Полный текст (2 552 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا إلى رسول الله ﷺ قاصدين لقتله فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف فتنبه له رسول الله ﷺ وقال: اللهمّ اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامر بغدة فمات في بيت سلولية فكان يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية فنزلت» . «وعن الحسن أنه قال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبيّ ﷺ نفراً يدعونه إلى الله تعالى ورسوله ﷺ فقال لهم: أخبروني عن رب محمد الذي تدعونني إليه مم هو؟ أمن ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا رجلاً أكفر قلباً ولا أعتى على الله منه. فقال ﷺ ارجعوا، إليه فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مقالته الأولى وقال: أجيب محمد إلى رب لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا وقالوا: يا رسول الله، ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث فقال: ارجعوا إليه فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله ﷺ فاستقبلهم قوم من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: احترق صاحبكم فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحى الله تعالى إلى النبيّ ﷺ ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله﴾ » . ﴿وهو شديد المحال﴾ واختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿وهو
شديد المحال﴾
فقال عليّ ﵁: شديد الأخذ. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقال مجاهد: شديد القوة. وقال أبو عبيدة: شديد القوة والمغالبة. واختلف في قوله تعالى:
﴿له﴾ ، أي: الله ﴿دعوة الحق﴾ فقال عليّ: دعوة الحق التوحيد. وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله. وقال الحسن: الحق هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق. ﴿والذين يدعون﴾ ، أي: وهم الكفار. ﴿من دونه﴾ ، أي: غير الله وهي الأصنام ﴿لا يستجيبون﴾ ، أي: الأصنام ﴿لهم﴾ ، أي: الكفار ﴿بشيء﴾ مما يطلبونه من نفع أو دفع ضر ﴿إلا﴾ ، أي: الاستجابة ﴿كباسط﴾ ، أي: كاستجابة باسط ﴿كفيه إلى الماء﴾ ، أي: على شفير البئر يدعوه ﴿ليبلغ فاه﴾ ، أي: بارتفاعه من البئر إليه ﴿وما هو﴾ ، أي: الماء ﴿ببالغه﴾ ، أي: فاه أبداً؛ لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته، فكذلك ما هم بمستجيبين لهم أبداً؛ لأنّ أصنامهم كذلك، وقيل: شبهوا في قلة فائدة دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فبسط كفيه ناشراً أصابعهما، ولم يصل كفاه إلى ذلك الماء ولم يبلغ مطلوبه من مشربه، ثم أنه تعالى عمم في أنه لا يستجاب لهم بقوله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ ، أي: ضياع لا منفعة فيه؛ لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا آلهتهم لم تستطع إجابتهم، وقيل: المراد بالدعاء في الحالين العبادة وقوله تعالى:
﴿ولله يسجد من في السموات والأرض﴾ يحتمل أن يراد به السجود على حقيقته وهو وضع الجبهة، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿طوعاً﴾ للملائكة والمؤمنين من الثقلين حالتي الشدّة والرخاء وقوله تعالى: ﴿وكرهاً﴾ للكافرين والمنافقين الذين أكرهوا على السجود بالسيف وأن يراد به التعظيم والاعتراف بالعبودية، فكل من السموات والأرض معترف بعبودية الله
стр. 807
تعالى كما قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله﴾ (الزخرف، ٨٧) وأن يراد به الانقياد والخضوع وترك الامتناع، وكل من في السموات والأرض ساجد لله بهذا المعنى؛ لأنّ قدرته ومشيئته نافذة في الكل.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿طوعاً وكرهاً﴾ إمّا مفعول من أجله وإمّا حال، أي: طائعين وكارهين. واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وظلالهم بالغدوّ﴾ ، أي: البكر ﴿والآصال﴾ ، أي: العشايا، أي: تسجد فقال أكثر المفسرين: كل شخص سواء كان مؤمناً أو كافراً، فإن ظله يسجد لله. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد لله تعالى وهو طائع، وظل الكافر يسجد لله تعالى وهو كاره. وقال الزجاج: جاء في التفسير أن الكافر يسجد لغير الله وظله يسجد لله. قال ابن الأنباريّ: ولا يبعد أن يخلق الله تعالى في الظلال عقولاً وأفهاماً تسجد بها لله وتخشع. وقيل: المراد من سجود الظلال ميلها من جانب إلى جانب وطولها بسبب انحطاط الشمس وقصرها بسبب ارتفاع الشمس وهي منقادة مسلسلة في طولها وقصرها وميلها من جانب إلى جانب. وإنما خص الغدوّ والآصال بالذكر؛ لأنّ الظلال إنما تعظم وتكثر في هذين الوقتين.
تنبيه: الغدوّ جمع غداة كقنى وقناة، والآصال جمع الأصل، والأصل جمع أصيل، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. ولما بيّن تعالى أن كل من في السموات والأرض ساجد لله تعالى عدل إلى الردّ على عباد الأصنام بقوله تعالى:
﴿قل﴾ يا أشرف الخلق على الله تعالى لقومك ﴿من رب السموات والأرض﴾ ، أي: من مالكهما وما فيهما ومدبرهما وخالقهما؟ ﴿قل الله﴾ ، أي: أجب عنهم بذلك إن لم يقولوه، ولا جواب لهم غيره، ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه ولقنهم الجواب به. وروي أنه لما قال للمشركين ذلك عطفوا عليه وقالوا: أجب أنت فأمره الله تعالى، فأجاب بذلك، ثم ألزمهم الحجة على عبادتهم الأصنام بقوله تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿أفاتخذتم من دونه﴾ ، أي: غير الله ﴿أولياء﴾ ، أي: أصناماً تعبدونها ﴿لا يملكون لأنفسهم نفعاً﴾ يجلبونه ﴿ولا ضرّاً﴾ يدفعونه فكيف يملكون لكم ذلك؟ وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال في اتخذتم عند التاء، والباقون بالإدغام، ثم ضرب الله تعالى مثلاً للمشركين الذين يعبدون الأصنام والمؤمنين الذين يعبدون الله فقال تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ قال ابن عباس: يعني المشرك والمؤمن، وإنما مثل الكافر بالأعمى؛ لأنه لا يهتدي سبيلاً، فكذلك الكافر لا يهتدي سبيلاً. ثم ضرب الله مثلاً للإيمان والكفر بقوله تعالى: ﴿أم هل تستوي الظلمات﴾ ، أي: الكفر ﴿والنور﴾ ، أي: الإيمان؟ الجواب: لا. وقرأ شعبة وحمزة والكسائي ﴿يستوي﴾ بالياء على التذكير، والباقون بالتاء على التأنيث، وأمّا اللام من هل هنا فلا تدغم على القراءتين. ﴿أم جعلوا لله شركاء﴾ والهمزة للانكار، وقوله تعالى: ﴿خلقوا كخلقه﴾ صفة شركاء، أي: خلقوا سموات وأرضين وشمساً وقمراً وجبالاً وبحاراً وجناً وإنساً. ﴿فتشابه الخلق﴾ ، أي: خلق الشركاء بخلق الله ﴿عليهم﴾ من هذا الوجه فلا يدرون ما خلق الله ولا ما خلق آلهتهم، فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم، وهذا استفهام إنكار، أي: ليس الأمر كذلك ولا يستحق العبادة إلا الخالق. ولما كان من المعلوم قطعاً أن جوابهم أن الخلق كله لله لزمتهم الحجة فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهؤلاء المشركين ﴿الله خالق كل شيء﴾ ، أي: مما يصح أن يكون مخلوقاً، فهو من العموم الذي يراد به
стр. 808
الخصوص، فلا يدخل
في ذلك صفات الله تعالى، وإذا كان لا خالق غيره فلا يشاركه في العبادة أحد، فوجب أن ينفرد بالإلهية كما قال تعالى: ﴿وهو الواحد﴾ ، أي: الذي لا يجانسه شيء، وكل ما سواه لا يخلو عن مماثل يماثله، وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له؟ ﴿القهار﴾ الذي كل شيء تحت قهره، فيدخل تحت قضائه ومشيئته وإرادته، ثم ضرب تعالى مثلاً للحق والباطل بقوله تعالى:
﴿أنزل من السماء﴾ ، أي: السحاب أو السماء نفسها ﴿ماء﴾ ، أي: مطراً ﴿فسالت أودية﴾ ، أي: أنهار جمع واد، وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه، واستعمل للماء الجاري فيه، وتنكيرها؛ لأنّ المطر يأتي على تناوب بين البقاع ﴿بقدرها﴾ ، أي: بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضارّ، أو بمقداره في الصغر والكبر. ﴿فاحتمل السيل زبداً رابياً﴾ ، أي: عالياً هو ما على وجهه من قذر ونحوه ﴿ومما توقدون عليه من النار﴾ ، أي: من جواهر الأرض الذهب والفضة والنحاس والحديد ﴿ابتغاء﴾ ، أي: طلب ﴿حلية﴾ ، أي: زينة ﴿أو متاع﴾ ، أي: ينتفع به كالأواني إذا أذيبت، وآلات الحرب والحرث، والمقصود من هذا بيان منافعها ﴿زبد مثله﴾ ، أي: مثل زبد السيل، وهو خبثه الذي ينفيه الكير، ومن للابتداء أو للتبعيض. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة على أن الضمير للناس وإضماره للعلم به، والباقون بالتاء على الخطاب ﴿كذلك﴾ ، أي: مثل هذا الضرب العلي الرتب المتبين السبب ﴿يضرب الله﴾ ، أي: الذي له الأمر كله ﴿الحق والباطل﴾ ، أي: مثلهما، فإنه تعالى مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء، فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة، فيننتفع به أنواع المنافع، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه، ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنيّ والآبار، ومثل الباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وهو قوله تعالى: ﴿فأما الزبد﴾ ، أي: من السيل وما أوقد عليه من الجواهر ﴿فيذهب جفاء﴾ .
قال أبو حيان: مضمحلاً، أي: متلاشياً لا منفعة فيه ولا بقاء له. وقال ابن الأنباري: متفرّقاً، وانتصابه على الحال. ﴿وأما ما ينفع الناس﴾ من الماء ومن الجواهر الذي هو مثل الحق. ﴿فيمكث في الأرض﴾ ، أي: يثبت ويبقى لينتفع به أهلها ﴿كذلك﴾ ، أي: مثل ذلك الضرب ﴿يضرب﴾ ، أي: يبين ﴿الله﴾ الذي له الإحاطة الكاملة علماً وقدرة ﴿الأمثال﴾ فيجعلها في غاية الوضوح، وإن كانت في غاية الغموض. قال أهل المعاني: هذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل، فالباطل وإن علا على الحق في بعض الأوقات والأحوال، فإن الله يمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي يعلو على الماء، فيذهب الزبد فيبقى الماء الصافي الذي ينفع، وكذلك الصفو من هذه الجواهر يبقى، ويذهب العلو الذي هو الكدر وهو ما ينفيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض كذلك الحق والباطل. وقيل: هذا مثل للمؤمن واعتقاده وانتفاعه بالإيمان كمثل الماء الصافي الذي ينتفع به الناس، ومثل الكافر وخبث اعتقاده كمثل الزبد الذي لا ينتفع به البتة. ثم إنه تعالى لما ذكر الحق والباطل ذكر ما لأهلهما من الثواب والعقاب فقال تعالى:
﴿للذين استجابوا لربهم﴾ ، أي: أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوّة وبعث الأموات، والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله محمد ﷺ ﴿الحسنى﴾ قال ابن عباس وقال أهل المعاني: الحسنى
стр. 809
هي المنفعة العظمى في الحسن، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرّة الدائمة الخالصة عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال، ولم يذكر تعالى الزيادة هاهنا؛ لأنه تعالى ذكرها في سورة أخرى وهي قوله تعالى ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (يونس، ٢٦) هذا ما لأهل الحق، وأمّا ما لأهل الباطل فهو ما ذكره بقوله جل من قائل: ﴿والذين لم يستجيبوا له﴾ وهم الكفرة فلهم أنواع ثلاثة من العذاب والعقوبة، فالنوع الأوّل قوله تعالى: ﴿لو أنّ لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به﴾ ، أي: جعلوه فكاك أنفسهم بغاية جهدهم؛ لأنّ المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته، وكل ما هو سواه فهو إنما يحبه لكونه وسيلة إلى مصالح ذاته، فإذا كانت النفس في الضر والألم والتعب وكان مالكاً لما يساوي عالم الأجناس والأرواح، فإنه يرضى بأن يجعله فداء نفسه؛ لأنّ المحبوب بالعرض لا بدّ وأن يكون فداء لما كان محبوباً بالذات، والكناية في به عائدة إلى ما في قوله ما في الأرض.d
والنوع الثاني من أنواع العذاب الذي أعده الله تعالى لهم ما ذكره بقوله تعالى: ﴿أولئك لهم سوء الحساب﴾ وهو المناقشة فيه، وعن النخعي بأن يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفر منه شيء، وإنما نوقشوا؛ لأنهم أحبوا الدنيا وأعرضوا عن المولى، فلما ماتوا بقوا محرومين عن معشوقهم الذي هو الدنيا وبقوا محرومين من الفوز بسعادة خدمة المولى.
والنوع الثالث من عقوباتهم ما ذكره بقوله تعالى: ﴿ومأواهم﴾ ، أي: مرجعهم ﴿جهنم﴾ وذلك لأنهم كانوا غافلين عن الاشتغال بخدمة المولى عاشقين للذات الدنيا، فإذا ماتوا فارقوا معشوقهم، فيحترقون على مفارقتها، وليس عندهم شيء آخر يجبر هذه المصيبة، فلذلك كان مأواهم جهنم. ثم إنه تعالى وصف هذا المأوى بقوله عز من قائل: ﴿وبئس المهاد﴾ ، أي: الفراش، والمخصوص بالذم محذوف، أي: جهنم. ونزل في حمزة وأبي جهل، وقيل: في عمار وأبي جهل.
﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق﴾ ، أي: يؤمن به ويعمل بما فيه، وهو حمزة أو عمار رضي الله تعالى عنهما. ﴿كمن هو أعمى﴾ ، أي: أعمى البصيرة ولا يؤمن به ولا يعمل بما فيه وهو أبو جهل، قال ابن الخازن في تفسيره: وحمل الآية على العموم أولى، وإن كان السبب مخصوصاً، والمعنى: لا يستوي من يبصر الحق ويتبعه ومن هو لا يبصر الحق ولا يتبعه، وإنما شبه الكافر والجاهل بالأعمى؛ لأنّ الأعمى لا يهتدي لرشد ﴿إنما يتذكر﴾ ، أي: يتعظ ﴿أولو الألباب﴾ ، أي: أصحاب العقول الذين يطلبون من كل صورة معناها، ويأخذون من كل قشرة لبابها، ويعبرون من ظاهر كل حديث إلى سره ولبابه.
﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ ، أي: ما عاقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا: بلى، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه. ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾ ، أي: ما واثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى، وبينهم وبين العباد، فهو تعميم بعد تخصيص.
﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ ، أي: من الإيمان والرحم وغير ذلك، والأكثرون على أنه أراد به صلة الرحم. عن أبي موسى أنّ عبد الرحمن بن عوف عاد أبا الدرداء فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فيما يحكي عن ربه تعالى: «أنا الرحمن وهي الرحم شققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، أو قال: بتته» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ «الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله» . وعن
стр. 810
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «من سره أن يبسط في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» . ومعنى ينسأ يؤخر، والمراد به تأخير الأجل، وفيه قولان:
أحدهما وهو المشهور: أنه يزاد في عمره زيادة حقيقية.
والثاني: يبارك له في عمره فكأنه قد زيد فيه. وعن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها» . وعن رسول الله ﷺ أنه قال: «تأتي يوم القيامة لها ألسنة ذلقة الرحم فتقول: أي: رب قطعت والأمانة تقول: أي رب تركت والنعمة تقول: أي: رب كفرت» . وعن الفضيل بن عياض أنّ جماعة دخلوا عليه بمكة فقال: من أين أنتم؟ فقالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم، واعلموا أنّ العبد لو أحسن كل الإحسان وكان له دجاجة، فأساء إليها لم يكن من المحسنين.
﴿ويخشون ربهم﴾ ، أي: وعيده عموماً، والخشية خوف يشوبه تعظيم ﴿ويخافون سوء الحساب﴾ خصوصاً فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ﴿والذين صبروا﴾ ، أي: على طاعة الله تعالى وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه. وقال ابن عباس: صبروا على أمر الله. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي، ومرجع الكل واحد فإنّ الصبر الحبس، وهو تجرع مرارة منع النفس عما تحب مما لا يجوز فعله ﴿ابتغاء﴾ ، أي: طلب ﴿وجه ربهم﴾ ، أي: رضاه لا طلب غيره من جور أو سمعة أو رياء أو لغرض من أغراض الدنيا أو نحو ذلك ﴿وأقاموا الصلاة﴾ ، أي: المفروضة، وقيل: مطلق الصلاة، فيدخل فيه الفرض والنفل.
﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية﴾ قال الحسن: المراد به الزكاة، فإن لم يتهم بترك الزكاة فالأولى أن يؤدّيها سرًّا، وإن كان يتهم بترك أدائها، فالأولى أن يؤدّيها علانية، وقيل: المراد بالسر صدقة التطوّع، وبالعلانية الزكاة. وقيل: المراد بالسر ما يؤدّيه من الزكاة بنفسه وبالعلانية ما يدفعه إلى الإمام. ﴿ويدرؤون﴾ ، أي: يدفعون ﴿بالحسنة السيئة﴾ كالجهل بالحلم والأذى بالصبر. روي عن ابن عباس قال: يدفعون بالصالح من العمل السيء من العمل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إنّ الحسنات يذهبن السيئات﴾ (هود، ١١٤) وقوله ﷺ «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية» . وعن عقبة بن عامر أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيق قد خنقه ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى يخرج إلى الأرض» . وقال ابن عباس: يدفعون بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سوء غيرهم. وعن الحسن إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا. وعن ابن عمر: ليس الواصل من وصل، ثم وصل تلك مجازاة لكن من قطع ثم وصل وعطف من لم يصله، وليس الحليم من ظلم، ثم حلم حتى إذا هيجه قوم اهتاج لكن الحليم من قدر ثم عفا. وعن ابن كيسان إذا أذنبوا تابوا، وقيل: إذا رأوا منكراً أمروا بتغييره، وروي أنّ شقيقاً البلخي دخل على ابن المبارك متنكراً فقال له: من أين أنت؟ فقال: من بلخ. فقال: وهل تعرف شقيقاً؟ قال: نعم. فقال: وكيف طريقة أصحابه؟ قال: إذا منعوا صبروا وإذا أعطوا شكروا. فقال ابن المبارك: طريقة كلابنا هكذا. فقال شقيق: فكيف ينبغي أن يكون الأمر؟ فقال: الكاملون
стр. 811
هم الذين إذا منعوا شكروا وإذا أعطوا آثروا. ﴿أولئك﴾ ، أي: العالو الرتبة ﴿لهم عقبى الدار﴾ وبينها تعالى بقوله:
﴿جنات عدن﴾ ، أي: إقامة لا انفكاك لها يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ثم استأنف بيان تمكنهم بها بقوله تعالى: ﴿يدخلونها﴾ ولما كانت الدار لا تطيب بدون الأحبة قال تعالى عاطفاً على الضمير المرفوع: ﴿ومن صلح من آبائهم﴾ ، أي: الذين كانوا سبباً في إيجادهم، فيشمل ذلك الآباء والأمهات وإن علوا ﴿وأزواجهم وذرياتهم﴾ ، أي: الذين تسببوا عنهم، والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم وتعظيماً لشأنهم، ويقال: إنّ من أعظم موجبات سرورهم أن يجتمعوا فيتذاكروا أحوالهم في الدنيا ثم يشكروا الله تعالى على الخلاص منها والفوز بالجنة، ولذلك قال الله تعالى في صفة أهل الجنة أنهم يقولون: ﴿يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ (يس: ٢٦، ٢٧) . وفي ذلك دليل على أنّ الدرجة تعلو بالشفاعة، وأن الموصوفين بتلك الصفات يقترن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم، والتقييد بالصلاح دلالة على أنّ مجرد الأنساب لا تنفع.
وفسر ابن عباس الصلاح بالتصديق فقال: يريد من صدّق بما صدّقوا وإن لم يعمل مثل أعمالهم، قال الرازي: قوله ﴿وأزواجهم﴾ ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه، وما روي عن سودة أنها لما همّ الرسول ﷺ بطلاقها قالت: دعني يا رسول الله أحشر في جملة نسائك. كالدليل على ما ذكرنا اه. وعلى هذا من تزوجت بغيره قيل: إنها تتخير بينهما، ثم زاد تعالى في ترغيبهم بقوله تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم﴾ لأنّ الإكثار من ترداد رسل الملك أعظم في الفخر وأكثر في السرور والعز. ولما كان إتيانهم من الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على الأدب والكرم قال تعالى: ﴿من كل باب﴾ قال ابن عباس: لهم خيمة من درّة مجوّفة طولها فرسخ وعرضها فرسخ لها ألف باب مصارعها من ذهب يدخلون عليهم من كل باب يقولون لهم:
﴿سلام عليكم﴾ ، أي: فأضمر القول هنا لدلالة الكلام عليه ﴿بما صبرتم﴾ على أمر الله، والباء للسببية، أي: بسبب صبركم، أو البدلية، أي: بدل ما احتملتم من مشاق الصبر ومتاعبه. فإن قيل: بم يتعلق قوله ﴿بما صبرتم﴾ قال الزمخشري: بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم، وقال البيضاوي: متعلق بعليكم أو بمحذوف لا بسلام، فإن الخبر فاصل مع أنّ الزمخشري قال ويجوز أن يتعلق بسلام، أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم، وهذا أظهر وردّ الأول بأن الممنوع منه إنما هو المصدر المؤوّل بحرف مصدري، وفعل والمصدر هنا ليس كذلك.
ولما تم ذلك تسبب عنه قوله تعالى: ﴿فنعم عقبى الدار﴾ وهي المسكن في قرار المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها، والمرافق التي ينتفع بها، والعقبى الإنتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر، والمخصوص بالمدح محذوف، أي: عقباكم. ولما ذكر تعالى صفات السعداء ومايترتب عليها من الأحوال الشريفة العالية أتبعها بذكر أحوال الأشقياء، وذكر مايترتب عليها من الأحوال المخزية المكربة، وأتبع الوعد بالوعيد والثواب بالعقاب؛ ليكون البيان كاملاً فقال تعالى:
﴿والذين ينقضون عهد الله﴾ ، أي: فيعملون بخلاف موجبه، والنقض التفريق الذي ينفي تأليف البناء ﴿من بعد ميثاقه﴾ ، أي: الذي أوثقه عليهم من الإقرار والقبول
стр. 812
﴿ويقطعون ما﴾ ، أي: الذي ﴿أمر الله به أن يوصل﴾ وذلك في مقابلة قوله من قبل ﴿والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾ (الرعد، ٢١) فجعل من صفات هؤلاء القطع بالضد من ذلك الوصل، والمراد به قطع ما يوجب الله تعالى وصله، أي: لما له من المحاسن الجلية والخفية التي هي عين الصلاح، ويدخل في ذلك وصل الرسول ﷺ بالموالاة والمعاونة، ووصل المؤمنين ووصل الأرحام، ووصل سائر من له حق ﴿ويفسدون﴾ ، أي: يوقعون الفساد ﴿في الأرض﴾ ، أي: في أي جزء كان منها بالظلم وتهييج الفتن، والدعاء إلى غير دين الله تعالى ﴿أولئك﴾ أي البعداء البغضاء ﴿لهم اللعنة﴾ ، أي: الطرد والبعد ﴿ولهم سوء الدار﴾ والدار لهم هي جهنم، وليس لهم فيها إلا ما يسوء الصائر إليها. ولما حكم تعالى على من نقض عهده في قبول التوحيد والنبوّة بأنهم ملعونون في الدنيا ومعذبون في الآخرة، فكأنه قيل: لو كانوا أعداء الله تعالى لما فتح الله عليهم أبواب النعم واللذات في الدنيا فأجاب الله تعالى بقوله تعالى:
﴿الله يبسط الرزق﴾ ، أي: يوسعه ﴿لمن يشاء ويقدر﴾ ، أي: يضيقه على من يشاء سواء في ذلك الطائع والعاصي ولا تعلق لذلك بالكفر والإيمان فقد يوجد الكافر موسعاً عليه دون المؤمن ويوجد المؤمن موسعاً عليه دون الكافر فالدنيا دار امتحان ولما كانت السعة مظنة الفرح إلا عند من وفقه الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وفرحوا﴾ ، أي: كفار مكة فرح بطر ﴿بالحياة الدنيا﴾ ، أي: بما نالوه فيها لا فرح سرور بفضل الله والعافية عليهم ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة ﴿وما الحياة الدنيا﴾ ، أي: بكمالها ﴿في الآخرة﴾ ، أي: في جنبها ﴿الامتاع﴾ ، أي: حقير متلاش يتمتع به ويذهب كعجالة الراكب وهي ما يتعجله من تميرات أو شربة ماء سويق أو نحو ذلك.
﴿ويقول الذين كفروا﴾ من أهل مكة ﴿لولا﴾ ، أي: هلا ﴿أنزل عليه﴾ ، أي: على هذا الرسول ﴿آية﴾ ، أي: علامة بينة ﴿من ربه﴾ ، أي: المحسن إليه كالعصا واليد لموسى والناقة لصالح لنهتدي بها فنؤمن به وأمره الله تعالى أن يجيبهم بقوله: ﴿قل﴾ ، أي: لهؤلاء المعاندين ﴿إن الله يضل من يشاء﴾ إضلاله فلا تغني عنه الآيات شيئاً وإن أنزلت كل آية ﴿ويهدي﴾ ، أي: يرشد ﴿إليه﴾ ، أي: إلى دينه ﴿من أناب﴾ ، أي: رجع إليه كأبي بكر الصديق وغيره ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم ولو حصلت آية واحدة فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله تعالى في طلب الهداية وقوله تعالى:
﴿الذين آمنوا﴾ بدل من أناب أو خبر مبتدأ محذوف ﴿وتطمئن﴾ ، أي: تسكن ﴿قلوبهم بذكر الله﴾ ، أي: أنساً به واعتماداً عليه ورجاءً منه أو بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده أو بالقرآن الذي هو أقوى المعجزات وقال ابن عباس: يريد إذا سمعوا القرآن خشعت قلوبهم واطمأنت فإن قيل: قد قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم﴾ (الأنفال، ٢) والوجل ضد الاطمئنان فكيف الجمع بين هاتين الآيتين؟ أجيب: بأنهم إذا ذكروا العقاب ولم يأمنوا أن يقدموا على المعاصي فهناك يحصل الوجل وإذا ذكروا وعده بالثواب والرحمة سكنت قلوبهم إلى ذلك وحينئذ حصل الجمع بينهما ﴿ألا بذكر الله﴾ ، أي: الذي له الجلال والإكرام لا بذكر غيره ﴿تطمئن﴾ ، أي: تسكن ﴿القلوب﴾ ويثبت اليقين فيها وقوله تعالى:
﴿الذين آمنوا وعملوا
стр. 813
الصالحات﴾ مبتدأ خبره ﴿طوبى لهم﴾ واختلف العلماء في تفسير طوبى فقال ابن عباس: فرح لهم وقرة عين. وقال عكرمة: نعمى لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وقال النخعي: خير لهم وكرامة. وقال سعيد بن جبير: طوبى اسم الجنة بالحبشية. قال الرازي: وهذا القول ضعيف؛ لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما، اشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر. وعن أبي هريرة وأبي الدرداء أن طوبى شجرة في الجنة تظل الجنان كلها. وقال عبيد بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبيّ ﷺ وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرة إلا وفيها منه إلا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل. وقال مقاتل: وكل ورقة منها تظل أمة عليها ملك يسبح الله تعالى بأنواع التسبيح. وعن أبي سعيد الخدري أنّ رجلاً سأل النبيّ ﷺ ما طوبى؟ قال: «شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها» . وعن معاوية بن قرّة عن أبيه يرفعه: «طوبى شجرة غرسها الله تعالى بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة» . وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: «إنّ في الجنة شجرة يقال لها: طوبى يقول الله تعالى لها: تفتقي لعبدي عما يشاء فتتفتق له عن فرس مسرجة بلجامها وهيئتها كما يشاء وتتفتق له عن راحلة برحلها وزمامها وهيئتها كما يشاء» . وقيل: طوبى فعلى من الطيب قلبت ياؤه واواً لضم ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى ومعنى طوبى لك أصبت خيراً وطيباً. ﴿وحسن مآب﴾ ، أي: حسن المنقلب.
﴿كذلك﴾ ، أي: مثل إرسال الرسل الذين قدمنا الإشارة إليهم في آخر سورة يوسف وفي غيرها ﴿أرسلناك في أمّة﴾ ، أي: جماعة كثيرة ﴿قد خلت من قبلها﴾ ، أي: تقدّمتها ﴿أمم﴾ طال أذاهم لأنبيائهم، ومن آمن بهم، واستهزاؤهم بهم في عدم الإجابة حتى كأنهم تواصوا بهذا القول فليس ببدع إرسالك إليهم ﴿لتتلو﴾ ، أي: لتقرأ ﴿عليهم﴾ ، أي: على أمّتك ﴿الذي أوحينا إليك﴾ من القرآن وشرائع الدين ﴿وهم﴾ ، أي: والحال أنهم ﴿يكفرون بالرحمن﴾ ، أي: بالبليغ الرحمة الذي وسعت رحمته كل شيء.
وقال قتادة: هذه الآية مدنية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن سهل بن عمرو لما جاء للصلح واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح، فقال رسول الله ﷺ لعلي: «أكتب بسم الله الرحمن الرحيم» . فقال سهل بن عمرو: لا نعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة يعني مسيلمة الكذاب أكتب كما كنت تكتب باسمك اللهمّ» فهذا معنى قوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ ، أي: أنهم يكفرونه ويجحدونه. قال البغويّ: والمعروف أنّ الآية مكية، وسبب نزولها أنّ أبا جهل سمع النبيّ ﷺ وهو في الحجر يدعو يا الله يا رحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إنّ محمداً يدعو الله ويدعو إلهاً آخر يسمى الرحمن ولا نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: ﴿قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ (الإسراء، ١١٠) . وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبيّ ﷺ «اسجدوا للرحمن» قالوا: وما الرحمن؟ قال الله تعالى: ﴿قل﴾ لهم يا محمد إنّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته ﴿هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت﴾ ، أي: اعتمدت عليه في أموري كلها ﴿وإليه متاب﴾ ،
стр. 814
أي: مرجعي ومرجعكم. روي أنّ أهل مكة قعدوا في فناء الكعبة فأتاهم النبيّ ﷺ وعرض الإسلام عليهم، فقال له عبد الله بن أمية المخزومي: سير لنا جبال مكة حتى ينفسح المكان علينا، واجعل لنا فيها أنهاراً نزرع فيها، وأحي لنا بعض أمواتنا لنسألهم أحق ما تقول أم باطل؟ فقد كان عيسى يحي الموتى، وسخر لنا الريح حتى نركبها إلى البلاد، فقد كانت الريح مسخرة لسليمان، فلست بأهون على ربك من سليمان، فنزل قوله تعالى:
﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال﴾ ، أي: نقلت عن أماكنها ﴿أو قطعت﴾ ، أي: شققت ﴿به الأرض﴾ من خشية الله تعالى عند قراءته، فجعلت أنهاراً وعيوناً. ﴿أو كلم به الموتى﴾ ، أي: بأن يحيوا، وجواب لو محذوف، أي: لكان هذا القرآن في غاية ما يكون من الصحة، واكتفى بمعرفة السامعين مراده، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم. وقيل: تقديره لما آمنوا، ونقل عن الفراء أنّ جواب لو هي الجملة من قوله: ﴿وهم يكفرون﴾ ففي الكلام تقديم وتأخير وما بينهما اعتراض، وتقدير الكلام وهم يكفرون بالرحمن لو أنّ قرآناً سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لكفروا بالرحمن، ولم يؤمنوا لما سبق من علمنا فيهم.
فإن قيل: لم حذفت التاء في قوله تعالى: ﴿وكلم به الموتى﴾ وثبتت في الفعلين قبله؟ أجيب: بأنه من باب التغليب؛ لأنّ الموتى يشمل المذكر والمؤنث. ﴿بل لله الأمر﴾ ، أي: القدرة على كل شيء ﴿جميعاً﴾ وهذا إضراب عما تضمنته لو من معنى النفي، أي: بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات، لكن الإرادة لم تتعلق بذلك لعلمه تعالى بأنه لا يلين قلوبهم ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم وذهب أكثرهم إلى أنّ معناه: أفلم يعلم الذين آمنوا ﴿أن﴾ ، أي: بأنه ﴿لو يشاء الله﴾ ، أي: الذي له صفات الكمال ﴿لهدى الناس جميعاً﴾ ، أي: إلى الإيمان من غير آية، ولكنه تعالى لم يشأ هداية جميع الخلائق ﴿ولا يزال الذين كفروا﴾ ، أي: جميع الكفار ﴿تصيبهم بما﴾ ، أي: بسبب ما ﴿صنعوا قارعة﴾ ، أي: نازلة وداهية تقرعهم بأنواع البلايا تارة بالجدب، وتارة بالسلب وتارة بالقتل، وتارة بالأسر وغيرذلك. واختلف في الكفار على قولين.
قيل: أراد بهم جميع الكفار، لأنّ الوقائع الشديدة التي وقعت لبعض الكفار من ذلك أوجبت حصول الغم في قلب الكل.
وقيل: المراد الكفار من أهل مكة والألف واللام للمعهود السابق ويدل لهذا قول ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله ﷺ يبعثها إليهم ﴿أو تحل﴾ ، أي: تنزل نزولاً ثابتاً تلك القارعة ﴿قريباً من دارهم﴾ ، أي: فتوهن أمرهم، وقيل: معناه أو تحل أنت يا محمد بجيشك قريباً من دارهم مكة كما حل بالحديبية ﴿حتى يأتي وعد الله﴾ ، أي: بالنصر وظهور رسول الله ﷺ ودينه بفتح مكة، أو بالنصر على جميع الكفرة في زمن عيسى ﵇ فينقطع ذلك؛ لأنه لا يبقى على الأرض كافر.
وقيل: أراد بوعد الله يوم القيامة؛ لأنّ الله يجمعهم فيه فيجازيهم بأعمالهم ﴿إنّ الله لا يخلف الميعاد﴾ لامتناع الكذب في كلامه تعالى. ولما كان الكفار يسألون هذه الآيات منه ﷺ على سبيل الاستهزاء والسخرية، وكان ذلك يشق عليه ويتأذى من تلك الكلمات أنزل الله تعالى تسلية له وتصبيراً له
стр. 815
على سفاهة قومه:
﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ كما استهزئ بك ﴿فأمليت للذين كفروا، أي: أطلت المدّة بتأخير العقوبة ثم أخذتهم﴾ بالعقوبة ﴿فكيف كان عقاب﴾ ، أي: هو واقع موقعه، فكذلك أفعل بمن استهزأ بك، والإملاء الإمهال بأن يترك مدّة من الزمان في راحة وأمن كالبهيمة يملي لها في المرعى، وهذا استفهام معناه التعجب، وفي ضمنه وعيد شديد لهم، وجواب عن اقتراحهم الآيات على رسول الله ﷺ على سبيل الاستهزاء، ثم إنه تعالى أورد على المشركين ما يجري مجرى الحجاج، وما يكون توبيخاً لهم وتعجيباً من عقولهم فقال تعالى:
﴿أفمن هو قائم﴾ ، أي: رقيب ﴿على كل نفس بما كسبت﴾ ، أي: عملت من خير وشر وهو الله تعالى القادر على كل الممكنات العالم بجميع المعلومات من الجزئيات والكليات، ولا بدّ لهذا الكلام من جواب فإن من موصولة صلتها هو قائم، والموصول مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره كمن ليس بهذه الصفة، وهي الأصنام التي لا تنفع ولا تضرّ دل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ (الزمر، ٢٢) الآية تقديره كمن قسا قلبه يدل عليه قوله: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ (الزمر، ٢٢) وإنما حسن حذفه كون الخبر مقابلاً للمبتدأ، وقد جاء مبيناً كقوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ (النحل، ١٧) وقوله تعالى: ﴿قل سموهم﴾ فيه تنبيه على أنّ هؤلاء الشركاء لا يستحقونها، والمعنى: سموهم بأسمائهم الحقيقية، فإنهم إذا عرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ذلك مما هو مركز العجز، ومحل الفقر عرف ما هم عليه من سخافة العقول وركاكة الآراء، ثم قيل: أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من جملة عبيده؟ ﴿أم تنبئونه﴾ ، أي: تخبرونه ﴿بما لا يعلم﴾ وعلمه محيط بكل شيء ﴿في الأرض﴾ من كونها آلهة ببرهان قاطع ﴿أم﴾ تسمونهم شركاء ﴿بظاهر من القول﴾ ، أي: بحجة إقناعية تقال بالفم، وكل ما لا يعلم فليس بشيء، وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإعجاز.
ولما كان التقدير ليس لهم على شيء من هذا برهان قاطع، ولا قول ظاهر بنى عليه قوله تعالى: ﴿بل زين﴾ ، أي: وقع التزيين بأمر من لا يرد أمره على يد من كان من شياطين الإنس أو شياطين الجنّ. ﴿للذين كفروا مكرهم﴾ ، أي: أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره، وذلك أنهم أظهروا أنّ شركاءهم آلهة حقاً وهم يعلمون بطلان ذلك، وليس بهم في الباطن إلا تقليد الآباء، وأظهروا أنهم يعبدونها لتقرّبهم إلى الله زلفى، ولتشفع لهم، وهم لا يعتقدون بعثاً ولا نشوراً، فصار كل ذلك من فعلهم فعل الماكر ﴿وصدّوا﴾ غيرهم ﴿عن السبيل﴾ ، أي: طريق الهدى الذي لا يقال لغيره سبيل، فإنّ غيره عدم بل العدم خير منه، فهم لم يسلكوا السبيل، ولا تركوا غيرهم يسلكه، فضلوا وأضلوا، وليس ذلك بعجيب فإنّ الله أضلهم ﴿ومن يضلل الله﴾ ، أي: الذي له الأمر كله بإرادة إضلاله ﴿فما له من هاد﴾ وقرأ ابن كثير بإثبات الياء بعد الدال في الوقف دون الوصل، والباقون بغير ياء وقفاً ووصلاً. وكذلك من واق وكذا ولا واق. ولما أخبر الله تعالى بتلك الأمور المذكورة بين أنه جمع لهم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة بقوله تعالى:
﴿لهم عذاب في الحياة الدنيا﴾ بالقتل والأسر والذم والإهانة واغتنام الأموال واللعن، ونحو ذلك مما فيه غيظهم ﴿ولعذاب الآخرة أشق﴾ ، أي: أشدّ في المشقة بسبب القوّة والشدّة
стр. 816
وكثرة الأنواع والدوام، وعدم الانقطاع، ثم بين تعالى أنّ أحداً لا يقيهم من عذابه بقوله تعالى: ﴿وما لهم من الله من واق﴾ ، أي: مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءاً لا في الدنيا ولا في الآخرة، والواقي فاعل من الوقاية، وهي الحجز بما يدفع الأذية. ولما ذكر تعالى عذاب الكفار في الدنيا والآخرة أتبعه بذكر ثواب المتقين بقوله تعالى:
﴿مثل﴾ ، أي: صفة ﴿الجنة﴾ ، أي: التي هي مقرهم ﴿التي وعد المتقون﴾ واختلف في إعراب ذلك على أقوال: الأوّل: قال سيبويه: ﴿مثل الجنة﴾ مبتدأ وخبره محذوف والتقدير فيما قصصناه عليك ﴿مثل الجنة﴾ . والثاني: قال الزجاج: ﴿مثل الجنة جنة من صفتها كذا وكذا. والثالث: مثل الجنة﴾ مبتدأ وخبره. ﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ كما تقول صفة زيد أسمر، والرابع الخبر. ﴿أكلها﴾ ، أي: مأكولها ﴿دائم﴾ لأنه الخارج عن العادة، فقد وصف الله تعالى الجنة بثلاثة أوصاف، الأوّل: تجري من تحتها، أي: من تحت قصورها وأشجارها الأنهار. الثاني: إن أكلها دائم لا ينقطع أبداً بخلاف جنة الدنيا. والثالث: قوله تعالى: ﴿وظلها﴾ ، أي: دائم ليس كظل الدنيا لا تنسخه الشمس ولا غيرها إذ ليس فيها شمس ولا قمر ولا ظلمة، بل ظل ممدود لا ينقطع ولا يزول. ثم إنه تعالى لما وصف الجنة بهذه الصفات الثلاثة بيّن تعالى أنها للمتقين بقوله تعالى: ﴿تلك﴾ ، أي: الجنة العالية الأوصاف ﴿عقبى﴾ ، أي: آخر أمر ﴿الذين اتقوا﴾ ، أي: الشرك، ثم كرر الوعيد للكافرين بقوله تعالى ﴿وعقبى﴾ ، أي: منتهى أمر ﴿الكافرين النار﴾ لا غير، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين. واختلف في قوله تعالى:
على قولين الأوّل: أنهم أصحاب محمد ﷺ والمراد بالكتاب القرآن ﴿يفرحون بما أنزل إليك﴾ من أنواع التوحيد والعدل والنبوّة والبعث والأحكام والقصص ﴿ومن الأحزاب﴾ ، أي: الجماعات من اليهود والنصارى وسائر الكفار ﴿من ينكر بعضه﴾ وهذا قول الحسن وقتادة.
فإن قيل: الأحزاب منكرون كل القرآن؟ أجيب: بأنهم لا ينكرون كل ما في القرآن، لأنه ورد فيه إثبات الله تعالى وإثبات علمه وقدرته وحكمته وأقاصيص الأنبياء، والأحزاب لا ينكرون كل هذه الأشياء.
والقول الثاني: أنّ المراد بالكتاب التوراة، وبأهله الذين أسلموا من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومن أسلم من النصارى، وهم ثمانون رجلاً أربعون من نجران وثمانية من اليمن واثنان وثلاثون من أرض الحبشة، وفرحوا بالقرآن؛ لأنهم آمنوا به وصدّقوه، والأحزاب بقية أهل الكتاب، وسائر المشركين، وقيل: كان ذكر الرحمن قليلاً في القرآن في الابتداء فلما اسلم عبد الله بن سلام ومن تبعه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرّر الله تعالى ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه﴾ (الرعد، ٣٦) يعني مشركي مكة حين كتب رسول الله ﷺ في كتاب الصلح بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: ما نعرف إلا رحمن اليمامة؟ يعني مسيلمة فأنزل الله تعالى: ﴿وهم بذكر الرحمن هم كافرون﴾ (الأنبياء، ٣٦) . ثم إنه تعالى لما بين هذا جمع كل ما يحتاج المرء إليه في معرفة المبدأ والمعاد وبينه بألفاظ قليلة فقال: ﴿قل﴾ ، أي: يا أكرم الخلق على الله تعالى ﴿إنما أمرت﴾ ، أي: وقع إليّ الأمر الجازم الذي لا شك فيه ولا تغيير ممن له الأمر كله ﴿أن أعبد
стр. 817
الله﴾ ، أي: وحده، ولذلك قال: ﴿ولا أشرك به﴾ شيئاً ﴿إليه﴾ وحده ﴿أدعو وإليه مآب﴾ ، أي: مرجعي للجزاء لا إلى غيره.
﴿وكذلك﴾ ، أي: كما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسانهم ﴿أنزلناه﴾ ، أي: القرآن ﴿حكماً﴾ والحكم فصل الأمر على الحق ﴿عربياً﴾ بلسانك ولسان قومك، وإنما سمي القرآن حكماً؛ لأنّ فيه جميع التكاليف والحلال والحرام، والنقض والإبرام، فلما كان سبباً للحكم جعل نفس الحكم على سبيل المبالغة. وروي أنّ المشركين كانوا يدعون النبيّ ﷺ إلى ملة آبائه، فوعده الله تعالى على متابعتهم في تلك المذاهب بأن يصلى إلى قبلتهم بعد ما حوّله الله تعالى عنها بقوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ ، أي: الكفار فيما يدعونك إليه من ملتهم ﴿بعد ما جاءك من العلم﴾ ، أي: بأنك على الحق وأن قبلتك هي الكعبة ﴿ما لك من الله من ولي﴾ ، أي: ناصر ﴿ولا واق﴾ ، أي: مانع من عذابه. وقال ابن عباس: الخطاب مع النبيّ ﷺ والمراد أمته. ونزل لما عير الكفار النبيّ ﷺ بكثرة النساء.
﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً﴾ ، أي: نساء ينكحونهنّ فكان لسليمان امرأة وسرية وكان لداود ﵇ إمرأة ﴿وذرية﴾ ، أي: أولاداً فأنت مثلهم، وكانوا يقولون أيضاً: لو كان رسولاً من عند الله لكان، أي: شيء طلبناه منه من المعجزات أتى به فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى: ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بأذن الله﴾ ، أي: بإرادته؛ لأنّ المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر، والعلة وفي إظهار الحجة والبينة، وأمّا الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن لم يشأ لم يظهرها لا اعتراض لأحد عليه في ذلك. ولما توعدهم ﷺ نزول العذاب، وظهور النصرة له ولقومه وتأخر ذلك عنهم قالوا: لو كان نبياً صادقاً لما ظهر كذبه، فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى ﴿لكل أجل﴾ ، أي: مدّة ﴿كتاب﴾ ، أي: مكتوب قد أثبت فيه أن أمر كذا يكون في وقت كذا من الثواب والعقاب والأحكام، والإتيان بالآيات وغيرها إثباتاً ونسخاً على ما تقتضيه الحكمة. ولما اعترضوا على رسول الله ﷺ وقالوا: إنّ محمداً يأمر أصحابه بأمر اليوم، ثم يأمر بخلافه غداً، وما سبب ذلك إلا أنه يقوله من تلقاء نفسه، فردّ الله تعالى عليهم بقوله تعالى:
﴿يمحو الله ما يشاء﴾ ، أي: محوه من الشرائع والأحكام وغيرها بالنسخ فيرفعه ﴿ويثبت﴾ ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقرّه ويمضي حكمه كقوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾ (البقرة، ١٠٦) إلى قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أنّ الله على كل شيء قدير﴾ (البقرة، ١٠٦) . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بسكون الثاء المثلثة وتخفيف الباء الموحدة، والباقون بفتح الثاء وتشديد الباء الموحدة.
تنبيه: في هذه الآية قولان:
أحدهما أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، وهذا مذهب عمر وابن مسعود وغيرهما قالوا: إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر. وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة، فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليّ الشقاوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمّ الكتاب، ومثله عن ابن مسعود وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله ﷺ وفي بعض
стр. 818
الآثار: أنّ الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فيردّ إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيرد إلى ثلاثين سنة. وروي أنّ الله تعالى ينزل، أي: أمره في آخر ثلاث ساعات تبقى من الليل فينظر في الساعة منهنّ في أمّ الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. والقول الثاني أنّ هذه الآية خاصة في بعض الأشياء دون بعض، واختلفوا على هذا القول فقال سعيد بن جبير وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض، فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. وقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة، واستدل لهذا بما رواه حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله ملكاً فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما يشاء ويكتب الملك ثم يقول الملك: يا رب رزقه فيقضي ربك ما يشاء، ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيكتبان فيكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد ولا ينقص» .
وقال ابن عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله تعالى، ثم يرجع لمعصية الله تعالى، فيموت على ضلاله فهو الذي يمحو الذي يثبت يعمل الرجل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعته فهو الذي يثبت. وقال الحسن: يمحو ما يشاء، أي: من جاء أجله يذهب به ويثبت من لم يجيء أجله إلى أجله. وعن سعيد بن جبير قال: يمحو ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها. وقال عكرمة: يمحو الله ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات كما قال تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ . (الفرقان، ٧٠) وقال السدي: يمحو الله ما يشاء يعني القمر ويثبت ما يشاء يعني الشمس بيانه قوله تعالى: ﴿فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة﴾ (الإسراء، ١٢) . وقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله تعالى عند النوم، فمن أراد موته أمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته وردّه إلى صاحبه بيانه قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (الزمر، ٤٢) الآية. وقيل إنّ الله تعالى يثبت في أوّل كل سنة حكمها، فإذا مضت السنة محاه، وأثبت حكماً آخر للسنة المستقبلة. وقيل: يمحو الله الدنيا ويثبت الآخرة.
وقيل: إنّ الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب.
وقيل: هذا في المحن والمصائب فهي مثبتة في الكتاب، ثم يمحوها بالدعاء والصدقة ﴿وعنده﴾ تعالى ﴿أمّ الكتاب﴾ أصل الكتب والعرب تسمى كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمّا، ومنه أمّ الرأس للدماغ، وأمّ القرى، وكل مدينة فهي أمّ لما حولها من القرى فكذلك أمّ الكتاب هو الذي يكون أصلاً لجميع الكتب، وفيه قولان: الأوّل: أنه اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدّل وجميع حوادث العالم العلوي والسفلي يثبت فيه. روي عن النبيّ ﷺ أنه قال: «كان الله ولا شيء ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة» .
والقول الثاني: أنّ أمّ الكتاب أصله الذي لا يغير منه شيء وهو الذي كتب في الأزل. وقال ابن عباس في رواية عكرمة: هما كتابان كتاب سوى أمّ الكتاب يمحو ما يشاء منه ويثبت وعنده أمّ الكتاب لا يغير منه شيء، وعلى هذا فالكتاب الذي يمحو منه ويثبت هو الكتاب الذي تكتبه الملائكة على الخلق. وعن ابن
стр. 819
عباس قال: إنّ لله لوحاً محفوظاً مسيرته خمسمائة عام من درّة بيضاء له دفتان من ياقوتة لله فيه في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب. وسأل ابن عباس كعباً عن أمّ الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه. ولما كان من مقترحاتهم وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به وكانت النفس ربما تمنت وقوع ذلك البعض وإثباته ليؤمن به غيره تقريباً لفصل النزاع قال تعالى:
﴿وإما نرينك﴾ يا محمد وأكده بتأكيد للإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلال من ضل بعد إبلاغه ﴿بعض الذي نعدهم﴾ ، أي: من العذاب وأنت حيّ مما تريد، أو تريد أصحابك قبل وفاتك فذلك شافيك من أعدائك، والوعد الخبر عن خير مضمون، والوعيد الخبر عن شر مضمون والمعنى عليه وسماه وعداً لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزلة الوعد ﴿أو نتوفينك﴾ ، أي: قبل أن نرينك ذلك فلا لوم عليك ولا عتب ﴿فإنما عليك البلاغ﴾ ، أي: ليس عليك إلا تبليغ الرسالة إليهم، وليس عليك أن تجازيهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات، والبلاغ، اسم أقيم مقام التبليغ، وأمّا فيه إدغام نون أن الشرطية في ما الزائدة. ﴿وعلينا الحساب﴾ ، أي: علينا أن نحاسبهم يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم، فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم.
تنبيه: قال أبو حيان: هنا شرطان؛ لأنّ المعطوف على الشرط شرط، فيقدّر لكل شرط، ما يناسب أن يكون جزاء مرتباً عليه والتقدير: وإمّا نرينك بعض الذي نعدهم، فذلك شافيك من أعدائك، وإمّا نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب، وقد مرّت الإشارة إلى ذلك ولما وعد الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بأن يريه بعض ما يعده أو يتوفاه قبل ذلك بين تعالى آثار حصول تلك المواعيد وعلاماتها قد ظهرت وقويت بقوله تعالى:
﴿أو لم يروا﴾ ، أي: كفار مكة ﴿أنّا نأت الأرض﴾ ، أي: نقصد أرض هؤلاء الكفرة ﴿ننقصها من أطرافها﴾ بما يفتح الله تعالى على المسلمين من ديار الشرك أرضاً بعد أرض حوالي أرضهم، هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة. وقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها. وعن عكرمة قال: هو قبض الناس. وعن الشعبي مثله، وعطاء وجماعة نقصانها موت العلماء وذهاب الفقهاء، ويؤيد هذا ما رواه عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» . وقال الحسن: قال عبد الله بن مسعود: عليكم بالعلم قبل أن يقبض وقبضه ذهاب أهله. وقال عليّ: إنما مثل الفقهاء كمثل الأنف إذا قطعت لم تعد. وقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأوّل حتى يتعلم الآخر، وإذا هلك الأوّل قبل أن يتعلم الآخر هلك الناس. وقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم، ثم أثبت تعالى لنفسه أمراً كلياً فقال: ﴿والله﴾ ، أي: الملك الأعلى. ﴿يحكم﴾ في خلقه بما يريد؛ لأنه ﴿لا معقب﴾ ، أي: راد؛ لأنّ التعقيب ردّ الشيء بعد فصله ﴿لحكمه﴾ وقد حكم للإسلام بالإقبال وعلى الكفر بالإدبار، وذلك كائن لا يمكن تغييره.
تنبيه: محل جملة لا معقب لحكمه النصب على الحال كأنه قيل: والله يحكم نافذاً حكمه كما تقول: جاءني زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة تريد حاسراً ﴿وهو﴾ عز
стр. 820
وجل مع تمام القدرة ﴿سريع الحساب﴾ فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا. وقال ابن عباس: يريد سريع الانتقام يعني: حسابه للمجازاة بالخير والشرّ، فمجازاة الكفار بالإنتقام منهم، ومجازاة المؤمنين بإيصال الثواب إليهم، وقد تقدّم الكلام في معنى سريع الحساب قبل هذا. وقوله تعالى:
﴿وقد مكر الذين من قبلهم﴾ ، أي: من كفار الأمم الماضية قيل: مكروا بأنبيائهم مثل نمروذ مكر بإبراهيم، وفرعون مكر بموسى واليهود مكروا بعيسى فيه تسلية للنبيّ ﷺ وقوله تعالى: ﴿فلله المكر جميعاً﴾ ، أي: أن مكر جميع الماكرين حاصل بتخليقه وإرادته؛ لأنه تعالى هو الخالق لجميع أعمال العباد، فالمكر لا يضرّ إلا بإذنه ولا يؤثر إلا بتقديره، فيه أمان له ﷺ من مكرهم، فكأنه قيل: إذا كان حدوث المكر من الله تعالى وتأثيره في الممكور به من الله وجب أن لا يكون الخوف إلا من الله تعالى لا من أحد من المخلوقين، وذهب بعض المفسرين إلى أنّ المعنى: فلله جزاء المكر، وذلك أنهم لما مكروا بالمؤمنين بيّن الله تعالى أنه يجازيهم على مكرهم. قال الواحدي: والأوّل أظهر القولين بدليل قوله تعالى:
﴿يعلم ما تكسب كل نفس﴾ ، أي: أنّ أكساب العباد معلومة لله تعالى، وخلاف المعلوم ممتنع الوقوع، وإذا كان كذلك، فلا قدرة لعبد على الفعل والترك، فكان الكل من الله فيجازيهم على أعمالهم، وفي ذلك وعيد وتهديد للكفار الماكرين، ثم إنه تعالى أكد ذلك التهديد بقوله تعالى: ﴿وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار﴾ ، أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ألهم أم للنبيّ ﷺ وأصحابه؟ وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالألف بعد الكاف على الإفراد والكاف مفتوحة والفاء مكسورة مخففة، والباقون بالألف بعد الفاء على الجمع، فالكاف مضمومة والفاء مفتوحة مشدّدة، فمن قرأ بالإفراد أراد الجنس كقوله تعالى: ﴿إنّ الإنسان لفي خسر﴾ (العصر، ٢) ليوافق قراءة الجمع. وقال عطاء: المستهزؤون وهم خمسة والمقتسمون وهم ثمانية وعشرون. وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. قال الرازي: والأوّل هو الصواب، أي: ليوافق قراءة الجمع كما مرّ. ولما تقدّم قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ (الرعد، ٧) عطف عليه بعد شرح ما استتبعه قوله تعالى:
﴿ويقول الذين كفروا لست مرسلاً﴾ ، أي: لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه ﷺ لم يقل يوماً: إنه قادر عليها، فكأنه قيل: فما أقول لهم؟ فقال تعالى: ﴿قل﴾ لهم ﴿كفى بالله﴾ الذي له الإحاطة الكاملة ﴿شهيداً﴾ ، أي: بليغ العلم في شهادته بالإطلاع على ما ظهر وما بطن ﴿بيني وبينكم﴾ يشهد بتأييد رسالتي، وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية، وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب ويشهد بتكذيبهم بادعائكم القدرة على المعارضة، وترككم لها عجزاً، وهذا أعلى مراتب الشهادة؛ لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظنّ بأن الأمر كما شهد به، والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بكونه رسولاً من عند الله، واختلف في قوله تعالى: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ فروى العوفي عن ابن عباس أنهم علماء اليهود والنصارى، أي: أنّ كل من كان عالماً من اليهود بالتوراة، ومن النصارى بالإنجيل علم أنّ محمداً ﷺ مرسل من عند الله لما يجد من الدلائل الدالة على نبوّته فيها شهد بذلك من شهد به وأنكره من أنكره منهم.n
والثاني:
стр. 821
أنّ المراد شهادة أهل الكتاب من الذين آمنوا، وهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري. وقال الحسن ومجاهد والزجاج وسعيد بن جبير: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ هو الله تعالى. قال الحسن: لا والله لا يعني إلا الله، والمعنى كفى بالله الذي يستحق العبادة، وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيداً بيني وبينكم، وهذا أظهر كما استظهره البقاعي، وإن كان عطف الصفة على الموصوف خلاف الأصل إذ يقال: شهد بهذا زيد الفقيه، لا زيد والفقيه؛ لأنه جائز في الجملة، وقيل: معناه: أن علم أنّ القرآن الذي جئتكم به معجز ظاهر وبرهان باهر لما فيه من الفصاحة والبلاغة والإخبار عن الغيوب وعن الأمم الماضية فمن علمه بهذه الصفة كان شهيداً بيني وبينكم والله أعلم بمراده. وما رواه البيضاويّ تبعاً للزمخشريّ وتبعهما ابن عادل من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة وبعث يوم القيامة من الموفين بعهد الله» حديث موضوع.
سورة إبراهيم
﵇ مكية
إلا قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله﴾ (إبراهيم، ٢٨) الآيتين، وهي اثنتان وخمسون آية وعدد كلماتها وإحدى وثلاثون كلمة، وعدد حروفها ثلاثة آلاف وأربعة وثلاثون حرفاً
﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قوله تعالى:
﴿الر﴾ تقدّم الكلام عليها أول يونس وهود. وقوله تعالى: ﴿كتاب﴾ خبر لمبتدأ محذوف، أي: هذا القرآن كتاب، أو الر، إن قلنا: إنها مبتدأ والجملة بعده صفة، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة بعده وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأنها موصوفة تقديراً، تقديره كتاب، أي: كتاب يعني عظيماً من بين الكتب السماوية ﴿أنزلناه إليك﴾ يا أشرف الخلق عند الله تعالى ﴿لتخرج الناس﴾ ، أي: عامة قومك وغيرهم بدعائك إياهم ﴿من الظلمات﴾ ، أي: الكفر وأنواع الضلالة ﴿إلى النور﴾ ، أي: الإيمان والهدى. قال الرازي: والآية دالة على أنّ طرق الكفر والبدع كثيرة وأنّ طريق الحق ليس إلا واحداً؛ لأنه تعالى قال: ﴿لتخرج الناس من الظلمات﴾ وهي صيغة جمع، وعبر عن الإيمان والهدى بالنور، وهو لفظ مفرد وذلك يدل على أنّ طرق الجهل والكفر كثيرة وأنّ طريق العلم والإيمان ليس إلا واحداً.
تنبيه: القائلون بأن معرفة الله تعالى لا يمكن تحصيلها إلا من تعليم الرسول، احتجوا بهذه الآية، وذلك يدلّ على أنّ معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم. وأجيب: بأنّ الرسول ﷺ كالمنبه وأمّا المعرفة فهي إنما تحصل من الدليل وقوله تعالى: ﴿بإذن ربهم﴾ متعلق بالإخراج، أي: بتوفيقه وتسهيله، ويبدل من إلى النور ﴿إلى صراط﴾ ، أي: طريق ﴿العزيز﴾ ، أي: الغالب ﴿الحميد﴾ ، أي: المحمود على كل حال المستحق لجميع المحامد، وفي قوله:
﴿الله﴾ قراءتان، فقرأ نافع وابن عامر برفع الهاء وصلاً وابتداء على أنه مبتدأ خبره ﴿الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ ، أي: ملكااً وخلقاً، وقرأ الباقون بالجرّ على أنه بدل أو عطف بيان وما
стр. 822
بعده صفة.
تنبيه: ذهب جماعة من المحققين إلى أنّ قولنا: الله جار مجرى الاسم العلم لذات الله ، وذهب قوم آخرون إلى أنه لفظ مشتق. قال الرازي: والحق عندنا هو الأوّل؛ لأنّ الأمّة لما اجتمعت على أنّ قولنا: لا إله إلا الله يوجب التوحيد المحض علمنا أنّ قولنا: الله جار مجرى الاسم العلم. وقد قال تعالى: ﴿هل تعلم له سمياً﴾ (مريم، ٦٥) ، أي: هل تعلم من اسمه الله غير الله، وذلك يدل على قولنا: الله اسم لذاته المخصوصة، ولذا استشكل قراءة الجرّ إذ الترتيب الحسن أن يذكر الاسم، ثم يذكر عقبه الصفات كقوله تعالى: ﴿هو الله الخالق البارئ المصور﴾ (الحشر، ٢٤) وأمّا الخالق الله فلا يحسن.
وأجيب عن ذلك بأنه لا يبعد أن تذكر الصفة أوّلاً، ثم يذكر الاسم ثم تذكر الصفة مرّة أخرى كما يقال: مررت بالإمام الأجل محمد الفقيه، وهو بعينه نظير قوله تعالى: ﴿صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ والآية تفيد حصر ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره، وذلك ليدلّ على أنه لا مالك إلا الله، ولا حاكم إلا الله، وأنه تعالى خالق لأعمال العباد؛ لأنها حاصلة في السموات والأرض، فوجب القول بأنّ أفعال العباد له بمعنى كونها مملوكة له، والملك عبارة عن القدرة فوجب كونها مقدورة لله، وإذا ثبت أنها مقدورة لله وجب وقوعها بقدرة الله، وإلا لكان العبد قد منع الله تعالى من إيقاع مقدوره، وذلك محال، ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال تعالى: ﴿وويل للكافرين﴾ ، أي: الذين تركوا عبادة من يستحق العبادة الذي له ما في السموات وما في الأرض، وعبدوا من لا يملك شيئاً البتة، بل هو مملوك لله تعالى؛ لأنه من جملة ما في السموات وما في الأرض، وويل مبتدأ، وجاز الابتداء به؛ لأنه دعاء كسلام عليكم وللكافرين خبره، وقوله تعالى: ﴿من عذاب شديد﴾ ، أي: يعذبهم في الآخرة متعلق بويل ولا يضر الفصل بالخبر، ثم وصفهم بقوله تعالى:
﴿الذين يستحبون﴾ ، أي: يختارون ﴿الحياة الدنيا على الآخرة﴾ ، أي: يؤثرونها عليها ﴿ويصدّون عن سبيل الله﴾ ، أي: يمنعون الناس عن قبول دين الله ﴿ويبغونها﴾ ، أي: السبيل ﴿عوجاً﴾ ، أي: معوجة والأصل ويبغون لها زيغاً وميلاً، فحذف الجار، وأوصل الفعل إلى الضمير ﴿أولئك﴾ ، أي: الموصوفون بهذه الصفات ﴿في ضلال بعيد﴾ ، أي: عن الحق وإسناد البعد إلى الضلال إسناد مجازي؛ لأنّ البعيد هم الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني. ثم ذكر ما يجري مجرى تكميل النعمة والإحسان في الوجهين بقوله تعالى:
﴿وما أرسلنا من رسول﴾ ، أي: في زمن من الأزمان ﴿إلا بلسان﴾ ، أي: لغة ﴿قومه﴾ أمّا بالنسبة إلى الرسول؛ فلأنه تعالى بين أنّ سائر الأنبياء كانوا مبعوثين إلى قومهم خاصة، وأما أنت يا محمد فمبعوث إلى عامة البشر، وكان هذا الإنعام في حقك أكمل وأفضل، وأمّا بالنسبة إلى عامّة الخلق، فهو أنه تعالى ذكر أنه ما بعث رسولاً إلا بلسان أولئك القوم ﴿ليبين لهم﴾ ما أمروا به فيفهموه عنه بيسر وسرعة؛ لأنّ ذلك أسهل لفهم أسرار تلك الشريعة، والوقوف على حقائقها وأبعد عن الغلط والخطأ.
تنبيه: تمسك طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية بهذه الآية على أن محمداً ﷺ لم يرسل لغير العرب من وجهين:
الأوّل: أن القرآن لما كان نازلاً بلغة العرب لم يعرف كونه معجزة بسبب ما فيه من الفصاحة إلا العرب، وحينئذ لا يكون القرآن حجة إلا عليهم. الثاني: أنّ قوله تعالى:
стр. 823
﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ (إبراهيم، ٤) المراد بذلك اللسان لسان العرب، وذلك يدل على أنه مبعوث إلى العرب فقط.
وردّ عليهم بأنّ المراد بالقوم أهل دعوته والدليل على عموم الدعوة قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ (الأعراف، ١٥٨) بل إلى الثقلين؛ لأنّ التحدي كما وقع مع الإنس وقع مع الجنّ بدليل قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ (الإسراء، ٨٨) . ثم بيّن أنّ الإضلال والهداية بمشيئته بقوله تعالى: ﴿فيضل الله من يشاء﴾ إضلاله ﴿ويهدي من يشاء﴾ هدايته، فإنه تعالى هو المضل الهادي، وليس على الرسل إلا التبليغ والبيان والله تعالى هو الهادي المضل يفعل ما يشاء ﴿وهو العزيز﴾ في ملكه، فلا رادّ له عن مشيئته ﴿الحكيم﴾ في صنعه فلا يهدي ولا يضل إلا لحكمة. ولما بين تعالى أنه إنما أرسل محمداً ﵊ إلى الناس ليخرجهم من الظلمات إلى النور، وذكر كمال إنعامه عليه وعلى قومه في ذلك الإرسال وفي تلك البعثة أتبع ذلك بشرح بعثة سائر الأنبياء إلى أقوامهم، وكيفية معاملة أقوامهم لهم ليكون ذلك تصبيراً له ﷺ على أذى قومه وإرشاداً له إلى كيفية مكالمتهم ومعاملتهم، فذكر تعالى على العادة المألوفة قصص بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فبدأ بذكر قصة موسى ﵇ فقال:
﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا﴾ ، أي: العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وانفجار العيون من الحجر وإظلال الجبل والمنّ والسلوى وسائر معجزاته ﴿أن أخرج قومك﴾ ، أي: بني إسرائيل ﴿من الظلمات﴾ ، أي: الكفر والضلال ﴿إلى النور﴾ ، أي: الإيمان والهدى.
تنبيه: يجوز أن تكون أن مصدرية، أي: بأن أخرج، والباء في بآياتنا للحال، وهذه للتعدية، ويجوز أن تكون مفسرة للرسالة بمعنى، أي: ويكون المعنى، أي: أخرج قومك من الظلمات، أي: قلنا له أخرج قومك كقوله تعالى: ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا﴾ (ص، ٦) . ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ قال ابن عباس: بنعم الله. وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة، يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي: بوقائعهم، وفي المثل من سرّ يوماً يره. قال الرازي: معناه من رأى في يوم سروره بمصرع غيره رآه غيره في يوم آخر بمصرع نفسه، وقال تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (آل عمران، ١٤٠) والمعنى: عظهم بالترغيب، والترهيب، والوعد والوعيد، والترغيب والوعد أن يذكرهم ما أنعم الله عليهم وعلى من قبلهم ممن آمنوا بالرسل فيما سلف من الأيام، والترهيب والوعيد أن يذكرهم بأمر الله وعذابه وانتقامه ممن كذب الرسل فيما سلف من الأيام مثل ما نزل بعاد وثمود وغيرهم من العذاب ليرغبوا في الوعد، فيصدّقوا ويحذروا من الوعيد، فيتركوا التكذيب، وقيل: بأيام الله في حق موسى أن يذكر قومه بأيام المحنة والبلاء حين كانوا تحت أيدي القبط يسومونهم سوء العذاب، فخلصهم الله من ذلك وجعلهم ملوكاً بعد أن كانوا مملوكين ﴿إنّ في ذلك﴾ ، أي: التذكير العظيم ﴿لآيات﴾ على وحدانية الله تعالى وعظمته ﴿لكل صبار﴾ ، أي: كثير الصبر على الطاعة وعن المعصية ﴿شكور﴾ ، أي: كثير الشكر للنعم، وإنما خص الصبور والشكور بالاعتبار بالآيات، وإن كان فيها عبرة للكل؛ لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم فلهذا خصهم بالآيات، فكأنها ليست لغيرهم فهو كقوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ (البقرة، ٣) فإنّ
стр. 824
الانتفاع لا يمكن حصوله إلا لمن يكون صابراً شاكراً أما من لا يكون كذلك فلا ينتفع بها البتة. ولما أمر الله تعالى موسى أن يذكرهم بأيام الله حكى عنه أنه ذكرهم بها بقوله تعالى:
﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم﴾ وقوله: ﴿إذ أنجاكم من آل فرعون﴾ ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: اذكروا إنعام الله عليكم في ذلك الوقت ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ بالاستعباد ﴿ويذبحون﴾ ، أي: تذبيحاً كثيراً ﴿أبناءكم﴾ ، أي: المولودين ﴿ويستحيون﴾ ، أي: يستبقون ﴿نساءكم﴾ أحياء وذلك كقول بعض الكهنة إنّ مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبب زوال ملك فرعون.
فإن قيل: لم ذكر تعالى في سورة البقرة ﴿يذبحون﴾ بغير واو وذكره هنا مع الواو؟ أجيب: بأنها إنما حذفت في سورة البقرة؛ لأنها تفسير لقوله تعالى: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ وفي التفسير لا يحسن ذكر الواو، وهنا أدخل الواو فيه؛ لأنه نوع آخر لأنهم كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح فليس تفسيراً للعذاب ﴿وفي ذلكم بلاء﴾ ، أي: إنعام وابتلاء ﴿من ربكم عظيم﴾ لأنّ الابتلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة﴾ (الأنبياء، ٣٥) . فإن قيل: تذبيح الأبناء فيه بلاء، وأمّا استحياء النساء فكيف فيه ابتلاء؟ أجيب: بأنهم كانوا يستحيونهن ويتركونهنّ تحت أيديهم كالإماء، فكان ذلك ابتلاء وقوله تعالى:
﴿وإذ﴾ ، أي: واذكروا إذ ﴿تأذن ربكم﴾ فهو أيضاً من كلام موسى ﵇، وتأذن بمعنى أذن كتوعد وأوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة ﴿لئن شكرتم﴾ .
يا بني اسرائيل نعمتي بالتوحيد والطاعة ﴿لأزيدنكم﴾ نعمة إلى نعمة، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم، فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود، والشكر عبارة عن الإعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه الطريقة، ثم قد يرتقي العبد عن تلك الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن الالتفات إلى النعمة، ولاشك أن منبع السعادات وعنوان كل الخيرات محبة الله تعالى ومعرفته، وأما الزيادة في النعمة فهي على قسمين: روحانية وجسمانية، فالأولى هي أن الشاكر يكون أبداً في مطالعة أقسام نعمة الله تعالى، وأنواع فضله وكرمه، وأما الثانية: فلأن الاستقراء دل على أنّ كل من كان اشتغاله بشكر نعم الله أكثر كان وصول نعم الله إليه أكثر نسأل الله تعالى القيام بواجب شكر النعمة حتى يزيدنا من فضله وكرمه وإحسانه، ويفعل ذلك بأهلينا وأحبابنا. ثم إنه تعالى لما ذكر ما يستحقه الشاكر ذكر ما يستحقه مقابله بقوله تعالى: ﴿ولئن كفرتم﴾ ، أي: جحدتم النعمة بالكفر والمعصية لأعذبنكم دل عليه ﴿إن عذابي لشديد﴾ ، أي: لمن كفر نعمتي ولا يشكرها، ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد، ولما بيّن موسى أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا والآخرة، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد وحصول الآفات في الدنيا والآخرة بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر، وصاحب الكفران، وأما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران فلا جرم قال تعالى:
﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم﴾ يا بني اسرائيل ﴿ومن في الأرض﴾ وأكده بقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ ، أي: من الثقلين فإنما ضرر ذلك يعود على أنفسكم
стр. 825
وحرمتموها الخير كله ﴿فإن الله لغني﴾ عن جميع خلقه فلا يزداد بشكر الشاكرين ولا ينقص بكفر الكافرين ﴿حميد﴾ ، أي: محمود في جميع أفعاله؛ لأنه فيها متفضل عادل وقوله تعالى:
﴿ألم يأتكم﴾ يا بني اسرائيل ﴿نبأ﴾ ، أي: خبر ﴿الذين من قبلكم قوم نوح﴾ وكانوا ملء الأرض ﴿و﴾ نبأ ﴿عاد﴾ قوم هود وكانوا أشد الناس أبداناً ﴿و﴾ نبأ ﴿ثمود﴾ قوم صالح وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور يحتمل أن يكون من كلام موسى، أو كلام مبتدأ من الله تعالى لقوم محمد ﷺ وهو استفهام تقرير وقوله تعالى: ﴿والذين من بعدهم﴾ ، أي: بعد هؤلاء الأمم الثلاثة ﴿لايعلمهم إلا الله﴾ فيه قولان؛ الأول أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله تعالى؛ لأن المذكور في القرآن جملة، فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل، والقول الثاني: إنّ المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلاً كذبوا رسلاً لم نعرفهم أصلاً ولا يعلمهم إلا الله، ولذلك كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدّعون علم الأنساب إلى آدم ﵇، وقد نفى الله علمها عن العباد. وعن ابن عباس أنه قال بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وقروناً بين ذلك كثيراً وكلاً ضربنا له الأمثال وكلاً تبرنا تتبيراً﴾ (الفرقان: ٣٨، ٣٩) وقوله تعالى: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ (غافر، ٧٨) . وعنه ﷺ أنه كان في انتسابه لا يجاوز معدّ بن عدنان بن أدر وقال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق» . قال الرازي: والقول الثاني أقرب. ولما ﴿جاءتهم﴾ ، أي: هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم ﴿رسلهم بالبينات﴾ ، أي: الدلائل الواضحات والمعجزات الباهرات أتوا بأمور أوّلها ما حكاه الله تعالى عنهم بقوله تعالى: ﴿فردّوا﴾ ، أي: الأمم ﴿أيديهم في أفواههم﴾ وفي ذلك احتمالات: الأول: أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل كقوله تعالى: ﴿عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ (آل عمران، ١١٩) .
والثاني: أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية، فعند ذلك ردّوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك، فيضع يده على فيه.
والثالث: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام، واسكتوا عن ذكر هذا الحديث.
والرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم الكفر كما حكى الله تعالى ذلك عنهم بقوله تعالى: ﴿وقالوا إنَّا كفرنا بما أرسلتم به﴾ أي: على زعمكم أي: أن هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق هذا هو الأمر الثاني الذي أتوا به، وقيل: الضمير في ردوا راجع للرسل ﵈، وفيه وجهان:
أحدهما أنّ الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوا وليقطعوا الكلام.
والثاني: أنّ الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم، على أفواه أنفسهم فإنّ من ذكر كلاماً عند قوم وأنكروه وخافهم، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه، وغرضه أن يعرّفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكلام البتة، والأمر الثالث: قولهم: ﴿وإنا لفي شك مما﴾ ، أي: شيء ﴿تدعوننا﴾ أيها الرسل ﴿إليه﴾ ، أي: من الدين ﴿مريب﴾ ، أي: موجب الريبة، أي: موقع في الريبة والشبهة والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر الذي
стр. 826
يشك فيه. فإن قيل: إنهم قالوا أولاً: إنّا كفرنا بما أرسلتم به، فكيف يقولون ثانياً (وإنا لفي شك) والشك دون الكفر؟ أجيب: بأنهم لما صرحوا بكفرهم بالرسل كلهم حصل لهم شبه توجب الشك لهم فقالوا: إن لم ندع الجزم واليقين في كفرنا فلا أقلّ من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. ولما قال هؤلاء الكفار للرسل ذلك.
﴿قالت﴾ لهم ﴿رسلهم﴾ مجيبين ﴿أفي الله شك﴾ ، أي: هل تشكون في الله؟ وهو استفهام انكار، أي: لا شك في توحيده للدلائل الظاهرة عليه منها قوله تعالى: ﴿فاطر﴾ ، أي: خالق ﴿السموات والأرض﴾ ، أي: وما فيهما من الأنفس والأرواح والأرزاق، وقرأ أبو عمرو رسلهم هنا وفيما مر في ﴿جاءتهم رسلهم﴾ بإسكان السين، والباقون بالرفع. ولما أقاموا الدليل على وجود الله تعالى وصفوه بكمال الرحمة بقولهم: ﴿يدعوكم﴾ ، أي: إلى الإيمان ببعثنا وقولهم: ﴿ليغفر لكم﴾ اللام متعلقة بيدعو، أي: لأجل غفران ذنوبكم كقوله:
*دعوت لما نالني مسورا
... فلبى فلبى يدي مسور
ويجوز أن تكون معدية كقوله: دعوتك لزيد، والتقدير: يدعوكم إلى غفران ذنوبكم وقوله: ﴿من ذنوبكم﴾ قال السيوطي: من زائدة فإنّ الإسلام يغفر به ما قبله، أو تبعيضية لإخراج حقوق العباد اه. أي: والمغفور لهم ما بينهم وبين الله تعالى. قال الرازي: والعاقل لا يجوز له المصير إلى كلمة من كلام الله تعالى بأنها زائدة من غير ضرورة اه.
وقال في «الكشاف» : ما علمته جاء هكذا إلا في خطاب الكافرين كقوله: ﴿واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم﴾ (نوح: ٣، ٤) ﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم﴾ (الأحقاف، ٣٢) . وقال في خطاب المؤمنين: ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم﴾ (الصف: ١١، ١٢)
وغيرذلك مما يوقفك عليه الاستقراء، وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين، وأن لا يسوّى بين الفريقين في المعاد اه. قال الرازي: وأما قول «الكشاف» فهو من باب الظلمات؛ لأنّ هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب، وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسداً. ﴿ويؤخركم﴾ ، أي: ولا يفعل بكم فعل من تعهدون من الملوك في المعاجلة في الإهلاك لمن خالفهم بل يؤخركم. ﴿إلى أجل مسمى﴾ ، أي: إلى وقت قد سماه وبين مقداره يبلغكموه إن أنتم آمنتم به، وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت إن أنتم ما آمنتم. فإن قيل: أليس قال تعالى: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (الأعراف، ٣٤)
فكيف قال هنا: ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ (إبراهيم، ١٠)
أجيب: بأنّ الأجل على قسمين: معلق ومبرم.Y
﴿قالوا﴾ ، أي: الأمم مجيبين للرسل. ﴿إن﴾ ، أي: ما ﴿أنتم﴾ أيها الرسل ﴿إلا بشر مثلنا﴾ ، أي: لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوّة دوننا ولو أرسل الله تعالى إلى البشر رسلاً لجعلهم من جنس، أي: من البشر في زعم القائلين أفضل، وقول «الكشاف» : وهم الملائكة جار على مذهبه. ﴿تريدون أن تصدّونا عما كان يعبد آباؤنا﴾ ، أي: ما تريدون بقولكم هذا إلا صدّنا عن آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ﴿فأتونا بسلطان مبين﴾ ، أي: بحجة ظاهرة على صدقكم. ولما حكى الله تعالى عن الكفار شبهاتهم في الطعن في النبوّة حكى عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جوابهم عنها بقوله تعالى:
﴿قالت لهم رسلهم﴾ مجيبين لهم ﴿إن﴾ ، أي: ما ﴿نحن
стр. 827
إلا بشر مثلكم﴾ كما قلتم، فسلموا أنّ الأمر كذلك لكنهم بينوا أنّ التماثل في البشرية لا يمنع من اختصاص بعض بمنصب النبوّة بقولهم ﴿ولكنّ الله يمنّ﴾ أي: يتفضل ﴿على من يشاء من عباده﴾ بالنبوّة والرسالة فيصطفي من يشاء من عباده لهذا المنصب العظيم الشريف، كما قال تعالى: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ (الأنعام، ١٢٤)
. ﴿وما كان﴾ ، أي: ما صح واستقام ﴿لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله﴾ ، أي: إلا بأمره؛ لأنا عبيد مربوبون فليس إلينا الاتيان بالآيات، ولا تستبد به استطاعتنا حتى نأتيكم بما اقترحتموه، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة الله تعالى فله أن يخص كل نبيّ بنوع من الآيات. ﴿وعلى الله فليتوكل﴾ بأمر حتم ﴿المؤمنون﴾ ، أي: يثقوا به فلا نخاف من تخويفكم ولا نلتفت إلى تهديدكم فإن توكلنا على الله، واعتمادنا على فضل الله، فإن الروح متى كانت مشرفة بالمعارف الإلهية مشرقة بأضواء علم الغيب قلما تبالي بالأحوال الجسمانية، وقلما تقيم لها وزناً في حالتي السراء والضراء فلهذا توكلوا على الله، وعوّلوا على فضله، وقطعوا أطماعهم عمن سواه، وعمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أوّلياً ألا ترى إلى قولهم:
﴿وما لنا أن لا نتوكل على الله﴾ ، أي: أيّ عذر لنا في أن لا نتوكل عليه ﴿وقد هدانا سبلنا﴾ ، أي: وقد عرّفنا طريق النجاة وبيّن لنا الرشد، فإنّ من فاز بشرف العبودية ووصل إلى مقام الإخلاص والمكاشفة يقبح عليه أن يرجع في أمر من الأمور إلى غير الحق وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى يعصم أولياءه، والمخلصين في عبوديته عن كيد أعدائهم ومكرهم. وقرأ أبو عمرو بسكون الباء والباقون بالرفع، وكذلك لرسلهم سكن أبو عمرو السين ورفعها الباقون، ثم قالوا: ﴿ولنصبرنّ على ما آذيتمونا﴾ فإنّ الصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات، والحق لا بدّ وأن يصير غالباً قاهراً، والباطل لا بدّ وأن يصير مغلوباً مقهوراً ثم قالوا: ﴿وعلى الله فليتوكل المتوكلون﴾ . فإن قيل:، أي: فرق بين التوكلين؟ أجيب: بأنّ الأوّل لاستحداث التوكل والثاني طلب دوامه،، أي: فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم. ولما حكى الله تعالى عن الأنبياء ﵈ أنهم اكتفوا في دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه والاعتماد على حفظه وحياطته حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة بقوله تعالى:
﴿وقال الذين كفروا لرسلهم﴾ مستهينين لمن قصروا التجاءهم عليه. ﴿لنخرجنكم من أرضنا﴾ ، أي: التي لنا الآن الغلبة عليها. ﴿أو لتعودنّ في ملتنا﴾ ، أي: حلفوا ليكونن أحد الأمرين إمّا إخراجكم أيها الرسل، وإمّا عودكم إلى ملتنا، أي: ديننا. فإن قيل: قد يفهم هذا بظاهره أنهم كانوا على ملتهم قبل ذلك؟ أجيب: بأنّ العود هنا بمعنى الصيرورة وهو كثير في كلام العرب كثرة فاشية، لا تكاد تسمعهم يستعملون صار ولكن عاد يقولون ما عدت أراه، عاد لا يكلمني، ما عاد لفلان مال. وقد أجمعت الأمّة على أنّ الرسل من أوّل الأمر إنما نشؤوا على التوحيد لا يعرفون غيره ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ولمن آمن معه فغلبوا الجماعات على الواحد، وقيل: ﴿أو لتعودنّ في ملتنا﴾ (الأعراف، ٨٨)
إلى ما كنتم عليه قبل ادعاء الرسالة من السكوت عند ذكر معايبه وعدم التعرّض له بالطعن والقدح. ولما ذكر الكفار هذا الكلام قال تعالى: ﴿فأوحى إليهم﴾ ، أي: الرسل ﴿ربهم﴾ وقوله تعالى: ﴿لنهلكنّ الظالمين﴾ ، أي: الكافرين حكاية تقتضي إضمار
стр. 828
القول أو أجرى الايحاء مجرى القول؛ لأنه ضرب منه.
﴿ولنسكننكم الأرض﴾ ، أي: أرضهم ﴿من بعدهم﴾ ، أي: بعد هلاكهم ونظيره قوله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها﴾ (الأعراف، ١٣٧)
وقوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم﴾ (الأحزاب، ٢٧)
. قال الزمخشري: وعن النبيّ ﷺ «من آذى جاره ورثه الله داره» . قال: ولقد عاينت هذا في مدّة قريبة كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا فيها ويؤذيني فيه فمات ذلك العظيم، وملكني الله ضيعته، فنظرت يوماً إلى أبناء خالي يتردّدون، منها ويأمرون وينهون فذكرت قول رسول الله ﷺ وحدثتهم به وسجدنا شكراً لله تعالى. ﴿ذلك﴾ ، أي: النصر وإيراث الأرض ﴿لمن خاف مقامي﴾ ، أي: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنّ ذلك الموقف موقف الله الذي يوقف فيه عباده يوم القيامة ونظيره ﴿وأمّا من خاف مقام ربه﴾ (النازعات، ٤٠)
وقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (الرخمن، ٤٦)
وقيل: ﴿ذلك لمن خاف مقامي﴾ (إبراهيم، ١٤) ، أي: خافني، فالمقام مقحم مثل ما يقال: سلام على المجلس العالي والمراد السلام على فلان ﴿وخاف وعيد﴾ قال ابن عباس: ما أوعدت من العذاب، وهذا يدل على أنّ الخوف من الله غير الخوف من وعيده؛ لأنّ العطف يقتضي المغايرة، وفي تفسير قوله تعالى:
﴿واستفتحوا﴾ قولان: أحدهما: طلب الفتح، أي: واستنصروا الله تعالى على أعدائهم وهو كقوله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾ (الأنفال، ١٩)
والثاني: الفتح الحكم والقضاء، أي: واستحكموا الله وسألوه القضاء بينهم، وهو مأخوذ من الفتاحة، وهي الحكومة كقوله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق﴾ (الأعراف، ٨٩)
. فعلى القول الأول المستفتح هم الرسل؛ لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم. قال نوح: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ (نوح، ٢٦)
وقال موسى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ (يونس، ٨٨)
وقال لوط: ﴿انصرني على القوم المفسدين﴾ (العنكبوت، ٣٠)
. وعلى القول الثاني: قال الرازي: فالأولى أن يكون المستفتح هم الأمم وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين، فعذبنا، ومنه قول كفار ﴿قريش: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ (الأنفال، ٣٢)
. وكقول آخرين: ﴿ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين﴾ (العنكبوت، ٢٩)
. ﴿وخاب﴾ ، أي: خسر وهلك ﴿كل جبار﴾ ، أي: متكبر عن طاعة الله، وقيل: هو الذي لا يرى فوقه أحداً، وقيل: هو المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه، واختلفوا في قوله تعالى: ﴿عنيد﴾ فقال مجاهد: معاند للحق ومجانبه. وقال ابن عباس: هو المعرض عن الحق. وقال مقاتل: هو المتكبر. وقال قتادة: هو الذي يأبى أن يقول لا إله إلا الله، وقيل: هو المعجب بما عنده. ولما حكم تعالى على الكافر بالخيبة، ووصفه بكونه جباراً عنيداً وصف كيفية عذابه بأمور: الأوّل: قوله تعالى:
﴿من ورائه﴾ ، أي: أمامه ﴿جهنم﴾ ، أي: هو صائر إليها. قال أبو عبيدة: هو من الأضداد وقال الشاعر:
*عسى الكرب الذي أمسيت فيه
... يكون وراءه فرج قريب
ويقال أيضاً: الموت وراء كل أحد. وقال تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً﴾ (الكهف، ٧٩) ، أي: أمامهم. وقال ثعلب: هو اسم لما توارى عنك سواء كان خلفك أم قدامك، فيصح إطلاق لفظ الوراء على خلف وقدّام. وقال ابن الأنباري: وراء بمعنى بعد. قال الشاعر: وليس وراء الله للخلق مهرب.
ومعنى الآية على هذا: أن الكافر بعد الخيبة يدخل جهنم.
الأمر الثاني: ما ذكره تعالى بقوله:
стр. 829
﴿ويسقى﴾ ، أي: في جهنم ﴿من ماء صديد﴾ وهو ما يسيل من جوف أهل النار مختلطاً بالقيح والدم جعل ذلك شراب أهل النار. وقال محمد بن كعب: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر. فإن قيل: علام عطف ﴿ويسقى﴾ ؟ أجيب: بأنه عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ويسقى من ماء صديد.
﴿يتجرّعه﴾ ، أي: يتكلف أن يبتلعه مرّة بعد مرّة لمرارته وحرارته ونتنه ﴿ولا يكاد يسيغه﴾ ، أي: ولا يقدر على ابتلاعه. قال الزمخشري: دخل كاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة؟ كقوله تعالى: ﴿لم يكد يراها﴾ (النو، ٤٠) ، أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها؟ فإن قيل: كيف الجمع على هذا الوجه بين ﴿يتجرّعه﴾ و ﴿لا يكاد يسيغه﴾ ؟ أجيب بجوابين: أحدهما: أنّ المعنى ولا يسيغ جميعه كأنه يتجرّع البعض وما أساغ الجميع. والثاني: إنّ الدليل الذي ذكر إنما دل على وصول ذلك الشراب إلى جوف ذلك الكافر؛ لأنّ ذلك ليس بإساغة؛ لأنّ الإساغة في اللغة إجراء الشراب في الحلق واستطابة المشروب، والكافر يتجرّع ذلك الشراب على كراهية ولا يسيغه، أي: لا يستطيبه ولا يشربه شرباً بمرة واحدة، وعلى هذين الوجهين يصح حمل لا يكاد على نفي المقاربة.
الأمر الثالث: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: ﴿ويأتيه الموت﴾ ، أي: أسبابه المقتضية له من أنواع العذاب ﴿من كل مكان﴾ ، أي: من سائر الجهات، وقيل: من كل مكان من جسده حتى أصول شعره وإبهام رجله. ﴿وما هو بميت﴾ فيستريح. وقال ابن جريج: تتعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكان من جوفه فتنفعه الحياة.
الأمر الرابع: ما ذكره تعالى بقوله تعالى: ﴿ومن ورائه﴾ ، أي: ومن بين يديه بعد ذلك العذاب ﴿عذاب غليظ﴾ ، أي: شديد كل وقت يستقبله أشدّ مما قبله، وقيل: هو الخلود في النار، وقيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد. ولما ذكر تعالى أنواع عذابهم بين بعده أنّ سائر أعمالهم تصير باطلة ضائعة، وذلك هو الخسران الشديد بقوله تعالى:
﴿س١٤ش١٨/ش٢٣ مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا? بِرَبِّهِمْ? أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ? s يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا? عَلَى شَىْءٍ? ذالِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَا?رْضَ بِالْحَقِّ? إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَبَرَزُوا? لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَا?ؤُا? لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُو?ا? إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ? قَالُوا? لَوْ هَدَ?ـانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ? سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ ا?مْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ? وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِ? أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى? فَ تَلُومُونِى وَلُومُو?ا? أَنفُسَكُمْ? مَّآ أَنَا? بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ? إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ? إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَءَامَنُوا? وَعَمِلُوا? الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ا?نْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ? تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾
﴿مثل﴾ ، أي: صفة ﴿الذين كفروا بربهم أعمالهم﴾ ، أي: الصالحة كصدقة وصلة رحم وفك أسير، وإقراء ضيف، وبر والد في عدم الانتفاع بها ﴿كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف﴾ ، أي: شديد هبوب الريح، فجعلته هباء منثوراً لا يقدر عليه كما قال تعالى: ﴿لا يقدرون﴾ ، أي: الكفار يوم الجزاء ﴿مما كسبوا﴾ ، أي: عملوا في الدنيا ﴿على شيء﴾ ، أي: لا يجدون لهم ثواباً لفقد شرطه وهو الإيمان. وقرأ نافع (الرياح) بالجمع، والباقون بالإفراد. ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون ﴿هو الضلال البعيد﴾ ، أي: الخسران الكبير لأنّ أعمالهم ضلت وهلكت فلا يرجى عودها.
تنبيه: في ارتفاع قوله تعالى: ﴿مثل﴾ أوجه: أحدها: وهو مذهب سيبويه أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله تعالى: ﴿أعمالهم كرماد﴾ مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم؟ فقيل أعمالهم كرماد.
والثاني: وهو مذهب الفراء التقدير: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد، فحذف المضاف اعتماداً على ذكره بعد المضاف إليه، وهو قوله تعالى: ﴿أعمالهم﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة﴾ (الزمر، ٦٠)
المعنى: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودّة.
الثالث: أن يكون التقدير: صفة الذين كفروا أعمالهم كرماد كقوله: صفة
стр. 830
زيد عرضه مصون وماله مبذول.
الرابع: أن تكون أعمالهم بدلاً من قوله: ﴿مثل الذين كفروا﴾ ، والتقدير مثل أعمالهم وقوله تعالى: ﴿كرماد﴾ هو الخبر. وقيل: غير ذلك. وقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ ، أي: تنظر خطاب للنبيّ ﷺ والمراد به أمّته، وقيل: لكل واحد من الكفرة على الالتفات. ﴿أنّ الله خلق السموات﴾ على عظمها وارتفاعها ﴿والأرض﴾ على تباعد أقطارها واتساعها، وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ ، أي: بالحكمة، والوجه الذي يحق أن تخلق عليه متعلق بخلق. وقرأ حمزة والكسائي بألف بعد الخاء وكسر اللام، ورفع القاف، وخفض الأرض. والباقون بغير ألف بعد الخاء، وفتح اللام والقاف، ونصب الأرض. ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أيها الناس ﴿ويأت﴾ بدلكم ﴿بخلق جديد﴾ أطوع منكم، رتب ذلك على كونه خالق السموات والأرض استدلالاً به عليه، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم قدر أن يبدلهم بخلق آخر، ولم يمتنع عليه كما قال تعالى:
﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾ ، أي: بممتنع، فإنه تعالى قادر بذاته، ولا اختصاص له بمقدور دون مقدور، ومن هذا شأنه كان حقيقاً أن يؤمن به، ويعبد رجاء ثوابه وخوفاً من عقابه يوم الجزاء. ولما ذكر تعالى أصناف عذاب هؤلاء الكفار، وذكر عقبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة ذكر كيفية مجادلتهم عند تمسك أتباعهم بهم وكيفية افتضاحهم عندهم بقوله تعالى:
﴿وبرزوا﴾ ، أي: الخلائق من قبورهم ﴿لله جميعاً﴾ والتعبير فيه وفيما يأتي بالماضي، وإن كان معناه الاستقبال لتحقق وقوعه؛ لأنّ كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو حق وصدق وكائن لا محالة، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود، ونظيره: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ (الأعراف، ٤٤)
تنبيه: البروز في اللغة الظهور بعد الاستتار، وهو في حق الله تعالى محال، فلا بدّ من تأويله وهو من وجهين:
الأوّل: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أنّ ذلك خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عن أنفسهم، وعلموا أنّ الله تعالى لا تخفى عليه خافية.
الثاني: أنهم خرجوا من قبورهم، فبرزوا لحساب الله تعالى وحكمه. ثم حكى الله تعالى؟ عنهم أنّ الضعفاء يقولون للرؤوساء هل تقدرون على دفع عذاب الله تعالى عنا بقوله تعالى: ﴿فقال الضعفاء﴾ ، أي: الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعفاء الرأي ﴿للذين استكبروا﴾ ، أي: المتبوعين الذين طلبوا الكبر، وادّعوه فاستغووهم به حتى تكبروا على الرسل، وقوله تعالى: ﴿إنا كنا لكم تبعاً﴾ يصح أن يكون مصدراً نعت به للمبالغة، أو على إضمار مضاف وأن يكون جمع تابع، أي: تابعين لكم في تكذيب الرسل، فكنتم سبب ضلالنا، وقد جرت عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم ﴿فهل أنتم﴾ ، أي: في هذا اليوم ﴿مغنون﴾ ، أي: دافعون ﴿عنا من عذاب الله﴾ ، أي: من انتقامه ﴿من شيء﴾ فإن قيل: فما الفرق بين من في عذاب الله وبين من في شيء؟ أجيب: بأنّ الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو من بعض عذاب الله؟ ويجوز أن يكونا للتبعيض معاً بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله، وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا: ﴿لو هدانا الله﴾ ، أي: الذي له صفات الكمال ﴿لهديناكم﴾ ، أي: لو أرشدنا الله تعالى لارشدناكم، ودعوناكم إلى الهدى، ولكنه لم يهدنا، فضللنا
стр. 831
وكنتم لنا تبعاً فأضللناكم، ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع قالوا: ﴿سواء علينا﴾ ، أي: نحن وأنتم ﴿أجزعنا أم صبرنا﴾ ، أي: مستو علينا الجزع والصبر، والجزع أبلغ من الحزن؛ لأنه يصرف الإنسان عما هو بصدده ويقطعه عنه ﴿ما لنا من محيص﴾ ، أي: منجى ومهرب مما نحن فيه من العقاب.
تنبيه: يحتمل أن يكون هذا من كلام المتبوعين، وأن يكون كلام الفريقين، ويؤيد الثاني ما روي أنهم يقولون في النار: تعالوا نجزع فيجزعون خمسمئة عام فلا ينفعهم الجزع، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمئة عام فلا ينفعهم الصبر، فعند ذلك يقولون ذلك. وقال محمد بن كعب القرظي: بلغني أنّ أهل النار استغاثوا بالخزنة كما قال الله تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب﴾ (غافر، ٤٩)
فردّت الخزنة عليهم: ﴿أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى﴾ (غافر، ٥٠)
فردّت الخزنة عليهم: ﴿ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال﴾ (غافر، ٥٠)
فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا: ﴿يا مالك ليقض علينا ربك﴾ (الزخرف، ٧٧)
سألوا الموت فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوماً واليوم ﴿كألف سنة مما تعدون﴾ (الحج، ٤٧)
ثم يجيبهم بقوله: ﴿إنكم ما كثون﴾ . فلما أيسوا مما عنده، قال بعضهم لبعض ذلك. ولما ذكر تعالى المناظرة التي وقعت بين الرؤوساء والأتباع من كفرة الإنس أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه بقوله تعالى:
﴿وقال الشيطان﴾ الذي هو أوّل المتبوعين في الضلال ورأس المضلين والمستكبرين ﴿لما قضي الأمر﴾ ، أي: أحكم وفرغ منه، وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه وتوبيخه، فيقوم فيهم خطيباً. قال مقاتل: يوضع له منبر من نار، فيجتمع أهل النار إليه يلومونه، فيقول لهم ما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿إنّ الله وعدكم وعد الحق﴾ ، أي: بالبعث والجزاء على الأعمال فصدقكم ﴿ووعدتكم﴾ أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب ﴿فأخلفتكم﴾ ، أي: الوعد، فلم أقل شيئاً إلا كان زيفاً، فاتبعتموني مع كوني عدوّكم، وتركتم ربكم وهو وليكم.
تنبيه: في الآية إضمار من وجهين: الأوّل: أنّ التقدير: إنّ الله وعدكم الحق فصدقكم كما تقدّم تقريره، ووعدتكم فأخلفتكم، وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد لأنهم كانوا يشاهدونها، وليس وراء العيان بيان؛ ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف، فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى.
الثاني: أنّ قوله: ﴿ووعدتكم فأخلفتكم﴾ الوعد يقتضي مفعولاً ثانياً، وحذف هذا للعلم به، والتقدير: ووعدتكم أن لا جنة ولا نار، ولا حشر ولا حساب كما تقرّر، ولما بين غروره بين سهولة اغترارهم زيادة في تنديمهم فقال: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ ، أي: سلطان، فمن مزيدة، أي: قوّة وقدرة أقهركم على الكفر والمعاصي، وألجئكم على متابعتي وقوله: ﴿إلا أن دعوتكم﴾ استثناء منقطع، قال النحويون: لأنّ الدعاء ليس من جنس السلطان، فمعناه: لكن دعوتكم ﴿فاستجبتم لي﴾ محكمين الشهوات؛ لأنّ النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية، ولا يتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو إليها يرغب فيها كما قال: ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ .
قال الرازي: وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة إلا ههنا استثناء حقيقي، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير
стр. 832
على عمل من الأعمال تارة تكون بالقهر والقسر، وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسليط اه. ثم قال لهم: ﴿فلا تلوموني﴾ ، أي: لأنه ما كان مني إلا الدعاء وإلقاء الوسوسة ﴿ولوموا أنفسكم﴾ ؛ لأنكم سمعتم دلائل الله تعالى وجاءتكم الرسل، فكان من الواجب عليكم أن لا تلتفتوا إليّ، ولا تسمعوا قولي، فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم بكم أولى بإجابتي ومتابعتي من غير حجة ولا دليل.
فإن قيل: لم قال الشيطان: ﴿فلا تلوموني﴾ وهو ملوم بسبب إقدامه على تلك الحالة والوسوسة الباطلة؟ أجيب: بأنه أراد لا تلوموني على فعلكم ولوموا أنفسكم عليه؛ لأنكم عدلتم عما توجه من هداية الله تعالى لكم. ثم قال تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ ، أي: بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب، فأزيل صراخكم منه. ﴿وما أنتم بمصرخي﴾ ، أي: بمغيثيّ فيما يخصني منه. وقرأ ما عدا حمزة بفتح الياء مع التشديد، وقرأ حمزة بكسر الياء مع التشديد على الأصل في إلتقاء الساكنين؛ لأنّ ياء الإعراب ساكنة، وياء المتكلم أصلها السكون، فلما التقيا كسرت لالتقاء الساكنين.I
قال البيضاوي: وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع حركة ياء الإضافة اه. فقوله: أصل مرفوض، أي: متروك عند النحاة، وإلا فهو قراءة متواترة عند القراء، فيجب المصير إليها؛ لأنها وردت من رب العالمين على لسان سيد المرسلين.
وقول الفراء: ولعلها من وهم القراء، فإنه قلّ من سلم منهم من الوهم ممنوع، فقد قال أبو حيان: هي قراءة متواترة نقلها السلف، واقتفى آثارهم فيها الخلف، فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة، وقد نقل جماعة من أهل اللغة أنها لغة لكن قلّ استعمالها، ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع، ونص على أنها صواب أبو عمرو بن العلاء، لما سئل عنها، والقاسم بن معن من روؤساء الكوفيين. قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: ﴿إني كفرت بما أشركتموني من قبل﴾ ، أي: كفرت اليوم باشراككم إياي من قبل هذا اليوم، أي: في الدنيا كقوله تعالى: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾ (فاطر، ١٤)
ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى: ﴿إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم﴾ (الممتحنة، ٤)
. وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر عن رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة «يقول: عيسى ذلك النبيّ الأمّي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل فيّ نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكفار قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون: ما هو غير الشيطان هو الذي أضلنا فيأتونه فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم قم أنت فاشفع لنا فإنك أضللتنا، فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد، ثم يعظم لهبهم ويقول عند ذلك: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ الآية» .
قال في «الكشاف» : وقوله ﴿إن الظالمين﴾ ، أي: الكافرين ﴿لهم عذاب أليم﴾ ، أي: مؤلم من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله تعالى ما سيقوله في ذلك الوقت؛ ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لا بدّ لهم من الوصول إليه، وأن يتصوروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان
стр. 833
ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجيهم. ولما بالغ في شرح حال الأشقياء من الوجوه الكثيرة شرح أحوال السعداء، وما أعد لهم من الثواب العظيم والأجر الجزيل، وذلك أنّ الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى:
﴿وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ وكونها دائمة أشير إليها بقوله تعالى: ﴿خالدين فيها﴾ وهو حال مقدرة، والتعظيم حصل لهم من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿بإذن ربهم﴾ ؛ لأنّ تلك المنافع إنما كانت تفضلاً من الله تعالى وإنعاماً. والثاني: قوله تعالى: ﴿تحيتهم فيها سلام﴾ ؛ لأنّ بعضهم يحيى بعضاً بهذه الكلمة والملائكة يحيونهم بها كما قال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾ (الرعد: ٢٣، ٢٤)
والرب يحييهم أيضاً بهذه التحية كما قال تعالى: ﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾ (يس، ٥٨)
ويحتمل أن يكون المراد أنهم لما دخلوا الجنة سلموا من جميع آفات الدنيا وحسراتها وفنون آلامها وأسقامها وأنواع همومها وغمومها؛ لأنّ السلام مشتق من السلامة. ولما شرح سبحانه تعالى أحوال الأشقياء، وأحوال السعداء ذكر مثلاً يبين الحال في حكم هذين القسمين بقوله تعالى:
﴿ألم تر﴾ ، أي: تنظر، والخطاب يحتمل أن يكون للنبيّ ﷺ ويدخل معه غيره، وأن يكون لكل فرد من الناس، أي: ألم تر أيها الإنسان ﴿كيف ضرب الله﴾ ، أي: المحيط بكل شيء علماً وقدرة ﴿مثلاً﴾ سيره بحيث يعم نفعه، والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأوّل، ثم بينه بقوله تعالى: ﴿كلمة طيبة﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هي لا إله إلا الله. ﴿كشجرة طيبة﴾ قال ابن مسعود وأنس: هي النخلة. وعن ابن عباس: هي شجرة في الجنة. وعن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم: «إنّ الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟ قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي وكنت صبياً فوقع في قلبي أنها النخلة، فهبت رسول الله ﷺ أن أقولها وأنا صغير القوم» . وروي: فمنعني مكان عمر فاستحييت فقال له عمر: يا بنيّ لو كنت قلتها لكانت أحب إليّ من حمر النعم، ثم قال رسول الله ﷺ «ألا إنها النخلة» . قيل: الحكمة في تشبيه الإنسان بالنخلة من بين سائر الأشجار أنّ النخلة أشبه به من حيث إنها إذا قطع رأسها يبست وسائر الأشجار يتشعب من جوانبها بعد قطع رأسها، وأنها تشبه الإنسان بحيث أنها لا تحمل إلا باللقاح؛ لأنها خلقت من فضلة طينة آدم ﵇ ولذلك قال ﷺ «أكرموا عمتكم قيل: ومن عمتنا؟ قال: النخلة» . ﴿أصلها ثابت﴾ ، أي: في الأرض ﴿وفرعها﴾ ، أي: غصنها ﴿في السماء﴾ ، أي: في جهة العلو والصعود ولم يرد المظلة كقولك في الجبل: طويل في السماء تريد ارتفاعه وشموخه. ﴿تؤتي﴾ ، أي: تعطي. ﴿أكلها﴾ ، أي: ثمرها
﴿كل حين بإذن ربها﴾ ، أي: بإرادته، والحين في اللغة الوقت يطلق على القليل والكثير، واختلفوا في مقدار هذا، فقال مجاهد: الحين هنا سنة كاملة؛ لأنّ النخلة تثمر في كل سنة مرّة. وقال قتادة: ستة أشهر يعني من حين طلعها إلى وقت صرامها. وقال الربيع: كل حين يعني كل غدوة وعشية؛ لأنّ ثمر النخل يؤكل
ليلاً ونهاراً وصيفاً وشتاء، فيؤكل منها الجمار والطلع والبلح والخلال والبسر والمنصف والرطب، وبعد ذلك يؤكل التمر اليابس إلى
стр. 834
حين الطري الرطب، فأكلها دائم في كل وقت.
قال العلماء: ووجه الحكمة في تمثيل كلمة الإخلاص بالشجرة؛ لأنّ الإيمان ثابت في قلب المؤمن كثبوت أصل هذه الشجرة في الأرض، وعمله يصعد إلى السماء كما قال تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ (فاطر، ١٠)
فكذلك فرع هذه عال في السماء، وتنال بركته وثوابه كل وقت، والمؤمن كلما قال: لا إله إلا الله، صعدت إلى السماء، وجاءه بركتها وخيرها وثوابها ومنفعتها؛ ولأنّ الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق القلب، وقول اللسان، وعمل الأبدان، ثم نبه تعالى على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد منه فيلزم فقال: ﴿ويضرب الله﴾ ، أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾ ، أي: يتعظون، فإنّ في ضرب الأمثال زيادة إفهام، وتذكير وتصوير للمعاني العقلية، فيحصل الفهم التامّ والوصول إلى المطلوب. ولما ذكر مثل حال السعداء أتبعه بمثل حال الأعداء فقال:
﴿ومثل كلمة خبيثة﴾ هي كلمة الكفر ﴿كشجرة خبيثة﴾ هي الحنظل وقيل: الثوم، وقيل: الكشوث بمثلثة في آخره. قال الجوهري: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض قال الشاعر:
*هي الكشوث لا أصل ولا ورق
... ولا نسيم ولا ظل ولا ثمر
وقيل شجرة الشوك ﴿اجتثت﴾ ، أي: استؤصلت ﴿من فوق الأرض﴾ ، أي: عروقها قريبة منه ﴿ما لها من قرار﴾ ، أي: أصل ولا عرق، فكذلك الكفر بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوّة. وعن عبادة أنه قيل لبعض العلماء: ما تقول في ﴿كلمة خبيثة﴾ ؟ فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها يوم القيامة. ولما وصف الله الكلمة الطيبة في الآية المتقدّمة أخبر بقوله تعالى:
﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ أنه تعالى يثبتهم بها ﴿في الحياة الدنيا﴾ ، أي: في القبر، وقيل: قبل الموت ﴿وفي الآخرة﴾ ، أي: يوم القيامة عند البعث والحساب، وقيل: في القبر على القول الثاني. ولما وصف الكلمة الخبيثة في الآية المتقدّمة أخبر بقوله تعالى: ﴿ويضلّ الله الظالمين﴾ ، أي: الكفار أنه تعالى لا يهديهم للجواب الصواب ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ ، أي: إن شاء هدى، وإن شاء أضلّ لا اعتراض عليه. وروي عن البراء بن عازب انّ رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾ » . وروي عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ العبد إذا وضع في القبر وتولى عنه أصحابه يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد ﷺ فأمّا المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة. قال النبيّ ﷺ فيراهما جميعاً» قال قتادة: ذكر لنا أنه يفسح له في قبره ثم رجع إلى حديث أنس. قال: «وأمّا المنافق أو الكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه. فيقال: ما دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير
стр. 835
الثقلين» . وعن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا جنازة مع رسول الله ﷺ فلما فرغنا من دفنها وانصرف الناس قال: «إنه الآن يسمع خفق نعالكم أتاه منكر ونكير أعينهما مثل قدور النحاس وأنيابهما مثل صياصي البقر، وأصواتهما مثل الرعد فيجلسانه فيسألانه ما كان يعبد ومن نبيه؟ فإن كان ممن يعبد الله تعالى قال: كنت أعبد الله ونبيي محمد ﷺ جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه فذلك قوله
تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾ فيقال له: على اليقين حييت وعليه مت وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويوسع له في حفرته، وإن كان من أهل الشك قال: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته فيقال له: على الشك حييت وعليه مت وعليه تبعث، ثم يفتح له باب إلى النار ويسلط عليه عقارب وتنانين لو نفخ أحدهم في الدنيا ما أنبتت شيئاً، فتنهشه وتؤمر الأرض فتنضم عليه حتى تختلف أضلاعه» . فنسأل الله الثبات لنا ولوالدينا ولأحبابنا في الدنيا والآخرة إنه كريم جواد. ثم إنه تعالى عاد إلى وصف الكافرين فقال:
﴿ألم تر﴾ ، أي: تنظر، وفي المخاطب ما تقدّم ﴿إلى الذين بدّلوا﴾ والتبديل جعل الشيء مكان غيره ﴿نعمة الله﴾ ، أي: التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد ومن جميع النعم الدنيوية وتيسير الرزق وغير ذلك بأن جعلوا مكان شكرها ﴿كفراً﴾ وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان، وأعلاهم همماً في الوفاء وأبعدهم عن الجفاء ﴿وأحلوا﴾ ، أي: أنزلوا ﴿قومهم﴾ ، أي: الذين تابعوهم في الكفر بإضلالهم إياهم ﴿دار البوار﴾ ، أي: الهلاك مع إدعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلاً عن الأهل. روى البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة، وقوله تعالى:
﴿جهنم﴾ عطف بيان ﴿يصلونها﴾ ، أي: يدخلونها ﴿وبئس القرار﴾ ، أي: المقر هي.
﴿وجعلوا لله﴾ ، أي: الذين يعلمون أنه لا شريك له في خلقهم ولا رزقهم؛ لأنّ له الكمال كله ﴿أنداداً﴾ ، أي: شركاء، وقوله تعالى: ﴿ليضلوا عن سبيله﴾ ، أي: دين الإسلام، فيه قراءتان: قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من ضلّ، يضلّ والباقون بضم الياء من أضل يضل، وليس الضلال ولا الإضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض. ولما حكى الله تعالى عنهم هذه الأنواع الثلاثة من الأعمال القبيحة قال لنبيه ﷺ ﴿قل﴾ ، أي: تهديداً لهم، فإنهم لا يشكون في قولك وإن عاندوا ﴿تمتعوا﴾ بدنياكم قليلاً ﴿فإن مصيركم﴾ ، أي: مرجعكم ﴿إلى النار﴾ في الآخرة، ولما أمر الله تعالى الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا، أمر المؤمنين بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال بقوله تعالى:
﴿قل لعبادي﴾ فوصفهم بأشرف أوصافهم، وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبباً لهم فيه، ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه من إذعانهم لسيدهم بقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا﴾ ، أي: أوجدوا هذا الوصف ﴿يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم﴾ فيه وجهان: أحدهما: يصح أن يكون جواباً بالأمر محذوف تقديره قل لعبادي الذين آمنوا: أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا. والثاني: يصح أن يكون هو أمراً مقولاً محذوفاً منه اللام، أي: ليقيموا ليصح تعلق القول بهما، وإنما حسن ذلك هاهنا ولم يحسن في قوله:
стр. 836
*محمد تفد نفسك كل نفس
... إذا ما خفت من شيء تبالا
أي تبالى به، أي: تكثرت به لدلالة قل عليه: ﴿سراً وعلانية﴾ ، أي: ينفقون أموالهم في حال السر والعلانية، وقيل: المراد بالسر صدقة التطوع، وبالعلانية إخراج الزكاة الواجبة.
تنبيه: في انتصاب سرّاً وعلانية وجوه: أحدها: أن يكون على الحال، أي: ذوي سر وعلانية بمعنى مسرّين ومعلنين. والثاني: على الظرف، أي: وقت سر وعلانية. وثالثها: على المصدر، أي: إنفاق سر وإنفاق علانية. ولما أمرهم الله تعالى بإقامة الصلاة والإنفاق أشار إلى عدم التهاون بذلك بقوله : ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ ، أي: عظيم جدّاً ليس كشيء من الأيام التي تعرفونها ﴿لا بيع فيه﴾ ، أي: فيشتري المقصر ما يتدارك به تقصيره، أو يفدي به نفسه ﴿ولا خلال﴾ ، أي: مخالة، أي: صداقة تنفع في ذلك اليوم.
قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة، فكأنه تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا يحصل فيه مبايعة ولا مخالة، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ (البقرة، ٢٥٤)
. فإن قيل: كيف نفى الله تعالى المخالة في هاتين الآيتين مع أنه تعالى أثبتها في قوله تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين﴾ (الزخرف، ٦٧)
أجيب: بأن الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس، والآية الدالة على حصول المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى. ولما طال الكلام في وصف أحوال السعداء وأحوال الأشقياء، وكانت العمدة العظمى والمنزلة الكبرى في حصول السعادات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته، وفي حصول الشقاوة فقدان ذلك ختم تعالى أحوال الفريقين بقوله تعالى:
﴿الله﴾ ، أي: الملك الأعلى المحيط بكل شيء، ثم اتبعه بالدلائل الدالة على وجوده وكمال علمه وقدرته، وذكر هنا عشرة أنواع من الدلائل: أوّلها: قوله تعالى: ﴿الذي خلق السموات﴾ وثانيها: قوله تعالى: ﴿والأرض﴾ وهما أكبر خلقاً منكم وأعظم شأناً. وثالثها قوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم﴾ تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس.
تنبيه: الله مبتدأ، وخبره الذي خلق، ورزقاً مفعول لأخرج، ومن الثمرات بيان له حال منه، ويصح أن يكون المراد بالسماء هنا السحاب اشتقاقاً من السمو والارتفاع، وأن يكون الجرم المعهود فينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض، وقد ذكرت ذلك في سورة البقرة، وفي غيرها، ورابعها قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الفلك﴾ ، أي: السفن ﴿لتجري في البحر﴾ ، أي: بالركوب والحمل ﴿بأمره﴾ ، أي: بمشيئته وإرادته، وخامسها: قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الأنهار﴾ ، أي: ذللها لكم تجرونها حيث شئتم؛ لأنّ ماء البحر لا ينتفع به في سقي الزروع والثمرات ولا في الشراب فكان ذلك نعمة من الله تعالى، وسادسها وسابعها: قوله تعالى:
﴿وسخر لكم الشمس والقمر﴾ حال كونهما ﴿دائبين﴾ ، أي: جاريين في فلكهما لا يفتران في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إنارة الظلمة، وإصلاح النبات والحيوان إلى آخر الدهر، وهو انقضاء عمر الدنيا وذهابها، والشمس سلطانها النهار، وبها تعرف فصول السنة، وهي أفضل من القمر لكثرة نفعها، والقمر سلطانه الليل، وبه يعرف انقضاء
стр. 837
الشهور، وكل ذلك بتسخير الله تعالى وإنعامه، وثامنها وتاسعها: قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ يتعاقبان فيكم بالضياء والظلمة، والزيادة والنقصان، وذلك من نعم الله تعالى على عباده حيث جعل لهم الليل ليسكنوا فيه، والنهار ليبتغوا فيه من فضله. وعاشرها: قوله تعالى:
﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ ، أي: مما أنتم محتاجون إليه على حسب مصالحكم، فأنتم سألتموه بالقوّة. ولما ذكر بعض ما أنعم به على عباده بين أنّ العبد عاجز عن حصرها وعدّها بقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ ، أي: لا تحيطوا بها ولا تطيقوا عدّها وبلوغ آخرها هذا إذا أرادوا أن يعدّوها على الإجمال، وأمّا على التفصيل فلا يقدر عليه ولا يعلمه إلا الله تعالى. ﴿إنّ الإنسان﴾ ، أي: الكافر، وقال ابن عباس: يريد أبا جهل. ﴿لظلوم﴾ ، أي: كثير الظلم لنفسه ﴿كفار﴾ ، أي: كفور لنعم ربه، وقيل: ظلوم في الشدّة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع. فإن قيل: لم قال تعالى هنا ﴿إنّ الإنسان لظلوم كفار﴾ وفي النحل: ﴿إنّ الله لغفور رحيم﴾ (النحل، ١٨)
أجيب: بأنه تعالى يقول للعبد: إذاحصلت لك النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها فحصل لك عند أخذها وصفان، وهما كونك ظلوماً كفاراً، ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً، والمقصود كأنه يقول: إن كنت ظلوماً فأنا غفور وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وتقصيرك فلا أقابل تقصيرك، إلا بالتوقير ولا أجازي جزاءك إلا بالوفاء، ونسأل الله حسن والعاقبة والرحمة. ولما بين الله تعالى بالدلائل المتقدّمة لأن لا معبود إلا الله وأنه لا تجوز عبادة غير الله البتة، حكي عن إبراهيم ﵇ مبالغة في إنكاره عبادة الأوثان بقوله تعالى:
﴿وإذ﴾ ، أي: واذكر لهم مذكراً بأيام الله خبر إبراهيم إذ ﴿قال إبراهيم رب﴾ ، أي: المحسن إليّ بإجابة دعائي ﴿اجعل هذا البلد﴾ ، أي: مكة ﴿آمناً﴾ ، أي: ذا أمن، وقد أجاب الله تعالى دعاءه، فجعله حرماً لا يسفك فيه دم إنسان، ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلى خلاه. فإن قيل:، أي: فرق بين قوله: ﴿اجعل هذا بلداً آمناً﴾ (البقرة، ١٢٦)
وبين قوله: ﴿اجعل هذا البلد آمناً﴾ (إبراهيم، ٣٥)
بأنّ المسؤول في الأوّل أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون، وفي الثاني: أن يزيل عنها الصفة التي كانت حاصلة لها، وهي الخوف ويجعل لها تلك الصفة، وهي الأمن كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمناً.
فإن قيل: كيف أجاب الله تعالى دعاءه مع أنّ جماعة من الجبابرة قد أغاروا عليها وأخافوا أهلها؟ أجيب: بجوابين: أحدهما: أنّ إبراهيم ﵇ لما فرغ من بناء الكعبة دعا بهذا الدعاء، والمراد منه جعل مكة آمنة من الخراب، وهذا موجود بحمد الله تعالى فلم يقدر أحد على إخراب مكة. فإن قيل: يرد على هذا ما ورد عنه ﷺ أنه قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة» ؟ أجيب: بأنّ قوله تعالى: ﴿اجعل هذا البلد﴾ (إبراهيم، ٣٥)
يعني إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا فهو عام مخصوص بقصة ذي السويقتين، فلا تعارض بين النصين، والجواب الثاني: أنّ المراد جعل أهلها آمنين كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢) ، أي: أهلها وهذا الجواب عليه أكثر المفسرين، وعلى هذا فقد اختص أهل مكة بزيادة الأمن في بلدهم كما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿ويتخطف الناس من حولهم﴾ (العنكبوت، ٦٧)
وأهل مكة آمنون من ذلك حتى أنّ
стр. 838
من التجأ إلى مكة أمن على نفسه وماله، وحتى أنّ الوحوش إذا كانت خارجة الحرم استوحشت، وإذا كانت داخلة الحرم استأنست؛ لعلمها أنه لا يهجيها أحد في الحرم، وهذا القدر من الأمن حاصل بحمد الله بمكة وحرمها ﴿واجنبني﴾ ، أي: بعدني ﴿وبنيّ أن﴾ ، أي: عن أن ﴿نعبد الأصنام﴾ ، أي: اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها.
فإن قيل: الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون فما الفائدة في قوله: ﴿واجنبني﴾ عن عبادة الأصنام؟ أجيب: بأنه ﵊ إنما سأل ذلك هضماً لنفسه، وإظهاراً للحاجة والفاقة إلى فضل الله في كل المطالب، وفي ذلك دليل على أنّ عصمة الأنبياء بتوفيق الله تعالى وحفظه إياهم. فإن قيل: كان كفار قريش من أبنائه مع أنهم كانوا يعبدون الأصنام فكيف أجيب دعاؤه؟ أجيب: بأنّ المراد من كان موجوداً حال الدعاء، ولا شبهة أنّ دعوته كانت مجابة فيهم، أو أنّ هذا الدعاء مخصوص بالمؤمنين من أولاده، والدليل عليه أنه قال ﵇ في آخر الآية: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾ (إبراهيم، ٣٦)
وذلك يفيد أن من لم يتبعه على دينه فإنه ليس منه، ونظيره قوله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ (هود، ٤٦) ، والصنم المنحوت على خلقة البشر وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهو وثن، قاله الطبري. ولذا لما سئل ابن عيينة كيف عبدت العرب الأصنام؟ فقال: ما عبد أحد من بني إسماعيل صنماً، واحتج بقوله تعالى: ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ (إبراهيم، ٣٥)
وإنما كانت أنصاب الحجارة لكل قوم قالوا: البيت حجر فحينما نصبنا حجراً فهو بمنزلة البيت فكانوا يدورون بذلك الحجر، أي: يطوفون به أسابيع تشبيهاً بالكعبة، ويسمونه الدوّار بضم الدال مشدّدة، وقد تفتح، قال الجوهري: دوّار بالضم صنم وقد تفتح فاستحب أن يقال طاف بالبيت، ولا يقال دار بالبيت. قال الرازي: وهذا الجواب ليس بقوي؛ لأنه ﵇ لا يجوز أن يريد بهذا الدعاء إلا عبادة غير الله، والحجر كالصنم في ذلك. ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم أنه قال:
﴿رب إنهن﴾ ، أي: الأصنام ﴿أضللن كثيراً من الناس﴾ بعبادتهم لها.
تنبيه: اتفق كل الفرق على أن قوله: أضللن مجاز؛ لأنها جمادات، والجماد لايفعل شيئاً البتة إلا أنه لما حصل عند عبادتها أضيف إليها كما تقول: فتنتهم الدنيا وغرّتهم، أي: افتتنوا بها واغتروا بسببها ثم قال: ﴿فمن تبعني﴾ ، أي: على التوحيد ﴿فإنه مني﴾ ، أي: فإنه جار مجرى بعضي لفرط اختصاصه وقربه مني ﴿ومن عصاني﴾ ، أي: في غير الدين ﴿فإنك غفور رحيم﴾ وهذا صريح في طلب الرحمة والمغفرة لأولئك العصاة، وإذا ثبت حصول هذه الشفاعة في حق إبراهيم ﵊ ثبت حصولها في حق محمد ﷺ لأنه مأمور بالإقتداء به كما قال تعالى: ﴿واتبع ملة إبراهيم﴾ (النساء، ١٢٥)
وقيل: إنّ هذا الدعاء كان قبل أن يعلم إبراهيم أنّ الله لايغفر الشرك، وقيل: إنك قادر أن تغفر له وترحمه بأن تنقله عن الكفر إلى الإسلام، وقيل: المراد من هذه المغفرة أن لا يعاجلهم بالعقاب، فلا يمهلهم حتى يتوبوا، قال الرازي: واعلم أنّ هذه الأوجه ضعيفة، وارتضى ما تقرّر أولاً.
تنبيه: حكى الله عن إبراهيم ﵇ في هذا الموضع أنه طلب من الله تعالى سبعة أمور: الأوّل: طلب من الله تعالى نعمة الأمان، وهو (رب اجعل هذا البلد آمناً) المطلوب الثاني: أن يرزقه الله تعالى التوحيد ويصونه عن الشرك وهو قوله: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام﴾ المطلوب
стр. 839
الثالث قوله:
﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي﴾ (إبراهيم، ٣٧) ، أي: بعض ذريتي أو ذرّية من ذريتي، فحذف المفعول على هذا القول، وهم إسماعيل ومن ولد منه فإن إسكانه متضمن لإسكانهم ﴿بواد﴾ هو وادي مكة المشرفة لكونه في فضاء منخفض بين جبال تجري فيه السيول ﴿غير ذي زرع﴾ ، أي: لايكون فيه من الزرع قط، فإنه حجري لا ينبت كقوله تعالى: ﴿قرآناً عربياً غير ذي عوج﴾ (الزمر، ٢٨)
بمعنى لا يوجد فيه اعوجاج ﴿عند بيتك المحرم﴾ ، أي: الذي حرمت التعرض له، والتهاون به، وجعلت ما حوله حرماً لمكانه؛ أو لأنه لم يزل ممنعاً عزيزاً يهابه كل جبار كالشيء المحرّم الذي حقه أن يجتنب؛ أو لأنه محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكه؛ أو لأنه حرّم على الطوفان، أي: منع منه كما سمي عتيقاً؛ لأنه أعتق منه فلم يستول عليه، أو لأنه أمر الصائرين إليه أن يحرموا على أنفسهم أشياء كانت تحل لهم من قبل، أو لأنه حرم موضع البيت حين خلق السموات والأرض، وحفه بسبعة أملاك، وهو مثل البيت المعمور الذي بناه آدم فرفع إلى السماء السادسة، وروي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم ﵇ فولدت منه إسماعيل، فقالت سارة: كنت أريد أن يهب الله لي ولداً من خليله فمنعنيه ورزقه خادمتي، وغارت عليهما، وقالت لإبراهيم: بعدهما مني وناشدته بالله أن يخرجهما من عندها، فنقلهما إلى مكة وإسماعيل رضيع حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هناك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل وقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولاشيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وهو لا يلتفت إليها فقالت له آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم قالت: إذاً لايضيعنا، ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لايرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه وقال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي﴾ (إبراهيم، ٣٧)
حتى بلغ (يشكرون) وجعلت أم إسماعيل ترضعه وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يلتوي، أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد، فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرّات قال النبي ﷺ فلذلك سعى الناس بينهما» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه، تريد نفسها ثم تسمعت، فسمعت أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه، أو قال: بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف قال ابن عباس: قال النبي ﷺ «يرحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً» قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وأنّ الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية يأتيه السيل فيأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا، فنزلوا في أسفل مكة، فنظروا طائراً: فقالوا إننّهذا الطائر ليدور على الماء
стр. 840
لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك فقالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء، قالوا: نعم قال ابن عباس: قالت ذلك أمّ إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم فشب الغلام وتعلم العربية منهم، وألفهم وأعجبهم حتى شب، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوّج إسماعيل وتقدّم تمام هذه القصة في سورة البقرة.
ثم قال: ﴿ربنا ليقيموا الصلاة﴾ اللام لام كي متعلقة بأسكنت، أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي المقفر الذي لا شيء فيه إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرّم، ويعمروه بذكرك وعبادتك وما تعمر به مساجدك ومتعبداتك متبرّكين بالبقعة التي شرفتها على البقاع مستعبدين بجوارك الكريم متقرّبين إليك بالعكوف عند بيتك والطواف به والركوع والسجود حوله مستنزلين الرحمة التي آثرت بها سكان حرمك، وتكرير النداء وتوسطه للإشعار بأنهما المقصود بالذات من إسكانهم هناك، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها ﴿فاجعل أفئدة﴾ ، أي: قلوباً محترقة بالأشواق ﴿من الناس﴾ ومن للتبعيض، والمعنى: واجعل أفئدة بعض الناس ﴿تهوي﴾ ، أي: تميل ﴿إليهم﴾ ويدلّ عليه ما روي عن مجاهد لو قال: أفئدة الناس لزحمتكم عليه فارس والروم والترك والهند. وقال سعيد بن جبير: لو قال أفئدة الناس لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: ﴿أفئدة من الناس﴾ فهم المسلمون. وقال ابن عباس: لو قال: أفئدة الناس لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم. ولما دعا لهم بالدين دعا لهم بالرزق فقال: ﴿وارزقهم من الثمرات﴾ ولم يقل: وارزقهم الثمرات، وذلك يدل على أنّ المطلوب بالدعاء إيصال بعض الثمرات إليهم، ويحتمل أن يكون المراد بإيصال بعض الثمرات إليهم إيصالها إليهم على سبيل التجارات كما قال تعالى: ﴿يجبى إليه ثمرات كل شيء﴾ (القصص، ٥٧)
حتى توجد فيه الفواكه الصيفية والربيعية والخريفية في يوم واحد، وليس ذلك من آياته بعجب، وأن يكون المراد عمارة القرى بالقرب منها لتحصل تلك الثمار. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت الطائف من أرض فلسطين، فلما قال إبراهيم ذلك رفعها الله فوضعها حيث وضعها رزقاً للحرم. ﴿لعلهم يشكرون﴾ يدلّ على أنّ المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرّغ لأداء العبادات وإقامة الطاعات، فإنّ إبراهيم ﵇ بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرّغوا لإقامة الطاعات وأداء الواجبات. ولما طلب ﵇ من الله تعالى تيسير المنافع لأولاده وتسهيلها عليهم ذكر أنه لا يعلم عواقب الأحوال ونهاية الأمور في المستقبل، فإنه تعالى هو العالم بها والمحيط بأسرارها فقال: ﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي﴾ ، أي: نسر ﴿وما نعلن﴾ وهذا هو المطلوب الرابع: والمعنى: أنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا ومفاسدنا منا، قيل: ما نخفي من الوجد بسبب حصول الفرقة بيني وبين إسماعيل، وما نعلن من البكاء، وقيل: ما نخفي من الحزن المتمكن في القلب وما نعلن يريد ما جرى بينه وبين هاجر حين قال، ت له عند الوداع: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله أكلكم قالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. واختلف في قوله تعالى: ﴿وما يخفى على
стр. 841
الله من شيء في الأرض ولا في السماء﴾ فقيل: من تتمة قول إبراهيم ﵇ يعني: وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في، أي: مكان، والأكثرون على أنه قول الله تعالى تصديقاً لإبراهيم فيما قال، كقوله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾ (النمل، ٣٤)
ولفظة من تفيد الاستغراق، كأنه قيل وما يخفى عليه شيء ما. ولما تم إبراهيم ﵇ ما دعا به أتبعه الحمد على ما رزقه من النعم بقوله تعالى:
﴿الحمد لله﴾ ، أي: المستجمع لصفات الكمال ﴿الذي وهب لي﴾ ، أي: أعطاني ﴿على الكبر﴾ ، أي: وهب لي وأنا كبير آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر استعظاماً للنعمة وإظهاراً لما فيه من المعجزة ﴿إسماعيل وإسحاق﴾ ومقدار ذلك السنّ غير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات، فقال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مئة واثنتي عشرة سنة.
فإن قيل: إنّ إبراهيم ﵇ إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وأمّه في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد إسحاق، فكيف يمكنه أن يقول ذلك؟ أجيب: بأن هذا يقتضي أنّ إبراهيم إنما ذكر هذا الكلام في زمن آخر لا عقب ما تقدّم من الدعاء. قال الرازي: ويمكن أيضاً أن يقال: إنه ﵇ إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق، وإن كان ظاهر الروايات بخلافه انتهى. تنبيه: قوله (على الكبر) بمعنى مع كقوله:
*إني على ما ترين من كبري
... أعلم من حيث يؤكل الكتف
وهو في موضع الحال. ولما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإفصاح والتصريح قال: ﴿إنّ ربي﴾ ، أي: المحسن إليّ ﴿لسميع الدعاء﴾ ، أي: لمجيبه. فإن قيل: الله تعالى يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه؟ أجيب: بأن هذا من قولك: سمع الملك كلامي إذا اعتدّ به وقبله، ومنه سمع الله لمن حمده. المطلوب الخامس: قوله: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة﴾ ، أي: معدّلاً لها مواظباً عليها.
تنبيه: في الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنّ قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ (إبراهيم، ٣٥)
يدل على أنّ ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى. وقوله: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة﴾ يدل على أنّ فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى، وذلك تصريح بأنّ إبراهيم ﵇ كان مصراً على أنّ الكل من الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿ومن ذرّيتي﴾ عطف على المنصوب في اجعلني، أي: واجعل بعض ذريتي كذلك؛ لأن كلمة من في قوله (ومن ذرّيتي) للتبعيض، وأما ذكر هذا التبعيض، فلأنه علم بإعلام الله تعالى أنه يكون في ذرّيته جمع من الكفار وذلك قوله تعالى: ﴿ولا ينال عهدي الظالمين﴾ (البقرة، ١٢٤)
. المطلوب السادس: أنه ﵇ لما دعا الله تعالى في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: ﴿ربنا وتقبل دعاء﴾ . قال ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: ﴿وأعتزلكم وما تدعون من دون الله﴾ (مريم، ٤٨)
. وقيل: دعائي المذكور المطلوب السابع قوله:
﴿ربنا﴾ ، أي: أيها المالك لأمورنا المدبر لنا ﴿اغفر لي﴾ فإن قيل: إنّ طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة ذنب أجيب: بأن المقصود من ذلك الالتجاء إلى الله تعالى، وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته، ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: ﴿ولوالديّ﴾ فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لوالديه وكانا
стр. 842
كافرين؟ أجيب بوجوه: الأول: أنّ المنع منه لا يعلم إلا بتوقيف، فلعله لم يجد منه منعاً وظنّ كونه جائزاً، الثاني: أراد بوالديه آدم وحواء، الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام، وقال بعضهم: كانت أمّه مؤمنة ولذلك خص أباه بالذكر في قوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ (التوبة، ١١٤)
. ثم دعا لمن تبعه في الدين من ذريته وغيرهم بقوله ﴿وللمؤمنين﴾ ، أي: العريقين في هذا الوصف ﴿يوم يقوم﴾ ، أي: يبدو ويظهر ﴿الحساب﴾ وقيل: أراد يوم يقوم الناس فيه للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوماً عند السامع، وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة، والله تعالى لا يردّ دعاء خليله إبراهيم ﵇، وفيه بشارة عظيمة للمؤمنين بالمغفرة، فنسأل الله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأحبابنا ولمن نظر في هذا التفسير، ودعا لمن كان سبباً فيه بالمغفرة. ولما بيّن تعالى دلائل التوحيد، ثم حكى عن إبراهيم ﵇ أنه طلب من الله تعالى أن يصونه عن الشرك، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة عقبه بقوله تعالى مخاطبة لنبيه ﷺ
﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾ ؛ لأنّ الغفلة معنى يمنع الإنسان عن الوقوف على حقائق الأمور، وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وهذا في حق الله تعالى محال، والمقصود من ذلك التنبيه على أنه ينتقم للمظلوم من الظالم، ففيه وعيد وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه مغفلاً عنه، وعن سفيان بن عيينة فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له: من قال هذا؟ فغضب، وقال: إنما قاله من علمه.
فإن قيل: كيف يليق به ﷺ أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة وهو أعلم الناس به؟ أجيب: بوجوه: الأوّل: أنّ المراد به التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً كقوله: ﴿لا تدع مع الله إلهاً آخر﴾ (القصص، ٨٨)
. والثاني: أنّ المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم. والثالث: أنّ المراد ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. والرابع: أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبيّ ﷺ في الظاهر إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمّة. ثم بيّن تعالى أنه ﴿إنما يؤخرهم﴾ ، أي: عذابهم ﴿ليوم﴾ موصوف بخمس صفات الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿تشخص فيه الأبصار﴾ ، أي: أبصارهم لا تقرّ مكانها من هول ما ترى في ذلك اليوم. الصفة الثانية: قوله تعالى:
﴿مهطعين﴾ ، أي: مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم لا يطرقون هيبة وخوفاً. وقيل: المهطع الخاضع الذليل الساكن. الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ ، أي: رافعيها إذ الإقناع: رفع الرأس إلى فوق، فأهل الموقف من صفتهم أنهم رافعو رؤوسهم إلى السماء، وهذا بخلاف المعتاد؛ لأنّ من يتوقع البلاء يطرق بصره إلى الأرض. وقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لا يرتدّ إليهم طرفهم﴾ ، أي: بل تثبت عيونهم شاخصة لا يطرفون بعيونهم، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان قد شغلهم ما بين أيديهم. الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿وأفئدتهم﴾ ، أي: قلوبهم ﴿هؤاء﴾ ، أي: خالية من العقل لفرط الحيرة
стр. 843
والدهشة. وقال قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم، فصارت في حناجرهم، فلا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها.
تنبيه: اختلفوا في وقت حصول هذه الصفات، فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك بأنه يقوم الحساب، وقيل: إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق، فالسعداء يذهبون إلى الجنة والأشقياء إلى النار. وقيل: يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور. قال الرازي: والأوّل أولى.
﴿وأنذر الناس﴾ يا محمد، أي: خوّفهم يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿يوم يأتيهم العذاب﴾ ، أي: الذي تقدّم ذكره، وهو شخوص أبصارهم وكونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم. ﴿فيقول الذين ظلموا﴾ ، أي: كفروا ﴿ربنا أخرنا﴾ ، أي: بأن تردّنا إلى الدنيا ﴿إلى أجل قريب﴾ إلى أمد واحد من الزمان قريب ﴿نجب دعوتك﴾ ، أي: بالتوحيد ونتدارك ما فرّطنا فيه ﴿ونتبع الرسل﴾ فيما يدعوننا إليه، فيقال لهم توبيخاً: ﴿أو لم تكونوا أقسمتم﴾ ، أي: حلفتم ﴿من قبل﴾ في الدنيا ﴿ما لكم﴾ وأكد النفي بقوله: ﴿من زوال﴾ ، أي: ما لكم عنها انتقال ولا بعث ولا نشور كما قال في آية أخرى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ (النمل، ٣٨)
وكانوا يقولون: لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت، أو عن شباب إلى هرم، أو عن غنى إلى فقر، ثم إنه تعالى زادهم توبيخاً آخر بقوله تعالى:
﴿وسكنتم﴾ في الدنيا ﴿في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ بالكفر من الأمم السابقة ﴿وتبين لكم كيف فعلنا بهم﴾ ، أي: وظهر لكم بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم ﴿وضربنا﴾ ، أي: وبينا ﴿لكم الأمثال﴾ في القرآن أنّ عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال، مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله تعالى كثير. ولما ذكر تعالى صفة عقابهم أتبعه بذكر كيفية مكرهم بقوله تعالى:
﴿وقد مكروا مكرهم﴾ ، أي: الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، واختلف في عود الضمير في مكروا على وجوه: الأوّل: أن يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ لأنّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور. والثاني: إلى قوم محمد ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿وأنذر﴾ ، أي: يا محمد الناس وقد مكر قومك مكرهم، وذلك المكر هو الذي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ (الأنفال، ٣٠)
. ﴿وعند الله مكرهم﴾ ، أي: ومكتوب عند الله فعلهم، فهو مجازيهم عليه بمكر عو أعظم منه.
وقيل: إنّ مكرهم لا يزيل أمر محمد ﷺ الذي هو ثابت كثبوت الجبال.k
وقد حكي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قول آخر وهو أنها نزلت في نمروذ الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه فقال نمروذ: إن كان ما يقوله إبراهيم حقاً فلا أنتهي حتى أصعد إلى السماء، فأعلم ما فيها، ثم أمر نمروذ صاحبه فاتخذ لنفسه تابوتاً، وجعل له باباً من أعلاه وباباً من أسفله، وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور، وكان قد جوّعها، ورفع فوق الجوانب الأربع من التابوت عصياً أربعة وعلق على كل واحدة منها قطعة لحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت، فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جوّ
стр. 844
الهواء، فطارت يوماً حتى أبعدت في الهواء، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأسفل، وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل فقال: أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان قال: فطارت النسور، يوماً آخر وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأعلى، ففتح فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل، فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي أيها الطاغي أين تريد؟ قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخاً بالدم بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء، وقيل: طائر أصابه السهم فقال: كفيت إله السماء، فنكس تلك العصيّ التي علق عليها اللحوم، فتسفلت النسور، وهبطت إلى الأرض، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أن قد حدث في السماء حدث وأن القيامة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها فذلك قوله تعالى: ﴿وإن كان مكرهم﴾ ، أي: من القوّة والضخامة ﴿لتزول منه الجبال﴾ قال الرازي: ولا حاجة في تأويل الآية إلى هذا، فإنه لم يجيء فيه خبر صحيح معتمد انتهى. والمراد بالجبال هنا قيل: حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات. وقرأ الكسائيّ بفتح اللام الأولى ورفع الأخيرة، والباقون بكسر الأولى وفتح الثانية، والتقدير على القراءة الأولى: وإن كان بحيث أنه تزول منه
الجبال، وقيل: أن نافية واللام لتأكيد النفي.
﴿فلا تحسبنّ الله﴾ الخطاب له ﷺ والمراد منه أمّته ﴿مخلف وعده رسله﴾ من النصر وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا﴾ (غافر، ٥١)
. وقال تعالى: ﴿كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي﴾ (المجادلة، ٢١)
. فإن قيل: هلا قال مخلف رسله وعده ولم قدّم المفعول الثاني على الأوّل؟ أجيب: بأنه تعالى قدّم ذلك ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يخلف الميعاد﴾ (آل عمران، ٩)
ثم قال: رسله ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ ﴿إنّ الله﴾ ، أي: ذو الجلال والإكرام ﴿عزيز﴾ ، أي: غالب يقدر ولا يقدر عليه ﴿ذو انتقام﴾ ، أي: ممن عصاه وقوله تعالى:
﴿س١٤ش٤٨/ش٥٢ يَوْمَ تُبَدَّلُ ا?رْضُ غَيْرَ ا?رْضِ وَالسَّمَاوَاتُ? وَبَرَزُوا? لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَـ?ـ?ِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ا?صْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَاذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا? بِهِ? وَلِيَعْلَمُو?ا? أَنَّمَا هُوَ اله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا? ا?لْبَابِ﴾
بدل من يوم يأتيهم، أو ظرف للانتقام، والمعنى: يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة، وقوله تعالى: ﴿والسموات﴾ عطف على الأرض وتقديره والسموات غير السموات، والتبديل التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه ﴿بدلناهم جلوداً غيرها﴾ (النساء، ٥٦)
﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾ (سبأ، ١٦)
. وفي الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ (الفرقان، ٧٠)
والآية محتملة لكل واحد من هذين المفهومين، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي تلك الأرض، وإنما تغير أوصافها، وأنشد:
*وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم*
فتتبدّل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتستوي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وتبدل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها وكونها أبواباً، ويدلّ لذلك قوله ﷺ «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء
стр. 845
كقرصة النقاء ليس فيها علم لأحد» أخرجاه في الصحيحين، العفراء بالعين المهملة، وهي البيضاء إلى حمرة، ولهذا شبهها بقرصة النقاء، وهو الجير الأبيض الجيد الفائق المائل إلى الحمرة. كأن النار ميلت بياض وجهه إلى الحمرة، وقوله: ليس فيها علم لأحد يعني: ليس فيها علامة لأحد لتبديل هيئتها وصفتها وزوال جبالها وجميع بنائها، فلا يبقى فيها أثر يستدلّ به. وعن ابن مسعود أنه قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم، ولم تعمل عليها خطيئة. وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: الأرض من فضة والسماء من ذهب. وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. وعن الضحاك أيضاً: من فضة كالصحائف. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية فأين يكون الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط» . أخرجه مسلم. وروى ثوبان أنّ حبراً من اليهود سأل رسول الله ﷺ أين تكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض؟ قال: «هم في الظلمة دون الجسر» . قال الرازي: واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض
جهنم والسموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿كلا إنّ كتاب الأبرار لفي عليين﴾ (المصطففين، ١٨)
. وقوله تعالى: ﴿كلا إنّ كتاب الفجار لفي سجين﴾ (المصطففين، ٧)
. ﴿وبرزوا﴾ ، أي: خرجوا من قبورهم ﴿لله﴾ ، أي: لحكمه والوقوف بين يديه تعالى للحساب ﴿الواحد﴾ ، أي: الذي لا شريك له ﴿القهار﴾ ، أي: الذي لا يدافعه شيء عن مراده كما قال تعالى: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ (غافر، ١٦)
. ولما وصف نفسه بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم بقوله تعالى:
﴿وترى﴾ يا محمد، أي: تبصر ﴿المجرمين﴾ ، أي: الكافرين ﴿يومئذٍ﴾ ، أي: يوم القيامة، ثم ذكر تعالى من صفات عجزهم وذلتهم أموراً: الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿مقرّنين﴾ ، أي: مشدودين ﴿في الأصفاد﴾ جمع صفد وهو القيد. قال الكلبي: كل كافر مع شيطان في غل. وقال عطاء: وهو معنى قوله تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ (التكوير، ٧) ، أي: قرنت فتقرن نفوس المؤمنين الحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وقيل: هو قرن بعض، الكفار ببعض فتضم تلك النفوس الشقية والأرواح الكدرة الظلمانية بعضها إلى بعض لكونها متشاكلة متجانسة، وتنادى ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى. وقال ابن زيد: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال.
الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿سرابيلهم﴾ ، أي: قمصهم جمع سربال وهو القميص ﴿من قطران﴾ وهو شيء يتحالب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ وتطلى به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أنه يتسارع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلاء كالسرابيل، فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران، وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين.
الصفة الثالثة قوله تعالى: ﴿وتغشى﴾ ، أي: تعلو ﴿وجوههم النار﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب﴾ (الزمر، ٢٤)
. وقوله تعالى: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ (القمر، ٤٨)
. ولما كان موضع العلم والجهل هو القلب، وموضع الكفر والوهم هو
следующие страницы →