Полный текст (2 552 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
السلاح فالتفت فإذا قوم متلثمون فقال: إليكم إليكم يا أعداء الله، فهربوا.
وقيل: هم المنافقون هموا بقتل عامر حين ردّ على الجلاس.
وقيل: أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله ﷺ ﴿وما نقموا﴾ أي: وما أنكروا على رسول الله ﷺ شيئاً ﴿إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾ فإنّ أكثر أهل المدينة كانوا قبل قدوم النبيّ ﷺ المدينة في ضنك من العيش لا يركبون الخيل ولا يحرزون الغنيمة وبعد قدومه أخذوا الغنائم وفازوا بالأموال ووجدوا الدولة وذلك يوجب أن يكونوا محبين له مجتهدين في بذل النفس والمال لأجله وقتل للجلاس مولى فأمر له رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى فالمنافقون عملوا بضدّ الواجب فوضعوا موضع شكره ﷺ أن نقموا منه.
وقال ابن قتيبة معناه ليس هناك شيء ينقمون منه ولا يعيبون من الله إلا الصنيع وهذا كقول الشاعر:
*ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا*
وكقول النابغة:
*ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب*
أي: ليس فيها عيب ﴿فإن يتوبوا﴾ أي: من كفرهم ونفاقهم ﴿يك خيراً لهم﴾ في العاجل والآجل من إصرارهم على ذلك وهذا الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير في يك للتوبة ﴿وإن يتولوا﴾ أي: يعرضوا عن الإيمان والتوبة ويصروا على النفاق والكفر ﴿يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا﴾ بالقتل والأسر والإذلال ﴿والآخرة﴾ بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص لهم منه وهو خلودهم في النار ﴿وما لهم في الأرض﴾ أي: التي لا يعرفون غيرها لسفول همتهم ﴿من ولي﴾ يحفظهم منه ﴿ولا نصير﴾ يمنعهم وأمّا السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها في شيء ناصر أو غيره وأغلظ أكباداً من أن يرتقي فكرهم إلى ما بها من العجائب وما بها من الجنود واعلم أنّ هذه السورة أكثرها في شرح أحوال المنافقين ولا شك أنهم أقسام وأصناف فلهذا السبب يذكرهم الله تعالى على التفصيل فيقول تعالى: ﴿ومنهم الذين يؤذون النبيّ﴾ (التوبة، ٦١)
﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ (التوبة، ٥٨)
﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ (التوبة/ ٤٩)
﴿ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقنّ﴾ فيه إدغام التاء في الأصل في الصاد ﴿ولنكونن من الصالحين﴾ قال ابن عباس ﵄: إن ثعلبة بن حاطب أبطأ عنه ماله بالشام فلحقه شدّة فحلف بالله وهو واقف ببعض مجالس الأنصار لئن آتانا الله من فضله لأصدقنّ ولأؤدّينّ منه حق الله تعالى والمشهور في سبب نزول هذه الآية أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاريّ قال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً فقال له رسول الله ﷺ يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. فراجعه فقال رسول الله ﷺ «أما لك في رسول الله أسوة حسنة والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت» ثم أتاه بعد ذلك وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كل ذي حق حقه فقال رسول الله ﷺ اللهم ارزق ثعلبة مالاً فاتخذ غنماً
стр. 632
فنمت كما تنمى الدود حتى كثرت ونزل بها وادياً من أودية المدينة واشتغل بها حتى صار يصلي مع النبي ﷺ الظهر والعصر ويصلي في غنمه باقي الصلوات ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضاً فصار لا يشهد إلا الجمعة ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة أيضاً فصار لا يشهد لا جمعة ولا جماعة فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «ما فعل ثعلبة» فقالوا: يا رسول الله اتخذ غنماً ما يسعها واد فقال رسول الله ﷺ «يا ويح ثعلبة ثلاثاً» فنزلت آية الصدقة فبعث رسول الله ﷺ رجلين لأخذ الصدقة» وكتب لهما أصناف الصدقة وكيف يأخذان وقال لهما: «مرّا بثعلبة وخذا صدقاته فأتياه وسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ فقال: ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية انطلقا حتى
تفرغا ثم عودا إليّ فانطلقا فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ثم رجعا إلى ثعلبة فقال كمقالته الأولى ولم يدفع إليهما شيئاً فرجعا إلى النبيّ ﷺ وأخبراه بالذي صنع ثعلبة فأنزل الله تعالى هذه الآية، وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبيّ ﷺ وسأله أن يقبل صدقته فقال: إن الله تعالى منعني من أن أقبل صدقتك، فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال ﷺ «لقد قلت لك فما أطعتني» فرجع إلى منزله وقبض رسول الله ﷺ فجاء بها إلى أبي بكر ﵁ فلم يقبلها ثم جاء بها إلى عمر أيام خلافته فلم يقبلها فلما ولى عثمان أتاه بها فلم يقبلها وهلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁.
فإن قيل: العبد إذا تاب تاب الله عليه فلماذا منع الله تعالى من قبول صدقته أجيب: بأنّ الله تعالى لما قال: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (التوبة، ١٠٣)
وكان هذا المقصود غير حاصل في ثعلبة مع نفاقه فلهذا السبب امتنع رسول الله ﷺ من أخذ تلك الصدقة ثم قال الله تعالى:
﴿فلما آتاهم من فضله بخلوا به﴾ أي: منعوا حق الله تعالى منه ﴿وتولوا﴾ عن طاعة الله تعالى ﴿وهم معرضون﴾ أي: عن طاعة الله تعالى.
﴿فأعقبهم﴾ أي: صير عاقبتهم ﴿نفاقاً﴾ متمكناً ﴿في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ أي: الله يوم القيامة ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه﴾ أي: بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح لأنّ الجزاء من جنس العمل ﴿وبما كانوا يكذبون﴾ أي: يجددون الكذب دائماً مع الوعد ومنفكاً عنه فقد استكملوا النفاق عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا وحدّثوا فكذبوا وقد قال ﷺ «آية المنافق ـ أي: علامته ـ ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان» .
﴿ألم يعلموا﴾ أي: المنافقون ﴿إنّ الله يعلم سرّهم﴾ أي: ما أسروا في أنفسهم من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه ﴿ونجواهم﴾ أي: ما تناجوا بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية وتدبير منعها فكيف يجترؤن على النفاق الذي الأصل فيه الاستمرار والتناجي فيما بينهم مع علمهم بأنّ الله تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر ﴿وإنّ الله علام الغيوب﴾ والعلام مبالغة في العالم والغيب ما كان غائباً عن الخلق
стр. 633
فكيف يمكن الإخفاء عنه وقوله تعالى:
﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿يلمزون﴾ أي: يعيبون ﴿المطوّعين﴾ المتنفلين ﴿من المؤمنين﴾ أي: الراسخين في الإيمان ﴿في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ أي: طاقتهم فيأتون به ﴿فيسخرون منهم﴾ أي: يستهزؤن بهم والخبر ﴿سخر الله منهم﴾ أي: جازاهم على سخريتهم ﴿ولهم عذاب أليم﴾ على كفرهم وهذا نوع آخر من أعمال المنافقين القبيحة وهو لمزهم لمن يأتي بالصدقات.
روي أنّ رسول الله ﷺ خطب ذات يوم وحث على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال لرسول الله ﷺ يا رسول الله مالي ثمانية آلاف درهم جئتك بأربعة آلاف درهم فاجعلها في سبيل الله وأمسكت أربعة آلاف لعيالي فقال رسول الله ﷺ «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» فبارك الله تعالى في مال عبد الرحمن حتى أنه خلف امرأتين يوم مات بلغ ثمن ماله لهما مائة وتسعين ألف درهم، وجاء عاصم بن عدي الأنصاريّ بسبعين وسقاً من تمر وجاء عثمان بن عفان بصدقة عظيمة وجاء أبو عقيل الأنصاريّ بصاع من تمر وقال: أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخله فأخذت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لعيالي وأتيتك بالآخر فأمر رسول الله ﷺ بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا عبد الرحمن وعثمان ما يعطيان إلا رياء والله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطى من مال الصدقات فنزلت، وقوله تعالى:
﴿أو لا تستغفر لهم﴾ تخيير للنبيّ ﷺ في الاستغفار لهم وتركه قال ﷺ «إني خيرت فاخترته» يعني: الاستغفار رواه البخاريّ ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾ .
روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال ﵊: «سأزيد على السبعين» وذلك لأنه ﷺ فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل لجواز أن يكون ذلك حداً يخالفه حكم ما وراءه فبين تعالى أن المراد التكثير دون التحديد وإنما خص السبعين من العدد بالذكر لأنّ العرب كانت تستكثر السبعين ولهذا كبر رسول الله ﷺ على عمه حمزة ﵁ سبعين تكبيرة ولأن آحاد السبعين سبع وهو عدد شريف فإن السموات سبع والأرضين سبع والأيام سبع والأقاليم سبع والبحار سبع والنجوم سبع وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد أي عدّة مراتبه الأصلية والفرعية مع ذكر أول فروع فروعه وهي سبعة آحاد عشرات مئين آحاد ألوف عشرات ألوف مئين ألوف آحاد ألوف الألوف وقوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كفروا با ورسوله﴾ إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها ﴿وا لا يهدي القوم الفاسقين﴾ أي: المتمردين في كفرهم وهو كالتنبيه على عذر النبيّ ﷺ في استغفاره وهو عدم يأسهم عن إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى: ﴿ما كان
стр. 634
للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ (التوبة، ١١٣)
﴿فرح المخلفون﴾ عن غزوة تبوك ﴿بمقعدهم﴾ أي: بقعودهم فهو اسم للمصدر ﴿خلاف رسول الله﴾ هذا نوع آخر من قبائح أعمال المنافقين وهو فرحهم بالقعود وكراهتهم الجهاد والمخلف المتروك ممن مضى.
فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا فكانوا متخلفين. لا مخلفين أجيب: بأنّ من تخلف عن رسول الله ﷺ بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف حيث لم ينهض وأقام.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿خلاف﴾ فيه قولان:
الأوّل: وهو قول الزجاج بمعنى مخالفة رسول الله ﷺ حين سار وأقاموا قال وهو منصوب لأنه مفعول له والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله ﷺ
والثاني: قال الأخفش: إن خلاف بمعنى خلف ومعناه بعد رسول الله ﷺ وقوله تعالى: ﴿وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ تعريض للمؤمنين بتحملهم المشاق لوجه الله تعالى بما فعلوا من بذل أنفسهم وأموالهم وإيثارهم ذلك على السكون والراحة وكره ذلك المنافقون وكيف لا يكرهون وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان ﴿وقالوا﴾ أي: قال بعض المنافقين لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطاً ﴿لا تنفروا﴾ أي: لا تخرجوا إلى الجهاد ﴿في الحرّ﴾ وكانت غزوة تبوك في شدّة الحر فأجاب الله تعالى عن هذا بقوله تعالى: ﴿قل نار جهنم أشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون﴾ أي: يعلمون أنّ بعد هذه الدار داراً أخرى وأن بعد هذه الحياة حياة أخرى وأنّ هذه مشقة منقضية وتلك مشقة باقية ما تخلفوا ولبعضهم
*مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم اربها شبه الصابي*
*فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب*
وقوله تعالى:
﴿فليضحكوا قليلاً﴾ أي: في الدنيا ﴿وليبكوا كثيراً﴾ أي: في الآخرة ورد بصيغة الأمر ومعناه الإخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ أي: أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم وأعمالهم الخبيث في الدنيا.
روي أن أهل النفاق يبكون في الآخرة في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم ففرحهم وضحكهم طول أعمارهم في الدنيا قليل بالنسبة إلى الآخرة لأنّ الدنيا فانية والآخرة باقية والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل.
روي عن أنس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا فإنّ أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتنفرغ العيون حتى لو أن سفناً أجريت فيها لجرت» قال البيضاوي: ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغمّ والمراد من القلة العدم.
﴿فإن رجعك﴾ أي: ردّك ﴿ا﴾ من غزوة تبوك ﴿إلى طائفة منهم﴾ أي: ممن تخلف بالمدينة من المنافقين وإنما قال: ﴿إلى طائفة منهم﴾ لأنّ منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف أو اعتذر بعذر صحيح، وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين وأراد بالطائفة المنافقين
стр. 635
منهم ﴿فاستأذنوك للخروج﴾ معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك ﴿فقل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين طلبوا الخروج معك وهم مقيمون على نفاقهم ﴿لن تخرجوا معي أبداً﴾ أي: في سفر من الأسفار إنّ الله تعالى قد أغناني عنكم وأحوجكم إلي ﴿ولن تقاتلوا معي عدوّاً﴾ إخبار بمعنى النهي للمبالغة وقوله تعالى: ﴿إنكم رضيتم بالقعود أوّل مرّة﴾ تعليل له وكان إسقاطهم من ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم وأوّل مرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك ﴿فاقعدوا مع الخالفين﴾ أي: المتخلفين عن الغزو من النساء والصبيان وغيرهم، قال الرازي: واعلم أنّ هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض إخوانه مكر وخداع ورآه مشدّداً فيه مبالغاً في تقرير موجباته فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه وأن يحترز عن مصاحبته، ولما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بمنع المنافقين من الخروج معه إلى الغزوات إذلالاً لهم أمره بمنع الصلاة على من مات منهم إذلالاً لهم أيضاً بقوله تعالى: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾ .
روي أن ابن أبي ـ رأس المنافقين ـ دعا النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه فلما دخل عليه النبيّ ﷺ سأله أن يصلي عليه وإذا مات يقوم على قبره ثم أرسل للنبيّ ﷺ يطلب منه قميصه ليكفن فيه فأرسل إليه القميص الفوقاني فردّه وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه فقال عمر ﵁: لم تعطي قميصك للرجس النجس؟ فقال ﷺ «إنّ قميصي لا يغني عنه من الله شيئاً وإني أؤمّل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب» فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب رسول الله ﷺ فلما مات جاء ابنه يعرفه وكان ابنه صحابياً خالصاً صالحاً فقال له النبيّ ﷺ «صل عليه وادفنه» فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم فقام ﵊ ليصلي عليه فقام عمر ﵁ بينه وبين القبلة فنزلت هذه الآية وأخذ جبريل ﵇ بثوب النبي ﷺ وقال: ﴿لا تصل على أحد منهم مات أبداً﴾ قال عمر: فعجبت من جراءتي على النبي ﷺ يومئذ وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر ﵁ وذلك أنّ الوحي ينزل وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفدية من أسارى بدر وقد سبق شرحه، ومنها آية تحريم الخمر، ومنها آية تحويل القبلة، ومنها آية أمر النساء بالحجاب، ومنها هذه الآية، فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدارين ولهذا قال في حقه ﵊: «لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبياً» وإنما لم ينه ﷺ عن التكفين في القميص ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت تخل بالكرم وكان الله تعالى أمره أن لا يردّ سائلاً بقوله تعالى: ﴿وأما السائل فلا تنهر﴾ (الضحى، ١٠)
ولأنّ ابنه كان بالوصف المتقدم فأكرمه النبي ﷺ لمكان ابنه ولأن الرحمة والرأفة كانت غالبة عليه ﷺ ولأنها كانت مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين كان أسر ببدر والمراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر، قال الواحدي: مات في موضع جر لأنه صفة للنكرة كأنه قيل:
стр. 636
على أحد منهم ميت، وقوله تعالى: ﴿أبداً﴾ متعلق بقوله: ﴿ولا تصل﴾ والتقدير ولا تصل أبداً على أحد منهم منعاً كلياً دائماً، وقال البيضاوي: مات أبداً يعني: الموت على الكفر فإن إحياء الكافر للتعذيب لا للتمتع فكأنه لم يحيى واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تقم على قبره﴾ فقال الزجاج: كان رسول الله ﷺ إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع ههنا منه قال الكلبي: لا تقم لإصلاح مهمات قبره وهو من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره وتولاه، وقيل: لا تقم عند قبره لدفن أو زيارة والأوّل أولى لأنّ النهي للتحريم ثم إنه تعالى علل المنع من الصلاة عليه والقيام على قبره بقوله تعالى: ﴿إنهم كفروا با ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ أي: كافرون يعني: لم يتوبوا قبل موتهم عن كفرهم فسقط بذلك ما قيل: إن الفسق أدنى من الكفر فما الفائدة في وصفهم بعد ذلك بالفسق، وأجيب أيضاً: بأنّ الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون فاسقاً فوصف الله تعالى المنافق بالفسق بعد أن وصفه بالكفر تنبيهاً على أن طريقة النفاق طريقة مذمومة عند كل أهل العلم.
فإن قيل: كيف همّ ﷺ أن يصلي على هذا المنافق مع قيام الكفر فيه وقيل: إنه صلى عليه؟ أجيب: بأنّ التكاليف مبنية على قوله ﷺ «نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر» فإنه كان ظاهره الإسلام فلما أعلمه الله تعالى بذلك امتنع فلم يصل على منافق بعد ذلك ولا قام على قبره حتى قبض.
﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ سبق ذكر هذه الآية في هذه السورة بعينها ولكن حصل بينهما تفاوت في ألفاظ أربعة: أوّلها: أنّ في الآية المتقدّمة ﴿فلا تعجبك﴾ بالفاء وههنا بالواو لأنّ الآية الأولى ذكرت بعد قوله تعالى: ﴿ولا ينفقون إلا وهم كارهون﴾ وصفهم بكونهم كارهين للإنفاق وإنما كرهوا ذلك الإنفاق لكونهم معجبين بكثرة تلك الأموال والأولاد فلهذ المعنى نهاه الله تعالى عن ذلك الإعجاب بفاء التعقيب وأما ههنا فلا تعلق لهذا الكلام بما قبله فجاء بحرف الواو. ثانيها: أنه قال تعالى في الآية الأولى: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم﴾ وههنا كلمة لا محذوفه لأنّ مثل هذا الترتيب يبدأ فيه بالأدون ثم يترقى إلى الأشرف فيقال: لا يعجبني أمر الأمير ولا أمر الوزير وهذا يدل على أنه كان إعجاب أولئك الأقوام بأولادهم فوق إعجابهم بأموالهم وهذه الآية تدل على عدم التفاوت بين الأمرين عندهم. ثالثها: أنه تعالى قال هناك: ﴿إنما يريد الله ليعذبهم﴾ وههنا قال: ﴿إنما يريد الله أن يعذبهم﴾ فالفائذة فيه التنبيه على أن التعليل في أحكام الله تعالى محال وإن ورد حرف التعليل ومعناه أنه كقوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله﴾ وما أمروا إلا بأن يعبدوا الله. رابعها: أنه ذكر في الآية الأولى ﴿في الحياة الدنيا﴾ وههنا أسقط لفظ الحياة تنبيهاً على أن الحياة الدنيا بلغت في الخسة مبلغاً إلى أنها لا تستحق أن تسمى حياة بل يجب الاقتصار عند ذكرها على لفظ الدنيا تنبيهاً على كمال دناءتها، قال الرازي: فهذه وجوه في الفرق بين هذه الألفاظ والعالم بتحقيق القرآن هو الله تعالى.
فإن قيل: ما الحكمة في التكرير؟ أجيب: بأنه أشدّ الأشياء جذباً وطلباً للخواطر الاشتغال بالدنيا وهي الأموال والأولاد وما كان كذلك يجب التحذير عنه مرّة بعد أخرى في المطلوبية والمرغوبية كما أعاد تعالى
стр. 637
قوله في سورة النساء: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لما يشاء﴾ (النساء، ٤٨)
مرّتين وقيل: إنما كرّر هذا المعنى لأنّ الآية الأولى في قوم منافقين لهم أموال وأولاد في وقت نزولها وهذه الآية في قوم آخرين والكلام الواحد إذا احتيج إلى ذكره مع أقوام كثيرين في أوقات مختلفة لم يكن ذكره مع بعضهم مغنياً عن ذكره مع آخرين، وقوله تعالى:
﴿وإذا أنزلت سورة﴾ يحتمل أن يراد بالسورة تمامها وأن يراد بعضها أي: طائفة من القرآن وقيل: المراد بالسورة سورة براءة لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد ﴿أن آمنوا با﴾ أي: بأن آمنوا ويجوز أن تكون أن المفسرة ﴿وجاهدوا مع رسوله﴾ .
فإن قيل: كيف يأمر المؤمنين بالإيمان فإنّ ذلك يقتضي الأمر بتحصيل الحاصل وهو محال؟ أجيب: بأنّ معناه الدوام على الإيمان والجهاد في المستقبل، وقيل: هذا الأمر وإن كان ظاهره العموم لكن المراد به الخصوص وهم المنافقون أي: اخلصوا الإيمان بالله وجاهدوا مع رسوله ﷺ وإنما قدم الأمر بالإيمان على الأمر بالجهاد لأنّ الجهاد بغير الإيمان لا يفيد شيئاً ثم حكى الله تعالى أن عند نزول هذه السورة ماذا يقولون فقال تعالى: ﴿استأذنك أولو الطول منهم﴾ قال ابن عباس يعني: أهل الغنى وهم أهل القدرة والثروة والسعة من المال، وقيل: هم رؤساء المنافقين وكبراؤهم ﴿وقالوا﴾ أي: أولو الطول ﴿ذرنا نكن مع القاعدين﴾ أي: الذين قعدوا لعذر كالمرضى والزمنى، وقيل: مع النساء والصبيان ثم ذمّهم الله تعالى بقوله:
﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ جمع خالفة أي: النساء اللاتي تخلفن في البيوت، وقيل: الخوالف أدنياء الناس وسفلتهم يقال: فلان خالفه قومه إذا كان دونهم وإنما خص أولو الطول بالذكر لأنّ الذم لهم لازم لكونهم قادرين على السفر والجهاد وأمّا من لا مال له ولا قدرة له على السفر فلا يحتاج إلى الاستئذان قال المفسرون: كان يصعب على المنافقين تشبيههم بالخوالف ﴿وطبع﴾ أي: وختم ﴿على قلوبهم﴾ أي: هؤلاء المنافقين ﴿فهم لا يفقهون﴾ أي: لا يعلمون ما في الجهاد من الفوز والسعادة وما في التخلف من الشقاوة والخذلان ولما شرح الله حال المنافقين من الفرار عن الجهاد بين حال الرسول والذين آمنوا معه بالضدّ منه بقوله تعالى:
﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم﴾ أي: بذلوا المال والنفس في طلب رضوان الله تعالى والتقرب إليه وفي قوله تعالى: ﴿لكن﴾ فائدة وهي تقرير أنه وإن تخلف هؤلاء المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير منهم وأخلص نية واعتقاداً كقوله تعالى: ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً﴾ (الأنعام، ٨٩) ، ولما وصفهم الله تعالى بالمسارعة إلى الجهاد ذكر ما حصل لهم من الفوائد والمنافع وهو أنواع: أوّلها: ما ذكره تعالى بقوله سبحانه: ﴿وأولئك لهم الخيرات﴾ أي: منافع الدارين النصرة والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة، وقيل: الخيرات الحور العين لقوله تعالى: ﴿فيهنّ خيرات حسان﴾ (الرحمن، ٧٠)
ثانيها: ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي: الفائزون بالمطالب المتخلصون من العقاب والعتاب وثالثها: ما ذكره بقوله تعالى:
﴿أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾ هذا بيان ما لهم من الخيرات الأخروية.
﴿وجاء المعذرون﴾ بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: المعتذرون بمعنى المعذورين ﴿من الأعراب﴾ إلى
стр. 638
النبي ﷺ ﴿ليؤذن لهم﴾ في القعود لعذرهم فأذن لهم واختلف في هؤلاء المعذرين فقيل: هم أسد وغطفان قالوا: إنّ لنا عيالاً وإن بنا جهداً فائذن لنا في التخلف، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال ﷺ «سيغنيني الله عنكم» وقيل: نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله، وعن قتادة: اعتذروا بالكذب والاعتذار في كلام العرب على قسمين: يقال: اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله تعالى: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ (التوبة، ٩٤)
فردّ الله تعالى عيهم بقوله: ﴿قل لا تعتذروا﴾ (التوبة، ٩٤)
فدلّ ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه. ويقال: اعتذر إذا أتى بعذر صحيح كما في قول لبيد:
*ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر*
يريد: فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو التعذير الذي هو التقصير، يقال: عذر يعذر إذا قصر ولم يبالغ فعلى هذا المعنى يحتمل أنهم كانوا صادقين في اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكره قال بعده: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ أي: في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار فلما فصل بينهم وميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين.
ويروى عن عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام فقال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وجاء المعذرون﴾ وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبه عذر جراءة على الله وهم المراد بقوله تعالى: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ ﴿سيصيب الذين كفروا منهم﴾ أي: من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره ﴿عذاب أليم﴾ في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.
ولما بين الوعيد في حق من توهم العذر مع أنه لا عذر له ذكر أصحاب الأعذار الحقيقة وبين أن تكليف الله تعالى بالغزو والجهاد عنهم ساقط بقوله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء﴾ كالشيوخ ومن خلق في أصل الفطرة ضعيفاً نحيفاً ﴿ولا على المرضى﴾ كالزمنى والعرج والعمي ﴿ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون﴾ في الجهاد ﴿حرج﴾ أي: إثم في التخلف عنه فنفى عن هذه الأقسام الثلاثة الحرج فيجوز لهم أن يتخلفوا عن الغزو وليس في الآية بيان أنه يحرم عليهم الخروج لأنّ الواحد من هؤلاء لو خرج ليعين المجاهدين بقدر قدرته إما لحفظ متاعهم أو لتكثير سوادهم بشرط أن لا يجعل نفسه كلاً ووبالاً عليهم كان ذلك طاعة مقبولة ثم إنه شرط في جواز هذا التأخر عن الغزو شرطاً بقوله: ﴿إذا نصحوا ورسوله﴾ في حال قعودهم بالإيمان والطاعة في السرّ والعلانية وأن يحترزوا عن إلقاء الإرجافات وعن إثارة الفتن ويسعوا في إيصال الخير إلى المجاهدين الذين سافروا إما أن يقوموا بإصلاح مهمات بيوتهم وإما أن يسعوا إلى إيصال الأخبار السارة من بيوتهم إليهم فإن جملة هذه الأمور جارية مجرى الإعانة على الجهاد وقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين﴾ في موضع ما عليهم لبيان إحسانهم بنصحهم مع عذرهم ﴿من سبيل﴾ أي: طريق إلى ذمهم أو لومهم والمعنى أنه سدّ بإحسانه طريق العتاب ومن أعظم الإحسان من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله مخلصاً من قلبه فإن ما عليه من سبيل في نفسه وماله لإباحة الشرع بدليل منفصل إذ العبرة
стр. 639
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والمحسن هو الآتي بالإحسان ورأس أبواب الإحسان ورئيسها هو قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿وا غفور﴾ أي: محاء للذنوب ﴿رحيم﴾ أي: بجميع عباده، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان محل التقصير وإن اجتهد فلا يسعه إلا العفو ولما ذكر الله الضعفاء والمرضى والفقراء وبين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط
أن يكونوا ناصحين لله ورسوله وهو كونهم محسنين وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ذكر قسماً رابعاً من المعذورين بقوله تعالى:
﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم﴾ إلى الغزو وهم البكاؤن سبعة من الأنصار معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية بن زيد أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: بدرنا بالخروج أي: أسرعنا فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو فقال رسول الله ﷺ «لا أجد ما أحملكم عليه» فتولوا وهم يبكون ولذلك سموا البكائين وقيل: هم بنو مقرن من مزينة وكانوا ثلاثة أخوة معقل وسويد والنعمان وقيل: أبو موسى وأصحابه وقيل: نزلت في العرباض بن سارية، ويحتمل أنها نزلت في كل من ذكر، وقوله تعالى: ﴿قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ حال من الكاف في أتوك بإضمار قد وقوله تعالى: ﴿تولوا﴾ جواب إذا ﴿وأعينهم تفيض﴾ أي: تسيل ﴿من الدمع﴾ أي: دمعها فان، ومن للبيان كقولك: أفديك من رجل، وهو أبلغ من يفيض دمعها لأنه يدلّ على أن العين صارت دمعاً فياضاً وقوله تعالى: ﴿حزناً﴾ منصوب على العلة ﴿أن لا يجدوا﴾ أي: لئلا يجدوا محله نصب على أنه مفعول له وناصبه المفعول له الذي هو حزناً ﴿ما ينفقون﴾ في الجهاد ولما قال تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾ قال تعالى في حق من يعتذر: ﴿ولا عذر له﴾ .
﴿إنما السبيل﴾ أي: إنما يتوجه الطريق بالعقوبة ﴿على الذين يستأذنونك﴾ يا محمد في التخلف عنك والجهاد ﴿وهم أغنياء﴾ أي: قادرون على أهبة الخروج معك وقوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ استئناف كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء فقيل: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف وهم النساء والصبيان ﴿وطبع الله على قلوبهم﴾ فلأجل ذلك الطبع قال الله تعالى: ﴿فهم لا يعلمون﴾ أي: ما في الجهاد من منافع الدارين، أمّا في الدنيا فالفوز بالغنيمة والظفر بالعدو، وأمّا في الآخرة فالثواب والنعيم الدائم الذي لا ينقطع.
﴿يعتذرون﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿إليكم﴾ أي: في التخلف ﴿إذا رجعتم﴾ من الغزو ﴿إليهم﴾ بالأعذار الباطلة والخطاب للنبي ﷺ وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً له ويحتمل أن يكون له وللمؤمنين.
يروى أن الذين تخلفوا عن غزوة تبوك من المنافقين كانوا بضعة وثلاثين رجلاً فلما رجع النبيّ ﷺ جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل قال تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿لا تعتذروا﴾ بالمعاذير الباطلة ﴿لن نؤمن لكم﴾ أي: لن نصدّقكم فيما اعتذرتم به وقوله تعالى: ﴿قد نبأنا﴾ أي: أعلمنا ﴿الله من أخباركم﴾ أي: بعض أحوالكم التي أنتم عليها من الشرّ والفساد علة لانتفاء تصديقهم لأنّ الله تعالى إذا أوحى إلى رسوله ﷺ الإعلام بأحوالهم وما في ضمائرهم من الشرّ والفساد لم يستقم مع ذلك تصديقهم في معاذيرهم ﴿وسيرى الله علمكم ورسوله﴾ أي:
стр. 640
أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه ﴿ثم تردّون﴾ أي: بالبعث ﴿إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ أي: الله المطلع على ما في ضمائركم من الخيانة والكذب وإخلاف الوعد وغير ذلك من الخبائث التي أنتم عليها فيجازيكم عليه.
﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم﴾ أي: رجعتم ﴿إليهم﴾ من تبوك إنهم معذورون في التخلف ﴿لتعرضوا عنهم﴾ أي: لتصفحوا عنهم فلا تعاتبوهم ﴿فأعرضوا عنهم﴾ أي: فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، قال ابن عباس: يريد ترك الكلام والسلام قال مقاتل: قال النبيّ ﷺ حين قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» قال أهل المعاني: هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر تعالى علة الإعراض بقوله: ﴿إنهم رجس﴾ أي: قذر لخبث باطنهم فكما يجب الاحتراز عن الأنجاس الجسمانية يجب الاحتراز عن الأرجاس الروحانية خوفاً من سريانها إلى الإنسان وحذراً من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال وقوله تعالى: ﴿ومأواهم جهنم﴾ من تمام العلة ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ من الأعمال الخبيثة في الدنيا واختلفوا فيمن نزلت فيه هذه الآية فقال ابن عباس: نزلت في الجد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما كانوا ثمانين رجلاً من المنافقين فقال النبيّ ﷺ حين قدم المدينة: «لا تجالسوهم ولا تكلموهم» وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبيّ حلف للنبي ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها وطلب من النبيّ ﷺ أن يرضى عنه فأنزل الله تعالى هذه الآية ونزل.
﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾ أي: يحلف لكم هؤلاء المنافقون لترضوا عنهم بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم ﴿فإن ترضوا عنهم﴾ أي: فإن رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا إليكم وقبلتم عذرهم ﴿فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ لأنه تعالى يعلم ما في قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى عنهم والمقصود من الآية عدم الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر بالإعراض عنهم وعدم الالتفات نحوهم.
ونزل في سكان البادية:
﴿الأعراب﴾ أي: أهل البدو ﴿أشدّ كفراً ونفاقاً﴾ أي: من أهل الحضر لجفائهم وغلظ طباعهم وبعدهم عن أهل العلم وقلة استماعهم الكتاب والسنة واستيلاء الهواء الحار اليابس عليهم وذلك يوجب مزيد التيه والتكبر والنخوة والفخر والطيش عليهم وليسوا تحت سياسة سائس ولا تأديب مؤدّب ولا ضبط ضابط فنشؤوا كما شاؤوا ومن كان كذلك خرج على أشدّ الجهات نفاقاً ولو قابلت الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية لعرفت الفرق بين أهل الحضر وأهل البادية.
قال العلماء من أهل اللغة: يقال: رجل عربي إذا كان له نسب في العرب وجمعه العرب كما يقال: مجوسي ويهودي ثم تحذف ياء النسب في الجمع فيقال: المجوس واليهود ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدوياً يطلب مساقط الغيث والكلأ وسواء كان من العرب أم من مواليهم ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب.
والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح والعربي إذا قيل له: يا أعرابي غضب له فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم أعراب والذي يدل على الفرق بينهما أنه ﷺ قال: «حب العرب من الإيمان» وأما الأعراب فقد ذمّهم الله تعالى في هذه الآية.
وقيل: سموا بالعرب لأنّ ألسنتهم معربة عما
стр. 641
في ضمائرهم ولا شك أنّ اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة.
قال الرازي: ورأيت في بعض الكتب عن بعض الحكماء أنه قال: حكمة الروم في أدمغتهم وذلك لأنهم يقدرون على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم وذلك لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة العرب في ألسنتهم وذلك لحلاوة ألسنتهم وعذوبة عباراتهم ثم حكم الله تعالى على الأعراب بحكم آخر بقوله تعالى: ﴿وأجدر﴾ أي: أحق وأولى ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾ من الأحكام والشرائع فرائضها وسننها ﴿وا عليم﴾ بما في قلوب عباده ﴿حكيم﴾ فيما فرض من فرائضه وأحكامه.
﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق﴾ في سبيل الله تعالى ﴿مغرماً﴾ أي: غرامة وخسراناً والغرامة ما ينفقه الرجل وليس يلزمه لأنه لا ينفق إلا تقية من المسلمين ورياء لا لوجه الله تعالى وابتغاء المثوبة عنده وهم أسد وغطفان ﴿ويتربص﴾ أي: ينتظر ﴿بكم الدوائر﴾ أي: دوائر الزمان أن ينقلب عليكم فيموت النبيّ ﷺ ويظهر المشركون قال الله تعالى: ﴿عليهم دائرة السوء﴾ دعاء عليهم معترض، قال التفتازاني: بين كلامين لا في أثناء كلام ولا في آخره دعا عليهم بنحو ما دعوا به قال الله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ (المائدة، ٦٤)
أي: يدور عليهم البلاء والحزن ولا يرون في محمد ﷺ ودينه وأصحابه إلا ما يسوءهم ويكيدهم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم السين والباقون بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك: رجل سوء في نقيض قولك: رجل صدق ﴿وا سميع﴾ لأقوالهم ﴿عليم﴾ بما تخفي ضمائرهم ولما بين أنه حصل في الأعراب من يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغرماً بين أن فيهم قوماً مؤمنين صالحين مجاهدين يتخذ إنفاقه في سبيل الله مغنماً بقوله تعالى: ﴿ومن الأعراب من يؤمن با واليوم الآخر﴾ كبعض جهينة ومزينة فوصفهم الله تعالى بوصفين: كونهم مؤمنين بالله واليوم الآخر والمقصود التنبيه على أنه لا بدّ في جميع الطاعات من تقديم الإيمان وفي الجهاد أيضاً كذلك والثاني: ما ذكره بقوله تعالى: ﴿ويتخذ ما ينفق قربات﴾ جمع قربة أي: يقربه ﴿عند الله﴾ الذي لا أشرف من القرب عنده ﴿و﴾ وسيلة إلى ﴿صلوات﴾ أي: دعوات ﴿الرسول﴾ ﷺ لأنه كان يدعو للمصدقين عنده بالخير والبركة ويستغفر لهم كقوله ﷺ «اللهم صل على آل أوفى» قال تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ أي: ادع لهم ولما كان ما ينفق سبباً لذلك قيل: يتخذ ما ينفق قربات وصلوات الرسول ﴿ألا إنها﴾ أي: نفقاتهم ﴿قربة لهم﴾ عند الله وهذا شهادة من الله تعالى للمؤمن المتصدّق بصحة ما اعتقد من كون نفقاته قربات عند الله وصلوات الرسول وقد أكد تعالى هذه الشهادة بحرف التنبيه وهو قوله تعالى: ﴿ألا﴾ وبحرف التحقيق وهو قوله تعالى: ﴿إنها﴾ ثم زاد في التأكيد فقال تعالى: ﴿سيدخلهم الله في رحمته﴾ فإن دخول السين توجب مزيد التأكيد وهذه النعمة هي أقصى مرادهم. وقرأ ورش: قربة برفع الراء والباقون بالسكون والأصل هو الضم والإسكان تخفيف ﴿إنّ الله غفور﴾ أي: بليغ الستر لقبائح من تاب ﴿رحيم﴾ بهم.
ولما ذكر تعالى فضائل الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله وما أعدّ لهم من الثواب بين تعالى أن فوق منزلتهم منازل أعلى وأعظم منها
стр. 642
بقوله تعالى:
﴿والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار﴾ أما من المهاجرين فقال سعيد بن المسيب: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان، وقال محمد بن كعب: هم جماهير الصحابة، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة.
واختلف في أوّل الناس إسلاماً وأوّل من صلى مع رسول الله ﷺ فقال بعض العلماء: أوّل من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهذا قول جابر واختلفوا في سنه وقت إسلامه فقيل: كان ابن عشر سنين، وقيل: أقل من ذلك، وقيل: أكثر، وقيل: كان بالغاً، والأكثرون على أنه لم يكن بالغاً وقت إسلامه، وقال بعضهم: أوّل من أسلم بعد خديجة أبو بكر الصديق وهذا قول ابن عباس، وقال بعضهم: أوّل من أسلم بعد خديجة زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وهذا قول عروة بن الزبير وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الروايات فيقول: أوّل من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ فهؤلاء أربعة سباق الخلق إلى الإسلام.
وأما من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة وهي الأولى وكانوا ستة نفر ثم العقبة الثانية من العام المقبل وكانوا اثني عشر رجلاً ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلاً فهؤلاء سباق الأنصار، وقيل: المراد بالسابقين الأوّلين من سبق إلى الهجرة والنصرة ويدل على هذا أنه تعالى ذكر كونهم سابقين ولم يبين لهم أنهم سابقون في ماذا فبقي اللفظ مجملاً فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما قد صاروا به مهاجرين وأنصاراً وهو الهجرة والنصرة فوجب أن يكون المراد منه السابقين الأوّلين في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ وأيضاً فإنّ الهجرة طاعة عظيمة ومرتبة عالية ومنقبة شريفة لأنهم نصروا رسول الله ﷺ على أعدائه وآووه وواسوه وآووا أصحابه وواسوهم فلذلك أثنى الله تعالى عليهم ومدحهم ﴿والذين اتبعوهم﴾ أي: الفريقين إلى يوم القيامة ﴿بإحسان﴾ أي: في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من طريقتهم.
وقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار ويترحمون عليهم ويدعون لهم ويذكرون محاسنهم.
وقيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأوّلين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» والمدّ ربع الصاع والنصيف نصفه والمعنى لو أن أحداً عمل مهما قدر عليه من أعمال البرّ والإنفاق في سبيل الله ما بلغ هذا القدر الصغير من عمل الصحابة وإنفاقهم لأنهم أنفقوا وبذلوا المجهود في وقت الحاجة، وعن عمران بن حصين أن النبيّ ﷺ قال: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعده قرنين أم ثلاثاً. والقرن الأمة من الناس يقارن بعضهم بعضاً واختلفوا في مدّته من الزمان من عشر سنين إلى عشرين سنة، وقيل: من مائة إلى مائة وهذا هو المشهور وقيل: من مائة إلى مائة وعشرين سنة ثم جمعهم الله تعالى في الثواب فقال: ﴿﵃﴾ فالسابقون مرتفع بالابتداء وخبره ﵃ أي: بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم ﴿ورضوا عنه﴾ بما أفاض عليهم
стр. 643
من نعمه الجليلة في الدنيا والآخرة ﴿وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار﴾ أي: هي كثيرة المياه فكل موضع أردته نبع منه ماء يجري منه نهر. وقرأ ابن كثير بزيادة من تحتها وبجرّ التاء بعد الحاء والباقون بغير من وفتح التاء، ثم نفى سبحانه الانقطاع بقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ وأكد المراد من الخلود بقوله تعالى: ﴿أبداً﴾ ثم استأنف مدح هذا الذي أعدّه لهم بقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ أي: الأمر العالي الرتبة ﴿الفوز العظيم﴾ ولما شرح تعالى أحوال منافقي المدينة ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم وهم السابقون والمهاجرون والأنصار، ذكر أنّ جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق بقوله تعالى:
﴿وممن حولكم﴾ أي: أهل بلدتكم وهي المدينة ﴿من الأعراب منافقون﴾ وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها وقوله تعالى: ﴿ومن أهل المدينة﴾ عطف على خبر المبتدأ الذي هو ممن حولكم ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت: ومن أهل المدينة قوم ﴿مردوا على النفاق﴾ على أن مردوا صفة موصوف محذوف كقول الشاعر:
*أنا ابن جلا وطلاع الثنايا*
أي: أنا ابن رجل جلا فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه.
وقال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق أي: ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه وأصل المرود الملاسة ومنه صرّح ممرّد وغلام أمرد ﴿لا تعلمهم﴾ بأعيانهم أي: يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك لفرط توقيهم ما يشكك في أمرهم ثم هددهم وبين خسارتهم بقوله تعالى: ﴿نحن نعلمهم﴾ أي: لا يعلمهم إلا الله تعالى ولا يطلع على سرهم غيره لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين لا تشك معه في إيمانهم وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به فلهم فيه اليد الطولى واختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرّتين﴾ فقال الكلبي والسدي: قام النبي ﷺ خطيباً يوم الجمعة فقال: «اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق» فأخرج من المسجد جماعة من المنافقين وفضحهم فهذا هو العذاب الأوّل والثاني عذاب القبر.
فإن قيل: كيف هذا مع قوله تعالى ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ ؟ أجيب: بأنه تعالى أعلمه بهم بعد ذلك. وقال مجاهد: الأوّل: القتل والسبي، والثاني: عذاب القبر، وقال ابن زيد: الأوّل: المصائب في الأولاد، والثاني: عذاب الآخرة، وقال ابن عباس: الأوّل: إقامة الحدود عليهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: عذبوا بالجوع مرّتين، وقيل: الأول: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والثاني: عذاب القبر، وقيل: الأوّل: إحراق مسجدهم مسجد الضرار، والثاني: إحراقهم بنار جهنم كما قال تعالى: ﴿ثم يردون﴾ أي: في الآخرة ﴿إلى عذاب عظيم﴾ هو النار وقوله تعالى:
﴿وآخرون﴾ أي: وقوم آخرون مبتدأ وقوله تعالى: ﴿اعترفوا بذنوبهم﴾ ولم يعتذروا من تخلفهم بالمعاذير الكاذبة نعته، والخبر ﴿خلطوا عملاً صالحاً﴾ أي: وهو جهادهم قبل ذلك أو اعترافهم بذنوبهم أو غير ذلك ﴿وآخر سيئاً﴾ أي: وهو تخلفهم ﴿عسى الله أن يتوب عليهم إنّ الله عفور رحيم﴾ يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه نزلت في طائفة من المتخلفين عن غزوة
стр. 644
تبوك، واختلف في عددهم فعن ابن عباس أنهم كانوا ثلاثة عشر وروي عنه أنهم كانوا خمسة وقال سعيد بن جبير: كانوا ثمانية، وقيل: كانوا ثلاثة ندموا لما بلغهم ما نزل بالمتخلفين وتابوا وقالوا: نكون في الظلال ومع النساء ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد واللأواء فلما رجع رسول الله ﷺ من سفره وقرب من المدينة قالوا: والله لنوثقنّ أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقها ويعذرنا فربطوا أنفسهم في سواري المسجد فلما رجع رسول الله ﷺ دخل المسجد على عادته في رجوعه من سفره فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا الا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم وترضى عنهم فقال: «وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية» فأرسل رسول الله ﷺ إليهم وأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا وإنما تخلفنا عنك بسببها خذها فتصدّق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا فقال ﵊: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً» فأنزل الله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ من الذنوب أو حب المال المؤدّي إلى مثله وتجري لهم مجرى الكفارة هذا قول الحسن كان يقول: ليس المراد من هذه الآية الصدقة الواجبة وإنما هي كفارة الذنب الذي صدر ويدل عليه أنه ﷺ أخذ ثلث أموالهم وتصدّق بها وأبقى لهم الثلثين ولم يأخذ الجميع لأنّ الله تعالى
قال: ﴿خذ من أموالهم﴾ والصدقة الواجبة لا يؤخذ فيها ثلث المال ﴿وتزكيهم بها﴾ أي: وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين ﴿وصل عليهم﴾ أي: واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم والسنة أن يدعو آخذ الصدقة لصاحب الصدقة إذا أخذها.
وعن الشافعي ﵁ أنه كان يقول أحب أن يقول الوالي عند أخذ الصدقة: أجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهوراً وبارك لك فيما أبقيت. ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ أي: تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم لأنّ روحه ﷺ كانت روحاً قوية مشرقة صافية باهرة فإذا دعا ﷺ لهم وذكرهم بالخير فاضت آثار من قوّة روحه الروحانية على أرواحهم فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم وانتقلوا من الظلمة إلى النور ومن الجسمانية إلى الروحانية فحصل لهم بذلك غاية الطمأنينة. وقرأ حفص وحمزة والكسائيّ: صلاتك بغير واو بعد اللام ونصب التاء على التوحيد، والباقون بالواو وكسر التاء على الجمع لتعدّد المدعوّ لهم.
قيل: إنّ هذه الآية كلام مبتدأ والمقصود منها إيجاب أخذ الزكوات من الأغنياء وعليه أكثر الفقهاء إذ استدلوا بهذه الآية في إيجاب الزكاة وقالوا في الزكاة: إنها طهرة ﴿وا سميع﴾ لأقوالهم واعترافهم ودعائك لهم ﴿عليم﴾ بندامتهم ونياتهم.
ولما حكى سبحانه عن القوم الذين تقدّم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدّقوا وهناك لم يذكر إلا قوله: ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ وما كان ذلك صريحاً في قبول التوبة ذكر بعد ذلك أنه يقبل التوبة وأنه سبحانه يأخذ الصدقات ترغيباً لمن لم يتب في التوبة وترغيباً لكل العصاة في الطاعة بقوله تعالى:
﴿ألم يعلموا أنّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ﴾ أي: يقبل ﴿الصدقات﴾ والضمير إما للمتوب
стр. 645
عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم وإمّا لغيرهم والمراد به التحضيض عليها والآية وإن وردت بصيغة الاستفهام إلا أنّ المراد بها التقرير في النفس، ومن عادة العرب في إفهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا أما علمت أنّ من علمك يجب عليك خدمته أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره. فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم ترغيباً في التوبة وبذل الصدقات وذلك أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ترغيباً في التوبة ثم زاد تأكيداً بقوله تعالى: ﴿وأنّ الله هو التوّاب الرحيم﴾ أي: وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم وفي هذا تعظيم أمر الصدقات وتشريفها وأن الله يقبلها من عبده عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد مؤمن يتصدّق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا الطيب إلا يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه حتى أنّ اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم، ثم قرأ: ﴿أنّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ » .
﴿وقل اعملوا﴾ أي: وقل لهم أو للناس يا محمد اعملوا ما شئتم ﴿فسيرى الله عملكم﴾ فإنه لا يخفى عليه شيء خيراً كان أو شرّاً، فيه ترغيب عظيم للمطيعين ووعيد عظيم للمذنبين فكأنه قال: اجتهدوا في العمل في المستقبل فإنّ الله تعالى يرى أعمالكم ويجازيكم عليها ﴿و﴾ يرى أيضاً ﴿رسوله والمؤمنون﴾ أعمالكم، أما رؤية النبيّ ﷺ فبإطلاع الله إياه على أعمالكم، وأما رؤية المؤمنين فبقذف الله تعالى في قلوبهم من محبة الصالحين وبغض المفسدين ﴿وستردّون إلى عالم الغيب والشهادة﴾ أي: وسترجعون يوم القيامة إلى من يعلم سرّكم وعلانيتكم ولا يخفى عيه شيء من أعمال بواطنكم وظواهركم ﴿فينبئكم﴾ أي: فيخبركم ﴿بما كنتم تعملون﴾ من خير وشر فيجازيكم على أعمالكم.
واعلم أن الله تعالى قسم المتخلفين عن الجهاد ثلاثة أقسام:
أوّلهم: المنافقون الذين مردوا على النفاق.
والثاني: التائبون وهم المرادون بقوله تعالى:
﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ وبين أنه تعالى قبل توبتهم.
والقسم الثالث: الذين بقوا موقوفين وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وآخرون﴾ أي: من المتخلفين ﴿مرجون﴾ أي: مؤخرون عن التوبة.
وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بغير همز بين الجيم والواو، والباقون بهمزة مضمومة بين الجيم والواو ﴿لأمر الله﴾ أي: لحكم الله تعالى فيهم، والفرق بين القسم الثاني وبين هذا أن أولئك سارعوا إلى التوبة وهؤلاء لم يسارعوا إليها، قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية وستأتي قصتهم عند قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ تخلفوا كسلاً وميلاً إلى الراحة لا نفاقاً ولم يعتذروا إلى النبيّ ﷺ كغيرهم فوقف أمرهم خمسين ليلة حتى نزلت توبتهم بعد ﴿إمّا يعذبهم﴾ بأن يميتهم من غير توبة ﴿وإمّا يتوب عليهم﴾ إن تابوا.
فإن قيل: كلمة أما وإمّا للشك والله تعالى منزه عن ذلك. أجيب: بأن الترديد بالنسبة للعباد أي: ليكن أمرهم عندكم على هذا في الخوف والرجاء فإنّ الله تعالى لا تخفى عليه
стр. 646
خافية وفي هذا دليل على أنّ كلا الأمرين بإرادة الله تعالى ﴿وا عليم﴾ بأحوال عباده ﴿حكيم﴾ فيما يفعل بهم.
ولما ذكر تعالى أصناف المنافقين وطرائقهم المختلفة قال تعالى:
﴿والذين اتخذوا مسجداً﴾ قال ابن عباس ﵁: وهم إثنا عشر رجلاً من المنافقين بنوا مسجداً ﴿ضراراً﴾ أي: مضارّة لإخوانهم أصحاب مسجد قباء ﴿وكفراً﴾ أي: وتقوية للنفاق، وقال ابن عباس: يريدون به ضراراً للمؤمنين وكفراً بالنبيّ ﷺ وما جاء به، وقال غيره: اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن على النبيّ ﷺ والإسلام ﴿وتفريقاً بين المؤمنين﴾ لأنهم كانوا جميعاً يصلون بمسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيؤدّي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة ﴿وإرصاداً﴾ أي: ترقباً ﴿لمن حارب الله ورسوله﴾ وهو أبو عامر والد أبي حنظلة الذي غسلته الملائكة وكان قد ترهب في الجاهلية وتنصر ولبس المسوح فلما قدم النبيّ ﷺ المدينة عاداه لأنه زالت رياسته وقال للنبيّ ﷺ ما هذا الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم ﵇، فقال له أبو عامر: إنا عليها، فقال له النبيّ ﷺ «إنك لست عليها» فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريداً وحيداً غريباً، فقال النبيّ ﷺ «آمين» وسماه الفاسقى فلما كان يوم أحد قال أبو عامر: لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ولم يزل يقاتله إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من القوّة والسلاح وابنوا لي مسجداً فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء
وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد، وقوله تعالى: ﴿من قبل﴾ متعلق بحارب أي: حارب من قبل أن يبنى مسجد الضرار أو باتخذوا أي: اتخذوا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف.
ولما وصف تعالى هذا المسجد بهذه الصفات الأربعة قال تعالى: ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾ أي: وليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى وهي الرفق بالمسلمين في التوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله ﷺ وذلك أنهم قالوا لرسول الله ﷺ إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المظلمة والليلة الشاتية ﴿وا يشهد إنهم لكاذبون﴾ في قولهم.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا﴾ محله نصب على الاختصاص كقوله تعالى: ﴿والمقيمين الصلاة﴾ (النساء، ١٦٢)
أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي: وممن ذكرنا الذين.
ولما بنى المنافقون ذلك المسجد للأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك وقالوا: يا رسول الله بنينا مسجداً لذي العلة والليلة المظلمة والليلة المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا فيه بالبركة فقال ﷺ «إني على جناح سفر في حال شغل وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه» فلما قفل أي: رجع ﷺ من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد نزل قوله تعالى:
﴿لا تقم فيه أبداً﴾ قال ابن عباس ﵄ معناه لا تصلّ فيه أبداً، وقال الحسن: همّ رسول الله ﷺ أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل: لا تقم فيه أبداً فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن
стр. 647
السكن ووحشياً فقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا جميعاً سريعاً حتى أتوا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم فقال مالك: انظروني حتى أخرج لكم بنار من أهلي فدخل إلى أهله وأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فهدموه وأحرقوه وتفرّق عنه أهله وأمر رسول الله ﷺ أن يتخذ ذلك الموضع كناسة تلقى فيه الجيف والقمامة ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيداً فريداً غريباً وقيل: كل مسجد بني مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى أو بمال غير طيب فهو ملحق بمسجد الضرار.
وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه وقوله تعالى: ﴿لمسجد﴾ اللام فيه للابتداء وقيل: لام القسم تقديره والله لمسجد ﴿أسس﴾ أي: وضع أساسه وقواعده ﴿على التقوى﴾ أي: تقوى الله تعالى ﴿من أوّل يوم﴾ أي: من أوّل أيام وجوده لأن من تعم الزمان والمكان أي: فأحاطت به التقوى لأنها إذا أحاطت بأوّله أحاطت بآخره ﴿أحق﴾ أي: أولى ﴿أن﴾ أي: بأن ﴿تقوم﴾ أي: تصلي ﴿فيه﴾ ، واختلف في هذا المسجد الذي أسس على التقوى فقيل: هو مسجد المدينة قاله زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري قال أبو سعيد ﵁: دخلت على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أي المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفاً من حصباء فضرب به الأرض ثم قال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» ، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي» وعن أمّ سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ «إن قوائم منبري هذا رواتب في الجنة» أي: ثوابت، وقيل: هو مسجد قباء قاله سعيد بن جبير وقتادة أسسه رسول الله ﷺ وصلى فيه أيام مقامه بقباء وهو يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج يوم الجمعة ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾ أي: من المعاصي والخصال المذمومة طلباً لمرضاة الله تعالى عليهم ﴿وا يحب المطهرين﴾ أي: يثيبهم ويرضى عنهم ويدنيهم من جنابه إدناء المحب حبيبه.
روي أنها لما نزلت مشى رسول الله ﷺ ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال: «أمؤمنون أنتم؟» فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر: يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم، فقال ﵊: «أترضون بالقضاء؟» فقالوا: نعم، قال: «أتصبرون على البلاء؟» قالوا: نعم، قال ﵊: «مؤمنون ورب الكعبة» فجلس ثم قال: «يا معشر الأنصار إنّ الله قد أثنى عليكم فماذا الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟» فقالوا: يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا رسول الله ﷺ ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾ .
وروى ابن خزيمة في صحيحه عن ابن ساعدة إنه ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: «إنّ الله تعالى قد أحسن إليكم الثناء في الطهر وفي قصة مسجدكم فما الطهور الذي تطهرون به؟» قالوا: والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا كان لنا جيران من اليهود فكانوا
стр. 648
يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا وفي حديث رواه البزار فقالوا: نتبع الحجارة بالماء فقال: «هو ذاك فعليكموه» ، وقيل: كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء إثر البول، وعن الحسن هو التطهر من الذنوب بالتوبة، وقيل: يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم.
﴿أفمن أسس بنيانه﴾ أي: بنيان دينه ﴿على تقوى من الله ورضوان﴾ أي: على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه ﴿خير أم من أسس بنيانه على شفا﴾ أي: طرف ﴿جرف﴾ أي: جانب ﴿هار﴾ أي: على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار أي: مشرف على السقوط ﴿فانهار به﴾ أي: سقط مع بانيه ﴿في نار جهنم﴾ خير وهذا تمثيل للبناء على ضدّ التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير أي: الأوّل خير وهو مثال مسجد قباء، والثاني مثال مسجد الضرار قال الرازي: ولا نرى في العالم مثالاً أحسن مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال وحاصل الكلام إنّ أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله تعالى ورضوانه والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر فكان البناء الأوّل شريفاً واجب الإبقاء وكان الثاني خسيساً واجب الهدم.
قيل: حفرت بقعة في مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منها، وقرأ نافع وابن عامر: أفمن أسس بضم الهمزة وكسر السين الأولى مع التشديد وضم النون قبل الهاء، والباقون بفتح الهمزة والسين مع التشديد أيضاً ونصب النون قبل الهاء، وقرأ شعبة: رضوان بضم الراء، والباقون بالكسر. ورسمت أم هنا مقطوعة من من والكلام على أسس بنيانه كالكلام على التي قبلها، وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة جرف بسكون الراء والباقون بالرفع، وأما شفا فلا تمال بخلاف هار فإن أبا عمرو وشعبة والكسائيّ يقرؤونه بالإمالة المحضة، وابن ذكوان بالفتح والإمالة، وورش بالإمالة بين بين، والباقون بالفتح ﴿وا لا يهدي القوم الظالمين﴾ أي: إلى ما فيه صلاح ونجاة.
﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا﴾ أي: بناؤهم الذي بنوه وهو مصدر كالغفران والمراد هنا المبنى وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال: ضرب الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وليس بجمع خلافاً للواحدي في تجويزه أن يكون جمع بنيانه لأنه وصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: ﴿ريبة﴾ أي: شكاً ﴿في قلوبهم﴾ والمعنى: إنّ بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم فجعل نفس ذلك البنيان ريبة وإنما جعل سبباً للريبة لأنّ المنافقين فرحوا ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله ﷺ بتخريبه عظم خوفهم في كل الأوقات وصاروا مرتابين في أنهم هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم، وقال الكلبي: صار حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه، وقال السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة أي: حرارة وغيظاً في قلوبهم ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ قطعاً إمّا بالسيف وإمّا بالموت بحيث لا يبقى لهم قابلية الإدراك وقيل: التقطع بالتوبة ندماً وأسفاً ﴿وا عليم﴾ بأحوالهم وأحوال عباده ﴿حكيم﴾ في الأحوال التي يحكم بها عليهم وعلى غيرهم.
ولما تقدّم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى: ﴿ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله﴾ الآية، ثم الحزم بالجهاد بالنفس والمال في قوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ الآية ذكر فضيلة الجهاد وحقيقته بقوله تعالى:
﴿إنّ الله اشترى﴾ أي: بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة ﴿من
стр. 649
المؤمنين﴾ بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه ﴿أنفسهم﴾ التي تفرد بخلقها ﴿وأموالهم﴾ التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم وقدم النفس إشارة إلى أن المبايعة سابقة على اكتساب المال، ولما ذكر البيع أتبعه الثمن بقوله تعالى: ﴿بأنّ لهم الجنة﴾ مثل الله تعالى إثابتهم على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء.
وروي تاجرهم الله تعالى فأغلى لهم الثمن، وعن عمر ﵁ فجعل لهم الصفقتين جميعاً، وعن الحسن أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رازقها.
وروي أن الأنصار لما بايعت رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفساً قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت.
ومرّ أعرابي على النبيّ ﷺ وهو يقرأها فقال: الأعرابي كلام من؟ قال ﵊: «كلام الله » ، فقال الأعرابي: والله بيع مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد.
وقال الحسن: اسمعوا والله بيعة رابحة وكفة راجحة بايع الله تعالى بها كل مؤمن والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة والمراد بالأموال إنفاقها في سبيل الله وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالهم، وفي جميع وجوه البر والطاعات، وقوله تعالى: ﴿يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون﴾ استئناف بيان ما لأجله الشراء، وقيل: يقاتلون في معنى الأمر. وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المقتولين على القاتلين لأنّ الواو لا تقتضي الترتيب ولأن فعل البعض قد يسند إلى الكل أي: فيقتل بعضهم ويقاتل الباقي والباقون بتقديم القاتلين وقوله تعالى: ﴿وعداً عليه حقاً﴾ مصدران منصوبان بفعليهما المحذوفين ثم أخبر الله تعالى بأنّ هذا الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت ﴿في التوراة﴾ كتاب موسى ﵇ ﴿والإنجيل﴾ كتاب عيسى ﵇ ﴿والقرآن﴾ أي: قد أثبته فيهما كما أثبته في القرآن أي: الكتاب الجامع لكل ما قبله ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ أي: لا أحد أوفى منه سبحانه لأنّ الإخلاف لا تُقدِمُ عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق وقوله تعالى: ﴿فاستبشروا﴾ فيه التفات عن الغيبة أي: فافرحوا غاية الفرح ﴿ببيعكم الذي بايعتم به﴾ فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال تعالى: ﴿وذلك هو الفوز العظيم﴾ .
تنبيه: هذه الآية مشتملة على أنواع من التأكيد: أوّلها: قوله تعالى: ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾ بكون المشتري هو الله تعالى المقدّس عن الكذب والخيانة وذلك من أدل الدلائل على تأكيد هذا العهد، ثانيها: أنه تعالى عبر عن إيصاله هذا الثواب بالبيع والشراء وذلك حق مؤكد، ثالثها: قوله تعالى: ﴿وعداً﴾ ووعد الله تعالى حق، رابعها: قوله تعالى: ﴿عليه﴾ وكلمة على للوجوب، خامسها: قوله تعالى: ﴿حقاً﴾ وهو لتأكد التحقيق، سادسها: قوله تعالى: ﴿في التوراة والإنجيل والقرآن﴾ وذلك يجري مجرى إشهاد جميع الكتب الإلهية وجميع الأنبياء والرسل على هذه المبايعة، سابعها: قوله تعالى: ﴿ومن أوفى بعهده من الله﴾ وهو غاية في التأكيد، ثامنها: قوله تعالى: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ وأيضاً هو مبالغة في التأكيد، تاسعها: قوله تعالى: ﴿وذلك هو الفوز﴾ ، وعاشرها قوله تعالى: ﴿العظيم﴾ فثبت
стр. 650
اشتمال هذه الآية على هذه الوجوه العشرة في التأكيد والتقرير والتحقيق.
ولما ذكر تعالى في هذه الآية أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بين أنّ أولئك المؤمنين هم الموصوفون بهذه الصفات التسعة الآتية: أولها: قوله تعالى:
﴿التائبون﴾ وهو مرفوع على المدح أي: هم التائبون يعني المذكورين في قوله تعالى: ﴿إنّ الله اشترى من المؤمنين﴾ وقال الزجاج: لا يبعد أن يكون قوله: ﴿التائبون﴾ مبتدأ وخبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ أو خبره ما بعده أي: التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال والتائبون صيغة عموم محلاة بالألف واللام فتتناول التوبة من كل معصية والتوبة إنما تحصل عند أربعة أمور:
أوّلها: احتراق القلب عند صدور المعصية.
ثانيها: الندم على ما مضى.
ثالثها: العزم على الترك في المستقبل.
رابعها: أن يكون الحامل له على هذه الأمور الثلاثة طلب رضوان الله تعالى وعبوديته فإن كان غرضه منها رفع مذمّة الناس وتحصيل مدحهم أو لغرض من الأغراض الدنيوية فليس بتائب ولا بد من ردّ المظالم إلى أهلها إن كانت.
الصفة الثانية قوله تعالى: ﴿العابدون﴾ أي: الذين أخلصوا العبادة لله وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله في السرّاء والضرّاء، وقال قتادة: قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم.
الصفة الثالثة قوله تعالى: ﴿الحامدون﴾ وهم الذين يقومون بحق شكر الله تعالى على نعمه ديناً ودنيا ويجعلون إظهار ذلك عادة لهم، وعن ابن عباس ﵄ عن النبيّ ﷺ «أوّل من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء» .
الصفة الرابعة قوله تعالى: ﴿السائحون﴾ واختلف في المراد منهم فقال ابن مسعود وابن عباس: هم الصائمون قال ابن عباس ﵄: كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصوم وقال ﷺ «سياح أمّتي الصوم» وعن الحسن أنّ هذا صوم الفرض، وقيل: هم الذين يديمون الصيام، قال الأزهري: قيل للصائم سائح لأنّ الذي يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه كان ممسكاً عن الأكل والصائم ممسك عن الأكل فلهذا المشابهة يسمى الصائم سائحاً، وقال عطاء: السائحون الغزاة في سبيل الله تعالى.
وروي عن عثمان بن مظعون أنه قال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة فقال: «إنّ سياحة أمّتي الجهاد في سبيل الله» وقال عطاء: السائحون هم طلاب العلم والسياحة أمر عظيم في تكميل النفس لأنه يلقى أفاضل مختلفين فيستفيد من كل واحد فائدة مخصوصة وقد يلقى الأكابر من الناس فيستحقر نفسه في مقابلتهم وقد يصل إلى المدارسة الكثيرة فينتفع بها وقد يشاهد اختلاف أحوال أهل الدنيا بسبب ما خلق الله تعالى في كل طرف من الأحوال الخاصة بهم فتقوى معرفته وبالجملة فالسياحة لها أثر قوي في الدين.
الصفة الخامسة والسادسة: قوله تعالى: ﴿الراكعون الساجدون﴾ أي: المصلون وإنما عبر عن الصلاة بالركوع والسجود لأنّ بهما يتميز المصلي عن غيره بخلاف حالة القيام والقعود لأنهما حالة المصلي وغيره ولأنّ القيام أوّل مراتب التواضع لله تعالى والركوع وسطها والسجود غايتها فخص الركوع والسجود بالذكر لدلالتهما على غاية التواضع والعبودية تنبيهاً على أن المقصود من الصلاة
стр. 651
نهاية الخضوع والتعظيم.
الصفة السابعة والثامنة: وقوله تعالى: ﴿الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر﴾ أي: الآمرون بالإيمان والطاعة والناهون عن الشرك والمعصية ودخول الواو في والناهون عن المنكر للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة فكأنه قال: الجامعون بين الوصفين ولأنّ العرب تعطف بالواو على السبعة ومنه قوله تعالى: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ (الكهف، ٢٢)
وقوله تعالى في صفة الجنة: ﴿وفتحت أبوابها﴾
(الزمر، ٢٢)
إيذاناً بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التامّ والثامن تعداد آخر معطوف عليه ولذلك تسمى واو الثمانية، وقيل: الموصون بهذه الصفات هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿التائبون﴾ إلى قوله: ﴿الساجدون﴾ مبتدأ خبره هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
الصفة التاسعة: قوله تعالى: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ أي: لأحكامه بالعمل بها والمقصود أنّ تكاليف الله تعالى كثيرة وهي محصورة في نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالعبادات، والثاني: ما يتعلق بالمعاملات.
فإن قيل: ما الحكمة في أنّ الله تعالى ذكر تلك الصفات الثمانية على التفصيل ثم ذكر عقبها سائر أقسام التكاليف على سبيل الإجمال في هذه الصفة التاسعة؟ أجيب: بأنّ التوبة والعبادة والاشتغال بتحميد الله والسياحة والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمور لا ينفك المكلف عنها في أغلب أوقاته فلهذا ذكرها الله تعالى على سبيل التفصيل، وأمّا البقية فقد ينفك المكلف عنها في أكثر أوقاته مثل أحكام البيع والشراء وأحكام الجنايات ودخل في هذه الصفة التاسعة رعاية أحوال القلوب بل البحث عنها، والمبالغة في الكشف عن حقائقها أولى لأنّ أعمال الجوارح إنما تراد لأجل تحصيل أعمال القلوب.
ثم ذكر عقب هذه الصفات التسعة قوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ تنبيهاً على أن البشارة في قوله تعالى: ﴿فاستبشروا﴾ لم تتناول إلا المؤمنين الموصفين بهذه الصفات التسعة وحذف تعالى المبشر به للتعظيم فكأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الإفهام وتعبير الكلام.
واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى﴾ فقال سعيد بن المسيب عن أبيه إنه نزل في شأن أبي طالب وذلك أنّ النبيّ ﷺ جاء لعمه أبي طالب لما حضرته الوفاة فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أمية فقال: «أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل ﷺ يعرضها عليه ويعودان عليه إلى تلك المقالة حتى قال أبو طالب: آخر ما كلمهم أنا على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال ﷺ «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك» فنزل ذلك.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعمه: «قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا يعيرني قريش يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك فأنزل الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (القصص، ٥٦)
الآية.
وقال بريدة لما قدم النبيّ ﷺ مكة أتى قبر أمّه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له يستغفر لها فنزل ﴿ما كان للنبيّ﴾
стр. 652
الآية، وقال أبو هريرة: زار النبيّ ﷺ قبر أمّه آمنة فبكى وأبكى من حوله وقال: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنته أن أزورها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت، وقال قتادة: قال النبيّ ﷺ «لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال علي بن أبي طالب ﵁: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت له: تستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم ﵇ لأبيه وهو مشرك فذكرت ذلك للنبيّ ﷺ فنزلت هذه الآية.
وروى الطبراني بسنده عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجالاً قالوا: يا نبيّ الله إنّ من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني أفلا نستغفر لهم؟ فقال ﷺ «والله لأستغفرنّ لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» فأنزل الله تعالى ﴿ما كان للنبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعدما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ أي: بأن ماتوا على الكفر قال البيضاوي: وفيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإيمان وبه دفع النقض باستغفار إبراهيم ﵇ لأبيه الكافر فقال:
﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾ أي: وعدها إبراهيم أباه بقوله: لأستغفرنّ لك أي: لأطلبنّ مغفرة لك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب أي: يقطع ويمحو ما قبله، وقرأ هشام: أبراهام بالألف بعد الهاء في الموضعين، والباقون بالياء فيهما ﴿فلما تبيّن له أنه عدو﴾ بأن مات على الكفر أو أوحى الله تعالى إليه إنه لن يؤمن ﴿تبرأ منه﴾ أي: قطع استغفاره ﴿إنّ إبراهيم لأوّاه﴾ أي: كثير التضرع والدعاء ﴿حليم﴾ أي: صبور على الأذى والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار لأبيه مع صعوبة خلق أبيه عليه.
﴿وما كان الله ليضل قوماً﴾ أي: يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ارتكابهم المنهي عنه ﴿بعد إذ هداهم﴾ للإسلام ﴿حتى يبيّن لهم﴾ بياناً شافياً لداء العمى ﴿ما يتقون﴾ أي: ما يجب اتقاؤه للنهي، أمّا قبل العلم والبيان فلا سبيل عليهم كما لا يؤاخذون بشرب الخمر ولا ببيع الصاع بالصاعين قبل التحريم وهذا بيان لعذر من خاف المؤاخذة بالاستغفار للمشركين قبل ورود النهي عنه، وقيل: إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر وغير ذلك، وفي الجملة دليل على أنّ الغافل غير مكلف ﴿إنّ الله بكل شيء عليم﴾ أي: بالغ العلم فهو يبيّن لكم ما تأتون وما تذرون مما يتوقف عليه الهدى وما تركه تعالى فإنما يتركه رحمة لكم لا يضل ربي ولا ينسى.
﴿إن الله له ملك السموات والأرض﴾ فلا يخفى عليه شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم أو يضرّكم ﴿يحيي ويميت﴾ أي: يحيي من شاء على الإيمان ويميته عليه ويحيي من شاء على الكفر ويميته عليه لا اعتراض لأحد عليه في حكمه وعبيده ﴿وما لكم﴾ أيها الناس ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿من ولي﴾ يحفظكم منه ﴿ولا نصير﴾ يمنع عنكم ضرره.
﴿لقد تاب الله﴾ أي: أدام توبته ﴿على النبيّ والمهاجرين والأنصار﴾ وافتتح الله تعالى الكلام بذكر توبة النبيّ ﷺ لأنه كان سبب توبتهم فذكره معهم كقوله تعالى: ﴿فأنّ خمسه وللرسول﴾ (الأنفال، ٤١)
ونحوه، وقيل: هو بعث على التوبة والمعنى ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبيّ ﷺ والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى: ﴿وتوبوا
стр. 653
إلى الله جميعاً﴾ (النور، ٣١)
إذ ما من أحد إلا وله مقام ينتقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده.
فائدة: اتفق القرّاء على إدغام دال قد في التاء. ﴿الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ أي: في وقت العسرة لم يرد ساعة بعينها وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة والجيش يسمى جيش العسرة والعسرة الشدّة فكانت عليهم عسرة في الظهر والزاد والماء.
قال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يتعقبونه يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوّس والشعير المتغير وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبيّ ﷺ على صدقهم ويقينهم ﵃ وأرضاهم أجمعين ورضي عنا بهم آمين.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أنّ رقابنا ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقي على كبده وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أنّ رقبته ستقطع فقال أبو بكر: يا رسول الله إنّ الله تعالى قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع الله تعالى قال: «أتحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع رسول الله ﷺ يديه فلم يرجعا حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأنا ما معنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. ﴿من بعدما كاد تزيغ﴾ أي: قرب أن تميل ﴿قلوب فريق منهم﴾ أي: همّ بعضهم عند تلك العسرة العظيمة أن يفارق النبيّ ﷺ لكنه صبر واحتسب ولم يرد الميل عن الدين فلذلك قال الله تعالى: ﴿ثم تاب عليهم﴾ لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر العسير.
فإن قيل: قد ذكر الله تعالى التوبة أولاً ثم ذكرها ثانياً فما فائدة التكرار؟ أجيب: بأنّ الله تعالى ذكر التوبة أوّلاً قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطبيباً لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرّة أخرى تعظيماً لشأنهم وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. وقرأ حفص وحمزة: يزيغ، بالياء على التذكير لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقي، والباقون بالتاء على التأنيث، وأدغم أبو عمرو الدال من كاد في التاء بخلاف عنه ﴿إنه بهم رؤوف رحيم﴾ هاتان صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب فالرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرّ والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة، وقيل: إحداهما للرحمة السابقة والآخرى للمستقبلة وقوله تعالى:
﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ أي: عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع معطوف على الآية الأولى والتقدير لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم، وهذه الثلاثة كلهم من الأنصار وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾ (التوبة، ١٠٦)
روي عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: وكان أعلم قومه وأوعاهم لحديث رسول الله ﷺ قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قال كعب: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فأخبرهم بوجهه الذي يريد فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئاً فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا فهممت أن أرتحل وأدركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك وكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أن لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً في النفاق أو رجلاً ممن عذر الله تعالى من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: «ما فعل كعب؟» فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنظر في معطفيه فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمت عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ قال كعب: فلما بلغني أنّ رسول الله ﷺ توجه قافلاً حضرني همي وطفقت أذكر
الكذب وأقول بمَ أخرج به من سخطه غداً واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل رسول الله ﷺ قد أظلّ قادماً راح عني الباطل وعرفت إني لم أخرج بشيء أبداً فيه كذب وأصبح رسول الله ﷺ قادماً وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس وجاءه المخلفون يتعذرون إليه ويحلفون له وكانوا تسعة وثمانين رجلاً فقبل منهم صلى الله
عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم الغضبان ثم قال: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» قلت: بلى يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطك بعذر ولقد أعطيت جزلاً ولكنني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديت كذب ترضى به عني ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ ولئن حدّثتك حديث صدق تجد
عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله ما كان لي من عذر والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله ﷺ «أمّا هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني وقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا وقد كان كافيك لذنبك استغفار رسول الله ﷺ فقلت لهم: هل أتى هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدراً ففيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس ولبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أثبت القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع رسول الله ﷺ ومع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتى رسول الله ﷺ وأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسوّرت حائط أبي قتادة وهو ابن عمّ لي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فوالله ما ردّ عليّ السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمني أحبّ الله ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطيّ من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه يقول: من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني فدفع إليّ كتاباً من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فقد بلغني أنّ صاحبك جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت حين قرأته: وهذا أيضاً من البلاء
فيممت به التنور فسجرته به حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرنا أن نعتزل نساءنا ولا نقربهنّ فقلت لامرأتي: إلحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر قال كعب: فجاءت امرأة هلال إلى رسول الله ﷺ فقالت له: إنّ هلالاً شيخ ضعيف ليس له خادم هل تكره أن أخدمه؟ فقال: اخدميه ولكن لا يقربك قالت: والله إنه ما به حركة إلى شيء والله لا يزال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا فقال بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك لأذن لك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ أي: مع رحبها أي: سعتها فلا يجدون مكاناً يطمئنون إليه ﴿وضاقت عليهم أنفسهم﴾ أي: قلوبهم بالغم والوحشة أي: بتأخير توبتهم فلا يسعها سرور ولا أنس ﴿وظنوا﴾ أي: أيقنوا ﴿أن﴾ مخففة ﴿لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم﴾ أي: وفقهم للتوبة ﴿ليتوبوا إنّ الله هو التوّاب الرحيم﴾ إذ سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع ينادي بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجداً وعرفت أنه جاء فرج وأذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله تعالى علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا فذهب قبل صاحبيّ مبشرون ورجل رحل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم فأوفى إلى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ وكسوته إياهما والله ما أملك غيرهما يومئذٍ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فتلقاني
الناس فوجاً فوجاً يهنؤنني بالتوبة ويقولون: ليهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني رضي الله تعالى عنه والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» ثم تلا علينا الآية، وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه.
ولما حكم الله بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون كالزاجر عن مثل فعل ما مضى وهو التخلف عن رسول الله ﷺ والجهاد بقوله تعالى:
﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله﴾ أي: بترك معاصيه ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ أي: مع النبيّ ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين في الغزوات ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت وقيل: كونوا مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة الكاذبة وقيل مع بمعنى من أي: وكونوا من الصادقين.
تنبيه: في الآية دلالة على فضيلة الصدق وكمال درجته ويدلّ عليه أيضاً أشياء:
منها ما روي عن ابن مسعود أنه قال: عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البرّ والبرّ يقرب إلى الجنة وإنّ العبد ليصدق فيكتب عند الله تعالى صدّيقاً وإياكم والكذب فإنّ الكذب يقرّب إلى الفجور والفجور يقرّب إلى النار وإنّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ألا ترى أنه يقال: صدقت وبررت وكذبت وفجرت.
ومنها ما روي أنّ رجلاً جاء إلى النبيّ ﷺ وقال: إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحبّ الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرّم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها فإن قنعت مني بترك واحدة منها فعلت فقال ﷺ «اترك الكذب» فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النبيّ ﷺ عرضوا عليه الخمر فقال: إن شربت وسألني النبيّ ﷺ وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام عليّ الحدّ فتركها ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذا في السرقة فعاد إلى النبيّ ﷺ وقال: ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدّت أبواب المعاصي عليّ وفات الكل.
ومنها ما قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾ (ص، ٨٢، ٨٣)
لأنّ إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء لأنه لو لم يذكره لصار كاذباً في ادّعاء إغواء الكل فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء وإذا كان الكذب شيئاً يستنكف منه إبليس لعنه الله فالمسلم أولى أن يستنكف منه.
ومنها قول ابن مسعود: الكذب لا يصلح في جدّ ولا هزل ولا أن يعد أحدكم أخاه ثم لا ينجز له اقرأوا إن شئتم وكونوا مع الصادقين.
﴿ما كان﴾ أي: ما صح وما ينبغي بوجه من الوجوه ﴿لأهل المدينة﴾ أي: دار الهجرة ومعدن النصرة ﴿ومن حولهم﴾ أي: في جميع نواحي المدينة الشريفة ﴿من الأعراب﴾ أي: سكان البوادي وهم مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار، وقيل: عام في كل الأعراب لأنّ اللفظ عام وحمله على العموم أولى وقوله تعالى: ﴿أن يتخلفوا عن رسول الله﴾ أي: عن حكمه وقوله تعالى: ﴿ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾ أي: بأن يصونوها عما رضي لنفسه ﵊ من الشدائد يجوز فيه النصب والجزم على أن لا ناهية.
روي عن أبي خيثمة أنه بلغ بستانه واستوى ونضج وله امرأة حسناء فرشت له في الظلّ وبسطت له الحصير وقربت له الرطب والماء البارد فقال: ظلّ ظليل ورطب يانع أي: ناضج وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله ﷺ في الضح والريح ما هذا بخير فقام فرجل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومرّ كالريح فمدّ رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب أي: يدفعه وهو عبارة عن السرعة فقال رسول الله ﷺ «كن أبا خيثمة» فكان هو ففرح به رسول الله ﷺ واستغفر له ﴿ذلك﴾ أي: النهي عن التخلف ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب إنهم ﴿لا يصيبهم ظمأ﴾ أي: عطش ﴿ولا نصب﴾ أي: تعب ﴿ولا مخمصة﴾ أي: مجاعة ﴿في سبيل الله﴾ أي: في طريق دينه ﴿ولا يطؤن﴾ أي: يدوسون وقوله تعالى: ﴿موطئاً﴾ مصدر أي: وطأ أو مكان وطء ﴿يغيظ﴾ أي: يغضب ﴿الكفار﴾ أي: وطؤهم له بأرجلهم ودوابهم ﴿ولا ينالون من عدوّ نيلاً﴾ أي: قتلاً أو أسراً أو غنيمة أو هزيمة أو نحو ذلك قليلاً كان أو كثيراً ﴿إلا كتب لهم به﴾ أي: بذلك ﴿عمل صالح﴾ أي: ثواب جزيل عند الله تعالى يجازيهم به ﴿إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ أي: لا يترك ثوابهم وأظهر موضع الإضمار تنبيهاً على أنّ الجهاد إحسان.
تنبيه: في هذه الآية دلالة على أنّ من قصد طاعة الله تعالى كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله تعالى وكذا القول في طرف المعصية فإنّ حركته فيها كلها سيآت فما أعظم بركة الطاعة وما أكبر ذل المعصية إلا أن يغفرها الله تعالى.
وعن أبي عيسى رضي الله تعالى عنه قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اغبرّت قدماه في سبيل الله حرّمه الله تعالى على النار» .
﴿ولا ينفقون﴾ في سبيل الله ﴿نفقة صغيرة﴾ تمرة فما دونها ﴿ولا كبيرة﴾ أي: أكثر منها مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة ﴿ولا يقطعون﴾ أي: يجاوزون ﴿وادياً﴾ أي: أرضا في سيرهم مقبلين أو مدبرين ﴿إلا كتب لهم﴾ ذلك من الإنفاق وقطع الوادي ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾ أي: يجزيهم الله جزاء هو أحسن من أعمالهم وأجل وأفضل وهو الثواب.
فائدة: الوادي كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسبيل وهو في الأصل فاعل من ودى إذا سال ومنه الوادي وقد شاع في استعمال العرب بمعنى الأرض يقولون: لا تصلّ في وادي غيرك.
تنبيه: في الآية دليل على فضل الجهاد والإنفاق فيه ويدل عليه أشياء:
منها ما روي عن ابن مسعود قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله فقال رسول الله ﷺ «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة» .
ومنها ما روي عن زيد بن خالد أنّ رسول الله ﷺ قال: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازياً في سبيل الله فقد غزا» .
ومنها ما روي عن سهل بن سعد الساعديّ أنّ رسول الله ﷺ قال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها» وفي رواية وما فيها.
ومنها ما روي عن أبي سعيد الخدري أنّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ أيّ الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مجاهد بنفسه في سبيل الله» قال: ثم أيّ؟ قال: «ثم رجل في شعب من الشعاب يعبد الله تعالى» وفي رواية يتقي الله ويدع الناس من شرّه وقوله تعالى:
﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ فيه احتمالان:
الأول أنه كلام مبتدأ لا تعلق له بالجهاد.
والثاني أن يكون من
стр. 654
بقية أحكام الجهاد فعلى الأوّل يقال: وما استقام لهم أن ينفروا جميعاً لنحو غزو وطلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعاً فإنه يخلّ بأمر المعاش ﴿فلولا﴾ أي: فهلا ﴿نفر من كل فرقة﴾ أي: قبيلة ﴿منهم طائفة﴾ أي: جماعة ومكث الباقون ﴿ليتفقهوا﴾ أي: ليتكلفوا الفقاهة ﴿في الدين﴾ ويتجشموا مشاق تحصيلها ليعرفوا الحلال من الحرام ويعودوا إلى أوطانهم ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ أي: وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم وتخصيصه بالذكر لأنه أهمّ وفيه دليل على أنّ التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غرض المتكلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس وصرف وجوههم إليه والتبسط في البلاد ليدخل في قوله ﷺ «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» وفي قوله ﷺ «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» وفي قوله ﷺ «من سلك طريقاً يلتمس فيها علماً سهل الله تعالى له طريقاً إلى الجنة» ﴿لعلهم يحذرون﴾ عقاب الله تعالى بامتثال أمره ونهيه، وعلى الاحتمال الثاني يقال: إنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنين إلى النفير وانقطعوا عن التفقه فأمروا بأن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويمكث الباقون يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر لأنّ الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو وفي رجعوا للطوائف ولينذروا لباقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم قال ابن عباس: فهذه مخصوصة بالسرايا والتي قبلها بالنهي عن تخلف أحد فيما إذا خرج النبيّ ﷺ
أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر ﷺ أوّلاً بإنذار عشيرته الأقربين، وقد حارب رسول الله ﷺ قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام، وقيل: هم قريظة والنضير وفدك وخيبر، وقيل: الروم لأنهم كانوا يسكنون الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق وغيره وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم ما لم يضطرّوا إلى أهل ناحية أخرى ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ أي: شدّة وصبراً على القتال والغلظة ضدّ الرقة أي: اغلظوا عليهم ﴿واعلموا أنّ الله مع المتقين﴾ بالعون والنصرة والحراسة.
﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ من القرآن ﴿فمنهم﴾ أي: المنافقين ﴿من يقول﴾ أي: لأصحابه إنكاراً واستهزاءً بالمؤمنين ﴿أيكم زادته هذه﴾ السورة ﴿إيماناً﴾ أي: تصديقاً، قال الله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً﴾ بزيادة العلم الحاصل في تدبر السورة وانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم ﴿وهم يستبشرون﴾ أي: يفرحون بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض﴾ أي: شك ونفاق سمي الشك في الدين مرضاً لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالمرض في البدن إذا حصل يحتاج إلى علاج ﴿فزادتهم﴾ أي: السورة أي: نزولها ﴿رجساً إلى رجسهم﴾ أي: كفراً بها مضموماً إلى الكفر بغيرها ﴿وماتوا﴾ أي: هؤلاء المنافقون ﴿وهم كافرون﴾ أي: وهم جاحدون لما أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم
стр. 655
قال مجاهد: في هذه الآية دليل على أنّ الإيمان يزيد وينقص، وكان عليّ رضي الله تعالى عنه يأخذ بيد الرجل والرجلين من الصحابة ويقول: تعالوا حتى نزداد إيماناً وقوله تعالى:
﴿أولا يرون﴾ قرأه حمزة بالتاء أي: أيها المؤمنون والباقون بالياء على الغيبة أي: المنافقون ﴿أنهم يفتنون﴾ أي: يبتلون ﴿في كل عام مرّة أو مرّتين﴾ بالأمراض والقحط والحرب ﴿ثم لا يتوبون﴾ من نفاقهم ونقض عهودهم إلى الله تعالى ﴿ولا هم يذكرون﴾ أي: ولا يتعظون بما يرون من نصرته ﷺ وتأييده.
﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ فيها عيب المنافقين وتوبيخهم وقرأها ﷺ ﴿نظر بعضهم إلى بعض﴾ أي: تغامزوا بالعيون إنكاراً لها وسخرية أو غيظاً لما فيها من عيوبهم ويريدون الهرب يقولون: ﴿هل يراكم من أحد﴾ أي: من المؤمنين إذا قمتم فإن لم يرهم أحد قاموا وخرجوا من المسجد وإن علموا أنّ أحداً يراهم ثبتوا على تلك الحالة ﴿ثم انصرفوا﴾ على كفرهم ونفاقهم وقيل: انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون وقوله تعالى: ﴿صرف الله قلوبهم﴾ أي: عن الهدى يحتمل الإخبار والدعاء ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿قوم لا يفقهون﴾ أي: لسوء فهمهم وعدم تدبرهم.
﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ أي: من جنسكم عربيّ مثلكم وهو محمد ﷺ تعرفون حسبه ونسبه، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبيّ ﷺ وله فيها نسب وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية من زمن آدم ﵇، وعن الطبرانيّ قال ﷺ «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» ، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام» وعن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسمعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم» وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام دال قد في الجيم والباقون بالإظهار ﴿عزيز﴾ أي: شديد شاق ﴿عليه ما عنتم﴾ أي: عنتكم وإيتاؤكم المكروه وقيل: يشق عليه ضلالتكم ﴿حريص عليكم﴾ أي: أن تهتدوا أو على إيصال الخير إليكم ﴿بالمؤمنين﴾ أي: منكم ومن غيركم ﴿رؤوف﴾ أي: شديد الرحمة بالمطيعين ﴿رحيم﴾ بالمذنبين وقدّم الأبلغ وهو الرؤوف محافظة على الفواصل، وعن الحسن بن الفضل: لم يجمع الله تعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا لنبينا ﷺ فسماه رؤوفاً رحيماً، وقال تعالى: ﴿إنّ الله بالناس لرؤوف رحيم﴾ وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص بمدّ الهمزة من رؤوف، والباقون بالقصر.
﴿فإن تولوا﴾ أي: فإن أعرضوا هؤلاء الكفار والمنافقون عن الإيمان بالله ورسوله محمد ﷺ وناصبوك الحرب ﴿فقل حسبي الله﴾ أي: يكفيني الله وينصرني عليكم وإنما كان كافياً لأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ فلا مكافىء له ولا رادّ لأمره ولا معقب لحكمه ﴿عليه توكلت﴾ أي: فلا أرجو إلا إياه ولا أخاف إلا منه لأنّ أمره نافذ في كل شيء ﴿وهو رب العرش﴾ أي: الكرسي ﴿العظيم﴾ وخصه بالذكر تشريفاً له ولأنه من أعظم مخلوقاته .
روي عن أبيّ بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى آخر
стр. 656
السورة، وقال: هما أحدث الآيات بالله عهداً وما رواه البيضاويّ رحمه الله تعالى تبعاً للكشاف من أنه ﷺ قال: «ما أنزل عليّ القرآن إلا آية آية وحرفاً حرفاً ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد فإنهما أنزلا عليّ ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة» حديث منكر ومخالف لما مرّ عن أبيّ من أنّ آخر ما نزل الآيتان، انتهى. والله أعلم.
стр. 657
سورة يونس
﵇ مكية
إلا فإن كنت في شك الآيتين أو الثلاث أو ﴿ومنهم من يؤمن به﴾ الآية مائة وتسع أو عشر آيات وعدد كلماتها ألف وثمانمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وحروفها سبعة آلاف وخمسمائة وسبعة وستون حرفاً، وهي أوّل المئين، إن جعلنا براءة مع الأنفال من الطوال، وإلا فبراءة أولاهن.
﴿بسم الله﴾ جامع العباد بعد تفريقهم بما له من العظمة والامتنان. ﴿الرحمن﴾ الذي عمهم بالإيجاد وخص منهم من شاء بالإيمان. ﴿الرحيم﴾ الذي خص أولياءه بالرضوان المبيح للجنان.
﴿الر﴾ قال ابن عباس والضحاك و ﴿الر﴾ أنا الله أرى، ﴿والمر﴾ أنا الله أعلم وأرى. وقيل: أنا الرب لا رب غيري. وقال سعيد بن جبير: الر وحم ونون حروف اسم الرحمن. وقد سبق الكلام على حروف الهجاء أوّل البقرة، واتفقوا على أنّ ﴿الر﴾ وحده ليس آية، واتفقوا على أنّ قوله طه وحده آية، والفرق أنّ قوله تعالى: الر لا يشاكل كل مقاطع الآي التي بعده بخلاف قوله تعالى طه؛ فإنه يشاكل مقاطع الآي التي بعده، وقرأ قالون وابن كثير وحفص بفتح الراء والألف بعدها، وورش بين اللفظين، والباقون بالإمالة المحضة. ﴿تلك﴾ أي: الآيات العظيمة جدًّا التي اشتملت عليها هذه السورة أو السورة، التي تقدّمت هذه السورة أو هذه الحروف المقطعة المشيرة إلى أنَّ القرآن كلام الله تعالى قد أعجز القادرين على التلفظ بهذه الأحرف. ﴿آيات الكتاب﴾ أي: الذكر الجامع لكل خير وهو هذا القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كلّ ما في التوراة والإنجيل من ذلك فدل ذلك على صدق الآتي به قطعاً؛ لأنه لم يكن يعرف شيئاً من الكتابين ولا جالس أحداً يعلمه. ﴿الحكيم﴾
стр. 658
أي: المحكم. وقوله تعالى:
﴿أكان للناس﴾ أي: أهل مكة، استفهام إنكار للتعجب. وقوله تعالى: ﴿عجباً﴾ خبر كان، والعجب تغير النفس بما لا تعرف سببه مما خرج عن العادة، ثم ذكر الحامل على العجب؛ وهو اسم كان بقوله تعالى: ﴿أن أوحينا﴾ أي: إيحاؤنا ﴿إلى رجل منهم﴾ أي: من أهل مكة ومن قريش، وهو محمد ﷺ يعرفون صدقه ونسبه وأمانته، قيل: كانوا يقولون: العجب أنّ الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة، وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوّة، وهو لم يكن ﷺ يقصر عن عظمائهم فيما يعتبر فيه إلا في المال، وخفة المال أهون شيءٍ في هذا الباب، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى﴾ (سبأ ٣٧)
﴿أن أنذر الناس﴾ عامّة، أي: أعلمهم مع الخوف ما أمامهم من البعث وغيره، وأن هي المفسرة؛ لأنّ الإيحاء فيه معنى القول. ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ إنما عمم في الإنذار لأنه قل أن يسلم أحد من كبيرة أو صغيرة أو هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات، وخصص البشارة إذ ليس للكافر ما يصح أن يبشر به. ﴿أنَّ﴾ أي: بأنَّ. ﴿لهم قدم﴾ أي: سلف ﴿صدق عند ربهم﴾ اختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق، فقال ابن عباس: أجراً حسناً مما قدّموا من أعمالهم. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة: صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وقال عطاء: مقام صدق لا زوال له ولا بؤس فيه. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرسول ﷺ وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقولهم: مسجد الجامع، وصلاة الأولى، وحب الحصيد. وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شرّ فهو عند العرب قدم. قال الشاعر:
*صل لذي العرش واتخذ قدما ... ينجيك يوم العثار والندم
وهو مؤنث فيقال: قدم حسنة وقدم صالحة. وقوله تعالى: ﴿قال الكافرون إنَّ هذا لسحر مبين﴾ قرأه نافع وأبو عمرو وابن عامر بكسر السين وسكون الحاء على أنَّ الإشارة للقرآن المشتمل على ذلك، والباقون بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء على أنّ الإشارة للنبيّ ﷺ .
﴿إنّ ربكم﴾ الموجد لكم والمربي والمحسن هو ﴿الله الذي خلق﴾ أي: قدّر وأوجد ﴿السموات والأرض﴾ على اتساعهما، وكثرة ما فيهما من المنافع ﴿في ستة أيام﴾ من أيام الدنيا، أي: في قدرها؛ لأنه لم يكن ثمّ شمس، ولو شاء لخلقهما في لمحة، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبت. فإن قيل: إنّ اليوم قد يراد به اليوم مع ليلته، وقد يراد به النهار وحده. فما المراد؟ أجيب: بأنّ الغالب في اللغة أنه مراد باليوم اليومَ بليلته، ولما أوجد هذا الخلق الكبير المتباعد الأقطار، الواسع الانتشار، المفتقر إلى عظيم التدبير، ولطيف التصريف والتقدير؛ عبّر عن عمله فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيراً إلى عظمته بأداة التراخي: ﴿ثم استوى﴾ أي: عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل المعتني بذلك. ﴿على العرش﴾ المتقدّم وصفه في الأعراف بالعظمة، وليست ثم للترتيب، بل كناية عن علوِّ الرتبة، وبعد منازلها، ثم بيّن ذلك الاستواء بقوله: ﴿يدبر الأمر﴾
стр. 659
كله فلا يخفى عليه عاقبة أمر من الأمور؛ لأنَّ التدبير أعدل أحوال الملك، فالاستواء كناية عنه. وقوله تعالى: ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ تقرير لعظمته جل وعلا، وردّ على من زعم أنَّ آلهتهم تشفع لهم عند الله. وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له ﴿ذلكم الله﴾ أي: الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية ﴿ربكم﴾ أي: الذي يستحق العبادة منكم. ﴿فاعبدوه﴾ أي: وحّدوه ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان، فضلاً عن جماد لا يضرّ ولا ينفع، فإنَّ عبادتكم مع التشريك ليست عبادة، ولولا فضله لم يكن لمن زلّ أدنى زلة طاعة، وقوله
تعالى: ﴿أفلا تذكرون﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال، والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الأصل في الذال، أي: أفلا تتفكرون أدنى تفكر فينبئكم عن أنه المستحق للربوبية، والعبادة لا ما تعبدونه.
﴿إليه﴾ تعالى ﴿مرجعكم﴾ أي: رجوعكم بالموت والنشور حالة كونكم ﴿جميعاً﴾ لا يتخلف منكم أحد، فاستعدّوا للقائه. وقوله تعالى: ﴿وعد الله﴾ مصدر منصوب بفعله المقدّر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله تعالى: ﴿إليه مرجعكم﴾ وعد من الله، وقوله تعالى: ﴿حقاً﴾ أي: صدقاً لا خلف فيه مصدر آخر منصوب بفعله المقدّر مؤكد لغيره، وهو ما دل عليه وعد الله. ﴿إنه يبدأ الخلق﴾ أي: يحييهم ابتداءً. ﴿ثم يعيده﴾ أي: ثم يميتهم ثم يحييهم. وفي هذا دليل على الحشر والنشر والمعاد، وصحة وقوعه، وردّ على منكري البعث ووقوعه؛ لأنّ القادر على خلق هذه الأجسام المؤلفة، والأعضاء المركبة على غير مثال سبق، قادر على إعادتها بعد تفريقها بالموت والبلى، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيباً ثانياً، ويخلق الإنسان الأوّل مرّة أخرى، فإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت؛ كان المقصود منه إيصال الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، وهو قوله تعالى: ﴿ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط﴾ أي: بالعدل، لا ينقص من أجورهم شيئاً. ﴿والذين كفروا لهم شراب من حميم﴾ وهو ماء حار قد انتهى حرّه ﴿وعذاب أليم﴾ أي: بالغ في الإيّلام. ﴿بما كانوا يكفرون﴾ أي: بسبب كفرهم.
﴿هو الذي جعل الشمس ضياءً﴾ أي: ذات ضياء ﴿والقمر نوراً﴾ أي: ذا نور، وخص الشمس بالضياء؛ لأنها أقوى وآكد من النور، وخص القمر بالنور؛ لأنه أضعف من الضياء، لأنّ الشمس نيرة في ذاتها، والقمر نير بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها. وقرأ قنبل بهمزة مفتوحة ممدودة بعد الضاد، والباقون بياء مفتوحة، والضمير في قوله تعالى: ﴿وقدّره منازل﴾ يرجع إلى الشمس والقمر؛، أي: قدّر مسير كل واحد منهما منازل، أو قدّره ذا منازل، أو يرجع إلى القمر فقط، وتخصيصه بالذكر لسرعة مسيره ومعاينة منازله، وإناطة أحكام الشرع به، ولذلك علله بقوله تعالى: ﴿لتعلموا عدد السنين والحساب﴾ أي: حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرّفاتكم؛ لأنّ الشهور المعتبرة في الشريعة مبنية على رؤية الأهلة، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية، كما قال تعالى: ﴿إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله﴾ (التوبة: ٣٦)
فائدة: منازل القمر ثمانية وعشرون منزلاً، وأسماؤها: السرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعوّا، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة،
стр. 660
وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدّم، وفرغ الدلو المؤخر، وبطن الحوت. وهذه المنازل مقسومة على البروج وهي اثنا عشر برجاً: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. فلكل برجٍ منزلان وثلث، فينزل القمر في كل ليلة منها منزلاً، فيستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعاً وعشرين فليلة واحدة، فيكون انقضاء الشهر مع نزوله تلك المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوماً، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها، أو انتفاع الخلق بضوء الشمس، وبنور القمر عظيم، فالشمس سلطان النهار، والقمر سلطان الليل، وبحركة الشمس تنفصل السنة إلى هذه الفصول الأربعة، وبالفصول الأربعة تنتظم مصالح هذا العالم، وبسبب الحركة اليومية يحصل النهار والليل، والنهار يكون زماناً للتكسب وللطلب، والليل يكون زماناً للراحة. ﴿ما خلق الله ذلك﴾ المذكور. ﴿إلا بالحق﴾ أي: لم يخلق ذلك باطلاً ولا عبثاً ـ تعالى الله عن ذلك ـ إظهاراً لقدرته، ودلائل وحدانيته.
ونظيره قوله تعالى في آل عمران: ﴿ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً﴾ (آل عمران: ١٩١)
. وقال تعالى في سورة أخرى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا﴾ (ص، ٢٧)
. ﴿يفصل﴾ أي: يبين ﴿الآيات﴾ أي: الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة بياناً شافياً. ﴿لقوم يعلمون﴾ فإنهم المنتفعون بالتأمّل فيها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص بالياء، والباقون بالنون.
ولما استدل على إثبات الإلهية والتوحيد بقوله تعالى: ﴿إنّ ربكم الله الذي خلق السموات والأرض﴾ (الأعراف: ٥٤) ، وثانياً بأحوال الشمس والقمر، استدل ثالثاً بقوله تعالى:
﴿إن في اختلاف الليل والنهار﴾ أي: بالمجيء والذهاب، والزيادة والنقصان، ورابعاً بقوله تعالى: ﴿وما خلق الله في السموات﴾ من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك. ﴿و﴾ ما خلق الله في ﴿الأرض﴾ من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغير ذلك.
فائدة: أقسام الحوادث في هذا العالم محصورة في أربعة أقسام، أحدها: الأحوال الحادثة في العناصر الأربعة، ويدخل فيها أحوال الرعد والبرق والسحاب والأمطار، ويدخل فيها أيضاً أحوال البحار والصواعق والزلازل والخسف، وثانيها: أحوال المعادن وهي عجيبة كثيرة، وثالثها: اختلاف أحوال النبات، ورابعها: اختلاف أحوال الحيوانات، وجملة هذه الأقسام الأربعة داخلة في قوله تعالى: ﴿وما خلق الله في السموات﴾ (يونس: ٦)
. والاستقصاء في شرح هذه الأحوال لا يدخل تحت الحصر، بل كل ما ذكر العقلاء في أحوال أقسام هذا العالم فهو جزء مختصر من هذا الباب.
﴿لآيات﴾ أي: دلالات على قدرته تعالى. ﴿لقوم يتقون﴾ الله فإنه يحملهم على التفكر والتذكر، وخصهم بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بها. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أنّ الدنيا مخلوقة لشقاء الناس فيها، وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم، بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلا بدّ من أمر ونهي ثم من ثواب وعقاب ليتميز المحسن عن المسيء، فهذه الأحوال في الحقيقة دالة على صحة القول بإثبات المبدأ وإثبات المعاد.
ولما أقام الله الدلائل القاهرة على صحة القول بإثبات الإله الرحمن، وعلى صحة القول بإثبات الإله الرحيم الحكيم،
стр. 661
وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر؛ شرع في شرح أحوال من يكفر بها، وشرح أحوال من يؤمن بها، وقد ابتدأ بأوّلها ووصفه بأربع صفات مبتدئاً بأوّلها بقوله تعالى:
﴿إنّ الذين لا يرجون لقاءنا﴾ أي: لا يخافونه لإنكارهم البعث، وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها، فهم مكّذبون بالثواب والعقاب والرجاء، يكون بمعنى الخوف، وبمعنى الطمع، فمن الأوّل قول العرب: فلان لايرجو فلاناً، بمعنى لا يخافه، ومنه قوله تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقاراً﴾ (نوح: ١٣) ، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
إذ لسعته النحل لم يرج لسعها.
أي: لم يخفها. ومن الثاني قولهم: فلان يرجو فلاناً،، أي: يطمع فيه، والمعنى: لا يطمعون في ثوابنا، والصفة الثانية والثالثة: قوله تعالى: ﴿ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها﴾ فيعملون لها عمل المقيم فيها مع ما يشاهدونه من سرعة زوالها منهمكين في لذاتهاوزخارفها، وسكنوا فيها سكون من لا ينزع عنها، والصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿والذين هم عن آياتنا﴾ أي: دلائل وحدانيتنا ﴿غافلون﴾ تاركون النظر فيها، بمنزلة الغافل عن الشيء الذي لا يخطر بباله طول عمره ذكر ذلك الشيء، وبالجملة فهذه الصفات الأربعة دالة على شدّة بعدهم عن طلب الاستعداد بالسعادات الأخروية، ويحتمل أنَّ الصفة الأخيرة لفريق آخر، ويكون المراد بالأوّلين: من أنكر البعث، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، وبالآخر: من ألهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والإعداد له، ولما وصفهم الله تعالى بتلك الصفات قال:
﴿أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ من الشرك والمعاصي، ولما شرح أحوال المنكرين الجاحدين ذكر تعالى شرح من يؤمن بها فقال:
﴿إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ والأعمال الصالحة عبارة عن الأعمال التي تحمل النفس على ترك الدنيا وطلب الآخرة، والأعمال المذمومة مما يكون بالضدّ من ذلك. ﴿يهديهم﴾ أي: يرشدهم. ﴿ربهم بإيمانهم﴾ أي: بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة، أو لما يريدونه في الجنة، أو لإدراك الحقائق، كما قال ﷺ «من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم» . وقال مجاهد: المؤمنون يكون لهم نور يمشي بهم إلى الجنة. وروي أنه ﷺ قال: «إنَّ المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة حسنة، فيقول: أنا عملك. فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة، فيقول: أنا عملك، فينطلق به حتى يدخله النار» . ومفهوم ترتبِ الهداية على الإيمان، والعمل الصالح قد دلّ على أنّ سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دل منطوق قوله جل وعلا: ﴿بإيمانهم﴾ (يونس: ٩)
. على استقلال الإيمان بالسببية، وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف، ثم إنه تعالى لما وصفهم بالإيمان والأعمال الصالحة ذكر بعد ذلك درجات كراماتهم ومراتب سعاداتهم، وهي أربعة الأولى: قوله تعالى: ﴿تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم﴾ أي: يكونون جالسين على سرر مرفوعة في البساتين، والأنهار تجري من بين أيديهم، ينظرون إليها من أعالي أسرتهم وقصورهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿قد جعل ربك تحتك سرياً﴾ (مريم: ٢٤) فهي ما كانت قاعدة عليه، ولكن المعنى: بين يديك، وكذا قوله: ﴿وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ (الزخرف، ٥١) ، أي: بين يدي فكذا هنا. الثانية قوله تعالى:
﴿دعواهم فيها﴾ قال بعض المفسرين:، أي: طلبهم لما يشتهون في الجنة أن يقولوا: ﴿سبحانك﴾ أي: ننزهك من كل سوء ونقيصة. ﴿اللهمّ﴾ أي: يا الله، فإذا ما طلبوا
стр. 662
بين أيديهم على موائد، كل مائدة ميل في ميل، على كل مائدة سبعون ألف صحفة، في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضها بعضاً، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله تعالى، فذلك قوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ . وأن المراد بقوله ﴿سبحانك اللهم﴾ اشتغال أهل الجنة بالتسبيح والتحميد والتقديس لله تعالى، والثناء عليه بما هو أهله، وفي هذا الذكر سرورهم وابتهاجهم وكمال لذاتهم وهذا أولى، ويدل عليه ما روي عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتمخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس» ، أي: يخرج ذلك الطعام جشاء وعرقاً.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وتحيتهم﴾ فيما بينهم وتحية الملائكة لهم ﴿فيها﴾ أي: الجنة ﴿سلام﴾ وتأتيهم الملائكة أيضاً من عند ربهم بالسلام. قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤)
. وقال تعالى: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ (يس: ٥٨)
. الرابعة: قوله تعالى: ﴿وآخر دعواهم﴾ أي: وآخر دعائهم. ﴿أن الحمد لله رب العالمين﴾ أي: أن يقولوا ذلك، وأن هي المخففة من الثقيلة، وقد ذكرنا أنَّ بعض المفسرين حمل التسبيح والتحميد على أحوال أهل الجنة بسبب المأكول والمشروب، فإنهم إذا اشتهوا شيئاً قالوا: ﴿سبحانك اللهم﴾ (يونس، ١٠)
فيحصل ذلك الشيء، فإذا فرغوا منه قالوا: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (الفاتحة، ٢)
فترتفع الموائد عند ذلك.
قال الرازي: وهذا القائل ما رقى نظره في دنياه وأخراه عن المأكول والمشروب، وحقيق بمثل هذا الإنسان أن يعدّ في زمرة البهائم، وأما المحققون فقد تركوا ذلك. اه. ولا تنبغي هذه المبالغة، فقد قاله البغوي، وتبعه جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: أعلمَ اللهُ أنّ أهل الجنة يفتتحون بتعظيم الله تعالى وتنزيهه، ويختمون بشكره والثناء عليه. قال البيضاوي: المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله تعالى وكبرياءه مجّدوه ونعتوه بنعوت الجلال، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات، أو الله تعالى، فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإكرام، ولما وصف الله تعالى الكفار بأنهم لا يرجون لقاء الله ورضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، وكانوا عن آيات الله غافلين؛ بيّن أن مِنْ غفلتهم أنّ الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب جهلاً منهم وسفهاً بقوله تعالى:
﴿ولو يعجل الله للناس الشرّ﴾ أي: ولو يعجل الله للناس إجابة دعائهم بالشر فيما لهم فيه مضرة ومكروه ﴿استعجالهم بالخير﴾ أي: كما يحبون أن يعجل لهم إجابتهم بالخير ﴿لقضي إليهم أجلهم﴾ أي: لأهلكهم، ولكن يمهلهم. نزلت في النضر بن الحارث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فنذر﴾ أي: فنترك. ﴿الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم﴾ أي: في تمردّهم وعتوهم. ﴿يعمهون﴾ أي: يتردّدون متحيرين. وقال ابن عباس: هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، لا بارك الله فيكم. وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له فيه. وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «اللهم إني أخذ عندك عهداً لن تخلفنيه، إنما أنا بشر، فأيّ المؤمنين آذيته أو شتمته أو جلدته أو لعنته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها إليّ يوم
стр. 663
القيامة» .
فإن قيل: قابل التعجيل في الآية بالاستعجال، وكان مقتضى النظم أن يقابل التعجيل بالتعجيل والاستعجال بالاستعجال، أجيب: بأنَّ تقدير الكلام: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالاً كاستعجالهم بالخير، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه، وقال في «الكشاف» : أصل هذا الكلام: ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم بالخير إلا أنه وضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم بالخير شعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافه بطلبتهم، حتى كان استعجالهم بالخير تعجيل لهم.A
ولما حكى تعالى عنهم أنهم يستعجلون في نزول العذاب، بين أنهم كاذبون في ذلك الطلب والاستعجال بقوله تعالى:
﴿وإذا مس الإنسان﴾ أي: الكافر ﴿الضرّ﴾ أي: المرض والفقر ﴿دعانا لجنبه﴾ أي: على جنبه مضطجعاً ﴿أو قاعداً أو قائماً﴾ وفائدة التردّد تعميم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار، والمعنى: أنّه لو نزل بالإنسان أدنى شيء يكرهه ويؤذيه فإنه يتضرّع إلى الله تعالى في إزالته عنه، وفي دفعه عنه، وذلك يدل على أنه ليس صادقاً في طلب الاستعجال ﴿فلما كشفنا عنه ضرّه﴾ أي: أزلنا عنه ما نزل به، ﴿مرّ﴾ أي: مضى على ما كان عليه من الكفر، ﴿كأن لم يدعنا﴾ أي: كأنه، فأسقط الضمير على سبيل التخفيف، ونظيره قوله تعالى: ﴿كأن لم يلبثوا﴾ (يونس، ٤٥)
. ﴿إلى ضرَ مسه﴾ . قال الحسن: نسي ما كان دعا الله فيه، وما صنع الله به في إزالة ذلك البلاء عنه، وإنما حمل الإنسان في هذه الآية على الكافر؛ لأنَّ العمل المذكور لا يليق بالمسلم البتة، وقول بعضهم: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد هو الكافر مردود، فقد قال تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ (الإنسان: ١)
. وقال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾ (المؤمنون: ١٢)
. وقال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾ (ق، ١٦) وأما المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة، وجب عليه رعاية أمورٍ:
أوّلها: أن يكون راضياً بقضاء الله تعالى غير معترض بالقلب واللسان عليه، وإنما وجب عليه ذلك؛ لأنّه تعالى مالك على الإطلاق، وملك بالاستحقاق، فله أن يفعل في ملكه ما شاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق، وهو منزه عن فعل العبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، فيجب عليه الصبر وترك القلق، فإن أبقى عليه تلك المحنة فهو عدل، وإن أزالها عنه فهو فضل.
وثانيها: أنه في ذلك الوقت إن اشتغل بذكر الله تعالى، والثناء عليه بدلاً عن الدعاء، كان أفضل لقوله ﷺ حكاية عن الله تعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» ، ولأنّ الاشتغال بالذكر اشتغال بالحق والاشتغال بالدعاء، اشتغال بطلب حظ النفس، ولا شك أنَّ الأوّل أفضل. وثالثها:
أنه تعالى إذا أزال عنه تلك البلية وجب عليه أن يبالغ في الشكر، وأن لا يخلو عن ذلك الشكر في السراء والضراء، وأحوال الشدّة والرخاء، فهذا هو الطريق الصحيح عند نزول البلاء، وحينئذ يكون المؤمن على الضدّ من الكافر؛ لأنَّ الكافر منهمك في الشهوات، والإعراض عن العبادات. كما قال تعالى: ﴿كذلك﴾ أي: مثل ما زين لهؤلاء الكافرين هذا العمل القبيح. ﴿زين للمسرفين﴾ أي: المشركين ﴿وما كانوا يعملون﴾ من القبائح لإعراضهم عن الذكر واتباعهم الشهوات، وإنما سمي الكافر مسرفاً؛ لأنّه أتلف نفسه بتضييعها في عبادة الأوثان، وأتلف ماله في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والمزين هو الله تعالى؛ لأنه مالك الملك، والخلق كلهم عبيده يتصرّف
стр. 664
فيهم كيف شاء، وقيل: هو الشيطان وذلك بإقدار الله تعالى إياه على ذلك، وإلا فهو أخس وأحقر.
﴿ولقد أهلكنا القرون﴾ أي: الأمم الماضية. ﴿من قبلكم﴾ يا أهل مكة. ﴿لما ظلموا﴾ أي: حين أشركوا، وقوله تعالى: ﴿وجاءتهم رسلهم بالبينات﴾ أي: بالحجج الدالة على صدقهم، حال من الواو وبإضمار قد أو عطف على ظلموا. ﴿وما﴾ أي: والحال أنهم ما ﴿كانوا ليؤمنوا﴾ أي: وما استقام لهم أن يؤمنوا، ولو جاءتهم كل آية لعلمه تعالى بأنهم يموتون على كفرهم، واللام لتأكيد النفي. ﴿كذلك﴾ أي: مثل ذلك الجزاء العظيم وهو إهلاكهم لما كذبوا رسلهم ﴿نجزي القوم المجرمين﴾ أي: نجزيكم يا أهل مكة بتكذيبكم محمداً ﷺ فوضع المظهر موضع المضمر للدّلالة على كمال جرمهم، وأنهم أعلام فيه.
﴿ثم جعلناكم﴾ أي: أيها المرسل إليهم أشرف رسلنا ﴿خلائف﴾ جمع خليفة ﴿في الأرض من بعدهم﴾ أي: استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر ﴿لننظر﴾ ونحن أعلم بكم من أنفسكم في علم الشهادة لإقامة الحجة. ﴿كيف تعملون﴾ من خير أو شر فنجازيكم به، وقد مرّ نظائر هذا، ومنه قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ (هود: ٧)
. وقال ﷺ «إنّ الدنيا خضرة حلوة، وإنّ الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» . وقال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا، فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار. قال الزجاج: وموضع كيف نصب بقوله تعملون، أي: لا معمول ننظر؛ لأنها حرف استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله؛ لأنّ له صدر الكلام فلا يتقدمه عامله، وظاهر كلامه أنّ كيف مفعول لتعملون، وجمهور النحاة على أنه حال من ضمير تعملون.
﴿وإذا تتلى عليهم﴾ أي: وإذا قرئ على هؤلاء المشركين. ﴿آياتنا﴾ أي: القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد حالة كون تلك الآيات ﴿بينات﴾ أي: ظاهرات تدل على وحدانيتنا وصحة نبوّتك. ﴿قال الذين لا يرجون لقاءنا﴾ أي: لا يخافون عذابنا، ولا يرجون ثوابنا؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، وكل من كان منكراً للبعث بعد الموت؛ فإنه لا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً. ﴿ائت﴾ أي: من عندك ﴿بقرآن﴾ أي: كلام مجموع جامع لما نريد. ﴿غير هذا﴾ في نظمه ومعناه. ﴿أو بدله﴾ بألفاظ أخرى، والمعاني باقية، وقد كانوا عالمين بأنه ﷺ مثلهم في العجز عن ذلك، ولكنهم قصدوا أن يأخذ في التغيير حرصاً على إجابة مطلوبهم، فيبطل مدعاه أو يهلك، واختلف في هذا القائل.
فقال قتادة: هم مشركو أهل مكة. وقال مقاتل: هم خسمة نفر: عبد الله بن أمية الجمحي، والوليد بن المغيرة، ومكدر بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاصي بن عامر بن هشام، قالوا للنبي ﷺ إن كنت تريد أن نؤمن بك فأت بقرآن ليس فيه ترك لعبادة اللات والعزى ومناة، وليس فيه عيبها، وإن لم ينزله الله فقل أنت من عند نفسك أو بدله، فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حرام حلالاً، أو مكان حلالاً حراماً، ولما كان كأنه قيل فماذا أقول لهم؟ قال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿ما يكون﴾ أي: ما يصح ﴿لي﴾ ولا يتصوّر بوجه من الوجوه ﴿أن أبدله من تلقاء﴾ أي: قبل ﴿نفسي﴾ وإنما اكتفى بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه امتناع الإتيان بقرآن آخر، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء والباقون بالسكون ﴿إن﴾ أي: ما ﴿أتبع إلا ما يوحى إليّ﴾ فيما
стр. 665
آمركم به أو أنهاكم عنه، أي: لا آتي بشيء ولا أذر شيئاً من نحو ذلك إلا متبعاً لوحي الله تعالى وأوامره، إن نسخت آية تبعت النسخ، وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل، وليس إليّ تبديل ولا نسخ ﴿إني أخاف إن عصيت ربي﴾ أي: بتبديله ﴿عذاب يوم عظيم﴾ فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو لي وإني بفتح الياء، والباقون بالسكون.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك تغيير القرآن وتبديله ﴿لو شاء الله ما تلوته عليكم﴾ أي: لو شاء الله لم ينزل هذا القرآن، ولم يأمرني بقراءته عليكم ﴿ولا أدراكم به﴾ أي: ولا أعلمكم به على لساني. وقرأ ابن كثير بخلاف عن البزي بقصر الهمزة بعد اللام جواب لو، أي: لأعلمكم به على لسان غيري، والباقون بالمدّ المنفصل. وقوله تعالى: ﴿فقد لبثت﴾ أي: مكثت قراءة نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء عند التاء والباقون بالإدغام ﴿فيكم عمراً﴾ سنين أربعين ﴿من قبله﴾ أي: قبل أن يوحى إليَّ هذا القرآن لا أتلوه ولا أعلمه، ففي ذلك إشارة إلى أنّ هذا القرآن معجز خارق للعادة.
وتقريره: أن أولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله ﷺ من أوّل عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله وأنه ما طالع كتاباً، ولا تتلمذ لأستاذ ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه، جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأصول، ودقائق علم الأحكام ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأوّلين، وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكل من له عقل سليم، فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والإلهام من الله تعالى ﴿أفلا تعقلون﴾ أي: أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر لتعلموا أنَّ مثل هذا الكتاب العظيم على من لم يتعلم ولم يتتلمذ ولم يطالع كتاباً، ولم يمارس مجادلة، أنه لا يكون إلا على سبيل الوحي من الله تعالى، لا من مثلي، وهذا جواب عمّا دسوه تحت قولهم ﴿ائت بقرآن غير هذا﴾ من إضافة الإفتراء إليه.
تنبيه: أقام ﷺ بعد أن أوحي إليه بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال النووي: ورد في عمره ﷺ ثلاث روايات: إحداها: أنه توفي ﷺ وهو ابن ستين سنة. والثانية: خمس وستون سنة. والثالثة: ثلاث وستون سنة، وهي أصحها وأشهرها، وتأوّلوا رواية ستين بأنَّ راويها اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر، ورواية الخمس أيضاً متأوّلة، وحصل فيها اشتباه، ولما أقيمت الدلائل على أنّ هذا القرآن من عند الله وجب أن يقال: إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه من منكر ذلك كما قال تعالى: ﴿فمن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن افترى﴾ أي: تعمد ﴿على الله كذبا﴾ أي: أيّ كذب كان من شريك أو ولد أو غير ذلك، وكأنّ الأصل مبنيّ على تقدير أن يكون هذا القرآن من عند الله، ولكنه وضع هذا الظاهر مكانه تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف ﴿أو كذب بآياته﴾ أي: دلائل توحيده فكفر بها كما فعلتم أنتم، وذلك من أعظم الكذب، وقوله تعالى: ﴿إنه﴾ أي: الشأن ﴿لا يفلح﴾ بوجه من الوجوه ﴿المجرمون﴾ أي: المشركون تأكيد لما سبق من هذين الوصفين
﴿ويعبدون﴾ أي: هؤلاء المشركون ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿ما لا يضرّهم﴾ أي:
стр. 666
إن لم يعبدوه ﴿ولا ينفعهم﴾ أي: إن عبدوه، وهو الأصنام؛ لأنها حجارة وجماد لا تضرّ ولا تنفع، والكافرون قادرون على التصرف فيها تارة بالإصلاح وتارة بالإفساد، وإذا كان العابد أصلح حالاً من المعبود كانت العبادة باطلة؛ لأنّ العبادة أعظم أنواع التعظيم، فلا تليق إلا بمن يضرّ وينفع، بأن يثيب على الطاعة، ويعاقب على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة يعبدون العزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة. ﴿ويقولون هؤلاء﴾ أي: الأصنام التي نعبدها. ﴿شفعاؤنا عند الله﴾ ونظيره قوله تعالى إخباراً عنهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ . (الزمر، ٣)
وقيل: إنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله. قال الرازي: ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله. اه. ولكن تعظيمهم لهؤلاء ليس كتعظيم الكفار، وفي هذه الشفاعة قولان:
أحدهما: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم فيما يهمهم من أمور الدنيا في إصلاح معايشهم. قاله الحسن؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعث الموتى.
والثاني: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة إن يكن بعث، قاله ابن جريج عن ابن عباس، وكأنهم كانوا شاكين فيه، وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة موجدهم الضارّ النافع إلى عبادة ما يعلم قطعاً أنه لا يضرّ ولا ينفع، على توّهم أنه ربما يشفع لهم. قال النضر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى. وقوله تعالى: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أتنبئون﴾ أي: تخبرون ﴿الله﴾ وهو العالم بكل شيء المحيط بكل محيط. ﴿بما لا يعلم﴾ أي: لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات، استفهام إنكار تهكم بهم، وبما ادّعوه ومن المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذي أنبؤوا به باطل غير منطوٍ تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه. وقوله تعالى: ﴿في السموات ولا في الأرض﴾ تأكيد لنفيه؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم، وهذا على طريق الإلزام، والمقصود نفي علم الله بذلك الشفيع، وأنه لا وجود له ألبتة؛ لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى، وجب أن لا يكون معلوماً موجوداً، وهذا مثل مشهور في العرب، فإنّ الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله ذلك مني؛ ومقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع. ﴿سبحانه﴾ أي: تنزيهاً له عن كل شيء فيه شائبة نقص. ﴿وتعالى عما يشركون﴾ ما مصدرية أو موصولة، أي: عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، لقوله: ﴿أتنبئون الله﴾ والباقون بالياء على الغيبة، فكأنه قيل للنبيّ ﷺ قل أنت: سبحانه وتعالى عما يشركون، ويجوز أن يكون الله هو الذي نزه نفسه عما قالوه، فقال: سبحانه وتعالى عما يشركون. ولما أقام تعالى الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام بيّن السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد بقوله:
﴿وما كان الناس إلا أمَّة واحدة﴾ أي: جميعاً على الدين الحق وهو دين الإسلام. وقيل على الضلال في فترة الرسل، واختلف القائلون بالأوّل أنهم متى كانوا كذلك.؟ فقال ابن عباس ومجاهد: كانوا على دين الإسلام من لدن
стр. 667
آدم إلى أن قَتَلَ قابيلُ هابيلَ. وقال قوم: إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون. ثم اختلفوا في عهد نوح فبعث الله تعالى إليهم نوحاً. وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام من زمن نوح بعد الغرق حيث لم يذر الله على الأرض من الكافرين ديّاراً إلى أن ظهر الكفر فيهم. وقال آخرون: من عهد إبراهيم ﵇ إلى زمن عمرو بن لحي، وهذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة﴾ العرب خاصة. ﴿فاختلفوا﴾ بأن ثبت بعض وكفر بعض. ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ وهو تأخير الحكم إلى يوم القيامة، وقيل: تلك الكلمة هي قوله سبحانه: سبقت رحمتي غضبي. فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال، وإمهاله إلى وقت الوجدان ﴿لقضي بينهم﴾ أي: الناس بنزول العذاب في الدنيا دون يوم القيامة ﴿فيما فيه يختلفون﴾ من الدين بإهلاك المبطل، وإبقاء المحق، وكان ذلك فصلاً بينهم ﴿ويقولون﴾ أي: كفار مكة ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿أنزل عليه﴾ أي: محمد ﷺ ﴿آية من ربه﴾ أي: غير ما جاء به كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد ﴿فقل﴾ يا محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين ﴿إنما الغيب﴾ أي: ما غاب عن العباد أمره ﴿لله﴾ أي: هو المختص بعلمه، ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما عليّ التبليغ ﴿فانتظروا﴾ أي: نزول ما اقترحتموه. وقيل نزول العذاب إن لم يؤمنوا ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ أي: لما يفعل الله تعالى بكم لعنادكم وجحودكم الآيات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، بديعة في الآيات، رقية المسلك بين المعجزات مع عجزكم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأيّ عناد أعظم من هذا
﴿وإذا أذقنا الناس﴾ أي: كفار مكة ﴿رحمة﴾ أي: صحة وسعة ﴿من بعد ضرّاء﴾ أي: شدّة وبلاء ﴿مستهم﴾ سلط الله تعالى القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس بعد ذلك فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى العناد والكفر كما قال تعالى: ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ بالاستهزاء والتكذيب، وقيل: لا يقولون هذا من رزق الله، إنما يقولون: سُقينا بنوء كذا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ الله تعالى ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها فيصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا» والنوء عند العرب: هي منازل القمر إذا طلع نجم سقط نظيره ﴿قل الله﴾ أي: قل لهم يا محمد الله ﴿أسرع مكراً﴾ منكم، أي: أعجل عقوبة وأشدّ أخذاً وأقدر على الجزاء. ومعنى الوصف بالأسرعية: أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم والمكر إخفاء الكيد وهو من الله تعالى، أمّا الاستدراج أو الجزاء على المكر، فإنهم لما قابلوا نعمة الله بالمكر قابل مكرهم بأشد منه، وهو إمهالهم إلى يوم القيامة. ﴿إن رسلنا﴾ أي: الحفظة الكرام الكاتبين ﴿يكتبون ما تمكرون﴾ لأنهم وكلوا بكم قبل كونكم نطفاً، ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما تفعلونه، ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه، وأمّا هو فإنه إذا قضى قضاء لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا بإطلاعه فكيف بغيرهم، وإذا تبين أنه عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره علم أنه لا يدعهم يدبرون كيداً إلا وقد سبب له ما يجعله في نحورهم، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع، ثم أخذ يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في
стр. 668
الآية قبلها؛ لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح، يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي فقال:
﴿هو الذي يسيركم﴾ أي: يحملكم على السير في كل وقت تسيرون فيه لا تقدرون على الإنفكاك عنه ويمكنكم منه، ﴿في البرّ والبحر﴾ أي: يسبب لكم أسباباً توجب سيركم فيهما. وقرأ ابن عامر بعد الياء الأولى بنون ساكنة بعدها شين معجمة مضمومة، والباقون بسين مهملة مفتوحة بعدها ياء مكسورة مشدّدة، ولما كان العطب بسير البحر أظهر مع أنَّ السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات بيّنه معرضاً عن ذكر البر بقوله تعالى:
﴿حتى إذا كنتم﴾ أي: كوناً لا براح لكم منه. ﴿في الفلك﴾ أي: السفن، فإن قيل: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر مع أنَّ الكون في الفلك متقدّم لا محالة على التسيير في البحر؟ أجيب: بأنه لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير، بل تقدير الكلام كأنه قيل: هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا، ولفظ الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع، فإن أريد الواحد كان كبناء قفل، أو الجمع كان كبناء حمر، والمراد هنا: الجمع لقوله تعالى: ﴿وجرين بهم﴾ أي: بمن فيها، وعدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح والالتفات في الكلام عن الغيبة إلى الحضور والعكس في فصيح كلام العرب. ﴿بريح طيبة﴾ أي: لينة الهبوب. ﴿وفرحوا بها﴾ أي: بتلك الريح وبالفلك الجارية بها، وقوله تعالى: ﴿جاءتها﴾ جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة بمعنى تلقتها ﴿ريح عاصف﴾ أي: شديدة الهبوب فأزعجت سفينتهم وأساءتهم ﴿وجاءهم الموج﴾ أي: وجاء ركاب السفينة الموج وهو ما ارتفع وعلا من ضراب الماء في البحر. وقيل: هو شدّة حركة الماء واختلاطه. ﴿من كل مكان﴾ أي: يعتاد مجيء الموج منه فأرجف قلوبهم. ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ أي: فظنوا أنَّ الهلاك قد أحاط بهم وسدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط بهم العدوّ ﴿دعوا الله مخلصين﴾ أي: من غير اشتراك به ﴿له الدين﴾ أي: الدعاء؛ لأنهم لا
يدعون حينئذٍ غيره؛ لأنَّ الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته ويصير منقطعاً عن جميع الخلق، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعاً إلى الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿لئن أنجيتنا من هذه﴾ الشدائد التي نحن فيها وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ على إرادة القول أو مفعول دعوا؛ لأنه من جملة القول، أي: لنكونن من الشاكرين لك بالإيمان والطاعة على إنعامك علينا بانجائنا مما نحن فيه من هذه الشدّة.
﴿فلما أنجاهم﴾ أي: هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم من الشدّة التي كانوا فيها إجابة لدعائهم ﴿إذا هم يبغون﴾ أي: فأجاؤوا الفساد وسارعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي ﴿في الأرض﴾ أي: جنسها ﴿بغير الحق﴾ .
فإن قيل: البغي لا يكون بحق فما معنى قوله بغير؟ أجيب: بأنه قد يكون بحقًّ كاستيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل ﷺ ببني قريظة، فإنّ ذلك إفساد بحق. قال صاحب «المفردات» : البغي على ضربين: أحدهما: غير محمود وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وإلى الشبهة، والآخر: كفعل المسلمين ما ذكر ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم﴾ أي: ظلمكم ﴿على أنفسكم﴾
стр. 669
يعود وباله عليها خاصة. قال ﷺ «أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة» . وروي «ثنتان يعجلهما الله تعالى في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين» . وعن ابن عباس: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي. وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه:
*يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة ... فاربع فخير فعال المرء أعدله
*فلو بغى جبل يوماً على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله
وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر. وعلى تقدير الانتفاع بالبغي هو عرض زائل كما قال تعالى: ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ أي: لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قليلة، وهي مدّة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها. ﴿ثم إلينا﴾ بعد البعث ﴿مرجعكم﴾ في القيامة ﴿فننبئكم﴾ أي: فنخبركم ﴿بما كنتم تعملون﴾ في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم عليها. وقرأ حفص متاع بنصب العين على أنه مصدر مؤكد، أي: تتمتعون متاع الحياة الدنيا، والباقون بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلك متاع الحياة الدنيا وعلى أنفسكم خبر بغيكم. ولما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا﴾ أتبعه بمثل عجيب ضربه لمن يبغي في الأرض، ويغتر بالدنيا، ويشتدّ تمسكه بها، ويقوى إعراضه عن أمر الآخرة، والتأهب لها، بقوله تعالى:
﴿إنما مثل الحياة الدنيا﴾ أي: حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها. والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأوّل ﴿كماء أنزلناه﴾ وحقق أمره وبينه بقوله تعالى: ﴿من السماء فاختلط به﴾ أي: بسببه ﴿نبات الأرض﴾ أي: اشتبك بعضه ببعض، والاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في بعض ﴿مما يأكل الناس﴾ من الحبوب والثمار ونحو ذلك ﴿و﴾ مما يأكل ﴿الأنعام﴾ من الحشيش ونحوه ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ أي: حسنها وبهجتها من النبات ﴿وازينت﴾ بإظهار ألوان زهرها من أبيض وأصفر وأحمر وغيرذلك من الزهور، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين، وأصل ازينت تزينت أبدلت التاء زاياً وأدغمت في الزاي ﴿وظنّ أهلها﴾ أي: أهل تلك الأرض ﴿أنهم قادرون عليها﴾ أي: متمكنون من تحصيل جذاذها وحصادها ﴿أتاها أمرنا﴾ أي: قضاؤنا من البرد والحرّ المفرط أو غيره ﴿ليلاً أو نهاراً﴾ أي: في الليل أو في النهار ﴿فجعلناها﴾ أي: زرعها ﴿حصيداً﴾ أي: كالمحصود بالمناجل. وقوله تعالى: ﴿كأن﴾ مخففة، أي: كأنها ﴿لم تغن﴾ أي: لم تكن ﴿بالأمس﴾ تلك الزروع والأشجار قائمة على ظهر الأرض، وحذف المضاف من فجعلناها ومن كأن لم تغن للمبالغة.
تنبيه: تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوهاً:
الأوّل أنّ عاقبة هذه الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأنّ الغالب أنّ المتمسك بالدنيا إذا وضع قلبه عليها وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت، وهو معنى قوله تعالى: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ (الأنعام، ٤٤) أي: خاسرون الدنيا، وقد أنفقوا أعمارهم فيها، وخاسرون من الآخرة مع أنهم توجهوا إليها.
الثاني: أنه تعالى بيّن
стр. 670
أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة محمودة فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد، مع أنَّ المنافع التي تحصل فيها مخلوطة بالمضار والمتاعب، فإنَّ سعادة الدنيا غير خالصة من الآفات، بل هي ممزوجة بالبليات، والاستقراء يدل عليه، ولذلك قال ﷺ «من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق. فقيل: يا رسول الله، وما هو؟ قال: سرور يوم بتمامه» . الثالث: أن مالك ذلك البستان لما عمره بإتعاب النفس، وكد الروح، وعلق قلبه على الانتفاع به، فإذا حصل ذلك السبب المهلك صار العناء الشديد الذي تحمّله في الماضي سبباً لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات، فكذا حال من وضع قلبه على الدنيا، وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات وفاته كل ما فات صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا سبباً لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة. ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا التفصيل الذي ذكرناه ﴿نفصل الآيات﴾ أي: نبينها ﴿لقوم يتفكرون﴾ لأنهم المنتفعون بها، ولما نفّر تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبّهم في الآخرة بقوله تعالى:
﴿والله يدعو﴾ أي: يعلق دعاءه على سبيل التجدّد والاستمرار بالمدعوين ﴿إلى دار السلام﴾ . قال قتادة: السلام هو الله، وداره الجنة، وسمي بالسلام؛ لأنه واجب الوجود لذاته، فقد سلم من الفناء والتغير، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته، ومن الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال تعالى: ﴿والله الغني وأنتم الفقراء﴾ (محمد، ٣٨)
وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ (فاطر، ١٥)
. وقيل: السلام بمعنى السلامة. وقيل: المراد بالسلام الجنة، سميت الجنة دار السلام؛ لأنّ أهلها يحيِّي بعضهم بعضاً بالسلام، والملائكة تسلم عليهم. قال الله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ (الرعد، ٣٢، ٢٤)
ومن كمال رحمته وجوده وكرمه على عباده أن دعاهم إلى الجنة التي هي دار السلام، وفيه دليل على أنّ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لأنّ العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم، ولا يصف إلا عظيماً. وقد وصف الله تعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه. وعن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبيِّ ﷺ وهو نائم فقالوا: إنّ صاحبكم هذا مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مائدة، وبعث داعياً فمن أجب الداعي دخل الدار، وأكل من المائدة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المائدة، والدار الجنة، والداعي محمد ﷺ ﴿و﴾ الله ﴿يهدي من يشاء﴾ من عباده بما يخلق في قلبه من الهداية ﴿إلى صرط مستقيم﴾ وهو دين الإسلام، عمّ بالدعوة أوّلا إظهاراً للحجة، وخص بالهداية ثانياً إظهاراً للقدرة؛ لأنَّ الحكم له في خلقه. وقال الجنيد: الدعوة عامة، والهداية خاصة، بل الهداية عامة والصحبة خاصة، بل الصحبة عامة والاتصال خاص. وقيل: يدعو بالآيات، ويهدي للحقائق والمعارف. وقيل: الدعوة لله والهداية من الله. وقال بعضهم: لا تنفع الدعوة لمن لم يسبق له من الله الهداية.
﴿للذين أحسنوا﴾ أي: بالإيمان ﴿الحسنى﴾ وهي الجنة ﴿وزيادة﴾ وهي النظر إليه تعالى في الآخرة، كما في الحديث الصحيح: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم منه» . والزمخشري في «كشافه» قال في هذا: وزعمت المشبهة والمجبرة؛ لأنّ المعتزلة ينكرون
следующие страницы →