← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بالترهيب تنشيطاً لاكتساب ما ينجي وتثبيطاً عن اقتراف ما يردي بقوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ أي: الطاعات ﴿أن لهم جنات﴾ أي: حدائق ذات شجر ومساكن، وإنما أمر الله الرسول ﷺ أو عالم كل عصر، أو كل أحد يقدر على البشارة أن يبشر الذين آمنوا ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنؤوا بما أعد لهم، والبشارة: الخبر الصدق السار أوّلاً فإنه يظهر أثر السرور في البشرة لأن النفس إذا سرت انتشر الدم انتشار الماء في الشجرة ولذلك قال الفقهاء: البشارة هو الخبر الأوّل حتى لو قال الرجل لعبيده: من يبشرني بقدوم ولدي فهو حرّ فأخبروه فرادى عتق أوّلهم ولو قال: من أخبرني عتقوا جميعاً. فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ ؟ أجيب: بأنّ ذلك ورد على سبيل التهكم كقوله تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ (الدخان، ٤٩) وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأنّ السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإنّ الإيمان الذي هو عبارة عن التيقن والتصديق أس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا نفع تام بأس لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا مفردين وفي عطف العمل على الإيمان دليل على أنّ الصالحات خارجة عن مسمى الإيمان إذ الأصل أنّ الشيء لا يعطف على نفسه ولا على ما هو داخل فيه، وجمع الجنة لأنّ الجنان على ما ذكره ابن عباس سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعلييون، وفي كل واحدة من هذه السبع مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال.l واللام في الصالحات للجنس لا للاستغراق إذ لا يكاد المؤمن أن يعمل جميع الصالحات، واللام في لهم تدل على استحقاقهم إياها لأجل ما ترتب عليه من الإيمان والعمل الصالح لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة فضلاً عن أن يقتضي ثواباً وجزاءً فيما يستقبل بل بجعل الشارع ومقتضى وعده ولا على الإطلاق بل بشرط أن يستمرّ عليه حتى يموت وهو يؤمن لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ (البقرة، ٢١٧) ولعله لم يقيدها هنا استغناء بهذه الآية وأشباهها ﴿تجري من تحتها﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها ﴿الأنهار﴾ كما تراها جارية تحت الأشجار الثابتة على شواطئها، وعن مسروق: أنهار الجنة تجري في غير أخدود، قال الجوهري: الأخدود شق مستطيل في الأرض واللام في الأنهار للجنس كما في قولك لفلان بستان فيه الماء الجاري، قال البيضاوي: أو للعهد والمعهود هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى: ﴿أنهار من ماء غير آسن﴾ (محمد، ١٥) الآية. اه. قال التفتازاني: إنما يصح هذا لو ثبت سبق قوله تعالى: ﴿أنهار من ماء غير آسن﴾ في الذكر. اه. والنهر بالفتح والسكون: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات، والمراد بالأنهار ماؤها على حذف مضاف أو تسمية للماء باسم مجراه مجازاً وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ (الزلزلة، ٢) ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً﴾ أي: أطعموا من تلك الجنات ثمرة، ومن صلة ﴿قالوا هذا الذي رزقناكم﴾ أي: أطعمنا ﴿من قبل﴾ أي: من قبل هذا في الدنيا جعل الله تعالى ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس إليه

стр. 37

أوّل ما يرى فإنّ الطبائع مائلة إلى المألوف مستنفرة من غيره أي: هذا من نوعه لتشابه ما يؤتون به في الصورة كما قال تعالى: ﴿وأتوا به متشابهاً﴾ أي: في اللون والصورة مختلفاً في الطعم وذلك أبلغ في باب الاعجاز، والداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم وافتخارهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة، وقيل: في الجنة لأن طعامها متشابه الصورة كما حكي عن الحسن أنّ أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل كل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك فتقول الملائكة: كل فاللون واحد والطعم مختلف أو كما روي أنه ﵊ قال: «والذي نفس محمد بيده إنّ الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدّل الله مكانها مثلها» وعن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها وثمرها أمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى والعنقود اثنا عشر ذراعاً. فإن قيل: على الأوّل التشابه هو التماثل في الصفة وهو مفقود بين ثمرات الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس: ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء. أجيب: بأن التشابه، بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون المقدار والطعم وهو كاف في إطلاق التشابه، وللآية كما قال البيضاوي محمل آخر وهو أنّ مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها فيحتمل أن يكون المراد من هذا الذي رزقنا أنه ثوابه ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والرتبة وعلوّ الطبقة، فيكون هذا في الوعد نظير قوله تعالى: ﴿ذوقوا ما كنتم تعملون﴾ (العنكبوت، ٥٥) في الوعيد ﴿ولهم فيها﴾ أي: الجنات ﴿أزواج﴾ من الحور العين والآدميات ﴿مطهرة﴾ مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهنّ كالحيض والدرن أي: الوسخ ودنس الطبع وسوء الخلق فإنّ التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال ومعنى تطهيرهنّ مما ذكر كما قال التفتازاني: إنها منزهة عن ذلك مبرأة عنه بحيث لا يعرض لهنّ لا التطهر الشرعي بمعنى إزالة النجس الحسي أو الحكمي، كما في الغسل عن الحيض والزوج يقال: للذكر والأنثى، قال تعالى: وأصلحنا له زوجه، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف. فإن قيل: فائدة المطعوم هو التقوى ودفع ضرر الجوع وفائدة المنكوح التوالد وحفظ النوع وهذه الفوائد مستغنى عنها في الجنة. أجيب: بأن مطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثيل ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدتها ﴿وهم فيها خالدون﴾ أي: دائمون أحياء، لا يموتون ولا يخرجون، والأصل في الخلود الثبات المديد دام أو لم يدم إذ لو كان وضعه للدوام لكان التقييد بالتأبيد في قوله تعالى: ﴿خالدين فيها أبداً﴾ تأكيداً لا تأسيساً والأصل خلافه لكن المراد به الدوام في الآية عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن. فإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادّة الكيفية معرضة للاستحالات المؤدّية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنات؟ أجيب: بأنه تعالى يعيدها بحيث لا تعتريها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلاً متقاومة في الكيفية متساوية في القوّة لا يقوى شيء منها على

стр. 38

إحالة الآخر متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن، ولما كان معظم اللذات الحسية مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكح على ما دلّ عليه الاستقراء وكان مآل ذلك كله الثبات والدوام وأنّ كل نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم بشر المؤمنين بالمساكن والمطاعم والمناكح فبشر بالأوّل بقوله تعالى: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وبالثاني بقوله تعالى: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً﴾ الآية وبالثالث بقوله تعالى: ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾ ومثل ما أعدّ لهم في الآخرة بأحسن ما يستلذ منها، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور. ولما ضرب الله المثل بالذباب والعنكبوت في قوله تعالى: ﴿وإن يسلبهم الذباب﴾ (الحج، ٧٣) وقوله تعالى: ﴿كمثل العنكبوت﴾ (العنكبوت، ٤١) قالت اليهود: ضرب المثل بذلك مما يستحيا منه لخسته فليس من عند الله تعالى فنزل ردّاً عليهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئك هُمُ الْخَاسِرُونَ * كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿إن الله لا يستحيي﴾ أي: لا يترك ﴿أن يضرب مثلاً مّا بعوضة﴾ وهي صغيرة البق ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها وأن بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار من منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذف من عند سيبويه، ويجوز كما في «الكشاف» نصبه بإفضاء الفعل إليه بنفسه فإن استحيا يتعدّى بنفسه أيضاً، يقال: استحييت منه واستحييته، وما إمّا إبهامية تزيد النكرة قبلها إبهاماً وإمّا مزيدة لتأكيد معنى مضمون الجملة قبلها كالتي في قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله﴾ (آل عمران، ١٥٩) ولا يراد بالمزيد اللغو الضائع فإن القرآن كله هدى وبيان بل المراد بالمزيد ما لم يوضع لمعنى يراد منه وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيده وثاقة وقوّة وهو زيادة في الهدى غير قادح في القرآن، وبعوضة عطف بيان أو بدل من مثلاً أو مفعول ثان ليضرب بمعنى يجعل، والحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة التي هي الجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها وبين الخجل الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً فإذا وصف به الباري كما جاء في الحديث «إنّ الله يستحي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه» «إنّ الله حييّ كريم يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردّهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً» فالمراد به الترك كما قدّرته اللازم للانقباض كما أنّ المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما، وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيء الحياء فيها للمشاكلة وهو أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ولو تقديراً كما هنا وهو قول الكفرة: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت. ولما كان التمثيل ويصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه فإنّ المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم لأنّ من طبعه ميل الحس وحب المحاكاة شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وإن كان الممثل أعظم من كل عظيم كما مثل في الإنجيل غلّ الصدر بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة ومخالطة السفهاء بإثارة الزنابير ونصه على ما حكاه الفخر الرازي في الأوّل: لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل

стр. 39

في صدوركم. وفي الثاني: قلوبكم كالحصاة التي لا تطبخها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الريح. وفي الثالث: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخالطوا السفهاء فيشتموكم، وجاء في كلام العرب أسمع من قراد لأنّ العرب تزعم أنه يسمع صوت أخفاف الإبل من مسيرة يوم فيتحرّك لها، وقيل: من مسيرة سبع ليال وأعز من مخ البعوض يضرب لمن يكلف الأمور الشاقة ﴿فما فوقها﴾ أي: ما زاد على البعوضة في الجثة كالذباب والعنكبوت، والمعنى أنه لا يستحيي من ضرب المثل بالبعوضة فضلاً عما هو أكبر منه، أو المعنى الذي جعلت فيه مثلاً وهو الصغر والحقارة كجناحها فإنه ﵊ ضرب جناحها مثلاً للدنيا بقوله في خبر الترمذي: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء» ونظيره في احتمال الفوقية للجثة وللمعنى ما روى البخاري وغيره: أنّ رجلاً بمنى خر على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في الألم كالسقوط على الطنب وما زاد عليها في القلة كقرصة النملة، والطنب حبل الخباء، والفسطاط بيت من شعر. ﴿فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنه﴾ أي: ضرب المثل بذلك ﴿الحق﴾ أي: الواقع موقعه ﴿من ربهم﴾ لأن الحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وهم يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة من قولهم: حق إذا ثبت ومنه ثوب محقق، أي: محكم النسج، وأمّا حرف تفصيل يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء، قال سيبويه: أمّا زيد فذاهب معناه مهما يكن من شيء فزيد ذاهب أي: هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة، وكان الأصل دخول الفاء على الجملة لا الخبر لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا الفاء على الخبر وعوضوا المبتدأ عن جملة الشرط لفظاً ﴿وأمّا الذين كفروا فيقولون ماذا﴾ يحتمل وجهين: أن تكون ما استفهامية وذا بمعنى الذي وما بعده صلته والمجموع خبر ما، وأن تكون ما مع ذا اسماً واحداً بمعنى أيّ شيء ﴿أراد الله بهذا﴾ فهو منصوب المحل على المفعولية لأراد فما وذا كما في «الكشاف» في حكم ما وحده لو قلت ما أراد الله وكان من حقه، وأمّا الذين كفروا فلا يعلمون ليطابق قرينه وهو الذين آمنوا ويقابل قسيمه وهو يعلمون أنه الحق، لكن لما كان قولهم هذا دليلاً واضحاً على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية عن عدم علمهم ليكون كالبرهان عليه والإرادة صفة ذاتية قديمة زائدة على العلم ترجح أحد مقدوريه على الآخر وتخصصه بوجه دون وجه بخلاف القدرة فإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجوه بل هي موجدة للفعل مطلقاً وقوله تعالى: ﴿مثلاً﴾ نصب على الحال من اسم الإشارة والعامل فيه اسم الإشارة أو التمييز والمعنى أي فائدة في ذلك فقال تعالى: ﴿يضلّ به كثيراً﴾ بأن يكذبوا به ﴿ويهدي به كثيراً﴾ بأن يصدقوا به وكثرة كل واحد من القبيلين بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس أي: لا بالنظر إلى مقابليهم فإنّ المهتدين قليلون بالإضافة إلى أهل الضلال كما قال تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ (سبأ، ١٣) ويحتمل أن تكون كثرة الضالين من حيث العدد وكثرة المهتدين باعتبار الفضل والشرف كما قال المتنبي في مدح علي بن يسار: *

стр. 40

سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد* *ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... قليل إذا عدّوا كثيراً إذا شدوا* وقال: إن الكرام كثير (أي: كرماً) في البلاد وإن قلوا (أي: عدداً) ، كما غيرهم (قل بضم القاف وكسرها أي: قليل كرماً) وإن كثروا. أي: عدداً ﴿وما يضلّ به إلا الفاسقين﴾ أي: الخارجين عن حدّ الإيمان بالكفر كقوله تعالى: ﴿إنّ المنافقين هم الفاسقون﴾ (التوبة، ٦٧) وتخصيص الإضلال بهم مرتباً على صفة الفسق يدل على أنه الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال بالمثل وسبب ضلالتهم به أن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل صرفت وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به حتى رسخت به جهالتهم وازدادت به ضلالتهم فأنكروا المثل واستهزؤوا به، وأمّا الفاسق في الشرع فهو الخارج عن أمر الله بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة ولم تغلب طاعاته على معاصيه ولا يخرجه ذلك عن الإيمان إلا إذا اعتقد حل المعصية سواء أكانت كبيرة أم صغيرة قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ (الحجرات، ٩) والمعتزلة جعلوا الفاسق قسماً ثالثاً نازلاً بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركة كل واحد منهما في بعض الأحكام. ثم بين صفة الفاسقين بقوله: ﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ وهو إمّا المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسله وعليه يدلّ قوله تعالى: ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ (الأعراف، ١٧٢) وإمّا المأخوذ بالرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدّق بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه وعليه يدل قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾ (آل عمران، ١٨٧) الآية وقيل: عهود الله ثلاثة: عهد أخذه بواسطة العقل على جميع ذرّية آدم بأن يقروا بربوبيته، وعهد أخذه بواسطة الملك على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وعهد أخذه بواسطة الرسل على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه، وقوله تعالى: ﴿من بعد ميثاقه﴾ أي: توكيده، يحتمل عود الضمير للعهد فهو من إضافة المصدر إلى المفعول أو لله فهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، قال البيضاويّ: ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر واعترض: بأنّ النحويين لم يذكروا مفعالاً في صيغ المصادر، وأصله أن يكون وصفاً كمطعام ومسقام. وأجيب: بحمل ذلك على أنه اسم واقع موقع المصدر كما يشير إليه قوله بمعنى المصدر: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ وهو الرحم لأنهم قطعوا رحم النبيّ ﷺ بالمعاداة معه، ويحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى كقطع الرحم والإعراض عن موالاة المؤمنين والتفرقة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والكتب في التصديق وترك الجماعات وسائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شرّ فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل والأمر هو القول الطالب للفعل، وقيل: مع العلوّ، وقيل: مع الاستعلاء، وأن يوصل بدل من الهاء، وقرأ ورش بتغليظ اللام وصلاً وإذا وقف رقق وغلظ وأدغم خلف النون في الياء بغير غنة ﴿ويفسدون في الأرض﴾ بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ بفوات التوبة والمصير إلى العقوبة بإهمال

стр. 41

العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها، واشتروا النقض بالوفاء؛ والفساد بالصلاة؛ والعقاب بالثواب. ثم وبخ الكفار بقوله: ﴿كيف تكفرون با﴾ أي: أخبروني على أي حال تكفرون ﴿وكنتم أمواتاً﴾ أي: نطفاً في أصلاب آبائكم لا إحساس لكم ﴿فأحياكم﴾ في الأرحام ثم في الدنيا بخلق الأرواح ونفخها فيكم وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه غير متراخ عنه بخلاف البواقي، وقرأ الكسائي بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح. ﴿ثم يميتكم﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿ثم يحييكم﴾ للبعث يوم ينفخ في الصور أو للسؤال في القبور. قال التفتازاني: ولم لا يجوز أن يراد مطلق الإحياء بعد الإماتة على ما يعم الإحياء في القبور والنشور، ولا بعد فيه لشدّة ارتباط الإحياءين واتصالهما في الانقطاع عن أمر الدنيا ﴿ثم إليه ترجعون﴾ تردّون بعد الحشر فيجازيكم بأعمالكم أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب فما أعجب كفركم مع عملكم بحالكم هذه. فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون أجيب: بأن تمكنهم من العلم بما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر سيما في الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما وهو أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولاً قدر على أن يحييهم ثانياً فإنّ بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته. فإن قيل: كيف تعدّ الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ أجيب: بأنها لما كانت وصلة للحياة الدائمة التي هي الحقيقية كما قال تعالى: ﴿وإنّ الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ (العنكبوت، ٦٤) يعني: الحياة، كانت من النعم العظيمة مع أنّ المعدود عليهم نعمة هو المعنى المتنزع من القصة بأسرها كما أن الواقع حالاً هو العلم بها لا كل واحدة من الجمل فإنّ بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا يصح حالاً ويصح أن يكون الخطاب مع الكفار والمؤمنين فإنه لما بين دلائل التوحيد والنبوّة ووعدهم على الإيمان وأوعدهم على الكفر أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامّة والخاصة واستبعد صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم الجليلة فإنّ عظم النعم يوجب عظم معصية المنعم وأن يكون مع المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم وتبعيد الكفر عنهم على معنى كيف يتصوّر الكفر منكم وكنتم أمواتاً أي: جهالاً فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان ثم يميتكم الموت المعروف ثم يحييكم الحياة الحقيقية ثم إليه ترجعون فينبئكم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والحياة حقيقة في القوّة الحاسة أو ما يقتضيها وبها سمي الحيوان حيواناً مجاز في القوّة النامية لأنها من طلائعها ومقدّماتها وفيما يخص الإنسان من الفضائل كالعلم والعقل والإيمان من حيث أنه كمالها وغايتها والموت بإزائها، يقال على ما يقابلها في كل مرتبة مثال ما يقابل الحقيقة قوله تعالى: ﴿قل الله يحييكم ثم يميتكم﴾ (الجاثية، ٢٦) ومثال ما يقابل المجاز الأوّل قوله تعالى: ﴿اعلموا أنّ الله يحيي الأرض بعد موتها﴾ (الحديد، ١٧) ومثال ما يقابل المجاز الثاني قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس﴾ (الأنعام، ١٢٢) وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوّة فينا

стр. 42

أو معنى قائم بذاته تعالى، ثم أومأ إلى مشيئته وقدرته فقال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ا?رْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى? إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّ?ـاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ? وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَا??ـ?ِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى ا?رْضِ خَلِيفَةً? قَالُو?ا? أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ? قَالَ إِنِّي? أَعْلَمُ مَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَءَادَمَ ا?سْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَا?ئِكَةِ فَقَالَ أَن?بِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَا?ؤُ?ءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا? سُبْحَانَكَ عِلْمَ لَنَآ إِ s مَا عَلَّمْتَنَآ? إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض﴾ أي: لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط كالأدوية المركبة، أو غير وسط كالثمرة والأدوية المفردة، وفي دينكم بالاستدلال على موجدكم ففي ذلك نعمة على عباده وما نعم كل ما في الأرض لا الأرض إلا إن أريد بالأرض جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو وقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ حال من الموصول الثاني وهو ما وهي حال مؤكدة لما لاتحادهما في العموم وهذا أقرب من جعله حالاً من ضمير لكم لأنّ سياق الآيات إنما هو في تعداد النعم لا في تعداد المنعم عليهم، ولأنّ المنة بتعداد النعم أظهر من المنة بتعداد المنعم عليهم لأنّ مقدار النعم يصل إلى كل أحد ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ أي: قصد إلى خلقها بإرادته، وأصل الاستواء طلب السواء وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء ولا يمكن حمله على الله تعالى لأنه من خوّاص الأجسام وقيل: استوى استولى كما قيل: *قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق* والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية أو جهات العلو ليطابق قوله تعالى: ﴿فسوّاهنّ سبع سموات﴾ فجمع الضمير العائد إلى السماء لإرادة الجنس، وقيل: لأنّ السماء جمع سماءة أي: جعلهنّ مستويات لا شقوق فيهنّ ولا تفاوت، قال البيضاويّ: وثم لعله لتفاوت ما بين الخلقين أي: في القدر والعظم وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا﴾ (البلد، ١٧) لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ (النازعات، ٣٠) فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدّم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها. اه، وأجيب: بأنه لا يدل على ذلك لأن تقدّم خلق جرم الأرض على خلق جرم السماء لا ينافي تأخر دحوها عنه وهو بسطها، وردّه التفتازانيّ بأنه ليس على ما ينبغي لأن ثم تدل على تأخر خلق السماء عن خلق ما في الأرض من عجائب الصنع حتى أسباب اللذات والآلام وأنواع الحيوانات حتى الهوام لا عن مجرّد خلق جرم الأرض قال: وسنذكر في حم السجدة ما يدل على تأخر خلق السماء عن خلق الأرض ودحوها جميعاً حتى قيل: إنه خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام ثم خلق السماء وما فيها في يومين وكثر ذلك في الروايات فلا يفيد حمل ثم على تراخي الرتبة، اه. والأوجه كما قاله بعض المفسرين الموافق لظاهر ما هنا وما سيأتي في فصلت تأويله مع الإيضاح أن يقال: إنّ خلق جرم الأرض مقدّم على خلق جرم السماء، وخلق وصفها ـ أعني: دحوها ـ مقدّم على خلق وصف السماء أعني تسويتها سبعاً، فمرجع الإشارة في قوله تعالى بعد ذلك جرم السماء لا وصفها وبذلك علم أن جعل ثم للتراخي في الوقت لا يخالف ما ذكر خلافاً لما زعمه البيضاويّ. فإن قيل: أليس أنّ أصحاب الأرصاد أثبتوا بالبراهين تسعة أفلاك وهي كرة القمر، فكرة عطارد، فكرة الزهرة، فكرة الشمس، فكرة المريخ، فكرة المشتري، فكرة زحل، فالفلك الذي فيه الكواكب الثابتة، فالفلك الأعظم وهو متحرّك كل يوم وليلة على التقرب دورة واحدة؟ أجيب: بأنّ ما ذكروه ليس مستنداً إلى دليل شرعي فلا ينبغي اعتباره. قال البيضاويّ:

стр. 43

وإن صح فليس في الآية نفي الزائد مع أنه إن ضمّ إليها العرش والكرسي لم يبق خلاف وقوله تعالى: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ أي: مجملاً ومفصلاً فيه تعليل كأنه قال: ولكونه عالماً بكيفية الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع واستدلال بأنّ من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الأنيق كان عليماً فإنّ إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع لا يتصوّر إلا من عالم حكيم رحيم أفلا تعتبرون أنّ القادر على خلق ذلك ابتداءً وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم. وقرأ حمزة والكسائي ثم استوى وفسوّاهنّ بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائيّ وهو بسكون الهاء، والباقون بضمها، ﴿و﴾ اذكر يا محمد ﴿إذ قال ربك للملائكة﴾ وقيل: إذ زائدة أي: وقال ربك: وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وهو إلا إما يقدّر اذكر وهو الأولى أو تكون إذ مزيدة وإذ وإذا ظرفا توقيت إلا أنّ إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر، قال المبرد: إذا جاء إذ مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله تعالى: ﴿وإذ يمكر﴾ (الأنفال، ٣٠) يعني: وإذ مكروا، وإذا جاء إذا مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله﴾ (الفتح، ١) أي: سيجيء، وقرأ أبو عمرو بإدغام اللام في الراء بخلاف عنه، والباقون بالإظهار، والملائكة جمع ملك أصله ملاك والتاء لتأنيث الجمع وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي الرسالة لأنهم وسايط بين الله تعالى وبين الناس فهم رسل الله أو كالرسل إليهم لتوسط الأنبياء بينهم وبين الناس واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام لطيفة شفافة ويعبرون عنها بنورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة والجنّ قادرة على ذلك واستدلوا على ذلك بأنّ الرسل كانوا يرونهم أجساماً لطيفة متشكلة بأشكال مختلفة وزعم الحكماء ـ يعني الفلاسفة ـ أنهم جواهر مجرّدة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة أي: المتصفة بفضائل العلم والعمل، بخلاف الشرّيرة فإنها عندهم: الشياطين البشرية الناطفة. قوله: البشرية وما بعده صفة للنفوس المفارقة للأبدان يعني: ما دامت في الأبدان تسمى النفوس، فإذا فارقتها كانت الملائكة، والمقول له الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص، وقيل: ملائكة الأرض وذلك أنّ الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجنّ فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجنّ في الأرض فمكثوا فيها دهراً طويلاً ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا فيها فبعث الله تعالى إليهم جنداً من الملائكة يقال له: الجنّ وهم خزان الجنان اشتق لهم اسم من الجنة رأسهم إبليس فكان رئيسهم ومن أشدّهم وأكثرهم علماً فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجنّ إلى شعوب الجبال وبطون الأودية وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله تعالى عنهم العبادة وأعطى الله تعالى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب وقال: ما أعطاني الله تعالى هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال الله

стр. 44

تعالى له ولجنده: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ وجاعل من جعل الذي له مفعولان وهما في الأرض خليفة أعمل فيهما لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه ويجوز أن يكون بمعنى خالق فيتعدّى لمفعول واحد وهو خليفة والخليفة من يخلف غيره وينوب عنه، أي: جاعله بدلاً منكم ورافعكم إليّ فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة، والهاء فيه للمبالغة والمراد به لآدم ﷺ لأنه كان خليفة الله في أرضه وكذا كل نبيّ استخلفه الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فبضه وتلقي أمره بغير وسط ولذلك لم يستنبىء ملكاً كما قال تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً﴾ (الأنعام، ٩) أي: في صورة رجل ألا ترى أنّ الأنبياء لما فاقت قوّتهم واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار أرسل إليهم الملائكة ومن كان من الأنبياء أعلى رتبة كلمه بلا واسطة كما كلم موسى صلاة الله وسلامه عليه في الميقات ومحمداً ﷺ ليلة المعراج، وقيل: إنه خليفة من سكن الأرض قبله، وقيل: المراد آدم وذرّيته لأنهم يخلفون من قبلهم أو يخلف بعضهم بعضاً وإفراد اللفظ إمّا للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه أو على تأويل من يخلف، وفائدة قوله هذا للملائكة تعليم المشاورة وتعظيم شأن المجعول بأن بشر تعالى بوجود سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وجوابه وبيان أنّ الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره فإن ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شر كثير إلى غير ذلك ﴿قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ بالمعاصي ﴿ويسفك الدماء﴾ أي: يريقها بالقتل كما فعل بنو الجان تعجبوا من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد وقصدهم استكشاف ما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها وليس باعتراض على الله تعالى ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: ﴿بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ (الأنبياء، ٢٦) وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى أو تلق من اللوح أو استنباط عما ركز في عقولهم أنّ العصمة من خواصهم أو قياس لأحد الثقلين على الآخر وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب ﴿ونحن نسبح﴾ متلبسين ﴿بحمدك﴾ أي: نقول سبحان الله وبحمده وهذه صلاة ما عدا الآدميين وعليها يرزقون قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ (الإسراء، ٤٤) أي: يقول: سبحان الله وبحمده. روي عن أبي ذرّ: «أنّ رسول الله ﷺ سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله ملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده» وقيل: ونحن نصلي بأمرك، قال ابن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة ﴿ونقدّس لك﴾ ننزهك عما لا يليق بك، فاللام صلة والجملة حال مقرّرة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج، والمعنى: أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك، والمقصود منه الاستفسار عما رجحهم مع ما هو متوقع منهم على الملائكة المعصومين في الاستخلاف لا العجب والتفاخر، وقيل: نقدّس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح

стр. 45

وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة بتطهر النفس عن الآثام ﴿قال﴾ تعالى: ﴿إني أعلم ما لا تعلمون﴾ من المصلحة في استخلاف آدم وأنّ ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم، وقيل: إني أعلم أنّ فيكم من يعصيني وهو إبليس وجنوده، وقيل: إني أعلم أنهم مذنبون وأنا أغفر لهم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الباء، والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المدّ. ﴿وعلم آدم الأسماء﴾ أي أسماء المسميات ﴿كلها﴾ حتى القصعة والمغرفة، وقيل: علمه اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وقيل: صيغة كل شيء. قال أهل التأويل: إنّ الله علم آدم جميع اللغات ثم كل واحد من أولاده بلغة فتفرّقوا في البلدان واختص كل فرقة منهم بلغة وذلك إمّا بخلق علم ضروري بها فيه أو ألقى في قلبه علمها أو بإرسال ملك أو بخطاب الله له أو بخلق الأصوات في الأجسام المسميات، والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالباً، ولذلك يقال: علمته فلم يتعلم. وآدم اسم أعجمي كسائر الأنبياء إلا صالحاً وشعيباً ولوطاً ومحمداً بل قيل: إنّ آدم أيضاً عربي وعلى هذا فاشتقاقه من الأدمة بضم الهمزة وسكون الدال بمعنى السمرة، أو الأدمة بفتح الهمزة والدال بمعنى الأسوة أي: القدوة أو من أديم الأرض أي: ظاهر وجهها. روى الحاكم وصححه أنه ﷺ قال: «إنّ الله قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها» ـ وهو بفتح الحاء المهملة ما غلظ من الأرض وصلب أي: وعجنت بالمياه المختلفة ـ فخلق منها آدم ونفخ فيه الروح فصار حيواناً حساساً بعد أن كان جماداً فلذلك يأتي بنوه مختلفين في الألوان والأخلاق والهيئات، وأمّا على الأوّل فلا اشتقاق له لأنّ ذلك إنما يأتي في الأسماء العربية والأعجمي لا اشتقاق له، وكنيته أبو محمد وأبو البشر والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباعدة مستعدّاً لإدراك أنواع المدركات والمعقولات والمحسوسات والمخيلات والموهومات وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. وقرأ ورش في الهمزة من آدم بالمدّ والتوسط والقصر حيث جاء، وقوله تعالى: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمناً في قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء﴾ إذ التقدير أسماء المسميات كما مرّ تقريره فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام في الأسماء كقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيباً﴾ (مريم، ٤) لأنّ العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأسماء إذ العرض لا يصح فيها لأنها من المسموعات والعرض يختص بالمحسوسات بالعين تقول: عرضت الجند عرض العين إذا مررتهم عليك ونظرت ما حالهم. فإن قيل: لم قال عرضهم ولم يقل عرضها؟ أجيب: بأنّ الأسماء إذا جمعت جمع من يعقل ومن لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور، وقال مقاتل: خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة، والكناية راجعة إلى الشخوص فلذلك قال: ﴿عرضهم على الملائكة﴾ ﴿فقال﴾ لهم تبكيتاً لهم وتنبيهاً على عجزهم عن أمر الخلافة ﴿أنبئوني﴾ أي: أخبروني ﴿بأسماء هؤلاء﴾ المسميات ﴿إن كنتم صادقين﴾ أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل وأعلم منه وذلك أنّ الملائكة قالوا لما قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ : ليخلق ربنا

стр. 46

ما يشاء فلن يخلق خلقاً أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم، وجواب الشرط دل عليه ما قبله. ﴿قالوا﴾ أي: الملائكة إقراراً بالعجز وإشعاراً بأنّ سؤالهم كان استفساراً ولم يكن اعتراضاً وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه وإظهاراً لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما التبس عليهم ﴿سبحانك﴾ تنزيهاً عن الاعتراض عليك ﴿لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾ إياه وفي هذا مراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه وتصدير الكلام بسبحان إعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال فإنه تعالى منزه عن أن يفعل ما يخرج عن الحكمة، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى ﵊: ﴿سبحانك تبت إليك﴾ (الأعراف، ١٤٣) وقال يونس ﵊: ﴿سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ (الأنبياء، ٨٧) . تنبيه: اجتمع في قوله تعالى: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أربع مدّات، الأولى: أنبئوني، والثانية بأسماء، والثالثة والرابعة هؤلاء إن، فالأول مدّ بدل، والثاني مدّ متصل، والثالث مدّ منفصل، والرابع مخير لا متصل قطعاً ولا منفصل قطعاً عند من يقول بإسقاط إحدى الهمزتين، فأمّا الأوّل فلورش فيه المدّ والتوسط والقصر، وأمّا الثاني فبالمدّ للجميع لأنه متصل، وأمّا الثالث ففيه المدّ والقصر كما تقدّم لأنه منفصل، وأمّا الرابع وهو أولاء إن ففيه همزتان مكسورتان من كلمتين فقالون والبزي يسهلان الأولى مع المدّ والقصر، وورش وقنبل يسهلان الثانية ويجعلانها حرف مدّ، وأبو عمرو يسقط الأولى والثانية فمن قال بإسقاط الأولى مدّ وقصر، ومن قال بإسقاط الثانية فبالمدّ فقط، وباقي القرّاء يحققون الهمزتين وهم على مراتبهم في المدّ ﴿إنك أنت العليم﴾ الذي لا يخفى عليه خافية ﴿الحكيم﴾ المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة، وأنت ضمير فصل، وقيل: تأكيد للكاف كما في قولك: مررت بك أنت وإن لم يجز مررت بأنت إذ التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن. ﴿قَالَ يَاَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَاَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَتَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿قال﴾ تعالى: ﴿يا آدم أنبئهم﴾ أي: أخبر الملائكة ﴿بأسمائهم﴾ أي: المسميات فسمى آدم كل شيء باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق ﴿فلما أنبأهم بأسمائهم قال﴾ الله تعالى لهم موبخاً ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض﴾ أي: ما غاب فيها ﴿وأعلم ما تبدون﴾ أي تظهرون من قولكم: ﴿أتجعل فيها﴾ إلخ: ﴿وما كنتم تكتمون﴾ أي: تسرون من قولكم: لن يخلق أكرم عليه منا ولا أعلم، وقيل: ما أظهروا من الطاعة وأسره إبليس من المعصية، والهمزة في ﴿ألم أقل﴾ للإنكار بمعنى النفي دخلت على حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير. تنبيه: هذه الآيات وهي آية ﴿وعلم آدم﴾ وآية ﴿سبحانك﴾ وآية ﴿قال يا آدم﴾ تدل على شرف الإنسان ومزية العلم وفضله على العبادة وإلا لأظهر فضل آدم بها، وأن العلم بما يستخلف فيه شرط في الخلافة بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إسناده إلى الله تعالى وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به وأنّ اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم من الملائكة والجنّ فيكون من الله وأنّ مفهوم الحكمة زائد على مفهوم

стр. 47

العلم لتغاير المتعاطفين وإلا لتكرر قوله: ﴿إنك أنت العليم الحكيم﴾ ، وأنّ علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة وأنّ آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم والأعلم أفضل لقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (الزمر، ٩) وأن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها لأنه أخبر عن علمه تعالى بأسماء المسميات جميعها ولم تكن موجودة قبل الإخبار. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ لما أنبأهم بالأسماء وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له واعترافاً بفضله وأداء لحقه واعتذاراً عما قالوا فيه أو أمرهم به قبل أن يسوي خلقه لقوله تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ (الحجر، ٢٩) (ص، ٧٢) امتحاناً لهم وإظهاراً لفضله، وقضية الأوّل تأخير الأمر به عن تسوية خلقه بدليل تأخيره عن أنبائهم وتعليمهم المستلزمين لتسوية خلقه، وعلى الثاني اقتصر بعض المفسرين وهو الظاهر، وأجيب عن دليل الأوّل بأنّ الواو في قوله: وإذ قلنا لا تقتضي الترتيب والسجود في الأصل تذلل مع تطامن وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة، والمأمور به إمّا المعنى الشرعي فالمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيماً لشأنه أو سبباً لوجوبه كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله فمعنى اسجدوا له أي: إليه وكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون أنموذجاً أي: مثالاً للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها ومجمعاً لما في العالم الروحاني والجثماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدّر لهم من الكمالات ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات أمرهم بالسجود تذللاً لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته وشكراً لما أنعم عليهم بواسطته، وأما المعنى اللغويّ وهو التواضع لآدم تحية وتعظيماً له كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى: ﴿وخروا له سجداً﴾ (يوسف، ١٠٠) ولم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض إنما كان الانحناء فلما جاء الإسلام بطل ذلك بالسلام والكلام في أنّ المأمورين بالسجود الملائكة كلهم أو طائفة منهم مثل ما مرّ ﴿فسجدوا﴾ أي: الملائكة ﴿إلا إبليس أبى واستكبر﴾ أي: امتنع عما أمر به استكباراً من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه أو يعظمه أو يتلقاه بالتحية أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه، وقال: أنا خير منه، والإباء امتناع واختيار، والتكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره، والاستكبار طلب ذلك بالتشبع وهو التزين بأكبر مما عنده يتكبر بذلك ويتزين بالباطل ﴿وكان من الكافرين﴾ أي: في علم الله أو صار منهم باستقباحه أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقاداً بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله تعالى: ﴿أنا خير منه﴾ جواباً لقوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين﴾ (ص، ٧٥) لا بترك الواجب وهو السجود وحده، والآية تدل على أنّ آدم أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له وأنّ إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولم يصح استثناؤه منهم ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجنّ﴾ (الكهف، ٥٠) لجواز أن يقال: كان من الجنّ فعلاً ومن الملائكة نوعاً. فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأنّ ابن عباس روى أنّ من الملائكة نوعاً يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس،

стр. 48

وقيل: إن الله تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أنّ من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه﴾ (الكهف، ٥٠) وهو أصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: والأوّل أصح لأنّ خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: ﴿كان من الجنّ﴾ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إنّ الجنّ أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضاً أن الأصاغر وهم الجنّ مأمورون به أيضاً والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمناً. ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ أي: اتخذ الجنة مسكناً لتستقر فيها لأنها استقرار ولبث ولفظة أنت تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه وإنما لم يخاطبهما أوّلاً بأن يقول اسكنا تنبيهاً على أنه المقصود بالحكم وهو الأمر بالسكنى التي هي الأصل بالنسبة إلى ما عطف عليها من الأكل وغيره والمعطوف عليه تبع له حتى في الوجود إذ لم يكن له من يؤنسه في الجنة فخلقت حوّاء ـ بالمدّ ـ من ضلعه الأقصر من جانبه الأيسر وهو نائم فلما استيقظ من نومه رآها جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله فقال: من أنت؟ قالت: زوجتك خلقني الله لك أسكن إليك وتسكن إليّ. وسميت حوّاء لأنها خلقت من حيّ خلقها الله من غير أن يحس بها آدم ولا وجد لخلقها ألماً ولو وجد له ألماً لما عطف رجل على امرأة قط، وإنما صح العطف على المستكن مع أنّ المعطوف لا يباشر فعل الأمر لأنه وقع تابعاً ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، والجنة دار الثواب لأنّ اللام للعهد ولا معهود غيرها، ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال: إنّ الجنة بستان كان بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحاناً لآدم وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند كما في قوله تعالى: ﴿اهبطوا مصراً﴾ ﴿فكلا منها﴾ أكلاً ﴿رغداً﴾ أي: واسعاً لذيذاً لا حجر فيه فرغداً صفة مصدر محذوف وقيل: مصدر في موضع الحال ﴿حيث﴾ أي: أي مكان من الجنة ﴿شئتما﴾ وسع الأمر عليهما إزالة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر. وقرأ أبو عمرو بإدغام الثاء في الشين بخلاف عنه وأبدل السوسي الهمزة وقفاً ووصلاً وحمزة في الوقف فقط ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ بالأكل منها وهي شجرة الحنطة أو الكافور أو شجرة

стр. 49

العنب والتين شجرة من أكل منها أحدث والأولى كما قال البيضاوي: أن لا تعين من غير دليل قاطع أو ظاهر كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود على التعيين ﴿فتكونا﴾ أي: فتصيرا ﴿من الظالمين﴾ أي: العاصين. تنبيه: في هذه الآية مبالغتان: الأولى: تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ووجوب الاجتناب عنه وتنبيهاً على أن القرب من الشيء يورث داعية وميلاً يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع كما روى أبو داود: حبك الشيء يعمى ويصم أي: يخفى عليك معانيه ويصم أذنيك عن سماع مساويه فينبغي أن لا يحول ما حول ما حرّم عليهما مخافة أن يقعا فيه. الثانية: جعل قربانهما إلى الشجرة سبباً لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ﴿فأزلهما الشيطان﴾ أي: إبليس سمي به لبعده عن الخير والرحمة وقرأ حمزة بألف بعد الزاي وتخفيف اللام أي: نحاهما والباقون بغير ألف بعد الزاي وتشديد اللام أي: أذهبهما ﴿عنها﴾ أي: الجنة وإزلاله قوله: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وقوله: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ومقاسمته إياهما بقوله: إني لكما لمن الناصحين واختلف في أنه تمثّل لهما فقال لهما ذلك أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة وكيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له: اخرج منها فإنك رجيم فقيل: إنه منع من الدخول بعد خروجه. الأول: على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ولم يمنع أن يدخل لوسوسة ابتلاء لآدم وحواء فلما دخل وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما وهو أول من ناح فقالا له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة، وكان آدم لما رأى ما في الجنة من النعيم قال: لو أن خلدا فاغتنم الشيطان ذلك منه فإتاه الشيطان من قبل الخلد فوقع قوله في أنفسهما واغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد؟ فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين فاغترّا وما قلنا أن أحداً يحلف بالله كاذباً فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت حواء آدم حتى أكلها وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى سكر فأدّته إليه فأكل وقيل: قام عند الباب فناداهما وقيل: تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة وقيل: دخل في فم الحية حتى دخلت به وكانت صديقاً لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم البعير وكانت من خزان الجنة فسألها إبليس أن تدخله الجنة في فمها فأدخلته ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة وقيل: أرسل بعض أتباعه فأزلهما والعلم في ذلك كما قال البيضاوي عند الله ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾ من الكراخة والنعيم. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال الله تعالى لآدم: أليس فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كداً، فأهبطا من الجنة وكانا يأكلان فيها رغداً فعلم من صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم درسه ثم ذرّاه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه،

стр. 50

ما شاء الله. قال إبراهيم بن أدهم أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّ آدم لما أكل من الشجرة التي نهي عنها قال الله : يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لي حوّاء، قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً ودميتها في الشهر مرتين، فرنت حوّاء عند ذلك، فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك فلما أكلا منها سقطت عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأُخرجا من الجنة فذلك قوله تعالى: ﴿وقلنا اهبطوا﴾ خطاب لآدم وحوّاء لقوله تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعاً﴾ (طه، ١٢٣) وجمع الضمير لأنهما أصل الإنس فكأنهما الإنس كلهم أو هما وإبليس أخرج منها ثانياً بعدما كان يدخلها للوسوسة أو دخلها مسارقة أو من السماء لا من الباب على الخلاف المتقدّم، وقيل: هما وإبليس والحية فهبط آدم بسرنديب بأرض الهند على جبل يقال له: نود وحوّاء بجدّة وإبليس بالإبلة وقيل: ببيسان بالبصرة على أميال والحية بأصبهان، وقوله تعالى: ﴿بعضكم لبعض عدوّ﴾ حال استغنى فيها عن الواو بالضمير والمعنى متعادين، فإن كان الخطاب لآدم وحوّاء فقط فالمراد ببعضكم: بعض الذرّية أي: بعض ذرّيتكم لبعض عدوّ من ظلم بعضهم بعضاً، وإن كان الخطاب لهما ولإبليس والحية فالمراد العداوة بين المؤمنين من ذرّية آدم والحية وبين إبليس، قال الله : ﴿إنّ الشيطان لكما عدوّ مبين﴾ (الأعراف، ٢٢) ، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من تركهنّ خشية أو مخافة تأثر فليس منا، وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث ما سالمناهنّ منذ حاربناهنّ، وروي أنه نهى عن ذوات البيوت. وروي عن أبي سعيد الخدريّ عن النبيّ ﷺ «أنّ بالمدينة جناً قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان» ﴿ولكم في الأرض مستقرّ﴾ أي: موضع قرار ﴿ومتاع﴾ ما تتمتعون به من نباتها ﴿إلى حين﴾ أي: وقت إنقضاء آجالكم ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ أي: استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها وهي ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ (الأعراف، ٢٣) الآية، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «قال آدم: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ فيّ الروح من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم» ، رواه الحاكم وصححه. وقول آدم أراجعي بتخفيف الياء اسم فاعل أضيف إلى المفعول وأنت فاعل لاعتماده على الاستفهام، أو مبتدأ خبره ما قبله، وقرأ ابن كثير بنصب الميم من آدم ورفع التاء من كلمات على أنها تلقته، والباقون برفع الميم وكسر التاء والكسر هذا علامة النصب لأنه جمع مؤنث سالم فينصب بالكسرة ﴿فتاب عليه﴾ أي: قبل توبته وإنما رتب تاب عليه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمن تلقي الكلمات معنى التوبة وهو الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه وردّ المظالم إن كانت واكتفى بذكر آدم لأنّ حوّاء كانت تبعاً له في الحكم، ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن ﴿إنه هو التوّاب﴾ الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، وإذا وصف بها البارىء

стр. 51

أريد بها الرجوع من العقوبة إلى المغفرة ﴿الرحيم﴾ البالغ في الرحمة، وفي الجمع بين التوبة والرحمة وعد للتائب بالإحسان مع العفو. ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا? وَكَذَّبُوا? بِ?َايَاتِنَآ أُو?لَا?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَابَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ اذْكُرُوا? نِعْمَتِيَ الَّتِى? أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا? بِعَهْدِى? أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ * وَءَامِنُوا? بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَتَكُونُو?ا? أَوَّلَ كَافِر? بِهِ?? وَتَشْتَرُوا? بِ?َايَاتِى ثَمَنًا قَلِي? وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ﴾ ﴿قلنا اهبطوا منها﴾ أي: من الجنة ﴿جميعاً﴾ كرّر للتأكيد أو لاختلاف المقصود فإنّ الأوّل دل على هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى لهذا نجا ومن ضله هلك، وقيل: الهبوط الأوّل من الجنة إلى السماء الدنيا، والهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى الأرض ﴿فإمّا﴾ فيه إدغام إنّ الشرطية في ما المزيدة ﴿يأتينكم﴾ يا ذرّية آدم ﴿مني هدى﴾ أي: رشد وبيان شريعة، وقيل: كتاب ورسول ﴿فمن تبع هداي﴾ بأن آمن بي وعمل بطاعتي وكرّر لفظ الهدى ولم يضمر إمّا لإظهار شأنه وفخامته خصوصاً مع إضافته إليه، أو لأنه أراد بالثاني أعمّ من الأوّل وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل أي: فمن تبع ما أتاه راعياً فيه ما يشهد به العقل ﴿فلا خوف عليهم﴾ فضلاً من أن يحل بهم مكروه ﴿ولا هم يحزنون﴾ بفوات محبوب عنهم وهو النظر إلى وجهه تعالى فيحزنوا عليه بل يتنعمون بالنظر إلى وجهه تعالى فإنه المقصود الأعظم فالخوف على الواقع نفى عنهم العقاب فأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه، وقيل: لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة. وأمال الدوري عن الكسائي ألف هداي محضة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح، وإنما جيء بحرف الشك وإتيان الهدى واقع كائن لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلاً. ﴿والذين كفروا﴾ أي: جحدوا ﴿وكذبوا بآياتنا﴾ أي: كتبنا ﴿أولئك أصحاب النار﴾ يوم القيامة ﴿هم فيها خالدون﴾ ماكثون فيها أبداً لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، والآية في الأصل العلامة الظاهرة وتقال للمصنوعات من حيث أنها تدل على الصانع وعلمه وقدرته ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل. تنبيه: في هذه الآيات دلالة على أنّ الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأنّ التوبة مقبولة، وأنّ متبع الهدى مأمون العاقبة، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾ (المجادلة، ١٧) واستدلّ بعض الخوارج كالحشوية وهم قوم جوّزوا الخطاب بما لا يفهم بها على عدم عصمة الأنبياء بوجوه: الأوّل: أنّ آدم ﵇ كان نبياً وارتكب المنهي والمرتكب له عاص، والثاني: أنه جعله بارتكابه من الظالمين، والظالم ملعون لقوله تعالى: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾ (هود، ١٨) ، والثالث: أنه أسند إليه العصيان وألغي وقال: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ (طه، ١٢١) ، والرابع: أنه تعالى لقنه التوبة وهي الرجوع عن الذنب والندم عليه، والخامس: اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة الله له بقوله: ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين﴾ (الأعراف، ٢٣) والخاسر من يكون ذا كبيرة، والسادس: أنه لو لم يذنب ما جرى عليه ما جرى. وأجيب عن ذلك بوجوه: الأوّل: أنه لم يكن نبياً حينئذٍ والمدّعي مطالب بالدليل ولا دليل. الثاني: أن النهي للتنزيه، وإنما سمي ظالماً وخاسراً لأنه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الأولى وإنما أجرى الله تعالى ما جرى معاتبة على ترك الأولى ووفاء بما قاله تعالى للملائكة قبل خلق آدم: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة، ٣٠) ولا يكون خليفة في الأرض إلا بالإهباط إليها، وأمر بالتوبة تلافياً لما فاته. الثالث: أنه فعله ناسياً لقوله تعالى: ﴿فنسي

стр. 52

ولم نجد له عزماً﴾ (طه، ١١٥) ولكن عوقب بترك التحفظ عن أسباب النسيان إذ رفع الإثم بالنسيان من خصائص هذه الأمّة كما ثبت في الأخبار الصحيحة كخبر الشيخين: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان» . وروى الترمذيّ وصححه: «أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» رواه الحاكم بلفظ «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون. الرابع: أنه ﵊ أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه فإنه ظنّ أن النهي للتنزيه أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها، وكان المراد بالإشارة الإشارة إلى النوع لا إلى شجرة معينة كما روى أبو داود وغيره «أنه ﵊ أخذ حريراً وذهباً بيده وقال: هذان حرام على ذكور أمّتي حلّ لإناثها» . فإن قيل: المجتهد إن أخطأ لا يؤاخذ. أجيب: بأنه إنما عوتب على ذلك تعظيماً لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. وقرأ ورش بإمالة ألف النار بين بين، وقرأ أبو عمرو والدوري عن الكسائي بالامالة المحضة، والباقون بالفتح. ﴿يا بني إسرائيل﴾ أي: أولاد يعقوب وإسرائيل لقبه، ومعنى إسرا بالعبرانية عبد وإيل الله فمعناه: عبد الله، وقيل: صفوة الله ﷺ ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ أي: بالتكثر فيها والقيام بشكرها، والذكر يكون بالقلب ويكون باللسان، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط وإن نظر إلى ما أنعم به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر لله، وقيل: أراد بها ما أنعم على آبائهم من فلق البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك من النعم التي لا تحصى قال الله تعالى: ﴿وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها﴾ (إبراهيم، ٣٤) (النحل، ١٨) ﴿وأوفوا بعهدي﴾ أي: بامتثال أمري ومنه ما عهدت إليكم من الإيمان بمحمد ﷺ ﴿أوف بعهدكم﴾ أي: الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة. تنبيه: للوفاء بالعهد درجات كثيرة: فأوّل مراتبه منا هو الإتيان بكلمتي الشهادتين، ومن الله تعالى حقن الدماء والمال، وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلاً عن غيره، ومن الله تعالى الفوز بالغنى الدائم، وأمّا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن ﴿أوفوا بعهدي﴾ في اتباع محمد ﴿أوف بعهدكم﴾ في رفع الآصار أي: الأثقال والأغلال، وعن غير ابن عباس: أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوف بالكرامة والنعيمم المقيم فبالنظر إلى الوسايط ﴿وإياي فارهبون﴾ فيما تأتون وتذرون وخصوصاً في نقض العهد، والرهبة خوف مع تحرز. تنبيه: الآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وأنّ المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله. ﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ من القرآن، وقوله تعالى: ﴿مصدّقاً﴾ حال مؤكدة مما أنزلت أو من ضميره المحذوف ﴿لما معكم﴾ من التوراة بموافقته له ولغيره من الكتب الإلهية في القصص ونعت النبيّ ﷺ والمواعيد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث أن كل واحد منها

стр. 53

حق بالاضافة إلى زمانها مراعى فيها صلاح من خوطب بها حتى لو نزل المتقدّم في أيام المتأخر لنزل على وفقه، ولذلك قال ﵊ كما رواه الإمام أحمد وغيره: «لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» وفي ذلك تنبيه على أن اتباع تلك الكتب الإلهية لا ينافي الإيمان بالقرآن بل يوجبه ولذلك عرّض بقوله: ﴿ولا تكونوا أوّل كافر به﴾ أي: بالقرآن بل يجب أن تكونوا أوّل مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه. فإن قيل: كيف نهوا عن التقدّم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب أجيب: بأن المراد به التعريض بما يجب عليهم لمقتضى حالهم لا الدلالة على ما نطق الظاهر، كقولك لمن أساء: أمّا أنا فلست بجاهل، أو ولا تكونوا أوّل كافر من أهل الكتاب لأن خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم أو ممن كفر بما معه فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه أو مثل من كفر من مشركي مكة. تنبيه: أوّل كافر به وقع خبراً عن ضمير الجمع بتقدير أوّل فريق أو فوج أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقولك: كسانا حلة أي: كل واحد منا ﴿ولا تشتروا﴾ تستبدلوا ﴿بآياتي﴾ التي في كتابكم من نعت محمد ﷺ ﴿ثمناً قليلاً﴾ أي: عوضاً يسيراً من الدنيا أي: لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم وذلك أنّ رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل سنة شيئاً معلوماً من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا أنهم إن بينوا صفة النبيّ ﷺ وتابعوه أن يفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة فنهوا عن ذلك فإنّ حظوظ الدنيا وإن جلت قليلة مسترذلة بالاضافة إلى ما يفوت من حظوظ الآخرة ﴿وإياي فاتقون﴾ خافون في ذلك دون غيري. ﴿س٢ش٤٢/ش٤٦ وَتَلْبِسُوا? الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا? الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا? الصلاةَ وَءَاتُوا? الزكاةَ وَارْكَعُوا? مَعَ الرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ? أَفَ تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا? بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِ s عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا? رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ﴿ولا تلبسوا﴾ أي: تخلطوا ﴿الحق﴾ الذي أنزلت عليكم من صفة محمد ﷺ ﴿بالباطل﴾ الذي تخترعونه وتكتبونه بأيديكم من تغيير صفته ﴿و﴾ لا ﴿تكتموا الحق﴾ أي: تكتموا نعت النبيّ ﷺ ﴿وأنتم تعلمون﴾ أنكم لابسون الحق بالباطل كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل يعذر. ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي: الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها ﴿وآتوا الزكاة﴾ أي: أدوا زكاة أموالكم المفروضة. أمرهم بفروع الإسلام بعدما أمرهم بأصوله وفيه دليل على أنّ الكفار مخاطبون بها والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما وكثر أو من الزكاة بمعنى الطهارة وكلا المعنيين موجود في الزكاة فإنّ إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم ويطهر المال من الخبث والنفس من البخل ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ أي: صلوا مع المصلين محمد ﷺ وأصحابه في جماعتهم فإنّ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ أي: الفرد بسبع وعشرين لما فيها من تظاهر أي: تعاون النفوس، وعبر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود لأنّ صلاتهم لم يكن فيها ركوع أي: صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، وقيل: الركوع الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع، قال الشاعر: لا تذلّ الضعيف (وروي لا تهين الفقير) علك (أي: لعلك) أن تركع يوماً والدهر قد رفعه. فتركع من الركوع بمعنى الانحناء والميل وأراد به الانحطاط من الرتبة. ونزل في علماء اليهود

стр. 54

وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين سراً: اثبتوا على دين محمد ﷺ فإنه حق ولا يتبعونه. ﴿أتأمرون الناس بالبرّ﴾ أي: بالإيمان بمحمد ﷺ في ذلك تقريع مع توبيخ وتعجيب، والبرّ شرعاً التوسع في الخير من البرّ بالفتح وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير ولذلك قيل: البر ثلاثة: برّ في عبادة الله، وبر في معاملة الأقارب، وبر في معاملة الأجانب ﴿وتنسون أنفسكم﴾ أي: تتركونها من البرّ كالمنسيات، وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون ﴿وأنتم تتلون الكتاب﴾ أي: التوراة وفيها الوعيد على العناد وترك البرّ ومخالفة القول العمل ﴿أفلا تعقلون﴾ سوء فعلكم فيصدّكم عنه، أو فلا عقل لكم يمنعكم عما تعملون من عدم موافقة عاقبته لكم والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه بسوء صنيعه وخبث نفسه وإن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل فإنّ الجامع بين العلم والعقل يأبى عن كونه واعظاً غير متعظ نفسه، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لها ليقوّم نفسه ثم يقوم غيره لا منع الفاسق عن الوعظ فإنّ الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر، ولكن روي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمّتك يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب» وعن أسامة رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه أي: فتنقطع أمعاؤه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه» وقال شعبة عن الأعمش: فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه ﴿واستعينوا﴾ أي: اطلبوا المعونة على أموركم ﴿بالصبر﴾ أي: الحبس للنفس على ما تكره ﴿والصلاة﴾ أفردها بالذكر تعظيماً لشأنها فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة وإظهار الخشوع بالجوارح وإخلاص النية بالقلب ومجاهدة الشيطان ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين وهما الأكل والجماع. روى الإمام أحمد وغيره «أنّ النبيّ ﷺ كان إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة» أي: لجأ إليها، وحز به ـ بالحاء المهملة وزاي وباء موحدة: أهمه ونزل به، وقيل: الخطاب لليهود فهو متصل بما قبله كأنهم لما أمروا بما شق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال أمروا بالصبر وهو الصوم ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر لأنه يكسر الشهوة ويزهد في الدنيا، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر وترغب في الآخرة، وقيل: الواو بمعنى على أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة كما قال تعالى: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ (طه، ١٣٢) ويحتمل أن يراد بالصلاة: الدعاء ﴿وإنها﴾ أي: الصلاة ردّ الكناية إليها لأنّ الصبر داخل فيها لاستجماعها ضروباً من الصبر كما قال تعالى: ﴿وا ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة، ٦٢)

стр. 55

ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله أو لأنها أعم، كما في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ (التوبة، ٣٤) ردّ الكناية إلى الفضة لأنها أعم وقيل: ردّ الكناية إلى كل منهما وأن كل خصلة منهما كما قال تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ (الكهف، ٣٣) أي: كل واحدة منهما، وقيل: معناه: واستعينوا بالصبر وإنه لكبير والصلاة وإنها لكبيرة فحذف أحدهما اختصاراً، وقال الحسين بن الفضل: ردّ الكناية إلى الاستعانة ﴿لكبيرة﴾ أي: ثقيلة شاقة كقوله تعالى: ﴿كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾ (الشورى، ١٣) ﴿إلا على الخاشعين﴾ أي: الساكنين إلى الطاعة، والخشوع: السكون، قال تعالى: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن﴾ (طه، ١٠٨) والخضوع: اللين والانقياد، ولذا يقال: الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب. ﴿الذين يظنون﴾ أي: يستيقنون وأطلق الظنّ على العلم لتضمنه معنى التوقع ﴿أنهم ملاقو ربهم﴾ بالبعث ﴿وأنهم إليه راجعون﴾ في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم، وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم لأنّ نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجل مشاقها وتستلذ بسببه متاعبها ومن ثم قال ﵊: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» . ﴿س٢ش٤٧/ش٥٠ يَابَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ اذْكُرُوا? نِعْمَتِىَ الَّتِى? أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا? يَوْمًا s تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَيُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَيُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَهُمْ يُنصَرُونَ * وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُو?ءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ? وَفِى ذَالِكُم بَ?ءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَآءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ بالشكر عليها بطاعتي، كرره للتوكيد وتذكير التفضل الذي هو أجل النعم خصوصاً، وربطه بالوعيد الشديد تخويفاً لمن غفل عنها وأخلّ بحقوقها وعطف على نعمتي ﴿وأني فضلتكم﴾ أي: آباءكم الذين كانوا في عصر موسى ﷺ وبعده قبل أن يغيروا ﴿على العالمين﴾ أي: عالمي زمانهم بما منحهم الله من العلم والإيمان والعمل وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف في الأبناء. واستدل بذلك على أن الأصلح لا يجب على الله لأنّ تفضيلهم لو وجب عليه لم يجز جعله منة عليهم لأنّ من أتى بما وجب عليه لا منة له به على أحد. ﴿واتقوا﴾ خافوا ﴿يوماً﴾ أي: ما فيه من الحساب والعقاب وهو يوم القيامة ﴿لا تجزى﴾ أي: لا تقضى ﴿نفس عن نفس﴾ فيه ﴿شيئاً﴾ أي: حقاً لزمها. تنبيه: قول البيضاوي وإيراده أي: شيئاً منكراً مع تنكير النفسين للتعميم والإقناط الكلي تبع فيه صاحب «الكشاف» وهو جار على مذهب المعتزلة من أنهم ينكرون الشفاعة للعصاة وسيأتي الجواب عن مذهبهم ﴿ولا تقبل﴾ بالتاء على التأنيث كما قرأ به ابن كثير وأبو عمرو بالياء على التذكير كما قرأ به الباقون ﴿منها شفاعة﴾ أي: من النفس الثانية لقوله تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي: فداء ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: يمنعون من عذاب الله إذ الضمير في الجملتين للنفوس العاصية ويصح رجوعه للنفس الأولى لأنها المحدّث عنها في قوله تعالى: ﴿لا تجزى نفس عن نفس﴾ والثانية مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة وتذكير ضمير ولا هم ينصرون مع أنّ الضمير راجع للنفوس، وكان المناسب هنّ بالتأنيث لأنه بمعنى العباد أو الأناس كما تقول ثلاثة أنفس بالتاء مع تأنيث النفس لتأويل النفوس بالأشخاص أو الرجال والنصرة أخص من المعونة لاختصاصه بدفع الضرر وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها: أن الآية مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة ويؤيد هذا أنّ الخطاب معهم وعلى هذا يتمشى قول البيضاوي المارّ

стр. 56

ويكون المراد حينئذٍ أنه ليس لها شفاعة فتقبل كما قال تعالى حاكياً عنهم ﴿فما لنا من شافعين﴾ . ومنها: أنّ الآية نزلت ردّاً لما كانت اليهود تزعم أنّ آباءهم تشفع لهم. ومنها: أنها لا تشفع إلا بإذن الله. ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ نجيناكم﴾ أي: آباءكم الخطاب به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا ﷺ بما أنعم على آبائهم تذكيراً لهم بنعمة الله ليؤمنوا ﴿من آل فرعون﴾ أي: أتباعه وأهل دينه، والمشهور أن أصل آل: أهل، لأن تصغيره أهيل، وقال الكسائيّ وغيره: أصله أول من آل يؤل أي: رجع، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها وتصغيره أويل. فإن قيل: يردّ الأوّل اختلاف أهل وآل معنى إذ الأهل القرابة والآل من يؤل إليك بقرابة أو رأي أو مذهب ولأن الألف يثبت إبدالها من الهاء. أجيب: بأن القائل بالأول جرى على القول بأن اللفظتين بمعنى، أو أراد بالأهل أحد معاني آل وأبدل الواو من الهاء لتقاربهما مخرجاً، وخص بالاضافة إلى أولي القدر والشرف كالأنبياء والملوك، وإنما قيل آل فرعون لتصوره بصورة الأشراف أو لشرفه في قومه عندهم، وفرعون هو الوليد ابن مصعب بن ريان وكان من القبط من العمالقة وعمر أكثر من أربعمائة سنة ﴿يسومونكم﴾ يولونكم ويذيقونكم ﴿سوء العذاب﴾ أي: أشدّه، والجملة حال من الضمير في نجيناكم، أو من آل فرعون، أو منهما جميعاً لأنّ فيها ضمير كل واحد منهم ﴿يذبحون أبناءكم﴾ المولودين ﴿ويستحيون نساءكم﴾ أي: يتركونهنّ أحياء، هذا بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف وذلك أنّ فرعون لعنه الله رأى في منامه كأنّ ناراً أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرّض لبني إسرائيل فهاله ذلك، وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا يسقطنّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت ووكل بالقوابل فكنّ يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في طلب موسى اثني عشر ألف صبيّ، وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى تسعين ألفاً، قالوا: وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها ﴿وفي ذلكم بلاء﴾ إن أشير به إلى صنيعهم فهو محنة أو إلى الإنجاء فهو نعمة فإنّ البلاء يكون بمعنى الشدّة وبمعنى النعمة ويجوز أن يشار بذلكم إلى الأمرين فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر وعلى الشدّة بالصبر قال تعالى: ﴿ونبلوكم﴾ (الأنبياء، ٣٥) أي: نختبركم بالشرّ والخير فتنة ﴿من ربكم﴾ أي: بتسليطهم عليكم، أو ببعثة موسى وتوفيقه لتخليصكم، أو بهما، وقوله تعالى: ﴿عظيم﴾ صفة بلاء. وفي الآية تنبيه على أنّ ما يصيب العبد من خير أو شرّ إختبار من الله تعالى فعليه أن يشكر عند مسارّه ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين. ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ فرقنا﴾ فلقنا ﴿بكم﴾ أي: بسببكم ﴿البحر﴾ حتى دخلتموه هاربين من عدوّكم وذلك أنّ فرعون لما دنا هلاكه أمر الله تعالى موسى ﵊ أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلاً فأمر موسى

стр. 57

قومه أن يسرجوا في بيوتهم السرج إلى الصبح وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدّون ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب ﵊ اثنين وسبعين إنساناً ما بين رجل وامرأة فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم ثم علم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك، قال ابن مسعود ﵁: فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة ثم خرج فرعون في طلبهم وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفاً من دهم الخيل سوى سائر الشيات، قال محمد بن كعب: وكان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات وكان فرعون في الدهم، وقيل: كان فرعون في سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ناشب ومائة ألف أصحاب حراب ومائة ألف أصحاب الأعمدة فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية الزيادة ونظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين وقالوا: يا موسى كيف نصنع وأين ما وعدتنا هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا، قال الله تعالى: ﴿فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إنّ معي ربي سيهدين﴾ (الشعراء، ٦١) فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله تعالى إليه أن كنه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، فظهر فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبساً، فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضاً فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء أن تشبكي فصارت شبكاً كالطاقات يرى بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى: ﴿فأنجيناكم﴾ أي: من آل فرعون ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾ وذلك أنّ فرعون لما وصل البحر فرآه منفلقاً قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه، وقيل: قالوا له: إن كنت رباً فادخل البحر كما دخل ـ يعني: موسى ـ وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى فتقدّمهم وخاض البحر فلما شمّ أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر، في أثرها وهم لا يرونه ولا يملك فرعون من أمره شيئاً وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول خلفه في البحر وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر وخرج جبريل من البحر وهمّ أوّلهم بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وفرّقهم أجمعين وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم طرف من بحر فارس. قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له: أسان وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى: ﴿وأنتم تنظرون﴾ إلى مصارعهم، أو إطباق البحر عليهم، أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل، أو ينظر بعضكم بعضاً، واعلم أنّ هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن

стр. 58

الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى الكليم، ثم إنهم اتخذوا العجل وقالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ (البقرة، ٥٥) فهم بمعزل من الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمّة محمد ﷺ مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل القرآن والتحدّي به والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة يدركها الأذكياء. ﴿وإذ وعدنا موسى﴾ بغير ألف بين الواو والعين، كما قرأ به أبو عمرو، والباقون بألف بين الواو والعين لأنه تعالى وعد موسى الوحي ووعد موسى ربه المجيء للميقات إلى الطور، وقيل: هذا من المفاعلة التي تكون من الواحد كعاقبت اللص وطارقت النعل. وأمال حمزة ألف موسى محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين ﴿أربعين ليلة﴾ أن يعطيه عند انقضائها التوراة ليتعلموا بها وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور، وقيل: لأنّ الظلمة أقدم من الضوء وخلق الله تعالى الليل قبل النهار قال الله تعالى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ (يس، ٣٧) وقول البيضاوي: إنّ ذلك الوعد لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون تبع في ذلك «الكشاف» ولم يعرف ذلك لغيرهما وإنما كانوا بالشام لأن إتيان موسى للمقيات كان بطور سينا وهو بالشام لا بمصر وقد قال البهاء بن عقيل في «تفسيره» : لم يصرّح أحد من المفسرين والمؤرّخين بأنهم دخلوا مصر بعد خروجهم منها. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فأخرجناهم من جنات﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ يقتضي أنهم عادوا إليها. أجيب: بأن المعنى أن الله تعالى أورثهم وملكهم إياها ولم يردّهم إليها وجعل مساكنهم الشام. ﴿ثم اتخذتم﴾ قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم اتخذتم بإظهار الذال قبل التاء، والباقون بإدغام الذال في التاء. ﴿العجل﴾ الذي صاغه لكم السامريّ إلهاً ومعبوداً ﴿من بعده﴾ أي: بعد ذهابه إلى ميقاتنا، وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوّهم ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتمون إليها فوعد الله تعالى موسى أن ينزل عليهم التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون واستخلف أخاه هارون فلما أتاه الوعد جاءه جبريل على فرس يقال له: فرس الحياة، لا يصيب شيئاً إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه، فلما رآه السامريّ وكان رجلاً صائغاً من قبيلة يقال لها: سامرة، ورأى موضع قدم الفرس يخضر من ذلك وكان منافقاً يظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر ألقى في روعه أنه إذا ألقى في شيء غيره وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيراً من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعمل عرس لهم فأهلك الله تعالى فرعون وقومه فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل قال السديّ: فأمرهم هارون أن يلقوها في حفرة حتى يرجع موسى ففعلوا فلما اجتمعت الحلي صاغها السامريّ عجلاً من ذهب في ثلاثة أيام مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون ثم ألقى فيه القبضة التي أخذها من تراب حافر فرس جبريل فصار يخور ويمشي فقال السامريّ: هذا إلهكم وإله موسى فنسي، أي: فتركه ههنا، وخرج يطلبه وكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوماً ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة، وقيل: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة قال تعالى:

стр. 59

﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر﴾ (الأعراف، ١٤٢) وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في محله فكانت فتنتهم في تلك العشرة، فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ورأوا العجل وسمعوا قول السامريّ عكف منهم ثمانية آلاف رجل على العجل يعبدونه، وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل، قال البغويّ: وهو الأصح، وقال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون، ولذلك قال تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾ أي: باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها. ﴿ثم عفونا﴾ محونا ﴿عنكم﴾ ذنوبكم حين تبتم، والعفو محو الجريمة من عفى إذا درس ﴿من بعد ذلك﴾ أي: الاتخاذ ﴿لعلكم تشكرون﴾ أي: لكي تشكروا نعمتنا عليكم. تنبيه: إنما قدرت لعل بكي أخذاً مما قيل: إن لعل في القرآن بمعنى كي غير قوله تعالى في الشعراء: ﴿لعلكم تخلدون﴾ (الشعراء، ١٢٩) فإنها بمعنى كأنّ أي: كأنكم تخلدون. ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ آتينا موسى الكتاب﴾ أي: التوراة، وقوله تعالى: ﴿والفرقان﴾ عطف تفسير أي: الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام، وقيل: أراد بالفرقان معجزات موسى كانفلاق البحر الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى وبين الكفر والإيمان ﴿لعلكم تهتدون﴾ أي: لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات من الضلال. ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ قال موسى لقومه﴾ الذين عبدوا العجل ﴿يا قوم إنكم ظلمتم﴾ قرأ ورش بتغليظ اللام والباقون بالترقيق ﴿أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ إلهاً قالوا: فأيّ شيء نصنع؟ قال: ﴿فتوبوا﴾ أي: ارجعوا عن عبادة العجل ﴿إلى بارئكم﴾ أي: خالقكم، وقرأ أبو عمرو بإسكان الهمزة، وروي عن الدوري باختلاس الحركة، وروي عن السوسي إبدالها ياء ساكنة، وأمال الدوري عن الكسائي الألف بعد الباء الموحدة، وإذا وقف حمزة على بارئكم سهل الهمزة بين بين، قالوا: كيف نتوب؟ قال: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ أي: ليقتل منكم البريء من عبادة العجل من عبده، وقيل: المراد بالقتل قطع الشهوة كما قيل: من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها، وردّ هذا جماعة بإجماع المفسرين على أنّ المراد هنا القتل الحقيقيّ ﴿ذلكم﴾ أي: القتل ﴿خير لكم عند بارئكم﴾ من حيث أنه طهرة عن الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية محتبين وقيل لهم: من حلّ حبوته أو مدّ طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته وأسلت القوم عليهم الخناجر فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه فلم يمكنه المضيّ لأمر الله فقالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله عليهم ضبابة تشبه سحابة تغشى الأرض كالدخان وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضاً فكانوا يقتتلون إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وبكيا وتضرّعا وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف الله تعالى السحابة عنهم وأمرهم أن يكفوا عن القتل فكشفت عن ألوف من القتلى. روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: عدد القتلى سبعون ألفاً فاشتدّ ذلك على موسى فأوحى الله تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة؟ فكان من قتل منهم شهيداً ومن بقي مكفراً عنه ذنوبه فذلك قوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾ أي فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم أي: فتجاوز عنكم وقبل توبتكم. تنبيه: ذكر البارىء في قوله تعالى:

стр. 60

﴿فتوبوا إلى بارئكم﴾ وترتيب الأمر بالقتل عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثلهم في الغباوة وأنّ من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن يستردّ منه ما أنعم به عليه ولذلك أمروا بفك تركيب ذواتهم بالقتل ﴿إنه هو التوّاب﴾ أي الذي يكثر قبول التوبة من المذنبين ﴿الرحيم﴾ أي: البالغ في الإنعام على خلقه. ﴿س٢ش٥٥/ش٥٨ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن? بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى? كُلُوا? مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ? وَمَا ظَلَمُونَا وَلَاكِن كَانُو?ا? أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا? هَاذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا? مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا? الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا? حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ? وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ وذلك أنّ الله تعالى أمر موسى ﵊ أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل فاختار موسى سبعين رجلاً من خيار قومه وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا ذلك فخرج موسى إلى طور سينا لميقات ربه فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام فغشي الجبل كله فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخرّوا سجداً وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله تعالى: إني أنا الله لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل عليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة عياناً وذلك أنّ العرب تجعل العلم بالقلب رؤية فقالوا جهرة: ليعلم أنّ المراد منه العيان، روي عن السوسي إمالة الألف بعد الراء في نرى وترقيق اللام من اسم الله، وروي عنه تفخيم اللام مع الإمالة وله وجه ثالث كالجماعة وهو عدم الإمالة مع تفخيم اللام. فإن قيل: كيف تمال الألف وهي تسقط عند التقاء الساكنين؟ أجيب: بأنه لولا إمالتها ما أميلت الراء لأنّ القارىء إذا أراد أن يميل الألف لا يتمكن من الإمالة إلا بإمالة ما قبله ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ أي: الصيحة فمتم، وقيل: جاءت نار من السماء فأحرقتهم وذلك لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي وهي محال بل المراد أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا ﴿وأنتم تنظرون﴾ أي: ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت، وقيل: تعلمون ويكون النظر بمعنى العلم فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرّع ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلاً بعد رجل بعدما ماتوا ليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون كما قال تعالى: ﴿ثم بعثناكم﴾ أي: أحييناكم والبعث إثارة الشيء عن محله يقال: بعثت البعير فانبعث وبعثت النائم فانبعث ﴿من بعد موتكم﴾ بسبب الصاعقة. قال قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا، وقيد البعث بعد الموت لأنه قد يكون عن إغماء أو نوم كقوله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف﴾ (الكهف، ١١) إلى أن قال: ﴿ثم بعثناهم﴾ أي: من النوم ﴿لعلكم تشكرون﴾ نعمة لبعث أو ما كفرتموه من النعم المتتابعة. ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ في التيه يقيكم حرّ الشمس،

стр. 61

والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماماً لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كنّ يسترهم فشكوا إلى موسى ﷺ عليه فأرسل الله غماماً أبيض رقيقاً أطيب من غمام المطر وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن قمر يسيرون في ضوئه وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلي وغلظ ورش اللام المفتوحة بعد الظاء ﴿وأنزلنا عليكم المنّ والسلوى﴾ في التيه، والأكثرون على أنّ المنّ هو الترنجبين، قال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد وكان يقع كل ليلة على أشجارهم مثل الثلج لكل إنسان منهم صاع فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المنّ بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم، فأنزل الله عليهم السلوى جمع سلواة وهو الطير السماني بتخفيف الميم والقصر جمع سماناة وهو الطير المعروف، وقيل: هو طائر يشبهه بعث الله سحابة فمطرت السماني في عرض ميل وطول رمح في السماء بعضه على بعض فكان الله تعالى ينزل عليهم المنّ والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فكان كل واحد منهم يأخذ ما يكفيه يوماً وليلة وإذا كان يوم الجمعة يأخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت. وقرأ السلوى حمزة والكسائي بالإمالة محضة، وأبو عمرو بين بين، وورش بالفتح وبين اللفظين. فإن قيل: لم قدّم في الآية المنّ على السلوى مع أنها غذاء والمنّ حلواء والعادة تقديم الغذاء على الحلواء؟ أجيب: بأنّ نزول المنّ من السماء أمر مخالف للعادة فقدم لاستعظامه بخلاف الطيور المأكولة وأيضاً هو مقدّم في النزول عليهم ﴿كلوا﴾ على إرادة القول أي: قلنا لهم كلوا ﴿من طيبات﴾ حلالات ﴿ما رزقناكم﴾ ولا تدخروا لغد فكفروا النعمة وادّخروا فقطع الله ذلك عنهم ودوّد وفسد ما ادّخروه وقوله تعالى: ﴿وما ظلمونا﴾ أي: بذلك فيه اختصار وأصله فظلموا بأن كفروا بهذه النعم وما ظلمونا ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ لأنّ وباله عليهم. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ «لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها الدهر» . ﴿وإذ قلنا﴾ لهم بعد خروجهم من التيه ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ أي: بيت المقدس كما قاله مجاهد، أو أريحاء بفتح الهمزة وكسر الراء وبالحاء المهملة كما قاله ابن عباس وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم: العمالقة ورأسهم عوج بن عتق، قال ابن الأثير وهي قرية بالغور قريبة من بيت المقدس، وقيل: البلقاء، وقيل: الرملة والأردن وفلسطين، وقيل: الشام سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها ومنه المقرّة للحوض لأنها تجمع الماء ﴿فكلوا منها حيث شئتم رغداً﴾ أي: واسعاً لا حجر فيه ﴿وادخلوا الباب﴾ أي: باب من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب ﴿سجداً﴾ أي: متطامنين منحنين أو ساجدين السجود الشرعيّ لله شكراً على إخراجكم من التيه ﴿وقولوا﴾ مسألتنا ﴿حطة﴾ أي: أن تحط عنا خطايانا، قال قتادة: أمروا بالاستغفار، وقال ابن عباس: بلا إله إلا الله لأنها تحط الذنوب، وقيل: معناه أمرنا حطة أي: شأننا أن نحط في هذه القرية ونقيم فيها حتى ندخل الباب سجداً مع التواضع ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾ بسجودكم ودعائكم. وقرأ نافع بباء مضمومة على التذكير مع فتح الفاء، وقرأ ابن عامر تغفر بتاء مضمومة

стр. 62

على التأنيث مع فتح الفاء أيضاً، وقرأ الباقون بالنون مفتوحة مع كسر الفاء، وقرأ الكسائي خطاياكم بالإمالة، وورش بالفتح وبين اللفظين، والباقون بالفتح ﴿وسنزيد المحسنين﴾ بالطاعة ثواباً جعل الله تعالى امتثال قوله: ﴿قولوا حطة﴾ توبة للمسيء وسبب زيادة الثواب للمحسنين. فإن قيل: كيف عطف وسنزيد مع أنه مرفوع على نغفر مع أنه مجزوم جواباً للأمر؟ أجيب: بأنه أخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاماً بأنّ المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله فكيف إذا فعله وإنه يفعل لا محالة، وسبب إخراج ما ذكر عن صورة الجواب إلى الوعد أنّ الزيادة إذا كانت من وعد الله كانت أعظم مما إذا كانت مسببة عن فعلهم. ﴿فبدّل الذين ظلموا﴾ منهم ﴿قولاً غير الذي قيل لهم﴾ فقالوا: حبة من شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول. روى معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ «قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة» وفي رواية: في شعيرة. وقوله تعالى: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا﴾ فيه وضع الظاهر موضع المضمر مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعاراً بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه أو على أنفسهم بأنهم تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها ﴿رجزاً﴾ أي: عذاباً مقدراً ﴿من السماء﴾ وقيل: أرسل الله عليهم طاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً، وقيل: أربعة وعشرون ألفاً ﴿بما كانوا يفسقون﴾ أي: بسبب فسقهم، أي: خروجهم عن الطاعة. ﴿وإذ استسقى موسى﴾ طلب السقيا ﴿لقومه﴾ وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى الله إليه كما قال: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر﴾ وكانت من آس الجنة بالمدّ أي: شجرها وهو المرسين. وروي عن ابن عباس أنها كانت من عوسج طولها عشرة أذرع على طول موسى وكان لها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً واسمها عليق، وقال مقاتل: اسمها بنفة حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب فأعطاها موسى. واللام في الحجر للعهد على ما روي أنه كان حجراً طورياً مكعباً حمله معه كان له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين تسيل كل عين في جدول إلى سبط وكانوا ستمائة ألف وسعة العسكر اثنا عشر ميلاً أو حجراً أهبطه آدم من الجنة ودفع إلى شعيب فأعطاه لموسى مع العصا أو الحجر الذي فرّ بثوبه لما وضعه عليه ليغتسل ومرّ به على ملأ من بني إسرائيل وهو حجر خفيف مربع كرأس الرجل رخام أو كذان وبرأه الله تعالى به عما رموه به من الأدرة وهي بضمّ الهمزة كبر الأنثيين فلما وقف أتاه جبريل ﵊ فقال: إنّ الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه معجزة أو للجنس. قال البيضاويّ: وهذا أظهر في الحجة ويدل له قول وهب: لم يكن حجراً معيناً بل كان موسى يضرب أي حجر كان فينفجر عيوناً لكل سبط عين ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً ولكن لما قالوا: كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة فيها حمل حجراً في مخلاته وكان يضربه بعصاه إذا نزل فينفجر ويضربه بها إذا ارتحل فييبس فقالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً فأوحى الله تعالى إليه لا تقرع

стр. 63

الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون وقوله تعالى: ﴿فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً﴾ متعلق بمحذوف أي: فضربه فانفجرت أي: سالت، قال أبو عمرو بن العلاء: انبجست: عرقت وانفجرت: سالت، وقال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على كل موضع ضربة مثل ثدي المرأة فيعرق ثم تنفجر الأنهار ثم تسيل ﴿قد علم كل أناس﴾ أي: سبط منهم ﴿مشربهم﴾ أي: عينهم التي يشربون منها لا يدخل سبط على غيره في شربه وقلنا لهم: ﴿كلوا واشربوا من رزق الله﴾ أي: كلوا من المنّ والسلوى واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ﴿ولا تعثوا﴾ أي: لا تعتدوا ﴿في الأرض مفسدين﴾ أي: حال إفسادكم وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المعتدي بفعله ومنه ما يتضمّن صلاحاً راجحاً على الفساد كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة. تنبيه: من أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله تعالى وقلة تدبره في عجائب صنعه فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر كالنورة ويجذب الحديد كالمغناطيس وينفر الخل كالكهربان فإنه إذا وضع في إناء لا يحصل الخل في ذلك الإناء لم يمتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض أو لجذب الهواء من الجوانب الأربعة ويصيره ماء بقوّة التدبير ونحو ذلك. فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأنّ ابن عباس روى أنّ من الملائكة نوعاً يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس، وقيل: إن الله تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أنّ من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه﴾ (الكهف، ٥٠) وهو أصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: والأوّل أصح لأنّ خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: ﴿كان من الجنّ﴾ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إنّ الجنّ أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضاً أن الأصاغر وهم الجنّ مأمورون به أيضاً والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمناً. ﴿مصراً﴾ من الأمصار، والمصر البلد العظيم

стр. 64

لا العلم بفتح اللام، وقيل: أراد به العلم وهي مصر موسى وفرعون، قال البيضاويّ: ويؤيده ـ أي: القول ـ بأن المراد بمصر العلم أنه غير منوّن في مصحف ابن مسعود أي: وهي قراءة شاذة وإنما صرفه على هذا مع أنّ فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في هند ودعد لمعادلة أحد سببي منع الصرف بخفة الاسم لسكون وسطه أو على تأويل مصر بالمكان فذكره فيبقى فيه سبب واحد فانصرف ﴿فإنّ لكم﴾ فيه ﴿ما سألتم﴾ من نبات الأرض ﴿وضربت عليهم﴾ أي: أحيطت إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم من ضرب الطين على الحائط ﴿الذلة﴾ أي: الذل والهوان، وقيل: الجزية، ﴿والمسكنة﴾ أي: الفقر وسمي الفقير مسكيناً لأنّ الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة وفعل بهم ذلك مجازاة لهم على كفران النعمة ولذلك تجد اليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين إمّا على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم، وقيل: الذلة فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود. وقرأ حمزة والكسائي: عليهم بضمّ الهاء والميم وصلاً، وفي الوقف حمزة على أصله، والكسائي بكسرها، وأبو عمرو بكسر الهاء والميم وقفاً ووصلاً، وباقي القرّاء بكسر الهاء وضم الميم وصلاً وفي الوقف بكسر الهاء وسكون الميم ﴿وباؤوا﴾ رجعوا ﴿بغضب من الله﴾ ولا يقال باء إلا بشر، وأصل البوء المساواة، وقال أبو عبيدة: احتملوه وأقروا به ومنه الدعاء: «أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي» أي: أقرّ، وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما مرّ من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كانوا يكفرون بآبات الله﴾ بصفة محمد ﷺ وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالانجيل والقرآن وبالمعجزات التي من جملتها ما عدّ عليهم من فلق البحر وإظلال الغمام وإنزال المنّ والسلوى وانفجار العيون من الحجر ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾ أي: ظلماً فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم. روي أن اليهود قتلوا سبعين نبياً في أوّل النهار وقامت سوق بقلهم آخر النهار. فإن قيل: لم قال: ﴿بغير الحق﴾ وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ أجيب: بأنه ذكره وصفاً للقتل والقتل يوصف تارة بالحق وتارة بغير الحق وهو مثل قوله تعالى: ﴿قل رب احكم بالحق﴾ (الأنبياء، ١١٢) ذكر الحق وصفاً للحكم لا أنّ حكمه ينقسم إلى الجور والحق، أو أنه بغير الحق عندهم إذ لم يروا منهم ما يعتقد به جواز قتلهم. فإن قيل: إنّ الله تعالى قد أخبر بقتل الأنبياء ونصر الرسل فكيف الجمع؟ أجيب: بأن المحل مختلف إذ الرسول غير النبيّ وبأنّ المراد بالنصر الغلبة بإظهار الحجة لا العصمة من القتل وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه تعالى بقوله: ﴿ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ أي: جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين، فإنّ صغار الذنوب أسباب تؤدّي إلى ارتكاب كبارها كما أنّ صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحرّي كبارها، وكرر الإشارة للدّلالة على أنّ ما لحقهم كما هو بسبب الكفر والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله، وقيل: الإشارة إلى الكفر والقتل والباء بمعنى مع وعلى هذا إنما جوّزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين فصاعداً على تأويل ما ذكر والذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع، وقرأ النبيئين

стр. 65

نافع بالهمزة، والباقون بالياء، وورش على أصله في الهمز بالمدّ والتوسط والقصر. ﴿إنّ الذين آمنوا﴾ بالأنبياء من قبل ﴿والذين هادوا﴾ أي: اليهود سموا به لقولهم: إنا هدنا إليك أي: ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا أي: تابوا من عبادة العجل وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب ﵊، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهوّدون أي: يتحرّكون عند قراءة التوراة ويقولون: إنّ السموات والأرض تحرّكت حين آتى الله موسى التوراة ﴿والنصارى﴾ جمع نصراني كندامى، والياء في نصراني للمبالغة سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح، ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله﴾ (آل عمران، ٥٢) (الصف، ١٤) . فإن قيل: هذا ليس جارياً على قواعد الاشتقاق فإنه يقال للواحد: ناصر وفاعل لا يجمع على فعالى. أجيب: بأنّ ذلك كاف في الاشتقاق وإن لم يجمع المفرد على فعالى أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة، فسموا باسمها على الأول أو من اسمها على الثاني ﴿والصابئين﴾ هم طائفة من النصارى، وقيل: من اليهود، وقيل: قوم بين النصارى والمجوس، وقيل: أصل دينهم دين نوح ﵊، وقيل: هم عبدة الملائكة أو الكواكب، وقرأ نافع وحده بالياء إمّا لأنه خفف الهمزة، أو لأنه من صبا إذا مال لأنهم مالوا عن سائر الأديان إلى دينهم، أو من الحق إلى الباطل، والباقون بالهمزة بعد الباء الموحدة ﴿من آمن با واليوم الآخر وعمل صالحاً﴾ أي: من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدّقاً بقلبه وبالمبدأ والمعاد عاملاً بمقتضى شرعه، وقيل: من آمن من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ودخل الاسلام دخولاً صادقاً ﴿فلهم أجرهم﴾ أي: ثواب أعمالهم ﴿عند ربهم﴾ بأن يدخلهم الجنة ﴿ولا خوف عليهم﴾ في الدنيا ﴿ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة أو حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب. تنبيه: روعي في ضمير آمن وعمل لفظ من وفيما بعده معناها ومن مبتدأ خبره فلهم أجرهم والجملة خبر إن، أو بدل من اسم إن وخبرها فلهم أجرهم والفاء لتضمن المسند إليه معنى الشرط وقد منع سيبويه دخولها في خبر إن من حيث أنها لا تدخل الشرطية ورد بقوله تعالى: ﴿إنّ الذين فتنوا الؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم﴾ (البروج، ١) . ﴿س٢ش٦٣/ش٦٧ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا? مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا? مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن? بَعْدِ ذَالِكَ? فَلَوْ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ? لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا? مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا? قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَا? لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ? إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا? بَقَرَةً? قَالُو?ا? أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا? قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذنا ميثاقكم﴾ أي: عهدكم باتباع موسى والعمل بما في التوراة ﴿و﴾ قد ﴿رفعنا فوقكم الطور﴾ أي: الجبل حتى أعطيتم الميثاق. روي أنّ موسى ﵊ لما جاءهم بالتوراة ورأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم لأنها كانت شريعة ثقيلة وأبوا قبولها فأمر الله تعالى جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم وكان على قدر عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة رجل كالظلة وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم، وقال عطاء عن ابن عباس: رفع الله فوق رؤوسهم الطور وبعث ناراً من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم، وقيل لهم: فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل أو أغرقتكم في هذا البحر أو أحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم من ذلك قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصارت سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا ﴿خذوا﴾ هو على إرادة القول أي: وقلنا خذوا

стр. 66

﴿ما آتيناكم﴾ من الكتاب ﴿بقوّة﴾ بجدّ وعزيمة ﴿واذكروا ما فيه﴾ بالعمل فيه أو تفكروا فيه فإنه تذكر بالقلب كما أنّ الدرس ذكره باللسان أو ادرسوه ولا تنسوه ﴿لعلكم تتقون﴾ لكي تتقوا النار أو المعاصي. ﴿ثم توليتم﴾ أعرضتم عن الوفاء بالميثاق ﴿من بعد ذلك﴾ أي: بعد أخذه ﴿فلولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ أي: بتوفيقكم للتوبة أو بالإمهال وتأخير العذاب عنكم أو بإرسال محمد ﷺ يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ أي: من المغبونين بالانهماك في المعاصي أو بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة. تنبيه: لو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره فإذا دخل على لا أفاد إثباتاً أو هو امتناع الشيء لثبوت غيره والاسم الواقع بعده عند سيببويه مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسدّه وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف. ﴿ولقد علمتم﴾ اللام موطئة للقسم أي: عرفتم ﴿الذين اعتدوا﴾ تجاوزوا الحدّ ﴿منكم في السبت﴾ بصيد السمك وذلك أنهم كانوا زمن داود ﵊ بأرض يقال لها إيلة حرم الله تعالى عليهم صيد السمك يوم السبت فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه حتى لا يرى الماء من كثرتها فإذا مضى تفرّقت ولزمت قعر البحر فذلك قوله تعالى: ﴿إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون﴾ (الأعراف، ١٦٣) ثم إنّ الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فإذا كان يوم الأحد أخذوها فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ففعلوا ذلك زماناً ولم تنزل عليهم عقوبة فتجرؤوا على الذنب وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأكلوا وملحوا وباعوا فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية وكانوا نحواً من سبعين ألفاً ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفاً فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار ﴿فقلنا لهم﴾ لإصرارهم على المعصية ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ أي: مبعدين فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم فلما أبطؤوا تسوروا على الحائط فإذا هم جميعاً قردة لها أذناب يتعاوون، قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث ممسوخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا، وقال مجاهد: ما مسخت صورتهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار كما في قوله تعالى: ﴿كمثل الحمار يحمل أسفاراً﴾ (الجمعة، ٥) رواه عنه ابن جرير وردّه وقال: إنه مخالف لظاهر القرآن والأحاديث والآثار وإجماع المفسرين وقوله تعالى: ﴿كونوا﴾ ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه وإنما المراد به سرعة التكوين وإنهم صاروا كذلك كما أراد بهم.l ﴿فجعلناها﴾ أي: تلك العقوبة ﴿نكالاً﴾ أي: عبرة تنكل المعتبر بها أي: تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع ﴿لما بين يديها وما خلفها﴾ أي: للأمم التي في زمانها وبعدها أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد

стр. 67

عنها أو لأهل تلك القرية وما حواليها أو لأجل ما تقدّم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها ﴿وموعظة للمتقين﴾ الله من قومهم أو لكل متق سمعها وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال موسى لقومه إنّ الله يأمركم﴾ قرأ أبو عمرو بسكون الراء. وروي عن الدوري اختلاس الحركة، والباقون بالحركة الكاملة، والحركة ضمة ﴿أن تذبحوا بقرة﴾ أوّل هذه القصة قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها﴾ (البقرة، ٧٢) وإنما فكت عنه وقدّمت عليه لاستقلاله بنوع آخر من مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال وقصته أنه كان فيهم رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحمله إلى قرية أخرى فألقاه ببابها ثم أصبح يطلب ديته وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل فسألهم فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى ليدعو الله ليبيّن لهم بدعائه فدعا فأمرهم الله تعالى بذبح بقرة ويضربوا القتيل ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله فقال موسى: إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴿قالوا أتتخذنا هزواً﴾ أي: أتستهزىء بنا نحن نسأل عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة، وإنما قالوا ذلك استبعاداً لما قاله واستخفافاً به، قرأ حمزة بسكون الزاي في الوصل وإذا وقف قال: هزواً بنصب الزاي من غير همز، وروي عنه الإدغام، وهو أن يشدّد الزاي، وقرأ حفص هزواً بضم الزاي بعدها واو مفتوحة وقفاً ووصلاً والباقون بضم الزاي بعدها همزة مفتوحة ﴿قال أعوذ﴾ أي: أمتنع ﴿با﴾ من ﴿أن أكون من الجاهلين﴾ لأنّ الهزء في مثل ذلك جهل وسفه، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان وأخرج ذلك في صورة الاستعاذة استفظاعاً له فلما علم القوم أنّ ذبح البقرة عزم من الله استوصفوه ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وكان تحته حكمة وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة أتى بها إلى غيضة وقال: اللهمّ إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل فسارت العجلة في الغيضة عواناً وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن كان باراً بوالدته فكان يقسم الليل أثلاثاً يصلي ثلثاً وينام ثلثاً ويجلس عند رأس أمّه ثلثاً فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدّق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثه فقالت له أمّه يوماً: إنّ أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع الله إله إبراهيم وإسمعيل وإسحق أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل لك أنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تلك البقرة تسمى الذهبية لحسنها وصفرتها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب فأقبلت تسعى إليه حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة بإذن الله وقالت: أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإنّ ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إنّ أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبداً فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن يتقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمّك، فسار الفتى

стр. 68

بها إلى أمّه فقالت له: إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، فقال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها إلى السوق فبعث الله ملكاً ليري خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بوالدته وكان الله به خبيراً، فقال الملك له: بكم تبيع هذه البقرة؟ فقال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضا والدتي، فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلا برضا أمي، فردّها إلى أمّه وأخبرها بالثمن، فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضا مني فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال: استأمرت أمّك؟ فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها، فقال الملك: إني أعطيك اثني عشر ديناراً على أن لا تستأمرها فأبى الفتى ورجع إلى أمّه وأخبرها بذلك، فقالت: إنّ الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل فقال الملك له: اذهب إلى أمّك وقل لها: امسكي هذه البقرة فإنّ موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها ـ أي: جلدها ـ ذهباً دنانير فأمسكوها وقدّر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة مكافأة له على بره بوالدته فضلاً منه تعالى ورحمة فذلك قوله : ﴿س٢ش٦٨/ش٧١ قَالُوا? ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ? قَالَ إِنَّهُ? يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ s فَارِضٌ وَبِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَالِكَ? فَافْعَلُوا? مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا? ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا? قَالَ إِنَّهُ? يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا? ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ? يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ s ذَلُولٌ تُثِيرُ ا?رْضَ وَتَسْقِى الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ s شِيَةَ فِيهَا? قَالُوا? الْـ?َانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ? فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا? يَفْعَلُونَ﴾ ﴿قالوا ادع لنا ربك يبيّن لها ما هي﴾ أي: ما سنها وكان من حقه أن يقولوا أيّ بقرة هي أو كيف هي لأن لفظ ما يسأل به عن الجنس غالباً لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله ﴿قال﴾ موسى ﴿إنه﴾ أي ربي ﴿يقول إنها بقرة لا فارض﴾ أي: مسنة، وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي: قطعته وبلغت آخره ﴿ولا بكر﴾ أي: صغيرة ﴿عوان﴾ أي: نصف أي: وسط قال الشاعر: *نواعم بين أبكار وعون جمع عوان ﴿بين ذلك﴾ أي: بين ما ذكر من الفارض والبكر. فإن قيل: بين يقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك؟ أجيب: بأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر كما تقرّر وعود هذه الكنايات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أنّ المراد بها معينة ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب بالأمر ومن أنكر ذلك زعم أنّ المراد بها بقرة من جانب البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم ويلزمه النسخ قبل الفعل فإن التخصيص إبطال التخيير الثابت بالنص والحق جواز تأخير البيان عن الوقت المذكور والنسخ قبل الفعل ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ والمروي عنه ﵊: لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وتقريعهم بالتمادي وزجرهم عن المراجعة بقوله: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ به من ذبحها. ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال﴾ موسى ﴿إنه﴾ أي: ربي ﴿يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها﴾ أي: شديد الصفرة ولذلك تؤكد به الصفرة فيقال: أصفر فاقع كما يقال: أسود حالك، وعن الحسن: سوداء شديدة السواد وبه فسر قوله تعالى: ﴿جمالات صفر﴾ (المرسلات، ٣٣) قال البيضاويّ: ولعله عبر بالصفرة عن السواد لأنه من مقدّماته، قال البغويّ: والأوّل أصح لأنه لا يقال أسود فاقع إنما يقال: أصفر

стр. 69

فاقع، وأسود حالك وأخضر ناصح ﴿تسرّ الناظرين﴾ إليها أي: يعجبهم حسنها وصفاء لونها، والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه. ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾ أي: أسالمة أم عاملة؟ وعلى هذا فليس تكراراً للسؤال الأوّل ﴿إنّ البقر﴾ أي: جنسه المنعوت كما ذكر ﴿تشابه﴾ أي: التبس واشتبه أمره ﴿علينا﴾ لكثرته فلم يهتدوا إلى المقصود. تنبيه: لم يقل تشابهت علينا لأنّ المراد الجنس كما مرّ أو لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى: ﴿أعجاز نخل منقعر﴾ (القمر، ٢٠) ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ إلى وصفها وفي الحديث: «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» . واحتجّ به أصحابنا على أنّ الحوادث بإرادة الله تعالى وأنّ الأمر قد ينفك عن الإرادة وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى. والمعتزلة والكرامية على حدوث الإرادة لأنها وقعت شرطاً والشرط أمر يحدث في المستقبل، وأجيب: بأنّ تعليق الاهتداء بالمشيئة التي هي الإرادة باعتبار تعلق المشيئة بالاهتداء وهذا التعلق هو الحادث ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث به تعالى لأن التعلق أمر اعتباري. ﴿قال﴾ موسى ﴿إنه﴾ أي: ربي ﴿يقول إنها بقرة لا ذلول﴾ أي: غير مذللة بالعمل ﴿تثير الأرض﴾ أي: تقلبها للزراعة، والجملة صفة ذلول داخلة في النفي ﴿ولا تسقي الحرث﴾ أي: الأرض المهيأة للزراعة، ولا الثانية مزيدة لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قال: لا ذلول مثيرة وساقية ﴿مسلمة﴾ من العيوب وإثارة العمل ﴿لا شية﴾ أي: لا لون ﴿فيها﴾ سوى لون جميع جلدها، قال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد ﴿قالوا الآن جئت﴾ أي نطقت ﴿بالحق﴾ أي: بالبيان التامّ الشافي الذي لا إشكال فيه فطلبوها فوجدوها عند الفتى البارّ بأمّه فاشتروها بملء مسكها أي: جلدها ذهباً كما قال له الملك، وقوله تعالى: ﴿فذبحوها﴾ فيه اختصار، والتقدير فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها ﴿وما كادوا﴾ أي: ما قاربوا ﴿يفعلون﴾ لتطويلهم وكثرة مراجعتهم، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل، أو لغلاء ثمنها ولا ينافي قوله: ﴿وما كادوا يفعلون﴾ قوله: ﴿فذبحوها﴾ لاختلاف وقتيهما إذ المعنى ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم وانقطعت تعللاتهم ففعلوا كالمضطرّ الملجأ إلى الفعل. ﴿وإذ قتلتم نفساً﴾ خطاب للجمع لوجود القتل فيهم ﴿فادّارأتم﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الدال أي تخاصمتم وتدافعتم ﴿فيها﴾ أي: في شأنها، إذ المتخاصمان يدفع بعضهم بعضاً، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه ﴿وا مخرج﴾ أي: مظهر ﴿ما كنتم تكتمون﴾ فإن القاتل كان يكتم القتل، وقوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه﴾ أي: القتيل، عطف على ادّارأتم وما بينهما اعتراض، والضمير للنفس وتذكير الضمير على تأويل الشخص أو القتيل ﴿ببعضها﴾ أي: ببعض البقرة واختلفوا في ذلك البعض فقال ابن عباس ﵄ وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو ما لان من العظام، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: بعجب الذنب لأنه أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق، وقال الضحاك: بلسانها، قال الحسين بن الفضل: لأنه آلة الكلام، وقال عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك فقام القتيل حياً بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث وقتل وفي الخبر «ما ورث

стр. 70

قاتل بعد صاحب البقرة» وفيه إضمار تقديره: فضرب فحيي، قال تعالى: ﴿كذلك﴾ الإحياء ﴿يحيي الله الموتى﴾ والخطاب مع من حضر حياة القتيل أو نزول الآية ﴿ويريكم آياته﴾ دلائل قدرته ﴿لعلكم تعقلون﴾ لكي يكمل عقلكم وتعلموا أنّ من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها فتؤمنون. قال البيضاويّ: ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرّب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل أي: توكل أبي اليتيم والشفقة على الأولاد وأن من حق الطالب أن يقدم قربة والمتقرّب أن يتحرّى الأحسن ويغالي بثمنه كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ضحى بنجيبة ـ أي: من الابل ـ بثلثمائة دينار، وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى إلى إذ لا يتصوّر حياة ميت من غيره تعالى والأسباب أمارات لا أثر لها وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوّه الساعي في إماتته الموت الحقيقي فطريقه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوّة الشهوية حين زال عنها أثر الصبا أي: عدم التكليف، وهو نظير لا بكر ولم يلحقها ضعف الكبر أي: وهو نظير لا فارض، وكانت معجبة رائقة المنظر أي: وهو نظير تسرّ الناظرين غير مذللة في طلب الدنيا أي: وهو نظير لا ذلول تثير الأرض مسلمة من دنسها، ﴿لا شية﴾ أي: لا علامة بها من قبائحها بحيث يصل أثره أي: الذبح إلى نفسه فتحيا حياة طيبة، ويعرب عما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع أي: لأن العقل يأمر بالخير والوهم يأمر بالشهوات. ﴿ثم قست قلوبكم﴾ أيها اليهود أي: ضلت عن قبول الحق لأن القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر وقساوة القلب مثل في بعده عن الاعتبار، وثم لاستبعاد القسوة عن الأحياء لا للتراخي في الزمان بل للاستبعاد مجاز القرينة ما قبلها بمعنى أنه يبعد من العاقل قسوة القلب بعد ظهور تلك الآية العظيمة ﴿من بعد ذلك﴾ المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات فإن ذلك مما يوجب لين القلب ﴿فهي كالحجارة﴾ في قسوتها، قرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء، والباقون بكسرها ﴿أو أشدّ قسوة﴾ من الحجارة، وقيل: أو بمعنى الواو كقوله تعالى: مائة ألف أو يزيدون وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة لأنّ الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار وقد لان لداود ﵊ والحجارة، لا تلين قط ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال: ﴿وإنّ من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ أي: من بعض الحجارة وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط ﴿فإنّ منها لما يشقق﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الشين ﴿فيخرج منه الماء﴾ أي: عيوناً دون الأنهار ﴿وإنّ منها لما يهبط﴾ أن ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله ﴿من خشية الله﴾ وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم فكيف يخشى؟ أجيب: بأنّ الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه، قال البغويّ: ومذهب أهل السنة أنّ لله تعالى علماً في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح كما قال جلّ ذكره: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ (الإسراء، ٤٤٠) وقال تعالى: ﴿والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ (النور، ٤١) (الحج، ١٨) وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر﴾ (الحج، ١٨) الآية فيجب على المرء الإيمان به ويكل علمه إلى الله . روي أنّ النبيّ ﷺ كان على

стр. 71

ثبير والكفار يطلعونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ عليّ فيعاقبني الله بذلك، فقال له جبل حرا: إليّ إليّ يا رسول الله. وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن» . وروي عن عليّ أنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ بمكة فرحنا في نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر فلم يمرّ بشجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» . وروي عن جابر أنه قال: كان النبيّ ﷺ إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكتت، وقال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله﴾ (الحشر، ٢١) ﴿وما الله بغافل﴾ أي: بساه ﴿عما تعملون﴾ وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به، وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿س٢ش٧٥/ش٧٨ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا? لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ? مِن? بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا? الَّذِينَءَامَنُوا? قَالُو?ا? ءَامَنَّا وَإِذَا خَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُو?ا? أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ? عِندَ رَبِّكُمْ? أَفَ تَعْقِلُونَ * أَوَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِ? أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِ s يَظُنُّونَ﴾ ﴿أفتطمعون﴾ أي: أفترجون أيها المؤمنون ﴿أن يؤمنوا﴾ أي: اليهود ﴿لكم﴾ أي: لأجل دعوتكم أو يصدّقوكم بما تخبرونهم به ﴿وقد كان فريق﴾ أي: طائفة ﴿منهم﴾ أي: أحبارهم ﴿يسمعون كلام الله﴾ أي: التوراة ﴿ثم يحرّفونه﴾ يغيرونه كنعت محمد ﷺ وآية الرجم، وقيل: هؤلاء من السبعين المختارين الذين سمعوا كلام الله حين كلم موسى ﵊ بالطور ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ﴿من بعد ما عقلوه﴾ أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم مفترون والهمزة للإنكار أي: لا تطمعوا في إيمانهم فلهم سابقة في الكفر. ﴿وإذا لقوا﴾ أي: منافقو اليهود ﴿الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ بأنكم على الحق وإنّ رسولكم هو المبشر به في التوراة ﴿وإذا خلا﴾ أي: رجع ﴿بعضهم إلى بعض قالوا﴾ أي: رؤساؤهم الذين لم ينافقوا ككعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا لمن نافق ﴿أتحدّثونهم﴾ أي: المؤمنين ﴿بما فتح الله عليكم﴾ بما بين لكم في التوراة من نعت محمد ﷺ ﴿ليحاجوكم﴾ أي: ليخاصموكم ﴿به عند ربكم﴾ أي: بما أنزل ربكم في كتابه ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه جعلوا محاجتهم بكتاب الله محاجة عند الله كما يقال: عند الله كذا، ويراد به أنه في كتابه وحكمه، وقيل: بين يدي رسول ربكم، وقيل: عند ربكم في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾ إمّا من تمام كلام اللائمين وهم خلص اليهود وتقديره أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم فيحجونكم، وإمّا من خطاب الله للمؤمنين متصل بقوله تعالى: ﴿أفتطمعون﴾ والمعنى: أفلا تعقلون حالهم وأنه لا مطمع لكم في إيمانهم. ﴿أولا يعلمون﴾ أي: اللائمون أو المنافقون أو كلاهما ﴿إنّ الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون﴾ من إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله عليهم وإظهار غيره وغير ذلك فيرعووا عن ذلك. ﴿ومنهم﴾ أي: اليهود ﴿أمّيون﴾ أي: عوام جهلة ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ أي: لا يعرفون التوراة أو الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما، فيها، وقوله تعالى: ﴿إلا أمانيّ﴾ استثناء منقطع، أي: لكن أكاذيب تلقوها من رؤسائهم فاعتمدوها

стр. 72

﴿وإن هم﴾ أي: ما هم ﴿إلا﴾ قوم ﴿يظنون﴾ ظناً لا علم لهم وقد يطلق الظنّ بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع وإن جزم به صاحبه كاعتقاد المقلد وكالزائغ عن الحق بسبب شبهة قامت عنده. ﴿س٢ش٧٩/ش٨٢ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَاذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا? بِهِ? ثَمَنًا قَلِي?? فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ * وَقَالُوا? لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِ? أَيَّامًا مَّعْدُودَةً? قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ??? أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ? خَطِي?ـئَتُهُ? فَأُو?لَـ?ائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَءَامَنُوا? وَعَمِلُوا? الصَّالِحَاتِ أُو?لَا?ئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴿فويل﴾ أي: واد في جهنم كما رواه الترمذيّ، قال سعيد بن المسيب: لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدّة حرّه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو شدّة العذاب ﴿للذين يكتبون الكتاب﴾ أي: المحرف من التأويلات الزائغة، وقوله تعالى: ﴿بأيديهم﴾ تأكيد كقولك: كتبته بيميني ﴿ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾ من الدنيا وهم اليهود غيروا صفة النبيّ ﷺ في التوراة: وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ما أنزل الله فكانت صفته ﷺ في التوراة: أكحل العينين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فكتبوها طويلاً: أزرق العينين، سبط الشعر، وغيروا آية الرجم بالجلد والتحميم أي: تسويد الوجه ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾ من المحرف ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾ من الرشا. ﴿وقالوا﴾ أي: اليهود لما وعدهم النبيّ ﷺ النار ﴿لن تمسنا﴾ أي: تصيبنا ﴿النار إلا أياماً معدودة﴾ محصورة قليلة. روي أنّ بعضهم قالوا: نعذب بعدد أيام عبادتنا العجل أربعين يوماً وبعضهم قالوا: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً واحداً ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام. فإن قيل: لم وصف الأيام مع أنها جمع بالمفرد؟ أجيب: بأنها في معنى الجماعة فتكون مفرداً تقديراً ولأنّ جمع القلة ـ كما قاله الرضي ـ في حكم المفرد فيوصف بالمفرد كما هنا يوصف المفرد به كما في قوله تعالى: ﴿نطفة أمشاج﴾ (الإنسان، ٢٠) وقيل: الأمشاج مفرد وعلى هذا فلا إشكال ثم كذبهم الله تعالى بقوله: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿أتخذتم﴾ حذف منه همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام ﴿عند الله عهداً﴾ أي: ميثاقاً منه بذلك، وقوله تعالى: ﴿فلن يخلف الله عهده﴾ جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده وفيه دليل على أن الخلف في خبر الله تعالى محال ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ أم إما منقطعة بمعنى بل أتقولون على التقرير والتقريع، وإمّا معادلة بهمزة الاستفهام بمعنى أيّ الأمرين كائن على سبيل التقرير للعلم بوقوع أحدهما، وقوله تعالى: ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه من مساس النار لهم فإن بلى وبل حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل أي: بل تمسكم وتخلدون فيها ﴿من كسب سيئة﴾ أي: قبيحة ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ وقرأ نافع وحده خطيئاته بالجمع أي: استولت عليه وشملت جميع أحواله حتى صار كالمحتاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأنّ غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه لم تحط الخطيئة به ولذلك فسرها السلف بالكفر، وقيل: السيئة الكبيرة، والإحاطة أن يصرّ عليها لأنّ من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجرّه إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي مستحسناً إياها معتقداً أن لا لذة سواها مبغضاً لمن يمنعه عنها مكذباً لمن ينصحه فيها كما قال تعالى: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساءوا السواى أن كذبوا بآيات الله﴾ (الروم، ١٠) الآية، والفرق بين السيئة

стр. 73

والخطيئة أنّ السيئة قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ، والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على التهكم كقوله تعالى: ﴿فبشره بعذا أليم﴾ (لقمان، ٧) (يس، ١١) (الجاثية، ٨) ﴿فأولئك أصحاب النار﴾ أي: ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمو أسبابها في الدنيا ﴿هم فيها خالدون﴾ أي: دائمون روعي فيه معنى من والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة لأنها في الكافر كما مرّ. ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ جرت عادته على أن يشفع وعده بوعيده لترجي رحمته ويخشى عذابه. تنبيه: عطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ في التوراة وقلنا لهم: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ هذا إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: ﴿ولا يضارّ كاتب ولا شهيد﴾ (البقرة، ٢٨٢) وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أنّ المنهي سارع إلى الانتهاء فهو مخبر عنه، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ أي: برّاً بهما وعطفاً عليهما ونزولاً عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. قال البيضاويّ: وهذا متعلق بمضمر تقديره: وتحسنون أو أحسنوا، انتهى. ويلزمه أنّ إحساناً في الآية منصوب على المصدر المؤكد لعامله المحذوف مع أن حذف عامل المؤكد ممنوع أو نادر وقوله تعالى: ﴿وذي القربى﴾ أي: القرابة ﴿واليتامى والمساكين﴾ عطف على الوالدين، ويتامى جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له كنديم وندامى وهو قليل، ومسكين مفعيل من السكون كأنّ الفقر أسكنه ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد ﷺ والرفق بهم، وقيل: هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين، والباقون بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ ، قال البيضاوي: يريد ـ أي: الله ـ بهما ما فرض عليهم في ملتهم ﴿ثم توليتم﴾ في هذا التفات عن الغيبة، قال البيضاوي: ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب أي: أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه ﴿إلا قليلاً منكم﴾ أي: وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم ﴿وأنتم﴾ قوم ﴿معرضون﴾ أي: عادتكم الإعراض عن المواثيق والتولية كإعراض آبائكم. ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذنا ميثاقكم﴾ وقلنا ﴿لا تسفكون دماءكم﴾ أي: تريقونها بقتل بعضكم بعضاً ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ أي: لا يخرج بعضكم بعضاً من داره وإنما جعل غير الرجل نفسه لاتصاله به نسباً أو ديناً، وقيل: لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم فإنه الجلاء الحقيقيّ ﴿ثم أقررتم﴾ بهذا العهد أنه حق وقبلتم ﴿وأنتم تشهدون﴾ على أنفسكم، هذا توكيد كقولك أقر فلان شاهداً على نفسه، وقيل: أنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازاً. ﴿ثم أنتم﴾ يا ﴿هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ فيه استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار والشهادة عليه أي: ثم بعد ذلك يقتل بعضكم بعضاً ﴿وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم

стр. 74

تظاهرون﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الطاء، والباقون بتشديدها، أي: تتعاونون ﴿عليهم بالإثم﴾ أي: المعصية ﴿والعدوان﴾ أي: الظلم ﴿وإن يأتوكم أسارى﴾ قرأ حمزة بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعد السين، والباقون بضمّ الهمزة وفتح السين وألف بعدها ﴿تفادوهم﴾ قرأ عاصم والكسائيّ بضمّ التاء وفتح الفاء وألف بعدها، والباقون بفتح التاء وسكون الفاء ولا ألف بعدها، أي: تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره، وقوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي: الشأن ﴿محرّم عليكم إخراجهم﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم﴾ وما بينهما اعتراض، ومعنى الآية قال السدي: إنّ الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه في بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وكانت قريظة حالفوا الأوس وحالفت النضير الخزرج فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم وكانوا إذا سئلوا: لم تقاتلونهم؟ وتفدونهم قالوا: أمرنا بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن يستذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى بقوله: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب﴾ وهو الفداء ﴿وتكفرون ببعض﴾ وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي﴾ أي: هوان وعذاب ﴿في الحياة الدنيا﴾ فكان خزي قريظة القتل والسبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام ﴿ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب﴾ أي: عذاب جهنم وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشدّ العذاب لأنّ عصيانه أشدّ ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ قرأ نافع وابن كثير وشعبة بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿أولئك الذين اشتروا﴾ أي: استبدلوا ﴿الحياة الدنيا بالآخرة﴾ بأن آثروها عليها ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾ في الدنيا بنقصان الجزية والتعذيب في الآخرة ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: بدفعها عنهم ﴿ولقد آتينا﴾ أي: أعطينا ﴿موسى الكتاب﴾ أي: التوراة جملة واحدة ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ أي: أتبعناهم رسولاً في إثر رسول كقوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ (المؤمنون، ٤٤) يقال: قفاه إذا أتبعه إياه ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾ أي: المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات أو الإنجيل. وعيسى بالعبرانية أيشوع، ومريم بمعنى الخادم ﴿وأيدناه﴾ أي: قويناه ﴿بروح القدس﴾ قرأ ابن كثير بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها، وهذا من إضافة الموصوف إلى الصفة أي: الروح المقدسة وهو جبريل وصف به لطهارته وتأييده به أن أمر أن يسير معه حيث سار حتى يصعد به إلى السماء، وقيل: روح عيسى ﵊ ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث أي: الحيض، وقيل: اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى. ولما سمعت اليهود ذكر عيسى ﵊ قالوا: يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً فقال الله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم﴾ يا معشر اليهود ﴿رسول بما لا تهوى﴾ أي: تحب ﴿أنفسكم﴾ من الحق،

стр. 75

وقوله تعالى: ﴿استكبرتم﴾ أي: تكبرتم عن اتباعه، جواب كلما وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ ﴿ففريقاً﴾ أي: طائفة ﴿كذبتم﴾ كموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والفاء لسببية الاستكبار للتكذيب أو التفصيل ﴿وفريقاً تقتلون﴾ كزكريا ويحيى ﵉. فإن قيل: هلا قال: وفريقاً قتلتم؟ أجيب: بأنه إنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها في النفوس فإنّ الأمر فظيع ومراعاة للفواصل. قال الزمخشري: أو أن يراد وفريقاً تقتلونهم بعد أي: الآن، لأنكم درتم حول قتل محمد لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، وقال ﷺ عند موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري» . ﴿وقالوا﴾ للنبيّ ﷺ استهزاءً: ﴿قلوبنا غلف﴾ جمع أغلف أي: مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقولهم: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾ (فصلت، ٥) ، وقيل: أصل غلف بالسكون غلف بالضم فخفف، والمعنى أنها أوعية العلم لا تسمع علماً إلا وعته ولا تعي ما تقول أي: فما تقوله ليس بعلم أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره، ثم ردّ الله تعالى عليهم أن تكون قلوبهم كذلك بقوله تعالى: ﴿بل﴾ للإضراب ﴿لعنهم الله بكفرهم﴾ أي: بسبب كفرهم، والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ولكنّ الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم كما قال تعالى: ﴿فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ أو هم كفرة ملعونون فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عنك ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ ما مزيدة لتأكيد القلة أي: إيمانهم إيمان قليل جدّاً وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل: أراد بالقلة العدم. ﴿س٢ش٨٩/ش٩١ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا? مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا? فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا? كَفَرُوا? بِهِ?? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا? بِهِ?? أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا? بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ? عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ?? فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْءَامِنُوا? بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا? نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ? وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ? قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَن?بِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله﴾ هو القرآن ﴿مصدّق لما معهم﴾ من كتابهم وهو التوراة لا يخالفه ﴿وكانوا﴾ أي: اليهود ﴿من قبل﴾ أي: من قبل مجيئه ﴿يستفتحون﴾ أي: يستنصرون ﴿على الذين كفروا﴾ أي: مشركي العرب إذا قابلوهم يقولون: اللهمّ انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته ونعته في التوراة ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ﴿فلما جاءهم﴾ أي: اليهود ﴿ما عرفوا﴾ من الحق وهو بعثة النبيّ ﷺ ﴿كفروا به﴾ حسداً أو خوفاً على الرياسة وجواب لما الأولى دل عليه جواب لما الثانية ﴿فلعنة الله﴾ أي: عذابه وطرده ﴿على الكافرين﴾ أي: عليهم، وإنما أتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم فتكون اللام للعهد ويجوز أن تكون للعموم ويدخلون فيه دخولاً أولياً أو قصدياً لأنهم المقصودون بالذات وتناول الكلام لغيرهم على سبيل التبع فهو كما إذا ظلمك إنسان فقلت: ألا لعنة الله على الظالمين كان ذلك الظالم أوّلياً أو مقصوداً في الدعاء والباقون تبعاً. ﴿بئس ما اشتروا﴾ أي: باعوا ﴿به أنفسهم﴾ أي: حظها من الثواب، وما نكرة بمعنى شيئاً مميزة لفاعل بئس المستكن أي: بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم ﴿أن يكفروا﴾ أي: كفرهم ﴿بما أنزل الله﴾ من القرآن ﴿بغياً﴾ أي: حسداً وطلباً لما ليس لهم وهو علة يكفروا ـ كما قال البيضاوي ـ دون اشتروا، وإن قاله الزمخشري لفصل المخصوص بين ﴿بغياً﴾ الذي هو العلة وبين المعلول وهو ﴿اشتروا﴾ . وحسدوه على ﴿أن ينزل الله من فضله﴾ أي: الوحي ﴿على من يشاء﴾ للرسالة
следующие страницы →