← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

﴿ولا تتبعوا السبل﴾ أي: الطرق المخالفة لدين الإسلام ﴿فتفرّق﴾ فيه حذف إحدى التاءين أي: فتميل ﴿بكم﴾ أي: هذه الطرق المضلة ﴿عن سبيله﴾ أي: طريقه التي ارتضاها لعباده وبها أوصى ﴿ذلكم﴾ أي: الأمر العظيم من اتباعه ﴿وصاكم به لعلكم تتقون﴾ الضلال والتفرق عن الحق. روي «أنه ﷺ خط خطاً» ثم قال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، وقرأ: ﴿وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه﴾ » . ﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾ أي: التوراة. فإن قيل: ثم للترتيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن أجيب: بأنّ ثم لترتيب الإخبار أي: ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب فدخل ثم لترتيب الخبر لا لتأخير النزول، وقوله تعالى: ﴿تماماً﴾ حال أي: لم ينقص الكتاب عما يصلحهم شيئاً ﴿على﴾ الوجه ﴿الذي أحسن﴾ أي: أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بين من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك العام. روي أنّ الله تعالى لم يهلك قوماً هلاكاً عامّاً بعد نزول التوراة، وقيل: تماماً على المحسنين من قوم موسى فيكون الذي بمعنى من أي: على من أحسن من قومه وكان فيهم محسن ومسيء، وقيل: الذي أحسن هو موسى ﵇ أي: إتماماً للنعمة عليه لإحسانه بالعبادة أو الذي بمعنى ما أي: ما أحسن، وقوله تعالى: ﴿وتفصيلاً﴾ عطف على تماماً أي: وبياناً ﴿لكل شيء﴾ أي: يحتاج إليه في الدين ﴿وهدى﴾ أي: فيه هدى من الضلالة ﴿ورحمة﴾ أي: إنزاله عليهم رحمة لهم ﴿لعلهم﴾ أي: بني إسرائيل ﴿بلقاء ربهم﴾ أي: بالبعث والجزاء ﴿يؤمنون﴾ أي: ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره حال من يرجو أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه وليذكروا ما أنعم به عليهم من إخراجهم من مصر من العبودية والرق. ﴿وهذا﴾ أي: القرآن ﴿كتاب﴾ أي: عظيم ﴿أنزلناه﴾ إليكم أي: بلسانكم حجة عليكم ﴿مبارك﴾ أي: كثير الخير والنفع والبركة ﴿فاتبعوه﴾ أي: اتبعوا ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام ﴿واتقوا﴾ الكفر ﴿لعلكم ترحمون﴾ أي: بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه، ثم بيّن تعالى المراد من إنزاله فقال: ﴿أن﴾ أي: كراهة أن ﴿تقولوا إنما أنزل الكتاب﴾ أي: التوراة والإنجيل ﴿على طائفتين من قبلنا﴾ أي: اليهود والنصارى ﴿وإن كنا﴾ أي: وقد كنا وإن هي المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة بينها وبين النافية في خبر كان أي: وإنه كنا ﴿عن دراستهم﴾ قراءتهم لكتابهم قراءة مردودة ﴿لغافلين﴾ أي: لا نعرف حقيقتها ولا ثبت عندنا حقيقتها ولا هي بلساننا. ﴿أو تقولوا﴾ أي: أيها العرب لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلاعلى المكتوب إليه فلم نتبعه و ﴿لو أنا﴾ أهلنا لما أهلوا له حتى ﴿أنزل علينا الكتاب﴾ أي: جنسه ﴿لكنا أهدى منهم﴾ أي: لما لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان للحق ﴿فقد جاءكم بينة من ربكم﴾ أي: القرآن فيه بيان وحجة واضحة تعرفونها على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك ﴿وهدى﴾ من الضلالة لمن تدبره ﴿ورحمة﴾ أي: وهو رحمة ونعمة أنعم بها عليكم فتأمّلوا فيه واعملوا به ﴿فمن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف﴾ أي: أعرض ﴿عنها﴾ فضل وأضل ﴿سنجزي الذين يصدفون

стр. 457

عن آياتنا﴾ ولا يتوبون ﴿سوء العذاب﴾ أي: شدّته ﴿بما كانوا يصدفون﴾ أي: بسبب إعراضهم. ﴿هل ينظرون﴾ أي: ما ينظر هؤلاء المكذبون ﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ أي: لقبض أرواحهم أو بالعذاب، وقرأ حمزة والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث ﴿أو يأتي ربك﴾ أي: أمره بالعذاب ﴿أو يأتي بعض آيات﴾ أي: علامات ﴿ربك﴾ الدالة على الساعة كطلوع الشمس من مغربها، وعن حذيفة والبراء بن عازب: «كنا نتذاكر الساعة إذ طلع علينا رسول الله ﷺ فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: كنا نتذاكر الساعة، فقال: «إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأرض وخسفاً بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى وناراً تخرج من عدن» ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾ وهو طلوع الشمس من مغربها كما في حديث الصحيحين ﴿لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل﴾ صفة نفساً ﴿أو﴾ نفساً لم تكن ﴿كسبت في إيمانها خيراً﴾ أي: طاعة لا ينفعها توبتها قال ﷺ «يدا الله مبسوطتان لمسيء الليل ليتوب بالنهار ولمسيء النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها» وقال ﷺ «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه» وقال ﷺ «إنّ الله جعل بالمغرب باباً مسيرة عرضه سبعون عاماً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله» وقال ﷺ «ثلاث إذا أخرجن فلا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها» . ﴿قل انتظروا﴾ بعض هذه الأشياء ﴿إنا منتظرون﴾ ذلك وحينئذٍ لنا الفوز عليكم ولكم الويل ﴿إنّ الذين فرّقوا دينهم﴾ أي: بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وافترقوا فيه قال ﷺ «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة» رواه أبو داود والترمذي والحاكم وصححاه وفي بعض الروايات قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» وقرأ حمزة بتخفيف الراء وألف قبلها والباقون بتشديدها ولا ألف ﴿وكانوا شيعاً﴾ أي: فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة كأهل الكتاب فإنهم ابتدعوا في دينهم بدعاً أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضاً فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض وكالمجوس الذين فرّقوا دينهم باعتقاد أن إلا له إثنان النور والظلمة وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم قسماً يتوسل به في زعمهم إليه، وقيل: هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمّة. روي أنه ﷺ قال لعائشة: «يا عائشة إنّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أهل البدع وأصحاب الأهواء من هذه الأمّة» وعن العرباض بن سارية قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح فوعظنا موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودّع فأوصنا قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنّ من يعيش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإنّ كل محدثة بدعة وكل

стр. 458

بدعة ضلالة» . وروي: «إنّ أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها» ﴿لست منهم في شيء﴾ أي: من السؤال عنهم فلا تتعرّض لهم ﴿إنما أمرهم إلى الله﴾ يتولى جزاءهم ﴿ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾ فيجازيهم به وهذا منسوخ بآية السيف. ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ أي: عشر حسنات أمثالها فضلاً من الله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها﴾ أي: جزاءها قضية للعدل ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي: بنقص الثواب وزيادة العقاب، وما ذكر في أضعاف الحسنات هو أقل ما عد من الأضعاف فقد قال ﷺ «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله » وقال ﷺ «يقول الله : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فله سيئة مثلها وأغفر ومن تقرّب مني شبراً تقرّبت منه ذراعاً ومن لقيني بقراب أهل الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة» وقال ﷺ «يقول الله ﵎: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة وإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف» وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأمّا الصدقات فإنها تضاعف سبعمائة ضعف. ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك ﴿إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾ بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون، وقوله تعالى: ﴿ديناً﴾ بدل من محل إلى صراط مستقيم، والمعنى: وهداني صراطاً كقوله تعالى: ﴿ويهديكم صراطاً مستقيماً﴾ (الفتح، ٢٠) ﴿قيماً﴾ أي: مستقيماً، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح القاف وكسر الياء مشدّدة والباقون بكسر القاف وفتح الباء مخففة على أنه مصدر نعت به وكان قياسه قوماً فاعل لإعلال فعله كالقيام، وقوله تعالى: ﴿ملة إبراهيم﴾ عطف بيان لديناً إذ الملة بالكسر لدين وإن فرق بينهما بأن الملة لا تضاف إلا إلى النبيّ الذي تستند إليه، والدين لا تختص إضافته بذلك، وقوله تعالى: ﴿حنيفاً﴾ حال من إبراهيم أي: مائلاً من الضلالة إلى الاستقامة والعرب تسمي كل مرجح أو اختتن حنيفاً تنبيهاً على أنه دين إبراهيم ﵊ وقوله تعالى: ﴿وما كان﴾ إبراهيم ﷺ ﴿من المشركين﴾ ردّ على كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر الله تعالى أنّ إبراهيم لم يكن من المشركين. ﴿قل﴾ يا محمد ﴿إنّ صلاتي ونسكي﴾ أي: عبادتي من حج وغيره ﴿ومحياي ومماتي﴾ أي: وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإيمان والطاعة أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير أو الحياة والممات أنفسهما، وقرأ نافع: ومحياي بسكون الياء بخلاف عن ورش إجراء للوصل مجرى الوقف والباقون بالفتح، وفتح الياء من مماتي نافع وسكنها الباقون ﴿رب العالمين﴾ . ﴿لا شريك له﴾ في ذلك ﴿وبذلك﴾ أي: وبهذا التوحيد ﴿أمرت وأنا أوّل المسلمين﴾ أي: من هذه الأمّة لأنّ إسلام كل نبيّ مقدّم على إسلام أمّته، وقرأ نافع بمد أنا قبل الهمزة المفتوحة وقالون بالمدّ والقصر لأنها عنده مدّ منفصل والباقون لا مدّ أصلاً. ﴿قل﴾

стр. 459

يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك ﴿أغير الله أبغي﴾ أي: أطلب ﴿رباً﴾ أي: إلهاً فأشركه في عبادتي وهذا جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم والهمزة للإنكار أي: منكر أن أبغي رباً غيره ﴿وهو رب كل شيء﴾ فكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره كما قال تعالى: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون﴾ (الزمر، ٦٤) ﴿ولا تكسب كل نفس﴾ ذنباً ﴿إلا عليها﴾ أي: إثم الجاني عليه لا على غيره وقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ أي: ولا تحمل نفس ﴿وازرة﴾ أي: آثمة ﴿وزر﴾ نفس ﴿أخرى﴾ جواب عن قولهم: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم﴾ يوم القيامة ﴿فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ في الدنيا فيتبين الرشد من الغي والمحق من المبطل. ﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ جمع خليفة لأنّ محمداً ﷺ خاتم النبيين فخلفت أمّته سائر الأمم أو يخلف بعضهم بعضاً فيها أو هم خلفاء الله تعالى في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ أي: في الشرف والرزق ﴿ليبلوكم﴾ أي: ليختبركم ﴿في ما آتاكم﴾ أي: أعطاكم ليظهر المطيع منكم والعاصي. فائدة: في تكتب مقطوعة عن ما ﴿إنّ ربك سريع العقاب﴾ لمن عصاه لأنّ ما هو آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده ﴿وإنه لغفور﴾ للمؤمنين ﴿رحيم﴾ بهم وصف الله تعالى العقاب ولم يضفه إلى نفسه ووصف تعالى ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيهاً على إنه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها قليل العقوبة مسامح فيها فنسأل الله العظيم أن يسامحنا وأن يغفر زلاتنا ولا يؤاخذنا بسوء أفعالنا وأن يفعل ذلك بوالدينا وأقاربنا وأحبابنا وأصحابنا وجميع المسلمين ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم. سورة الأعراف مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى ﴿واسئلهم عن القرية﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل﴾ محكمة كلها وقيل: إلا قوله تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ وعدد آياتها مائتان وخمس آيات وكلماتها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمس وعشرون كلمة وحروفها أربعة عشر ألفاً وثلاثمائة وعشرة أحرف. ﴿بسم الله﴾ الواحد الذي لا يقدر أحد قدره ﴿الرحمن﴾ الذي عمّ بنعمة البيان من أوجب عليهم شكره ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل ودّه فاجتنبوا نهيه وامتثلوا أمره. ﴿المص﴾ سبق الكلام على معاني الحروف المقطعة في أوّل سورة البقرة وقوله تعالى: ﴿كتاب﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو أو هذا أو خبر المص والمراد بالكتاب السورة أو القرآن وقوله تعالى: ﴿أنزل إليك﴾ صفة والخطاب للنبيّ ﷺ ﴿فلا يكن في صدرك حرج﴾ أي: ضيق ﴿منه﴾ أي: لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به مخافة أن تكذب لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم كان يضيق صدره من الأذى ولا ينبسط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم، وقيل: الحرج الشك والخطاب للنبيّ ﷺ والمراد أمته وسمي الشك حرجاً لأنّ الشاك ضيق الصدر كما أنّ المتيقن منشرح الصدر وقوله تعالى: ﴿لتنذر﴾ متعلق بأنزل

стр. 460

أي: للإنذار به ﴿وذكرى﴾ أي: وتذكرة ﴿للمؤمنين﴾ به وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء، قال بعض المفسرين: وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم تقديره كتاب أنزلناه إليك لتنذر به، وذكرى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه ويدل لهذا تعلق لتنذر بأنزل وقوله تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾ يعني القرآن والسنة لقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ (النجم، الآيات: ٢ ـ ٣) ولقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (الحشر، ٧) أي: قل لهم يا محمد اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وذروا ما أنتم عليه من الشرك ﴿ولا تتبعوا من دونه﴾ أي: ولا تتخذوا من دون الله أي: غيره ﴿أولياء﴾ تطيعونهم من شياطين الإنس والجن فيأمروكم بعبادة الأصنام واتباع البدع والأهواء الفاسدة ﴿قليلاً ما تذكرون﴾ أي: تتعظون، وقرأ ابن عامر بياء قبل التاء وتخفيف الذال، وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال ولا ياء قبل التاء والباقون بتشديد الذال ولا ياء قبل التاء. ﴿وكم من قرية أهلكناها﴾ أي: أهلكنا أهلها، وقيل: لا يحتاج إلى تقدير مضاف لأنّ القرية تهلك كما يهلك أهلها وإنما يقدّر في فجاءها لأجل قوله تعالى: ﴿أو هم قائلون﴾ وكم خبرية مفعول أهلكنا وهي للتكثير والإهلاك على حقيقته أو يقدّر أردنا إهلاكها لقوله تعالى: ﴿فجاءها﴾ أي: أهلها ﴿بأسنا﴾ أي: عذابنا فإنّ مجيء البأس قبل الإهلاك فتقدر الإرادة، وقيل: الإهلاك الخذلان وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير ﴿بياتاً﴾ أي: وقت الاستكان في البيوت ليلاً كما جاء قوم لوط ﵇ ﴿أو هم قائلون﴾ أي: نائمون وقت القائلة وهي نصف النهار أو مستريحون من غير نوم كما أهلكنا قوم شعيب ﵇ أي: مرّة جاءها ليلاً ومرّة نهاراً وإنما خص هذين الوقتين لأنهما وقت دعة واستراحة فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع، وفي هذا وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل: لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة فإنّ عذاب الله إذا نزل نزل دفعة واحدة. ﴿فما كان دعواهم﴾ أي: قولهم ﴿إذ جاءهم بأسنا﴾ أي: عذابنا ﴿إلا أن قالوا﴾ أي: إلا قولهم ﴿إنا كنا ظالمين﴾ أي: فيما كنا عليه حيث لم نتبع ما أنزل إلينا من ربنا وذلك حين لا ينفعهم الاعتراف. ﴿فلنسئلنّ الذين أرسل إليهم﴾ أي: المرسل إليهم وهم الأمم يسألهم الله تعالى عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل ﴿ولنسئلن المرسلين﴾ أي: عما أجيبوا به كما قال تعالى ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم﴾ (المائدة، ١٠٩) وقيل: نسأل المرسلين عن الإبلاغ والمراد من هذا السؤال توبيخ الكفرة وتقريعهم والمنفي في قوله تعالى: ﴿ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون﴾ (القصص، ٧٨) سؤال الاستعلام الأوّل في موقف الحساب، وهذا عند حصولهم على العقوبة. ﴿فلنقصنّ عليهم﴾ أي: الرسل والمرسل إليهم ﴿بعلم﴾ لنخبرنهم عن علم بما فعلوه باطناً وظاهراً وبما قالوه سراً وعلانية ﴿وما كنا غائبين﴾ عنهم فيخفى علينا شيء من أحوالهم وأقوالهم. ﴿والوزن﴾ أي: لصحائف الأعمال بميزان له لسان وكفتان ينظر إليها الخلائق إظهاراً للعدل وقطعاً للمعذرة كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها جوارحهم ويؤيده ما روي أنّ رجلاً يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مدّ البصر فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة والبطاقة رقعة صغيرة

стр. 461

تجعل في طيّ الثوب يكتب فيها ثمنه، وقيل: توزن الأعمال. روي عن ابن عباس: يؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، وقيل: توزن الأشخاص لما روي عنه ﷺ أنه قال: «ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة» وقوله تعالى: ﴿يومئذٍ﴾ أي: يوم السؤال المذكور وهو يوم القيامة خبر المبتدأ الذي هو الوزن، وقوله تعالى: ﴿الحق﴾ أي: العدل السوي صفته ﴿فمن ثقلت موازينه﴾ أي: رجحت على ما يعهد في الدنيا بصحائف الأعمال أو حسناته أو به على الأقوال الماضية، وعن الحسن: وحق لميزان توضع فيه الحسنات أن يرجح ويثقل وحق لميزان توضع فيه السيآت أن يخف. فإن قيل: الميزان واحد فما وجه الجمع؟ أجيب: بأنّ العرب قد توقع لفظ الجمع على الواحد وقيل: إنه ينصب لكل عبد ميزان، وقيل: إنما جمعه لأنّ الميزان يشتمل على الكفتين واللسان والساهون ولا يتم الوزن إلا بذلك كله، وقيل: جمع لاختلاف الموزونات وتعدد الجمع فهو جمع موزون أو ميزان ﴿فأولئك هم المفلحون﴾ الفائزون بالنجاة والثواب. ﴿ومن خفت﴾ أي: طاشت ﴿موازينه﴾ أي: السيآت أي: بسببها ﴿فأولئك الذين خسروا أنفسهم﴾ أي: بتصييرها إلى النار ﴿بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾ أي: يجحدون. ﴿ولقد مكناكم﴾ يا بني آدم ﴿في الأرض﴾ أي: في مسكنها وزرعها والتصرف فيها ﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾ جمع معيشة أي: أسباباً تعيشون بها أيام حياتكم من أنواع التجارات والصنائع والمآكل والمشارب وذلك بفضل الله تعالى وإنعامه على عبيده وكثرة الإنعام توجب الطاعة للمنعم بها والشكر له عليها ثم بيّن تعالى أنه مع هذا الإفضال على عبيده وإنعامه عليهم لا يقومون بشكرها كما ينبغي فقال تعالى: ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ أي: على ما صنعت إليكم وأنعمت به عليكم وفيه دليل على أنهم قد يشكرون لأنّ الإنسان قد يذكر نعمة الله فيشكره عليها فلا يخلو في بعض الأوقات من الشكر على النعم وحقيقة الشكر تصور النعمة وإظهارها ويضادّه الكفر وهو نسيان النعمة وسترها. ﴿ولقد خلقناكم﴾ أي: أباكم آدم ﴿ثم صوّرناكم﴾ أي: أباكم آدم والمراد يعني: خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صوّرناه فنزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويرهم، وقيل: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صوّرناكم في أرحام النساء ﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ . فإن قيل: ثم للترتيب والتراخي وهي ظاهرة على القول الأوّل فما وجهه على الثاني؟ أجيب: بأنها تكون بمعنى الواو أي: وقلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تحية بالانحناء ﴿فسجدوا﴾ أي: الملائكة كلهم لآدم ﴿إلا إبليس﴾ أبا الجن كان بين الملائكة ﴿لم يكن من الساجدين﴾ أي: ممن سجد. ﴿قال﴾ الله تعالى لإبليس ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ أي: أن تسجد ﴿إذ أمرتك﴾ فلا زائدة للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿لا أقسم﴾ (البلد، ١) أي: أقسم، وقوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ (الأنبياء، ٩٥) أي: يرجعون نعم إن حمل ما منعك على ما حملك لم تكن زائدة ﴿قال﴾ إبليس مجيباً له تعالى: ﴿أنا خير منه﴾ . فإن قيل: كيف يكون قوله: ﴿أنا خير منه﴾ جواباً لما منعك وإنما الجواب أن يقول منعني كذا؟ أجيب: بأنه جواب من حيث المعنى استأنف به استبعاداً لأن يكون مثله مأموراً بالسجود

стр. 462

لمثله كأنه قال المانع: إني خير منه ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول فكيف يحسن أن يؤمر به فهو الذي سنّ التكبر وقال: بالحسن والقبح العقليين أوّلاً وعلل الخيرية بقوله تعالى: ﴿خلقتني من نار﴾ فهي أغلب أجزائي وهي مشرقة مضيئة عالية غالبة ﴿وخلقته من طين﴾ أي: هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب فكل منهما مركب من العناصر الأربعة فالإضافة إلى ما ذكر باعتبار الجزء الغالب، قال ابن عباس ﵄: أوّل من قاس إبليس فأخطأ فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله تعالى مع إبليس، قال ابن سيرين: ما عبدت الشمس إلا بالقياس وإنما أخطأ إبليس لأنه رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ (ص، ٧٥) أي: بغير واسطة وباعتبار الصورة كما نبه عليه تعالى بقوله: ﴿ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ (الحجر، ٢٩) وباعتبار الغاية وهي ملاكه ولذلك أمر الملائكة بالسجود لما تبين لهم أنه أعلم منهم وإنّ له خواص ليست لغيره، وقال محمد بن جرير: ظن الخبيث أنّ النار خير من الطين ولم يعلم أنّ المفضل ما جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين عن النار بوجوه منها: أنّ من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثته الاجتباء والمنزلة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدّة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار فأورثته اللعنة والشقاوة ولأنّ الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرّقها ولأنّ التراب سبب الحياة لأنّ حياة الأشجار والنبات لا تكون إلا مع الطين والنار سبب الهلاك. فإن قيل: لم سأله الله تعالى عن المانع من السجود وهو عالم بما منعه؟ أجيب: بأنه للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وازدرائه أصل آدم ﵊. ﴿قال﴾ الله تعالى لإبليس ﴿فاهبط منها﴾ أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض، والهبوط الإنزال والانحدار من فوق على سبيل القهقري والهوان والاستخفاف ﴿فما يكون﴾ أي: فما يصح ﴿لك أن تتكبر فيها﴾ عن أمري لأنّ الجنة أو السماء مكان الخاشع المطيع لأمر الله تعالى وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة والسماء وأنه تعالى إنما طرد إبليس لتكبره لا لمجرّد المعصية قال ﷺ كما رواه البيهقيّ: «من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله» وعن عمر ﵁: من تواضع رفع الله حكمته، ومن تكبر وعلا طوره هضمه الله إلى الأرض ﴿فأخرج﴾ منها ﴿إنك من الصاغرين﴾ أي: الكفرة الأذلاء المهانين والصغار الذل والمهانة، قال الزجاج: استكبر عدوّ الله إبليس فابتلاه الله تعالى بالصغار والذلة، وقيل: كان له ملك الأرض فأخرجه الله منها إلى جزائر البحر الأخضر وعرشه عليه فلا يدخل الأرض إلا خائفاً كهيئة السارق مثل شيخ عليه إطمار رثة يروغ فيها حتى يخرج منها. ﴿قال﴾ إبليس عند ذلك ﴿أنظرني﴾ أي: أخرني ولا تمتني ولا تعجل عقوبتي ﴿إلى يوم يبعثون﴾ أي: الناس وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، وهذا من جهالة إبليس الخبيث لأنه سأل ربه الإمهال وقد علم إنه لا سبيل لأحد من الخلق إلى البقاء في الدنيا ولكنه كره أن يذوق الموت فطلب البقاء والخلود

стр. 463

فلم يجب إلى ما سأل بل أجابه الله تعالى بقوله: ﴿قال إنك من المنظرين﴾ لا إلى ذلك الوقت بل إلى الوقت المعلوم كما بينه تعالى في سورة الحجر بقوله تعالى: ﴿فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم﴾ (الحجر، ٣٧ ـ ٣٨) وذلك هو النفخة الأولى التي يموت فيها الخلق. فإن قيل: لم أجيب إلى الإنظار وإنما استنظر ليفسد عباده ويغويهم؟ أجيب: بأنه أجابه لما في ذلك من ابتلاء العباد وفي مخالفته من عظيم الثواب وحكمة ما خلق الله تعالى من صنوف الزخارف وأنواع الملاذ والملاهي وما ركب في الأنفس من الشهوات ليمتحن بها عباده. ﴿قال﴾ أي: إبليس ﴿فبما أغويتني﴾ أي: فبإغوائك لي والباء للقسم أي: أقسم بإغوائك وجوابه ﴿لأقعدنّ لهم﴾ أي: لبني آدم ﴿صراطك المسقيم﴾ أي: على الطريق الموصل إليك وإنما أقسم بالإغواء لأنه كان تكليفاً والتكليف من أحسن أفعال الله تعالى لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً لأن يقسم به ويجوز أن تتعلق الباء بفعل القسم المحذوف تقديره: فبما أغويتني أقسم بالله لأقعدنّ أي: فبسبب إغوائك أقسم. ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم﴾ أي: من جميع الجهات الأربع ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم، قال ابن عباس ﵄: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة ربه، وقيل: لم يقل من تحتهم لأنّ الإتيان منه يوحش، وعنه إنه قال: من بين أيديهم من قبل الآخرة فيخبرهم أن لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من قبل الدنيا فيزينها، لهم وعن أيمانهم أي: من قبل حسناتهم أي: فيبطؤهم، عنها، وعن شمائلهم من قبل سيآتهم أي: فيزين لهم المعاصي يدعوهم إليها. وإنما عدى الفعل إلى الأوّلين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإنّ الآتي منهما كالمنحرف عنهم المارّ على عروضهم ونظيره قوله: جلست عن يمينه وعن شقيق ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربع مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي أمّا من بين يدي فيقول: لا تخف إنّ الله غفور رحيم فأقرأ ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى﴾ (طه، ٨٢) ، وأمّا من خلفي فيخوفني الضيعة على من خلفي فأقرأ: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ (هود، ٦) ، وأمّا من قبل يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ: ﴿والعاقبة للمتقين﴾ (القصص، ٨٣) ، وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ: ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ (سبأ، ٥٤) ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ أي: مطيعين. فإن قيل: كيف علم الخبيث ذلك؟ أجيب: بأنه إنما قال ذلك ظناً لقوله تعالى: ﴿ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه﴾ (سبأ، ٢٠) لما رأى فيهم مبدأ الشرّ متعدّداً وهو الشيطان والنفس والهوى ومبدأ الخير واحداً وهو الملك الملهم، وقيل: سمع ذلك من الملائكة. ﴿قال﴾ الله تعالى لإبليس حين طرده عن بابه، وأبعده عن جنابه بسبب عصيانه ومخالفته ﴿أخرج منها﴾ أي: الجنة أو السماء كما مرّ فإنه لا ينبغي أن تسكن فيها ﴿مذؤماً﴾ أي: محقوراً ممقوتاً ﴿مدحوراً﴾ أي: مبعداً مطروداً عن الرحمة وقوله تعالى: ﴿لمن تبعك منهم﴾ أي: من الناس اللام فيه موطئة للقسم وجوابه ﴿لأملأنّ جهنم منكم أجمعين﴾ وهو سادّ مسدّ جواب الشرط وهو من تبعك أي: لأملأن جهنم منك بذريّتك ومن الناس وفيه تغليب الحاضر على الغائب. ﴿ويا آدم﴾ أي: وقلنا يا آدم ﴿اسكن﴾ فهذه القصة معطوفة على قوله تعالى: ﴿قلنا للملائكة﴾

стр. 464

وقوله تعالى: ﴿أنت﴾ تأكيد للضمير في اسكن ليعطف عليه ﴿وزوجك﴾ أي: حواء بالمدّ وذلك بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه وطرده من الجنة ﴿الجنة فكلا من حيث شئتما﴾ من ثمار الجنة أي: من أيّ مكان شئتما. فإن قيل: قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وكلا﴾ (البقرة، ٣٥) بالواو وهنا بالفاء فما الفرق؟ أجاب الفخر الرازي: بأن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ولا منافاة بين النوع والجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر النوع ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ أي: بالأكل منها مشيراً إلى شجرة بعينها أو نوعها وهي الحنطة، وقيل: شجرة الكرم، وقيل: غيرهما ﴿فتكونا من الظالمين﴾ أي: بالأكل منها أي: فتصيرا بذلك من الذين ظلموا أنفسهم، وتكونا يحتمل الجزم عطفاً على تقربا والنصب على جواب النهي. ﴿فوسوس لهما الشيطان﴾ أي: إبليس بما مكنه الله تعالى منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقي له في سره ما يميل به قلبه إلى ما يريد وهو أحقر وأذلّ من أن يكون له فعل وإنما الكل بيد الله وهو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم فإن ﴿من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون﴾ (الأعراف، ١٧٨) ثم بين علة الوسوسة بقوله تعالى: ﴿ليبدي﴾ أي: ليظهر ﴿لهما ما ووري﴾ أي: ستر وغطى ﴿عنهما من سوآتهما﴾ أي: عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوجة من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع قالت عائشة ﵂: «ما رأيت منه ﷺ ولا رأى مني» أي: الفرج. ﴿وقال﴾ أي: إبليس لآدم وحواء ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة﴾ أي: عن الأكل منها ﴿إلا أنّ﴾ أي: كراهة أن ﴿تكونا ملكين﴾ أي: في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم ﴿أو تكونا من الخالدين﴾ أي: الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلاً كما في آية أخرى، ﴿هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ (طه، ١٢) ﴿وقاسمهما﴾ أي: أقسم لهما بالله على ذلك وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة، وقيل: أقسما له بالقبول، وقيل: أقسما عليه بالله إنه لهما لمن الناصحين فأقسم لهما ﴿أني لكما لمن الناصحين﴾ فجعل ذلك مقاسمة وقال قتادة: حلف لهما بالله حين خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله تعالى فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم فاتبعاني أرشدكما وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف وإن الأغلب أنّ كل حلاف كاذب وأنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه ولا يظنّ ذلك إلا وهو معتاد للكذب، وقال بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه وكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له وإبليس لعنه الله تعالى أوّل من حلف بالله تعالى كاذباً فلما حلف ظن آدم أنّ أحداً لا يحلف بالله تعالى كاذباً فاغتر به. ﴿فدلاهما بغرور﴾ أي: خدعهما، يقال: ما زال يدلي لفلان بالغرور يعني ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف القول الباطل وقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾ أي: أكلا من ثمرها وفي ذلك دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصداً إلى

стр. 465

معرفة طعمه إذ الذوق يدل على الأكل اليسير. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قبل ازدرادهما أخذتهما العقوبة والعقوبة هي قوله تعالى: ﴿بدت﴾ أي: ظهرت ﴿لهما سوآتهما﴾ أي: عوراتهما وتجافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من سوأة صاحبه بأن رأى قبل نفسه وقبل صاحبه ودبره وكانا لا يريان ذلك وسمى كل منهما سوأة لأنّ انكشافه يسوء صاحبه، قال وهب: كان لباسهما من النور يحول بينهما وبين النظر، وقال قتادة: كان ظفراً ألبسهما الله من الظفر لباساً فلما وقعا في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا ﴿وطفقا﴾ أي: أقبلا وجعلا ﴿يخصفان﴾ أي: يلزقان ﴿عليهما من ورق الجنة﴾ أي: من ورق التين قال البغوي: حتى صار كهيئة الثوب، قال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما. روي عن أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ قال: «كان آدم رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته وكان لا يراها فانطلق هارباً في الجنة فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره فقال لها: أرسليني، فقالت: لست بمرسلتك، فناداه الله : يا آدم أمني تفرّ، فقال: لا يا رب ولكني استحييتك» ﴿وناداهما﴾ أي: خاطبهما ﴿ربهما﴾ بقوله: ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ أي: عن الأكل من ثمرها ﴿وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدو مبين﴾ أي: بين العداوة لكما وقد بان لكما عداوته بترك السجود تعنتاً وحسداً، وفي ذلك عتاب على مخالفة النهي وتوبيخ على الاغترار بقول العدوّ ودليل على أنّ مطلق النهي للتحريم، قال محمد بن قيس: لما أكل آدم من الشجرة ناداه ربه يا آدم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، وقال لحواء: لم أطعمت آدم؟ قالت: أمرتني الحية، وقال للحية: لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، قال الله تعالى: أمّا أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة فتدمين في كل شهر، وأمّا أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على وجهك وسيشدخ رأسك من لقيك، وأمّا أنت يا إبليس فملعون مدحور. وفي رواية لابن عباس: إنه قال لحواء: فإني أعطيتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً. ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ أي: ضررناها بمخالفة أمرك وطاعة عدوّنا وعدوك فإن لم تتب علينا نستمر عاصين ﴿وإن لم تغفر لنا﴾ أي: فهو ما عملنا عيناً وأثراً ﴿وترحمنا﴾ أي: فتعلي درجاتنا ﴿لنكونن من الخاسرين﴾ في الأرض فأعربت الآية أنهما فزعا إلى الإنصاف وبالاعتراف بذنبهما وإن كان إنما هو خلاف الأولى لأنه بطريق النسيان كما في سورة طه قال قتادة: قال آدم أرأيت إن تبت إليك واستغفرتك؟ قال: أدخلك الجنة، وأمّا إبليس فلم يسأل التوبة وسأل النظرة فأعطى كل واحد منهما ما سأله، وقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا﴾ قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه تعالى: وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية، ورد بأن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة بالله تعالى في أعلى الدرجات ولكن يؤاخذون بما لم يؤاخذ به غيرهم وإنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت منهم على سبيل التأويل فهم بسبب ذلك خائفون وجلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم ومعاصي بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا إنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص كمعاصي غيرهم فكان ما صدر منهم مع طهارتهم ونزاهتهم

стр. 466

وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي والذكر القدسي وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح والخشية لله تعالى ذنوب بالنسبة إلى أحوالهم فقالا ذلك على عادة المقرّبين في استعظام الصغير من السيئات وتحقير العظيم من الحسنات وقد تقدّم الكلام على ذلك في سورة البقرة ومن جملة ذلك أن آدم إنما أكل من الشجرة قبل النبوّة. ﴿قال﴾ الله تعالى ﴿اهبطوا﴾ أي: آدم وحواء بما اشتملتما عليه من ذرّيتكما ويدل لذلك قوله تعالى في سورة طه: ﴿اهبطا﴾ (طه، ١٢٣) بضمير التثنية ﴿بعضكم﴾ أي: بعض الذرّية ﴿لبعض عدوّ﴾ أي: من ظلم بعضهم بعضاً، وقيل: يعود الضمير لآدم وحواء وإبليس، وقيل: لآدم وحواء وإبليس والحية، وعلى هذين فالعداوة ثابتة بين آدم وإبليس والحية وذرية كل واحد من آدم وإبليس ﴿ولكم في الأرض﴾ أي: جنسها ﴿مستقر﴾ أي: موضع استقرار ﴿و﴾ لكم فيها ﴿متاع﴾ أي: تمتع ﴿إلى حين﴾ أي: انقضاء آجالكم، وقيل: إلى انقطاع الدنيا، وعن ثابت البناني رحمه الله تعالى لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني منك فلما توفي غسلته الملائكة بسرنديب بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم من بعده. ﴿قال﴾ الله تعالى ﴿فيها﴾ أي: الأرض ﴿تحيون﴾ أي: تعيشون أيام حياتكم ﴿وفيها تموتون﴾ أي: وفيها وفاتكم وموضع قبوركم ﴿ومنها تخرجون﴾ أي: يوم القيامة تخرجون للحشر والجزاء، وقرأ ابن ذكوان وحمزة والكسائي بفتح التاء وضم الراء والباقون بضم التاء وفتح الراء. ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً﴾ أي: خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة من مطر ونحوه ونظيره قوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ (الزمر، ٦) وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ (الحديد، ٢٥) وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى السماء ﴿يواري﴾ أي: يستر ﴿سوأتكم﴾ أي: عوراتكم. روي أنّ العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله تعالى فيها وكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء يطوفون بالليل عراة قال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: *اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله* فنزلت، قال البيضاوي: ولعله سبحانه ذكر قصة آدم تقدمة لذلك حتى نعلم أنّ انكشاف العورة أوّل سوء أصاب الإنسان من الشيطان وإنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم ﴿وريشاً﴾ أي: ولباساً تتجملون به والريش للطائر معروف وهو لباسه وزينته كالثياب للإنسان فاستعير للإنسان لأنه لباسه وزينته والمعنى: وأنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم ولباساً لزينتكم لأنّ الزينة غرض صحيح. كما قال تعالى: ﴿لتركبوها وزينة﴾ (النحل، ٨) وقال تعالى: ﴿ولكم فيها جمال﴾ (النحل، ٦) وقال ﷺ «إنّ الله جميل يحب الجمال» وقال ابن عباس: وريشاً أي: مالاً، يقال: تريش الرجل تموّل، ولما ذكر اللباس الحسي وقسمه إلى ساتر ومزين أتبعه اللباس المعنوي فقال: ﴿ولباس التقوى﴾ قال ابن عباس: هو العمل الصالح ثم زاد الله تعالى في تعظيم المعنوي بقوله: ﴿ذلك خير﴾ أي: ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب لكونه أهم اللباسين لأنّ نزعه يكشف العورة الحسية

стр. 467

والمعنوية فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متق كان كله سوآت ولو كان متقياً وليس عليه إلا خريقة ثوب تواري عورته كان في غاية الجمال والكمال وأنشدوا في المعنى: u *إذا أنت لم تلبس ثياباً من التقى ... عريت وإن وارى القميص قميص* وقال قتادة: لباس التقوى هو الإيمان، وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى، وقال عثمان بن عفان ﵁: هو السمت الحسن، وقال ابن الزبير: هو خشية الله تعالى والعمل الصالح يشمل هذه الأمور كلها، وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بنصب السين عطفاً على لباساً والباقون بالرفع على الابتداء والخبر ذلك خير ﴿ذلك﴾ أي: إنزال اللباس ﴿من آيات الله﴾ الدالة على فضله ورحمته ﴿لعلهم يذكرون﴾ فيعرفون نعمة الله فيتعظون ويتورعون عن القبائح وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوآت وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة إظهاراً وإشعاراً بأنّ الستر باب عظيم من أبواب التقوى. ﴿يا بني آدم﴾ أي: الذي خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي ثم أسكنته جنتي وأنزلته منها إلى دار محنتي ﴿لا يفتننكم﴾ أي: يضلنكم ﴿الشيطان﴾ أي: البعيد المحترق بالذنوب أي: لا تتبعوه فتفتتنوا فيمنعكم بذلك من دخول الجنة ويدخلكم النار ﴿كما أخرج أبويكم من الجنة﴾ بفتنته بعد أن كانا سكناها وتمكنا فيها وتوطناها وقد علمتم أنّ الدفع أسهل من الرفع وقوله تعالى: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾ حال من أبويكم أو من فاعل أخرج وإنما أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأنّ نزع لباسهما بسبب وسوسة الشيطان وغروره فأسند إليه واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقال ابن عباس وقتادة: كان لباسهما الظفر فلما أصابا المصيبة نزع عنهما وبقيت الأظفار تذكرة وزينة ومنافع، وقال وهب بن منبه: كان نوراً يحول بينهما وبين النظر وتقدّم بعض ذلك، وقال مجاهد: كان لباسهما التقوى، وقيل: كان لباسهما من ثياب الجنة قال بعض المفسرين: وهذا أقرب لأنّ إطلاق اللباس يطلق عليه وإنّ النزع لا يكون إلا بعد اللبس، اه. وتقدّم الكلام على قوله: ﴿ليريهما سوآتهما إنه﴾ أي: الشيطان ﴿يراكم هو وقبيله﴾ أي: جنوده وقال ابن عباس: قبيله ولده، وقال أبو زيد: نسله وإنما أعاد الكناية في قوله: هو ليحسن العطف والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضها بعضاً ﴿من حيث لا ترونهم﴾ أي: للطافة أجسامهم أو عدم ألوانهم، وعن ابن عباس أنه قال: إنّ الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وجعل صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى كما قال تعالى: ﴿الذي يوسوس في صدور الناس﴾ (الناس، ٥) فهم يرون بني آدم وبنو آدم لا يرونهم، وعن مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربعة نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا فتى، وعن ابن دينار أن عدوّاً يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه الله تعالى ومنع الرؤية إذا كانوا على خلقتهم الأصلية وإلا فقد يرون وأعند تشكلهم بصورة حيوان أو طير أو غير ذلك فإنّ للجنّ قوّة التشكل وهذا أمر شائع ذائع، وقد رؤي إبليس على صورة شيخ وتمثل لكثير من العباد على صورة حية بل قال شيخنا القاضي زكريا: والحق جواز رؤيتهم حتى من تلك الجهة

стр. 468

كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة وتكون الآية مخصوصة بها فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء﴾ أي: أعواناً وقرناء ﴿للذين لا يؤمنون﴾ لما بينهم من التناسب في الطباع. ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ كالشرك وطوافهم بالبيت عراة فنهوا عنه ﴿قالوا﴾ معللين لارتكابهم إياها بأمرين: أحدهما قولهم: ﴿وجدنا عليها﴾ أي: الفاحشة ﴿آباءنا﴾ فاقتدينا بهم والثاني قولهم: ﴿وا أمرنا بها﴾ افتراء عليه فأعرض الله تعالى عن الأوّل لظهور فساده ورد عن الثاني بقوله: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿إنّ الله لا يأمر بالفحشاء﴾ لأن عادته جرت على الأمر بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال ﴿أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ أنه قاله فإنكم لم تسمعوا كلام الله من غير واسطة ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله وبين عباده وهو استفهام إنكاري يتضمن النهي عن الافتراء على الله، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية في الوصل والباقون بالتحقيق. ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يقولون ذلك ﴿أمر ربي بالقسط﴾ أي: بالعدل وهو الوسط من كلام المتجافي عن طرفي الإفراط والتفريط وقال ابن عباس: بلا إله إلا الله ﴿وأقيموا﴾ أي: وقل لهم أقيموا ﴿وجوهكم﴾ لله ﴿عند كل مسجد﴾ أي: أخلصوا له سجودكم. فإن قيل: أمر ربي خبر وأقيموا وجوهكم أمر وعطف الأمر على الخبر لا يجوز. أجيب: بأنّ فيه إضماراً وحذفاً تقديره: قل أمر ربي بالقسط، وقل: أقيموا كما تقدّم تقديره فحذف قل لدلالة الكلام عليه، وقيل: معنى الآية وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة وقيل: معناه صلوا في أي مسجد حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم ﴿وادعوه﴾ أي: اعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ أي: الطاعة ولا تشركوا به شيئاً فإنّ إليه مصيركم و ﴿كما بدأكم﴾ أي: كما أنشأكم ابتداء ﴿تعودون﴾ أي: يعيدكم أحياء يوم القيامة حالة كونكم فريقين. ﴿فريقاً هدى﴾ أي: خلق الهداية في قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية ﴿وفريقاً حق﴾ أي: ثبت ووجب ﴿عليهم الضلالة﴾ أي: بمقتضى القضاء السابق، وقيل: إنّ الله تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾ (التغابن، ٢) ثم يعيدكم يوم القيامة، كما خلقكم كافراً ومؤمناً وقيل: يبعثون على ما كانوا عليه. روي أنه ﷺ قال: «يبعث كل عبد على ما مات عليه» المؤمن على إيمانه والكافر على كفره. وقيل: من ابتدأ الله خلقه على الشقوة صار إليها وإن عمل عمل أهل السعادة كما أنّ إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ابتدأ الله خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل عمل أهل الشقاوة كما أنّ السحرة كانوا يعملون عمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة. روي أنه ﷺ قال: «إنّ العبد ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة وإنما الأعمال بالخواتيم» وانتصاب فريقاً بفعل يفسره ما بعده أي: وخذل فريقاً وقوله تعالى: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله﴾ أي: دونه تعليل لخذلانهم وتحقيق لضلالهم ﴿ويحسبون﴾ أي: يظنون ﴿أنهم﴾ مع ضلالهم ﴿مهتدون﴾ أي: على هداية وحق وفيه دليل على أنّ

стр. 469

الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند في الكفر سواء. ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم﴾ أي: ما يستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة ﴿عند كل مسجد﴾ أي: كلما صليتم أو طفتم وكانوا يطوفون عراة، وعن طاووس ﵀: لم يأمرهم بالحرير والديباج وإنما أحدهم كان يطوف عرياناً ويضع ثيابه وراء المسجد وإن طاف وهي عليه ضرب وانتزعت منه لأنهم قالوا: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، وقيل: تفاؤلاً ليتعروا من الذنوب كما تعروا من الثياب، وقيل: الزينة المشط، وقيل: الطيب. والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة وكان بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل فقيل لهم: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ بتحريم الحلال أو بالتعري في الطواف أو بإفراط الطعام أو الشره عليه، وعن ابن عباس ﵄: كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما أخطاك خصلتان سرف ومخيلة. وروي أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان، فقال له: لقد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه، فقال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ (الأعراف، ٣١) فقال النصراني: ولا يؤثر عن نبيكم شيء في الطب؟ فقال: جمع رسولنا ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة، قال: وما هي؟ قال قوله: «المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء فأعط كل بدن ما عوّدته» فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً» ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ أي: لا يرتضي فعلهم ففي الآية الوعيد الشديد على الإسراف. ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الجهلة من الذين يطوفون بالبيت عراة ﴿من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ من الثياب كل ما يتجمل به فيدخل تحته أنواع الملبوس والحلي ولولا النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير للرجال لدخل في هذا العموم ولكن ورد النص في تحريمه على الرجال دون النساء ﴿و﴾ قل أيضاً لهؤلاء الجهلة الذين كانوا لا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم من حرّم ﴿الطيبات من الرزق﴾ التي أخرج لعباده وخلقها لهم فيدخل تحت ذلك كل ما يستلذ ويشتهى من سائر المطعومات إلا ما ورد نص بتحريمه وقد دلت الآية على أنّ الأصل في الملابس وأنواع التجملات والمطاعم الإباحة إلا ما ورد النص بخلافه لأنّ الاستفهام في من للإنكار ﴿قل هي﴾ أي: الزينة والطيبات ﴿للذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾ أي: بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع ولذا لم يقل تعالى: للذين آمنوا وغيرهم ﴿خالصة يوم القيامة﴾ لا يشاركهم فيها غيرهم. وقرأ نافع برفع التاء على أنها خبر بعد خبر والباقون بالفتح على الحال ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا التفصيل البديع ﴿نفصل الآيات﴾ أي: نبين أحكامها ونميز بعض المشتبهات من بعض ﴿لقوم يعلمون﴾ أي: يتدبرون فإنهم المنتفعون بها. ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يطوفون بالبيت عراة ويحرمون أكل الطيبات من الرزق وغير ذلك مما أحل الله تعالى ﴿إنما حرم ربي الفواحش﴾ أي: الكبائر والكبيرة ما توعد عليها بنحو لعن أو غضب بخصوصها في الكتاب أو السنة غالباً كالزنا جمع فاحشة ﴿ما ظهر منها وما بطن﴾ أي: جهرها وسرها، وقرأ حمزة بسكون الباء والباقون بفتحها

стр. 470

﴿و﴾ حرم ﴿الإثم﴾ أي: الصغائر وهي ما عدا الكبائر كالنظر إلى بدن أجنبية ﴿و﴾ حرم ﴿البغي﴾ على الناس أي: الظلم أو الكبر وأفرده بالذكر مع أنه من الكبائر للمبالغة وقوله تعالى: ﴿بغير الحق﴾ متعلق بالبغي مؤكد له معنى ﴿و﴾ حرم ﴿أن تشركوا با ما لم ينزل به﴾ أي: بالإشراك ﴿سلطاناً﴾ أي: حجة وفي ذلك تهكم بالمشركين وتنبيه على تحريم ما لم يدل عليه برهان، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف والباقون بالتشديد ﴿و﴾ حرم ﴿أن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ في تحريم ما لم يحرم وغيره. ﴿ولكل أمّة أجل﴾ أي: وقت معلوم وفي ذلك وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم الماضية ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ أي: حان وقتهم ﴿لا يستأخرون ساعة﴾ عنه ﴿ولا يستقدمون﴾ ساعة عليه وإنما ذكرت الساعة وإن كان دونها كذلك لأنها أقل اسم للأوقات في العرف وذلك حين سألوا نزول العذاب فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى مع المدّ والقصر، وورش وقنبل سهلاً الثانية وأبدلاها حرف مد والباقون بالتحقيق فيهما. ﴿يا بني آدم إمّا﴾ فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة ﴿يأتينكم رسل منكم﴾ أي: من نوعكم من عند ربكم ﴿يقصون عليكم آياتي﴾ أي: يقرؤن عليكم كتابي وأدلة أحكامي وشرائعي التي شرعت لعبادي وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿فمن اتقى﴾ الشرك ومخالفة رسلي ﴿وأصلح﴾ عمله الذي أمرته به رسلي فعمل بطاعتي وتجنب معصيتي وما نهيت عنه ﴿فلا خوف عليهم﴾ حين يخاف غيرهم يوم القيامة من العذاب ﴿ولا هم يحزنون﴾ أي: يتجدّد لهم في وقت ما حزن على شيء فاتهم لأنّ الله يعطيهم ما تقر به أعينهم ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ أي: جحدوها وكذبوا رسلنا ﴿واستكبروا﴾ أي: تكبروا ﴿عنها﴾ أي: عن الإيمان بها لأنّ كل مكذب وكافر متكبر قال تعالى: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ (الصافات، ٣٥) ﴿أولئك﴾ هؤلاء البعداء البغضاء ﴿أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ أي: لا يخرجون منها أبداً وإدخال الفاء في خبر المبتدأ الأوّل دون خبر الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد. ﴿فمن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ أي: بنسبة الشريك والولد إليه أو قال عليه ما لم يقله ﴿أو كذب بآياته﴾ أي: القرآن ﴿أولئك ينالهم﴾ أي: يصيبهم ﴿نصيبهم﴾ أي: حظهم ﴿من الكتاب﴾ أي: مما كتب لهم في اللوح المحفوظ من الرزق والأجل وغير ذلك ﴿حتى إذا جاءتهم﴾ أي: هؤلاء الذين يفترون على الله الكذب ﴿رسلنا﴾ أي: ملك الموت وأعوانه ﴿يتوفونهم﴾ بقبض أرواحهم عند استكمال أعمارهم وأرزاقهم وقوله تعالى: ﴿قالوا﴾ جواب إذا أي: قال الرسل لهم تبكيتاً وتوبيخاً وتقريعاً ﴿أين ما كنتم تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ادعوهم ليدفعوا عنكم ما نزل بكم، وقيل: إنّ هذا يكون في الآخرة أي: إذا جاءتهم ملائكة العذاب يتوفونهم أي: يستوفون عددهم عند حشرهم إلى النار ﴿قالوا﴾ أي: الكفار مجيبين للرسل ﴿ضلوا﴾ أي: غابوا ﴿عنا﴾ وتركونا عند حاجتنا إليهم فلم ينفعونا ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ أي: بالغوا في الاعتراف عند الموت أو عند معاينة العذاب ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ أي: جاحدين وحدانية الله تعالى. قال الله تعالى لهم يوم القيامة أو أحد من الملائكة ﴿ادخلوا في أمم﴾ أي: في جملة جماعات وفرق أمّ بعضها بعضاً ﴿قد خلت﴾ أي: مضت

стр. 471

وسلفت ﴿من قبلكم من الجنّ والإنس﴾ أي: كفار الأمم الماضية من الفريقين، وقوله تعالى: ﴿في النار﴾ متعلق بادخلوا ﴿كلما دخلت أمّة﴾ أي: جماعة النار ﴿لعنت أختها﴾ أي: التي ضلت بالاقتداء بها ﴿حتى إذا ادّاركوا﴾ أي: تلاحقوا واستقرّوا ﴿فيها﴾ أي: النار ﴿جميعاً قالت أخراهم﴾ أي: منزلة أو دخولاً وهم الأتباع ﴿لأولاهم﴾ أي: لأجلهم وهم المتبعون إذ الخطاب مع الله تعالى لا معهم ﴿ربنا هؤلاء﴾ أي: الأوّلون ﴿أضلونا﴾ أي: لأنهم أوّل من سنّ الضلال. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية ياء في الوصل، والباقون بالتحقيق ﴿فآتهم﴾ أي: أذقهم بسبب ذلك ﴿عذاباً ضعفاً﴾ أي: يكون بقدر عذاب غيرهم مرّتين لأنهم ضلوا وأضلوا ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ومنه لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أوّل من سنّ القتل، ثم أكدوا شدّة العذاب بقولهم: ﴿من النار قال﴾ الله تعالى: ﴿لكل﴾ أي: منكم ومنهم ﴿ضعف﴾ أي: عذاب مضعف أمّا القادة فبكفرهم وتضليلهم وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم لهم ﴿ولكن لا تعلمون﴾ أي: ما أعدّ الله تعالى لكل فريق من العذاب. وقرأ شعبة: يعلمون بالياء على الغيبة، والباقون بالتاء على الخطاب. ﴿وقالت أولاهم﴾ أي: في الكفر وهم القادة ﴿لأخراهم﴾ أي: الأتباع ﴿فما كان لكم علينا من فضل﴾ أي: لأنكم لم تكفروا بسببنا فقد جاءتكم الرسل والنذر فما رجعتم عن ضلالتكم وكفركم فنحن وأنتم سواء قال الله تعالى لهم: ﴿فذوقوا العذاب بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كنتم تكسبون﴾ أي: من الكفر والأعمال الخبيثة. ﴿إنّ الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي: بدلائل التوحيد فلم يصدّقوا ولم يتبعوا رسلي ﴿واستكبروا عنها﴾ أي: وتكبروا عن الإيمان بها والانقياد لها والعمل بمقتضاها ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ لصعود أعمالهم ولا لدعائهم ولا لأرواحهم ولا لنزول البركات عليهم لأنها طهارة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم الخبيثة بعد الموت مع ملائكة العذاب أغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من هناك إلى سجين بخلاف المؤمن فيفتح له ويصعد بروحه إلى السماء السابعة كما ورد في حديث. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكون الفاء وتخفيف التاء بعدها إلا أنّ أبا عمرو يقرأ بالتاء على التأنيث وحمزة والكسائي بالياء على التذكير، وقرأ الباقون بالتأنيث وفتح الفاء وتشديد التاء بعدها ﴿ولا يدخلون الجنة﴾ أي: التي هي أطهر المنازل وأشرفها ﴿حتى﴾ يكون ما لا يكون بأن ﴿يلج﴾ أي: يدخل ﴿الجمل﴾ على كبره ﴿في سم الخياط﴾ أي: ثقب الإبرة وهو غير ممكن فكذا دخولهم الجنة فهو تعليق على محال، وعن ابن مسعود أنه سئل عن الجمل فقال: زوج الناقة استجهالاً للسائل وإشارة إلى أنّ طلب معنى آخر تكلف ﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء بهذا العذاب وهو أنّ دخولهم الجنة محال عادة ﴿نجزي المجرمين﴾ أي: الكافرين لأنه تقدّم من صفتهم إنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها وهذه صفة الكفار فوجب حمل لفظ المجرمين على أنهم الكفار. ولما بين تعالى أنّ الكفار لا يدخلون الجنة أبداً بين أنهم من أهل النار ووصف ما أعدّ الله لهم فيها فقال تعالى: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ أي: فراش وأصل المهاد والمهد الذي يقعد عليه ويضطجع عليه كالبساط ﴿ومن فوقهم غواش﴾

стр. 472

أي: أغطية من النار جمع غاشية والتنوين فيه عوض عن الياء التي هي حرف علة. وقيل: عن حركتها ﴿وكذلك نجزي الظالمين﴾ عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى إشعاراً بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيهاً على أنه أعظم الإجرام. وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ مبتدأ وقوله تعالى: ﴿لا نكلف نفساً إلا وسعها﴾ أي: طاقتها من العمل اعتراض بينه وبين خبره وهو ﴿أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ وإنما حسن وقوع ذلك بين المبتدأ والخبر لأنه من جنس هذا الكلام لأنّ الله تعالى لما ذكر عملهم الصالح دل ذلك على أنّ ذلك العمل من وسعهم وطاقتهم وغير خارج عن قدرتهم وفيه تنبيه للكفار على أنّ الجنة مع عظم قدرها ومحلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل كلفة ولا مشقة صعبة وأتبع الوعيد بالوعد على عادته فقال تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ أي: غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا فمن كان في قلبه على أخيه غل في الدنيا نزع فسلمت قلوبهم وطهرت ولم يكن بينهم إلا التوادد والتعاطف، وعن عليّ ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم. وروي أنه ﷺ قال: «يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار ليقتص بعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا» وقال السديّ في هذه الآية: إنّ أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فنزع ما في صدورهم من غل وهو الشراب الطهور واغتسلوا من الآخر فجرت عليهم بنضرة النعيم فلا يشعثوا ولا يشحنوا بعدها أبداً، وقيل: إنّ درجات الجنة متفاوتة في العلوّ والكمال فبعض أهل الجنة أعلى من بعض فأخرج الله تعالى الغل والحسد من صدورهم وأزاله عنهم ونزعه من قلوبهم فلا يحسد صاحب الدرجة النازلة صاحب الدرجة العالية ﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ أي: من تحت قصورهم زيادة في لذتهم وسرورهم ﴿وقالوا الحمد الذي هدانا لهذا﴾ أي: إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة قالوا: الحمد لله الذي وفقنا وأرشدنا للعمل الذي هذا ثوابه وتفضل علينا به رحمة منه وإحساناً وصرف عنا عذاب جهنم بفضله وكرمه فله الحمد على ذلك ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ أي: لولا هداية الله وتوفيقه، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿وما كنا لنهتدي﴾ وتقديره: لولا هداية الله لنا موجودة لشقينا أو ما كنا مهتدين، وقرأ ابن عامر بحذف الواو قبل ما والباقون بالواو. وإذا دخل أهل النعيم الجنة ورأوا ما أعدّ الله تعالى لهم من النعيم قالوا: ﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ فاهتدينا بإرشادهم يقولون ذلك سروراً واعتباطاً بما نالوا وتلذذوا بالتكلم به وتبجحاً بأنّ ما علموه يقيناً في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الدال والباقون بالإدغام ﴿ونودوا﴾ إذا رأوها من بعيد أو بعد دخولها والمنادي هو الله تعالى أو الملائكة ينادون بأمر الله تعالى ﴿أن تلكم الجنة﴾ التي كانت الرسل وعدتكم بها في الدنيا. وروي أنّ رسول الله

стр. 473

صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ إنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً وإنّ لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإنّ لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً» فذلك قوله تعالى: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة﴾ ﴿أورثتموها﴾ أي: أعطيتموها ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي: بسبب أعمالكم الصالحة التي عملتموها لأنّ الجنة جعلت جزاء وثواباً لكم على الأعمال الصالحة ولا يعارض هذا ما ورد عنه ﷺ أنه قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله إنما يدخلونها برحمة الله تعالى» فإنّ الباء في الحديث للعوض وهي الداخلة على الأثمان نحو شريت الفرس بألف فلا تكون الجنة مشتراة له بعمله فيكون عمله ثمناً لها أو إنّ دخول الجنة برحمة الله واقتسام الدرجات بالأعمال أو أنّ العمل الصالح لن يناله المؤمن ولن يبلغه إلا برحمة الله وتوفيقه وإذا كان العمل الصالح بسبب الرحمة كان دخول الجنة في الحقيقة برحمة الله وجعلها الله تعالى ثواباً وجزاء لهم على تلك الأعمال الصالحة التي عملوها في دار الدنيا. وروي أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار أمّا الكافر فيرث المؤمن منزله من الجنة والمؤمن يرث الكافر منزله من النار» وأن في المواضع الخمسة التي فيها المناداة والتأذين هي المخففة أو المفسرة لأنّ المناداة والتأذين من القول، وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام. ﴿ونادى أصحاب﴾ أي: أهل ﴿الجنة أصحاب﴾ أي: أهل ﴿النار﴾ أي: يقول أهل الجنة يا أهل النار ﴿أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا﴾ أي: في الدنيا على لسان الرسل من الثواب على الإيمان به وبرسله وطاعته ﴿حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم﴾ أي: من العذاب على الكفر ﴿حقاً قالوا﴾ أي: قال أهل النار مجيبين لأهل الجنة ﴿نعم﴾ وجدنا ذلك حقاً وهذا النداء إنما يكون بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. فإن قيل: الجنة في السماء والنار في الأرض فكيف يصح أن يقع هذا النداء؟ أجيب: بأن الله قادر على أن يقوّي الأصوات والأسماع فيصير البعيد كالقريب. فإن قيل: هذا النداء من كل أهل الجنة لكل أهل النار أو من البعض للبعض؟ أجيب: بأن ظاهر الآية العموم ويحتمل في كل واحد من أهل الجنة ينادي من كان يعرف من الكفار في دار الدنيا والله أعلم بحقيقة ذلك، وقرأ الكسائي بكسر العين والباقون بالفتح وهما لغتان ﴿فأذن مؤذن﴾ أي: وهو إسرافيل صاحب الصور كما قاله ابن عباس، وقيل: واحد من الملائكة وأصل الأذان في اللغة الإعلام والمعنى نادى مناد ﴿بينهم﴾ أي: الفريقين أسمعهم ﴿أن لعنت الله على الظالمين﴾ وقرأ البزيّ وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد أنّ ونصب التاء والباقون بتخفيف أن ورفع التاء ثم فسر الظالمين منهم بقوله تعالى: ﴿الذين يصدّون عن سبيل الله﴾ أي: يمنعون الناس عن الدخول في دين الإسلام ﴿ويبغونها﴾ أي: يطلبون السبيل ﴿عوجاً﴾ أي: معوجة، قال ابن عباس: يصلون لغير الله ويعظمون ما لم يعظمه الله، والعوج بكسر العين في الدين والأمر وكل ما لم يكن قائماً وبالفتح في كل ما كان قائماً كالحائط والرمح ﴿وهم بالآخرة كافرون﴾ أي: بكون الآخرة واقعة جاحدون منكرون لها. ﴿وبينهما﴾ أي: أهل الجنة

стр. 474

وأهل النار ﴿حجاب﴾ لقوله تعالى: ﴿فضرب بينهم بسور﴾ (الحديد، ١٣) أو بين الجنة والنار ليمتنع وصول أثر إحداهما إلى الأخرى ﴿وعلى الأعراف﴾ وهو سور الجنة جمع عرف وهو المكان المرتفع ومنه عرف الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده، وقال السدي: هي ذلك السور أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس أي: أهل الجنة والنار ﴿رجال﴾ أي: طائفة من الموحدين استوت حسناتهم وسيآتهم كما في الحديث: «فقصرت بهم سيآتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار فوقفوا هناك حتى يقضي الله تعالى فيهم ما يشاء ثم يدخلون الجنة بفضل الله تعالى ورحمته وهم آخر من يدخل الجنة» ، وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم﴾ ثم قال: إن الميزان تخف بمثقال حبة أو ترجح قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، وقيل: هم قوم خرجوا إلى الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم فهم آخر من يدخل الجنة، وقيل: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم، وقيل: هم أطفال المشركين ﴿يعرفون﴾ أي: أصحاب الأعراف ﴿كلاً﴾ من أهل الجنة والنار ﴿بسيماهم﴾ أي: بعلاماتهم وهي بياض الوجوه للمؤمنين وسوادها للكافرين لرؤيتهم لهم إذ موضعهم عال ﴿ونادوا﴾ أي: ونادى أصحاب الأعراف ﴿أصحاب الجنة أن سلام عليكم﴾ إذا نظروا إليهم سلموا عليهم ﴿لم يدخلوها﴾ أي: أصحاب الأعراف الجنة ﴿وهم يطمعون﴾ في دخولها، قال الحسن: لم يطمعهم إلا لكرامة يريدها بهم. وروى الحاكم عن حذيفة قال: بينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك فقال: قوموا ادخلوا الجنة فقد غفرت لكم، وقال مجاهد: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء وعلى هذا إنما يكون لبثهم على الأعراف على سبيل النزهة وليرى غيرهم شرفهم وفضلهم. وحكى ابن الأنباري أنهم أنبياء وعلى هذا إنما أجلسهم على ذلك العالي تمييزاً لهم على أهل القيامة وإظهاراً لفضلهم وعلو مرتبتهم وليكونوا مشرفين على أهل الجنة والنار ومطلعين على أحوالهم ومقادير ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار، وقال أبو مخلد: هم ملائكة يرون في صورة الرجال، والأقوال الأول تدل على أنّ أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة الله، والأقوال الأخيرة تدل على أنهم أفضل من أهل الجنة لأنهم أعلى منهم منزلة وأفضل. ﴿وإذا صرفت أبصارهم﴾ أي: أصحاب الأعراف ﴿تلقاء﴾ أي: جهة ﴿أصحاب النار﴾ فنظروا لهم وإلى سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ أي: الكافرين في النار قال ابن عباس: إنّ أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أصحاب النار وما هم فيه تضرّعوا إلى الله تعالى وسألوه أن لا يجعلهم منهم. وقرأ قالون وأبو عمرو والبزي بإسقاط الهمزة الأولى وأبدلها ورش وقنبل حرف مدّ وسهلاها والباقون بالتحقيق. ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالاً﴾ أي: كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار ﴿يعرفونهم بسيماهم﴾

стр. 475

أي: بسيما أهل النار ﴿قالوا﴾ أي: أصحاب الأعراف لهؤلاء الذين عرفوهم في النار ﴿ما أغنى عنكم جمعكم﴾ أي: ما كنتم تجمعون من الأموال في الدنيا أو كثرتكم واجتماعكم فيها ﴿وما كنتم تستكبرون﴾ أي: وما أغنى عنكم تكبركم عن الإيمان شيئاً، قال الكلبيّ: ينادونهم على السور يا وليد بن المغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ويا فلان ثم ينظرون إلى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزؤون بهم مثل سلمان الفارسيّ وخبيب وصهيب وبلال وأشباههم فيقول أصحاب الأعراف لهؤلاء الكفار: ﴿أهؤلاء﴾ لفظ استفهام أي: أهؤلاء الضعفاء ﴿الذين أقسمتم﴾ أي: حلفتم بالله ﴿لا ينالهم الله برحمة﴾ أي: لا يدخلون الجنة، وقد قيل لهم: ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ وقيل: أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا قال لهم أهل النار: إن دخل هؤلاء فأنتم لم تدخلوها فيعيرونهم بذلك ويقسمون أنهم لا يدخلون الجنة ولا ينالهم الله برحمة فتقول الملائكة الذين حبسوا أهل الأعراف: ادخلوا الجنة برحمة الله لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، وهذا ظاهر على الأقوال الأول، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر تنوين رحمة في الوصل وابن ذكوان بوجهين الضم والكسر والباقون بالضم. ﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء﴾ أي: صبوه وهو دليل على أنّ الجنة فوق النار ﴿أو مما رزقكم الله﴾ أي: من سائر الأشربة ليلاً ثم الإفاضة لأنّ الإفاضة ملائمة للماء وسائر المائعات فحملت الإفاضة على إفاضة جميع المائعات أو من سائر المشروب والمأكول بتضمين أفيضوا ألقوا كقوله: *علفتها تبناً وماء بارداً ... حتى غدت همالة عيناها* أي: فائضة عيناها. ﴿قالوا﴾ أي: أهل الجنة مجيبين لهم ﴿إنّ الله حرّمهما﴾ أي: منعهما ﴿على الكافرين﴾ أي: منعهم طعام الجنة وشرابها كما يمنع المكلف ما يحرم عليه ويحظر كقوله: *حرام على عينيّ أن تطعم الكرى* وقيل: لما كانت شهواتهم في الدنيا في لذة الأكل والشرب وعذبهم الله في الآخرة بشدّة الجوع والعطش فسألوا ما كانوا يعتادونه في الدنيا من طلب الأكل والشرب فأجيبوا بأنّ الله تعالى حرّم طعام الجنة وشرابها على الكافرين ثم وصف الله تعالى الكافرين بقوله: ﴿الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً﴾ وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية، وقيل: كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم وهزؤوا به، واللهو هو صرف الهمّ بما لا يحسن أن يصرف له واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به ﴿وغرّتهم الحياة الدنيا﴾ أي: وخدعهم عاجل ما هم فيه من رغد العيش والدعة وشغلهم ما هم فيه من ذلك عن الإيمان بالله ورسوله ومن الأخذ بنصيبهم في الآخرة حتى أتتهم المنية وهم على ذلك والغرّة غفلة في اليقظة وهو طمع الإنسان في طول العمر وحسن العيش وكثرة المال، وقيل: الجاه ونيل الشهوات فإذا حصل له ذلك صار محجوباً عن الدين وطلب الخلاص لأنه غريق في الدنيا بلذاته وما هو فيه من ذلك ولما وصفهم الله تعالى بهذه الصفات الذميمة قال: ﴿فاليوم﴾ أي: يوم القيامة ﴿ننساهم﴾ أي: نتركهم في النار ونعرض

стр. 476

عنهم فلا نجيب دعاءهم ولا نرحم ضعفهم ﴿كما نسوا لقاء يومهم هذا﴾ أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا كفعل الناسين فلم يخطر ببالهم ولم يهتموا له وأعرضوا عن الإيمان فقابل الله تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز لأنّ الله تعالى لا ينسى شيئاً فهو كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (الشورى، ٤٠) ﴿وما كانوا بآياتنا يجحدون﴾ أي: وما كانوا منكرين أنها من عند الله تعالى. ﴿ولقد جئناهم﴾ أي: هؤلاء الكفار ﴿بكتاب﴾ أي: قرآن أنزلناه عليك يا محمد ﴿فصلناه﴾ أي: بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة ﴿على علم﴾ أي: عالمين وجه تفصيله، وقوله تعالى: ﴿هدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ أي: به حال من منصوب فصلناه كما أنّ على علم حال من مرفوعه. ﴿هل ينظرون﴾ أي: ما ينظرون ﴿إلا تأويله﴾ أي: إلا عاقبة أمره وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد ﴿يوم يأتي تأويله﴾ أي: يوم القيامة لأنه يوم الجزاء ﴿يقول الذين نسوه من قبل﴾ أي: تركوه ترك الناسي ﴿قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ أي: قد تبين لهم واعترفوا يوم القيامة بأنّ ما جاءت به الرسل من الإيمان والحشر والنشر والبعث والثواب والعقاب حق حين لا ينفعهم ذلك الاعتراف. ولما رأوا أنفسهم في العذاب قالوا: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾ اليوم ﴿أو نردّ﴾ أي: أو هل نردّ إلى الدنيا وقولهم: ﴿فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾ فيها فنبدل الكفر بالإيمان والتوحيد والمعاصي بالطاعة والإنابة جواب الاستفهام الثاني ﴿قد خسروا أنفسهم﴾ أي: إذ صاروا إلى الهلاك لأنهم كانوا في الدنيا أوّل مرّة فلم يعملوا بطاعة الله ولو ردّوا إلى الدنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعصيان لسابق علم الله فيهم ﴿وضل﴾ أي: ذهب ﴿عنهم ما كانوا يفترون﴾ أي: من دعوى الشريك فلم ينفعهم. ﴿إنّ ربكم﴾ أي: سيدكم ومولاكم ومصلح أموركم وموصل الخيرات إليكم ودافع المكاره عنكم هو ﴿الله الذي خلق السموات والأرض﴾ أي: ابتدعهما وأنشأ خلقهما على غير مثال سبق ﴿في ستة أيام﴾ أي: من أيام الدنيا، وقيل: من أيام الآخرة كل يوم ألف سنة. فإن قيل: اليوم من أيام الدنيا عبارة عن مقدار من الزمان وذلك المقدار من طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن إذ ذاك شمس ولا قمر ولا سماء. أجيب: بأنّ معنى ذلك في مقدار ستة أيام فهو كقوله تعالى: ﴿لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً﴾ (مريم، ٦٢) أي: على مقادير البكر والعشيّ في الدنيا لأن الجنة لا ليل فيها ولا نهار قال سعيد بن جبير: كان الله قادراً على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة فخلقهنّ في ستة أيام تعليماً لخلقه التثبت والتأني في الأمور، وقد جاء في الحديث: «التأني من الله والعجلة من الشيطان» . واختلف العلماء في اليوم الذي ابتدأ الله خلق الأشياء فيه فقيل: هو يوم السبت لخبر مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: «خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجرة يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق الله آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من النهار وفيما بين العصر إلى الليل» ، وقيل: يوم الأحد لقول بعضهم سمي يوم الإثنين لأنه ثاني الأيام والخميس لأنه خامس الأيام قال الإسنوي: والصواب الأول للخبر المذكور ﴿ثم استوى على

стр. 477

العرش﴾ أي: استوى أمره وقال أهل السنة: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به ونكل فيه العلم إلى الله تعالى والمعنى أنّ له استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزه عن الاستقرار والتمكن، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (طه، ٥) فأطرق رأسه ملياً وعلاه الرحضاء ثم قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاً ثم أمر به فأخرج. وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة أمرّوها كما جاءت اقرؤها بلا كيف وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية والعرش في اللغة السرير، قال كعب: إنّ السموات في العرش كالقنديل معلقاً بين السماء والأرض، وقال الطائي: العرش ياقوتة حمراء، وشذ قوم فقالوا: العرش بمعنى الملك، وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوّز مع مخالفة الأثر ألم يسمعوا قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ (هود، ٧) أتراه كان الملك على الماء وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء وبعضهم يقول: استوى بمعنى استولى ويحتج بقول الشاعر: *قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق* وقال آخر: *هما استويا بفضلهما جميعاً ... على عرش الملوك بغير زور* وهذا منكر عند أهل اللغة، قال ابن الأعرابيّ: لا يعرف استولى فلان على كذا إلا إذا كان بعيداً منه غير متمكن منه ثم تمكن منه والله تعالى لم يزل مستولياً على الأشياء، والبيتان قال ابن فارس اللغوي: لا يعرف قائلهما ولو صحا لا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستولياً نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة، وقيل: هو ما علا فأظل ومنه عرش الكرم ﴿يغشي الليل النهار﴾ أي: يغطيه ولم يذكر عكسه، إما للعلم به وإما لأنّ اللفظ يحتملهما بأن يكون المعنى بأنه يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل، وقرأ شعبة وحمزة والكسائي بفتح الغين وتشديد الشين والباقون بسكون الغين وتخفيف الشين ﴿يطلبه﴾ أي: يطلب كل منهما الآخر طلباً ﴿حثيثاً﴾ أي: سريعاً فهو صفة مصدر محذوف ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل بمعنى حاثاً أو المفعول بمعنى المحثوث ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات﴾ أي: مذللات لما يراد منهنّ من طلوع وأفول وسير على حسب إرادة المدبر لهنّ ﴿بأمره﴾ أي: بقضائه وتصريفه. وقرأ ابن عامر برفع الأربعة على الابتداء والخبر والباقون بالنصب عطفاً على السموات، ومسخرات منصوب بالكسرة ﴿ألا له الخلق﴾ جميعاً ﴿والأمر﴾ كله فإنه الموجد والمتصرّف في ذلك، وفي هذا ردّ على من يقول: إنّ الشمس والقمر والكواكب تخلق له الأمر المطلق وليس لأحد أمر غيره فهو الآمر والناهي الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه، واستخرج سفيان، بن عيينة من هذا أنّ كلام الله تعالى ليس بمخلوق فقال: إنّ الله تعالى فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر أي: إن جعل الأمر وهو كلامه من جملة ما خلقه فهو كفر لأنّ المخلوق لا يقوم إلا بمخلوق ﴿تبارك الله رب العالمين﴾ أي: تعالى بالوحدانية وتعظم بالتفرّد في الربوبية، قال البيضاوي: وتحقيق الآية والله

стр. 478

أعلم أنّ الكفرة كانوا متخذين أرباباً فبين الله تعالى لهم أنّ المستحق للربوبية واحد وهو الله تعالى لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه تعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى: ﴿فقضاهنّ سبع سموات في يومين﴾ وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدلة والهيآت المختلفة، ثم قسمها بصور نوعية متضادّة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله تعالى: ﴿خلق الأرض في يومين﴾ (فصلت، ٩) أي: ما في جهة السفل في يومين ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة أي: وهي النبات والحيوان والمعدن بتركيب موادها أوّلاً وتصويرها ثانياً كما قال تعالى بعد قوله: ﴿خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ (فصلت، ١٠) أي: مع اليومين الأوّلين اللذين خلق فيهما السموات لقوله تعالى في سورة السجدة: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام﴾ ثم لما ثم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام ثم صرّح بما هو نتيجة ذلك فقال: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ ، ثم أمرهم أن يدعوه متذللين مخلصين بقوله تعالى: ﴿ادعوا ربكم﴾ لأنّ الدعاء هو السؤال والطلب وهو نوع من أنواع العبادة لأنّ الداعي لا يقدم على الدعاء إلا إذا عرف من نفسه الحاجة إلى ذلك المطلوب وهو عاجز عن تحصيله وعرف أنّ ربه يسمع الدعاء ويعلم حاجته وهو قادر على إيصالها إلى الداعي فعند ذلك يعرف العبد نفسه بالعجز والنقص ويعرف ربه بالقدرة والكمال وهو المراد من قوله تعالى: ﴿تضرّعاً﴾ أي: ادعوا ربكم تذللاً واستكانة وهو إظهار الذل في النفس والخشوع يقال: ضرع فلان لفلان إذا ذل له وخشع ﴿وخفية﴾ أي: سرّاً في أنفسكم وهو ضدّ العلانية والأدب في الدعاء أن يكون خفياً لهذه الآية، وعن أبي موسى الأشعريّ ﵁ قال: «كنا مع رسول الله ﷺ فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله ﷺ «أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم» قال أبو موسى: وأنا خلفه أقول لا حول ولا قوّة إلا بالله في نفسي، فقال: «يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟» قلت: بلى، قال: «لا حول ولا قوّة إلا بالله» ، وقال الحسن: بين دعوة السرّ والجهر سبعون ضعفاً ولقد كان المسلمون يجهدون في الدعاء لا يسمع لهم صوت إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم وذلك أنّ الله تعالى يقول: ﴿ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية﴾ فإنّ الله تعالى أثنى على زكريا ﵊ فقال: ﴿إذ نادى ربه نداءً خفياً﴾ (مريم، ٣) وعن الحسن أيضاً: إنّ الله يعلم التقيّ والدعاء الخفيّ إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر الناس به وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة وعنده الزوّار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يفعلوه في السرّ فيكون علانية أبداً ﴿إنه﴾ تعالى ﴿لا يحب المعتدين﴾ أي: المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره نبه به على أنّ الداعي ينبغي له أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة

стр. 479

والسلام والصعود إلى السماء.n روي أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهمّ إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال: يا بنيّ إسأل الله الجنة وتعوّذ به من النار فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الطهور والدعاء» وقيل: أراد به الاعتداء في الجهر، قال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح، وعنه ﷺ «سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أن يقول اللهمّ إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل» ثم قرأ: ﴿إنه لا يحبّ المعتدين﴾ . ﴿ولا تفسدوا في الأرض﴾ أي: بالشرك والمعاصي ﴿بعد إصلاحها﴾ أي: ببعث الرسل وشرع الأحكام، وقيل: لا تفسدوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم وعلى هذا فمعنى قوله تعالى: ﴿بعد إصلاحها﴾ أي: بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب ﴿وادعوه خوفاً﴾ منه ومن عذابه ﴿وطمعاً﴾ أي: فيما عنده من مغفرته وثوابه، وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل ﴿إنّ رحمت الله قريب من المحسنين﴾ أي: المطيعين، وفي ذلك ترجيح الطمع وتنبيه على ما يتوسل به إلى الإجابة وتذكير قريب المخبر به عن رحمة لإضافتها إلى الله تعالى، وقال سعيد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ، وقيل: إنّ تأنيث الرحمة ليس بحقيقي وما كان كذلك جاز فيه التذكير والتأنيث عند أهل اللغة، وقيل: ذكره للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره حيث يجب التأنيث في الأوّل فيقال فيه: فلانة قريبة مني ويجوز في الثاني فيقال: فلانة قريبة وقريب مني في المكان وكون الرحمة قريباً من المحسنين لأنّ الإنسان في كل ساعة من الساعات في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة، وإذا كان كذلك كان الموت أقرب إليه من الحياة وليس بينهم وبين رحمة الله التي هي الثواب في الآخرة إلا الموت وهو قريب من الإنسان. فائدة: رحمت تكتب بالتاء المجرورة فوقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء وأمالها الكسائي في الوقف، وقوله تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح﴾ عطف على ما قبله والمعنى: إنّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض وهو الذي يرسل الرياح. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتوحيد والباقون بالجمع ﴿نشراً بين يدي رحمته﴾ أي: متفرّقة قدام المطر الذي هو من أجل النعم وأحسنها أثراً. وقرأ عاصم بالباء الموحدة وسكون الشين أي مبشراً، وحمزة والكسائي بالنون مفتوحة وسكون الشين على أنه مصدر في موضع الحال بمعنى ناشرات أو مفعول مطلق فإن الإرسال والنشر متقاربان، وابن عامر بالنون مضمومة وسكون الشين تخفيفاً، والباقون بضم النون والشين جمع نشور بمعنى ناشر ﴿حتى إذا أقلت﴾ أي: حملت الرياح ﴿سحاباً ثقالاً﴾ أي: بالمطر يقال: أقل فلان الشيء إذا حمله واشتقاق الإقلال من القلة فإن من يرفع شيئاً يراه قليلاً ﴿سقناه﴾ أي: السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ وفيه التفات عن الغيبة ولو حمل على المعنى كالثقال لأنث كما لو حمل على اللفظ على الوصف لقيل: ثقيلاً، والسحاب جمع سحابة وهو الغيم فيه ماء أو لم يكن فيه ماء سمي سحاباً لانسحابه في الهواء، قال السدي: إن الله يرسل الرياح فتأتي

стр. 480

بالسحاب من بين الخافقين وهما طرفا السماء والأرض حيث يلتقيان فتخرجه ثم تنشره فتبسطه في السماء كما يشاء ثم تفتح له أبواب السماء فيسيل الماء على السحاب ثم يمطر السحاب بعد ذلك ﴿لبلد ميت﴾ لا نبات فيه أي: لإحيائه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وشعبة بتخفيف الياء والباقون بالتشديد ﴿فأنزلنا به﴾ أي: بالبلد أو السحاب ﴿الماء فأخرجنا به﴾ أي: بذلك الماء لأن إنزال الماء كان سبباً لإخراج الثمرات ﴿من كل الثمرات﴾ أي: من كل أنواعها، قال الأزهري: قال الليث بن سعد رحمه الله تعالى: البلد هو كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر خال أو مسكون والطائفة منها بلدة والجمع بلاد ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الإخراج ﴿نخرج الموتى﴾ أحياء من قبورهم بعد فنائهم ودرس آثارهم ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي: لكي تعتبروا وتتذكروا والخطاب لمنكري البعث يقول: إنكم شاهدتم الأشجار وهي مزهرة مورقة مثمرة في أيام الربيع والصيف ثم إنكم شاهدتموها يابسة عارية من تلك الأوراق والثمار ثم إن الله أحياها مرة أخرى فالقادر على إحيائها بعد موتها قادر على أن يحيي الأجساد بعد موتها. قال أبو هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله تعالى عليهم مطراً كمني الرجال من ماء تحت العرش فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقي عليهم نومة فينامون في قبورهم ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم فعند ذلك يقولون: ﴿يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا﴾ (يس، ٥٢) وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون بالتشديد. ﴿والبلد الطيب﴾ أي: والأرض الكريمة التربة السهلة السمحة ﴿يخرج نباته بإذن ربه﴾ أي: بمشيئته وتيسيره عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنها وقعت في مقابلة ﴿والذي خبث﴾ أي: والبلد الذي خبث أرضه فهي سبخة ﴿لا يخرج﴾ نباته ﴿إلا نكداً﴾ أي: عسراً بمشقة وكلفة قال المفسرون: وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر فشبه المؤمن بالأرض الطيبة وشبه نزول القرآن على قلبه بنزول المطر على الأرض الطيبة فإذا نزل المطر عليها أخرجت أنواع الأزهار والأثمار فكذلك المؤمن إذا سمع القرآن آمن به وانتفع به وظهر منه الطاعات والعبادات وأنواع الأخلاق الحميدة وشبه الكافر بالأرض الرديئة الغليظة السبخة التي لا ينتفع بها وإن أصابها المطر فكذلك الكافر إذا سمع القرآن لا ينتفع به ولا يصدّقه ولا يزيده إلا عتواً وكفراً وإن عمل الكافر حسنة في الدنيا كانت بمشقة وكلفة ولا ينتفع بها في الآخرة، وقيل: هو مثل ضربه الله تعالى لآدم وذريته كلهم منهم طيب ومنهم خبيث ﴿كذلك﴾ أي: كما بينا ما ذكر ﴿نصرّف﴾ أي: نبين ﴿الآيات﴾ الدالة على التوحيد والإيمان آية بعد آية وحجة بعد حجة ﴿لقوم يشكرون﴾ نعمة الله تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها وإنما خص الشاكرين بالذكر لأنهم هم الذين ينتفعون بسماع القرآن. ولما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدّمة دلائل آثار قدرته الدالة على توحيده وربوبيته وأقام الأدلة القاطعة على صحة البعث بعد الموت أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما جرى لهم مع أممهم فقال: ﴿لقد﴾ جواب قسم محذوف تقديره: والله لقد ﴿أرسلنا نوحاً﴾ ﵇ ﴿إلى قومه﴾ ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة

стр. 481

التوقع فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها ونوح هو ابن لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريس ﵇ وهو أوّل نبي بعثه الله تعالى بعد إدريس وكان نجاراً بعثه الله تعالى إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، وقال ابن عباس ﵄: وهو ابن أربعين سنة، وقيل: وهو ابن مائة سنة، وقيل: وهو ابن مائتين وخمسين سنة، وقال ابن عباس: سمي نوحاً لكثرة ما ناح على نفسه، واختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان، وقيل: لأنه مرّ بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني، أو أعبت الكلب. وفي ذكر القصص تسلية للنبيّ ﷺ لأنه لم يكن إعراض قومه عن قبول الحق فقط بل قد أعرض عنه غالب الأمم الخالية والقرون الماضية وفيه تنبيه على أن عاقبة أولئك الذين كذبوا الرسل كانت للخسار والهلاك في الدنيا والآخرة والعذاب الأليم فمن كذب محمداً ﷺ من قومه كانت عاقبته مثل أولئك الذين خلوا من قبلهم من الأمم المكذبة وفيه دليل على صحة نبوّة محمد ﷺ لأنه كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب ولم يلق أحداً من علماء زمانه وقد أتى بمثل هذه القصص والأخبار عن القرون الماضية والأمم الخالية مما لم ينكره عليه أحد فعلم بذلك أنه إنما أتى من عند الله وأنه أوحى إليه بذلك فكان ذلك دليلاً واضحاً وبرهاناً قاطعاً على صحة نبوّته ﷺ ﴿فقال﴾ نوح حال إرساله لقومه ﴿يا قوم اعبدوا الله﴾ أي: اعبدوه وحده لقوله تعالى: ﴿مالكم من إله غيره﴾ فإنه الذي يستحق العبادة لا غيره. وقرأ الكسائي بكسر الراء والهاء على أنه صفة لإله والباقون برفعهما على البدل من محله ﴿إني أخاف عليكم﴾ إن لم تقبلوا ما آمركم به من عبادة الله تعالى واتباع أمره وطاعته ﴿عذاب يوم عظيم﴾ هو يوم القيامة أو يوم نزول الطوفان وإهلاكهم فيه، وقال: أخاف، على الشك وإن كان يقيناً من حلول العذاب بهم إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعلم وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم يتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون. ﴿قال الملأ من قومه﴾ أي: الأشراف منهم فإنهم يملؤون العيون منظراً ﴿إنا لنراك في ضلال﴾ أي: خطأ وزوال عن الحق ﴿مبين﴾ أي: بين. ﴿قال﴾ نوح مجيباً لهم: ﴿يا قوم ليس بي ضلالة﴾ أي: ليس بي شيء مما تظنون من الضلال. فإن قيل: لم لم يقل ليس بي ضلالة كما قالوا؟ أجيب: بأنّ الضلالة أخص من الضلال فكانت أبلغ في نفي الضلال عن نفسه كما لو قيل: ألك ثمر فقلت: ما لي ثمرة فقد بالغ في النفي كما بالغوا في الإثبات وقوله تعالى: ﴿ولكني رسول من ربّ العالمين﴾ استدراك باعتبار ما يلزمه وهو كونه كأنه قال: ولكني على هدى في الغاية لأني رسول الله. ﴿أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم﴾ والنصح إرادة الخير لغيره كما يريده لنفسه، ويقال: نصحته ونصحت له كما يقال: شكرته وشكرت له وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة وإنما وقعت خالصة للمنصوح له مقصوداً بها جانبه لا غير فرب نصيحة ينتفع بها الناصح فتقصد للنفعين جميعاً ولا نصيحة أمحض من نصيحة الله ورسوله وقيل: حقيقة النصح تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، وقال بعض المفسرين: والفرق بين إبلاغ نصيحة الرسالة وبين النصيحة

стр. 482

هو أن تبليغ الرسالة أن يعلمهم جميع أوامر الله تعالى ونواهيه وجميع أنواع التكاليف التي أوجبها الله تعالى عليهم وأما النصيحة فهي أن يرغبهم في قبول تلك الأوامر والنواهي والعبادات ويحذرهم عقابه إن عصوه وقرأ أبو عمرو بسكون الباء وتخفيف اللام من الإبلاغ كقوله تعالى: ﴿لقد أبلغتكم رسالات ربي﴾ وقرأ الباقون بفتح الباء وتشديد اللام من التبليغ كقوله تعالى: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ (النساء، ٦٧) ﴿وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾ أي: من صفات الله وأحوال قدرته الباهرة وشدّة بطشه على أعدائه وإنّ بأسه لا يردّ عن القوم المجرمين، وقوله تعالى: ﴿أو عجبتم﴾ الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي: أكذبتم وعجبتم ﴿أن جاءكم﴾ أي: من أن جاءكم ﴿ذكر﴾ أي: موعظة ﴿من ربكم على رجل﴾ أي: على لسان رجل ﴿منكم﴾ أي: من جنسكم أو من جملتكم تعرفون نسبه وذلك أنهم كانوا يتعجبون من نبوّة نوح ﵇ ويقولون: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين يعنون إرسال البشر ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة ﴿لينذركم﴾ أي: لأجل أن ينذركم عاقبة الكفر والمعاصي ﴿ولتتقوا﴾ أي: ولأجل أن تتقوا الله ﴿ولعلم ترحمون﴾ بالتقوى إن وجدت منكم لأنّ المقصود إرسال الرسل الإنذار والمقصود من الإنذار التقوى عن كل ما لا ينبغي والمقصود بالتقوى الفوز بالرحمة في الدار الآخرة وفائدة حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجبة والرحمة من الله تعالى محض تفضيل وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله. ﴿فكذبوه﴾ أي: نوحاً ﴿فأنجيناه والذين﴾ آمنوا به ﴿معه﴾ من الغرق وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة، وقيل: تسعة بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وستة ممن آمن به، وقوله تعالى: ﴿في الفلك﴾ متعلق بمعه كأنه قيل: والذين استقرّوا معه في الفلك أو صحبوه في الفلك أو بأنجيناه أي: أنجيناهم في السفينة من الطوفان ﴿وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾ بالطوفان ﴿إنهم كانوا قوماً عمين﴾ أي: عمي القلوب عن الحق غير مستبصرين يقال: رجل عم في البصيرة وأعمى في البصر وأنشدوا قول زهير: *وأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم* ﴿وإلى عاد﴾ أي: وأرسلنا إلى عاد وهو عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح وهي عاد الأولى ﴿أخاهم هوداً﴾ أي أخاهم في النسب لا في الدين وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، وقيل: هو ابن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح ﵇، واختلف في سبب الأخوة من أين حصلت على وجهين: الأوّل: قال الزجاج: إنه كان من بني آدم ومن جنسهم لا من الملائكة ويكفي هذا القدر في تسمية الأخوة، والمعنى: إنا أرسلنا إلى عاد واحداً من جنسهم من البشر ليكون الفهم والأنس بكلامه أتم وأكمل ولم يبعث إليهم من غير جنسهم مثل الملك والجنّ، والوجه الثاني: أنّ أخاهم بمعنى صاحبهم والعرب تسمي صاحب القوم أخاهم وكانت منازل عاد بالأحقاف باليمن والأحقاف الرمل الذي عند عمان وحضرموت ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾ أي: وحدوه ولا تجعلوا معه إلهاً آخر ﴿مالكم من إله غيره﴾ . فإن قيل: لم حذف العاطف من قوله: قال ولم يقل: فقال كما في قصة نوح؟ أجيب: بأنّ هذا على تقدير سؤال

стр. 483

سائل قال: فما قال لهم هود، فقيل: قال: يا قوم، وقيل: إنّ نوحاً كان مواظباً على دعوته قومه غير متوان فيها لأن الفاء تدل على التعقيب وأمّا هود فلم يكن كذلك بل كان دون نوح في المبالغة في الدعاء فأخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾ ﴿أفلا تتقون﴾ الله أي: أفلا تخافون عقابه فتؤمنون ولما كانت هذه القصة معطوفة على قصة نوح وقد علم ما حل بهم من الغرق حسن قوله هنا: ﴿أفلا تتقون﴾ أي: أفلا تخافون ما نزل بهم من العذاب ولما لم يكن قبل واقعة قوم نوح شيء حسن تخويفهم من العذاب فقال هناك: ﴿إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم﴾ (الأحقاف، ٢١) ﴿قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة﴾ أي: في حمق وجهالة وضلالة عن الصواب. فإن قيل: لم قال قوم نوح: إنا لنراك في ضلال مبين، وقوم هود: إنا لنراك في سفاهة؟ أجيب: بأنّ نوحاً لما خوّف قومه بالطوفان وطفق في عمل السفينة في أرض ليس فيها من الماء شيء قال له قومه: إنا لنراك في ضلال مبين حيث تتعب في إصلاح سفينة في هذه الأرض، وأمّا هود ﵇ لما زيف عبادة الأصنام ونسب من عبدها إلى السفه وهو قلة العقل قابلوه بمثله فقالوا: إنا لنراك في سفاهة ﴿وإنا لنظنك من الكاذبين﴾ أي: في ادعائك أنك رسول من رب العالمين. ﴿قال﴾ هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى السفه ﴿يا قوم ليس بي سفاهة﴾ أي: ليس الأمر كما تزعمون أنّ بي سفاهة ﴿ولكني رسول من رب العالمين﴾ . ﴿أبلغكم رسالات ربي﴾ أي: أؤدي إليكم ما أرسلني به من أوامره ونواهيه وشرائعه وتكاليفه ﴿وأنا لكم ناصح﴾ أي: فيما آمركم به من عبادة الله تعالى ﴿أمين﴾ أي: مأمون على تبليغ الرسالة وأداء النصح والأمين الثقة على ما إئتمن عليه. فإن قيل: لم قال نوح: وأنصح لكم بصيغة الفعل وقال هود: وأنا لكم ناصح بصيغة اسم الفاعل؟ أجيب: بأنّ صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة وكان نوح يدعو قومه ليلاً ونهاراً كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً﴾ (نوح، ٥) فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة الفعل فقال: ﴿وأنصح لكم﴾ وأمّا هود فلم يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتاً دون وقت فلهذا قال: ﴿وأنا لكم ناصح أمين﴾ . فإن قيل: مدح الذات بأعظم صفات المدح غير لائق بالعقلاء؟ أجيب: بأنه فعل هود ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك ومقصوده الرد عليهم في قولهم: ﴿وإنا لنظنك من الكاذبين﴾ فوصف نفسه بالأمانة وأنه أمين في تبليغ ما أرسل به من عند الله وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها. ﴿أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم﴾ سبق تفسيره. تنبيه: في إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض عن مقالتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة وهكذا ينبغي لكل ناصح ﴿واذكروا﴾ نعمة الله عليكم ﴿إذا جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾ أي: خلفتموهم في الأرض أو جعلكم ملوكاً في الأرض فإنّ شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج وهو موضع بالبادية بها رمل إلى شحر عمان وهو بفتح الشين المعجمة وكسرها وبالحاء المهملة ساحل البحر بين عمان وعدن ﴿وزادكم في الخلق بسطة﴾ أي: طولاً وقوّة قال الجلال المحلى في سورة الفجر: كان طول الطويل منهم أربعمائة ذراع وقامة

стр. 484

القصير ستين ذراعاً، وقال أبو حمزة اليماني: سبعون ذراعاً، وعن ابن عباس ﵄: ثمانون ذراعاً، وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعاً، أخرج ابن عساكر عن وهب بذراعهم أي: على الأقوال كلها، وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظمية وكان عين الرجل ـ أي: بعد موته ـ تفرخ فيها الضباع وكذا مناخرهم، وقرأ نافع والبزي وشعبة والكسائي بالصاد وأبو عمرو وهشام وقنبل وحفص وخلف بالسين وأمّا ابن ذكوان وخلاد فقرآ بالسين والصاد ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ أي: أنعمه أي: اعملوا بما يليق بذلك الإنعام وهو أن تؤمنوا به وتتركوا ما أنتم عليه من عبادة الأصنام ﴿لعلم تفلحون﴾ أي: تفوزون بالنعيم المقيم في الآخرة. ﴿قالوا﴾ أي: قوم هود مجيبين له ﴿أجئتنا﴾ يا هود ﴿لنعبد الله وحده ونذر﴾ أي: نترك ﴿ما كان يعبد آباؤنا﴾ أي: من الأصنام استبعدوا اختصاص الله تعالى بالعبادة والإعراض عما أشرك به آباؤهم ومعنى المجيء في أجئتنا إما لأن هوداً كان معتزلاً عن قومه كما كان يفعل النبيّ ﷺ بحراء قبل البعثة فلما أوحي إليه جاء قومه يدعوهم أو يريدون به الاستهزاء لأنهم كانوا يعتقدون أنّ الله تعالى لا يرسل إلا الملائكة فكأنهم قالوا: أجئتنا من السماء كما يجيء الملك أو أن المقصود على المجاز كما تقول: ذهب يشتمني ولا يراد حقيقة الذهاب ﴿فأتنا بما تعدنا﴾ أي: من العذاب ﴿إن كنت من الصادقين﴾ أي: في قولك: إني رسول الله. ﴿قال﴾ هود مجيباً لهم ﴿قد وقع عليكم﴾ أي: نزل عليكم ﴿من ربكم رجس﴾ عقاب ﴿وغضب﴾ أي: سخط ﴿أتجادلونني في أسماء سميتموها﴾ أي: وضعتموها ﴿أنتم وآباؤكم﴾ أي: من عند أنفسكم، والاستفهام للإنكار عليهم لأنهم سموا الأصنام بالآلهة فعبدوها من دون الله ﴿ما نزل الله بها﴾ أي: بعبادتها ﴿من سلطان﴾ أي: حجة وبرهان لأنّ المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل وإنها لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إمّا بإنزال آية أو نصب دليل ﴿فانتظروا﴾ أي: نزول العذاب بسبب تكذيبكم لي ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ ذلك فأرسلت عليهم الريح العقيم. ﴿فأنجيناه﴾ أي: هوداً ﴿والذين معه﴾ أي: من المؤمنين ﴿برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي: استأصلناهم وقوله تعالى: ﴿وما كانوا مؤمنين﴾ عطف على كذبوا. روي أنّ قوم هود كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم هوداً فكذبوا وازدادوا عتواً فأمسك الله تعالى القطر عنهم ثلاث سنين حتى جهدوا وكان الناس حينئذ مسلمهم وكافرهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله تعالى الفرج فجهزوا إلى الحرم قيل بن عنز ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم وكان بمكة إذ ذاك العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام وسيدهم معاوية بن بكر فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فلبثوا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان له وكان اسم إحداهما وردة والأخرى جرادة فتسميتهما جرادتين فيه تغليب والقينة الأمة مغنية أو غير مغنية فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا له أهمه ذلك واستحى أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا: قل شعراً نغنيهم به ولا يدرون من قاله فعلم القينتين معاوية: v *ألا يا قل ويحك قم فهينم* والهينمة الصوت الخفي أي: أخف

стр. 485

الدعاء. *لعل الله يمنحنا غماما والغمام هنا المطر. *فيسقي أرض عاد إن عاداً ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما* *من العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما* فلما غنتا به أزعجهم ذلك وقالوا: إن قومكم يتغوثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا الحرم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثد بن سعد: والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله تعالى سقاكم وأظهر إسلامه فقالوا لمعاوية: احبس عنا مرثداً لا يقدمنّ معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيل: اللهمّ اسق عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك ولقومك فقال: اخترت السوداء فإنها أكثر ماء فخرجت على عاد من واد لهم يقال له: المغيث فاستبشروا به وقالوا: هذا عارض ممطرنا فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود ومن معه من المؤمنين وأتوا مكة فعبدوا الله فيها حتى ماتوا. يروى أنّ النبيّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إذا هلك قومه هاجر والصالحون معه إلى مكة يعبدون الله تعالى فيها حتى يموتوا، وروي عن عليّ رضي الله تعالى عنه أن قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر. وقال عبد الرحمن بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبياً وأن قبر هود وصالح وشعيب وإسماعيل في تلك البقعة. ﴿وإلى ثمود﴾ أي: وأرسلنا إلى ثمود قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر وهو ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح ﵇، وقيل: سموا به لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل وكان مسكنهم الحجر وهو بكسر الحاء موضع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى واتفق القرّاء السبعة هنا على عدم صرف ثمود مراداً به القبيلة وقرىء مصروفاً في غير هذه السورة بتأويل الحيّ أو باعتبار الأصل وهو أنه اسم لأبيهم الأكبر أو للماء القليل ﴿أخاهم صالحاً﴾ أي: أخاهم في النسب لا في الدين وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود ﴿قال﴾ لهم صالح حين أرسله الله تعالى إليهم ﴿يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره﴾ أي: فلا يستحق أن يعبد سواه ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾ أي: معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوّتي وصدق ما أقول وأدعو إليه من عبادة الله تعالى ثم فسر تلك البينة بقوله: ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ أي: علامة على صدقي أو آية نصبت على الحال عاملها ما دل عليه اسم الإشارة من معنى الفعل كأنه قال: أشير إليها آية ولكم بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان خاصة وهم ثمود لأنهم عاينوها وسائر الناس أخبروا وليس الخبر كالمعاينة كأنه قال لكم خصوصاً وإنما أضيفت إلى الله تعالى تعظيماً لها وتفخيماً لشأنها كما يقال: بيت الله ولأنها جاءت من عند الله تعالى بلا وسائط وأسباب معهودة ولذلك كانت آية ﴿فذروها﴾ أي: أتركوها ﴿تأكل في أرض الله﴾ أي: العشب فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات إنباتكم ﴿ولا تمسوها بسوء﴾ أي: بشيء من أنواع الأذى لا بعقر ولا بغيره وقوله: ﴿فيأخذكم عذاب أليم﴾ أي: بسبب أذاها جواب النهي. ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء﴾ في الأرض ﴿من بعد عاد﴾ أي:

стр. 486

إن الله تعالى أهلك عاداً وجعلكم تخلفونهم في الأرض وتعمرونها ﴿وبوّأكم﴾ أي: أسكنكم وأنزلكم ﴿في الأرض﴾ أي أرض الحجر ﴿تتخذون من سهولها قصوراً﴾ أي: تبنون القصور من سهولة الأرض لأنّ القصور إنما تبنى من اللبن والآجرّ المتخذ من الطين السهل اللين غالباً ﴿وتنحتون الجبال بيوتاً﴾ أي: وتنقبون في الجبال البيوت وكانوا في الصيف يسكنون بيوت الطين وفي الشتاء بيوت الجبال. وقرأورش وأبو عمرو وحفص بضم الباء والباقون بخفضها ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ أي: فاذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها فإنكم منعمون مرفهون بمساكن في الصيف ومساكن في الشتاء ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ والعثو أشد الفساد، وقال قتادة: معناه لا تسيروا مفسدين في الأرض، وقيل: أراد به النهي عن عقر الناقة. ﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾ أي: تكبروا عن الإيمان به ﴿للذين استضعفوا﴾ أي: للذين استضعفوهم واستبذلوهم وقوله تعالى: ﴿لمن آمن منهم﴾ بدل من الذين استضعفوا بدل الكل إن كان الضمير لقومه وبدل البعض إن كان للذين، وقرأ ابن عامر: وقال الملأ بالواو والباقون بلا واو ﴿أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه﴾ أي: أنّ الله أرسله إلينا وإليكم قالوا: ذلك على الاستهزاء ﴿قالوا﴾ أي: الضعفاء ﴿إنا بما أرسل به﴾ أي صالح من الدين والهدى ﴿مؤمنون﴾ أي: مصدّقون وإنما عدلوا عن الجواب السويّ الذي هو نعم تنبيهاً على أنّ إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل أو يخفى على ذي لب. ﴿قال﴾ الملأ: ﴿الذين استكبروا﴾ عن أمر الله تعالى والإيمان به وبرسوله صالح ﵇ ﴿إنا بالذي آمنتم به كافرون﴾ أي: جاحدون متكبرون. ﴿فعقروا الناقة﴾ أي: عقرها فدار بأمرها فأسند العقر إليهم والعقر قطع عرقوب البعير ثم جعل النحر عقراً فإنه قتلها بالسيف فإنّ ناحر البعير يعقره ثم ينحره ﴿وعتوا عن أمر ربهم﴾ أي: تكبروا عن أمر ربهم وعصوه وكذبوا نبيهم صالحاً ﵇ ﴿وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا﴾ أي: من العذاب ﴿إن كنت من المرسلين﴾ أي: إن كنت تزعم أنك رسول الله فإنّ الله ينصر رسله على أعدائه وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مكذبين في كل ما أخبرهم به من العذاب. ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ أي: الزلزلة الشديدة من الأرض والصيحة من السماء ﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ أي: باركين على الركب ميتين. روي أن عاداً لما أهلكت عمرت ثمود بلادهم وخلفوهم في الأرض وكثروا وعمروا أعماراً طوالاً حتى أنّ الرجل كان يبني البيت المحكم فينهدم في حياته فينحتون البيوت من الجبال وكانوا في سعة ورخاء من العيش فعثوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام فبعث الله تعالى إليهم صالحاً ﵇ من أشرافهم غلاماً شاباً فدعاهم إلى الله تعالى حتى كبر لا يتبعه إلا قليل مستضعفون فلما ألحّ عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر عليهم التحذير والتخويف سألوه آية فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ فقالوا: تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلوم لهم في السنة فتدعو إلهك وندعوا آلهتنا فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، قال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم وخرج صالح معهم ودعوا أوثانهم وسألوهم الاستجابة فلم تجبهم ثم قال سيدهم جندع بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها: الكاثبة: أخرج لنا من هذه الصخرة ناقة

стр. 487

مخترجة جوفاء وبراء ـ والمخترجة هي التي شاكلت البخت، والجوفاء ذات الجوف، والوبراء ذات الوبر ـ فإن فعلت ذلك صدّقناك فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتؤمنن ولتصدّقنّ فقالوا: نعم فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة أي: تحرّكت للولادة تمخض النتوج بولدها فانصدعت أي: انشقت عن ناقة عشراء وهي التي مرّ عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى عظماً وعظماؤهم ينظرون ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندح ورهط من قومه وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدّقوه فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن أسد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود فلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة الله لها شرب ولكم شرب يوم معلوم فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد غباً فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر فما ترفعه حتى تشرب كل ما فيها ثم تتفحج وهو بتقديم الحاء المهملة مثل التفسح وهو أن تفرج بين رجليها فيحلبون ما شاؤا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدّخرون، وكانت تصيف أي: تقيم زمن الصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه، وتشتو أي: تقيم زمن الشتاء ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره، فشق ذلك عليهم وزين عقرها لهم امرأتان عنيزة بنت غنم وصدقة بنت المختار لما أضرّت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها فرقي سقبها وهو بفتح السين والقاف ولدها الذكر جبلاً اسمه قارة فرغا ثلاثاً وكان صالح ﵇ قال لهم: أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب فلم يقدروا عليه، وانفجت وهو بتشديد الجيم أي: انفتحت الصخرة بعد رغائه فدخلها، فقال لهم صالح: تصبحون غداً وجوهكم مصفرّة وبعد غد وجوهكم محمرّة واليوم الثالث وجوهكم مسودّة، ثم يصبحكم العذاب فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين فلما كان اليوم الرابع واشتدّ الضحى تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالإنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وهلكوا. وسيأتي لهذه القصة زيادة إن شاء الله تعالى في سورة النمل. ويروى أنّ رسول الله ﷺ حين مرّ بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: «لا يدخلنّ أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل الذي أصابهم» وقال ﷺ لعليّ: «أتدري من أشقى الأوّلين» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «عاقر ناقة صالح ﵇، أتدري من أشقى الآخرين» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «قاتلك» ﴿فتولى﴾ أي: أعرض صالح ﴿عنهم﴾ وفي هذا التولي قولان: أحدهما: أنه تولى عنهم بعد أن ماتوا وهلكوا ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فأصبحوا

стр. 488

في دارهم جاثمين فتولى عنهم﴾ والفاء للتعقيب فدلّ على أنه حصل هذا التولي بعد جثومهم وهو موتهم. والقول الثاني: أنه تولى عنهم وهم أحياء قبل هلاكهم ويدلّ عليه أنه خاطبهم ﴿وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين﴾ وهذا الخطاب لا يليق إلا بالإحياء، وعلى هذا القول يحتمل أنّ في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره فتولى عنهم وقال: يا قوم لقد أبلغتكم سالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين. وأجيب من جهة الأوّل: بأنه خاطبهم بعد هلاكهم تقريعاً وتوبيخاً كما خاطب نبينا ﷺ الكفار من قتلى بدر حين ألقوا في القليب فجعل رسول الله ﷺ يناديهم بأسمائهم الحديث في الصحيحين وفيه فقال عمر: يا رسول الله تكلم أمواتاً قد جيفوا، فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يجيبون» وقيل: إنما خاطبهم صالح ﵇ بذلك ليكون عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجروا عن مثل تلك الطريقة. وروي أنّ عقرهم الناقة كان يوم الأربعاء ونزل بهم العذاب يوم السبت، وروي أنه خرج في مائة وعشرين من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخان ساطعاً فعلم أنهم قد هلكوا وكانوا ألفاً وخمسمائة دار، وروي أنه رجع بمن معه من المسملين فسكنوا ديارهم وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة. ﴿ولوطاً﴾ أي: وأرسلنا لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم ﴿إذ قال لقومه﴾ أي: وقت قوله لهم، وقيل: معناه واذكر لوطاً ويبدل منه إذ قال لقومه وهم أهل سذوم، قال التفتازانيّ: هو بفتح السين قرية قوم لوط والذال المعجمة في رواية الأزهري دون غيره، اه. وصوّبه صاحب القاموس وغلط الجوهريّ في قوله: إنها مهملة وذلك أنّ لوطاً ﵇ لما هاجر مع عمه إبراهيم ﵇ إلى الشام فنزل إبراهيم ﵇ أرض فلسطين وأنزل لوطاً الأردن وهو بضم الهمزة والدال وتشديد النون نهر وكورة بأعلى الشام فأرسله الله تعالى إلى أرض سذوم يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم عن فعلهم القبيح وهو قوله تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة﴾ أي: أتفعلون الفاحشة الخبيثة التي هي غاية القبح وكانت فاحشتهم إتيان الذكر في أدبارهم كما سيأتي ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ أي: ما فعلها أحد قبلكم والباء للتعدية ومن الأولى زائدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض والجملة استئناف مقرّر للإنكار وبخهم أولاً بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ، قال عمرو بن دينار: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان من قوم لوط. ثم بين الفاحشة بقوله: ﴿أئنكم لتأتون الرجال﴾ أي: في أدبارهم ﴿شهوة من دون النساء﴾ أي: إن أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء. وقرأ نافع وحفص بكسر الهمزة ولا ياء بينها وبين النون على الحبر وشهوة إمّا مفعول له وإمّا مصدر في موضع الحال وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع لا قضاء الوطر، وقرأ ابن كثير بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة مسهلة ولا مدّ بينهما، وأبو عمرو كذلك إلا أنه يمدّ بين الهمزتين وهشام بتحقيق الهمزتين بينهما مدّ والباقون بتحقيقهما من غير مدّ بينهما وقوله: ﴿بل أنتم﴾ أيها القوم ﴿قوم مسرفون﴾ أي: مجاوزون الحلال إلى الحرام إضراب عن الإنكار إلى الإخبار عنهم بالحالة التي توجب ارتكاب القبائح وتدعو إلى اتباع الشهوات وإنما ذمّهم الله تعالى وعيرهم ووبخهم بهذا الفعل الخبيث لأن الله تعالى خلق الإنسان وركب فيه شهوة النكاح لبقاء النسل وعمارة الدنيا وجعل النساء محلاً لتلك الشهوة وموضع النسل فإذا تركهنّ ووضع الشيء في غير محله

стр. 489

الذي خلق له فقد أسرف وجاوز واعتدى لأنّ وضع الشيء في غير محله الذي وضع له إسراف لأن أدبار الرجال ليست محلاً للولادة التي هي مقصودة بتلك الشهوة المركبة في الإنسان. روي أنّ أوّل من عمل عمل قوم لوط إبليس لعنه الله تعالى لأنّ بلادهم أخصبت بالزرع والثمار وانتجعها أهل البلدان فتمثل لهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شاب ثم دعا إلى نفسه فكان أوّل من نكح في دبره، وقال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فأذوهم فعرض لهم إبليس لعنه الله تعالى في صورة شيخ، وقال لهم: إن فعلتم بهم كذا وكذا نجوتم منهم فلما ألحّ عليهم قصدوهم فأصابوا غلماناً حساناً فاستخنثوا واستحكم ذلك فيهم. [وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ] له حين وبخهم على فعلهم القبيح وارتكابهم ما حرّم الله تعالى عليهم من العمل الخبيث ﴿إلا أن قالوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض ﴿أخرجوهم من قريتكم﴾ أي: ما جاؤوا بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط ﵇ من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ولكنهم جاؤوا بشيء آخر لا يتعلق بنصيحته وكلامه من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجراً بهم وبما يسمعونه من وعظهم ونصحهم وقولهم: ﴿إنهم أناس يتطهرون﴾ أي: يتنزهون عن فعلكم وعن أدبار الرجال سخرية بهم وبتطهيرهم من الفواحش وافتخاراً بما كانوا فيه من القاذورات كما تقول الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم: أبعدوا عنا هذا المتقشف وأريحونا من هذا المتنزه. ﴿فأنجيناه﴾ أي لوطاً ﴿وأهله﴾ أي: من آمن به، وقوله تعالى: ﴿إلا امرأته﴾ استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر موالية لأهل سذوم ﴿كانت من الغابرين﴾ أي: من الذين غبروا أي: بقوا في ديارهم فهلكوا. وروي أنها التفتت فأصابها حجر فماتت وإنما قال تعالى: ﴿من الغابرين﴾ ولم يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال فغلب الذكور على الإناث. ﴿وأمطرنا عليهم مطراً﴾ أي: نوعاً من المطر عجيباً وهو مبين بقوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل﴾ (الحجر، ٧٤) أي: قد عجنت بالكبريت والنار، يقال: مطرت السماء وأمطرت، وقال أبو عبيدة: يقال في العذاب: أمطر وفي الرحمة مطر، وقيل: خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم ﴿فانظر﴾ أي: أيها الإنسان ﴿كيف كان عاقبة المجرمين﴾ . روي أنّ تاجراً منهم كان في الحرم فوقف الحجر أربعين يوماً حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه، وقال مجاهد: نزل جبريل ﵇ وأدخل جناحه تحت مدائن قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم أتبعوا بالحجارة كما قال تعالى: ﴿فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ (الحجر، ٧٤) . ﴿وإلى مدين﴾ أي: وأرسلنا إلى ولد مدين بن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ ﴿أخاهم﴾ في النسب لا في الدين ﴿شعيباً﴾ بن ميكيل بن يشجر بن مدين وكان يقال له: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه ﵇ وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان ﴿قال﴾ أي: شعيب ﵇ ﴿يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة﴾ أي: معجزة تدلّ على صدق ما جئت به ﴿من ربكم﴾ أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به. فإن قيل: ما كانت معجزته إذ لم تذكر له معجزة؟ أجيب: بأنه قد وقع العلم بأنه كان له معجزة لقوله: ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾ ولأنه

стр. 490

لا بدّ لمدّعي النبوّة من معجزة تشهد له وتصدّقه وإلا لم تصح دعواه وكان متنبئاً لا نبياً غير أنّ معجزته لم تذكر في القرآن كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا ﷺ فيه ومن معجزات شعيب ﵇ الواردة في غير القرآن ما روي من محاربة عصا موسى التنين حين دفع إليه الغنم وولادة الغنم الدرع حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها والدرع بوزن الصرد وهي الغنم التي أوائلها سواد وأواخرها بياض ووقوع عصا آدم ﵇ على يده في المرات السبع وغير ذلك من الآيات لأن هذه كلها كانت قبل أن يستنبأ موسى ﵇ فكانت معجزة لشعيب وهذا أولى من جعله كرامة لموسى أو إرهاصاً وهو علامة تظهر قبل النبوّة وقيل: أراد بالبينة الموعظة وهي قوله تعالى: ﴿فأوفو الكيل والميزان﴾ أي: أتموهما ﴿ولا تبخسوا﴾ أي: تنقصوا ﴿الناس أشياءهم﴾ فتطففوا الكيل والوزن يقال: بخس فلان الكيل والوزن إذا نقصه وطففه. فإن قيل: هلا قال المكيال والميزان كما في سورة هود؟ أجيب: بأنه أراد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال أو سمى ما يكال به بالكيل، أو أريد وأوفوا كيل المكيال ووزن الميزان وإنما قال ﴿أشياءهم﴾ لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شيء في مبايعاتهم أو كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه كما يفعل أمراء الجور ﴿ولا تفسدوا في الأرض﴾ أي: بالكفر والمعاصي ﴿بعدإصلاحها﴾ أي: بعدما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع ﴿ذلكم﴾ أي: الذي ذكرت لكم وأمرتكم به من الإيمان ووفاء الكيل والميزان وترك المظالم والبخس ﴿خير لكم﴾ أي: مما أنتم عليه من الكفر وظلم الناس ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ أي: مصدّقين بما أقول لكم ومعنى ﴿خير لكم﴾ أي: في الإنسانية وحسن ما يتحدّث به وجمع المال لأنّ الناس ترغب في متاجرتكم إذا عرفوا منكم الأمانة والتسوية. ﴿ولا تقعدوا بكل صراط﴾ أي: طريق من طرف الدين ﴿توعدون﴾ أي: تمنعون الناس من الدخول فيه وتهدّدونهم على ذلك وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطرقات فيخبرون من أتى عليهم أنّ شعيباً الذي تريدونه كذاب فلا يفتنكم عن دينكم وقيل: كانوا يقطعون الطريق على الناس أو يقعدون لأخذ المكس منهم وقوله تعالى: ﴿وتصدّون﴾ أي: تصرفون الناس ﴿عن سبيل الله﴾ أي: دينه ﴿من آمن به﴾ دليل على أنّ المراد بالطريق سبيل الحق. فإن قيل: صراط الحق واحد قال تعالى: ﴿وأنّ هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (الأنعام، ١٥٣) فكيف قيل: بكل صراط؟ أجيب: بأنّ صراط الحق وإن كان واحدا لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة وكانوا إذا رأوا أحد يشرع في شيء منها أوعدوه وصدوه ﴿وتبغونها﴾ أي: تطلبون الطريق ﴿عوجاً﴾ أي: تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة عن الحق غير مستقيمة لتصدّوهم عن سلوكها والدخول فيها أو يكون ذلك تهكماً بهم وإنهم يطلبون لها ما هو محال فإنّ طريق الحق لا يعوج ﴿واذكروا﴾ نعمة الله عليكم وآمنوا به ﴿إذ كنتم قليلاً فكثركم﴾ أي: كثر عددكم بعد القلة أو كثركم بالغنى بعد الفقر وكثركم بالقدرة بعد الضعف قيل: إنّ مدين بن إبراهيم تزوّج بنت لوط ﵉ فولدت فرمى الله تعالى في نسلهما بالبركة والنماء فكثروا ونموا ﴿وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين﴾ قبلكم بتكذيبهم

стр. 491

رسلهم أي: آخر أمرهم من الهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسوله. ﴿وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا﴾ به أي: وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي وصدقت برسالتي وفرقة كذبت وجحدت برسالتي ﴿فاصبروا﴾ أي: فتربصوا ﴿حتى يحكم الله بيننا﴾ أي: بين الفرقتين فيعز المؤمنين أي: المصدّقين وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ويعذبهم وفي هذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين ﴿وهو خير الحاكمين﴾ أي: لا حيف في حكمه ولا معقب له لأنه تعالى منزه عن الجور والميل في حكمه وإنما قال: ﴿خير الحاكمين﴾ لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكماً على سبيل المجاز والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة. أي: الجماعة ﴿الذين استكبروا﴾ أي: تكبروا ﴿من قومه﴾ عن الإيمان بالله ورسوله وتعظموا عن اتباع شعيب ﵊ ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن﴾ أي: ترجعن ﴿في ملتنا﴾ أي: لا بدّ من أحد الأمرين إمّا إخراجك ومن اتبعك على دينك من بلدنا أو عودكم في الكفر. فإن قيل: شعيب لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه؟ أجيب: بأنّ أتباع شعيب كانوا على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيباً وأتباعه جميعاً فدخل هو في الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقاً فاستعمل العود في حقهم على سبيل المجاز وجرى بعضهم على أن العود يستعمل بمعنى صار كما يستعمل بمعنى رجع فلا يستلزم الرجوع إلى حالة سابقة بل هو انتقال من حالة سابقة إلى حالة مستأنفة كما قال القائل: *فإن تكن الأيام تحسن مرّة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب* راد فقد صارت لهنّ دنوب ولم يرد أن ذنوباً كانت لهنّ قبل الإحسان ﴿قال﴾ لهم شعيب على سبيل الاستفهام الإنكاري ﴿أولو كنا كارهين﴾ أي: كيف نعود فيها ونحن كارهون لها، وقيل: لا نعود فيها وإن أكرهتمونا وجبرتمونا على الدخول فيها لا نقبل ولا ندخل. ﴿قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها﴾ والجواب عن هذا مثل ما أجيب به عن الأوّل وهو أن نقول: إنّ الله نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة إلا أن شعيباً نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً مما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ أي: إلا أن يشاء خذلاننا وارتدادنا فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا وفيه دليل على أنّ الكفر بمشيئة الله تعالى، وقيل: أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون ﴿وسع ربنا كل شيء علماً﴾ أي: وسع علمه كل شيء فلا يخفى عليه شيء مما كان وما يكون منا ومنكم ﴿على الله توكلنا﴾ في أن يثبتنا على الإيمان ويخلصنا من الأشرار ولما أيس شعيب من إيمان قومه دعا بهذا الدعاء فقال: ﴿ربنا افتح﴾ أي: اقض وافصل واحكم ﴿بيننا وبين قومنا بالحق﴾ أي: بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف ﴿وأنت خير الفاتحين﴾ أي: الحاكمين. ﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه﴾ أي: قال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم ﴿لئن اتبعتم شعيباً﴾ أي: على دينه وتركتم دينكم وما أنتم عليه ﴿إنكم إذاً لخاسرون﴾ أي: مغبونون

стр. 492

لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف أو لاستبدال ضلالته بهداكم وجواب القسم الذي وطأته اللام في لئن اتبعتم شعيباً وجواب الشرط قوله: ﴿إنكم إذاً لخاسرون﴾ فهو سادّ مسدّ الجوابين. ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ أي: الزلزلة الشديدة ﴿فأصبحوا في دارهم﴾ أي: مدينتهم ﴿جاثمين﴾ أي: باركين على الركب ميتين، قال ابن عباس ﵄: فتح الله عليهم باباً من جهنم فأرسل عليهم حرّاً شديداً فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء فدخلوا في الأسراب ليتبرّدوا فيها فوجدوها أشدّ حرّاً من الظاهر فخرجوا إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد وصاروا رماداً، وروي أنّ الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحرّ سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من بعيد فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون فأتاهم وأخبرهم فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك الجبل عليهم فذلك قوله تعالى: ﴿عذاب يوم الظلة﴾ (الشعراء، ١٨٩) وقال قتادة: بعث الله تعالى شعيباً إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين فأمّا أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأمّا أصحاب مدين فأخذتهم الصيحة صاح بهم جبريل ﵇ فهلكوا جميعاً، قال أبو عبدا الله البجلي: كان أبو جاد وهوّز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة كلمن فلما هلك قالت ابنته شعراً ترثيه وتبكيه: *كلمن قد هدّركني ... هلكه وسط المحله* *سيد القوم أتاه ال ... حتف نار تحت ظله* *جعلت ناراً عليهم ... دارهم كالمضمحله* وقوله تعالى: ﴿الذين كذبوا شعيباً﴾ مبتدأ خبره ﴿كأن﴾ مخففة واسمها محذوف أي: كأنهم ﴿لم يغنوا﴾ أي: لم يبقوا وينزلوا ﴿فيها﴾ أي: في ديارهم يوماً من الدهر يقال: غنيت بالمكان أي: أقمت به والمغاني المنازل التي بها أهلها واحدها مغني قال الشاعر: *ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد* أراد أقاموا فيه وقيل: كأن لم يعيشوا فيها متنعمين يقال: غني الرجل إذا استغنى وهو من الغنى الذي هو ضدّ الفقر قال الشاعر: *غنينا زماناً بالتصعلك والغنى ... وكل سقانا بكاسيهما الدهر* *فما زادنا بغياً على ذي قرابة ... غنى ولا أزرى بأحسابنا الفقر* قال الزجاج: معنى غنينا عشنا والتصعلك الفقر يقال للفقير: صعلوك ﴿الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين﴾ أي: ديناً ودنيا دون الذين اتبعوه فإنهم الرابحون في الدارين وأكد ذلك بإعادة الموصول وغيره للردّ عليهم في قولهم السابق. ﴿فتولى﴾ أي: أعرض شعيب ﴿عنهم﴾ أي: عن قومه ﴿وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم﴾ أي: قال ذلك لما تيقن نزول العذاب بهم تأسفاً وحزناً عليهم لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابة والإيمان ثم أنكر

стр. 493

على نفسه فقال: ﴿فكيف آسى﴾ أي: أحزن ﴿على قوم كافرين﴾ لأنهم ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بسبب كفرهم، وقيل: قال ذلك اعتذاراً عن عدم شدّة حزنه عليهم والمعنى: لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح فلم يصدّقوا قولي فكيف أحزن عليهم وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبيّ﴾ فيه إضمار وحذف تقديره: فكذبوه ﴿إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء﴾ قال ابن مسعود: البأساء الفقر والضرّاء المرض، وقيل: البأساء الشدّة وضيق العيش والضرّاء سوء الحال ﴿لعلهم يضرّعون﴾ أي: فعلنا بهم ذلك لكي يتضرّعوا ويتوبوا والتضرّع التذلل والخضوع والانقياد لأمر الله. ﴿ثم بدّلنا مكان السيئة الحسنة﴾ أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدّة السلامة والسعة كقوله تعالى: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾ (الأعراف، ١٦٨) فأخبر الله تعالى بهذه الآية أنه يأخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو قوله تعالى: ﴿حتى عفوا﴾ أي: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم يقال: عفا الشعر إذا كثر وطال ومنه قوله ﷺ «وأعفوا اللحى» أي: وفروها وأكثروا شعرها ﴿وقالوا﴾ كفراً للنعمة ﴿قد مس آباءنا الضرّاء والسرّاء﴾ وهذه عادة الدهر قديماً وحديثاً لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدّة والضرّاء عقوبة لنا من الله تعالى على ما نحن عليه فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء والسراء قال الله تعالى: ﴿فأخذناهم بغتة﴾ أي: فجأة أينما كانوا ليكون ذلك أعظم لحسرتهم ﴿وهم لا يشعرون﴾ أي: بنزول العذاب بهم والمراد بذكر هذه القصة وغيرها من القصص اعتبار من سمعها لينزجر عما هو عليه من الذنوب ويرجع إلى الله تعالى ويزداد الذين آمنوا إيماناً. ﴿ولو أنّ أهل القرى﴾ أي: المكذبين ﴿آمنوا﴾ أي: بالله ورسوله ﴿واتقوا﴾ أي: الشرك والمعاصي ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ أي: لأتيناهم بالخير من كل جهة، وقيل: بركات السماء المطر وبركات الأرض النبات والثمار والأنعام وجميع ما فيها من الخيرات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه وإنعامه على عباده. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف ﴿ولكن كذبوا﴾ أي: فعلنا بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ولكن كذبوا الرسل ﴿فأخذناهم﴾ أي: عاقبناهم بأنواع العذاب ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يكسبون﴾ من الكفر والمعاصي. وقوله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ وما بينما اعتراض والمعنى: أبعد ذلك أمن أهل القرى ﴿أن يأتيهم بأسنا﴾ أي: عذابنا ﴿بياتاً﴾ أي: ليلاً وقوله تعالى: ﴿وهم نائمون﴾ حال من ضمير هم البارز أو المستتر في بياتاً. ﴿أو أمن أهل القرى﴾ هو استفهام بمعنى الإنكار وفيه وعيد وزجر وتهديد والمراد بالقرى مكة وما حولها وقيل: هو عام في كل أهل القرى الذين كفروا وكذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بسكون الواو والباقون بفتح الواو ﴿أن يأتيهم بأسنا ضحى﴾ أي: نهاراً لأن الضحى صدر النهار ﴿وهم يلعبون﴾ أي: وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم وقوله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ تقرير لقوله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى﴾ ومكر الله استعارة لاستدراج العبد بالنعم في الدنيا وأخذه من حيث لا يحتسب ﴿فلا يأمن

стр. 494

مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ أي: إنه لا يأمن استدراجه إياهم بالنعم وأخذهم بغتة إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين فعلى العاقل أن يكون في خوفه من الله تعالى كالمحارب الذي يخاف من عدوّه المتمكن البيات والغيلة، وعن الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى أنّ ابنته قالت له: مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله تعالى: ﴿أن يأتيهم بأسنا بياتاً﴾ : ﴿أولم يهد﴾ أي: يتبين ﴿للذين يرثون الأرض﴾ أن يسكنونها ﴿من بعد﴾ هلاك ﴿أهلها﴾ الذين كانوا من قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم فيها ﴿أن لو نشاء أصبناهم﴾ بالعذاب ﴿بذنوبهم﴾ كما أصبنا من قبلهم والهمزة للتوبيخ وأن لو نشاء مرفوع بأنه فاعل يهد أي: أولم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن وهو أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي: بسببها كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين منهم كما أهلكنا المورثين وإنما عدى فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين كما مرّ. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية واواً في الوصل والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: ﴿ونطبع﴾ أي: نختم ﴿على قلوبهم﴾ معطوف على ما دلّ عليه ﴿أولم يهد﴾ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم أو على يرثون الأرض أو يكون منقطعاً بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم ﴿فهم لا يسمعون﴾ موعظة أي: لا يقبلونها ومنه سمع الله لمن حمده قال الشاعر: *دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول* أي: يقبله ويستجيبه. ﴿تلك القرى﴾ أي: القرى التي ذكرنا لك يا محمد أمرها وأمر أهلها وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب ﴿نقص عليك﴾ يا محمد ﴿من أنبائها﴾ أي: نخبرك عنها وعن أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم الذين أرسلوا إليهم لتعلم أننا ننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على أعدائهم من أهل الكفر والعناد وكيف أهلكناهم بكفرهم ومخالفتهم رسلهم وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم ﴿ولقد جاءتهم﴾ أي: أهل تلك القرى ﴿رسلهم بالبينات﴾ أي: بالمعجزات الباهرات والبراهين الدالة على صدقهم وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام وأمال حمزة وابن ذكوان الألف وسكن السين أبو عمرو ورفعها الباقون ﴿فما كانوا ليؤمنوا﴾ أي: عند مجيئهم بها ﴿بما كذبوا﴾ أي: كفروا به ﴿من قبل﴾ أي: قبل مجيء الرسل بل استمرّوا على الكفر واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالتهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم ﴿كذلك﴾ أي: كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية وأهلكهم يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون من قومك. ﴿وما وجدنا لأكثرهم﴾ أي: لأكثر الناس على الإطلاق أو لأكثر الأمم الخالية والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك، وأكد الاستغراق فقال: ﴿من عهد﴾ أي: من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق، والآية على الأوّل اعتراض وعلى الثاني من تتمة الكلام السابق ﴿وإن﴾ مخففة أي: وإنا ﴿وجدنا﴾ أي: في علمنا في عالم الشهادة ﴿أكثرهم لفاسقين﴾ أي: خارجين عن دائرة العهد طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب

стр. 495

وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. ﴿ثم بعثنا من بعدهم﴾ أي: الرسل المذكورين وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام أو الأمم المهلكين ﴿موسى﴾ ﵇ ﴿بآياتنا﴾ أي: بحجتنا الدالة على صدقه كاليد والعصا ﴿إلى فرعون﴾ هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم والنجاشي لملوك الحبشة، وكان اسم فرعون موسى: قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط ﴿وملائه﴾ أي: عظماء قومه وخصهم بالذكر لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل ﴿فظلموا﴾ أي: كفروا ﴿بها﴾ أي: بسبب رؤيتها خوفاً على رياستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم ﴿فانظر﴾ أيها المخاطب بعين البصيرة ﴿كيف كان عاقبة المفسدين﴾ أي: آخر أمرهم أي: كيف فعلنا بهم وكيف أهلكناهم. ﴿وقال موسى﴾ لما دخل على فرعون ﴿يا فرعون﴾ خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه وذلك لأن فرعون كان لقب مدح لمن ملك مصر ﴿إني رسول﴾ أي: مرسل إليك وإلى قومك ثم بين مرسله بقوله تعالى: ﴿من ربّ العالمين﴾ أي: الإله الذي خلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم، وقوله تعالى: ﴿حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق﴾ جواب لتكذيب فرعون إياه في دعوى الرسالة وإنما لم يذكره لدلالة قوله تعالى: ﴿فظلموا بها﴾ (الأعراف، ١٠٣) والحق هو الثابت الدائم والحقيق. مبالغة فيه وكأن المعنى: أنا ثابت مستمرّ على أن لا أقول على الله إلا الحق قرأ نافع عليّ بالتشديد فحقيق مبتدأ خبره أن وما بعدها والباقون بالسكون وعلى هذا تكون على بمعنى الباء أو يضمن حقيق معنى حريص وأن لا مقطوعة في الرسم أي: النون من لام الألف ﴿قد جئتكم ببينة﴾ أي: معجزة ﴿من ربكم﴾ على صدقي فيما أدعي من الرسالة وهي العصا واليد البيضاء ثم إن موسى ﵇ لما فرّغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم قوله: ﴿فأرسل معي بني إسرائيل﴾ أي: فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدّسة التي هي وطن آبائهم وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب اللبن ونقل التراب ونحوهما ﴿قال﴾ فرعون لعنه الله مجيباً لموسى ﵇ ﴿إن كنت جئت بآية﴾ أي: علامة على صحة رسالتك ﴿فأت بها إن كنت من الصادقين﴾ أي: في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. ﴿فألقى عصاه فإذا هي﴾ أي: العصا ﴿ثعبان مبين﴾ أي: ظاهر أمره لا شك فيه أنه ثعبان، والثعبان الذكر العظيم من الحيات. فإن قيل: أليس قال الله تعالى في موضع: ﴿كأنها جان﴾ (النمل، ١٠) والجان الحية الصغيرة؟ أجيب: بأنها كانت كالجان في الخفة والحركة وهي في جثتها حية عظيمة. روي أنه لما ألقاها صارت حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعاً وارتفعت عن الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب فرعون عن سريره هارباً وأحدث قيل: أخذته البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرّة وقد قيل: إنه كان يأكل الموز حتى لا يتغوّط وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك الله
следующие страницы →