← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثبير والكفار يطلعونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ عليّ فيعاقبني الله بذلك، فقال له جبل حرا: إليّ إليّ يا رسول الله. وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن» . وروي عن عليّ أنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ بمكة فرحنا في نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر فلم يمرّ بشجر ولا جبل إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» . وروي عن جابر أنه قال: كان النبيّ ﷺ إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكتت، وقال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدّعاً من خشية الله﴾ (الحشر، ٢١) ﴿وما الله بغافل﴾ أي: بساه ﴿عما تعملون﴾ وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به، وقرأ ابن كثير بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿س٢ش٧٥/ش٧٨ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا? لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ? مِن? بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا? الَّذِينَءَامَنُوا? قَالُو?ا? ءَامَنَّا وَإِذَا خَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُو?ا? أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ? عِندَ رَبِّكُمْ? أَفَ تَعْقِلُونَ * أَوَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِ? أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِ s يَظُنُّونَ﴾ ﴿أفتطمعون﴾ أي: أفترجون أيها المؤمنون ﴿أن يؤمنوا﴾ أي: اليهود ﴿لكم﴾ أي: لأجل دعوتكم أو يصدّقوكم بما تخبرونهم به ﴿وقد كان فريق﴾ أي: طائفة ﴿منهم﴾ أي: أحبارهم ﴿يسمعون كلام الله﴾ أي: التوراة ﴿ثم يحرّفونه﴾ يغيرونه كنعت محمد ﷺ وآية الرجم، وقيل: هؤلاء من السبعين المختارين الذين سمعوا كلام الله حين كلم موسى ﵊ بالطور ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا ﴿من بعد ما عقلوه﴾ أي: فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم مفترون والهمزة للإنكار أي: لا تطمعوا في إيمانهم فلهم سابقة في الكفر. ﴿وإذا لقوا﴾ أي: منافقو اليهود ﴿الذين آمنوا قالوا آمنا﴾ بأنكم على الحق وإنّ رسولكم هو المبشر به في التوراة ﴿وإذا خلا﴾ أي: رجع ﴿بعضهم إلى بعض قالوا﴾ أي: رؤساؤهم الذين لم ينافقوا ككعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا لمن نافق ﴿أتحدّثونهم﴾ أي: المؤمنين ﴿بما فتح الله عليكم﴾ بما بين لكم في التوراة من نعت محمد ﷺ ﴿ليحاجوكم﴾ أي: ليخاصموكم ﴿به عند ربكم﴾ أي: بما أنزل ربكم في كتابه ويقيموا عليكم الحجة في ترك اتباعه مع علمكم بصدقه جعلوا محاجتهم بكتاب الله محاجة عند الله كما يقال: عند الله كذا، ويراد به أنه في كتابه وحكمه، وقيل: بين يدي رسول ربكم، وقيل: عند ربكم في الآخرة، وقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾ إمّا من تمام كلام اللائمين وهم خلص اليهود وتقديره أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم فيحجونكم، وإمّا من خطاب الله للمؤمنين متصل بقوله تعالى: ﴿أفتطمعون﴾ والمعنى: أفلا تعقلون حالهم وأنه لا مطمع لكم في إيمانهم. ﴿أولا يعلمون﴾ أي: اللائمون أو المنافقون أو كلاهما ﴿إنّ الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون﴾ من إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وإخفاء ما فتح الله عليهم وإظهار غيره وغير ذلك فيرعووا عن ذلك. ﴿ومنهم﴾ أي: اليهود ﴿أمّيون﴾ أي: عوام جهلة ﴿لا يعلمون الكتاب﴾ أي: لا يعرفون التوراة أو الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما، فيها، وقوله تعالى: ﴿إلا أمانيّ﴾ استثناء منقطع، أي: لكن أكاذيب تلقوها من رؤسائهم فاعتمدوها

стр. 72

﴿وإن هم﴾ أي: ما هم ﴿إلا﴾ قوم ﴿يظنون﴾ ظناً لا علم لهم وقد يطلق الظنّ بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع وإن جزم به صاحبه كاعتقاد المقلد وكالزائغ عن الحق بسبب شبهة قامت عنده. ﴿س٢ش٧٩/ش٨٢ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَاذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا? بِهِ? ثَمَنًا قَلِي?? فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ * وَقَالُوا? لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِ? أَيَّامًا مَّعْدُودَةً? قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ??? أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ? خَطِي?ـئَتُهُ? فَأُو?لَـ?ائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَءَامَنُوا? وَعَمِلُوا? الصَّالِحَاتِ أُو?لَا?ئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ﴿فويل﴾ أي: واد في جهنم كما رواه الترمذيّ، قال سعيد بن المسيب: لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدّة حرّه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو شدّة العذاب ﴿للذين يكتبون الكتاب﴾ أي: المحرف من التأويلات الزائغة، وقوله تعالى: ﴿بأيديهم﴾ تأكيد كقولك: كتبته بيميني ﴿ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾ من الدنيا وهم اليهود غيروا صفة النبيّ ﷺ في التوراة: وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ما أنزل الله فكانت صفته ﷺ في التوراة: أكحل العينين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فكتبوها طويلاً: أزرق العينين، سبط الشعر، وغيروا آية الرجم بالجلد والتحميم أي: تسويد الوجه ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾ من المحرف ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾ من الرشا. ﴿وقالوا﴾ أي: اليهود لما وعدهم النبيّ ﷺ النار ﴿لن تمسنا﴾ أي: تصيبنا ﴿النار إلا أياماً معدودة﴾ محصورة قليلة. روي أنّ بعضهم قالوا: نعذب بعدد أيام عبادتنا العجل أربعين يوماً وبعضهم قالوا: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً واحداً ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام. فإن قيل: لم وصف الأيام مع أنها جمع بالمفرد؟ أجيب: بأنها في معنى الجماعة فتكون مفرداً تقديراً ولأنّ جمع القلة ـ كما قاله الرضي ـ في حكم المفرد فيوصف بالمفرد كما هنا يوصف المفرد به كما في قوله تعالى: ﴿نطفة أمشاج﴾ (الإنسان، ٢٠) وقيل: الأمشاج مفرد وعلى هذا فلا إشكال ثم كذبهم الله تعالى بقوله: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿أتخذتم﴾ حذف منه همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بإظهار الذال عند التاء، والباقون بالإدغام ﴿عند الله عهداً﴾ أي: ميثاقاً منه بذلك، وقوله تعالى: ﴿فلن يخلف الله عهده﴾ جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده وفيه دليل على أن الخلف في خبر الله تعالى محال ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ أم إما منقطعة بمعنى بل أتقولون على التقرير والتقريع، وإمّا معادلة بهمزة الاستفهام بمعنى أيّ الأمرين كائن على سبيل التقرير للعلم بوقوع أحدهما، وقوله تعالى: ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه من مساس النار لهم فإن بلى وبل حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل أي: بل تمسكم وتخلدون فيها ﴿من كسب سيئة﴾ أي: قبيحة ﴿وأحاطت به خطيئته﴾ وقرأ نافع وحده خطيئاته بالجمع أي: استولت عليه وشملت جميع أحواله حتى صار كالمحتاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأنّ غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه لم تحط الخطيئة به ولذلك فسرها السلف بالكفر، وقيل: السيئة الكبيرة، والإحاطة أن يصرّ عليها لأنّ من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجرّه إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي مستحسناً إياها معتقداً أن لا لذة سواها مبغضاً لمن يمنعه عنها مكذباً لمن ينصحه فيها كما قال تعالى: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساءوا السواى أن كذبوا بآيات الله﴾ (الروم، ١٠) الآية، والفرق بين السيئة

стр. 73

والخطيئة أنّ السيئة قد تقال فيما يقصد بالذات والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ، والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على التهكم كقوله تعالى: ﴿فبشره بعذا أليم﴾ (لقمان، ٧) (يس، ١١) (الجاثية، ٨) ﴿فأولئك أصحاب النار﴾ أي: ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمو أسبابها في الدنيا ﴿هم فيها خالدون﴾ أي: دائمون روعي فيه معنى من والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة لأنها في الكافر كما مرّ. ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ جرت عادته على أن يشفع وعده بوعيده لترجي رحمته ويخشى عذابه. تنبيه: عطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ في التوراة وقلنا لهم: ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ هذا إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: ﴿ولا يضارّ كاتب ولا شهيد﴾ (البقرة، ٢٨٢) وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أنّ المنهي سارع إلى الانتهاء فهو مخبر عنه، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ أي: برّاً بهما وعطفاً عليهما ونزولاً عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. قال البيضاويّ: وهذا متعلق بمضمر تقديره: وتحسنون أو أحسنوا، انتهى. ويلزمه أنّ إحساناً في الآية منصوب على المصدر المؤكد لعامله المحذوف مع أن حذف عامل المؤكد ممنوع أو نادر وقوله تعالى: ﴿وذي القربى﴾ أي: القرابة ﴿واليتامى والمساكين﴾ عطف على الوالدين، ويتامى جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له كنديم وندامى وهو قليل، ومسكين مفعيل من السكون كأنّ الفقر أسكنه ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد ﷺ والرفق بهم، وقيل: هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين، والباقون بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ ، قال البيضاوي: يريد ـ أي: الله ـ بهما ما فرض عليهم في ملتهم ﴿ثم توليتم﴾ في هذا التفات عن الغيبة، قال البيضاوي: ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله ﷺ ومن قبلهم على التغليب أي: أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه ﴿إلا قليلاً منكم﴾ أي: وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم ﴿وأنتم﴾ قوم ﴿معرضون﴾ أي: عادتكم الإعراض عن المواثيق والتولية كإعراض آبائكم. ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذنا ميثاقكم﴾ وقلنا ﴿لا تسفكون دماءكم﴾ أي: تريقونها بقتل بعضكم بعضاً ﴿ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ أي: لا يخرج بعضكم بعضاً من داره وإنما جعل غير الرجل نفسه لاتصاله به نسباً أو ديناً، وقيل: لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم فإنه الجلاء الحقيقيّ ﴿ثم أقررتم﴾ بهذا العهد أنه حق وقبلتم ﴿وأنتم تشهدون﴾ على أنفسكم، هذا توكيد كقولك أقر فلان شاهداً على نفسه، وقيل: أنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازاً. ﴿ثم أنتم﴾ يا ﴿هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ فيه استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار والشهادة عليه أي: ثم بعد ذلك يقتل بعضكم بعضاً ﴿وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم

стр. 74

تظاهرون﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الطاء، والباقون بتشديدها، أي: تتعاونون ﴿عليهم بالإثم﴾ أي: المعصية ﴿والعدوان﴾ أي: الظلم ﴿وإن يأتوكم أسارى﴾ قرأ حمزة بفتح الهمزة وسكون السين ولا ألف بعد السين، والباقون بضمّ الهمزة وفتح السين وألف بعدها ﴿تفادوهم﴾ قرأ عاصم والكسائيّ بضمّ التاء وفتح الفاء وألف بعدها، والباقون بفتح التاء وسكون الفاء ولا ألف بعدها، أي: تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره، وقوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي: الشأن ﴿محرّم عليكم إخراجهم﴾ متعلق بقوله تعالى: ﴿وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم﴾ وما بينهما اعتراض، ومعنى الآية قال السدي: إنّ الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه في بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وكانت قريظة حالفوا الأوس وحالفت النضير الخزرج فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم وكانوا إذا سئلوا: لم تقاتلونهم؟ وتفدونهم قالوا: أمرنا بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن يستذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى بقوله: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب﴾ وهو الفداء ﴿وتكفرون ببعض﴾ وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي﴾ أي: هوان وعذاب ﴿في الحياة الدنيا﴾ فكان خزي قريظة القتل والسبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام ﴿ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب﴾ أي: عذاب جهنم وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشدّ العذاب لأنّ عصيانه أشدّ ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ قرأ نافع وابن كثير وشعبة بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿أولئك الذين اشتروا﴾ أي: استبدلوا ﴿الحياة الدنيا بالآخرة﴾ بأن آثروها عليها ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾ في الدنيا بنقصان الجزية والتعذيب في الآخرة ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: بدفعها عنهم ﴿ولقد آتينا﴾ أي: أعطينا ﴿موسى الكتاب﴾ أي: التوراة جملة واحدة ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ أي: أتبعناهم رسولاً في إثر رسول كقوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى﴾ (المؤمنون، ٤٤) يقال: قفاه إذا أتبعه إياه ﴿وآتينا عيسى بن مريم البينات﴾ أي: المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات أو الإنجيل. وعيسى بالعبرانية أيشوع، ومريم بمعنى الخادم ﴿وأيدناه﴾ أي: قويناه ﴿بروح القدس﴾ قرأ ابن كثير بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها، وهذا من إضافة الموصوف إلى الصفة أي: الروح المقدسة وهو جبريل وصف به لطهارته وتأييده به أن أمر أن يسير معه حيث سار حتى يصعد به إلى السماء، وقيل: روح عيسى ﵊ ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث أي: الحيض، وقيل: اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى. ولما سمعت اليهود ذكر عيسى ﵊ قالوا: يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً فقال الله تعالى: ﴿أفكلما جاءكم﴾ يا معشر اليهود ﴿رسول بما لا تهوى﴾ أي: تحب ﴿أنفسكم﴾ من الحق،

стр. 75

وقوله تعالى: ﴿استكبرتم﴾ أي: تكبرتم عن اتباعه، جواب كلما وهو محل الاستفهام والمراد به التوبيخ ﴿ففريقاً﴾ أي: طائفة ﴿كذبتم﴾ كموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، والفاء لسببية الاستكبار للتكذيب أو التفصيل ﴿وفريقاً تقتلون﴾ كزكريا ويحيى ﵉. فإن قيل: هلا قال: وفريقاً قتلتم؟ أجيب: بأنه إنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها في النفوس فإنّ الأمر فظيع ومراعاة للفواصل. قال الزمخشري: أو أن يراد وفريقاً تقتلونهم بعد أي: الآن، لأنكم درتم حول قتل محمد لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، وقال ﷺ عند موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطعت أبهري» . ﴿وقالوا﴾ للنبيّ ﷺ استهزاءً: ﴿قلوبنا غلف﴾ جمع أغلف أي: مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقولهم: ﴿قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾ (فصلت، ٥) ، وقيل: أصل غلف بالسكون غلف بالضم فخفف، والمعنى أنها أوعية العلم لا تسمع علماً إلا وعته ولا تعي ما تقول أي: فما تقوله ليس بعلم أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره، ثم ردّ الله تعالى عليهم أن تكون قلوبهم كذلك بقوله تعالى: ﴿بل﴾ للإضراب ﴿لعنهم الله بكفرهم﴾ أي: بسبب كفرهم، والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ولكنّ الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم كما قال تعالى: ﴿فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾ أو هم كفرة ملعونون فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عنك ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ ما مزيدة لتأكيد القلة أي: إيمانهم إيمان قليل جدّاً وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل: أراد بالقلة العدم. ﴿س٢ش٨٩/ش٩١ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا? مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا? فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا? كَفَرُوا? بِهِ?? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا? بِهِ?? أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا? بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ? عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ?? فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْءَامِنُوا? بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا? نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ? وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ? قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَن?بِيَآءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله﴾ هو القرآن ﴿مصدّق لما معهم﴾ من كتابهم وهو التوراة لا يخالفه ﴿وكانوا﴾ أي: اليهود ﴿من قبل﴾ أي: من قبل مجيئه ﴿يستفتحون﴾ أي: يستنصرون ﴿على الذين كفروا﴾ أي: مشركي العرب إذا قابلوهم يقولون: اللهمّ انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته ونعته في التوراة ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ﴿فلما جاءهم﴾ أي: اليهود ﴿ما عرفوا﴾ من الحق وهو بعثة النبيّ ﷺ ﴿كفروا به﴾ حسداً أو خوفاً على الرياسة وجواب لما الأولى دل عليه جواب لما الثانية ﴿فلعنة الله﴾ أي: عذابه وطرده ﴿على الكافرين﴾ أي: عليهم، وإنما أتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم فتكون اللام للعهد ويجوز أن تكون للعموم ويدخلون فيه دخولاً أولياً أو قصدياً لأنهم المقصودون بالذات وتناول الكلام لغيرهم على سبيل التبع فهو كما إذا ظلمك إنسان فقلت: ألا لعنة الله على الظالمين كان ذلك الظالم أوّلياً أو مقصوداً في الدعاء والباقون تبعاً. ﴿بئس ما اشتروا﴾ أي: باعوا ﴿به أنفسهم﴾ أي: حظها من الثواب، وما نكرة بمعنى شيئاً مميزة لفاعل بئس المستكن أي: بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم ﴿أن يكفروا﴾ أي: كفرهم ﴿بما أنزل الله﴾ من القرآن ﴿بغياً﴾ أي: حسداً وطلباً لما ليس لهم وهو علة يكفروا ـ كما قال البيضاوي ـ دون اشتروا، وإن قاله الزمخشري لفصل المخصوص بين ﴿بغياً﴾ الذي هو العلة وبين المعلول وهو ﴿اشتروا﴾ . وحسدوه على ﴿أن ينزل الله من فضله﴾ أي: الوحي ﴿على من يشاء﴾ للرسالة

стр. 76

﴿من عباده﴾ وهو محمد ﷺ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بسكون نون ينزل وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وتشديد الزاي ﴿فباءوا﴾ أي: رجعوا ﴿بغضب على غضب﴾ أي: مع غضب، واختلف في معنى ذلك فقال ابن عباس ومجاهد: الغضب الأوّل: بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني: بكفرهم بمحمد ﷺ وقال السديّ: الأوّل: كفرهم بعبادة العجل، والثاني: الكفر بمحمد ﷺ وقال قتادة: الأوّل: بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثاني: بمحمد ﷺ والقرآن. ﴿وللكافرين عذاب مهين﴾ أي: ذو إهانة بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه. ﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله﴾ من القرآن وغيره فيعم سائر الكتب المنزلة ﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾ أي: التوراة يكفينا ذلك ﴿ويكفرون﴾ الواو للحال ﴿بما وراءه﴾ أي: بما سواه من الكتب كقوله تعالى: ﴿فمن ابتغى وراء ذلك﴾ (المؤمنون، ٧) أي: سواه وقال أبو عبيدة: بما بعده أي: من القرآن. وقوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي: ما وراءه ﴿الحق﴾ حال، وقوله: ﴿مصدّقاً لما معهم﴾ أي: من التوراة حال ثانية مؤكدة تتضمن ردّ مقالهم فإنهم كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض الله تعالى عليهم بقتل الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة بقوله تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿فلم تقتلون﴾ أي: قتلتم ﴿أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ بالتوراة، والتوراة لا تسوغه بل نهيتم فيها عن قتلهم، والخطاب للموجودين في زمن نبينا ﷺ بما فعل آباؤهم لرضاهم به وعزمهم عليه، قرأ نافع وحده: أنبياء الله، بالهمز في كل القرآن، والباقون بالبدل، وليس لورش إلا المدّ فقط لأنه متصل. ﴿س٢ش٩٢/ش٩٤ وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن? بَعْدِهِ? وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا? مَآءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا?? قَالُوا? سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا? فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ? قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ? إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ ا?خِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا? الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات﴾ أي: الآيات التسع في قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات كالعصا﴾ (الإسراء، ١٠١) واليد وفلق البحر ﴿ثم اتخذتم العجل﴾ أي: إلهاً ﴿من بعده﴾ أي: من بعد ذهابه إلى الميقات، وقوله تعالى: ﴿وأنتم ظالمون﴾ أي: باتخاذه، حال أي: اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو بالإخلال بآيات الله، أو اعتراض أي: وأنتم عادتكم الظلم. ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ على العمل بما في التوراة ﴿و﴾ قد ﴿رفعنا فوقكم الطور﴾ أي: الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم، وقلنا: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوّة﴾ أي: بجد واجتهاد ﴿واسمعوا﴾ ما تؤمرون به سماع قبول ﴿قالوا سمعنا﴾ قولك ﴿وعصينا﴾ أمرك وقيل: سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب، قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوا بالآذان وتلقوه بالعصيان نسب ذلك إلى القول اتساعاً ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾ أي: خالط حبه قلوبهم كما يتداخل الشراب أعماق البدن، وفي قلوبهم بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى: ﴿إنما يأكلون في بطونهم ناراً﴾ (النساء، ١٠) . فائدة: قال البغويّ في «القصص» : إنّ موسى ﵊ أمر أن يبرد العجل بالمبرد ثم يذر في النهر وأمر بالشرب منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه. ﴿بكفرهم﴾ أي: بسبب كفرهم وذلك أنهم كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن من قلوبهم ما سوّل لهم السامري ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿بئسما﴾ أي: شيئاً ﴿يأمركم به إيمانكم﴾ بالتوراة عبادة العجل، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب: ﴿أصلواتك تأمرك﴾ (هود، ٨٧) وكذلك إضافة الإيمان إليهم في قوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ بعبادة العجل. ﴿قل﴾ لهم ﴿إن

стр. 77

كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة﴾ أي: خاصة ﴿من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ في قولكم وذلك أنّ اليهود ادعوا دعاوى باطلة مثل قولهم: ﴿لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة﴾ (البقرة، ٨٠) ﴿ولن يدخل الجنة إلا من كان هوداً﴾ (البقرة، ١١١) وقولهم: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ (المائدة، ١٨) فكذبهم الله وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد ذلك لأنّ من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة الوصول إلى النعيم والتخلص من الدار ذات الشوائب. كما روي عن المبشرين بالجنة رضي الله تعالى عنهم فقد كان علي رضي الله تعالى عنه يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن: ما هكذا نرى المحاربين، فقال له: يا بني لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة أنه كان يتمنى الموت فلما احتضر قال: حبيب ـ أي: الموت ـ جاء على فاقة، أي: وقت حاجتي إليه. وقيل: بل أراد بالحبيب لقاء الله لا أفلح من ندم يعني على التمني أراد به أنه كان يتمنى الموت وما ندم على التمني حين جاء الموت. وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه. وكان كل واحد من العشرة يحب الموت ويحن إليه. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبيّ ﷺ قال: «لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه وما بقي على وجه الأرض يهوديّ إلا مات» . تنبيه: خالصة نصبها على الحال من الدار، أو من الضمير في خبر كان العائد إلى الدار، وتعلق بتمنوا الشرطان على أنّ الأوّل قيد في الثاني. ﴿ولن يتمنوه أبداً بما قدّمت أيديهم﴾ من موجبات النار من الكفر بمحمد ﷺ وما جاء به وتحريف كتاب الله وسائر أنواع الكفر والعصيان، ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها أكثر منافعه عبر بها عن النفس تارة كما هنا وعن القدرة أخرى كما في قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ (الفتح، ١٠) وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان أخبر به كقوله تعالى: ﴿ولن تفعلوا﴾ (البقرة، ٢٤) . فإن قلت: من أعلمك أنهم لم يتمنوا؟ أجيب: بأنهم لو تمنوا لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولي المطاعن في الإسلام أكثر من الذر وليس أحد منهم نقل ذلك. فإن قيل: التمني من أعمال القلوب وهو سرّ لا يطلع عليه أحد فمن أين علمت أنهم لم يتمنوا؟ أجيب: بأنّ التمني ليس من أعمال القلوب إنما هو قول الانسان بلسانه: ليت لي كذا، فإذا قاله قالوا: تمنى. وليت كلمة تمنّ ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب ولو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا: قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك. فإن قيل: لم يقولوه لأنهم علموا أنهم لا يصدقون أجيب: بأنه كم حكي عنهم من أشياء قاولوا بها المسلمين من الافتراء على الله وتحريف كتابه وغير ذلك مما علموا أنهم غير مصدقين فيه ولا محمل له إلا الكذب الصرف ولم يبالوا فكيف يمنعون من أن يقولوا إنّ التمني من أفعال القلوب وقد فعلناه مع احتمال أن يكونوا صادقين في قولهم وأخبارهم عن ضمائرهم وكان الرجل يخبر عن نفسه بالإيمان فيصدق مع احتمال أن يكون كذباً لأنه أمر خفي لا سبيل إلى الاطلاع عليه ﴿وا عليم بالظالمين﴾ أي: الكافرين فيجازيهم في ذلك فيه تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ونفيه عمن هو لهم. ﴿ولتجدنهم﴾ اللام لام القسم والنون تأكيد القسم تقديره: والله لتجدنهم يا محمد

стр. 78

أي: اليهود ﴿أحرص الناس على حياة﴾ هو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين ومفعولاه هم أحرص. فإن قيل: لم قال على حياة بالتنكير؟ أجيب: بأنه أريد حياة مخصوصة هي فرد من أفرادها وهي الحياة المتطاولة ﴿و﴾ أحرص ﴿من الذين أشركوا﴾ أي: المنكرين البعث عليها لعلمهم بأنّ مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له. فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ أجيب: ببلى، ولكنهم أفردوا بالذكر؛ لأنّ حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم؛ لأنّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقرّ بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ ﴿يودّ﴾ يتمنى ﴿أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ لو مصدرية بمعنى أن وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول، يودّ يقول الله تعالى: اليهود أحرص الناس على الحياة من المجوس الذين يقولون ذلك؛ لأنّ تحية المجوس فيما بينهم عش ألف سنة ﴿وما هو﴾ أي: أحدهم ﴿بمزحزحه﴾ أي: مبعده ﴿من العذاب﴾ أي: النار وقوله تعالى: ﴿أن يعمر﴾ فاعل مزحزحه أي: تعميره ﴿وا بصير بما يعملون﴾ فيجازيهم به. «وسأل عبد الله بن صوريا رسول الله ﷺ عمن ينزل عليه؟ فقال: جبريل فقال: ذاك عدوّنا عادانا مراراً وأشدّها أنه لما نزل على نبينا أخبرنا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر وأخبرنا بالحين الذي يجيء فيه فلما كان وقته بعثنا رجلاً من بني إسرائيل في طلبه ليقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه وكبر بختنصر وقوي فنزل. ﴿قل﴾ لهم ﴿من كان عدواً لجبريل﴾ . روي أنه كان لعمر رضي الله تعالى عنه أرض بأعلى المدينة وكان ممرّه على مدارس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أحبكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد ﷺ وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدوّ لنا يطلع محمداً على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام أي: السلامة، فقال عمر: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة فقال: لئن كان كما تقولون فليسا بعدوّين أي: لقرب منزلتهما عند الله ولأنتم أكفر من الحمير أي: لأنّ الكفر نتيجة الجهل والبلادة والحمار مَثل فيهما، ومن كان عدوّ أحدهما فهو عدّو الله تعالى ثم رجع فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية وقال ﵊: «لقد وافقك ربك يا عمر» قال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. وقال مقاتل: قالت اليهود إنّ جبريل عدوّنا؛ لأنه أمر أن يجعل النبوّة فينا فجعلها في غيرنا ومعنى جبريل عبد الله، فجبر هو الله وإيل هو العبد، وقرأ حمزة والكسائيّ بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء مكسورة ممدودة أي: بعدها ياء لفظية وقرأ شعبة كذلك إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة وكسر الراء والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز بعد الراء إلا أن ابن كثير فتح الجيم ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة ﴿فإنه﴾ أي: جبريل ﴿نزله﴾ أي: القرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لا

стр. 79

يسبق ذكره فيه. فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدلّ على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ﴿على قلبك﴾ يا محمد وقوله تعالى: ﴿بإذن الله﴾ أي: بأمره حال من فاعل نزل ﴿مصدقاً﴾ أي: موافقاً ﴿لما بين يديه﴾ لما قبله من الكتب ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وبشرى﴾ بالجنة ﴿للمؤمنين﴾ هذه أحوال من مفعول نزل وجواب الشرط فإنه نزله والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقة الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياك لنزوله عليك بالوحي؛ لأنه نزل كتاباً مصدّقاً للكتب المتقدّمة فحذف الجواب وأقيم علته مقامه، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزل عليك، وقيل: الجواب محذوف مثل فليمت غيظاً أو فهو عدوّ لي وأنا عدوّ له كما قال تعالى: ﴿من كان عدوّاً وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنّ الله عدوّ للكافرين﴾ والمراد بمعاداة الله مخالفته عناداً أو معاداة المقرّبين من عباده وصدر الكلام بذكره تعالى تفخيماً لشأنهم كقوله تعالى: ﴿وا ورسوله أحق أن يرضوه﴾ (التوبة، ٦٢) . فإن قيل: لم أفرد الملكين بالذكر مع دخولهما في الملائكة؟ أجيب: بأنّ ذلك لفضلهما، فكأنهما من جنس آخر وهو مما ذكر أن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات وبأن المحاجة كانت فيهما والواو فيها بمعنى أو يعني من كان عدوّاً لأحد هؤلاء؛ لأنّ الكافر بالواحد كافر بالكل، وقدم جبريل لشرفه، وقدم الملائكة على الرسل كما قدم الله على الجميع؛ لأنّ عداوة الرسل بسبب نزول الكتب ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب، قرأ أبو عمرو وحفص ميكال بغير همز ولا ياء بين الألف واللام وقرأ نافع بهمزة بعد الألف ولا ياء بعد الهمزة والباقون بهمزة بعد الألف وياء وهم على مراتبهم في المدّ. ونزل في ابن صوريا لما «قال للنبيّ ﷺ ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية أي زائدة فنتبعك» . ﴿ولقد أنزلنا إليك﴾ يا محمد ﴿آيات بينات﴾ واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام ﴿وما يكفر بها إلا الفاسقون﴾ أي: المتمرّدون من الكفرة والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على أعظميته كأنه متجاوز عن حدّه. ﴿أو كلما عاهدوا عهداً﴾ الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا الله عهداً على الإيمان بالنبيّ أو إن خرج النبيّ أن لا يعاونوا عليه المشركين وقوله تعالى ﴿نبذه﴾ أي: طرحه ﴿فريق منهم﴾ أي: اليهود بنقضه جواب كلما وهو محل الاستفهام الانكاري وإنما قال فريق؛ لأنّ بعضهم لم ينقض وقوله تعالى: ﴿بل﴾ للانتقال ﴿أكثرهم لا يؤمنون﴾ ردّ لِما يتوهم أنّ الفريق هم الأقلون. وقوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله﴾ هو محمد ﷺ ﴿مصدّق لما معهم﴾ من التوراة ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله﴾ أي: التوراة؛ لأنّ كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدّقه ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات وقيل: كتاب الله هو القرآن نبذوه بعدما ألزمهم تلقيه بالقبول وقوله تعالى: ﴿وراء ظهورهم﴾ أي: لم يعملوا بما فيها من الآيات بالرسل وغيره مًثل لإعراضهم عنه بالكلية بالاعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه ﴿كأنهم لا يعلمون﴾ ما فيها من أنه نبيّ حق أو فيه شك يعني أنّ علمهم بذلك رصين ولكنهم كابروا وعاندوا. وعن سفيان

стр. 80

أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه. وقوله تعالى: ﴿واتبعوا﴾ عطف على نبذ ﴿ما تتلو﴾ أي: ما تلت ﴿الشياطين﴾ والعرب تضع المستقبل موضع الماضي والماضي موضع المستقبل، وقيل: ما كانت تتلو أي تقرأ ﴿على﴾ عهد ﴿ملك سليمان﴾ من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه فلم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوه وقالوا للناس: إنما ملَككم سليمان بهذا فتعلموه، فأمّا علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا من علم سليمان ﵊، وأمّا سفلاؤهم فقالوا: هذا علم سليمان وأقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم وبقيت الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتى بعث الله محمداً ﷺ وأنزل الله عليه براءة سليمان هذا قول الكلبيّ. وقال السديّ: كانت الشياطين تسترق السمع فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كلّ كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني إسرائيل أنّ الجنّ تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيه وقال: لا أسمع أنّ أحداً يقول: إنّ الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثل شيطان على صورة إنسان فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم قال: فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وأقام ناحية فقالوا: أُدن فقال: لا ولكني ههنا فإن لم تجدوه فاقتلوني وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق فحفروا وأخرجوا تلك الكتب قال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والانس والشياطين والطير بهذا ثم طار الشيطان وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فلما جاء محمد ﷺ برأ الله سليمان من ذلك وأنزل تكذيباً لمن زعم ذلك واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ﴿وما كفر سليمان﴾ إذ لم يعمل السحر وعبر عنه بالكفر ليدلّ على أنه كفر إذا استحله أو احتيج فيه إلى تقدّم اعتقاد مكفر هذا مذهب الشافعيّ وعند أحمد يكفر مطلقاً ﴿ولكنّ الشياطين﴾ هم الذين ﴿كفروا﴾ باستعمال السحر وتدوينه، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بكسر النون من ولكن مخففة ورفع نون الشياطين والباقون بنصب النون من ولكن مشدّدة ونصب نون الشياطين ﴿يعلمون الناس السحر﴾ يقصدون به إغواءهم وإضلالهم والجملة حال من ضمير كفروا. تنبيه: السحر لغة صرف الشيء عن وجهه يقال: ما سحرك عن كذا أي: ما صرفك عنه واصطلاحاً مزاولة النفوس الخبيئة لأقوال وأفعال يترتب عليها أمور خارقة للعادة. واختلف فيه هل هو تخييل أو حقيقة؟ قال بالأوّل المعتزلة واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ (طه، ٦٦) وقال بالثاني أهل السنة ويدلّ لذلك الكتاب والسنة الصحيحة، والساحر قد يأتي بفعل أو قول يتغير به حال المسحور فيمرض أو يموت منه ويفرّق به بين المرء وزوجه ويحرم تعليمه أو تعلمه، قال إمام الحرمين: ولا يظهر السحر إلا على يد فاسق ولا تظهر

стр. 81

الكرامة على يد فاسق ويحرم أيضاً تعليم أو تعلم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والحصى والشعير والشعبذة ويحرم إعطاء العوض أو أخذه عنها بالنص الصريح في حلوان الكاهن والباقي بمعناه، والكاهن من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل بخلاف العرّاف فإنه الذي يخبر عن المغيبات الواقعة كعين السارق ومكان المسروق والضالة قال في «الروضة» : ولا يغتر بجهالة من يتعاطى الرمل وإن نسب إلى علم. وأمّا الحديث الصحيح «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك» فمعناه من علمتم موافقته له فلا بأس ونحن لا نعلم الموافقة فلا يجوز لنا ذلك. وقول البيضاويّ: وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات كالأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم وتسميته سحراً على التجوّز لما فيه من الدقة؛ لأنه أي: السحر في الأصل أي: اللغة لما خفي سببه مردود بل هو مذموم أي: حرام كما صرّح به النوويّ في «الروضة» وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾ عطف على السحر أي: ويعلمونهم ما أنزل على الملكين وقيل: عطف على ما تتلو أي: واتبعوا ما أنزل أي: ما ألهماه وتعلماه من السحر فالانزال بمعنى الإلهام والتعليم. قال البيضاويّ: وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس وتمييزاً بينه وبين المعجزة. قال: وما روي أي: في كتب السير أنهما مثلا بشرين وركب فيهما الشهوة فتعرّضا لامرأة يقال لها زهرة فحملتهما على المعاصي والشرك ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكيّ عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله أي: الرمز أو ما روي لا يخفى على ذوي البصائر اه. قال شيخنا شيخ الإسلام زكريا: بأن يقال عُبر عن العقل والنفس المطمئنة بالملكين وعن النفس الأمّارة بالسوء بالزهرة وعن مفارقتها بالموت بالصعود إلى السماء وقيل: هما رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما وقيل: ما أنزل نفي معطوف على ما كفر تكذيباً لليهود في هذه القصة، وقد طوّل البغوي في هذه القصة. واعتمد ما ردّه البيضاويّ، وقال شيخنا المذكور عن شيخه ابن حجر إنّ لها طرقاً تفيد العلم بصحتها فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد وابن حبان والبيهقيّ وغيرهم وموقوفة على عليّ وابن مسعود وابن عباس وغيرهم بأسانيد صحيحة والبيضاويّ لما استبعد ما روي ولم يطلع عليه، قال ولعله إلخ.. وقوله تعالى: ﴿ببابل﴾ ظرف أو حال من الملكين أو الضمير في أنزل وهي بلد في سواد العراق وقوله تعالى: ﴿هاروت وماروت﴾ بدل أو عطف بيان للملكين ومنع صرفهما للعلمية والعجمة ومن جعل ما فيما أنزل نافية أبدل هاروت وماروت من الشياطين بدل البعض وما بينهما اعتراض ﴿وما يعلمان﴾ أي: الملكان ﴿من أحد﴾ أي: أحداً ومن صلة ﴿حتى﴾ ينصحاه و ﴿يقولا﴾ له ﴿إنما نحن فتنة﴾ أي: ابتلاء من الله تعالى للناس لنمتحنهم بتعليمه وأصل الفتنة الاختبار والامتحان من قولهم: فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار لتميز الجيد من الرديء، وإنما وحد الفتنة لأنها مصدر والمصادر لا تثنى ولا تجمع ﴿فلا تكفر﴾ بتعليمه أي: فلا تتعلمه معتقداً حله فتكفر على ما تقدّم، فإن أبى إلا التعليم علماه قيل: إنهما يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرّات، قال عطاء والسديّ فإن أبى إلا التعليم؟ قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه فيخرج منه نور ساطع في السماء فتلك المعرفة وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه

стр. 82

وذلك غضب الله تعالى وعلى القول بأنهما رجلان فلا يعلمانه حتى يقولا له: إنا مفتونان فلا تكن مثلنا ﴿فيتعلمون منهما﴾ الضمير لما دل عليه من أحد أي: فيتعلم الناس من الملكين ﴿ما﴾ أي: سحراً ﴿يفرّقون به بين المرء وزوجه﴾ بأن يبغض كلاً منهما في الآخر بسبب حيلة أو تمويه كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله تعالى عنده الفراق ابتلاءً منه لا أنّ السحر له أثر في نفسه بدليل قوله تعالى: ﴿وما هم﴾ أي: السحرة ﴿بضارّين به﴾ أي: السحر ﴿من أحد﴾ أي: أحداً ومن صلة ﴿إلا بأذن الله﴾ أي: إرادته؛ لأنّ الأسباب غير مؤثرة بالذات بل بإرادته تعالى: ﴿ويتعلّمون ما يضرّهم﴾ في الآخرة ﴿ولا ينفعهم﴾ وهو السحر؛ لأنهم يقصدون به العمل أو لأنّ العلم يجرّ إلى العمل غالباً ﴿ولقد﴾ اللام لام القسم ﴿علموا﴾ أي: اليهود ﴿لمن﴾ اللام لام الابتداء علقت علموا عن العمل ومن موصولة ﴿اشتراه﴾ أي: استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ أي: نصيب في الجنة ﴿ولبئس ما﴾ أي: شيئاً ﴿شروا﴾ أي: باعوا ﴿به أنفسهم﴾ أي: الشارين أي: حظها من الآخرة أن يتعلموه حيث أوجب لهم النار ﴿لو كانوا يعلمون﴾ حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلموه. وقيل: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم فإنّ من لم يعمل بما علم كان كمن لم يعلم. ﴿س٢ش١٠٣/ش١٠٥ وَلَوْ أَنَّهُمْءَامَنُوا? وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ? لَّوْ كَانُوا? يَعْلَمُونَ * يَا?أَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا? تَقُولُوا? رَاعِنَا وَقُولُوا? انظُرْنَا وَاسْمَعُوا?? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ * مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا? مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ? وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ? مَن يَشَآءُ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿ولو أنهم﴾ أي: اليهود ﴿آمنوا﴾ بالنبيّ والقرآن ﴿واتقوا﴾ عقاب الله بترك معاصيه كنبذ كتاب الله تعالى واتباع السحر وجواب لو محذوف أي: لأثيبوا دلّ عليه ﴿لمثوبة﴾ أي: ثواب وهو مبتدأ واللام فيه للقسم وقوله تعالى: ﴿من عند الله خير﴾ خبره أي: خير مما اشتروا به أنفسهم ﴿لو كانوا يعلمون﴾ أنّ ثواب الله تعالى خير لما آثروه عليه فجهلهم الله تعالى لترك التدبر والعمل بالعلم. ﴿يأيها الذين آمنوا لا تقولوا﴾ للنبيّ ﷺ ﴿راعنا﴾ أمر من المراعاة و «كانوا يقولون ذلك للنبيّ ﷺ فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين وكانت كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهو راعنا قالوا فيما بينهم: كنا نسب محمداً سراً فأعلنوا به الآن فكانوا يأتون ويقولون: يا محمد راعنا وهم يعنون به تلك المسبة ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربنّ عنقه فقالوا: أولستم تقولونها فأنزل الله تعالى النهي عن ذلك لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلاً إلى شتم رسول الله ﷺ وأمروا بما هو في معناها وهو قوله تعالى: ﴿وقولوا انظرنا﴾ » أي: انظر إلينا وقيل: اسمع منا قاله مجاهد وقيل: لا تعجل علينا قاله ابن زيد ﴿واسمعوا﴾ ما تؤمرون به سماع قبول لا كسماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا أو واسمعوا ما أمرتم به بجدّ حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قولكم: راعنا ﴿وللكافرين﴾ أي: الذين تهاونوا برسول الله ﷺ وسبوه ﴿عذاب أليم﴾ أي: مؤلم وهو النار. ونزل في تكذيب جمع من اليهود يظهرون مودّة المؤمنين ويزعمون أنهم يودّون لهم الخير. ﴿ما يودّ الذين كفروا من أهل الكتاب﴾ وقوله تعالى: ﴿ولا المشركين﴾ أي: من العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان؛ لأنّ الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ (البينة، ١) والمودّة محبة الشيء مع تمنيه ولذلك

стр. 83

تستعمل في كل منهما ﴿أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ فسر الخير بالوحي والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم من شيء منه وفسر بالعلم والنصرة والمراد به ما يعمّ ذلك كما قاله البيضاويّ: ومن الأولى مزيدة للاستغراق ومن الثانية لابتداء الغاية ﴿وا يختص برحمته﴾ أي: بنبوّته كما قاله عليّ رضي الله تعالى عنه ومجاهد، أو بالإسلام كما قاله ابن عباس ومقاتل ﴿من يشاء﴾ ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ولا يجب عليه شيء وليس لأحد عليه حق ﴿وا ذو الفضل﴾ وهو ابتداء إحسانه بلا علة وقوله تعالى: ﴿العظيم﴾ فيه إشعار بأن إتيان النبوّة والاسلام من الفضل العظيم ويدل للأوّل قوله تعالى: ﴿إنّ فضله كان عليك كبيراً﴾ (الإسراء، ٨٧) . ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا: إنّ محمداً يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر﴾ (النحل، ١٠١) . ﴿ما ننسخ من آية﴾ فبين وجه الحكمة في النسخ بهذه الآية والنسخ في اللغة شيئان، أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحوّل من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ؛ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ، والثاني: بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي: ذهبت به وأبطلته فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخاً وبعضه منسوخاً وهو المراد من الآية وهذا على وجوه: أحدها: أن تثبت التلاوة وينسخ الحكم كآية الوصية للأقارب وآية عدّة الوفاة بالحول، والثاني: أن ترفع التلاوة ويبقى الحكم كآية الرحم والثالث: أن يرفع الحكم والتلاوة كما روي: أنّ قوماً من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبيّ ﷺ فأخبروه فقال ﷺ «تلك سورة رفعت بتلاوتها وأحكامها» وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة فرفع أكثرها تلاوة وحكماً ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه كما أنّ القِبلة نسخت من بيت المقدس إلى الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث، وعدّة الوفاة نسخت من الحول إلى أربعة أشهر وعشر ومصابرة الواحد للعشرة بمصابرته للاثنين. قال البغويّ: والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الإخبار اه. والنسخ اصطلاحاً رفع تعلق حكم شرعيّ بدليل شرعيّ ويفارق التخصيص بأنّ التخصيص لا يرد إلا على متعدّد وبأنه غير مشروط بالنص بخلاف النسخ فيهما وبأنه يفيد عدم إرادة المخرج في الأصل والنسخ يفيد إرادة المنسوخ في الأصل لكن غير مستمرّ. وقرأ ابن عامر: ننسخ بضمّ النون الأولى وكسر السين من أنسخ أي: نأمرك أو جبريل بنسخها والباقون بفتح النون والسين وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية ﴿أو فنسأها﴾ أي: نؤخرها فلا نزل حكمها ولا نرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح النون الأولى وفتح السين وهمزة ساكنة بعد السين ولم يبدل هذه الهمزة أحد من السبعة وقرأ الباقون بضم النون وكسر السين ولا همزة بعد السين أي: ننسها أي: نمحها من قلبك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه نتركها لا ننسخها قال الله تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ (التوبة، ٦٧) أي: تركوه فتركهم وجواب الشرط ﴿نأت بخير منها﴾ أي: بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم وإن كان

стр. 84

كلام الله كله خيراً ﴿أو مثلها﴾ في التكليف والثواب والمنفعة وتكون الحكمة في تبديلها بمثلها الاختبار ﴿ألم تعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير﴾ فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير والآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال؛ إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة وذلك؛ لأنّ الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً من الله ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كأسباب المعاش، فإن النافع في عصر قد يضرّ في غيره. واحتج بها من منع النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل، ومن منع نسخ الكتاب بالسنة فإنّ الناسخ هو المأتي به بدلاً والسنة ليست كذلك، قال البيضاويّ: والكل ضعيف إذ قد يكون عدم الحكم والأثقل أصلح والنسخ قد يعرف بغيره والسنة ما أتى به الله واستدل بهذه الآية المعتزلة على حدوث القرآن فإنّ التغير والتفاوت من لوازم الحدوث وأجاب أهل السنة بأنهما من عوارض الأمور المتعلق بها المعنى القائم بالذات القديم لا من عوارض هذا المعنى. وقوله تعالى: ﴿ألم تعلم﴾ هنا وفيما مرّ خطاب لمنكري النسخ فالهمزة للإنكار وقيل: خطاب للنبيّ ﷺ والمراد أمّته فالهمزة للتقرير ﴿أنّ الله له ملك السموات والأرض﴾ يفعل فيهما ما يشاء ويحكم ما يريد فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ وهذا كالدليل على قوله: ﴿إنّ الله على كلّ شيء قدير﴾ أو على جواز النسخ، ولذلك ترك العاطف ﴿وما لكم من دون الله﴾ أي: غيره ﴿من وليّ﴾ أي: وليّ يحفظكم ومن صلة ﴿ولا نصير﴾ يمنع عنكم عذابه. وفرق بين الوليّ والنصير بأنّ الوليّ قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور فبينهما عموم وخصوص من وجه. ونزل لما سأل أهل مكة النبيّ ﷺ أن يوسعها لهم وأن يجعل الصفا ذهباً. ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى﴾ أي: سأله قومه ﴿من قبل﴾ أي: من قولهم له ﴿أرنا الله جهرة﴾ (النساء، ١٥٣) وقيل قالوا له لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو ائتنا بكتاب نقرؤه تنزله من السماء علينا وفجر لنا أنهاراً حتى نتبعك، وقال عبد الله بن أمية: لن نؤمن لك حتى تأتي بكتاب فيه من الله ربّ العالمين إلى ابن أمية، أعلم أني أرسلت محمداً إلى الناس. وأم إمّا معادلة للهمزة في ألم تعلم أي ألم تعلموا أنه مالك الأمور قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى ﵊، وإمّا منقطعة والمراد أن يوصيهم بالثقة وترك الاقتراح عليه ﴿ومن يتبدّل الكفر بالإيمان﴾ أي: يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها ﴿فقد ضلّ سواء السبيل﴾ أي: أخطأ الطريق الحق والسواء في الأصل الوسط. وقرأ قالون وابن كثير وعاصم بإظهار قد عند الضاد حيث جاء، وأدغمها الباقون ونزل في نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلاً منكم فقال لهم عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد قال: فإني قد عاهدت الله أن لا أكفر بمحمد ﷺ ما عشت، فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبا، وقال حذيفة: وأمّا أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد ﷺ نبياً وبالاسلام ديناً وبالقرآن

стр. 85

إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً ثم أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك فقال: أصبتما الخير وأفلحتما» . ﴿ودّ﴾ أي: تمنى ﴿كثير من أهل الكتاب﴾ من اليهود ﴿لو يردونكم﴾ أي: يردّوكم يا معشر المؤمنين فلو مصدرية بمعنى إن، فإنّ لو تنوب عن أن في المعنى دون اللفظ ﴿من بعد إيمانكم كفاراً﴾ مرتدّين وقوله: ﴿حسداً﴾ مفعول له كائناً ﴿من عند﴾ أي: من تلقاء ﴿أنفسهم﴾ أي: لم يأمرهم الله بذلك وإنما حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة ﴿من بعدما تبين لهم﴾ في التوراة ﴿الحق﴾ في شأن النبيّ محمد ﷺ ﴿فاعفوا﴾ عنهم أي: اتركوهم ﴿واصفحوا﴾ أي: أعرضوا عنهم فلا تجازوهم وكان هذا قبل آية القتال، ولهذا قال تعالى: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ فيهم من القتال وقد أذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم. وروي عن ابن عباس وابن مسعود أنّ هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون با ولا باليوم الآخر﴾ الآية (التوبة، ٢٩) ، وأبى النسخ جماعة من المفسرين والفقهاء واحتجوا بأنّ الله تعالى لم يأمر بالعفو والصفح مطلقاً وإنما أمر به إلى غاية وما بعد الغاية يخالف ما قبلها وما هذا سبيله لا يكون من باب النسخ بل يكون الأوّل قد انقضت مدّته والآخر يحتاج إلى حكم آخر ﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ فهو يقدر على الانتقام من الكفار: وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ عطف على قوله: فاعفوا كأنه تعالى أمرهم بالصبر والمخالفة واللجوء إليه بالعبادة والبرّ ﴿وما تقدّموا لأنفسكم من خير﴾ أي: طاعة كصلاة وصدقة ﴿تجدوه﴾ أي: ثوابه ﴿عند الله﴾ فيجازيكم به ﴿إنّ الله بما تعملون بصير﴾ لا يضيع عنده عمل عامل. ﴿وقالوا﴾ أي: كثير من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ﴿لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً﴾ جمع هائد كعائد وعود ﴿أو نصارى﴾ قال ذلك يهود المدينة ونصارى نجران لما تناظروا بين يدي النبيّ ﷺ أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا اليهود ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى ولا دين إلا دين النصرانية، فجمع الله بين القولين ثقة بأنّ السامع يرد إلى كلّ فريق قوله وأمنا من الالباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كلّ واحد منهما لصاحبه ونحوه ﴿تلك﴾ أي: القولة ﴿أمانيهم﴾ أي: شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله تعالى بغير حق ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿هاتوا برهانكم﴾ أي: حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ﴿إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم إذ كل قول لا دليل عليه فهو غير صحيح وهذا متصل بقولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وتلك أمانيهم اعتراض وقوله تعالى: ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ﴿من أسلم وجهه﴾ أي: انقاد لأمره وخص الوجه؛ لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة فغيره أولى ﴿وهو محسن﴾ في عمله وقيل: مخلص وقيل: مؤمن ﴿فله أجره﴾ أي: ثواب عمله ثابتاً ﴿عند ربه﴾ لا يضيع ولا ينقص والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الردّ بقوله: بلى وحده ويحسن الوقف عليه ويصح أن يكون قوله: من أسلم فاعل فعل مقدّر مثل بلى يدخلها من أسلم فلا يحسن الوقف عليه ويصح أن يكون قوله فله أجره عند ربه كلاماً معطوفاً على يدخلها من أسلم ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ في الآخرة. ولما قدم نصارى نجران

стр. 86

على النبيّ ﷺ أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل وقالت النصارى لليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بموسى والتوراة أنزل الله تعالى. ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء﴾ أي: يعتدّ به وكفروا بعيسى والإنجيل ﴿وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ أي: يعتدّ به وكفروا بموسى والتوراة ﴿وهم﴾ أي: الفريقان ﴿يتلون الكتاب﴾ أي: المنزّل عليهم، وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى، والجملة حال وأل في الكتاب للجنس أي: قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب ﴿كذلك﴾ أي: كما قال هؤلاء ﴿قال الذين لا يعلمون﴾ كعبدة الأصنام، والمعطلة وهم الذين لا يثبتون الصانع وقوله تعالى: ﴿مثل قولهم﴾ بيان لمعنى ذلك أي: قال كلّ ذي دين ليسوا على شيء وبخهم الله تعالى على المكابرة والتشبه بالجهال. فإن قيل: لم وبخهم وقد صدقوا فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء أجيب: بأنهم لم يقصدوا ذلك وإنما قصد به كلّ فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيه وكتابه كما مرّ، مع أن ما لم ينسخ حق واجب القبول والعمل به. تنبيه: إذا وقف حمزة وهشام على شيء فلهما أربعة وجوه: السكون، والروم، والادغام، والروم معه وسكن حمزة قبل الهمزة بخلاف عن خلاد في الوصل وأدغم أبو عمرو الكاف في القاف بخلاف عنه ﴿فا يحكم بينهم﴾ أي: بين الفرق الثلاثة وهم: اليهود والنصارى والذين لا يعلمون ﴿يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ من أمر الدين فيقسم لكل فريق منهم من العقاب الذي استحقه، وعن الحسن حكم الله بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار. وقرأ أبو عمرو يحكم بسكون الميم عند الباء والاخفاء بخلاف عنه. ﴿ومن أظلم﴾ أي: لا أحد أظلم ﴿ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ بالصلاة والتسبيح ﴿وسعى في خرابها﴾ بالهدم أو التعطيل هذا عام لكل من خرب مسجداً أو سعى في تعطيله وإن نزل في أهل الروم الذين خربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير فكان خراباً إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أو في المشركين لما صدّوا النبيّ ﷺ عام الحديبية عن البيت. فإن قيل: قد قال مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام أجيب: بأنه لا يمنع أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً ومن أظلم ممن آذى الصالحين وكما قال الله تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ (الهمزة، ١) والمنزول فيه الأخنس بن شريق ﴿أولئك﴾ أي: المانعون ﴿ما كان لهم أن يدخلوها﴾ أي: مساجد الله ﴿إلا خائفين﴾ أي: على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها أو يخربوها أو يمنع النبيّ ﷺ عنها وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انهمك ضرباً وأبلغ إليه في العقوبة. وروي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة وقيل: «نادى رسول الله ﷺ ألا لا يحجنّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان» وقيل: إن هذا خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمناً. واختلف في جواز دخول الكافر المسجد، فجوّزه أبو حنيفة ومنعه مالك، وفرق

стр. 87

الشافعيّ بين المسجد الحرام وغيره فمنع من الأوّل، وجوّز في الثاني بشرط إذن المسلم والحاجة، وغلّظ ورش اللام من أظلم بعد الظاء ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ أي: هوان بالقتل والسبي والجزية ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ بكفرهم وظلمهم وهو النار. ونزل لما عيرت اليهود المؤمنين في نسخ القبلة وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هذا وتارة هذا كما قاله عكرمة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت به راحلته كما قاله ابن عمر. ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ أي: ناحيتا الأرض أي: له الأرض كلها لا يختص به مكان دون مكان فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام والأقصى فقد جعلت لكم الأرض كلها مسجداً ﴿فأينما تولوا﴾ وجوهكم أيّ جهة وهو الصدر في الصلاة ﴿فثم﴾ أي: هناك ﴿وجه الله﴾ أي: قبلته كما قاله مجاهد، وقال الكلبيّ: فثم الله يعلم ويرى والوجه صلة كقوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (القصص، ٨٨) أي: إلا هو ﴿إن الله واسع﴾ أي: غنيّ يعطي من السعة يسع فضله كلّ شيء ﴿عليم﴾ بتدبير خلقه. ونزل لما قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال مشركو العرب: الملائكة بنات الله. ﴿وقالوا اتخذ الله ولداً﴾ فقال الله تعالى ردّاً عليهم: ﴿سبحانه﴾ تنزيهاً له عن ذلك فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء وقرأ ابن عامر قالوا: بغير واو قبل القاف والباقون بالواو وقبل القاف ﴿بل له ما في السموات والأرض﴾ ملكاً وخلقاً ومن جملة ذلك العزير والمسيح والملائكة والملكية تنافي الولدية وعبر بما تغليباً لما لا يعقل لكثرته ﴿كلّ له قانتون﴾ أي: منقادون كلّ بما يراد منه لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه وفي ذلك تغليب للعاقل لشرفه والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه الأول: قوله: سبحانه والثاني: قوله: بل له ما في السموات والأرض والثالث: كل له قانتون واحتج بها الفقهاء على أنّ من ملك ولده عتق عليه؛ لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك وذلك يقتضي تنافيهما. ﴿بديع السموات والأرض﴾ أي: موجدهما لا على مثال سبق وهذا وجه رابع يشعر بفساد ما قالوه أيضاً؛ لأنّ الوالد عنصر الولد المنفصل بانفصال مادّته عنه والله مبدع الأشياء كلها فاعل على الإطلاق منزه عن الصفات فلا يكون والداً ﴿وإذا قضى أمراً﴾ أي: أراد إيجاد شيء وأصل القضاء إتمام الشيء قولاً كان كقوله تعالى: ﴿وقضى ربك﴾ (الإسراء، ٢٣) أو فعلاً كقوله تعالى: ﴿فقضاهنّ سبع سموات﴾ (فصلت، ١٢) وأطلق على تعليق الارادة الإلهية وجود الشيء من حيث أنه يوجبه ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ وهذا مجاز من الكلام وتمثيل وإنما المعنى أنّ ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أنّ المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء، وفيه تقرير لمعنى الإبداع دائماً وهذا وجه خامس يشعر بفساد ما قالوه أيضاً؛ لأن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة وفعله تعالى مستغن عن ذلك، وقرأ ابن عامر بنصب النون: من يكون جواباً للأمر والباقون بالرفع على معنى فهو يكون. فإن قيل: المعدوم لا يخاطب أجيب: بأنه لما قدّر وجوده وهو كائن لا محالة كان كالموجود فُصحّ خطابه. ﴿وقال الذين لا يعلمون﴾ للنبيّ ﷺ وهم اليهود كما قاله ابن عباس أو النصارى كما قاله مجاهد أو مشركو العرب كما قاله

стр. 88

قتادة ونفى عنهم العلم؛ لأنهم لم يعملوا به ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿يكلمنا الله﴾ كما يكلم الملائكة أو يوحى إلينا بأنك رسوله ﴿أو تأتينا آية﴾ أي: علامة مما اقترحناه على صدقك ﴿كذلك﴾ أي: كما قال هؤلاء: ﴿قال الذين من قبلهم﴾ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم ﴿مثل قولهم﴾ من التعنت وطلب الآيات فقالوا: أرنا الله جهرة وهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ﴿تشابهت قلوبهم﴾ أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في الكفر والعناد، وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ ﴿قد بينا الآيات لقوم يوقنون﴾ الحقائق ولا يعتريهم شبهة ولا عناد. وفيه إشارة إلى أنهم قالوا ذلك لا لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد يقين وإنما قالوه عتوّاً وعناداً. ﴿إنا أرسلناك﴾ يا محمد ﴿بالحق﴾ أي: القرآن كما قاله ابن عباس كما قال تعالى: ﴿بل كذبوا بالحق لما جاءهم﴾ (ق، ٥) أو الاسلام وشرائعه كما قاله ابن كيسان قال تعالى: ﴿وقل جاء الحق﴾ (الإسراء، ٨١) ﴿بشيراً﴾ أي: مبشراً من أجاب إلى ذلك بالجنة ﴿ونذيراً﴾ أي: منذراً من لم يجب إليه بالنار أي: إنما أرسلناك؛ لأن تبشر وتنذر لا لتجبر الناس على الإيمان وهذه تسلية لرسول الله ﷺ لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر ﴿ولا تسئل عن أصحاب الجحيم﴾ أي: النار وهم الكفار ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بيّنت وبلغت جهدك في دعوتهم كقوله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ (الرعد، ٤٠) وقرأ نافع: تسأل بفتح التاء وسكون اللام على النهي. قال عطاء عن ابن عباس: وذلك أنّ النبيّ ﷺ قال ذات يوم: «ليت شعري ما فعل أبواي» فنزلت هذه الآية فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله تعالى لكن الخبر ضعيف والمختار أنها نزلت في كفار أهل الكتاب، وقرأ الباقون بضم التاء واللام على النفي أي: ولست بمسؤول عنهم كما قال تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ (الرعد، ٤٠) . ﴿س٢ش١٢٠/ش١٢٤ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ? قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ? مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَنَصِيرٍ * الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ? حَقَّ تِ وَتِهِ? أُو?لَا?ئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ?? وَمن يَكْفُرْ بِهِ? فَأُو?لَا??ـ?ِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * يَابَنِى? إِسْرَا?ءِيلَ اذْكُرُوا? نِعْمَتِىَ الَّتِى? أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا? يَوْمًا s تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَيُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَتَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَهُمْ يُنصَرُونَ * وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِ?مَ رَبُّهُ? بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ? قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا? قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى? قَالَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم﴾ أي: دينهم أي: لن ترضى عنك اليهود إلا باليهودية ولا النصارى إلا بالنصرانية. وفي هذا مبالغة في إقناطه ﷺ عن اسلامهم وذلك أنهم كانوا يسألونه الهدنة ويطمعونه أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية. فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم فكيف يتبعون ملته؟ قال البيضاوي: ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله تعالى ذلك عنهم ولذلك قال: ﴿قل﴾ تعليماً للجواب ﴿إنّ هدى الله﴾ الذي هو الإسلام ﴿هو الهدى﴾ أي: هو الذي يصح أن يسمى هدى وهو الهدى كله ليس وراءه هدى وما يدعون إلى اتباعه ما هو بهدي إنما هو أهواء ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولئن﴾ اللام لام القسم ﴿اتبعت أهواءهم﴾ أي: آراءهم الزائغة التي يدعونك إليها الخطاب معه ﷺ والمراد منه أمّته كقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ (الزمر، ٦٥) ﴿بعد الذي جاءك من العلم﴾ أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة ﴿ما لك من الله من وليّ﴾ يحفظك ﴿ولا نصير﴾ يمنعك منه. ونزل في جماعة من أهل الكتاب قدموا من الحبشة وأسلموا. ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ وهو مبتدأ ﴿يتلونه حق تلاوته﴾ أي: يعرفونه كما أنزل لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت محمد ﷺ والجملة حال مقدّرة وحق نصب على المصدر والخبر ﴿أولئك يؤمنون به﴾ أي: بكتابهم دون المحرفين ﴿ومن يكفر به﴾ أي: بالكتاب المؤتى بأن يحرفه ﴿فأولئك

стр. 89

هم الخاسرون﴾ لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم. ولما صدر قصة بني إسرائيل بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة وأحوالها في قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي﴾ (البقرة، ٤٠) إلخ.. كرر ذلك بقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ أي: عالمي زمانهم. ﴿واتقوا﴾ أي: خافوا ﴿يوماً لا تجزى﴾ أي: لا تغني ﴿نفس عن نفس﴾ فيه ﴿شيئاً ولا يقبل منها عدل﴾ أي: فداء ﴿ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون﴾ أي: يمنعون من عذاب الله وختم بالمكرّر الكلام معهم مبالغة في النصح. تنبيه: اتفق القراء على قراءة يقبل هنا بالياء على التذكير. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ ابتلى﴾ أي: اختبر ﴿إبراهيم ربّه بكلمات﴾ أي: بأوامر ونواه وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء لأنه عالم بهم ولكن ليعلم العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضاً. واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم ﵊، فقال عكرمة عن ابن عباس: هي ثلاثون من شرائع الإسلام: عشر في براءة ﴿التائبون العابدون﴾ (التوبة، ١١٢) إلخ.. وعشر في الأحزاب، ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ (الأحزاب، ٣٥) إلخ.. وعشر في المؤمنين إلى قوله: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون﴾ (المؤمنون، ٩) وفي سأل سائل إلى قوله تعالى: ﴿والذين هم بشهاداتهم قائمون﴾ (المعارج، ٣٣) . وقال طاووس عن ابن عباس: ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي: الفطرة خمس في الرأس أي الشامل للوجه قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس، وخمس في الجسد تقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء، وفي الخبر: «أن إبراهيم أوّل من قص الشارب وأوّل من اختتن وأوّل من قلم الأظافر وأوّل من رأى الشيب، فلما رآه قال: يا رب ما هذا؟ قال: الوقار قال: «يا رب زدني وقاراً» وقال قتادة: هي مناسك الحج أي فرائضه وسننه كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهنّ، وقال الحسن: ابتلاءه بالكواكب والقمر والشمس فأحسن فيها النظر وعلم أنّ ربه دائم لا يزول وبالنار فصبر عليها. وبالختان وبذبح ولده وبالهجرة فصبر عليها وقال مجاهد: هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إماماً﴾ إلى آخر القصة. وقرأ ابن عامر إبراهام بفتح الهاء وألف بعدها جميع ما في هذه السورة وهي خمسة عشر حرفاً، وفي النساء ثلاثة أحرف وهي الأخيرة، وفي الأنعام الحرف الأخير، وفي التوبة الحرفان الأخيران، وفي إبراهيم حرف، وفي النحل حرفان، وفي مريم ثلاثة أحرف، وفي العنكبوت حرف، وفي الشورى حرف، وفي الذاريات حرف، وفي النجم حرف وفي الحديد، حرف، وفي الممتحنة الحرف الأوّل، فذلك ثلاثة وثلاثون حرفاً، وقرأ ابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين. وإبراهيم اسم أعجمي ولذلك كان غير منصرف وهو ابن آزر كما في سورة الأنعام وكان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقيل: بابل وقيل: حران ولكن نقله أبوه إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان، والضمير في ربه لإبراهيم وحسن لتقدمه لفظاً وإن تأخر رتبة، لأنّ الشرط تقدمه لفظاً أو رتبة ﴿فأتمهنّ﴾ أي: أداهنّ تامات وقام بها حق القيام لقوله: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ (النجم، ٣٧) ﴿قال إني جاعلك للناس إماماً﴾ يقتدى بك في الخير وجاعل من جعل الذي له مفعولان، والإمام اسم من يؤتم به وإمامة إبراهيم عامة مؤبدة؛ إذ لم يبعث من بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً

стр. 90

باتباعه ﴿قال﴾ إبراهيم ﷺ ﴿ومن ذريتي﴾ أي: أولادي أجعل أئمة يقتدى بهم في الخير ﴿قال﴾ الله تعالى: ﴿لا ينال﴾ أي: لا يصيب ﴿عهدي﴾ بالإمامة ﴿الظالمين﴾ منهم ففي ذلك إجابة إلى مطلوبه. وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة وإنهم لا ينالون الإمامة؛ لأنها إمامة من الله تعالى وعهد، والظالم لا يصلح لها وإنما ينالها البررة والأتقياء منهم وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل النبوّة وأنّ الفاسق لا يصلح للإمامة وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته ولا تجب طاعته ولا يقبل خبره ولا يقدّم للصلاة، وقرأ حفص وحمزة عهدي بسكون الياء وفتحها الباقون، ومن سكن الياء أسقطها في الوصل لفظاً لالتقاء الساكنين. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ جعلنا البيت﴾ أي: الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا وأدغم أبو عمرو وهشام ذال إذ في الجيم وأظهرها الباقون ﴿مثابة﴾ أي: مرجعاً ﴿للناس﴾ من الحجاج والعمار وغيرهم يثوبون إليه من كل جانب ﴿وأمناً﴾ أي: مأمناً لهم من الظلم وإيذاء المشركين والإغارة الواقعة في غيره قال تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم﴾ (العنكبوت، ٦٧) كان الجاني يأوي إليه فلا يتعرّض له حتى يخرج وهذا على طريق الحكم لا على وجه الخبر فقط، فلا ينافي ذلك الوقوع، قال القاضي أبو يعلى وصف البيت بالأمن والمراد جميع الحرم كما قال تعالى: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ (المائدة، ٩٥) والمراد الحرم كله؛ لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وهذا أمر استحباب ومقامه الحجر وهو بفتح الحاء والجيم الذي فيه أثر قدميه كان يقوم عليه عند بناء البيت أو عند دعاء الناس إلى الحج وهو موضعه اليوم. روي أنه ﵊ أخذ بيد عمر فقال: «هذا مقام إبراهيم فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟ فقال: لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت» وعن ابن عباس أنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: وافقت الله تعالى في ثلاث، ووافقني ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله تعالى هذه الآية وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر لو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله تعالى آية الحجاب وقال: وبلغني معاتبة النبيّ ﷺ بعض نسائه فدخلت عليهنّ وقلت لهنّ: إن انتهيتن أو ليبدلنّ الله تعالى لرسوله خيراً منكنّ فأنزل الله تعالى ﴿عسى ربه إن طلقكنّ أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ﴾ (التحريم، ٥) . وفي الخبر الركن والمقام يا قوتتان من يواقيت الجنة ولولا ما مسهما من أيدي المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب» وقيل: المراد باتخذوا إلخ.. الأمر بركعتي الطواف لما روى جابر «أنه ﵊ لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى» ، وللشافعيّ في وجوبهما قولان أرجحهما عدم الوجوب وقيل: مقام إبراهيم الحرم كله وقيل: مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها ويتقرّب إلى الله تعالى. تنبيه: من في ﴿من مقام إبراهيم﴾ للتبعيض. وقيل: بمعنى في وقيل زائدة وقرأ نافع وابن عامر واتخذوا بفتح الخاء بلفظ الماضي عطفاً على جعلنا أي: واتخذ الناس من مقام إبراهيم مصلى والباقون بكسرها بلفظ الأمر ﴿وعهدنا﴾ أي: أمرنا ﴿إلى إبراهيم وإسمعيل﴾ قيل: سمي به؛ لأنّ إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً ويقول: اسمع يا إيل، وإيل هو الله فلما رزق الولد سماه به ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿طهرا بيتي﴾

стр. 91

من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به أو أخلصاه ﴿للطائفين﴾ حوله ﴿والعاكفين﴾ المقيمين عنده أو المعتكفين فيه ﴿والركع السجود﴾ جمع راكع وساجد وهم المصلون وقرأ نافع وهشام وحفص بيتي بفتح الياء والباقون بالسكون. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ قال إبراهيم رب اجعل﴾ هذا أي مكة أو الحرام ﴿بلداً آمناً﴾ أي: ذا آمن كقوله تعالى: ﴿في عيشة راضية﴾ (القارعة، ٧) أو آمناً أهله كقول القائل ليل نائم ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾ إنما دعا بذلك؛ لأنه كان بواد غير ذي زرع. وفي القصص أنّ الطائف كانت من مدائن الشام بأردن فلما دعا إبراهيم هذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل ﵊ حتى قطعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعاً ثم وضعها موضعها الآن فمنها أكثر ثمرات مكة. وقوله تعالى: ﴿من آمن منهم با واليوم الآخر﴾ بدل من أهله قاس إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه الرزق على الإمامة حيث قيده بالمؤمن كما قيدت به ﴿قال﴾ تعالى: ﴿و﴾ أرزق ﴿من كفر﴾ لأنّ الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الإمامة والتقدم في الدين ﴿فأمتعه﴾ في الدنيا بالرزق. وقرأ ابن عامر بسكون الميم وتخفيف التاء والباقون بفتح الميم وتشديد التاء، وأمّا الهمزة بعد الألف فالجميع اتفقوا على ضمها ﴿قليلاً﴾ أي: مدّة حياته والكفر وإن لم يكن يسبب التمتع لكنه يسبب تقليله بأن يجعله مقصوراً بحظوظ الدنيا غير متوصل به إلى نيل الثواب ولذلك عطف عليه ﴿ثم أضطرّه﴾ أي: ألجئه في الآخرة ﴿إلى عذاب النار﴾ فلا يجد عنها محيصاً ﴿وبئس المصير﴾ أي: المرجع والمخصوص بالذمّ محذوف وهو العذاب قال مجاهد: وجد عند المقام أنا الله ذو بكة أي: صاحبها صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض وحففتها بسبعة أملاك حنفاء يأتيها رزقها مباركة لأهلها في اللحم والماء. ﴿و﴾ اذكر ﴿إذ يرفع إبراهيم القواعد﴾ أي: الأسس والجدر ﴿من البيت﴾ حكاية حال ماضية كأنه قال إذ كان يرفع. فإن قلت: وأي فرق بين العبارتين؟ أجيب: بأنّ في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم شأن المبين، وقوله تعالى: ﴿وإسمعيل﴾ عطف على إبراهيم يقولان يا ﴿ربنا تقبل منا﴾ بناءنا ﴿إنك أنت السميع﴾ للقول فتسمع دعاءنا ﴿العليم﴾ بالفعل فتعلم بنياتنا. روت الرواة أنّ الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام فكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض استوحش فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله تعالى البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع البيت وقال: يا آدم إني أهبطت لك بيتاً تطوف به كما يطاف حول عرشي وتصلي عنده كما يصلى حول عرشي وأنزل الحجر الأسود وكان أبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشياً وقيض الله تعالى له ملكاً يدله على البيت فحج البيت وأقام المناسك. قال ابن عباس: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أيام الطوفان فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة ثم لا يعودون إليه وبعث جبريل حتى خبأ الحجر الأسود في

стр. 92

جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق فكان موضع البيت خالياً إلى زمن إبراهيم ثم إنّ الله تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسمعيل وإسحق ببناء بيت يذكر فيه اسمه تعالى فسأل الله أن يبين له موضعه، قال ابن عباس فبعث الله له سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافت به مكة ووقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص وقيل: أرسل الله تعالى جبريل ليدله على موضع البيت فذلك قوله تعالى: ﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ (الحج، ٢٦) . فبنى إبراهيم وإسمعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسمعيل يناوله الحجارة ولما كان له مدخل في البناء عطف عليه وقيل: كانا يبنيان في طرفين أو على التناوب. قال ابن عباس: بني البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان وهو جبل بالشأم، والجوديّ وهو جبل بالجزيرة، وبنيا قواعده من جبل حراء وهو جبل بمكة، فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسمعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علماً فأتاه بحجر فقال: ائتني بأحسن من هذا فمضى إسمعيل يطلبه فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة فخذها فأخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه. وقيل: أوّل من بنى الكعبة آدم ثم اندرس من الطوفان ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه وقيل: بنته الملائكة قبل آدم وقد بني إلى يومنا هذا سبع مرّات: المرّة الأولى هل كان الباني الملائكة أو آدم؟ ثم إبراهيم ثم العمالقة ثم جرهم ثم قريش وقد حضر النبيّ ﷺ هذا البناء وكان ينقل معهم الحجارة ثم ابن الزبير في خلافته ثم الحجاج الثقفي وهو الموجود اليوم. ﴿ربنا واجعلنا مسلمين﴾ أي: منقادين مخلصين خاضعين ﴿لك﴾ والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان ﴿و﴾ اجعل ﴿من ذريتنا﴾ أي: أولادنا ﴿أمّة﴾ أي: جماعة ﴿مسلمة﴾ خاضعة منقادة ﴿لك﴾ ومن للتبعيض أي: واجعل بعض ذرّيتنا وإنما خصا الذرّية بالدعاء؛ لأنهم أحق بالشفقة؛ ولأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم الأتباع. ألا ترى أنّ المتقدّمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم وخصا بعضهم لتقدّم قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (البقرة، ١٢٤) فعلما أنّ في ذرّيتهما ظلمة وأنّ الحكمة الإلهية لا تقتضي اتفاق الناس كلهم على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى فإنه مما يشوش المعاش، ولذلك قيل: لولا الحمقى الذين صرفوا أنفسهم إلى الدنيا، لخربت الدنيا ويصح أن تكون من للتبيين كقوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم﴾ (النور، ٥٥) قدم على المبين وفصل به بين العاطف وهو واو ومن والمعطوف وهو أمة كما في قوله تعالى: ﴿خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهنّ﴾ (الطلاق، ١٢) وقيل: أراد بالأمّة أمّة محمد ﷺ ﴿وأرنا﴾ علّمنا ﴿مناسكنا﴾ شرائع ديننا وإعلام حجنا، والنسك في الأصل غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن المعتاد كالصيد والتمتع باللباس وغيره، والناسك العابد فأجاب الله تعالى دعاءهما وبعث لهما جبريل ﵇ فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم قال: نعم فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات، وقرأ ابن كثير والسوسي أرنا بسكون الراء وقرأ الدوري عن أبي عمرو باختلاس حركة والراء والباقون بالحركة الكاملة ﴿وتب علينا﴾ سأله التوبة مع عصمتهما هضماً لأنفسهما

стр. 93

وإرشاداً لذرّيتهما أو لما سلف منهما سهواً قبل النبوّة ﴿إنك أنت التوّاب﴾ لمن تاب ﴿الرحيم﴾ به. ﴿ربنا وابعث فيهم﴾ أي: الأمة المسلمة من ذرّية إبراهيم وإسمعيل ﴿رسولاً منهم﴾ أي: من أنفسهم. روي أنه قيل له: قد استجيب لك وهو في آخر الزمان، فبعث الله فيهم محمداً ﷺ إذ لم يبعث من ذرّيتهما غير محمد ﷺ إذ لم يأت نبيّ من ولد إسمعيل إلا النبيّ ﷺ والكل من ولد إسحق، فهو المجاب به دعوتهما كما قال ﵊: «إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسأخبركم بأوّل أمري أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أميّ التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاءت له قصور الشام» وأراد بدعوة إبراهيم هذا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وشعيب وصالح ولوط وإبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب ومحمد ﷺ وعليهم أجمعين ﴿يتلو﴾ أي: يقرأ ﴿عليهم آياتك﴾ القرآن ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل التوحيد والنبوّة ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿والحكمة﴾ أي: ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام، وقال ابن قتيبة: هي العلم والعمل ولا يكون الرجل حكيماً حتى يجمعهما. وقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة، وقيل: هي فهم القرآن، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: السنة ﴿ويزكيهم﴾ أي: يطهرهم من الشرك وقيل: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذ اشهدوا هم للأنبياء بالتبليغ والتعديل ﴿إنك أنت العزيز﴾ الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد، وقيل: هو الذي لا يوجد مثله وقيل: هو المنيع الذي لا تناله الأيدي ولا يصل إليه شيء ﴿الحكيم﴾ في صنعه. ﴿ومن﴾ أي: لا ﴿يرغب﴾ أحد ﴿عن ملة إبراهيم﴾ فيتركها لظهورها ووضوحها ﴿إلا من سفه نفسه﴾ أي: جهل أنها مخلوقة لله تعالى يجب عليه عبادته، وذلك أنّ عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أنّ الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسمعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله البيضاوي وغيره. قال السيوطي: لم أقف على ذلك في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المسندة والمثبت مقدّم على غيره وقد جاء: من عرف نفسه فقد عرف ربه. وفي الأخبار أنّ الله أوحى إلى داود ﵊: اعرف نفسك واعرفني فقال: يا رب كيف أعرف نفسي وأعرفك؟ فأوحى الله تعالى إليه: اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء واعرفني بالقوّة والبقاء، وهذا معنى من عرف نفسه فقد عرف ربه ﴿ولقد اصطفيناه﴾ أي: اخترناه ﴿في الدنيا﴾ بالرسالة والخلة ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ الذين لهم الدرجات العلا وفي هذا حجة وبيان لخطأ من رغب عن ملته؛ لأنّ من جمع الكرامة عند الله في الدارين وكان مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة كان حقيقاً بالاتباع لا يرغب عنه إلا سفيه أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر. تنبيه: قال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين. وقوله تعالى: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ إمّا ظرف

стр. 94

لاصطفيناه أي: اخترناه في ذلك الوقت، وإمّا منصوب بإضمار أذكر كأنه قال: اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدّم وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين دعاه ربه فكأنه قال له كما قال عطاء: أسلم نفسك إلى الله وفوّض أمرك إليه قال: أسلمت أي: فوّضت، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار. ﴿ووصى بها﴾ أي: بالملة المتقدّم ذكرها أو بأسلمت على تأويل الكلمة أو الجملة وقيل: بكلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله، وقرأ نافع وابن عامر وأوصى بسكون الواو الثانية وهمزة مفتوحة بين الواوين، والباقون بواوين مفتوحتين ولا همزة بينهما وهذا أبلغ قال الزجاج: لأنّ أوصى يصدق بالمرة الواحدة، ووصى لا يكون إلا لمرّات كثيرة، وأمال ورش بينَ بينْ، وحمزة والكسائي محضة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: ﴿إبراهيم بنيه﴾ قال مقاتل: وهم أربعة: إسمعيل وإسحق ومدين ومدان، وقد ذكر غير مقاتل أنهم ثمانية وقيل: أربعة عشر ﴿و﴾ وصى بها أيضاً ﴿يعقوب﴾ بنيه وهم اثنا عشر: روبيل وشمعون ولاوا ويهوذا ويشنيوخور وزبويلون وودّان ويفتوني وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف وسمي بذلك؛ لأنه والعيص كانا توءمين فتقدّم عيص في الخروج من بطن أمّه وخرج يعقوب عقبه، وقوله تعالى: ﴿يا بنيّ﴾ على إضمار القول عند البصريين متعلق بوصّى عند الكوفيين ﴿إنّ الله اصطفى لكم الدين﴾ أي: دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى: ﴿فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون﴾ نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادقة الموت، وعن الفضيل بن عياض أنه قال: إلا وأنتم مسلمون أي: محسنون بربكم الظن لما روى جابر ﵁ أنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ قبل موته بثلاثة أيام يقول: «لا يموتنّ أحد إلا وهو يحسن الظن بربه» . ولما قالت اليهود للنبيّ ﷺ ألست تعلم أنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية نزل. ﴿أم كنتم شهداء﴾ جمع شهيد بمعنى الحاضر أي: ما كنتم حاضرين وقول الأسيوطي: لم أقف على ذلك فيه ما مرّ ﴿إذ حضر يعقوب الموت﴾ أي: حين احتضر وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: ﴿إذ﴾ بدل من إذ قبله ﴿قال لبنيه ما تعبدون من بعدي﴾ أي: بعد موتي أي: أيّ شيء تعبدونه أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم على الثبات فليس الاستفهام على حقيقته قال عطاء: إنّ الله تعالى لم يقبض نبياً حتى يخيره بين الموت والحياة فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به فجمع ولده وولد ولده وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ ﴿قالوا نعبد إلهك وإله آبائك﴾ وقوله تعالى: ﴿إبراهيم وإسمعيل وإسحق﴾ عطف بيان لآبائك وجعل إسمعيل وهو عمه من جملة آبائه تغليباً للأب إسحق والجدّ إبراهيم أو لأن العم أب والخالة أمّ لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوّة لا تفاوت بينهما ومنه قوله ﵊: «عم الرجل صنو أبيه» أي: لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنو النخلة وقال في العباس: هذا بقية آبائي وقال: ردوا عليّ أبي فإني أخشى أن تفعل بي قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن

стр. 95

مسعود وقوله تعالى: ﴿إلهاً واحداً﴾ بدل من إله آبائك كقوله تعالى: ﴿بالناصية ناصية كاذبة﴾ (العلق، ١٩) وقوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾ حال من فاعل نعبد أو من مفعوله أو منهما وأم منقطعة ومعنى الهمزة فيه للإنكار أي: لم يحضروه وقت موته فكيف ينسبون إليه ما لا يليق به أو متصلة بمحذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شهداء. وقيل: الخطاب للمؤمنين بمعنى ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقوله تعالى: ﴿تلك﴾ مبتدأ والإشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، وأنت لتأنيث خبره وهو ﴿أمّة قد خلت﴾ أي: سلفت وقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت﴾ أي: من العمل جزاؤه استئناف ﴿ولكم﴾ الخطاب لليهود ﴿ما كسبتم﴾ والمعنى أنّ أحداً لا ينفعه كسب غيره متقدّماً كان أو متأخراً فكما أنّ أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما كسبتم وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، ونحوه قول رسول الله ﷺ «يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم» ﴿ولا تسئلون عما كانوا يعملون﴾ كما لا يسئلون عن عملكم والجملة تأكيد لما قبلها. ﴿وقالوا﴾ أي: أهل الكتاب ﴿كونوا هوداً أو نصارى﴾ أي: قالت اليهود: كونوا هوداً وقالت النصارى: كونوا نصارى فأو للتفصيل. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: نزلت في رؤوس يهود المدينة وفي نصارى نجران وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن. وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان، وكفرت بمحمد ﷺ والقرآن وقال كل من الفريقين للمؤمنين: كونوا على ديننا فلا دين إلا ذاك، وقوله تعالى: ﴿تهتدوا﴾ جواب الأمر وهو كونوا. قال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿بل﴾ نتبع ﴿ملة إبراهيم﴾ وقال الكسائي: وهو نصب على الإغراء كأنه يقول: اتبعوا ملة إبراهيم، وقيل معناه بل تكون على ملة إبراهيم فحذف على فصار منصوباً وقوله تعالى: ﴿حنيفاً﴾ حال من المضاف إليه كقولك: رأيت وجه هند قائمة لكن هذا جزء حقيقة وملة كالجزء والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق وقوله تعالى: ﴿وما كان من المشركين﴾ تعريض لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأنّ كلاً منهم يدّعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك. ﴿قولوا آمنا با﴾ خطاب للمؤمنين وقول «الكشاف» : ويجوز أن يكون خطاباً للكافرين أي: قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله تعالى: ﴿قل بل ملة إبراهيم﴾ يجوز أن يكون على تأويل اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته يرده قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به﴾ (البقرة، ١٣٧) ﴿وما أنزل إلينا﴾ أي: من القرآن وإنما قدّم ذكره؛ لأنه أوّل الكتب بالنسبة إلينا أو لأنه سبب للإيمان بغيره ﴿وما أنزل إلى إبراهيم﴾ من الصحف العشرة ﴿وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط﴾ جمع سبط وهو الحاقد وكان الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما سبطي رسول الله ﷺ والمراد حفدة يعقوب أو أبناؤه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحق.n فإن قيل: الصحف إنما أنزلت على إبراهيم أجيب: بأنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها كانت أيضاً منزلة

стр. 96

إليهم كما أنّ القرآن منزل إلينا ﴿وما أوتي موسى﴾ من التوراة ﴿و﴾ ما أوتي ﴿عيسى﴾ من الإنجيل. فإن قيل: لم أفرد التوراة والإنجيل بحكم أبلغ وهو الإيتاء؛ لأنه أبلغ من الإنزال لكونه مقصوداً منه ولم يقل والأسباط وموسى وعيسى أجيب: بأنّ أمرهما بالإضافة إلى موسى وعيسى مغاير لما سبق والنزاع وقع فيهما فلهذا أفردا بالذكر ﴿وما أوتي﴾ أي: أعطى ﴿النبيون﴾ أي: المذكورون ﴿من ربهم﴾ من الكتب والآيات، وقرأ نافع بالهمزة، والباقون بالياء، ولورش في الهمز المدّ والتوسط والقصر ﴿لا نفرق بين أحد منهم﴾ كاليهود والنصارى فنؤمن ببعض ونكفر ببعض بل نؤمن بجميعهم. فإن قيل: كيف صح إضافة بين إلى أحد وهو مفرد؟ أجيب: بأنه في معنى الجماعة وعلله السعد التفتازاني بأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث قال: ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة كل أو في كلام غير موجب ﴿ونحن له﴾ أي: لله ﴿مسلمون﴾ أي: مذعنون أي: مخلصون. روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا» الآية. وقوله تعالى: ﴿فإن آمنوا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾ من باب التعجيز والتبكيت كقوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ (البقرة، ٢٣) لأنّ دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ (آل عمران، ٨٥) وأمّا أن مثل صلة أي: آمنوا بما آمنتم به كقوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (الشورى، ١١) أي: ليس كهو شيء وكما في قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ (الأحقاف، ١٠) أي: عليه وقيل: الباء صلة كما في قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة﴾ (مريم، ٢٥) وقيل: معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم فقد اهتدوا. ﴿وإن تولوا﴾ أي: أعرضوا عن الإيمان به ﴿فإنما هم في شقاق﴾ أي: في خلاف ومنازعه معكم يقال شاق مشاقة إذا خالف كان كل واحد من المتخالفين يحرص على كل ما يشق على صاحبه ﴿فسيكفيكم الله﴾ يا محمد شقاقهم في ذلك تسلية وتسكين للمؤمنين ووعد لهم بالحفظ والنصر على من عاداهم وقد كفاه إياهم بقتل بني قريظة ونفي بني النضير وضرب الجزية على اليهود والنصارى وقوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ إما من تمام الوعد بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة، وإمّا وعيد للمعرضين بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخفون وهو معاقبهم عليه ولا مانع من حمل الكلام على الوعد والوعيد معاً. أي: دينه الذي فطر الناس عليه بظهور أثره على صاحبه كالصبغ للثوب أو للمشاكلة، فإنّ النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يقال له المعمودية ويقولون هو تطهير لهم مكان الختان، فإذا فعلوا به ذلك قالوا: الآن صار نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون بأن يقولوا لهم: قولوا آمنا بالله وصبغَنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وطهرنا به تطهيراً لا مثل تطهيركم، أو يقول المسلمون: صبغَنا الله بالإيمان صبغة ولا نصبغ صبغتكم وهو مصدر مؤكد لآمنا ونصبه بفعل مقدر أي: صبغنا الله تعالى وقيل: نصب على البدل من ملة إبراهيم وقيل: نصب على الإغراء ﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أحسن

стр. 97

من الله صبغة﴾ أي: لا صبغة أحسن من صبغته أي: لا دين أحسن من دينه وصبغة تمييز وقوله تعالى: ﴿ونحن له عابدون﴾ عطف على آمنا بالله قال الزمخشري: وهذا العطف يردّ قول من زعم أنّ صبغة الله بدل من ملة إبراهيم أو نصب على الإغراء بمعنى عليكم صبغة الله لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه وانتصابها على أنها مصدر مؤكد هو الذي ذكره سيبويه والقول: ما قالت حذام اه. نعم إن قدر قولوا في ﴿ونحن له عابدون﴾ معطوفاً على الزموا بتقدير الإغراء أو اتبعوا ملة إبراهيم بتقدير البدل لم يلزم ما قاله. ولما قالت اليهود للمسلمين: نحن أهل الكتاب الأول، وقبلتنا أقدم ولم تكن الأنبياء من العرب؛ لأنهم عبدة الأوثان ولو كان محمد نبياً لكان منا؛ لأنا أهل الكتاب. نزل ﴿قل﴾ لهم ﴿أتحاجوننا﴾ أي: تجادلوننا أو تخاصموننا ﴿في الله﴾ أي: في شأنه أن اصطفى النبيّ ﷺ من العرب دونكم ويقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا وترون أنكم أحق بالنبوّة منا ﴿وهو ربنا وربكم﴾ نشترك جميعاً في أننا عباده، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشأ من عباده هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلاً للكرامة ﴿ولنا أعمالنا﴾ نجازي بها ﴿ولكم أعمالكم﴾ تجازون بها أي: كما أنّ لكم أعمالاً يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك، فالعمل هو أساس الأمر وبه العبرة ﴿ونحن له مخلصون﴾ في الدين والعمل دونكم فنحن أولى بالاصطفاء فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة والهمزة للإنكار، والجمل الثلاث أحوال، وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام بخلاف عنه وله فيه الروم والإشمام. وقوله تعالى: ﴿أم يقولون﴾ قرأه ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي بالتاء، والباقون بالياء على الغيبة، فعلى القراءة الثانية أم منقطعة والهمزة للإنكار، وعلى القراءة الأولى يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في أتحاجوننا بمعنى أيّ الأمرين تأتون المحاجّة وادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء في قولكم: ﴿إنّ إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل﴾ لهم يا محمد ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾ الله أعلم، وقد نفى الله تعالى الأمرين عن إبراهيم بقوله تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلمًا﴾ (آل عمران، ٦٧) واحتج تعالى على ذلك بقوله تعالى: ﴿وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده﴾ (آل عمران، ٦٥) والمذكورون معه تبع له، فهم أتباعه في الدين وفاقاً. ﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن كتم﴾ أي: أخفى عن الناس ﴿شهادة عنده﴾ كائنة ﴿من الله﴾ أي: شهادة الله تعالى لإبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية وهم أهل الكتاب؛ لأنهم كتموا هذه الشهادة وكتموا شهادة الله تعالى لمحمد بالنبوّة في كتبهم وغيرها، ومن للابتداء كما في قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله﴾ (التوبة، ١) أي: شهادة كائنة من الله، فمن الله صفة لشهادة وقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ تهديد لهم. وقوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون﴾ تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطبائع من الإفتخار بالآباء والإتكال عليهم وقيل: الخطاب فيما سبق لهم، وفي هذه الآية لنا تحذيراً عن الاقتداء بهم وقيل: المراد بالأمة في الأوّل الأنبياء، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى. ﴿سيقول السفهاء﴾ أي: الجهال الذين خفت

стр. 98

أحلامهم ﴿من الناس﴾ وهم اليهود؛ لكراهتهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ ﴿ما ولاهم﴾ أي: أيّ شيء صرف النبيّ والمؤمنين ﴿عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ وهي بيت المقدس وقيل: هم المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء، وقيل: المشركون قالوا قد تردّد على محمد أمره واشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب. فإن قيل: ما فائدة الإخبار بذلك قبل وقوعه أجيب: بأن فائدة توطين النفس وإعداد الجواب، فإنّ مفاجأة المكروه أشدّ والعلم به قبل وقوعه أبعد عن الاضطراب إذا وقع وقبل الرمي يراش السهم، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان مأخوذة من الاستقبال، وصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة قال الله تعالى ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿المشرق والمغرب﴾ أي: الجهات كلها ملكاً والخلق عبيده لا يختص به مكان دون مكان بخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه وإنما العبرة بامتثال أمره لا بخصوص المكان فيأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء لا اعتراض عليه ﴿يهدي من يشاء﴾ هدايته ﴿إلى صراط﴾ أي: طريق ﴿مستقيم﴾ وهو ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة. وقوله تعالى: ﴿وكذلك﴾ الكاف فيه للتشبيه أي: كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناكم ﴿جعلناكم﴾ يا أمة محمد ﴿أمة وسطاً﴾ أي: خياراً عدولاً قال تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ (القلم، ٢٨) أي: خيرهم وأعدلهم، وخير الأشياء أوسطها لا إفراطها ولا تفريطها؛ لأنّ الإفراط المجاوزة لما لا ينبغي والتفريط التقصير عما ينبغي كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة وبين الجبن؛ لأنّ الأفراد يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية محفوظة. روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أنه قال: «قام فينا رسول الله ﷺ يوماً بعد العصر فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان فقال: أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي أخيرها وأكرمها على الله » وقوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ أي: يوم القيامة أن رسلهم بلغتهم ﴿ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ أي: يزكيكم ويشهد بعدالتكم علة للجعل أي: لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد ولا ظلم بل أوضح السبل وأرسل الرسل، فبلغوا ونصحوا ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات والإعراض عن الآيات، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين قبلكم وبعدكم. روي أن الله تعالى يجمع الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: ألم يأتكم نذير، فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد ﷺ فيشهدون فتقول الأمم من أين علموا أنهم قد بلغوا، وإنما أتوا بعدنا فتسأل هذه الأمة، فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق، على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد ﷺ فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد

стр. 99

وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ (النساء، ٤١) . فإن قيل: هلا قيل لكم شهيداً إذ شهادته لهم لا عليهم أجيب: بأنّ الشهيد لما كان كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى: ﴿وا على كل شيء شهيد﴾ (المجادلة، ٦) . فإن قيل: لم أخرت صلة الشهادة أوّلاً وقدّمت آخراً أجيب: بأنّ الغرض في الأوّل إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم ﴿وما جعلنا﴾ أي: صيرنا لك ﴿القبلة﴾ الآن وقوله تعالى: ﴿التي كنت عليها﴾ ليس بصفة للقبلة إنما هو ثاني مفعولي جعل أي: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها أولاً وهي الكعبة وكان ﷺ يصلي إليها، فلما هاجر أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس تألفاً لليهود فصلى إليها ستة أو سبعة عشر شهراً ثم حوّل إلى الكعبة ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾ فيصدّقه ﴿ممن ينقلب على عقبيه﴾ أي: يرجع إلى الكفر شكاً في الدين وظناً أنّ النبيّ في حيرة من أمره، وفي الحديث: «أنّ القبلة لما حوّلت ارتدّ قوم من المسلمين إلى اليهودية وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه» . فإن قيل: كيف: قال الله تعالى لنعلم وهو عالم بالأشياء كلها أجيب: بأنه أراد به علم ظهور وهو العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب إنما يتعلق بما يوجد، ومعناه أي: لنعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب ونظيره قوله تعالى: ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ (آل عمران، ١٤٢) وقيل: ليعلم رسول الله ﷺ والمؤمنون، وإنما أسند علمهم إلى ذاته تعالى؛ لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده وقيل: معناه لتمييز التابع من الناكص كما قال الله تعالى: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾ (الأنفال، ٣٧) فوضع العلم موضع التمييز التابع؛ لأنّ بالعلم يقع التمييز، فالعلم سبب والتمييز مسبب، فأطلق السبب وهو العلم على المسبب وهو التمييز. تنبيه: العلم في الآية إمّا بمعنى المعرفة، فيتعدى إلى مفعول واحد وهو من يتبع، وإمّا معلق لما في من معنى الاستفهام، وإمّا أن يكون مفعوله الثاني ممن ينقلب أي: ليعلم من يتبع الرسول مميزاً ممن ينقلب. فإن قيل: على الأوّل كيف يكون العلم بمعنى المعرفة والله تعالى لا يوصف بها؛ لأنها تقتضي سبق جهل والله منزه عن ذلك أجيب: بأنّ ذلك لشيوعها فيما تقتضي أن يكون مسبوقاً بالعدم وليس العلم الذي بمعنى المعرفة، كذلك إذ المراد به الإدراك الذي لا يتعدى إلى مفعولين، بل قال الوليّ العراقي: قد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبيّ ﷺ وأقوال الصحابة أو كلام أهل اللغة وقوله تعالى: ﴿وإن﴾ هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي: وإنها ﴿كانت﴾ أي: التولية ﴿لكبيرة﴾ شاقة على الناس ﴿إلا على الذين هدى الله﴾ منهم وهم الثابتون على الإيمان ﴿وما كان الله ليضيع أيمانكم﴾ أي: ثباتكم على الإيمان، وإنكم لم تزلزلوا ولم ترتابوا بل شكر سعيكم وأعدّ لكم الثواب العظيم أو صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه؛ لأنّ سبب نزولها «أنّ حييّ بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحوّلتم عنها، وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال المسلمون: إنّ الهدى ما أمر الله تعالى به، والضلالة ما نهى الله تعالى عنه قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا، وكان قد مات قبل أن تحوّل القبلة

стр. 100

من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبيّ ﷺ وقالوا: يا رسول الله لقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى هذه ﴿إن الله بالناس لرؤف رحيم﴾ فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاتهم» . فإن قيل: لم قدم الرؤوف على الرحيم مع أنه أبلغ؟ أجيب: بأنه قدم محافظة على الفواصل، وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي لرؤوف بقصر الهمزة، والباقون بمدّها ولورش في الهمزة المدّ والتوسط والقصر على أصله. ﴿قد﴾ للتحقيق ﴿نرى تقلب﴾ أي: تردّد ﴿وجهك في السماء﴾ أي: في جهتها متطلعاً إلى الوحي ومتشوّقاً إلى الأمر باستقبال الكعبة، وهذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدّمة في المعنى، فإنها رأس القصة، وأمر القبلة أوّل ما نسخ من أمور الشرع وذلك أنّ رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله تعالى أن يصلي إلى نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدونه من نعته في التوراة، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، لأنها كانت قبلة إبراهيم أبيه ﷺ وقال مجاهد: كان يحب ذلك من أجل أنّ اليهود كانوا يقولون: يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا، فقال لجبريل ﵇: وددت لو حوّلني الله تعالى إلى الكعبة، فإنها قبلة أبي إبراهيم، فقال جبريل: إنما أنا عبد ملك وأنت كريم على ربك، فسل أنت ربك فإنك عند الله بمكان، فعرج جبريل وجعل رسول الله ﷺ يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل، فنزل قوله تعالى: ﴿فلنولينك﴾ أي: فلنحوّلنك ﴿قبلة﴾ أي: إلى قبلة ﴿ترضاها﴾ أي: تحبها وتهواها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته ﴿فول﴾ أي: اصرف ﴿وجهك شطر﴾ أي: نحو ﴿المسجد الحرام﴾ أي: الكعبة أي: استقبل عينها بصدرك في الصلاة وإن كنت بعيداً عنها. وقول البيضاوي: والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإنّ في استقبال عينها حرجاً عليه وجه ضعيف، والحرام المحرم فيه القتال وممنوع من الظلمة أن يتعرّضوه. وقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم﴾ من بحر أو برّ، شرق أو غرب خطاب للأمة ﴿فولوا وجوهكم﴾ في الصلاة ﴿شطره﴾ وكان تحويل القبلة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين. وقول البيضاوي: وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر، فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب وتبادل الرجال والنساء صفوفهم، فسمي المسجد مسجد القبلتين فيه تحريف، فإن ظاهره أنه ﷺ كان إماماً في قصة بني سلمة وأنه تحول في الصلاة وليس كذلك، فقد روى البخاريّ عن ابن عمر أنه قال: «بينما الناس يصلون في صلاة الصبح إذ أتاهم آت أي: من بني سلمة فقال: إنّ النبيّ ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة» . ولما تحوّلت القبلة قالت اليهود: وما هو إلا شيء يبتدعه محمد من تلقاء نفسه، فتارة يصلي إلى بيت المقدس، وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون

стр. 101

صاحبنا الذي ننتظره، فأنزل الله تعالى ﴿وإنّ الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه﴾ أي: التولي إلى الكعبة ﴿الحق﴾ أي: الثابت ﴿من ربهم﴾ لما في كتبهم من نعت النبيّ ﷺ من أنه يحوّل إليها وقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾ قرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب للمؤمنين أي: وما أنا بغافل عن جزائكم وثوابكم، والباقون بالياء على الغيب أي: عما يعمل اليهود أي: فأجازيهم في الدنيا والآخرة، ففي الآية وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين، ولما قالت اليهود والنصارى ائتنا بآية على أنّ الكعبة قبلة. ﴿ولئن﴾ اللام موطئة للقسم ﴿أتيت الذين أوتوا الكتاب﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿بكل آيةٍ﴾ أي: برهان وحجة على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق وقوله تعالى: ﴿ما تبعوا قبلتك﴾ جواب للقسم المضمر والمعنى أن تركهم اتباعك ليس على شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو على مكابرة وعناد مع علمهم لما في كتبهم من نعتك أنك على الحق. تنبيه: كان مقتضى الظاهر ما يتبعون لكن أتى بالماضي لتحقق وقوعه كقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ وقوله تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره تغريراً منهم له وطمعاً في رجوعه ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعضٍ﴾ أي: أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة، فإن اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا ترجى موافقتهم لك لتصلب كل حزب فيما هو فيه. فإن قيل: كيف قال تعالى: ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟ أجيب: بأن كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق فكانتا لحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة وقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ خطاب مع النبيّ ﷺ والمراد به الأمة أو على سبيل الفرض والتقدير ﴿من بعدما جاءك﴾ بين لك ﴿من العلم﴾ بالوحي في القبلة ﴿إنك إذاً﴾ إن اتبعتهم ﴿لمن الظالمين﴾ أي: من المرتكبين الظلم الفاحش، وفي هذا لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من ترك الدليل بعد إنارته وتتبع الهوى وتهييج للثبات على الحق، وقد أكد التهديد في ذلك وبالغ فيه.) قال البيضاوي من سبعة أوجه: الأوّل: الاتيان باللام الموطئة للقسم، الثاني: القسم المضمر، الثالث: حرف التحقيق أي: التأكيد وهي أن الرابع تركيبه من جملة إسمية، الخامس: الاتيان باللام في الخبر أي: وهو من الظالمين، السادس: جعله من الظالمين أي: تعريف الظالمين الدال على المعروفين ولم يقل إنك ظالم، فإن في الإندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم؛ لأنّ أل في الظالمين للاستغراق، السابع: التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم وتحريضاً على اقتضائه وتحذيراً عن متابعة الهوى واستفظاعاً لظهور الذنب عن الأنبياء. ﴿الذين أتيناهم الكتاب﴾ أي: علماؤهم ﴿يعرفونه﴾ أي: محمداً ﷺ لسبق ذكره بلفظ الرسول مرّتين، وقول البيضاويّ تتبعاً للزمخشري وإن لم يسبق ذكره ممنوع، وقيل: القرآن وقيل: التحويل، ويدل للأوّل قوله تعالى: ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾ أي: من بين الصبيان، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: كيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد ﷺ أشدّ من معرفتي بابني فقال عمر: وكيف

стр. 102

ذلك؟ قال: لست أشك في محمد أنه نبي وأمّا ولدي فلعل والدته خانت فقال عمر: وفقك الله تعالى يا ابن سلام فقد صدقت. فإن قيل: لم خص الأبناء من الأولاد؟ أجيب: بأنّ الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ﴿وإنّ فريقاً منهم﴾ أي: أهل الكتاب ﴿ليكتمون الحق﴾ أي: صفته ﷺ وأمر الكعبة ﴿وهم يعلمون﴾ ولا يظهرونه عناداً. وقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾ كلام مستأنف، والحق إما مبتدأ خبره من ربك والمعنى أنه الحق أي: ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب، وإما خبر مبتدأ محذوف أي: هذا الحق ومن ربك حال أو خبر، بعد خبر والمعنى أنّ ما جاءك من العلم أو ما يكتمونه هو الحق لا ما يزعمون ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ أي: من الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به أي: فلا تكونن من هذا النوع وهو أبلغ من لا تمتر وليس فيه نهي للرسول ﷺ عن الشك فيه؛ لأنه غير متوقع منه بل إما لتحقيق الأمر، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر، وإمّا أنّ المراد به أمته. ﴿ولكل﴾ أي: أمة من الأمم ﴿وجهة﴾ أي: قبلة أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة ﴿هو موليها﴾ وجهه في صلاته، وقرأ ابن عامر وحده مولاها بفتح اللام وألف بعدها أي: هو مولى تلك الجهة قد وليها، والباقون بكسر اللام وياء بعدها وعلى هذا فأحد المفعولين محذوف أي: هو موليها وجهه كما مرّ تقديره أو الله تعالى موليها إياه ﴿فاستبقوا الخيرات﴾ أي: بادروا إلى الطاعات وقبولها من أمر القبلة وغيره مما تناولوا به سعادة الدارين ﴿أين ما تكونوا﴾ أنتم وأهل الكتاب ﴿يأت بكم الله جميعاً﴾ يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم ﴿إنّ الله على كل شيء قدير﴾ فيقدر على الإحياء والجمع. تنبيه: رقق ورش الراء المفتوحة بعد الياء الساكنة. واتفق المصاحف على قطع أين من ما هنا. فإن قيل: له ذرية والملائكة لا ذرية لهم. أجيب: بأنّ ابن عباس روى أنّ من الملائكة نوعاً يتوالدون يقال لهم: الجن ومنهم إبليس، وقيل: إن الله تعالى لما أخرجه من الملائكة جعل له ذرية وأنّ من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة كما أنّ من الإنس معصومين وهم الأنبياء والغالب في الإنس عدم العصمة ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه لقوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه﴾ (الكهف، ٥٠) وهو أصل الجنّ كما أنّ آدم أصل الإنس ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، قال البغوي: والأوّل أصح لأنّ خطاب السجود كان مع الملائكة وقوله تعالى: ﴿كان من الجنّ﴾ أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال قوم: من الملائكة الذين كانوا يصوغون حلى الجنة وقيل: إنّ الجنّ أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم فإذا علم أن الأكابر وهم الملائكة مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به علم أيضاً أن الأصاغر وهم الجنّ مأمورون به أيضاً والضمير في فسجدوا راجع للقبيلين فكأنه قال: فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس. تنبيه: من فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه يفضي بصاحبه إلى الكفر والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض فيما لا ينبغي في سر نفسه وأن الأمر للوجوب وأن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الوقت الحاضر مؤمناً. تنبيه: ما مقطوعة من حيث في موضعي هذه السورة، وكرر التولي لشطر المسجد الحرام ثلاث مرات لتأكيد أمر القبلة وتشديده؛ لأنّ النسخ من مظان الفتنة والشبهة وتسويل الشيطان، فكرر عليهم ليثبتوا ويقوموا ويجدّوا؛ ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر؛ لأنه تعالى علق بكل آية فائدة، ففي الأولى أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر محمد أو أمر القبلة حق لمشاهدتهم له في التوراة والإنجيل، وفي الثانية أنه تعالى شهد أنه حق وشهادة الله تعالى مغايرة لعلم أهل الكتاب، وفي الثالثة بيان العلة وهي قطع حجة اليهود أو لأن الأحوال ثلاثة أوّلها: أن يكون الانسان في المسجد الحرام وثانيها: أن يخرج عنه ويكون في البلد وثالثها: أن يخرج عن البلد، فالآية محمولة على الأوّل والثانية على الثاني والثالثة على الثالث وقوله تعالى: ﴿لئلا يكون الناس﴾ أي: اليهود والمشركين ﴿عليكم حجة﴾ أي: مجادلة في التولي علة لقوله: قولوا والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة، وأن محمداً يجحد ديننا ويتبعنا

стр. 103

في قبلتنا ويدفع احتجاج المشركين بأنه يدّعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته، وقرأ ورش بإبدال الهمزة من لئلا ياء مفتوحة وقفاً ووصلاً وحمزة يبدلها وقفالاً وصلاً، والباقون بهمزة مفتوحة وصلاً ووقفاً وقوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾ بدل واستثناء متصل أي: لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين منهم، فإنهم يقولون ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحبه لبلده أو بدا له فرجع إلى دين آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم ﴿فلا تخشوهم﴾ أي: فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، فإنهم لا يضرونكم ﴿واخشوني﴾ بامتثال أمري فلا تخالفوا ما أمرتكم به. تنبيه: الياء هنا ثابتة في الرسم وهي في القراءة ثابتة وقفاً ووصلاً. فإن قيل: أي حجة تكون لغير الذين ظلموا لو لم تحوّل حتى احترز من تلك الحجة ولم يبال بحجة المعاندين؟ أجيب: بأنهم كانوا يقولون: ما له لا يحوّل إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة. فإن قيل: كيف أطلق الحجة على قول المعاندين؟ أجيب: بأنّ المراد بالحجة ما يتمسك به حقاً كان أو باطلاً كما قال تعالى: ﴿حجتهم داحضة﴾ (الشورى، ١٦) وقوله تعالى: ﴿ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾ أي: إلى الحق علة لمحذوف أي: وأمرتكم بذلك لإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أو عطف على علة مقدرة كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، قال «الكشاف» : وقيل: هو معطوف على لئلا يكون، وجرى عليه البيضاوي والسيوطي. قال البيضاويّ: تبعاً «للكشاف» وفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة» أي: ورؤية الله تعالى وعن علي رضي الله تعالى عنه تمام النعمة الموت على الاسلام، قال شيخنا القاضي زكريا: روى الحديث الترمذيّ وذكره مع الأثر بعده ربما يرجح العطف على المقدر. وقوله تعالى: ﴿كما أرسلنا﴾ إما متعلق بما قبله وهو أتم أي: ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة أو في أمر الآخرة إتماماً كإتمامها بإرسالنا ﴿فيكم رسولاً منكم﴾ وهو محمد ﷺ وإما متعلق بما بعده وهو فاذكروني أذكركم أي: كما ذكرتكم بالإرسال فاذكروني ﴿يتلو عليكم آياتنا﴾ أي: القرآن ﴿ويزكيكم﴾ أي: يطهركم من الشرك ﴿ويعلمكم الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿والحكمة﴾ أي: ما فيه الأحكام. تنبيه: قدم هنا يزكيكم على يعلمكم باعتبار القصة وأخر في دعوة إبراهيم يزكيكم على يعلمكم باعتبار الفعل ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ أي: بالتفكر والنظر إذ لا طريق لمعرفته سوى الوحي. ﴿فاذكروني﴾ بالطاعة كالصلاة والتسبيح ﴿أذكركم﴾ قال ابن عباس: بمعونتي، وقال سعيد بن جبير: بمغفرتي وقيل: اذكروني في النعمة والرخاء أذكركم في الشدّة والبلاء كما قال تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾ (الصافات، ١٤٤) . وفي الحديث عن الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه، وإن تقرب إليّ شبراً تقرّبت إليه ذراعاً، وإن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . وفي رواية أنّ رسول الله ﷺ قال: إنّ الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منه، وإن دنوت مني شبراً دنوت منك ذراعاً، وإن دنوت مني ذراعاً دنوت منك باعاً، وإن مشيت إليّ هرولت إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك» . وفي رواية أنّ رسول الله ﷺ قال:

стр. 104

«يقول الله : أنا مع عبدي ما ذكرني وتحرّكت بي شفتاه» . وفي رواية: جاء أعرابيّ إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله» . وقرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بالسكون وهم على مراتبهم في المدّ ﴿واشكروا لي﴾ نعمتي بالطاعة ﴿ولا تكفرون﴾ بجحد النعم وعصيان الأمر، فإن من أطاع الله فقد شكره، ومن عصاه فقد كفره. ﴿يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر﴾ على الطاعة والبلاء وعلى المعاصي وحظوظ النفس ﴿والصلوة﴾ خصها بالذكر؛ لأنها أم العبادات لاشتمالها على فعل القلب وغيره ومناجاة رب العالمين ﴿إن الله مع الصابرين﴾ بالنصر وإجابة الدعوة. هم ﴿أموات بل﴾ هم ﴿أحياء ولكن لا تشعرون﴾ أي: لا تعلمون كيف حالهم في حياتهم. قال البيضاويّ: وهو تنبيه على أنّ حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل بالوحي اه. وهذا ما عليه أكثر المفسرين، قال ابن عاد: ويحتمل أنّ حياتهم بالجسد وإن لم تشاهد وأيد بأن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات بالاتفاق، فلو لم تكن حياة الشهيد بالجسد لاستوى هو وغيره ولم تكن له مزية اه. وقد يرد بأنّ الشهداء فضلوا على غيرهم بأنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها وغيرهم من المؤمنين منعمون بما دون ذلك. وفي الحديث: «أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش» وعن الحسن: أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح أي: الاستراحة أي: التلذذ والتنعم والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدّواً وعشياً، فيصل إليهم الوجع والغم. وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله ومزيد السرور والكرامة والأرواح جواهر قائمة بأنفسها تبقى بعد الموت دراكة كما عليه جمهور الصحابة والتابعين ونطقت به الآيات والسنن. ﴿ولنبلونكم﴾ أي: ولنختبرنكم يا أمّة محمد ﷺ واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء إظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً لم يكن عالماً به ﴿بشيء﴾ أي: بقليل ﴿من الخوف﴾ أي: خوف العدوّ ﴿والجوع﴾ أي: القحط وإنما قلله بالنسبة لما وقاهم عنه فيخفف عنهم ويريهم أنّ رحمته لا تفارقهم أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة وإنما أخبرهم قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم ﴿ونقص من الأموال﴾ بالخسران والهلاك ﴿والأنفس﴾ بالقتل والموت وقيل: بالمرض والشيب ﴿والثمرات﴾ بالجوائح. وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه: الخوف خوف الله، والجوع صوم رمضان، ومن الثمرات موت الأولاد. وعن أبي سنان قال: دفنت ولدي سناناً وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر، فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني، فقال: ألا أبشرك؟. حدّثني الضحاك بن عروب عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه؟ فيقولون: نعم فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» . وقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ أي: على

стр. 105

ما يصيبهم من المكروه عطف كما قال التفتازاني على ولنبلونكم عطف المضمون على المضمون أي: الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر، ثم بينهم بقوله: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا﴾ عبيداً وملكاً ﴿وإنا إليه راجعون﴾ في الآخرة والمصيبة تعمّ ما يصيب الانسان من مكروه لقوله ﷺ «كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» وعن أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ ورضي عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مصيبة تصيب عبداً فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهمّ اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها إلا آجره الله تعالى في مصيبته وأخلف عليه خيراً منها» قالت: فلما توفي أبو سلمة استرجعت الله لي فقلت: اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها قالت: فأخلف لي رسول الله ﷺ ، وفي رواية: «من استرجع عند المصيبة جبر الله تعالى مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه» ، وقال سعيد بن جبير: ما أعِطى أحد ما أعطيت هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطى يعقوب في قصة فقدِ يوسف ألا تسمع إلى قوله: ﴿يا أسفاً على يوسف﴾ (يوسف، ٨٤) وليس الصبر بالإسترجاع باللسان بل باللسان مع القلب بأن يتصوّر ما خلق لأجله، فإنه راجع إلى ربه ويتذكر نعم الله عليه، فيرى ما أبقى عليه أضعاف ما استردّه منه، فيهوّن على نفسه ويستسلم لربه، والمبشر به محذوف دلّ عليه. ﴿أولئك عليهم صلوات﴾ أي: مغفرة ﴿من ربهم ورحمة﴾ أي: لطف وإحسان والصلاة في الأصل من الآدمي أي: ومن الجنّ تضرّع ودعاء، ومن الملائكة إستغفار، ومن الله تعالى رحمة مقرونة بتعظيم وجمع الصلاة للتنبيه على كثرتها كالتثنية في لبيك بمعنى لا انقطاع لمغفرته ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ إلى الصواب حيث استرجعوا وسلّموا لقضاء الله تعالى. قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: نِعم العدلان ونعمت العلاوة، والعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة: الهداية، وقد ورد أخبار في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين منها أنه ﷺ قال: «من يرد الله به خيراً يصب منه» ومنها أنه ﷺ قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا غم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه» ومنها: أن امرأة جاءت إلى النبيّ ﷺ وبها لمم، فقالت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يشفيني فقال: «إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك قالت: بل أصبر ولا حساب عليّ» . ومنها: «أنه ﷺ سئل عن أشدّ الناس بلاءً قال: «الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً ابتلى على قدر ذلك، وإن كان في دينه رقة هوّن عليه، فما زال كذلك حتى يمشي على الأرض ما له ذنب» ومنها: أنه ﷺ قال: «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنّ الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» . ومنها: أنه ﷺ قال: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» . ومنها: أنه ﷺ قال: «مثل المؤمن كمثل الزرع لا يزال الريح يثنيه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد» . ومنها: أنه ﷺ قال: «عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر، فالمؤمن يؤجر في كل أمره» .

стр. 106

﴿إن الصفا والمروة﴾ هما على جبلين بمكة في طرفي المسعى، قال القرطبيّ: وذكر الصفا؛ لأن آدم وقف عليه، وأنث المروة؛ لأنّ حوّاء وقفت عليها ﴿من شعائر الله﴾ أي: أعلام دينه جمع شعيرة وهي العلامة أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته ﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾ أي: تلبس بالحج أو العمرة، والحج لغة: القصد. والاعتمار: الزيارة، فغلبا شرعاً على قصد البيت وزيارته على الوجهين المعروفين ﴿فلا جناح﴾ أي: لا إثم ﴿عليه أن يطوّف﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء ﴿بهما﴾ أي: بأن يسعى بينهما سبعاً. فإن قيل: كيف أنهما من شعائر الله، ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟ أجيب: بأنه كان على الصفا آساف، وعلى المروة نائلة وهما صنمان، يروى أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فلما طالت المدّة عبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسخوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية، فأذن الله تعالى فيه وأخبر أنه من شعائر الله، والإجماع على أنّ السعي بين الصفا والمروة مشروع في الحج والعمرة، وإنما الخلاف في وجوبه، فعن أحمد أنه سنة وبه قال أنس وابن عباس لقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليه﴾ فإنه يفهم منه التخيير. قال البيضاويّ وهو ضعيف؛ لأنّ نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب فلا يدفعه. وعن أبي حنيفة أنه واجب يجبر بدم. وعن مالك والشافعيّ أنه ركن لقوله ﷺ «اسعوا فإنّ الله تعالى كتب عليكم السعي» رواه البيهقيّ وغيره. وقال ﷺ «ابدؤوا بما بدأ الله به» يعني: الصفا رواه مسلم ﴿ومن تطوّع خيراً﴾ أي: فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة أو طواف، ونصب خيراً على أنه صفة مصدر محذوف أي: تطوّعاً أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه أي: بخير. وقرأ حمزة والكسائيّ يطوّع بالياء على التذكير وتشديد الطاء والواو وسكون العين وأصله يتطوّع فأدغم مثل يطوف، والباقون بالتاء على الحضور وتخفيف الطاء وفتح العين ﴿فإنّ الله شاكر﴾ لعمله بالإثابة عليه ﴿عليم﴾ بنيته. تنبيه: الشكر من الله أن يعطى العبد فوق ما يستحقه فإنه يشكر اليسير ويعطي الكثير. ونزل في علماء اليهود: ﴿إن الذين يكتمون﴾ الناس كأحبار اليهود ﴿ما أنزلنا من البينات﴾ كآية الرحم ونعت محمد ﷺ ﴿والهدى﴾ أي: ما يهدي إلى وجوب اتباعه ﷺ والإيمان به ﴿من بعدما بيناه﴾ أوضحناه ﴿للناس في الكتاب﴾ أي: التوراة أي: لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، فعمدوا إلى ذلك المبين الواضح، فكتموه ولبسوا على الناس ﴿أولئك يلعنهم الله﴾ وأصل اللعن الطرد والبعد ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾ أي: يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ الَعنهم. تنبيهان: أحدهما: اختلف في هؤلاء اللاعنين، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم جميع الخلائق إلا الجنّ والإنس، وقال عطاء: هم الجنّ والإنس، وقال الحسن: هم جميع عباد الله، وقال مجاهد: البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أمسك المطر وتقول: هذا من شؤم ذنوب بني آدم. ثانيهما: هذه الآية توجب إظهار علوم الدين منصوصة ومستنبطة وتدل على امتناع أخذ الأجرة على ذلك. وقد روى الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنكم تقولون أَكثر أبو هريرة عن النبيّ صلى

стр. 107

الله عليه وسلم وأيم الله لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحداً بشيء أبداً وتلا: ﴿إنّ الذين يكتمون﴾ الآية» . ﴿إلا الذين تابوا﴾ أي: رجعوا عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب منه ﴿وأصلحوا﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿وبينوا﴾ ما بيّنه الله تعالى في كتابهم فكتموه ﴿فأولئك أتوب عليهم﴾ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم ﴿وأنا التوّاب﴾ أي: الرجّاع لقلوب عبادي المنصرفة عني إليّ ﴿الرحيم﴾ بهم بعد إقبالهم عليّ. ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ أي: من لم يتب من الكاتمين حتى مات ﴿أولئك عليهم لعنة الله و﴾ لعنة ﴿الملائكة و﴾ لعنة ﴿الناس أجمعين﴾ لعنهم الله أحياء، ثم لعنهم أمواتاً، وقال أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم تلعنه الناس. فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿والناس أجمعين﴾ وفي الناس المسلم والكافر وأهل دينه لا يلعنونه؟ أجيب بأجوبة: منها: أنّ المراد منهم من يعتد بلعنه وهم المؤمنون، قاله ابن مسعود: وعلى هذا فيكون من العام الذي أريد به الخاص. ومنها: أنهم يلعنونه في القيامة قال تعالى: ﴿يلعن بعضكم بعضاً﴾ (العنكبوت، ٢٥) وقال: ﴿كلما دخلت أمّة لعنت أختها﴾ (الأعراف، ٣٨) . ومنها: أنّ اللعنة من الأكثر يطلق عليها لعنة جميع الناس تغليباً لحكم الأكثر على الأقلّ. ومنها: أنهم يلعنون الظالمين والكافرين، ومن لعن الظالمين أوالكافرين وهم منهم، فقد لعن نفسه، ومعنى لعنة الله لهم تبرّؤه منهم وطردهم وتبعيدهم عن الرحمة والثواب أو دعاؤه عليهم بذلك. ﴿خالدين فيها﴾ أي: اللعنة أو النار المدلول بها عليها ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ طرفة عين ﴿ولا هم ينظرون﴾ من الانظار أي: لا يمهلون ولا يؤجلون أو لا ينظرون ليتعذروا كقوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات، ٣٦) أو لا ينظر إليهم نظر رحمة. ولما قال كفار قريش: يا محمد صف لنا ربك وانسبه لنا. نزل ﴿وإلهكم إله واحد﴾ وسورة الإخلاص، والواحد هو الذي لا نظير له ولا شريك وقوله تعالى: ﴿لا إله إلا هو﴾ تقرير للوحدانية ودفع؛ لأن يتوهم أنّ في الوجود إلهاً ولكن لا يستحق منهم العبادة وقوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ كالدليل على الوحدانية، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها بقوله: الرحمن، فإنه مولى جلائل النعم وفروعها بقوله: الرحيم، فإنه مولى لطائف النعم ودقائقها وما سواه تعالى. إما نعمة أو منعم عليه، فلم يستحق العبادة أحد غيره وهما خبران آخران لقوله: إلهكم أو لمبتدأ محذوف. وعن أسماء بنت يزيد أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم وإلهكم إله واحد» إلخ.. ﴿وا لا إله إلا هو الحيّ القيوم﴾ . ولما سمع المشركون هذه الآية وكان لهم حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً تعجبوا وقالوا: إن كنت صادقاً فائت بآية نعرف بها صدقك. ﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ إلى آخر الآية. فإن قيل: لم جمع السموات وأفرد الأرض؟ أجاب البيضاويّ: بأنّ السموات طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين اه. وهذا إنما يأتي على قول بعض الحكماء أنّ المراد بالأرضين الأقاليم، والأولى ما أجاب به البغوي من أنّ كلاً منها جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب أي: فهي طبقات كالسموات، والآية في السموات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة، وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك والآية في الأرض

стр. 108

مدّها أو بسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات وغير ذلك. ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ أي: تعاقبهما في المجيء والذهاب يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي: بعده قال تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة﴾ (الفرقان، ٦٣) قال عطاء: أراد اختلافهما في النور والظلمة، والزيادة والنقصان، والليل: جمع ليل، والليالي: جمع الجمع، والنهار: جمع نهر. وقدّم الليل على النهار في الذكر؛ لأنه أقدم قال تعالى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ (يس، ٣٧) ﴿والفلك﴾ أي: السفن ﴿التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾ من التجارة والحمل، والآية فيها تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقورة لا ترسب تحت الماء. تنبيه: أنث الفلك؛ لأنه بمعنى السفينة؛ لأنّ واحد السفن وجمعه سواء إذ لو كانت بمعنى المركب لذكرها مع أنها في اللغة تذكر وتؤنث، قال تعالى: ﴿إذ أبق إلى الفلك المشحون﴾ (الصافات، ١٤٠) وضمة الجمع غير ضمة الواحدة تقديراً؛ إذ هي في الجمع كالضمة في حمر، وفي الواحد كالضمة في قفل، قال البيضاوي: والقصد به أي: الفلك إلى الاستدلال بالبحر وأحواله وتخصيص الفلك بالذكر؛ لأنه سبب الخوض فيه أي: البحر والإطلاع على عجائبه، ولذلك قدّمت على ذكر المطر والسحاب؛ لأنّ منشأهما البحر في غالب الأمر اه. فجعل الآية في البحر لا في السفن، والأولى جعل الآية فيها وقوله؛ لأنّ منشأهما البحر هو قول الحكماء والإشارة على خلافه وهو الذي دلت عليه الأخبار. قال شيخنا القاضي زكريا: وحاصله: أنّ السحاب من شجرة مثمرة في الجنة، والمطر من بحر تحت العرش ﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ أي: مطر. تنبيه: من الأولى للابتداء، والثانية للبيان، قال البغويّ: قيل: أراد بالسماء السحاب يخلق الله الماء في السحاب، ثم من السحاب ينزل. وقيل: أراد بالسماء المعروفة يخلق الله الماء في السماء، ثم ينزل من السماء إلى السحاب؛ ثم من السحاب ينزل إلى الأرض اه. وفيه ما مرّ ﴿فأحيا به الأرض﴾ بالنبات ﴿بعد موتها﴾ أي: يبسها وجدوبتها ﴿وبث﴾ أي: فرّق ونشر بالماء ﴿فيها﴾ في الأرض ﴿من كلّ دابة﴾ . فإن قيل: هل بث عطف على أنزل أو أحيا؟ أجيب: بأنه عطف على أنزل داخل تحت حكم الصلة؛ لأن قوله: فأحيا به الأرض عطف على أنزل، فاتصل به وصارا جميعاً كالشيء الواحد، فكأنه قيل: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة، ويجوز عطفه على أحيا على معنى، فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة؛ لأن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي: المطر ﴿وتصريف الرياح﴾ إلى قبول ودبور، وجنوب وشمال، فالقبول: الصبا وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار، والدبور: تقابلها، والشمال: التي تهب من جانب القطب، والجنوب: تقابلها. قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء، وسميت الريح ريحاً؛ لأنها تريح النفوس. قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح. فائدة: البشارة في ثلاث: من الرياح في الصبا، والشمال والجنوب. أمّا الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها، وقيل الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وهي: المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات، وأربعة: للعذاب وهي العقيم والصرصر في البر، والعاصف والقاصف في البحر. وقرأ حمزة والكسائيّ: الريح بالتوحيد، والباقون بالجمع. فائدة أخرى: كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القرّاء على توحيدها،

стр. 109

وما فيها ألف ولام كما هنا، اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا الحرف الأوّل في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها، والريح تذكر وتؤنث ﴿والسحاب﴾ أي: الغيم ﴿المسخر﴾ أي: المذلل بأمر الله يسير حيث شاء الله ﴿بين السماء والأرض﴾ بلا علاقة لا ينزل ولا يرتفع مع أنّ الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله. وقيل: تسخير السحاب تقليبه في الجوّ بمشيئة الله واشتقاقه من السحب؛ لأنّ بعضه يجر بعضاً ﴿لآيات﴾ أي: دلالات واضحات على وحدانية الله تعالى ﴿لقوم يعقلون﴾ أي: ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة. وقول البيضاويّ: وعن النبيّ ﷺ «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» . أي: لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. قال الوليّ العراقيّ: لم أقف عليه. وقال السيوطي: لم يرد في هذه الآية ولا بهذا اللفظ، ثم قال عن عائشة أن النبيّ ﷺ قال: «أنزل عليّ الليلة ﴿إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ » ثم قال: «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» . قيل: للأوزاعيّ ما غاية التفكر فيهنّ؟ قال: يقرأهنّ وهو يعقلهنّ انتهى ولا ينافي هذا أنه ورد أيضاً في هذه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال البيضاويّ: وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه انتهى. ولا ينافي هذا قول الشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام؛ لأنه محمول على التوغل فيه، فيصير فلسفياً. ﴿ومن الناس﴾ وهم المشركون ﴿من يتخذ من دون الله﴾ أي: غيره ﴿أنداداً﴾ أي: أصناماً يعبدونها ﴿يحبونهم﴾ بالتعظيم والخضوع ﴿كحبّ الله﴾ أي: كحبهم له كما قال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون الله؛ لأنهم أشركوها مع الله، فسووا بين الله وبين أصنامهم في المحبة أو يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله ﴿والذين آمنوا أشدّ حباً﴾ أي: أثبت وأدوم على حبه؛ لأنهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون محبتهم لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب، ولذلك كانوا إذا اتخذوا صنماً أحسن منه طرحوا الأوّل واختاروا الثاني، وربما يأكلونه كما أكلت باهلة إلهها من حيس عند المجاعة، ويُعرضون عن معبودهم في وقت البلاء، ويقبلون على الله كما أخبر الله تعالى عنهم فقال: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾ (العنكبوت، ٦٥) والمؤمن لا يعرض عن الله تعالى في السرّاء والضرّاء، والشدّة والرخاء. وقيل: إنما قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشدّ حباً﴾ لأنّ الله أحبهم أولاً ثم أحبوه، ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتمّ قال الله تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة، ٥٤) فمحبة العبد لله طاعته والإعتناء بتحصيل مراضيه، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة وصونه عن المعاصي ﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾ أي: باتخاذ الأنداد ﴿إذ يرون﴾ أي: يبصرون ﴿العذاب﴾ يوم القيامة وإذ بمعنى إذا أو أجري المستقبل وهو يرى مجرى الماضي لأنّ إذ موضوعة للماضي؛ والمعنى هنا على الاستقبال لتحققه كقوله تعالى: ﴿ونادى أصحاب الجنة﴾ (الأعراف، ٤٤) ﴿أنّ﴾ أي: بأنّ ﴿القوّة﴾ أي: القدرة والغلبة ﴿﴾ وقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ حال ﴿وأنّ الله شديد العذاب﴾ وجواب لو محذوف، والتقدير لو يعلمون أنّ القدرة لله جميعاً؛ إذ عاينوا العذاب لندموا أشدّ الندم، والفاعل ضمير السامع أو الذين ظلموا، ويرى بمعنى يعلم، وأنّ وما بعدها سدّت مسدّ المفعولين.

стр. 110

وقرأ نافع وحده بالتاء على الخطاب أي: ولو ترى يا محمد ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وأمال السوسي الألف المنقلبة بعد الراء في الوصل بخلاف عنه، وغلظ ورش اللام بعد الظاء، وقرأ ابن عامر يرون بضم الياء، والباقون بفتحها. ﴿إذ﴾ بدل من إذ قبله ﴿تبرأ الذين اتبعوا﴾ وهم الرؤساء ﴿من الذين اتبعوا﴾ وهم الأتباع أي: ينكر الرؤساء إضلال الأتباع يوم القيامة حين يجمع الله القادة والأتباع ﴿و﴾ قد ﴿رأوا العذاب﴾ أي: رائين له فالواو للحال، وقد مضمرة كما قدرتها وقيل: عطف على تبرأ، وقوله تعالى: ﴿وتقطعت﴾ عطف على تبرأ، وقوله تعالى: ﴿بهم﴾ بمعنى عنهم ﴿الأسباب﴾ أي: الوصل التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصدقات وصارت مخالفتهم عداوة. ﴿وقال الذين اتبعوا﴾ أي: الأتباع ﴿لو أنّ لنا كرّة﴾ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فنتبرأ منهم﴾ أي: الرؤساء ﴿كما تبرّأوا منا﴾ اليوم، ولو للتمني ولذلك أجيب بالفاء ﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك الإراء الفظيع ﴿يريهم الله أعمالهم﴾ أي: السيئة وقوله تعالى: ﴿حسرات﴾ أن تنقلب ندمات ﴿عليهم﴾ ثالث مفاعيل يرى إن كان من رؤية القلب والافحال، وقوله تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ أصله وما يخرجون؛ لأنّ المناسب أن تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، لكن عدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا. واختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً﴾ فقال البيضاويّ: نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس أي: لا على وجه التورّع كما تفعله الصوفية، وما قاله قول مرجوح كما قاله شيخنا القاضي زكريا والمشهور أنها نزلت فيهم آية المائدة وهي ﴿يأيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم﴾ (المائدة، ٨٧) وأمّا هذه الآية، فإنها نزلت في الكفار الذين حرموا البحائر والسوائب والوصائل ونحوها ومن ثم عبر هنا بيأيها الناس وثم بيأيها الذين آمنوا. تنبيه: حلالاً مفعول كلوا أو حال وقوله تعالى: ﴿طيباً﴾ إمّا صفة مؤكدة وإما طاهراً من كلّ شبهة وهو ما يستطيبه الشرع. قال «الكشاف» : ومن للتبعيض؛ لأن كلّ ما في الأرض ليس بمأكول هذا إن جعلنا حلالاً حالاً، فإن جعلنا مفعولاً فمن للابتداء كما قاله السعد التفتازاني؛ لأن من التبعيضية في موضع المفعول أي: كلوا بعض ما في الأرض ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي: طرقه كما قاله الزجاج أو المحقرات من الذنوب كما قاله أبو عبيدة فتدخلوا في حرام أو شبهة أو تحريم حلال أو تحليل حرام. وقرأ ابن عامر وقتيل وحفص والكسائي بضمّ الطاء والباقون بالسكون ﴿إنه لكم عدوّ مبين﴾ أي: بيّن العداوة أو مظهر العداوة عند ذوي البصيرة، وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه، وقد أظهر عداوته بامتناعه من السجود لآدم، ثم بيّن عداوته بأنه لا يأمر بخير قط بقوله: ﴿إنما يأمركم بالسوء﴾ أي: القبيح شرعاً ﴿والفحشاء﴾ أي: ما تجاوز الحدّ في القبح من العظائم. وعن ابن عباس أنّ السوء من الذنوب ما لا حدّ فيه، والفحشاء من المعاصي ما يجب به حدّ. وقال السُديّ: الفحشاء هي الزنا وقيل: البخل. قال البيضاوي: واستعير الأمر لتزيينه ونعته لهم تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم انتهى. قال شيخنا القاضي زكريا: ولا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره؛ لأنّ حقيقته طلب الفعل
следующие страницы →