← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الآية. وأما قوله تعالى: ﴿وأكيد﴾ أي: أنا بإتمام اقتداري ﴿كيداً﴾ فاختلف فيه أيضاً، فقيل: معناه أجازيهم جزاء كيدهم، وقيل: هو ما أوقع الله تعالى بهم يوم بدر من القتل والأسر، وقيل: استدراجهم من حيث لا يعلمون، وقيل: كيد الله تعالى لهم بنصره وإعلاء درجته تسمية لأحد المتقابلين باسم الآخر لقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى: ٤٠) . وقول الشاعر: *ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا* وكقوله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ (التوبة: ٦٧) ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ (النساء: ١٤٢) ولما كان هذا معلماً بأنهم عدم لا اعتبار بهم، قال تعالى مسبباً عنه تهديداً لهم ﴿فمهل الكافرين﴾ أي: فمهل يا أشرف الخلق هؤلاء البعداء، ولا تستعجل بالانتقام ولا بالدعاء عليهم بإهلاكهم فإنا لا نعجل لأنّ العجلة وهي إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به نقص. وقوله تعالى: ﴿أمهلهم﴾ تأكيد حسنه مخالفة اللفظ، أي: أنظرهم ﴿رويداً﴾ أي: قليلاً، وهو مصدر مؤكد لمعنى العامل مصغر، روداً وأرواداً على الترخيم، وقد أخذهم الله تعالى ببدر ونسخ الإمهال بالأمر بالجهاد والقتال. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة الطارق أعطاه الله تعالى بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات» حديث موضوع. سورة الأعلى مكية في قول الجمهور وقال الضحاك مدنية، قال النووي: وكان النبيّ ﷺ يحيها لكثرة مااشتملت عليه من العلوم والخبرات، وهي تسع عشرة آية واثنتان وسبعون كلمة ومائتان وأربعة وثمانون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ عالم الغيب فلا تخفى عليه خافية ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ جوده كل أنس وجنّ وملك ودابة ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بمعرفتهم إحسانه. واختلف في قوله : ﴿سبح اسم ربك﴾ فالأكثرون على أن المعنى: نزه ربك المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال عما لا يليق به، فاسم زائد، كقول لبيد: * ... إلى الحول ثم اسم السلام عليكما* وقيل: عَظِّمْ ربك ﴿الأعلى﴾ والاسم زائد كما مرّ، قصد به تعظيم المسمى، وذكر الطبري أن المعنى: نزه اسم ربك الأعلى عن أن تسمي به أحداً سواه. وقيل: نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت خاشع معظم لذكره وقال الرازي: معنى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ أي: نزِّهْهُ عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه. أما في ذاته فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض، وأما في صفاته فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهيةٌ ولا ناقصة، وأما في أفعاله فأن تعتقد أنه سبحانه مالك مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور، وأما في أسمائه فأن لا تذكره سبحانه إلا بالأسماء التي لا توهم نقصاً بوجهٍ من الوجوه، سواءٌ ورد الإذن فيها أم لم يرد، وأما في أحكامه سبحانه فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود إليه بل لمحض المالكية. قال البغوي: ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحد، لأنّ أحداً لا يقول سبحان الله. وسبحان اسم ربنا إنما يقول: سبحان الله وسبحان ربنا. فكان معنى: ﴿سبح اسم

стр. 2452

ربك﴾ اه. وكون الاسم عين المسمى أو غيره قد ذكرتها في مقدّمتي على البسملة والحمدلة. وعن ابن عباس ﵄: سبح أي: صل بأمر ربك. وذهب جماعة من الصحابة والتابعين على أنّ المراد قل: سبحان ربي الأعلى، وعن ابن عباس ﵄: أنّ النبيّ ﷺ قرأ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ فقال: «سبحان ربي الأعلى» . وعن عقبة بن عامر «أنه لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ (الواقعة: ٧٤) قال لنا رسول الله ﷺ «اجعلوها في ركوعكم» . ولما نزل ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم» . وروي أنه ﷺ كان يقول ذلك. وروي «أنّ أوّل من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل» . ولما أمر تعالى بالتسبيح فكان سائلاً قال: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة فما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال تعالى: ﴿الذي خلق﴾ أي: أوجد من العدم فله صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء ﴿فسوّى﴾ أي: مخلوقه. وقال الرازي: يحتمل أن يريد الناس خاصة، ويحتمل أن يريد الحيوان، ويحتمل أن يريد كل شيء خلقه تعالى، فمن حمله على الإنسان ذكر للتسوية وجوهاً: أحدها: اعتدال قامته وحسن خلقه، كما قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ (التين: ٤) وأثنى على نفسه بسبب خلقه إياه بقوله تعالى: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (المؤمنون: ١٤) . ثانيها: كل حيوان مستعدّ لنوع واحد من الأعمال فقط، أمّا الإنسان فإنه خلق بحيث يمكنه أن يأتي بجميع الأعمال بواسطة الآلات. ثالثها: أنه تعالى هيأه للتكليف والقيام بأداء العبادات. وقال بعضهم: خلق في أصلاب الآباء وسوّى في أرحام الأمّهات. ومن حمله على جميع الحيوانات فمعناه: أنه أعطى كل حيوان ما يحتاج إليه من الآلات والأعضاء، ومن حمله على جميع المخلوقات كان المراد من التسوية: هو أنه تعالى قادرٌ على كل الممكنات، عالمٌ بجميع المعلومات، يخلق ما أراد على وفق إرادته موصوفاً بالأحكام والإتقان، مبرّأٌ عن النقص والاضطراب. وقرأ ﴿والذي قدر﴾ الكسائي بتخفيف الدال والباقون بالتشديد قال البغوي: وهما بمعنى واحد، أي: أوقع تقديره في أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها وغير ذلك من أحوالها، فجعل البطش لليد، والمشي للرجل، والسمع للأذن، والبصر للعين ونحو ذلك ﴿فهدى﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراعيها. وقال مقاتل والكلبي: في قوله تعالى: ﴿فهدى﴾ عرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى، كما قال تعالى في سورة طه: ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (طه: ٥٠) أي: الذكر للأنثى. وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له. وقيل: قدّر أقواتهم وأرزاقهم وهداهم لمعاشهم إن كانوا أناساً، ولمراعيهم إن كانوا وحوشاً. وقال السدّي: قدّر مدّة الجنين في الرحم ثم هداه إلى الخروج من الرحم، ومن ذلك هدايات الإنسان إلى مصالحه من أغذيته وأدويته وأمور دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض إلى معايشها ومصالحها. يقال: إن الأفعى إذا أتى عليها ألف سنة عميت، وقد ألهمها الله تعالى أن تمسح عينيها بورق الرازيانج الغض فيردّ إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها فترجع باصرة بإذن الله تعالى. وقيل: ﴿فهدى﴾ أي: دلهم بأفعاله على توحيده، وكونه عالماً قادراً،

стр. 2453

والاستدلال بالخلق والهداية معتمد الأنبياء، قال إبراهيم ﵇ ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (الشعراء: ٧٨) وقال موسى ﵇ لفرعون: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (طه: ٥٠) ولما ذكر سبحانه ما يختص بالناس اتبعه ما يختص بالحيوان فقال تعالى: ﴿والذي أخرج المرعى﴾ أي: أنبت ما ترعاه الدواب. وقال ابن عباس ﵄: المرعى الكلأ الأخضر. ﴿فجعله﴾ أي: بعد أطوار من زمن إخراجه بعد خضرته ﴿غثاء﴾ أي: جافاً هشيماً ﴿أحوى﴾ أي: أسود يابساً. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون أحوى حالاً من المرعى أي: أخرجه أحوى أي: أسود من شدّة الخضرة والري فجعله غثاء بعد حويه. وقال ابن زيد: هذا مثل ضربه الله تعالى للكفار ولذهاب الدنيا بعد نضارتها. وقوله تعالى: ﴿سنقرؤك فلا تنسى﴾ بشارة من الله تعالى لنبيه محمد ﷺ بإعطاء آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمّي لا يكتب ولا يقرأ فيحفظه ولا ينساه، فهو نفيٌ أخبر الله تعالى أنّ نبيه ﷺ لا ينسى. وقيل: نهيٌ، والألف مزيدة للفاصلة كقوله تعالى: ﴿السبيلا﴾ (الأحزاب: ٦٧) أي: فلا تفعله كرامةً، وتكريره لئلا ينساه، ومنعه مكي لأنه لا ينهى عما ليس باختياره. وأجيب: بأنّ هذا غير لازم؛ إذ المعنى: النهي عن تعاطي أسباب النسيان وهو شائع. قال الرزاي: وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين. الأوّل: أنه كان رجلاً أمّياً فحفظه لهذا الكتاب المطوّل من غير دراسة ولا تكرار خارق للعادة فيكون معجزاً. الثاني: أنّ هذه السورة من أول ما نزل بمكة، فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع فكان هذا إخباراً، فيكون معجزاً. وفي المشيئة في قوله تعالى: ﴿إلا ما شاء الله﴾ أي: المَلِك الذي له الأمر كله وجوه: أحدها: التبرّك بهذه الكلمة كقوله تعالى: ﴿ولا تقولنّ لشيءٍ إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣ ـ ٢٤) فكأنه تعالى يقول: إني عالم بجميع المعلومات، وعالم بعواقب الأمور على التفصيل، ومع ذلك لا أخبر بوقوع شيء في المستقبل إلا مع هذه الكلمة، فأنت وأمّتك يا أشرف الخلق أولى بها. ثانيها: قال الفرّاء: إنه تعالى ما شاء أن ينسى محمداً ﷺ شيئاً؛ إلا أن المقصود من ذكر هذا الاستثناء بيان أنه تعالى يصيره ناسياً لذلك لقدر عليه كقوله تعالى: ﴿ولئن شئنا لنذهبنّ بالذي أوحينا إليك﴾ (الإسراء: ٨٦) ثم إنا نقطع أنه تعالى ما شاء ذلك. ونظيره قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ (الزمر: ٦٥) مع أنه ﷺ ما أشرك البتة ففائدة هذا الاستثناء أنّ الله تعالى يعرفه قدرته حتى يعلم أنّ عدم النسيان من فضل الله تعالى وإحسانه لا من قوّته. ثالثها: أنّ الله تعالى لما ذكر هذا الاستثناء جوّز ﷺ في كل ما ينزل عليه من الوحي أن يكون ذلك هو المستثنى، فلا جرمٌ بالغ في التثبت والتحفظ في جميع المواضع، فكان المقصود من ذكر الاستثناء بقاؤه ﷺ على التيقظ في جميع الأحوال. رابعها: أن ينساه بنسخ تلاوته وحكمه، وكان ﷺ يجهر بالقراءة مع قراءة جبريل ﵇ خوف النسيان فكأنه قيل له: لا تعجل بها إنك لا تنسى ولا تتعب نفسك بالجهر بها. ﴿إنه﴾ أي: الذي مهما شاء كان ﴿يعلم الجهر﴾ أي: القول والفعل ﴿وما يخفى﴾ أي: منهما، وعن ابن عباس ﵄: ما في قلبك ونفسك. وقال محمد بن حاتم يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وقيل: الجهر ما حفظته من القرآن في صدرك، وما يخفى ما نسخ من صدرك. وقوله تعالى: ﴿ونيسرك

стр. 2454

لليسرى﴾ عطف على سنقرؤك، فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما من الجملة اعتراض. قال الضحاك: واليسرى هي الشريعة اليسرى وهي الحنيفية السهلة.v وقال ابن مسعود: اليسرى الجنة، أي: نيسرك إلى العمل المؤدّي إلى الجنة، وقيل: اليسرى الطريقة اليسرى، وهي أعمال الخير والأمر في قوله تعالى: ﴿فذكر﴾ للنبيّ ﷺ أي: فذكر بالقرآن ﴿إن نفعت الذكرى﴾ أي: الموعظة، وإن شرطية، وفيه استبعاد لتذكرهم. ومنه قول القائل: *لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي* ولأنه ﷺ قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوّاً وطغياناً، وكان ﷺ يتلظى حسرة وتلهفاً ويزداد جهداً في تذكيرهم، وحرصاً عليه فقيل: إن نفعت الذكرى وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. وقيل: إن بمعنى إذ كقوله تعالى: ﴿وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ (آل عمران: ١٣٩) وقيل: بعده شيء محذوف تقديره إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع. كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ (النحل: ٨١) أي: البرد وقاله الفراء والنحاس. وقيل: إن بمعنى ما لا بمعنى الشرط لأنّ الذكرى باقية بكل حال. ثم بين تعالى من تنفعه الذكرى بقوله سبحانه. ﴿سيذكر﴾ أي: بوعد لا خلف فيه ﴿من يخشى﴾ أي: يخاف الله تعالى فهي كآية ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد﴾ (ق: ٤٥) وإن كان النبيّ ﷺ يجب عليه تذكيرهم نفعتهم الذكرى أم لم تنفعهم. وقال ابن عباس: نزلت في ابن أمّ مكتوم. وقيل: في عثمان بن عفان. قال الماوردي: وقد تذكر من يرجوه إلا أن تذكر الخاشع أبلغ فلذلك علقها بالخشية دون الرجاء. وقال القشيري: المعنى: عمم أنت بالتذكير والوعظ وإن كان الوعظ إنما ينفع من يخشى، ولكن يحصل لك ثواب الدعاء. فإن قيل: التذكير إنما يكون بشيء قد علم، وهؤلاء لم يزالوا كفاراً معاندين أجيب: بأنّ ذلك لظهوره وقوّة دليله، كأنه معلوم لكنه يزول بسبب التقليد والفساد. تنبيه: السين في قوله تعالى: ﴿سيذكر﴾ يحتمل أن تكون بمعنى سوف، وسوف من الله تعالى واجب كقوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ من خشي فإنه يتذكر وإن كان بعد حين بما يستعمله من التدبر والنظر. ولما بين تعالى من ينتفع بالذكرى بين من لا ينتفع بها بقوله تعالى: ﴿ويتجنبها﴾ أي: الذكرى أن يتركها جانباً لا يلتفت إليها ﴿الأشقى﴾ . ﴿الذي يصلى النار﴾ وهو الكافر. فإن قيل: الأشقى يستدعي وجود شقي فكيف قال هذا القسم؟ أجيب: بأنّ لفظ الأشقى من غير مشاركة كقوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرّاً وأحسن مقيلاً﴾ (الفرقان: ٢٤) ، وقوله تعالى: ﴿وهو أهون عليه﴾ (الروم: ٢٧) . قال الرازي: الفرق ثلاثة العارف والمتوقف والمعاند، فالسعيد هو العارف، والمتوقف له بعض الشقاوة، والأشقى هو المعاند. وقال الزمخشري: الأشقى هو الكافر؛ لأنه أشقى من الفاسق، أو الذي هو أشقى الكفرة؛ لتوغله في معاداة النبيّ ﷺ وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعقبة بن ربيعة. واختلف في قوله تعالى: ﴿الكبرى﴾ أي: العظمى على وجوه: أحدها: قال الحسن: هي نار جهنم، والصغرى نار الدنيا. ثانيها: أنّ في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة، فكما أنّ الكافر أشقى العصاة فكذلك يصلى أعظم النيران. ثالثها: أنّ النار الكبرى هي النار السفلى فهي نصيب

стр. 2455

الكفار، كما قال تعالى: ﴿إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ (النساء: ١٤٥) . فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ثم لا يموت فيها ولا يحيى﴾ يقتضي أن ثم حالة غير الحياة والموت، وذلك غير معقول. أجيب: عن ذلك بوجهين: أحدهما: لا يموت فيستريح ولا يحيا حياة تنفعه كما قال تعالى: ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾ (فاطر: ٣٦) وهذا جاء على مذهب العرب يقولون للمبتلى بالبلاء الشديد لا هو حيّ ولا هو ميت. ثانيهما: أنّ نفس أحدهم في النار في حلقة لا تخرج فيموت، ولا ترجع إلى موضعها فيحيا. تنبيه: قوله تعالى: ثم للتراخي بين الرتب في الشدّة. ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله تعالى أتبعه بالوعد لضدّه فقال تعالى: ﴿قد أفلح﴾ أي: فاز بكل مراد ﴿من تزكى﴾ أي: تطهر من الكفر بالإيمان؛ لما روي عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من تزكى وشهد أي لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله» . وقيل: تطهر للصلاة وأدّى الزكاة. ﴿وذكر اسم ربه﴾ أي: بقلبه ولسانه مكبراً ﴿فصلى﴾ أي: الصلوات الخمس. قال الزمخشري: وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة؛ لأنّ الصلاة معطوفة عليها. وقال قتادة: تزكى: عَمِلَ صالحاً. وعن عطاء نزلت في صدقة الفطر. قال ابن سيرين: قد أفلح من تزكى، قال: خرج فصلى بعد ما أدّى زكاة الفطر وصلى صلاة العيد. قال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل فإنّ هذه السورة مكية ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر. وأجاب البغوي: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقاً على الحكم كقوله تعالى: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ (البلد: ٢) والسورة مكية وظهر أثر الحل يوم الفتح قال ﷺ «أحلت لي ساعة من نهار» . وقيل: المراد زكاة الأعمال لا زكاة الأموال، أي: زكى أعماله من الرياء والتقصير. وروي عن عطاء أنه قال: إنّ هذه الآية نزلت في عثمان، وذلك أنه كان بالمدينة منافق له نخلة مائلة إلى دار رجل من الأنصار، إذا هبت الريح تساقط منها بسر ورطب في دار الأنصاري فيأكل هو وعياله من ذلك، فخاصمه المنافق، فذكر الأنصاري ذلك للنبيّ ﷺ فأرسل خلف المنافق وهو لا يعلم نفاقه فقال له النبيّ ﷺ «إنّ أخاك الأنصاري ذكر أنّ بسرك ورطبك يقع في منزله فيأكل هو وعياله منه فهل لك أن أعطيك نخلة في الجنة بدلها؟ قال: أبيع عاجلاً بآجل لا أفعل» فذكروا أنّ عثمان قد أعطاه حائطاً من نخل بدل نخلته. ويقول فيه: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ وفي المنافق ﴿ويتجنبها الأشقى﴾ وقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وقرأ ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا﴾ أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب، ومعناه على القراءة الأولى: بل تؤثرون الأشقون، وعلى القراءة الثانية: بل تؤثرون أيها المسلمون الاستكثار من الدنيا بالعز الحاضر مع أنها شرٌّ وفانية اشتغالاً بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة بالمحسوسات على الاستكثار من الثواب. ﴿والآخرة﴾ ، أي: والحال أنّ الدار التي هي غاية القصد المبرأة عن العيب المنزهة عن الخروج عن الحكمة ﴿خير﴾ ، أي: من الدنيا ﴿وأبقى﴾ لأنها تشتمل على السعادة الجسمانية، والروحانية، ليست كذلك فالآخرة خير من الدنيا ولأنّ الدنيا لذاتها مخلوطة بالآلام والآخرة ليست كذلك، ولأنّ الدنيا فانية والأخرة باقية، والباقي خير من الفاني. وعن عمر:

стр. 2456

ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية فقال: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا. قال: لأنّ الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأنّ الآخرة نعتت لنا وزويت عنا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل. والإشارة في قوله تعالى: ﴿إنّ هذا لفي الصحف الأولى﴾ إلى قوله ﴿قد أفلح من تزكى﴾ إلى قوله ﴿خير وأبقى﴾ ، أي: هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل: إلى ما في السورة كلها، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس. وقال الضحاك: إنّ هذا القرآن لفي الصحف الأولى ولم يرد أنّ هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف، وإنما معناه أنّ معنى هذا الكلام في تلك الصحف. ثم بين تلك الصحف وهي المنزلة قبل القرآن بقوله تعالى: ﴿صحف إبراهيم﴾ وقدمه لأنّ صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر ﴿وموسى﴾ وختم به لأنّ الغالب على كتابة الأحكام والمواعظ فيه قليلة، ومنها الزواجر البليغة كاللعن لمن خالف أوامر التوراة التي أعظمها البشارة بمحمد ﷺ وروي عن أبيّ بن كعب «أنه سأل رسول الله ﷺ كم أنزل الله تعال من كتاب؟ فقال: مائة وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحف وعلى شيث خمسون صحيفة، وعلى اخنوخ وهو إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان» . وقيل: في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه. عارفاً بزمانه، مقبلاً على شأنه. وعن عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما ب ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ وفي الوتر ب ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس﴾ » . وقرأ الأعلى، فسوى، المرعى، أحوى، فلا تنسى، وما يخفى، من يخشى، الأشقى، ولا يحيى، من تزكى، فصلى، الدنيا، وأبقى، الأولى، وموسى حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش وأبو عمرو بين بين، والفتح عن ورش قليل، أمّا الأعلى الذي، والأشقى الذي إذا وقف عليهما فالإمالة، وإن وصلا فلا إمالة والباقون بالفتح. وقرأ: الذكرى، الكبرى، أبو عمرو والكسائي بالإمالة محضة. وقرأ ورش بين اللفظين والباقون بالفتح، وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله تعالى على إبراهيم وموسى ومحمد ﵈» . حديث موضوع. سورة الغاشية مكية بالإجماع وهي ست وعشرون آية واثنان وتسعون كلمةوثلاثمائة وإحدى وثمانون حرفاً ﴿بسم الله﴾ علام الغيوب ﴿الرحمن﴾ كاشف الكروب ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بالعفو عن الذنوب. وقوله : ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنّ هل بمعنى قد، أي: قد جاءك يا أشرف الخلق حديث الغاشية، كقوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ (الإنسان: ١) . قال قطرب: والثاني: أنه استفهام على حاله، وتسميه أهل البيان التشويق، والمعنى: إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وهو معنى قول الكلبي، والغاشية: الداهية التي تغشى الناس

стр. 2457

بشدائدها وتلبسهم أهوالها وهي القيامة من قوله: ﴿يوم يغشاهم العذاب﴾ (العنكبوت: ٥٥) وقيل: هي النار من قوله تعالى: ﴿وتغشى وجوههم النار﴾ (إبراهيم: ٥٠) ﴿ومن فوقهم غواش﴾ (الأعراف: ٤١) . وقيل: المراد النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى الخلق. وقيل: الغاشية أهل النار يغشونها ويقتحمون فيها. ﴿وجوه﴾ ، أي: كثيرة جدّاً كائنة ﴿يومئذ﴾ ، أي: يوم إذ غشيت ﴿خاشعة﴾ ، أي: ذليلة من الخجل والفضيحة والخوف من العذاب، والمراد بالوجوه في الموضعين: أصحابها. ﴿ ﴿ ﴿عاملة ناصبة﴾ ، أي: ذات نصب وتعب. قال سعيد بن جبير عن قتادة: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى فأعملها الله تعالى وأنصبها في النار بجرّ السلاسل الثقال وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العَرَصَات في يوم كان مقداره ألف سنة. وقال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل. وقال الحسن: لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب له فأعملها وأنصبها في جهنم. وقال ابن عباس: هم الذين أنصبوا أنفسهم في الدنيا على معصية الله تعالى على الكفر، مثل عبدة الأوثان والرهبان وغيرهم لا يقبل الله تعالى منهم إلا ما كان خالصاً له. وعن علي أنهم الخوارج الذين ذكرهم رسول الله ﷺ فقال: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث. وقرأ ﴿تصلى﴾ أبو عمرو وشعبة بضم التاء الفوقية على ما لم يسم فاعله، والباقون بفتحها على تسمية الفاعل، والضمير على كلتا القراءتين للوجوه. والمعنى: تدخل ﴿ناراً حاميةً﴾ ، أي: شديدة الحرّ قد أحميت وأوقدت مدّة طويلة، ومنه حمى النار بالكسر، أي: اشتدّ حرّه. وحكى الكسائي اشتدّ حمى الشمس وحموها بمعنى. قال ﷺ «أوقد عليها ألف سنة حتى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسوّدت فهي سوداء مظلمة» . وقيل: المصلى عند العرب أن يحفروا حفيراً فيجمعون فيه جمراً كثيراً، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه، فأمّا ما شوي فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور فلا يسمى مصلياً. ولما بين تعالى مكانهم ذكر شرابهم فقال تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ ، أي: شديدة الحرارة كقوله تعالى: ﴿بين حميم آن﴾ (الرحمن: ٤٤) متناه في الحرارة. روي أنه لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لأذابتها. ولما ذكر تعالى شرابهم أتبعه بذكر طعامهم فقال تعالى: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ قال مجاهد: هو نبت ذو شوك لاطىء بالأرض تسميه قريش الشبرق، فإذا هاج سموه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه. قال الكلبي: لا تقربه دابة إذا يبس. وقال ابن زيد: أمّا في الدنيا فإنّ الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار. وجاء في الحديث عن ابن عباس يرفعه: «الضريع شيء في النار يشبه الشوك أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة، وأشد حرّاً من النار» قال أبو الدرداء والحسن: «إنّ الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية لا هنيئة ولا مريئة، فلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها فإذا وصل بطونهم قطعها فذلك قوله تعالى: ﴿وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم﴾ (محمد: ١٥) . قال بعض المفسرين: فلما نزلت هذه

стр. 2458

الآية قال المشركون: إنّ إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك فإنّ الإبل إنما ترعاه ما دام رطباً ويسمى شبرقاً فإذا يبس لا يأكله شيء. قال أبو ذؤيب يصف حماراً: *رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى ... وصار ضريعاً بان عنه النحائص* والنحوص: من الأتن التي لا لبن لها. ولما قالوا ذلك أنزل الله تعالى تكذيباً لهم: ﴿لا يسمن ولا يغني﴾ ، أي: يكفي كفاية مبتدأة ﴿من جوع﴾ فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال فنفى السمن والشبع عنه، وعلى تقدير أن يصدقوا فيكون المعنى: أنّ طعامكم من ضريع ليس من جنس ضريعكم إنما هو ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع. فإن قيل: كيف قيل: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ وفي الحاقة: ﴿ولا طعام إلا من غسلين﴾ (الحاقة: ٣٦) أجيب: بأنّ العذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع لكل باب منهم جزء مقسوم. ولما ذكر تعالى وعيد الكفار أتبعه بشرح أحوال المؤمنين فقال تعالى: ﴿وجوه يومئذٍ﴾ ، أي: يوم تغشى الناس ووصفها بصفات الأولى قوله تعالى: ﴿ناعمة﴾ ، أي: ذات بهجة وحسن كقوله تعالى: ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ (المطففين: ٢٤) أو متنعمة. قال مقاتل: في نعمة وكرامة. الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿لسعيها﴾ ، أي: في الدنيا بالأعمال الصالحة ﴿راضيةٌ﴾ ، أي: في الآخرة بثواب سعيها حين رأت ما أدّاهم إليه من الكرامة الصفة الثالثة قوله تعالى: ﴿في جنة﴾ ثم توصف الجنة بصفات الأولى قوله تعالى: ﴿عالية﴾ ، أي: علية المحل والقدر، والصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿لا يسمع فيها لاغية﴾ قرأ بالتاء الفوقية نافع مضمومة لاغية بالرفع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية مضمومة لاغية بالرفع لقيامها مقام الفاعل، والباقون بالتاء الفوقية مفتوحة لاغية بالنصب فيجوز أن تكون التاء للخطاب، أي: لا تسمع أنت وأن تكون للتأنيث، أي: لا تسمع الوجوه واللغو. وقال ابن عباس: الكذب والبهتان والكفر بالله تعالى. وقال قتادة: لا با طل ولا إثم. وقال الحسن: هو الشتم. وقال الفراء: الحلف الكاذب، والأولى كما قيل: لا يسمع في كلامهم كلمة ذات لغو، وإنما يتكلمون بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم وهذا أحسن الأقوال قاله القفال. وقال الكلبي: لا يسمع في الجنة حالف بيمين لا برّة ولا فاجرة. الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فيها﴾ ، أي: الجنة ﴿عين جارية﴾ قال الزمخشري: يريد عيوناً في غاية الكثرة كقوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ (التكوير: ١٤) وقال القفال: فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود، وتجري لهم كما أرادوا. الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿فيها سرر مرفوعة﴾ ، أي: عالية في الهواء. قال ابن عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في السماء ما لم يجيء أهلها، فإذا أرادوا أن يجلسوا عليها تواضعت ثم ترتفع على مواضعها. الصفة الخامسة قوله تعالى: ﴿وأكواب موضوعة﴾ جمع كوب، وهي الكيزان التي لا عرى لها. قال قتادة: فهي دون الإبريق. وفي قوله تعالى: ﴿موضوعة﴾ وجوه أحدها: أنها معدّة لأهلها كالرجل يلتمس من الرجل شيئاً فيقول هو ههنا موضوع بمعنى معدّ. ثانيها: موضوعة على حافات العين الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشراب. ثالثها: موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جواهر

стр. 2459

وتلذذهم بالشرب فيها رابعها: أن يكون المراد موضوعة عن حدّ الكبر، أي: هي أوساط بين الكبر والصغر كقوله ﴿قدّروها تقديراً﴾ (الإنسان: ١٦) الصفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ونمارق﴾ وهي الوسائد، واحدها: نمرقة بضم النون والراء وكسرهما لغتان أشهرهما الأولى وهي وسادة صغيرة قالت: *نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق* ﴿مصفوفة﴾ أي: واحدة على جنب واحدة أخرى قال الشاعر: *كهولاً وشباناً حساناً وجوههم ... لهم سرر مصفوفة ونمارق* الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وزرابيّ﴾ وهي جمع زربية بفتح الزاي وكسرها لغتان مشهورتان وهي بسط عراض فاخرة. وقال ابن عباس: الطنافس التي لها خمل، أي: وبر رقيق. واختلف في قوله تعالى: ﴿مبثوثة﴾ فقال قتادة: مبسوطة. وقال عكرمة: بعضها فوق بعض. وقال الفراء: كثيرة. وقال القتيبي: مفرّقة في المجالس. قال القرطبي: وهذا أصح فهي كثيرة متفرّقة ومنه قوله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ (البقرة: ١٦٤) ولما ذكر تعالى أمر الدارين تعجب الكفار من ذلك فكذبوه وأنكروه فذكرهم الله تعالى صنعه وقدرته بقوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون﴾ ، أي: المنكرون لقدرته على الجنة، وما ذكر فيها، والنار وما ذكر فيها، أي: نظر اعتبار. ﴿إلى الإبل﴾ ونبه على أنه عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدعاوي على الاستفهام والسؤال عنه بأداة الاستفهام، فقال تعالى: ﴿كيف خلقت﴾ ، أي: خلقاً عجيباً دالاً على كمال قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرّها إلى البلاد النائية فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعارض ضعيفاً ولا تنازع صغيراً وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض الحكماء أنه حدّث عن البعير وبديع خلقه وقد نشأ في بلاد لا إبل بها فتفكر، ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق وحين أراد بها أن تكون سفائن البرّ صبرها على احتمال العطش، حتى إنّ ظماءها لتصبر على عشر فصاعداً ليتأتى لها قطع البراري والمفاوز مع ما لها من منافع أخر، ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المثبتة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع لأنها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا ترعاه سائر البهائم. وعن سعيد بن جبير قال: لقيت شريحاً القاضي فقلت له: أين تريد؟ قال: أريد الكناسة، قلت: وما تصنع بها؟ قال: أنظر إلى الإبل كيف خلقت. تنبيه: الإبل اسم جمع واحده بعير وناقة وجمل ولا واحد لها من لفظها. وقال المبرد: الإبل هنا القطع العظيمة من السحاب. قال الثعلبي: ولم أجد لذلك أصلاً في كتب الأئمة. وقال الماوردي: وفي الإبل وجهان: أظهرهما: أنها الإبل، والثاني: أنها السحاب فإن كان المراد بها السحاب فلما فيها من الآيات والدلالات الدالة على قدرته والمنافع العامّة لجميع خلقه، وإن كان المراد بها الإبل فلأنّ الإبل أجمع للمنافع من سائر الحيوانات لأنّ ضروب الحيوان أربعة حلوبة وركوبة وأكولة وحمولة والإبل تجمع هذه الخلال الأربع، فكانت النعمة بها أعم وظهور القدرة فيها أتم وقيل للحسن: الفيل أعظم من الأعجوبة فقال العرب: بعيدة العهد بالفيل

стр. 2460

ثم هو لا يؤكل لحمه ولا يركب ولا يحلب درّه. ﴿وإلى السماء﴾ التي هي من جملة مخلوقاتنا ﴿كيف رفعت﴾ ، أي: رفعاً بعيداً بلا إمساك وبغير عمد على ما لها من السعة والكبر والثقل والإحكام، وما فيها من الكواكب والغرائب والعجائب. ﴿وإلى الجبال﴾ ، أي: الشامخة وهي أشد الأرض ﴿كيف نصبت﴾ نصباً ثابتاً فهي راسية لا تميل ولا تزول كما قال تعالى: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم﴾ (الأنبياء: ٣١) ﴿وإلى الأرض﴾ ، أي: على سعتها ﴿كيف سطحت﴾ سطحاً بتمهيد وتوطئة فهي مهاد للتقلب عليها. واستدلّ بعضهم بذلك على أنّ الأرض ليست بكرة. قال الرزاي: وهو ضعيف لأنّ الكرة إذا كانت في غاية العظمة تكون كل قطعة منها كالسطح. فإن قيل: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟ أجيب: بأنّ من فسرها بالسحاب فالمناسبة ظاهرة، وذلك على طريق التشبيه والمجاز، ومن فسرها بالإبل فالمناسبة بينها وبين السماء والأرض والجبال من وجهين: أحدهما: أنّ القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيراً ويسيرون عليها في أوديتهم وبواديهم مستوحشين ومنفردين عن الناس، والإنسان إذا انفرد أقبل على التفكر في الأشياء لأنه ليس معه من يحادثه وليس هناك ما يشغل به سمعه وبصره، فلا بدّ من أن يجعل دأبه التفكر فإذا تفكر في تلك الحال فأوّل ما يقع بصره على البعير الذي هو راكبه فيرى منظراً عجيباً، وإن نظر إلى فوق لم ير غير السماء وإن نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال، وإن نظر إلى تحت لم ير غير الأرض فكأنه تعالى أمره بالنظر وقت الخلوة والانفراد حتى لا تحمله داعية الكبر والحسد على ترك النظر. ثانيهما: أنّ جميع المخلوقات دالة على الصانع جلت قدرته إلا أنها قسمان منها ما للشهوة فيه حظ كالوجه الحسن والبساتين النزهة والذهب والفضة، فهذه مع دلالتها على الصانع قد يمنع استسحانها عن كمال النظر فيها ومنها ما لا حظ فيه للشهوة كهذه الأشياء فأمر بالنظر فيها؛ إذ لا مانع من إكمال النظر فيها. وقال عطاء عن ابن عباس: كأن الله تعالى يقول هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض غيري. ولما بين تعالى الدلائل على صحة التوحيد والمعاد قال سبحانه لرسوله ﷺ ﴿فذكر﴾ ، أي: بنعم الله تعالى ودلائل توحيده وعظهم بذلك وخوّفهم يا أشرف الخلق ﴿إنما أنت مذكر﴾ فلا عليك أن لا ينظروا ولم يذكروا أو ما عليك إلا البلاغ كما قال تعالى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (الشورى: ٤٨) ﴿لست عليهم بمسيطر﴾ ، أي: بمسلط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان كقوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ (ق: ٥٠) وهذا قبل الأمر بالجهاد. وقرأ هشام بالسين وقرأ حمزة بخلاف عن خلف بإشمام الصاد كالزاي، والباقون بالصاد الخالصة. وقوله تعالى: ﴿إلا من تولى﴾ استثناء منقطع، أي: لكن من تولى عن الإيمان ﴿وكفر﴾ ، أي: بالقرآن. ﴿فيعذبه الله﴾ ، أي: الذي له الكمال كله بسبب تكبره عن الحق ومخالفته لأمرك ﴿العذاب الأكبر﴾ ، أي: عذاب الآخرة لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر. وقيل: استثناء متصل فإنّ جهاد الكفار وقتلهم تسليط فكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل: هو استثناء من قوله تعالى: ﴿فذكر﴾ إلا من انقطع طمعك من إيمانه، وتولى فاستحق العذاب

стр. 2461

الأكبر وما بينهما اعتراض. ﴿إن إلينا﴾ ، أي: خاصة بما لنا من العظمة ﴿إيابهم﴾ ، أي: رجوعهم بعد البعث. ﴿ثم إنّ علينا﴾ ، أي: خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العيب والجور وكل نقص لا على غيرنا ﴿حسابهم﴾ ، أي: جزاءهم فلا نتركه أبداً، وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ فإنه كان يشق عليه تكذيبهم. فإن قيل: ما معنى تقديم الظرف؟ أجيب: بأنّ معناه التشديد في الوعيد، وإنّ إيابهم إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وإنّ حسابهم ليس إلا عليه وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ الغاشية حاسبه الله حساباً يسيراً» حديث موضوع. سورة الفجر مكية وقيل: مدنية وهي تسع وعشرون آية وقيل: ثلاثون آية ومائةوتسع وثلاثون كلمة وخمسمائة وسبعة وتسعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الملك المعبود ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ خلقه بالكرم والجود ﴿الرحيم﴾ الذي سدّد أهل عنايته بفضله فهو الحليم الودود. وقوله تعالى: ﴿والفجر﴾ ، أي: فجر كل يوم قسم كما أقسم بالصبح في قوله تعالى: ﴿والصبح إذا أسفر﴾ (المدثر: ٣٤) ﴿والصبح إذا تنفس﴾ (التكوير: ١٨) وقال قتادة: هو فجر أوّل يوم من المحرّم تتفجر منه السنة. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة، وقيل: ذلك على مضاف محذوف، أي: وصلاة الفجر. وقيل: ورب الفجر وتقدّم أنّ الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته، واختلف في قوله تعالى: ﴿وليال عشر﴾ فقال مجاهد وقتادة: هو عشر ذي الحجة. وقال الضحاك: هو العشر الأوّل من رمضان. وعن ابن عباس: أنه العشر الأخير من رمضان. وعن يمان بن رباب هو العشر الأوّل من المحرّم التي عاشرها يوم عاشوراء، ولصومه فضل عظيم. فإن قيل: لم ذكر الليالي من بين ما أقسم به؟ أجيب: بأنّ ذلك للتعظيم. ﴿والشفع﴾ ، أي: الزوج ﴿والوتر﴾ ، أي: الفرد، وقيل: الشفع الخلق كلهم قال الله تعالى: ﴿وخلقناكم أزواجاً﴾ (النبأ: ٨) والوتر هو الله تعالى. قاله أبو سعيد الخدري. وقال مجاهد ومسروق: الشفع الخلق كله، قال الله تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ (الذاريات: ٤٩) الكفر والإيمان، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجنّ والإنس، والوتر هو الله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص: ١) . وقال قتادة: هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. روى ذلك عن عمران بن حصين مرفوعاً وعن ابن عباس الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. وقال الحسين بن الفضل: الشفع درجات الجنة لأنها ثمان، والوتر دركات النار لأنها سبع دركات. سئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوّة والضعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى. والوتر انفراد صفات الله عز بلا ذل، وقدرة بلا عجز، وقوّة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا موت. وعن عكرمة الوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر، واختاره النحاس وقال هو الذي صح عن النبيّ ﷺ فيوم عرفة وتر لأنه تاسعها ويوم النحر شفع لأنه عاشرها.

стр. 2462

وقال ابن الزبير: الشفع الحادي عشر والثاني عشر من أيام منى، والوتر الثالث عشر. وقال الضحاك: الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة. وقيل: الشفع والوتر آدم ﵇ كان وتراً فشفع بزوجته حوّاء، حكاه القشيريّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقرأ حمزة والكسائيّ بكسر الواو والباقون بفتحها وهما لغتان الفتح لغة قريش ومن والاها والكسر لغة تميم. وقوله تعالى: ﴿والليل إذا يسر﴾ قسم خامس بعدما أقسم بالليالي العشر على الخصوص أقسم به على العموم، ومعنى يسر سار وذهب كما قال الله تعالى: ﴿والليل إذا أدبر﴾ (المدثر: ٣٣) . وقال قتادة: إذا جاء وأقبل وقيل: معنى يسر، أي: يسري فيه كما يقال: ليل نائم ونهار صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ (سبأ: ٣٣) وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء بعد الراء وصلاً لا وقفاً، وأثبتها ابن كثير في الحالين، وحذفها الباقون في الحالين لسقوطها في خط المصحف الكريم وإثباتها هو الأصل لأنها لام فعل مضارع مرفوع، ومن فرق بين حالتي الوقف والوصل فلأنّ الوقف محل استراحة وسئل الأخفش عن العلة في سقوط الياء فقال: الليل لا يسري ولكن يسري فيه فهو مصروف فلما صرفه تجنبه حظه من الإعراب كقوله تعالى: ﴿وما كانت أمك بغياً﴾ (مريم: ٢٨) ولم يقل بغية، لأنه صرفه عن باغية وهذه الأسماء كلها مجرورة بالقسم والجواب محذوف تقديره: لتعذبن يا كفار مكة بدليل قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فصبّ عليهم ربك سوط عذاب إنّ ربك لبالمرصاد﴾ وما بينهما اعتراض. وقوله تعالى: ﴿هل في ذلك﴾ ، أي: القسم والمقسم به ﴿قسم﴾ ، أي: حلف أو محلوف ﴿لذي حجر﴾ استفهام معناه التقرير، كقولك: ألم أنعم عليك إذا كنت قد أنعمت أو المراد منه التأكيد لما أقسم عليه كمن ذكر حجة بالغة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة والمعنى: إنّ من كان ذا لب علم أنّ ما أقسم الله تعالى به هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه والحجر العقل لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي كما يسمى عقلاً ونهية لأنه يعقل وينهى وحصاه من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها. وقوله تعالى: ﴿ألم تر﴾ خطاب للنبيّ ﷺ ولكن المراد به العموم والمراد بالرؤية العلم، أي: ألم تعلم يا أشرف رسلنا ﴿كيف فعل ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بأنواع النعم ﴿بعاد﴾ ﴿إرم﴾ وهو ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، ثم إنهم جعلوا لفظ عاد اسماً للقبيلة كما يقال لبني هاشم: هاشم، ولبني تميم: تميم، ثم قيل: للأوّلين منهم عاد الأولى، وإرم تسمية لهم باسم جدهم ولمن بعدهم عاد الأخيرة. فإرم في قوله تعالى: ﴿عاد إرم﴾ عطف بيان لعاد وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة وقيل: إرم بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها. وقوله تعالى: ﴿ذات﴾ ، أي: صاحبة ﴿العماد﴾ فينظر فيه إن كانت صفة للقبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد وطوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة. وقيل: ذات البناء الرفيع وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين وروي أنه كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا ودانت له ملوكها فسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة وهي مدينة عظيمة قصورها من

стр. 2463

الذهب والفضة وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها فحمل ما قدر عليه مما ثم وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها جل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير على حاجبه خال وعلى عقبه خال يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. وقوله تعالى: ﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ صفة أخرى لإرم فإن كانت للقبيلة فلم تخلق مثل عاد في البلاد عظم أجرام وقوّة. قال الزمخشري: كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيقلبها على الحي فيهلكهم. وروي عن مالك أنه كانت تمرّ بهم مائة سنة لا يرون فيها جنازة. وإن كانت للبلدة فلم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا، والمقصود من هذه الحكاية زجر الكفار فإنّ الله تعالى بين أنه أهلكهم بما كفروا وكذبوا الرسل مع الذي اختصوا به من هذه الوجوه، فلأن تكونوا مثل ذلك أيها الكفار إذا أقمتم على كفركم مع ضعفكم أولى وقد ذكركم الله تعالى ثلاث قصص هذه القصة الأولى. وأما الثانية: فهي في قوله تعالى: ﴿وثمودا الذين جابوا﴾ ، أي: قطعوا ﴿الصخر﴾ جمع صخرة وهي الحجر واتخذوها بيوتاً كقوله تعالى: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتاً﴾ (الشعراء: ١٤٩) . ﴿بالواد﴾ ، أي: وادي القرى، قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، وبنوا ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة. وقيل: سبعة آلاف مدينة كلها من الحجارة. تنبيه: أثبت الياء ورش وابن كثير وصلاً، وأثبتها وقفاً ابن كثير بخلاف عن قنبل. ﴿س٨٩ش١٠/ش١٤ وَفِرْعَوْنَ ذِى ا?وْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا? فِى الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا? فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ وأما القصة الثالثة: فهي في قوله تعالى: ﴿وفرعون﴾ ، أي: وفعل بفرعون ﴿ذي الأوتاد﴾ واختلف في تسميته بذلك على وجهين: أحدهما: أنه سمي بذلك عل كثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا. والثاني: أنه كان يتد أربعة أوتاد يشدّ إليها يدي ورجلي من يعذبه وعن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنّ فرعون إنما سمي ذا الأوتاد لأنه كانت امرأة وهي امرأة خازنه حزقيل، وكان مؤمناً كتم إيمانه مائة سنة وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذا سقط المشط من يدها فقالت: تعس من كفر بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لك إله غير أبي؟ فقال: إلهي وإله أبيك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي، قال: ما يبكيك؟ فقالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أنّ إلهك وإلهها وإله السموات والأرض واحد لا شريك له، فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت. فقال لها: ويحك اكفري بإلهك وأقرّي بأني إلهك، قالت: لا أفعل فمدّها بين أربعة أوتاد ثم أرسل عليها الحيات والعقارب، وقال لها: اكفري بالله وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين فقالت له: لو عذبتني سبعين شهراً ما كفرت بالله، وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على فيها، وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على فيك وكانت رضيعة فقالت: لو ذبحت من في الأرض على فيّ ما كفرت بالله ، فأتى بابنتها فلما اضجعت على صدرها وأراد ذبحها جزعت المرأة

стр. 2464

فانطق الله تعالى لسان ابنتها فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالاً وقالت: يا أمّاه لا تجزعي فإن الله تعالى قد بنى لك بيتاً في الجنة فاصبري فإنك تفضين إلى رحمة الله تعالى وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فاسكنها الله تعالى الجنة قال: وبعث في طلب زوجها حزقيل: فلم يقدروا عليه، فقيل: لفرعون: إنه قد زوى في موضع كذا في جبل كذا فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون خلفه، فلما رأيا ذلك انصرفا فقال حزقيل: اللهم أنت تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة ولم يظهر عليّ أحد فأيما هذين الرجلين أظهر عليّ فعجل في عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن، وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رؤوس الملأ فقال له فرعون: وهل معك غيرك؟ قال: نعم فلان فدعى به، فقال: حق ما يقول هذا؟ قال: لا ما رأيت كما قال شيئاً فأعطاه فرعون فأجزل وأما الآخر فقتله ثم صلبه. قال: وكان فرعون قد تزوّج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم فرأت ما صنع فرعون بالماشطة فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي من فرعون وأنا مسلمة وهو كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريباً منها، فقالت: يا فرعون أنت أشر الخلق وأخبثه عمدت على الماشطة فقتلتها، فقال: لعل بك الجنون الذي كان بها؟ قالت: ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله السموات والأرض واحد لا شريك له فمزق ما عليها وضربها وأرسل على أبويها فدعاهما فقال لهما: ألا تريان أنّ الجنون الذي كان بالماشطة أصابها. قالت: أعوذ بالله من ذلك إني أشهد أن ربي وربك ورب السموات والأرض واحد لا شريك له، فقال أبوها: يا آسية ألست من خير نساء العماليق وزوجك إله العماليق، قالت: أعوذ بالله من ذلك إن كان ما يقول حقاً فقولا له أن يتوّجني تاجاً تكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون: أخرجاها عني فمدّها بين أربعة أوتاد يعذبها ففتح الله لها باباً إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون فعند ذلك قالت: ﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله﴾ (التحريم: ١١) فقبض الله تعالى روحها وأدخلها الجنة. وروي عن أبي هريرة أنّ فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد وجعل على صدرها رحاً واستقبل بها عين الشمس فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: ﴿رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة﴾ ففرج الله تعالى عن بيتها في الجنة فرأته. وقوله تعالى: ﴿الذين طغوا﴾ ، أي: تجبروا ﴿في البلاد﴾ في محل نصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على هم الذين طغوا في البلاد، أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون فالضمير يرجع لعاد وثمود وفرعون وقيل: يرجع إلى فرعون خاصة. ﴿فأكثروا﴾ ، أي: طغاتهم ﴿فيها الفساد﴾ ، أي: بالقتل والكفر والمعاصي قال القفال: وبالجملة فالفساد ضد الصلاح يتناول جميع أقسام البر، فالفساد يتناول جميع أقسام الإثم فمن عمل بغير أمر الله تعالى وحكم في عباده بالظلم فهو مفسد. ﴿فصب﴾ ، أي: أنزل إنزالاً هو في غاية القوة ﴿عليهم﴾ ، أي: في الدنيا ﴿ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بكل جميل ﴿سوط﴾ ، أي: نوع ﴿عذاب﴾ وقال قتادة: يعني ألواناً من العذاب صبه عليهم، وقال أهل المعاني هذا على

стр. 2465

الاستعارة لأن السوط عندهم غاية العذاب. وقال الفراء: هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أنّ السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى إلى كلّ عذاب إذا كان فيه غاية العذاب. وقال الزجاج: جعل سوطهم الذي ضربهم به العذاب. وعن الحسن أنه كان إذا أتى على هذه الآية قال: إنّ الله تعالى عنده أسواط كثيرة فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة: كل شيء عذب الله تعالى به فهو سوط، وشبه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه. ﴿إنّ ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بالرسالة ﴿لبالمرصاد﴾ ، أي: يرصد أعمال العباد لا يفوته منها شيء ليجازيهم عليها والمرصاد المكان الذي يترقب فيه الرصد، مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهذا مثل لإرصاد العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل: له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه فقال: ﴿إنّ ربك لبالمرصاد﴾ يا أبا جعفر عرّض له في هذا النداء بأنه بعض من توعده بذلك من الجبابرة. قال الزمخشري: فلله دره، أي: أسد فراس كان بين ثوبيه يدق الظلمة بإنكاره ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه. وقوله تعالى: ﴿فأما الإنسان﴾ متصل بقوله تعالى: ﴿إنّ ربك لبالمرصاد﴾ فكأنه قيل: إنّ الله تعالى يريد من الإنسان الطاعة والسعي للعاقبة، وهو لا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها ﴿إذا ما ابتلاه﴾ ، أي: اختبره بالنعمة ﴿ربه﴾ ، أي: الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره ﴿فأكرمه﴾ ، أي: جعله عزيزاً بين الناس وأعطاه ما يكرمونه به من الجاه والمال ﴿ونعمه﴾ ، أي: جعله متلذذاً مترفهاً بما وسع الله تعالى عليه. وقوله تعالى: ﴿فيقول﴾ ، أي: سروراً بذلك افتخاراً ﴿ربي أكرمن﴾ ، أي: فضلني بما أعطاني خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في أمّا من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتداء بالأنعام فيظن أنّ ذلك عن استحقاق فيرتفع به. وكذا قوله تعالى: ﴿وأما إذا ما ابتلاه فقدر﴾ ، أي: ضيق ﴿عليه رزقه﴾ التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه، أي: بالفقر ليوازي قسيمه ﴿فيقول﴾ ، أي: الإنسان بسبب الضيق ﴿ربي أهانن﴾ فيهتم لذلك ويضيق به ذرعاً ويكون أكبر همه، وهذا في حق الكافر لقصور نظره وسوء فكره فيرى الكرامة والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته.Y ﴿ ﴿ وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في عتبة بن ربيعة. وقيل: أبي بن خلف. فإن قيل: كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقتيره ابتلاء؟ أجيب: بأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر، وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع فالحكمة فيهما واحدة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ (الأنبياء: ٣٥) . فإن قيل: هلا قال فأهانه وقدر عليه رزقه كما قال فأكرمه ونعمه؟ أجيب: بأن البسط إكرام من الله تعالى لعبده بإنعامه عليه متفضلاً من غير سابقة، وأما التقتير فليس بإهانة له لأنّ الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة ولكن تركاً للكرامة، وقد يكون المولى مكرماً ومهيناً وغير مكرم ولا مهين. وإذا أهدى لك زيد هدية قلت: أكرمني بالهدية، ولا تقول أهانني ولا أكرمني إذا لم يهد إليك. فإن

стр. 2466

قيل: قد قال تعالى فأكرمه فصحح إكرامه وأثبته ثم أنكر قوله: ﴿ربي أكرمن﴾ وذمّه عليه كما أنكر قوله: ﴿أهانن﴾ وذمه عليه؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: إنما أنكر قوله: ﴿ربي أكرمن﴾ وذمه عليه لأنه قاله على قصد خلاف ما صححه الله تعالى عليه وأثبته، وهو قصده على أن الله تعالى أعطاه ما أعطاه إكراماً مستحقاً ومستوجباً على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم كقوله: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ (القصص:٧٨) وإنما أعطاه الله تعالى على وجه التفضل من غير استحباب منه له، ولا سابقة مما لا يعتد الله تعالى إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. ثانيهما: أن ينساق الإنكار والذم إلى قوله: ﴿ربي أهانن﴾ يعني أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه يسمى ترك التفضل هواناً وليس بهوان. قال الزمخشري: ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله تعالى: ﴿فأكرمه﴾ وقرأ ﴿ما ابتلاه﴾ في الموضعين حمزة بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح، وقرأ ﴿ربي أكرمن﴾ ﴿ربي أهانن﴾ نافع بإثبات الياء فيهما وصلاً لا وقفاً، وقرأ البزي بإثباتها فيهما وقفاً ووصلاً، وعن أبي عمرو فيهما في الوصل الإثبات والحذف عنه في الوصل أعدل، والباقون بالحذف وقفاً ووصلاً. وقرأ ابن عامر ﴿فقدّر عليه رزقه﴾ بتشديد الدال والباقون بتخفيفها، وهما لغتان معناهما ضيق. وقيل: قدر بمعنى قتر وقدر أعطاه ما يكفيه. ثم ردّ الله تعالى على من ظن أنّ سعة الرزق إكرام وأنّ الفقر إهانة بقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ، أي: ليس الإكرام بالغنى والإهانة بالفقر إنما هما بالإطاعة والمعصية، وكفار مكة لا ينتبهون لذلك ﴿بل﴾ لهم فعل أشر من هذا القول وهو أنهم ﴿لا يكرمون اليتيم﴾ ، أي: لا يحسنون إليه مع غناهم، أو لا يعطونه حقه من الميراث. قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيماً في حجر أمية بن خلف فكان يدفعه فنزلت: ﴿ولا يحضون﴾ ، أي: يحثون حثاً عظيماً ﴿على طعام﴾ ، أي: إطعام ﴿المسكين﴾ فيكون اسم مصدر بمعنى الإطعام، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: على بذل أو على إعطاء، وفي إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغنيّ في ماله بقدر الزكاة. ﴿ويأكلون﴾ على سبيل التجدد والاستمرار ﴿التراث﴾ ، أي: الميراث والتاء في التراث بدل من واو لأنه من الوراثة. ﴿أكلاً لماً﴾ ، أي: ذا لم واللمّ الجمع الشديد. يقال: لممت الشيء لماً، أي: جمعته جمعاً. قال الحطيئة: *إذا كان لما يتبع الذم ربه ... فلا قدس الرحمن تلك الطواحنا* والجمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا يورثون النساء والصبيان ويأكلون انصباءهم ويأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك، فيلمون في الأكل بين حلاله وحرامه ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال مهلاً مهلاً من غير أن يعرق فيه جبينه فيسرف في إنفاقه ويأكله أكلاً واسعاً جامعاً بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه كما يفعل البطالون. ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي دل عليه في الإنسان فقال تعالى: ﴿ويحبون﴾ ، أي: على سبيل الاستمرار ﴿المال﴾ ، أي: هذا النوع من، أي: شيء كان وأكد بالمصدر والوصف فقال تعالى ﴿حباً جماً﴾ ، أي: كثيراً شديداً مع الحرص والشره ومنع الحقوق. وقوله تعالى: ﴿كلا﴾ ردع لهم عن

стр. 2467

ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أخبر تعالى عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم فقال عز من قائل: ﴿إذا دكت الأرض﴾ ، أي: حصل دكها ورجها وزلزلتها لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدّة المط لا عوج فيها بوجه ﴿دكاً دكاً﴾ ، أي: مرّة بعد مرّة، وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر فلم يبق على ظهرها شيء وينعدم. ﴿وجاء ربك﴾ قال الحسن: أمره وقضاؤه ﴿والملك﴾ ، أي: الملائكة. وقوله تعالى: ﴿صفاً صفاً﴾ حال، أي: مصطفين، أي: ذوي صفوف كثيرة فتنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس. ﴿ ﴿ ﴿وجيء﴾ ، أي: بأسهل أمر ﴿يومئذ﴾ ، أي: إذ وقع ما ذكر ﴿بجهنم﴾ ، أي: النار التي تتجهم من يصلاها كقوله تعالى: ﴿وبرزت الجحيم﴾ (النازعات: ٣٦) ويروى «أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ فعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه فأخبروا علياً فجاء فاحتضنه من خلفه وقبل ما بين عاتقيه، ثم قال: يا نبيّ الله بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم وما الذي غيرك فتلا عليه الآية. فقال له علي: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثم تعرض لي جهنم فتقول: ما لك ولي يا محمد إنّ الله تعالى قد حرم لحمك علي فلا يبقى أحد إلا قال: نفسي نفسي إلا محمد ﷺ فيقول: رب أمّتي أمّتي» . وقال عبد الله بن مسعود ﵁: تقاد جهنم بسبعين ألف زمام كل زمام بيد ألف ملك لها تغيظ وزفير حتى تنصب على يسار العرش. وقوله تعالى: ﴿يومئذ﴾ ، أي: يوم يجاء بجهنم بدل من إذ وجوابها ﴿يتذكر الإنسان﴾ ، أي: يتذكر الكافر ما فرط أو يتعظ لأنه يعلم قبح معاصيه فيندم عليها ﴿وأنى له الذكرى﴾ ، أي: ومن أين له منفعة الذكرى. قال الزمخشري: لا بد من حذف مضاف وإلا فبين ﴿يتذكر﴾ وبين ﴿وأنى له الذكرى﴾ تناف وتناقض. تنبيه: أنى خبر مقدّم والذكرى مبتدأ مؤخر وله متعلق بما تعلق به الظرف. وقرأ ﴿وأنى﴾ حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالإمالة بين بين والباقون بالفتح. وقرأ ﴿الذكرى﴾ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ بالإمالة محضة، وقرأ ورش بين بين، والباقون بالفتح. ﴿يقول﴾ ، أي: يقول مع تذكره ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ليتني قدّمت لحياتي﴾ ، أي: في حياتي فاللام بمعنى في، أو قدّمت الإيمان والخير لحياة لا موت فيها، أو وقت حياتي في الدنيا. ﴿فيومئذ﴾ ، أي: يوم يقول الإنسان ذلك وقرأ ﴿لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ الكسائي بفتح الذال والثاء على البناء للمفعول، والباقون بكسرهما على البناء للفاعل فأمّا قراءة الكسائي فضمير عذابه ووثاقه للكافر، والمعنى: لا يعذب أحد مثل تعذيبه ولا يوثق مثل إيثاقه، وأما على قراءة الباقين فالضمير فيهما لله تعالى إلى غيره، أو الزبانية المتولين العذاب بأمر الله تعالى. ولما وصف الله تعالى حال من اطمأن إلى الدنيا وصف حال من اطمأن إلى معرفته وعبوديته وسلم أمره إليه فقال تعالى: ﴿يا أيتها النفس المطمئنة﴾ قال الحسن، أي: المؤمنة الموقنة. وقال مجاهد: الراضية بقضاء الله تعالى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بثواب الله تعالى. وقال ابن كيسان: المخلصة. وقال ابن زيد: التي بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث ويوم الجمع، ويقال لها: عند الموت. ﴿ارجعي إلى ربك﴾ ، أي: إلى أمره وإرادته وقال ابن عباس رضي الله تعالى

стр. 2468

عنهما: على صاحبك وجسدك. وقال الحسن: إلى ثواب ربك. ﴿راضية﴾ ، أي: بما أوتيته ﴿مرضية﴾ ، أي: عند الله تعالى بعملك، أي: جامعة بين الوصفين لأنه لا يلزم من أحدهما الآخر، وهما حالان. قال القفال: هذا وإن كان أمراً في الظاهرة فهو خبر في المعنى، والتقدير: أنّ النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله تعالى في القيامة بسبب هذا الأمر. ﴿فادخلي في﴾ ، أي: في جملة ﴿عبادي﴾ ، أي: الصالحين والوافدين عليّ الذين هم أهل الإضافة إليّ، أو في أجساد عبادي التي خرجت في الدنيا منها. ﴿وادخلي جنتي﴾ ، أي: معهم، هي جنة عدن وهي أعلى الجنان ويجيء الأمر بمعنى الخبر كثيراً في كلامهم كقولهم إذا لم تستح فاصنع ما شئت. وقال سعيد بن زيد: «قرأ رجل عند النبيّ ﷺ هذه الاية فقال أبو بكر: ما أحسن هذا يا رسول الله فقال له: إنّ الملك سيقوله لك يا أبا بكر» . وقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالطائف فجاء طائر لم ير على خلقه طائر قط فدخل نعشه لم ير خارجاً منه فلما دفن تليت هذه الاية على شفير القبر لا يدرى من تلاها ﴿يا أيتها النفس﴾ الآية. وروى الضحاك أنها نزلت في عثمان حين وقف بئر رومة وقيل: في خبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهمّ إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله تعالى وجهه نحوها فلم يستطع أحد أن يحوّله. وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب. قال الزمخشري: والظاهر العموم. وقول البيضاوي تبعاً له أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نوراً يوم القيامة» حديث موضوع. سورة البلد مكية وهي عشرون آية واثنان وثمانون كلمة وثلاثمائة وعشرون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الملك الذي لا راد لأمره ﴿الرحمن﴾ الذي عم سائر خلقه بفضله ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل طاعته بجنته. واختلف في لا في قوله تعالى: ﴿لا أقسم﴾ فقال الأخفش: إنها مزيدة، أي: أقسم كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ (القيامة: ١) وقد أقسم به . قال الشاعر: ﴿ ﴿ *تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتقطع* أي: يتقطع، ودخل حرف لا صلة، وكقوله تعالى: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ (الأعراف: ١٢) وقد قال تعالى في ص: ﴿ما منعك أن تسجد﴾ وأجاز الأخفش أيضاً أن تكون بمعنى إلا. وقيل: هي نفي صحيح، والمعنى: لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه، حكاه مكي. وأجمعوا على أن المراد بالبلد في قوله تعالى: ﴿بهذا البلد﴾ ، أي: الحرام وهو مكة، وفضلها معروف فإنه تعالى جعلها حرماً آمناً. وقال تعالى: ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ (آل عمران: ٩٧) وجعل مسجده قبلة لأهل المشرق والمغرب. فقال تعالى: ﴿وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ (البقرة: ١٤٤) وأمر الناس بحج البيت فقال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع﴾ (آل عمران: ٩٧) وقال تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً﴾ (البقرة: ١٢٥) وقال تعالى: ﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ (الحج: و٢٦) وقال تعالى: ﴿وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق﴾ (الحج: ٢٧) وشرف مقام إبراهيم ﵇ بقوله تعالى ﴿واتخذوا من

стр. 2469

مقام إبراهيم مصلى﴾ (البقرة: ١٢٥) وحرم صيده وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته، فهذه الفضائل وأكثر منها إنما اجتمعت في مكة لا جرم أقسم الله تعالى بها. ﴿وأنت﴾ ، أي: يا أشرف الخلق ﴿حل﴾ ، أي: حلال لك ما لم يحل لغيرك من قتل من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه ﴿بهذا البلد﴾ بأن يحل لك فتقاتل فيه. وقد أنجز الله له هذا الوعد يوم الفتح وأحلها له، وما فتحت على أحد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرم ما شاء قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما، وحرم دار أبي سفيان ثم قال: «إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار فلا يعضد شجرها ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشدها. فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ إلا الإذخر» . ونظير ﴿وأنت حل﴾ في معنى الاستقبال قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ (الزمر: ٣٠) ومثله واسع في كلام العرب، تقول لمن تعده الإكرام والحباء لأنت مكرم محبوّ، وهو في كلام الله تعالى واسع لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة، وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للاستقبال وأنّ تفسيره بالحال محال أنّ السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة من وقت نزولها، فما بال الفتح والجملة اعتراض بين المقسم به وما عطف عليه. واختلف في قوله تعالى: ﴿ووالد وما ولد﴾ فقال الزمخشري: هو رسول الله ﷺ ومن ولده أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه، وحرم أبيه إبراهيم، ومنشأ أبيه إسماعيل وبمن ولده وبه. وقال البغويّ: هما آدم وذريّته، وقيل: كلُّ والد وولده. فإن قيل: هلا قيل: ومن ولد؟ أجيب: بأنّ فيه ما في قوله تعالى: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾ (آل عمران: ٣٦) أي: بأي شيء وضعت يعني، أي: بأي شيء وضعت يعني موضوعاً عجيب الشأن، أو أن ما بمعنى من. والذي عليه أكثر المفسرين هما آدم وذريّته؛ لأنهم أعجب ما خلق الله تعالى على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها. ولقد قال الله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ (الإسراء: ٧٠) وقيل: هما آدم والصالحون من ذريته، وأما الطالحون فكأنهم بهائم كما قال تعالى: ﴿إن هم كالأنعام بل هم إلا أضلّ﴾ (الفرقان: ٤٤) ﴿صم بكم عمي فهم لا يرجعون﴾ (البقرة: ١٨) والمقسم عليه قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ ، أي: الجنس ﴿في كبد﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: شدّة ونصب، وعنه أيضاً في شدّة من حمله وولادته ورضاعه ونبت أسنانه وسائر أحواله. وعن عكرمة منتصباً في بطن أمّه، والكبد الاستواء والاستقامة، فهذا امتنان عليه في الحقيقة، ولم يخلق الله تعالى دابة في بطنها أمّها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم فإنه منتصب انتصاباً. وقال ابن كيسان: منتصباً في بطن أمه فإذا أراد الله تعالى أن يخرجه من بطن أمه قلب رأسه إلى رجلي أمه. وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال يمان: لم يخلق الله تعالى خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. قال بعض العلماء أوّل ما يكابد قطع سرته ثم إذا قمط قماطاً وشدّ رباطاً، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته ضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، ثم يكابد الفطام الذي هو أشدّ من اللطام، ثم يكابد

стр. 2470

الختان والأوجاع، ثم المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج، وشغل الأولاد والخدم، وشغل المسكن والجيران، ثم الكبر والهرم، وضعف الركب والقدم، في مصائب يكثر تعدادها من صداع الرأس ووجع الأضراس، ورمد العين، وهمّ الدين، ووجع السنّ، وألم الأذن، ويكابد محناً في المال والنفس من الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدّة، ثم يكابد بعد ذلك مشقة الموت، ثم بعده سؤال الملك وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله تعالى إلى أن يستقرّ به القرار، إما في الجنة وإما في النار، فدل هذا على أنّ له خالقاً دبره وقضى عليه بهذه الأحوال، ولو كان الأمر إليه ما أختار هذه الشدائد فليتمثل أمر خالقه. وقال ابن زيد: المراد بالإنسان هنا آدم ﵇. وقوله تعالى: ﴿في كبد﴾ ، أي: في وسط السماء. وقال مقاتل: في كبد، أي: في قوّة نزلت في أبي الأشدين، واسمه أسيد بن كلدة بن جمح، وكان شديداً قوياً، يضع الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فيجذبه عشرة فيتمزق الأديم من تحت قدميه، ولا تزول قدماه ويبقى موضع قدميه، وكان من أعداء النبيّ ﷺ وفيه نزل. ﴿أيحسب﴾ ، أي: أيظنّ الإنسان قويّ قريش، وهو أبو الأشدين بقوّته، قوله أبي الأشدين هكذا في النسخ بصيغة التثنية، وفي حاشية الجمل، والأشد هكذا بالإفراد في كثير من نسخ هذا الشرح، وكثير من عبارات المفسرين، وفي بعض نسخ هذا الشرح وكثير من من التفاسير الأشدين بصيغة التثنية فليحرّر اه. ﴿أن﴾ مخففة من الثقيلة واسمها محذوف، أي: أنه ﴿لن يقدر عليه﴾ ، أي: خاصة ﴿أحد﴾ ، أي: من أهل الأرض أو السماء فيغلبه حتى أنه يعاند خالقه، والله تعالى قادر عليه في كل وقت. وقيل: نزلت في المغيرة بن الوليد المخزومي. ﴿يقول﴾ ، أي: يفتخر بقوّته وشدّته ﴿أهلكت﴾ ، أي: على عداوة محمد ﷺ ﴿مالاً لبداً﴾ ، أي: كثيراً بعضه على بعض. ﴿أيحسب﴾ ، أي: هذا الإنسان العنيد بقلة عقله ﴿أن﴾ ، أي: أنه ﴿لم يره أحد﴾ قال سعيد بن جبير:، أي: أظنّ أن الله تعالى لم يره ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وقال الكلبي: إنه كان كاذباً في قوله أنه أنفقه ولم ينفق جميع ما قال، والمعنى: أيظنّ أن الله تعالى لم ير ذلك منه فيعلم مقدار نفقته. وقرأ ﴿أيحسب﴾ في الموضعين ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين والباقون بكسرها ثم ذكره نعمه عليه ليعتبر بقوله تعالى: أي: بما لنا من القدرة التامّة ﴿له عينين﴾ يبصر بهما المرئيات وإلا تعطل عليه أكثر مايريد، شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب لا تزيد إحداهما على الأخرى شيئاً، وقدرنا البياض والسواد والشهلة والزرقة وغير ذلك على ماترون، وأودعناهما البصر على كيفيةٍ يعجز الخلق عن إدراكهما. ﴿ولساناً﴾ يترجم به عن ضمائره ﴿وشفتين﴾ يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك. قال قتادة: نِعَمُ الله تعالى عليه متظاهرة فيقررّه بها كي يشكره. قال البغوي: وجاء في الحديث أن الله تعالى يقول: «يا ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق» . ﴿وهديناه﴾ ، أي: أتيناه من العقل ﴿النجدين﴾ قال أكثر المفسرين: بيّنا له طريق الخير والشر والهدى والضلال والحق والباطل كقوله تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإمّا كفوراً﴾ (الإنسان: ٣) وصار بما جعلناه له من ذلك سميعاً بصيراً عالماً، فصار موضعاً للتكليف. روى الطبراني أنه ﷺ قال: «يا أيها

стр. 2471

الناس هلموا إلى ربكم فإنّ ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شرّ فلم جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» . قال المنذري: النجد هنا الطريق. وقال ابن عباس ﵄: بيّنا له الثديين، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، وأصله المكان المرتفع. ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ ، أي: فهلا أنفق ماله فيما يجوز به العقبة من فك الرقاب وإطعام المساكين والأيتام بل غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضي النافع عند الله تعالى، لا أن يهلك مالاً لبداً في الرياء والفخر وعداوة النبي ﷺ فيكون على هذا الوجه ﴿كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم﴾ (آل عمران: ١١٧) الآية. وقيل: معناه لم يقتحمها ولاجاوزها والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البرّ فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة يقول الله تعالى لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهذا معنى قول قتادة وقيل: إنه شبه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم المساكين كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها وروى عن ابن عمر أنّ هذه العقبة جبل في جهنم، وقال الحسن: هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله تعالى ومجاهدة النفس.w وقال مجاهد: هي الصراط يضرب على متن جهنم كحد السيف مسيرة ثلاثة آلاف سنة صعوداً وهبوطاً واستواء، وإنّ بجنبيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السعدان، فناجٍ مسلم وناجٍ مخدوش، ومكردس في النار منكوس، وفي الناس من يمرّ كالريح العاصف، ومنهم من يمرّ كالرجل يعدو، ومنهم من يمرّ كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم الزالون، ومنهم من يكردس في النار. وقال ابن زيد: فهلا سلك طريق النجاة. وقوله تعالى: ﴿وما أدراك﴾ ، أي: أعلمك أيها السامع لكلامنا الراغب فيما عندنا ﴿ما العقبة﴾ تعظيم لشأنها والجملة اعتراض قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال فيه ﴿وما أدراك﴾ فإنه أخبر به وما كان، قال: ﴿وما يدريك﴾ فإنه لم يخبر به، ثم بين سبب جوازها بقوله تعالى: ﴿فك﴾ ، أي: الإنسان ﴿رقبة﴾ ، أي: خلصها من الرق وذلك بأن يعتق رقبة في ملكه أو يعطي مكاتباً ما يصرفه في فك رقبته. روي أنه ﷺ قال: «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى فرجه بفرجه» . قال الزمخشري: وفي الحديث: «أنّ رجلاً قال لرسول الله ﷺ دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا إعتاقها أن تنفرد بعتقها، وفكها أن تعين في تخليصها من قود أو غرم، والعتق والصدقة من أفضل الأعمال» . وعن أبي حنيفة أن العتق أفضل من الصدقة، وعن صاحبيه: الصدقة أفضل. قال الزمخشري: والآية أدل على قول أبي حنيفة لتقديم العتق. وقال عكرمة: يعني فك رقبته من الذنوب. وقال الماوردي: ويحتمل أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه باجتناب المعاصي وفعل الطاعات، ولا يمنع الخبر من هذا التأويل وهو أشبه بالصواب. ﴿أو إطعام﴾ ، أي: دفع الإطعام لشيء له قابلية ذلك. ﴿في يوم ذي مسغبة﴾ ، أي: مجاعة، والسغب: الجوع. ﴿يتيماً﴾ ، أي: إنساناً صغيراً لا أب له ﴿ذا مقربة﴾ ، أي: ذا قرابة لك بأن كان بينك وبينه قرابة، يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي. ﴿أو مسكيناً﴾

стр. 2472

وهو من له مال أو كسب يقع موقعاً من كفايته، ولا يكفيه. ﴿ذا متربة﴾ ، أي: لصوق بالتراب لفقره. يقال: ترب إذا افتقر، ومعناه: التصق بالتراب وأما أترب فاستغنى، أي: صار ذا مال كالتراب في الكثرة كما قيل: أثرى. وعنه ﷺ في قوله تعالى: ﴿ذا متربة﴾ : «الذي مأواه المزابل» قال ابن عباس ﵄: «هو المطروح على الطرق الذي لا بيت له» . وقال مجاهد: وهو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره. وقال قتادة: أنه ذو العيال. واحتج بهذه الآية على أنّ المسكين يملك شيئاً لأنه لو كان لا يملك شيئاً لكان تقييده بقوله تعالى: ﴿ذا متربة﴾ تكريراً. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة برفع الكاف وجرّ رقبة وكسر همزة إطعام وفتح العين وبعدها ألف ورفع الميم منوّنة، والباقون فك بنصب الكاف رقبة بالنصب أطعم بفتح الهمزة والعين والميم بغير تنوين، ولا ألف بين العين والميم. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ إلى آخره ذكر لا مرّة واحدة. قال الفرّاء والزجاج: والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي حتى تعيد لا كقوله تعالى: ﴿فلا صدّق ولا صلى﴾ (القيامة: ٣١) . أجيب: بأنه إنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ قائماً مقام التكرير فكأنه قال: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ ولا آمن. وقال الزمخشري: هي متكرّرة في المعنى: لأنّ معنى فلا اقتحم العقبة فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك. قال أبو حيان: ولا يتيم له هذا إلا على قراءة فك فعلاً ماضياً. وعن مجاهد: أنّ قوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ يدل على أن: لا بمعنى لم ولا يلزم التكرير مع لم فإن كرّرت لا كقوله تعالى ﴿فلا صدّق ولا صلى﴾ فهو كقوله تعالى: ﴿لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ (الفرقان: ٦٧) تنبيه: ثم كان معطوف على اقتحم وثم للترتيب، والمعنى: كان وقت الاقتحام من الذين آمنوا. وقال الزمخشري: جاء بثم لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به. ﴿وتواصوا﴾ ، أي: وصبروا وأوصى بعضهم بعضاً ﴿بالصبر﴾ ، أي: على الطاعة وعن المعصية والمحن التي يبتلى بها المؤمن. ﴿وتواصوا بالمرحمة﴾ ، أي: بالرحمة على عباده بأن يكونوا متراحمين متعاطفين، أي: بما يؤدّي إلى رحمة الله تعالى. ﴿أولئك﴾ ، أي: الموصوفون بهذه الصفات ﴿أصحاب الميمنة﴾ ، أي: الجانب الذي فيه اليمن والبركة والنجاة من كل هلكة. وقال محمد بن كعب:، أي: الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم. وقال يحيى بن سلام: لأنهم ميامين على أنفسهم. وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن. وقال ميمون بن مهران: لأنّ منزلتهم عن اليمين. وقال الزمخشري: الميمنة اليمين أو اليمن. ﴿والذين كفروا﴾ ، أي: ستروا ما تظهر لهم مرائي بصائرهم من العلم ﴿بآياتنا﴾ ، أي: على ما لها من العظمة بالإضافة إلينا، والظهور الذي لا يمكن خفاؤه من القرآن وغيره ﴿هم أصحاب المشأمة﴾ ، أي: الخصلة المكسبة للشؤم والحرمان قال محمد بن كعب:، أي: الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم. وقال يحيى بن سلام: لأنهم مشائيم على أنفسهم. وقال ابن زيد: لأنهم أخذوا من شق آدم الأيسر ﵇. وقال ميمون: لأنّ منزلتهم عن اليسار. وقال الزمخشري: المشأمة الشمال أو الشؤم. قال القرطبي: ويجمع هذه الأقوال أصحاب الميمنة هم أصحاب الجنة وأصحاب المشأمة هم أصحاب النار. ﴿عليهم﴾ ، أي: خاصة ﴿نار مؤصدة﴾ ، أي: مطبقة وقرأ أبو عمرو وحفص وحمزة بالهمزة، والباقون بغير

стр. 2473

همزة، أي: بواو ساكنة، وهما لغتان. يقال: أصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته، وقيل: معنى المهموز المطبقة، وغير المهموز المغلقة. وإذا وقف حمزة أبدل على أصله. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري أن النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» حديث موضوع. سورة الشمس مكية وهي خمس عشرة آية وأربع وخمسون كلمةومائتان وسبعة وأربعون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الذي له الأسماء الحسنى ﴿الرحمن﴾ الذي يعلم السرّ وأخفى ﴿الرحيم﴾ الذي خص خواصه بالفردوس الأعلى. وقوله تعالى: ﴿والشمس﴾ ، أي: الجامعة بين النفع والضرّ، بالنور والحرّ ﴿وضحاها﴾ قسم وقد تقدّم الكلام على أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته وقيل: التقدير ورب الشمس إلى تمام القسم. واختلف في قوله تعالى: ﴿وضحاها﴾ فقال مجاهد والكلبي: ضوءها وقال قتادة: هو النهار كله. وقال مقاتل: هو حرّها، وقال لقوله تعالى في طه: ﴿ولا تضحى﴾ (طه: ١١٩) ، أي: لا يؤذيك الحرّ. وقال البريدي: انبساطها. قال الرازي: إنما أقسم بالشمس لكثرة ما يتعلق بها من المصالح، فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر الصبح في المشرق صار ذلك الضوء كالروح الذي تنفخ فيه الحياة فصارت الأموات أحياء، ولا تزال تلك الحياة في القوّة والزيادة إلى غاية كمالها وقت الضحوة، وذلك يشبه استقرار أهل الجنة. ﴿والقمر﴾ ، أي: المكتسب من نورها كما أن أنوار النفوس من أنوار العقول ﴿إذا تلاها﴾ ، أي: تبعها، وذلك إذا سقطت رؤى الهلال. قال الليث: يقال تلوت فلاناً إذا اتبعته. وقال ابن زيد: إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر تلاها القمر بالطلوع وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب. وقال الفرّاء: تلاها، أي: أخذ منها يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس. وقال الزجاج: تلاها، أي: حين استوى ودار وكان مثلها في الضياء والنور وذلك في الليالي البيض. ﴿والنهار﴾ ، أي: الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار ﴿إذا جلاها﴾ ، أي: الشمس بارتفاعه لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء وقيل: الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة يريدون الغداة، وأرسلت يريدون السماء. ﴿والليل﴾ ، أي: الذي هو ضدّ النهار فهو محل السكون والانقباض ﴿إذا يغشاها﴾ ، أي: يغطيها بظلمته فتغيب وتظلم الآفاق وقيل: الكتابة للأرض، أي: يغشى الدنيا بالظلمة فتظلم الآفاق فالكناية ترجع إلى غير مذكور، وجيء يغشاها مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل؛ إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب إذا غشيها فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع. تنبيه: إذا في الثلاثة لمجرّد الظرفية والعامل فيها فعل القسم. ﴿والسماء وما﴾ ، أي: ومن ﴿بناها﴾ ، أي: خلقها على هذا السقف المحكم. أقسم تعالى بنفسه وبأعظم مخلوقاته. وقوله تعالى: ﴿والأرض﴾ ، أي: التي هي فراشكم ﴿وما﴾ ، أي: ومن ﴿طحاها﴾ ، أي: بسطها وسطحها على الماء كذلك. وكذا قوله تعالى: ﴿ونفس﴾ ، أي: أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره ﴿وما﴾ ، أي: ومن ﴿سوّاها﴾ ، أي: عدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها، وما فيها من

стр. 2474

الجواهر والأعراض والمعاني وغير ذلك. فإن قيل: لم نُكرت النفس؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: أنه يريد نفساً خاصة من بين النفوس، وهي نفس آدم ﵇، كأنه قال تعالى: وواحدة من النفوس. ثانيهما: أنه يريد كل نفسٍ، ونكره للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله تعالى: ﴿علمت نفس﴾ (التكوير: ١٤) وإنما أوثرت ما على من فيما ذكر لإرادة الوصفية بما ضمنا وإن لم يوصف بلفظها؛ إذ المراد أنها تقع على نوع من يعقل وعلى صفته، ولذلك مثلوا بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾ (النساء: ٣) وقدّروها بأنكحوا الطيب، وهذا تنفرد به ما دون من. وهذه الأسماء كلها مجرورة على القسم. أقسم الله تعالى بأنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة حتى يتأمّل المكلف فيها ويشكر عليها، لأنّ الذي يقسم الله تعالى به يحصل به روح في القلب فتكون الدواعي إلى تأمّله أقرب. ﴿فألهمها﴾ ، أي: النفس ﴿فجورها وتقواها﴾ قال ابن عباس ﵄: بين لها الخير والشرّ، وعنه: علمها الطاعة والمعصية. وعن أبي صالح: عرّفها ما تأتي وما تتقي. وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجاج هذا وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان. قال البغوي: وهذا بين أنّ الله تعالى خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور وعن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلونه مما أتاهم به نبيهم ﷺ وثبتت الحجة عليهم؟ قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم، فقال: أفلا يكون ظلماً؟ قال: ففزعت منه فزعاً شديداً وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خلقه وملك يده ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ (الأنبياء: ٢٣) فقال لي سدّدك الله إنما سألتك لأختبر عقلك. إنّ رجلاً من جهينة أو مزينة أتى النبيّ ﷺ فقال: «يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويكادحون فيه أشيء قضى الله عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم وأكدت به الحجة، فقال: في شيء قد مضى عليهم، قال فقلت: ففيم العمل الآن؟ قال: من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها﴾ » . وعن جابر قال: «جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو فيما يستقبل؟ قال: «بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا وكل ميسر لما خلق له» . واختلف في جواب القسم فأكثر المفسرين على أنه: ﴿قد أفلح﴾ ، أي: ظفر بجميع المرادات، والأصل: لقد وإنما حذفت لطول الكلام. وقيل: إنه ليس بجواب وإنما جيء به تابعاً لقوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، والجواب محذوف تقديره: ليدمدمن الله عليهم، أي: أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ كما دمدم على ثمود؛ لأنهم قد كذبوا صالحاً أو لتبعثن وقيل: هو على التقديم والتأخير من غير حذف. والمعنى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ ، أي: طهرها من الذنوب ونماها وأصلحها، وصفاها تصفية عظيمة مما يسره الله تعالى له من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ﴿وقد خاب﴾ ، أي: خسر ﴿من دساها﴾ ، أي: أغواها إغواءً عظيماً أو أفسدها وأهلكها

стр. 2475

بخبائث الاعتقادات، ومساوئ الأعمال وقبائح السيئات. ﴿والشمس وضحاها﴾ وفاعل زكاها ودساها ضمير من، وقيل: ضمير الباري سبحانه، أي: قد أفلح من زكاها بالطاعة، ﴿وقد خاب من دساها﴾ ، أي: خسرت نفسٌ دساها الله تعالى بالمعصية. وأنكر الزمخشري على صاحب هذا القول لمنافرته مذهبه، ولكن قال بعض المفسرين: الحق أنه خلاف الظاهر لا كما قاله الزمخشري. وقال ابن عباس ﵄: خابت نفس أضلها الله تعالى وأغواها، وأصل الزكاة النموّ والزيادة، ومنه زكى الزرع إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي الشاهد؛ لأنه يرفعه بالتعديل. وأصل دساها دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء فأبدل من السين الثانية ياء، والمعنى: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية، وعن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والجبن والهمّ» . وفي رواية: «والهرم وعذاب القبر اللهمّ آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهمّ إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها» . ﴿كذبت ثمود﴾ وهم قوم صالح، كذبوا رسولهم صالحاً ﵇ وأنث فعلهم لضعف أثر تكذيبهم؛ لأنّ كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم ﴿بطغواها﴾ ، أي: أوقعت التكذيب لرسولها بكل ما أتى به عن الله تعالى، أي: طغيانها. وقيل: إن الباء للاستعانة. قال الزمخشري: مثلها في كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء بأن قلبوا الياء واواً في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا: امرأة خزياً وصدياً، يعني: فعلت التكذيب بطغيانها كما تقول: ظلمني بجراءته على الله تعالى. وقيل: كذبت بما أوعدت به من عذاب ذي الطغوى كقوله تعالى: ﴿فأهلكوا بالطاغية﴾ (الحاقة: ٥) ﴿إذ﴾ ، أي: تحقق تكذيبهم أو طغيانهم بالفعل حين ﴿انبعث أشقاها﴾ ، أي: قام وأسرع وذلك أنهم لما كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحاً ﵇ انبعث أشقى القوم وهو قدار بن سالف وكان رجلاً أشقر أزرق قصيراً فعقر الناقة، وعن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبيّ ﷺ يخطب فذكر الناقة والذي عقرها فقال رسول الله ﷺ « ﴿إذ انبعث أشقاها﴾ انبعث لها رجل عزيز عارم متبع في أهله مثل أبي زمعة» . وقوله: عارم، أي: شديد ممتنع. قال الزمخشري: ويجوز أن يكونوا جماعة. والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. تنبيه: إذ منصوب بكذبت أو بطغواها. ﴿ ﴿ ﴿فقال لهم﴾ ، أي: بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى ﴿رسول الله﴾ ، أي: صالح ﵇، وعبر بالرسول لأنّ وظيفته الإبلاغ والتحذير الذي ذكر هنا، ولذلك قال تعالى مشيراً بحذف العامل إلى ضيق الحال عن ذكره لعظم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى. وزاد في التعظيم بإعادة الجلالة ﴿ناقة الله﴾ ، أي: الملك الأعظم الذي له الأمر كله، وهي منصوبة على التحذير كقولك: الأسد الأسد، والصبي الصبي بإضمار اتقوا أو احذروا ناقة الله. ﴿وسقياها﴾ ، أي: وشربها في يومها، وكان لها يوم ولهم يوم؛ لأنهم لما اقترحوا الناقة فأخرجها لهم من الصخرة جعل لهم شرب يوم من بئرهم، ولها شرب يوم فشق عليهم. وإضافة الناقة إلى الله تعالى إضافة تشريف كبيت الله. ﴿فكذبوه﴾ ، أي: صالحاً ﵇ بطغيانهم

стр. 2476

في وعيدهم بالعذاب ﴿فعقروها﴾ ، أي: عقرها الأشقى بسبب ذلك التكذيب، وأضيف إلى الكل؛ لأنهم رضوا بفعله، وإن كان العاقر جماعة فواضح. وقال قتادة: بلغنا إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم. وقال الفرّاء: عقرها اثنان، والعرب تقول: هذان أفضل الناس وهذان خير الناس، وهذه المرأة أشقى القوم ولهذا لم يقل أشقياها. ﴿فدمدم﴾ أي فأطبق ﴿عليهم ربهم﴾ ، أي: الذي أحسن إليهم فغمرهم إحسانه فقطعه عنهم بسبب تكذيبهم فأهلكهم وأطبق عليهم العذاب، يقال: دمدمت عليه القبر أطبقته عليه ﴿بذنبهم﴾ ، أي: بسبب كفرهم وتكذيبهم وعقرهم الناقة. وروي عن ابن عباس ﵄: ﴿دمدم عليهم ربهم بذنبهم﴾ ، أي: بجرمهم. وقال القشيري: وقيل: دمدمت على الميت التراب، أي: سوّيته عليه. فالمعنى على هذا: فجعلهم تحت التراب، ﴿فسوّاها﴾ ، أي: فسوّى عليهم الأرض فجعلهم تحت التراب وعلى الأوّل فسوّى الدمدمة عليهم، أي: عمهم بها فلم يفلت منهم أحداً. وقرأ ﴿ولا يخاف﴾ نافع وابن عامر بالفاء، والباقون بالواو فالفاء تقتضي التعقيب، والواو يجوز أن تكون للحال، وأن تكون للاستئناف الإخباري. وضمير الفاعل في يخاف الأظهر عوده على الله تعالى؛ لأنه أقرب مذكور، وهو قول ابن عباس، ويؤيده قراءة الفاء المسببة عن الدمدمة والتسوية والهاء في قوله تعالى: ﴿عقباها﴾ ترجع إلى الفعلة، وذلك لأنه تعالى يفعل ذلك بحقَ. وكل من فعل فعلاً يحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله. وقيل: المراد تحقيق ذلك الفعل والله تعالى أجل من أن يوصف بذلك. وقيل: المعنى أنه تعالى بالغ في الإنذار إليهم مبالغة كمن لا يخاف عاقبة عذابهم. وقيل: يرجع ذلك إلى رسولهم صالح ﵇، أي: لا يخاف عقبى هذه العقوبة لإنذاره إياهم ونجاه الله وأهلكهم. وقال السدّي: يرجع الضمير إلى أشقاها، أي: انبعث لعقرها والحال أنه غير خائف عاقبة هذه الفعلة الشنعاء. وقرأ الكسائي جميع رؤوس آي هذه السورة بالإمالة محضة، وقرأها أبو عمرو بين بين، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين، وأمال حمزة مثل الكسائي إلا تلاها وضحاها ففتحهما، والباقون بالفتح واتفقوا على فتح فعقروها. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة والشمس فكأنما تصدّق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» حديث موضوع. سورة والليل مكية وهي إحدى وعشرون آية وإحدى وسبعون كلمة وثلاثمائة وعشرة أحرف ﴿بسم الله﴾ الملك الحق المبين ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ رزقه العالمين ﴿الرحيم﴾ الذي خص بجنته المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿والليل﴾ ، أي: الذي هو آلة الظلام ﴿إذا يغشى﴾ قسم. وقد مرّ الكلام على ذلك، ولم يذكر تعالى مفعولاً للعلم به، فقيل: يغشى بظلمته كل ما بين السماء والأرض، وقيل: يغشى النهار، وقيل: الأرض، وقيل: الخلائق. قال قتادة: أوّل ما خلق الله تعالى النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلماً، والنور نهاراً مضيئاً مبصراً. وقوله تعالى: ﴿والنهار﴾ ، أي: الذي هو سبب انكشاف الأمور ﴿إذا تجلى﴾ ، أي: تكشف وظهر قسم آخر. قال الرازي: أقسم بالليل الذي يأوي

стр. 2477

فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق عن الاضطراب، ويغشاهم النوم الذي جعله الله تعالى راحة لأبدانهم وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار إذا تجلى؛ لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، وجاء الوقت الذي تتحرّك فيه الناس لمعايشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوامّ من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذّر المعاش، ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة، لكن المصلحة في تعاقبهما كما قال تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة﴾ (الفرقان: ٦٢) وقال تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ (إبراهيم: ٣٣) .u ﴿وما﴾ بمعنى من أي، ومن ﴿خلق الذكر والأنثى﴾ ، أي: فيكون قد أقسم بنفسه، أو مصدرية، أي: وخلق الله الذكر والأنثى وجاز إضمار اسم الله تعالى لأنه معلوم لانفراده بالخلق؛ إذ لا خالق سواه والذكر والأنثى آدم وحوّاء ﵉، أو كل ذكر وأنثى من سائر الحيوانات. والخنثى وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله تعالى غير مشكل معلوم بالذكورة أو الأنوثة، فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق ذكراً ولا أنثى وقد لقي خنثى مشكلاً كان حانثاً، لأنه في الحقيقة ذكر أو أنثى وإن كان مشكلاً عندنا. وقيل: كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته. وقوله تعالى: ﴿إنّ سعيكم﴾ ، أي: عملكم ﴿لشتى﴾ جواب القسم، والمعنى: أنّ أعمالكم لتختلف، فعامل للجنة بالطاعة وعامل للنار بالمعصية، ويجوز أن يكون محذوفاً كما قيل في نظائره المتقدّمة، وشتى: واحده شتيت مثل: مريض ومرضى، وإنما قيل: للمختلف شتى: لتباعد ما بين بعضه وبعضه، أي: إنّ عملكم المتباعد بعضه من بعض لشتى؛ لأنّ بعضه ضلال وبعضه هدى، أي: فيكم مؤمن وبر وكافر وفاجر، ومطيع وعاص. وقيل: لشتى، أي: لمختلف الجزاء، فمنكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار. وقيل: لمختلف الأخلاق فمنكم راحمٌ وقاسٍ وحليمٌ وطائشٌ وجوادٌ وبخيل قال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية في أبي بكر وأبي سفيان بن حرب. وروى أبو مالك الأشعري «أنّ رسول الله ﷺ قال: كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» ، أي: مهلكها. وقوله تعالى: ﴿فأمّا من أعطى﴾ ، أي: وقع منه إعطاء على ما حدّدناه له وأمرناه به ﴿واتقى﴾ ، أي: ووقعت منه التقوى، وهي إيجاد الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفاً من سطواتنا. ﴿وصدّق بالحسنى﴾ تفصيل مبين لتشتيت المساعي. واختلف في الحسنى فقال ابن عباس:، أي: بلا إله إلا الله. وقال مجاهد: بالجنة لقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾ (يونس: ٢٦) . وقال زيد بن أسلم: الصلاة والزكاة والصوم. ﴿ ﴿ ﴿فسنيسره﴾ ، أي: نهيئه بما لنا من العظمة بوعدٍ لا خلف فيه ﴿لليسرى﴾ ، أي: لأسباب الخير والصلاح حتى يسهل فعلها. وقال زيد بن أسلم: لليسرى، أي: للجنة. قال رسول الله ﷺ «ما من نفس منفوسة إلا كتب الله تعالى مدخلها، فقال القوم: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال ﷺ بل اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أمّا من كان من أهل السعادة فإنه ميسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ميسر لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ ﴿فأمّا من أعطى وأتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى﴾ » . ﴿وأمّا من بخل﴾ ، أي: أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما أمر به وندب إليه. ﴿واستغنى﴾ ، أي: طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب، أو وجده بما زعمت له نفسه الخائنة

стр. 2478

وظنونه الكاذبة فلم يحسن إلى الناس ولا عمل للعقبى. ﴿وكذب﴾ ، أي: أوقع التكذيب لمن يستحق التصديق ﴿بالحسنى﴾ ، أي: فأنكرها وكان عامداً مع المحسوسات كالبهائم. ﴿فسنيسره﴾ ، أي: نهيئه ﴿للعسرى﴾ ، أي: للخلة المؤدية إلى العسرة والشدة كدخول النار. وعن ابن عباس قال: نزلت في أمية بن خلف، وعنه فسنيسره للعسرى، أي: سأحول بينه وبين الإيمان بالله ورسوله وعنه أيضاً. ﴿وأمّا من بخل﴾ ، أي: بماله واستغنى عن ربه ﴿وكذب بالحسنى﴾ ، أي: بالخلف الذي وعده الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ (سبأ: ٣٩) وقال مجاهد: ﴿وكذب بالحسنى﴾ ، أي: بالجنة، وعنه بلا إله إلا الله ويجوز في مافي قوله تعالى: ﴿وما يغني عنه ماله﴾ أن تكون نافية، أي: لا يغني عنه ماله شيئاً وأن تكون استفهاماً انكارياً، أي: شيء يغني عنه ماله ﴿إذا تردّى﴾ قال أبو صالح: أي إذا سقط في جهنم. وقيل: هو كناية عن الموت كما قال القائل: ﴿ ﴿ *نصيبك مما تجمع الدهر كله ... رداآن تطوى فيهما وحنوط* ولما عرفهم سبحانه أنّ سعيهم شتّى وبين للمحسنين من اليسرى وما للمسيئين من العسرى أخبرهم بأنّ عليه بيان الهدى من الضلال بقوله تعالى: ﴿إنّ علينا﴾ ، أي: بما لنا من القدرة والعظمة ﴿للهدى﴾ ، أي: للإرشاد إلى الحق بموجب قضائنا، أو بمقتضى حكمتنا فنبين طريق الهدى من طريق الضلال ليمتثل أمرنا بسلوك الأوّل، ونهينا عن ارتكاب الثاني. وقال الفراء: معناه إن علينا للهدى والإضلال فحذف المعطوف، كقوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحرّ﴾ (النحل: ٨١) وهو معنى قول ابن عباس: يريد أرشد أوليائي للعمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي، وهو معنى الإضلال. وقيل: معناه من سلك سبيل الهدى فعلى الله تعالى سبيله كقوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ (النحل: ٩) ﴿وإنّ لنا للآخرة والأولى﴾ ، أي: لنا ما في الدنيا والآخرة فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق. وعن ابن عباس قال: ثواب الدنيا والآخرة. وهو كقوله تعالى: ﴿من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة﴾ (النساء: ١٣٤) ﴿فأنذرتكم﴾ ، أي: حذرتكم وخوّفتكم يا أيها المخالفون للطريق الذي بينته ﴿ناراً تلظى﴾ بحذف إحدى التاءين من الأصل، أي: تتلهب وتتوقد وتتوهج، يقال: تلظت النار تلظياً، ومنه سميت جهنم لظى. وقرأ البزي في الوصل بتشديد التاء وهو عَسِرٌ لالتقاء الساكنين على غير حدّهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿إذ تلقونه﴾ (النور: ١٥) والباقون بغير تشديد. ﴿ ﴿ ﴿لا يصلاها﴾ ، أي: لا يقاسى شدّتها على طريق اللزوم والانغماس ﴿إلا الأشقى﴾ ، أي: الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر فإنّ الفاسق وإن دخلها لم يلزمها ولذلك سماه أشقى ووصفه بقوله تعالى: ﴿الذي كذب﴾ النبيّ ﷺ ﴿وتولى﴾ ، أي: عن الإيمان، أو كذب الحق وأعرض عن الطاعة أو الأشقى بمعنى الشقي كقوله: لست فيها بأوحد، أي: واحد. والحصر مؤوّل لقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (النساء: ٤٨) فيكون المراد الصليّ المؤبد. ﴿وسيجنبها﴾ ، أي: النار الموصوفة بوعد لا خلف فيه ﴿الأتقى﴾ ، أي: الذي اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلاً أن يدخلها ويصلاها، ومفهوم ذلك على التفسير الأوّل أنّ من أتقى الشرك دون المعصية لا يتجنبها ولا يلزم ذلك صليها ولا يخالف الحصر السابق، أو الأتقى

стр. 2479

بمعنى التقى على وزان ما مرّ. ﴿الذي يؤتي ماله﴾ ، أي: يصرفه في وجوه الخير لقوله تعالى: ﴿يتزكى﴾ فإنه بدل من يؤتى أو حال من فاعله فعلى الأوّل: لا محل له لأنه داخل في حكم الصلة، والصلة لا محل لها. وعلى الثاني: محله نصب. قال البغوي: يعني أبا بكر الصدّيق ﵁ في قول الجميع. قال ابن الزبير: كان يبتاع الضَعَفَة فيعتقهم، فقال له أبوه: أي بنيّ لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، فقال: منع ظهري أريد، فأنزل الله تعالى ﴿وسيجنبها الأتقى﴾ إلى آخر السورة. وذكر محمد بن إسحاق قال: كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال ابن رباح واسم أمّه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الشمس فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، فيقول: وهو في ذلك أحد أحد. قال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مرّ به أبو بكر يوماً وهم يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية ألا تتقي الله تعالى في هذا المسكين، قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، قال أبو بكر: أفعل عندي غلام أسود أجلد منه، وهو على دينك أعطيكه، قال: قد فعلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذه فأعتقه. وكان قد أعتق ست رقاب على الإسلام قبل أن يهاجر وبلال سابعهم، وهم عامر بن هبيرة قوله ابن هبيرة: هكذا في النسخ والذي في حاشية الجمل ابن فهيرة بالفاء والهاء اه شهد بدراً وأحداً، وقتل يوم بئر معونة شهيداً، وأعتق أمّ عميس فأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى ولا تنفعان، فرد الله تعالى بصرها وأعتق النهدية وابنتها وكانتا لامرأةٍ لبني عبد الدار، فمرّ بهما وقد بعثتهما سيدتهما يحتطبان لها وهي تقول لهما: والله لا أعتقكما أبداً، فقال أبو بكر: كلا يا أمّ فلان، فقالت: كلا أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرّتان. ومرّ بجارية من بني المرسل وهي تعذب فابتاعها فأعتقها. وقال سعيد بن المسيب: بلغني أنّ أمية بن خلف قال له أبو بكر في بلال: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بقسطاس عبدٍ لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوارٍ ومواشٍ وكان مشركاً، حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له فأبى، فأبغضه أبو بكر فلما قال له أمية: أبيعه بغلامك قسطاس اغتنمه أبو بكر وباعه به. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: عذب المشركون بلالاً وبلال يقول أحد أحد، فمرّ النبيّ ﷺ فقال: «أحد يعني الله تعالى ينجيك، ثم قال النبيّ ﷺ لأبي بكر: يا أبا بكر إنّ بلالاً يعذب في الله فعرف أبو بكر الذي يريد رسول الله ﷺ فانصرف إلى منزله فأخذ رطلاً من ذهب ومضى به إلى أمية بن خلف، فقال له: أتبيعني بلالاً قال: نعم فاشتراه فأعتقه، فقال: المشركون ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده» فأنزل الله تعالى: ﴿وما لأحد عنده﴾ ، أي: أبي بكر ﴿من نعمة تجزى﴾ » ، أي: يد يكافئه عليها. وقوله تعالى: ﴿إلا ابتغاء﴾ استثناء منقطع، أي: لم يفعل ذلك مجازاة لأحد بيد كانت له عنده لكن فعله ابتغاء ﴿وجه ربه﴾ ، أي: المحسن إليه ﴿الأعلى﴾ وطلب رضاه. ويجوز أن يكون متصلاً عن محذوف مثل ﴿لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى﴾ لا لمكافأة نعمة ﴿ولسوف يرضى﴾ ، أي: بما يعطى من الثواب في الجنة. وروي عن عليّ قال: قال رسول الله

стр. 2480

صلى الله عليه وسلم «رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالاً» والآية تشمل من فعل مثل فعله فيبعد عن النار ويثاب. وقرأ حمزة والكسائيّ يغشى، تجلى، والأنثى، لشتى، من أعطى، وأتقى، وصدّق بالحسنى واستغنى بالحسنى، تردّى، للهدى، والأولى، تلظى، الأشقى، وتولى، الأتقى، يتزكى، تجزى، الأعلى، يرضى بالإمالة محضة في جميع ذلك، وأمال ورش جميع ذلك بين بين والفتح عنه قليل، وله في من أعطى الفتح وبين اللفظين سواء، وأمال أبو عمرو بين بين إلا من أعطى لأنه ليس برأس آية، والباقون بالفتح، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي لليسرى للعسرى بالإمالة محضة، وورش بين اللفظين والباقون بالفتح، وأمال حمزة والكسائي يصلاها محضة ولورش الفتح وبين اللفظين وإذا فتح اللام وإذا أمال رققها، وأمّا الأشقى والأتقى فلا يمالان إلا في الوقف دون الوصل. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة والليل أعطاه الله تعالى حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له اليسر» حديث موضوع. سورة الضحى مكية وهي إحدى عشرة آية وأربعون كلمة ومائة وسبعون حرفاً ولما نزلت كبر النبيّ ﷺ فسنّ التكبير آخرها وروى الأمر به خاتمتها وخاتمة كل سورة بعدها وهو الله أكبر أو لا إله إلا الله والله أكبر. ﴿بسم الله﴾ الملك ذي الجلال والإكرام ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بنعمته الخاص والعام ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل ودّه بإتمام الإنعام. وقوله تعالى: ﴿والضحى﴾ قسم، وقد مرّ الكلام على ذلك وخصه بالقسم لأنها الساعة التي كلم فيها موسى ﵇ وألقى السحرة فيها سجداً، وهو صدر النهار كله بدليل أنه قابله بالليل في قوله تعالى: ﴿والليل﴾ ، أي: الذي به تمام الصلاح ﴿إذا سجى﴾ ، أي: سكن وركد ظلامه يقال ليلة ساجية ساكنة الريح وقيل: معناه سكون الناس والأصوات فيه، وسجى البحر: سكنت أمواجه، وطرف ساج فاتر. وقال قتادة: أقسم بالضحى الذي كلم الله تعالى فيه موسى وبليلة المعراج التي عرج فيها النبيّ ﷺ فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى قدّم هنا الضحى وفي السورة التي قبلها الليل؟ أجيب: بأنّ لكل منهما أثراً عظيماً في صلاح العالم. ولليل فضيلة السبق لقوله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام: ١) وللنهار فضيلة النور فقدّم سبحانه هذا تارة وهذا أخرى، كالركوع والسجود في قوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ (الحج: ٧٧) وقوله تعالى: ﴿واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ (آل عمران: ٤٣) أو أنه قدّم الليل في سورة أبي بكر لأنّ أبا بكر سبقه كفر، وقدّم الضحى في سورة محمد ﷺ لأنه نور محض ولم يتقدّمه ذنب، أو أنّ سورة الليل سورة أبي بكر وسورة الضحى سورة محمد ﷺ ولم يجعل بينهما واسطة بين محمد ﷺ وبين أبي بكر رضي الله تعالى عنه. ﴿ ﴿ فإن قيل: ما الحكمة في كونه تعالى ذكر الضحى، وهو ساعة وذكر الليل بجملته؟ أجيب: بأنّ في ذلك

стр. 2481

إشارة إلى أن ساعة من نهار توازن جميع الليل كما أن محمداً ﷺ يوازن جميع الأنبياء ﵈، وأيضاً الضحى وقت السرور والليل وقت الوحشة ففيه إشارة إلى أنّ سرور الدنيا أقل من شرورها، وأنّ هموم الدنيا أدوم من سرورها، فإنّ الضحى ساعة والليل ساعات. ويروى أنّ الله تعالى لما خلق العرش أظلت عمامة سوداء ونادت ماذا أمطر؟ فأجيبت: أن امطري السرور ساعة فلهذا ترى الهموم والأحزان دائمة والسرور قليلاً ونادراً، وقدّم ذكر الضحى وأخر الليل؛ لأنه يشبه الموت. وقوله تعالى: ﴿ما ودّعك﴾ ، أي: تركك يا أشرف الرسل تركاً تحصل به فرقة كفرقة المودّع، ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع ﴿ربك﴾ ، أي: المحسن إليك جواب القسم ﴿وما قلى﴾ ، أي: وما أبغضك بغضاً ما، وتركت الكاف لأنه رأس آية كقوله تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيراً والذاكرات﴾ (الأحزاب: ٣٥) أي الله. تنبيه: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على ثلاثة أقوال أحدها ما روى البخاري عن جندب بن سفيان قال: «اشتكى رسول الله ﷺ ليلتين أو ثلاثاً فجاءت أمّ جميل امرأة أبي لهب، فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث» فنزلت. ثانيها: ما روى أبو عمرو قال: «أبطأ جبريل ﵇ على النبيّ ﷺ حتى شق عليه فجاءه وهو واضع جبهته على الكعبة يدعو وأنزل عليه الآية» . ثالثها: ما روي «أنّ خولة كانت تخدم النبيّ ﷺ فقالت: إنّ جرواً دخل البيت فدخل تحت السرير فمات فمكث النبيّ ﷺ أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال ﷺ يا خولة ما حدث في بيتي إنّ جبريل ﵇ لا يأتيني قالت خولة: فكنست فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا جرو ميت فأخذته فألقيته خلف الجدار فجاء نبيّ الله ﷺ ترعد لحياه وكان إذا نزل عليه الوحي استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة، دثريني فأنزل الله تعالى هذه السورة. ولما نزل جبريل ﵇ سأله النبي ﷺ عن التأخير فقال: أما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة» . رابعها: ما روي «أنّ اليهود سألوا النبيّ ﷺ عن الروح وذي القرنين وأصحاب الكهف؟ فقال ﷺ سأخبركم غداً ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي إلى أن نزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿ولا تقولنّ لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ (الكهف: ٢٣) فأخبره بما سئل عنه، وفي هذه القصة نزلت ﴿ما ودّعك ربك﴾ » واختلفوا في مدّة احتباس الوحي عنه. فقال ابن جرير: اثنا عشر يوماً. وقال ابن عباس: خمسة عشر يوماً. وقال مقاتل: أربعون يوماً. قالوا: وقال المشركون: إنّ محمداً ودّعه ربه وقلاه فأنزل الله تعالى هذه السورة فقال النبيّ ﷺ «يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك؟ فقال جبريل ﵇: إني كنت إليك أشدّ شوقاً ولكني عبد مأمور وأنزل الله تعالى: ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ » (مريم: ٦٤) ﴿وللآخرة﴾ التي هي المقصود من الوجود بالذات لأنها باقية خاصة عن شوائب الكدر ﴿خير لك﴾ ، أي: لما فيها من الكرامات لك ﴿من الأولى﴾ ، أي: الدنيا الفانية التي لا سرور فيها خالص وقيد تعالى بقوله سبحانه: ﴿لك﴾ لأنها ليست خيراً لكل أحد. قال البقاعي: إنّ الناس على أربعة أقسام: منهم من له

стр. 2482

الخير في الدارين وهم أهل الطاعة الأغنياء، ومنهم: من له الشرّ فيهما وهم الكفرة الفقراء، ومنهم من له صورة خير في الدنيا وشرّ في الآخرة وهم الكفرة الأغنياء، ومنهم من له صورة شرّ في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون الفقراء. وروى البغوي بسنده عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله ﷺ أنا أهل البيت أختار الله لنا الآخرة على الدنيا» . ﴿ولسوف يعطيك﴾ ، أي: بوعد لا خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة ﴿ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بسائر النعم في الآخرة من الخيرات عطاء جزيلاً ﴿فترضى﴾ ، أي: به فقال ﷺ «إذاً لا أرضى وواحد من أمّتي في النار» . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنّ النبيّ ﷺ رفع يديه وقال: «اللهمّ أمّتي أمّتي وبكى فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمّتك ولا نسوءك» . وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: «لكل نبيّ دعوة مستجابة فتعجل كل نبيّ دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئاً» وعن عوف بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتاني آت من عند ربي يخبرني بين أن يدخل نصف أمّتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة، فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئاً» . وعن شريح قال: سمعت أبا جعفر محمد بن عليّ يقول: إنكم معشر أهل العراق تقولون أرجى آية في القرآن ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ (الزمر: ٥٣) وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ وفي هذا موعد لما أعطاه الله تعالى في الدنيا من الفتح والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجاً، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة، وأنهبتهم من كنوز الأكاسرة وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين. ولما أعطاه في الآخرة من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله تعالى. قال ابن عباس: له الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض ترابه المسك. فإن قيل: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟ أجيب: بأنها لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسم ابتداء، ولام الابتداء، لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر فلا بدّ من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك. فإن قيل: ما معنى الجمع بين حرفي التأكيد والتأخير؟ أجيب: بأن معناه: أنّ العطاء كائن لا محالة وإن تأخر لما في التأخير من المصلحة على أنه تعالى أخبر نبيه ﷺ بالحال التي كان عليها. فقال جل ذكره: ﴿ألم يجدك﴾ وهو استفهام تقرير، أي: وجدك ﴿يتيماً﴾ وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر، وقيل: مات قبل ولادته وماتت أمّه وهو ابن ثمان سنين. ﴿فآوى﴾ ، أي: بأن ضمك إلى عمك أبي طالب فأحسن تربيتك. وعن مجاهد: هو من قول العرب درة يتيمة إذا لم يكن لها نظير، فالمعنى: ألم يجدك

стр. 2483

يتيماً واحداً في شرفك فآواك الله تعالى بأصحاب يحفظونك ويحوطونك. وهذا خلاف الظاهر من الآية، ولهذا قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أنه من قولهم: درة يتيمة، وأنّ المعنى: ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك. فإن قيل: كيف أنّ الله تعالى يمنّ بنعمه والمنّ بها لا يليق، ولهذا ذمّ فرعون في قوله لموسى ﵇: ﴿ألم نربك فينا وليداً﴾ (الشعراء: ١٨) أجيب: بأنّ ذلك يحسن إذا قصد به تقوية قلبه ووعده بدوام النعمة، فامتنان الله تعالى زيادة نعمة بخلاف امتنان الآدمي. واختلفوا في قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ فأكثر المفسرين على أنه كان ضالاً عما هو عليه الآن من الشريعة فهداه الله تعالى إليها، وقيل: الضلال بمعنى الغفلة كقوله تعالى: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ (طه: ٥٢) ، أي: لا يغفل. وقال تعالى في حق نبيه ﷺ ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (يوسف: ٣) . وقال الضحاك: المعنى: لم تكن تدري القرآن وشرائع الإسلام فهداك إلى القرآن وشرائع الإسلام. وقال السدي: وجدك ضالاً، أي: في قوم ضلال فهداهم الله تعالى بك، أو فهداك على إرشادهم. وقيل: وجدك ضالاً عن الهجرة فهداك إليها. وقيل: ناسياً شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فذكرك كقوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما﴾ (البقرة: ٢٨٢) . وقيل: وجدك طالباً للقبلة فهداك إليها. كقوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ (البقرة: ١٤٤) الآية، ويكون الضلال بمعنى الطلب لأنّ الضال طالب وقيل: وجدك ضائعاً في قومك فهداك إليهم، ويكون الضلال. بمعنى المحبة كما قال تعالى: ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ (يوسف: ٩٥) ، أي: محبتك. قال الشاعر: *هذا الضلال أشاب مني المفرقا ... والعارضين ولم أكن متحققا* *عجباً لعزة في اختيار قطيعتي ... بعد الضلال فحبلها قد أخلقا* وروى الضحاك عن ابن عباس: أنّ النبيّ ﷺ ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير فرآه أبو جهل منصرفاً من أغنامه فردّه إلى عبد المطلب. وقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله ﷺ مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة عبد خديجة، فبينما هو راكب ذات ليلة مظلمة ناقة فجاء إبليس فأخذ بزمام الناقة فعدل بها عن الطريق فجاء جبريل ﵇ فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة وردّه إلى القافلة، فمنّ الله تعالى عليه بذلك وقيل: وجدك ضالاً نفسك لا تدري من أنت فعرفك نفسك وحالك. وقال كعب: إنّ حليمة لما قضت حق الرضاع جاءت برسول الله ﷺ لتردّه على عبد المطلب فسمعت عند باب مكة هنيأ لك يا بطحاء مكة اليوم يرد إليك النور والبهاء والجمال قالت: فوضعته لأصلح شأني فسمعت هدّة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: معشر الناس أين الصبي؟ فقالوا: لم نر شيئاً فصحت وامحمداه فإذا شيخ فان يتوكأ على عصا، فقال: اذهبي إلى الصنم الأعظم فإن شاء أن يرده إليك فعل ثم طاف الشيخ بالصنم وقبل رأسه، وقال: يا رب لم تزل منتك على قريش وهذه السعدية تزعم أنّ ابنها قد ضلّ فردّه إن شئت فانكب على وجهه وتساقطت الأصنام، وقالت إليك عنا أيها الشيخ فهلاكنا على يد محمد فألقى الشيخ عصاه وارتعد، وقال: إنّ لابنك رباً لا يضيعه فاطلبيه

стр. 2484

على مهل فانحشرت قريش إلى عبد المطلب، وطلبوه في جميع مكة فلم يجدوه فطاف عبد المطلب بالكعبة سبعاً وتضرّع إلى الله تعالى أن يرده، وقال: *يا رب ردّ ولدي محمداً ... اردده ربي واصطنع عندي يدا* فسمعوا منادياً ينادي من السماء معاشر الناس لا تضجوا فإن لمحمد رباً لا يخذله ولا يضيعه وإنّ محمداً بوادي ثمامة عند شجرة السمر فسار عبد المطلب هو وورقة بن نوفل فإذا النبيّ ﷺ قائم تحت شجرة يلعب بالأغصان وبالورق. وفي رواية ما زال عبد المطلب يردّد البيت حتى أتاه أبو جهل على ناقة ومحمد ﷺ بين يديه، وهو يقول: ألا تدري ماذا جرى من ابنك فقال عبد المطلب: ولم؟ فقال: إني أنخت الناقة وأركبته خلفي فأبت الناقة أن تقوم فلما أركبته أمامي قامت الناقة. قال ابن عباس: ردّه الله تعالى إلى جده بيد عدوّه كما فعل موسى ﵇ حين حفظه عند فرعون. وقيل: وجدك ضالاً ليلة المعراج حين انصرف عنك جبريل وأنت لا تعرف الطريق فهداك إلى ساق العرش. وقال بعض المتكلمين إذا وجدت العرب شجرة منفردة من الأرض لا شجرة معها سموها ضالة فيهدى بها إلى الطريق، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿وجدك ضالاً﴾ ، أي: لا أحد على دينك بل أنت وحيد ليس معك أحد فهديت بك الخلق إليّ. وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره فقوله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ ، أي: وجد قومك ضلالاً فهداهم بك، وقيل: غير ذلك. قال الزمخشري: ومن قال: كان على أمر قومه أربعين سنة فإن أراد أنه كان على خلوّهم من العلوم السمعية فنعم، وإن أراد أنه كان على كفرهم ودينهم فمعاذ الله والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوّة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء، وكفى بالنبيّ نقيصة عند الكفار أن يسبق له كفر. ﴿ووجدك عائلاً﴾ ، أي: فقيراً ﴿فأغنى﴾ قال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق واختاره الفراء، وقال: لم يكن غني عن كثرة المال ولكن الله تعالى أرضاه بما أعطاه، وذلك حقيقة الغني. قال ﷺ «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وقال ﷺ «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه» . وقيل: أغناك بمال خديجة وتربية أبي طالب، ولما اختل ذلك أغناه بمال أبي بكر ولما اختل ذلك أمره بالجهاد وأغناه بالغنائم. روى الزمخشري: أنه ﷺ قال: «جعل رزقي تحت ظل رمحي» . وقال الرزاي: العائل ذو العيلة ثم أطلق على الفقير، ويجوز أن يراد ووجدك ذا عيال لا تقدر على التوسعة عليهم فأغناك بما جعل لك من ربح التجارة، ثم من كسب الغنائم. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: يا رب إنك آتيت سليمان بن داود ملكاً عظيماً، وآتيت فلاناً كذا قال: يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك، قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب» . وفي رواية «ألم أشرح لك صدرك ووضعت عنك وزرك؟ قلت بلى يا رب» . ثم أوصاه باليتامى والمساكين

стр. 2485

والفقراء فقال تعالى: ﴿فأمّا اليتيم﴾ ، أي: هذا النوع ﴿فلا تقهر﴾ قال مجاهد: لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيماً. وقال الفراء: لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه كما كانت العرب تفعل في أموال اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم. وروي أنه ﷺ قال: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين فيه يتيم يساء إليه، ثم قال بإصبعيه: أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وهو يشير بإصبعيه» . اليتيم منصوب بتقهر، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل، ألا ترى أنّ اليتيم منصوب بالمجزوم وقد تقدّم على الجازم، ولو تقدّم على لا، لامتنع؛ لأنّ المجزوم لا يتقدّم على جازمه كالمجرور لا يتقدّم على جاره وفي الآية دلالة على اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، وقال ﷺ «من ضمّ يتيماً وكان في نفقته وكفاه مؤنته كان له حجاباً من النار يوم القيامة» . وقال: «من مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة» . وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى اختار لنبيه ﷺ اليتم؟ أجيب: بوجوه: أحدها: أن يعرف حرارة اليتيم فيرفق باليتيم. ثانيها: يشاركه في الاسم فيكرمه لأجل ذلك لقوله ﷺ «إذا سميتم الولد محمداً فأكرموه ووسعوا له في المجلس» . ثالثها: ليستند من أوّل عمره على الله تعالى فيشبه إبراهيم ﵇ في قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي. رابعها: أنّ اليتيم تظهر عيوبه فلما لم يجدوا عيباً لم يجدوا فيه مطعناً. خامسها: جعله يتيماً ليعلم كل أحد أن فضيلته ابتداء من الله تعالى لا من تعليم، لأن من له أب فإنه يؤدّبه ويعلمه. سادسها: اليتم والفقر نقص في العادة فكونه ﷺ مع هذين الوصفين من أكرم الخلق كان ذلك قلباً للعادة فيكون معجزة. ﴿وأما السائل﴾ ، أي: الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال ﴿فلا تنهر﴾ ، أي: فلا تزجر، يقال نهره وأنهره إذا زجره وأغلظ عليه القول ولكن ردّه رداً جميلاً قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السؤال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريدنا إلى الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء. وقيل: المراد بالسائل هنا الذي يسأل عن الدين. وروى الزمخشري أنّ النبيّ ﷺ قال: «إذا رددت السائل ثلاثاً فلم يرجع فلا عليك أن تزبره» . وقيل: أما أنه ليس السائل المستجدي ولكن طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره. ﴿وأما بنعمة ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بالنبوّة وغيرها ﴿فحدّث﴾ بها فإن التحدّث بها شكرها، وإنما يجوز لغيره ﷺ مثل هذا إذا قصد به اللطف وأن يقتدي به غيره وأمن على نفسه الفتنة والستر أفضل ولو لم يكن في الذكر إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفي. والمعنى: إنك كنت يتيماً وضالاً وعائلاً فآواك الله وهداك وأغناك، فمهما يكن من شيء فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث، واقتد بالله فتعطف على اليتيم وآوه فقد ذقت اليتم وهوانه ورأيت كيف فعل الله تعالى بك، وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر، وحدث بنعمة الله كلها. ويدخل تحت هدايته الضلال وتعليمه الشرائع، والقرآن مقتد بالله تعالى في أن هداه من الضلالة. وقال مجاهد: تلك النعمة هي القرآن، والتحديث به أن يقرأ ويقرئ غيره. وعنه أيضاً: تلك النعمة هي النبوّة، أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك. وقيل: تلك

стр. 2486

النعمة هي أن وفقك الله فراعيت حق اليتيم والسائل فحدّث بها ليقتدي بك غيرك. وعن الحسن بن علي قال: إذا عملت خيراً فحدّث به إخوانك ليقتدوا بك إلا أن هذا لا يحسن إلا إذا لم يتضمن رياء وظن أنّ غيره يقتدي به كما علم مما مرّ. وروي «أنّ شخصاً كان جالساً عند النبيّ ﷺ فرآه رث الثياب فقال له ﷺ ألك مال؟ قال: نعم. فقال له ﷺ إذا آتاك الله مالاً فلير أثره عليك» . وروي أنه ﷺ قال: «إنّ الله جميل يحب الجمال» ويحب أن يرى أثر النعمة على عبده» . فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى أخر حق نفسه عن حق اليتيم والسائل؟ أجيب: بكأنه يقول: أنا أغنى الأغنياء وهما محتاجان، وحق المحتاج أولى بالتقديم وأختار قوله : فحدث على قوله تعالى فأخبر ليكون ذلك حديثاً عنه لا ينساه ويعيده مرّة بعد أخرى. وقرأ ﴿والضحى﴾ ، ﴿سجى﴾ ، ﴿قلى﴾ ، ﴿الأولى﴾ ، ﴿فترضى﴾ ، ﴿فآوى﴾ ، ﴿فهدى﴾ ، ﴿فأغنى﴾ ، حمزة والكسائيّ بإمالة محضة لكن حمزة لم يمل سجى، وأمال ورش وأبو عمرو بين بين والفتح عن ورش قليل، والباقون بالفتح. وروى أبيّ بن كعب «أنّ النبي ﷺ كان إذا بلغ الضحى كبر بين كل سورتين إلى أن يختم القرآن، ويفصل بينهما بسكتة» . وكان المعنى: في ذلك «أنّ الوحي تأخر عن رسول الله ﷺ أياماً فقال ناس من المشركين: قد ودعه صاحبه وقلاه فنزلت هذه السورة فقال ﷺ الله أكبر» . قال مجاهد: قرأت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأمرني به، وأخبر أنه ﷺ أمره به. وبعض القرّاء لا يكبر لأنّ ذلك ذريعة إلى الزيادة في القرآن. وقال القرطبي: القرآن ثبت نقله بالتواتر سوره وآياته وحروفه بغير زيادة ولا نقصان فالتكبير ليس بقرآن. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري: إنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة والضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد أن يشفع له وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل» حديث موضوع. سورة ألم نشرح مكية وهي ثمان آيات وتسع وعشرون كلمة ومائة وثلاثة أحرف. ﴿بسم الله﴾ الظاهر الباطن الملك العلام ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ المخلوقين بالإنعام ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بدار السلام. وقوله تعالى: ﴿ألم نشرح﴾ استفهام تقرير، أي: شرحنا بما يليق بعظمتنا ﴿لك﴾ يا أشرف الخلق ﴿صدرك﴾ بالنبوّة وغيرها حتى وسع مناجاتنا ودعوة الخلق، أو فسحناه بما أودعنا فيه من الحكم والعلوم وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي كان يكون معه العمى والجهل. وعن الحسن: ملىء حكمة وعلماً. وقيل: إنه إشارة إلى ما روي أنّ جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ في صباه أو في يوم الميثاق فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيماناً وعلماً. فإن قيل: لم قال تعالى صدرك ولم يقل قلبك؟ أجيب: بأن محل الوسوسة هو الصدر كما قال تعالى: ﴿يوسوس في صدور الناس﴾ (الناس: ٥) ﴿ ﴿ وأبدلها بدواعي الخير فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب. وقال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، والشيطان يجيء إلى الصدر الذي

стр. 2487

هو حصن القلب، فإذا وجد مسلكاً أغار فيه وثبت جنده فيه وبث فيه الهموم والغموم والحرص فيضيق القلب حينئذ ولا يجد للطاعة لذة ولا للإسلام حلاوة، فإذا طرد العدوّ في الابتداء حصل الأمن وانشرح الصدر. فإن قيل: لم قال تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ ولم يقل: ألم نشرح صدرك؟ أجيب: بوجهين: أحدهما: كأنه تعالى يقول لام بلام فأنت إنما تفعل جميع الطاعة لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك. ثانيهما: أنّ فيه تنبيهاً على أنّ منافع الرسالة عائدة إليك لأجلك لا لأجلنا. واختلف في قوله تعالى: ﴿ووضعنا﴾ ، أي: بما لنا من العظمة ﴿عنك وزرك﴾ فقال الحسن ومجاهد: حططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية وهو قوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخر﴾ (الفتح: ٢) وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك، وأضافها إليه لاشتغال قلبه بها. ﴿الذي أنقض﴾ ، أي: أثقل ﴿ظهرك﴾ قال أبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوّة والقيام بها حتى لا تثقل عليك وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي حتى يكاد يرمي نفسه من شاهق إلى أن جاءه جبريل ﵇، وأزال عنه ما كان يخاف من تغير العقل وقيل: عصمناك من احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوّة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر. ﴿ورفعنا﴾ ، أي: بما لنا من القدرة التامّة ﴿لك ذكرك﴾ روى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: يقول الله : لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، ومشارق الأرض ومغاربها. ولو أنّ رجلاً عبد الله تعالى، وصدّق بالجنة والنار، وكل شيء ولم يشهد أنّ محمداً رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافراً وقيل: أعلينا ذكرك فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك ولا دين إلا ودينك يظهر عليه. وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود وكرائم الدرجات. وقال الضحاك: لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به. وقال مجاهد: يعني التأذين. وفيه يقول حسان بن ثابت: *أغرّ عليه للنبوّة خاتم ... من الله مشهور يلوح ويشهد* *وضم الإله اسم النبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد* *وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد* وقيل: رفع ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله. وقيل: عام في كل ما ذكر، وهذا أولى وكم من موضع في القرآن يذكر فيه النبيّ ﷺ من ذلك قوله تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة: ٦٢) . وقوله تعالى: ﴿ومن يطيع الله ورسوله فقد فاز﴾ (الأحزاب: ٧١) . وقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ (المائدة: ٩٢) ولما كان المشركون يعيرونه ﷺ والمؤمنين بالفقر والضيقة حتى سبق إلى وهمه أنهم رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم، ذكره ما أنعم الله به عليه من جلائل النعم، ثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدّة فقال تعالى: ﴿فإن مع العسر﴾ ، أي: ضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم ﴿يسراً﴾ ، أي: كالشرح والوضع والتوفيق

стр. 2488

للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يهمك، فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسراً. فإن قيل: إنّ مع للصحبة فما معنى اصطحاب العسر واليسر؟ أجيب: بأن الله تعالى أراد أن يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية وتقوية القلوب. وقوله تعالى: ﴿إنّ مع العسر ويسراً﴾ استئناف وعد الله تعالى بأن العسر متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة، كقولك: للصائم فرحة، ثم فرحة، أي: فرحة عند الإفطار وفرحة عند لقاء الرب، ويجوز أن يراد باليسرين ما تيسر من الفتوح في أيام رسول الله ﷺ وما تيسر لهم أيام الخلفاء وقيل: تكرير. فإن قيل: ما معنى قول ابن عباس ﵁ وابن مسعود ﵄: لن يغلب عسر يسرين، وقد روي مرفوعاً أنه ﷺ «خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: لن يغلب عسر يسرين» أجيب: بأن هذا حمل على الظاهر وبناء على قوّة الرجاء، وأنّ موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه، والقول عنه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر في قوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ (المرسلات: ١٥) لتقرير معناها في النفوس، وتمكينها في القلوب، وكما تكرر المفرد في قولك: زيد زيد. وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردف بيسر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر فهما يسران على تقدير الاستئناف. وإنما كان العسر واحد لأنه لا يخلو إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه فهو هو، لأنّ حكمه حكم زيد في قولك: إنّ مع زيد مالاً إنّ مع زيد مالاً، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضاً. وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر فقد تناول بعضاً غير البعض الأوّل بغير إشكال، أو بأن لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين فيها واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا فأما يسر الآخرة فدائم غير زائل، أي: لا يجتمعان في الغلبة كقوله ﷺ «شهرا عيد لا ينقصان» ، أي: لا يجتمعان في النقصان. فإن قيل: فما معنى التنكير؟ أجيب: بأنه للتفخيم، كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً وأي يسر. روى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لو كان العسر في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه» . وللطبراني عنه قال: قال رسول الله ﷺ «لو كان العسر في جحر لدخل اليسر حتى يخرجه» . ثم قرأ رسول الله ﷺ الآية» . ولما عدد تعالى على نبيه ﷺ نعمه السابقة ووعده الآنفة حثه على الشكر والاجتهاد في العبادة بقوله تعالى: ﴿فإذا فرغت﴾ قال ابن عباس ﵄: فرغت من صلاتك المكتوبة ﴿فانصب﴾ ، أي: انصب في الدعاء. وقال ابن مسعود ﵁: فإذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل. وقال الشعبيّ: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك. وقال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوّك فانصب في عبادة ربك وصل. وقال ابن حيان عن الكلبيّ: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب ﴿استغفر لذنبك وللمؤمنين﴾ (محمد: ١٩) . قال عمر بن الخطاب ﵁: إني أكره أن أرى أحدكم فارغاً لا في عمل الدنيا ولا في عمل الآخرة. ﴿وإلى ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بفضائل النعم

стр. 2489

خصوصاً بما ذكر في هاتين السورتين ﴿فارغب﴾ ، أي: اجعل رغبتك إليه خصوصاً، ولا تسأل إلا فضله متوكلاً عليه. وقيل: تضرع إليه راغباً في الجنة راهباً من النار عصمنا الله تعالى وأحبابنا منها بمحمد ﷺ وآله. وقول البيضاوي تبعاً للزمخشريّ أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتمّ ففرج عني» حديث موضوع. سورة التين والزيتون مكية وقال ابن عباس ﵄ وقتادة مدنية وهي ثمان آيات وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفاً. ﴿بسم الله﴾ الذي له الملك كله ﴿الرحمن﴾ الذي وسع الخلائق عدله ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وفضله. وقوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ قسم وتقدّم نظائر ذلك أقسم بهما لأنهما عجيبتان من بين أصناف الأشجار المثمرة، روي أنه «أهدي للنبيّ ﷺ طبق من تين فأكل منه، وقال لأصحابه: كلوا فلو قلت: إنّ فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه» لأن فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس ومرّ معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيباً واستاك به وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة يطيب الفم ويذهب بالحفرة» . وسمعته يقول: «هي سواكي وسواك الأنبياء من قبلي» . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو تينكم هذا الذي تأكلون وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت. وقال عكرمة: هما جبلان من الأرض المقدّسة يقال لهما بالسريانية طور تيناً وطور زيتاً؛ لأنهما منبتا التين والزيتون. وقيل: التين جبال ما بين حلوان وهمدان، والزيتون جبال الشام لأنها منابتهما، كأنه قيل: ومنابت التين والزيتون. وقال محمد بن كعب: التين مسجد أصحاب الكهف والزيتون مسجد إيليا. وقال الضحاك: مسجدان بالشام. وقال ابن زيد: التين مسجد دمشق، والزيتون مسجد بيت المقدس، وحسن القسم بهما لأنهما موضع الطاعة. وقيل: التين مسجد نوح ﵇ الذي بناه على الجودي، والزيتون مسجد بيت المقدس. ﴿ ﴿ ﴿وطور سينين﴾ ، أي: الجبل الذي ناجى عليه موسى ﵇ ربه ، وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي هو فيه فأضيف الجبل إلى المكان الذي هو فيه. وقال مقاتل والكلبيّ: سينين كل جبل فيه شجر مثمر فهو سينين وسيناء بلغة النبط ولم ينصرف سينين كما لا ينصرف سيناء لأنه جعل اسماً للبقعة أو الأرض، ولو جعل اسماً للمكان أو للمنزل، أو اسم مذكر لانصرف لأنك سميت مذكراً بمذكر وإنما أقسم بهذا الجبل لأنه بالشام وهي الأرض المقدّسة، وقد بارك فيها قال الله تعالى: ﴿إلى المسجد القصى الذي باركنا حوله﴾ (الإسراء: ١) ولا يجوز أن يكون سينين نعتاً للطور لإضافته إليه. ﴿وهذا البلد الأمين﴾ ، أي: الآمن، من أمن الرجل أمانة فهو أمين، وهي مكة حرسها الله تعالى؛ لأنها الحرم الذي يأمن الناس فيه في الجاهلية والإسلام، لا ينفر صيده ولا يعضد ورقه، أي: شجره، ولا تلتقط لقطته إلا لمنشد أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله. قال الزمخشريّ: ومعنى القسم بهذه

стр. 2490

الأشياء الإبانة عن شرف البقاع المباركة وما ظهر منها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والصالحين فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ﵇، ومولد عيسى ﵇ ومنشؤه والطور المكان الذي نودي منه موسى ﵇، ومكة البيت الذي هو هدى للعالمين ومولد رسول الله ﷺ ومبعثه اه. وقوله تعالى: ﴿لقد خلقنا﴾ ، أي: قدّرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة والقدرة التامّة ﴿الإنسان﴾ جواب القسم والمراد بالإنسان: الجنس الذي جمع فيه الشهوة والعقل، وفيه من الإنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه الشامل لآدم ﵇ وذريته. وقيل: نزلت في منكري البعث. وقيل: في الوليد بن المغيرة وقيل: كلدة بن أسيد. وقوله تعالى: ﴿في أحسن تقويم﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم. وقال أبو البقاء: في أحسن تقويم في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم القوام لأن التقويم فعل وذاك وصف للخالق لا للمخلوق، ويجوز أن يكون التقدير في أحسن قوام التقويم فحذف المضاف، ويجوز أن تكون في زائدة، أي: قومناه أحسن تقويم اه. وأحسن تقويم أعدله لأنه تعالى خلق كل شيء منكباً على وجهه وخلق الإنسان مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها. قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإنّ الله تعالى خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً وهذه صفات الله تعالى وعبر عنها بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: «إن الله تعالى خلق آدم على صورته» يعني: على صفاته المتقدّم ذكرها. وفي رواية على صورة الرحمن ومن أين يكون للرحمن صورة شخصية فلم تكن إلا معاني. وروي أنّ عيسى بن يوسف الهاشميّ كان يحب زوجته حباً شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالق ثلاثاً إن لم تكوني أحسن من القمر فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني فبات بليلة عظيمة فلما أصبح غدا إلى دار المنصور فأخبره الخبر، فاستحضر الفقهاء واستشارهم، فقال جميع من حضر قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم، فقال الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والتين والزيتون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾ يا أمير المؤمنين فالإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى: الأمر كما قال الرجل فأقبل على زوجتك، فأرسل المنصور إليها أطيعي زوجك فما طلقك. وهذا يدل على أنّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى ولذلك قيل: إنه العالم الأصغر إذ كل ما في المخلوقات اجتمع فيه. ﴿ثم رددناه﴾ أي: بعض أفراداه بما لنا من القدرة الكاملة ﴿أسفل سافلين﴾ أي: إلى الهرم وأرذل العمر فيضعف بدنه وينقص عقله، والسافلون هم الضعفاء والزمنى والأطفال، والشيخ الكبير أسفل من هؤلاء جميعاً لأنه لا يستطيع حيلة ولا يهتدي سبيلاً، فقوس ظهره بعد اعتداله، وأبيض شعره بعد اسوداده، وكل بصره وسمعه وكانا حديدين، وتغير كل شيء منه فمشيه دليف وصوته خفات وقوّته ضعف وشهامته خرف. وقيل: ثم رددناه إلى النار لأنها دركات بعضها أسفل من بعض. فقوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا﴾ أي: تصديقاً لدعواهم الإيمان ﴿الصالحات﴾ أي: الطاعات استثناء متصل على الثاني على أنّ المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً يعني: أقبح من قبح صورة
следующие страницы →