Полный текст (2 552 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
عن الشركة ومن مزيدة للاستغراق ﴿وإن لم ينتهوا﴾ أي: الكفرة بجميع أصنافهم ﴿عما يقولون﴾ أي: من هاتين المقالتين وما داناهما ﴿ليمسنّ﴾ أي: مباشرة من غير حائل ﴿الذين كفروا﴾ أي: داوموا على الكفر ﴿منهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم لم ينقطع عنهم لعدم توبتهم ولذلك عقبه بقوله تعالى:
﴿أفلا يتوبون﴾ أي: يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده ﴿إلى الله ويستغفرونه﴾ أي: يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقريع والتهديد ﴿وا غفور﴾ أي: بالغ المغفرة يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿رحيم﴾ أي: بالغ الإكرام لمن أقبل عليه فيغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم.
﴿ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت﴾ أي: مضت ﴿من قبله الرسل﴾ أي: ليس هو بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة وما من خارقة له إلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن كان قبله فإن كان قد أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو أعجب وإن كان قد خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأمّ وهو أغرب ﴿وأمه صدّيقة﴾ أي: بليغة الصدق في نفسها كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدّقن الأنبياء كما قال تعالى في وصفها ﴿وصدّقت بكلمات ربها﴾ (التحريم، ١٢) وهذه الآية من أدلة من قال إنّ مريم ﵍ لم تكن نبية فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الردّ على من قال بإلهيتها إشارة إلى ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات فإنّ أعظم صفات عيسى ﵇ الرسالة وأكمل صفات أمه ﵍ الصديقية.
فائدة: مريم من أزواج نبينا محمد ﷺ في الجنة. ولما بين أقصى ما لهما من الكمالات بين أنّ ذلك لا يوجب لهما الألوهية بقوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام فكيف يكون إلهاً، وخص الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات والإله لا يكون محتاجاً وقيل: هذا كناية عن الحدث لأنّ من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ومن كانت هذه صفته كيف يكون إلهاً؟ ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادّعوا فيهما اتبعه التعجب بقوله: ﴿انظر﴾ متعجباً ﴿كيف نبين لهم الآيات﴾ على وحدانيتنا ﴿ثم انظر أنى﴾ أي: كيف ﴿يؤفكون﴾ أي: يصرفون عن الحق مع قيام البرهان.
فإن قيل: ما معنى التراخي في قوله تعالى: ﴿ثم انظر﴾ ؟ أجيب: بأنّ معناه التفاوت بين العجبين أي: أنّ بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب.
﴿قل أتعبدون من دون الله﴾ أي: غيره يعني ﵇ ﴿ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً﴾ أي: لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّ الله تعالى به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة الأبدان والسعة والخصب وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبإقدار الله تعالى وتمكينه وكأنه لا يملك شيئاً وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً وصفة الرب تعالى أن يكون قادراً
стр. 387
على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى.
فإن قيل: إذا كان المراد السيد عيسى فلِمَ عبّر بما دون من مع أنّ المراد من يعقل؟ أجيب: بأنه أتى بما نظر إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية أو أن المراد كل ما عبد من دون الله تعالى سواء كان ممن يعقل أم لا ﴿وا هو السميع﴾ لأقوالكم ﴿العليم﴾ بأحوالكم فيجازي عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر والاستفهام للإنكار.
﴿قل يأهل الكتاب﴾ أي: عامّة ﴿لا تغلوا﴾ أي: تجاوزوا الحد ﴿في دينكم﴾ وقوله تعالى: ﴿غير الحق﴾ صفة للمصدر أي: لا تغلوا في دينكم غلوّاً غير الحق أي: غلواً باطلاً؛ لأنّ الغلو في الدين غلوان: حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة فيرفعوا عيسى ﵇ إلى أن يدّعوا له الإلهية أو يضعوه ويرتابوا فيه، وقيل: الخطاب للنصارى خاصة.
﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل﴾ في غلوهم وهم أسلافهما الذين قد ضلّوا قبل مبعث رسول الله ﷺ في شريعتهم ﴿وأضلوا كثيراً﴾ أي: من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظنّ حقاً ﴿وضلوا﴾ أي: بعد مبعث رسول الله ﷺ ﴿عن سواء السبيل﴾ أي: طريق الحق وهو الإسلام والسواء في الأصل الوسط والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، قال أبو عبيدة: لم يذكر الهوى إلا في موضع الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال: يريد الخير ويحبه وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك فقال: كل هوى ضلالة.
﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ أي: لعنهم الله في الزبور على لسان داود وإنّ أهل أيلة لمّا اعتدوا في السبت قال داود ﵇: اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وخنازير وقوله تعالى ﴿وعيسى بن مريم﴾ عطف على داود أي: لعنهم الله في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم وهم أصحاب المائدة ما لم يؤمنوا قال عيسى ﵇: اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبيّ، قال بعض العلماء: إنّ اليهود كانوا يفتخرون بأناس من أولاد الأنبياء فذكر الله تعالى هذه الآية ليدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء ﴿ذلك﴾ أي: اللعن المذكور ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿عصوا وكانوا يعتدون﴾ ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله تعالى:
﴿كانوا لا يتناهون﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿عن منكر﴾ أي: معاودة منكر ﴿فعلوه﴾ أو عن مثل منكر أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤا له وإنما قدر ما ذكر لأنّ التناهي عن منكر قد مضى محال ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ أي: يفعلونه والمخصوص بالذم محذوف أي: فعلهم هذا قال بعض المفسرين: فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
﴿ترى كثيراً منهم﴾ أي: من أهل الكتاب ﴿يتولون الذين كفروا﴾ أي: يوالون المشركين بغضاً لرسول الله ﷺ وللمؤمنين ﴿لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم﴾ من العمل لمعادهم ﴿أن سخط الله عليهم﴾ أي: غضب عليهم ﴿وفي العذاب هم خالدون﴾ أي: دائماً.
стр. 388
﴿ولو كانوا يؤمنون با والنبيّ﴾ محمد ﷺ ﴿وما أنزل إليه﴾ من عند الله تعالى أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق ﴿ما اتخذوهم﴾ أي: المشركين ﴿أولياء﴾ إذ الإيمان يمنع ذلك ﴿ولكنّ كثيراً منهم فاسقون﴾ أي: خارجون عن الإيمان، وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يولهم المسلمون.
﴿لتجدنّ﴾ يا محمد ﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وفي جعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين دلالة على شدة عداوتهم لهم، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾ (البقرة، ٩٦) وعنه ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هَمَّا بقتله» ﴿ولتجدنّ أقربهم﴾ أي: الناس ﴿مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود لأنهم الذين سموا أنفسهم نصارى حين قال لهم عيسى ﵇: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ (آل عمران، ٥٢) الآية، أو لأنهم كانوا يسكنون قرية يقال لها: ناصرة وكلهم لم يكونوا ساكنين فيها، وعلى التقديرين فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهوداً فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهودا بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل بقولهم: إنا هُدْنا إليك أو لتحرّكهم في دراستهم.
ثم علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين﴾ أي: علماء ﴿ورهباناً﴾ أي: عباداً ﴿وأنهم لا يستكبرون﴾ عن اتباع الحق كما استكبر اليهودو المشركون من أهل مكة، نزلت في وفد النجاشي القادمين من الحبشة لا في كل النصارى لأنهم في عداوتهم للمسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب ديارهم وهدم مساجدهم وحرق مصاحفهم، قال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله تعالى منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله محمداً ﷺ بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: «إنّ ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحداً فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً» وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وإنما النجاشي اسم الملك كقولهم: قيصر وكسرى فخرج إليه سراً أحد عشر رجلاً وأربع نسوة من جملتهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله ﷺ وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وتتابع المسلمون إليهما فكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك أرسلوا إلى النجاشي بالهدايا ليردّهم إليهم فعصهم الله تعالى وانصرفوا خائبين، وأقام المسلمون هناك بحسن دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله ﷺ وعلا دينه في سنة ست من الهجرة كتب
стр. 389
رسول الله ﷺ إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد
هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها فأرسل النجاشي إلى أمّ حبيبة جارية تخبرها بخطبة رسول الله ﷺ فاستسرت بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوّجها وكان الخاطب لرسول الله ﷺ النجاشي فأنفذ إليها أربعمائة دينار، قالت أمّ حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم ووافى جعفر بن أبي طالب وأصحابه رسول الله ﷺ في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشأم فقرأ عليهم رسول الله ﷺ فبكوا وأسلموا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى.
قال تعالى:
﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول﴾ من القرآن ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ أي: جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنهم تفيض بأنفسها ﴿مما عرفوا من الحق﴾ من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا من الحق أو التبعيض فإنه بعض الحق والمعنى: إنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله، وقال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعث إليه رسول الله ﷺ بكتابه فقرىء عليهم ثم دعا بجعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين وأمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة قالوا: آمنا كما قال تعالى: ﴿يقولون ربنا آمنا﴾ أي: صدقنا نبيك وكتابك ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أي: أمة محمد ﷺ الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة دليله قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ (البقرة، ١٤٣) وإذا نظرت مكاتبات النبيّ ﷺ ازددت بصيرة في صدق هذه الآية فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهودة بن علي وغيرهم وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية في الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه ﷺ ولم يجز رسوله بشيء قال البقاعي: السرّ في ذلك أنه لما كان عيسى ﵊ أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبيّ ﷺ كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودّة لاتباع النبيّ ﷺ
وقالوا في جواب من عيّرهم بالإسلام من اليهود.
﴿وما لنا لا نؤمن با وما جاءنا من الحق﴾ وهو القرآن لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه وقوله تعالى: ﴿ونطمع﴾ معطوف على نؤمن ﴿أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ أي: المؤمنين الجنة.
﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾ أي: جعل ثوابهم على هذا القول المسند إلى خلوص النية الناشىء عن حسن الطوية ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك﴾ أي: الجزاء العظيم ﴿جزاء المحسنين﴾ أي: بالإيمان.
﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ أي: الذين لا ينفكون عنها لا غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم وعطف التكذيب بآيات الله على الكفر وهو ضرب منه لأنّ القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدّيقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب.
﴿يأيها الذين آمنوا لا تحرموا﴾ أي:
стр. 390
لا تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غير ذلك ﴿طيبات﴾ أي: مستلذات ﴿ما أحلّ الله لكم﴾ كمنع التحريم أي: لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً ﴿ولا تعتدوا﴾ حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم ﴿إنّ الله لا يحب المعتدين﴾ أي: لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ولا للمفرّطين فيه الذين يحللون ما حرمت أن يفعلوا فعل المحرّم من المنع وفعل المحلل من التناول فالآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرّم داعية إلى القصد بينهما.
روي أنّ رسول الله ﷺ وصف يوم القيامة لأصحابه فبالغ وأشبع في الكلام في الإنذار فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيت عثمان بن مظعون وهم: أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم رسول الله ﷺ «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟» قالوا: بلى يا رسول الله ما أردنا إلا الخير فقال رسول الله ﷺ «إني لم أومر بذلك» ثم قال: «إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» ثم جمع الناس وخطبهم وقال: «ما بال أقوام يحرّمون النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة صوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع» فأنزل الله تعالى هذه الآية فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا فأنزل الله تعالى لا ﴿يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ (البقرة، ٢٢٥) ، الآية.
وروي «أنّ رسول الله ﷺ كان يأكل الدجاج والفالوز وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال: «المؤمن حلو يحب الحلاوة» وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً قال له: إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك» وعن الحسن: أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج والفالوز وغير ذلك فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم فقالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان فقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم، وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوز يقول: لا أؤدي شكره قال: أفيشرب الماء البارد؟ قال: نعم قال: إنه جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوز، وعنه أنّ الله تعالى أدب عباده
стр. 391
فأحسن أدبهم قال تعالى: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ (الطلاق، ٧) ما عاب الله قوماً وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوه ولا عذر قوماً ذواهاً عنهم فعصوه.
وروي أنّ عثمان بن مظعون أتى النبيّ ﷺ فقال: ائذن لي في الاختصاء فقال رسول الله ﷺ «ليس منا من خصى ولا من اختصى إن خصاء أمتي الصيام» فقال: يا رسول الله ائذن لي بالسياحة فقال: «إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» قال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب قال: «إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة» .
وروي أنّ رجلاً قال: يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت فأخذتني شهوة فحرّمت اللحم فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولا تعارض بين الخبرين لأنّ الشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة بعضها أقرب من بعض.
وروي أنه ﷺ نهى عن التبتل نهياً شديداً وقال: «تزوّجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» .
﴿وكلوا مما رزقكم الله﴾ ولما كان الرزق يقع على الحرام قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: ﴿حلالاً طيباً﴾ وهو مفعول كلوا ومما حال منه تقدّمت عليه لأنه نكرة وقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ تأكيد للتوصية بما أمر الله به وزاده تأكيداً بقوله: ﴿الذي أنتم به مؤمنون﴾ لأنّ الإيمان به يوجب التقوى في الانتهاء إلى ما أمر به وعمّا نهى عنه.
﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾ الكائن ﴿في أيمانكم﴾ هو ما يبدو من المرء بلا قصد كقول الإنسان: لا والله وبلى والله وإليه ذهب الشافعيّ رحمه الله تعالى، وقيل: هو الحلف على ما يظنّ أنه كذلك ولم يكن وإليه ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم﴾ أي: وثقتم ﴿الأيمان﴾ عليه بأن حلفتم عن قصد.
روي أنّ الحسن سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال: يا أبا سعيد دعني أجب عنك فقال:
*ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم*
والمعنى: ولكن يؤاخذكم الله بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف التقدير بأحد الأمرين للعلم به، وقرأ ورش يؤاخذكم بإبدال الهمزة واواً مفتوحة، وقرأ ابن ذكوان عاقدتم بألف بعد العين وتخفيف القاف والباقون بغير ألف مع تشديد القاف ﴿فكفارته﴾ أي: اليمين إذا حنثتم فيه التي تذهب إثمه وتزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم.
﴿إطعام عشرة مساكين﴾ أي: لكل مسكين مدّ عندنا ونصف صاع عند أبي حنيفة ﵀ ﴿من أوسط﴾ أي: أعدل ﴿ما تطعمون أهليكم﴾ من برّ أو غيره لا من أعلاه ولا من أدناه ﴿أو كسوتهم﴾ بما يسمى كسوة كقميص وعمامة وإزار وسراويل ومقنعة من صوف وقطن وكتان وحرير ولو لرجل وإن لم يجز له لبسه لوقوع اسم الكسوة عليه رديئاً كان أو جيداً ويجزىء لبد أوفروة اعتبر في البلد لبسهما ولا يكفي دفع ما ذكر لمسكين واحد وعليه الشافعيّ ولا يكفي المكعب والنعل والخف والقلنسوة والتبان وهو سراويل قصيرة لا تبلغ الركبة ونحو ذلك مما لا يسمى كسوة ﴿أو تحرير رقبة﴾ أي: مؤمنة كما في كفارتي القتل والظهار حملاً للمطلق على المقيد وجوّز أبو حنيفة عتق الكافرة في كل كفارة إلا القتل، وخرج بالتخيير بين هذه الثلاثة أنه لا يجزىء أن يطعم خمسة ويكسو خمسة كما لا يجزىء إعتاق نصف رقبة وإطعام خمسة ﴿فمن لم يجد﴾ أي: بأن عجز عن أحد ما ذكر
стр. 392
﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ أي: فكفارته صيام ثلاثة أيام ولا يجب تتابعها.
فإن قيل: قرىء شاذاً متتابعات والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العلم كما أوجبنا قطع يد السارق اليمنى بالقراءة الشاذة في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما﴾ (المائدة، ٣٨) ولأنّ من عادة الشافعي رحمه الله تعالى حمل المطلق على المقيد من جنسه وهو الظهار والقتل أجيب: بأنّ اليمين نسخ فيها متتابعات تلاوة وحكماً فلا يستدل بها بخلاف آية السرقة فإنها نسخت تلاوة لا حكماً وبأنّ المطلق ههنا متردّد بين أصلين يجب التتابع في أحدهما وهو كفارة الظهار والقتل ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولى من الآخر ويسنّ تتابعها خروجاً من خلاف أبي حنيفة فإنه شرط تتابعها.
تنبيه: المراد بالعجز أن لا يقدر على المال الذي يصرفه في الكفارة كمن يجد كفايته وكفاية من تلزمه مؤنته فقط ولا يجد ما يفضل عن ذلك وضابط ذلك: أنّ من جاز له أن يأخذ سهم الفقراء والمساكين من الزكاة والكفارات جاز له أن يكفر بالصوم لأنه فقير في الأخذ فكذا في الإعطاء ﴿ذلك﴾ أي: المذكور ﴿كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ أي: وحنثتم ﴿واحفظوا أيمانكم﴾ أي: من أن تنكثوها ما لم تكن من فعل برّ أو إصلاح بين الناس كما مرّ في سورة البقرة ﴿كذلك﴾ أي: مثل ما بين لكم ما ذكر ﴿يبين الله لكم آياته﴾ أي: أعلام شريعته ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي: يحصل منكم شكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية.
﴿يأيها الذين آمنوا إنما الخمر﴾ أي: المسكر الذي خامر العقل سواء فيه كثيره وقليله ﴿والميسر﴾ أي: القمار ﴿والأنصاب﴾ أي: الأصنام ﴿والأزلام﴾ أي: قداح الاستقسام ﴿رجس﴾ أي: خبيث مستقذر وإنما وحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأنّ أخبار الثلاثة حذفت وقدرت لأنها أهل لأن يقال في كل واحدة منها على حدتها كذلك ولا يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع ثم زاد في التنفير عنها تأكيداً لرجسيتها بقوله تعالى: ﴿من عمل الشيطان﴾ الذي يزينه ﴿فاجتنبوه﴾ أي: الرجس المعبر به عن هذه الأشياء أن تفعلوه ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: تظفرون بجميع مطالبكم.
واعلم أنه أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية بأن صدّر الجملة بإنما وقرنهما بالأصنام والأزلام وسماهما رجساً وجعلهما من عمل الشيطان تنبيهاً على أن الاشتغال بهما شر خالص أو غالب وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعل الاجتناب سبباً يرجى منه الفلاح ثم قرّر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للتحريم بقوله تعالى:
﴿إنما يريد الشيطان﴾ أي: بتزيين الشرب والقمار لكم ﴿أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر﴾ أي: إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من الشرّ والفتن، أمّا العداوة في الخمر فإنّ الشارب إذا سكر عربد كما فعل الأنصاري الذي شج رأس سعد بن أبي وقاص بلحى الجمل، وأمّا العداوة في الميسر فقال قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزيناً مسلوب الأهل والمال مغتاظاً على حرفائه ﴿ويصدّكم﴾ بالاشتغال بهما ﴿عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ وذلك لأنّ من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله وشوش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف، تقدّم رجل منهم يصلي بهم صلاة المغرب بعدما ما شربوا فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد بحذف لا، وإنما
стр. 393
خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهاً على أنهما المقصودان بالبيان وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله ﷺ «شارب الخمر كعابد الوثن» رواه البزار ورواه ابن حبان بلفظ «مدمن الخمر كعابد الوثن» قال: ويشبه أن يكون فيمن يستحلها وهو كذلك وخص الصلاة بالذكر للإفراد بالتعظيم والإشعار بأنّ الصادّ عنها كالصادّ عن الإيمان من حيث إنها عماده، والفارق بينه وبين الكفر ثم أعاد الحثّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتباً على ما تقدّم من أنواع الصوارف بقوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ إيذاناً بأنّ الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وأنّ الأعذار قد انقطعت فلفظه الاستفهام ومعناه أمر كقوله تعالى: ﴿فهل أنتم شاكرون﴾ (الأنبياء، ٤٨٠) ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ فيما أمراكم به من اجتناب ذلك ﴿واحذروا﴾ مخالفتهما فيما ينهياكم عنه ﴿فإن توليتم﴾ أي: عن الطاعة ﴿فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ أي: فلا يضرّه توليكم فإنما عليه الإبلاغ البيّن، وقد أدّى وإنما ضررتم أنفسكم.
ولما نزل تحريم الخمر قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر نزل.
﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ تصديقاً لإيمانهم ﴿جناح﴾ أي: حرج ﴿فيما طعموا﴾ أي: من مال الميسر وشربوا من الخمر قبل التحريم ﴿إذا ما اتقوا﴾ أي: المحرّمات ﴿وآمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي: ثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحة ﴿ثم اتقوا﴾ ما حرّم عليهم بعد الخمر ﴿وآمنوا﴾ بتحريمه ﴿ثم اتقوا﴾ أي: استمرّوا وثبتوا على اتقاء المعاصي ﴿وأحسنوا﴾ أي: وتحرّوا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها أو أن التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة الماضي والحال والاستقبال التي تقع فيها الأفعال المذكورة وباعتبار الحالات الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله ولأجل استعمال الإنسان التقوى بينه وبين الله أبدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله ﵊ في تفسير الإحسان من قوله: «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» أو باعتبار المراتب الثلاثة: المبدأ والوسط والمنتهى أو باعتبار ما يتقي به فإنه ينبغي أن يترك المحرّمات توقياً من العقاب والشبهات تحزراً للنفس عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات صوناً لها عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة ﴿وا يحب المحسنين﴾ أي: يثيبهم.
ونزل عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد فكانت الوحوش تغشى رحالهم فهموا بأخذها.
﴿يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله﴾ أي: ليختبرنكم ﴿بشيء﴾ يرسله لكم ﴿من الصيد﴾ وإنما بعض لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة وفائدة الابتلاء إظهار المطيع من العاصي وإلا فلا حاجة به إلى البلوى ﴿تناله أيديكم﴾ أي: ما لا يقدر أن يفرّ من الصيد لصغر أو غيره ﴿ورماحكم﴾ أي: ما يقدر على الفرار لكبر أو غيره ﴿ليعلم الله﴾ أي: علم ظهور فإنه تعالى يعلم ما تخفى الصدور ﴿من يخافه بالغيب﴾ أي: ليتميز من يخاف عقاب الله وهو غائب منتظر في الآخرة فيجتنب الصيد، والمعنى: أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة فيصير تعلق العلم به تعلقاً شهودياً كما كان تعلقاً غيبياً
стр. 394
ليقوم بذلك على الفاعل الحجة في مجاري عاداتكم ﴿فمن اعتدى﴾ أي: فاصطاد ﴿بعد ذلك﴾ أي: الابتلاء بالصيد ﴿فله عذاب أليم﴾ أي: مؤلم وإنّ من لا يملك نفسه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون فيه النفس أميَل إليه وأحرص عليه.
﴿يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ أي: محرمون بنسك أو في الحرم والنهي عما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفاً وأمّا غير المؤكول فيحل قتله فإنه لا حظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه ويؤيده قوله ﷺ «خمس يقتلن في الحل والحرم: الحداء والغراب والعقرب والفأرة والكلب» وفي رواية أخرى الحية بدل العقرب مع ما فيه من التنبيه على جواز قتل كل مؤذ وإنما ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم فإنّ مذبوح المحرم ميتة ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ أي: قاصداً للصيد ذاكراً للاحرام إن كان محرماً والحرم إن كان فيه عالماً بالتحريم وذكر العمد ليس لتقييد وجوب الجزاء فإنّ إتلاف العامد والمخطىء واحد في إيجاب الضمان بل لقوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ ولأنّ الآية نزلت فيمن تعمد إذ روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو قتادة برمحه فقتله فنزلت، وعن الزهريّ نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ، وعن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئاً باشتراط العمد في الآية، وعن الحسن روايتان وقوله تعالى: ﴿فجزاء﴾ منوّن في قراءة عاصم وحمزة والكسائيّ وما بعده مرفوع أي: فعليه جزاء هو ﴿مثل ما قتل من النعم﴾ أي: شبهه في الخلقة لا التساوي في القيمة، وقرأ الباقون بغير تنوين في جزاء وخفض لام مثل ﴿يحكم به﴾ أي: المثل رجلان ﴿ذوا عدل منكم﴾ أي: لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به فيحكمان به وقد ذهب إلى إيجاب المثل جماعة من الصحابة حكموا في بلدان مختلفة بالمثل من النعم فحكم ابن عباس وعمر وعليّ في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة وعمر في الضبع بكبش وهو لا يساوي كبشاً وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة، ابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنه يشبهها في العب، والحمام كل ما عبّ وهدر من الطير كالفواخت والقمري والدبسيّ فدلّ ذلك على أنهم ينظرون إلى ما يقرب من
الصيد شبهاً من حيث الخلقة لا من حيث القيمة.
وقوله: ﴿هدياً﴾ حال من جزاء وقوله تعالى: ﴿بالغ الكعبة﴾ أي: يبلغ به الحرم فيذبح فيه ويتصدّق به على مساكينه ولا يجوز أن يذبح حيث كان وهو نعت لما قبله وإن أضيف إلى معرفة لأنّ إضافته لفظية لا تفيد تعريفاً فإن لم يكن للصيد مثل من النعم كالعصفور والجراف فعليه قيمته ﴿أو﴾ عليه ﴿كفارة طعام مساكين﴾ في الحرم من غالب قوت البلد مما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مدّ، وقرأ نافع وابن عامر كفارة بغير تنوين وخفض ميم طعام والباقون بالتنوين ورفع ميم طعام أي: هي طعام ﴿أو﴾ عليه ﴿عدل﴾ أي: مثل ﴿ذلك﴾ أي: الطعام ﴿صياماً﴾ يصومه في كل موضع يتيسر له عن كلّ مدّ يوماً، فأو للتخيير لأنه الأصل فيها، قال البقاعي: والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل.
وقوله تعالى: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ متعلق بمحذوف أي: فعليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة هتكه لحرمة الإحرام والوبال المكروه والضرر الذي يناله في العاقبة من عمل سوء لثقله عليه من قوله تعالى: ﴿فأخذناه أخذاً وبيلاً﴾ (المزمل، ١٦) أي:
стр. 395
ثقيلاً والطعام الوبيل الذي ينقل على المعدة ولا يستمر ﴿عفا الله عما سلف﴾ أي: من قتل الصيد قبل تحريمه فلا يؤاخذكم به ﴿ومن عاد﴾ إلى تعمد شيء من ذلك بعد النهي وقوله تعالى: ﴿فينتقم الله منه﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه ولذلك دخلت الفاء ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً﴾ (الجن، ١٣) أي: ينتقم الله تعالى منه في الآخرة وإذا تكرّر من المحرم قتل الصيد تعدّدت عليه الكفارة عند عامّة العلماء.f
وعن ابن عباس وشريح: لا كفارة عليه تعلقاً بظاهر الآية فإنه لم يذكر الكفارة قالا: لأنّ الانتقام من العائد يمنع وجوب الكفارة ﴿وا﴾ الذي له صفات الكمال ﴿عزيز﴾ أي: غالب على أمره ﴿ذو انتقام﴾ أي: ممن أصبر على عصيانه.
ولما كان هذا عاماً في كل صيد بيّن الله تعالى أنه خاص بصيد البرّ فقال:
﴿أحلّ لكم﴾ أيها الناس حلالاً كنتم أو محرمين ﴿صيد البحر﴾ أي: ما صيد منه وهو ما لا يعيش إلا في الماء كالسمك بخلاف ما يعيش فيه وفي البرّ عند الشافعيّ رحمه الله تعالى وذهب قوم إلى أنّ جميع ما في البحر حلال وظاهر الآية حجة له. وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا يحلّ منه إلا السمك، وقوله تعالى: ﴿وطعامه﴾ عطف على صيد البحر أي: وأحلّ لكم طعام البحر وهو ما يقذفه من السمك ميتاً قال ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» رواه أبو داود والترمذيّ وغيرهما وصححوه وقال قتادة: صيده طريه وطعامه مالحه، وقيل: الضمير للصيد وطعامه أكله وعلى هذا فالصيد بمعنى الاصطياد والمعنى: أحلّ لكم اصطياد الصيد وأكل المصيد من الأنهار والبرك وغيرهما من جميع المياه كالبحر.
وقوله تعالى: ﴿متاعاً﴾ مفعول أي: أحلّ ﴿لكم﴾ تمتيعاً لكم تأكلونه طرياً ﴿وللسيارة﴾ أي: المسافرين منكم يتزوّدونه قديداً كما تزوّد موسى ﷺ في مسيره إلى الخضر الحوت ﴿وحرّم عليكم صيد البرّ﴾ أي: اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا يعيش إلا فيه وما يعيش فيه وفي البحر فإن صيد الحلال حل للمحرم أكله لقوله ﷺ «لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادون أو يصد لكم» ﴿ما دمتم حرماً﴾ أي: محرمين وقد ذكر تعالى تحريم الصيد على المحرم في ثلاث مواضع من هذه السورة قوله تعالى: ﴿غير محلى الصيد وأنتم حرم﴾ (المائدة، ١) إلى قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ (المائدة، ٢) وقوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ (المائدة، ٩٥) وقوله تعالى: ﴿وحرم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً﴾ (المائدة، ٩٦) تشديداً على المحرم أنه لا يتعاطى ذلك وأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ أي: في ذلك الاصطياد وغيره ﴿الذي إليه تحشرون﴾ فإنه مجازيكم بأعمالكم.
﴿جعل الله الكعبة﴾ أي: صيرها وسمى البيت كعبة لتكعبه أي: تربعه وقال مجاهد: سميت كعبة لترفعها والعرب تسمي كل بيت مرتفع كعبة وقال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البناء وقوله تعالى: ﴿البيت الحرام﴾ أي: المحترم عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفة كذلك ﴿قياماً للناس﴾ أي: يقوم به أمر دينهم بالحج أو العمرة إليه ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرّض له وجبي ثمرات كل شيء إليه قال الرازي: والمراد بعض الناس وهم العرب وإنما حسن هذا المجاز؛ لأنّ أهل كل بلد إذا قالوا: الناس فعلوا كذا وصنعوا كذا فهم لا يريدون إلا أهل بلدتهم فلهذا السبب خوطبوا بهذا الخطاب على وفق عادتهم. وقرأ ابن عامر قيماً بغير ألف مصدر قام غير معل والباقون بالألف.
стр. 396
﴿والشهر الحرام﴾ أي: الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب أي: صير الأشهر الحرم قياماً للناس يأمنون فيها من القتال ﴿والهدي﴾ أي: الذي لم يقلد ﴿والقلائد﴾ أي: الهدى الذي يقلد فيذبح ويقسم على الفقراء ومرّ الكلام عليه في أوّل السورة ﴿ذلك﴾ أي: الجعل المذكور وهو الأربعة الأشياء التي جعلها الله قياماً للناس ﴿لتعلموا أنّ الله يعلم ما في السموات وما في الأرض﴾ فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها دليل على علمه بما في الوجود وما هو كائن وقوله تعالى: ﴿وإنّ الله بكل شيء عليم﴾ تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق وقوله تعالى:
﴿اعلموا أنّ الله شديد العقاب﴾ فيه وعيد لأعدائه ممن انتهك محارمه وقوله تعالى: ﴿وإنّ الله غفور﴾ فيه وعد لأوليائه ممن حافظ عليها ﴿رحيم﴾ بهم وقوله تعالى:
﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ فيه تشديد على إيجاب القيام بما أمر به وأنّ الرسول ﷺ قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولزمتكم الطاعة فلا عذر لكم في التفريط ﴿وا يعلم ما تبدون﴾ أي: تظهرون من العمل ﴿وما تكتمون﴾ أي: تخفون منه فيجازيكم به.
وقوله تعالى:
﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب﴾ حكم عام في نفي المساواة عند الله تعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها رغب به في صالح العمل وحلال المال ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾ إذ لا عبرة بالقلة والكثرة بل بالجودة والرداءة فإنّ المحمود القليل خير من المذموم الكثير، والخطاب لكل معتبر ولذلك قال تعالى: ﴿فاتقوا الله﴾ أي: في ترك الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى وآثِروا الطيب وإن قلّ في الحس لكثرته في المعنى ﴿يا أولي الألباب﴾ أي: أصحاب العقول السليمة ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب.
ونزل لما أكثروا سؤاله ﷺ
﴿يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد﴾ أي: تظهر ﴿لكم تسؤكم﴾ أي: لما فيها من المشقة فقيل: سبب نزولها ما في الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه إنهم لما سألوا النبيّ ﷺ حتى أحفوه المسألة أي: بالغوا في السؤال فغضب وصعد المنبر وقال: «لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم» وشرع يكرّر ذلك وإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «حذافة» فقال عمر رضي الله تعالى عنه: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ رسولاً نعوذ بالله من الفتن فقال رسول الله ﷺ «ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط إنه قد صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط في آخره» فنزلت هذه الآية.
وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله أنا حديث عهد بجاهلية اعف عنا يعف الله عنك فسكن غضبه، وللبخاريّ في التفسير عن أنس أيضاً قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم لهم حنين فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان فنزلت هذه الآية. وللبخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان قوم يسألون رسول الله ﷺ استهزاء فيقول الرجل: من أبي؟ يقول الرجل تضلّ ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله
стр. 397
عليه وسلم كان يخطب ذات يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال ﷺ «لا أسأل عن شيء إلا وأجيب» فقال رجل: أين أنا؟ قال: «في النار» وقال آخر: من أبي؟ قال: «حذافة» وكان يدعى لغيره فنزلت هذه الآية. وقيل غير ذلك ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردّها إلى شيء واحد لما مرّ عند قوله تعالى: ﴿لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ (المائدة، ٨٧) من أنّ الأمر الواحد قد تتعدّد أسبابه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية مع تحقيق الأولى والباقون بتحقيقهما. ولما كان ربما وقع في وهم متعنت أنّ هذا الزجر إنما هو لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفاً من عواقبه قال تعالى: ﴿وإن تسألوا عنها﴾ أي: تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها ﴿حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ المعنى: إذا سألتم عن أشياء في زمنه ﷺ ينزل القرآن بإبدائها ومتى أبداها ساءتكم فلا تسألوا.
روي أنه ﷺ قال: «إنّ الله تعالى قد فرض فرائض فلا تضيعوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها ثم عفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقوله تعالى: ﴿عفا الله عنها﴾ استئناف أي: عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مسألتها أو صفة أخرى أي: عن أشياء عفا الله عنها ولا يكلف بها.
روي أنه لما نزل ﴿وعلى الناس حج البيت﴾ (آل عمران، ٩٧) قال سراقة بن مالك: ألكل عام فأعرض عنه ﷺ حتى أعاد ثلاثاً فقال: «لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم فاتركوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» .
﴿وا غفور﴾ يمحو الزلات عيناً وأثراً ويعقبها بالإكرام ﴿حليم﴾ لا يعجل على العاصي بالعقوبة وقوله تعالى:
﴿قد سألها قوم﴾ الضمير فيه للمسألة التي دلّ عليها تسألوا ولذلك لم يعدّ بعن أو الأشياء بحذف الجار وقوله تعالى: ﴿من قبلكم﴾ قال البيضاويّ: متعلق بسألها وليس صفة لقوم فإن ظرف الزمان لا يكون صفة لجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها اه. قال أبو حيان: هذا محله في ظرف الزمان المجرّد من الوصف أمّا إذا لم يتجرّد عنه فيصح أن يكون صفة للجثة أو حالاً منها أو خبراً عنها، وقبل وبعد وصفان في الأصل فإذا قلت: جاء زيد قبل عمرو فالمعنى جاء في زمان قبل زمان مجيئه أي: تقدّم عليه ولذا صح وقوعه صلة للموصول ولو لم يلحظ فيه الوصف ولو كان ظرف زمان مجرّداً لم يجز أن يقع صلة قال تعالى: ﴿والذين من قبلكم﴾ (البقرة، ٢١) ولا يجوز والذين اليوم وممن سألها قبلهم ثمود سألوا صالحاً الناقة وسأل قوم عيسى المائدة ﴿ثم أصبحوا﴾ أي: صاروا ﴿بها﴾ أي: بسببها ﴿كافرين﴾ حيث لم يأتمروا بما سألوا جحوداً وقوله تعالى:
﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ ردّ وإنكار لما ابتدعته أهل الجاهلية.
روي أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر يجزوا أذنها أي: شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلأ وقيل: إنهم كانوا ينظرون إلى خامس ولدها فإن كان ذكراً نحروه فأكله الرجال والنساء وإن كان أنثى يجزوا أذنها أي: شقوها وتركوها، وحرم على النساء لبنها ومنافعها وكانت منافعها خاصة للرجال وإذا
стр. 398
ماتت حلت للرجال والنساء.
وأما السائبة فكان الرجل منهم يقول: إن شفيت أو ردّ غائبي فناقتي سائبة ثم يسيبها فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا تركب ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها وقيل: كانت الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة سنة إناثاً سيبت فلم يركب ظهرها ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف فإن نتجت بعد ذلك أثنى شق أذنها ثم يخلى سبيلها مع أمّها في الإبل فلم تركب ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلا ضيف كما فعل بأمّها فهي البحيرة بنت السائبة.
وأمّا الوصيلة فمن الغنم كانت إذا ولدت سبعة أبطن نظر فإن كان السابع ذكراً ذبحوه فأكل منه الرجال والنساء وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وقيل: إذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم فإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم وكان ابن الأنثى حراماً على النساء فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعاً.
وأمّا الحام فهو الفحل إذا ركب ولد ولده ويقال: إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وإذا مات أكله الرجال والنساء.
وروي «أنه ﷺ قال لأكثم الخزاعي: يا أكثم رأيت عمرو بن لحى يجرّ قصبه في النار فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك وذلك أنه أوّل من غير دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ولقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه» فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر» ومعنى ﴿ما جعل الله﴾ أي: ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير ولا التسيب ولا غير ذلك ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب﴾ في قولهم: إنّ الله أمرنا بها ﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾ أنّ ذلك افتراء لأنهم قلدوا فيه آباءهم كما قال تعالى:
﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا﴾ أي: كافينا ﴿ما وجدنا عليه آباءنا﴾ إذ لا مستند لهم سوى ذلك قال الله تعالى: ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون﴾ أي: إلى الحق والاستفهام للإنكار أي: أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين. وقرأ هشام والكسائيّ قيل بضم القاف قبل الياء والباقون بالكسر.
﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ أي: احفظوها والزموا إصلاحها ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ أي: لا يضركم الضالّ إذا كنتم مهتدين ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما قال ﵊: «من رأى منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه» .
وروي عن أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعذابه» . وفي رواية «لتأمرن بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر أو ليستعملنّ الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لهم» .
قال أبوعبيدة: خاف الصدّيق رضي الله تعالى عنه أنه يتأوّل الناس الآية غير متأوّلها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف فأعلمهم أنها ليست كذلك، قال أبو ثعلبة الخشني: سألت عن هذه الآية رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف
стр. 399
وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت الأمر لا بدّ لك منه فعليك نفسك ودع أمر العامة وإن وراءكم أيام الصبر فمن صبر فيهنّ قبض على الجمر وإنّ وراءكم أياماً للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله» قال ابن المبارك وزادني غيره قال: «أجر خمسين منكم» .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ هذه الآية قرئت عنده فقال: إنّ هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم فهي على هذا تسلية لمن يأمر وينهى فلا يقبل منه وبسط لعذره وعنه ليس هذا زمان تأويلها قيل: فمتى؟ قال: إذا حال دونها السيف والسوط والحبس.
وروي: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا فإن لو تفتح عمل الشيطان ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل» . وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت: عليكم أنفسكم وعليكم من أسماء الفعل بمعنى الزموا أنفسكم ولذلك نصب أنفسكم ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ الضال والمهتدي ﴿فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ فيجازيكم به، وفي ذلك وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أنّ أحداً لا يؤاخذ بذنب أحد غيره.
﴿يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ أي: فيما أمرتم شهادة بينكم فشهادة مبتدأ خبره محذوف، قيل: هذه الآية وما بعدها من أشكل آي القرآن حكماً وإعراباً وتفسيراً والمراد بالشهادة الإشهاد بالوصية.
وقيل: المراد بها اليمين بمعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، قال القرطبي: ورد لفظ الشهادة في القرآن على أنواع مختلفة بمعنى الحضور قال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (البقرة، ١٨٥) وبمعنى قضى قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾ (ال عمران، ١٨) وبمعنى أقرّ قال تعالى: ﴿والملائكة يشهدون﴾ (النساء، ١٦٦) وبمعنى حكم قال تعالى: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ (يوسف، ٢٦) وبمعنى حلف قال تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات﴾ (النور، ٦) وبمعنى وصى قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ أي: أسبابه ﴿حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ وهذا خبر بمعنى الأمر أي: ليشهد وإضافة شهادة ل «بين» على الاتساع وحين بدل من إذا أو ظرف لحضر واثنان فاعل شهادة أو خبر مبتدأ محذوف أي: الشاهد اثنان ومن فسر الغير بأهل الذمّة جعله منسوخاً فإنّ شهادته على المسلم لا تسمع إجماعاً، وقد اتفق الأكثرون على أنه لا نسخ في سورة المائدة، وعن مكحول نسخها قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق، ٢) وإنما جازت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذر وجودهم في حال السفر.
﴿إن أنتم ضربتم﴾ أي: سافرتم ﴿في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ أي: قاربتم الأجل وقوله تعالى: ﴿تحبسونهما﴾ أي: توقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران ﴿من بعد الصلاة﴾ أي: صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. وقيل: أيّ صلاة كانت ﴿فيقسمان﴾ أي: يحلفان ﴿با﴾ وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ اليمين إنما تكون إذا كانا من غيرنا فإن كانا مسلمين فلا يمين، وعن غيره: إن كان الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما، وإن كانا الوصيين
стр. 400
فلا إثم شرط لهذا الحلف شرطاً فقال اعتراضاً بين القسم والمقسم عليه ﴿إن ارتبتم﴾ أي: شككتم فيما أخبرا به عن الواقعة ثم ذكر المقسم عليه بقوله: ﴿لا نشتري به ثمناً﴾ أي: بهذا الذي ذكرناه ثمناً أي: لم نذكره ليحصل لنا به غرض دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة وليس قصدنا به إلا إقامة الحق ﴿ولو كان﴾ أي: القسم له ﴿ذا قربى﴾ أي: لنا ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ أي: التي أمرنا بإقامتها ﴿إنا إذا﴾ أي: إذا كتمناها ﴿لمن الآثمين﴾ .
﴿فإن عثر﴾ أي: اطلع بعد حلفهما ﴿على أنهما استحقا إثماً﴾ أي: فعلاً ما يوحيه من خيانة أو كذب في الشهادة بأن وجد عندها مثلاً ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به ﴿فآخران﴾ أي: فشاهدان آخران ﴿يقومان مقامهما﴾ أي: في توجيه اليمين عليهما ﴿من الذين استحق عليهم﴾ الوصية وهم الورثة على قراءة غير حفص بضم التاء وكسر الحاء على البناء للمفعول وعلى البناء للفاعل فهو الأوليان ويبدل من آخران ﴿الأوليان﴾ بالميت أي: الأقربان إليه، وقرأ حمزة وشعبة بتشديد الواو وكسر اللام وبسكون الياء وفتح النون على الجمع على أنه صفة للذين أو بدل منه أي: من الأوّلين الذين استحق عليهم والباقون بسكون الواو وفتح اللام والياء وألف بعد الياء وكسر النون على التثنية على أنه بدل من آخران كما مرّ أو خبر محذوف أي: هما الأوليان ﴿فيقسمان﴾ أي: هذان الآخران ﴿با﴾ ويقولان ﴿لشهادتنا﴾ أي: يميننا ﴿أحق﴾ أي: أصدق ﴿من شهادتهما﴾ أي: يمينهما ﴿وما اعتدينا﴾ أي: تجاوزنا الحق في اليمين ﴿إنا إذا﴾ أي: إذا وقع منا اعتداء ﴿لمن الظالمين﴾ أي: الواضعين الشيء في غير موضعه.
ومعنى الآيتين: أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته أو يوصي إليهما احتياطاً فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخران من غيرهم ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإن الشاهد لا يحلف ولا تعارض يمينه بيمين الوارث، وثابت إن كانا وصيين وردّ اليمين إلى الورثة إمّا لظهور خيانة الوصيين فإنّ تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى وتخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها، وهي ما روي أنّ رجلاً من بني سهم خرج مع تميم الداري وعدي بن زيد إلى الشام للتجارة وكانا حينئذٍ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً فلما قدموا الشام مرض بديل فدوّن ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما بها وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ثم قضيا حاجتهما وانصرفا إلى المدينة ودفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا فأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميماً وعدياً فقالوا: هل باع صاحبنا شيئاً؟ قالا: لا قالوا: هل اتجر تجارة قالا: لا قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا لا قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا منها إناء من فضة مموّهاً بالذهب ثلثمائة مثقال من فضة قالا: ما ندري إنما أوصى لنا بشيء وأمرنا أن ندفعه لكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء فاحتصموا إلى رسول الله ﷺ فاجترآ على الإنكار وحلفا فأنزل تعالى الله: ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ الآية فلما نزلت هذه
стр. 401
الآية صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر ودعا تميماً وعدياً فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئاً
مما دفع إليهما فحلفا على ذلك وخلى رسول الله ﷺ سبيلهما، ثم وجد الإناء في أيديهما، فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا: ألم تزعما أنّ صاحبنا لم يبع شيئاً من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا بينة وكرهنا أن نقر لكم فكتمنا لذلك فرفعوهما إلى رسول الله ﷺ فنزلت فإن عثر فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي رفاعة السهميان وحلفا وتقدّم أنّ تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة لخصوص الواقعة التي نزلت لها.f
﴿ذلك﴾ أي: الحكم المذكور من ردّ اليمين على الورثة ﴿أدنى﴾ أي: أقرب ﴿أن﴾ أي: إلى أن ﴿يأتوا﴾ أي: الذين شهدوا أوّلاً ﴿بالشهادة﴾ أي: الواقعة في نفس الأمر ﴿على وجهها﴾ أي: الذي تحملوها عليه من غير تحريف ولا خيانة ﴿أو﴾ أقرب إلى أن ﴿يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم﴾ أي: على الورثة المدعين فيحلفون على خيانتهم وكذبهم فيفتضحون ويغرمون فلا يكذبوا وإنما جمع الضمير؛ لأنه حكم يعم الشهود كلهم ﴿واتقوا الله﴾ بترك الخيانة والكذب ﴿واسمعوا﴾ ما تؤمرون به سماع قبول ﴿وا لا يهدي القوم الفاسقين﴾ أي: الخارجين عن طاعته لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة.
وقوله تعالى:
﴿يوم يجمع الله الرسل﴾ أي: يوم القيامة منصوب بإضمار اذكر. وقيل: بدل من مفعول واتقوا بدل اشتمال ﴿فيقول﴾ لهم توبيخاً لقومهم كما أنّ سؤال الموءودة لتوبيخ الوائد ﴿ماذا﴾ أي: الذي ﴿أجبتم﴾ به حين دعوتم إلى التوحيد ﴿قالوا لا علم لنا﴾ أي: لا علم لنا بما أنت تعلمه ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ فتعلم ما أجابونا وأظهروا لنا وما لم نعلم مما أضمروا في قلوبهم وقوله تعالى:
﴿إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك﴾ أي: اشكرها منصوب بإضمار اذكر، وقيل: بدل من يوم يجمع وهو على طريقة: ونادى أصحاب الجنة، والمعنى أنه تعالى يوبخ الكفرة يومئذٍ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ما أظهروا عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة وغلا آخرون فاتخذوهم آلهة وقوله تعالى: ﴿إذ أيدتك﴾ أي: قوّيتك ظرف لنعمتي أو حال منه ﴿بروح القدس﴾ أي: جبريل ﵇ فكان له في الصغر حفظ لم يكن لغيره وقوله تعالى:
﴿تكلم الناس﴾ حال من الكاف في أيدتك ﴿في المهد﴾ أي: طفلاً ﴿وكهلاً﴾ أي: تكلمهم في الطفولية والكهولة على السواء والمعنى: إلحاق حاله في الطفولية بحال الكهول في كمال العقل والتكلم به، وبه استدل على أنه ينزل قبل الساعة؛ لأنه رفع قبل الكهولة كما سبق في آل عمران ﴿وإذ علمتك الكتاب﴾ أي: الخط الذي هو مبدأ العلم ﴿والحكمة﴾ أي: الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم ﴿والتوراة﴾ أي: المنزلة على موسى ﷺ ﴿والإنجيل﴾ أي: المنزل عليك ﴿وإذ تخلق من الطين﴾ أي: هذا الجنس ﴿كهيئة﴾ أي: كصورة ﴿الطير﴾ والكاف اسم بمعنى مثل مفعول ﴿بإذني﴾ أي: بأمري ﴿فتنفخ فيها﴾ أي: في الصورة المهيأة ﴿فتكون﴾ تلك الصورة التي هيأتها ﴿طيراً بإذني﴾ أي: بإرادتي، وقرأ نافع بالمدّ بعد الطاء وبعد الألف همزة مكسورة وورش يرقق الراء على أصله والباقون بياء ساكنة بعد الطاء ﴿وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني﴾ وسبق تفسيرهما في سورة آل
стр. 402
عمران ﴿وإذ تخرج الموتى﴾ أي: من قبورهم أحياء ﴿بإذني وإذ كففت بني إسرائيل﴾ أي: اليهود ﴿عنك﴾ أي: حين هموا بقتلك وقوله تعالى: ﴿إذ جئتهم﴾ ظرف لكففت ﴿بالبينات﴾ أي: المعجزات ﴿فقال الذين كفروا منهم أن﴾ أي: ما ﴿هذا﴾ الذي جئت به ﴿إلا سحر مبين﴾ أي: بيّن ظاهر، وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء إشارة إلى عيسى ﵇، والباقون بكسر السين وسكون الحاء ولا ألف بعدها إشارة إلى ما جاء به.
﴿وإذا أوحيت﴾ أي: بالإلهام باطناً وبإيصال الأوامر على لسانك ظاهراً ﴿إلى الحواريين﴾ أي: الأنصار ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿آمنوا بي وبرسولي﴾ عيسى ﷺ ﴿قالوا آمنا﴾ بهما ﴿واشهد بأننا مسلمون﴾ أي: منقادون أتم انقياد وقوله تعالى:
﴿إذ قال الحواريون﴾ منصوب باذكر. وقيل: ظرف لقالوا فيكون تنبيهاً على أنّ ادعاءهم الإخلاص مع قولهم: ﴿يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك﴾ قرأ الكسائي بالتاء على الخطاب وإدغام لام هل فيها على أصله، وفتح الباء الموحدة من ربك أي: هل تستطيع ربك أي: سؤال ربك والمعنى: هل تسأل ذلك من غير صارف؟ وقرأ الباقون بالياء على الغيبة ورفع الباء أي: يجيبك ربك إذا سألته ﴿أن ينزل علينا مائدة﴾ وهي الطعام ويقال أيضاً للخوان إذا كان عليه الطعام، والخوان: شيء يوضع عليه الطعام للأكل هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه طعام المسافر بالخصوص، وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين أي: تميل، وقال أهل البصرة فاعلة بمعنى مفعولة أي: تميد أيدي الآكلين إليها كقولهم: عيشة راضية أي: مرضية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون النون وتخفيف الزاي والباقون بفتح النون وتشديد الزاي وقولهم: ﴿من السماء﴾ أي: لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن تقدّمنا من الأمم لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة ﴿قال﴾ عيسى ﵊ مجيباً لهم ﴿اتقوا الله﴾ أن تسألوه شيئاً لم تسأله الأمم من قبلكم ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ بكمال قدرته تعالى وصحة نبوّتي أو صدقتكم في ادعائكم الإيمان فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان.
﴿قالوا نريد﴾ أي: بسؤالنا من أجل ﴿أن نأكل منها﴾ تبرّكاً لا أكل حاجة وقولهم: ﴿وتطمئن﴾ أي: تسكن ﴿قلوبنا﴾ بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته بيان لمّا دعاهم إلى السؤال وتمهيد عذرهم وقولهم: ﴿ونعلم﴾ أي: نزداد علماً ﴿أن﴾ مخففة أي: إنك ﴿قد صدقتنا﴾ في ادعاء النبوّة وإنّ الله يجيب دعوتنا، وقيل: إنّ عيسى ﵇ أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوماً فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئاً إلا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة وقالوا: ونعلم إن قد صدقتنا في قولك إنا إذا صمنا ثلاثين يوماً لا نسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطانا ﴿ونكون عليها من الشاهدين﴾ إذا استشهدتنا أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر.
﴿قال عيسى بن مريم﴾ لما رأى أنّ لهم غرضاً صحيحاً في ذلك وأنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها ﴿اللهمّ ربنا أنزل علينا مائدة﴾ وحقّق موضع الإنزال بقوله: ﴿من السماء تكون﴾ هي أو يوم نزولها ﴿لنا عيداً﴾ نعظمه ونشرفه وقال سفيان: نصلي فيه.
وروي أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً، وقيل: إنّ عيسى ﵇ اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى ثم قال: اللهمّ ربنا إلخ.. وقيل: العيد السرور العائد ولذلك سمي
стр. 403
يوم العيد عيداً وقوله: ﴿لأوّلنا وآخرنا﴾ بدل من لنا بإعادة العامل أي: عيداً لأهل زماننا ولمن جاء بعدنا وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما أكل أوّلهم وقوله: ﴿وآية﴾ عطف على عيداً وقوله: ﴿منك﴾ صفة لها أي آية كائنة منك دالّة على كمال قدرتك وصحة نبوّتي ﴿وارزقنا﴾ المائدة والشكر عليها ﴿وأنت خير الرازقين﴾ أي: من يرزق؛ لأنه تعالى خالق الرزق ومعطيه بلا غرض.
﴿قال الله﴾ ﵎ مجيباً لعيسى ﵇ ﴿إني منزلها عليكم﴾ أي: المائدة. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي ﴿فمن يكفر بعد﴾ أي: بعد نزولها ﴿منكم فإني أعذبه عذاباً﴾ أي: تعذيباً أو مفعولاً به على السعة والضمير في ﴿لا أعذبه﴾ للمصدر ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء ﴿أحداً من العالمين﴾ أي: عالمي زمانهم أو العالمين مطلقاً فإنهم مسخوا قردة وخنازير ولم يُعذّب بمثل ذلك غيرهم، قال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وقوم فرعون.
واختلف العلماء هل نزلت المائدة أو لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل فإنّ الله تعالى لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستغفروا وقالوا: لا نريدها فلم تنزل، وقوله تعالى: ﴿إني منزلها عليكم﴾ أي: إن سألتم والصحيح الذي عليه الأكثرون أنها نزلت لقوله تعالى: ﴿إني منزلها عليكم﴾ ولتواتر الأخبار في ذلك عن رسول الله ﷺ واختلفوا في صفتها فقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسيّ: لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى ﵇ مسحاً وبكى وقال: ﴿اللهمّ ربنا أنزل علينا مائدة﴾ الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهي منقضة حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى ﵇ وقال: اللهمّ اجعلني من الشاكرين اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، فقام فتوضأ وصلى وكشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين فإذا سمكة مشوية بلا فلوس أي: بلا قشر كالفلوس ولا شوك تسيل دهناً وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد، فقال شمعون الصفار وهو رأس الحواريين: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال: ليس شيئاً مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء اخترعه الله تعالى بقدرته، كلوا مما سألتم واشكروا يمددكم ويزدكم من فضله فقال: يا روح الله كن أوّل من يأكل منها فقال: معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها، من سألها فخافوا أن يأكلوا منها فدعا أهل الفاقة والمرض وأهل البرص والجذام والمقعدين وقال: كلوا من رزق الله لكم الهناء ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدروا عنها وهم ألف وثلثمائة رجل وامرأة من فقير وزمن ومريض ومبتلى كلهم شبعان والسمكة كهيئتها حين نزلت، ثم طارت المائدة صعوداً وهم ينظرون إليها حتى توارت
فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل فلبثت أربعين صباحاً تنزل ضحاً فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء
стр. 404
ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء أي: زالت الشمس طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غِبَّاً تنزل يوماً ولا تنزل يوماً كناقة ثمود، وقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشياً حيث كانوا كالمنّ والسلوى لبني إسرائيل، وقال وهب بن منبه: أنزل الله تعالى أقراصاً من شعير وحيتاناً فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم، وقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء، وقال الكلبي: كان عليها خبز أرز وبقل، وقال قتادة: كان عليها ثمر من ثمار الجنة، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، وقال كعب الأحبار: نزلت منكسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كلّ الطعام ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأنها كانت تنزل تارة كذا وتارة كذا.
قيل: لما نزلت قالوا: يا رسول الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة إحيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا بعدها فمسخوا فمسخ منهم ثلثمائة وثلاثون رجلاً من ليلتهم على فراشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون، وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى ﵇ بكت وجعلت تطوف بعيسى وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا.
وفي حديث: «أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً فأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادّخروا فمسخوا قردة وخنازير» .
﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال الله﴾ أي: يقول لعيسى في القيامة توبيخاً لقومه وإنما عبر بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ (النمل، ١) ﴿يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ أي: غيره، وقال السدّي: قال الله هذا القول لعيسى حين رفعه إلى السماء؛ لأن حرف إذ يكون للماضي وسائر المفسرين على الأوّل، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية وأدخل ألفاً بينهما قالون وأبو عمرو وورش وابن كثير لم يدخلا ألفاً بينهما والباقون بتحقيق الهمزتين ولا ألف بينهما وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص أمي بفتح الباء والباقون بالسكون.
فإن قيل: ما وجه هذا السؤال مع علم الله أن عيسى ﵇ لم يقله؟ أجيب: بأنه ذكر لتوبيخ قومه كما مرّ، ولتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا وكذا فيما يعلم أنه لم يفعله إعلاماً واستعظاماً لا استخباراً واستفهاماً، وأيضاً أراد الله أن يقرّ عيسى على نفسه بالعبودية فيسمع قومه ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك. قال أبو روق إذا سمع عيسى ﵇ هذا الخطاب ارتعدت فرائصه ومفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة من جسده عين من دم ثم ﴿قال﴾ وهو يرعد مجيباً لله ﴿سبحانك﴾ أي: أنزهك عن أن يكون لك شريك ﴿ما يكون﴾ أي: ما ينبغي ﴿لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾ خبر ليس «ولي» للتبيين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي الأولى بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما﴾ أخفيه ﴿في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ أي: ما أخفيته عني من الأشياء وقوله: في نفسك للمشاكلة. وقيل: المراد بالنفس الذات وقوله:
стр. 405
﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ تقرير لجملتي ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ باعتبار منطوق ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ ومفهومه لأنه يدل بمنطوقه على أنه تعالى لا يعلم الغيب غيره فيكون تقريراً لقوله تعالى: ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ وقرأ حمزة وشعبة بكسر الغين والباقون بالضم.
﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ وهو ﴿أن اعبدوا الله ربي وربكم﴾ أي: فأنا وإياهم في العبودية سواء ﴿وكنت عليهم شهيداً﴾ أي: رقيباً أمنعهم مما يقولون ﴿ما دمت فيهم فلما توفيتني﴾ بالرفع إلى السماء لقوله تعالى: ﴿إني متوفيك ورافعك إليّ﴾ (آل عمران، ٥٥) والتوفّي أخذ الشيء وافياً والموت نوع منه قال الله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ (الزمر، ٤٢) ﴿كنت أنت الرقيب﴾ أي: الحفيظ ﴿عليهم﴾ أي: لأعمالهم ﴿وأنت على كل شيء﴾ من قولي وقولهم وغير ذلك ﴿شهيد﴾ أي: مطلع عالم به.
﴿إن تعذبهم﴾ أي: من أقام على الكفر منهم ﴿فإنهم عبادك﴾ وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك ﴿وإن تغفر لهم﴾ أي: لمن آمن منهم ﴿فإنك أنت العزيز﴾ أي: الغالب على أمره ﴿الحكيم﴾ في صنعه فإن عذبت فعدل، وإن عفوت ففضل.
﴿قال الله﴾ تعالى ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ أي: في الدنيا كعيسى فإنّ النافع ما كان حال التكليف لا صدقهم في الآخرة، وقرأ نافع بنصب الميم على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف، والمعنى: هذا الذي من كلام عيسى ﵇ واقع يوم ينفع، والباقون بالرفع على الخبر، وقيل: أراد بالصادقين النبيين، وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، وقال قتادة: متكلّمان يخطبان يوم القيامة عيسى ﵊ وهو ما قصّ الله تعالى وعدوّ الله إبليس، وهو قوله تعالى: وقال الشيطان لما قضي الأمر فصدق عدوّ الله يومئذٍ، وكان كاذباً فلم ينفعه صدقه.
قال: ولما كان عيسى صادقاً في الدنيا والآخرة نفعه صدقه. ثم بيّن تعالى ثوابهم فقال: ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ وأكد معنى ذلك بقوله تعالى: ﴿أبداً﴾ ولما كان ذلك لا يتمّ إلا برضا الله تعالى قال: ﴿﵃﴾ بطاعته ﴿ورضوا عنه﴾ بثوابه ﴿ذلك﴾ أي: هذا الأمر العليّ لا غيره ﴿الفوز العظيم﴾ وأمّا الكاذبون في الدنيا فلا ينفعهم صدقهم في ذلك اليوم كالكفار لما يؤمنون عند رؤية العذاب.
﴿ملك السموات والأرض﴾ أي: خزائن المطر والنبات والرزق وغيرها ﴿وما فيهنّ﴾ من إنس وجنّ وملك وغيرهم ملكاً وخلقاً، وأتى بما دون من تغليباً لغير العاقل ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ ومنه إثابة الصادق وتعذيب الكاذب، قال السيوطي: وخصّ العقل ذاته فليس عليها بقادر، وقوله البيضاوي عن النبيّ ﷺ «من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا» حديث موضوع.
سورة الأنعام
مكية
روي أنها نزلت بمكة جملة واحدة ليلاً ونزل معها سبعون ألف ملك قد سدّوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد فقال رسول الله ﷺ «سبحان ربي العظيم» وخرّ
стр. 406
ساجداً، والزجل ـ بفتح الزاي والجيم: القوّة، قال البغوي: وروي مرفوعاً «من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره» ، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: نزلت سورة الأنعام بمكة إلا قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ فهذه الست آيات مدنيات.
ويروى أنه ﷺ دعا بالكتاب فكتبوها من ليلتهم إلا الست آيات، قال بعض العلماء: واختصت هذه السورة بنوعين من الفضيلة أحدهما: أنها نزلت دفعة واحدة، والثاني: أنها شيعها سبعون ألفاً من الملائكة والسبب فيها أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين وهي مائة وخمسة وستون آية وعدد كلماتها ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة وعدد حروفها اثنا عشر ألفاً وأربعمائة واثنان وعشرون حرفاً.
﴿بسم الله﴾ الذي تعالت عظمته عن كل شائبة نقص فكان له كل كمال ﴿الرحمن﴾ الذي عمت نعمته المحسن والمسيء فغمر الكل بالنوال ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بإتمام النعمة فهداهم بنعمة الإيصال.
﴿الحمد﴾ هو الوصف بالجميل ثابت ﴿﴾ وهل المراد الإعلام بذلك للإيمان به أو الثناء به أو هما احتمالات قال الجلال المحلى في سورة الكهف: أفيدها الثالث، وتقدّم الكلام على الحمد لغة واصطلاحاً في أوّل الفاتحة، وقال كعب الأحبار: هذه الآية أوّل آية في التوراة وآخر آية في التوراة ﴿وقل الحمد الذي لم يتخذ ولداً﴾ (الإسراء، ١١١) إلى آخر الآية. وفي رواية أن آخر آية في التوراة آخر سورة هود، وقال ابن عباس ﵄: افتتح الله الخلق بالحمد فقال: ﴿الحمد﴾ ﴿الذي خلق السموات والأرض﴾ وختم بالحمد فقال تعالى: ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد رب العالمين﴾ (الزمر، ٧٥) وقال أهل المعاني: لفظ الحمد لله خبر ومعناه الأمر أي: احمدوا الله وإنما جاء على صيغة الخبر وفيه معنى الأمر لأنه أبلغ في البيان من حيث أنه جمع الأمرين، ولو قيل: احمدوا الله لم يجمع الأمرين فكان قوله: ﴿الحمد﴾ أبلغ وإنما خص السموات والأرض بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما ترى العباد لأنّ السماء بغير عمد ترونها فيها العبر والمنافع والأرض مسكن الخلائق وفيها أيضاً العبر والمنافع، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهنّ لأنّ طبقاتها مختلفة الذات متفاوتة الآثار والحركات بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرّر عند أهله وقدمها لشرفها قدراً وعظماً، وإن كانت الأرض أشرف من حيث أنها مسكن الأنبياء ﴿وجعل﴾ أي: خلق ﴿الظلمات والنور﴾ أي: كل ظلمة ونور وجمعها دونه لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها إذ ما من جرم إلا وله ظلّ وظلمة بخلاف النور فإنه من جنس واحد وهو النار ولا ترد الأجرام المنيرة كالكواكب لأنّ مرجع كل نير إلى النار على ما قيل: إنّ الكواكب أجرام نورانية نارية وإنّ الشهب منفصلة من نار الكواكب فصح أنّ النور من جنس النار وأن المراد بالظلمة الضلال وبالنار الهدى والهدى واحد والضلال متعدّد وتقديمها
لتقدّم الإعدام على الملكات وقوله تعالى: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ عطف على قوله: ﴿خلق﴾ أي: إنه تعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ثم الذين كفروا يعدلون بربهم الأوثان
стр. 407
أي: يسوونها به في العبادة وعلى هذا فيعدلون من العدل وهو التسوية، والباء متعلقة بيعدلون أو على قوله: الحمد لله على معنى أنّ الله تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه وأنعمه من العباد ثم الذين كفروا بربهم يعدلون فيكفرون نعمته، وعلى هذا فيعدلون من العدول، والباء متعلقة بكفروا ومعنى ثم استبعاد عدولهم بعد وضوح آيات قدرته.n
﴿
هو الذي خلقكم من طين﴾ أي: ابتدأ خلقكم منه فإنه المادّة الأولى، وإنّ آدم الذي هو أصل البشر خلق منه أو خلق أباكم فحذف المضاف، قال السدّي: بعث الله جبريل ﵇ إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع جبريل ﵇ ولم يأخذ قال: يا رب عاذت بك فبعث ميكائيل ﵇ فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت ﵇ فعاذت بالله منه فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح الخلق من هذا الطين بيدك.
وروي عن أبي هريرة ﵁: خلق الله تعالى آدم ﵇ من تراب وجعله طيناً ثم تركه حتى كان حمأ مسنوناً ثم خلقه وصوّره وتركه حتى كان صلصالاً كالفخار ثم نفخ فيه من روحه ﴿ثم قضى أجلاً﴾ أي: أجلاً لكم تموتون عند انتهائه ﴿وأجل مسمى﴾ أي: مضروب ﴿عنده﴾ أي: وهو أجل القيامة، وقال الحسن: الأوّل: بين وقت الولادة إلى وقت الموت والثاني: من وقت الموت إلى البعث فإن كان الرجل براً تقياً وصولاً للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر وإن كان فاجراً قاطعاً للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث وذلك قوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ (فاطر، ١١) وقيل: الأول: النوم، والثاني: الموت وقيل: الأوّل: لمن مضى، والثاني: لمن بقي ولمن يأتي ﴿ثم أنتم﴾ أيها الكفار ﴿تمترون﴾ أي: تشكون في البعث بعد علمكم أنه ابتدأ خلقكم ومن قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر ومعنى ثم استبعاد أيضاً كما مرّ لأن يمتروا فيه بعدما ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم.
﴿وهو الله﴾ الضمير لله والله خبره وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائيّ بسكون الهاء من وهو والباقون بالضم وقوله تعالى: ﴿في السموات وفي الأرض﴾ متعلق بمعنى اسم الله كأنه قيل: هو مستحق العبادة فيهما ومنه قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ (الزخرف، ٨٤) أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيهما، وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره: وهو الله ﴿يعلم سركم﴾ أي: ما تسرون ﴿وجهركم﴾ أي: ما تجهرون به بينكم في السموات والأرض، وقيل: معناه وهو إله السموات والأرض كقوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ (الزخرف، ٨٤) ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ أي: ما تعملون من خير أو شرّ فيثيب عليه أو يعاقب.
فإن قيل: الأفعال إمّا أفعال القلوب وهي المسماة بالسر وإمّا أفعال الجوارح وهي المسماة بالجهر والأفعال لا تخرج عن السرّ والجهر فقوله تعالى: ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ يقتضي عطف الشيء على نفسه وهو غير جائز أجيب: بأنّ المراد بالسر ما يخفى وبالجهر ما يظهر من أحوال الأنفس
стр. 408
وبالمكتسب أعمال الجوارح فهو كما يقال: هذا المال كسب فلان أنه مكتسبه فلا يحمل على نفس الكسب وإلا لزم عطف الشيء على نفسه.
﴿وما تأتيهم﴾ أي: الكفار ﴿من آية من آيات ربهم﴾ من الأولى مزيدة للاستغراق والثانية للتبعيض أي: ما يظهر لكم دليل قط من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾ أي: تاركين لها وبها مكذبين.
﴿فقد كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ أي: بالقرآن وبمحمد ﷺ وبما أتى به من المعجزات ﴿فسوف يأتيهم أنباء﴾ أي: عواقب ﴿ما كانوا به يستهزؤن﴾ بنزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة أو عند ظهور الإسلام وارتفاع أمره.
﴿ألم يروا﴾ أي: في أسفارهم إلى الشام وغيرها ﴿كم﴾ خبرية بمعنى كثيراً ﴿أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ أي: أمّة من الأمم الماضية، وعلى هذا القرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدّة من الزمان قيل: إنها عشرة أعوام، وقيل: عشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون، وقيل: ثمانون، وقيل: تسعون، وقيل: مائة.
لما روي أنّ النبيّ ﷺ قال لعبد الله بن بشر المازني: «تعيش قرناً» فعاش مائة سنة وقيل: مائة وعشرون فيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن ﴿مكناهم في الأرض﴾ أي: جعلنا لهم فيها مكاناً بالقوّة والسعة وقررناهم فيها ﴿ما لم نمكن لكم﴾ أي: ما لم نجعل لكم من السعة والقوّة فيه التفات عن الغيبة، والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عاداً وثموداً وغيرهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا ﴿وأرسلنا السماء﴾ هي المطر ﴿عليهم مدراراً﴾ أي: متتابعاً ﴿وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم﴾ أي: تحت مساكنهم ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾ أي: بسبب ذنوبهم بتكذيبهم الأنبياء فلم يغن ذلك عنهم شيئاً ﴿وأنشأنا﴾ أي: أحدثنا ﴿من بعدهم قرناً آخرين﴾ بدلاً منهم.
فإن قيل: ما فائدة ذكر أنشأنا قرناً آخرين بعدهم؟ أجيب: بأنه ذكر للدلالة على أنه تعالى لا يتعاظمه أن يهلك قرناً ويخرب بلاده منهم فإنه قادر على أن ينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده فهو قادر على أن يفعل ذلك بكم.
ونزل لما قال النضر بن الحارث وعبد الله بن أمية ونوفل بن خويلد: يا محمد لن نؤمن بك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله ﴿ولو نزلنا عليك كتاباً﴾ أي: مكتوباً ﴿في قرطاس﴾ أي: رق كما اقترحوه ﴿فلمسوه بأيديهم﴾ أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك ﴿لقال الذين كفروا أن﴾ أي: ما ﴿هذا إلا سحر مبين﴾ أي: تعنتاً وعناداً كما قالوا في انشقاق القمر.
﴿وقالوا لولا﴾ أي: هلا ﴿أنزل عليه﴾ أي: محمد ﷺ ﴿ملك﴾ يكلمنا أنه نبي كقوله تعالى: ﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً﴾ (الفرقان، ٧) ﴿ولو أنزلنا ملكاً بحيث﴾ عاينوه كما اقترحوا فلم يؤمنوا ﴿لقضي الأمر﴾ أي: لحق إهلاكهم فإنّ سنة الله تعالى جرت فيمن قبلهم أنهم إذا جاءهم مقترحهم فلم يؤمنوا به يهلكهم ﴿ثم لا ينظرون﴾ أي: لا يمهلون لتوبة أو معذرة.
﴿س٦ش٩/ش١٨ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُ? وَلَلَبَسْنَا
стр. 409
عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ * وَلَقَدِ اسْتُهْزِى?َ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا? مِنْهُم مَّا كَانُوا? بِهِ? يَسْتَهْزِءُونَ * قُلْ سِيرُوا? فِى ا?رْضِ ثُمَّ انظُرُوا? كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * قُل لِّمَن مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَا?رْضِ? قُل لِّلَّهِ? كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ? لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ رَيْبَ فِيهِ? الَّذِينَ خَسِرُو?ا? أَنفُسَهُمْ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ * وَلَهُ? مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَا?رْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَيُطْعَمُ? قُلْ إِنِّى? أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ? وَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّى? أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَـ?ـ?ِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ?? وَذَالِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَ كَاشِفَ لَهُ?? إِ s هُوَ? وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ?? وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾
﴿ولو جعلناه﴾ أي: المنزل إليهم ﴿ملكاً لجعلناه﴾ أي: الملك ﴿رجلاً﴾ أي: على صورته ليتمكنوا من رؤيته إذ لا قوّة للبشر على رؤية الملك في صورته وإنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء لقوّتهم القدسية وقوله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ جواب محذوف أي: ولو أنزلناه وجعلناه رجلاً للبسنا أي: لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلاً ما يخلطون على أنفسهم وعلى غيرهم فيقولون: ما هذا إلا بشر مثلكم وإنما كان تلبيساً لأنهم لبسوا على ضعفتهم في أمر النبيّ ﷺ فقالوا: إنما هو بشر مثلكم ولو رأوا الملك رجلاً للحقهم من اللبس مثل ما لحق الضعفاء منهم فيكون اللبس نقمة من الله وعقوبة لهم على ما كان منهم من التخليط في السؤال واللبس على الضعفاء.
وقوله تعالى:
﴿ولقد استهزىء برسل من قبلك﴾ فيه تسلية للنبي ﷺ على ما يرى من قومه ﴿فحاق﴾ قال الربيع بن أنس: فنزل، وقال عطاء: فحل، وقال الضحاك: فأحاط ﴿بالذين سخروا منهم﴾ أي: من أولئك الرسل ﴿ما كانوا به يستهزؤن﴾ وهو العذاب فكذا يحيق بمن استهزأ بك.
﴿قل﴾ لهم ﴿سيروا في الأرض﴾ أي: أوقعوا السير للاعتبار فيها ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم ﴿ثم انظروا كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿المكذبين﴾ الرسل من هلاكهم بالعذاب فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم الاعتبار بهم.
﴿قل﴾ لهم ﴿لمن ما في السموات والأرض﴾ خلقاً وملكاً وهو سؤال تبكيت ﴿قل﴾ إن لم يقولوه لا جواب غيره لأنه المتعين للجواب بالاتفاق إذ لا يمكنهم أن يذكروا غيره ﴿كتب﴾ أي: قضى ﴿على نفسه الرحمة﴾ تفضلاً منه وإحساناً، فالرحمة تعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته والعلم بتوحيده بنصب الأدلة وإنزال الكتب والإمهال على الكفرة والعصاة والمذنبين ولو شاء لسلط عليهم المضار وجعل عيشهم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي تعيش فيها الحيوانات.
روي أنه ﷺ قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتاباً عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي غلبت غضبي» وفي رواية «سبقت غضبي» وفي رواية «إنّ لله تعالى مئة رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» .
وروي أنه ﷺ قدم عليه سبي فإذا امرأة من السبي قد غلب ثديها إذ وجدت صبياً في السبي أخذته وألصقته ببطنها وأرضعته فقال النبيّ ﷺ «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه» فقلنا: لا والله يا رسول الله فقال: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» وقوله تعالى: ﴿ليجمعنكم﴾ استئناف واللام لام القسم أي: والله ليجمعنكم ﴿إلى يوم القيامة﴾ أي: في يوم القيامة وإلى بمعنى في أو ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم، وقيل: بدل من الرحمة بدل البعض فإن من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ أي: اليوم أو الجمع، وقوله تعالى: ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ في موضع نصب على الذم أو رفع على الخبر أي: وأنتم الذين خسروا أنفسهم بتضييع رأس مالهم وهو الفطرة الأصلية أو مبتدأ خبره ﴿فهم لا يؤمنون﴾ .
فإن قيل: الفاء تدل على أنّ عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم مع أنّ الأمر على العكس؟ أجيب: بأنّ إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدّى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان وقوله تعالى:
﴿وله ما سكن﴾ أي: حل ﴿في الليل والنهار﴾ عطف على لله أي: له كل شيء من حيوان وغيره لأنه خالقه ومالكه وقيل له: ما سكن
стр. 410
فيهما أو تحرّك واكتفى بأحد الضدّين عن الآخر ﴿وهو السميع﴾ أي: لكل ما يقال ﴿العليم﴾ أي: بكل ما يفعل فلا يخفى عليه شيء .
ونزل لما دعي رسول الله ﷺ إلى دين آبائه:
﴿قل﴾ لهم ﴿أغير الله أتخذ ولياً﴾ أي: رباً ومعبوداً وناصراً ومعيناً وهو استفهام ومعناه الإنكار أي: لا أتخذ غير الله ولياً ﴿فاطر السموات والأرض﴾ أي: خالقهما ابتداعاً من غير سبق، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: إني فطرتها أي: ابتدأتها ﴿وهو يطعم﴾ أي: يرزق ﴿ولا يطعم﴾ أي: ولا يرزق، وصف ذاته بالغني عن الخلق باحتياجهم إليه لأنّ من كان من صفته أن يطعم الخلق لاحتياجهم إليه ولا يطعم لاستغنائه عنهم وجب أن يتخذ رباً وناصراً وولياً ﴿قل إني أمرت أن أكون أوّل من أسلم﴾ لله من هذه الأمّة لأنّ النبيّ سابق أمّته في الدين والدين وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة بسبب اختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ أي: وقيل لي: يا محمد لا تكونن من المشركين أي: في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه ﷺ في سؤالهم أن يكون على دين آبائه وقوله تعالى:
﴿قل إني أخاف إن عصيت ربي﴾ بعبادة غيره ﴿عذاب يوم عظيم﴾ مبالغة أخرى في قطع أطماعهم وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب وقوله تعالى:
﴿من يصرف عنه﴾ العذاب ﴿يومئذٍ﴾ أي: يوم القيامة، قرأه أبو بكر وحمزة والكسائيّ بفتح الياء وكسر الراء على البناء للفاعل والضمير لله تعالى والمفعول محذوف، وقرأه الباقون بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول فالضمير للعذاب ﴿فقد رحمه﴾ ربه تعالى أي: أراد به الخير ﴿وذلك﴾ أي: الصرف أو الرحمة ﴿الفوز المبين﴾ أي: النجاة الظاهرة.
﴿وإن يمسسك الله بضر﴾ أي: ببلاء كمرض وفقر والضرّ اسم جامع لما ينال الإنسان من ألم ومكروه وغير ذلك مما هو في معناه ﴿فلا كاشف﴾ أي: لا رافع ﴿له إلا هو﴾ لا غيره ﴿وإن يمسسك بخير﴾ أي: بصحة وغنى والخير إسم جامع لكل ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور وغير ذلك ﴿فهو على كل شيء قدير﴾ من الخير والضر وهذه الآية وإن كانت خطاباً للنبيّ ﷺ فهي عامة لكل أحد والمعنى وإن يمسسك الله بضرّ أيها الإنسان فلا كاشف لذلك الضر إلا هو وإن يمسسك بخير أيها الإنسان فهو على كل شيء قدير من رفع الضرر وإيصال الخير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: أهدي للنبيّ ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه فسار بي ملياً ثم التفت إليّ فقال لي: «يا غلام» فقلت: لبيك يا رسول الله قال: «أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضرّوك بشيء لم يضرّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف» . وفي رواية: «اعلم أنّ النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وأنّ مع العسر يسراً» «ولن يغلب عسر يسرين» . وفي رواية: «فقد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلق أن ينفعوك بما لم يقضه لك الله لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن
стр. 411
يضرّوك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه» .
﴿وهو القاهر﴾ أي: القادر الذي لا يعجزه شيء مستعلياً ﴿فوق عباده﴾ فهم مقهورون تحت قدرته وكل من قهر شيئاً فهو مستعل عليه بالقهر والغلبة ﴿وهو الحكيم﴾ في خلقه ﴿الخبير﴾ ببواطنهم كظواهرهم ونزل لما قالت قريش للنبيّ ﷺ يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا ما يشهد لك.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون نبوّتك من قومك ﴿أيّ شيء﴾ بيني وبينكم ﴿أكبر شهادة﴾ تمييز محوّل عن المبتدأ ﴿قل الله﴾ أكبر شهادة إن لم تقولوه لا جواب غيره ثم ابتدأ ﴿شهيد بيني وبينكم﴾ أي: هو شهيد بيني وبينكم ويحتمل أن يكون الله شهيداً هو الجواب لأنه تعالى إذا كان هو الشهيد كان أكبر شيء شهادة ﴿وأوحي إليّ هذا القرآن لأنذركم﴾ يا أهل مكة ﴿به﴾ أي: القرآن واكتفى بذكر الإنذار عن ذكر البشارة وقوله تعالى: ﴿ومن بلغ﴾ عطف على ضمير المخاطبين أي: لأنذركم به يا أهل مكة ومن بلغه من الإنس والجنّ إلى يوم القيامة وهو دليل على أنّ أحكام القرآن تعمّ الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم وأنه لا يؤاخذ بها من لم يبلغه قال محمد بن كعب القرطبيّ: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبيّ ﷺ وقال أنس بن مالك: لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر وكل جبار يدعوهم إلى الله تعالى.
وروي أنه ﷺ قال: «بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» . وفي رواية «نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها فربّ مبلغ أوعى من سامع» . وفي رواية «فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجنّ والإنس فهو نذير له وقوله تعالى: ﴿أئنكم لتشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى﴾ إستفهام إنكاري قل: يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جحدوا نبوّتك واتخذوا آلهة غيري إنكم أيها المشركون لتشهدون أنّ مع الله آلهة أخرى وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها ﴿قل﴾ لهم ﴿لا أشهد﴾ بما تشهدون به أنّ مع الله آلهة أخرى بل أجد ذلك وأنكره ﴿قل إنما هو إله واحد﴾ لا شريك له وبذلك أشهد ﴿وإنني بريء مما تشركون﴾ معه من الأصنام، وفي الآية دليل على إثبات التوحيد ونفي الشريك لأنّ كلمة إنما تفيد الحصر فثبت بذلك إيجاب التوحيد والتبري من كل معبود سوى الله تعالى.
﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ أي: التوراة والإنجيل وهم علماء اليهود والنصارى ﴿يعرفونه﴾ أي: محمداً ﷺ بنعته وصفته ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾ من بين الصبيان.
روي أنّ النبيّ ﷺ لما قدم المدينة وأسلم عبد الله بن سلام قال عمر رضي الله تعالى عنه: إنّ الله تعالى أنزل على نبيه محمد ﷺ بمكة هذه الآية فكيف هذا؟ فقال عبد الله بن سلام: قد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ولأنا أشدّ معرفة بمحمد ﷺ من ابني فقال له عمر: كيف ذلك؟ فقال: أشهد أنه رسول الله حقاً ولا أدري ما تصنع النساء ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾ من أهل الكتاب والمشركين ﴿فهم لا يؤمنون﴾ به لما سبق لهم من الفضاء بالشقاء.
﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ كقولهم: الملائكة بنات الله
стр. 412
واتخذ الله ولداً ﴿أو كذب بآياته﴾ الآتي بها الرسل كالقرآن وغيره من المعجزات ﴿إنه﴾ أي: الشأن ﴿لا يفلح الظالمون﴾ أي: لا ينجح القائلون على الله الكذب والمفترون عليه الباطل.
﴿و﴾ اذكر ﴿يوم نحشرهم جميعاً﴾ أي: أهل الكتاب والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم وهو يوم القيامة ﴿ثم نقول﴾ توبيخاً ﴿للذين أشركوا﴾ أي: سموا شيئاً من دوننا إلهاً وعبدوه من الأصنام أو عزيراً أو المسيح أو الظلمة أو النور أو غير ذلك ﴿أين شركاؤكم﴾ أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله تعالى: وأضافها إلى ضميرهم لتسميتهم لها بذلك وقوله تعالى: ﴿الذين كنتم تزعمون﴾ معناه كنتم تزعمونهم شركاء وإنها تشفع لكم عند الله فحذف المفعولان.
﴿ثم لم تكن فتنتهم﴾ أي: معذرتهم ﴿إلا أن قالوا﴾ أي: قولهم ﴿وا ربنا ما كنا مشركين﴾ فيختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالشرك، وقرأ حمزة والكسائيّ يكن بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص فتنتهم بضمّ التاء والباقون بالنصب، وقرأ حمزة والكسائيّ ربنا بنصب الباء على النداء أو المدح والباقون بالكسر.
قال الله تعالى:
﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف كذبوا على أنفسهم﴾ باعتذارهم الباطل وتبريهم من الأصنام والشرك الذي كانوا عليه واستعمالهم الكذب مثل ما كانوا عليه في دار الدنيا وذلك لا ينفعهم ﴿وضلّ﴾ أي: غاب ﴿عنهم ما كانوا يفترون﴾ أي: يكذبون وهو قولهم: إنّ الأصنام تشفع لهم وتنصرهم فبطل ذلك كله في ذلك اليوم.
فإن قيل: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور وعلى أنّ الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟ أجيب: بأنّ الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشة إلا تراهم يقولون: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾ وقد أيقنوا الخلود ولم يشكوا فيه وقالوا: ﴿ليقض علينا ربك﴾ (الزحرف، ٧٧) وقد علموا أنه لا يقضي عليهم.
﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ حين تتلو القرآن.
روي أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم يستمعون القرآن فقالوا للنضر: ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته ـ يعني الكعبة ـ ما أدري ما يقول إلا أنه يحرّك لسانه فيقول أساطير الأوّلين مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون الماضية وأخبارها فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول حقاً فقال أبو جهل: كلا لا تقرّ بشيء من هذا فأنزل الله تعالى ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ أي: أغطية ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿يفقهوه﴾ أي: يفهموا القرآن ﴿و﴾ جعلنا ﴿في آذانهم وقراً﴾ أي: صمماً فلا يسمعونه سماع قبول ووجه إسناد الفعل إلى ذاته تعالى وهو قوله تعالى: ﴿وجعلنا﴾ للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم: ﴿وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾ (فصلت، ٥) ﴿وإن يروا كل آية﴾ أي: معجزة من المعجزات الدالة على صدقك ﴿لا يؤمنوا بها﴾ لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم ﴿حتى إذا جاؤوك يجادلونك﴾ أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم جاؤوك يجادلونك ويناكرونك وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها والجملة إذا وجوابها وهو ﴿يقول الذين كفروا إن﴾ أي: ما ﴿هذا إلا أساطير﴾ أي: أكاذيب ﴿الأوّلين﴾ أي:
стр. 413
أحاديثهم من الأمم الماضية وأخبارهم وأقاصيصهم وما سطروا بمعنى كتبوا والأساطير جمع أسطورة بالضمّ قال البخاريّ عن ابن عباس: وهي الترّهات.
﴿وهم ينهون﴾ الناس ﴿عنه﴾ أي: اتباع النبيّ ﷺ أو القرآن ﴿وينأون﴾ أي: يتباعدون عنه فلا يؤمنون به، قال محمد بن الحنفية والسدّيّ والضحاك: نزلت في كفار مكة وقال ابن عباس ومقاتل في أبي طالب: كان ينهى الناس عن أذى النبيّ ﷺ ويمنعهم وينأى عن الإيمان به أي: يبعد حتى روي أنه اجتمع له رؤوس المشركين وقالوا: خذ شاباً من أحسن أصحابنا وجهاً وادفع إلينا محمداً فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي ولدكم.
وروي أنه ﷺ دعاه إلى الإيمان فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك ولكن أذب عنك ما حييت.
وروي أنهم اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله ﷺ سوأ فقال:
*والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا*
*فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقرّ منه عيونا*
*ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا*
*وعرضت ديناً لا محالة إنه ... من خير أديان البريّة دينا*
*لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا*
﴿وإن﴾ أي: ما ﴿يهلكون﴾ بالنأي عنه ﴿إلا أنفسهم﴾ لأنّ ضرره عليهم ﴿وما يشعرون﴾ أنّ ضررهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم وقوله تعالى:
﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ وقفوا﴾ أي: عرضوا ﴿على النار﴾ جوابه محذوف أي: لو تراهم حين يقفون على النار فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمراً شنيعاً ﴿فقالوا﴾ أي: الكفار ﴿يا﴾ للتنبيه ﴿ليتنا نرد﴾ أي: إلى الدنيا ﴿ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ تمنوا أن يردّوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات ربهم، وقرأ حفص وحمزة بنصب الياء من يكذب على جواب التمني والباقون بالرفع على الاستئناف، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة بفتح النون من تكون على جواب التمني والباقون بالضمّ على العطف وقوله تعالى:
﴿بل بدا لهم﴾ أي: ظهر لهم ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ للإضراب عن إرادة الإيمان المفهوم من التمني والمعنى: أنهم ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم وقبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجراً لا عزماً على أنهم لو ردّوا لآمنوا كما قال تعالى: ﴿ولو ردّوا﴾ إلى الدنيا أي: لو فرض ذلك بعد الوقوف والظهور ﴿لعادوا لما نهوا عنه﴾ من الكفر والمعاصي ﴿وإنهم لكاذبون﴾ في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.
﴿وقالوا إن﴾ أي: ما ﴿هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين﴾ كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يعطف على قوله: وإنهم لكاذبون على معنى وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء وهم الذين قالوا: إن هي إلا حياتنا وكفى به دليلاً على كذبهم.
﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ وقفوا﴾ أي: عرضوا ﴿على ربهم﴾ لرأيت أمراً عظيماً ﴿قال﴾ لهم على لسان الملائكة توبيخاً ﴿أليس هذا﴾ البعث والحساب ﴿بالحق﴾ وقوله تعالى: ﴿قالوا بلى وربنا﴾ إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الانجلاء ﴿قال فذوقوا العذاب﴾ أي: الذي كنتم به توعدون ﴿بما كنتم
стр. 414
تكفرون﴾ أي: بسبب كفركم وجحودكم البعث.
﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ أي: بالبعث واستمرّ تكذيبهم ﴿حتى إذا جاءتهم الساعة﴾ أي: القيامة ﴿بغتة﴾ أي: فجأة وسميت القيامة ساعة لأنها تفجأ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها إلا الله ﵎، وقيل: لسرعة الحساب فيها لأنّ حساب الخلائق يوم القيامة يكون في ساعة واحدة وأقل من ذلك ﴿قالوا يا حسرتنا﴾ أي: يا ندامتنا والحسرة التلهف على الشيء الفائت وشدّة التألم ونداؤها مجاز أي: هذا أوانك فاحضري ﴿على ما فرّطنا﴾ أي: قصرنا ﴿فيها﴾ أي: الحياة الدنيا جيء بضميرها وإن لم يجر لها ذكر لكونها معلومة لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة ويجوز أن يكون للساعة على معنى قصرنا في شأنها والإيمان بها كما تقول: فرّطت في فلان ومنه فرّطت في جنب الله وقوله تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم﴾ أي: أثقالهم وآثامهم ﴿على ظهورهم﴾ تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام، وقال السديّ وغيره: إنّ المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني فقد طال ما ركبتك في الدنيا فذلك قوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً﴾ (مريم، ٨٥) أي: ركباناً، وأمّا الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث طال ما ركبتني في الدنيا واليوم أركبك فهو معنى قوله تعالى: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾ ﴿ألا ساء﴾ أي: بئس ﴿ما يزرون﴾ أي: ما يحملون حملهم ذلك، وقوله تعالى:
﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو﴾ جواب لقولهم: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾ أي: وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهى الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية وقيل: معناه أن أمر الدنيا والعمل فيها لعب ولهو فأمّا فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة ﴿وللدار الآخرة﴾ أي: الجنة، واللام فيه لام القسم ﴿خير﴾ أي: من الدنيا وأفضل لأنّ الدنيا سريعة الزوال والانقطاع ﴿للذين يتقون﴾ أي: الشرك، وقيل: اللهو واللعب ﴿أفلا يعقلون﴾ أي: إنّ الآخرة خير من الدنيا فيعملوا لها، وقرأ ابن عامر: ولدار، بتخفيف الدال وجرّ التاء من الآخرة، والباقون: وللدار، بتشديد الدال ورفع التاء، وقرأ نافع وابن عامر وحفص: تعقلون، على الخطاب، والباقون بالياء على الغيبة.
﴿قد﴾ للتحقيق ﴿نعلم أنه﴾ أي: الشأن ﴿ليحزنك الذي يقولون﴾ من التكذيب، وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ أي: بقلوبهم ولكن يجحدون بألسنتهم أو إنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ﴿ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ أي: يكذبون، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ يسمى الأمين فعرفوا أنه لا يكذب في شيء ولكنهم كانوا يجحدون، قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري؟ فقال أبو جهل: والله إن محمداً لصادق ما كذب محمد قط ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوّة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أن أبا جهل قال للنبيّ ﷺ إنا لا نكذبك ولكنا نكذب الذي جئت به فأنزلت»
стр. 415
ووضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا في جحودهم والباء لتضمن الجحود معنى التكذيب، وقرأ نافع والكسائي: يكذبونك، بسكون الكاف وتخفيف الذال من أكذبه إذا وجده كاذباً أو نسبه للكذب، والباقون بفتح الكاف وتشديد الذال من التكذيب وهو أن ينسبه إلى الكذب وقوله تعالى:
﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾ تسلية للنبيّ ﷺ وهذا دليل على أن قوله: ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ ليس بنفي لتكذيبه مطلقاً وإنما هو من قولك لغلامك: ما أهانوك ولكنهم أهانوني ﴿فصبروا على ما كذبوا﴾ أي: على تكذيبهم لهم ﴿وأوذوا﴾ أي: وصبروا على إيذائهم لهم ﴿حتى أتاهم نصرنا﴾ بإهلاك من كذبهم فتأس بهم واصبر حتى يأتيك النصر بإهلاك من كذبك وفي ذلك إيماء بوعد النصر للصابرين ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾ أي: لمواعيده من قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين﴾ (الصافات، ١٧١) الآيات ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ أي: من قصصهم وما كابدوا من قومهم مما يسكن به قلبك قيل: من مزيدة، وقيل: للتبعيض ويدل له قوله تعالى: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ (غافر، ٧٨) .
﴿وإن كان كبر﴾ أي: عظم وشق ﴿عليك إعراضهم﴾ عنك وعن الإيمان بما جئت به ﴿فإن استطعت أن تبتغي﴾ أي: تطلب بجهدك وغاية طاقتك ﴿نفقاً﴾ أي: منفذاً ﴿في الأرض﴾ تنفذ فيه إلى ما عساك تقدر إلى الانتهاء إليه ﴿أو سلماً في السماء﴾ أي: جهة العلوّ لترتقي فيه إلى ما تقدر عليه ﴿فتأتيهم بآية﴾ أي: مما اقترحوه عليك فافعل لتشاهد أنهم لا يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضاً كما أخبرناك لأنّ الله تعالى شاء ضلال بعضهم والمقصود بهذا بيان شدّة حرصه ﷺ على هدايتهم وأنه لو قدر أن يتكلف النزول إلى تحت الأرض أو فوق السماء فيأتيهم بما يؤمنون به لفعل ﴿ولو شاء الله﴾ هدايتهم ﴿لجمعهم على الهدى﴾ أي: لوفقهم له ولكن لم يشأ ذلك فلم يؤمنوا والمعتزلة أوّلوا ﴿لو شاء الله﴾ بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة، وجرى على هذا الزمخشريّ في كشافه.
والمعنى: أنّ أسناد مشيئة الجمع إلى الله تعالى ظاهر في أنه هو المهدي والمضل والمعتزلة لما قالوا: إنه بفعل العبد احتاجوا إلى التأويل ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ أي: لا يشتدّ تحسرك على تكذيبهم ولا تجزع من إعراضهم عنك فتقارب حال الجاهلين الذين لا صبر لهم وإنما نهاه عن هذه الحالة وغلظ عليه الخطاب تبعيداً له عن هذه الحالة.
﴿إنما يستجيب﴾ دعاءك إلى الإيمان ﴿الذين يسمعون﴾ سماع تفهم واعتبار كقوله تعالى: ﴿أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ (ق، ٣٧) وهم المؤمنون الذين فتح الله تعالى لهم أسماع قلوبهم فهم يسمعون الحق ويستجيبون له ويتبعونه دون من ختم الله على سمع قلبه وهو قوله: ﴿والموتى﴾ أي: الكفار لشبههم بهم في عدم السماع ﴿يبعثهم الله﴾ في الآخرة ﴿ثم إليه يرجعون﴾ أي: يردّون فيجازيهم بأعمالهم.
﴿وقالوا﴾ أي: رؤساء قريش ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿نزل عليه آية﴾ مما اقترحوا ﴿من ربه﴾ المحسن إليه كالناقة والعصا والمائدة أو آية تضطرّهم إلى الإيمان كنتق الجبل أو آية إن جحدوها هلكوا ﴿قل﴾ لهم ﴿إنّ الله قادر على أن ينزل آية﴾ مما اقترحوه أو آية تضطرّهم إلى الإيمان أو آية إن جحدوها هلكوا لا يعجزه شيء ﴿ولكنّ أكثرهم لا يعلمون﴾ أي: ماذا عليهم في إنزالها من العذاب إن لم يؤمنوا بها
стр. 416
ولهم فيما أنزل مندوحة عن غيره، وقرأ ابن كثير: ينزل، بسكون النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي والمعنى واحد.
﴿وما من دابة في الأرض﴾ أي: تدب على وجهها ﴿ولا طائر بطير بجناحيه﴾ في الهواء وهو بالمدّ ما بين السماء والأرض وهو المراد هنا وأمّا الهوى بالقصر فهوى النفس وليس مراداً وإنما قال: ﴿بجناحيه﴾ مع أنّ الطيران لا يكون إلا بهما قطعاً لمجاز السرعة ونحوها كما تقول: كتبت بيدي ونظرت بعيني ﴿إلا أمم أمثالكم﴾ أي: محفوظة أحوالها مقدّرة أرزاقها وآجالها، قال العلماء: جميع ما خلق الله تعالى لا يخرج عن هاتين الحالتين حتى ما في البحر لأنّ سيرها في الماء إمّا أن يكون دبيباً أو طيراناً مجازاً وإنما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقاً له لأنّ الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد.
واختلف العلماء في وجه هذه المماثلة فقال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها مثل بني آدم يعرفون بأسمائهم يريد أنّ كل جنس من الحيوان أمة فالطير أمة والدواب أمة والسباع أمة وقال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك. وقال عطاء: أمثالكم في التوحيد والمعرفة، وقيل غير ذلك، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية ﴿ما فرّطنا﴾ أي: ما تركنا أو ما أغفلنا ﴿في الكتاب﴾ أي: اللوح المحفوظ ﴿من شيء﴾ فلم نكتبه فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق ولم يهمل فيه أمر حيوان، وقيل: المراد بالكتاب القرآن فإنه قد دوّن فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً ومجملاً، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا المفعول به فإن فرّط لا يتعدّى بنفسه، وقد عدّي بفي إلى الكتاب ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة الدواب والطير وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني تراباً فحينئذٍ يتمنى الكافر ويقول: ﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ (النبأ، ٤) .
وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «لتؤدّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء» .
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ أي: القرآن ﴿صم﴾ عن سماعها سماع قبول ﴿وبكم﴾ عن النطق بالحق ﴿في الظلمات﴾ أي: في ضلالات الكفر ﴿من يشأ الله﴾ إضلاله ﴿يضلله ومن يشأ﴾ هدايته ﴿يجعله على صراط مستقيم﴾ هو دين الإسلام وهو دليل واضح لأهل السنة على المعتزلة في قولهم: إنهما من العبد كما مرّ.
﴿قل﴾ يا محمد لأهل مكة، وقوله تعالى: ﴿أرأيتكم﴾ استفهام تعجيب والكاف حرف خطاب أي: أخبروني ﴿إن أتاكم عذاب الله﴾ أي: في الدنيا كما أتى من قبلكم من الغرق أو الخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب ﴿أو أتتكم الساعة﴾ أي: القيامة المشتملة على العذاب ﴿أغير الله تدعون﴾ في كشف العذاب عنكم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنّ الأصنام آلهة وجواب الاستفهام محذوف أي: فادعوه وهو تبكيت لهم.
﴿بل إياه تدعون﴾ أي: تخصونه بالدعاء كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في موضع كما في قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً﴾ (يونس، ١٢) الآية ﴿فيكشف ما تدعون إليه﴾ أي: ما تدعون إلى كشفه ﴿إن شاء﴾ كشفه في الدنيا تفضلاً عليكم كما هو عادته معكم في وقت شدائدكم ولكنه
стр. 417
لا يشاء كشفه في الآخرة لأنه لا يبدّل القول لديه وإن كان له أن يفعل ما يشاء ﴿وتنسون﴾ أي: تتركون في تلك الأوقات دائماً ﴿ما تشركون﴾ معه من الأصنام فلا تدعونها لعلمكم أنها لا تضرّ ولا تنفع.
﴿ولقد أرسلنا﴾ رسلاً ﴿إلى أمم من قبلك﴾ أي: قبلك ومن مزيدة فكذبوهم ﴿فأخذناهم بالبأساء﴾ أي: شدّة الفقر ﴿والضرّاء﴾ أي: الأمراض والأوجاع وهما صفتا تأنيث لا مذكر لهم ﴿لعلهم يتضرّعون﴾ أي: يتذللون ويتوبون عن ذنوبهم فيؤمنون.
﴿فلولا﴾ أي: فهلا ﴿إذ جاءهم بأسنا﴾ أي: عذابنا ﴿تضرعوا﴾ أي: لم يفعلوا ذلك مع قيام المقتضى له ﴿ولكن قست قلوبهم﴾ فلم تلن للإيمان ﴿وزين لهم الشيطان﴾ أي: بما أدخل عليهم من باب الشهوات ﴿ما كانوا يعملون﴾ من المعاصي فأصروا عليها.
﴿فلما نسوا﴾ أي: تركوا ﴿ما ذكروا﴾ أي: وعظوا وخوّفوا ﴿به﴾ وإنما كان النسيان بمعنى الترك لأنّ التارك للشيء معرضاً عنه كأنه قد صيره بمنزلة ما قد نسي ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ أي: من الخيرات والأرزاق والملاذ التي كانت مغلقة عنهم فنقلناهم من الشدّة إلى الرخاء استدراجاً لهم، وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا﴾ أي: فرح بطر ﴿أخذناهم﴾ بالعذاب ﴿بغتة﴾ أي: فجأة ﴿فإذا هم مبلسون﴾ أي: متحسرون آيسون من كل خير.
أي: آخرهم بأن استؤصلوا ﴿والحمد رب العالمين﴾ أي: على نصر الرسل وإهلاك الكافرين والعصاة فإنّ إهلاكهم من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها.
﴿قل﴾ أي: لأهل مكة ﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿إن أخذ الله سمعكم﴾ أي: أصمكم ﴿وأبصاركم﴾ أي: أعماكم ﴿وختم﴾ أي: طبع ﴿على قلوبكم﴾ أي: بأن يغطي عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم فلا تعرفون شيئاً ﴿من إله غير الله يأتيكم به﴾ أي: بذلك أو بما أخذ منكم وختم عليه لأنّ الضمير في به يعود على معنى الفعل أو بأحد هذه المذكورات ويجوز أن يعود إلى السمع الذي ذكره أوّلاً ويندرج غيره تحته كقوله تعالى: ﴿وا ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة، ٦٢) فالهاء راجعة إلى الله تعالى ورضا رسول الله ﷺ يندرج في رضا الله تعالى ﴿انظر﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ ويدخل فيه غيره أي: انظر يا محمد ﴿كيف نصرّف﴾ أي: نبين لهم الآيات أي: العلامات الدالة على التوحيد والنبوّة ونكررها تارة من جهة المقدّمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدّمين ﴿ثم هم يصدفون﴾ أي: يعرضون عنها فلا يؤمنون.
﴿قل﴾ لهم ﴿أرأيتكم﴾ أي: أخبروني ﴿إن أتاكم عذاب الله بغتة﴾ أي: فجأة ﴿أو جهرة﴾ أي: معاينة ترونه عند نزوله، وقال ابن عباس والحسن: ليلاً ونهاراً ﴿هل يهلك﴾ أي: ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب ﴿إلا القوم الظالمون﴾ أي: المشركون لأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك.
﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين﴾ من آمن بالجنة ﴿ومنذرين﴾ من كفر بالنار أي: ليس في إرسالهم أن يأتوا الناس بما يقترحون عليهم من الآيات إنما أرسلوا بالبشارة والنذارة ﴿فمن آمن﴾ أي: بهم ﴿وأصلح﴾ أي: عمله ﴿فلا خوف عليهم﴾ أي: من العذاب ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة بفوات الثواب.
﴿والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب﴾ أي: يصيبهم ﴿بما كانوا يفسقون﴾ أي: بسبب خروجهم عن
стр. 418
الطاعة.
﴿قل﴾ لهم ﴿لا أقول لكم عندي خزائن الله﴾ نزلت حين اقترحوا عليه الآيات فأمره الله تعالى أن يقول لهم: إنما بعثت بشيراً ونذيراً ولا أقول لكم عندي خزائن الله جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء إحرازه بحيث لا تناله الأيدي خزائن رزقه أو مقدوراته فأعطيكم منها ما تريدون لأنهم كانوا يقولون للنبيّ ﷺ إن كنت رسولاً من الله فاطلب منه أن يوسع علينا ويغني فقرنا فأخبر أنّ ذلك بيد الله لا بيدي ﴿ولا﴾ أقول لكم إني ﴿أعلم الغيب﴾ أي: فأخبركم بما مضى وما هو آت وذلك أنهم قالوا له: أخبرنا بمصالحنا ومضارنا في المستقبل حتى نستعدّ لتحصيل المصالح ودفع المضار فأجابهم بقوله: ولا أعلم الغيب فأخبركم بذلك ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ وذلك أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوّج النساء؟ فأجابهم بذلك لأنّ الملك يقدر على ما لا يقدر عليه البشر ويشاهد ما لا يشاهدونه أي: لا أقول لكم شيئاً من ذلك فتنكرون وتجحدون.
فإن قيل: قد يستدل بهذا على أنّ الملائكة أفضل من الأنبياء لأنّ معنى الكلام لا أدعي منزلة أقوى من منزلتي ولولا أنّ الملائكة أفضل لم يصح ذلك؟ أجيب: بأنه ﷺ إنما قال ذلك تواضعاً لله تعالى واعترافاً بالعبودية حتى لا يعتقد فيه مثل اعتقاد النصارى في المسيح وبأنّ المراد بما قاله نفي قدرته عن أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة وذلك لا يدل على أنهم أفضل من الأنبياء ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إليّ﴾ تبرأ ﷺ من دعوى الألوهية والملكية وادّعى النبوّة مع الرسالة التي هي أعلى كمالات البشر ردّاً لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدّعاه وظاهر هذه الآية يدل على أنه ﷺ ما كان يجتهد في شيء من الأحكام بل جميع أوامر الله ونواهيه إنما كانت بوحي ولكن المرجح أنه يجتهد ﴿قل﴾ لهم ﴿هل يستوي الأعمى والبصير﴾ أي: هل يكونون سواء من غير مزية فإن قالوا: نعم كابروا الحس، وإن قالوا: لا، قيل: فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير ومن أعرض فهو الأعمى. وقيل: المراد بالأوّل الكافر وبالثاني المؤمن، وقيل: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم ﴿أفلا تتفكرون﴾ في أنهما لا يستويان فتؤمنوا.
﴿وأنذر﴾ أي: خوّف إذ الإنذار إعلام مع تخويف ﴿به﴾ أي: القرآن وقوله تعالى: ﴿الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ إمّا قوم داخلون في الإسلام ومقرّون بالبعث إلا أنهم مفرطون في العمل وأمّا أهل الكتاب لأنهم مقرّون بالبعث وإمّا ناس من المشركين علم من حالهم أنهم يخافون إذا سمعوا بحديث البعث أن يكون حقاً فيهلكوا فهم ممن يرجى أن ينجع فيهم الإنذار دون المتمرّدين منهم وقوله تعالى: ﴿ليس لهم من دونه﴾ أي: غير الله تعالى ﴿وليّ﴾ أي: ينصرهم ﴿ولا شفيع﴾ أي: يشفع لهم حال من ضمير يحشرون بمعنى يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعاً لهم ولا بدّ من هذه الحال لأنّ كلاً منهم محشور فإنّ المخوّف هو الحشر على هذه الحالة. ,
فإن قيل: إذا فسر ما ذكر بالمؤمنين كان مشكلاً لأنه قد ثبت بصحيح النقل شفاعة نبينا ﷺ للمذنبين من أمّته وكذلك تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون بعضهم لبعض أجيب: بأنّ الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله تعالى كما قال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (البقرة، ٢٥٥) وإذا كانت الشفاعة لا تكون
стр. 419
إلا بإذن الله صح قوله: ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع حتى يؤذن لهم بالشفاعة فإذا أذن فيها كان للمؤمنين ولي وشفيع ﴿لعلهم يتقون﴾ الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات.
﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ﴾ بعدما أمر الله تعالى نبيه ﵊ بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش.
روي أنّ رؤساءهم قالوا للنبيّ ﷺ لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون الفقراء المسلمين وهم عمار وصهيب وخباب وسلمان وأضرابهم وكانت عليهم جباب من صوف جلسنا إليك وحادثناك فقال ﵊: «ما أنا بطارد المؤمنين» فقالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا فإذا قمنا فأقعدهم معك إن شئت قال: «نعم طمعاً في إيمانهم» .
وروي أنّ عمر ﵁ قال له: لو فعلت حتى تنظر إلى ماذا يصيرون قالوا: فاكتب بذلك كتاباً فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه فنزلت فرمى بالصحيفة واعتذر عمر رضي الله تعالى عنه من مقالته قال سلمان وخباب فينا نزلت فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا وندنو منه حتى تمس ركبتنا ركبته فكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزل ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾ (الكهف، ٢٨) فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال لنا: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمّتي معكم المحيا ومعكم الممات» وقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يوماً ولهم يوماً قال: «لا أفعل» قالوا: فاجعل واحداً وأقبل علينا وولهم ظهرك فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم معبد لبايعنا محمداً فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر» .
ويروى عنه أنّ المراد منه الصلوات الخمس وذلك أنّ ناساً من الفقراء كانوا مع النبيّ ﷺ فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا فنزلت هذه الآية وقوله تعالى: ﴿يريدون وجهه﴾ حال من يدعون أي: يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإخلاص تنبيهاً على أنه ملاك الأمر ﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء﴾ أي: ليس عليك حساب في اختبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضيّ كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعدّاهم إليك كما أنّ حسابك لا يتعدّاك إليهم كقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام، ١٦٤) .
فإن قيل: هلا اكتفى بقوله: ﴿ما عليك من حسابهم من شيء﴾ عن ﴿وما من حسابك عليهم من شيء﴾ ؟ أجيب: بأن الجملتين جعلتا بمنزلة جملة واحدة وقصد بهما مؤدّى واحد وهو المعنى في قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعاك، ١٦٤) ولا يفيد هذا المعنى إلا الجملتان جميعاً.
كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وقيل: الضمير للمشركين والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعاً فيه وقوله تعالى: ﴿فتطردهم﴾ أي: فتبعدهم جواب النفي وقوله تعالى: ﴿فتكون من الظالمين﴾ جواب النهي وهو ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة، واحتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية فقالوا: إنّ النبيّ ﷺ لما همّ بطرد الفقراء عن مجلسه لأجل أشراف قريش عاتبه الله تعالى به على ذلك ونهاه عن طردهم وذلك قدح في العصمة وقوله
стр. 420
تعالى: ﴿فتطردهم فتكون من الظالمين﴾ وأجيب: بأنه ﷺ ما طردهم ولا همّ به لأجل استخفاف بهم وإنما كان هذا الهم لمصلحة وهي التلطف بهؤلاء الأشراف في إدخالهم في الإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى وهو اجتهاد منه ﷺ فأعلمه الله تعالى أنّ تقريب هؤلاء الفقراء أولى من الهمّ بطردهم فقرّبهم منه وأدناهم والظلم في اللغة وضع الشيء في غير محله أي: فلا تهم بطردهم عنك فتضع الشيء في غير معوضه فهو من باب ترك الأفضل والأولى لا من باب ترك الواجبات.
﴿وكذلك فتنا﴾ أي: ابتلينا ﴿بعضهم ببعض﴾ أي: الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدّمناه بالسبق للإيمان ﴿ليقولوا﴾ أي: الشرفاء والأغنياء ﴿أهؤلاء﴾ الفقراء ﴿منّ الله عليهم من بيننا﴾ بالهداية أي: لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء قال الله تعالى: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ أي: بمن يقع منهم الإيمان والشكر فيوفقه وبمن لا يقع منه فيخذله.
﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ وقوله تعالى: ﴿فقل﴾ لهم ﴿سلام عليكم﴾ إمّا أن يكون أمراً بتبليغ سلام الله تعالى إليهم وإمّا أن يكون أمراً بأن يبدأهم بالسلام إكراماً لهم وتطييباً لقلوبهم ﴿كتب﴾ أي: قضى ﴿ربكم على نفسه الرحمة﴾ .
روي أنها نزلت في الذين نهى رسول الله ﷺ عن طردهم فوصفهم الله تعالى بالإيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ويبشرهم بسعة رحمته وفضله بعد النهي عن طردهم إيذاناً بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد ويعز ولا يذل ويبشر من الله تعالى بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة، وقال عطاء: نزلت في الخلفاء الأربع وجماعة من الصحابة، وقيل: الآية على إطلاقها في كل مؤمن، وقيل: لما جاء عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته التي تقدّمت وقال: ما أردت إلا الخير فنزلت، وقيل: إنّ قوماً جاؤوا إلى النبيّ ﷺ فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فلم يردّ عليهم شيئاً فانصرفوا فنزلت ﴿إنه من عمل منكم سوأ﴾ أيّ سوء كان ملتبساً ﴿بجهالة﴾ أي: عمله وهو جاهل وفيه معنيان: أحدهما: إنه فاعل فعل الجهلة لأنّ من عمل ما يؤدّي إلى الضرر في العاقبة وهو عالم بذلك أو ظان فهو من أهل السفه والجهل لأنّ من أهل الحكمة والتدبير ومنه قول الشاعر:
*على أنها قالت عشية زرتها ... جهلت على عمد ولم تك جاهلاً*
والثاني: إنه جاهل بما يتعلق به من المكروه والمضرّة ومن حق الحكيم أن لا يقدم على شيء حتى يعلم حاله وكيفيته، وقيل: إنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه حين أشار بإجابة الكفرة إلى ما سألوه ولم يعلم أنها مفسدة، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم إنه بفتح الهمزة على أنه بدل من الرحمة، والباقون بالكسر على أنه ضمير الشان ﴿ثم تاب﴾ أي: رجع ﴿من بعده﴾ أي: من بعد ارتكابه ذلك السوء ﴿وأصلح﴾ عمله ﴿فإنه﴾ أي: الله ﴿غفور﴾ له ﴿رحيم﴾ به، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الهمزة على تقدير: أن المغفرة له والباقون بالكسر.
﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ذلك التفصيل الواضح وهو تفصيل أحوال الطوائف الأربع: الأولى: المطبوع على قلوبهم وهم من في آية ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ (الأنعام، ٣٩) والثانية:
стр. 421
المرجوّ إسلامهم وهم من في آية ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ (الأنعام، ٥١) والثالثة: المطيعون وهم من في آية ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ (الأنعام، ٥٢) والرابعة: الداخلون في الإسلام لكنهم لا يحفظون حدوده وهم من في آية ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ (الأنعام، ٥٤) ﴿نفصل الآيات﴾ أي: نبين آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوّابين ﴿ولتستبين سبيل﴾ أي: طريق ﴿المجرمين﴾ قرأ أبو بكر وشعبة وحمزة والكسائي بالياء بعد اللام على التذكير أي: وليظهر ويتضح سبيل المجرمين يوم القيامة إذا صاروا في النار والباقون بالتاء على الخطاب للنبيّ ﷺ أي: وليظهر لك الحق يا محمد ويتبين لك سبيلهم فتعامل كلاً منهم بما يحق له، وقرأ نافع سبيل بنصب، اللام، والباقون بالرفع.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿إني نهيت أن أعبد الذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ وهي الأصنام التي يعبدونها أو ما تدعونها آلهة أي: تسمونها لأنّ الجمادات أخس من أن تدعى وقوله تعالى: ﴿قل لا أتبع أهواءكم﴾ تأكيد لقطع أطماعهم وبيان لمبدأ ضلالهم وأنّ ما هم عليه هوى وليس بهدى ﴿قد ضللت إذاً﴾ أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال ﴿وما أنا من المهتدين﴾ أي: وما أنا من المهديين في شيء أي: لأنكم كذلك.
﴿قل إني على بينة﴾ أي: بيان ﴿من ربي﴾ أي: معرفة وإنه لا معبود سواه ﴿و﴾ قد ﴿كذبتم به﴾ أي: بربي حيث أشركتم به غيره ﴿ما عندي ما تستعجلون به﴾ أي: العذاب الذي استعجلوه بقولهم: فأمطر علينا حجارة من السماء ﴿إن﴾ أي: ما ﴿الحكم﴾ في ذلك وغيره ﴿إلا الله﴾ فهو يفصل بين المختلفين ويقضي بإنزال العذاب متى شاء ﴿يقص الحق﴾ قرأ نافع وابن كثير وعاصم بضم القاف وصاد مهملة مشدّدة مع الرفع ومعناه: يقول الحق، لأن كل ما أخبر به فهو حق، والباقون بسكون القاف وضاد معجمة مخففة مع الكسر أي: إنه تعالى يقضي القضاء الحق ﴿وهو خير الفاصلين﴾ أي: الحاكمين ﴿قل﴾ لهم ﴿لو أنّ عندي﴾ أي: في قدرتي ومكنتي ﴿ما تستعجلون به﴾ أي: من العذاب ﴿لقضي الأمر بيني وبينكم﴾ أي: لانفصل ما بيني وبينكم بأن أهلككم عاجلاً بما تستعجلون به من العذاب غضباً لربي ولكنه عند الله تعالى ﴿وا أعلم بالظالمين﴾ أي: ما تستحقونه من العذاب والوقت الذي يستحقون فيه.
﴿وعنده﴾ ﴿مفاتح الغيب﴾ أي: خزائنه جمع مفتح بفتح الميم وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتيح الذي هو جمع مفتح بالكسر وهو المفتاح ﴿لا يعلمها إلا هو﴾ وهي الخمسة التي في قوله: ﴿إنّ الله عنده علم الساعة﴾ (لقمان، ٣٤) الآية كما رواه البخاري فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها ﴿ويعلم ما﴾ يحدث ﴿في البر والبحر﴾ قدّم البر لأنّ الإنسان أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والحيوان والنبات والمعادن وغير ذلك، وأخر البحر لأنّ إحاطة العقل بأحواله أقل، وقال مجاهد: البر: المفاوز والقفار، والبحر: القرى والأمصار التي على الأنهار وقوله تعالى: ﴿وما تسقط من ورقة﴾ أي: ورقة من يد ﴿إلا يعلمها﴾ مبالغة في إحاطة علمه تعالى بالجزئيات، وقوله تعالى: ﴿ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس﴾ عطف على ورقة
стр. 422
واختلف في الحبة فقيل: هي من هذا الحب المعروف تكون في بطن الأرض قبل أن تنبت، وقيل: هي الحبة التي تنبت في الصخرة التي في أسفل الأرض، واختلف في معنى الرطب واليابس فقال ابن عباس: الرطب: الماء، واليابس: البادية، وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت وقيل: المراد بالرطب: الحيّ، وباليابس: الميت، وقيل: هو عبارة عن كل شيء لأنّ جميع الأشياء إمّا رطبة وإمّا يابسة.
فإن قيل: جميع هذه الأشياء داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ فلمَ أفرد هذه الأشياء بالذكر؟ أجيب: بأنه تعالى ذكرها أوّلاً مجملة ثم فصل بعضاً من ذلك الإجمال ليدل بها على غيرها وقوله تعالى: ﴿إلا في كتابه مبين﴾ فيه قولان: أحدهما: إنه علم الله الذي لا يغير ولا يبدل، والثاني: إنه اللوح المحفوظ لأنّ الله تعالى كتب فيه علم ما يكون وما قد كان قبل أن يخلق السموات والأرض فهو على الأوّل بدل من الاستثناء الأوّل بدل الكل وعلى الثاني بدل الاشتمال.
﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ أي: يقبض أرواحكم عند النوم ﴿ويعلم ما جرحتم﴾ أي: كسبتم ﴿بالنهار ثم يبعثكم﴾ أي: يوقظكم بردّ أرواحكم ﴿فيه﴾ أي: النهار.
فإن قيل: لِمَ خص الليل بالنوم والنهار بالكسب مع أنّ ذلك يقع في غير هذا؟ أجيب: بأنّ ذلك جرى على الغالب ﴿ليقضي أجل مسمى﴾ أي: ليبلغ المستيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا ﴿ثم إليه مرجعكم﴾ بالموت والبعث ﴿ثم ينبئكم بما كنتم تعملون﴾ فيجازيكم به.
﴿وهو القاهر﴾ مستعلياً ﴿فوق عباده﴾ لأنّ من قهر شيئاً وغلبه فهو مستعل عليه أمّا قهره للمعدوم فبالتكوين والإيجاد وأمّا قهره للموجود فبالإفناء والإفساد بنقل الممكن من العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى ويقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور والنهار بالليل والليل بالنهار إلى غير ذلك من ضروب الكائنات وصنوف الممكنات ﴿ويرسل عليكم﴾ من ملائكته ﴿حفظة﴾ أي: تحفظ أعمالكم وهم الكرام الكاتبون، وعن أبي حاتم السختياني أنه كان يكتب عن الأصمعي كل شيء تلفظ به من فوائد العلم حتى قال فيه: أنت شبيه الحفظة تكتب لفظ اللفظة فقال أبو حاتم: وهذا أيضاً مما يكتب.
فإن قيل: الله تعالى غني عن كتابة الملائكة فما فائدتها؟ أجيب: بأنّ فيها لطفاً للعباد لأنهم إذا علموا أنّ الله رقيب عليهم والملائكة موكلون بهم يحفظون عليهم أعمالهم ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة، كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد عن السوء ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه ﴿وهم لا يفرّطون﴾ أي: لا يقصرون فيما يؤمرون، وقيل: ملك الموت وحده فذكر الواحد بلفظ الجمع وجاء في الأخبار أنّ الله تعالى جعل الدنيا بين يدي الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من ههنا ومن ههنا فإذا كثرت عليه الأرواح يدعوها فتستجيب له.
فإن قيل: قال الله تعالى في آية أخرى ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (الزمر، ٤٢) وفي أخرى ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ (السجدة، ١١) وقال هنا: ﴿توفته رسلنا﴾ فكيف الجمع؟ أجيب: بأن المتوفى في الحقيقة هو الله تعالى فإذا حضر أجل العبد أمر الله تعالى ملك الموت أن يقبض روحه ولملك الموت أعوان من الملائكة يأمرهم بنزع روح ذلك العبد من جسده فإذا وصلت إلى الحلقوم تولى قبضها ملك الموت بنفسه فحصل الجمع بين الآيات، وقال
стр. 423
مجاهد: ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرّتين، وقرأ حمزة بعد فاء توفته بألف ممالة على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وسكن السين من رسلنا أبو عمرو ورفعها الباقون.
﴿ثم ردّوا﴾ أي: الخلق ﴿إلى الله﴾ أي: إلى حكمه وجزائه ﴿مولاهم﴾ أي: سيدهم ومدبر أمورهم كلها ﴿الحق﴾ أي: الثابت الولاية وكل ولاية غير ولايته تعالى عدم ﴿ألا له الحكم﴾ أي: القضاء النافذ فيهم فلا حكم عليه ﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب بعضهم عن بعض.
﴿قل﴾ يا محمد لأهل مكة ﴿من ينجيكم من ظلمات البرّ والبحر﴾ أي: من الخسف في البر والغرق في البحر أو من شدائدهما استعيرت الظلمة للشدّة لمشاركتهما في الهول وإبطال الأبصار فقيل: لليوم الشديد يوم مظلم ولغيره يوم ذو كواكب، وقيل: حمله على الحقيقة أولى وظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضاً الخوف الشديد من الوقوع في المهالك والمقصود أنّ عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: ﴿تدعونه تضرّعاً﴾ أي: علانية ﴿وخفية﴾ أي: سرّاً وقوله تعالى: ﴿لئن﴾ اللام لام القسم على إرادة القول أي: يقولون والله لئن ﴿أنجيتنا من هذه﴾ أي: الظلمات والشدائد ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ لك على هذه النعمة، والشكر: هو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها أي: فنكون من المؤمنين، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: أنجانا، بحذف التاء وألف بعد الجيم بدل الياء ليوافق قوله تعالى: ﴿تدعونه﴾ وأمالها حمزة والكسائي والباقون بالتاء بعد الياء.
﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ أي: غمّ سوى ذلك ﴿ثم أنتم تشركون﴾ أي: تعودون إلى شركة الأصنام معه التي لا تضر ولا تنفع ولا توفون بالعهد وإنما وضع تشركون موضع لا تعبدون تنبيهاً على أنّ من أشرك في عبادة الله تعالى فكأنه لم يعبده ﴿قل﴾ لهم ﴿هو القادر على أن يبعث﴾ في كل وقت يريده ﴿عليكم﴾ في كل حالة ﴿عذاباً من فوقكم﴾ بإرسال الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الفيل ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ بالغرق أو الخسف كما فعل بفرعون وقارون، وعن ابن عباس ومجاهد: عذاباً من فوقكم: السلاطين الظلمة، أو من تحت أرجلكم: العبيد السوء، وقال الضحاك: من فوقكم أي: من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم أي: من أسفل منكم ﴿أو يلبسكم﴾ أي: يخلطكم ﴿شيعاً﴾ أي: فرقاً وينشب فيكم الأهوال المختلفة بقتل بعضكم بعضاً.
روي لما نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ قال ﷺ «أعوذ بوجهك» ﴿ومن تحت أرجلكم﴾ قال: «أعوذ بوجهك» ﴿أو يلبسكم شيعاً﴾ ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ أي: بالقتال، قال رسول الله ﷺ «هذا أهون أو أيسر» .
وفي رواية أنه ﷺ قال: «سألت ربي طويلاً أن لا يهلك أمّتي بالغرق فأعطانيها وسألته أن لا يهلك
стр. 424
أمّتي بالسنين فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» .
وفي رواية أنه ﷺ سأل الله تعالى ثلاثاً فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة «سأله أن لا يسلط على أمّته عدوّاً من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض فمنعه ذلك» ﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف نصرف﴾ أي: نبين لهم ﴿الآيات﴾ الدالة على قدرتنا ﴿لعلهم يفقهون﴾ أي: يعلمون أنّ ما هم عليه باطل فيرجعوا عنه.
﴿وكذب به﴾ أي: القرآن أو العذاب ﴿قومك﴾ أي: الذين من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسرّوا بسيادتك فإنّ القبيلة إذا ساد أحدهم عزت به فإن عزه عزها وشرفه شرفها ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن السيادة وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبها مهما أمكنها فإنّ عاره لاحق لها فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع لهم وزاد ذلك بقوله: ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه ﴿الحق﴾ أي: الثابت الذي لا يضره التكذيب به ولا يمكن زواله ﴿قل﴾ لهم ﴿لست عليكم بوكيل﴾ أي: حفيظ وكل إلي أموركم فأجازيكم أو أمنعكم من التكذيب إنما أنا منذر والله الحفيظ ﴿لكل نبأ﴾ أي: خبر أخبركم به من هذه الأخبار ﴿مستقر﴾ أي: وقت يقع فيه ويستقرّ ومنه عذابكم ﴿وسوف تعلمون﴾ صحة ذلك عند وقوعه، إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة وفي ذلك تهديد لهم.
﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا﴾ أي: القرآن بالاستهزاء والتكذيب ﴿فأعرض عنهم﴾ أي: فاتركهم ولا تجالسهم ﴿حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ أي: حتى يكون خوضهم في غير الآيات والاستهزاء بها، وذكر الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن والخطاب للنبيّ ﷺ والمراد غيره ليكون أردع أو لغيره أي: وإذا رأيت أيها الإنسان ﴿وإمّا﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما المزيدة ﴿ينسينك الشيطان﴾ أي: فقعدت معهم ثم تذكرت ﴿فلا تقعد بعد الذكرى﴾ أي: التذكير لهذا النهي ﴿مع القوم الظالمين﴾ أظهر موضع الإضمار تفهماً ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض.
وروي أنّ المسلمين قالوا: لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس بالمسجد ونطوف فنزل:
d
﴿وما على الذين يتقون﴾ الله ﴿من حسابهم﴾ أي: الخائضين ﴿من شيء﴾ أي: شيء مما يحاسبون عليه إذا جالسوهم فمن مزيد للتأكيد ﴿ولكن﴾ عليهم ﴿ذكرى﴾ أي: تذكرة لهم ووعظ ويمنعوهم من الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وقال سعيد بن جبير ومقاتل: هذه الآية منسوخة بالآية التي في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله﴾ (النساء، ١٤) الآية، وذهب الجمهور إلى أنها محكمة لا نسخ فيها لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ ولأنه إنما أباح لهم القعود معهم بشرط التذكرة والموعظة ﴿لعلهم يتقون﴾ الخوض في الآيات.
﴿وذر الذين اتخذوا دينهم﴾ أي: الذي كلفوه ﴿لعباً ولهواً﴾ باستهزائهم به ﴿وغرّتهم الحياة الدنيا﴾ أي: خدعتهم وغلب حبها على قلوبهم فأعرضوا عن دين الحق أي: فاتركهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم وهذا يقتضي الإعراض عنهم وهو قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك الإعراض بآية السيف ﴿وذكر﴾ أي: وعظ ﴿به﴾ أي: القرآن الناس ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تبسل نفس﴾ أي: تسلم إلى الهلاك ﴿بما كسبت﴾ أي: بسبب ما عملت وأصل الإبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأنّ فريسته
стр. 425
لا تفلت منه والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي: حرام ﴿ليس لها من دون الله﴾ أي: غيره ﴿وليّ﴾ أي: ناصر ﴿ولا شفيع﴾ يمنع عنها العذاب ﴿وإن تعدل﴾ أي: تلك النفس لأجل التوصل إلى الفكاك ﴿كل عدل﴾ أي: وإن تفدِ كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي ﴿لا يؤخذ منها﴾ ما تفدى به ﴿أولئك﴾ أي: الذين عملوا هذه الأعمال البعيدة عن الخير ﴿الذين أبسلوا﴾ أي: سلموا إلى العذاب ﴿بما كسبوا﴾ أي: بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة ﴿لهم شراب من حميم﴾ أي: ماء هو في غاية الحرارة ﴿و﴾ لهم ﴿عذاب أليم﴾ أي: مؤلم ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يكفرون﴾ أي: هم بين ماء يغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشعل في أبدانهم بسبب كفرهم.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين دعوك إلى دين آبائهم ﴿أندعو﴾ أي: نعبد ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿ما لا ينفعنا﴾ أي: بعبادته ﴿ولا يضرّنا﴾ أي: بتركها وهم الأصنام ﴿ونردّ على أعقابنا﴾ أي: نرجع إلى الشرك ﴿بعد إذ هدانا الله﴾ تعالى إلى التوحيد ودين الإسلام ﴿كالذي استهوته﴾ أي: أضلته ﴿الشياطين في الأرض﴾ حالة كونه ﴿حيران﴾ تائهاً ضالاً لا يهتدي لوجه ولا يدري كيف يسلك. وقرأ حمزة بعد الواو في استهوته بألف ممالة على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، ورقق ورش راء حيران بخلاف عنه ﴿له﴾ أي: المستهوي ﴿أصحاب﴾ أي: رفقة ﴿يدعونه إلى الهدى﴾ أي: إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر يقولون له: ﴿إئتنا﴾ فلا يجيبهم فيهلك والاستفهام للإنكار وجملة التشبيه للحال من ضمير نردّ وهذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ومن يدعو إلى عبادة الله الذي يضر وينفع يقول مثلهما كمثل رجل في رفقته ضل به الغيلان والشياطين عن الطريق المستقيم فجعل أصحابه من أهل رفقته يدعونه إليهم يقولون هلم إلى الطريق المستقيم وجعل الغيلان يدعونه إليهم فبقي حيران لا يدري أين يذهب فإن أجاب الغيلان ضل وهلك وإن أجاب أصحابه اهتدى وسلم ﴿قل﴾ لهم ﴿إنّ هدى الله﴾ الذي هو الإسلام ﴿هو الهدى﴾ وحده وما عداه ضلال ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ أي: بأن نخلص العبادة له لأنه المستحق العبادة لا غيره وقوله تعالى:
﴿وأن أقيموا الصلاة واتقوه﴾ عطف على لنسلم أي: للإسلام ولإقامة الصلاة لأنّ فيهما ما يقرب إلى الله.
وروي أنّ عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان فنزلت، فإن قيل: إذا كان هذا وارداً في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكيف قيل للرسول ﷺ قل أندعو؟ أجيب: بأن ذلك إظهار للاتحاد الذي كان بينه ﷺ وبين المؤمنين خصوصاً الصدّيق رضي الله تعالى عنه ﴿وهو الذي إليه﴾ لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت ﴿تحشرون﴾ يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم.
﴿وهو الذي خلق السموات والأرض﴾ على عظمهما ﴿بالحق﴾ أي: بسبب إقامة الحق، وقيل: خلقهما بكلامه الحق الذي هو قوله تعالى: ﴿كن﴾ وهو دليل على أنّ كلام الله تعالى ليس بمخلوق لأنه لا يخلق مخلوق بمخلوق ﴿و﴾ اذكر ﴿يوم يقول﴾ الله للخلق ﴿كن فيكون﴾ أي: فهو يكون وهو يوم القيامة يقول بمخلق قوموا أحياء ﴿قوله﴾ تعالى: ﴿الحق﴾ أي: الصدق الواقع لا محالة ﴿وله الملك يوم ينفخ في الصور﴾ أي:
следующие страницы →