← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

نزلت هذه الآية يوم الجمعة يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع والنبيّ ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية من كتابكم تقرأونها لو علينا معاشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً قال: أي أية؟ قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي أنزلت فيه على النبيّ ﷺ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة، أشار عمر إلى أنّ ذلك اليوم كان عيداً، قال ابن عباس: كان ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد النصارى والمجوس، ولم يجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده. وروي أنها لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله تعالى عنه فقال له النبيّ ﷺ «ما يبكيك يا عمر؟» قال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا فإذا كمل فلم يكمل شيء إلا نقص قال: «صدقت» ، فكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً ومات يوم الإثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقيل: توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل وكانت هجرته في الثاني عشر منه، فقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ أي: الفرائض والسنن والحدود والجهاد والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض وهذا معنى قول ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وقتادة: اليوم أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك، وقيل: أظهرت دينكم وأمتكم من عدوّكم. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ يقتضي أنّ الدّين كان ناقصاً قبل ذلك وذلك يوجب أنّ الدين الذي كان عليه محمد ﷺ أكثر عمره كان ناقصاً، وإنما وجد الدّين الكامل في آخر عمره مدّة قليلة. أجيب: بأنّ الدين لم يكن ناقصاً بل كان أبداً كاملاً وكانت الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت كافية في ذلك الوقت، إلا أنه تعالى كان عالماً في أوّل وقت المبعث بأنّ ما هو بعد العدم وأمّا في آخر زمان المبعث فأنزل شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة فالشرع أبداً كان كاملاً إلا أنّ الأوّل كمال إلى زمان مخصوص، والثاني كمال إلى يوم القيامة فلهذا قال: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي بإكماله، وقيل: بدخول مكة آمنين ورضيت أي: اخترت لكم الإسلام ديناً من بين الأديان، وهو الذي عند الله لا غير قال الله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ (آل عمران، ٨٥) . وقوله تعالى: ﴿فمن اضطرّ﴾ متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها وهو إن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامّة والإسلام المرضي، والمعنى: فمن اضطرّ إلى تناول شيء من هذه المحرمات ﴿في مخمصة﴾ أي: مجاعة ﴿غير متجانف﴾ أي: مائل ﴿لإثم﴾ أي: معصية بأن يأكل ذلك تلذّذاً ومجاوزاً حدّ الرخصة كقوله تعالى: ﴿غير باغ ولا عاد﴾ (البقرة، ١٧٣) ﴿فإنّ الله غفور﴾ له ما أكل ﴿رحيم﴾ به في إباحته فلا يؤاخذه ومن المائل إلى الإثم قاطع الطريق ونحوه فلا يحل له الأكل مما ذكر قرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر

стр. 352

نون فمن اضطرّ في الوصل والباقون بالضم. ﴿يسئلونك﴾ يا محمد ﴿ماذا أحل لهم﴾ من الطعام وإنما أتى بقوله لهم بلفظ الغيبة لتقديم ضمير الغيبة في قوله تعالى: ﴿يسئلونك﴾ ولو قيل في الكلام: ماذا أحلّ لنا لكان جائزاً على حكاية الجملة كقولك: أقسم زيد ليضربن ولأضربن بلفظ الغيبة والتكلم، إلا أنّ ضمير المتكلم يقتضي حكاية ما قالوه كما أن لأضربن يقتضي حكاية الجملة المقسم عليها وماذا مبتدأ وأحلّ لهم خبره كقولك: أي شيء أحلّ لكم منها؟ فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿أحلّ لكم الطيبات﴾ أي: ما ليس بخبيث منها وهو كل ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد ولا مستقذر من ذي الطباع السليمة، وهذا يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرّمونه على أنفسهم من السائبة وما معها وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير المطاعم. وقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ معطوف على الطيبات أي: أحلّ لكم الطيبات وصيد ما علمتم فحذف المضاف للعلم به والجوارح جمع جارحة من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر والعقاب والصقر والباز والشاهين، والهاء للمبالغة سميت؛ بذلك؛ لأنّ الجرح الكسب لأنها تكسب الصيد، ومنه قوله تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ (الأنعام، ٦٠) أي: كسبتم أو لأنها تجرح الصيد غالباً، وقوله تعالى: ﴿مكلبين﴾ حال من ضمير علمتم أي: حال كونكم معلّمين هذه الكواسب الصيد والمكلب المؤدّب الجوارح ومغريها مأخوذ من الكلب بسكون اللام وهو الحيوان النابح؛ لأنّ التأديب أكثر ما يكون في الكلاب فأخذ من لفظه لكثرته في جنسه أو لأنّ السبع يسمى كلباً ومنه قوله ﷺ في عتبة بن أبي لهب حين أراد سفر الشام فغاظ النبيّ ﷺ فقال النبيّ: «اللهمّ سلّط عليه كلباً من كلابك» فأكله الأسد، وقوله تعالى: ﴿تعلمونهنّ﴾ حال ثانية من ضمير علمتم أو استئناف. فإن قيل: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها بعلمتم؟ أجيب: بأنّ فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح فقيهاً عالماً بالشرائط المعتبرة في الشرع لحل الصيد، وفي هذا فائدة جليلة وهي أنّ على كل طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجلّ العلماء به وأشدّهم دراية له وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج في ذلك إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل فكم من أخذ من غير متقن قد ضيّع أيامه وعض عند لقاء التحارير أنامله ﴿مما علمكم الله﴾ أي: من علم التكليب لأنه إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه. ﴿فكلوا مما أمسكن﴾ أي: الجوارح مستقرّاً إمساكها ﴿عليكم﴾ أي: على تعليمكم وإن قتلته بأن لم تأكل منه بخلاف غير المعلّمة فلا يحل صيدها وشروط التعليم فيها ثلاثة أشياء: إذا أرسلت استرسلت، وإذا زجرت انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكته ولم تأكل منه، وأقل ما يعرف به ذلك ثلاث مرات فإن أكلت منه فليس مما أمسكن على صاحبها فلا يحل أكله كما في حديث الصحيحين، وإن أكل منه فلا تأكل، منه إنما أمسك على نفسه. وعن علي رضي الله تعالى عنه: إذا أكل البازي فلا تأكل وإلى هذا ذهب أكثر الفقهاء وبعضهم لا يشترط ذلك في سباع الطير؛ لأن تأدبها إلى هذا الحدّ متعذر وقال آخرون: لا يشترط مطلقاً وفي هذا

стр. 353

الحديث إنّ صيد السهم إذا أرسل وذكر اسم الله عليه كصيد المعلم من الجوارح. ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ في هذه الكناية ثلاثة أوجه أحدها: أنها تعود إلى المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل: واذكروا اسم الله عليه على الأكل ويؤيده قوله ﷺ «سمّ الله وكل مما يليك» الثاني: إنها تعود إلى ما علمتم أي: اذكروا اسم الله على الجوارح عند إرسالها على الصيد ويؤيده قوله ﷺ «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه» الثالث: إنها تعود إلى ما أمسكن أي: اذكروا اسم الله تعالى على ما أدركتم ذكاته مما أمسكت عليكم الجوارح ﴿واتقوا الله﴾ أي: في محرماته ﴿إنّ الله سريع الحساب﴾ فيؤاخذكم بما جل ودق، وقوله تعالى: ﴿اليوم﴾ الكلام فيه كالكلام فيما قبله ﴿أحلّ لكم الطيبات﴾ أي: المستلذات ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم قبل مبعث محمد ﷺ ﴿حل﴾ أي: حلال ﴿لكم﴾ فأمّا من دخل في دينهم بعد المبعث فلا تحل ذبيحتهم، ولو ذبح يهوديّ أو نصرانيّ على اسم غير الله تعالى كالنصراني يذبح على اسم المسيح لم تحل ذبيحته، وأما المجوس فقد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في تقريرهم بالجزية دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، قال ﷺ «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم» رواه الإمام مالك ﴿وطعامكم﴾ إياهم ﴿حل لهم﴾ فلا عليكم أن تطعموهم ولا تبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك. ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ أي: الحرائر ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ وهم اليهود والنصارى أي: حل لكم أن تنكحوهنّ وإن كنّ حربيات. وقال أبي عباس: لا تحل الحربيات وأما الإماء المسلمات فيحل نكاحهنّ في الجملة بخلاف الإماء الكتابيات فلا يحل نكاحهنّ عندنا ويحل عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى. ﴿إذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ أي: مهورهنّ فتقييد الحلّ بإتيانها لتأكيد وجوبها والحث على الأولى وإنّ من تزوّج امرأة وعزم أن لا يعطي صداقها كان في صورة الزاني، وورد فيه حديث وتسميته بالأجر يدل على أنه لا حدّ لأقلّه كما إن أقل الأجر في الإجارة لا يتقدّر ﴿محصنين﴾ أي: قاصدين الإعفاف والعقاب. وقيل: متزوّجين ﴿غير مسافحين﴾ أي: معلنين بالزنا بهنّ ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي: مسرّين بالزنا منهنّ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى قال الشعبي: الزنا ضربان: السفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان واتخاذ الخدن وهو الزنا سراً والله تعالى حرمهما في هذه الآية وأباح التمتع بالمرأة على جهة الإحصان وهذه الآية مخصصة لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ (البقرة، ٢٢١) فبقي على التحريم ما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من الوثنيات وغيرهنّ من جميع المشركات، حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى غير دين الإسلام، وقرأ الكسائي بكسر صاد المحصنات والباقون بنصبها. وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ اختلف المفسرون في معناه فقال ابن عباس ومجاهد: ومن يكفر بالإيمان أي: بالله الذي يجب الإيمان به وإنما حسن هذا المجاز؛ لأنه يقال: رب الإيمان ورب الشيء على سبيل المجاز، وقال الكلبي: ومن يكفر بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله لأنّ الإيمان من لوازمها وإطلاق الشيء على لازمه مجاز مشهور، وقال قتادة: إنّ ناساً من المسلمين قالوا: كيف

стр. 354

نتزوّج نساءهم مع كونهم على غير ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿ومن يكفر﴾ بما أنزل الله في القرآن فهو كذا وكذا فسمي القرآن إيماناً؛ لأنه مشتمل على بيان كل ما لا بد منه في الإيمان، والمراد من ذلك أن يأتي بشيء يصير به مرتداً ﴿فقد حبط﴾ أي: فسد ﴿عمله﴾ الصالح قبل ذلك إن اتصل ذلك بالموت بدليل قوله تعالى: ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿فيمت وهو كافر﴾ (البقرة، ٢١٧) أمّا من أسلم قبل الموت فإنّ ثوابه يفسد دون عمله فلا يجب عليه إعادة حج قد فعله ولا صلاة قد صلاها قبل الردّة. ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ أي: أردتم القيام إليها كقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ با﴾ (النحل، ٩٨) عبرّ عن إرادة الفعل بالفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة، وظاهر الآية الكريمة يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً، لكن صدّ عنه الإجماع لما روي أنه ﷺ صلى الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال له عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال: «عمداً فعلته» ، فقيل: هو مطلق أريد به التقييد والمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وقيل: الأمر فيه للندب وقيل: كان ذلك أوّل الأمر ثم نسخ قال البيضاوي: وهو ضعيف لقوله ﷺ «المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ أي: أمروا الماء عليها، ولا يجب الدّلك خلافاً لمالك رضي الله تعالى عنه ﴿و﴾ اغسلوا ﴿أيديكم إلى المرافق﴾ أي: معها إن وجدت وقدرها إن فقدت، لما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله ﷺ «إنه توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد» إلخ.. وللإجماع أوان إلى في الآية بمعنى مع كما في قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ (آل عمران، ٥٢) ويزدكم قوّة إلى قوّتكم أو يجعل اليد التي هي حقيقة إلى المنكب مجازاً إلى المرفق مع جعل إلى غاية للغسل الداخلة هنا في المغيّا بقرينة الإجماع والاحتياط للعبادة، والمعنى اغسلوا أيديكم من رؤوس الأصابع إلى المرافق، أو تجعل باقية على حقيقتها إلى المنكب مع جعل إلى غاية للترك المقدّر فتخرج الغاية والمعنى اغسلوا أيديكم واتركوا منها إلى المرافق، والمرافق جمع مرفق بفتح الميم وكسر الفاء على الفصيح من اللغة وهو مفصل ما بين العضد والمعصم ولو قطع بعض ما يجب غسله وجب غسل الباقي؛ لأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، وإن قطع من المرفق فإن سلّ عظم الذراع وبقي العظمان المسميان برأس العضد وجب غسل رأس عظم العضد؛ لأنه من المرفق وهو مجموع العظمين والإبرة الداخلة بينهما وإن قطع من فوق المرفق ندب غسل باقي عضده. ﴿وامسحوا برؤسكم﴾ أي: ببعضها. لما روى مسلم «إنه ﷺ مسح بناصيته وعلى عمامته» واكتفى بمسح البعض لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه ولم يقل أحد بوجوب خصوص الناصية وهي الشعر الذي بين النزعتين والاكتفاء بها يمنع وجوب الاستيعاب ويمنع وجوب التقدير بالربع أو أكثر لأنها دونه والباء إذا دخلت على متعدّد كما في الآية تكون للتبعيض أو على غيره كما في قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ (الحج، ٢٩) تكون للالصاق. فإن قيل: صيغة الأمر بمسح الرأس والوجه في التيمم واحدة فهلا أوجبتم التعميم أيضاً؟ أجيب: بأن المسح ثم بدل للضرورة فاعتبر ببدله

стр. 355

ومسح الرأس أصل فاعتبر لفظه. فإن قيل: المسح على الخف بدل فهلا وجب تعميمه كمُبْدَله؟ أجيب: بقيام الإجماع على عدم وجوبه، ولا فرق بين أن يمسح على بشرة الرأس أو شعرها ولو شعرة واحدة في حدّ الرأس؛ لأنّ ذلك يصدق عليها مسمى الرأس عرفاً إذ الرأس اسم لما رأس وعلا وقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ قرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي بنصب اللام عطفاً على وجوهكم. وقيل: على أيديكم والباقون بالكسر على الجوار ومنهم من عطف على المجرور على قراءة الجرّ والممسوح ليفيد مسح الخف، وعطف على المنصوب على قراءة النصف على المغسول ليفيد غسل الرجل المتجرّدة منه فيفيد كل من القراءتين غير ما أفادته الأخرى وقوله تعالى: ﴿إلى الكعبين﴾ وهم العظمان الناتئان في كل رجل من جانبين عند مفصل الساق والقدم دل على دخولهما في الغسل ما دل على دخول المرفقين فيه وقد مرّ. تنبيه: الفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح فيه دليل على وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعيّ رضي الله تعالى عنه ولو قطع بعض القدم وجب غسل الباقي وإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه، وندب غسل الباقي كما مرّ في اليد ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات. ﴿وإن كنتم جنباً﴾ من جماع وغيره ﴿فاطهروا﴾ أي: بالغسل لجميع البدن؛ لأنه أطلق ولم يخص الأعضاء كما في الوضوء ﴿وإن كنتم مرضى﴾ أي: مرضاً يضره الماء ﴿أو على سفر﴾ أي: مسافرين سفراً مباحاً طويلاً أو قصيراً ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ أي: الموضع المطمئن من الأرض الذي يقضي فيه حاجته الإنسان التي لا بد منها سمي باسمه الخارج للمجاورة. قيل: وفي ذلك حكمة وهي شدة عجز الإنسان ليكف عن إعجابه وكبره وترفعه وفخره كما حكي أنّ بعض الأمراء لقي بعض البله فلم يفسح له فغضب وقال: كأنك لم تعرفني فقال: بلى والله إني لأعرفك أوّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر وسهل ورش وقنبل الهمزة الثانية وحقق الباقون الهمزتين معاً. ﴿أو لامستم النساء﴾ بالذكر أو غيره أمنيتم أم لا وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين اللام والميم والباقون بالألف ﴿فلم تجدوا ماء﴾ بعد طلبه لفقده حساً أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره ﴿فتيمّموا﴾ أي: اقصدوا ﴿صعيداً﴾ أي: تراباً ﴿طيباً﴾ أي: طهوراً خالصاً ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ مع المرفقين ﴿منه﴾ بضربتين والباء للإلصاق وبينت السنة أنّ المراد استيعاب العضوين بالمسح وتقدّم مثل هذه الآية في النساء في البيضاوي، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة. ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم﴾ في الدين ﴿من حرج﴾ أي: ضيق بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ من الأحداث والذنوب فإنّ الوضوء يكفر الذنوب ﴿وليُتِمّ نعمته عليكم﴾ ببيان شرائع الدين ﴿لعلكم تشكرون﴾ نعمه فيثيبكم، قال البيضاوي: والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى طهارتان أصل وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود وإنّ آلتيهما مائع وجامد

стр. 356

وموجبهما حدث أصغر أو أكبر، وإنّ المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وإنّ الموعود عليه تطهير الذنوب وإتمام النعمة. ﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ أي: في هدايته لكم إلى الإسلام بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، وفي غير ذلك من جميع النعم ليذكركم المنعم ويرغبكم في شكره، لأنّ كثرة النعم توجب على المنعم عليه الاشتغال بخدمة المنعم والانقياد لأوامره ونواهيه وقال تعالى: ﴿نعمة الله﴾ ولم يقل نعم الله؛ لأنّ هذا الجنس لا يقدر عليه إلا الله لأنّ نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون من الآفات وإيصال الخيرات في الدنيا والآخرة لا يعلمه إلا الله تعالى وإن المراد التأمل في هذا النوع من حيث إنه ممتاز عن نعمة غيره. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿واذكروا نعمة الله﴾ يشعر بسبق النسيان وكيف يعقل نسيانها مع أنها متواترة متوالية علينا في جميع الساعات والأوقات؟ أجيب: بأنها لكثرتها وتعاقبها صارت كالأمر المعتاد فصار غاية ظهورها وكثرتها سبباً لوقوعها في محل النسيان ﴿و﴾ اذكروا ﴿ميثاقه﴾ أي: عقده الوثيق ﴿الذي واثقكم به﴾ أي: بواسطة رسول الله ﷺ حين بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره والمنشط مفعل من النشاط وهو الأمر الذي ينشط له والمكره مفعل من الكره وهو الأمر الذي تكرهه النفس وأضاف الميثاق الصادر من رسول الله ﷺ إلى نفسه كقوله: ﴿إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ وأكد ذلك بأنكم التزمتموه ﴿إذا﴾ أي: حين ﴿قلتم سمعنا وأطعنا﴾ وفي ذلك تذكير بما أوجب الله له ﷺ عليكم من الشكر بهدايته لكم إلى الإسلام ثم حذركم عن نقض تلك العهود بقوله: ﴿واتقوا الله﴾ أي: في ميثاقه أن تنقضوه ﴿إنّ الله﴾ الذي له صفات الكمال ﴿عليم﴾ أي: بالغ العلم ﴿بذات الصدور﴾ أي: بما في القلوب فبغيره أولى فيجازيكم عليها فضلاً عن جليات أعمالكم، وقيل: المراد بالميثاق هو الذي أخذه الله منهم حين أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى قاله مجاهد وقيل: المراد به الدلائل العقلية والشرعية التي نصبها الله على التوحيد والشرائع قاله السدي، وأدغم أبو عمرو القاف في واثقكم في الكاف بخلاف عنه. ﴿ياأيها الذين آمنوا كونوا قوّامين﴾ أي: مجتهدين في القيام بحقوقه تعالى ﴿شهداء﴾ أي: متيقظين محضرين إفهامكم غاية الإحضار بحيث لا يشذّ عنها شيء مما تريدون الشهادة به ﴿بالقسط﴾ أي: العدل ﴿ولا يجرمنكم﴾ أي: ولا يحملنكم ﴿شنآن﴾ أي: شدّة بغض ﴿قوم﴾ أي: الكفار ﴿على أن لا تعدلوا﴾ فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفياً مما في قلوبكم ﴿اعدلوا﴾ أي: تحروا العدل واقصدوه في كل شيء ﴿هو﴾ أي: العدل ﴿أقرب﴾ من تركه ﴿للتقوى﴾ لكونه لطفاً فيه وفيه تنبيه عظيم على أنّ وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه. تنبيه: يؤخذ من هذا أن التكاليف مع كثرتها محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله فقوله تعالى: ﴿كونوا قوّامين﴾ إشارة إلى التعظيم لأمر الله ومعنى القيام هو أن تقوم لله بالحق في كل ما يلزمك وقوله تعالى: ﴿شهداء بالقسط﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان، الأوّل: قال عطاء:

стр. 357

لا تخاف في شهادتك أهل ودك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك. الثاني: أمرهم بالصدق في أفعالهم وأقوالهم، وتقدّم نظير هذه الآية في النساء، إلا أنّ هناك قدم لفظة القسط وهنا أخرّها، قال ابن عادل: فكان الغرض من ذلك والله أعلم إنّ آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ بالأمر بالقيام؛ به لأنه أردع للمؤمنين ثم ثني بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض بما يناسبه. وقال البيضاوي: وتكرير هذا الحكم إمّا لاختلاف السبب كما قيل: إنّ الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ولمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ ﴿واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون﴾ فيجازيكم به. ﴿وعد الله الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان بألسنتهم ﴿وعملوا﴾ تصديقاً لهذا الإقرار ﴿الصالحات﴾ وحذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله: ﴿لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ فإنه استئناف يبينه. وقيل: الجملة في موضع المفعول فإنّ الوعد ضرب من القول؛ لأنه لا ينعقد إلا به فكأنه قال: وعدهم هذا القول والأجر العظيم هو الجنة. ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ أي: النار التي اشتدّ توقدها فاشتدّ احمرارها فلا يراها أحد إلا أحجم عنها فيلقون فيها ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب وهذا من عادة الله إنه يتبع حال أحد الفريقين حال الفريق الآخر وفاء بحق الدعوة وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم. ﴿يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم﴾ رسمت نعمت هنا بالتاء فوق فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والهاء والباقون بالتاء وفي الوصل الجميع بالتاء. روي أنّ المشركين رأوا رسول الله ﷺ وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً وذلك بعسفان وهو وادٍ بينه وبين مكة مرحلتان في غزوة ذي أنمار فلما صلّوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا: إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها فنزل جبريل ﵇ بصلاة الخوف، رواه مسلم وغيره والآية إشارة إلى ذلك. وروي أنّ رسول الله ﷺ أتى بني قريظة ومعه الخلفاء الأربعة يستقرضهم أي: يطلب منهم مالاً قرضاً لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين، لكن في رواية البيهقي أنّ المقتولين كانا معاهدين لا مسلمين وأن الخروج كان لبني النضير لا إلى قريظة فقالوا: نعم يا أبا القاسم وكانوا قد عاهدوا النبيّ ﷺ على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات فقالوا: قد آن لك أن تأتينا أو تسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا فجلس رسول الله ﷺ وأصحابه وخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحش: أنا، فجاء إلى رحا عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده فنزل جبريل ﵇ فأخبره فخرج رسول الله ﷺ راجعاً إلى المدينة ثم دعا علياً وقال: «لا تبرح مقامك فمن خرج عليك من أصحابي فسأل عني فقل: توجه إلى المدينة» ففعل ذلك حتى

стр. 358

تناهوا إليه ثم تبعوه، وقيل: نزل رسول الله ﷺ منزلاً وتفرق الناس في العضاء يستظلون بها فعلق رسول الله ﷺ سلاحه بشجرة فجاء أعرابي فسل سيف رسول الله ﷺ ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟ قال: «الله» فأسقطه جبريل من يده فأخذه رسول الله ﷺ وقال: «من منعك مني؟» فقال: لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فنزلت. ﴿إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ ليفتكوا بكم يقال: بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به قال تعالى: ﴿ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء﴾ (الممتحنة، ٢) ومعنى بسط اليد مدّها إلى المبطوش به، ألا ترى إلى قولهم: فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى ﴿فكف أيديهم عنكم﴾ أي: منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم ﴿واتقوا الله﴾ في جميع أموركم ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ فإنه الكافي لإيصال الخير ودفع الشر. ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل﴾ أي: العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع والطاعة ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً﴾ أي: شاهداً على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما عليهم الوفاء به كما بعثنا منكم ليلة العقبة اثني عشر نقيباً وأخذنا منكم الميثاق على ما به كمال الإسلام والنقيب الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل له: عريف لأنه يتعرّفها ومن ذلك المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها. روي أنّ بني إسرائيل لما استقروا بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله تعالى بالمسير إلى أريحاء بالمدّ أرض الشام وكان سكنها الكنعانيون الجبابرة وقال: إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا فيها، وإني ناصركم وأمر موسى صلوات الله وسلامه عليه أن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به يوثقه عليهم واختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل له بهم النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون فرأوا إجراماً عظيماً وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم، وقد نهاهم موسى ﵇ أن يحدّثوهم فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهودا ويوشع بن نون من سبط افراثيم بن يوسف وكانا من النقباء ﴿وقال﴾ لهم ﴿الله إني معكم﴾ أي: بالعون والنصرة ﴿لإن﴾ لام قسم ﴿أقمتم الصلاة﴾ التي هي وصلة العبد والخالق بجميع شروطها وأركانها وآتيتم الزكاة التي تقرّب العبد إلى الله ﴿وآمنتم برسلي﴾ أي: بجميع الرسل ﴿وعزرتموهم﴾ أي: نصرتموهم وقيل: التعزير التعظيم وقيل: هو الثناء بخير قاله يونس وهو قريب من الثاني. فإن قيل: لم أخرّ الإيمان بالرسل عن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدّم عليهما؟ أجيب: بأنّ اليهود كانوا مقرّين بأنه لا بدّ في حصول النجاة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرّين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنّ بعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة لا بدّ من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود وإلا لم يكن لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿وأقرضتم الله قرضاً حسناً﴾ داخل تحت إيتاء الزكاة فما فائدة إعادته؟ أجيب: بأنّ المراد بالزكاة الواجبة وبالقرض الصدقة المندوبة وخصها تنبيهاً على شرفها وقرضاً يحتمل المصدر والمفعول به،

стр. 359

ولما كان الإنسان محل النقصان فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في صلاح العمل قال: سدّ الجواب القسم المدلول عليه باللام في لئن مسد جواب الشرط ﴿لأكفرنّ﴾ أي: لأسترنّ ﴿عنكم سيآتكم﴾ أي: فعلكم الذي من شأنه أن يسوء ﴿ولأدخلنكم﴾ فضلاً ورحمة مني ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ أي: من شدّة الريّ ﴿فمن كفر بعد ذلك﴾ الميثاق ﴿منكم فقد ضلّ﴾ أي: ترك وضيع ﴿سواء السبيل﴾ أي: أخطأ طريق الحق والسواء في الأصل الوسط. فإن قيل: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل، أجيب: بأنّ الضلال بعد أظهر وأعظم لأنه الكفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره لأنه قد يكون له قبل ذلك شبهة يتوهم له معذرة، وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار دال قد عند الضاد والباقون بالإدغام وقد تقدّم ولما نقضوا الميثاق مرّة بعد مرّة بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء وكتمهم صفة النبيّ ﷺ كما تقدّم في سورة البقرة. قال تعالى: ﴿فبما﴾ ما مزيدة للتأكيد ﴿نقضهم ميثاقهم لعنّاهم﴾ قال عطاء: أبعدناهم من رحمتنا، وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم قردة وخنازير وقال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾ أي: لا تلين لقبول الإيمان وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بعد القاف وتشديد الياء بمعنى رديئة من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشاً وهو أيضاً من القسوة فإنّ المغشوش فيه يبس وصلابة والباقون بألف بعد القاف وتخفيف الياء وقوله تعالى: ﴿يحرّفون الكلم عن مواضعه﴾ استئناف لبيان قسوة قلوبهم فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله تعالى والافتراء عليه ﴿ونسوا حظاً﴾ أي: نصيباً نافعاً ﴿مما ذكروا به﴾ أي: من التوراة على أنبيائهم عيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاتهم به بحيث لم يكن لهم رجوع إليه وقيل معناه: إنهم حرّفوها فزلّت لشؤمهم أشياء منها عن حفظهم وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد ﷺ وبيان نعته ﴿ولا تزال﴾ أي: بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق فهو خطاب للنبيّ ﷺ ﴿تطلع﴾ أي: تظهر ﴿على خائنة﴾ أي: خيانة ﴿منهم﴾ بنقض العهد وغيره لأنّ ذلك من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم ﴿إلا قليلاً منهم﴾ لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم ﴿فاعف عنهم﴾ أي: امح ذنبهم ذلك ﴿واصفح﴾ أي: أعرض عن ذلك أصلاً ورأساً إن تابوا وآمنوا وعاهدوا والتزموا الجزية وقيل: مطلق ونسخ بآية السيف وقوله تعالى: ﴿إنّ الله يحب المسحنين﴾ تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على أنّ العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلاً عن العفو عن غيره. روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النبيّ ﷺ سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم. وفي رواية البخاري أنه رجل من بني زريق حليف لليهود وكان منافقاً حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهنّ وذلك أشدّ السحر، ثم إنّ الله تعالى شفاه وأعلمه أنّ السحر في بئر ذروان فقالت له عائشة رضي الله تعالى عنها: أفلا أخرجته؟ فقال: «لا أمّا أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرّاً فأمرت به فدفنته» وهو في معجم الطبرانيّ الكبير وهذا لفظه، وعن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 360

«كان رجل يدخل على النبيّ ﷺ فعقد له عقداً فجعله في بئر رجل من الأنصار فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال فلان الذي يدخل عليه عقد له عقداً فألقاه في بئر فلان الأنصاري فلو أرسل رجلاً لوجد الماء أصفر فبعث رجلاً فأخذ العقد فحلها فبرىء، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبيّ ﷺ فلم يذكر له شيئاً منه ولم يعاتبه» ، وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ امرأة يهودية سمّت رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك فقال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك ـ أو قال ـ عليّ» قالوا: أفلا نقتلها؟ قال: «لا» قال أنس: فما زلت أعرفها في لهوات النبيّ ﷺ فانظر إلى عفوه ﷺ واقتد به» ، وفي ذلك غاية العفو والإحسان امتثالاً لأمر ربه تعالى، وقيل: فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم. ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم﴾ أي: وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم. فإن قيل: هلا قال من النصارى؟ أجيب: بأنهم إنما سموا أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة الله تعالى لقولهم لعيسى: ﴿نحن أنصار الله﴾ (آل عمران، ٥٢) وليسوا موصوفين به قال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى ﴿فنسوا﴾ أي: تركوا ترك الناسي ﴿حظاً﴾ أي: نصيباً عظيماً يتنافس في مثله ﴿مما ذكّروا به﴾ أي: في الإنجيل من الإيمان ومن أوصاف محمد ﷺ وغير ذلك ونقضوا الميثاق ﴿فأغرينا﴾ أي: أوقعنا ﴿بينهم﴾ أي: النصارى بعد أن جعلناهم فرقاً متباينين وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية وكذا بينهم وبين اليهود ﴿العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ أي: بتفرّقهم واختلاف أهوائهم فكل فرقة تكفر الأخرى وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية والباقون بتحقيقهما ﴿وسوف ينبئهم الله﴾ أي: يجزيهم في الآخرة ﴿بما كانوا يصنعون﴾ فيجازيهم عليه. وقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب﴾ خطاب لليهود والنصارى ووحد الكتاب لأنه للجنس ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ وهو أفضل الخلق محمد ﷺ ﴿يبين لكم﴾ أي: يوضح إيضاحاً شافياً ﴿كثيراً مما كنتم تخفون﴾ أي: تكتمون ﴿من الكتاب﴾ أي: التوراة والإنجيل كنعت محمد ﷺ وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى وأحمد في الإنجيل ﴿ويعفو عن كثير﴾ أن مما تخفونه فلا يبينه إذا لم يكن فيه مصلحة في أمر ديني أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه بجرمه ﴿قد جاءكم من الله نور﴾ هو محمد ﷺ الذي جلا ظلمات الشك والشرك ﴿وكتاب﴾ هو القرآن العظيم ﴿مبين﴾ أي: بين في نفسه مبين لما كان خافياً على الناس من الحق. ﴿يهدي به الله﴾ أي: بالكتاب وقيل: بهما ووحد الضمير لأنّ المراد بهما واحد لأنهما كواحد في الحكم ﴿من اتبع رضوانه﴾ أي: رضاه بأن آمن ﴿سبل﴾ أي: طرق ﴿السلام﴾ أي: السلامة من العذاب أو الله باتباع شرائع دينه ﴿ويخرجهم من الظلمات﴾ أي: أنواع الكفر والوساوس الشيطانية ﴿إلى النور﴾ أي: الإسلام ﴿بإذنه﴾ أي: بإرادته أو بتوفيقه ﴿ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ أي: طريق هي أقرب الطرق إلى الله تعالى ومؤدّ إليه لا محالة وهو الدين الحق. ﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم﴾ وذلك حيث جعلوه إلهاً وهم اليعقوبية فرقة من النصارى، وقيل: ما صرحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه حيث

стр. 361

اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿فمن يملك﴾ أي: يدفع ﴿من﴾ عذاب ﴿الله شيئاً﴾ أي: من الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد ﴿إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمّه ومن في الأرض جميعاً﴾ أي: لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلهاً لقدر عليه فدل ذلك على أنه بمعزل من الألوهية وإنه مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات، وأراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمّه إنهما من جنسهم لا تفاوت بينهم وبينهما في البشرية ﴿وملك السموات والأرض وما بينهما﴾ أي: بين النوعين وبين أفرادهما مما به تمام أمرهما ﴿يخلق ما يشاء﴾ أي: على أيّ كيف أراد ﴿وا على كل شيء قدير﴾ أي: قادر على الإطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السموات والأرض ومن أصل كما خلق ما بينهما وينشىء من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات ومن أصل يجانسه أمّا من ذكر وحده كما خلق حوّاء من آدم أو من أنثى وحدها كعيسى بن مريم أو منهما كسائر الناس. ﴿وقالت اليهود والنصارى﴾ أي: كل طائفة قالت على حِدَتِها ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ اختلف المفسرون في معنى ذلك على أربعة أوجه، أحدها: أنّ هذا من باب حذف المضاف أي: نحن أبناء رسل الله كقوله تعالى: ﴿إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ (البقرة، ١٠) الثاني: إن لفظ الابن كما يطلق على ابن الصلب قد يطلق أيضاً على من اتخذ ابناً بمعنى تخصيصه بمزيد الشفقة والمحبة، فالقوم لما ادعوا عناية الله بهم ادعوا أنهم أبناء الله. الثالث: إنّ اليهود زعموا أنّ العزير ابن الله، والنصارى زعموا أنّ المسيح ابن الله ثم زعموا أنّ العزير والمسيح كانا منهم فصار كأنهم قالوا: نحن أبناء الله ألا ترى أنّ أقارب الملك إذا فاخروا أحداً يقولون: نحن ملوك الدنيا والمراد كونهم مختصين بالشخص الذي هو الملك فكذا هنا، الرابع: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنّ النبيّ ﷺ دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوّفهم من عقاب الله فقالوا: كيف تخوّفنا بعذاب الله ونحن أبناء الله تعالى وأحباؤه فهذه الرواية إنما وقعت عن تلك الطائفة، وأمّا النصارى فإنهم يتلون في الإنجيل أنّ المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، وقيل: أرادوا أنّ الله كالأب لنا في الحنو والعطف ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال إبراهيم النخعي: إنّ اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري فبدلوه بيا أبناء أبكاري فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. وجملة الكلام: إنّ اليهود والنصارى كانوا يرون لأنفسهم فضلاً على سائر الخلق بسبب أسلافهم من الأنبياء إلى أن ادعوا ذلك. ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ أي: فإن صحّ ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم ولا يعذب الأب ولده ولا الحبيب حبيبه وقد عذّبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياماً معدودة، وقرأ البزّي في الوقف فَلِمَهْ بخلاف عنه ﴿بل أنتم بشر من﴾ جملة ﴿من خلق﴾ هـ الله تعالى من البشر لكم ما لهم وعليكم ما عليهم ﴿يغفر لمن يشاء﴾ أي: ممن خلقه منكم ومن غيركم تفضلاً منه تعالى ﴿ويعذب من يشاء﴾ كذلك كما تشاهدونه يكرم ناساً منكم في هذه الدار ويهين آخرين لا اعتراض عليه، وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام من يغفر والياء في الميم من يعذب بخلاف عنه ورقق ورش الراء على أصله ﴿وملك السموات والأرض وما بينهما﴾

стр. 362

أي: وأنتم مما بينهما فمن كان هكذا وقدرته هكذا كيف يستحق عليه البشر الضعيف حقاً واجباً وكيف يملك عليه الجاهل بعبادته الناقصة ديناً لازماً ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ (الكهف، ٥) ثم قال: ﴿وإليه المصير﴾ أي: المرجع فيجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ﴿يا أهل الكتاب﴾ أي: من الفريقين ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ محمد ﷺ ﴿يبيّن لكم﴾ أي: ما كتمتم وحذف لتقدّم ذكره أو الدين وحذف لظهوره ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى ويبذل لكم البيان وجملة يبيّن لكم في موضع الحال أي: جاءكم رسولنا مبيناً لكم وقوله تعالى: ﴿على فترة من الرسل﴾ متعلق بجاءكم أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي، قال ابن عباس: يريد على انقطاع من الأنبياء فشبّه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهم وبلاء رسومهم وآثارهم وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان يغلي ففتر ولم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثرٌ خافٍ ورسْمٌ دارسٌ. يقال: فتر الشيء يفتر فتوراً إذا سكنت حركته وصار أقلّ مما كان عليه وسميت المدّة بين الأنبياء فترة لفتور الدواعي في العمل بترك الشرائع واختلفوا في مدّة الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ فقال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، وقال قتادة: خمسمائة وستون سنة وقال معمر والكلبيّ: خمسمائة وستة وأربعون سنة وعن الكلبيّ: بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبيّ، وبين عيسى ومحمد ﷺ أربعة من الأنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسيّ، وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكون إليه قال البقاعي: ولعله عبّر بالمضارع في يبيّن إشارة إلى أنّ دينه وبيانه لا ينقطع أصلاً بحفظ كتابه فكلما درست سنة منح الله تعالى بعالم يردّ الناس إليها بالكتاب العزيزالمعجز القائم أبداً فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبيّ مجدّد إلا عند الفتنة التي لا تطيقها العلماء وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج. ثم علل ذلك بقوله تعالى: ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تقولوا﴾ أي: إذا حشرتم وسئلتم عن إهمالكم ﴿ما جاءنا من بشير﴾ أيّ بشير فمن زائدة لتأكد النفي أي: يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز ﴿ولا نذير﴾ أي: يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم وقوله تعالى: ﴿فقد جاءكم بشير ونذير﴾ متعلق بمحذوف أي: لا تعتذروا بما جاءنا من بشير ولا نذير فلا جاءكم بشير ونذير ﴿وا على كل شيء قدير﴾ أي: فيقدر على الإرسال تَتْراً واحداً بعد واحد على التعاقب كما فعل بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام وعلى الإرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. ﴿وإذ قال موسى لقومه﴾ أي: من اليهود ﴿يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾ أي: إنعامه فذكرهم بثلاثة أمور، أولها: قوله تعالى: ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿جعل فيكم﴾ أي: منكم ﴿أنبياء﴾ فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي بإظهار ذال «إذ» عند الجيم وأدغمها أبو عمرو وهشام، وثانيها: قوله تعالى: ﴿وجعلكم ملوكاً﴾ أي: وجعل منكم أو فيكم فقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهمّوا بقتل عيسى وقال ابن عباس: وأصحاب خدم وحشم، قال قتادة: كانوا أوّل من ملك الخدم ولم يكن قبلهم خدم. وعن أبي سعيد الخدري

стр. 363

عن النبيّ ﷺ إنه قال: «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً» وقال أبو عبد الرحمن الجيلي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المسلمين المهاجرين؟ فقال عبد الله له: يا هذا ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم قال: فأنت غنيّ من الأغنياء قال: ألك خادم؟ قال: نعم قال: أنت من الملوك. وقال السديّ: وجعلكم أحراراً تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم، وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعاً وفيه نهر جارٍ فهو ملك. وثالثها: قوله تعالى: ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين﴾ وذلك، لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام كفلق البحر لهم وأهلك عدوّهم وأورثهم أموالهم وأنزل عليهم المنّ والسلوى وأخرج لهم المياه الغزيرة من الحجر وأظلّ فوقهم الغمام، ولم يجتمع الملك والنبوّة لقوم كما اجتمعا لهم، وكانوا في تلك الأيام هم العلماء بالله تعالى وهم أحباب الله وأنصار دينه، وقيل: المراد بالعالمين عالمو زمانهم. وقال الكلبيّ: إن جعلت العالمين عامّاً وجب تخصيص «ما» لئلا يلزم أنهم أوتوا ما لم تؤت هذه الأمّة من الكرامة والفضل وغير ذلك وإن خصصته بعالمي زمانهم ف «ما» باقية على عمومها إذ لا محذور. ولما ذكرهم هذه النعم وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بجهاد العدوّ فقال: ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة﴾ أي: المطهرة وهي أرض بيت المقدس سمّيت بذلك لأنها كانت مسكن الأنبياء والمؤمنين وقال مجاهد: هي الطور وما حوله. وقال الكلبيّ: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردُنّ وهو بضم الدال وتشديد النون اسم نهر أو كورة بالشأم قاله الجوهريّ، وقال قتادة: هي الشأم كلها ﴿التي كتب الله لكم﴾ أي: في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن وقال السديّ: أمركم بدخولها. فإن قيل: على القول الأوّل: كيف كتبها لهم بعد قوله تعالى بعد ﴿فإنها محرمة عليهم﴾ ؟ أجيب: بأجوبة أوّلها: قال ابن عباس: إنها كانت هبة ثم حرّمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم، ثانيها: اللفظ وإن كان عاماً لكم المراد به الخصوص فكأنها كتبت لبعضهم وحرّمت على بعضهم، ثالثها: إنّ الوعد بقوله تعالى: ﴿كتب الله لكم﴾ مشروط بقيد الطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط، رابعها: إنها محرّمة عليهم أربعين سنة فلما مضت الأربعون حصل ما كتب ﴿ولا ترتدّوا على أدباركم﴾ أي: ولا ترجعوا مدبرين خوفاً من العدوّ ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ أي: في سعيكم، وذلك أنّ قوم موسى لما أخرجوا من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشأم. قال الكلبيّ: صعد إبراهيم ﵇ جبل لبنان فقيل له: انظر ما أدرك بصرك فهو مقدّس وهو ميراث لذريّتك، وكان بنو إسرائيل يسمّون أرض الشأم أرض الموعد، ثم بعث موسى ﵇ اثني عشر نقيباً ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأرض فلما دخلوا تلك الأماكن رأوا أجساماً عظيمة، قال ابن عادل: قال المفسرون فأخذهم أحد أولئك الجبارين وجعلهم في كمّه مع فاكهة قد حملها، من بساتينه، وأتى بهم للملك ونثرهم بين يديه وقال تعجيباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه بما شاهدتم، ثم انصرف هؤلاء النقباء إلى موسى ﵇ فأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلا رجلين منهم وهما يوشع بن نون بن إفراثيم بن يوسف فتى موسى وكالب بن يوفنا فتى موسى وكان من سبط يهوذا فإنهما

стр. 364

سهّلا الأمر وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم والأقوام وإن كانت أجسامهم عظيمة إلا أنّ قلوبهم ضعيفة، وأمّا العشرة الباقية من النقباء فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: يا ليتنا متنا في أرض مصر أو ليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، ويقولون لأصحابهم: قالوا: نجعل علينا رؤساء وننصرف إلى مصر فذلك قوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبارين﴾ أي: عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين لغيرهم على ما يريدون ﴿وإنّا لن ندخلها﴾ خوفاً منهم ﴿حتى يخرجوا منها﴾ أي: بأيّ وجه كان ﴿فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾ لها وأصل الجبّار المتعظم الممتنع عن القهر يقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها وسمّي هؤلاء القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوّة أجسادهم، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خرّ موسى وهارون ﵉ ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله: ﴿قال رجلان من الذين يخافون﴾ أي: مخالفة أمر الله تعالى ﴿أنعم الله عليهما﴾ أي: بالتوفيق والعصمة ﴿ادخلوا عليهم الباب﴾ أي: باب قرية الجبّارين ولا تخشوهم فإنا رأيناهم وأجسادهم عظيمة بلا قلوب ﴿فإذا دخلتموه فإنكم غالبون﴾ أي: لأنّ الله تعالى منجز وعده ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ به ومصدّقين بوعده فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما. ثمّ ﴿قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً﴾ نفوا دخولهم على التأبيد والتأييد وقوله تعالى: ﴿ما داموا فيها﴾ بدل من أبداً بدل البعض ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ هم ﴿إنا ههنا قاعدون﴾ عن القتال لا القعود الذي هو ضدّ القيام قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما وقيل: وربك أي: هارون لأنه أكبر منه وقيل: تقديره اذهب أنت وربك يعينك فلما سمع من قومه ذلك. ﴿قال ربّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ أي: لا أملك التصرّف ولا ينفذ أمري إلا في نفسي وأخي؛ لأنّ الإنسان لا يملك نفسه في الحقيقة إنما المراد به التصرف وإني أفعل ما أمرتني به وأخي هارون قاله لشكوى بثّه وحزنه إلى الله لما خالفه قومه وأيس منهم ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون ﵇ والرجلان المذكوران وإن كانوا يوافقانه لم يثق بهما مما كابد من تلوّن قومه أو إنّ المراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه وأظهر وجوه الإعراب في أخي أنه منصوب عطفاً على نفسي والمعنى: ولا أملك إلا أخي مع ملكي نفسي دون غيرنا ﴿فافرق﴾ أي: فافصل ﴿بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ بأن تحكم لنا بما نستحقه ونحكم عليهم بما يستحقونه أو بالتبعيد بيننا وبينهم. ﴿قال﴾ تعالى: ﴿فإنها﴾ أي: الأرض المقدّسة ﴿محرّمة عليهم﴾ أن يدخلوها وقوله تعالى: ﴿أربعين سنة يتيهون﴾ أي: يتحيرون ﴿في الأرض﴾ اختلف في العامل في أربعين فقيل: محرمة فيكون التحريم مؤقتاً غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿التي كتب الله لكم﴾ (المائدة، ٢١) وقيل: هو يتيهون أي: يسيرون فيها متحيرين، قال الزجاج: والأوّل خطأ لأنه جاء في التفسير أنها محرمة عليهم أبداً فنصبها بيتيهون أي: فيكون التحريم مطلقاً قال البغويّ: لم يرد به تحريم تعبد وإنما أراد تحريم منع وأوحى الله

стр. 365

تعالى إلى موسى ﵊: بي حلفت لأحرّمنّ عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب ولأتيهنهم في هذه البريّة أربعين سنة مكان كل يوم من الأيام التي تجسسوا فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار وأما بنوهم الذين لم يعملوا الشر فيدخلونها فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ، وقيل: تسعة فراسخ قال ابن عباس: وهم ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون كلّ يوم جادّين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه وكان الغمام يظلّهم من الشمس وعمود نور يطلع بالليل فيضيء لهم وكان طعامهم المنّ والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملون فإذا ولد لأحدهم مولود كان عليه ثوب مثل الظفر في رأي العين يطول بطوله ويتسع بقدرة الله والله أعلم بما يحكى من ذلك. فإن قيل: كيف ينزل المنّ والسلوى في حال العقوبة؟ أجيب: بأنه سبب البقاء وهو أبقى للعقوبة فهو كإقامة الحدود مع بقاء الخطاب، واختلفوا هل كان موسى وهارون ﵉ فيهم أو لا؟ قال البغويّ: الأصحّ أنهما كانا فيهم إلا أنه كان ذلك راحة لهما وزيادة في درجتهما وعقوبة لهم، وهو أبلغ في الإجابة أن يشاهدوهما في حال العقوبة فلا يصيبهما ما أصابهم ولم يدخل الأرض المقدّسة أحد ممن قال لن ندخلها بل هلكوا في التيه، وإنما قاتل الجبابرة أولادهم واختلفوا هل مات موسى وهارون في التيه أم لا؟ قال البيضاويّ: الأكثرون إنهما كانا معهم في التيه وإنهما ماتا فيه، مات هارون قبل موسى وموسى بعده بسنة، قال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موسى وكانا خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل فقالوا: قتله لحبّنا إياه وكان محببّاً في بني إسرائيل فتضرّع موسى إلى ربه فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى هارون فإني باعثه فانطلق بهم إلى قبره فناداه يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا ولكن مت قال: فعد إلى مضجعك وانصرفوا وعاش موسى ﷺ بعده سنة. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «جاء ملك الموت إلى موسى فقال له: أجب أمر ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فقال ملك الموت: يا رب إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال: فردّ الله عينه وقال: ارجع إلى عبدي وقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة قال: ثم مه قال: ثم تموت قال: الآن من قريب؟ قال: رب أدنني من الأرض المقدّسة رمية حجر» قال رسول الله ﷺ «لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» قال وهب: خرج موسى ليقضي حاجة فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبراً لم ير شيئاً أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا: لعبد كريم على ربه فقال: إنّ هذا العبد لمن الله بمنزلة ما رأيت كاليوم أحسن منه مضجعاً فقالت الملائكة: يا صفيّ الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجه إلى ربك قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل نفس فقبض الله تعالى روحه ثم سوّت عليه الملائكة التراب وقيل: إنّ ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض الله روحه وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة،

стр. 366

فلما مات موسى ﵇ وانقضت الأربعون سنة بعث الله تعالى يوشع ﵇ نبياً فأخبرهم أنّ الله تعالى قد أمرهم بقتال الجبابرة فصدّقوه وبايعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق وأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر وفتحوها في الشهر السابع ودخلوها فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهمّ اردد الشمس عليّ وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت فردّت عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين. وروى الإمام أحمد في مسنده حديثاً: «إنّ الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس» ثم تتبّع ملوك الشأم فاستباح منهم أحداً وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشأم وصارت الشأم كلها لبني إسرائيل وفرق عمّاله في نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فأوحى الله تعالى إلى يوشع إنّ فيها غلولاً فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلمّ ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر، وكان قد غلّه فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن في جبل إبراهيم وكان عمره مائة وستاً وعشرين سنة وتدبر أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعاً وعشرين سنة فسبحان الباقي بعد فناء خلقه. ولما ندم موسى ﵇ على الدعاء عليهم قال تعالى: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ فبين تعالى أنهم أحقاء بذلك لفسقهم. ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم﴾ وهما هابيل وقابيل وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ صفة مصدر محذوف أي: تلاوة متلبسة بالحق. وقصتهما: أنّ الله تعالى أوحى إلى آدم أن يزوّج كل واحد منهما توأم الآخر وكانت حواء تلد لآدم كل بطن غلاماً وجارية وظاهر كلام المؤرّخين أنّ آدم لا يحل له أن يتزوّج بواحدة من بناته ولا من بنات أولاده، ولهذا ألغز بعضهم بقوله: ماتت زوجة رجل فحرم عليه نساء الدنيا وكان جميع ما ولدته أربعين ولداً في عشرين بطناً أولهم قابيل وتوأمته اقليما وثانيهم هابيل وتأومته يلودا وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمّ المغيث، ثم بارك الله تعالى في نسل آدم ﵇، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً فأراد آدم أن ينكح قابيل يلودا أخت هابيل وينكح هابيل اقليما وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل فذكر ذلك لولده فرضي هابيل وسخط قابيل وقال: هي أختي وأنا أحق بها فقال له أبوه: إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك وقال: إنّ الله لم يأمر بهذا وإنما هو من رأيك فقال لهما آدم: قربا قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت من السماء نار بيضاء فأكلتها وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكله الطير والسباع فخرجا ليقربا وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ـ ما أبالي تقبل مني أم لا ـ لا يتزوّج أختي أبداً وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرّبه، وأضمر في نفسه رضا الله فوضعا

стр. 367

قربانهما على الجبل ثم دعا آدم فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل كما قال تعالى: ﴿إذ قرّبا قرباناً فتقبل من أحدهما﴾ وهو هابيل ﴿ولم يتقبل من الآخر﴾ وهو قابيل لأنه سخط حكم الله ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده فغضب قابيل لردّ قربانه وأضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت الحرام فلما غاب آدم أتى قابيل لهابيل وهو في غنمه ﴿قال لأقتلنك﴾ قال: ولم؟ قال: لأنّ الله تعالى قبل قربانك وردّ قرباني وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة فيتحدّث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي ﴿قال﴾ هابيل وما ذنبي؟ ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ . فإن قيل: كيف كان قول هابيل إنما يتقبل الله من المتقين جواباً لقوله لأقتلنك؟ أجيب: بأنه لما كان الحسد لأخيه على تقبل قربانه هو الذي حمله على توعده بالقتل قال له: إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخها من لباس التقوى لا من قبلي فلم تقتلني ومالك لا تعاقب نفسك ولا تحملها على تقوى الله تعالى التي هي السبب في القبول فأجابه بكلام حليم مختصر جامع لمعانٍ وفيه إشارة إلى أنّ الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما صار به المحسود محظوظاً لا في إزالة حظ المحسود فإنّ ذلك مما يضرّه ولا ينفعه وأنّ الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متَّقٍ، وعن عامر بن عبد الله أنه بكى حين حضرته الوفاة فقيل له: ما يبكيك وقد كنت وكنت فقال: إني أسمع الله يقول: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ . ﴿لئن﴾ لام قسم ﴿بسطت﴾ أي: مددت ﴿إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله ربّ العالمين﴾ قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: وأيم الله إن كان المقتول لأشدّ الرجلين ولكن منعه التحرّج أن يبسط إلى أخيه يده خوفاً من الله لأن الدفع لم يبح بعد أو تحرّياً لما هو الأفضل، قال ﵊: «كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل» وإنما قال: ما أنا بباسط في جواب لئن بسطت للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأساً والتحرّز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء من يدي والباقون بالسكون، واتفق القراء السبعة على بقاء صفة الطاء في بسطت وإدغام الطاء في التاء لأنّ مخرج الطاء والتاء واحد ولكن الصفة مختلفه فالطاء منطبقة والتاء منفتحة والطاء مستعلية والتاء مستقلة والطاء مجهورة والتاء مهموسة ويقال في ذلك: إدغام الحرف وإبقاء الصفة. ﴿إني أريد أن تبوء﴾ أي: ترجع ﴿بإثمي﴾ أي: بإثم قتلي ﴿وإثمك﴾ الذي ارتكبته من قبل ﴿فتكون من أصحاب النار﴾ ولا أريد أن أبوء بإثمك إذا قتلتك فأكون منهم. فإن قيل: كيف قال: أريد أن تبوء بإثمي وإثمك وإرادة القتل والمعصية لا تجوز؟ أجيب: بأنّ ذلك ليس بحقيقةِ إرادة، لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطن نفسه على الاستسلام طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً وإن لم يكن مريداً حقيقة ﴿وذلك جزاء الظالمين﴾ أي: الراسخين في وصف الظلم وأكون أنا من أصحاب الجنة جزاء لي بإحساني في إيثاري حياتك على حياتي وذلك جزاء المحسنين. ﴿فطوّعت﴾ قال قتادة: فزينت ﴿له نفسه قتل أخيه فقتله﴾ قال ابن جريج: تمثل له إبليس وأخذ له طائراً ووضع رأسه على حجر وشدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلمه القتل فرضخ قابيل

стр. 368

رأس هابيل بين حجرين وقتله وهو مستسلم وقيل: اغتاله في النوم وهو نائم فشدخ رأسه فقتله ﴿فأصبح﴾ أي: فصار ﴿من الخاسرين﴾ بقتله ولم يدر ما يصنع به لأنه أوّل ميت على وجه الأرض من بني آدم وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة فحمله بعد قتله في جراب أربعين يوماً وقال ابن عباس: سنة حتى أروح وعكف عليه الطير والسباع تنظر متى يرمي فتأكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره ورجليه حتى مكنّه ثم ألقاه في الحفرة وواراه وقابيل ينظر إليه فذلك قوله تعالى: ﴿فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه﴾ أي: الله أو ليريه الغراب أي: ليعلمه؛ لأنه لما كان سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز ﴿كيف يواري﴾ أي: يستر ﴿سوأة﴾ أي: جيفة ﴿أخيه﴾ وقيل: عورته لأنه كان سلبه ثيابه فلما رأى قابيل ذلك ﴿قال يا ويلتي﴾ كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل من ياء المتكلم والمعنى: يا ويلتي احضري فهذا أوانك والويل والويلة الهلكة ﴿أعجزت﴾ أي: مع ما جعل الله لي من القوّة الناطقة ﴿أن﴾ أي: عن أن ﴿أكون﴾ مع مالي من الجوارح الصالحة لأعظم من ذلك ﴿مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ أي: لأهتدي إلى ما اهتدى إليه وقوله تعالى: ﴿فأواري﴾ عطف على أكون وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى لو عجزت لواريت ﴿فأصبح﴾ أي: بسبب قتله ﴿من النادمين﴾ أي: على ما فعل لأنه فقد أخاه وأغضب ربه وأباه وما انتفع من قتله بشيء، قال المطلب بن عبد الله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه رجّت الأرض بما فيها سبعة أيام وعن ابن عباس لما قتله، وكان آدم ﵇ بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت وأمرّ الماء واغبرّت الأرض فقال آدم ﵇: قد حدث في الأرض حدث. وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض وشربت الأرض الدم فسأله آدم ﵇ بعد مجيئه من مكة عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك قال: فأين دمه إن كنت قتلته فحرّم الله على الأرض من يومئذٍ أن تشرب دماً بعده أبداً، وعن الواقدي: أنّ السودان كلهم من ولده وعن محمد بن إسحاق: كان نوح نائماً فرآه ابنه حام عرياناً فلم يستره فاسودّ في الوقت فالسودان من ولده ورآه ابنه سام فستره. وروي أنّ آدم صلوات الله وسلامه عليه مكث بعد قتله مائة سنة لا يضحك وأنه لما أتى من مكة إلى الهند رثاه بشعر وهو: *تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبرّ قبيح* *تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح* وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: من قال إنّ آدم قال شعراً فقد كذب إنّ محمداً والأنبياء كلهم عليهم الصلاة والسلام في النهي عن الشعر سواء. وروي أنه رثاه فلم يزل ينتقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يقول الشعر فنظر إلى المرثية فإذا هي سجع فقال: إنّ هذا يقوم منه شعر فرد المقدّم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدّم فوزنه شعراً وزيد فيه أبيات منها: *أرى طول الحياة عليّ غماً ... فهل أنا من حياتي مستريح* *ومالي لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح*

стр. 369

فلما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمسين سنة ولدت له حواء شيئاً وتفسيره هبة الله أي: إنه خلف الله من هابيل علّمه الله ساعات الليل والنهار وأعلمه الله عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه خمسين صحيفة وصار وصي آدم وولي عهده. وأمّا قابيل فقيل له: اذهب طريداً شريداً فزعاً مرعوباً لا يأمن من يراه، فأخذ بيد أخته أقليماً وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن فأتاه إبليس لعنه الله تعالى وقال له: إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبد النار فانصب أنت ناراً تكون لك ولعقبك فبنى بيت النار فهو أوّل من عبد النار، قال مجاهد: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى أغرقهم الله تعالى بالطوفان أيام نوح ﵇، وبقي نسل شيث ﵇، قال البقاعي في تفسيره: والله أعلم بما يروى من ذلك ولا يعتمد على مثل هذه الأحاديث، وقد أحسن الطبري بقوله: أخبر الله تعالى بقتله ولا خبر يقطع العذر بصفة قتله على ما ذكرنا منه في مثله ولا فائدة في طلب الصحيح منه في الدين اه. وروي أنه ﷺ قال: «لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل» . ﴿من أجل ذلك﴾ أي: الذي فعله قابيل ﴿كتبنا﴾ أي: قضينا ﴿على بني إسرائيل﴾ في التوراة لأنهم كانوا أشدّ الناس جراءة على القتل ولذلك كانوا يقتلون الأنبياء ﴿إنه﴾ أي: الشأن ﴿من قتل نفساً﴾ أي: من بني آدم ﴿بغير نفس﴾ أي: بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص ﴿أو﴾ قتلها بغير ﴿فساد﴾ أتاه ﴿في الأرض﴾ كالشرك والزنا بعد الإحصان وقطع الطريق وكل ما يبيح إراقة الدم ﴿فكأنما قتل الناس جميعاً﴾ أي: من حيث هتك حرمة الدماء وسنّ القتل وجراءة الناس عليه أو من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استحلال غضب الله والعذاب العظيم. ﴿ومن أحياها﴾ أي: بسبب من الأسباب كإنقاذ من هلكة أو غرق أو دفع من يريد أن يقتلها ظلماً ﴿فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ قال ابن عباس: من حيث عدم انتهاك حرمتها وصونها قال سليمان بن علي: قلت للحسن يأبا سعيد أهي لنا أي: هذه الآية كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي، والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا اه. ومما يحسن إيراده هنا ما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقيل: إنه للشافعيّ رحمه الله تعالى: *الناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأمّ حوّاء* *نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... وأعظم خلقت فيهم وأعضاء* *فإن يكن لهم في أصلهم حسب ... يفاخرون به فالطين والماء* *ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء* *وقدر كل امرىء ما كان يحسنه ... وللرجال على الأفعال أسماء* *وضدّ كل امرىء ما كان يجهله ... والجاهلون لأهل العلم أعداء* *ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... فالناس موتى وأهل العلم أحياء* ﴿ولقد جاءتهم﴾ أي: بني إسرائيل ﴿رسلنا بالبينات﴾ أي: المعجزات وقرأ أبو عمرو بسكون السين

стр. 370

والباقون بضمها ﴿ثم إنّ كثيراً منهم بعد ذلك﴾ أي: بعدما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيداً للأمر وتجديداً للعهد ﴿في الأرض لمسرفون﴾ أي: مجاوزون الحدّ بالكفر والقتل وغير ذلك ولا يبالون به وبهذا اتصلت القصة بما قبلها. ونزل في العرنيين «لما قدموا المدينة وهم مرضى أتوا النبيّ ﷺ وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبيّ ﷺ إلى إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الإبل» . ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ أي: يحاربون أولياءهما وهم المسلمون جعل محاربتهم محاربتهما تعظيماً ﴿ويسعون في الأرض فساداً﴾ أي: بقطع الطريق ﴿أن يقتلوا﴾ أي: إن قتلوا ﴿أو يصلبوا﴾ أي: مع ذلك إن قتلوا وأخذوا المال أي: والصلب ثلاثاً بعد القتل ﴿أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾ أي: أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن اقتصروا على أخذ المال ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ أي: إن أرعبوا ولم يأخذوا شيئاً أي: ينفوا من بلد إلى بلد إن رأى الإمام ذلك وإن رأى حبسهم فله ذلك ولو في بلدهم، هكذا فسر الآية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فحمل كلمة أو على التنويع لا التخيير كما في قوله تعالى: ﴿وقالوا كونوا هوداً أو نصارى﴾ (البقرة، ١٣٥) أي: قالت اليهود: كونوا هوداً وقالت النصارى: كونوا نصارى إذ لم يخيّر أحد منهم بين اليهودية والنصرانية ﴿ذلك﴾ أي: الجزاء العظيم ﴿لهم خزي﴾ أي: ذل وإهانة ﴿في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ هو عذاب النار واحتج أكثر أهل العلم على أنّ هذه الآية نزلت في قطاع الطريق بقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفاً من الله تعالى ﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾ أي: فإنّ حقوقه تعالى تسقط عنهم كالقطع والصلب وتحتم القتل ويبقى القصاص والمال لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة ﴿فاعلموا أنّ الله غفور﴾ لهم ما أتوه ﴿رحيم﴾ بهم، ولو كانت نزلت في الكفار لكانت توبتهم بالإسلام وهو رافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها. ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ أي: خافوا عقابه بأن تطيعوه ﴿وابتغوا إليه الوسيلة﴾ أي: اطلبوا ما تتوسلون به إلى ثوابه، والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا إذا تقرّب إليه قال لبيد: *أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... ألا كلّ ذي لب إلى الله وَاسِلَ* وفي الحديث «الوسيلة منزلة في الجنة» ﴿وجاهدوا في سبيله﴾ بمحاربه أعدائه لتكون كلمة الله هي العليا ﴿لعلكم تفلحون﴾ بالوصول إلى الله والفوز بكرامته. ﴿إنّ الذين كفروا لو﴾ ثبت ﴿أنّ لهم ما في الأرض﴾ من صنوف الأموال وأكده بقوله: ﴿جميعاً ومثله معه ليفتدوا به﴾ أي: ليجعلوه فدية لأنفسهم ﴿من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾ أي: لأنّ المدفوع إليه ذلك تامّ القدرة وله الغنى المطلق ﴿ولهم﴾ بعد ذلك ﴿عذاب أليم﴾ أي: مؤلم. ﴿يريدون أن يخرجوا﴾ أي: أن يكون لهم الخروج في وقت مّا إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجاً ﴿من النار﴾ ثم نفى خروجهم على وجه التأكيد فقال: ﴿وما هم بخارجين منها﴾ أي: ما يثبت لهم خروج أصلاً ﴿ولهم﴾ خاصة دون عصاة المؤمنين ﴿عذاب مقيم﴾ أي: دائم تارة بالبرد وتارة بالحرّ وتارة بغيرهما. فإن قيل:

стр. 371

قال تعالى: ﴿لا يذوقون فيها برداً﴾ (النبأ، ٢٤) فهو ينافي ما ذكر أجيب: بأن المراد بالبرد في الآية النوم فلا منافاة وأن في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة﴾ موصولة مبتدأ أي: والذي سرق والتي سرقت ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ أي: يمين كلّ واحد منهما من الكوع كما بيّنته السنة كما بيّنت أنه لا بدّ أن يكون المسروق ربع دينار فصاعداً من حرز مثله من غير شبهة له فيه، وأنه إذا عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل القدم ثم اليد اليسرى ثم الرجل اليمنى ثم بعد ذلك يعزر. ثم علّل تعالى ذلك بقوله: ﴿جزاء بما كسبا﴾ أي: فعلا من ذلك ثم علّل تعالى هذا الجزاء بقوله: ﴿نكالاً﴾ أي: عقوبة لهما ﴿من الله﴾ وأعاد الاسم الأعظم تعظيماً للأمر فقال: ﴿وا عزيز﴾ أي: غالب على أمره ﴿حكيم﴾ أي: بالغ الحكم والحكمة في خلقه. ﴿فمن تاب﴾ أي: من السراق ﴿من بعد ظلمه﴾ أي: سرقته ﴿وأصلح﴾ أمره بالتخلص من التبعات والعزم على أن لا يعود إليها ﴿فإنّ الله يتوب عليه﴾ أي: يقبل توبته تفضلاً منه تعالى ﴿إنّ الله غفور رحيم﴾ فلا يعذبه في الآخرة، وأمّا القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه وبالاتفاق إن كان المسروق قائماً عنده يسترد وتقطع يده لأنّ القطع حق الله والغرم حق العبد ولا يمنع أحدهما الآخر وقوله تعالى: ﴿ألم تعلم﴾ الاستفهام للتقرير والخطاب مع النبيّ ﷺ وقيل: معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطاباً لكل أحد من الناس ﴿أنّ الله له ملك السموات والأرض﴾ أي: أنّ الملك خالص له عن جميع الشوائب ﴿يعذب من يشاء﴾ تعذيبه ﴿ويغفر لمن يشاء﴾ المغفرة له ﴿وا على كلّ شيء قدير﴾ أي: ومنه التعذيب والمغفرة فليس هو كغيره من الملوك الذين قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدا عدوّه. ﴿يأيها الرسول﴾ أي: المبلغ لما أرسل به وقوله تعالى: ﴿لا يحزنك﴾ قرأ نافع بضمّ الياء وكسر الزاي والباقون بفتح الياء وضم الزاي ﴿الذين يسارعون في الكفر﴾ أي: يقعون فيه بسرعة بأن يظهروه إذا وجدوا منه فرصة وقوله تعالى: ﴿من الذين قالوا آمنا﴾ للبيان وقوله تعالى: ﴿بأفواههم﴾ أي: بألسنتهم متعلق بقالوا ﴿ولم تؤمن قلوبهم﴾ وهم المنافقون وقوله تعالى: ﴿ومن الذين هادوا﴾ عطف على من الذين قالوا وقوله تعالى: ﴿سماعون للكذب﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: هم سماعون والضمير في سماعون للفريقين أو للذين يسارعون ويجوز أن يكون مبتدأ ومن الذين خبره أي: ومن اليهود قوم سماعون للكذب الذي افترته أحبارهم سماع قبول ﴿سماعون﴾ منك ﴿لقوم﴾ أي: لأجل قوم ﴿آخرين﴾ من اليهود ﴿لم يأتوك﴾ أي: لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء ﴿يحرّفون الكلم﴾ أي: الذي في التوراة كآية الرجم ﴿من بعد مواضعه﴾ أي: التي وضعها الله عليها أي: يبدلونه ﴿يقولون﴾ أي: الذين يحرّفونه لمن يرسلونهم للنبيّ ﷺ ﴿إن أوتيتم هذا﴾ أي: المحرّف أي: أفتاكم به محمد ﷺ ﴿فخذوه﴾ أي: فاقبلوه منه واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿وإن لم تؤتوه﴾ أي: بأنّ أفتاكم بخلافه ﴿فاحذروا﴾ أن تقبلوه منه فإنه الباطل والضلال. روي أنّ شريفاً في خيبر زنا بشريفة وكانا محصنين وحدّهما الرجم في التوراة

стр. 372

فكرهوا رجمهما لشرفهما وقالوا: إنّ هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكن الضرب فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله ﷺ عنه وقالوا: إن أمركم بالجلد والتحميم أي: تسويد الوجه من الحُمّة بالضم والتشديد وهي السواد فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا تأتوا رسول الله ﷺ وقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما في كتابك؟ فقال: «هل ترضون بقضائي؟» فقالوا: نعم، فنزل جبريل ﵇ بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه فقال لهم رسول الله ﷺ «هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟» قالوا: نعم فقال: هو أي رجل فيكم؟ فقالوا: هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى بن عمران في التوراة، قال: «فأرسلوا إليه» ففعلوا فأتاهم فقال له النبيّ ﷺ «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم قال: «أعلم اليهود» قال: كذلك يزعمون قال: «تجعلونه بيني وبينكم؟» قالوا: نعم فقال له رسول الله ﷺ «أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟» قال: نعم فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبت أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله ﷺ عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله النبيّ الأميّ العربيّ الذي بشر به المرسلون فأمر رسول الله ﷺ بالزانيين فرجما عند باب مسجده وقال: «اللهمّ إني أول من أحيا أمرك إذا ما أتوه فأنزل الله ﴿يأيها الرسول﴾ الآية. وروي أنّ اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أنّ رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام: كذبتم إنّ فيها آية الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهما يده على آية الرجم وقرأ ما بعدها فقال له عبد الله: ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرّجم قالوا: صدقت يا محمد فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: فرأيت الرجل يقي بيده عن المرأة الحجارة» . فائدة: كانت آية الرجم في القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها، روى البيهقي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال في خطبته: إن الله بعث محمداً وأنزل عليه كتاباً وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم وسيأتي الكلام في سورة الأحزاب أنّ هذه الآية كانت فيها. ﴿ومن يرد الله فتنته﴾ أي: إضلاله أو فضيحته ﴿فلن تملك﴾ أي: لن تستطيع ﴿له من الله شيئاً﴾ في دفعها إذا لم تملك أنت، وأنت أقرب الخلق إلى الله تعالى فمن يملك ﴿أولئك﴾ أي: البعداء من الهدى ﴿الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾ أي: من الكفر ولو أراده لكان وهذا كما ترى نصّ على فساد قول المعتزلة بأنه أراد ذلك ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ أي: ذلٌّ بالفضيحة والجزية والخوف من المؤمنين ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ وهو الخلود في النار والضمير للذين

стр. 373

هادوا إن استأنفت بقوله تعالى: ﴿ومن الذين﴾ وإلا فللفريقين. وقوله تعالى: ﴿سماعون للكذب﴾ كرره للتأكيد ﴿أكَّالون للسحت﴾ وهو كل ما لا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال الله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾ (البقرة، ٢٧٦) والربا باب منه وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام، وعن الحسن رحمه الله تعالى: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراه إياها وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب وعنه ﷺ «كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بضم الحاء والباقون بالسكون. ﴿فإن جاؤك﴾ أي: لتحكم فيهم ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ هذا تخيير لرسول الله ﷺ واختلفوا هل نسخ هذا التخيير أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم: هو محكم ثابت وليس في سورة المائدة منسوخ، وحكّام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا حكموا وإن شاءوا لم يحكموا بحكم الإسلام وهو قول النخعيّ والشعبيّ وعطاء وقتادة وقال قوم: يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بينهم والآية منسوخة نسخها قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (المائدة، ٤٩) وهو قول مجاهد وعكرمة ومرويّ ذلك أيضاً عن ابن عباس وقال: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾ (المائدة، ٢) نسخها قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ (التوبة، ٥) وقوله تعالى: ﴿فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ (المائدة، ٤٢) نسخها قوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ (المائدة، ٤٩) ومذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنّ الذمّيين وإن اختلفت ملتهما كيهوديّ ونصرانيّ يجب الحكم بينهما عند الترافع، وكذا الذمي مع المعاهد بخلاف المعاهدين فإنّ الحكم لا يجب بينهما؛ لأنهم لم يلتزموا بأحكامنا ولا التزمنا دفع بعضهم عن بعض فيحمل التخيير على هذا، والآية الأخرى على أهل الذمّة ويعلم من ذلك أنّ الحكم بين الحربيين لا يجب بطريق الأولى ولو ترافع إلينا ذميان في شرب خمر لم نحدّهما وإن رضيا بحكمنا لأنهما لا يعتقدان تحريمه ولو ترافع إلينا مسلم وذمي وجب الحكم بينهما إجماعاً ﴿وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً﴾ بأن يعادوك لإعراضك عنهم فإنّ الله تعالى يعصمك من الناس ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ أي: بالعدل الذي أمر الله تعالى به ﴿إنّ الله يحب﴾ أي: يثيب ﴿المقسطين﴾ أي: العادلين في الحكم وقوله تعالى: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾ استفهام تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال أنّ الحكم منصوص عليه في كتابهم الذي هو عندهم، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع وإنما طلبوا منه ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم ﴿ثم يتولون﴾ أي: يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم ﴿من بعد ذلك﴾ التحكيم وهذا داخل في حكم التعجب فإنه معطوف على يحكمونك ﴿وما أولئك﴾ أي: السعداء من الله ﴿بالمؤمنين﴾ أي: بكتابهم لإعراضهم عنه أوّلاً أو بك وبه. ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى﴾ يهدي من الضلالة إلى الحق ﴿ونور﴾ يكشف ما اشتبه عليهم من الأحكام ﴿يحكم بها النبيون﴾ أي: من بني إسرائيل وقوله تعالى: ﴿الذين أسلموا﴾ ذكر على وجه الصفة للأنبياء للتنويه بشأن الصفة دون التخصيص والتمييز؛ لأنهم كلهم بهذه الصفة منقادون لله تعالى وللتنبيه على عظم قدرها

стр. 374

حيث وصف بها عظيم كما وصف الأنبياء بالصلاح والملائكة بالإيمان فإنّ أوصاف الأشراف أشراف الأوصاف وقوله تعالى: ﴿للذين هادوا﴾ متعلق بأنزل أو بيحكم أي: يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدلّ على أنّ النبيين أنبياؤهم وقوله تعالى: ﴿والربَّانيون﴾ أي: الزهّاد الذين انسلخوا من الدنيا وبالغولوا فيما يوجب النسبة إلى الرّب ﴿والأحبار﴾ أي: العلماء السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون ﴿بما﴾ أي: بسبب الذي ﴿استحفظوا﴾ أي: استودعوه ﴿من كتاب الله﴾ أي: استحفظهم الله تعالى إياه بأن يحفظوه من التضييع والتحريف أو بأن يحفظ فلا ينسى وقد أخذ الله على العلماء حفظ كتاب الله من هذين الوجهين معاً: أحدهما: أن يحفظ في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم والثاني: أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه والراجع إلى ما محذوف، ومن للتبيين والضمير في استحفظوا للأنبياء والربانيين والأحبار جميعاً وكذلك الضمير في قوله تعالى: ﴿وكانوا عليه شهداء﴾ أي: رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون مراعاته أصلاً وقوله تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشونِ﴾ نهي للحكام أن يخشوا غير الله تعالى في حكوماتهم خوفاً من سلطان ظالم أو خيفة أذية أحد من الأقرباء والأصدقاء، وقرأ أبو عمرو بإثبات الياء في الوصل دون الوقف والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً ﴿ولا تشتروا﴾ أي: تستبدلوا ﴿بآياتي﴾ أي: بأحكامي التي أنزلتها ﴿ثمناً قليلاً﴾ أي: من الرشا وغيرها لتكتموا أو تبدلوها كما فعل أهل الكتاب وقوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قال عكرمة: معناه ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحداً له فقد كفر ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق فحمل الآيات على هذا وهو ظاهر، وقال الضحاك وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة وقيل: أولئك هم الكافرون في المسلمين لاتصالها بخطابهم والظالمون في اليهود والفاسقون في النصارى. ﴿وكتبنا﴾ أي: فرضنا ﴿عليهم﴾ أي: اليهود ﴿فيها﴾ أي: التوراة ﴿أن النفس﴾ تقتل ﴿بالنفس﴾ إذا قتلتها ﴿والعين﴾ تفقأ ﴿بالعين﴾ أي: بعين من فقأها ﴿والأنف﴾ تجدع ﴿بالأنف﴾ أي: بأنف من جدعه ﴿والأذن﴾ تقطع ﴿بالأذن﴾ أي: بأذن من قطعها ﴿والسنّ﴾ تقلع ﴿بالسنّ﴾ أي: بسنّ من قلعها ﴿والجروح قصاص﴾ أي: يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه القصاص فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مفروض في شرعنا. وقرأ الكسائي هذه الألفاظ الخمسة وهي: العين بالعين إلى آخرها بالرفع على أنها جمل معطوفة على «أنّ» وما في حيزها باعتبار المعنى، وكأنه قيل: كتبنا عليهم النفس بالنفس والعين بالعين فإنّ الكتابة والقراءة يقعان على الجمل كالقول أو مستأنفة ووافق الكسائي ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في الجروح فقط والباقون بالنصب في الجميع وسكن نافع الذال من الأذن وقرأ الباقون برفعها. ﴿فمن تصدّق به﴾ أي: القصاص بأن مكن من نفسه ﴿فهو﴾ أي: التصدّق بالقصاص ﴿كفارة له﴾ أي: لما أتاه فلا يعاقب ثانياً في الآخرة وقيل: فمن تصدّق به من أصحاب الحق فالتصدُق به كفارة للمتصدِق يكفر الله تعالى به من سيآته ما تقتضيه الموازنة كسائر طاعاته، وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: تهدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدق به. وقيل: فهو كفارة للجاني إذا تجاوز عنه صاحب الحق سقط عنه ما لزمه ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ أي:

стр. 375

في القصاص وغيره ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ أي: الذين تركوا العدل فضلّوا فصاروا كمن يمشي في الظلام فإن كان تديُّناً بالترك كان نهاية للظلم وهو الكفر وإلا كان عصياناً لأنّ الله تعالى أحق أن يخشى ويرجى. ﴿وقفينا﴾ أي: أتبعنا ﴿على آثارهم﴾ أي: النبيّين الذين يحكمون بالتوراة ﴿بعيسى بن مريم﴾ ﷺ ونسبه تعالى إلى أمّه إشارة إلى أنّه لا والد له تكذيباً لليهود وإلى أنه عبد مربوب تكذيباً للنصارى ﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾ أي: قبله مما أتى به موسى ﵇ ﴿من التوراة﴾ وأشار تعالى بقوله: ﴿وآتيناه الإنجيل﴾ أي: أنزلناه عليه كما أنزلنا التوراة على موسى عليهما الصلاة والسلام إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها ﴿فيه هدى﴾ من الضلالة ﴿ونور﴾ أي: بيان للأحكام وقوله تعالى: ﴿ومصدّقاً﴾ أي: الإنجيل حال ﴿لما بين يديه﴾ أي: قبله. ولما كان الذي نزل قبله كثيراً بين المراد بقوله: ﴿من التوراة﴾ أي: لما فيها من الأحكام فالأول: صفة لعيسى ﵊ والثاني: صفة لكتابه أي: فهو والتوراة والإنجيل يتصادقون فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما لم يتخالفوا في شيء بل هو متخلق بجميع ما أتى به ﴿وهدى وموعظة للمتقين﴾ أي: كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به. ﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾ وهم اتباع عيسى ﵊ ﴿بما أنزل الله فيه﴾ أي: من الأحكام، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب الميم عطفاً على معمول آتيناه والباقون بكسر اللام وسكون الميم على الأمر أي: فلينته أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم أهل الإنجيل إلخ.. ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ أي: المختصّون بكمال الفسق فإن كان تديّناً كان كفراً وإن كان لاتّباع الشهوات كان مجرد معصية لأنّ الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج من دائرة الشّرع مرّة بعد أخرى. ﴿وأنزلنا إليك﴾ يا محمد خاصة ﴿الكتاب﴾ أي: الكامل في جمعه لكل ما يطلب منه وهو القرآن وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ متعلق بأنزلنا ﴿مصدّقاً لما بين يديه﴾ أي: قبله. لما كانت الكتب السماوية من شدّة تصادقها كالشيء الواحد عبّر تعالى بالمفرد فقال: ﴿من الكتاب﴾ أي: الكتب المنزّلة التي جاء بها الأنبياء من قبل، فاللام الأولى في الكتاب للعهد؛ لأنه عني به القرآن والثانية للجنس لأنه عني به جنس الكتب المنزلة ﴿ومهيمناً عليه﴾ أي: رقيباً على سائر الكتب أي: يحفظها من التغيير والتبديل ويشهد لها بالصحة والثبات ﴿فاحكم بينهم﴾ أي: بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ﴿بما أنزل الله﴾ إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ فيما خالفه عادلاً ﴿عما جاءك من الحق﴾ بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه. ﴿لكل جعلنا منكم﴾ أيّها الأمم ﴿شرعة﴾ أي: ديناً موصلاً إلى الحياة الأبدية والشرعة هي الطريقة إلى الماء، شبّه بها الدّين لأنها موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية ﴿ومنهاجاً﴾ أي: طريقاً واضحاً في الدين ناسخاً لما قبله، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع وأمثاله مما يدل على أنا لسنا متعبدين بالشرائع المتقدّمة وأنّ كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على الفروع وما دلّ على الاجتماع كآية شرع لكم من الدين محمول على الأصول. ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمّة﴾

стр. 376

أي: جماعة ﴿واحدة﴾ أي: متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل ﴿ولكن﴾ لم يشأ ذلك بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة ﴿ليبلوكم﴾ أي: ليختبركم ﴿فيما آتاكم﴾ من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود المطيع منكم والعاصي ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي: ابتدروها انتهازاً للفرصة بغاية الجهد فقل: من يسابق شخصاً يخشى العار بسبقه، وقوله تعالى: ﴿إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ أي: بالبعث استئناف فيه تعليل للأمر بالاستباق، ووعد للمبادرين ووعيد للمقصرين ﴿فينبئكم﴾ أي: يخبركم ﴿بما كنتم فيه تختلفون﴾ أي: من أمر الدين ويجزي كلاً منكم بعمله. وقوله تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ عطف على الكتاب أي: أنزلنا إليك الكتاب والحكم أو على الحق أي: أنزلناه بالحق وبأن أحكم، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون وأن احكم والباقون بضمها ﴿ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن﴾ أي: لئلا يفتنوك أي: يضلوك ويصرفوك ﴿عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ . روي أنّ أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنّا أحبار اليهود وأنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وأنّ بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ فنزلت ﴿فإن تولوا﴾ أي: عن الحكم المنزل وأرادوا غيره ﴿فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم﴾ أي: بالعقوبة في الدنيا ﴿ببعض ذنوبهم﴾ أي: التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الآخرة ﴿وإنّ كثيراً من الناس﴾ أي: هم وغيرهم ﴿لفاسقون﴾ أي: خارجون عن دائرة الطاعات ومعادن السعادات. ﴿أفحكم الجاهلية﴾ أي: خاصة مع إنّ أحكامها لا يرضى بها عاقل لكونها لم يدع إليها كتاب بل هي مجرّد أهواء وهم أهل الكتاب ﴿يبغون﴾ أي: يريدون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا إليه كتابهم من اتباعك وشهد كتابك المعجز عن معارضته من وجوب رسالتك إلى جميع الخلائق وهذا استفهام إنكاري، وقرأ ابن عامر بالتاء على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب وهو أدلّ على الغضب، والباقون بالياء على الغيبة. وقيل: نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا من رسول الله ﷺ أن يحكم بما كان يحكم به الجاهلية من التفاضل بين القتلى أي: بين ديّات بعضهم على بعض ﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أحسن من الله حكماً لقوم﴾ أي: عند قوم ﴿يوقنون﴾ به خصّوا بالذكر؛ لأنهم الذين يتدبرون الأمور ويتخيلون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكماً من الله جلا وعلا. ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء﴾ أي: توالونهم وتوادّونهم وتعاشرونهم معاشرة الأحباب وقوله تعالى: ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ فيه إيماء إلى علة النهي أي: فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضاً لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضارتكم ﴿ومن يتولهم منكم﴾ أي: ومن والاهم منكم ﴿فإنه منهم﴾ أي: من جملتهم وهذا تشديد في وجوب مجانبتهم أو لأنّ الموالين كانوا منافقين ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه.k تنبيه: اختلف في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق وذلك أنهما اختصما فقال عبادة: إنّ لي أولياء من

стр. 377

اليهود كثيراً عددهم شديدة شوكتهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من موالاتهم ولا مولى لي إلا الله ورسوله فقال عبد الله: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدّت على طائفة من الناس وتخوّفوا أن تدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي آخذ منه أماناً إني أخاف أن تدال علينا اليهود وقال الآخر: أمّا أنا فألحق بفلان النصراني من أهل الشأم وآخذ منه أماناً فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن المنذر بعثه النبيّ ﷺ إلى بني قريظة حين حاصرهم فاستشاروه في النزول وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا فجعل إصبعه على حلقه يعني أنه الذبح أي: يقتلكم فنزلت ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾ أي: ضعف اعتقاد كعبد الله بن أبيّ ﴿يسارعون فيهم﴾ أي: في مولاتهم ﴿يقولون﴾ معتذرين عنها ﴿نخشى﴾ أي: نخاف خوفاً بالغاً ﴿أن تصيبنا دائرة﴾ أي: مصيبة تحيط بنا ويدور بها الدهر علينا من جدب أو غلبة ولا يتم أمر محمد فلا يميرونا ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾ أي: بإظهار الدّين على الأعداء ﴿أو أمر من عنده﴾ أي: بهتك ستر المنافقين وافتضاحهم ﴿فيصبحوا﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿على ما أسرّوا في أنفسهم﴾ أي: على ما استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول فضلاً عما أظهروه مما أشعر به نفاقهم ﴿نادمين﴾ أي: ثابت لهم غاية الندم في الصباح وغيره وقوله تعالى: ﴿ويقول الذين آمنوا﴾ قرأه عاصم وحمزة والكسائي بالرفع على أنه كلام مبتدأ ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعاً بغير واو على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وقرأ بالنصب أبو عمرو عطفاً على يأتي باعتبار المعنى وكأنه قال: عسى الله أن يأتي بالفتح، ويقول الذين آمنوا ﴿أهؤلاء الذين أقسموا با جهد أيمانهم﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها ﴿إنهم لمعكم﴾ في الدين أي: يقوله المؤمنون بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين وتبجعاً بما منّ الله تعالى عليهم من الإخلاص، أو يقولون لليهود: فإنّ المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وإن قوتلتم لننصرنكم﴾ (الحشر آية: ١١) ﴿حبطت﴾ أي: بطلت ﴿أعمالهم﴾ أي: الصالحة ﴿فأصبحوا﴾ أي: فصاروا ﴿خاسرين﴾ الدنيا بالفضيحة والآخرة بالعقاب. ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ أي: أقروا بالإيمان ﴿من يرتدد﴾ أي: يرجع ﴿منكم عن دينه﴾ إلى الكفر وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها في القرآن قبل وقوعها وكان أهل الردّة إحدى عشرة فرقة ثلاثة في عهد رسول الله ﷺ . الأولى: بنو مدلج وكان رئيسهم ذو الحمار بالحاء المهملة، قال التفتازاني: كان له حمار يقول له: قف فيقف وسر فيسير وكانت النساء أي: نساء أصحابه يتعطرون بروث حماره، وقيل: يعقدون روثه بخمرهنّ فسمي ذو الخمار أيضاً بالخاء المعجمة، وذو هنا وفيما قبله بالواو وعلى الحكاية وهو العنسي بفتح العين وسكون النون منسوب إلى عنس وهو يزيد بن مذحج بن أدد بن كعب العنسي ويلقب بالأسود كان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلادها وأخرج عمال رسول الله ﷺ فكتب رسول الله ﷺ إلى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وإلى سادات اليمن وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود، فقتله

стр. 378

فيروز الديلمي على فراشه قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: وأتى الخبر رسول الله ﷺ من السماء الليلة التي قتل فيها فقال رسول الله ﷺ «قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك» قيل: ومن هو؟ قال: «فيروز» فَسُرّ المسلمون فبشر النبيّ ﷺ أصحابه بهلاك الأسود وقبض رسول الله ﷺ من الغد وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول وكان ذلك أوّل فتح جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسليمة الكذاب وكان تنبأ في حياة رسول الله ﷺ في آخر سنة عشر وزعم أنه اشترك مع رسول الله ﷺ في النبوّة وكتب إلى رسول الله ﷺ «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: أمّا بعد فإنّ الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعثه إليه مع رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله ﷺ «لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» ثم أجاب من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: «أمّا بعد فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» ومرض رسول الله ﷺ وتوفي فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد في جيش كبير حتى أهلكه الله تعالى على يد وحشيّ غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ بعد حرب شديد وكان وحشيّ يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام أراد في جاهليتي وإسلامي. الفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة أحد من ارتد وادّعى النبوّة في عهد رسول الله ﷺ وأوّل من قوتل بعد وفاة النبيّ ﷺ من أهل الردّة فبعث أبو بكر رضي الله تعالى عنه خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه إليه فهزمهم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه بعد قتال شديد وأفلت طليحة فمرّ على وجهه هارباً نحو الشأم، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وسبع في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، الأولى: فزارة قوم عيينة بن حصن، والثانية: غطفان قوم قرّة بن سلمة، والثالثة: بنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، والرابعة: بنو يربوع قوم مالك بن نويرة، والخامسة: بعض تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها لمسيلمة الكذاب وفيها يقول أبو العلاء المعري: *أمت سجاج ووالاها مسليمة ... كذابة في بني الدنيا وكذاب* والسادسة: كندة قوم الأشعث بن قيس والسابعة بنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وكفى الله تعالى أمرهم على يد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه وهي غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشأم، والجمهور أنه مات على ردّته وذكرت طائفة أنه عاد إلى الإسلام. وقرأ نافع وابن عامر يرتدد بدالين الأولى مكسورة مخففة والثانية ساكنة والباقون بدال مفتوحة مشدّدة. واختلف في القوم في قوله تعالى: ﴿فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال قتادة بن غنم الأزدي: لما نزلت الآية قال رسول الله ﷺ «قوم هذا» وأشار إلى أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وكانوا من اليمن، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «الإيمان يمان والحكمة يمانية» وقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من

стр. 379

أفناء أي: لم يعلم ممن هم قاله الجوهري: فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية. وقيل: هم الأنصار وقد سئل رسول الله ﷺ عنهم فضرب على عاتق سلمان رضي الله تعالى عنه فقال: «هذا وذووه» ، ثم قال: «لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس» والراجع إلى من محذوف تقديره: فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم أو ما أشبه ذلك ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم ويعظّمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم ومحبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه ﴿أذلة على المؤمنين﴾ أي: عاطفين عليهم متذللين لهم جمع ذليل، وأمّا ذلول فجمعه ذلل ومن زعم أنه من الذل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه لأنه ذلولاً لا يجمع على أذلة. فإن قيل: هلا قال أذلة للمؤمنين؟ أجيب: بأنه تضمن معنى الحنو والعطف كأنه قال: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع وأنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم أو للمقابلة في قوله تعالى: ﴿أعزة على الكافرين﴾ أي: شداد متغلبين عليهم من عزّه إذا غلبه، وقوله تعالى: ﴿يجاهدون في سبيل الله﴾ حال من الضمير في أعزة أو صفة أخرى لقوم، وقوله تعالى: ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾ يحتمل أن تكون الواو للحال على أنهم يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين فإنهم كانوا موالين لليهود فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود فلا يعملون شيئاً مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم، وأمّا المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط، وإن يكون للعطف على يجاهدون بمعنى: إنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلّب في دينه واللومة المرّة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الأوصاف المذكورة وقوله تعالى: ﴿فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ أي: يمنحه ويوفق له فيبذل الإنسان جهده في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته ﴿وا واسع﴾ أي: كثير الفضل ﴿عليم﴾ أي: بمن هو أهله، ونزل لما قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إنّ قومنا هجرونا. ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ وإنما قال: وليكم ولم يقل: أولياؤكم للتنبيه على أنّ الولاية لله على الأصالة، ولرسوله وللمؤمنين على التبع إذ التقدير: إنما وليكم الله وكذا رسوله والمؤمنون. ولو قيل: إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ثم وصف المؤمنين بقوله تعالى: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ أي: متخشعون في صلاتهم وزكاتهم وقيل: يصلون صلاة التطوع. ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا﴾ أي: ومن يتخذهم أولياء وقيل: من يعنهم وينصرهم ﴿فإنّ حزب الله هم الغالبون﴾ أي: فإنهم هم الغالبون ولكن وضع الظاهر موضع المضمر إظهاراً لما شرفهم به ترغيباً لهم في ولايته وتشريفاً لهم بهذا الاسم فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فإنهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتعريضاً بمن يوالي هؤلاء بأنه حزب الشيطان وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حزبهم. ونزل في رفاعة بن زيد وسويد بن حارث اللذين أظهرا الإسلام ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادّونهما. ﴿يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم﴾ أي: شرفكم الله به ﴿هزواً﴾ أي: مهزواً به ﴿ولعباً﴾

стр. 380

ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي: اليهود. ولما خصص عمم بقوله: ﴿والكفار﴾ أي: من عبدة الأوثان وغيرهم ﴿أولياء﴾ أي: فإنّ الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم فلا تصح لكم مولاتهم، وقرأ أبو عمرو والكسائي بخفض الراء والباقون بالنصب عطفاً على الذين اتخذوا على أنّ النهي عن موالاة من ليس على الحق رأساً سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين ﴿واتقوا الله﴾ أي: بترك المناهي ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: صادقين في إيمانكم فإنّ الإيمان حقاً يقتضي ذلك وقوله تعالى: ﴿وإذا ناديتم﴾ معطوف على الذين قبله أي: ولا تتخذوا الذين إذا ناديتم أي: دعوتم ﴿إلى الصلاة﴾ بالأذان ﴿اتخذوها﴾ أي: الصلاة ﴿هزواً ولعباً﴾ بأن يستهزؤا بها ويتضاحكوا ويقولوا: صاحوا كصياح العير، وفي هذا دليل على أنّ الأذان مشروع للصلوات المكتوبات. روى الطبراني أنّ نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أنّ محمداً رسول الله قال: أحرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شرره في البيت فأحرقه وأهله ﴿ذلك﴾ أي: الاتخاذ ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب إنهم ﴿قوم لا يعقلون﴾ أي: فإنّ السفه يؤدّي إلى الجهل بالحق والهزء به والعقل يمنع منه ونزل لما سأل نفر من اليهود النبيّ ﷺ عمن يؤمن به من الرسل فقال: أومن بالله وما أنزل إلينا الآية، فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم ولا ديناً شراً من دينكم. ﴿قل يأهل الكتاب هل تنقمون﴾ أي: تنكرون ﴿منا﴾ وتعيبون يقال: نقم منه كذا أنكره وانتقم إذا كافأه ﴿إلا أن آمنا با وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل﴾ أي: إلى الأنبياء وقوله تعالى: ﴿وأنّ أكثركم فاسقون﴾ عطف على أن آمنا والمعنى ما تنكرون منا إلا إيماننا ومخالفتكم في عدم قبول الإيمان المعبّر عن عدم قبوله بالفسق اللازم عن عدم القبول وليس هذا مما ينكر. ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿هل أنبئكم﴾ أي: أخبركم ﴿بشرّ من ذلك﴾ أي: الذي تنتقمونه ﴿مثوبه عند الله﴾ نصب مثوبة على التمييز أي: ثواباً بمعنى جزاءً. فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان كما أنّ العقوبة مختصة بالشر أجيب: بأنّ ذلك على سبيل التهكم كما في قوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ (آل عمران، ٢١) وقوله تعالى: ﴿من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير﴾ (المائدة، ٦٠) بدل من بشر على حذف مضاف قبل لفظ ذلك أو قبل لفظ من لعنه وتقديره: بشر من أهل ذلك من لعنه الله أو بشر من ذلك دين من لعنه الله لأنّ الدّين المشار إليه غير مطابق لقوله: من لعنه الله في معنى يشترك فيه لفظ شر فيقدر أهل قبل ذلك أو دين قبل من ليطابق. فإن قيل: هذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكوماً عليهم بالشرّ ومعلوم إنه ليس كذلك أجيب: بأنه إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم، فإنهم حكموا بأنّ اعتقاد ذلك الدين شر فقيل لهم: هب أنّ الأمر كذلك لكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شرّ من ذلك والذين لعنهم الله في هذه الآية هم اليهود أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار أهل

стр. 381

مائدة عيسى، وقيل: كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم خنازير. روي أنها لما نزلت كان المسلمون يعيرون اليهود ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم وقوله تعالى: ﴿وعبد الطاغوت﴾ عطف على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت وقرأ حمزة بضم باء عبد وكسرتاه الطاغوت على أنه اسم جمع لعبد عطف على من والباقون بنصب الباء من عبد والتاء من الطاغوت والطاغوت الشيطان أو العجل لأنه معبود من دون الله ولأنّ عبادتهم للعجل مما زينه لهم الشيطان فكانت عبادتهم له عبادة للشيطان وهو الطاغوت، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الطاغوت الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى. تنبيه: روعي في منهم معنى من وفيما قبلها لفظها وهم اليهود ﴿أولئك﴾ أي: الملعونون الممسوخون ﴿شرّ مكاناً﴾ لأنّ مأواهم النار وجعلت الشرارة للمكان وهي لأهله وفيه مبالغة ليست في قولك أولئك شر ومكاناً تمييز ﴿وأضل عن سواء السبيل﴾ أي: طريق الحق وأصل السواء الوسط. فإن قيل: ذكر شر وأضلّ يقتضي مشاركة المؤمنين والكفار في الشرّ والضلال وإنّ الكفار أشرّ وأضل مع أنّ المؤمنين لم يشاركوا الكفار في شيء من ذلك أجيب: بأنّ مكان هؤلاء في الآخرة شر وأضل من مكان المؤمنين في الدنيا لما يلحقهم فيها من الشرّ والضلال الحاصل لهم بالهموم الدنيوية كسماع الأذى وغيره، أو إنّ ذلك على سبيل التنزل والتسليم للخصم على زعمه إلزاماً بالحجة وهذا أولى. ونزل في يهود نافقوا النبيّ ﷺ . ﴿وإذا جاؤكم قالوا آمنا وقد﴾ أي: قالوا ذلك والحال إنهم قد ﴿دخلوا﴾ إليكم متلبسين ﴿بالكفر وهم قد خرجوا﴾ من عندكم متلبسين ﴿به﴾ أي: الكفر كما دخلوا لم يتعلق بهم شيء مما سمعوا به من تذكيرك بآيات الله ومواعظك ﴿وا أعلم بما كانوا يكتمون﴾ من الكفر وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم وفي هذا وعيد لهم. ﴿وترى كثيراً منهم﴾ أي: اليهود أو المنافقين ﴿يسارعون﴾ أي: يقعون سريعاً ﴿في الإثم﴾ أي: الكذب بدليل قوله تعالى عن قولهم الإثم ﴿والعدوان﴾ أي: الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم والعدوان ما يتعدّى إلى غيرهم ﴿وأكلهم السحت﴾ أي: الحرام كالرشا ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾ عملهم هذا. ﴿لولا﴾ هلا ﴿ينهاهم﴾ أي: يجدّد لهم النهي ﴿الربانيون﴾ أي: المدّعون للتخلي من الدنيا إلى سبيل الرب ﴿والأحبار﴾ أي: العلماء ﴿عن قولهم الإثم﴾ أي: الكذب ﴿وأكلهم السحت﴾ أي: الحرام هذا تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك فإن لولا إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المضارع المستقبل أفاد التحضيض ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾ ترك نهيهم. فإن قيل: لم عبّر في الأوّل بـ [يعملون] وفي الثاني بـ [يصنعون] ؟ أجيب: بأنّ كل عامل لا يسمّى صانعاً ولا كل عمل يسمى صناعة حتى يتمكن فيه ويتدرب ولذلك ذم بهذا خواصهم ولأنّ ترك الإنكار على المعصية أقبح من مواقعة المعصية لأنّ النفس تلتذ بها وتميل إليها، ولا كذلك ترك الإنكار عليها فكان جديراً بأبلغ الذمّ فيدخل في الذمّ كل من كان قادراً على النهي عن المنكر من العلماء أو غيرهم وتركه، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي أشد آية نزلت في القرآن، وعن الضحاك ما في القرآن آية أخوف عندي منها. ﴿وقالت اليهود﴾ مما ضيّق عليهم

стр. 382

بتكذيبهم النبيّ ﷺ وكانوا أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية ﴿يد الله مغلولة﴾ أي: هو ممسك يقتر بالرزق، وغلّ اليد وبسطّها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ (الإسراء، ٢٩) ولا يقصد من يتكلم به إثبات يد ولا غل ولا بسط، ولو أعطى الأقطع إلى المنكب عطاء جزيلاً لقالوا ما أبسط يده بالنوال؛ لأن بسط اليد وقبضها عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود وقد استعملوها حيث لا تصح اليد كقولهم بسط اليأس كفيه في صدري فجعلت لليأس الذي هو معنى من المعاني لا من الأعيان كفان. فإن قيل: قد تقدّم أنّ قوله: ﴿يد الله مغلولة﴾ عبارة عن البخل فما تفعل في قوله تعالى: ﴿غلت أيديهم﴾ ومن حقه أن يطابق ما تقدّمه؟ أجيب: بأنه يجوز أن يكون معناه الدعاء عليهم بالبخل والنكد، ومن ثم كانوا أبخل خلق الله تعالى وأنكدهم والمطابقة على هذا ظاهرة ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغلّ الأيدي حقيقة يغلون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم كما قال تعالى: ﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل﴾ (غافر، ٧١) وعلى هذا تكون المطابقة حاصلة من حيث لفظ مغلولة وغلت من حيث ملاحظة أنّ الأصل في القول الشنيع أن يقابل بالدعاء على قائله ﴿ولعنوا﴾ أي: أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم ﴿بما قالوا﴾ فمن لعنهم أنهم مسخوا قردة وخنازير ثم ردّ الله تعالى عليهم بقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ مشيراً بالتثنية إلى غاية الجود وإنّ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه جميعاً ﴿ينفق كيف يشاء﴾ أي: هو مختار في إنفاقه يضيق تارة ويوسع أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته لا اعتراض عليه وقيل: القائل هذه المقالة فنحاص بن عازوراء فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله: أشركهم الله تعالى فيها. ﴿وليزيدنّ كثيراً منهم﴾ أي: ممن أراد الله فتنته ثم ذكر فاعل الزيادة فقال: ﴿ما أنزل إليك من ربك﴾ من القرآن ﴿طغياناً﴾ أي: تمادياً في الجحود ﴿وكفراً﴾ بآيات الله فيزدادون على كفرهم وطغيانهم طغياناً وكفراً مما يسمعون من القرآن كما يزداد المريض مرضاً من تناول الغذاء الصالح للأصحاء ﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ فكل فرقة منهم تخالف الأخرى فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم. ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾ أي: كلما أرادوا محاربة أحد غلبوا وقهروا لم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس، وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط الله عليهم فطرس بالفاء الرومي ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين وقيل: كلما حاربوا رسول الله ﷺ نصر عليهم، وعن قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذلّ الناس ﴿ويسعون في الأرض فساداً﴾ أي: ويجتهدون في الكيد للإسلام ومحو ذكر رسول الله ﷺ من كتبهم وإثارة الحرب والفتن وهتك المحارم ﴿وا لا يحبّ المفسدين﴾ أي: فلا يجازيهم إلا شراً.b ﴿ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا﴾ أي: بمحمد ﷺ وبما جاء به ﴿واتقوا﴾ أي: الكفر ﴿لكفّرنا عنهم سيآتهم﴾ أي: التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها ﴿ولأدخلناهم جنات النعيم﴾ مع المسلمين، وفي هذا إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيآتهم ودلالة على سعة رحمة الله تعالى

стр. 383

وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيآت اليهود والنصارى وإنّ الإسلام يجبّ ما قبله وإن جلّ، وإن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم. ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾ أي: أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت محمد ﷺ ﴿وما أنزل إليهم﴾ أي: من الكتب المنزلة ﴿من ربهم﴾ لأنهم مكلّفون بالإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل: هو القرآن وقوله تعالى: ﴿لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ عبارة عن التوسعة أي: لوسّع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم من بركات السماء والأرض أو أن تكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلّة أو أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار فيجنونها من رأس الثمر والشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم بين بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا بقصور الفيض ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين ﴿منهم أمّة﴾ أي: جماعة ﴿مقتصدة﴾ أي: عادلة غير غالية ولا مقصّرة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى آمنوا بالنبيّ ﷺ وقيل: متوسطة في عداوته ﴿وكثير منهم ساء﴾ أي: بئس ﴿ما﴾ أي: شيئاً ﴿يعملون﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل: هو كعب بن الأشرف وأصحابه والروم. روى مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: من حدثك أنّ محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله فقد كذب وهو يقول: ﴿يأيها الرسول بلغ﴾ جميع ﴿ما أنزل إليك من ربك﴾ أي: لا تكتم شيئاً منه خوفاً أن تنال بمكروه ﴿وإن لم تفعل﴾ أي: وإن لم تبلغ جميع ما أنزل إليك ﴿فما بلغت رسالته﴾ أي: لأنّ كتمان بعضها ككتمان كلها أي: ولأنّ بعضها ليس بالأولى بالأداء من بعض فإذا لم تؤدّ بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعاً، كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن كتمت آية لم تبلغ رسالتي واختلف في سبب نزول هذه الآية فقيل: نزلت في عتب اليهود وذلك أنّ النبيّ ﷺ دعاهم إلى الإسلام فقالوا: أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به ويقولون: تريد أن نتخذك حناناً كما اتخذت النصارى عيسى حناناً فلما رأى النبيّ ﷺ ذلك نزلت هذه الآية وقيل: نزلت في الجهاد وذلك أنّ المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحياناً من حثهم على الجهاد وقيل: لما نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى: ﴿يأيها النبيّ قل لأزواجك﴾ (الأحزاب، ٢٨) فلم يعرضها عليهنّ خوفاً من اختيارهنّ الدنيا فنزلت وقيل غير ذلك وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بألف بعد اللام وكسر التاء والباقون بغير ألف ونصب التاء ﴿وا يعصمك من الناس﴾ أي: يحفظك ويمنعك منهم. فإن قيل: أليس قد شج وجهه وكسرت رباعيته ﷺ وأوذي بضروب من الأذى؟ أجيب: بأنّ معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك، وفي هذا تنبيه على أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلايا فما أشدّ تكليف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأنّ سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. وروى إسحاق بن راهويه في مسنده عن النبيّ ﷺ أنه قال: «بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت» وعن أنس

стр. 384

رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: «انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس» قال البيضاويّ وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد بالتبليغ ما يتعلق به مصالح العباد وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه اه. قال بعض العارفين: ولهذا قال تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك﴾ ولم يقل ما تعرّفنا به إليك، واعلم أنّ المراد من الناس ههنا الكفار بدليل قوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ أي: لا يمكنهم مما يريدون. وروي «أنه ﵊ نزل تحت شجرة في بعض أسفاره وعلق سيفه عليها فأتاه أعرابيّ وهو نائم وأخذ سيفه واخترطه وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: «الله تعالى» فرعدت يد الأعرابيّ وسقط من يده وضرب رأسه الشجرة حتى انتثر دماغه» . ﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء﴾ أي: دين يعتد به حتى يسمى شيئاً لفساده وبطلانه كما تقول هذا ليس بشيء تريد تحقيره وتصغير شأنه، وفي أمثالهم أقل من لا شيء ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾ أي: بأن تعملوا بما فيها ومن إقامتهما الإيمان بمحمد ﷺ والإذعان لحكمه فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإيمان بمن صدقته المعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له والمراد إقامة أصولها وما ينسخ من فروعها ﴿وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك﴾ أي: من القرآن ﴿طغياناً وكفراً﴾ لكفرهم به ﴿فلا تأس﴾ أي: تحزن ﴿على القوم الكافرين﴾ إن لم يؤمنوا بك أي: لا تهتم بهم فإن ضرر ذلك لا حق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة عنهم لك. ﴿إنّ الذين آمنوا والذين هادوا﴾ هم اليهود ﴿والصابئون﴾ فرقة منهم ﴿والنصارى﴾ وقد سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة. فإن قيل: بم رفع الصابئون وكان حقه والصابئين؟ أجيب: بأنه رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في خبر إنّ مع اسمها وخبرها كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك وأنشد سبيويه شاهداً له: *وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق* والشاهد في أنتم فإنه مبتدأ حذف خبره والتقدير وإلا فإنا بغاة وأنتم كذلك. فإن قيل: ما فائدة هذا التقديم والتأخير؟ أجيب: بأنّ الصابئين أشدّ العرب المذكورين في هذه الآية ضلالاً وما سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي: خرجوا فكأنه قال: هؤلاء الفرق الذين آمنوا وأتوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضاً كذلك، وقيل: منصوب بالفتحة فكما جوّز بالفتحة مع الياء في بنين وسنين جوّز مع الواو كما هنا وقوله تعالى: ﴿من آمن با واليوم الآخر وعمل صالحاً﴾ في محل رفع بالابتداء وخبره ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط والجملة خبر إن. فإن قيل: كيف قيل: الذين آمنوا من آمن؟ أجيب: بأنّ المراد بالذين آمنوا الذين آمنوا بألسنتهم وهو المنافقون أو إنّ المراد مِنْ مَنْ ثبت على الإيمان واستقام ولم تخالجه ريبة فيه. ﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ أي: على الإيمان بالله ورسوله ﴿وأرسلنا إليهم رسلاً﴾ أي: ولم نكتف بهذا العهد بل

стр. 385

أرسلنا رسلاً ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم﴾ أي: بما يخالف هواهم من الشرائع ومشاقّ التكاليف ﴿فريقاً﴾ أي: من الرسل ﴿كذبوا﴾ أي: كذبهم بنو إسرائيل من غير قتل كعيسى ﴿وفريقاً﴾ منهم ﴿يقتلون﴾ كزكريا ويحيى وإنما جيء بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الحالة الشنيعة للتعجب منها وتنبيهاً على أنّ ذلك دينهم ماضياً ومستقبلاً ومحافظة على رؤوس الآي. ﴿وحسبوا﴾ أي: ظنّ بنو إسرائيل ﴿أن لا تكون﴾ أي: توجد ﴿فتنة﴾ أي: لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا في الآخرة بل استخفوا بأمرها فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم إنهم أبناء الله وأحباؤه، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع النون تنزيلاً للحساب منزلة العلم فتكون مخففة من الثقيلة وأصله أنه لا تكون فتنة والباقون بالنصب على أنّ الحساب على بابه ﴿فعموا﴾ أي: عن الحق فلم يبصروه وهذا العمى هو الذي لا عمى في الحقيقة سواه وهو انطماس البصائر ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ (الحج، ٤٦) ﴿وصموا﴾ عنه فلم يسمعوه أي: عَموا وصموا بعد موسى ويوشع ﵉، والصمم أضر من العمى فصاروا كمن لا يهتدي إلى سبيل أصلاً؛ لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع ﴿ثم تاب الله عليهم﴾ ببعث عيسى بن مريم فرفعوه إلى الحق ﴿ثم عموا وصموا﴾ كرّة أخرى بالكفر بمحمد ﷺ وقوله تعالى: ﴿كثير منهم﴾ بدل من الضمير ﴿والله بصير بما يعملون﴾ أي: وإن دقّ فيجازيهم به وفق أعمالهم. ﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح بن مريم﴾ وهم اليعقوبية منهم القائلون بالاتحاد ﴿وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم﴾ أي: إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم ﴿إنه من يشرك با﴾ أي: يشرك في العبادة غيره ﴿فقد حرّم الله عليه الجنة﴾ أي: منعه من دخولها منعاً متحتماً فإنها دار الموحدين ﴿ومأواه النار﴾ أي: محل سكناه فإنها المعدة للمشركين ﴿وما للظالمين من أنصار﴾ أي: وما لهم أحد ينصرهم من النار لا بفداء ولا بشفاعة ولا بغيرهما فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً على أنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق وهو يحتمل أن يكون من كلام الله تعالى، نبه على أنهم عدلوا عن سبيل الحق فيما تقوّلوا على عيسى ﵇ فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم، ورده وأنكره وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره، وأن يكون من كلام عيسى ﵇ على معنى ولا ينصركم أحد مني فيما تقولون ولا يساعدكم عليه لاستحالته وبعده عن العقول أو لا ينصركم ناصر في الآخرة من عذاب الله. ﴿لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة﴾ أي: أحد ثلاثة وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية وفيه إضمار معناه ثالث ثلاثة الآلهة لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله ومريم وعيسى ولك واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، بين هذا قوله تعالى للمسيح: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (المائدة، ١١٦) ومن قال إنّ الله تعالى ثالث ثلاثة بالعلم ولم يرد به الآلهة لم يكفر فإنّ الله يقول: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ وقال النبيّ ﷺ لأبي بكر: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ثم قال الله تعالى رداً عليهم: ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ أي: وما في الموجودات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدأ جميع الموجودات إلا إله واحد موصوف بالوحدانية متعال

стр. 386

عن الشركة ومن مزيدة للاستغراق ﴿وإن لم ينتهوا﴾ أي: الكفرة بجميع أصنافهم ﴿عما يقولون﴾ أي: من هاتين المقالتين وما داناهما ﴿ليمسنّ﴾ أي: مباشرة من غير حائل ﴿الذين كفروا﴾ أي: داوموا على الكفر ﴿منهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم لم ينقطع عنهم لعدم توبتهم ولذلك عقبه بقوله تعالى: ﴿أفلا يتوبون﴾ أي: يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من بطلانه ولا أبين من فساده ﴿إلى الله ويستغفرونه﴾ أي: يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقريع والتهديد ﴿وا غفور﴾ أي: بالغ المغفرة يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب ﴿رحيم﴾ أي: بالغ الإكرام لمن أقبل عليه فيغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم. ﴿ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت﴾ أي: مضت ﴿من قبله الرسل﴾ أي: ليس هو بإله كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة وما من خارقة له إلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن كان قبله فإن كان قد أحيا الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى وهو أعجب وإن كان قد خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأمّ وهو أغرب ﴿وأمه صدّيقة﴾ أي: بليغة الصدق في نفسها كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو يصدّقن الأنبياء كما قال تعالى في وصفها ﴿وصدّقت بكلمات ربها﴾ (التحريم، ١٢) وهذه الآية من أدلة من قال إنّ مريم ﵍ لم تكن نبية فإنه تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الردّ على من قال بإلهيتها إشارة إلى ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات فإنّ أعظم صفات عيسى ﵇ الرسالة وأكمل صفات أمه ﵍ الصديقية. فائدة: مريم من أزواج نبينا محمد ﷺ في الجنة. ولما بين أقصى ما لهما من الكمالات بين أنّ ذلك لا يوجب لهما الألوهية بقوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ لأنّ من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام وما يتبعه من الهضم لم يكن إلا جسماً مركباً من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك، مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام فكيف يكون إلهاً، وخص الأكل بالذكر لأنه أصل الحاجات والإله لا يكون محتاجاً وقيل: هذا كناية عن الحدث لأنّ من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط ومن كانت هذه صفته كيف يكون إلهاً؟ ثم لما أوضح الله تعالى لهم الأدلة في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما ادّعوا فيهما اتبعه التعجب بقوله: ﴿انظر﴾ متعجباً ﴿كيف نبين لهم الآيات﴾ على وحدانيتنا ﴿ثم انظر أنى﴾ أي: كيف ﴿يؤفكون﴾ أي: يصرفون عن الحق مع قيام البرهان. فإن قيل: ما معنى التراخي في قوله تعالى: ﴿ثم انظر﴾ ؟ أجيب: بأنّ معناه التفاوت بين العجبين أي: أنّ بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب. ﴿قل أتعبدون من دون الله﴾ أي: غيره يعني ﵇ ﴿ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً﴾ أي: لا يستطيع أن يضرّكم بمثل ما يضرّ الله تعالى به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من صحة الأبدان والسعة والخصب وكل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع فبإقدار الله تعالى وتمكينه وكأنه لا يملك شيئاً وهذا دليل قاطع على أن أمر عيسى منافٍ للربوبية حيث جعله لا يستطيع ضراً ولا نفعاً وصفة الرب تعالى أن يكون قادراً

стр. 387

على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته تعالى. فإن قيل: إذا كان المراد السيد عيسى فلِمَ عبّر بما دون من مع أنّ المراد من يعقل؟ أجيب: بأنه أتى بما نظر إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية أو أن المراد كل ما عبد من دون الله تعالى سواء كان ممن يعقل أم لا ﴿وا هو السميع﴾ لأقوالكم ﴿العليم﴾ بأحوالكم فيجازي عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر والاستفهام للإنكار. ﴿قل يأهل الكتاب﴾ أي: عامّة ﴿لا تغلوا﴾ أي: تجاوزوا الحد ﴿في دينكم﴾ وقوله تعالى: ﴿غير الحق﴾ صفة للمصدر أي: لا تغلوا في دينكم غلوّاً غير الحق أي: غلواً باطلاً؛ لأنّ الغلو في الدين غلوان: حق وهو أن يجتهد في تحصيل حججه كما يفعل المتكلمون، وغلو باطل وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة فيرفعوا عيسى ﵇ إلى أن يدّعوا له الإلهية أو يضعوه ويرتابوا فيه، وقيل: الخطاب للنصارى خاصة. ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل﴾ في غلوهم وهم أسلافهما الذين قد ضلّوا قبل مبعث رسول الله ﷺ في شريعتهم ﴿وأضلوا كثيراً﴾ أي: من الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظنّ حقاً ﴿وضلوا﴾ أي: بعد مبعث رسول الله ﷺ ﴿عن سواء السبيل﴾ أي: طريق الحق وهو الإسلام والسواء في الأصل الوسط والأهواء ههنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة، قال أبو عبيدة: لم يذكر الهوى إلا في موضع الشر لا يقال: فلان يهوى الخير إنما يقال: يريد الخير ويحبه وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك فقال: كل هوى ضلالة. ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود﴾ أي: لعنهم الله في الزبور على لسان داود وإنّ أهل أيلة لمّا اعتدوا في السبت قال داود ﵇: اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وخنازير وقوله تعالى ﴿وعيسى بن مريم﴾ عطف على داود أي: لعنهم الله في الإنجيل على لسان عيسى بن مريم وهم أصحاب المائدة ما لم يؤمنوا قال عيسى ﵇: اللهمّ العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبيّ، قال بعض العلماء: إنّ اليهود كانوا يفتخرون بأناس من أولاد الأنبياء فذكر الله تعالى هذه الآية ليدل على أنهم ملعونون على ألسنة الأنبياء ﴿ذلك﴾ أي: اللعن المذكور ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿عصوا وكانوا يعتدون﴾ ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله تعالى: ﴿كانوا لا يتناهون﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿عن منكر﴾ أي: معاودة منكر ﴿فعلوه﴾ أو عن مثل منكر أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤا له وإنما قدر ما ذكر لأنّ التناهي عن منكر قد مضى محال ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ أي: يفعلونه والمخصوص بالذم محذوف أي: فعلهم هذا قال بعض المفسرين: فيا حسرتا على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير وقلة عبثهم به كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب. ﴿ترى كثيراً منهم﴾ أي: من أهل الكتاب ﴿يتولون الذين كفروا﴾ أي: يوالون المشركين بغضاً لرسول الله ﷺ وللمؤمنين ﴿لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم﴾ من العمل لمعادهم ﴿أن سخط الله عليهم﴾ أي: غضب عليهم ﴿وفي العذاب هم خالدون﴾ أي: دائماً.

стр. 388

﴿ولو كانوا يؤمنون با والنبيّ﴾ محمد ﷺ ﴿وما أنزل إليه﴾ من عند الله تعالى أعم من القرآن وغيره إيماناً خالصاً من غير نفاق ﴿ما اتخذوهم﴾ أي: المشركين ﴿أولياء﴾ إذ الإيمان يمنع ذلك ﴿ولكنّ كثيراً منهم فاسقون﴾ أي: خارجون عن الإيمان، وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدعون ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يولهم المسلمون. ﴿لتجدنّ﴾ يا محمد ﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ من أهل مكة لتضاعف كفرهم وجهلهم وانهماكهم في اتباع الهوى وفي جعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين دلالة على شدة عداوتهم لهم، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا﴾ (البقرة، ٩٦) وعنه ﷺ «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هَمَّا بقتله» ﴿ولتجدنّ أقربهم﴾ أي: الناس ﴿مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ إنما أسند تسميتهم نصارى إليهم دون تسمية اليهود لأنهم الذين سموا أنفسهم نصارى حين قال لهم عيسى ﵇: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ (آل عمران، ٥٢) الآية، أو لأنهم كانوا يسكنون قرية يقال لها: ناصرة وكلهم لم يكونوا ساكنين فيها، وعلى التقديرين فتسميتهم نصارى ليست حقيقة بخلاف تسمية اليهود يهوداً فإنها حقيقة سواء سموا بذلك لكونهم أولاد يهودا بن يعقوب أو لكونهم تابوا عن عبادة العجل بقولهم: إنا هُدْنا إليك أو لتحرّكهم في دراستهم. ثم علل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين﴾ أي: علماء ﴿ورهباناً﴾ أي: عباداً ﴿وأنهم لا يستكبرون﴾ عن اتباع الحق كما استكبر اليهودو المشركون من أهل مكة، نزلت في وفد النجاشي القادمين من الحبشة لا في كل النصارى لأنهم في عداوتهم للمسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب ديارهم وهدم مساجدهم وحرق مصاحفهم، قال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله تعالى منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله محمداً ﷺ بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: «إنّ ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يظلم عنده أحداً فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً» وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وإنما النجاشي اسم الملك كقولهم: قيصر وكسرى فخرج إليه سراً أحد عشر رجلاً وأربع نسوة من جملتهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في شهر رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله ﷺ وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وتتابع المسلمون إليهما فكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك أرسلوا إلى النجاشي بالهدايا ليردّهم إليهم فعصهم الله تعالى وانصرفوا خائبين، وأقام المسلمون هناك بحسن دار وخير جوار إلى أن هاجر رسول الله ﷺ وعلا دينه في سنة ست من الهجرة كتب

стр. 389

رسول الله ﷺ إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها فأرسل النجاشي إلى أمّ حبيبة جارية تخبرها بخطبة رسول الله ﷺ فاستسرت بذلك وأذنت لخالد بن سعيد أن يزوّجها وكان الخاطب لرسول الله ﷺ النجاشي فأنفذ إليها أربعمائة دينار، قالت أمّ حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم ووافى جعفر بن أبي طالب وأصحابه رسول الله ﷺ في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشأم فقرأ عليهم رسول الله ﷺ فبكوا وأسلموا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول﴾ من القرآن ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع﴾ أي: جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنهم تفيض بأنفسها ﴿مما عرفوا من الحق﴾ من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا من الحق أو التبعيض فإنه بعض الحق والمعنى: إنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله، وقال ابن عباس: يريد النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم بعث إليه رسول الله ﷺ بكتابه فقرىء عليهم ثم دعا بجعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين وأمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ عليهم كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة قالوا: آمنا كما قال تعالى: ﴿يقولون ربنا آمنا﴾ أي: صدقنا نبيك وكتابك ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ أي: أمة محمد ﷺ الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة دليله قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ (البقرة، ١٤٣) وإذا نظرت مكاتبات النبيّ ﷺ ازددت بصيرة في صدق هذه الآية فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهودة بن علي وغيرهم وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية في الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه ﷺ ولم يجز رسوله بشيء قال البقاعي: السرّ في ذلك أنه لما كان عيسى ﵊ أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبيّ ﷺ كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودّة لاتباع النبيّ ﷺ وقالوا في جواب من عيّرهم بالإسلام من اليهود. ﴿وما لنا لا نؤمن با وما جاءنا من الحق﴾ وهو القرآن لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه وقوله تعالى: ﴿ونطمع﴾ معطوف على نؤمن ﴿أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين﴾ أي: المؤمنين الجنة. ﴿فأثابهم الله بما قالوا﴾ أي: جعل ثوابهم على هذا القول المسند إلى خلوص النية الناشىء عن حسن الطوية ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك﴾ أي: الجزاء العظيم ﴿جزاء المحسنين﴾ أي: بالإيمان. ﴿والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ أي: الذين لا ينفكون عنها لا غيرهم من عصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم وعطف التكذيب بآيات الله على الكفر وهو ضرب منه لأنّ القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدّيقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب. ﴿يأيها الذين آمنوا لا تحرموا﴾ أي:

стр. 390

لا تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غير ذلك ﴿طيبات﴾ أي: مستلذات ﴿ما أحلّ الله لكم﴾ كمنع التحريم أي: لا تقولوا حرمناها على أنفسنا مبالغة منكم في العزم على تركها تزهداً منكم وتقشفاً ﴿ولا تعتدوا﴾ حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم ﴿إنّ الله لا يحب المعتدين﴾ أي: لا يفعل فعل المحب من الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت ولا للمفرّطين فيه الذين يحللون ما حرمت أن يفعلوا فعل المحرّم من المنع وفعل المحلل من التناول فالآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرّم داعية إلى القصد بينهما. روي أنّ رسول الله ﷺ وصف يوم القيامة لأصحابه فبالغ وأشبع في الكلام في الإنذار فرق الناس وبكوا واجتمع عشرة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيت عثمان بن مظعون وهم: أبو بكر الصديق وعليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا في الأرض فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم رسول الله ﷺ «ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا؟» قالوا: بلى يا رسول الله ما أردنا إلا الخير فقال رسول الله ﷺ «إني لم أومر بذلك» ثم قال: «إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» ثم جمع الناس وخطبهم وقال: «ما بال أقوام يحرّمون النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم ولا النساء ولا اتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة صوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع» فأنزل الله تعالى هذه الآية فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا فأنزل الله تعالى لا ﴿يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ (البقرة، ٢٢٥) ، الآية. وروي «أنّ رسول الله ﷺ كان يأكل الدجاج والفالوز وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال: «المؤمن حلو يحب الحلاوة» وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ رجلاً قال له: إني حرمت الفراش فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك» وعن الحسن: أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السنجي وأصحابه فقعدوا على المائدة وعليها الألوان من الدجاج والفالوز وغير ذلك فاعتزل فرقد ناحية فسأل الحسن أهو صائم فقالوا: لا ولكنه يكره هذه الألوان فقال: يا فريقد أترى لعاب النحل بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم، وعنه أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوز يقول: لا أؤدي شكره قال: أفيشرب الماء البارد؟ قال: نعم قال: إنه جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوز، وعنه أنّ الله تعالى أدب عباده
следующие страницы →