Полный текст (2 552 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
إن لم يعبدوه ﴿ولا ينفعهم﴾ أي: إن عبدوه، وهو الأصنام؛ لأنها حجارة وجماد لا تضرّ ولا تنفع، والكافرون قادرون على التصرف فيها تارة بالإصلاح وتارة بالإفساد، وإذا كان العابد أصلح حالاً من المعبود كانت العبادة باطلة؛ لأنّ العبادة أعظم أنواع التعظيم، فلا تليق إلا بمن يضرّ وينفع، بأن يثيب على الطاعة، ويعاقب على المعصية، وكان أهل الطائف يعبدون اللات، وأهل مكة يعبدون العزى ومناة وهبل وإسافا ونائلة. ﴿ويقولون هؤلاء﴾ أي: الأصنام التي نعبدها. ﴿شفعاؤنا عند الله﴾ ونظيره قوله تعالى إخباراً عنهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ . (الزمر، ٣)
وقيل: إنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل فإن أولئك الأكابر يكونون شفعاء لهم عند الله. قال الرازي: ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر على اعتقاد أنهم إذا عظموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله. اه. ولكن تعظيمهم لهؤلاء ليس كتعظيم الكفار، وفي هذه الشفاعة قولان:
أحدهما: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم فيما يهمهم من أمور الدنيا في إصلاح معايشهم. قاله الحسن؛ لأنهم كانوا لا يعتقدون بعث الموتى.
والثاني: أنهم يزعمون أنها تشفع لهم في الآخرة إن يكن بعث، قاله ابن جريج عن ابن عباس، وكأنهم كانوا شاكين فيه، وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة موجدهم الضارّ النافع إلى عبادة ما يعلم قطعاً أنه لا يضرّ ولا ينفع، على توّهم أنه ربما يشفع لهم. قال النضر بن الحارث: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى. وقوله تعالى: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿أتنبئون﴾ أي: تخبرون ﴿الله﴾ وهو العالم بكل شيء المحيط بكل محيط. ﴿بما لا يعلم﴾ أي: لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات، استفهام إنكار تهكم بهم، وبما ادّعوه ومن المحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأن الذي أنبؤوا به باطل غير منطوٍ تحت الصحة، فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق به علمه. وقوله تعالى: ﴿في السموات ولا في الأرض﴾ تأكيد لنفيه؛ لأنّ ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم، وهذا على طريق الإلزام، والمقصود نفي علم الله بذلك الشفيع، وأنه لا وجود له ألبتة؛ لأنه لو كان موجوداً لكان معلوماً لله تعالى وحيث لم يكن معلوماً لله تعالى، وجب أن لا يكون معلوماً موجوداً، وهذا مثل مشهور في العرب، فإنّ الإنسان إذا أراد نفي شيء عن نفسه يقول: ما علم الله ذلك مني؛ ومقصوده أنه ما حصل ذلك الشيء منه قط ولا وقع. ﴿سبحانه﴾ أي: تنزيهاً له عن كل شيء فيه شائبة نقص. ﴿وتعالى عما يشركون﴾ ما مصدرية أو موصولة، أي: عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، لقوله: ﴿أتنبئون الله﴾ والباقون بالياء على الغيبة، فكأنه قيل للنبيّ ﷺ قل أنت: سبحانه وتعالى عما يشركون، ويجوز أن يكون الله هو الذي نزه نفسه عما قالوه، فقال: سبحانه وتعالى عما يشركون. ولما أقام تعالى الدلالة القاهرة على فساد القول بعبادة الأصنام بيّن السبب في كيفية حدوث هذا المذهب الفاسد بقوله:
﴿وما كان الناس إلا أمَّة واحدة﴾ أي: جميعاً على الدين الحق وهو دين الإسلام. وقيل على الضلال في فترة الرسل، واختلف القائلون بالأوّل أنهم متى كانوا كذلك.؟ فقال ابن عباس ومجاهد: كانوا على دين الإسلام من لدن
стр. 667
آدم إلى أن قَتَلَ قابيلُ هابيلَ. وقال قوم: إلى زمن نوح، وكانوا عشرة قرون. ثم اختلفوا في عهد نوح فبعث الله تعالى إليهم نوحاً. وقال آخرون: كانوا على دين الإسلام من زمن نوح بعد الغرق حيث لم يذر الله على الأرض من الكافرين ديّاراً إلى أن ظهر الكفر فيهم. وقال آخرون: من عهد إبراهيم ﵇ إلى زمن عمرو بن لحي، وهذا القائل قال: المراد من الناس في قوله تعالى: ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة﴾ العرب خاصة. ﴿فاختلفوا﴾ بأن ثبت بعض وكفر بعض. ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ وهو تأخير الحكم إلى يوم القيامة، وقيل: تلك الكلمة هي قوله سبحانه: سبقت رحمتي غضبي. فلما كانت رحمته غالبة اقتضت تلك الرحمة الغالبة إسبال الستر على الجاهل الضال، وإمهاله إلى وقت الوجدان ﴿لقضي بينهم﴾ أي: الناس بنزول العذاب في الدنيا دون يوم القيامة ﴿فيما فيه يختلفون﴾ من الدين بإهلاك المبطل، وإبقاء المحق، وكان ذلك فصلاً بينهم ﴿ويقولون﴾ أي: كفار مكة ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿أنزل عليه﴾ أي: محمد ﷺ ﴿آية من ربه﴾ أي: غير ما جاء به كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد ﴿فقل﴾ يا محمد لهؤلاء الكفرة المعاندين ﴿إنما الغيب﴾ أي: ما غاب عن العباد أمره ﴿لله﴾ أي: هو المختص بعلمه، ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما عليّ التبليغ ﴿فانتظروا﴾ أي: نزول ما اقترحتموه. وقيل نزول العذاب إن لم يؤمنوا ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ أي: لما يفعل الله تعالى بكم لعنادكم وجحودكم الآيات، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر، بديعة في الآيات، رقية المسلك بين المعجزات مع عجزكم عن معارضته بتبديل أو غيره، فأيّ عناد أعظم من هذا
﴿وإذا أذقنا الناس﴾ أي: كفار مكة ﴿رحمة﴾ أي: صحة وسعة ﴿من بعد ضرّاء﴾ أي: شدّة وبلاء ﴿مستهم﴾ سلط الله تعالى القحط سبع سنين على أهل مكة حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم، فأنزل عليهم المطر الكثير حتى أخصبت البلاد، وعاش الناس بعد ذلك فلم يتعظوا بذلك، بل رجعوا إلى العناد والكفر كما قال تعالى: ﴿إذا لهم مكر في آياتنا﴾ بالاستهزاء والتكذيب، وقيل: لا يقولون هذا من رزق الله، إنما يقولون: سُقينا بنوء كذا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ الله تعالى ليصبح القوم بالنعمة ويمسيهم بها فيصبح طائفة منهم بها كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا» والنوء عند العرب: هي منازل القمر إذا طلع نجم سقط نظيره ﴿قل الله﴾ أي: قل لهم يا محمد الله ﴿أسرع مكراً﴾ منكم، أي: أعجل عقوبة وأشدّ أخذاً وأقدر على الجزاء. ومعنى الوصف بالأسرعية: أنه قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم والمكر إخفاء الكيد وهو من الله تعالى، أمّا الاستدراج أو الجزاء على المكر، فإنهم لما قابلوا نعمة الله بالمكر قابل مكرهم بأشد منه، وهو إمهالهم إلى يوم القيامة. ﴿إن رسلنا﴾ أي: الحفظة الكرام الكاتبين ﴿يكتبون ما تمكرون﴾ لأنهم وكلوا بكم قبل كونكم نطفاً، ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما تفعلونه، ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه، وأمّا هو فإنه إذا قضى قضاء لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا بإطلاعه فكيف بغيرهم، وإذا تبين أنه عالم بأمورهم وهم جاهلون بأموره علم أنه لا يدعهم يدبرون كيداً إلا وقد سبب له ما يجعله في نحورهم، وقرأ أبو عمرو بسكون السين والباقون بالرفع، ثم أخذ يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في
стр. 668
الآية قبلها؛ لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح، يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي فقال:
﴿هو الذي يسيركم﴾ أي: يحملكم على السير في كل وقت تسيرون فيه لا تقدرون على الإنفكاك عنه ويمكنكم منه، ﴿في البرّ والبحر﴾ أي: يسبب لكم أسباباً توجب سيركم فيهما. وقرأ ابن عامر بعد الياء الأولى بنون ساكنة بعدها شين معجمة مضمومة، والباقون بسين مهملة مفتوحة بعدها ياء مكسورة مشدّدة، ولما كان العطب بسير البحر أظهر مع أنَّ السير فيه من أكبر الآيات وأوضح البينات بيّنه معرضاً عن ذكر البر بقوله تعالى:
﴿حتى إذا كنتم﴾ أي: كوناً لا براح لكم منه. ﴿في الفلك﴾ أي: السفن، فإن قيل: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر مع أنَّ الكون في الفلك متقدّم لا محالة على التسيير في البحر؟ أجيب: بأنه لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير، بل تقدير الكلام كأنه قيل: هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا، ولفظ الفلك يطلق على الواحد وعلى الجمع، فإن أريد الواحد كان كبناء قفل، أو الجمع كان كبناء حمر، والمراد هنا: الجمع لقوله تعالى: ﴿وجرين بهم﴾ أي: بمن فيها، وعدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح والالتفات في الكلام عن الغيبة إلى الحضور والعكس في فصيح كلام العرب. ﴿بريح طيبة﴾ أي: لينة الهبوب. ﴿وفرحوا بها﴾ أي: بتلك الريح وبالفلك الجارية بها، وقوله تعالى: ﴿جاءتها﴾ جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة بمعنى تلقتها ﴿ريح عاصف﴾ أي: شديدة الهبوب فأزعجت سفينتهم وأساءتهم ﴿وجاءهم الموج﴾ أي: وجاء ركاب السفينة الموج وهو ما ارتفع وعلا من ضراب الماء في البحر. وقيل: هو شدّة حركة الماء واختلاطه. ﴿من كل مكان﴾ أي: يعتاد مجيء الموج منه فأرجف قلوبهم. ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾ أي: فظنوا أنَّ الهلاك قد أحاط بهم وسدت عليهم مسالك الخلاص، كمن أحاط بهم العدوّ ﴿دعوا الله مخلصين﴾ أي: من غير اشتراك به ﴿له الدين﴾ أي: الدعاء؛ لأنهم لا
يدعون حينئذٍ غيره؛ لأنَّ الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته ويصير منقطعاً عن جميع الخلق، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعاً إلى الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿لئن أنجيتنا من هذه﴾ الشدائد التي نحن فيها وهي الريح العاصفة والأمواج الشديدة ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ على إرادة القول أو مفعول دعوا؛ لأنه من جملة القول، أي: لنكونن من الشاكرين لك بالإيمان والطاعة على إنعامك علينا بانجائنا مما نحن فيه من هذه الشدّة.
﴿فلما أنجاهم﴾ أي: هؤلاء الذين ظنوا أنهم أحيط بهم من الشدّة التي كانوا فيها إجابة لدعائهم ﴿إذا هم يبغون﴾ أي: فأجاؤوا الفساد وسارعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي ﴿في الأرض﴾ أي: جنسها ﴿بغير الحق﴾ .
فإن قيل: البغي لا يكون بحق فما معنى قوله بغير؟ أجيب: بأنه قد يكون بحقًّ كاستيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم، وإحراق زروعهم، وقطع أشجارهم، كما فعل ﷺ ببني قريظة، فإنّ ذلك إفساد بحق. قال صاحب «المفردات» : البغي على ضربين: أحدهما: غير محمود وهو مجاوزة الحق إلى الباطل وإلى الشبهة، والآخر: كفعل المسلمين ما ذكر ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم﴾ أي: ظلمكم ﴿على أنفسكم﴾
стр. 669
يعود وباله عليها خاصة. قال ﷺ «أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة» . وروي «ثنتان يعجلهما الله تعالى في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين» . وعن ابن عباس: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي. وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه:
*يا صاحب البغي إنّ البغي مصرعة ... فاربع فخير فعال المرء أعدله
*فلو بغى جبل يوماً على جبل ... لاندك منه أعاليه وأسفله
وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر. وعلى تقدير الانتفاع بالبغي هو عرض زائل كما قال تعالى: ﴿متاع الحياة الدنيا﴾ أي: لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قليلة، وهي مدّة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها. ﴿ثم إلينا﴾ بعد البعث ﴿مرجعكم﴾ في القيامة ﴿فننبئكم﴾ أي: فنخبركم ﴿بما كنتم تعملون﴾ في الدنيا من البغي والمعاصي فنجازيكم عليها. وقرأ حفص متاع بنصب العين على أنه مصدر مؤكد، أي: تتمتعون متاع الحياة الدنيا، والباقون بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: ذلك متاع الحياة الدنيا وعلى أنفسكم خبر بغيكم. ولما قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا﴾ أتبعه بمثل عجيب ضربه لمن يبغي في الأرض، ويغتر بالدنيا، ويشتدّ تمسكه بها، ويقوى إعراضه عن أمر الآخرة، والتأهب لها، بقوله تعالى:
﴿إنما مثل الحياة الدنيا﴾ أي: حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها. والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأوّل ﴿كماء أنزلناه﴾ وحقق أمره وبينه بقوله تعالى: ﴿من السماء فاختلط به﴾ أي: بسببه ﴿نبات الأرض﴾ أي: اشتبك بعضه ببعض، والاختلاط: تداخل الأشياء بعضها في بعض ﴿مما يأكل الناس﴾ من الحبوب والثمار ونحو ذلك ﴿و﴾ مما يأكل ﴿الأنعام﴾ من الحشيش ونحوه ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ أي: حسنها وبهجتها من النبات ﴿وازينت﴾ بإظهار ألوان زهرها من أبيض وأصفر وأحمر وغيرذلك من الزهور، كالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين، وأصل ازينت تزينت أبدلت التاء زاياً وأدغمت في الزاي ﴿وظنّ أهلها﴾ أي: أهل تلك الأرض ﴿أنهم قادرون عليها﴾ أي: متمكنون من تحصيل جذاذها وحصادها ﴿أتاها أمرنا﴾ أي: قضاؤنا من البرد والحرّ المفرط أو غيره ﴿ليلاً أو نهاراً﴾ أي: في الليل أو في النهار ﴿فجعلناها﴾ أي: زرعها ﴿حصيداً﴾ أي: كالمحصود بالمناجل. وقوله تعالى: ﴿كأن﴾ مخففة، أي: كأنها ﴿لم تغن﴾ أي: لم تكن ﴿بالأمس﴾ تلك الزروع والأشجار قائمة على ظهر الأرض، وحذف المضاف من فجعلناها ومن كأن لم تغن للمبالغة.
تنبيه: تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوهاً:
الأوّل أنّ عاقبة هذه الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأنّ الغالب أنّ المتمسك بالدنيا إذا وضع قلبه عليها وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت، وهو معنى قوله تعالى: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ (الأنعام، ٤٤) أي: خاسرون الدنيا، وقد أنفقوا أعمارهم فيها، وخاسرون من الآخرة مع أنهم توجهوا إليها.
الثاني: أنه تعالى بيّن
стр. 670
أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة محمودة فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد، مع أنَّ المنافع التي تحصل فيها مخلوطة بالمضار والمتاعب، فإنَّ سعادة الدنيا غير خالصة من الآفات، بل هي ممزوجة بالبليات، والاستقراء يدل عليه، ولذلك قال ﷺ «من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق. فقيل: يا رسول الله، وما هو؟ قال: سرور يوم بتمامه» . الثالث: أن مالك ذلك البستان لما عمره بإتعاب النفس، وكد الروح، وعلق قلبه على الانتفاع به، فإذا حصل ذلك السبب المهلك صار العناء الشديد الذي تحمّله في الماضي سبباً لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات، فكذا حال من وضع قلبه على الدنيا، وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات وفاته كل ما فات صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا سبباً لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة. ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا التفصيل الذي ذكرناه ﴿نفصل الآيات﴾ أي: نبينها ﴿لقوم يتفكرون﴾ لأنهم المنتفعون بها، ولما نفّر تعالى الغافلين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبّهم في الآخرة بقوله تعالى:
﴿والله يدعو﴾ أي: يعلق دعاءه على سبيل التجدّد والاستمرار بالمدعوين ﴿إلى دار السلام﴾ . قال قتادة: السلام هو الله، وداره الجنة، وسمي بالسلام؛ لأنه واجب الوجود لذاته، فقد سلم من الفناء والتغير، وسلم من احتياجه في ذاته وصفاته، ومن الافتقار إلى الغير، وهذه الصفة ليست إلا له سبحانه كما قال تعالى: ﴿والله الغني وأنتم الفقراء﴾ (محمد، ٣٨)
وقال تعالى: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾ (فاطر، ١٥)
. وقيل: السلام بمعنى السلامة. وقيل: المراد بالسلام الجنة، سميت الجنة دار السلام؛ لأنّ أهلها يحيِّي بعضهم بعضاً بالسلام، والملائكة تسلم عليهم. قال الله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ (الرعد، ٣٢، ٢٤)
ومن كمال رحمته وجوده وكرمه على عباده أن دعاهم إلى الجنة التي هي دار السلام، وفيه دليل على أنّ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ لأنّ العظيم لا يدعو إلا إلى عظيم، ولا يصف إلا عظيماً. وقد وصف الله تعالى الجنة في آيات كثيرة من كتابه. وعن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبيِّ ﷺ وهو نائم فقالوا: إنّ صاحبكم هذا مثله كمثل رجل بنى داراً، وجعل فيها مائدة، وبعث داعياً فمن أجب الداعي دخل الدار، وأكل من المائدة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المائدة، والدار الجنة، والداعي محمد ﷺ ﴿و﴾ الله ﴿يهدي من يشاء﴾ من عباده بما يخلق في قلبه من الهداية ﴿إلى صرط مستقيم﴾ وهو دين الإسلام، عمّ بالدعوة أوّلا إظهاراً للحجة، وخص بالهداية ثانياً إظهاراً للقدرة؛ لأنَّ الحكم له في خلقه. وقال الجنيد: الدعوة عامة، والهداية خاصة، بل الهداية عامة والصحبة خاصة، بل الصحبة عامة والاتصال خاص. وقيل: يدعو بالآيات، ويهدي للحقائق والمعارف. وقيل: الدعوة لله والهداية من الله. وقال بعضهم: لا تنفع الدعوة لمن لم يسبق له من الله الهداية.
﴿للذين أحسنوا﴾ أي: بالإيمان ﴿الحسنى﴾ وهي الجنة ﴿وزيادة﴾ وهي النظر إليه تعالى في الآخرة، كما في الحديث الصحيح: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن يا أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فو الله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم منه» . والزمخشري في «كشافه» قال في هذا: وزعمت المشبهة والمجبرة؛ لأنّ المعتزلة ينكرون
стр. 671
الرؤية، ويُردّ عليهم قول الله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (القيامة، ٢٢، ٢٣) فأثبت الله لأهل الجنة أمرين أحدهما: النضارة وهي حسن الوجوه، وذلك من نعيم الجنة. والثاني: النظر إلى الله تعالى. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الحسنى الحسنة، والزيادة عشرة أمثالها. وعن الحسن عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وعن مجاهد: الزيادة مغفرة من الله ورضوان. وعن يزيد بن شجرة: الزيادة أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم، فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم، ولا مانع من أن تفسر الزيادة بذلك كله؛ إذ لا تنافي فيها والفضل واسع. ﴿ولا يرهق﴾ أي: يغشى ﴿وجوههم قتر﴾ أي: سواد ﴿ولا ذلة﴾ أي: كآبة وكسوف يظهر منه الانكسار والهوان. ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء الذين وصفهم الله هم ﴿أصحاب الجنة﴾ وقوله تعالى: ﴿هم فيها خالدون﴾ إشارة إلى كونها دائمة آمنة من الانقطاع ولا زوال فيها ولا انقراض، بخلاف الدنيا وزخارفها. ولما بين تعالى حال الفضل فيمن أحسن بيّن حال العدل فيمن أساء بقوله تعالى:
﴿والذين كسبوا السيئات﴾ أي: الشرك ﴿جزاء سيئة﴾ منهم ﴿بمثلها﴾ بعدل الله من غير زيادة، وفي ذلك إشارة إلى الفرق بين السيئات والحسنات؛ لأنَّ الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحد إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة تفضلاً منه تعالى وتكرّماً. وأما السيئة فإنه يجازي عليها بمثلها عدلاً منه تعالى ﴿وترهقهم﴾ أي: تغشاهم ﴿ذلة﴾ عكس أهل الجنة ﴿ما لهم من الله من عاصم﴾ أي: مانع يمنعهم من عذاب الله إذا نزل بهم ﴿كأنما أغشيت﴾ أي: ألبست ﴿وجوههم قطعاً من الليل مظلماً﴾ لفرط سوادها وظلمتها. وقرأ ابن كثير والكسائي بسكون الطاء، أي: جزء، والباقون بفتحها جمع قطعة، أي: أجزاء ﴿أولئك﴾ أي: هؤلاء الأشقياء ﴿أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ لا يتمكنون من مفارقتها.
﴿و﴾ اذكر ﴿يوم نحشرهم﴾ أي: الفريقين الناجين والهالكين، العابدين منهم والمعبودين، من كل جانب وناحية إلى موقف الحساب حال كونهم ﴿جميعاً﴾ لا يتخلف منهم أحد وهو يوم القيامة والحشر الجمع بكره إلى موقف واحد ﴿ثم نقول للذين أشركوا مكانكم﴾ أي: الزموا مكانكم لا تبرحوا منه حتى تنظروا ما يفعل بكم، وقوله تعالى: ﴿أنتم﴾ تأكيد للضمير المستتر في الفعل المقدّر ليعطف عليه ﴿وشركاؤكم﴾ أي: من كنتم تعبدونه من دون الله ﴿فزيلنا﴾ أي: فرّقنا ﴿بينهم﴾ أي: بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك حين تبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده، وقيل: فرّقنا بينهم وبين المؤمنين كما في آية ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ (يس، ٥٩) والأوّل أنسب بقوله تعالى: ﴿وقال شركاؤهم﴾ لهؤلاء المشركين ﴿ما كنتم إيانا تعبدون﴾ أي: إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أنداداً فأطعتموهم، واختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء. فقال بعضهم: الملائكة واستشهدوا بقوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ (سبأ، ٤٠) . ومنهم من قال: هي الأصنام، والدليل عليه: أنّ هذا الخطاب مشتمل على الوعيد والتهديد، وذلك لا يليق بالملائكة المقرّبين، وسموا شركاء؛ لأنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فصيروهم شركاء لأنفسهم في تلك الأموال، ثم اختلفوا في هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام فقال بعضهم: إنّ الله تعالى خلق الحياة والعقل
стр. 672
والنطق فيها فقدرت على ذكر هذا الكلام. وقال آخرون: إنّ الله تعالى خلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى سمع منها ذلك الكلام. والأوّل أظهر؛ لأنّ ظاهر قوله تعالى: ﴿وقال شركاؤهم﴾ يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هو الشركاء.
فإن قيل: إذا أحياها الله تعالى هل يبقيها أو يفنيها؟ أجيب: بأنَّ الكل محتمل فإنّ الله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء، وأحوال القيامة غير معلومة إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن وعلى لسان أنبيائه. وقال بعضهم: المراد بهؤلاء الشركاء كل من عبد من دون الله من إنس وملك وجنّ وشمس وقمر وصنم، وهذا أظهر، وعلى هذا والأوّل سموا شركاء؛ لأنّ الله تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله تعالى: ﴿مكانكم﴾ صاروا شركاء في هذا الخطاب، ولما قال لهم شركاؤهم ذلك قالوا بل كنا نعبدكم فقال: ﴿شركاؤهم﴾ .
﴿فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم﴾ فإنّه تعالى العالم بكنه الحال. ﴿إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ أي: لم نأمر بها ولم نعلم بها، وعلى القول بأنها الأصنام فتقول: ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل، فإنها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور البتة.
تنبيه: إن هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين الخفيفة والنافية. ﴿هنالك﴾ أي: في ذلك الموقف من المكان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال ﴿تبلو﴾ أي: تختبر ﴿كل نفس﴾ طائعة وعاصية ﴿ما أسلفت﴾ أي: ما قدّمت من عمل فتعاين نفعه وضرّه يؤدّي إلى سعادة أو شقاوة. وقرأ حمزة والكسائي بتاءين من التلاوة، أي: تقرأ ذكر ما قدّمت أو من التلو فيتبع كل شخص عمله فيقوده إلى الجنة والنار والباقون بعد التاء باء موحدة من البلوى وهو الاختبار ﴿وردّوا إلى الله﴾ أي: إلى جزائه إياهم عما أسلفوا فلم يكن لهم قدرة على قصد غيره. ﴿مولاهم الحق﴾ أي: ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة ولا التفات إلى سواه من تلك الأباطيل، بل انقطع رجاؤهم من كل ما يدعونه في الدنيا وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وضلّ عنهم﴾ أي: ذهب وبطل وضاع. ﴿ما كانوا يفترون﴾ أي: يتعمدون كذبه من أنّ معبوداتهم شركاء، وتيقنوا في ذلك المقام أن توليهم لغير الله كان باطلاً غير حق. ولما بيّن فضائح عبدة الأوثان أتبعها بذكر الدلائل على فساد هذا المذهب بحجج:
الحجة الأولى: قوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿من يرزقكم من السماء﴾ بالمطر ﴿والأرض﴾ بالنبات فانحصر الرزق في ذلك، أما من السماء فبتنزل الأمطار، وأما من الأرض فلأن الغذاء إما أن يكون نباتاً أو حيواناً، أما النبات فلا ينبت إلا من الأرض، وأما الحيوان فهو يحتاج أيضاً إلى الغذاء، ولا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حيواناً آخر، وإلا لزم الذهاب إلى ما لا نهاية له، وذلك محال فثبت أنّ أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات، وثبت أن تولد النبات من الأرض، فثبت القطع بأنّ الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض ﴿أمّن يملك السمع﴾ أي: الأسماع ﴿والأبصار﴾ أي: من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحدّ الذي سوّياً عليه من الفطرة العجيبة. عن علي رضي الله تعالى عنه كان يقول: سبحان من بصر بشحم وأسمع بعظم وأنطق بلحم، أو جمعهما وحفظهما من الآفات مع كثرتها في المدد الطوال وهما لطيفان يؤذيهما أدنى شيء بكلائه وحفظه ﴿ومن يخرج الحيّ من الميت﴾ كأن يخرج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة ﴿ويخرج الميت من
стр. 673
الحيّ﴾ كأن يخرج النطفة من الإنسان والبيضة من الطائر. وقيل: المراد أن يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي ميت في الموضعين بعد الميم بكسر الياء المشدّدة، والباقون بعد الميم بسكون الياء. ﴿ومن يدبر الأمر﴾ أي: ومن يلي تدبير أمر الخلائق، وهو تعميم بعد تخصيص، وذلك لأنَّ أقسام تدبير الله تعالى في العالم السفلي وفي العالم العلوي وفي عالم الأرواح والأجساد أمور لا نهاية لها. وذكر كلها كالمتعذر، فلما ذكر بعض تلك الأفاصيل عقبها بالكلام الكلي ليدل على الباقي ثم بيّن تعالى أنَّ الرسول ﷺ إذا سألهم عن مدبر هذه الأحوال ﴿فسيقولون الله﴾ إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه، وإذا كانوا يقرّون بذلك ﴿فقل﴾ لهم يا محمد ﴿أفلا تتقون﴾ الشرك مع
اعترافكم بأنّ
كل الخيرات في الدنيا والآخرة إنما تحصل بفضل الله تعالى وإحسانه.
﴿فذالكم الله ربكم الحق﴾ أي: الثابت ربوبيته ثباتاً لا ريب فيه، وإذا ثبت أنّ هذا هو الحق وجب أن يكون ما سواه ضلالاً؛ لأنَّ النقيضين يمتنع أن يكونا حقين، وأن يكونا باطلين، فإذا كان أحدهما حقاً وجب أن يكون ما سواه باطلاً، كما قال تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ إذ لا واسطة بينهما فهو استفهام تقرير، أي: ليس بعده غيره فمن أخطأ الحق وهو عبادة الله تعالى وقع في الضلال، ولذلك سبب عنه قوله تعالى: ﴿فأنّى﴾ أي: فكيف ومن، أي: جهة ﴿تصرفون﴾ أي: تعدلون عن عبادته وأنتم تقرّون بأنّ الله هو الحق.
﴿كذلك﴾ أي: كما حقت الربوبية لله تعالى أو أنّ الحق بعده الضلال، أو أنهم مصروفون عن الحق ﴿حقت كلمة ربك﴾ في الأزل ﴿على الذين فسقوا﴾ أي: تمرّدوا في كفرهم وخرجوا عن حدّ الاستصلاح. وقوله تعالى: ﴿أنهم لا يؤمنون﴾ بدل من الكلمة، أي: حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله منهم ذلك والمراد بكلمة الله العدة بالعذاب، وهو ﴿لأملأن جهنم﴾ (الأعراف، ١٨) الآية، وأنهم لا يؤمنون تعليل بمعنى لأنهم لا يؤمنون، أو ذلك تفسير لكلمته التي حقت. وقرأ نافع وابن عامر كلمة بالألف بعد الميم على الجمع، والباقون بغير الألف بعد الميم على الإفراد.
الحجة الثانية: قوله تعالى:
﴿قل﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء ﴿هل من شركائكم﴾ الذين زعمتموهم شركاء وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم وزرعكم ﴿من يبدأ الخلق﴾ كما بدأ به ليصح لكم ما ادّعيتم من الشركة ﴿ثم يعيده﴾ كما كان. فإن قيل: هم غير معترفين بالإعادة فكيف احتج عليهم تعالى بها كالابتداء في الإلزام بها؟ أجيب: بأنها لظهور برهانها وإن لم يقروا بها وضعت موضع ما إن دفعه دافع كان مكابراً رادّاً للظاهر البيّن الذي لا مدخل للشبهة فيه دلالة على أنهم في إنكارهم لها منكرون أمراً مسلماً معترفاً بصحته عند العقلاء. ولذلك أمر رسول الله ﷺ أن ينوب عنهم في الجواب بقوله تعالى: ﴿قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ لأنّ لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها ﴿فأنى﴾ أي: فكيف ﴿تؤفكون﴾ عن عبادته مع قيام الدلائل. فإن قيل: ما الفائدة في ذكر هذه الحجة على سبيل السؤال والاستفهام؟ أجيب: بأنّ الكلام إذا كان ظاهراً جلياً ثم ذكر على سبيل الاستفهام كان ذلك أبلغ وأوقع في القلب.
الحجة الثالثة: قوله تعالى ﴿قل﴾ أي: قل يا محمد لهم ﴿هل من شركائكم من يهدي إلى الحق﴾ بنصب الحجج، وخلق الاهتداء، وإرسال الرسل، ولما كانوا
стр. 674
جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يجيب بقوله تعالى: ﴿قل الله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يهدي للحق﴾ من يشاء لا أحداً ممن زعمتموه شركاء، فالاشتغال بشيء منها بعبادة أو غيرها جهل محض. قال الزجاج: يقال هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد. فالله تعالى ذكر هاتين اللغتين في قوله تعالى: ﴿من يهدي إلى الحق﴾ وفي قوله تعالى: ﴿قل الله يهدي للحق﴾ وقوله تعالى: ﴿أفمن يهدي إلى الحق﴾ أي: وهو الله تعالى ﴿أحق أن يتبع أمّن لا يهدي﴾ أي: يهتدي ﴿إلا أن يهدى﴾ أحق أن يتبع استفهام تقرير وتوبيخ، أي: الأوّل أحق ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾ هذا الحكم الفاسد من اتباع من لا يستحق الاتباع، وقوله تعالى:
﴿وما يتبع أكثرهم﴾ في تفسيره وجهان الأوّل: وما يتبع أكثرهم في إقرارهم بالله تعالى. ﴿إلا ظناً﴾ لأنه قول غير مستند إلى برهان عندهم بل سمعوه من أسلافهم. الثاني: وما يتبع أكثرهم إلا ظناً في قولهم للأصنام آلهة، وإنها شفعاء عند الله تعالى إلا الظنّ، حيث قلدوا فيه آباءهم. قال الرازي: والقول الأول أقوى لأنا في القول الثاني نحتاج إلى تفسير الأكثر بالكل ﴿إنَّ الظنّ لا يغني من الحق﴾ فيما المطلوب فيه العلم ﴿شيئاً﴾ من الإغناء، فدلت هذه الآية على أنَّ كل من كان ظاناً في مسائل الأصول، وما كان قاطعاً لا يكون مؤمناً. فإن قيل: فقول أهل السنة: أنا مؤمن إن شاء الله يمنع من القطع فوجب أن يلزمهم الكفر أجاب الرزاي: بأنَّ هذا ضعيف من وجوه: الأوّل: أنَّ مذهب الشافعيّ رضي الله تعالى عنه أنَّ الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، فالشك حاصل في أنّ هذه الأعمال هل هي موافقة لأمر الله تعالى والشك في أحد أجزاء الماهية لا يوجب الشك في تمام الماهية. الثاني: أنّ الغرض من قوله إن شاء الله تعالى بقاء الإيمان عند الخاتمة.
الثالث: الغرض هضم النفس وكسرها. ﴿إنَّ الله عليم﴾ أي: بالغ العلم ﴿بما يفعلون﴾ أي: من اتباعهم الظنّ، وتكذيبهم الحق اليقين، فيجازيهم عليه. وقوله تعالى:
﴿وما كان﴾ عطف على قوله: ﴿ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾ إلخ فهو حينئذٍ مقول القول، أي: قل لهم ذلك الكلام. ﴿هذا القرآن﴾ أي: الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة المعجزة لجميع الخلق ﴿أن يفترى﴾ أي: افتراء ﴿من دون الله﴾ أي: غيره؛ لأنّ المفترى هو الذي تأتي به البشر، وكفار مكة زعموا أنّ محمداً ﷺ أتى بهذا من عند نفسه، فأخبر الله تعالى أنّ هذا القرآن وحي أنزله عليه وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب وأنه لا يقدر عليه أحد إلا الله، ثم ذكر هذا بقوله تعالى: ﴿ولكن﴾ أنزل ﴿تصديق الذي بين يديه﴾ أي: قبله من الكتب الذي أنزلها على أنبيائه كالتوراة والانجيل، فثبت بذلك أنه وحي من الله أنزله على نبيه ﷺ وأنه معجزة له فإنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجتمع بأحد من العلماء، ثم أنه ﷺ أتى بهذا القرآن العظيم المعجز، وفيه أخبار الأوّلين وقصص الماضين، وقيل تصديق الذي القرآن بين يديه من القيامة والبعث. ﴿وتفصيل الكتاب﴾ أي: تبيين ما كتب الله من الأحكام وغيرها ﴿لا ريب﴾ أي: لا شك ﴿فيه﴾ . وقوله تعالى: ﴿من رب العالمين﴾ متعلق بتصديق أو بأنزل المحذوف.
﴿أم﴾ أي: بل ﴿يقولون افتراه﴾ أي: اختلقه محمد، ومعنى الهمزة فيه للإنكار
стр. 675
﴿قل﴾ أي: قل لهم يا محمد إن كان الأمر كما تقولون ﴿فأتوا بسورة مثله﴾ في الفصاحة والبلاغة وحسن النظم، فأنتم عرب مثله في البلاغة والفطنة. فإن قيل: هل يتناول ذلك جميع السور الصغار والكبار أو يختص بالسور الكبار؟ أجيب: بأنّ هذه الآية في سورة يونس وهي مكية، فيكون المراد مثل هذه السورة؛ لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه، هكذا أجاب الرازي، والأولى التناول لجميع السور؛ فإنهم لا يقدرون أن يأتوا بأقصر سورة. فإن قيل: لم قال في البقرة ﴿بسورة من مثله﴾ (البقرة، ٢٣) وهنا ﴿بسورة مثله﴾ ؟ أجيب: بأنه ﷺ لم يقرأ ولم يكتب ولم يتتلمذ لأحد فقيل في سورة البقرة: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ بناء على أنّ الضمير يرجع للنبيّ ﷺ أي: فليأت إنسان يساوي محمداً ﷺ في عدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز، فهذا لا يدل على أنّ السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد ﷺ في عدم التعلم والتتلمذ معجز. ثم بيّن تعالى في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجزة فإنّ الخلق وإن تتلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وادعوا من استطعتم﴾ أي: فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به ﴿من دون الله﴾ أي: غيره؛ فإنه تعالى وحده قادر على ذلك ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: في أني أتيت به من عندي؛ لأنَّ العاقل لا يجزم بشيء إلا إذا كان عنده منه مخرج وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر باهر.
تنبيه: مراتب تحدّي رسول الله ﷺ بالقرآن ستة: أوّلها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ (الإسراء، ٨٨) . ثانيها: أنه تحدّاهم بعشر سور فقال تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ (هود، ٣٢) . ثالثها: أنه تحدّاهم بسورة واحدة كما قال تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ (البقرة، ٢٣) . رابعها: أنه تحدّاهم بحديث مثله. خامسها: أن في تلك المراتب الأربعة كان يطلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل يساوي رسول الله ﷺ في عدم التلمذة والتعلم، ثم في هذه السورة طلب منهم معارضة سورة واحدة من أي: إنسان سواء تعلم العلوم أم لم يتعلمها. سادسها: أنّ في المراتب المتقدّمة تحدي واحد من الخلق، وفي هذه المرتبة تحدى جميعهم، وجوز أن يستعين البعض بالبعض في الاتيان بهذه المعارضة، كما قال تعالى: ﴿وادعوا من استطعتم من دون الله﴾ وههنا آخر المراتب فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله تعالى في إثبات أنّ القرآن معجز، ثم إنَّ الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن فقال تعالى:
﴿بل كذبوا﴾ أي: أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك ﴿بما لم يحيطوا بعلمه﴾ أي: القرآن أوّل ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته من غير شبهة أصلاً بل عناداً وطغياناً ونفوراً مما يخالف دينهم، فهو من باب: مَنْ جَهِلَ شيئاً عاداه، والإحاطة إدارة ما هو كالحائط حول الشيء وإحاطة العلم بالشيء العلم به من جميع وجوهه ﴿ولما يأتهم﴾ أي: إلى زمن تكذيبهم ﴿تأويله﴾ أي: تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب وعاقبة ما فيه من الوعيد حتى يتبين لهم
стр. 676
أنه صدق أم كذب، ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرّر عليهم التحدي، فجربوا عقولهم في معارضته فصغرت وضعفت دونها، ومع هذا لم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً ﴿كذلك﴾ أي: مثل تكذيبهم هذا التكذيب العظيم في الشناعة قبل تدبر المعجزة ﴿كذب الذين من قبلهم﴾ أي: من كفار الأمم الماضية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم ﴿فانظر﴾ يا محمد ﴿كيف كان عاقبة الظالمين﴾ بتكذيب الرسل، أي: آخر أمرهم من الهلاك، فكذلك يهلك من كذبك من قومك، وفي ذلك تسلية للنبيّ ﷺ ويحتمل أن يكون الخطاب لكل فرد من الناس، والمعنى: فانظر أيها الإنسان كيف كان عاقبة من ظلم، فاحذر أن تفعل مثل فعله.
﴿ومنهم﴾ أي: من قومك يا محمد، ﴿من يؤمن به﴾ أي: القرآن، أي: يصدق به في نفسه، ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند بالتكذيب ﴿ومنهم من لا يؤمن به﴾ في نفسه لغباوته وقلة تدبره، أو منهم من يؤمن به في المستقبل بأن يتوب عن الكفر ويبدله بالإيمان، ومنهم من يصر ويستمرّ على الكفر، وإنما فسرت هذه الآية بهذين التأويلين؛ لأنّ كلمة يؤمن تصلح للحال والاستقبال ﴿وربك أعلم بالمفسدين﴾ أي: المعاندين على التفسير الأوّل، والمصرين على التفسير الثاني، وفي ذلك تهديد لهم.
﴿وإن كذبوك﴾ أي: وإن كذبوك يا محمد بعد الزام الحجة ﴿فقل﴾ لهم ﴿لي عملي﴾ من الطاعة وجزاء ثوابها ﴿ولكم عملكم﴾ من الشرك وجزاء عقابه، أي: فتبرأ منهم فقد أعذرت، والمعنى: لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقاً كان أو باطلاً. ﴿أنتم بريؤن مما أعمل وأنا برئ مما تعملون﴾ لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم. واختلف في معنى ذلك فقيل: معنى الآية الزجر والردع. وقيل: بل معناه استمالة قلوبهم. وقال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الرازي: وهذا بعيد؛ لأنّ شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا يقتضي حرمة القتال، وآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، فكان القول بالنسخ باطلاً انتهى. ولا تنبغي هذه المبالغة مع مثل من ذكر، وقد تبعهما جماعة من المفسرين.
ولما قسم تعالى الكفار قسمين: منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به قسم من لا يؤمن به قسمين: منهم من يكون في نهاية البغض له والعداوة له ونهاية النفرة عن قبول دينه، ومنهم من لا يكون، كذلك، فوصف القسم الأول في قوله تعالى: ﴿ومنهم﴾ أي: من هؤلاء المشركين، ﴿من يستمعون إليك﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع بأسماعهم الظاهرة، ولا ينفعهم لشدّة عداوتهم وبغضهم لك، فإن الإنسان إذا قوي بغضه لآخر وعظمت نفرته منه صارت نفسه معرضة عن جميع جهات محاسن كلامه ﴿أفأنت تسمع الصم﴾ أي: أتقدر على إسماعهم ﴿ولو كانوا﴾ مع الصمم ﴿لا يعقلون﴾ أي: لأنّ الأصمّ العاقل ربما تفرس واستدل إذا وقع في صماخه دويّ الصوت، فإذا اجتمع سلب السمع والعقل جميعاً فقد تم الأمر، فكما أنك لا تقدر على إسماع الأصم الذي لا يعقل لا تقدر على إسماع من أصم الله تعالى قلبه، فإنَّ الله تعالى صرف قلوبهم عن الانتفاع بما يستمعون ولم يوفقهم لذلك، فشبههم بالصم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم، ثم وصف القسم الثاني في قوله تعالى:
﴿ومنهم من ينظرون
стр. 677
إليك﴾ أي: يعاينون دلائل نبوّتك ولا يصدّقونك ﴿أفأنت تهدي العمي﴾ أي: أتقدر على هدايتهم ﴿ولو كانوا﴾ مع العمى ﴿لا يبصرون﴾ أي: لا بصيرة لهم؛ لأنَّ الأعمى الذي في قلبه بصيرة قد يحدس ويتظنن، فأمّا العمى مع الحمق فجهد البلاء، فلا تقدر على هداية من أعمى الله بصيرته، فهؤلاء في اليأس من أن يقبلوا أو يصدقوا كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر، فلا يقدر على إسماعهم وهدايتهم إلا الله تعالى.
تنبيه: اختلف في أنّ السمع أفضل أو البصر فمنهم من قال: السمع، واحتج على ذلك بأمور منها تقدّمه في الآية، ومنها: أنّ القوة السامعة تدرك المسموع من جميع الجوانب، والقوّة الباصرة لا تدرك المرئيّ إلا من جهة واحدة، وهي المقابل، ومنها: أنّ الإنسان إنما يستفيد العلم من التعلم من الأستاذ، وذلك لا يكون إلا بقوة السمع، فاستكمال النفس بالكمالات العلمية لا يحصل إلا بقوة السمع. ومنها: أنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يراهم الناس ويسمعون كلامهم، فنبوّتهم ما حصلت بسبب ما معهم من الصفات المرئية، وإنما حصلت بسبب ما معهم من الأحوال المسموعة وهو الكلام وتبليغ الشرائع، وبيان الأحكام. ومنها: أنّ المعنى الذي يمتاز به الإنسان من سائر الحيوانات هو النطق بالكلام، وإنما ينتفع بذلك بالقوّة السامعة، فمتعلق السمع النطق الذي يحصل به شرف الإنسان، ومتعلق البصر إدراك الألوان والأشكال، وذلك أمر مشترك فيه بين الناس وبين سائر الحيوانات.
ومنهم من قال: البصر، واحتج بأمور منها: أن آلة القوّة الباصرة هي النور، وآلة القوّة السامعة هي الهواء، والنور أشرف من الهواء. ومنها: أنّ جمال الوجه يحصل بالبصر وبذهابه عيبه وذهاب السمع لا يورث الإنسان عيباً في جمال وجهه، والعرب تسمي: العينين الكريمتين، ولا تصف السمع بمثل هذا، وفي الحديث يقول الله تعالى: «من أذهبت كريمتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثواباً دون الجنة» . ومنها: أنهم قالوا في المثل المشهور: ليس وراء العيان بيان. وذلك يدل على أن أكمل وجوه الإدراكات هو الإبصار. ومنها: أنّ كثيراً من الأنبياء سمع الله، واختلفوا في أنه هل رآه منهم أحد أم لا؟ وأيضاً فإنّ موسى ﵇ أسمعه الله تعالى كلامه من غير سبق سؤال والتماس، فلما طلب الرؤية قال: لن تراني، وذلك يدل على أنَّ حال الرؤية أعلى من حال السماع، وهذا هو الظاهر. ولما حكم تعالى على أهل الشقاوة بالشقاوة بقضائه وقدره السابق فيهم أخبر تعالى أنّ تقدير الشقوة عليهم ما كان ظلماً منه بقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يظلم الناس شيئاً﴾ أي: لأنه تعالى في جميع أحواله متفضل وعادل، فيتصرّف في ملكه كيف يشاء والخلق كلهم عبيده، وكل من تصرّف في ملكه بالفضل والعدل لا يكون ظالماً، وإنما قال تعالى: ﴿ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾ لأنّ فعلهم منسوب إليهم بسبب الكسب وإن كان قد سبق قضاء الله تعالى وقدره فيهم، ففي ذلك دليل على أنّ للعبد كسباً وأنه ليس مسلوب الاختيار كما زعمت المجبرة. وقرأ حمزة والكسائي بكسر النون مخففة ورفع السين، والباقون بنصب النون مشدّدة ونصب السين.
ولما وصف تعالى هؤلاء الكفار بقلّة الإصغاء وترك التدبر أتبعه بالوعيد بقوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم﴾ أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المشركين لموقف الحساب، وأصل الحشر: إخراج الجماعة
стр. 678
وإزعاجهم عن مكانهم ﴿كأن﴾ أي: كأنهم ﴿لم يلبثوا﴾ في دنياهم. والجملة في موضع الحال من ضمير نحشرهم البارز، أي: مشبهين بمن لم يلبثوا ﴿إلا ساعة﴾ حقيرة ﴿من النهار﴾ أي: يستقصرون مدّة مكثهم في الدنيا وفي القبور لهول ما يرون ﴿يتعارفون بينهم﴾ أي: يعرف بعضهم بعضاً إذا بعثوا ثم ينقطع التعارف لشدّة الأهوال، والجملة حال مقدّرة متعلق الظرف، والتقدير: يتعارفون يوم نحشرهم. وقوله تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ أي: بالبعث. يحتمل وجهين: الأوّل: أن يكون على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، الثاني: أن يكون كلام الله تعالى، فيكون شهادة من الله تعالى عليهم بالخسران. والمعنى: أن من باع آخرته بالدنيا فقد خسر؛ لأنه أعطى الكثير الشريف الباقي وأخذ القليل الخسيس الفاني ﴿وما كانوا مهتدين﴾ أي: إلى رعاية مصالح التجارة، وذلك لأنهم اغتروا بالظاهر وغفلوا عن الحقيقة، فصاروا كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة شريفة فاشتراها بكل ما ملكه فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله ووقع في حرقة الروع وعذاب القلب. وقوله تعالى:
﴿وإمّا﴾ فيه إدغام إن الشرطية في ما الزائدة ﴿نرينّك﴾ يا محمد ﴿بعض الذي نعدهم﴾ به من العذاب في حياتك، وجواب الشرط محذوف، أي: فذاك ﴿أو نتوفّينّك﴾ قبل أن نريك ذلك الوعد في الدنيا فإنك ستراه في الآخرة وهو قوله تعالى: ﴿فإلينا﴾ بعد البعث ﴿مرجعهم﴾ فنريك هناك ما هو أقرّ لعينك وأسرّ لقلبك، وقوله تعالى: ﴿ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ فيه وعيد وتهديد لهم، أي: أنه تعالى شهيد على أفعالهم التي فعلوها في الدنيا فيجازيهم عليها يوم القيامة، ولما بيّن تعالى حال محمد ﷺ مع قومه بين أنّ حال كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم كذلك بقوله تعالى:
﴿ولكل أمة﴾ أي: من الأمم التي خلت من قبلك ﴿رسول﴾ يدعوهم إلى الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط﴾ فيه إضمار تقديره: فإذا جاء رسولهم وبلغهم ما أرسل به إليهم فكذبه قوم وصدقه آخرون، قضي، أي: حكم وفصل بينهم بالقسط، أي: بالعدل. وفي وقت هذا القضاء والحكم بينهم قولان: أحدهما أنه في الدنيا بأن يهلك الكافرين، وينجي رسوله والمؤمنين لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ (الإسراء، ١٥) والثاني في الآخرة: وذلك أنّ الله تعالى إذا جمع الأمم يوم القيامة للحساب والفصل بين المؤمن والكافر والطائع والعاصي جيء بالرسل لتشهد عليهم لقوله تعالى: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم﴾ (الزمر، ٦٩) والمراد منه: المبالغة في إظهار العدل وهو قوله تعالى: ﴿وهم لا يظلمون﴾ في جزاء أعمالهم شيئاً بل يجازى كل واحد على قدر عمله فكذلك يفعل بهؤلاء.
﴿ويقولون متى هذا الوعد﴾ الذي تعدنا به يا محمد من نزول العذاب ومن قيام الساعة وإنما قالوا ذلك على وجه التكذيب والاستبعاد ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي: فيما تعدونا به، وإنما قالوا بلفظ الجمع على سبيل التعظيم أو خطاب للنبيّ ﷺ والمؤمنين، وإن كان كل أمة قالوا لرسولها مثل ذلك وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿ولكل أمّة رسول﴾ قال الله تعالى:
﴿قل﴾ أي: قل لهم يا محمد ﴿لا أملك لنفسي ضرًّا﴾ من مرض أو فقر أدفعه ﴿ولا نفعاً﴾ من صحة أو غنىً أجلبه ﴿إلا ما شاء الله﴾ أن يقدرني عليه، فكيف أملك لكم حلول العذاب أوقيام
стр. 679
الساعة ولا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى ﴿لكل أمة أجل﴾ أي: مدّة مضروبة ﴿إذا جاء أجلهم﴾ أي: انقضت مدّة أعمارهم ﴿فلا يستأخرون﴾ أي: لا يتأخرون ﴿عنه ساعة﴾ ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها ﴿ولا يستقدمون﴾ أي: ولا يتقدّمون، أي: ولا يستعجلون؛ فإنّ الوفاء بالوعد لابدّ منه، والسين فيهما بمعنى الوجدان، أي: لا يوجد لهم المعنى الذي منع منه الفعل، ويجوز أن يكون المعنى لا يجدون التأخر ولا التقدّم وإن اجتهدوا في الطلب، فيكون في السين معنى الطلب. وتدلّ الآية على أنَ أحداً لا يموت إلا بانقضاء أجله، وكذا المقتول لا يقتل إلا على هذا الوجه. وقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى، وسهل ورش وقنبل الثانية وأبدلها أيضاً حرف مد، والباقون بالتحقيق. قال الله تعالى:
﴿قل﴾ أي: قل لهم يا محمد أيضاً ﴿أرأيتم إن أتاكم عذابه﴾ الذي تستعجلون به ﴿بياتاً﴾ أي: في الليل بغتة كما يفعل العدوّ ﴿أو نهاراً﴾ أي: وقت أنتم فيه تشتغلون بطلب المعاش والكسب ﴿ماذا﴾ أي: أيّ شيء ﴿يستعجل منه﴾ أي: من عذابه وعذاب كل مكروه لا يحتمل شيء منه ﴿المجرمون﴾ أي: المشركون، وضع المجرمون موضع المضمر للدّلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء الوعيد لا أن يستعجلوا، وجملة الاستفهام متعلقة بأرأيتم، وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
﴿أثمَّ إذا ما وقع﴾ أي: حل بكم ﴿آمنتم﴾ أي: آمنتم بالله أو العذاب وقت نزول العذاب وهو وقت اليأس، والهمزة لإنكار التأخير فلا يقبل منكم، وقوله تعالى: ﴿آلآن﴾ على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا وقت نزول العذاب آلآن ﴿وقد كنتم به تستعجلون﴾ تكذيباً واستهزاءً.
تنبيه: اتفق قالون مع ورش على النقل هنا، واتفق القراء كلهم على همزة الوصل التي بعد همزة الاستفهام إن فيها وجهين: وهما البدل والتسهيل. وقوله تعالى:
﴿ثم قيل للذين ظلموا﴾ عطف على قيل المقدّر، أي: من، أي: قائل كان استهانة بهم. وقرأ هشام والكسائي بإشمام القاف وهو أن تضم القاف قبل الياء، والباقون بالكسر ﴿ذوقوا عذاب الخلد﴾ أي: الذي تخلدون فيه، والاتيان بثم إشارة إلى تراخي ذلك عن الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن عذابه أدنى من عذاب يوم الدين ﴿هل﴾ أي: ما ﴿تجزون إلا بما كنتم تكسبون﴾ في الدنيا من الكفر والمعاصي ﴿ويستنبئونك﴾ أي: يستخبرونك يا محمد ﴿أحق هو﴾ أي: ما وعدتنا به من نزول العذاب وقيام الساعة وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء، قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة ﴿قل﴾ لهم في جوابهم ﴿إي وربي إنه لحق﴾ أي: كائن ثابت لا بدّ من نزوله بكم.
تنبيه: أي: بمعنى نعم وهو من لوازم القسم، ولذلك توصل بواوه في التصديق فيقال: إي والله، ولا ينطقون به وحده. ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي: بفائتين العذاب؛ لأن من عجز عن شيء فقد فاته.
﴿ولو أنّ لكل نفس ظلمت﴾ أي: أشركت ﴿ما في الأرض﴾ من الأموال ﴿لافتدت به﴾ من عذاب يوم القيامة ولم ينفعها الفداء لقوله تعالى ﴿ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ (البقرة، ٤٨) . ﴿وأسروا الندامة لما رأوا العذاب﴾ أي: حين عاينوه وأبصروه صاروا مبهوتين متحيرين فلم يطيقوا عنده بكاءً ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن ذهب به ليصلب؛ فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة. وقيل: إنهم أخلصوا لله في تلك الندامة،
стр. 680
ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم؛ لأنهم إنما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف، وقيل: المراد بالإسرار الإظهار، وهو من الأضداد؛ لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا فوجب الإظهار وليس هناك تخلد. فإن قيل: أسرّوا جاء على لفظ الماضي والقيامة من الأمور المستقبلة أجيب: بأنها لما كانت واجبة الوقوع جعل الله مستقبلها كالماضي. ﴿وقضي بينهم﴾ أي: بين الخلائق ﴿بالقسط﴾ أي: بالعدل ﴿وهم لا يظلمون﴾ .
فإن قيل: هذه الآية مكرّرة؟ أجيب: بأنّ الأولى في القضاء بين الأنبياء وتكذيبهم وهذه عامّة. وقيل: بين المؤمنين والكفار. وقيل: بين الرؤساء والأتباع، فإنّ الكفار وإن اشتركوا في العذاب فلا بدّ أن يقضي الله تعالى بينهم؛ لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب الباقين؛ لأنّ العدل يقتضي أن ينصف المظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا أن يخفف من عذاب المظلومين، ويثقل في عذاب الظالمين. وقوله تعالى:
u
﴿ألا إنّ لله ما في السموات والأرض﴾ تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب ﴿ألا إنّ وعد الله﴾ أي: ما وعد به على لسان نبيه ﷺ من البعث للجزاء ومن ثواب الطائع وعقاب العاصي ﴿حق﴾ لا شك فيه ﴿ولكنّ أكثرهم﴾ أي: الناس ﴿لا يعلمون﴾ أي: جاهلون عن حقيقة ذلك فهم باقون على الجهل معدودون مع البهائم لقصور عقلهم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا.
﴿هو﴾ أي: الذي يملك ما في السموات والأرض ﴿يحيي ويميت﴾ أي: قادر على الإحياء والإماتة لا يتعذر عليه شيء مما أراد ﴿وإليه ترجعون﴾ بعد الموت للجزاء وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس﴾ خطاب عامّ. وقيل: لأهل مكة ﴿قد جاءتكم موعظة من ربكم﴾ أي: كتاب فيه ما لكم وعليكم وهو القرآن ﴿وشفاء﴾ أي: دواء ﴿لما في الصدور﴾ أي: القلوب من داء الجهل؛ لأنّ داء الجهل أضرّ للقلب من المرض للبدن، وأمراض القلب هي الأخلاق الذميمة والعقائد الفاسدة والجهالات المهلكة، والقرآن مزيل لهذه الأمراض كلها؛ لأنّ فيه المواعظ والزواجر والتخويف والترغيب والترهيب والتحذير والتذكير، فهو الشفاء لهذه الأمراض القلبية، وإنما خص تعالى الصدر بالذكر؛ لأنه موضع القلب وغيره وهو أعز موضع في الإنسان لمكان القلب فيه ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿ورحمة﴾ أي: إكرام عظيم ﴿للمؤمنين﴾ لأنهم هم الذين انتفعوا به دون غيرهم. واختلف في تفسيره قوله تعالى:
﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ فقال مجاهد وقتادة: فضل الله: القرآن، ورحمته: ان جُعِلْنَا من أهله. وقال ابن عباس والحسن: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن. وعن أبيّ بن كعب أنّ رسول الله ﷺ تلا ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾ فقال: «بكتاب الله والإسلام» . وقال ابن عمر: فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في قلوبنا. وقيل: فضل الله: الإسلام، ورحمته: الجنة. وقيل: فضل الله: القرآن، ورحمته: السنن. ولا مانع من أن نفسر الآية بجميع ذلك إذ لا تنافي بين هذه الأقوال. والباء في بفضل الله وبرحمته متعلقة بمحذوف يفسره ما بعده تقديره: قل فليفرحوا بفضل الله وبرحمته. ﴿فبذلك فليفرحوا﴾ والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب
стр. 681
اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، فحذف أحد المفعولين لدلالة المذكور عليه، والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليفرحوا بهما. فإنه لا مفروح به أحق منهما. ﴿هو﴾ أي: المحدّث عنه من الفضل والرحمة ﴿خير مما يجمعون﴾ أي: من حطام الدنيا ولذاتها الفانية. وقرأ ابن عامر بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة.
﴿قل﴾ يا محمد لكفار مكة ﴿أرأيتم﴾ أي: أخبروني ﴿ما أنزل﴾ أي: خلق ﴿الله لكم من رزق﴾ وأنه تعالى جعل الرزق منزلاً؛ لأنه مقدر في السماء يحصل بأسباب منها ﴿فجعلتم منه﴾ أي: من ذلك الرزق ﴿حراماً وحلالاً﴾ وهو مثل ما ذكروه من تحريم السائبة والوصيلة والحام، ومثل قولهم: هذه أنعام وحرث حجر. ومثل قولهم: هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا. ومثل قولهم: ثمانية أزواج من الضأن اثنين ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿ءآلله أذن لكم﴾ في هذا التحريم والتحليل ﴿أم﴾ أي: بل ﴿على الله تفترون﴾ أي: تكذبون على الله بنسبة ذلك إليه
﴿وما ظن الذين يفترون﴾ أي: يتعمدون ﴿على الله الكذب﴾ أي: أيّ شيء ظنهم به ﴿يوم القيامة﴾ أيحسبون أن لا يؤاخذهم ولا يجازيهم على أعمالهم؟ فهو استفهام بمعنى التوبيخ والتقريع والتهديد والوعيد العظيم لمن يفتري على الله الكذب ﴿إن الله لذو فضلٍ على الناس﴾ بنعم كثيرة لا تحصى منها: إنزال الكتب مفصلاً، فيها ما يرضيه وما يسخطه، ومنها: إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها، ومنها: طول إمهالهم على سوء أفعالهم، ومنها: إنعامه عليهم بالعقل، فكان شكره واجباً عليهم ﴿ولكن أكثرهم﴾ أي: الناس ﴿لا يشكرون﴾ هذه النعم ولا يستعملون العقل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبيائه، ولا ينتفعون باستماع كتب الله، وقوله تعالى:
﴿وما تكون﴾ خطاب للنبيّ ﷺ ﴿في شأن﴾ أي: عمل من الأعمال وجمعه شؤون، والضمير في قوله تعالى: ﴿وما تتلو منه﴾ إمّا للشأن؛ لأنّ تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله ﷺ بل هو معظم شأنه، وإمّا للتنزيل كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل ﴿من قرآن﴾ لأنّ كل جزء منه قرآن، والإضمار قبل الذكر تفخيم له، وإما لله تعالى، والمعنى: وما تتلو من الله من قرآن نازل عليك، وقوله تعالى ﴿ولا تعملون من عمل﴾ أي: أيّ عمل كان تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رئيسهم وهو النبيّ ﷺ ولذلك ذكر حيث خص بما فيه فخامة وهو الشأن، وذكر حيث عمّ بقوله تعالى: من عمل، بما يتناول الجليل والحقير، وقيل: إنّ الكل داخلون في الخطابين الأوّلين أيضاً؛ لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ إذا طلقتم النساء﴾ (الطلاق، ١) .
﴿إلا كنا عليكم شهودا﴾ أي: رقباء نحصي عليكم أعمالكم؛ لأنّ الله تعالى رقيب على كل شيء وعالم بكل شيء إذ لا محدث ولا خالق ولا موجد إلا الله تعالى، فكل ما يدخل في الوجود هنا من أحوال العباد وأعمالهم الظاهرة والباطنة داخل في علمه وشاهد عليه ﴿إذ تفيضون﴾ أي: الله شاهد عليكم حين تدخلون وتخوضون ﴿فيه﴾ أي: ذلك العمل. وقيل: الإفاضة الدفع بكثرة. وقال الزجاج: إذ تنتشرون فيه، يقال: أفاض القوم في الحديث إذا انتشروا فيه ﴿وما يعزب﴾ أي: يغيب ﴿عن ربك﴾ يا محمد
стр. 682
﴿من مثقال﴾ أي: وزن ﴿ذرّة﴾ وهي النملة الحمراء الصغيرة خفيفة الوزن جدّاً. وقيل: المراد بها الهباء وهو الشيء المنبث الذي تراه في البيت في ضوء الشمس. وقرأ الكسائي بكسر الزاي والباقون بالضم، ومن صلة على القراءتين، وإنما قيد بقوله تعالى: ﴿في الأرض ولا في السماء﴾ تقريباً لعقول العامّة. فإن قيل: لم قدّم ذكر الأرض على السماء، وقدم ذكر السماء على الأرض في سورة سبأ حيث قال تعالى: ﴿ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض﴾ فما فائدة ذلك؟ أجيب: بأنّ الكلام هنا في حال أهلها، والمقصود منه هو البرهان على إحاطة علمه، على أنّ العطف بالواو حكمه حكم التثنية ﴿ولا أصغر من ذلك﴾ أي: الذرّة ﴿ولا أكبر﴾ أي: منها ﴿إلا في كتاب مبين﴾ أي: بين وهو اللوح المحفوظ. وقرأ حمزة برفع الراء من أصغر وأكبر على الابتداء والخبر، والباقون بالنصب على أنّ ذلك اسم لا وفي كتاب خبرها
﴿ألا إنّ أولياء الله﴾ أي: الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة ﴿لا خوف عليهم﴾ من لحوق مكروه ﴿ولا هم يحزنون﴾ بفوات مأمول، وفسرهم بقوله تعالى:
﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ الله بامتثال أمره ونهيه، وهذا الذي فسر الله تعالى به الأولياء لا مزيد عليه. وعن علي ﵁: هم قوم صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من العبر، خمص البطون من الخوا. وعن سعيد بن جبير أنّ رسول الله ﷺ سئل من أولياء الله تعالى؟ فقال: «هم الذين يذكر الله برؤيتهم» يعني السمت والهيئة. وعن ابن عباس: الإخبات والسكينة. وعن عمر رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء تغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم؟ وما أعمالهم؟ فلعلنا نحبهم، قال: هم قوم تحابوا في الله بغير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إنّ وجوههم لنور، وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ الآية. ونقل النووي في مقدمة «شرح المهذب» عن الإمامين الشافعيّ وأبي حنيفة رضي الله تعالى عنهما أنّ كلاً منهما قال: إذا لم تكن العلماء أولياء لله فليس لله وليّ. وذلك في العالم العامل بعلمه. وقال القشيري: من شرط الوليّ أن يكون محفوظاً كما أن من شرط النبيّ أن يكون معصوماً، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرور مخادع. فالوليّ هو الذي توالت أفعاله على الموافقة. ولما نفى الله عنهم الخوف والحزن زادهم فقال تعالى مبيناً لتوليته لهم بعد أن شرع بتوليتهم له:
﴿لهم البشرى﴾ أي: الكاملة ﴿في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ أمّا البشرى في الدنيا ففسرت بأشياء منها: الرؤيا الصالحة، فقد ورد أنه ﷺ قال: «البشرى هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» . وقال ﷺ «ذهبت النبوة وبقيت المبشرات» وقال: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلماً يخافه فليتعوّذ منه وليبصق عن شماله ثلاث مرّات فإنه لا يضرّه» . وقال: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة» ومنها: محبة الناس له، وذكرهم إياه في الثناء الحسن. وعن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، إنّ الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس فقال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» . ومنها: البشرى لهم عند الموت، قال تعالى: ﴿تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة﴾ (فصلت، ٣٠) . وأمّا البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة، وما يرونه من بياض وجوههم، وإعطاء الصحائف بأيمانهم، وما يقرؤون منها، وسلام الله تعالى عليهم كما قال تعالى: ﴿سلامٌ قولاً من ربَ رحيم﴾ (يس، ٥٨) وغير ذلك من المبشرات بما بشر الله تعالى به عباده المتقين في كتابه، وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه، فإن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية، ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أوليائه وشرح أحوالهم قال تعالى: ﴿لا تبديل﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿لكلمات الله﴾ أي: لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده، والكلمة والقول سواء، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما يبدّل القول لديّ﴾ (ق، ٢٩) . وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين ﴿هو الفوز العظيم﴾ هذه الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقق المبشر به وتعظيم شأنه، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله.
﴿ولا يحزنك﴾ يا محمد ﴿قولهم﴾ أي: هؤلاء المشركين، أي: لا يغمك تكذيبهم وتهديدهم وتشويرهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وسائر ما يتكلمون به في شأنك. وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزنه، والباقون بفتح الياء وضم الزاي وكلاهما بمعنى. وقوله تعالى: ﴿إن العزة﴾ أي: القوة ﴿لله جميعاً﴾ استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل: ما لي لا أحزن فقيل إن العزة لله جميعاً،، أي: أنّ الغلبة والقهر في مملكة الله لله جميعاً، لا يملك أحد شيئاً منها لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم. قال تعالى: ﴿كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي﴾ (المجادلة، ٢١) . وقال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا﴾ (غافر، ٥١) .
وقيل: إنّ المشركين كانوا يتعززون بكثرة أموالهم وأولادهم وعبيدهم، فأخبر الله تعالى أنَّ جميع ذلك في ملكه فهو قادر على أن يسلب جميع ذلك ويذلهم بعد العز ﴿هو السميع﴾ أي: البليغ السمع لأقوالهم ﴿العليم﴾ أي: المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم، وهو تعليل لتفرّده بالعزة؛ لأنه تفرّد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره، ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة؟ فإن قيل: قوله تعالى: ﴿إنّ العزة لله جميعاً﴾ يضادّ قوله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ (المنافقون، ٨) أجيب: بالمنع لأنّ عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله.
﴿ألا إنّ لله من في السموات ومن في الأرض﴾ ملكاً وخلقاً. فإن قيل: قد ذكر الله تعالى في الآية المتقدّمة ﴿ألا إنَّ لله ما في السموات والأرض﴾ بلفظ ما وقال هنا بلفظ من فما فائدة ذلك؟ أجيب: بأنه تعالى غلب في الآية الأولى ما لا يعقل على من يعقل لكثرته، وفي هذه غلب العاقل على غيره لشرفه، وقيل: مجموع الآيتين دال على أنّ الكل خلقه وملكه، وقيل: إنّ المراد بمن في السموات الملائكة، وبمن في الأرض الثقلان، وإنما خصهم بالذكر لشرفهم، وإذا كان هؤلاء في ملكه وتحت قهره فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له ندّا وشريكاً فهو كالدليل على قوله تعالى: ﴿وما يتبع الذين يدعون﴾ أي: يعبدون ﴿من دون الله﴾ أي: غيره أصناماً ﴿شركاء﴾ على الحقيقة وإن كانوا يسمونها شركاء ـ تعالى الله عن ذلك ـ ﴿إنّ﴾ أي: ما ﴿يتبعون﴾ في ذلك ﴿إلا الظنّ﴾ أي: ظنها أنها آلهة تشفع لهم وأنها تقربهم إلى الله تعالى، ثم بيّن تعالى أنّ هذا الظنّ لا حكم له بقوله تعالى: ﴿وإن﴾ أي: ما ﴿هم إلا يخرصون﴾ أي: يكذبون في ذلك، ويجوز
стр. 683
أن يكون وما يتبع في معنى الاستفهام، أي: وأيّ شيء يتبعون، وشركاء على هذا نصب بيدعون، وعلى الأوّل بيتبع، وكان حقه ﴿وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء﴾ شركاء فاقتصر على أحدهما للدلالة وقوله تعالى:
﴿هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه﴾ أي: ليزول عنكم التعب والكلال فيه بما تقاسون في نهاركم من تعب التردد في المعاش ﴿والنهار مبصراً﴾ أي: مضيئاً تبصرون فيه مطالب أرزاقكم ومكاسبكم تنبيه على كمال قدرته وعظيم نعمته المتوحد هو بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة. وإضافة الإبصار إلى النهار مع أنه يبصر فيه على طريق نقل الاسم من المسبب إلى السبب، كقولهم ليل نائم؛ لأنّ الليل سبب للسكون. قال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل، أي: صار ذا ظلمة، وأضاء النهار، أي: صار ذا ضياء. ﴿إن في ذلك﴾ المذكور ﴿لآيات﴾ أي: دلالات على وحدانيته تعالى ﴿لقوم يسمعون﴾ سماع اعتبار وتدبر فيعلمون بذلك أنّ الذي خلق الأشياء كلها هو الإله المعبود المتفرد بالوحدانية في الوجود، ثم ذكر الله تعالى نوعاً من أباطيل الكفار بقوله تعالى:
﴿قالوا﴾ أي: اليهود والنصارى ومن زعم أنّ الملائكة بنات الله ﴿اتخذ الله ولداً﴾ قال الله تعالى: ﴿سبحانه﴾ أي: تنزيهاً له عن الولد ﴿هو الغنيّ﴾ عن كل أحد، وإنما يطلب الولد من يحتاج إليه، ثم بين تعالى غناه بقوله تعالى: ﴿له ما في السموات وما في الأرض﴾ من ناطق وصامت ملكاً وخلقاً، ولما بين تعالى بالدليل الواضح امتناع ما أضافوا إليه عطف بالإنكار والتوبيخ فقال: ﴿إن﴾ أي: ما ﴿عندكم من سلطان﴾ أي: حجة ﴿بهذا﴾ أي: الذي تقولونه، ثم بالغ تعالى في ذلك الإنكار عليهم بقوله تعالى: ﴿أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه تعالى جهلاً منكم، والاستفهام للتوبيخ.
﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يختلقون على الله الكذب فيقولون عليه الباطل ويزعمون أنّ له ولداً ﴿إنَّ الذين يفترون﴾ أي: يتعمدون ﴿على الله الكذب لا يفلحون﴾ أي: لا ينجحون في سعيهم ولا يفوزون بمطلوبهم بل خابوا وخسروا، فإنهم لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة، ومن الناس من إذا فاز بشيء من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة ظنّ أنه قد فاز بالمقصد، والله أزال هذا الخيال بأن قال:
﴿متاع في الدنيا﴾ وفيه إضمار تقديره: لهم متاع في الدنيا، على أنه مبتدأ خبره محذوف، ويصح أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: افتراؤهم متاع في الدنيا يقيمون به رياستهم في الكفر أو حياتهم أو تقلبهم متاع في الدنيا وهو أيام يسيرة بالنسبة إلى طول بقائهم في العذاب ﴿ثم إلينا مرجعهم﴾ بالموت ﴿ثم نذيقهم العذاب الشديد﴾ بعد الموت ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كانوا يكفرون﴾ ولما ذكر في هذه السورة من أحوال كفار قريش وما كانوا عليه من الكفر والعناد شرع بعد ذلك في قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم وذكر الله تعالى منهم في هذه السورة ثلاث قصص:
القصة الأولى: قصة نوح ﵇ المذكورة بقوله تعالى:
﴿واتل﴾ يا محمد ﴿عليهم﴾ أي: كفار قريش ﴿نبأ﴾ أي: خبر ﴿نوح﴾ وذلك ليكون لرسول الله ﷺ ولأصحابه أسوة ممن سلف من الأنبياء، فإنه كان ﷺ إذا سمع أنّ معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كان إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة
стр. 684
إذا عمت خفت، ولأنّ الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أنّ الجهال وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدّمين، إلا أنّ الله تعالى أعلنهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم؛ كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سبباً لانكسار قلوبهم ووقوع الخوف والوجل في صدورهم، ولأنّ الكلام إذا طال تقريراً في نوع من أنواع العلوم فربما حصل نوع من أنواع الملالة، فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر شرح صدره، وطاب قلبه، ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوّة حادثة وميلاً قوياً؛ ولأنه ﷺ لما لم يتعلم علماً ولم يطالع كتاباً ثم ذكر هذه القصص من غير تفاوت، ومن غير زيادة، ومن غير نقصان؛ دل ذلك على أنه ﷺ إنما عرفها بالوحي والتنزيل ويبدل من نبأ نوح ﴿إذ قال لقومه﴾ وهم بنو قابيل ﴿يا قوم إن كان كبر﴾ أي: شق وعظم ﴿عليكم مقامي﴾ أي: لبثي فيكم ألف سنة إلا خمسين عاماً ﴿وتذكيري﴾ أي: وعظي إياكم ﴿بآيات الله﴾ أي: بحجته وبيناته، فعزمتم على قتلي وطردي ﴿فعلى الله توكلت﴾ أي: فهو حسبي وثقتي أو قيامي على الدعوة؛ لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم بيناً، وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى ﵇ أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.
﴿
فأجمعوا أمركم﴾ أي: فاعزموا على أمر تفعلونه في أذاي بالإهلاك أو غيره ﴿وشركاءكم﴾ أي: وادعو شركاءكم أو الواو وبمعنى مع، أي: مع شركائكم وهي الأصنام، وإنما حثهم على الاستعانة بها بناء على مذهبهم الفاسد، واعتقادهم أنها تضرّ وتنفع مع اعتقاده أنها جماد لا تضرّ ولا تنفع تبكيتاً وتوبيخاً لهم. ﴿ثم لا يكن أمركم﴾ أي: الذي تقصدوني به ﴿عليكم غمة﴾ أي: مستوراً من غمه إذا ستره، بل أظهروه وجاهروني مجاهرة، فإنه لا معارضة لي بغير الله الذي يستوي عنده السرّ والجهر ﴿ثم اقضوا إليّ﴾ أي: امضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات، ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه. وقيل: معناه توجهوا إليّ بالقتل والمكروه. وقيل: فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ أي: اعمل ما أنت عامل. ﴿ولا تنظرون﴾ أي: ولا تؤخرون بعد إعلامكم إياي ما أنتم عليه، وإنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلامه وعصمته، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلاً ﴿فإن توليتم﴾ أي: أعرضتم عن تذكيري ﴿فما سألتكم من أجر﴾ أي: من جعل وعوض على تبليغ الرسالة، فينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم، وطلب أجر على عظتكم، ومتى كان الإنسان فارغاً عن الطمع كان قوله أقوى تأثيراً في القلب ﴿إن أجري إلا على الله﴾ وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة، أي: ما أنصحكم إلا لوجه الله تعالى لا لغرض من أغراض الدنيا. وهكذا ينبغي لكل من ينفع الناس بعلم أو إرشاد إلى طريق الله تعالى ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ أي: إني مأمور بالاستسلام لكل مكروه يصل إليّ منكم لأجل هذه الدعوة، وقيل: بدين الإسلام وأنا ماض فيه غير تاركٍ له قبلتموه أو لم تقبلوه.
﴿فكذبوه﴾ أي: أصرّوا على تكذيبه، بعدما ألزمهم الحجة، وبين أن توليتهم ليست إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب ﴿فنجيناه﴾ من الغرق ﴿ومن معه في الفلك﴾ أي: السفينة وكانوا ثمانين
стр. 685
﴿وجعلناهم﴾ أي: الذين أنجيناهم معه في الفلك ﴿خلائف﴾ في الأرض يخلقون الهالكين بالغرق ﴿وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾ بالطوفان، وقوله تعالى: ﴿فانظر﴾ أي: أيها الإنسان أو يا محمد ﴿كيف كان عاقبة المنذرين﴾ تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن أنذرهم رسول الله ﷺ عن مثله وتسلية له، وهذه القصة إذا سمعها من صدّق النبيّ ﷺ ومن كذب به كان زجراً للمكلفين من حيث يخافون أن ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح، وتكون داعية للمؤمنين على الثبات على الإيمان ليصلوا إلى مثل ما وصل إليه قوم نوح، وهذه الطريقة في الترغيب والتحذيرإذا جرت على سبيل الحكاية عمن تقدّم كانت أبلغ من الوعيد المبتدأ، ولهذا الوجه أكثر تعالى ذكر أقاصيص الأنبياء ﵈.
﴿ثم بعثنا من بعده﴾ أي: نوح ﴿رسلاً إلى قومهم﴾ لم يسم هنا تعالى من كان بعد نوح من الرسل، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب صلوت الله وسلامه عليهم. ﴿فجاؤوهم بالبينات﴾ أي: بالمعجزات الواضحات التي تدل على صدقهم. ﴿فما كانوا ليؤمنوا﴾ أي: فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدّه عنادهم وخذلان الله تعالى إياهم ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿كذبوا به من قبل﴾ أي: أنهم كانوا قبل بعثة الرسل إليهم أهل جاهلية مكذبين بالحق، فما وقع فصل بين حالتيهم بعد بعثة الرسل وقبلها كأن لم يبعث إليهم أحد ﴿كذلك﴾ أي: مثل ما طبعنا على هؤلاء بسبب تكذيبهم الرسل ﴿نطبع﴾ أي: نختم ﴿على قلوب المعتدين﴾ في كل زمن لكل من تعمد العدول فيما لا يحلّ له، فلا يقبل الإيمان لانهماكهم في الضلال واتباعهم المألوف. وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد.
القصة الثانية: قصة موسى ﵇ المذكورة بقوله تعالى:
﴿ثم بعثنا من بعدهم﴾ أي: هؤلاء الرسل ﴿موسى وهارون إلى فرعون وملئه﴾ أي: أشراف قومه وغيرهم تبع لهم، فهو مرسل إلى الجميع ﴿بآياتنا﴾ التسع ﴿فاستكبروا﴾ عن اتباعها والإيمان بها، وهو أعظم الكبر أن يتهاون العبيد برسالة ربهم بعد تبيينها ويتعظموا عن قبولها ﴿وكانوا قوماً مجرمين﴾ أي: كفاراً ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترؤوا عن ردّها.
﴿فلما جاءهم الحق﴾ أي: جاء فرعون وقومه ﴿من عندنا﴾ أي: الذي جاء به موسى من عند ربه، وعرفوا أنه ليس من عند موسى وهارون لتظاهر المعجزات الظاهرات المزيحة للشك ﴿قالوا﴾ أي: غير متأملين له ولا ناظرين في أمره لفرط تمرّدهم ﴿إن هذا لسحر مبين﴾ أي: بين ظاهر يعرفه كل أحد، وهم يعلمون أنّ الحق أبعد شيء من السحر الذي لا يظهر إلا على كافر أو فاسق، وقوله تعالى:
﴿قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا﴾ فيه حذف تقديره: أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر أسحر هذا، فحذف السحر الأوّل اكتفاء بدلالة الكلام عليه، ثم قال أسحر هذا؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار بمعنى أنه ليس بسحر، ثم احتج على صحة قوله تعالى فقال: ﴿ولا يفلح الساحرون﴾ فإنه لو كان سحراً لاضمحل ولم يبطل سحر السحرة، فقلب العصا حية، وفلق البحر معلوم بالضرورة أنه ليس من باب التمويه والتخييل، فثبت أنه ليس بسحر ﴿قالوا﴾ أي: قوم فرعون لموسى ﴿أجئتنا لتلفتنا﴾ أي: لتردّنا وتصرفنا واللفت والفتل أخوان ﴿عما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي: من الدين وعبادة الأصنام،
стр. 686
ثم قالوا لموسى وهارون ﴿وتكون لكما الكبرياء﴾ أي: الملك والعز ﴿في الأرض﴾ أي: أرض مصر. قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، وأيضاً الملوك موصوفون بالكبر، ولهذا وصف ابن الرقيات مصعباً في قوله:
*ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
ينفي ما عليه الملوك من ذلك، ويجوز أن يقصدوا بذلك ذمهما، وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا، كما قال القبطي لموسى ﵇: ﴿إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض﴾ (القصص، ١٩) . ﴿وما نحن لكما بمؤمنين﴾ أي: بمصدقين فيما جئتما به. ﴿وقال فرعون﴾ لقومه إرادة للمناظرة لما أتى به موسى ﵇ ﴿ائتوني بكل ساحر عليم﴾ أي: بالغ في علم السحر لئلا يفوت شيء من السحر بتأخر البعض. وقرأ حمزة والكسائي بغير ألف بين السين والحاء، وتشديد الحاء مفتوحة وألف بعدها بصيغة فعال دالّ على زيادة قلق فرعون، والباقون بألف بعد السين وتخفيف الحاء مكسورة ولا ألف بعدها.
﴿فلما جاء السحرة﴾ أي: كل من في أرض مصر، منهم قالوا لموسى: إمّا أن تلقي وإمّا أن نكون نحن الملقين ﴿قال لهم موسى ألقوا﴾ جميع ﴿ما أنتم ملقون﴾ فإن قيل: كيف أمرهم بالكفر والسحر والأمر بالكفر كفر؟ أجيب: بأنه إنما أمرهم بإلقاء ما معهم من الحبال والعصيّ التي معهم ليظهر للخلق، إنما أتوا به عمل فاسد وسعي باطل لا على طريق أنه ﵇ أمرهم بالسحر.
﴿فلما ألقوا﴾ مامعهم من الحبال والعصيّ وخيلوا لسحرهم أعين الناس أنها تسعى ﴿قال موسى﴾ منكرا عليهم ﴿ماجئتم به السحر﴾ قرأه أبو عمرو بهمزتين الأولى همزة الاستفهام فهي مفتوحة والثانية همزة وصل، وله فيها وجهان: التسهيل والبدل، فما استفهامية مبتدأ. وجئتم به خبرها، والسحر بدل منه، وقرأ الباقون بهمزة وصل فتسقط في الوصل، أي: الذي جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحراً، ثم أخبره موسى ﵇ بقوله: ﴿إن الله سيبطله﴾ أي: يهلكه ويظهر فضيحة صاحبه ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ أي: لا يثبته ولا يقوّيه. وقول البيضاوي: وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له محمول على ما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية وإلا فله حقيقة فهو حق عند أهل السنة، وهو علم بكيفية استعدادات تقتدر بها النفوس البشرية على ظهور التأثير في عالم العناصر ﴿ويحق﴾ أي: يثبت ويظهر ﴿الله الحق بكلماته﴾ أي: بقضائه ووعده الصادق لموسى ﵇. وقد أخبر الله تعالى في غير هذه السورة أنه كيف أبطل ذلك السحر، وذلك بسبب أن ذلك الثعبان قد تلقف تلك الحبال والعصيّ ﴿ولو كره المجرمون﴾ . ولما بين تعالى أن قوم موسى شاهدوا هذه المعجزات ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل كما قال تعالى:
﴿فما آمن لموسى إلا ذريّة من قومه﴾ وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد ﷺ لأنه كان يغتمّ بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر بين تعالى أنّ له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة؛ لأنّ الذي ظهر من موسى ﵇ من المعجزات كان أمراً عظيماً، ومع ذلك فما آمن له إلا ذرية من قومه، والذرية اسم يقع على القليل، من القوم. قال ابن عباس: الذرية القليل، والهاء التي في قومه
стр. 687
راجعة إلى موسى، أي: فما آمن من قومه إلا طائفة من ذراري بني اسرائيل، كأنه قيل إلا أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وإجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف. وقيل: راجعة إلى فرعون، والذرية: امرأته آسية ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وماشطته ﴿على خوف من فرعون وملئهم﴾ أي: خوف منه؛ لأنه كان شديد البطش، وكان قد أظهر العداوة مع موسى، وإذا علم ميل القوم إلى موسى، كان يبالغ في إيذائهم، فلهذا السبب كانوا خائفين منه ومن أشراف قومه، والضمير لفرعون وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظمة؛ لأنه ذو أصحاب يأتمرون به. وقيل: المراد بفرعون آله. كما يقال ربيعة ومضر. ﴿أن يفتنهم﴾ أي: يصرفهم ويصدّهم عن الإيمان ﴿وإنّ فرعون لعال﴾ أي: متكبر قاهر ﴿في الأرض﴾ أي: أرض مصر ﴿وإنه لمن المسرفين﴾ أي: المجاوزين الحدّ، فإنه كان من أخس العبيد وادّعى الربوبية، وكان كثير القتل والتعذيب لبني إسرائيل.
﴿وقال موسى﴾ لقومه ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله﴾ أي: صدقتم به وبآياته ﴿فعليه توكلوا﴾ أي: ثقوا به واعتمدوا عليه فإنه ناصر أوليائه ومهلك أعدائه ﴿إن كنتم مسلمين﴾ أي: مستسلمين لقضاء الله تعالى مخلصين له. وقيل: إن كنتم آمنتم بالقلب وأسلمتم بالظاهر.
﴿فقالوا﴾ مجيبين له ﴿على الله توكلنا﴾ أي: عليه اعتمدنا لا على غيره، ثم دعوا ربهم فقالوا ﴿ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين﴾ أي: لا تسلطهم علينا فيفتنوننا.
﴿ونجنا﴾ أي: خلصنا ﴿برحمتك من القوم الكافرين﴾ أي: من أيدي قوم فرعون؛ لأنهم كانوا يستعبدونهم ويستعملونهم في الأعمال الشاقة، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا مخلصين، لا جرم أنّ الله تعالى قبل توكلهم، وأجاب دعاءهم ونجاهم، وأهلك من كانوا يخافونه، وجعلهم خلفاء في الأرض. وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أنّ الداعي ينبغي أن يتوكل أوّلاً لتجاب دعوته. ولما شرح الله تعالى خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر فيهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون ﵉ باتخاذ البيوت بقوله تعالى:
﴿وأوحينا إلى موسى وأخيه﴾ أي: الذي طلب مؤازرته ومعاضدته ﴿أن تبوّأا﴾ أي: اتخذا ﴿لقومكما بمصر بيوتاً﴾ تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة ﴿واجعلوا﴾ أنتما وقومكما ﴿بيوتكم﴾ أي: تلك البيوت ﴿قبلة﴾ مصلى أو مساجد كما في قوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾ (النور، ٣٦) موجهة نحو القبلة، أي: الكعبة، وكان موسى ﵇ يصلي إليها. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص بيوتاً وبيوتكم برفع الباء، والباقون بالخفض ﴿وأقيموا الصلاة﴾ فيها ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوهاً ثلاثة:
الأوّل: أنّ موسى ﵇ ومن معه كانوا في أوّل أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة لئلا يظهروا عليهم ويؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أوّل الإسلام بمكة.
الثاني: أنه قيل: إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فوعون بتخريب مساجد بني اسرائيل ومنعهم من الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفاً من فرعون.
الثالث: أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر الله تعالى موسى
стр. 688
وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء، وتكفل الله تعالى بأن يصونهم من شرّ الأعداء، وقد خص الله تعالى موسى وهارون في أوّل هذه الآية بالخطاب بقوله تعالى: ﴿أن تبوّأا لقومكما﴾ لأنّ التبوء للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم للتشاور، ثم عمم هذا الخطاب فقال: واجعلوا بيوتكم قبلة؛ لأن جعل البيوت مساجد وإقامة الصلاة مما ينبغي أن يفعله كل أحد، ثم خص موسى ﵇ في آخر الكلام بالخطاب فقال تعالى: ﴿وبشر المؤمنين﴾ أي: بالنصر في الدنيا والجنة في العقبى؛ لأنّ الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة، فخص الله تعالى موسى بها ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى ﵇، وأنّ هارون ﵇ تبع له، ثم إنّ موسى ﵇ لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة الظاهرة ورأى القوم مصرّين على الجحد والعناد والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب إقدامه على الجرائم وكان جرمهم هو لأجل حبهم الدنيا يزكو ﴿و﴾ لهذا السبب ﴿قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه﴾ أي: أشراف قومه على ما هم عليه من الكفر والكبر ﴿زينة﴾ أي: عظيمة يتزينون بها من الحلية واللباس وغيرهما من الدواب والغلمان وأثاث البيت الفاخر ونحو ذلك. ﴿وأموالاً﴾ أي: كثيرة من الذهب والفضة وغيرهما ﴿في الحياة الدنيا﴾ روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت، ثم بيّن غايتها لهم فقال مفتتحاً بالنداء باسم الرب: ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم. ﴿ربنا﴾ أي: يا ربنا آتيتهم ذلك ﴿ليضلوا﴾ أي: في خاصة أنفسهم ويضلوا غيرهم ﴿عن سبيلك﴾ أي: دينك واللام للعاقبة وهي متعلقة بآتيت كقوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزناً﴾ (القصص، ٨) وقيل:
لام كي، أي: آتيتهم كي تفتنهم. وقيل: هو دعاء عليهم بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غير ذلك. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بضم الياء والباقون بالفتح ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ أي: امسخها وغيرها عن هيئتها. قال قتادة: صارت أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم حجارة. وقال محمد بن كعب: جعل سكرهم حجارة. وقال ابن عباس: بلغنا أنّ الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً وأرباعاً، ودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون، فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة، وإنها كالحجر. قال السدّي: مسخ الله تعالى أموالهم حجارة والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة فكانت إحدى الآيات التسع ﴿واشدد على قلوبهم﴾ أي: اطبع عليها واستوثق حتى لا تنشرح للإيمان وقوله: ﴿فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ جواب للدعاء، أو دعاء بلفظ النهي أو عطف على ليضلوا، وما بينهما دعاء معترض. وقوله تعالى: ﴿قال قد أجيبت دعوتكما﴾ فيه وجهان:
الأوّل: قال ابن عباس: إنّ موسى كان يدعو وهارون كان يؤمّن فلذلك قال: دعوتكما، وذلك أنّ من يقول عند دعاء الداعي آمين فهو أيضاً داع؛ لأنّ قوله آمين تأويله: استجب، فهو سائل كما أنّ الداعي سائل أيضاً.
الثاني: أن يكون كل منها ذكر هذا. غاية ما في الباب أن يقال: إنه تعالى حكى هذا الدعاء عن موسى بقوله تعالى: ﴿وقال موسى ربنا﴾ وهذا لا ينافي أن يكون هارون قد ذكر
стр. 689
الدعاء أيضاً. وأمّا قوله تعالى: ﴿فاستقيما﴾ فمعناه اثبتا على الدعوة والرسالة والزيادة في الزام الحجة فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فلا تستعجلا. قال ابن جريج: إنّ فرعون لبث بعد هذا الدعاء أربعين سنة. ﴿ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ أي: الجاهلين الذين يظنون أنه متى كان الدعاء مجاباً كان المقصود حاصلاً في الحال فربما أجاب الله تعالى دعاء الإنسان في مطلوبه إلا أنه إنما ربما يوصله إليه في وقته المقدور، والاستعجال لا يصدر إلا من الجهال، وهذا كما قال تعالى لنوح ﵊: ﴿إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ (هود، ٤٦) وهذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى ﵇، كما أنّ قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ (الزمر، ٦٥) لا يدل على صدور الشرك منه ﷺ وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون، والباقون بتشديدها؛ لأنّ نون التوكيد تثقل وتخفف. ولما أجاب الله تعالى دعاءهما أمر بني اسرائيل وكانوا ستمائة ألف بالخروج من مصر في الوقت المعلوم، ويسر لهم أسبابه وفرعون كان غافلاً عن ذلك، فلما سمع أنهم خرجوا وعزموا على مفارقة مملكته خرج في عقبهم كما قال تعالى:
﴿وجاوزنا﴾ أي: قطعنا ﴿ببني اسرائيل﴾ أي: عَبَدَنَا المخلص لنا ﴿البحر﴾ حتى بلغوا الشط حافظين لهم ﴿فأتبعهم فرعون وجنوده﴾ أي: لحقهم وأدركهم يقال: تبعه وأتبعه إذا أدركه ولحقه ﴿بغياً وعدواً﴾ أي: ظلماً وعدواناً. وقيل: بغياً في القول وعدواً في الفعل، فلما أدركهم فرعون قالوا لموسى: أين المخلص والمخرج، البحر أمامنا وفرعون وراءنا، قد كنا نلقى من فرعون البلاء العظيم، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق لموسى وقومه فكان كل فرق كالطود العظيم، وكشف عنه وجه الأرض، وانتشر لهم البحر، فلما وصل فرعون إلى البحر هابوا دخوله، وكان فرعون على حصان أدهم وكان معه في عسكره ثمانمائة ألف حصان على لون حصانه، وميكائيل يسوقهم حتى لم يشذ منهم أحد، فلما خرج آخر بني اسرائيل من البحر تقدّمهم جبريل على فرس وخاض البحر، فلما وجد الحصان ريح الأنثى لم يملك فرعون من أمره شيئاً، فنزل البحر وأتبعه جنوده، حتى إذا كملوا جميعاً في البحر وهمّ أوّلهم بالخروج التطم البحر عليهم، فلما أتاه الغرق أتى بكلمة الإخلاص كما قال تعالى: ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ أي: لحقه ﴿قال آمنت أنه﴾ أي: بأنه ﴿لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين﴾ . فإن قيل: إنه آمن ثلاث مرات أولها قوله: آمنت. وثانيها: قوله لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل. وثالثها: قوله وأنا من المسلمين. فما السبب في عدم القبول؟ أجاب: العلماء عن ذلك بأجوبة منها: أنه إنما آمن عند نزول العذاب، والإيمان والتوبة عند معاينة الملائكة والعذاب غير مقبول، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾ (غافر، ٨٥) ودس جبريل في فيه من حما البحر مخافة أن تناله الرحمة وقال له ﴿آلآن﴾ تؤمن ﴿وقد عصيت قبل﴾ وضيعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآخرة الباقية ﴿وكنت من المفسدين﴾ بضلالك وإضلالك عن الإيمان والتوبة حتى أغلق بابها بحضور الموت
ومعاينة الملائكة، وإنما قال له: وكنت من المفسدين في مقابلة قوله وأنا من المسلمين، ومنها أنّ فرعون إنما قال هذه الكلمة ليتوصل بها إلى دفع ما نزل به من البلية الحاضرة، ولم يكن قصده الإقرار بوحدانية
стр. 690
الله تعالى والاعتراف له بالربوبية، فلم ينفعه ما قال في ذلك الوقت، ومنها: أنّ فرعون كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع الخالق ولذلك قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل، فلم ينفعه ذلك لحصول الشك في إيمانه، ومثل هذا الاعتقاد الفاسد لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية والدلائل اليقينية.
ومنها: ما روي في بعض الكتب أنّ بعض أقوام بني اسرائيل لما جاوزوا البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو اسرائيل انصرف ذلك إلى العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت فكانت هذه الكلمة في حقه سبباً لزيادة الكفر، ومنها: أنّ الإيمان إنما كان يتم بالإقرار بوحدانية الله تعالى وبالإقرار بنبوّة موسى ﵇، وفرعون لم يقرّ بالنبوّة فلم يصح إيمانه، ونظيره أن الواحد من الكفار لو قال ألف مرّة أشهد أن لا إله إلا الله فإنه لا يصح إيمانه إلا إذا قال معه: وأشهد أنّ محمداً رسول الله فكذا هنا. ومنها: أنّ جبريل ﵇ أتى فرعون بفتوى، ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادّعى السيادة دونه؟ فكتب فرعون فيه يقول: أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج عن سيده الكافر بنعمته أن يغرّق في البحر، ثم أنّ فرعون لما غرق رفع جبريل ﵇ إليه خطه. فإن قيل: فما فائدة دس جبريل في فم فرعون ذلك؛ لأنه في تلك الحالة إمّا أن يكون التكليف ثابتاً أم لا؟ فإنّ كان فكيف يمنعه من التوبة، وإن كان غير مكلف فلا فائدة في ذلك؟ أجيب: بأنَّ التكليف كان ثابتاً وجبريل ﵇ لم يفعل ذلك من قبل نفسه فإنه عبد مأمور، والله تعالى يفعل ما يشاء كما قال تعالى: ﴿فإنّ الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ (فاطر، ٨) . وقال تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة﴾ (الأنعام، ١١٠) وهكذا فعل بفرعون، منعه من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أوّلاً، فدس الحما في فم فرعون من جنس الختم والطبع على القلب، ومن الناس من قال: قائل هذا القول هو الله تعالى؛ لأنه ذكر بعده.
﴿فاليوم ننجيك﴾ أي: نخرجك من البحر ﴿ببدنك﴾ أي: جسمك الذي لا روح فيه كاملاً سوياً لم يتغير، أو نخرجك من البحر عرياناً من غير لباس، أو أنّ المراد بالبدن الدرع. قال الليث: البدن هو الدرع الذي يكون قصير الكمين، وهذا منقول عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف، به فأخرجه الله تعالى من الماء مع ذلك الدرع ليعرف ﴿لتكون لمن خلفك﴾ أي: بعدك ﴿آية﴾ أي: عبرة فيعرفوا عبوديتك ولا يقدموا على مثل فعلك. وعن ابن عباس: أنّ بعض بني اسرائيل شكوا في موته، فأخرج لهم ليروه ويشاهده الخلق على ذلك الذلّ والمهانة بعدما سمعوا منه قوله: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ ليعلموا أنّ دعواه كانت باطلة، وأن ما كان فيه من عظم الشأن وكبرياء الملك آل أمره إلى ما يرون لعصيانه ربه ﴿وإنّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون﴾ أي: لا يعتبرون بها، وهذا الكلام ليس إلا كلام الله تعالى، ولكن القول الأوّل أشهر.
﴿ولقد بوّأنا﴾ أي: أنزلنا ﴿بني اسرائيل مبوّأ صدق﴾ أي: منزلاً صالحاً مرضياً وهو مصر والشام، وإنما وصف المكان بالصدق؛ لأنّ عادة العرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق، تقول العرب: هذا رجل صدق وقدم صدق، والسبب فيه أنّ الشيء إذا كان كاملاً صالحاً لا بدّ أن يصدق الظنّ فيه. وقيل: أرض
стр. 691
الشام والفرس والأردن؛ لأنها بلاد الخصب والخير والبركة ﴿ورزقناهم من الطيبات﴾ أي: الحلالات المستلذات من الفواكه والحبوب والألبان والأعسال وغيرها، فأورث تعالى بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من الناطق والصامت والحرث والنسل كما قال تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها﴾ (الأعراف/ ١٣٧) .v
﴿فما اختلفوا﴾ أي: هؤلاء الذين فعلنا بهم هذا الفعل من بني اسرائيل في أمر دينهم ﴿حتى جاءهم العلم﴾ أي: جاءهم ما كانوا به عالمين، وذلك أنهم كانوا قبل مبعث محمد ﷺ مقرين به مجمعين على نبوّته غير مختلفين فيه لما يجدونه مكتوباً عندهم، وكانوا يخبرون بمبعثه وصفته ونعته ويفتخرون بذلك على المشركين، فلما بعث ﷺ اختلفوا فيه، فآمن به بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، وكفر به بعضهم بغياً وحسداً وإيثاراً لبقاء الرياسة، وأنهم ما اختلفوا في دينهم إلا من بعد ما قرؤوا التوراة وعلموا أحكامها ﴿إن ربك﴾ يا محمد ﴿يقضي بينهم يوم القيامة﴾ أي: الذي هو أعظم الأيام ﴿فيما كانوا﴾ أي: بأفعالهم الجبلية ﴿فيه يختلفون﴾ أي: فيتميز الحق من الباطل والصديق من الزنديق ويسكن كلا داره، واختلف المفسرون فيمن المخاطب بقوله تعالى:
﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب﴾ أي: التوراة ﴿من قبلك﴾ أي: فإنه ثابت عندهم يخبرونك بصدقه، فقيل: هو النبيّ ﷺ في الظاهر، والمراد أمته كقوله تعالى: ﴿يا أيها النبيّ اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ (الأحزاب، ١) وقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطنّ عملك﴾ (الزمر، ٤٦) . وقوله تعالى لعيسى ﵇: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين من دون الله﴾ (المائدة، ١١٦) ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جارة، والذي يدل على صحة ذلك وجوه: الأوّل: قوله تعالى في آخر السورة: ﴿يا أيها الناس﴾ فبين أنّ ذلك المذكور في أوّل الآية على سبيل الرمز هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح. الثاني: أنه ﷺ لو كان شاكاً في نبوّة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى، وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية، الثالث: إذا قدر أن يكون شاكاً في نبوّة نفسه، فكيف يزول ذلك الشك بإخبار أهل الكتاب عن نبوّته مع أنهم في الأكثر كفار؟ فثبت أنّ الخطاب وإن كان في الظاهر معه ﷺ إلا أنّ المراد هو الأمّة، ومثل هذا معتاد فإنّ السلطان إذا كان له أمير وتحت راية ذلك الأمير جمع، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه عليهم بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميراً عليهم ليكون ذلك أشدّ تأثيراً في قلوبهم، وقيل: الخطاب للنبيّ ﷺ على حقيقته ولكن الله تعالى علم أنه ﷺ لا يشك في ذلك إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام فإنه يصرّح ويقول: يا رب لا أشك ولا أطلب الحجة من قول أهل الكتاب بل أكتفي بما أنزلته عليّ من الدلائل الظاهرة، ولهذا قال ﷺ «لا أشك ولا أسأل أحداً منهم» ، ونظير هذا قوله للملائكة: ﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ (سبأ، ٤٠) والمقصود أن يصرّحوا بالجواب الحق ويقولوا سبحانك أنت ولينا من
دونهم بل كانوا يعبدون الجنّ. وكما قال تعالى لعيسى ﵇: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي إلهين﴾ (المائدة، ١١٦)
стр. 692
والمقصود منه أن يصرّح عيسى ﵇ بالبراءة من ذلك فكذلك هنا. وقرأ ابن كثير والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين والباقون بالهمزة وسكون السين. وقيل الخطاب لكل من يسمع، أي: إن كنت أيها السامع في شك مما أنزلنا على لسان نبينا إليك. وفيه تنبيه على أنّ من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم، وأظهر هذه الأقوال أوّلها، وهذه الأقوال تجري في قوله تعالى: ﴿لقد جاءك الحق من ربك﴾ أي: الآيات القاطعة لا مدخل للمرية فيه ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ أي: الشاكين فيه، وفي قوله تعالى:
﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ أي: الذين خسروا أنفسهم
﴿إنّ الذين حقت عليهم كلمة ربك﴾ أي: ثبت عليهم قوله تعالى الذي كتبه في اللوح المحفوظ وأخبر به الملائكة أنهم ﴿لا يؤمنون﴾ أي: يموتون كفاراً فلا يكون غيره، إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه.
﴿ولو جاءتهم كل آية﴾ فإنّ السبب الأصلي لإيمانهم وهو تعلق إرادة الله تعالى به مفقود، فإنّ الدليل لا يهدي إلا بإعانة الله تعالى، وإذا لم تحصل تلك الإعانة ضاعت تلك الدلائل ﴿حتى يروا العذاب الأليم﴾ فحينئذٍ لا ينفعهم الإيمان كما لم ينفع فرعون. وقرأ نافع وابن عامر كلمات بألف بعد الميم على الجمع، والباقون بغير ألف على الإفراد.
القصة الثالثة: قصة يونس ﵇ المذكورة بقوله تعالى:
وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾
﴿فلولا﴾ أي: فهلا ﴿كانت قرية﴾ واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها ﴿آمنت﴾ أي: آمن أهلها عند إتيان الآيات أو عند رؤية أسباب العذاب ﴿فنفعها﴾ أي: فتسبب عن إيمانها ذلك أنه نفعها ﴿إيمانها﴾ بأن تقبله الله تعالى منها وكشف العذاب عنها، وقوله تعالى: ﴿إلا قوم يونس﴾ استثناء منقطع بمعنى لكن قوم يونس ﴿لما آمنوا﴾ أي: لما أخلصوا الإيمان أوّل ما رأوا آية العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله ﴿كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا﴾ ويجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه كأنه قيل: ما آمن أهل قرية من القرى الهالكة فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس ﴿ومتعناهم إلى حين﴾ أي: إلى انقضاء آجالهم. روي عن ابن مسعود وغيره: أنّ قوم يونس كانوا بأرض نينوى من أرض الموصل، فأرسل الله تعالى إليهم يونس ﵇، يدعوهم إلى الإيمان فدعاهم فأبوا فقيل له: إنّ العذاب مصبحهم إلى ثلاثة أيام فأخبرهم بذلك فقالوا: إنا لم نجرب عليك كذباً، فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أنّ العذاب مصبحكم.
فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس ﵇ من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل. وقال وهب: غامت السماء غيماً عظيماً، أسود هائلاً يدخن دخاناً عظيماً فهبط حتى غشى مدينتهم واسودّت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس بينهم فلم يجدوه، وقذف الله تعالى في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وأولادهم ودوابهم ولبسوا المسوح، وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية، وفرّقوا بين كل والدة وولدها من النساء والدواب فحنّ بعضها إلى بعض، وعلت أصواتها واختلطت بأصواتهم، وعجوا وتضرّعوا إلى الله تعالى وقالوا آمنا بما جاء به يونس ﵇، فرحمهم الله تعالى، واستجاب دعاءهم،
стр. 693
وكشف عنهم العذاب بعد ما أظلهم. وكل ذلك يوم عاشوراء يوم الجمعة، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم حتى أنّ الرجل كان يقلع الحجر وكان قد وضع عليه أساس بنيانه فيردّه، وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال لهم: قولوا يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيي الموتى، ويا حيّ لا إله إلا أنت. فقالوها، فكشف عنهم. وعن الفضيل بن عياض: اللَّهمَّ إنّ ذنوبنا قد عظمت وجلت، وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، وستأتي بقية القصة إن شاء الله تعالى في سورة والصافات.
فإن قيل: قد حكى الله تعالى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته، وحكى عن قوم يونس أنهم آمنوا وقبل توبتهم، فما الفرق بين الحالين؟ أجيب: بأنّ فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب وهو وقت اليأس من الحياة، أمّا قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك، فإنهم لما ظهرت أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن ينزل بهم ولم يباشرهم، فكانوا كالمريض يخاف الموت ويرجو العافية، وإنّ الله تعالى قد علم صدق نياتهم في التوبة فقبل توبتهم بخلاف فرعون فإنه لم يصدق في إيمانه ولا أخلص فلم يقبل منه. قال الله تعالى:
﴿ولو شاء ربك﴾ يا محمد ﴿لآمن﴾ بك وصدّقك ﴿من في الأرض كلهم﴾ بحيث لم يشذ منهم أحد ﴿جميعاً﴾ أي: مجتمعين على ذلك في آن واحد لا يختلفون في شيء منه ولكن لم يشأ أن يصدّقك ويؤمن بك إلا من سبقت له السعادة في الأزل، وفي هذا تسلية للنبيّ ﷺ فإنه كان حريصاً على إيمانهم كلهم، فأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن به إلا من سبقت له السعادة الأزلية فلا تتعب نفسك على إيمانهم. وهو قوله تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس﴾ أي: الذين لم يرد الله إيمانهم ﴿حتى يكونوا مؤمنين﴾ أي: ليس إيمانهم إليك حتى تكرههم عليه وتحرص عليه، إنما إيمان المؤمن وإضلال الكافر بمشيئة الله تعالى وقضائه وليس لأحد ذلك سواه. كما قال تعالى: ﴿وما كان﴾ أي: وما ينبغي وما يتأتى ﴿لنفس﴾ أي: واحدة فما فوقها ﴿أن تؤمن﴾ أي: يقع منها إيمان في وقت مّا ﴿إلا بإذن الله﴾ أي: بإرادته لها بالإيمان، فإنّ هدايتها إلى الله فهو المهدي والمضل.
وقال ابن عباس بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله. ﴿ويجعل﴾ الله ﴿الرجس﴾ أي: العذاب والخذلان فإنه سببه. وقرأ شعبة وحده بالنون ﴿على الذين لا يعقلون﴾ أي: لا يتدبرون في آيات الله تعالى، فينتفعوا بها وهم يدعون أنهم أعقل الناس ويتساقطون في مساوئ الأخلاق وهم يدعون أنهم أبعد الناس عنها، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. ولما بين الله تعالى في الآيات السابقة أنّ الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل بقوله تعالى:
﴿قل انظروا﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يسألونك الآيات ﴿ماذا﴾ أي: الذي ﴿في السموات والأرض﴾ من الآيات وواضح الدلالات من عجائب صنعه ليدلكم على وحدته وكمال قدرته، ففي العالم العلوي الشمس والقمر وهما دليلان على الليل والنهار والنجوم وحركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها، والكواكب وما يختص بذلك من المنافع، وفي العالم السفلي الجبال والبحار والمعادن والنبات والحيوان، وأخصها حال الإنسان. كل ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وانه خالقها، كما قال
стр. 694
القائل:
*وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وقرأ عاصم وحمزة في الوصل بكسر اللام والباقون بضمها، وأمّا الهمزة من انظروا فكل القراء يبتدؤون بالضم ﴿وما تغني الآيات﴾ أي: وإن كانت في غاية الوضوح ﴿والنذر﴾ جمع نذير، أي: الرسل ﴿عن قوم لا يؤمنون﴾ في علم الله تعالى وحكمه.
تنبيه: قال النحويون: ما هنا تحتمل وجهين الأوّل: أن تكون نفياً بمعنى أنّ هذه الآيات والنذر لا تفيد الفائدة في حق من حكم الله تعالى عليه بأنه لا يؤمن كقولك: لا يغني عنك المال إذا لم تنفق. والثاني: أن تكون استفهاماً كقولك، أي: شيء يغني عنهم، وهو استفهام بمعنى الإنكار.
﴿فهل﴾ أي: ما ﴿ينتظرون﴾ أي: أهل مكة بتكذيبك ﴿إلا﴾ أياماً، أي: وقائع ﴿مثل أيام﴾ أي: وقائع ﴿الذين خلوا من قبلهم﴾ أي: من مكذبي الأمم كالقبط وقوم نوح وما انطوى بينهما من الأمم، أي: مثل وقائعهم من العذاب ﴿قل﴾ أي: قل لهم يا محمد ﴿فانتظروا﴾ أي: العذاب ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ أي: لنزول العذاب بكم. وقوله تعالى:
﴿ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا﴾ عطف على محذوف، دل عليه قوله تعالى: ﴿إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ كأنه قيل: لنهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم على حكاية الأحوال الماضية. وقرأ أبو عمرو وحده بسكون السين ﴿كذلك﴾ أي: كما نجينا رسلنا والذين آمنوا معهم من الهلاك ﴿حقاً علينا ننج المؤمنين﴾ أي: ننجيك يا محمد ومن آمن معك وصدّقك من الهلاك والعذاب. فإن قيل: قوله تعالى حقاً يقتضي الوجوب والله تعالى لا يجب عليه شيء. أجيب: بأنَّ ذلك حق بحسب الوعد والحكم لا أنه حق بحسب الاستحقاق. لما ثبت أنّ العبد لا يستحق على خالقه شيئاً وهو اعتراض بين المشبه والمشبه به ونصب بفعله المقدّر، وقيل بدل من ذلك. وقرأ حفص والكسائي بسكون النون الثانية والباقون بفتحها. وأمّا الوقف عليها فجميع القراء يقفون على الجيم؛ لأنها مرسومة في المصحف بالجيم بلا ياء، فهي في القرآن وقفاً ووصلاً بلا ياء لجميع القراء. ولما ذكر تعالى الدلائل على أقصى الغايات وأبلغ النهايات أمر رسوله ﷺ بإظهار دينه فقال:
﴿قل﴾ يا محمد ﴿يا أيها الناس﴾ أي: الذين أرسلت إليهم فشكوا في أمرك ولم يؤمنوا بك ﴿إن كنتم في شك من ديني﴾ أي: الذي أدعوكم إليه أنه حق وأصررتم على ذلك وعبدتم الأصنام التي لا تضرّ ولا تنفع ﴿فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله﴾ أي: غيره وهو الأصنام التي لا قدرة لها على شيء ﴿ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم﴾ بقبض أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها، فإنه الذي يستحق العبادة، وإنما خص الله تعالى هذه الصفة للتهديد. وقيل: إنهم لما استعجلوا بطلب العذاب أجابهم بقوله: ولكن أعبد الله الذي هو قادر على إهلاككم ونصري عليكم. ﴿وأمرت أن﴾ أي: بأن ﴿أكون من المؤمنين﴾ أي: المصدّقين بما جاء من عند الله. وقيل: إنه لما ذكر العبادة وهي من أعمال الجوارح أتبعها بذكر الإيمان لأنه من أعمال القلوب. فإن قيل: كيف قال في شك وهم كفار يعتقدون بطلان ما جاء به؟ أجيب: بأنه كان فيهم شاكون أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكوا في أمره ﷺ وقوله تعالى:
﴿وأن أقم وجهك للدين﴾ عطف على أن أكون، غير أن صلة
стр. 695
أن محكية بصيغة الأمر ولا فرق بينهما في الغرض؛ لأنّ المقصود وصلها بما تضمن معنى المصدر ليدل معه عليه، وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها والطلب، والمعنى: وأمرت بالاستقامة في الدين والاستعداد فيه بأداء الفرائض والانتهاء عن القبائح، أو في الصلاة باستقبال القبلة وقوله: ﴿حنيفاً﴾ حال من فاعل أقم أو من الدين أو من الوجه، ومعناه: مائلاً مع الدين غير معوج عنه إلى دين آخر وقوله تعالى: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ أي: ممن يشرك بالله في عبادته غيره فتهلك، خطاباً للنبيّ ﷺ والمراد أمّته، أي: ولا تكونن أيها الإنسان وكذا قوله تعالى:
﴿ولا تدع﴾ أي: تعبد ﴿من دون الله﴾ أي: غيره ﴿ما لا ينفعك﴾ أي: إن عبدته ﴿ولا يضرّك﴾ إن لم تعبده ﴿فإن فعلت﴾ ذلك ﴿فإنك إذاً من الظالمين﴾ لنفسك؛ لأنك وضعت العبادة في غير موضعها، والظلم: وضع الشيء في غير محله، فإذا كان ما سوى الحق معزولاً عن التصرّف كان إضافة التصرّف إلى ما سوى الحق وضعاً للشيء في غير موضعه فيكون ظلماً.
ولما ذكر الله تعالى الأوثان وبيّن أنها لا تقدر على ضرّ ولا نفع بيّن تعالى أنه هو القادر على كل شيء وأنه ذو الجود والكرم والرحمة بقوله تعالى:
﴿وإن يمسسك﴾ أي: يصبك ﴿الله بضرَ﴾ كفقر ومرض ﴿فلا كاشف﴾ أي: لا دافع ﴿له إلا هو﴾ لأنه الذي أنزله بك ﴿وإن يردك بخير﴾ كرخاء وصحة ﴿فلا رادّ﴾ أي: دافع ﴿لفضله﴾ أي: الذي أرادك به ﴿يصيب به﴾ أي: بالخير ﴿من يشاء من عباده وهو الغفور﴾ أي: البليغ الستر للذنوب ﴿الرحيم﴾ أي: البالغ في الإكرام. وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء، والباقون بالضم، فرجح جانب الخير على جانب الشر من ثلاثة أوجه: الأوّل: أنه تعالى لما ذكر إمساس الضر بين أنه لا كاشف له إلا هو، وذلك يدل على أنه تعالى يزيل المضار؛ لأنّ الاستثناء من النفي إثبات، ولما ذكر الخير لم يقل بأنه يدفعه بل قال: إنه لا راد لفضله، وذلك يدل على أنّ الخير مطلوب بالذات وأنّ الشر مطلوب بالعرض كما قال ﷺ عن ربه تعالى أنه قال: «سبقت رحمتي غضبي» . الثاني: أنه قال في صفة الخير يصيب به من يشاء من عباده، وذلك يدل على أن جانب الخير أقوى وأغلب. الثالث: أنه تعالى قال ﴿وهو الغفور الرحيم﴾ وهذا أيضاً يدل على قوّة جانب الرحمة. وحاصل الكلام في هذه الآية: أنه بيّن أنه منفرد بالخلق والإيجاد والتكوين والإبداع وأنه لا موجد سواه ولا معبود إلا إياه، وأنّ جميع الممكنات مسندة إليه وجميع الكائنات محتاجة (إليه) ، فالأيدي مرفوعة إليه، والحاجات منتهية إليه، والعقول والهة فيه، والرحمة والجود فائض منه. ولما قرر تعالى الدلائل المذكورة في التوحيد والنبوّة والمعاد، وزين أمر هذه السورة بهذه البيانات الدالة على كونه تعالى مبتدئاً بالخلق والإبداع والتكوين والاختراع ختمها بهذه الخاتمة الشريفة العالية لئلا يبقى لأحدٍ عذر بقوله تعالى:
﴿قل﴾ يا محمد ﴿يا أيها الناس﴾ أي: الذين أرسلت إليهم ﴿قد جاءكم الحق من ربكم﴾ هو رسول الله ﷺ جاء بالحق من الله تعالى والقرآن فلم يبق لكم عذر ﴿فمن اهتدى﴾ أي: آمن بالنبيّ ﷺ وعمل بما في الكتاب ﴿فإنما يهتدي لنفسه﴾ لأنه اتبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل، فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها
стр. 696
الجنة فثواب اهتدائه له ﴿ومن ضلّ﴾ أي: كفر بها أو بشيء منها ﴿فإنما يضل عليها﴾ أي: على نفسه؛ لأنّ وبال ضلاله عليها؛ لأنّ من ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده منه شيء فقد غر نفسه. ثم قال ﷺ ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ أي: حفيظ، أي: موكول إليّ أمركم وإنما أنا بشير ونذير. قال ابن عباس: وهذه الآية منسوخة بآية السيف. قال الله تعالى لنبيه ﷺ
﴿واتبع﴾ يا محمد ﴿ما يوحى إليك﴾ بالامتثال والتبليغ ﴿واصبر﴾ أي: على دعوتهم وتحمل أذيتهم ﴿حتى يحكم الله﴾ أي: بنصرك عليهم وإظهار دينك أو بالأمر بالقتال ﴿وهو خير الحاكمين﴾ إذ لا يمكن الخطأ في حكمه تعالى لاطلاعه على السرائر كاطلاعه على الظواهر، فحكم بقتل المشركين والجزية على أهل الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون. وأنشد بعضهم في الصبر:
*سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري ... وأصبر حتى يحكم الله في أمري
*سأصبر حتى يعلم الصبر أنني ... صبرت على شيء أمرُ من الجمر
وروي أنّ أبا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة، وقد تلقته الأنصار، ثم دخل المدينة فقال له: ما لك لم تتلقنا؟ قال: لم يكن عندنا دواب. قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. وقد قال ﷺ «يا معشر الأنصار إنكم ستلقون بعدي أثرة» . قال معاوية: فماذا قال؟ قال: «فاصبروا حتى تلقوني» قال: فاصبر. قال: إذاً نصبر. فقال عبد الرحمن بن حسان:
*ألا أبلغ معاوية بن حرب ... أمير الظالمين ثنا كلامي
*بأنا صابرون فمنظروكم ... إلى يوم التغابن والخصام
وقول البيضاوي تبعاً للزمخشري عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة يونس أُعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق يونس وكذب به وبعدد من غرق مع فرعون» حديث موضوع.
سورة هود
﵇ مكية
إلا وأقم الصلاة الآية وإلا فلعلك تارك الآية وأولئك يؤمنون به الآية مائة وثنتان أو ثلاث وعشرون آية، وكلماتها ألف وسبعمائة وخمس عشرة، وحروفها سبعة آلاف وستمائة وخمسة أحرف. وعن أبي بكر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، عجل إليك الشيب؟ قال: «شيبتني هود وأخواتها. الحاقة والواقعة وعمّ يتساءلون هل أتاك حديث الغاشية» .
﴿بسم الله﴾ أي: الذي له تمام العلم وكمال الحكمة وجميع القدرة ﴿الرحمن﴾ لجميع خلقه بعموم البشارة والنذارة ﴿الرحيم﴾ لأهل ولايته بالحفظ في سلوك سبيله، وقوله تعالى:
﴿الر كتاب﴾ مبتدأ وخبر، أو كتاب خبر مبتدأ محذوف، وتقدم الكلام على أوائل السور أول سورة البقرة. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وشعبة وحمزة والكسائي بالإمالة، والباقون بالفتح. وقوله تعالى: ﴿أحكمت آياته﴾ صفة للكتاب وفسر الأحكام بوجوه:
الأوّل: أحكمت آياته، أي: نظمت نظماً محكماً لا يقع فيه نقص ولا خلل كالبناء المحكم المرصف، ولا يعتريه إخلال من جهة اللفظ، والمعنى: ولا يستطيع أحد
стр. 697
نقض شيء منه ولا الطعن في شيء من بلاغته أو فصاحته. الثاني:
أنّ الأحكام عبارة عن منع الفساد من الشيء فقوله: أحكمت آياته، أي: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به كما قال ابن عباس.
الثالث: أنها أحكمت بالحجج والدلائل، أو جعلت حكيمة منقول من حكم بالضم إذا صار حكيماً؛ لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية وقوله تعالى: ﴿ثم فصلت﴾ صفة أخرى للكتاب، أي: بينت بالأحكام والقصص والمواعظ والأخبار، وبالإنزال نجماً نجماً، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه، أو بجعلها سوراً.
وقال الحسن أحكمت بالأمر والنهي ثم فصلت بالوعد والوعيد.
تنبيه: معنى ثم في قوله ثم فصلت ليس للتراخي في الوقت لكن في الحال كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل وفلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. وقوله تعالى ﴿من لدن حكيم خبير﴾ أي: الله تعالى صفة أخرى للكتاب، والتقدير: الر كتاب من حكيم خبير أو خبر بعد خبر والتقدير: الر من لدن حكيم خبير أو صلة لأحكمت وفصلت، أي: أحكمت وفصلت من لدن حكيم خبير. وعلى هذا التقدير قد حصل بين أوائل هذه السورة وبين آخرها مناسبة لطيفة، كأنه يقول تعالى: أحكمت آياته من لدن حكيم وفصلت من لدن خبير عالم بكيفيات الأمور، وقوله تعالى:
﴿أن لا تعبدوا إلا الله﴾ يحتمل وجوهاً: الأوّل: أن تكون مفعولاً له والتقدير: كتاب أحكمت آياته ثم فصلت لأجل أن لا تعبدوا إلا الله. الثاني: أن تكون مفسرة؛ لأنّ في تفصيل الآيات معنى القول، قال الرزاي: والحمل على هذا أولى؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿وأن استغفروا﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿أن لا تعبدوا﴾ فيجب أن يكون معناه، أي: لا تعبدوا ليكون الأمر معطوفاً على النهي، فإنّ كونه بمعنى لأن لا تعبدوا يمنع عطف الأمر عليه. الثالث: أن يكون كلاماً مبتدأ منقطعاً عما قبله على لسان النبيّ ﷺ إغراءً منه على اختصاص الله تعالى بالعبادة، ويدلّ عليه قوله ﷺ ﴿إنني لكم منه﴾ أي: الله ﴿نذير﴾ بالعقاب على الشرك ﴿وبشير﴾ بالثواب على التوحيد، كأنه قيل ترك عبادة غير الله تعالى بمعنى اتركوها إنني لكم منه نذير وبشير كقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ (محمد، ٤) .
تنبيه: هذه الآية الكريمة مشتملة على أشياء مترتبة: الأوّل: أنه تعالى أمر أن لا تعبدوا إلا الله لأنّ ما سواه محدث مخلوق مربوب، وإنما حصل بتكوين الله وإيجاده، والعبادة عبارة عن إظهار الخضوع والخشوع ونهاية التواضع والتذلل، وذلك لا يليق إلا بالخالق المدبر الرحيم المحسن، فثبت أن عبادة غير الله تعالى منكرة. المرتبة الثانية: قوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم﴾ المرتبة الثالثة: قوله ﴿ثم توبوا إليه﴾ واختلفوا في بيان الفرق بين هاتين المرتبتين على وجوه: الأوّل: أنّ معنى قوله ﴿وأن استغفروا﴾ ، أي: اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم، ثم بين الشيء الذي يطلب به ذلك وهو التوبة. فقال: ثم توبوا إليه؛ لأنّ الداعي إلى التوبة والمحرك عليها هو الاستغفار الذي هو عبارة عن طلب المغفرة فالاستغفار مطلوب بالذات والتوبة مطلوبة لكونها من مهمات الاستغفار، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، فلهذا السبب قدم ذكر الاستغفار على التوبة.
الثاني: وأن استغفروا من الشرك والمعاصي ثم توبوا، أي: ارجعوا
стр. 698
إليه بالطاعة. الثالث: الاستغفار طلب من الله تعالى لإزالة ما لا ينبغي والتوبة سعي من الإنسان في إزالة ما لا ينبغي فقدم الاستغفار ليدل على أنّ المؤمن يجب عليه أن لا يطلب الشيء إلا من مولاه فإنه هو الذي يقدر على تحصيله، ثم بعد الاستغفار ذكر التوبة؛ لأنها عمل يأتي به الإنسان ويتوسل به إلى دفع المكروه، والاستعانة بفضل الله تعالى تقدم على الاستعانة بسعي النفس، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه المراتب الثلاثة ذكر بعدها ما يرتب عليها من الآثار المطلوبة، ومن المعلوم أنّ المطالب محصورة في نوعين؛ لأنه إنما يكون حصولها في الدنيا أو في الآخرة أما المنافع الدنيوية فهي المرادة من قوله تعالى: ﴿يمتعكم متاعاً حسناً﴾ أي: بطيب عيش وسعة رزق ﴿إلى أجل مسمى﴾ وهو الموت. فإن قيل: إنّ النبيّ ﷺ قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» . وقال أيضاً: «خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» . وقال تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة﴾ (الزخرف، ٣٣) فهذه النصوص دالة على أن نصيب المشتغل بالطاعات في الدنيا هو الشدّة والبلية، ومقتضى هذه الآية أن نصيب المشتغل بالطاعات الراحة في الدنيا فكيف الجمع بينهما؟
أجيب: بأن المشتغل بعبادة الله ومحبته مشتغل بحب شيء يمتنع تغيره وزواله وفناؤه، فكلما كان امعانه في ذلك الطريق أكثر وتوغله فيه أتمّ كان انقطاعه عن الخلق أتمّ وأكمل، وكلما كان الكمال في هذا الباب أكثر كان الابتهاج والسرور أكمل؛ لأنه أمن من تغير مطلوبه وأمن من زوال محبوبه، وأمّا من كان مشتغلاً بحب غير الله كان أبداً في ألم الخوف من فوات المحبوب وزواله، وكان عيشه منغصاً وقلبه مضطرباً. ولذلك قال تعالى في صفة المشتغلين بخدمته ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ (النحل، ٩٧) . وقيل: المراد بالمتاع الحسن: عدم العذاب بعذاب الاستئصال كما استأصل أهل القرى الذين كفروا. وسمى منافع الدنيا بالمتاع لأجل التنبيه على حقارتها وقلتها، ونبه تعالى على كونها منقضية بقوله تعالى: ﴿إلى أجل مسمى﴾ فصارت هذه الآية دالة على كونها حقيرة خسيسة منقضية. وأمّا المنافع الأخروية فقد ذكرها تعالى بقوله تعالى: ﴿ويؤت﴾ أي: في الآخرة ﴿كل ذي فضل﴾ أي: في العمل ﴿فضله﴾ أي: جزاءه؛ لأنّ مراتب السعادات في الآخرة مختلفة؛ لأنها متقدرة بمقدار الدرجات الحاصلة في الدنيا، فلما كان الإعراض عن غير الحق والإقبال على عبودية الحق درجات غير متناهية فكذلك مراتب السعادة الأخروية غير متناهية، فلهذا السبب قال تعالى: ويؤت كل ذي فضل فضله. وقال أبو العالية: من كثرت طاعاته في الدنيا زادت درجاته في الآخرة. وقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت سيئاته وحسناته كان من أهل الأعراف ثم يدخلون الجنة. وقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت له سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من حسناته العشر واحدة وبقي له تسع حسنات، ثم يقول ابن مسعود: هلك من غلب آحاده أعشاره. وقوله تعالى: ﴿وإن تولوا﴾ فيه حذف إحدى التاءين، أي:
وإن تعرضوا عما جئتكم به من الهدى ﴿فإني﴾ أي: فقل لهم إني ﴿أخاف
стр. 699
عليكم عذاب يوم كبير﴾ هو يوم القيامة وصف بالكبر كما وصف بالعظم والثقل. وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف.
﴿إلى الله مرجعكم﴾ أي: رجوعكم في ذلك اليوم فيثيب المحسن على إحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته ﴿وهو على كل شيء قدير﴾ أي: قادر على جميع المقدورات لا دافع لقضائه ولا مانع لمشيئته، ومنه الثواب والعقاب، وفي ذلك دلالة على قدرة عالية وجلالة عظيمة لهذا الحاكم وعلى ضعف لهذا العبد، والملك القاهر العالي إذا رأى عاجزاً مشرفاً على الهلاك فإنه يخلصه من الهلاك، ومنه المثل المشهور: ملكت فأسحج () ، أي: فاعف، يقول مصنف هذا الكتاب: قد أفنيت عمري في خدمة العلم ومطالعة الكتب ولا رجاء لي في شيء إلا أني في غاية الذلة والقصور. والكريم إذا قدر عفا. فأسألك يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وساتر عيوب المعيوبين أن تفيض سجال رحمتك عليّ وعلى والديّ وأولادي وإخواني وأحبابي، وأن تخصني وإياهم بالفضل والتجاوز والجود والكرم. واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى:
﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾ فقال ابن عباس: نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلاً حلو الكلام حلو المنظر يلقى رسول الله ﷺ بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره فمعنى قوله تعالى: ﴿يثنون صدورهم﴾ يخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة. وقال عبد الله بن شدّاد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مرّ برسول الله ﷺ ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كي لا يراه النبيّ ﷺ وقال قتادة: كانوا يحنون ظهورهم كي لا يسمعوا كلام الله تعالى ولا ذكره. وروى البخاري عن ابن عباس أنها نزلت فيمن كان يستحي أن يتخلى أو يجامع فيفضي إلى السماء. وقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويتغشى بثوبه ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي. وقال السدي: يثنون صدورهم: أي: يعرضون بقلوبهم من قولهم ثنيت عناني ﴿ليستخفوا منه﴾ أي: من الله تعالى بسرهم فلا يطلع رسول الله ﷺ والمؤمنون عليه. وقيل: من رسول الله ﷺ فقد قيل: إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا: إن أرخينا علينا ستوراً واستغشينا ثياباً وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم ﴿ألا حين يستغشون ثيابهم﴾ أي: يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم ﴿يعلم﴾ تعالى ﴿ما يسرّون﴾ في قلوبهم ﴿وما يعلنون﴾ بأفواههم، أي: أنه لا تفاوت في علمه تعالى بين إسرارهم وإعلانهم، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الإخفاء ﴿إنه﴾ تعالى ﴿عليم بذات الصدور﴾ أي: بالقلوب وأحوالها. ولما أعلم تعالى ما يسرّون وما يعلنون أردفه بما يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات بقوله تعالى:
﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ فذكر تعالى أن رزق كل حيوان إنما يصل إليه من الله تعالى، فلو لم يكن عالماً بجميع المعلومات لما حصلت هذه المهمات، والدابة اسم كل حيوان دب على وجه الأرض، ولا شك أن أقسام الحيوانات وأنواعها كثيرة وهي الأجناس التي تكون في البرّ والبحر والجبال، والله تعالى عالم بكيفية طباعها وأعضائها وأحوالها وأغذيتها ومساكنها وما يوافقها ويخالفها، فالإله المدبر لأطباق السموات والأرض ولطبائع الحيوانات والنبات كيف لا يكون عالماً بأحوالها
стр. 700
روي أن موسى ﵇ عند نزول الوحي عليه تعلق قلبه بأحوال أهله فأمره الله تعالى أن يضرب عصاه على صخرة، فانشقت وخرج منها صخرة ثانية، ثم ضرب عصاه عليها فانشقت وخرج منها صخرة ثالثة، ثم ضرب بعصاه عليها فانشقت فخرجت منها دودة كالذرة وفي فيها شيء يجري مجرى الغذاء لها، ورفع الله تعالى الحجاب عن سمع موسى ﵇ فسمع أنّ الدودة كانت تقول: سبحان من يراني ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني. فإن قيل: إن كلمة على للوجوب فيدل على أنّ إيصال الرزق إلى الدابة واجب على الله تعالى. أجيب: بأنه تعالى إنما أتى بذلك تحقيقاً لوصوله بحسب الوعد والفضل والإحسان وحملاً على التوكل فيه. وفي هذه الآية دليل على أنّ الرزق إلى كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد والله تعالى لا يخل به، ثم قد نرى أنّ إنساناً لا يأكل من الحلال طول عمره، فلو لم يكن الحرام رزقاً لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه فيكون الله تعالى قد أخل بالواجب، وذلك محال فعلمنا أنّ الحرام قد يكون رزقاً ﴿ويعلم﴾ تعالى ﴿مستقرّها﴾ قال ابن عباس: هو المكان الذي تأوي إليه وتستقر فيه ليلاً ونهاراً ﴿ومستودعها﴾ هو الذي تدفن فيه إذا ماتت. وقال عبد الله بن مسعود: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: المكان الذي تموت فيه. وقال عطاء: المستقر: أرحام الأمهات، والمستودع: أصلاب الآباء. وقيل:
الجنة أو النار والمستودع القبر. لقوله تعالى في صفة الجنة والنار: حسنت مستقرّا، وساءت مستقرّا ومقاماً، ولا مانع أن يفسر ذلك بهذا كله ﴿كل﴾ أي: كل واحدة من الدواب ورزقها ومستقرّها ومستودعها ﴿في كتاب﴾ أي: ذكرها مثبت في اللوح المحفوظ ﴿مبين﴾ أي: بيّن كما قال تعالى ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ (الأنعام، ٥٩) . ولما أثبت تعالى بالدليل المتقدّم كونه عالماً بالمعلومات أثبت كونه تعالى قادراً على كل المقدورات بقوله تعالى:
﴿
وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾ أي: من أيام الدنيا أوّلها الأحد وآخرها الجمعة، وتقدّم الكلام على تفسير ذلك في سورة الأعراف ﴿وكان عرشه على الماء﴾ قال كعب: خلق ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء. وقال أبو بكر الأصمّ: ومعنى قوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾ كقولهم السماء على الأرض، وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر. وقال حمزة: إن الله كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وخلق القلم، فكتب به ما هو خالقه، وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله تعالى ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من خلقه، ففي هذا دلالة على كمال قدرته تعالى؛ لأنّ العرش مع كونه أعظم من السموات والأرض كان على الماء، وقد أمسكه الله تعالى من غير دعامة تحته ولا علامة فوقه. وقوله تعالى ﴿ليبلوكم﴾ متعلق بخلق، أي: خلقها وما فيها منافع لكم ومصالح ليختبركم وهو أعلم بكم منكم ﴿أيكم أحسن عملاً﴾ أي: أطوع لله وأورع عن محارم الله، وهذا القيام الحجة عليهم. وقد مرّ أمثال ذلك، ولما بين تعالى أنه إنما خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم، وهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر؛ لأنّ الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة
стр. 701
والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة. خاطب تعالى محمداً ﷺ فقال جلا وعلا: ﴿ولئن قلت﴾ يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك ﴿إنكم مبعوثون من بعد الموت﴾ أي: للحساب والجزاء ﴿ليقولن الذي كفروا إن﴾ أي: ما ﴿هذا﴾ أي: القرآن بالبعث أو الذي تقوله ﴿إلا سحر مبين﴾ أي: بين. وقرأ حمزة والكسائي بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، فيكون ذلك راجعاً للنبيّ ﷺ والباقون بكسر السين وسكون الحاء، ولما حكى تعالى عن الكفار أنهم يكذبون رسول الله صلى الله عليه
وسلم حكى عنهم نوعاً آخر بقوله تعالى:
﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى﴾ مجيء ﴿أمّة﴾ أي: جماعة من الأوقات ﴿معدودة﴾ أي: قليلة ﴿ليقولنّ﴾ أي: استهزاء ﴿ما يحبسه﴾ أي: ما يمنعه من الوقوع قال الله تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم﴾ كيوم بدر ﴿ليس مصروفاً﴾ أي: مدفوعاً العذاب ﴿عنهم وحاق﴾ أي: نزل ﴿بهم﴾ من العذاب ﴿ما كانوا به يستهزؤون﴾ أي: الذي كانوا يستعجلون، فوضع يستهزؤون موضع يستعجلون؛ لأنّ استعجالهم كان استهزاء. فإن قيل: لم قال تعالى: وحاق على لفظ الماضي مع أنّ ذلك لم يقع؟ أجيب: بأنه وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التأكيد والتقرير والتهديد. ولما ذكر تعالى أنّ عذاب الكفار وإن تأخر إلا أنه لا بدّ وأن يحيق بهم ذكر بعده ما يدل على كفرهم وعلى كونهم مستحقين لذلك العذاب بقوله تعالى:
﴿ولئن أذقنا﴾ أي: أعطينا ﴿الإنسان﴾ أي: الكافر ﴿منا رحمة﴾ أي: نعمة كغنى وصحة بحيث يجد لذتها ﴿ثم نزعناها﴾ أي: سلبنا تلك النعمة ﴿منه إنه ليؤس﴾ أي: قنوط من رحمة الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به ﴿كفور﴾ أي: جحود لنعمتنا عليه، وأمّا المسلم الذي يعتقد أنّ تلك النعمة من جود الله وفضله وإحسانه فإنه لا يحصل له اليأس بل يقول: لعله تعالى يردها عليّ بعد ذلك أحسن وأكمل وأفضل مما كانت.
﴿ولئن أذقناه﴾ أي: الكافر ﴿نعماء بعد ضرّاء مسته﴾ كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم، وفي اختلاف الفعلين وهما أذقناه ومسته من حيث الإسناد إليه تعالى في الأوّل وإلى الضرّاء في الثاني نكتة عظيمة وهي أنّ النعمة صادرة من الله تعالى تفضلاً منه لخبر: «ما أحد يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا» . والضرر صادر من العبد كسباً؛ لأنه السبب فيه باجتلابه إياه بالمعاصي غالباً لقوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ (النساء، ٧٩) ولا ينافي ذلك قوله تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ (النساء، ٧٨) فإن الكلّ منه إيجاداً، غير أنّ الحسنة إحسان وامتحان، والسيئة مجازاة وانتقام لخبر: «ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر» . ﴿ليقولنّ﴾ أي: الذي أصابه الصحة والغنى ﴿ذهب السيئات﴾ أي: المصائب التي أصابتني ﴿عني﴾ ولم يتوقع زوالها ولا يشكر عليها ﴿إنه لفرح﴾ أي: فرح بطر ﴿فخور﴾ على الناس بما أذاقه الله تعالى من نعمائه، وقد شغله الفرح والفخر عن الشكر فبيّن في هذه الآية أنّ أحوال الدنيا غير باقية بل هي أبداً في التغير والزوال والتحوّل والانتقال، فإنّ الإنسان إمّا أن يتحوّل من النعمة إلى المحنة، ومن اللذات إلى الآفات كالقسم الأوّل، وإمّا أن يكون بالعكس من ذلك وهو أن ينتقل من المكروه إلى المحبوب كالقسم
стр. 702
الثاني. ولما بيّن تعالى أنّ الكافر عند الابتلاء لا يكون من الصابرين، وعند الفوز بالنعماء لا يكون من الشاكرين بين حال المتقين بقوله تعالى:
﴿إلا﴾ أي: لكن ﴿الذين صبروا﴾ على الضرّاء ﴿وعملوا الصالحات﴾ أي: في النعماء، أي: فإنهم إن أصابتهم شدّة صبروا، وإن نالتهم نعمة شكروا ﴿أولئك لهم مغفرة وأجر كبير﴾ فجمع لهم تعالى بين هذين المطلوبين، أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه وهو المراد من قوله تعالى: ﴿لهم مغفرة﴾ ، والثاني: الفوز بالثواب ودخول الجنة وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وأجر كبير﴾ .
﴿فلعلك﴾ يا محمد ﴿تارك بعض ما يوحى إليك﴾ فلا تبلغهم إياه لتهاونهم به، فإنهم كانوا يستهزؤون بالقرآن ويضحكون منه. وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة محضة وورش يين اللفظين والباقون بالفتح. ﴿وضائق به صدرك﴾ أي: بتلاوته عليهم لأجل ﴿أن يقولوا لولا﴾ أي: هلا ﴿أنزل عليه كنز﴾ ينفقه في الاستتباع كالملوك ﴿أو جاء معه ملك﴾ يصدقه كما اقترحنا، وروي عن ابن عباس: «أنّ رؤساء مكة قالوا: يا محمد اجعل لنا جبال مكة ذهباً إن كنت رسولاً وقال آخرون: ائتنا بالملائكة ليشهدوا بنبوّتك فقال: لا أقدر على ذلك» فنزل ﴿إنما أنت نذير﴾ فلا عليك إلا البلاغ لا الإتيان بما اقترحوه ﴿والله على كل شيء وكيل﴾ فتوكل عليه إنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقولهم وأفعالهم.
﴿أم﴾ أي: بل ﴿يقولون﴾ كفار مكة ﴿افتراه﴾ أي: اختلقه من تلقاء نفسه وليس هو من عند الله، قال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿فأتوا بعشر سور مثله﴾ في البيان وحسن النظم ﴿مفتريات﴾ فإنكم عربيون مثلي. قال ابن عباس: هذه السور التي وقع بها هذا التحدي معينة وهي سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، وقيل: التحدي وقع بمطلق السور وهو متقدّم على التحدّي بسورة واحدة، والتحدّي بسورة واحدة وقع في سورة البقرة، وفي سورة يونس، أمّا تقدم هذه السورة على سورة البقرة فظاهر؛ لأن هذه السورة مكية وسورة البقرة مدنية، وأمّا في سورة يونس فلأنّ كل واحدة من هاتين السورتين مكية، فتكون سورة هود متقدّمة في النزول على سورة يونس كما قاله الرازي، وأنكر المبرد هذا وقال: بل سورة يونس أولاً وقال معنى قوله في سورة يونس ﴿فأتوا بسورة مثله﴾ (يونس، ٣٨) أي: مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد فأتوا بعشر سور من غير وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرّد البلاغة ﴿وادعوا﴾ أي: وقل لهم يا محمد ادعوا للمعاونة على ذلك ﴿من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ في أنه مفترى، والضمير في قوله تعالى:
﴿فإن لم يستجيبوا لكم﴾ أي: بإتيان ما دعوتموهم إليه للنبيّ ﷺ وللمؤمنين؛ لأنه ﷺ والمؤمنين كانوا يتحدونهم، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم﴾ (القصص، ٥٠) والتعظيم للنبيّ ﷺ ﴿فاعلموا أنما أنزل﴾ ملتبساً ﴿بعلم الله﴾ أي: بما لا يعلمه إلا الله تعالى من نظم يعجز الخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه ولا يقدر عليه سواه، وقوله تعالى: ﴿وأن﴾ مخففة من الثقيلة، أي: وأنه ﴿لا إله إلا هو﴾ وحده وأن توحيده واجب والإشراك به ظلم عظيم ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ أي: ثابتون على الإسلام راسخون مخلصون فيه إذ
стр. 703
تحقق عندكم إعجازه مطلقاً. وقيل: الخطاب للمشركين والضمير في لم يستجيبوا لمن استطعتم، أي: فإن لم يستجب لكم من تدعونه من دون الله إلى المظاهرة على معارضته لعلمهم بالعجز عنه، وأنّ طاقتهم أقصر من أن تبلغه فاعلموا أنه منزل من عند الله، وأنّ ما دعاكم إليه من التوحيد حق، فهل أنتم بعد هذه الحجة القاطعة مسلمون، أي: أسلموا وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر..
واختلف في سبب نزول قوله تعالى:
﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها﴾ أي: بعمله الذي يعمل من أعمال البرّ ﴿نوف إليهم أعمالهم﴾ أي: التي عملوها من خير كصدقة وصلة رحم ﴿فيها﴾ أي: في الدنيا ﴿وهم فيها لا يبخسون﴾ أي: نوصل إليهم أجور أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما يرزقون فيها من الصحة والرياسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد ونحو ذلك.
﴿أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط﴾ أي: بطل ﴿ما صنعوا﴾ أي: عملوا ﴿فيها﴾ أي: الآخرة فلا ثواب لهم ﴿وباطل ما كانوا يعملون﴾ لأنه لغير الله تعالى، فقال مجاهد: نزلت في أهل الرياء قال ﷺ «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالو: يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» . والرياء هو أن يظهر الإنسان الأعمال الصالحة لتحمده الناس ويعتقدوا فيه الصلاح، فهذا هو العمل الذي لغير الله تعالى ـ نعوذ بالله من الخذلان ـ وقال أكثر المفسرين: إنّها نزلت في الكافر، وأمّا المؤمن فيريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وعن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة. وأمّا الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً» . وقيل: نزلت في المنافقين الذين يطلبون بغزوهم مع النبيّ ﷺ الغنائم من غير أن يؤمنوا بالآخرة وثوابها. وقيل في اليهود والنصارى وهو منقول عن أنس. ولما ذكر تعالى الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ذكر من كان يريد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة بقوله تعالى:
﴿أفمن كان على بيّنة من ربه﴾ قيل: هو النبيّ ﷺ والبينة هي القرآن ﴿ويتلوه﴾ أي: يتبعه ﴿شاهد﴾ يصدقه ﴿منه﴾ أي: من الله تعالى وهو جبريل ﵇ ﴿ومن قبله﴾ أي: القرآن ﴿كتاب موسى﴾ وهو التوراة شاهد له أيضاً وقوله تعالى ﴿إماماً﴾ أي: كتاباً مؤتماً به في الدين ﴿ورحمة﴾ أي: على المنزل عليهم؛ لأنه الوصلة إلى الفوز بسعادة الدارين حال من كتاب موسى، والجواب محذوف لظهوره، والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها وليس لهم في الآخرة إلا النار ليس مثله بل بينهم تفاوت بعيد وتباين بين. وقيل: هو من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وغيره، والمراد بالبينة: هو البيان والبرهان والمراد بالشاهد هو القرآن ومنه، أي: من الله ومن قبله كتاب موسى، أي: ويتلو ذلك البرهان من قبل مجيء القرآن كتاب موسى، أي: في دلالته على هذا المطلوب لا في الوجود. قال الرازي: وهذا القول هو الأظهر لقوله تعالى: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ وهذه صفة جمع ولا يجوز رجوعه إلى محمد ﷺ انتهى. ويجوز أن تكون للتعظيم أو له ﷺ ومن تبعه وربما يكون هذا أولى كما
стр. 704
جرى عليه بعض المفسرين، والإشارة إلى من كان على بينة، والضمير في به للقرآن وإذا كان هذا الفريق ليس له في الآخرة إلا النار فهذا الفريق ليس له في الآخرة إلا الجنة ﴿ومن يكفر به﴾ أي: بالنبيّ ﷺ أو القرآن ﴿من الأحزاب﴾ أي: أصناف الكفار فيدخل فيهم اليهود والنصارى والمجوس ﴿فالنار موعده﴾ يعني في الآخرة.
روى سعيد بن جبير عن أبي موسى أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يسمع بي يهوديّ ولا نصرانيّ فلا يؤمن بي إلا كان من أهل النار» . قال أبو موسى: فقلت في نفسي: إنّ النبي ﷺ لا يقول مثل هذا إلا عن القرآن فوجدت الله تعالى يقول: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ قال بعض العلماء: ولما دلت الآية على أنّ من يكفر به كانت النار موعده دلّ على أنّ من لا يكفر به كانت الجنة موعده وقوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية﴾ أي: في شك ﴿منه﴾ أي: القرآن أو الموعد ﴿إنه الحق من ربك﴾ الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد غيره لأنه ﷺ لم يشك قط ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ أي: لا يصدقون بما أوحينا إليك أو بأن موعد الكفار النار، ثم وصف الله تعالى هؤلاء المنكرين الجاحدين بصفات كثيرة في معرض الذم. الصفة الأولى: كونهم مفترين على الله كما قال تعالى:
﴿ومن﴾ أي: لا أحد ﴿أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ بنسبة الشريك والولد إليه، أو أسند إليه ما لم ينزله، أو نفى عنه ما أنزله. الصفة الثانية: أنهم يعرضون على الله تعالى في موقف الذل والهوان كما قال تعالى: ﴿أولئك يعرضون على ربهم﴾ أي: يوم القيامة. فإن قيل: هم لا يختصون بهذا العرض لأنّ العرض عامّ في كل العباد كما قال تعالى: ﴿وعرضوا على ربك صفاً﴾ (الكهف، ٤٨) أجيب: بأنهم يعرضون فيفتضحون بشهادة الأشهاد عليهم كما قال تعالى: ﴿ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم﴾ فيحصل لهم من الخزي والنكال ما لا مزيد عليه، وهذه هي الصفة الثالثة، واختلف في هؤلاء الأشهاد، فقال مجاهد: هم الملائكة الذين يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا، وقال مقاتل: هم الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد، أي: على رؤوس الناس، وقال قوم: هم الأنبياء كما قال تعالى: ﴿فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين﴾ (الأعراف، ٦) . والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة. فإن قيل: العرض على الله يقتضي أن يكون الله تعالى في حيز وهو تعالى منزه عن ذلك. أجيب: بأنهم يعرضون على الأماكن المعدّة للحساب والسؤال، أو يكون ذلك عرضاً على من يوبخ بأمر الله تعالى من الأنبياء والمؤمنين. والأشهاد جمع شاهد كصاحب وأصحاب، أو جمع شهيد كشريف وأشراف. قال أبو علي الفارسي: وكان هذا أرجح؛ لأنّ ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل كقوله تعالى: ﴿وجئنا بك شهيداً على هؤلاء﴾ (النحل، ٨٩) . وعن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة فيستره من الناس فيقول: أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا فيقول: نعم، حتى إذا قرّره بذنوبه قال تعالى: سترتها عليك في الدنيا وقد سترتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته» ، وأمّا الكافر والمنافق فتقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ولما أخبر الله تعالى عن حالهم في عقاب القيامة
أخبر عن حالهم في الحال بقوله تعالى: ﴿ألا لعنة
стр. 705
الله على الظالمين﴾ فبيّن تعالى أنهم في الحال ملعونون من عند الله، وهذه هي الصفة الرابعة، ثم وصفهم بالصفة الخامسة بقوله تعالى:
﴿الذين يصدّون عن سبيل الله﴾ أي: دينه، ثم وصفهم بالصفة السادسة بقوله تعالى: ﴿ويبغونها﴾ أي: يطلبون السبيل ﴿عوجاً﴾ أي: معوجة، أي: كأنهم ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات وتعويج الدلائل المستقيمة؛ لأنه لا يقال في العامّي: إنه يبغي عوجاً، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيف الاستقامة، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات، ثم وصفهم بالصفة السابعة بقوله تعالى: ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿بالآخرة هم كافرون﴾ وتكرير لفظ هم لتأكيد كفرهم وتوغلهم فيه. الصفة الثامنة: كونهم عاجزين عن الفرار من عذاب الله كما قال تعالى:
﴿أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض﴾ أي: ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم إذ لا يمكنهم أن يهربوا من عذابه، فإنّ هرب العبد من عذاب الله تعالى محال؛ لأنه تعالى قادر على جميع الممكنات ولا تتفاوت قدرته بالقرب والبعد، والقوة والضعف. الصفة التاسعة: أنهم ليس لهم أولياء يدفعون عقاب الله تعالى عنهم كما قال تعالى: ﴿ما كان لهم من دون الله﴾ أي: غيره ﴿من أولياء﴾ أي: أنصار يمنعوهم من عذابه. الصفة العاشرة: مضاعفة العذاب كما قال تعالى: ﴿يضاعف لهم العذاب﴾ أي: بسبب إضلالهم غيرهم، وقيل: لأنّهم كفروا بالله وكفروا بالبعث والنشور. الصفة الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿وما كانوا يستطيعون السمع﴾ قال قتادة: صم عن سماع الحق فلا يسمعون خيرا فينتفعون به ﴿وما كانوا يبصرون﴾ خيراً فيأخذوا به. قال ابن عباس: أخبر الله تعالى أنه أحال بين أهل الشرك وبين طاعة الله تعالى في الدنيا وفي الآخرة، أمّا في الدنيا فإنه قال: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾ وأمّا في الآخرة فإنه قال: ﴿فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم﴾ (القلم، ٤٢، ٤٢) . الصفة الثانية عشرة: قوله تعالى:
﴿أولئك الذين خسروا أنفسهم﴾ فإنهم اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى فكان مصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم وذلك أعظم وجوه الخسرانات. الصفة الثالثة عشرة: قوله تعالى ﴿وضلّ﴾ أي: غاب ﴿عنهم ما كانوا يفترون﴾ على الله تعالى من دعوى الشريك وأنّ لآلهة تشفع لهم. الصفة الرابعة عشرة: قوله تعالى:
﴿لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون﴾ أي: لا أحد أبين وأكثر خسراناً منهم.
تنبيه: قال الفرّاء: إنّ لا جرم بمنزلة قولنا لا بدّ ولا محالة، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقاً. تقول العرب: لا جرم إنك محسن على معنى حقاً إنك محسن. وقال الزجاج: إنّ كلمة لا نفي لما ظنوا أنه ينفعهم، وجرم معناه: كسب ذلك الفعل والمعنى: لا ينفعهم ذلك وكسب ذلك الفعل لهم الخسران في الدنيا والآخرة. قال الأزهري: وهذا من أحسن ما قيل في هذا الباب. وقال سيبويه: لا ردّ على أهل الكفر كما مرّ. وجرم معناه: أحق والمعنى: أنه أحق كفرهم وقوع العذاب والخسران بهم واحتج سيبويه بقول الشاعر:
*ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أراد أحقت الطعنة فزارة أن يغضبوا، ولما ذكر تعالى عقوبة الكفار وخسرانهم أتبعه بذكر أحوال المؤمنين في الدنيا وربحهم في الآخرة بقوله تعالى:
﴿إنّ الذين آمنوا وعملوا
следующие страницы →