← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

رسلهم أي: آخر أمرهم من الهلاك وأقرب الأمم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أرسل الله تعالى عليهم حجارة من السماء لما عصوه وكذبوا رسوله. ﴿وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا﴾ به أي: وإن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين فرقة آمنت بي وصدقت برسالتي وفرقة كذبت وجحدت برسالتي ﴿فاصبروا﴾ أي: فتربصوا ﴿حتى يحكم الله بيننا﴾ أي: بين الفرقتين فيعز المؤمنين أي: المصدّقين وينصرهم ويهلك المكذبين الجاحدين ويعذبهم وفي هذا وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين ﴿وهو خير الحاكمين﴾ أي: لا حيف في حكمه ولا معقب له لأنه تعالى منزه عن الجور والميل في حكمه وإنما قال: ﴿خير الحاكمين﴾ لأنه قد يسمى بعض الأشخاص حاكماً على سبيل المجاز والله تعالى هو الحاكم في الحقيقة. أي: الجماعة ﴿الذين استكبروا﴾ أي: تكبروا ﴿من قومه﴾ عن الإيمان بالله ورسوله وتعظموا عن اتباع شعيب ﵊ ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن﴾ أي: ترجعن ﴿في ملتنا﴾ أي: لا بدّ من أحد الأمرين إمّا إخراجك ومن اتبعك على دينك من بلدنا أو عودكم في الكفر. فإن قيل: شعيب لم يكن قط على ملتهم حتى يرجع إلى ما كان عليه؟ أجيب: بأنّ أتباع شعيب كانوا على ملة أولئك الكفار فخاطبوا شعيباً وأتباعه جميعاً فدخل هو في الخطاب وإن لم يكن على ملتهم قط لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقاً فاستعمل العود في حقهم على سبيل المجاز وجرى بعضهم على أن العود يستعمل بمعنى صار كما يستعمل بمعنى رجع فلا يستلزم الرجوع إلى حالة سابقة بل هو انتقال من حالة سابقة إلى حالة مستأنفة كما قال القائل: *فإن تكن الأيام تحسن مرّة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب* راد فقد صارت لهنّ دنوب ولم يرد أن ذنوباً كانت لهنّ قبل الإحسان ﴿قال﴾ لهم شعيب على سبيل الاستفهام الإنكاري ﴿أولو كنا كارهين﴾ أي: كيف نعود فيها ونحن كارهون لها، وقيل: لا نعود فيها وإن أكرهتمونا وجبرتمونا على الدخول فيها لا نقبل ولا ندخل. ﴿قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها﴾ والجواب عن هذا مثل ما أجيب به عن الأوّل وهو أن نقول: إنّ الله نجى قومه الذين آمنوا به من تلك الملة الباطلة إلا أن شعيباً نظم نفسه في جملتهم وإن كان بريئاً مما كانوا عليه من الكفر فأجرى الكلام على حكم التغليب ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا﴾ أي: إلا أن يشاء خذلاننا وارتدادنا فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا وفيه دليل على أنّ الكفر بمشيئة الله تعالى، وقيل: أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون ﴿وسع ربنا كل شيء علماً﴾ أي: وسع علمه كل شيء فلا يخفى عليه شيء مما كان وما يكون منا ومنكم ﴿على الله توكلنا﴾ في أن يثبتنا على الإيمان ويخلصنا من الأشرار ولما أيس شعيب من إيمان قومه دعا بهذا الدعاء فقال: ﴿ربنا افتح﴾ أي: اقض وافصل واحكم ﴿بيننا وبين قومنا بالحق﴾ أي: بالعدل الذي لا جور فيه ولا ظلم ولا حيف ﴿وأنت خير الفاتحين﴾ أي: الحاكمين. ﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه﴾ أي: قال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم ﴿لئن اتبعتم شعيباً﴾ أي: على دينه وتركتم دينكم وما أنتم عليه ﴿إنكم إذاً لخاسرون﴾ أي: مغبونون

стр. 492

لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف أو لاستبدال ضلالته بهداكم وجواب القسم الذي وطأته اللام في لئن اتبعتم شعيباً وجواب الشرط قوله: ﴿إنكم إذاً لخاسرون﴾ فهو سادّ مسدّ الجوابين. ﴿فأخذتهم الرجفة﴾ أي: الزلزلة الشديدة ﴿فأصبحوا في دارهم﴾ أي: مدينتهم ﴿جاثمين﴾ أي: باركين على الركب ميتين، قال ابن عباس ﵄: فتح الله عليهم باباً من جهنم فأرسل عليهم حرّاً شديداً فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء فدخلوا في الأسراب ليتبرّدوا فيها فوجدوها أشدّ حرّاً من الظاهر فخرجوا إلى البرية فبعث الله تعالى عليهم سحابة فيها ريح طيبة باردة فأظلتهم وهي الظلة فوجدوا لها برداً ونسيماً فنادى بعضهم بعضاً حتى اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم ناراً ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد وصاروا رماداً، وروي أنّ الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحرّ سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من بعيد فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون فأتاهم وأخبرهم فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك الجبل عليهم فذلك قوله تعالى: ﴿عذاب يوم الظلة﴾ (الشعراء، ١٨٩) وقال قتادة: بعث الله تعالى شعيباً إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين فأمّا أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة وأمّا أصحاب مدين فأخذتهم الصيحة صاح بهم جبريل ﵇ فهلكوا جميعاً، قال أبو عبدا الله البجلي: كان أبو جاد وهوّز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين وكان ملكهم في زمن شعيب يوم الظلة كلمن فلما هلك قالت ابنته شعراً ترثيه وتبكيه: *كلمن قد هدّركني ... هلكه وسط المحله* *سيد القوم أتاه ال ... حتف نار تحت ظله* *جعلت ناراً عليهم ... دارهم كالمضمحله* وقوله تعالى: ﴿الذين كذبوا شعيباً﴾ مبتدأ خبره ﴿كأن﴾ مخففة واسمها محذوف أي: كأنهم ﴿لم يغنوا﴾ أي: لم يبقوا وينزلوا ﴿فيها﴾ أي: في ديارهم يوماً من الدهر يقال: غنيت بالمكان أي: أقمت به والمغاني المنازل التي بها أهلها واحدها مغني قال الشاعر: *ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد* أراد أقاموا فيه وقيل: كأن لم يعيشوا فيها متنعمين يقال: غني الرجل إذا استغنى وهو من الغنى الذي هو ضدّ الفقر قال الشاعر: *غنينا زماناً بالتصعلك والغنى ... وكل سقانا بكاسيهما الدهر* *فما زادنا بغياً على ذي قرابة ... غنى ولا أزرى بأحسابنا الفقر* قال الزجاج: معنى غنينا عشنا والتصعلك الفقر يقال للفقير: صعلوك ﴿الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين﴾ أي: ديناً ودنيا دون الذين اتبعوه فإنهم الرابحون في الدارين وأكد ذلك بإعادة الموصول وغيره للردّ عليهم في قولهم السابق. ﴿فتولى﴾ أي: أعرض شعيب ﴿عنهم﴾ أي: عن قومه ﴿وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم﴾ أي: قال ذلك لما تيقن نزول العذاب بهم تأسفاً وحزناً عليهم لأنهم كانوا كثيرين وكان يتوقع منهم الإجابة والإيمان ثم أنكر

стр. 493

على نفسه فقال: ﴿فكيف آسى﴾ أي: أحزن ﴿على قوم كافرين﴾ لأنهم ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بسبب كفرهم، وقيل: قال ذلك اعتذاراً عن عدم شدّة حزنه عليهم والمعنى: لقد بالغت في الإبلاغ والإنذار وبذلت وسعي في النصح فلم يصدّقوا قولي فكيف أحزن عليهم وقوله تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبيّ﴾ فيه إضمار وحذف تقديره: فكذبوه ﴿إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضرّاء﴾ قال ابن مسعود: البأساء الفقر والضرّاء المرض، وقيل: البأساء الشدّة وضيق العيش والضرّاء سوء الحال ﴿لعلهم يضرّعون﴾ أي: فعلنا بهم ذلك لكي يتضرّعوا ويتوبوا والتضرّع التذلل والخضوع والانقياد لأمر الله. ﴿ثم بدّلنا مكان السيئة الحسنة﴾ أي: أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدّة السلامة والسعة كقوله تعالى: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾ (الأعراف، ١٦٨) فأخبر الله تعالى بهذه الآية أنه يأخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج وهو قوله تعالى: ﴿حتى عفوا﴾ أي: كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم يقال: عفا الشعر إذا كثر وطال ومنه قوله ﷺ «وأعفوا اللحى» أي: وفروها وأكثروا شعرها ﴿وقالوا﴾ كفراً للنعمة ﴿قد مس آباءنا الضرّاء والسرّاء﴾ وهذه عادة الدهر قديماً وحديثاً لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدّة والضرّاء عقوبة لنا من الله تعالى على ما نحن عليه فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء والسراء قال الله تعالى: ﴿فأخذناهم بغتة﴾ أي: فجأة أينما كانوا ليكون ذلك أعظم لحسرتهم ﴿وهم لا يشعرون﴾ أي: بنزول العذاب بهم والمراد بذكر هذه القصة وغيرها من القصص اعتبار من سمعها لينزجر عما هو عليه من الذنوب ويرجع إلى الله تعالى ويزداد الذين آمنوا إيماناً. ﴿ولو أنّ أهل القرى﴾ أي: المكذبين ﴿آمنوا﴾ أي: بالله ورسوله ﴿واتقوا﴾ أي: الشرك والمعاصي ﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ أي: لأتيناهم بالخير من كل جهة، وقيل: بركات السماء المطر وبركات الأرض النبات والثمار والأنعام وجميع ما فيها من الخيرات وكل ذلك من فضل الله تعالى وإحسانه وإنعامه على عباده. وقرأ ابن عامر بتشديد التاء والباقون بالتخفيف ﴿ولكن كذبوا﴾ أي: فعلنا بهم ذلك ليؤمنوا فما آمنوا ولكن كذبوا الرسل ﴿فأخذناهم﴾ أي: عاقبناهم بأنواع العذاب ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يكسبون﴾ من الكفر والمعاصي. وقوله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى﴾ عطف على قوله تعالى: ﴿فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾ وما بينما اعتراض والمعنى: أبعد ذلك أمن أهل القرى ﴿أن يأتيهم بأسنا﴾ أي: عذابنا ﴿بياتاً﴾ أي: ليلاً وقوله تعالى: ﴿وهم نائمون﴾ حال من ضمير هم البارز أو المستتر في بياتاً. ﴿أو أمن أهل القرى﴾ هو استفهام بمعنى الإنكار وفيه وعيد وزجر وتهديد والمراد بالقرى مكة وما حولها وقيل: هو عام في كل أهل القرى الذين كفروا وكذبوا. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر بسكون الواو والباقون بفتح الواو ﴿أن يأتيهم بأسنا ضحى﴾ أي: نهاراً لأن الضحى صدر النهار ﴿وهم يلعبون﴾ أي: وهم ساهون لاهون غافلون عما يراد بهم وقوله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ تقرير لقوله تعالى: ﴿أفأمن أهل القرى﴾ ومكر الله استعارة لاستدراج العبد بالنعم في الدنيا وأخذه من حيث لا يحتسب ﴿فلا يأمن

стр. 494

مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ أي: إنه لا يأمن استدراجه إياهم بالنعم وأخذهم بغتة إلا من خسر في أخراه وهلك مع الهالكين فعلى العاقل أن يكون في خوفه من الله تعالى كالمحارب الذي يخاف من عدوّه المتمكن البيات والغيلة، وعن الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى أنّ ابنته قالت له: مالي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ فقال: يا ابنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله تعالى: ﴿أن يأتيهم بأسنا بياتاً﴾ : ﴿أولم يهد﴾ أي: يتبين ﴿للذين يرثون الأرض﴾ أن يسكنونها ﴿من بعد﴾ هلاك ﴿أهلها﴾ الذين كانوا من قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم فيها ﴿أن لو نشاء أصبناهم﴾ بالعذاب ﴿بذنوبهم﴾ كما أصبنا من قبلهم والهمزة للتوبيخ وأن لو نشاء مرفوع بأنه فاعل يهد أي: أولم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن وهو أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم أي: بسببها كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين منهم كما أهلكنا المورثين وإنما عدى فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين كما مرّ. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية واواً في الوصل والباقون بتحقيقهما وقوله تعالى: ﴿ونطبع﴾ أي: نختم ﴿على قلوبهم﴾ معطوف على ما دلّ عليه ﴿أولم يهد﴾ كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم أو على يرثون الأرض أو يكون منقطعاً بمعنى: ونحن نطبع على قلوبهم ﴿فهم لا يسمعون﴾ موعظة أي: لا يقبلونها ومنه سمع الله لمن حمده قال الشاعر: *دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله يسمع ما أقول* أي: يقبله ويستجيبه. ﴿تلك القرى﴾ أي: القرى التي ذكرنا لك يا محمد أمرها وأمر أهلها وهي قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب ﴿نقص عليك﴾ يا محمد ﴿من أنبائها﴾ أي: نخبرك عنها وعن أهلها وما كان من أمرهم وأمر رسلهم الذين أرسلوا إليهم لتعلم أننا ننصر رسلنا والذين آمنوا معهم على أعدائهم من أهل الكفر والعناد وكيف أهلكناهم بكفرهم ومخالفتهم رسلهم وفي ذلك تسلية للنبي ﷺ وتحذير لكفار قريش أن يصيبهم مثل ما أصابهم ﴿ولقد جاءتهم﴾ أي: أهل تلك القرى ﴿رسلهم بالبينات﴾ أي: بالمعجزات الباهرات والبراهين الدالة على صدقهم وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بالإظهار والباقون بالإدغام وأمال حمزة وابن ذكوان الألف وسكن السين أبو عمرو ورفعها الباقون ﴿فما كانوا ليؤمنوا﴾ أي: عند مجيئهم بها ﴿بما كذبوا﴾ أي: كفروا به ﴿من قبل﴾ أي: قبل مجيء الرسل بل استمرّوا على الكفر واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما صلحوا للإيمان لمنافاته لحالتهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم ﴿كذلك﴾ أي: كما طبع الله على قلوب كفار الأمم الخالية وأهلكهم يطبع الله على قلوب الكافرين الذين كتب عليهم أنهم لا يؤمنون من قومك. ﴿وما وجدنا لأكثرهم﴾ أي: لأكثر الناس على الإطلاق أو لأكثر الأمم الخالية والقرون الماضية الذين قصصنا خبرهم عليك، وأكد الاستغراق فقال: ﴿من عهد﴾ أي: من وفاء بالعهد الذي عهدناه إليهم وأوصيناهم به يوم أخذ الميثاق، والآية على الأوّل اعتراض وعلى الثاني من تتمة الكلام السابق ﴿وإن﴾ مخففة أي: وإنا ﴿وجدنا﴾ أي: في علمنا في عالم الشهادة ﴿أكثرهم لفاسقين﴾ أي: خارجين عن دائرة العهد طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب

стр. 495

وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم. ﴿ثم بعثنا من بعدهم﴾ أي: الرسل المذكورين وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام أو الأمم المهلكين ﴿موسى﴾ ﵇ ﴿بآياتنا﴾ أي: بحجتنا الدالة على صدقه كاليد والعصا ﴿إلى فرعون﴾ هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم والنجاشي لملوك الحبشة، وكان اسم فرعون موسى: قابوس، وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان وكان ملك القبط ﴿وملائه﴾ أي: عظماء قومه وخصهم بالذكر لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم فكأنهم المقصودون والإرسال إليهم إرسال إلى الكل ﴿فظلموا﴾ أي: كفروا ﴿بها﴾ أي: بسبب رؤيتها خوفاً على رياستهم ومملكتهم الفانية أن تخرج من أيديهم ﴿فانظر﴾ أيها المخاطب بعين البصيرة ﴿كيف كان عاقبة المفسدين﴾ أي: آخر أمرهم أي: كيف فعلنا بهم وكيف أهلكناهم. ﴿وقال موسى﴾ لما دخل على فرعون ﴿يا فرعون﴾ خاطبه بما يعجبه امتثالاً لأمر الله تعالى له أن يلين في خطابه وذلك لأن فرعون كان لقب مدح لمن ملك مصر ﴿إني رسول﴾ أي: مرسل إليك وإلى قومك ثم بين مرسله بقوله تعالى: ﴿من ربّ العالمين﴾ أي: الإله الذي خلق الخلق وهو سيدهم ومالكهم، وقوله تعالى: ﴿حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق﴾ جواب لتكذيب فرعون إياه في دعوى الرسالة وإنما لم يذكره لدلالة قوله تعالى: ﴿فظلموا بها﴾ (الأعراف، ١٠٣) والحق هو الثابت الدائم والحقيق. مبالغة فيه وكأن المعنى: أنا ثابت مستمرّ على أن لا أقول على الله إلا الحق قرأ نافع عليّ بالتشديد فحقيق مبتدأ خبره أن وما بعدها والباقون بالسكون وعلى هذا تكون على بمعنى الباء أو يضمن حقيق معنى حريص وأن لا مقطوعة في الرسم أي: النون من لام الألف ﴿قد جئتكم ببينة﴾ أي: معجزة ﴿من ربكم﴾ على صدقي فيما أدعي من الرسالة وهي العصا واليد البيضاء ثم إن موسى ﵇ لما فرّغ من تبليغ رسالته رتب على ذلك الحكم قوله: ﴿فأرسل معي بني إسرائيل﴾ أي: فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدّسة التي هي وطن آبائهم وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب اللبن ونقل التراب ونحوهما ﴿قال﴾ فرعون لعنه الله مجيباً لموسى ﵇ ﴿إن كنت جئت بآية﴾ أي: علامة على صحة رسالتك ﴿فأت بها إن كنت من الصادقين﴾ أي: في عداد أهل الصدق العريقين فيه لتصح دعواك عندي وتثبت. ﴿فألقى عصاه فإذا هي﴾ أي: العصا ﴿ثعبان مبين﴾ أي: ظاهر أمره لا شك فيه أنه ثعبان، والثعبان الذكر العظيم من الحيات. فإن قيل: أليس قال الله تعالى في موضع: ﴿كأنها جان﴾ (النمل، ١٠) والجان الحية الصغيرة؟ أجيب: بأنها كانت كالجان في الخفة والحركة وهي في جثتها حية عظيمة. روي أنه لما ألقاها صارت حية عظيمة صفراء شقراء فاغرة فاها بين لحييها ثمانون ذراعاً وارتفعت عن الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب فرعون عن سريره هارباً وأحدث قيل: أخذته البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرّة وقد قيل: إنه كان يأكل الموز حتى لا يتغوّط وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك الله

стр. 496

الذي أرسلك أن تأخذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثم قال: هل معك آية أخرى قال: نعم. ﴿ونزع يده﴾ أي: أخرجها من جيبه، وقيل: من تحت إبطه بعد أن أراه إياها محترقة أدماً كما كانت وهي عنده ﴿فإذا هي بيضاء﴾ نورانية ﴿للناظرين﴾ لها شعاع غلب شعاع الشمس قال ابن عباس: كان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض له لمعان مثل لمعان البرق فخرّوا على وجوههم ثم ردّها إلى جيبه فإذا هي كما كانت ولما كان البياض المفرط عيباً في الجسد وهو البرص قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿من غير سوء﴾ (طه، ٢٢) أي: من غير برص. فإن قيل: بم يتعلق قوله تعالى: ﴿للناظرين﴾ ؟ أجيب: بأنه يتعلق بقوله تعالى: ﴿بيضاء﴾ والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب. فإن قيل: أحد هذين الأمرين إمّا العصا وإمّا اليد كان كافياً فما فائدة الجمع بينهما؟ أجيب: بأنّ كثرة الدلائل توجب القوّة في اليقين وزوال الشك وقول بعض الملحدين: المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد وهو أنّ حجة موسى ﵇ كانت قوية ظاهرة قاهرة من حيث أنها أبطلت أقوال المخالفين وأظهرت فسادها كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين ومن أنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال في العرف: لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني أي: قوة كاملة ومرتبة ظاهرة مردود إذ حمل هاتين المعجزتين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله ولما أتى بالبيان وأقام واضح البرهان. ﴿قال الملأ﴾ أي: الأكابر ﴿من قوم فرعون إنّ هذا﴾ أي: موسى ﴿لساحر عليم﴾ أي: عالم بالسحر ماهر فيه قد أخذ بأعين الناس ويريهم الشيء بخلاف ما هو عليه حتى يخيل إليهم أنّ العصا صارت حية وأنّ الآدم أبيض كما أراهم يده بيضاء وهو آدم اللون وإنما قالوا ذلك لأن السحر كان هو الغالب في ذلك الزمان. فإن قيل: قد أخبر الله تعالى في هذه السورة أن هذا الكلام من قول الملأ لفرعون وقال في سورة الشعراء وقال أي: فرعون للملأ حوله: ﴿إن هذا لساحر عليم﴾ (الشعراء، ٣٤) فكيف الجمع بينهما؟ أجيب: عن ذلك بجوابين: الأوّل: لا يمتنع أن يكون قاله فرعون أولاً ثم إنهم قالوه بعده فأخبر الله عنهم هنا وأخبر عن فرعون في سورة الشعراء. الثاني: أن فرعون قال هذا القول ثم إن الملأ من قومه وهم خاصته سمعوه منه ثم إنهم بلغوه إلى العامّة فأخبر الله تعالى هنا عن الملأ وأخبر هناك عن فرعون ﴿يريد﴾ أي: موسى ﴿أن يخرجكم﴾ أيها القبط ﴿من أرضكم﴾ أي: أرض مصر ﴿فماذا تأمرون﴾ أي: أيّ شيء تشيرون أن نفعل به فقوله: ﴿فماذا تأمرون﴾ من قول فرعون وإن لم يذكر، وقيل: من قول الملأ وتمّ كلام فرعون عند قوله: ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم﴾ فقال الملأ مجيبين له: فماذا تأمرون وإنما خاطبوه بلفظ الجمع وهو واحد على عادة الملوك في التعظيم والتفخيم، والمعنى: فما تأمرون أن نفعل به والقول الأوّل أصح لسياق الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿قالوا أرجئه﴾ أي: موسى ﴿وأخاه﴾ هارون ﵉ أي: أخر أمرهما ولا تعجل فيه حتى ننطر فى أمرهما والإرجاء في اللغة التأخير وقيل: الحبس أي: احبسه وأخاه ورد بأن فرعون ما كان يقدر على حبس موسى بعدما رأى من أمر العصا ما رأى.v

стр. 497

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بهمزة ساكنة والباقون بغير همز ﴿وأرسل في المدائن﴾ جمع مدينة واشتاقها من مدن بالمكان أي: أقام به أي: مدائن صعيد مصر ﴿حاشرين﴾ أي: أرسل رجالاً من أعوانك وهم الشرط بضم الشين وفتح الراء طائفة من أعوان الولاة يحشرون إليك السحرة من جميع مدائن الصعيد، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد فإن غلبهم موسى صدّقناه واتبعناه وإن غلبوه علمنا أنه ساحر فذلك قوله تعالى: ﴿يأتوك﴾ أي: الشرط ﴿بكل ساحر عليم﴾ أي: ماهر بصناعته والباء يحتمل أن تكون بمعنى مع ويحتمل أن تكون باء التعدية، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد الحاء مفتوحة وألف بعدها ولا ألف قبلها والباقون بتخفيف الحاء مكسورة وألف قبلها ولا ألف بعدها ولم يختلفوا في سورة الشعراء أنه سحار، قيل: الساحر الذي يعلم السحر ولا يعلم والسحار من يديم السحر، روي أنّ فرعون لما رأى من سلطان الله وقدرته في العصا ما رأى قال: إنا لا نقاتل موسى إلا بمن هو أقوى منه فاتخذ غلماناً من بني إسرائيل وبعث بهم إلى مدينة يقال لها: الفرما يعلمونهم السحر فعلموهم سحراً كثيراً وواعد فرعون موسى موعداً ثم بعث السحرة الذين أرسلهم فجاؤوا ومعلمهم معهم فقال فرعون للمعلم: ما صنعت؟ فقال: علمتهم سحراً لا تطيقه أهل الأرض إلا أن يأتي أمر من السماء فإنهم لا طاقة لهم به ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحر إلا أتي به وهذا يدل على أنّ السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وهو يدل على صحة ما يقوله المتكلمون وهو أنه تعالى يجعل معجزة كل نبيّ من جنس ما كان غالباً على أهل ذلك الزمان لما كان السحر غالباً على أهل زمان موسى كانت معجزته شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة للسحر في الحقيقة، ولما كان الطب غالباً على أهل زمان عيسى ﵇ كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد ﷺ كانت معجزته من جنس الفصاحة. واختلفوا في عدد السحرة الذي جمعهم فرعون فمن مقل ومن مكثر وليس في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد ولذلك اختلف في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط وهما رؤساء القوم وسبعون من بني إسرائيل، وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى بلدة يونس ﵇ وكانوا سبعين غير رئيسهم، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفاً، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال عكرمة: كانوا سبعين ألف، وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفاً، وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون، وقال ابن جريج: كان رئيسهم يوحنا. ﴿وجاء السحرة فرعون﴾ أي: بعدما أرسل الشرط في طلبهم ﴿قالوا أئن لنا لأجراً﴾ أي: جعلاً وعطاءً تكرمنا به ﴿إن كنا نحن الغالبين﴾ لموسى. فإن قيل: هلا قيل: فقالوا بالفاء؟ أجيب: بأنه على تقدير: سائل سأل ما قالوا إذا جاؤوا؟ فأجيب: بقوله: ﴿أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين﴾ وقرأ ابن كثير وحفص بهمزة مكسورة ونون مشدّدة بعدها على الخبر والباقون بهمزتين وسهل الثانية أبو عمرو وأدخل ألفاً بينهما والباقون بتحقيقهما وأدخل بينهما ألفاً هشام والباقون بغير ألف بينهما. ﴿قال﴾ لهم فرعون ﴿نعم﴾ أي: لكم الأجر والعطاء وقرأ الكسائي بكسر العين والباقون بالفتح وقوله تعالى: ﴿وإنكم لمن المقرّبين﴾

стр. 498

عطف على محذوف سدّ مسدّ الجواب كأنه قيل: جواباً لقولهم: ﴿أئن لنا لأجراً﴾ إنّ لكم أجراً وإنكم لمن المقربين أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل أزيدكم عليه وتلك الزيادة أني أجعلكم من المقرّبين عندي، قال الكلبيّ: تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج من عندي الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مهيناً عاجزاً وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى وتدل أيضاً على أنّ كل السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان لقلبوا التراب ذهباً ولنقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب. ﴿قالوا﴾ أي: السحرة ﴿يا موسى إمّا أن تلقى﴾ أي: عصاك ﴿وإمّا أن نكون نحن الملقين﴾ أي: عصينا وحبالنا فراعوا مع موسى ﵇ حسن الأدب حيث قدموه على أنفسهم في الإلقاء فعوضهم الله تعالى حيث تأدّبوا مع نبيه ﵇ أن منّ عليهم بالإيمان والهداية ولما راعوا الأدب أوّلاً وأظهروا ما يدل على رغبتهم. ﴿قال﴾ لهم موسى ﴿اتقوا﴾ أنتم فقدّمهم على نفسه في الإلقاء. فإن قيل: كيف جاز لنبيّ الله تعالى موسى ﵇ أن يأمر بالإلقاء وقد علم أنه سحر وفعل السحر حرام أو كفر؟ أجيب: عن ذلك بأجوبة: أحدها: إنّ معناه إن كنتم محقين في فعلكم فألقوا وإلا فلا تلقوا، الثاني: أنّ القوم إنما جاؤوا لإلقاء تلك الحبال والعصيّ وعلم موسى ﵇ أنه لا بدّ وأن يفعلوا ذلك ووقع التحير في التقديم والتأخير فعند ذلك أذن لهم في التقديم ازدراء لشأنهم وقلة مبالاته بهم وثقته بما وعده الله تعالى من التأييد والتقوية وأنّ المعجزة لا يغلبها سحر أبداً، الثالث: أنه ﵇ كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر وإبطاله ما كان يمكن إلا بتقديمهم فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله فلهذا المعنى أمرهم بالإلقاء أولاً ﴿لما ألقوا﴾ حبالهم وعصيهم ﴿سحروا﴾ أي: صرفوا ﴿أعين الناس﴾ عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذي هو فعل الله تعالى وذلك لأنّ السحر ليس فيه قلب الأعيان وإنما فيه صرف أعين الناس عن إدراك ذلك الشيء بسبب التمويهات والمعجزة قلب ذلك الشيء حقيقة كقلب عصا موسى ﵇ فإذا هي حية تسعى ﴿واسترهبوهم﴾ أي: أرهبوهم والسين زائدة قاله المبرد، وقال الزجاج: استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس وذلك بأن بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك أيها الناس احذروا فهذا هو الاسترهاب ﴿وجاؤوا﴾ أي: السحرة ﴿بسحر عظيم﴾ . روي أنّ السحرة قالوا: قد عملنا سحراً لا تطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به وذلك أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فإذا هي حيات تسعى كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً ويقال: إنهم طلوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا داخل تلك العصى زئبقاً ليضيء وألقوها على الأرض فلما أثر حرّ الشمس فيها تحرّكت والتوى بعضها على بعض حتى تخيل للناس أنها حيات تتحرّك وتلتوي باختيارها،

стр. 499

ويقال: إن الأرض كان سعتها ميلاً في ميل فصارت كلها حيات وأفاعي ففزع الناس من ذلك وأوجس في نفسه خيفة موسى وهذه الخيفة لم تحصل لموسى ﵇ لأجل سحرهم لأنه كان على ثقة ويقين من الله تعالى أنهم لم يغلبوه وهو غالبهم وكان عالماً بأنّ ما أتوا به على وجه المعارضة لمعجزته فهو من باب السحر والتخيل وذلك باطل ومع هذا الجزم يمتنع حصول الخوف لموسى ﵇ وإنما كان خوفه لأجل فزع الناس واضطرابهم مما رأوه من أمر تلك الحيات فخاف موسى ﵇ أن يتفرّقوا قبل ظهور معجزته وحجته فلذلك أوجس في نفسة خيفة موسى. ﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك﴾ فألقاها فصارت حية عظيمة قد سدّت الأفق قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالاسكندرية وقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاهاً ثمانين ذراعاً ﴿فإذا هي تلقف﴾ بحذف إحدى التاءين من الأصل أي: تبتلع ﴿ما يأفكون﴾ أي: ما يزوّرونه من الإفك وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه. روي أنها ابتلعت كل ما أتوا به من السحر فكانت تبتلع حبالهم وعصيهم واحداً واحداً حتى ابتلعت الكل ثم أقبلت على الذين حضروا ذلك المجمع ففزعوا ووقع الزحام عليهم فمات منهم بسبب ذلك الزحام خمسة وعشرون ألفاً ثم أخذها موسى ﵇ فصارت في يده عصا كما كانت أوّل مرة فلما رأى السحرة ذلك عرفوا أنه أمر من السماء وليس بسحر وعرفوا أنّ ذلك ليس في قدرة البشر وقوّتهم فعند ذلك خروا سجداً وقالوا: آمنا برب العالمين وذلك قوله تعالى: ﴿فوقع الحق﴾ أي: فظهر الحق الذي جاء به موسى ﴿وبطل ما كانوا يعملون﴾ أي: من السحر وذلك أنّ السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا فلما فقدت وتلاشت في عصا موسى علموا أنّ ذلك من أمر الله تعالى وقدرته وقرأ حفص: تلقف بسكون اللام وتخفيف القاف والباقون بفتح اللام وتشديد القاف وشدّد التاء البزيّ. ﴿فغلبوا﴾ أي: فرعون وجموعه ﴿هنالك﴾ أي: عند ذلك الأمر العظيم العالي الرتبة ﴿وانقلبوا صاغرين﴾ أي: رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين ﴿وألقي السحرة ساجدين﴾ أي: أنّ الله تعالى ألهمهم ذلك وحملهم عليه حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى وينقلب الأمر عليه، قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا. قال فرعون: إياي تعنون قالوا: لا بل. ﴿رب موسى﴾ فقال: إياي تعنون لأني أنا الذي ربيت موسى فلما قالوا: ﴿وهارون﴾ زالت الشبهة وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السماء قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة: أتؤمن بي إن غلبتك فقال: لآتينّ بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومننّ بك وفرعون ينظر إليهما ويسمع كلامهما فهذا قوله: ﴿إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة﴾ ويقال: إنّ الحبال والعصيّ التي كانت مع السحرة كانت حمل ثلثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى ﵇ كلها قال بعضهم لبعض: هذا أمر خارج عن هذا السحر وما هو إلا من أمر السماء فآمنوا وصدّقوا. فإن قيل: كان يجب أن يأتوا بالإيمان قبل السجود فما فائدة تقديم السجود على الإيمان؟ أجيب: بأنّ الله تعالى لما قذف في قلوبهم الإيمان والمعرفة خرّوا سجداً لله تعالى شكراً على ما هداهم إليه وألهمهم من الإيمان بالله

стр. 500

تعالى وتصديق رسوله ثم أظهروا بعد ذلك إيمانهم قال قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، وعن الحسن: نرى من ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا وكذا وهؤلاء الكفار نشؤوا في الكفر بذلوا أنفسهم لله تعالى. ﴿قال فرعون﴾ للسحرة منكراً عليهم موبخاً لهم بقوله: ﴿آمنتم﴾ أي: صدقتم ﴿به﴾ أي: بموسى أو بالله تعالى والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ. فائدة: هنا ثلاث همزات جميع القراء بإبدال الثالثة ألفاً وحقق الثانية شعبة وحمزة والكسائي وسهلها نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر وأمّا حفص فإنه أسقط الأولى وأبدلها قنبل في الوصل واواً ﴿قبل أن آذن لكم﴾ أي: قبل أن آمركم بذلك وآذن لكم فيه ﴿إنّ هذا لمكر مكرتموه﴾ أي: إن هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى ﴿في المدينة﴾ أي: مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع، وذلك أنّ فرعون رأى موسى يحدّث كبير السحرة فظن فرعون أن موسى وكبير السحرة قد تواطؤوا عليه وعلى أهل مصر ليستولوا على مصر كما قال: ﴿لتخرجوا منها أهلها﴾ أي: القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل وقوله تعالى: ﴿فسوف تعلمون﴾ فيه وعيد وتهديد أي: فسوف تعلمون ما أفعل بكم ثم فسر ذلك الوعيد بقوله: ﴿لأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾ أي: يخالف الطرف الذي تقطع منه اليد الطرف الذي تقطع منه الرجل، قال الكلبي: لأقطعنّ أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى ﴿ثم لأصلبنكم﴾ أي: أعاقبكم ممددة أيديكم لتصير على هيئة الصليب أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي فيكم ﴿أجمعين﴾ أي: لا أترك منكم أحداً تفضيحاً لكم وتنكيلاً لأمثالكم قال ابن عباس: أوّل من صلب وقطع الأيدي والأرجل فرعون أي: إنه أوّل من سنّ ذلك فشرعه الله تعالى للقطاع تعظيماً لجرمهم ولذلك سماه محاربة الله ورسوله ولكن على التعاقب لفرط رحمته. ﴿قالوا﴾ أي: السحرة مجيبين لفرعون حين وعدهم بما ذكر ﴿إنا إلى ربنا﴾ بعد موتنا على أيّ وجه كان ﴿منقلبون﴾ أي: راجعون إليه في الآخرة. ﴿وما تنقم﴾ أي: تنكر ﴿منا﴾ أي: في فعلك ذلك بنا وتعيب علينا ﴿إلا أن آمنا﴾ أي: إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان ﴿بآيات ربنا لما جاءتنا﴾ لم نتأخر عن معرفة الصدق وهذا موجب الإكرام لا الإنتقام ثم فزعوا إلى الله تعالى فقالوا: ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً﴾ عندما توعدهم فرعون به أي: اصبب علينا صبراً كاملاً تاماً ولهذا أتى بلفظ التنكير أي: صبراً وأيّ صبر عظيم ﴿وتوفنا مسلمين﴾ أي: واقبضنا على دين الإسلام وهو دين خليلك ﵇ قال ابن عباس: كانوا في أوّل النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء، قال الطيبيّ: إنّ فرعون قطع أيديهم وأرجلم وصلبهم، وقال غيره: إنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى: ﴿بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون﴾ (القصص، ٣٥) . تنبيه: في الآية فوائد الأولى قولهم: ﴿أفرغ علينا صبراً﴾ أكمل من قولهم أنزل علينا صبراً لأن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية فكأنهم طلبوا من الله تعالى كل الصبر لا بعضه، الثانية: إنّ قولهم صبراً مذكور بصيغة التنكير وذلك يدل على تمام الكمال أي: صبراً تاماً كاملاً، الثالثة: إن ذكر الصبر من قبلهم ومن أعمالهم ثم إنهم طلبوه من الله تعالى وذلك يدل على أنّ فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى وقضائه، الرابعة: احتج القاضي بهذه الآية على أنّ الإيمان والإسلام واحد فقال: إنهم قالوا

стр. 501

أوّلاً: آمنا بآيات ربنا، ثم قالوا ثانياً: وتوفنا مسلمين فوجب أن يكون ذلك الإيمان هو ذلك الإسلام وذلك يدل على أنّ أحدهما هو الآخر واعلم أنّ فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرّض لموسى لأنه كان كلما رأى موسى ﵇ خافه أشدّ الخوف فلهذا السبب لم يتعرّض له إلا أن القوم لم يعرفوا ذلك فقالوا له: ﴿أتذر موسى وقومه﴾ كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى: ﴿وقال الملأ﴾ أي: الأشراف ﴿من قوم فرعون﴾ له ﴿أتذر﴾ أي: تترك ﴿موسى وقومه﴾ من بني إسرائيل ﴿ليفسدوا في الأرض﴾ أي: أرض مصر وأراد بالفساد فيها أنهم يأمرونهم بمخالفة فرعون وهو قولهم: ﴿ويذرك وآلهتك﴾ أي: معبوداتك أي: فلا يعبدك ولا يعبدها، قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة حسنة يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمرهم بعبادتها ولذلك أخرج لهم السامري عجلاً، وقال السدي: كان فرعون اتخذ لقومه أصناماً وكان يأمرهم بعبادتها وقال لهم: أنا ربكم ورب هذه الأصنام وذلك قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ . فإن قيل: إنّ فرعون إن لم يكن كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسل إليه وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالق السموات والأرض لأنّ فساد معلوم بالضرورة؟ أجيب: بأن الأقرب أن يكون دهرياً منكر الوجود الصانع وكان يقول: مدبر هذا السفلي هو الكواكب واتخذ أصناماً على صورة الكواكب وكان يعبدها ويأمر بعبادتها وكان يقول في نفسه: إنه المطاع المخدوم في الأرض ولهذا قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ ﴿قال﴾ فرعون مجيباً لملئه حين قالوا له: أتذر موسى وقومه ﴿سنقتل أبناءهم﴾ أي: المولودين ﴿ونستحيي نساءهم﴾ أي: نتركهم أحياء كما كنا نفعل من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ولا يتوهم إنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكك على يديه. وقرأ نافع وابن كثير بفتح النون وسكون القاف وضم التاء مخففة والباقون بضم النون وفتح القاف وكسر التاء مشدّدة ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾ أي: غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظرة فأعادوا عليهم القتل فشكت بنو إسرائيل لموسى فأمرهم بالصبر كما قال تعالى: ﴿قال موسى لقومه﴾ أي: بني إسرائيل ﴿استعينوا بالله واصبروا﴾ أي: استعينوا بالله على فرعون وقومه فيما نزل بكم من البلاء فإن الله تعالى هو الكافي لكم واصبروا على ما نالكم من المكاره في أنفسكم وأبنائكم ﴿إنّ الأرض﴾ أي: أرض مصر وإن كانت الأرض كلها ﴿﴾ تعالى لأنّ الكلام فيها ﴿يورثها من يشاء من عباده﴾ وفي هذا تسلية لهم وتقريراً للأمر بالاستعانة بالله والتثبت في الأمر وقوله تعالى: ﴿والعاقبة﴾ أي: المحمودة ﴿للمتقين﴾ لأنّ الله تعالى وعدهم بالنصر وتذكير لما وعدهم به من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وتحقيق له ولما سمع بنو إسرائيل ما قال فرعون من توعده لهم بالقتل مرّة ثانية. ﴿قالوا﴾ لموسى ﴿أوذينا من قبل أن تأتينا﴾ أي: بالرسالة وذلك إن بني إسرائيل كانوا مستضعفين في يد فرعون وقومه وكان يأخذ منهم الجزية وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة إلى نصف النهار ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم فلما جاء موسى بالرسالة وجرى له ما جرى شدد فرعون في استعمالهم فكان يستعملهم جميع النهار بلا أجر وأراد أن يعيد القتل

стр. 502

عليهم فقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ﴿ومن بعد ما جئتنا﴾ أي: بالرسالة. فإن قيل: ظاهر هذا الكلام يوهم أن بني إسرائيل كرهوا مجيء موسى بالرسالة وذلك كفر أجيب: عن هذا الإيهام بأنّ موسى ﵇ كان قد وعدهم بزوال ما كانوا فيه من الشدّة والمشقة فظنوا أنّ ذلك يكون على الفور فلما رأوا أنّ المشقة قد زادت عليهم قالوا ذلك أي: فمتى يكون ما وعدتنا به من زوال ما نحن فيه ﴿قال﴾ موسى ﵇ مجيباً لهم: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوّكم﴾ أي: فرعون وقومه ﴿ويستخلفكم في الأرض﴾ أي: يجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم، قال البيضاوي: ولعله أتى بفعل الطمع أي: بعسى لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم. وقد روي أنّ مصر إنما فتح لهم في زمن داود ﵇ ثم سبب عن الاستخلاف قوله تعالى مذكراً لهم محذراً من سطواته تعالى: ﴿فينظر﴾ أي: وأنتم خلفاء متمكنون ﴿كيف تعملون﴾ أي: يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد إبقاعكم للأعمال ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداته. روي عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان فطلب زيادة لعمرو فلم يجد فقرأ عمرو هذه الآية ثم دخل عليه بعدما استخلف فذكر له ذلك وقال: قد بقي فينظر كيف تعملون. ﴿ولقد أخدنا آل فرعون﴾ أي: فرعون وقومه ﴿بالسنين﴾ أي: بالقحط والجوع سنة بعد سنة فإنّ السنة تطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام ومنه قوله ﷺ «اللهمّ اجعلها عليهم كسني يوسف» ﴿ونقص من الثمرات﴾ أي: بالعاهات، قال قتادة: أمّا السنين فلأهل البوادي وأمّا نقص الثمرات فلأهل الأمصار، وعن كعب يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة إلا تمرة ﴿لعلهم يذكرون﴾ أي: يتعظون فيؤمنون ويرجعون عما هم عليه من الكفر والمعاصي لأنّ الشدّة ترقق القلوب وترغب فيما عند الله تعالى من الخيرات والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإذا مسكم الضرّ في البحر ضلّ من تدعون إلا إياه﴾ (الإسراء، ٦٧) وقوله تعالى: ﴿وإذا مسه الشرّ فذو دعاء عريض﴾ (فصلت، ٥١) وقال سعيد بن جبير: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في نفسه ثلثمائة وعشرين سنة ولو أصابه في تلك المدّة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية ثم بين أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة﴾ قال ابن عباس: العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة ﴿قالوا لنا هذه﴾ أي: نحن مستحقوه على العادة التي جرت من كثرة نعمتنا وسعة أرزاقنا ولم يعلموا أنه من الله تعالى فيشكروه على أنعامه ﴿وإن تصبهم سيئة﴾ أي: قحط وجدب ومرض وبلاء ورأوا ما يكرهونه في أنفسهم ﴿يطيروا﴾ يتشاءموا وأصله يتطيروا ﴿بموسى ومن معه﴾ من المؤمنين، ويقولون: ما أصابنا إلا بشؤمهم وهذا إغراق في وصفهم في الغباوة والقساوة فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك سيما بعد مشاهدة الآيات وهي لم تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتوّاً وانتهاكاً في البغي وإنما عرّف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها وتعلق الإرادة بأحداثها بالذات ونكر السيئة وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد إلا بالتبع ﴿ألا إنما

стр. 503

طائرهم عند الله﴾ أي: سبب خيرهم وشرهم عنده تعالى وهو حكمه ومشيئته أو سبب شؤمهم عند الله تعالى وهو أعمالهم المكتوبة عنده فإنها التي ساقت إليهم ما يسوءهم ﴿ولكنّ أكثرهم لا يعلمون﴾ أي: إنّ ما يصيبهم من الله تعالى وذلك لأنّ أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطعونها عن قضاء الله تعالى وتقديره: والحق أنّ الكل من الله تعالى لأنّ كل موجود إما واجب لذاته أو ممكن لذاته والواجب لذاته واحد وما سواه ممكن لذاته والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته وبهذا الطريق يكون الكل من الله تعالى فإسناده إلى غير الله تعالى يكون جهلاً بكمال الله تعالى.H ﴿وقالوا﴾ أي: فرعون وقومه القبط لموسى ﵇ ﴿مهما تأتنا به﴾ وقوله تعالى: ﴿من آية﴾ أي: من عند ربك بيان لمهما وإنما سموها آية على زعم موسى لا لاعتقادهم ولذلك قالوا: ﴿لتسحرنا بها﴾ أي: لتصرفنا عما نحن عليه من الدين ﴿فما نحن لك بمؤمنين﴾ أي: بمصدّقين. تنبيه: اختلف في أصل مهما فقيل: أصلها ما ما الأولى ما الشرطية والثانية ما الزائدة ضمت إليها للتأكيد ثم قلبت ألفها هاء استثقالاً لتكرير المتجانسين فصارت مهما هذا قول الخليل والبصريين، وقيل: أصلها مه التي بمعنى اكفف وما الجزائية كأنهم قالوا: اكفف ما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فهو كذا وكذا هذا قول الكسائي فهي مركبة على هذين القولين والمعتمد الذي جرى عليه ابن هشام وغيره أنها بسيطة لأنّ دعوى التركيب لم يقم عليها دليل ووزنها فعلى وألفها للإلحاق أو للتأنيث والضميران في به وبها راجعان لمهما إلا أن أحدهما ذكر باعتبار اللفط والثاني أنث باعتبار المعنى لأنه في معنى الآية ونحوه قول زهير: *ومهما يكن عند امرىء من خليقة ... وإذ خالها تخفى على الناس تعلم* قال في الكشاف: وهذه الكلمة في عداد الكلمات التي يحرّفها من لا يد له في علم العربية فيضعها في غير موضعها ويحسب أنها بمعنى متى ما ويقول: مهما جئتني أعطيتك قال ابن عباس: إنّ القوم لما قالوا مهما تأتنا به من آية من ربك فهي عندنا من باب السحر ونحن لا نؤمن بها البتة وكان موسى ﵇ رجلاً حديداً فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله تعالى له فقال تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان﴾ وقال سعيد بن جبير: لما آمنت السحرة ورجع فرعون مغلوباً أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي على الشر فتابع الله تعالى عليهم الآيات فأخذهم أوّلاً بالسنين وهو القحط ونقص الثمرات وأراهم قبل ذلك من المعجزات اليد والعصا فلم يؤمنوا فدعا عليهم موسى وقال: يا رب إنّ عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإنّ قومه قد نقضوا العهد فخذهم بعقوبة تجعلها عليهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة فبعث الله تعالى عليهم الطوفان وهو الماء فأرسل الله تعالى المطر من السماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ولم يدخل من ذلك الماء في بيوت بني إسرائيل شيء وركب ذلك الماء على أرضهم فلم يقدروا أن يحرثوا ولا يعملوا شيئاً ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت حتى كان الرجل منهم لا يرى شمساً ولا قمراً ولا يستطيع الخروج من داره فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به فأرسل إلى موسى عليه

стр. 504

السلام فقال: اكشف عنا العذاب فقد صار بحراً واحداً فإن كشف هذا العذاب آمنا بك فأزال الله تعالى عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض وخرج من النبات ما لم ير مثله قط فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل، وقيل: المراد بالطوفان الجدري وهو بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما قروح في البدن تنفط وتنضح، وقيل: هو الموتان وهو بضم الميم موت في الماشية، وقيل: هو الطاعون فنكثوا العهد ﴿و﴾ لم يؤمنوا وأقاموا شهراً في عافية فأرسل الله تعالى عليهم ﴿الجراد﴾ فأكل النبات والثمار وأرواق الشجر حتى كان يأكل الأبواب وسقوف البيوت ومسامير الأبواب من الحديد وابتلي الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعاً فضجوا من ذلك وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك فأعطوه عهد الله وميثاقه فدعا موسى ﵇ فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، وفي الخبر مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم، ويقال: إنّ موسى ﵇ برز إلى الفضاء وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت، وقيل: أرسل الله تعالى ريحاً فاحتمل الجراد فألقاه في البحر وكان قد بقي من زرعهم وغلاتهم بقية فقالوا: قد بقي لنا ما يكفينا فما نحن بتاركي ديننا ﴿و﴾ لم يؤمنوا وأقاموا أشهراً في عافية وعادوا إلى أعمالهم الخبيثة فأرسل الله تعالى عليهم ﴿القمل﴾ واختلفوا في القمل، فعن ابن عباس أنه السوس الذي يخرج من الحنطة، وعن قتادة أنه أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها. وعن عكرمة أنه الحمنان وهو ضرب من القراد، وعن عطاء القمل المعروف فأكل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه، وكان أحدهم يأكل طعاماً فيمتلىء قملاً، وكان أحدهم يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا يردّ منها إلا شيئاً يسير، وعن سعيد بن جبير كان إلى جنبهم كثيب أعفر فضربه به موسى ﵇ بعصاه فصار قملاً فأخذت أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري ومنعهم النوم والقرار فصاحوا وصرخوا هم وفرعون إلى موسى ﵇ وقال: إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء فدعا موسى فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم وقالوا: ما كنا أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم جعل الرمل دواب ﴿و﴾ لم يؤمنوا فدعا موسى ﵇ عليهم بعدما أقاموا شهراً في عافية فأرسل الله تعالى عليهم ﴿الضفادع﴾ فامتلأت منها بيوتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحدهم عن ثوب ولا طعام ولا شراب إلا وجد فيه الضفادع وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى رقبته ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه وكان يثب في قدورهم فيفسد عليهم طعامهم ويطفىء نيرانهم وكان أحدهم يضطجع فيركبه الضفدع فيكون عليه ركاماً حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر ويفتح فاه إلى أكلة فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه ولا يعجن عجيناً ولا يفتح قدراً إلا امتلأت ضفادع، وعن ابن عباس أنّ الضفادع كانت بريّة فلما أرسلها الله تعالى

стр. 505

إلى آل فرعون سمعت فأطاعت فجعلت تلقي نفسها في القدور وهي تغلي وفي التنانير وهي تفور فأثابها الله تعالى بحسن طاعتها برد الماء فلقوا منها أذى شديداً فشكوا إلى موسى ﵇ وقالوا: ارحمنا هذه المرّة فما بقي إلا أن نتوب التوبة النصوح ولا نعود فأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بأن أماتها وأرسل الله المطر والريح فاحتملها إلى البحر بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت ثم نكثوا العهد ﴿و﴾ لم يؤمنوا وعادوا لكفرهم وأعمالهم الخبيثة فدعا عليهم موسى بعدما أقاموا شهراً في عافية فأرسل الله تعالى عليهم ﴿الدم﴾ فصارت مياههم كلها دماً فما يستقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه ماء عبيطاً أحمر فشكوا إلى فرعون وقالوا: ليس لنا شراب، فقال: إنه سحركم، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئاً من الماء إلا دماً عبيطاً وكان فرعون لعنه الله تعالى يجمع بين القبطيّ والإسرائيليّ على الإناء الواحدة فيكون ما يلي الإسرائيليّ ماء وما يلي القبطيّ دماً ويقومان إلى الجرّة فيها الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطيّ دم حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي للمرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول: اسقيني من مائك فتصبّ لها من قربتها فيعود في الإناء دماً حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في فيّ فتأخذ في فيها ماء وإذا مجته في فيها صار دماً واعترى فرعون العطش حتى أنه كان ليضطرّ إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها دماً فمكثوا على ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم فأتوا موسى وشكوا إليه ما يلقونه وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فدعا موسى ﵇ ربه فكشف عنهم، وقيل: الدم الذي سلط عليهم هو الرعاف، وقوله تعالى: ﴿آيات﴾ نصب على الحال ﴿مفصلات﴾ أي: مبينات لا تشكل على عاقل إنها آيات الله تعالى ونقمته عليهم أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل آيتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعاً كما مرّت الإشارة إلى ذلك وقيل: إنّ موسى ﵇ لبث فيهم بعدما غلب السحرة وآمنوا به عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل ﴿فاستكبروا﴾ عن الإيمان فلم يؤمنوا ﴿وكانوا﴾ أي: فرعون وقومه ﴿قوماً مجرمين﴾ أي: كافرين. ﴿ ولما وقع عليهم الرجز﴾ أي: نزل بهم العذاب وهو ما ذكره الله تعالى من الطوفان وما بعده، وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدّمت فنزل بهم الطاعون فمات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفاً وتركوا غير مدفونين، قال الإمام الرازي: والقول الأوّل أقوى لأنّ لفظ الرجز مفرد محلى بالألف واللام فينصرف إلى المعهود السابق وههنا المعهود السابق هو الأنواع الخمسة التي تقدّم ذكرها وأمّا غيرها فمشكوك فيه فحمل اللفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه، وعن أسامة بن زيد: الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه ﴿قالوا يا موسى ادع لنا ربك﴾ ولم يقولوا ربنا كبراً وعتواً ﴿بما عهد عندك﴾ أي: بعهده عندك وهو النبوة وسميت عهداً لأن الله تعالى عهد أن يكرم النبيّ وهو عهد

стр. 506

أن يستقل بأعبائها أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك به في آياتك والباء إمّا أن تتعلق بقوله: ﴿ادع لنا ربك﴾ على وجهين: أحدهما: أسعفنا إلى ما نطلب منك من الدعاء لك بحق ما عندك من عهد الله وكرامته بالنبوة أو ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك وإمّا أن يكون قسماً مجاباً بقوله تعالى: ﴿لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك﴾ أي: أقسمنا بعهد الله تعالى عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك ﴿ولنرسلنّ معك بني إسرائيل﴾ أي: لنصدّقنك بما جئت به ولنخلين بني إسرائيل ليذهبوا حيث شاؤوا. ﴿فلما كشفنا عنهم الرجز﴾ أي: بدعاء موسى ﵇ ﴿إلى أجل هم بالغوه﴾ أي: إلى حدّ من الزمان هم بالغوه لا محالة فمعذبون فيه لا ينفعهم ما تقدّم لهم من الإمهال وكشف العذاب إلى حلوله وهو وقت إهلاكهم بالغرق في اليمّ وقوله تعالى: ﴿إذا هم ينكثون﴾ جواب لما أي: فلما كشفنا عنهم فاجؤا النكث من غير توقف وتأمّل فيه. فإن قيل: إنّ الله تعالى علم من حال هؤلاء أنهم لا يؤمنون بتلك المعجزات فما الفائدة في تواليها عليهم وإظهار الكثير منها؟ أجيب: بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عما يفعل قال تعالى: ﴿فانتقمنا منهم﴾ أي: كافأناهم على سوء صنيعهم وأصل الانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب لأنه تعالى لما كشف عنهم العذاب مرّات فلم يؤمنوا ولم يرجعوا عن كفرهم وبلغوا الأجل الذي أجل لهم انتقم منهم بأن أهلكهم كما قال تعالى: ﴿فأغرقناهم في اليمّ﴾ أي: في البحر الذي لا يدرك قعره، وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لأنّ المنتفعين به يقصدونه قال الأزهريّ: ويقع اليمّ على البحر الملح والبحر العذب ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فاقذفيه في اليمّ﴾ (طه، ٣٩) والمراد نيل مصر وهو عذب، وإغراقهم ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كذبوا بآياتنا﴾ الدالة على وحدانيتنا وصدق رسولنا ﴿وكانوا عنها﴾ أي: الآيات ﴿غافلين﴾ أي: لا يتدبرونها، وقيل: الضمير في عنها يرجع للنقمة التي دل عليها قوله تعالى: ﴿انتقمنا﴾ أي: وكانوا عن النقمة قبل حلولها غافلين. فإن قيل: الغفلة ليست من فعل الإنسان ولا تحصل باختياره فكيف جاء الوعيد على الغفلة أجيب: بأنّ المراد بالغفلة هنا الإعراض عن الآيات وعدم الالتفات إليها فهم أعرضوا عنها حتى صاروا كالغافلين عنها. فإن قيل: أليس قد ضموا إلى التكذيب والغفلة معاصي كثيرة فكيف يكون الانتقام بهذين دون غيرهما؟ أجيب: بأنه ليس في بيان أنه تعالى انتقم منهم بهذين دلالة على نفي ما عداهما. قال الرازي: والآية تدل على أنّ الواجب في الآيات النظر فيها فلذلك ذمّهم بأنهم غفلوا عنها وذلك يدل على أنّ التقليد طريق مذموم ولما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة بين تعالى ما فعله بالمؤمنين من الخيرات وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون﴾ أي: بالاستعباد وذبح الأبناء وأخذ الجزية والأعمال الشاقة وهم بنو إسرائيل ﴿مشارق الأرض ومغاربها﴾ أي: أرض الشأم وهي من الفرات إلى بحر سرف الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله كما نقله البقاعي في المائدة عن التوراة، وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان ﵉ وقد ملكا الأرض ويدل للأوّل قوله

стр. 507

تعالى: ﴿التي باركنا فيها﴾ أي: بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشأم ﴿وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل﴾ أي: مضت عليهم واستمرّت من قولهم تم عليه الأمر إذا قضي وهي قوله تعالى: ﴿ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض﴾ (القصص، ٥) الخ.. والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ومعنى تمت عليهم إنجاز الوعيد الذي تقدّ بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض وإنما كان الإنجاز تماماً للكلام لأنّ الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق فإذا حصل الموعود به فقد تمّ ذلك الوعد وكمل. فائدة: رسمت كلمة بالتاء المجرورة ووقف عليها بالهاء ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ووقف الباقون بالتاء وإنما حصل لهم ما ذكر ﴿بما صبروا﴾ أي: بسبب صبرهم وحسبك بها حاثاً على الصبر ودالاً على أنّ من قابل البلاء بالجزع وكله الله تعالى إليه ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله تعالى له الفرج ﴿ودمّرنا﴾ أي: أهلكنا، قال الليث: الدمار الهلاك التامّ ﴿ما كان يصنع فرعون وقومه﴾ في أرض مصر من القصور والعمارات ﴿وما كانوا يعرشون﴾ أي: من الجنان وما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الراء والباقون بالجرّ وهذا آخر ما قص الله تعالى من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله وظلمهم ومعاصيهم ثم أتبعه اقتصاص نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من مملكة فرعون واستعبادهم ومعاينتهم الآيات العظام بقوله تعالى: أي: قطعناه بهم. روي أنّ جوازهم كان يوم عاشوراء وأنّ موسى ﵇ صامه شكراً لله تعالى على إنجائهم وإهلاك عدوّهم ومع النعم التي أنعم الله تعالى بها عليهم لم يراعوها حق رعايتها كما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى: ﴿فأتوا على قوم﴾ أي: مرّوا عليهم ﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ أي: يقيمون على عبادتها، قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل قيل: كانوا قوماً من لخم وكانوا نزولاً بالرقة، وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف والباقون بالضم ﴿قالوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: لإنه كان مع موسى السبعون المختارون وكان فيهم من يرتفع عن مثل هذا السؤال الباطل وهو قولهم: ﴿يا موسى﴾ سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة ﴿اجعل لنا إلهاً﴾ أي: صنماً نعتكف عليه وهذا يدل على غاية جهلهم وذلك أنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير الله تعالى بعدما رأوا الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وكمال قدرته وهي الآيات التي توالت على قوم فرعون حتى أغرقهم الله تعالى في البحر بكفرهم وهو عبادتهم غير الله فحملهم جهلهم إلى أن قالوا لنبيهم موسى ﵇: اجعل لنا إلهاً ﴿كما لهم آلهة﴾ وفي ذلك تسلية للنبيّ ﷺ مما رأى من بني إسرائيل بالمدينة تذكرة لحال الإنسان وإنه ظلوم جهول كنود إلا من عصمه الله ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ (سبأ، ١٣) ﴿قال﴾ موسى ردّاً عليهم ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ما صدر عنهم بعدما رأوا من الآيات العظمى والمعجزة الكبرى لأنه جهل أعظم مما رأى منهم وأشنع. ﴿إنّ هؤلاء﴾ أي: القوم ﴿متبر﴾ أي: هالك مدمر ﴿ما هم فيه﴾ أي: إنّ الله تعالى يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها

стр. 508

رضاضاً ﴿وباطل﴾ أي: مضمحل ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي: من عبادتها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى لأن الاشتغال بعبادة غير الله يزيل معرفة الله تعالى من القلب، والمقصود من العبادة رسوخ معرفة الله تعالى في القلب، فكان هذا ضداً للغرض ونقيضاً للمطلوب. ﴿قال﴾ موسى ﵇ مجيباً لهم على سبيل الإنكار عليهم والتعجب ﴿أغير الله أبغيكم إلهاً﴾ وأصله: أبغي لكم أي: أطلب لكم معبوداً ﴿وهو﴾ أي: والحال أنه هو وحده ﴿فضلكم على العالمين﴾ إذ الإله ليس شيئاً يطلب ويلتمس ويتخذ بل الإله هو الذي يكون قادراً على الإنعام بالإيجاد وإعطاء الحياة وجميع النعم فهذا الموجود هو الإله الذي يجب على الخلق عبادته فكيف يجوز العدول عن عبادته إلى عبادة غيره وفي تفضيلهم على العالمين قولان: الأوّل: أنه تعالى فضلهم على عالمي زمانهم إلا ما يخصه العقل من الأنبياء والملائكة، والثاني: أنه تعالى خصهم بتلك الآيات القاهرة ولم يحصل مثلها لأحد من العالمين وإن كان غيرهم فضلهم بسائر الخصال مثاله: رجل يعلم علماً واحداً وآخر يعلم علوماً كثيرة سوى ذلك العلم فصاحب العلم الواحد مفضل على صاحب العلوم الكثيرة بذلك العلم في الحقيقة. ﴿وإذ أنجيناكم من آل فرعون﴾ أي: واذكروا صنعه معكم في هذا الوقت وقرأ ابن عامر بحذف الياء والنون والباقون بإثباتهما وقوله تعالى: ﴿يسومونكم﴾ أي: يكلفونكم ويذيقونكم ﴿سوء العذاب﴾ أي: أشدّه استئناف لبيان ما أنجاهم أو حال من المخاطبين أو من آل فرعون أو منهما وقوله تعالى: ﴿يقتلون أبناءكم ويستحيون﴾ أي: يستبقون ﴿نساءكم﴾ بدل من يسومونكم سوء العذاب ﴿وفي ذلكم﴾ أي: الإنجاء أو العذاب ﴿بلاء﴾ أي: نقمة أو محنة ﴿من ربكم عظيم﴾ أي: أفلا تتعظون وتنتهون عما قلتم. ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ نكلمه عند انتهائها بأن يصوم أيامها، روي أنّ موسى ﵇ وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله تعالى فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك سأل ربه فأمر بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة فصامه فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، وقيل: أوحى الله تعالى إليه أما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فأمره الله تعالى بعشرة أخرى ليكلمه الله بخلوف فمه كما قال تعالى: ﴿وأتممناها بعشر﴾ أي: من ذي الحجة ﴿فتم ميقات ربه﴾ أي: وقت وعده بتكليمه إياه ﴿أربعين ليلة﴾ وقيل: أمره أن يتخلى ثلاثين بالصوم والعبادة ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها ولقد أجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة وفصلها هنا، وقرأ أبو عمرو وعدنا بغير ألف قبل العين والباقون بألف. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ مع أن كل أحد يعلم أنّ الثلاثين مع العشر تكون أربعين؟ أجيب: بأنه تعالى إنما قال: ﴿أربعين ليلة﴾ إزالة لتوهم أنّ ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين كأنه كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين فأزال هذا الإيهام. تنبيه: الفرق بين الميقات والوقت أنّ الميقات ما قدّر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت للشيء قدره مقدّر أم لا وقوله تعالى: ﴿أربعين﴾ نصب على الحال أي: تمّ بالغاً هذا العدد وليلة نصب على التمييز ﴿وقال موسى لأخيه﴾ وقوله: ﴿هرون﴾ عطف بيان لأخيه أي: قال له عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة: ﴿اخلفني﴾ أي: كن

стр. 509

خيلفتي ﴿في قومي وأصلح﴾ أي: ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحاً ﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ أي: ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه. فإن قيل: إنّ هارون كان شريك موسى ﵉ في النبوّة فكيف جعله خليفة لنفسه فإنّ شريك الإنسان أعلى حالاً من خليفته، وردّ الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدون يكون إهانة له؟ أجيب: بأنّ الأمر وإن كان كما ذكر إلا أنّ موسى ﵇ كان هو الأصل في تلك النبوّة. فإن قيل: لما كان هارون نبياً والنبيّ لا يفعل إلا الإصلاح فكيف وصى إليه بالإصلاح؟ أجيب: بأنّ المقصود من هذا الأمر التأكيد كقول الخليل: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ (البقرة، ٢٦) ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا﴾ أي: للوقت الذي وعدناه للكلام فيه ﴿وكلمه ربه﴾ دلت الآية الكريمة على أنه تعالى كلم موسى ﵇ والناس مختلفون في كلام الله تعالى، قال الزمخشريّ في كشافه: وكلمه ربه من غير واسطة كما يكلم الملك وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطاً في اللوح، اه. وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأنّ ذلك الجرم كالشجرة لا يقول: أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري فثبت بذلك بطلان ما قالوه وذهب بعض الحنابلة والحشوية إلى أنّ كلام الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قديم، قال الإمام الرازي: وهذا القول أخس من أن يلتفت إليه العقل والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة أنّ كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وأنّ موسى سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية، قالوا: كما أنه لا يبعد رؤية ذاته مع أنّ ذاته ليست جسماً ولا عرضاً كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أنّ كلامه لا يكون حرفاً ولا صوتاً. وفيما روي أنّ موسى ﵇ كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على أنّ سماع كلامه تعالى القديم ليس من جنس كلام المحدثين وهل كان كلم موسى وحده أو مع أقوام آخرين؟ ظاهر الآية يدل للأوّل لأنّ قوله تعالى: ﴿وكلمه ربه﴾ يدل على تخصيص موسى ﵇ بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عمن عداه، وقال القاضي: بل السبعون المختارون سمعوا أيضاً كلام الله تعالى، قال: لأنّ الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى ﵇ عما يجري هناك وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكل وأيضاً فإنّ تكليم الله تعالى على هذا الوجه معجز وقد تقدّمت نبوّة موسى ﵇ فلا بدّ من ظهور هذا المعنى لغيره، ولما سمع ﵇ كلام ربه اشتاق إلى رؤيته ﴿قال رب أرني أنظر إليك﴾ قال في الكشاف: ثاني مفعولي أرني محذوف أي: أرني نفسك أنظر إليك. فإن قيل: الرؤية عين النظر فكيف قيل: أرني أنظر إليك؟ أجيب: بأنّ معنى أرني نفسك اجعلني متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك وفي هذا دليل على أنّ رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأنّ طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصاً ما يقتضي الجهل بالله تعالى ولذلك ردّه بأن ﴿قال﴾ له ﴿لن تراني﴾ دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إليّ تنبيهاً على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على بعد في الرائي لم يوجد فيه بعد وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين: قالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾ (النساء، ١٥٣) كما قاله الزمخشري أشدّ خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلم

стр. 510

ويزيل شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: اجعل لنا إلهاً والاستدلال بالجواب وهو قوله تعالى: ﴿لن تراني﴾ على استحالتها أشدّ خطأ إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته إياه على أنه لا يراه أبداً وأن لا يراه غيره أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالته فإنّ أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة قالوا: لن تكون لتأبيد النفي وهو خطأ لأنها لو كانت للتأبيد لزم التناقض بذكر اليوم في قوله تعالى: ﴿فلن أكلم اليوم إنسياً﴾ (مريم، ٢٦) ولزم التكرار بذكر أبداً في قوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبداً﴾ (البقرة، ٩٥) ولن تجتمع مع ما هو لانتهاء الغاية نحو قوله تعالى: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي﴾ (يوسف، ٨٠) وأمّا تأبيد النفي في قوله تعالى: ﴿لن يخلقوا ذباباً﴾ (الحج، ٧٣) فلأمر خارجيّ لا من مقتضيات لن ولا تقتضي تأكيد النفي أيضاً خلافاً للزمخشريّ في كشافه بل قولك: لن أقوم، محتمل لأن تريد به أنك لا تقوم أبداً وأنك لا تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة وهو موافق لقولك: لا أقوم، في عدم إفادة التأكيد وقوله تعالى: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيق الرؤية وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضاً دليل على جوازها لأنّ استقرار الجبل عند التجلي ممكن بأن يجعل الله تعالى له قوّة على ذلك والمعلق على الممكن ممكن وتراني في الحرفين الياء ثابتة وقفاً ووصلاً، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون والباقون بالضم، قال وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق: لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والرعد والبرق حتى أحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى ملائكة السموات أن يعرضوا على موسى ﵇ فمرّت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم مرّت به ملائكة السماء الثانية كأمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع مما رأى وسمع واقشعرّت كل شعرة في جسده ورأسه ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له رئيس الملائكة: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم مرّت به ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كلجب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ففزع موسى ﵇ واشتدّ فزعه وأيس من الحياة فقال له رأس الملائكة: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه ثم مرّت به ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مرّوا به ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من الذين مرّوا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعب قلبه واشتد بكاؤه فقال له رأس الملائكة: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم مرّت به ملائكة السماء الخامسة لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفاً واشتدّ حزنه وكثر بكاؤه فقال له رأس الملائكة: يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه ثم مرّت به ملائكة السماء السادسة وفي يد كل واحد منهم مثل النخلة الطويلة نور أشدّ ضوأً من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات

стр. 511

كلهم يقولون بشدّة أصواتهم: سبوح قدّوس ربّ العزة أبداً لا يموت في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم وهو يبكي ويقول: يا رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أنفلت مما أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت وإن مكثت احترقت، فقال له رأس الملائكة: قد أوشك يا ابن عمران أن يشتدّ خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور العرش انصدع نور الجبل من عظمة الله تعالى ورفعت الملائكة أصواتهم جميعاً يقولون: سبحان الملك القدّوس رب العزة أبداً لا يموت بشدّة أصواتهم فارتج الجبل واندك وذلك قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه﴾ أي: «أظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر» كما في حديث صححه الحاكم ﴿للجبل﴾ أي: جبل زبير بفتح الزاي والإضافة فيه بيانية لقول الجوهري: الزبير اسم للجبل الذي كلم الله تعالى ﵇ عليه ﴿جعله دكاً﴾ أي: مدكوكاً مفتتاً، وحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم فجعل الجبل دكاً مستوياً بالأرض والدك والدق أخوان، وقال ابن عباس: جعله تراباً، وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه، وقال الكلبي: كسر جبالاً صغاراً، قال البغويّ: ووقع في بعض التفاسير صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحرا. وقرأ حمزة والكسائيّ بألف بعد الكاف وهمزة مفتوحة من غير تنوين وصلاً ووقفاً أي: مستوياً ومنه ناقة دكاء للتي لا سنام لها والباقون بالتنوين بعد الكاف والوقف على ألف التنوين ﴿وخرّ﴾ أي: وقع ﴿موسى صعقاً﴾ أي: مغشياً عليه من هول ما رأى غشية كالموت، وروي أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشيّ عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون له: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة ﴿فلما أفاق﴾ من غشيته ﴿قال﴾ تعظيماً لما رأى ﴿سبحانك﴾ أي: تنزيهاً لك من النقائص كلها ﴿تبت إليك﴾ أي: من الجراءة والإقدام على السؤال بغير إذن، وقيل: لما كانت الرؤية مختصة بمحمد ﷺ فمنعها قال: سبحانك تبت إليك من سؤالي ما ليس لي، وقيل: لما سأل الرؤية ومنعها قال: تبت إليك من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئات المقرّبين ﴿وأنا أوّل المؤمنين﴾ أي: في زماني، وقيل: أنا أوّل من أمن إنك لا ترى في الدنيا أي: لكل الأنبياء وإلا فالرؤية ثابتة لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء على الصحيح وللزمخشري هنا في كشافه على مذهبه الفاسد في عدم الرؤية مطلقاً تأويلات فلتحذر. ﴿قال يا موسى إني اصطفيتك﴾ أي: اخترتك ﴿على الناس﴾ أي: الموجودين في زمانك وهارون وإن كان نبياً مرسلاً كان مأموراً باتباعه ولم يكن كليماً ولا صاحب شرع وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح ياء إني والباقون بالسكون وقوله تعالى: ﴿برسالاتي﴾ أي: بأسفار التوراة، قرأه نافع وابن كثير بغير ألف بعد اللام على التوحيد والباقون بالألف بعد اللام على الجمع ﴿وبكلامي﴾ أي: وبتكليمي إياك ﴿فخذ ما آتيتك﴾ أي: ما أعطيتك من الرسالة ﴿وكن من الشاكرين﴾ لأنعمي لأنّ موسى ﵇ لما منع الرؤية عدّد الله تعالى عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له: إن كنت

стр. 512

منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علماً وعملاً والمقصود تسلية موسى ﵇ عن منع الرؤية قال الإمام الرازي: وهذا أيضاً أحد ما يدل على أنّ الرؤية جائزة على الله تعالى إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة. وروي أنّ موسى ﵇ كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له زوجته: أنا لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرّت ساجدة وقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذاك إن لم تتزوّجي بعدي لأنّ المرأة لآخر أزواجها ﴿وكتبنا له﴾ أي: لموسى ﴿في الألواح﴾ أي: ألواح التوراة، قال البغوي: وفي الحديث: «كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنتا عشرة ذراعاً» وجاء في الحديث: «خلق الله آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده» والمراد بيده قدرته، وقيل: كانت من زبرجدة خضراء، وقيل: من ياقوتة حمراء، وقيل: من صحرة صماء لينها الله تعالى لموسى فقطعها بيده، وأمّا كيفية الكتابة فقال ابن جريج: كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور، وقال وهب: سمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر وكان ذلك في أوّل يوم من ذي القعدة، وقيل: إنّ موسى خرّ صعقاً ـ يوم عرفة وأعطى التوراة يوم النحر وكانت الألواح عشرة على طول موسى، وقيل: كانت تسعة، وقيل: سبعة، وقال مقاتل: وكتبنا له في الألواح كنقش الخاتم، وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى ﵈ أي: لم يحفظها ويقرأها عن ظهر قلب إلا هؤلاء الأربعة، قال الإمام الرازي: وليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح وعلى كيفية تلك الكتابة فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قويّ وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه. وأمّا قوله تعالى: ﴿من كل شيء﴾ فلا شبهة أنه ليس على العموم بل مما يحتاج إليه موسى ﵇ وقومه من أمر الدين وقوله تعالى: ﴿موعظة وتفصيلاً﴾ أي: تبييناً ﴿لكل شيء﴾ بدل من الجار والمجرور قبله أي: كتبنا كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام وقوله تعالى: ﴿فخذها﴾ على إضمار القول عطفاً على كتبنا أو بدلاً من قوله: ﴿فخذ ما آتيتك﴾ (الأعراف، ١٤٤) والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو الرسالة وعن كعب الأحبار أنّ موسى ﵇ نظر في التوراة فقال: إني أجد أمّة هي خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأوّل والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال رب اجعلهم أمّتي قال: هي أمّة محمد يا موسى، قال: يا رب إني أجد أمّة هم الحامدون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمراً قالوا: نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمّة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان الأوّلون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجابون والمستجاب لهم الشافعون والمشفعون لهم فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال:

стр. 513

يا رب إني أجد أمّة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط وادياً حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غرّ محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمّتي قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحداً إلا مرحوماً فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، قال: يا رب إني أجد أمّة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصطفون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم إلا من برىء من الحسنات مثل ما برىء الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمداً وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله تعالى إليه ﴿إني اصطفيتك﴾ الخ فرضي موسى كل الرضا، ومعنى ﴿بقوّة﴾ أي: بجدّ وعزيمة ﴿وأمر قومك يأخذوا بأحسنها﴾ أي: بأحسن ما فيها. فإن قيل: ظاهر هذا يقتضي أنّ فيها ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز لهم الأخذ به وذلك متناقض وأجيب عن ذلك بأجوبة: الأوّل: أنّ تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاد والعفو والانتصار والصبر فمرهم أن يحملوا أنفسهم بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ (الزمر، ٥٥) وقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (الزمر، ١٨) هذا ما أجاب به في الكشاف وتبعه البيضاوي والإمام الرازي لكن قال التفتازاني: هذا ينافي ما تقرر من أن المكتوب على بني إسرائيل هو القصاص قطعاً والجواب بأنه مثال للحسن والأحسن لا لكونه في التوراة بعيد جداً. فإن قيل: يلزم عليه أيضاً منع الأخذ بالحسن وذلك يقدح في كونه حسناً. أجيب عن هذا: بأن الأخذ بالحسن الثاني على سبيل الندب فلا يقدح في منع الأخذ بالحسن، الثاني: أن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح وأحسن هؤلاء الثلاثة الواجب، الثالث: أن المراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقاً لا بالإضافة وهو المأمور به كقولهم: الصيف أحر من الشتاء أي: هو في حره أبلغ من الشتاء في برده فكذا هنا المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في القبح ﴿سأريكم دار الفاسقين﴾ أي: دار فرعون وقومه وهي مصر كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل ما نكل بهم، وقيل: منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممرّكم عليها في أسفاركم، وقيل: المراد دارهم في الآخرة وهي جهنم. ﴿سأصرف عن آياتي﴾ المنصوبات في الآفاق والأنفس كغلق السموات والأرض وما بينهما ﴿الذين يتكبرون في الأرض﴾ أي: أصرفها عنهم بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها، وقال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن، وقوله تعالى: ﴿بغير الحق﴾ صلة يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل فإن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق فإن للمحق أن يتكبر

стр. 514

على المبطل وفي الكلام المشهور: التكبر على المتكبر صدقة ﴿وإن يروا كل آية﴾ أي: منزلة أو معجزة ﴿لا يؤمنوا بها﴾ أي: لعنادهم وتكبرهم ﴿وإن يروا سبيل﴾ أي: طريق ﴿الرشد﴾ أي: الهدى الذي جاء من عند الله ﴿لا يتخذوه سبيلاً﴾ أي: طريقاً يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد بل إن سلكوه فعن غير قصد. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الراء والشين والباقون بضمّ الراء وسكون الشين ﴿وإن يروا سبيل الغيّ﴾ أي: الضلال ﴿يتخذوه سبيلاً﴾ أي: بغاية الشهوة والتعمد والاعتماد لسلوكه ﴿ذلك﴾ أي: هذا الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرسالة ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كذبوا بآياتنا﴾ أي: الدالة على وحدانيتنا ﴿وكانوا عنها غافلين﴾ أي: كان دأبهم وديدنهم معاملتهم إيانا بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة وانهماكاً فيما يشغلهم عنها من شهواتهم، وعن الفضيل بن عياض ذكر لنا عن رسول الله ﷺ «إذا عظمت أمّتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت عليهم بركة الوحي» . ﴿والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة﴾ أي: وكذبوا بلقائهم الدار الآخرة التي هي موعد الثواب فهو من إضافة المصدر إلى المفعول به ويجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى الظرف بمعنى: ولقاء ما وعد الله في الدار الآخرة ﴿حبطت﴾ أي: بطلت ﴿أعمالهم﴾ أي: ما عملوه في الدنيا من خير كصلة رحم وصدقة فلا ثواب لهم لعدم شرطه ﴿هل﴾ أي: ما ﴿يجزون إلا﴾ جزاء ﴿ما كانوا يعملون﴾ أي: من التكذيب والمعاصي. ﴿واتخذ قوم موسى من بعده﴾ أي: بعد ذهابه إلى المناجاة ﴿من حليهم﴾ أي: الذي استعاروه من القبط بسبب عرس فبقي عندهم. فإن قيل: كيف قال: من حليهم وكان معهم معاراً؟ أجيب: بأنه لما أهلك الله تعالى قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم وصارت ملكاً لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك وأورثناها قوماً آخرين﴾ (الدخان، الآيات: ٢٥ ٢٦ ٢٧ ٢٨) وقرأ حمزة والكسائي بكسر الحاء والباقون بضمها ﴿عجلاً﴾ أي: صاغه لهم منه السامري وقوله تعالى: ﴿جسداً﴾ بدل منه أي: صار جسداً ذا لحم ودم ﴿له خوار﴾ أي: صوت البقر. روي أنّ السامريّ لما صاغ العجل ألقي في فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل ﵇ يوم قطع البحر فصار حياً له خوار، وقيل: صاغه بنوع من الحيل فيدخل الريح جوفه ويصوت. وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا به أو لأنّ المراد اتخاذهم إياه إلهاً، وقيل: إنه ما خار إلا مرّة واحدة، وقيل: إنه كان يخور كثيراً فإذا خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم، وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرّك، قال السدي: كان يخور ويمشي. وقوله تعالى: ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً﴾ تقريع على فرط ضلالهم وإفراطهم بالنظر لأن هذا العجل لا يمكنه أن يتكلم بصواب ولا يهدي إلى رشد ولا يقدر على ذلك ومن كان كذلك كان جماداً أو حيواناً ناقصاً عاجزاً وعلى كلا التقديرين لا يصلح أن يعبد، ثم وصفهم الله تعالى بالظلم بقوله: ﴿اتخذوه﴾ أي: العجل إلهاً ﴿وكانوا ظالمين﴾ أي: واضعين الأشياء في غير موضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم ولا أوّل مناكيرهم واختلفوا هل كل قوم موسى عبدوا العجل أو بعضهم؟

стр. 515

قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون، واحتج عليه بوجهين: الأوّل: عموم هذه الآية، والثاني: قول موسى ﵇ في هذه القصة: ﴿رب اغفر لي ولأخي﴾ (الأعراف، ١٥١) قال: خص نفسه وأخاه بالدعاء وذلك يدلّ على أنّ من كان مغايراً لهما ما كان أهلاً للدعاء ولو بقوا على الإيمان ما كان الأمر كذلك، وقال غيره: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه وإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين والدليل عليه قوله: ﴿ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ (الأعراف، ١٥٩) . ﴿ولما سقط في أيديهم﴾ أي: ولما ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على أمر قد سقط في يده، وذلك لأنّ من شأن من اشتدّ ندمه على أمر أن يعض يده ثم يضرب فخذه فتصير يده ساقطة لأنّ السقوط عبارة عن النزول من أعلى إلى أسفل ﴿ورأوا﴾ أي: علموا ﴿أنهم قد ضلوا﴾ عن الطريق الواضح باتخاذ العجل ﴿قالوا﴾ توبة ورجوعاً إلى الله تعالى كما قال أبوهم آدم ﵇ ﴿لئن لم يرحمنا ربنا﴾ الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فيكف غضبه ويديم إحسانه ﴿ويغفر لنا﴾ أي: يمحو ذنوبنا عيناً وأثراً لئلا ينتقم منا في المستقبل ﴿لنكوننّ من الخاسرين﴾ أي: فينتقم منا بذنوبنا وهذا كلام من اعترف بعظيم ما قدم عليه من الذنوب وندم على ما صدر منه ورغب إلى الله تعالى في إقالة عثرته وإنما قالوا ذلك لما رجع موسى ﵇ إليهم كما قال تعالى: ﴿ولما رجع موسى﴾ أي: من مناجاته ﴿إلى قومه غضبان﴾ أي: من جهتهم ﴿أسفاً﴾ أي: لأن الله تعالى كان قد أخبره أنه قد فتن قومه وأنّ السامريّ قد أضلهم فكان موسى في حال رجوعه غضبان أسفاً، قال أبو الدرداء: الأسف أشدّ الغضب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الأسف الحزن والأسيف الحزين، قال الواحدي: والقولان متقاربان لأنّ الغضب من الحزن والحزن من الغضب وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب في يرحمنا ويغفر لنا ونصب ربنا والباقون بالغيبة ورفع الباء ﴿قال﴾ موسى لهم: ﴿بئسما خلفتموني من بعدي﴾ أي: بئس الفعل فعلكم بعد فراقي إياكم وهذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامري وأتباعه أي: بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل وتركتم عبادة الله تعالى وأن يكون لهارون والمؤمنين أي: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. فائدة: اتفقوا على وصل بئسما هنا في الرسم ﴿أعجلتم أمر ربكم﴾ أي: أتركتموه غير تام كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدي تعديته أو أعجلتم أمر ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. روي أن السامريّ قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال: هذا إلهكم وإله موسى إنّ موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا ﴿وألقى الألواح﴾ أي: ألواح التوراة أي: طرحها من شدّة الغضب وفرط الضجر أي: عند استماعه حديث العجل حمية للدين وكان في نفسه حديداً شديد الغضب. روي أنّ التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ستة أسباعها أي: ستة أسباع ما فيها لا ستة أسباعها نفسها لقوله بعد وأخذ الألواح وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه المواعظ والأحكام والحلال

стр. 516

والحرام قال الرازي: ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فإمّا أنه ألقاها بحيث تكسرت فهذا ليس في القرآن وأنه جراءة عظيمة على كتاب الله ومثله لا يليق بالأنبياء ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ أي: بشعر رأسه بيمينه وشعر لحيته بشماله ﴿يجره﴾ أي: أخاه ﴿إليه﴾ غضباً وكان هارون ﵇ أكبر من موسى بثلاث سنوات وأحب إلى بني إسرائيل من موسى لأنه كان ألين منه جانباً ف ﴿قال﴾ هارون عند ذلك ﴿ابن أمّ﴾ قراءة ابن عامر وشعبة والكسائي بكسر الميم وأصله يا ابن أمي فحذف الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفاً كالمنادى المضاف إلى الياء والباقون بالنصب زيادة في التخفيف لطوله أو تشبيهاً بخمسة عشر. فإن قيل: هارون وموسى من أب وأمّ فلماذا ناداه بالأمّ فقط؟ أجيب: بأنه إنما ذكرها لأنها كانت مؤمنة فاعتد بنسبها ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها ليرققه عليه والطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون: أخذ برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة والاستحقاق والمثبتون لعمة الأنبياء يقولون: أخذ برأس أخيه يجره على سبيل الإهانة والاستخفاف والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا: جر رأس أخيه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة. فإن قيل: فلماذا قال يا ابن أمّ ﴿إنّ القوم﴾ الذين عبدوا العجل ﴿استضعفوني﴾ أي: إني قد بذلت وسعي في كفهم فاستذلوني وقهروني ﴿وكادوا﴾ أي: قاربوا ﴿يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء﴾ أي: فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله وأصل الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال: شمت فلان بفلان إذا سرّ بمكروه نزل به أي: لا تسرّ الأعداء بما تنال مني من مكروه فكيف فعل بأخيه ذلك؟ أجيب: بأنّ هارون إنما قال ذلك خوفاً من أن يتوهم جهال بني إسرائيل أنّ موسى غضبان عليه كما هو غضبان على عبدة العجل أي: فلا تفعل بي ما تشمت به أعدائي فهم أعداؤك فإنّ القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾ أي: الذين عبدوا العجل مع براءتي منهم بالمؤاخذة أو بنسبة التقصير ولما اعتذر له أخوه وذكر شماتة الأعداء. ﴿قال رب اغفر لي﴾ أي: ما حملني عليه مما صنعت بأخي ﴿ولأخي﴾ أي: اغفر له ما فرط في كفهم عن عبادة العجل إن كان وقع منه تفريط وضمه إلى نفسه في الاستغفار ترضية له ودفعاً للشماتة عنه ﴿وأدخلنا في رحمتك﴾ أي: بمزيد الإنعام علينا ﴿وأنت أرحم الراحمين﴾ فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا قال الله تعالى: ﴿إنّ الذين اتخذوا العجل﴾ أي: إلهاً يعبدونه من دون الله تعالى فهذا هو المفعول الثاني من مفعولي اتخذوا ﴿سينالهم غضب﴾ أي: عقوبة ﴿من ربهم وذلة في الحياة الدنيا﴾ وهي خروجهم من دارهم، وللمفسرين في هذه الآية طريقان الأوّل أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل الذين باشروا عبادة العجل. فإن قيل: أولئك تاب الله عليهم بسبب أن قتلوا أنفسهم في معرض التوبة على ذلك الذنب وإذا تاب الله عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة؟ أجيب: بأنّ ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو نفس القتل فكان ذلك القتل غضباً عليهم والمراد بالذلة هو استسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ، وقيل: خروجهم من ديارهم لأنّ ذل الغربة مثل مضروب. فإن قيل: السين في قوله: سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي؟ أجيب: بأنّ هذا إنما هو خبر عما أخبر الله تعالى به موسى ﵇ حين

стр. 517

أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ثم أخبره الله تعالى في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فكان هذا الكلام سابقاً لوقته وهو القتل الذي أمرهم الله تعالى به بعد ذلك، والطريق الثاني: أنّ المراد بالذين اتخذوا العجل الذين كانوا في زمن النبيّ ﷺ فوصف اليهود الذين كانوا في زمن النبيّ ﷺ باتخاذ العجل وإن كان ما فعل ذلك إلا آباؤهم لأنهم رضوا بفعلهم ولأنّ العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما يفعل ذلك في المناقب يقولون للأمم: أفعلتم كذا وكذا؟ وإنما فعله من مضى من آبائهم. ثم حكم عليهم بأنهم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا كما قال تعالى في صفتهم: ﴿ضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ (البقرة، ٦١) ﴿وكذلك﴾ أي: كما جزيناهم ﴿نجزي المفترين﴾ أي: كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله في الآخرة والذلة في الدنيا، قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية لأنّ المبتدع مفتر في دين الله. ﴿والذين عملوا السيئات﴾ أي: عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب حتى الكفر ﴿ثم تابوا﴾ أي: رجعوا عنها إلى الله تعالى ﴿من بعدها﴾ أي: من بعد أعمالهم السيئة ﴿وآمنوا﴾ أي: وصدقوا بالله تعالى بأنه لا إله غيره وأنه يقبل توبة التائب ويغفر الذنوب وإن عظمت ﴿إنّ ربك﴾ أي: يا محمد أو يا أيها الإنسان التائب ﴿من بعدها﴾ أي: التوبة ﴿لغفور﴾ أي: ستور عليهم محاء لما كان منهم ﴿رحيم﴾ بهم أي: منعم عليهم بالجنة وفي الآية دليل على أنّ السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأنّ الله تعالى يغفرها جميعاً بفضله ورحمته فإنّ عفوه وكرمه أعظم وأجل وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين التائبين، وتقدير الآية: أنّ من أتى بجميع السيئات ثم تاب إلى الله تعالى وأخلص التوبة فإنّ الله يغفرها له ويقبل توبته. ﴿ولما سكت﴾ أي: سكن ﴿عن موسى الغضب﴾ أي: باعتذار هارون وبتوبتهم فعند ذلك سكن غضبه وهو الوقت الذي قال: رب اغفر لي ولأخي، وفي هذا الكلام استعارتان استعارة بالكناية في الغضب عن الشخص الناطق واستعارة تصريحية أو تخييلية في السكوت عن طفء غضب موسى وسكون هيجانه وغليانه، وقال عكرمة: إنّ المعنى: سكت موسى عن الغضب فقلب كما قالوا: أدخلت القلنسوة في رأسي والمعنى: أدخلت رأسي في القلنسوة ﴿أخذ الألواح﴾ أي: وكما دعا لأخيه منبهاً بذلك على زوال غضبه عليه فكذلك أخذ الألواح التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه، قال الإمام الرازي: وظاهر هذا يدلّ على أن شيئاً منها لم ينكسر ولم يبطل وأن الذي قيل من أن ستة أسباع التوراة رفعت إلى السماء ليس الأمر كذلك اه. ومرّت الإشارة إلى ما يدلّ على الجمع بين ما هنا وبين ما مرّ ﴿وفي نسختها﴾ أي: ما نسخ فيها من كتب والنسخ عبارة عن النقل والتحويل فإذا نسخت كتاباً من كتاب حرفاً بحرف فقد نسخت ذلك الكتاب فهو نقلك ما في الأصل إلى الفرع لأن الألواح نسخت من اللوح المحفوظ والنسخة فعلة بمعنى مفعولة كالخطبة، وقيل: إنّ موسى ﵇ لما ألقى الألواح فتكسرت صام أربعين يوماً فردّت عليه في لوحين، وعلى قول من قال: إنّ الألواح لم تكسر وأخذها موسى بعينها بعدما ألقاها يكون المعنى: وفي نسختها أي: المكتوب فيها ﴿هدى﴾ أي: بيان للحق ﴿ورحمة﴾ أي: إرشاد إلى الصلاح

стр. 518

والخير، وقال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب ﴿للذين هم لربهم يرهبون﴾ أي: يخافون. فإن قيل: التقدير: الذين يرهبون ربهم فما الفائدة في اللام في قوله: ﴿لربهم﴾ ؟ أجيب بأوجه: الأوّل: أنّ تأخير الفعل عن مفعوله يكسبه ضعفاً فدخلت اللام للتقوية ونظيره قوله تعالى: ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ (يوسف، ٤٣) الثاني: أنها لام الأجل والمعنى: للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء ولا سمعة، الثالث: أنه قد يزاد حرف الجرّ في المفعول وإن كان الفعل متعدّياً كقولك: قرأت السورة وقرأت بالسورة. ﴿واختار موسى قومه﴾ أي: من قومه فحذف الجارّ وأوصل الفعل إليه فنصب يقال اخترت من الرجال زيداً، واخترت الرجال زيداً، وأنشدوا قول الفرزدق: *منا الذي اختير الرجال سماحة ... وجوداً إذا هب الرياح الزعازع* قال أبو علي: والأصل في هذا الباب أنّ في الأفعال ما يتعدّى إلى المفعول الثاني بحرف الجرّ ثم يتسع فيحذف حرف الجرّ فيتعدّى إلى المفعول الثاني من ذلك قولك: اخترت من الرجال زيداً ثم يتسع فيقال: اخترت الرجال زيداً، وأستغفر الله من ذنبي وأستغفر الله ذنبي قال الشاعر: *أستغفر الله ذنباً لست محصيه* ويقال أمرت زيداً بالخير وأمرت زيداً الخير قال الشاعر: *أمرتك الخير فافعل ما أمرت به* قال الرازي: وعندي فيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: واختار موسى قومه لميقاتنا وأراد بقومه المعتبرين منهم إطلاقاً لاسم الخير على ما هو المقصود منه وقوله: ﴿سبعين رجلاً لميقاتنا﴾ عطف بيان وعلى هذا الوجه فلا حاجة إلى ما ذكر من التكلفات ﴿فلما أخذتهم الرجفة﴾ . روي أنّ الله تعالى أمره أن يأتيه في سبعين رجلاً من بني إسرائيل فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال: ليتخلف منكم رجلان، فتشاحوا فقال: لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع وذهب معه الباقون. روي أنه لم يصب إلا ستين شيخاً فأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً، وقيل: كانوا أبناء ما عدا العشرين ولم يتجاوزوا الأربعين قد ذهب عنهم الجهل والصبا فأمرهم موسى ﵇ أن يصوموا ويتطهروا ويطهروا ثيابهم ثم خرج إلى طور سينا لميقات ربه وكان أمره أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود من الغمام حتى غشي الجبل كله ودنا موسى فدخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى ﵇ إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه الحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام ووقعوا سجداً فسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاه وافعل لا تفعل فلما فرغ من أمره ونهيه وانكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: له لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهي الرجفة فماتوا جميعاً فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ﴿قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل﴾ أي: من قبل خروجهم إلى الميقات ﴿وإياي﴾ معهم فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهموني إذا رجعت إليهم وما هم معي وعنى بذلك: أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم بالإنقاذ منهما فإن ترحمت عليهم مرّة أخرى لم يبعد من عميم إحسانك، وقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتاً ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة

стр. 519

أخذتهم الرجفة حتى كادت أن تبين منهم مفاصلهم فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت واشتدّ عليه فقدهم وكانوا له وزراء على الخير سامعين مطيعين فعند ذلك دعا وبكا وناشد ربه فكشف الله تعالى عنهم تلك الرجفة واطمأنوا وسمعوا كلام ربهم وذلك قوله تعالى: ﴿قال﴾ أي: موسى ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل﴾ أي: من قبل عبادة العجل وإياي بقتلي القبطي ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ أي: عبدة العجل وظنّ موسى أنهم عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل وقال هذا على طريق السؤال، وقال المبرد: هو استفهام استعطاف أي: لا تهلكنا وقد علم موسى ﵇ أنّ الله تعالى أعظم من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره، وقيل: بما فعل السفهاء من العناد والتجاسر على طلب الرؤية وكان ذلك قاله بعضهم ﴿إن هي﴾ أي: ما هي ﴿إلا فتنتك﴾ قال الواحدي: الكناية في هي تعود إلى الفتنة كما تقول: إن هو إلا زيد، والمعنى: أنّ تلك الفتنة التي وقع فيها السفهاء لم تكن إلا فتنتك أي: اختبارك وابتلاؤك وهذا تأكيد لقوله تعالى: ﴿أتهلكنا بما فعل السفهاء منا﴾ لأنّ معناه لا تهلكنا بفعلهم فإنّ تلك الفتنة كانت اختباراً منك وابتلاء أضللت بها قوماً فافتتنوا بأن أوجدت في العجل خواراً فزاغوا به وأسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية هديت قوماً فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك فذلك معنى قوله: ﴿تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء﴾ ولما أثبت أنّ الكل بيده تعالى استأنف سؤاله في أن يفعل لهم الأصلح فقال: ﴿أنت﴾ أي: وحدك ﴿ولينا﴾ نعتقد أن لا يقدر على عمل مصالحنا غيرك وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر بل الكل بالنسبة إليك على حد سواء ونحن على بصيرة من أنّ أفعالك لا تعلل بالأغراض وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك منا يضرّنا ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك وحططنا رحال افتقارنا لديك ﴿فاغفر لنا﴾ أي: امح ذنوبنا ﴿وارحمنا﴾ أي: اشملنا برحمتك التي وسعت كل شيء ﴿وأنت خير الغافرين﴾ أي: لأنّ غيرك يتجاوز عن الذنب طلباً للثناء أو للثواب أو دفعاً للصفة الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه وأنت منزه عن ذلك فتغفر السيئة وتبدلها حسنة. أي: أوجب أو أثبت أو اقسم ﴿لنا﴾ أي: في مدّة إحيائك لنا ﴿في هذه الدنيا﴾ أي: الحاضرة والدنية ﴿حسنة﴾ أي: حسن معيشة وتوفيق طاعة ﴿وفي الآخرة﴾ أي: واكتب لنا في الحياة الآخرة حسنة وهي الجنة ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنا هدنا﴾ أي: تبنا ﴿إليك﴾ أي: عما لا يليق بجنابك وأصل الهود الرجوع برفق والهود جمع هائد وهو التائب ولبعضهم: *يا راكب الذنب هدهد ... واسجد كأنك هدهد* قال بعضهم: وبه سميت اليهود وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم ثم صار اسم ذم بعد نسخها ﴿قال﴾ الله تعالى لموسى: ﴿عذابي أصيب به من أشاء﴾ من خلقي أذنب أو لم يذنب لا اعتراض علي ﴿ورحمتي وسعت﴾ عمت وشملت ﴿كل شيء﴾ من خلقي في الدنيا ما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص إلا وهو متقلب في نعمتي وهذا معنى حديث أبي هريرة في الصحيحين «إنّ رحمتي سبقت غضبي» وفي رواية «غلبت غضبي» وأمّا في الآخرة فقال تعالى: ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ الله ﴿ويؤتون الزكاة﴾ وخصها بالذكر لنفعها المتعدّي ولأنها كانت أشق عليهم، قال قتادة: لما نزل ﴿ورحمتي وسعت

стр. 520

كل شيء﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء فقال تعالى: ﴿فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة﴾ ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ ولا يكفرون بشيء منها فأيس إبليس منها وتمناها اليهود والنصارى وقالوا: نحن نتقي ونؤمن بآيات ربنا فأخرجهما الله تعالى بقوله: ﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأميّ﴾ وإنما سماه رسولاً بإضافته إلى الله لأنه الواسطة بين الله تعالى وبين خلقه لرسالته وأوامره ونواهيه وشرائعه إليهم ونبياً لأنه رفيع الدرجة عند الله ثم وصفه بالأميّ وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ وهي صفة نبينا محمد ﷺ قال ﷺ «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» والعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون أي: الخط والنبيّ ﷺ كان كذلك، قال أهل التحقيق: وكونه أمياً بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه: الأوّل: أنه ﵊ كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظوماً مرّة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فلا بدّ وأن يزيد فيها أو أن ينقص عنها بالقليل والكثير ثم إنه ﵊ مع أنه ما كان يكتب ولا يقرأ يتلو كتاب الله تعالى من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك معجزة وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (الأعلى، ٦) الثاني: أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لكان متهماً في أنه ربما طالع كتب الأوّلين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون﴾ (العنكبوت، ٤٨) الثالث: تعلم الخط شيء سهل فإن أقلّ الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعي فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ثم إنه تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من الخلق ومع تلك القوّة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلاً وفهماً فكان الجمع بين هاتين الحالتين المتضادتين جارياً مجرى الجمع بين الضدين وذلك من الأمور الخارقة للعادة وجارية مجرى المعجزات وهذا الاتباع تارة يكون بالقوّة فقط لمن تقدم موته على زمانه ﷺ وتارة يخرج من القوّة إلى الفعل كمن لحق زمان دعوته فمن علم الله تعالى منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات غير ذلك وعرّفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ريب ولا يتعلل في أمره بعلة ولذلك اتبعه. ﴿الذي يجدونه﴾ أي: علماء بني إسرائيل ﴿مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل﴾ باسمه ونعته ولكنهم كتموا ذلك وبدلوه وغيروه حسداً منهم له وخوفاً على زوال رياستهم وقد حصل لهم ما كانوا يخافونه فقد زالت رياستهم ووقعوا في الذل والهوان وعن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة فقال: أجل إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبيّ إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله تعالى حتى

стр. 521

يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاء، انتهى.l شرح غريب ألفاظه: الفظ: السيء الخلق، والغليظ: الجافي القاسي، والسخاب بالسين والصاد: الكثير الصياح، والاعوجاج: ضدّ الاستقامة والملة العوجاء: الكفر، والقلب الأغلف: الذي لا يصل إليه شيء ينفعه كأنه في غلاف. وقوله تعالى: ﴿يأمرهم بالمعروف﴾ قال الزجاج: يجوز أن يكون استئنافاً ويجوز أن يكون المعنى: يجدونه مكتوباً عندهم إنه يأمرهم بالمعروف قال الرازي: ومجامع المعروف في قوله ﵊ «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» وذلك لأنّ الموجود إمّا واجب الوجود لذاته وإمّا ممكن لذاته، أما الواجب لذاته فهو الله تعالى ولا معروف أشرف من تعظيمه وإظهار عبوديته وإظهار الخشوع والخضوع على باب عزته والاعتراف بكونه موصوفاً بصفات الكمال مبرأ عن النقائص والآفات منزهاً عن الأضداد والأنداد، وأما الممكن لذاته فإن لم يكن حيواناً فلا سبيل إلى إيصال الخير إليه لأنّ الانتفاع مشروط بالحياة ومع ذلك فإنه يجب النظر إلى كلها بعين التعظيم من حيث إنها مخلوقة لله ومن حيث إنّ كل ذرة من ذرات المخلوقات لما كانت دليلاً ظاهراً وبرهاناً باهراً على توحيده وتنزيهه فإنه يجب النظر إليه بعين الاحترام ومن حيث إنّ لله في كل ذرة من ذرات المخلوقات أسراراً عجيبة وحكماً خفية فيجب النظر إليها بعين الاحترام، وأما إن كان ذلك المخلوق من جنس الحيوان فإنه يجب الشفقة عليه بأقصى ما يقدر الإنسان عليه ويدخل فيه برّ الوالدين وصلة الأرحام وبث المعروف فثبت أنّ قوله ﷺ «التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله» كلمة جامعة لجميع جهات الأمر بالمعروف ﴿وينهاهم عن المنكر﴾ وهو ضد الأمور المذكورة، وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف بخلع الأنداد وبمكارم الأخلاق وبصلة الأرحام وينهاهم عن المنكر أي: عبادة الأوثان وقطع الأرحام ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ أي: ما حرم عليهم في شرعهم كالشحوم ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾ كالدم ولحم الخنزير والربا والرشوة ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ أي: ثقلهم الذي كان يحمل عليهم، وقرأ ابن عامر بفتح الهمزة الممدودة والصاد وألف بعد الصاد عى الجمع والباقون بكسر الهمزة وسكون الصاد ولا ألف بعدها على التوحيد ﴿والأغلال التي كانت عليهم﴾ أي: ويضع الأثقال والشدائد التي كانت عليهم من الدين والشريعة وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة من البدن والثوب بالمقراض وغير ذلك من الشدائد التي كانت على بني إسرائيل شبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق كما أنّ اليد لا تمتدّ مع وجود الغل فكذلك لا تمتدّ إلى الحرام الذي نهيت عنه وكانت هذه الأثقال في شريعة موسى ﵊ فلما جاء محمد ﷺ نسخ ذلك كله ويدلّ عليه قوله ﷺ «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة» ﴿فالذين آمنوا به﴾ أي: بمحمد ﷺ ﴿وعزروه﴾ أي: وقروه وعظموه وأصل التعزير المنع والنصرة وتعزير النبيّ ﷺ تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه ﴿ونصروه﴾ على أعدائه ﴿واتبعوا النور الذي أنزل معه﴾ أي: القرآن سمي نوراً لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء

стр. 522

اليقين والعلم، وقيل: الهدى والبيان والرسالة، وقيل: الحق الذي بيانه في القلوب كبيان النور. فإن قيل: كيف يمكن حمل النور هنا على القرآن والقرآن ما أنزل مع محمد ﷺ وإنما أنزل مع جبريل ﵇؟ أجيب: بأنّ معناه أنه أنزل مع نبوّته لأنّ نبوّته ظهرت مع ظهور القرآن ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الصفات قال: ﴿أولئك هم المفلحون﴾ أي: الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة. ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبيّ الكريم حثاً على الإيمان وإيجاباً له على وجه يعلم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدّم زمانه أو تأخر قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم﴾ الخطاب عام وكان رسول الله ﷺ مبعوثاً إلى كافة الثقلين بل وإلى الملائكة قاله السبكي والبقاعيّ وغيرهما وهذا هو اللائق بمقامه ﷺ وإن خالف في ذلك بعضهم، وأما سائر الرسل فمبعوثون إلى أقوامهم فقط لقوله ﷺ «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض طيبة مسجداً وطهوراً ونصرت على عدوّي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر وأطعمت الغنيمة دون من قبلي وقيل لي سل تعطه وأخبأت شفاعتي لأمتي» . فإن قيل: كان آدم ﵇ مبعوثاً إلى جميع أولاده ونوح ﵇ لما خرج من السفينة كان مبعوثاً إلى الذين كانوا معه مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كانوا إلا ذلك القوم؟ أجيب: بأنّ ذلك لم يكن لعموم رسالتهما بل للحصر المذكور فليس ذلك من باب عموم الرسالة، وقوله: ﴿جميعاً﴾ حال من إليكم أي: إن الكل يشترط عليهم الإيمان بي والإتباع لي وقد طار الخبر بشريعة محمد ﷺ إلى كل أفق وتغلغل في كل نفق ولم يبق الله أهل مدر ولا وبر ولا سهل ولا جبل ولا بحر ولا بر في مشارق الأرض ومغاربها إلا وقد ألقاه إليهم وملأ به مسامعهم وألزمهم به الحجة وهو سائله عنهم يوم القيامة وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ حين رفع إليه الذراع فنهش منها فقال: «أنا سيد الناس يوم القيامة» ، وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أنا أوّل الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا مستشفعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا لواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» ، وعن أبي بن كعب ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» ، وعن ابن عباس ﵄ أن النبيّ ﷺ قال: «ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا أكرم الأوّلين والآخرين ولا فخر» ، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي» والفخر ادعاء العظمة والكبر والشرف أي: لا أقول تبجحاً ولكن شكراً وتحدّثاً بالنعمة وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم قبل موته وبعده اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماماً ثم اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماماً وأما يوم

стр. 523

الجمع الأكبر والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه وما أحال بعض الأكابر على بعض إلا علما منهم بأن الختام يكون به ليكون أظهر للاعتراف بإمامته والانقياد لطاعته لأنّ المحيل على المحيل على الشيء محيل على ذلك والحاصل أنه ﷺ تظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل إلى كافة الخلق فيظهر سر هذه الآية ﴿الذين يتبعون الرسول﴾ قال البقاعيّ: ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات ما يدل على جميع الصفات على عموم دعوته وشمول رسالته حتى للجنّ والملائكة أيد ذلك بقوله: ﴿الذي له ملك السموات والأرض﴾ فيكون محله جرّاً على الوصف وإن حيل بين الصفة والموصوف بقوله: ﴿إليكم جميعاً﴾ لأنه متعلق المضاف إليه فهو كالمتقدّم عليه قال الزمخشريّ: والأحسن أن يكون محله نصباً بإضمار أعني وهذا الذي يسمى النصب على المدح، قال البيضاوي: أو مبتدأ خبره ﴿لا إله إلا هو﴾ أي: فالكل منقادون لأمره خاضعون له ثم علل ذلك بقوله: ﴿يحيي ويميت﴾ أي: له هاتان الصفتان مختصاً بهما ومن كان كذلك كان منفرداً بما ذكر، قال البقاعيّ: وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أوّل الفرقان مع ما مضى في أوائل الأنعام لم يبق عندك شك في دخول الملائكة ﵈ في عموم الدعوة اه. وقد مرّت الإشارة إلى ذلك ولما أمر الله تعالى رسوله محمداً ﷺ بأن يقول للناس: ﴿إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ أمر الله تعالى جميع خلقه بالإيمان به وبرسوله بقوله: ﴿فآمنوا با ورسوله﴾ وذلك أن الإيمان بالله هو الأصل والإيمان برسوله فرع عليه فلهذا بدأ بالإيمان بالله ثم ثنى بالإيمان برسوله ثم وصفه تعالى بقوله: ﴿النبيّ الأميّ﴾ وتقدّم معناهما ﴿الذي يؤمن با وكلماته﴾ أي: بما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه وقال قتادة: المراد بكلماته القرآن، وقال مجاهد: عيسى بن مريم لأنه خلق بقوله: كن فكان ولم يكن من نطفة تمنى، ولهذا سمي كلمة الله وقيل: هو الكلمة التي تكون عنها عيسى وجميع خلقه وهي قوله: ﴿كن﴾ ﴿واتبعوه﴾ أي: واقتدوا به أيها الناس فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿لعلكم تهتدون﴾ أي: لكي تهتدوا وترشدوا جعل تعالى رجاء الاهتداء أثر الإيمان والاتباع تنبيهاً على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شريعته فهو بعد في خطيئة الضلالة. ﴿ومن قوم موسى﴾ أي: من بني إسرائيل ﴿أمة﴾ أي: جماعة ﴿يهدون بالحق﴾ أي: يهدون الناس محقين أو بكلمة الحق ﴿وبه﴾ أي: بالحق ﴿يعدلون﴾ أي: يحكمون والمراد بتلك الأمّة الثابتون على الإيمان القائلون بالحق من أهل زمان موسى ﵇ اتبع ذكر المرتابين الكافرين من بني إسرائيل بذكر أضدادهم كما هو عادة القرآن تنبيهاً على أن تعارض الخير والشرّ وتزاحم أهل الحق والباطل مستمر وقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي ﷺ كعبد الله بن سلام وأصحابه ﴿واعترض﴾ بأنهم كانوا قليلين في العدد ولفظ الأمة يقتضي الكثرة، وأجيب: بأنهم لما كانوا مخلصين في الدين جاز إطلاق لفظ الأمة عليهم كما في قوله تعالى: ﴿إنّ إبراهيم كان أمّة﴾ (النحل، ١٢) وقيل: إنّ بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرّق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنة ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين وهم

стр. 524

هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وذكر عن النبي ﷺ أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل ﵇: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا محمد النبي الأميّ فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله إنّ موسى ﵇ أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ مني ﵇ فردّ محمد على موسى صلى الله عليهما وسلم السلام ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة ولم تكن فريضة نزلت غير الصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت ولا يتظالموا ولا يتحاسدوا ولا يصل إليهم منا أحد ولا إلينا منهم أحد قال بعض المحققين: هذا القول ضعيف وإن كان البغوي صححه لوجوه: الأوّل: كونه أقرأهم عشر سور وقد نزل عليه أكثر من ذلك وكان فرض الزكاة بالمدينة فكيف يأمرهم بها قبل فرضها، الثاني: كون جبريل ذهب إليهم به ليلة الإسراء لم يرد بذلك نقل صحيح ولا رواه أحد من أئمة الحديث، الثالث: أنّ أحداً منهم لا يصل إلينا ولا يصل إليهم منا أحد فمن الذي أوصل خبرهم إلينا فثبت بذلك بطلان هذا القول. فإن قيل: إنّ يأجوج ومأجوج قد وصل خبرهم إلينا ولم يصل خبرنا إليهم أجيب: بالمنع فمن أين يعرف أنه لم يصل خبرنا إليهم ثم قال: فالمختار في تفسير هذه الآية أنها إما أن تكون قد نزلت في قوم كانوا متمسكين بدين موسى قبل التبديل والتغيير ثم ماتوا وهم على ذلك وإما أن تكون قد نزلت فيمن أسلم من اليهود على عهد رسول الله ﷺ كعبد الله بن سلام وأصحابه. ﴿وقطعناهم﴾ أي: فرقنا بني إسرائيل وقوله تعالى: ﴿اثنتي عشرة﴾ حال وتأنيثه حملاً على الأمة ﴿أسباطاً﴾ بدل منه ولذلك جمع قبائل والأسباط أولاد الولد وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب ﵇ ﴿أمماً﴾ بدل بعد بدل أو نعت لأسباطاً أي: وقطعناهم أمماً لأنّ كل سبط كان أمة عظيمة وجماعة كثيفة العدد وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى لا تكاد تأتلف ﴿وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه﴾ أي: حين استسقوه في التيه ﴿أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست﴾ أي: انفجرت والمعنى واحد وهو الانفتاح بسعة وكثرة يقال: بجست الماء فانبجس أي: فجرته فانفجر قاله الجوهري، وعلى هذا التقرير فلا تباين بين الانبجاس المذكور هنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، وقال آخرون: الانبجاس خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة وطريق الجمع أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً ثم صار كثيراً وهذا الفرق مروي عن عمرو بن العلاء. فإن قيل: هلا قيل: فضربه فانبجست؟ أجيب: بأنه إنما حذف ذلك للإيماء على أن موسى لم يتوقف في الامتثال وإن ضربه لم يكن مؤثراً يتوقف عليه الفعل في ذاته ﴿منه﴾ أي: من الحجر ﴿اثنتا عشرة عيناً﴾ أي: بعدد الأسباط ﴿قد علم كل أناس﴾ أي: كل سبط منهم ﴿مشربهم﴾ أي: لا يدخل سبط على سبط في مشربهم ﴿وظللنا عليهم الغمام﴾ أي: في التيه ليقيهم من حر الشمس ﴿وأنزلنا عليهم المنّ﴾ الترنجبيل ﴿والسلوى﴾ أي: الطير السماني بتخفيف الميم والقصر جعل الله تعالى ذلك طعاماً لهم في التيه، وقيل: المنّ الخبز والسلوى الإدام، وقال ابن يحيى: السلوى طائر يشبه السماني وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية يموت إذا سمع صوت

стр. 525

الرعد كما أنّ الخطاف يقتله البرد فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض ﴿كلوا﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿من طيبات ما رزقناكم﴾ مما لم تعالجوه نوع معالجة وقوله تعالى: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ فيه حذف ترك ذكره للاستغناء عنه ودلالة الكلام عليه تقديره كلوا من طيبات ما رزقناكم فامتنعوا من ذلك وسئموه وقالوا: لن نصبر على طعام واحد وسألوه غير ذلك لأنّ المكلف إذا أمر بشيء فتركه وعدل عنه إلى غيره يكون عاصياً بفعل ذلك فلهذا قال تعالى: ﴿وما ظلمونا﴾ أي: بفعل شيء مما قابلوا به الإحسان بالكفران ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بمخالفتهم ما أمروا به وقد سبق تفسير هذه الآية في سورة البقرة. ﴿وإذ قيل لهم﴾ أي: واذكر يا محمد لقومك إذا قيل لبني إسرائيل ﴿اسكنوا هذه القرية﴾ أي: بيت المقدس ﴿وكلوا منها﴾ أي: من القرية ﴿حيث شئتم وقولوا﴾ أمرنا ﴿حطة وادخلوا الباب﴾ أي: باب القرية ﴿سجداً﴾ أي: سجوداً نحناء وقوله تعالى: ﴿نفغر لكم﴾ قرأه نافع وابن عامر بضم التاء وفتح الفاء على التأنيث والباقون بنون مفتوحة وكسر الفاء وقوله تعالى: ﴿خطاياكم﴾ قرأه نافع بكسر الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة وبعد الهمزة تاء مضمومة على الجمع وابن عامر كذلك إلا أنه يقصر الهمزة على التوحيد وأبو عمرو بفتح الخاء والطاء وبعد الطاء ألف بعدها ياء وبعد الياء ألف على وزن قضاياكم والباقون بكسر الطاء بعدها همزة مفتوحة ممدودة بعدها تاء مكسورة ﴿سنزيد المحسنين﴾ أي: بالطاعة ثواباً. ﴿فبدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم﴾ فقالوا حبة في شعرة ودخلوا يزحفون على أستاههم أي: أدبارهم ﴿فأرسلنا عليهم رجزاً﴾ أي: عذاباً ﴿من السماء بما كانوا يظلمون﴾ أي: وهذه القصة أيضاً تقدّمت في سورة البقرة لكن ألفاظ هذه الآية تخالف الآية المذكورة في (البقرة، ٥٨) من وجوه: الأوّل: أنه قال هناك: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية﴾ وهنا قال: ﴿وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية﴾ والثاني: أنه قال هناك: ﴿فكلوا﴾ بالفاء وقال هنا: ﴿وكلوا﴾ بالواو، والثالث: أنه قال هناك: ﴿رغداً﴾ وأسقطه هنا، والرابع: أنه قال هناك: ﴿وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة﴾ وقال هنا: على التقديم والتأخير، والخامس: أنه قال هناك: ﴿نغفر لكم خطاياكم﴾ وقال هنا: ﴿نغفر لكم خطيئاتكم﴾ والسادس: أنه قال هناك: ﴿وسنزيد المحسنين﴾ وهنا: حذف الواو، والسابع: أنه قال هناك: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا﴾ وقال هنا: ﴿فأرسلنا عليهم﴾ الثامن: أنه قال هناك: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ وقال هنا: ﴿بما كانوا يظلمون﴾ ولا منافاة بين هذه الألفاظ المختلفة أمّا الأول: وهو أنه قال هناك: ﴿ادخلوا هذه القرية﴾ وقال هنا: ﴿اسكنوا﴾ فلا منافاة بينهما لأنّ كل ساكن في موضع فلا بدّ من الدخول فيه، وأمّا الثاني: وهو قوله هناك: ﴿فكلوا﴾ بالفاء، وقال هنا: ﴿وكلوا﴾ بالواو فالفرق بينهما أنّ للدخول حالة مقتضية للأكل عقب الدخول فحسن دخول الفاء التي هي للتعقيب ولما كانت السكنى حالة استمرار حسن دخول الواو عقب السكنى فيكون الأكل حاصلاً متى شاؤوا فظهر الفرق، وأمّا الثالث: وهو أنه ذكر هناك: ﴿رغداً﴾ وأسقطه هنا فلأنّ الأكل عقب الدخول ألذ وأكمل والأكل مع السكنى والاستمرار ليس كذلك فحسن

стр. 526

دخول لفظ رغداً هناك: دون هنا، وأمّا الرابع: وهو قوله هناك: ﴿ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة﴾ وقال هنا على التقديم والتأخير فلا منافاة في ذلك لأنّ المقصود من ذلك تعظيم أمر الله تعالى وإظهار الخضوع والخشوع له فلم يتفاوت الحال بحسب التقديم والتأخير، وأمّا الخامس: وهو أنه قال هناك: ﴿خطاياكم﴾ وقال هنا: ﴿خطيئاتكم﴾ فهو إشارة إلى أنّ هذه الذنوب سواء كانت قليلة أم كثيرة فهي مغفورة عند الإتيان بهذا الدعاء والتضرّع، وأمّا السادس: وهو قوله تعالى هناك: ﴿وسنزيد﴾ بالواو وقال هنا بحذفها فالفائدة في حذف الواو أنه تعالى وعد بشيئين بالغفران وبالزيادة للمحسنين من الثواب وإسقاط الواو لا يخل بذلك المعنى لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: ماذا حصل بعد الغفران؟ فقيل: إنه سيزيد المحسنين، وأما السابع: وهو الفرق بين أنزلنا وبين أرسلنا، فلأن الإنزال لا يشعر بالكثرة والإرسال يشعر بها فكأنه تعالى بدأ بإنزال العذاب القليل ثم جعله كثيراً وهو نظير ما تقدّم من الفرق بين انبجست وانفجرت. وأما الثامن وهو الفرق بين قوله تعالى: ﴿يفسقون﴾ وبين قوله تعالى: ﴿يظلمون﴾ فلأنهم لما ظلموا أنفسهم فيما غيروا وبدّلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن طاعة الله فوصفوا بكونهم ظالمين لأجل أنهم ظلموا أنفسهم، وبكونهم فاسقين لأنهم خرجوا عن طاعة الله فالفائدة في ذكر هذين الوصفين التنبيه على حصول هذين الأمرين هذا ملخص كلام الرازي رحمه الله تعالى ثم قال: وتمام العلم بذلك عند الله تعالى. ﴿واسألهم﴾ أي: اسأل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع ﴿عن القرية﴾ أي: عن خبرها وما وقع بأهلها لا سؤال استفهام لأنه ﷺ كان قد علم حال هذه القرية بوحي من الله تعالى إليه وإخباره إياه بحالهم وإنما القصد من هذا السؤال تقرير اعتداء اليهود وإقدامهم على الكفر والمعاصي قديماً، وأن إصرارهم على الكفر بمحمد ﷺ وإنكارهم نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث الآن في زمانه، بل إصرارهم على الكفر كان حاصلاً في قديم الزمان، وفي الإخبار بهده القصة معجزة للنبي ﷺ لأنه كان أمياً لم يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار الأوّلين ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم لأمر الله تعالى مسخوا قردة، واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس ﵄: هي قرية يقال لها أيلة بين مدين والطور على شاطىء البحر، وقال الزهري: هي طبرية الشام، وقيل: مدين والعرب تسمي المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء: ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني: رجلين من أهل المدن. ﴿التي كانت حاضرة البحر﴾ أي: مجاورة بحر القلزم على شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ (البقرة، ١٩٦) ﴿إذ﴾ أي: حين ﴿يعدون﴾ أي: يعتدون ﴿في السبت﴾ أي: يتجاوزون حدود الله تعالى بالصيد فيه وقد نهوا عنه، وقوله تعالى: ﴿إذ تأتيهم حيتانهم﴾ ظرف ليعدون ﴿يوم سبتهم شرعاً﴾ أي: ظاهرة على الماء كثيرة جمع شارع، وقال الضحاك: متتابعة، وعن الحسن تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض والحيتان السمك وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد

стр. 527

والاشتغال بالتعبد، فمعناه يعدون في تعظيم هذا اليوم وكذلك قوله: ﴿يوم سبتهم﴾ معناه يوم تعظيمهم أمر السبت يدل عليه قوله تعالى: ﴿ويوم لا يسبتون﴾ أي: لا يعظمون السبت أي: سائر الأيام ﴿لا تأتيهم﴾ أي: الحيتان ابتلاء من الله تعالى ﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك البلاء الشديد ﴿نبلوهم بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يفسقون﴾ وقوله تعالى: ﴿وإذ﴾ معطوف على إذ قبله ﴿قالت أمة﴾ أي: جماعة ﴿منهم﴾ أي: من أهل القرية لم تصد ولم تنه لمن نهى ﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم﴾ في الدنيا بعذاب من عنده لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ ﴿أو معذبهم عذاباً شديداً﴾ في الآخرة لتماديهم في العصيان ﴿قالوا﴾ أي: الواعظون موعظتنا ﴿معذرة﴾ نعتذر بها ﴿إلى ربكم﴾ أي: لئلا ننسب إلى تقصير في ترك النهي فإنّ النهي عن المنكر يجب وإن علم الناهي أن مرتكبه لا يقلع عن معصيته وقيل: إذا علم الناهي حال المنهي وأنّ النهي لا يؤثر فيه سقط النهي، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث، ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر أو الجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه كان ذلك عبثاً منك ولم يكن إلا سبباً للتلهي بك ﴿ولعلهم يتقون﴾ أي: وجائز عندنا أن ينتفعوا بالموعظة فيتقوا الله ويتركوا ما هم فيه من الصيد؛ إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك. ﴿فلما نسوا﴾ أي: تركوا ترك الناسي ﴿ما ذكروا﴾ أي: وعظوا ﴿به﴾ ولم يرجعوا ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا﴾ أي: بالاعتداء ومخالفة أمر الله تعالى ﴿بعذاب بئيس﴾ أي: شديد ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يفسقون﴾ . روي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال أسمع الله تعالى يقول: ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس﴾ فلا أدري ما فعلت الفرقة الساكتة وجعل يبكي، قال عكرمة: فقلت جعلني الله تعالى فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، قالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم، وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم، قال: فأعجبه قولي ورضي به وأمر لي ببردين فألبسنيهما، وقال نجت الساكتة، وقال عمار بن زيان: نجت الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوماً الله مهلكهم، والذين قالوا معذرة، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان وهذا قول الحسن. فإن قيل: إنّ ترك الوعظ معصية والنهي أيضاً عنه معصية فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله تعالى: ﴿وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس﴾ ولهذا قال ابن زيد: نجت الناهية وهلكت الفرقتان. أجيب: بأنّ هذا غير لازم لأنّ النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. ﴿فيما عتوا عما نهوا عنه﴾ قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية والعتو عبارة عن الإباء والعصيان أي: فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه وتمرّدوا في العصيان من اعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرّم الله تعالى عليهم من صيد السمك في يوم السبت وأكله. ﴿قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ أي: صاغرين فكانوها كقوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل، ٤٠) وهذا يقتضي أنّ الله تعالى عذبهم أولاً بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى. وروي أنّ اليهود أمروا باليوم الذي أمرنا به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا

стр. 528

يوم السبت فابتلوا به وحرّم الله عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها المخاض لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضاً تسوقون الحيتان إليها يوم السبت فلا تقدر على الخروج منها، وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل ثم شواه يوم الأحد فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال: إني أرى الله سيعذبك فلما لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، فصار أهل القرية أثلاثاً ثلثاً نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلثاً قالوا: لم تعظون قوماً؟ وثلثاهم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نساكنكم فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود ﵇ فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس شأناً فعلوا الجدار فنظروا فإذا هم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الإنس والإنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود فجعل القرد يأتي نسيبه فيشمّ ثيابه ويبكي فيقول: ألم ننهك فيقول برأسه بلى، وقيل: صار الشباب قردة والشيوخ خنازير. واختلفوا في أنّ الذين مسخوا هل بقوا قردة وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا وانقطع نسلهم؟ لا دلالة في الآية على شيء من ذلك، وعن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة، وعن جابر: بين العبد وبين رزقه حجاب فإن صبر خرج إليه وإلا هتك الحجاب ولم ينل إلا ما قدّر له. قال الزمخشريّ: هاه وايم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم، ولكن الله تعالى جعل موعداً والساعة أدهى وأمرّ وقوله تعالى: ﴿وإذا﴾ عطف على واسألهم أي: واذكر لهم حين ﴿تأذن﴾ أي: اعلم ﴿ربك﴾ وأجري مجرى القسم كعلم الله وشهد الله ولذلك أجيب بجوابه وهو ﴿ليبعثن عليهم﴾ أي: اليهود ﴿إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ أي: بالإهانة والذل وأخذ الجزية منهم فبعث الله تعالى عليهم سليمان وبعده بختنصر فقتلهم وسباهم وضرب عليهم الجزية، وكانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله تعالى نبينا محمداً ﷺ فضربها عليهم ولا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر حتى ينزل عيسى بن مريم فإنه لا يقبل الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. فإن قيل: إنه يحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ وشريعته أخذ الجزية أو الإسلام أجيب: بأنّ شريعته بذلك مغياة بنزول عيسى ﵇ وقوله تعالى: ﴿إنّ ربك سريع العقاب﴾ أي: لمن أقام على الكفر كهيئة الدليل على أنه يجمع لهم مع ذل الدنيا عذاب الآخرة فيكون العذاب مستمراً عليهم في الدنيا والآخرة، ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿وإنه لغفور﴾ أي: لمن آمن منهم ورجع عن الكفر واليهودية ودخل في دين الإسلام ﴿رحيم﴾ بهم. ﴿وقطعناهم﴾ أي: فرقناهم ﴿في الأرض أمماً﴾ أي: فرقاً بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمة لإدبارهم حتى لا تكون لهم شوكة قط و ﴿أمماً﴾ مفعول ثانٍ أو حال وقوله تعالى: ﴿منهم الصالحون﴾ صفة أو بدل منه وهم الذين آمنوا

стр. 529

بالمدينة ونظراؤهم ﴿ومنهم﴾ أي: أناس ﴿دون ذلك﴾ أي: منحطون عن الصلاح فهم كفرتهم وفسقتهم ﴿وبلوناهم﴾ أي: اختبرناهم جميعاً الصالح وغيره ﴿بالحسنات﴾ أي: بالخصب والعافية ﴿والسيآت﴾ أي: بالجور والشدّة ﴿لعلهم يرجعون﴾ أي: كي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا إليه. قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيآت يدعو إلى الطاعة أما النعم فلأجل الترغيب وأما النقم فلأجل الترهيب. ﴿فخلف من بعدهم﴾ أي: هؤلاء الذين وصفناهم ﴿خلف﴾ والخلف القرن الذي يجيء من بعد وهو بسكون اللام شائع في الشر وبفتحها في الخير يقال: خَلَف صدق بفتح اللام وخلْف سوء بسكونها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح قال حسان بن ثابت: *لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأوّلنا في طاعة الله تابع* وقال لبيد في الذم: *ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب* فحرك اللام والخلف مصدر نعت به، ولذلك يقع على الواحد والجمع والمراد به الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ ﴿ورثوا الكتاب﴾ أي: التوراة من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها ﴿يأخذون عرض هذا الأدنى﴾ أي: هذا الشيء الفاني الأدنى أي: الدنيا وما يتمتع به فيها وفي قوله: ﴿هذا الأدنى﴾ تخسيس وتحقير، والأدنى إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب، وإما من دون الحال وسقوطها وقلتها والعرض بالفتح جميع متاع الدنيا كما يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير وجمعه عروض. والمعنى: أنهم يأخذون حطام الدنيا وهو الشيء التافه الخسيس الحقير؛ لأنّ الدنيا بأسرها فانية حقيرة والراغب فيها أحقر منها فاليهود ورثوا التوراة وعلموا ما فيها وضيعوا العمل بما فيها وتركوه وأخذوا الرشا في الأحكام ويعلمون أنه حرام ﴿و﴾ مع إقدامهم على هذا الذنب العظيم وإصرارهم عليه ﴿يقولون سيغفر لنا﴾ أي: لا يؤاخذهم الله تعالى بذلك فيتمنون على الله الأمانيّ الباطلة، وعن شدّاد بن أوس أن النبيّ ﷺ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني» ؛ لأنّ اليهود كانوا يقومون على الذنوب ويقولون: سيغفر لنا، وهذا هو التمني بعينه. وقوله تعالى: ﴿وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾ الواو فيه للحال أي: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم غير تائبين وليس في التوراة وعد المغفرة مع الإصرار وقوله تعالى: ﴿ألم يؤخذ﴾ استفهام تقرير ﴿عليهم ميثاق الكتاب﴾ أي: التوراة والإضافة بمعنى في ﴿أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾ أي: المعلوم شأنه وليس من المعلوم إثبات المغفرة على القطع بغير توبة، بل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وقوله تعالى: ﴿ودرسوا ما فيه﴾ أي: ما في ذلك الميثاق الذي في الكتاب أو الكتاب بتقرير القراءة للحفظ عطف على ﴿ألم يؤخذ﴾ من حيث المعنى فإنه تقرير أو على ورثوا و ﴿ألم يؤخذ﴾ اعتراض ﴿والدار الآخرة خير﴾ أي: وما في الدار الآخرة مما أعده الله خير ﴿للذين يتقون﴾ الله ويخافون

стр. 530

عقابه ﴿أفلا يعقلون﴾ أي: حين أخذوا ما يشقيهم ويفنى بدل ما يسعدهم ويبقى أنّ الدار الآخرة خير، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب ويكون المراد الإعلام بتناهي الغضب، والباقون بالياء على الغيبة. ﴿والذين يمسكون بالكتاب﴾ يقال: مسكت بالشيء وتمسكت به وأمسكت به والتمسك بالكتاب العمل بما فيه وإحلال حلاله وتحريم حرامه وإقامة حدوده والتمسك بأحكامه وقرأ شعبة بسكون الميم وتخفيف السين والباقون بفتح الميم وتشديد السين ﴿وأقاموا الصلاة﴾ أي: وداوموا على إقامتها في مواقيتها وإنما أفردها بالذكر وإن كانت الصلاة داخلة في التمسك بالكتاب تنبيهاً على عظم قدرها وأنها أعظم العبادات بعد الإيمان بالله تعالى وهذه الآية نزلت في الذين آمنوا من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه وقوله تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ الجملة خبر الذين وفيه وضع الظاهر موضع المضمر أي: أجرهم. ﴿وإذ﴾ أي: إذ يا محمد ﴿نتقنا﴾ أي: رفعنا ﴿الجبل فوقهم﴾ أي: من أصله ﴿كأنه ظلة﴾ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كأنه سقيفة والظلة كل ما أظلك من سقف بيت أو سحابة أو جناح حائط والجمع ظلل وظلال ﴿وظنوا﴾ أي: أيقنوا ﴿أنه واقع بهم﴾ أي: ساقط عليهم بوعد الله بوقوعه إن لم يقبلوا أحكام التوراة. روي أنهم لم يقبلوا أحكام التوراة لعظمها وثقلها فرفع الله تعالى الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم فكان فرسخاً في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعنّ عليكم فلما نظروا إلى الجبل خرّ كل واحد منهم ساجداً على حاجبه وهو ينظر بعينه اليمنى خوفاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة، وقوله تعالى: ﴿خذوا﴾ هو على إضمار القول أي: قلنا لهم خذوا أو قائلين خذوا ﴿ما آتيناكم﴾ أي: من الكتاب وقوله تعالى: ﴿بقوّة﴾ أي: بجد وعزم على تحمل مشاقه حال من واوخذوا ﴿واذكروا ما فيه﴾ أي: بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي ﴿لعلكم تتقون﴾ أي: فضائح الأعمال ورذائل الأخلاق ﴿وإذ﴾ أي: واذكر يا محمد حين ﴿أخذ ربك من بني آدم﴾ وقوله تعالى: ﴿من ظهورهم﴾ بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار كما قاله السيوطي، أو بدل بعض كما قاله البيضاوي ﴿ذريّاتهم﴾ أي: بأن أخرج بعضهم من صلب بعض نسلاً بعد نسل كنحو ما يتوالدون كالذر، ونصب لهم دلائل على ربوبيته وركب فيهم عقلاً عرفوا به، كما جعل للجبال عقولاً حين خوطبوا بقوله تعالى: ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾ (سبأ، ١٠) كما جعل تعالى للبعير عقلاً حتى سجد للنبيّ ﷺ وكذا للشجرة حين سمعت لأمره وانقادت، وكذا للنملة حين قالت: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾ (النمل، ١٨) . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر بألف بعد الياء وكسر التاء على الجمع والباقون بغير ألف وفتح التاء على التوحيد. ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ قال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ أنت ربنا، وعن مسلم بن يسار الجهني أنه قال: إنّ عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله ﷺ حين سئل عنها فقال: «إنّ الله ﵎ خلق آدم ثم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرّية» فقال: خلفت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرّية، فقال: هؤلاء
следующие страницы →