أطعمهم﴾ أي: قريشاً بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين إطعاماً مبتدأ ﴿من جوع﴾ أي: عظيم فيه غيرهم من العرب، أو كانوا هم فيه قبل ذلك؛ لأنّ بلدهم ليس بذي زرع فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع فكفاهم ذلك وحده، ولم يشركه أحد في كفايتهم فليس من الشكر إشراكهم غيره معه في عبادته، ولا من البر بأبيهم إبراهيم ﵇ الذي دعا لهم بالرزق بقوله ﵇: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ (إبراهيم: ٣٧) ونهى أشدّ النهي عن عبادة الأصنام ولم يقل أشبعهم لأنه ليس كلهم كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ﴿وآمنهم﴾ أي: تخصيصاً لهم ﴿من خوف﴾ أي: شديد جدّاً من أصحاب الفيل الذين أرادوا خراب البيت الذي به نظامهم، وما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات، ومن الجذام بدعوة أبيهم إبراهيم ﵇،

стр. 2525

ومن الطاعن والدخان بتأمين النبيّ ﷺ وعن ابن زيد: كانت العرب يغير بعضها على بعض، ويسبي بعضهم بعضاً فأمنت قريش ذلك لمكان الحرم. وقيل: شق عليهم السفر في الشتاء والصيف فألقى الله تعالى في قلوب الحبشة أن يحملوا إليهم طعاماً في السفن، فحملوا فخافت قريش منهم وظنوا أنهم قدموا لحربهم، فخرجوا إليهم متحرزين فإذا هم قد جلبوا إليهم الطعام وأعانوهم بالأقوات، فكان أهل مكة يخرجون إلى جدّة بالإبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين. وقيل: إنّ قريشاً لما كذبوا النبيّ ﷺ دعا عليهم فقال: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» فاشتدّ القحط فقالوا: يا محمد، ادع الله لنا فإنا مؤمنون. فدعا رسول الله ﷺ فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن فحملوا الطعام إلى مكة وأخصب أهلها» . وقال الضحاك والربيع في قوله تعالى: ﴿وآمنهم من خوف﴾ ، أي: من خوف الحبشة. وقال عليّ: ﴿وآمنهم من خوف﴾ أن تكون الخلافة إلا فيهم. قال الزمخشريّ: من بدع التفاسير ﴿وآمنهم من خوف﴾ أن تكون الخلافة في غيرهم اه. لكن إن ثبت ذلك عن علي كرم الله وجهه فليس كما قال وقيل: كفاهم أخذ الإيلاف من الملوك. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» حديث موضوع. سورة الدين وتسمى سورة الماعون مكية في قول عطاء وجابر وأحد قولي ابن عباس ﵄، ومدنية في قول له آخر وهو قول قتادة وغيره، وهي سبع آيات وخمس وعشرون كلمة ومائة وثلاثة وعشرون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي له كل كمال ﴿الرحمن﴾ الذي عم جميع عباده بالنوال ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بنعمة الإفضال. وقوله تعالى: ﴿أرأيت﴾ استفهام معناه التعجب. وقرأ نافع بتسهيل الهمزة بعد الراء ولورش أيضاً إبدالها ألفاً، وأسقطها الكسائيّ. قال الزمخشريّ: وليس بالاختيار لأن حذفها مختص بالمضارع، ولم يصح عن العرب ريت، ولكن الذي سهل من أمرها وقوع حرف الاستفهام في أول الكلام، ونحوه: *صاح هل ريت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب* وخففها الباقون، والمعنى: أرأيت ﴿الذي يكذب﴾ أي: يوقع التكذيب لمن يخبره كائناً من كان ﴿بالدين﴾ أي: بالجزاء والحساب، أي: هل عرفته أم لم تعرفه. ﴿فذلك﴾ بتقدير هو بعد الفاء، أي: البغيض البعيد المبعد من كل خير ﴿الذي يدُّع﴾ أي: يدفع دفعاً عظيماً بغاية القسوة ﴿اليتيم﴾ ولا يحث على إكرامه لأنّ الله تعالى نزع الرحمة من قلبه، ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه إلا الخوف من الله تعالى، فكان التكذيب بجزائه مسبباً للغلظة عليه. وقال قتادة: يقهره ويظلمه فإنهم كانوا لا يورّثون النساء ولا الصغار، ويقولون: إنما يحوز المال من يطعن بالسنان ويضرب بالحسام. وقال ﷺ «من ضم يتيماً من المسلمين حتى يستغني فقد وجبت له
следующие страницы →