← Тафсир

Тафсир · id 1466

السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير

الخطيب الشربيني

Полный текст (2 552 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الله من شيء في الأرض ولا في السماء﴾ فقيل: من تتمة قول إبراهيم ﵇ يعني: وما يخفى على الله الذي هو عالم الغيب من شيء في، أي: مكان، والأكثرون على أنه قول الله تعالى تصديقاً لإبراهيم فيما قال، كقوله تعالى: ﴿وكذلك يفعلون﴾ (النمل، ٣٤) ولفظة من تفيد الاستغراق، كأنه قيل وما يخفى عليه شيء ما. ولما تم إبراهيم ﵇ ما دعا به أتبعه الحمد على ما رزقه من النعم بقوله تعالى: ﴿الحمد لله﴾ ، أي: المستجمع لصفات الكمال ﴿الذي وهب لي﴾ ، أي: أعطاني ﴿على الكبر﴾ ، أي: وهب لي وأنا كبير آيس من الولد، قيد الهبة بحال الكبر استعظاماً للنعمة وإظهاراً لما فيه من المعجزة ﴿إسماعيل وإسحاق﴾ ومقدار ذلك السنّ غير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات، فقال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مئة واثنتي عشرة سنة. فإن قيل: إنّ إبراهيم ﵇ إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وأمّه في ذلك الوادي، وفي ذلك الوقت ما ولد إسحاق، فكيف يمكنه أن يقول ذلك؟ أجيب: بأن هذا يقتضي أنّ إبراهيم إنما ذكر هذا الكلام في زمن آخر لا عقب ما تقدّم من الدعاء. قال الرازي: ويمكن أيضاً أن يقال: إنه ﵇ إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحاق، وإن كان ظاهر الروايات بخلافه انتهى. تنبيه: قوله (على الكبر) بمعنى مع كقوله: *إني على ما ترين من كبري ... أعلم من حيث يؤكل الكتف وهو في موضع الحال. ولما ذكر الدعاء على سبيل الرمز والتعريض لا على وجه الإفصاح والتصريح قال: ﴿إنّ ربي﴾ ، أي: المحسن إليّ ﴿لسميع الدعاء﴾ ، أي: لمجيبه. فإن قيل: الله تعالى يسمع كل دعاء أجابه أو لم يجبه؟ أجيب: بأن هذا من قولك: سمع الملك كلامي إذا اعتدّ به وقبله، ومنه سمع الله لمن حمده. المطلوب الخامس: قوله: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة﴾ ، أي: معدّلاً لها مواظباً عليها. تنبيه: في الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ لأنّ قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام﴾ (إبراهيم، ٣٥) يدل على أنّ ترك المنهيات لا يحصل إلا من الله تعالى. وقوله: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة﴾ يدل على أنّ فعل المأمورات لا يحصل إلا من الله تعالى، وذلك تصريح بأنّ إبراهيم ﵇ كان مصراً على أنّ الكل من الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿ومن ذرّيتي﴾ عطف على المنصوب في اجعلني، أي: واجعل بعض ذريتي كذلك؛ لأن كلمة من في قوله (ومن ذرّيتي) للتبعيض، وأما ذكر هذا التبعيض، فلأنه علم بإعلام الله تعالى أنه يكون في ذرّيته جمع من الكفار وذلك قوله تعالى: ﴿ولا ينال عهدي الظالمين﴾ (البقرة، ١٢٤) . المطلوب السادس: أنه ﵇ لما دعا الله تعالى في المطالب المذكورة دعا الله تعالى في أن يقبل دعاءه فقال: ﴿ربنا وتقبل دعاء﴾ . قال ابن عباس: يريد عبادتي بدليل قوله تعالى: ﴿وأعتزلكم وما تدعون من دون الله﴾ (مريم، ٤٨) . وقيل: دعائي المذكور المطلوب السابع قوله: ﴿ربنا﴾ ، أي: أيها المالك لأمورنا المدبر لنا ﴿اغفر لي﴾ فإن قيل: إنّ طلب المغفرة إنما يكون بعد سابقة ذنب أجيب: بأن المقصود من ذلك الالتجاء إلى الله تعالى، وقطع الطمع إلا من فضله وكرمه ورحمته، ثم أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال: ﴿ولوالديّ﴾ فإن قيل: كيف جاز أن يستغفر لوالديه وكانا

стр. 842

كافرين؟ أجيب بوجوه: الأول: أنّ المنع منه لا يعلم إلا بتوقيف، فلعله لم يجد منه منعاً وظنّ كونه جائزاً، الثاني: أراد بوالديه آدم وحواء، الثالث: كان ذلك بشرط الإسلام، وقال بعضهم: كانت أمّه مؤمنة ولذلك خص أباه بالذكر في قوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ (التوبة، ١١٤) . ثم دعا لمن تبعه في الدين من ذريته وغيرهم بقوله ﴿وللمؤمنين﴾ ، أي: العريقين في هذا الوصف ﴿يوم يقوم﴾ ، أي: يبدو ويظهر ﴿الحساب﴾ وقيل: أراد يوم يقوم الناس فيه للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهوماً عند السامع، وهذا دعاء للمؤمنين بالمغفرة، والله تعالى لا يردّ دعاء خليله إبراهيم ﵇، وفيه بشارة عظيمة للمؤمنين بالمغفرة، فنسأل الله تعالى أن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولأحبابنا ولمن نظر في هذا التفسير، ودعا لمن كان سبباً فيه بالمغفرة. ولما بيّن تعالى دلائل التوحيد، ثم حكى عن إبراهيم ﵇ أنه طلب من الله تعالى أن يصونه عن الشرك، وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة عقبه بقوله تعالى مخاطبة لنبيه ﷺ ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون﴾ ؛ لأنّ الغفلة معنى يمنع الإنسان عن الوقوف على حقائق الأمور، وقيل: حقيقة الغفلة سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، وهذا في حق الله تعالى محال، والمقصود من ذلك التنبيه على أنه ينتقم للمظلوم من الظالم، ففيه وعيد وتهديد للظالم، وإعلام له بأنه لا يعامله معاملة الغافل عنه بل ينتقم ولا يتركه مغفلاً عنه، وعن سفيان بن عيينة فيه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم، فقيل له: من قال هذا؟ فغضب، وقال: إنما قاله من علمه. فإن قيل: كيف يليق به ﷺ أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة وهو أعلم الناس به؟ أجيب: بوجوه: الأوّل: أنّ المراد به التثبت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً كقوله: ﴿لا تدع مع الله إلهاً آخر﴾ (القصص، ٨٨) . والثاني: أنّ المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم. والثالث: أنّ المراد ولا تحسبنه معاملهم معاملة الغافل عما يعملون، ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير. والرابع: أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبيّ ﷺ في الظاهر إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمّة. ثم بيّن تعالى أنه ﴿إنما يؤخرهم﴾ ، أي: عذابهم ﴿ليوم﴾ موصوف بخمس صفات الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿تشخص فيه الأبصار﴾ ، أي: أبصارهم لا تقرّ مكانها من هول ما ترى في ذلك اليوم. الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿مهطعين﴾ ، أي: مسرعين إلى الداعي أو مقبلين بأبصارهم لا يطرقون هيبة وخوفاً. وقيل: المهطع الخاضع الذليل الساكن. الصفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿مقنعي رؤوسهم﴾ ، أي: رافعيها إذ الإقناع: رفع الرأس إلى فوق، فأهل الموقف من صفتهم أنهم رافعو رؤوسهم إلى السماء، وهذا بخلاف المعتاد؛ لأنّ من يتوقع البلاء يطرق بصره إلى الأرض. وقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لا يرتدّ إليهم طرفهم﴾ ، أي: بل تثبت عيونهم شاخصة لا يطرفون بعيونهم، ولكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان قد شغلهم ما بين أيديهم. الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿وأفئدتهم﴾ ، أي: قلوبهم ﴿هؤاء﴾ ، أي: خالية من العقل لفرط الحيرة

стр. 843

والدهشة. وقال قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم، فصارت في حناجرهم، فلا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها. تنبيه: اختلفوا في وقت حصول هذه الصفات، فقيل: إنها عند المحاسبة بدليل أنه تعالى إنما ذكر هذه الصفات عقب وصف ذلك بأنه يقوم الحساب، وقيل: إنها تحصل عندما يتميز فريق عن فريق، فالسعداء يذهبون إلى الجنة والأشقياء إلى النار. وقيل: يحصل عند إجابة الداعي والقيام من القبور. قال الرازي: والأوّل أولى. ﴿وأنذر الناس﴾ يا محمد، أي: خوّفهم يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿يوم يأتيهم العذاب﴾ ، أي: الذي تقدّم ذكره، وهو شخوص أبصارهم وكونهم مهطعين مقنعي رؤوسهم. ﴿فيقول الذين ظلموا﴾ ، أي: كفروا ﴿ربنا أخرنا﴾ ، أي: بأن تردّنا إلى الدنيا ﴿إلى أجل قريب﴾ إلى أمد واحد من الزمان قريب ﴿نجب دعوتك﴾ ، أي: بالتوحيد ونتدارك ما فرّطنا فيه ﴿ونتبع الرسل﴾ فيما يدعوننا إليه، فيقال لهم توبيخاً: ﴿أو لم تكونوا أقسمتم﴾ ، أي: حلفتم ﴿من قبل﴾ في الدنيا ﴿ما لكم﴾ وأكد النفي بقوله: ﴿من زوال﴾ ، أي: ما لكم عنها انتقال ولا بعث ولا نشور كما قال في آية أخرى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ (النمل، ٣٨) وكانوا يقولون: لا زوال لنا من هذه الحياة إلى حياة أخرى، ومن هذه الدار إلى دار المجازاة، لا أنهم كانوا ينكرون أن يزولوا عن حياة إلى موت، أو عن شباب إلى هرم، أو عن غنى إلى فقر، ثم إنه تعالى زادهم توبيخاً آخر بقوله تعالى: ﴿وسكنتم﴾ في الدنيا ﴿في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ بالكفر من الأمم السابقة ﴿وتبين لكم كيف فعلنا بهم﴾ ، أي: وظهر لكم بما تشاهدون في منازلهم من آثار ما نزل بهم، وما تواتر عندكم من أخبارهم ﴿وضربنا﴾ ، أي: وبينا ﴿لكم الأمثال﴾ في القرآن أنّ عاقبتهم عادت إلى الوبال والخزي والنكال، مما يعلم به أنه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التعذيب المؤجل كما يفعل الهلاك المعجل، وذلك في كتاب الله تعالى كثير. ولما ذكر تعالى صفة عقابهم أتبعه بذكر كيفية مكرهم بقوله تعالى: ﴿وقد مكروا مكرهم﴾ ، أي: الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه جهدهم، واختلف في عود الضمير في مكروا على وجوه: الأوّل: أن يعود إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ لأنّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور. والثاني: إلى قوم محمد ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿وأنذر﴾ ، أي: يا محمد الناس وقد مكر قومك مكرهم، وذلك المكر هو الذي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ (الأنفال، ٣٠) . ﴿وعند الله مكرهم﴾ ، أي: ومكتوب عند الله فعلهم، فهو مجازيهم عليه بمكر عو أعظم منه. وقيل: إنّ مكرهم لا يزيل أمر محمد ﷺ الذي هو ثابت كثبوت الجبال.k وقد حكي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية قول آخر وهو أنها نزلت في نمروذ الجبار الذي حاج إبراهيم في ربه فقال نمروذ: إن كان ما يقوله إبراهيم حقاً فلا أنتهي حتى أصعد إلى السماء، فأعلم ما فيها، ثم أمر نمروذ صاحبه فاتخذ لنفسه تابوتاً، وجعل له باباً من أعلاه وباباً من أسفله، وربط قوائمه الأربع بأربعة نسور، وكان قد جوّعها، ورفع فوق الجوانب الأربع من التابوت عصياً أربعة وعلق على كل واحدة منها قطعة لحم، ثم إنه جلس مع صاحبه في ذلك التابوت، فلما أبصرت النسور تلك اللحوم تصاعدت في جوّ

стр. 844

الهواء، فطارت يوماً حتى أبعدت في الهواء، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأسفل، وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل فقال: أرى الأرض مثل اللجة والجبال مثل الدخان قال: فطارت النسور، يوماً آخر وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال نمروذ لصاحبه: افتح الباب الأعلى، ففتح فإذا السماء كهيئتها، وفتح الباب الأسفل، فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي أيها الطاغي أين تريد؟ قال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب، فرمى بسهم فعاد إليه السهم ملطخاً بالدم بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء، وقيل: طائر أصابه السهم فقال: كفيت إله السماء، فنكس تلك العصيّ التي علق عليها اللحوم، فتسفلت النسور، وهبطت إلى الأرض، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أن قد حدث في السماء حدث وأن القيامة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها فذلك قوله تعالى: ﴿وإن كان مكرهم﴾ ، أي: من القوّة والضخامة ﴿لتزول منه الجبال﴾ قال الرازي: ولا حاجة في تأويل الآية إلى هذا، فإنه لم يجيء فيه خبر صحيح معتمد انتهى. والمراد بالجبال هنا قيل: حقيقتها وقيل شرائع الإسلام المشبهة بها في القرار والثبات. وقرأ الكسائيّ بفتح اللام الأولى ورفع الأخيرة، والباقون بكسر الأولى وفتح الثانية، والتقدير على القراءة الأولى: وإن كان بحيث أنه تزول منه الجبال، وقيل: أن نافية واللام لتأكيد النفي. ﴿فلا تحسبنّ الله﴾ الخطاب له ﷺ والمراد منه أمّته ﴿مخلف وعده رسله﴾ من النصر وإعلاء الكلمة، وإظهار الدين كما قال تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا﴾ (غافر، ٥١) . وقال تعالى: ﴿كتب الله لأغلبنّ أنا ورسلي﴾ (المجادلة، ٢١) . فإن قيل: هلا قال مخلف رسله وعده ولم قدّم المفعول الثاني على الأوّل؟ أجيب: بأنه تعالى قدّم ذلك ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله تعالى: ﴿إنّ الله لا يخلف الميعاد﴾ (آل عمران، ٩) ثم قال: رسله ليدل به على أنه تعالى لما لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، فكيف يخلف رسله الذين هم خيرته وصفوته؟ ﴿إنّ الله﴾ ، أي: ذو الجلال والإكرام ﴿عزيز﴾ ، أي: غالب يقدر ولا يقدر عليه ﴿ذو انتقام﴾ ، أي: ممن عصاه وقوله تعالى: ﴿س١٤ش٤٨/ش٥٢ يَوْمَ تُبَدَّلُ ا?رْضُ غَيْرَ ا?رْضِ وَالسَّمَاوَاتُ? وَبَرَزُوا? لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَـ?ـ?ِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى ا?صْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَاذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا? بِهِ? وَلِيَعْلَمُو?ا? أَنَّمَا هُوَ اله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا? ا?لْبَابِ﴾ بدل من يوم يأتيهم، أو ظرف للانتقام، والمعنى: يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة، وقوله تعالى: ﴿والسموات﴾ عطف على الأرض وتقديره والسموات غير السموات، والتبديل التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك بدلت الدراهم دنانير، ومنه ﴿بدلناهم جلوداً غيرها﴾ (النساء، ٥٦) ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾ (سبأ، ١٦) . وفي الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾ (الفرقان، ٧٠) والآية محتملة لكل واحد من هذين المفهومين، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي تلك الأرض، وإنما تغير أوصافها، وأنشد: *وما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم* فتتبدّل أوصافها فتسير عن الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتستوي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وتبدل السماء بانتثار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وانشقاقها وكونها أبواباً، ويدلّ لذلك قوله ﷺ «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء

стр. 845

كقرصة النقاء ليس فيها علم لأحد» أخرجاه في الصحيحين، العفراء بالعين المهملة، وهي البيضاء إلى حمرة، ولهذا شبهها بقرصة النقاء، وهو الجير الأبيض الجيد الفائق المائل إلى الحمرة. كأن النار ميلت بياض وجهه إلى الحمرة، وقوله: ليس فيها علم لأحد يعني: ليس فيها علامة لأحد لتبديل هيئتها وصفتها وزوال جبالها وجميع بنائها، فلا يبقى فيها أثر يستدلّ به. وعن ابن مسعود أنه قال: تبدل الأرض بأرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم، ولم تعمل عليها خطيئة. وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: الأرض من فضة والسماء من ذهب. وقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه. وعن الضحاك أيضاً: من فضة كالصحائف. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية فأين يكون الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ فقال: «على الصراط» . أخرجه مسلم. وروى ثوبان أنّ حبراً من اليهود سأل رسول الله ﷺ أين تكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض؟ قال: «هم في الظلمة دون الجسر» . قال الرازي: واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم والسموات الجنة، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿كلا إنّ كتاب الأبرار لفي عليين﴾ (المصطففين، ١٨) . وقوله تعالى: ﴿كلا إنّ كتاب الفجار لفي سجين﴾ (المصطففين، ٧) . ﴿وبرزوا﴾ ، أي: خرجوا من قبورهم ﴿لله﴾ ، أي: لحكمه والوقوف بين يديه تعالى للحساب ﴿الواحد﴾ ، أي: الذي لا شريك له ﴿القهار﴾ ، أي: الذي لا يدافعه شيء عن مراده كما قال تعالى: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾ (غافر، ١٦) . ولما وصف نفسه بكونه قهاراً بين عجزهم وذلتهم بقوله تعالى: ﴿وترى﴾ يا محمد، أي: تبصر ﴿المجرمين﴾ ، أي: الكافرين ﴿يومئذٍ﴾ ، أي: يوم القيامة، ثم ذكر تعالى من صفات عجزهم وذلتهم أموراً: الصفة الأولى: قوله تعالى: ﴿مقرّنين﴾ ، أي: مشدودين ﴿في الأصفاد﴾ جمع صفد وهو القيد. قال الكلبي: كل كافر مع شيطان في غل. وقال عطاء: وهو معنى قوله تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت﴾ (التكوير، ٧) ، أي: قرنت فتقرن نفوس المؤمنين الحور العين، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين، وقيل: هو قرن بعض، الكفار ببعض فتضم تلك النفوس الشقية والأرواح الكدرة الظلمانية بعضها إلى بعض لكونها متشاكلة متجانسة، وتنادى ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى. وقال ابن زيد: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال. الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿سرابيلهم﴾ ، أي: قمصهم جمع سربال وهو القميص ﴿من قطران﴾ وهو شيء يتحالب من شجر يسمى الأبهل، فيطبخ وتطلى به الإبل الجربى، فيحرق الجرب بحرارته وحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أنه يتسارع فيه اشتعال النار، وهو أسود اللون منتن الريح، فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلاء كالسرابيل، فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران، وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح، وأيضاً التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين. الصفة الثالثة قوله تعالى: ﴿وتغشى﴾ ، أي: تعلو ﴿وجوههم النار﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب﴾ (الزمر، ٢٤) . وقوله تعالى: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم﴾ (القمر، ٤٨) . ولما كان موضع العلم والجهل هو القلب، وموضع الكفر والوهم هو

стр. 846

الرأس، وأثر هذه الأحوال يظهر في الوجه فلهذا خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيها فقال في القلب: ﴿نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة﴾ (الهمزة: ٦، ٧) . وقال في الوجه: ﴿وتغشى وجوههم النار﴾ (إبراهيم، ٥٠) . وقوله تعالى: ﴿ليجزي الله﴾ متعلق ببرزوا ﴿كل نفس ما كسبت﴾ ، أي: من خير أو شرّ وهذا أولى من قول الواحدي: المراد منه أنفس الكفار؛ لأنّ ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان. ولما كان حساب كل نفس جديراً بأن يستعظم قال: ﴿إنّ الله سريع الحساب﴾ ، أي: لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى، ولا شأن عن شأن قوله تعالى: ﴿هذا﴾ إشارة إلى القرآن الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور، نزل منزلة الحاضر وقيل: إلى السورة ﴿بلاغ﴾ ، أي: كان غاية الكفاية في الإيصال ﴿للناس﴾ والموعظة لهم، وقوله تعالى: ﴿ولينذروا﴾ ، أي: وليخوّفوا ﴿به﴾ عطف على محذوف ذلك المحذوف متعلق ببلاغ تقديره، أي: لينصحوا ولينذروا، وقيل: الواو مزيدة، ولينذروا متعلق ببلاغ ﴿وليعلموا﴾ ، أي: بما فيه من الحجج على وحدانية الله تعالى. ﴿أَنما هو﴾ ، أي: الله ﴿إله واحد﴾ فيستدلوا بذلك على أنّ الله واحد لا شريك له ﴿وليذكر﴾ بإدغام التاء في الأصل في الذال، أي: يتعظّ ﴿أولو الألباب﴾ ، أي: أصحاب العقول الصافية من الأكدار، والأفهام الصحيحة، فإنه موعظة لمن اتعظ. تنبيه: ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد مستفادة من قوله تعالى: ﴿ولينذروا به﴾ وتالييه والحكمة في إنزال الكتب تكميل الرسل للناس، واستكمالهم القوّة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد، واستصلاح القوّة العملية التي هي التدرع بلباس التقوى، جعلنا الله تعالى من الفائزين بها بمحمد وآله، وفعل ذلك بوالدينا وأحبابنا. وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل من عبد الأصنام وعدد من لم يعبد» حديث موضوع. قال العلامة ابن جماعة في «شرح منظومة ابن فرج» التي أولها غرامي صحيح فرع من غرائب الجويني يكفر واضع الحديث، أي: والمشهور عدم تكفيره. سورة الحجر مكية وهي تسع وتسعون آية وستمائة وأربع وخمسون كلمة، وعدد حروفها ألفان وسبعمائة وستون حرفاً ﴿بسم الله﴾ الملك الواحد القهار ﴿الرحمن﴾ الذي أسبغ نعمه على سائر بريته، فعجزت عن وصفه الأفكار ﴿الرحيم﴾ الذي خص أهل ولايته بنجاتهم من النار، وقوله تعالى: ﴿الر﴾ ذكر فيه الفتح والإمالة أوّل يونس. وقيل: معناه: أنا الله أرى، وقدّمنا الكلام على أوائل السور في أوّل سورة البقرة، وقوله تعالى: ﴿تلك﴾ إشارة إلى آيات هذه السورة، أي: هذه الآيات ﴿آيات الكتاب﴾ ، أي: القرآن، والإضافة بمعنى من، وقوله تعالى: ﴿وقرآن مبين﴾ ، أي: مظهر للحق من الباطل عطف بزيادة صفة. وقيل: المراد بالكتاب هو السورة، وكذا القرآن، وقيل: المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب. ثم بيّن حال الكفار يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿ربما يودّ﴾ ،

стр. 847

أي: يتمنى ﴿الذين كفروا﴾ إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين في ذلك اليوم ﴿لو كانوا مسلمين﴾ وقيل: حين يعاينوا حال المسلمين عند نزول النصر وحلول الموت، ورب للتكثير، فإنه يكثر منهم تمنى ذلك. وقيل: للتقليل، فإنّ الأهوال تدهشهم، فلا يفيقون حتى يتمنوا ذلك إلا في أحيان قليلة. فإن قيل: لم دخلت رب على المضارع وقد أبوا دخولها إلا على الماضي؟ أجيب: بأنّ المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحقيقه، فكأنه قيل: ربما ودّ. وقرأ عاصم ونافع بتخفيف باء ربما، والباقون بالتشديد. قال أبو حاتم: أهل الحجاز يخففون ربما، وقيس وبكر يثقلونها، ولما تمادوا في طغيانهم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ﴿ذرهم﴾ ، أي: دعهم عن النهي عما هم عليه والصدّ عنه بالتذكرة والنصيحة، وخلهم ﴿يأكلوا ويتمتعوا﴾ بدنياهم وتنفيذ شهواتهم، والتمتع التلذذ، وهو طلب اللذة حالاً بعد حال كالتقرب في أنه طلب القرب حالاً بعد حال. ﴿ويلههم الأمل﴾ ، أي: ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار، واستقامة الأحوال عن أخذ حظهم من السعادة، وعن الاستعداد للمعاد. وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم، وحمزة والكسائي برفع الهاء والميم، والباقون بكسر الهاء ورفع الميم. وأمّا الوقف فالجميع بكسر الهاء، والكلام على الهاء الثانية، وأمّا الهاء الأولى فمكسورة للجميع وقفاً ووصلاً. ولما كان هذا أمراً لا يشتغل به إلا أحمق تسبب عنه التهديد بقوله تعالى: ﴿فسوف يعلمون﴾ ، أي: ما يحل بهم بعدما فسحنا لهم في زمن التمتع من سوء صنيعهم، وهذا قبل الأمر بالقتال. تنبيه: في الآية دليل على أنّ إيثار التلذذ والتنعم في الدنيا يؤدّي إلى طول الأمل وليس ذلك من أخلاق المؤمنين. وعن بعضهم: التمتع في الدنيا من أخلاق الهالكين والأخبار في ذم الأمل كثيرة منها قوله ﷺ «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر» . وعن علي رضي الله تعالى عنه: إنما أخشى عليكم اثنتين طول الأمل واتباع الهوى، فإنّ طول الأمل ينسي الآخرة واتباع الهوى يصدّ عن الحق. ولما هددهم تعالى بآية التمتع وإلهاء الأمل أتبعه بما يؤكد الزجر. بقوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية﴾ ، أي: من القرى، والمراد أهلها ومن مزيدة ﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾ ، أي: أجل مضروب محدود مكتوب في اللوح المحفوظ لهلاكها. تنبيه: المستثنى جملة واقعة صفة لقرية والأصل أن لا تدخلها الواو، كقوله تعالى: ﴿إلا لها منذرون﴾ (الشعراء، ٢٠٨) وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما يقال في الحال: جاءني زيد عليه ثوب وجاءني وعليه ثوب. فائدة: رسم كتاب هنا بإثبات الألف. ثم بيّن تعالى الآية السابقة بقوله تعالى: ﴿ما تسبق﴾ وأكد الاستغراق بقوله تعالى: ﴿من أمة﴾ وقيل: من مزيدة كقولك: ما جاءني من أحد، أي: أحد وبيّن أنّ المراد بالكتاب الأجل بقوله تعالى: ﴿أجلها﴾ ، أي: الذي قدّرناه لها. ﴿وما يستأخرون﴾ ، أي: عنه. تنبيه: أنث الأمة أولاً ثم ذكرها آخراً حملاً على اللفظ الأوّل وعلى المعنى في الثاني. قال البقاعي: وإنما ذكره لئلا يصرفوه إلى خطابه ﷺ تعنتاً وفي الآية دليل على أنّ كل من مات أو قتل فإنما مات بأجله وإن من قال بجواز أن يموت قبل أجله مخطئ. ولما بالغ تعالى في تهديد الكفار ذكر

стр. 848

شبههم في إنكار نبوّته ﷺ بقوله تعالى: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ ، أي: القرآن في زعمه ﴿إنك لمجنون﴾ إنما نسبوه إلى الجنون إما لأنهم كانوا يستبعدون كونه رسولاً حقاً من عند الله لأنّ الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره فربما قال به جنون، وإما لأنه ﵊ كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنوا أنها جنون ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ (الأعراف، ١٨٤) ثم أتبعوه ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا: ﴿لو ما﴾ ، أي: هلا ﴿تأتينا بالملائكة﴾ ، أي: يشهدون لك بأنك رسول من عند الله حقاً. ﴿إن كنت من الصادقين﴾ في إدعائك للرسالة وأنّ هذا القرآن من عند الله ولما كان في قولهم أمران أجاب الله تعالى عن قولهم الثاني لأنه أقرب بقوله تعالى: ﴿وما ننزل الملائكة إلا بالحق﴾ ، أي: إلا تنزلاً ملتبساً بالحكمة والمصلحة ولا حكمة في أن نأتيكم بهم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبيّ ﷺ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار ومثله قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾ (الحجر، ٨٥) وقيل الحق الوحي أو العذاب. وقرأ شعبة بضم التاء مع فتح الزاي ورفع الملائكة وحفص وحمزة والكسائي بنونين الأولى مضمومة والثانية مفتوحة وكسر الزاي ونصب الملائكة والباقون بالتاء مفتوحة مع فتح الزاي ورفع الملائكة وشدّد التاء البزي في الوصل، وأما الزاي فهي مشدّدة للجميع من يفتح ومن يكسر ﴿وما كانوا﴾ ، أي: الكفار ﴿إذاً﴾ ، أي: إذ تأتيهم الملائكة ﴿منظرين﴾ ، أي: لزوال الإمهال عنهم فيعذبوا في الحال إن لم يؤمنوا ويصدّقوا وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من أصلابهم ثم أجاب تعالى عن الأوّل بقوله تعالى مؤكذاً لتكذيبهم: ﴿إنا نحن﴾ بما لنا من العظمة والقدرة ﴿نزلّنا﴾ ، أي: بالتدريج على لسان جبريل ﵇ ﴿الذكر﴾ ، أي: القرآن ﴿وإنا له لحافظون﴾ ، أي: من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ (النساء، ٨٢) فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه كلمة واحدة أو حرفاً واحداً وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه؟ أجيب: بأن جمعهم القرآن في المصحف كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على كون البسملة آية من أول كل سورة لأن الله تعالى قد وعد حفظ القرآن والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصوناً من الزيادة والنقصان فلو لم تكن البسملة آية من القرآن لما كان مصوناً عن التغيير ولما كان محفوظاً عن الزيادة ولو جاز أن يظنّ بالصحابة أنهم زادوا جاز أيضاً أن يظن بهم النقصان وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة، وقيل: الضمير في له راجع إلى النبي ﷺ والمعنى: وإنا لمحمد لحافظون ممن أراد به سوءاً فهو كقوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة، ٦٧) . ولما أساء الكفار عليه ﷺ في الأول وخاطبوه

стр. 849

بالسفاهة وقالوا: ﴿إنك لمجنون﴾ (الحجر، ٦) . وكان عادة هؤلاء الجهال مع جميع الأنبياء قال تسلية له على وجه رادّ عليهم: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك﴾ ، أي: رسلاً فحذف ذكر الرسل لدلالة الإرسال عليه وقوله تعالى: ﴿في شيع﴾ أي: فرق ﴿الأوّلين﴾ من باب إضافة الصفة إلى الموصوف كقوله تعالى: ﴿حق اليقين﴾ (الواقعة، ٩٥) سموا شيعاً لمتابعة بعضهم بعضاً في الأحوال التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة المجتمعة المتفقة كلمتهم على مذهب وطريقة. وقال الفراء: الشيعة هم الأتباع وشيعة الرجل أتباعه، وقيل: الشيعة من يتقوى بهم الإنسان. ﴿وما يأتيهم﴾ عبر بالمضارع على حكاية الحال الماضية، فإن ما لا تدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال، والأصل وما كان يأتيهم ﴿من رسول﴾ ، أي: على، أي: وجه كان ﴿إلا كانوا به﴾ جبلة وطبعاً ﴿يستهزؤون﴾ كاستهزاء قومك بك فصبروا فاصبر كما صبروا. ﴿كذلك﴾ ، أي: مثل ادخالنا التكذيب في قلوب هؤلاء المستهزئين بالرسل ﴿نسلكه﴾ ، أي: ندخله ﴿في قلوب المجرمين﴾ ، أي: كفار مكة المستهزئين. ﴿لا يؤمنون به﴾ ، أي: بالنبيّ ﷺ وقيل: بالقرآن. وفي الآية دليل على أنّ الله تعالى يخلق الباطل في قلوب الكفار والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط والرمح في المطعون، ومنه قوله تعالى: ﴿ما سلككم في سقر﴾ (الدثر، ٤٢) وقيل: الضمير في نسلكه يعود للذكر كما أنّ الضمير في به يعود إليه وجملة لا يؤمنون به حال من ذلك الضمير والمعنى على هذا مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذباً به غير مؤمن به قال البيضاوي: وهذا الاستدلال ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه اه. وما أعدت الضمير عليه في ذلك هو ما قاله ابن الخازن، وجرى عليه الجلال السيوطي وقوله تعالى: ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ ، أي: سنة الله فيهم من تعذيبهم بتكذيبهم أنبياءهم وعيد شديد لكفار مكة بأنه ينزل بهم مثل ما نزل بالأمم الماضية المكذبة، وقال الزجاج: قد مضت سنة الله في أن يسلك الكفر والضلال في قلوبهم.I قال الرازي: وهذا أليق بظاهر اللفظ. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام تاء التأنيث في السين والباقون بالإظهار وقوله تعالى: ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء﴾ الآية هو المراد في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس﴾ (الأنعام، ٧) الآية، أي: الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة فلو أنزلنا الملائكة ﴿فظلوا فيه﴾ ، أي: فظلت الملائكة ﴿يعرجون﴾ ، أي: يصعدون في الباب وهم يرونها عياناً. ﴿لقالوا﴾ ، أي: من عتوّهم في الكفر ﴿إنما سكرت أبصارنا﴾ ، أي: سدت عن الأبصار بالسحر من السكر ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف أو حيرت من السكر يدل عليه قراءة الباقين بالتشديد. ﴿بل نحن قوم مسحورون﴾ ، أي: قد سحرنا محمد بذلك، أي: كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات كانشقاق القمر وما جاء به النبيّ ﷺ من القرآن المعجز الذي لا يستطيع الجنّ والإنس أن يأتوا بمثله. وقيل: الضمير في يعرجون للمشركين، أي: فظل المشركون يصعدون في ذلك الباب فينظرون في ملكوت السموات وما فيها من العجائب لما آمنوا لعنادهم وكفرهم وقالوا: إنما سحرنا. وقرأ الكسائي بإدغام لام بل في النون والباقون بالإظهار. ولما أجاب الله تعالى عن شبهة منكري

стр. 850

النبوّة والقول بالنبوّة مفرع على القول بالتوحيد ودلائل التوحيد منها سماوية ومنها أرضية بدأ منها بذكر الدلائل السماوية فقال مفتتحاً بحرف التوقع: ﴿ولقد جعلنا﴾ بما لنا من العظمة والقدرة الباهرة. ﴿في السماء بروجاً﴾ قال الليث: البروج واحدها برج من بروج الفلك، والبروج هي النجوم الكبار مأخوذة من الظهور يقال: تبرجت المرأة إذا ظهرت وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس والقمر والكواكب السيارة وهي اثنا عشر برجاً الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت وهي منازل الكواكب السبعة السيارة المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو. وهذه البروج مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها الشمس في كل سنة مرّة وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوماً. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد بروج الشمس والقمر يعني منازلهما وقال عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس. وقال مجاهد: هي النجوم العظام. قال أبو إسحاق: يريد نجوم هذه البروج. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالإدغام. ﴿وزيناها﴾ ، أي: السماء بالشمس والقمر والنجوم والأشكال والهيئات البهية ﴿للناظرين﴾ ، أي: المعتبرين المستدلين بها على توحيد خالقها ومبدعها وهو الله الذي أوجد كل شيء وخلقه وصوّره. ﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم﴾ ، أي: مرجوم وقيل: ملعون. قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الله لغيوب من الملائكة فيلقونها على الكهنة فلما ولد عيسى ﵇ منعوا من ثلاث سموات ولما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، فلما منعوا تلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس فقال: لقد حدث في الأرض حدث فبعثهم ينظرون فوجدوا رسول الله ﷺ يتلو القرآن فقالوا: والله هذا حدث وقوله تعالى: ﴿إلا من استرق السمع﴾ بدل من كل شيطان رجيم. وقيل استثناء منقطع، أي: لكن من استرق السمع واستراق السمع اختلاسه. قال ابن عباس: يريد الخطفة اليسيرة وذلك أنّ الشياطين يركب بعضهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة فيرمون بالكواكب كما قال تعالى: ﴿فأتبعه شهاب مبين﴾ وهو شعلة من نار ساطعة وقد يطلق على الكواكب لما فيها من البريق يشبه شهاب النار فلا يخطئ أحداً فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه أو جنبه أو يده حيث يشاء الله. ومنهم من يخبله فيصير غولاً فيضل الناس في البوادي. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترقو السمع» ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض. ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدّد بين أصابعه

стр. 851

فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها إلى لسان الساحر أو الكاهن، وربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مئة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا فيصدّق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء. فإن قيل: إذا جاز أن يسمع الشيطان أخبار الغيوب من الملائكة خرج الإخبار عن المغيبات عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق لأنّ كل غيب يخبر عنه النبيّ ﷺ قام فيه الاحتمال وحينئذٍ يخرج عن كونه معجزاً دليلاً على الصدق. أجيب: بأنا أثبتنا كون محمد ﷺ رسولاً بسائر المعجزات ثم بعد العلم بنبوّته نقطع بأنّ الله تعالى أعجز الشياطين عن تلقف الغيب بهذا الطريق وعند ذلك يصير الإخبار عن الغيب معجزاً، ولما شرح الله تعالى الدلائل السماوية في تقرير التوحيد أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي أنواع؛ النوع الأوّل: قوله تعالى: ﴿والأرض مددناها﴾ قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. قال البغوي: يقال إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. فإن قيل: فهل يدل ذلك على أنها بسيطة أو كرة عظيمة على ما يقوله أرباب الهيئة؟ أجيب: بأن ليس في الآية دلالة على شيء من ذلك، لأنّ الأرض على تقدير كونها كرة فهي في غاية العظمة والكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي، وتقدّم الكلام على ذلك في سورة البقرة، وسيأتي زيادة على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة والنازعات. النوع الثاني: قوله تعالى: ﴿وألقينا فيها رواسي﴾ ، أي: جبالاً ثوابت واحدها راس والجمع راسية وجمع الجمع رواسي. وهو كقوله تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ (النحل، ١٥) قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكي لا تميد بأهلها، وقيل: إنّ الله تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال. النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿وأنبتنا فيها﴾ واختلف في عود ضمير فيها فقيل: يعود إلى الأرض لأنّ أنواع النبات المنتفع به يكون في الأرض وقيل: إلى الجبال لأنها أقرب مذكور ولقوله تعالى: ﴿من كل شيء موزون﴾ وإنما يوزن ما يتولد من الجبال والأولى عوده لهما، واختلفوا في المراد بالموزون فقال ابن عباس:، أي: معلوم. وقال مجاهد:، أي: مقدار معين تقتضيه حكمته. وقال الحسن: أعني به الشيء الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن والأولى أنه جميع ما ينبت في الأرض والجبال، لأنّ ذلك نوعان أحدهما يستخرج من المعادن وجميع ذلك موزون. والثاني النبات فبعضه موزون وبعضه بالكيل وهو يرجع إلى الوزن لأنّ الصاع والمدّ مقدران بالوزن. ﴿وجعلنا لكم فيها﴾ ، أي: إنعاماً منا وتفضلاً عليكم ﴿معايش﴾ وهي بياء صريحة من غير مدّ جمع معيشة وهو ما يعيش به الإنسان مدّة حياته في الدنيا من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها. ﴿و﴾ جعلنا لكم ﴿من لستم له برازقين﴾ من العبيد والأنعام والدواب والطير فإنكم تنتفعون بها ولستم لها برازقين لأنّ رزق جميع الخلق على الله تعالى وبعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم هم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد،

стр. 852

وذلك خطأ فإنّ الله هو الرزاق يرزق المخدوم والخادم والمملوك والمالك لأنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة وأعطى القوة الغاذية والهاضمة وإلا لم يحصل لأحد رزق. فإن قيل: صيغة من مختصة بمن يعقل؟ أجيب: بأنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقاً على الله تعالى حيث قال: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ (هود: ٦) ﴿والأرض مددناها﴾ قال ابن عباس: بسطناها على وجه الماء. قال البغوي: يقال إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة. فإن قيل: فهل يدل ذلك على أنها بسيطة أو كرة عظيمة على ما يقوله أرباب الهيئة؟ أجيب: بأن ليس في الآية دلالة على شيء من ذلك، لأنّ الأرض على تقدير كونها كرة فهي في غاية العظمة والكرة العظيمة ترى كالسطح المستوي، وتقدّم الكلام على ذلك في سورة البقرة، وسيأتي زيادة على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة والنازعات. النوع الثاني: قوله تعالى: ﴿وألقينا فيها رواسي﴾ ، أي: جبالاً ثوابت واحدها راس والجمع راسية وجمع الجمع رواسي. وهو كقوله تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ (النحل، ١٥) قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها كالسفينة فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال لكي لا تميد بأهلها، وقيل: إنّ الله تعالى خلقها لتكون دلالة للناس على طرق الأرض ونواحيها لأنها كالأعلام فلا تميل الناس عن الجادة المستقيمة ولا يقعون في الضلال. النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿وأنبتنا فيها﴾ واختلف في عود ضمير فيها فقيل: يعود إلى الأرض لأنّ أنواع النبات المنتفع به يكون في الأرض وقيل: إلى الجبال لأنها أقرب مذكور ولقوله تعالى: ﴿من كل شيء موزون﴾ وإنما يوزن ما يتولد من الجبال والأولى عوده لهما، واختلفوا في المراد بالموزون فقال ابن عباس:، أي: معلوم. وقال مجاهد:، أي: مقدار معين تقتضيه حكمته. وقال الحسن: أعني به الشيء الموزون كالذهب والفضة والرصاص والحديد ونحو ذلك مما يستخرج من المعادن والأولى أنه جميع ما ينبت في الأرض والجبال، لأنّ ذلك نوعان أحدهما يستخرج من المعادن وجميع ذلك موزون. والثاني النبات فبعضه موزون وبعضه بالكيل وهو يرجع إلى الوزن لأنّ الصاع والمدّ مقدران بالوزن. ﴿وجعلنا لكم فيها﴾ ، أي: إنعاماً منا وتفضلاً عليكم ﴿معايش﴾ وهي بياء صريحة من غير مدّ جمع معيشة وهو ما يعيش به الإنسان مدّة حياته في الدنيا من المطاعم والملابس والمعادن وغيرها. ﴿و﴾ جعلنا لكم ﴿من لستم له برازقين﴾ من العبيد والأنعام والدواب والطير فإنكم تنتفعون بها ولستم لها برازقين لأنّ رزق جميع الخلق على الله تعالى وبعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم هم الذين يرزقون العيال والخدم والعبيد، وذلك خطأ فإنّ الله هو الرزاق يرزق المخدوم والخادم والمملوك والمالك لأنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة وأعطى القوة الغاذية والهاضمة وإلا لم يحصل لأحد رزق. فإن قيل: صيغة من مختصة بمن يعقل؟ أجيب: بأنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقاً على الله تعالى حيث قال: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها﴾ (هود: ٦) فغلب من يعقل على غيره. حكي أنّ الماء قد قلّ في بعض الأودية والجبال واشتدّ الحرّ قال بعضهم: فرأيت بعض تلك الوحوش رفعت رؤوسها إلى السماء عند اشتداد عطشها قال: فرأيت الغيوم قد أقبلت وأمطرت وامتلأت الأودية. تنبيه: قيل لا يجوز أن يكون و ﴿من لستم له برازقين﴾ (الحجر، ٢٠) مجروراً عطفاً على الضمير لا يقال: أخذت منك وزيد إلا بإعادة الخافض كما في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح﴾ (الأحزاب، ٧) والراجح الجواز كما قرئ قوله تعالى: ﴿تساءلون به والأرحام﴾ (النساء، ١) بالخفض في القراءات السبع وهذا أعظم دليل. ولما بين أنه أنبت لهم كل شيء موزون وجعل لهم معايش أشعر بذكر ما هو السبب لذلك فقال تعالى: ﴿وإن﴾ ، أي: وما ﴿من شيء﴾ ، أي: مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة وهي لا نهاية لها. ﴿إلا عندنا خزائنه﴾ ، أي: قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره على كل مقدور. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عند جدّه قال: في العرش تمثال جميع ما خلق الله في البحر والبرّ والخزائن جمع خزانة وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه للحفظ. وقيل: أراد مفاتيح الخزائن، وقيل: المطر لأنه سبب الأرزاق لبني آدم والوحش والطير والدواب ومعنى عندنا، أي: في حكمه تعالى وتصرّفه وأمره وتدبيره ﴿وما ننزله﴾ من يفاع القدرة ﴿إلا بقدر معلوم﴾ ، أي: على حسب المصالح وقيل: إنّ لكل أرض حدّاً ومقداراً من المطر يقال: لا ينزل من السماء قطرة مطر إلا ومعها ملك يسوقها إلى حيث يشاء الله ولما أتم ما أراد من آيتي السماء والأرض وختمه بشمول قدرته لكل شيء أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما مودعاً في خزائن قدرته بقوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح﴾ جمع ريح وهو جسم لطيف منبث في الجوّ سريع الممر ﴿لواقح﴾ ، أي: حوامل لأنها تحمل الماء إلى السحاب فهي لاقحة، يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد. وقال ابن مسعود: يرسل الله تعالى الريح فتحمل الماء فتمجه في السحاب ثم تمرّ به فتدرّ كما تدر اللقحة ثم تمطر. وقال عبيد بن عمير: يبعث الله تعالى الريح المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركاماً ثم يبعث الله اللواقح تلقح الشجر. وعن ابن عباس قال: ما هبت ريح قط إلا جثا النبيّ ﷺ على ركبتيه وقال: «اللهمّ اجعلها رحمة ولا تجعلها ريحاً» . وعن عائشة ﵂ «أنّ رسول الله ﷺ كان إذا عصفت الريح قال: اللهمّ إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها وشرّ ما أرسلت به» . وقرأ حمزة بالإفراد والباقون بالجمع. ﴿فأنزلنا﴾ ، أي: بعظمتنا بسبب تلك السحاب التي حملتها الريح ﴿من السماء﴾ ، أي: الحقيقية أو جهتها أو السحاب لأنّ الأسباب المترقبة يسند الشيء تارة إلى القريب منها وتارة إلى البعيد ﴿ماء﴾ وهو جسم مائع سيال به حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء ﴿فأسقيناكموه﴾ ، أي: جعلناه لكم سقياً، يقال: سقيته ماء يشربه وأسقيته، أي:

стр. 853

مكنته منه ليسقي به ماشيته ومن يريد، ونفى عن غيره ما أثبته أولاً لنفسه بقوله: ﴿وما أنتم له﴾ ، أي: لذلك الماء ﴿بخازنين﴾ ، أي: ليست خزائنه بأيديكم والخزن وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ فثبت أنّ القادر عليه واحد مختار ومن دلائل التوحيد الإحياء والإماتة كما قال تعالى: ﴿وإنا لنحن نحيي﴾ ، أي: لنا هذه الصفة على وجه العظمة فنحيي بها من نشاء من الحيوان بروح البدن ومن الروح بالمعارف ومن النبات بالنمو وإن كان أحدهما حقيقة والآخر مجازاً لأنّ الجمع جائز ﴿ونميت﴾ ، أي: لنا هذه الصفة فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء. ﴿ونحن الوارثون﴾ ، أي: الإرث التام إذا مات الخلائق الباقون بعد كل شيء كما كنا ولا شيء فليس لأحد تصرّف بإماتة ولا إحياء، فثبت بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار فلما ثبت بهذا كمال قدرته وكانت آثار القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم قال تعالى: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ وهو من قضينا بموته أولاً من لدن آدم فيكون في موته كأنه يسارع إلى التقدّم إليه وإن كان هو وكل من أهله مجتهداً بالعلاج في تأخيره ﴿ولقد علمنا المستأخرين﴾ ، أي: الذين نمدّ في أعمارهم فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم أو نحوه أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بسيف أو غيره فعرف من ذلك قطعاً أن الفاعل واحد مختار. وقال ابن عباس: أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياءز وقال عكرمة: المستقدمين من خلق الله تعالى والمستأخرين من لم يخلق. وقال الحسن: المستقدمين في الطاعة والخير والمستأخرين المستبطؤون عنه. وقيل: المستقدمين من القرون الأولى والمستأخرين أمّة محمد ﷺ وقيل: المستقدمين في الصفوف والمستأخرين فيها وذلك أنّ النساء كنّ يخرجن إلى الجماعة فيقفن خلف الرجال فربما كان في الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صف الرجال ومن النساء من في قلبها ريبة فتتقدم إلى أوّل صف النساء لتقرب من الرجال فقال النبيّ ﷺ «خير صفوف الرجال أوّلها وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أولها» . تنبيه: في سبب نزول هذه الآية قولان أحدهما: أنّ امرأة حسناء كانت تصلي خلف النبيّ ﷺ فكان بعضهم يستقدم حتى يكون في أوّل صف حتى لا يراها ويتأخر بعضهم حتى يكون آخر صف، فإذا ركع نظر من تحت إبطه فنزلت. والثاني: أنّ النبيّ ﷺ حرّض على الصف الأوّل فازدحموا عليه، وقال قوم بيوتهم قاصية عن المسجد لنبيعنّ دورنا ولنشترين دوراً قريبة من المسجد حتى ندرك الصف المقدم فنزلت. ﴿وإنّ ربك هو يحشرهم﴾ ، أي: المستقدمين والمستأخرين للجزاء وتوسط الضمير للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غيره وتصدير الجملة بأنّ لتحقيق الوعد والتنبيه على أنّ ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرّح به بقوله تعالى: ﴿إنه حكيم﴾ ، أي: باهر الحكمة متقن في أفعاله ﴿عليم﴾ وسع علمه كل شيء، ولما استدل بتخليق الحيوانات على صحة التوحيد في الآية المتقدّمة أردفه بالاستدلال بتخليق الإنسان على هذا المطلوب بقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان﴾ قال الرازي والمفسرون: أجمعوا على أنّ المراد منه آدم ﵇. ونقل

стр. 854

في كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر سمي إنساناً لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل: من النسيان لأنه عهد إليه فنسى. ﴿من صلصال﴾ ، أي: من الطين الشديد اليابس الذي لم تصبه نار، إذا نقرته سمعت له صلصلة، أي: صوتاً. وقال ابن عباس: هو الطين إذا نضب عنه الماء تشقق فإذا حرّك تقعقع. وقال مجاهد: هو الطين المنتن واختاره الكسائي وقال الفراء: هو طين خلط برمل فصار له صوت عند نقره. وقال الرازي: قال المفسرون: خلق الله تعالى آدم من طين فصوّره وتركه في الشمس أربعين سنة فصار صلصالاً لا يدري أحد ما يراد به ولم يروا شيئاً من الصور يشبهه إلى أن نفخ فيه الروح. ﴿من حمأ﴾ ، أي: طين أسود منتن ﴿مسنون﴾ ، أي: مصوّر بصورة الآدمي. وقال ابن عباس: هو التراب المبتل المنتن. وقال مجاهد: هو المنتن المتغير. قال البغوي: وفي بعض الآثار إنّ الله تعالى خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغير أسود ثم خلق منه آدم ﵇. قال ابن الخازن: والجمع بين هذه الأقوال على ما ذكره بعضهم أنّ الله تعالى لما أراد خلق آدم ﵇ قبض قبضة من تراب الأرض وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ (آل عمران، ٥٩) ثم إنّ ذلك التراب بله بالماء وحمأ حتى اسودّ وأنتن ريحه وتغير وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿من حمأ مسنون﴾ ثم إنّ ذلك الطين الأسود المتغير صوّره الله صورة إنسان أجوف فلما جف ويبس كانت تدخل فيه الريح فيسمع له صلصلة وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿من صلصال كالفخار﴾ (الرحمن، ١٤) وهو الطين اليابس يفخر في الشمس ثم نفخ فيه الروح فكان بشراً سوياً. ولما ذكر خلق الإنسان ذكر ما خلقه قبل من الجان فقال تعالى: ﴿والجانّ﴾ قال ابن عباس: هو أبو الجن كما أنّ آدم ﵇ أبو البشر وإبليس أبو الشياطين وفي الجنّ مسلمون وكافرون ويأكلون ويشربون ويحيون ويموتون كبني آدم، وأما الشياطين فليس فيهم مسلمون ولا يموتون إلا إذا مات إبليس. وقال وهب: إنّ من الجنّ من يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين ومن الجنّ من هو بمنزلة الريح لا يتولدون ولا يأكلون ولا يشربون وهم الشياطين. قال ابن الخازن: والأصح أنّ الشياطين نوع من الجنّ لاشتراكهم في الاستتار سموا جناً لتواريهم واستتارهم عن الأعين، من قولهم جنّ الليل إذا ستر والشيطان هو العاتي المتمرّد الكافر، والجنّ منهم المؤمن ومنهم الكافر وانتصاب الجان بفعل يفسره. ﴿خلقناه من قبل﴾ ، أي: قبل خلق الإنسان ﴿من نار السموم﴾ ، أي: من ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله من قوّة حرارتها. قال الرازي: فالريح الحارة فيها نار وبها فيح كما ورد في الخبر أنها من فيح جهنم انتهى. ويقال: السموم بالنهار والحرور بالليل. وقال الكلبي: عن أبي صالح السموم نار لا دخان لها والصواعق تكون منها وهي نار تكون بين السماء وبين الحجاب فإذا أحدث الله تعالى أمراً خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به فالهدّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب. وعن ابن عباس هذه السموم جزء من سبعين جزءاً من السموم التي خلق منها الجان، وتلا هذه الآية. وعن الضحاك عن ابن عباس كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجنّ خلقوا من نار السموم، وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن ﴿من مارج من نار﴾ (الرحمن، ١٥) ، وأمّا الملائكة فخلقوا

стр. 855

من النور. ولما ذكر الله تعالى حدوث الإنسان الأوّل واستدل بذكره على وجود الإله القادر المختار ذكر بعده واقعته بقوله تعالى: ﴿وإذ﴾ ، أي: واذكر يا أشرف الخلق قول ربك إذ ﴿قال ربك﴾ ، أي: المحسن إليك بتشريف أبيك آدم ﵇ لتشريفك ﴿للملائكة إني خالق بشراً﴾ ، أي: حيواناً كثيفاً يباشر ويلاقي والملائكة والجن لا يباشرون للطف أجسامهم عن أبشار البشر والبشرة ظاهر الجلد من كل حيوان وقوله تعالى: ﴿من صلصال من حمأ مسنون﴾ تقدّم تفسيره. ﴿فإذا سويته﴾ ، أي: عدّلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح فيه بالفعل ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ ، أي: خلقت الحياة فيه وليس ثم نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل وأضاف الروح إليه تشريفاً كما يقال: بيت الله وهو ما يصير به الروح عالماً وأشرف منه ما يصير به العالم عاملاً خاشعاً وسيأتي الكلام على الروح إن شاء الله تعالى في سورة سبحان عند قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح﴾ (الإسراء، ٨٥) . ﴿فقعوا﴾ ، أي: أسقطوا ﴿له﴾ تعظيماً حال كونكم ﴿ساجدين﴾ وتقدّم في سورة البقرة الكلام على من المخاطب بالسجود وهل هو كل الملائكة أو ملائكة السموات أو ملائكة الأرض وهل هو سجود انحناء أو غيره. ﴿فسجد الملائكة﴾ وقوله تعالى: ﴿كلهم أجمعون﴾ قال سيبويه: تأكيد بعد تأكيد. وسئل المبرد عن ذلك فقال: لو قال ﴿فسجد الملائكة﴾ احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: ﴿كلهم﴾ زال هذا الاحتمال فظهر أنهم بأسرهم سجدوا ثم عند هذا بقي احتمال وهو أنهم سجدوا دفعة واحدة أو سجد كل واحد في وقت آخر، فلما قال: ﴿أجمعون﴾ ظهر أنّ الكل سجدوا دفعة واحدة. قال الزجاج: وقول سيبويه أجود لأنّ أجمعين معرفة فلا يكون حالاً وقوله تعالى: ﴿إلا إبليس﴾ أجمعوا على أنّ إبليس كان مأموراً بالسجود لآدم واختلفوا في أنه هل كان من الملائكة أم لا وقد سبقت هذه المسألة على الاستقصاء في سورة البقرة وقوله تعالى: ﴿أبى أن يكون مع الساجدين﴾ أي: لآدم استئناف تقديره إنّ قائلاً قال: هل سجد فقيل أبى ذلك واستكبر عنه. ﴿قال﴾ الله تعالى له: ﴿يا إبليس ما لك ألا تكون﴾ أي: أن تكون ولا مزيدة، أي: ما منعك أن تكون ﴿مع الساجدين﴾ لآدم ﴿قال لم أكن لأسجد لبشر﴾ جسماني كثيف واللام لتأكيد النفي، أي: لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد وأنا ملك روحاني لبشر. ﴿خلقته من صلصال من حمأ مسنون﴾ وهو أخس العناصر ﴿وخلقتني من نار﴾ وهي أشرفها استنقص آدم باعتبار النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في سورة الأعراف. تنبيه: قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس على لسان بعض رسله وضعف لأنّ إبليس قال في الله لجواب: ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال﴾ فقوله: خلقته خطاب الحضور لا خطاب الغيبة وظاهره يقتضي أن الله تعالى تكلم مع إبليس بغير واسطة وأنّ إبليس تكلم مع الله بغير واسطة فكيف يعقل هذا مع أن مكالمة الله تعالى من غير واسطة من أعظم المناصب وأشرف المراتب فكيف يعقل حصوله لرأس الكفرة ورئيسهم؟ وأجيب: بأنّ مكالمة الله تعالى إنما تكون منصباً عالياً إذا كانت على سبيل الإكرام والإعظام فأمّا إذا كانت على سبيل الإهانة والإذلال فلا. ﴿س١٥ش٣٤/ش٤٤ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى? إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى ?زَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ا?رْضِ وَ?غْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِ s عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَاذَا صِرَاطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِ s مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ ﴿قال﴾ الله تعالى له ﴿فاخرج منها﴾ أي: من الجنة وقيل: من السموات وقيل: من زمرة الملائكة وقد تقدّم الكلام

стр. 856

على ذلك أيضاً في سورة الأعراف. ﴿فإنك رجيم﴾ أي: مطرود من الخير والكرامة فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان رجيم بالشهب وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته. ﴿وإن عليك اللعنة﴾ أي: هذا الطرد والإبعاد ﴿إلى يوم الدين﴾ قال ابن عباس: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العباد بأعمالهم مثل قوله تعالى: ﴿مالك يوم الدين﴾ (الفاتحة، ٣) . فإن قيل: كلمة إلى تفيد حصر انتهاء الغاية فهذا يفيد أنّ اللعنة لا تحصل إلا إلى يوم الدين وعند القيامة يزول اللعن؟ أجيب: بجوابين الأوّل: أنّ المراد التأبيد وذكر القيامة أبعد غاية ذكرها الناس في كلامهم كقوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ (هود، ١٠٧) في التأبيد والثاني: أنه مذموم مدعو عليه باللعن في السموات والأرض إلى يوم القيامة من غير أن يعذب فإذا جاء اليوم عذب عذاباً يقترن اللعن معه فيصير اللعن حينئذٍ كالزائل بسبب أنّ شدّة العذاب تذهل عنه. ولما جعله رجيماً ملعوناً إلى يوم القيامة فكأنَّ قائلاً يقول فماذا قال؟ فقيل: ﴿قال رب﴾ فاعترف بالعبودية والإحسان إليه ﴿فأنظرني﴾ أي: أخرني والإنظار تأخير المحتاج للنظر في أمره والفاء متعلقة بمحذوف دلّ عليه ﴿فاخرج منها فإنك رجيم﴾ . ﴿إلى يوم يبعثون﴾ أي: الناس أراد أن يجد فسحة في الإغواء ونجاة من الموت إذ لا موت بعد وقت البعث. ﴿قال﴾ الله تعالى مجيباً للأوّل دون الثاني بقوله تعالى: ﴿فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم﴾ وهو المسمى فيه أجلك عند الله وهو النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد. فإن قيل: كيف أجابه الله تعالى إلى ذلك الإمهال؟ أجيب: بأنه إنما أجابه إلى ذلك زيادة في بلائه وشقائه وعذابه لا لإكرامه ورفع مرتبته. ولما أجيب لذلك كأنه قيل فماذا قال فقيل: ﴿قال رب﴾ أي: أيها الموجد والمدبر لي وقوله: ﴿بما أغويتني﴾ أي: خيبتني من رحمتك الباء فيه للقسم وما مصدرية وجواب القسم ﴿لأزينن﴾ أي: أقسم بإغوائك إياي لأزينن ﴿لهم في الأرض﴾ حب الدنيا ومعاصيك كقوله: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ (ص، ٨٢) إلا أنه في ذلك الموضع أقسم بعزة الله وهي من صفات الذات وهنا أقسم بإغواء الله، وهي من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفات الذات صحيح، واختلفوا في القسم بصفات الأفعال والراجح فيها الصحة. ﴿ولأغوينهم﴾ أي: بالإضلال عن الطريق الحميدة بإلقاء الوسوسة في قلوبهم ولأحملنهم. ﴿أجمعين﴾ على الغواية وقوله: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين﴾ قرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا دينك عن الشوائب وقرأه الباقون بفتحها، أي: الذين أخلصهم الله تعالى بالهداية وإنما استثنى إبليس المخلصين لأنه علم أنّ كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه. وقال الرازي: والذي حمله على هذا الاستثناء أنه لا يصير كاذباً في دعواه فلما احترز إبليس عن الكذب علمنا أنّ الكذب في غاية الخساسة. تنبيه: قال رويم: الإخلاص في العمل هو أن لا يريد صاحبه عنه عوضاً من الدارين ولا عوضاً من الملكين. وقال الجنيد: الإخلاص سر بين العبد وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. وذكر القشيري وغيره عن النبيّ ﷺ أنه قال: «سألت جبريل ﵇ عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة عن الإخلاص ما هو؟ قال: سرّ استودعته قلب

стр. 857

من أحب من عبادي» . ولما ذكر إبليس أنه يغوي بني آدم إلا من عصمه الله بتوفيقه وتضمن هذا الكلام تفويض الأمور إلى الله تعالى وإلى إرادته. ﴿قال﴾ تعالى ﴿هذا﴾ أي: الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى منه ﴿صراط﴾ أي: طريق ﴿عليّ مستقيم﴾ أي: لا انحراف عنه لأني قضيت به وحكمت به عليك وعليهم ولو لم تقل أنت. ولما قال إبليس لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين أوهم هذا أنّ له سلطاناً على عباد الله غير المخلصين فبين تعالى كذبه أنه ليس له سلطان على أحد من عبيد الله سواء أكانوا مخلصين أو لم يكونوا مخلصين ومن اتبع منهم إبليس باختياره صار تبعاً له ولكن حصول تلك المتابعات أيضاً ليس لأجل إبليس وأوهم أن له على بعض عباد الله سلطاناً فبين تعالى كذبه وذكر تعالى أنه ليس له على أحد منهم سلطان ولا قدرة أصلاً بقوله تعالى: ﴿إن عبادي﴾ أي: المؤمنين كلهم ﴿ليس لك﴾ أي: بوجه من الوجوه ﴿عليهم سلطان﴾ أي: لتردّهم كلهم عما يرضيني ونظير هذه الآية قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ (إبراهيم، ٢٢) وقال تعالى في آية أخرى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ (النحل: ٩٩، ١٠٠) . ﴿إلا من اتبعك﴾ أي: بتعمدٍ منه ورغبة من اتباعك ﴿من الغاوين﴾ أي: ومات من غير توبة فإني جعلت لك عليهم سلطاناً بالتزيين والإغواء وسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية؟ فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي. وقيل: إنّ الإضافة للتشريف فلا تشمل إلا الخلص فحينئذ يكون الاستثناء منقطعاً وفائدة سوقه بصورة الاستثناء على تقدير الانقطاع الترغيب في رتبة التشريف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو إلى الإقبال عليه لأن ذوي الأنفس الأبية والهمم العلية ينافسون في ذلك المقام ويرونه كما هو الحق أعلى مرام. ﴿وإن جهنم لموعدهم﴾ أي: الغاوين وهم إبليس ومن تبعه ﴿أجمعين﴾ ثم بين تعالى أنهم متفاوتون فيها بقوله تعالى: ﴿لها﴾ أي: لجهنم ﴿سبعة أبواب﴾ أي: سبع طبقات قال عليّ رضي الله تعالى عنه: أتدرون كيف أبواب النار؟ هكذا ووضع إحدى يديه على الأخرى، أي: سبعة أبواب بعضها فوق بعض. وإنّ الله تعالى وضع الجنات على العرض ووضع النيران بعضها على بعض. قال ابن جريج: النار سبعة دركات أوّلها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية. تنبيه: تخصيص العدد لأنّ أهلها سبع فرق وقيل: جعلت سبعة على وفق الأعضاء السبعة من العين والأذن واللسان والبطن والفرج واليد والرجل، لأنها مصادر السيئات فكانت مواردها الأبواب السبعة، ولما كانت هي بعينها مصادر الحسنات بشرط النية والنية من أعمال القلب زادت الأعضاء واحداً فجعلت أبواب الجنان ثمانية قال تعالى: ﴿لكل باب﴾ أي: منها ﴿منهم﴾ أي: من الغاوين خاصة لا يشاركهم فيها مخلص ﴿جزء﴾ أي: نصيب. وقرأ شعبة بضم الزاي والباقون بالسكون ﴿مقسوم﴾ أي: معلوم فلكل دركة قوم يسكنونها. قال الضحاك: في الدرجة الأولى أهل التوحيد الذي أدخلوا النار يعذبون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون، وفي الثانية النصارى وفي الثالثة اليهود وفي الرابعة الصابئون، وفي

стр. 858

الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ (النساء، ١٤٥) . وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل السيف على أمّتي أو قال على أمّة محمد» . ولما شرح تعالى أحوال أهل العقاب أتبعه بصفة أهل الثواب بقوله تعالى مؤكداً لإنكار المكذبين بالبعث: ﴿إن المتقين﴾ أي: الذين اتقوا الشرك بالله تعالى كما قال جمهور الصحابة والتابعين وهو الصحيح لأنّ المتقي والآتي بالتقوى مرّة واحدة كما أنّ الضارب هو الآتي بالضرب مرّة واحدة والقاتل هو الآتي بالقتل مرّة واحدة فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً أو قاتلاً كونه آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل ليس من شرط صدق الوصف بكونه متقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى لأنّ الآتي بفرد واحد من أفراد التقوى يكون آتياً بالتقوى، لأنّ كل فرد من أفراد الماهية يجب كونه مشتملاً على تلك الماهية ﴿في جنات﴾ أي: بساتين. قال الرازي: أمّا الجنات فأربعة لقوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (الرحمن، ٤٦) ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾ (الرحمن، ٦٢) فيكون المجموع أربعة. وقوله: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ (الرخمن، ٤٦) يؤكد ما قلناه لأن من آمن بالله لا ينفك قلبه من الخوف من الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿ولمن خاف﴾ يكفي في صدقه حصول هذا الخوف مرّة واحدة. وقوله تعالى: ﴿وعيون﴾ قال الرازي: يحتمل أن يكون المراد منها ما ذكره الله تعالى في قوله ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمرة لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى﴾ (محمد، ١٥) . ويحتمل أن يكون المراد من هذه العيون منابع مغايرة لتلك الأنهار. فإن قيل: هل كان واحد من المتقين مختص بعيون أو تجري تلك العيون بعضها إلى بعض؟ أجيب: بأن كل واحد من الوجهين محتمل فيجوز أن يختص كل واحد بعين ينتفع هو بها، ومن يختص به من الحور والولدان ويكون ذلك على قدر حاجاتهم وعلى حسب شهواتهم ويحتمل أن يجري من بعضهم إلى بعض لأنهم يطهرون عن الحقد والحسد. وقرأ نافع وأبو عمرو وهشام وحفص برفع العين والباقون بالكسر وقرأ بكسر التنوين في الوصل أبو عمرو وابن ذكوان وعاصم وحمزة والباقون بالضم. ولما كان المنزل لا يحسن إلا بالسلامة والأنس قال تعالى: ﴿ادخلوها﴾ أي: يقال لهم ذلك ﴿بسلام﴾ أي: سالمين من كل آفة مرحباً بكم ﴿آمنين﴾ من ذلك دائماً. ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال المودة وصفاء القلوب عن الكدر. قال تعالى: ﴿ونزعنا﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة ﴿ما في صدورهم من غلّ﴾ أي: حقد كامن في القلب ويطلق على الشحناء والعداوة والحسد والبغضاء فكل هذه الخصال المذمومة داخلة في الغل لأنها كامنة في القلب. يروى أن المؤمنين يحبسون على باب الجنة فيقتص بعضهم من بعض ثم يؤمر بهم إلى الجنة وقد نقيت قلوبهم من الغل والغش والحقد والحسد حالة كونهم ﴿إخواناً﴾ أي: متصافين حالة كونهم ﴿على سرر﴾ جمع سرير وهو مجلس رفيع موطأ للسرور وهو مأخوذ منه لأنه مجلس سرور. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يريد على سرر من ذهب مكالة بالزبرجد والدرّ والياقوت والسرير مثل ما بين صنعاء إلى الجابية ﴿متقابلين﴾ لا يرى بعضهم قفا بعض فإن التقابل

стр. 859

التواجه وهو نقيض التدابر ولا شك أنّ المواجهة أشرف الأحوال. وعند مجاهد رضي الله تعالى عنه تدور بهم الأسرة حيثما داروا فيكونون في جميع أحوالهم متقابلين. تنبيه: ليس المراد الإخوة في النسب بل المراد الإخوة في المودّة والمخالطة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين﴾ (الزخرف، ٦٧) . وعن الجنيد أنه قال: ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب وما أمرّ الاجتماع مع الأضداد. وقوله تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصب﴾ أي: إعياء وتعب وجهد ومشقة استئناف أو حال بعد حال أو حال من الضمير في متقابلين وقوله تعالى: ﴿وما هم منها بمخرجين﴾ المراد به كونه خلوداً بلا زوال وبقاء بلا فناء وكمالاً بلا نقصان وفوزاً بلا حرمان. ولما ذكر تعالى أحوال المتقين وأحوال غيرهم أتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿نبئ﴾ أي: خبر يا أفضل الخلق ﴿عبادي﴾ إخباراً جليلاً ﴿أني أنا﴾ أي: وحدي ﴿الغفور﴾ أي: للمؤمنين ﴿الرحيم﴾ بهم وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء من عبادي وأني والباقون بالسكون. وأمّا الهمزة في نبئ فلم يبدلها إلا حمزة في الوقف فقط، وكذا الهمزة من نبئهم ونقل عن حمزة كسر الهاء في الوقف. ﴿وأنّ عذابي﴾ أي: وحدي للعصاة ﴿هو العذاب الأليم﴾ أي: المؤلم. تنبيه: في هذه الآية لطائف: الأولى أنه أضاف العباد إلى نفسه وهذا تشريف عظيم ألا ترى أنه قال لنبيه محمد ﷺ ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ (الإسراء، ١) . الثانية: أنه تعالى لما ذكر الرحمة والمغفرة بالغ في التأكيدات بألفاظ ثلاث أوّلها: قوله تعالى: ﴿أني﴾ . ثانيها: قوله: ﴿أنا﴾ . ثالثها: إدخال حرف الألف واللام على قوله تعالى: ﴿الغفور الرحيم﴾ . ولما ذكر العذاب لم يقل أني أنا المعذب، وما وصف نفسه بذلك، بل قال: ﴿وأن عذابي هو العذاب الأليم﴾ . الثالثة: أنه أمر رسوله ﷺ أن يبلغ إليهم هذا المعنى فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة. والرابعة: أنه لما قال: ﴿نبئ عبادي﴾ كان معناه نبئ كل من كان معترفاً بعبوديتي وهذا كما يدخل فيه المؤمن المطيع كذلك يدخل فيه المؤمن العاصي وكل ذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله خلق الرحمة يوم خلقها مئة رحمة فأمسك منها عنده تسعة وتسعين، وأرسل في خلقه رحمة فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة. ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار» . وعن عبادة رضي الله تعالى عنه قال بلغنا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله ما تورع من حرام، ولو يعلم قدر عذابه لجمع نفسه إلى قتلها» . وعنه ﷺ أنه مرّ بنفر من أصحابه وهم يضحكون فقال: «أتضحكون وقد ذكر الجنة والنار نبى أيديكم فنزل ﴿بنئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ » . ولما بالغ تعالى في تقرير النبوّة ثم أردفه بذكر دلائل التوحيد، ثم ذكر تعالى عقبه أحوال القيامة ووصف الأشقياء والسعداء أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليكون سماعها مرغباً في العبادة الموجبة للفوز بدرجات الأولياء ومحذراً عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم ﵇. فقال تعالى: ﴿ونبئهم﴾ أي: خبّر يا سيد المرسلين عبادي

стр. 860

﴿عن ضيف إبراهيم﴾ وهم ملائكة اثنا عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل ﵇. فإن قيل: الضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى؟ أجيب: بأنّ هؤلاء سموا بهذا الاسم لأنهم على صورة الضيف فهو من دلالة التضمن وقيل أيضاً: إنّ من يدخل دار إنسان ويلتجئ إليه يسمى ضيفاً وإن لم يأكل. ﴿إذ دخلوا عليه﴾ أي: إبراهيم وكان يكنى أبا الضيفان كان لقصره أربعة أبواب لكي لا يفوته أحد ﴿فقالوا سلاما﴾ أي: نسلم عليك سلاماً أو سلمت سلاماً ﴿قال﴾ إبراهيم ﵇ بلسان الحال أو المقال ﴿إنا﴾ أي: أنا ومن عندي ﴿منكم وجلون﴾ أي: خائفون وكان خوفهم لامتناعهم من الأكل أو لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره. ﴿قالوا لا توجل﴾ أي: لا تخف ﴿إنا﴾ رسل ربك ﴿نبشرك بغلام﴾ أي: ولد ذكر في غاية القوّة ليس كأولاد الشيوخ ضعيفاً. وقرأ حمزة بفتح النون وسكون الباء وضم الشين مخففة والباقون بضم النون وفتح الباء وكسر الشين مشدّدة ﴿عليم﴾ أي: ذي علم كثير هو إسحاق ﵇ كما ذكر في هود وتقدّم ذكر القصة هناك بأسرها ﴿قال﴾ إبراهيم ﵇ ﴿أبشرتموني﴾ أي: بالولد وقوله: ﴿على أن مسني الكبر﴾ حال، أي: مع مسه إياي. فإن قيل: كيف قال ﴿فبم﴾ أي: فبأيّ شيء ﴿تبشرون﴾ أي: بينوا لي ذلك بياناً شافياً مع أنهم قد بينوا ما بشروا به وما فائدة هذا الاستفهام؟ أجيب: بأنه أراد أن يعرف أنّ الله تعالى هل يعطيه الولد مع بقائه على صفة الشيخوخة أو يقلبه شاباً ثم يعطيه الولد، والسبب في هذا الاستفهام أنّ العادة جارية بأنه لا يحصل في حالة الشيخوخة التامّة، وإنما يحصل في حال الشباب أو أنه استفهام تعجب ويدل لذلك قولهم: ﴿قالوا بشرناك بالحق﴾ قال ابن عباس: يريدون بما قضاه الله تعالى والمعنى أنّ الله تعالى قضى أن يخرج من صلب إبراهيم إسحاق ويخرج من صلب إسحاق ذرية مثل ما أخرج من صلب آدم وقولهم: ﴿فلا تكن﴾ أي: بسبب تبشيرنا ﴿من القانطين﴾ أي: الآيسين، نهي لإبراهيم ﵇ عن القنوط ونهي الإنسان عن الشيء لا يدل على كونه فاعلاً للمنهي عنه، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾ (الأحزاب، ١) ثم حكى الله تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه ﴿قال ومن يقنط﴾ أي: ييأس من هذا اليأس. ﴿من رحمة ربه﴾ أي: الذي لم يزل إحسانه عليه ﴿إلا الضالون﴾ أي: المخطئون طريق الاعتقاد الصحيح في ربهم من تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر النون والباقون بفتحها ولما تحقق ﵇ البشرى ورأى إتيانهم مختفين على غير الصفة التي يأتي عليها الملك للوحي وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما ينزل الملك إلا بالحق كان ذلك سبباً لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله ولذلك ﴿قال﴾ ﵇ ﴿فما﴾ بفاء السبب ﴿خطبكم﴾ أي: شأنكم. قال أبو حيان: والخطب لا يكاد يقال إلا في الأمر الشديد اه. وقال الرماني: إنه الأمر الجليل. ﴿أيها المرسلون﴾ فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فصلاً بين هالك وناج. ﴿قالوا إنا أرسلنا﴾ أي: أرسلنا العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به ﴿إلى﴾ إهلاك ﴿قوم﴾ أي: ذوي منعة ﴿مجرمين﴾ أي: كافرين وهم قوم لوط وقوله تعالى: ﴿إلا آل لوط﴾

стр. 861

فيه وجهان أحدهما: أنه استثناء متصل على أنه مستثنى من الضمير المستكن في مجرمين بمعنى أجرموا كلهم إلا آل لوط فإنهم لم يجرموا، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿إنا لمنجوهم أجمعين﴾ أي: لإيمانهم استئناف إخبار بنجاتهم لكونهم لم يجرموا أو يكون الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لا هلاك أولئك وإنجاء هؤلاء. والثاني: أنه استثناء منقطع لأنّ آل لوط لم يندرجوا في المجرمين البتة فيكون قوله تعالى: ﴿إنا لمنجوهم أجمعين﴾ جرى مجرى خبر لكن في اتصاله بآل لوط لأن المعنى لكن آل لوط منجوهم وقرأ حمزة والكسائي بسكون النون وتخفيف الجيم والباقون بفتح النون وتشديد الجيم وقوله تعالى: ﴿إلا امرأته﴾ استثناء من آل لوط أو من ضميرهم على الأوّل وعلى الثاني لا يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل ﴿إنا لمنجوهم﴾ اعتراضاً وقوله تعالى: ﴿قدّرنا﴾ قرأ شعبة بتخفيف الدال والباقون بالتشديد ﴿إنها لمن الغابرين﴾ أي: من الباقين في العذاب لكفرها. تنبيه: معنى التقدير في اللغة جعل الشيء على مقدار غيره يقال: قدر هذا الشيء لهذا، أي: اجعله على مقداره وقدّر الله تعالى الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية ويفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله تعالى عليه وقدره عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير والشر وقيل: معنى قدّرنا كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن قيل: لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله ؟ أجيب: بأنهم إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما تقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم وإنما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك فكذا هنا. ولما بشر الملائكة ﵈ إبراهيم ﵇ بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون بعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد إبراهيم ﵇ إلى لوط وآله وهذه هي القصة الثانية المذكورة في هذه السورة قال تعالى: ﴿فلما جاء آل لوط المرسلون﴾ ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط واحدة منهما مع المدّ والقصر. وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية وإبدالها حرف مدّ والباقون بتحقيق الهمزتين وكذا ﴿وجاء أهل المدينة﴾ (الحجر، ٦٧) ﴿قال﴾ لهم ﴿إنكم قوم منكرون﴾ لأنهم دخلوا عليه هجماً فاستنكرهم وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه، ولأجل أنهم كانوا شباباً مرداً حسان الوجوه فخاف أن يهجم قومه عليهم بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة. وقيل: إنّ النكرة ضدّ المعرفة فقوله ﵇ ﴿إنكم قوم منكرون﴾ أي: لا أعرفكم ولا أعرف أنكم من أي الأقوام أنتم، ولأيّ غرض دخلتم عليّ فعند ذلك. ﴿قالوا﴾ أي: الملائكة ﴿بل جئناك بما﴾ أي: بالعذاب الذي ﴿كانوا﴾ أي: قومك ﴿فيه يمترون﴾ أي: يشكون في نزوله بهم والجاهل يوصف بالشك وإن كان مكذباً من جهة ما يعرض له منه من حيث أنه لا يرجع إلى نفسه فيما هو عليه ثم أكدوا ما ذكروه بقولهم: ﴿وأتيناك بالحق﴾ أي: باليقين الذي لا يشك فيه ثم أكدوا هذا التأكيد بقولهم: ﴿وإنا لصادقون﴾ أي: فيما أخبرناك به ﴿فأسر بأهلك﴾ أي: فاذهب بهم في الليل ﴿بقطع من الليل﴾ أي: في طائفة من الليل وقيل: هي آخره، قال الشاعر: *افتحي الباب وانظري في النجوم ... كم علينا من قطع ليل بهيم

стр. 862

كأنه طال عليه الليل فخاطب ضجيعته بذلك أو كان يحب طول الليل للوصال. وقرأ نافع وابن كثير بوصل همزة فأسر بعد الفاء من السرى، والباقون بالقطع وهما بمعنى. ﴿واتبع أدبارهم﴾ أي: وكن على آثار أهلك وسر خلفهم وتطلع على أحوالهم ﴿ولا يلتفت منكم أحد﴾ أي: لئلا يرى أليم ما نزل بهم من البلاء، وقيل: جعل ترك الإلتفات علامة لمن ينجو من آل لوط ﴿وامضوا حيث تؤمرون﴾ أي: إلى المكان الذي أمركم الله بالمضيّ إليه، قال ابن عباس: هو الشأم. وقال الفضيل: حيث يقول لكم جبريل وذلك أن جبريل أمرهم أن يمضوا إلى قرية معينة ما عمل أهلها عمل قوم لوط، وقيل: إلى الأردن، وقيل: إلى مصر. تنبيه: حيث ههنا على بابها من كونها ظرف مكان مبهم ولإبهامها تعدى إليها الفعل من غير واسطة. ﴿وقضينا﴾ أي: وأوحينا ﴿إليه﴾ ولما ضمن قضينا معنى الإيحاء تعدى بإلى ومثله ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ (الإسراء، ٤) وقوله تعالى: ﴿ذلك الأمر﴾ مبهم تفسيره ﴿أن دابر هؤلاء مقطوع﴾ أي: مستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد وقوله تعالى: ﴿مصبحين﴾ حال من هؤلاء أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى فإن دابر هؤلاء في معنى مدبري هؤلاء، أي: يتم استئصالهم في الصباح. ﴿وجاء أهل المدينة﴾ أي: مدينة من مدائن قوم لوط وهي سذوم بسين مهملة وذال معجمة وأخطأ من قال بمهملة ﴿يستبشرون﴾ أي: بأضياف لوط طمعاً فيهم وليس في الآية دليل على المكان الذي جاؤوه إلا أن القضية تدل على أنهم جاؤوا دار لوط. وقيل: إن الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم حتى وصل إلى قوم لوط. وقيل: امرأة لوط أخبرتهم بذلك. قال الرازي: وبالجملة فالقوم قالوا نزل بلوط ثلاثة من المرد ما رأينا قط أصبح وجهاً ولا أحسن شكلاً منهم فذهبوا إلى دار لوط طلباً منهم لأولئك المرد والاستبشار إظهار السرور ولما وصلوا إليه. ﴿قال﴾ لهم لوط: ﴿إن هؤلاء ضيفي﴾ أي: وحق على الرجل إكرام الضيف ﴿فلا تفضحون﴾ فيهم يقال: فضحه إذا أظهر من أمره ما يلزم به العار وإذا قصد الضيف بسوء كان ذلك إهانة لصاحب المحل ثم أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا﴾ أي: خافوا ﴿الله﴾ في أمرهم ﴿ولا تخزون﴾ أي: ولا تخجلوني فيهم بقصدكم إياهم بفعل الفاحشة من الخزاية وهي الحياء أو لا تذلوني بسببهم من الخزي وهو الهوان. ﴿قالوا﴾ أي: قومه في جواب قوله لهم ﴿أو لم ننهك عن العالمين﴾ أي: عن أن تضيف أحداً من العالمين، وقيل: أو لم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة فإنا نطلب منهم الفاحشة، وقيل: أو لم ننهك أن تمنع بيننا وبينهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد وكان لوط ﵇ يمنعهم عنهم بقدر وسعه ثم ﴿قال﴾ لهم: ﴿هؤلاء بناتي﴾ أي: نساء القوم لأن كل أمة أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته فكأنه قال لهم: هؤلاء بناتي فانكحوهنّ وخلوا بني فلا تتعرّضوا لهم ﴿إن كنتم فاعلين﴾ أي: ما أقول لكم أو قضاء الشهوة والكلام في ذلك قد مرّ بالاستقصاء في سورة هود وقرأ نافع بفتح ياء بناتي والباقون بسكونها قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ على لسان ملائكته: ﴿لعمرك﴾ أي: وحياتك وما أقسم بحياة أحد غيره وذلك يدل على أنه أكرم الخلق على الله تعالى ﴿إنهم لفي سكرتهم﴾ أي: شدّة غفلتهم التي أزالت عقولهم ﴿يعمهون﴾ أي: يتحيرون الخطاب للوط ﵇ قالت له الملائكة ذلك، أي:

стр. 863

فكيف يعقلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك. تنبيه: لعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوباً وإنهم وما حيزه جواب القسم تقديره: لعمرك قسمي أو يميني إنهم والعمر والعمر بالفتح والضم واحد وهو البقاء إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فيه وذلك لأنّ الحلف كثير الدور على ألسنتهم بلعمري ولعمرك. ﴿فأخذتهم الصيحة﴾ أي: صيحة هائلة مهلكة وهل هي صيحة جبريل ﵇. قال الرازي: ليس في الآية دليل على ذلك فإن ثبت بدليل قوي قيل به وإلا ليس في الآية دليل إلا أنهم جاءتهم صيحة عظيمة مهلكة وقوله تعالى: ﴿مشرقين﴾ أي: داخلين في وقت الشروق وهو بزوغ الشمس حال من مفعول أخذتهم ثم بين ما تسبب عن الصيحة معقباً لها بقوله تعالى: ﴿فجعلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة ﴿عاليها﴾ أي: مدائنهم ﴿سافلها﴾ بأن رفعها جبريل ﵇ إلى السماء وأسقطها مقلوبة إلى الأرض ﴿وأمطرنا عليهم﴾ أي: أهل المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم ﴿حجارة من سجيل﴾ أي: طين طبخ بالنار. تنبيه: دلت الآية الكريمة على أنّ الله تعالى عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب أحدها الصيحة الهائلة المنكرة وثانيها: أنه جعل عاليها سافلها، وثالثها: أنه أمطر عليهم حجارة من سجيل، وتقدّمت الإشارة إلى ذلك في سورة هود. ﴿إنّ في ذلك﴾ أي: المذكور من هذه الأنواع ﴿لآيات﴾ أي: دلالات على وحدانية الله تعالى ﴿للمتوسمين﴾ أي: للناظرين المعتبرين جمع متوسم وهو الناظر في السمة حتى يعرف حقيقة الشيء وسمته. ﴿وإنها﴾ أي: هذه المدائن ﴿لبسبيل﴾ أي: طريق قريش إلى الشأم ﴿مقيم﴾ أي: لم يندرس بل يشاهدون ذلك ويرون أثره أفلا يعتبرون. ثم قال مشيراً إلى زيادة الحث على الاعتبار بالتأكيد ﴿إنّ في ذلك﴾ أي: هذا الأمر العظيم ﴿لآية﴾ أي: علامة عظيمة في الدلالة على وحدانيته تعالى ﴿للمؤمنين﴾ أي: كل من آمن بالله وصدّق الأنبياء والرسل عرف أنّ ذلك إنما كان لأجل أنّ الله تعالى انتقم لأنبيائه من أولئك الجهال، أمّا الذين لا يؤمنون بالله فإنهم يحملونه على حوادث العالم ووقائعه، ثم ذكر تعالى القصة الثالثة وهي قصة شعيب ﵇ بقوله تعالى: ﴿وإن﴾ مخففة من الثقيلة، أي: وإنه ﴿كان﴾ أي: جبلة وطبعاً ﴿أصحاب الأيكة﴾ وهم قوم شعيب ﵇ وقد ذكر الله تعالى قصتهم في سورة الشعراء والأيكة الشجر المتكاثف وقيل الشجر الملتف وقال ابن عباس: هي شجر المقل. وقال الكلبي: الأيكة الغيضة، أي: غيضة شجر بقرب مدين. ﴿لظالمين﴾ أي: عريقين في الظلم بتكذيبهم شعيباً ﵇. ﴿فانتقمنا منهم﴾ أي: بسبب ذلك قال المفسرون: اشتدّ الحرّ فيهم أياماً ثم اضطرم عليهم المكان ناراً فهلكوا عن آخرهم وقوله تعالى: ﴿وإنهما﴾ فيه قولان: الأوّل: أن المراد قرى قوم لوط والأيكة. والقول الثاني: أنّ الضمير للأيكة ومدين، لأنّ شعيباً كان مبعوثاً إليهما فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء ضميرهما ﴿لبإمامٍ﴾ أي: طريق ﴿مبين﴾ أي: واضح والإمام اسم لما يؤتم به. قال الفراء: إنما جعل الطريق إماماً لأنه يؤم ويتبع وقال ابن قتيبة: لأنّ المسافر يأتم به حتى يصل إلى الموضع الذي يريده ثم ذكر تعالى القصة الرابعة وهي قصة صالح ﵇ بقوله

стр. 864

تعالى: ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر﴾ وهم ثمود قوم صالح ﵇ وديارهم بين المدينة الشريفة والشام ﴿المرسلين﴾ أي: كلهم بتكذيب رسولهم كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك لأنّ الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق فمن كذب واحداً منهم فقد كذب الجميع وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد سواء ثم أتبع ذلك قوله تعالى: ﴿وآتيناهم﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة على يد رسولهم صالح ﵇ ﴿آياتنا﴾ أي: آيات الكتاب المنزل على نبيهم أو معجزات كالناقة وكان فيها آيات كثيرة كخروجها من الصخرة وعظيم خلقها وقرب ولادتها وغزارة لبنها وإنما أضاف الآيات إليهم وإن كانت لنبيهم صالح ﵇ لأنه مرسل من ربهم إليهم بهذه الآيات ﴿فكانوا عنها﴾ أي: الآيات ﴿معرضين﴾ أي: تاركيها غير ملتفتين إليها لا يتفكرون فيها ثم أخبر تعالى عنهم أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشدّ منهم فقال تعالى: ﴿وكانوا ينحتون﴾ والنحت قلع جزء بعد جزء من الجسم على سبيل المسح ﴿من الجبال﴾ أي: التي تقدّم أنا جعلناها رواسي. ﴿بيوتاً آمنين﴾ عليها من الإنهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة. وقرأ ورش وأبو عمرو وحفص برفع الباء والباقون بكسرها. ﴿فأخذتهم الصيحة﴾ أي: صيحة العذاب ﴿مصبحين﴾ أي: وقت الصبح. ﴿فما أغنى﴾ أي: ما دفع ﴿عنهم﴾ الضرّ والبلاء ﴿ما كانوا يكسبون﴾ أي: يعملون من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد. وعن جابر رضي الله تعالى عنه مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر فقال لنا: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء ثم زجر رسول الله ﷺ راحلته فأسرع حتى خلفها» . ولما ذكر تعالى هذه القصص تسلية لنبيه ﷺ فإنه إذا سمع أنّ الأمم السالفة كانوا يعاملون أنبياء الله بمثل هذه المعاملات سهل تحمل تلك السفاهة قال تعالى: ﴿وما خلقنا السموات والأرض﴾ أي: على ما لها من العلوّ والسعة والأرض على ما لها من المنافع والغرائب ﴿وما بينهما﴾ من هؤلاء المشركين المكذبين وعذابهم ومن المياه والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك ﴿إلا بالحق﴾ أي: إلا خلقاً ملتبساً بالحق فيتفكر فيه من وفقه الله تعالى ليعلم النشأة الآخرة بهذه النشأة الأولى ﴿وإن الساعة﴾ أي: القيامة ﴿لآتية﴾ لا محالة فيجازي الله تعالى كل أحد بعمله ثم إنه تعالى لما صبره على أذى قومه رغبّه بعد ذلك في الصفح عن سيئاتهم بقوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ أي: أعرض عنهم إعراضاً لا جزع فيه ولا تعجل بالإنتقام منهم وهذا منسوخ بآية السيف. قال الرازي: وهو بعيد لأنّ المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن والصفو والصفح فكيف يصير منسوخاً اه. والأوّل جرى عليه البغوي وجماعة من المفسرين ثم علل تعالى هذا الأمر بقوله: ﴿إنّ ربك﴾ أي: المحسن إليك الآمر لك بهذا ﴿هو﴾ أي: وحده ﴿الخلاّق﴾ أي: المتكرر منه هذا الفعل ﴿العليم﴾ أي: البالغ العلم بكل المعلومات فليست أقوالهم وأفعالهم إلا منه لأنه خالقها وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك فإنه نعم المولى ونعم النصير. ولما صبره الله تعالى على أذى قومه وأمره أن يصفح

стр. 865

الصفح الجميل، أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى أفضل خلقه بها بقوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك﴾ يا أفضل الخلق بما لنا من العظمة والقدرة، كما آتينا صالحاً ما تقدّم ﴿سبعاً﴾ يكون كل سبع منها كفيلاً بإغلاق باب أبواب من النيران السبعة وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة زيادة في حفظها وتبرّكاً بلفظها وتذكراً لمعانيها وتخصيصاً لها عن بقية الذكر الذي تكفلنا بحفظه، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة لأنها سبع آيات وهذا ما عليه أكثر المفسرين. روي أنه ﷺ قرأ الفاتحة وقال: «هي السبع المثاني» . رواه أبو هريرة، وقيل: المراد سبع سور وهي الطوال. واختلف في السابعة فقيل: الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل بينهما بآية البسملة، وقيل: الحواميم السبع، وقيل: سبع صحائف وهي الأسباع وقوله تعالى: ﴿من المثاني﴾ صفة للسبع وهو جمع واحده مثناة والمثناة كل شيء يثنى، أي: يجعل اثنين من قولك: ثنيت الشيء ثنيا، أي: عطفته وضممت إليه آخر ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني، لأنها تثنى بالفخذ والعضد ومثاني الوادي معاطفه. أما تسمية الفاتحة بالمثاني فلوجوه: الأوّل: أنها تثنى في كل صلاة بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة. الثاني: أنها تثنى بما بعدها فيما يقرأ معها. الثالث: أنها قسمت قسمين اثنين لما روي أنه ﷺ قال: «يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» والحديث مشهور، وقد ذكرته في وجه تسميتها صلاة عند ذكرها. الرابع: أنها قسمان اثنان ثناء ودعاء وأيضاً النصف الأوّل منها حق الربوبية وهو الثناء، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء. الخامس: أنّ كلماتها مثناة مثل ﴿الرحمن الرحيم﴾ ، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم﴾ . وأما السور والأسباع فلما وقع فيها من تكرير القصص والمواعظ والوعد والوعيد وغير ذلك، ولما فيها من الثناء كأنها تثنى على الله تعالى بأفعاله العظمى وصفاته الحسنى. تنبيه: من في ﴿من المثاني﴾ إما للبيان أو للتبعيض، إذا أردت بالسبع الفاتحة أو الطوال وللبيان إن أردت الأسباع. قال الزمخشريّ: ويجوز أن تكون كتب الله كلها مثاني لأنها تثنى عليه لما فيها من المواعظ المكرّرة ويكون القرآن بعضها، وقوله تعالى: ﴿والقرآن العظيم﴾ أي: الجامع لجميع معاني الكتب السماوية المتكفل بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى فيه أوجه أحدها: أنه من عطف بعض الصفات على بعض، أي: الجامع بين هذين النعتين. الثاني: أنه من عطف العامّ على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة وإما الطوال، فكأنه ذكر مرّتين بجهة الخصوص ثم باندراجه في العموم. الثالث: أنّ الواو مقحمة. ولما عرف رسوله عظيم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين وهو أنه آتاه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم نهاه عن الرغبة في الدنيا بقوله تعالى: ﴿لا تمدّنّ عينيك﴾ أي: لا تشغل سرّك وخاطرك بالالتفات ﴿إلى ما متعنا به أزواجاً منهم﴾ أي: أصنافاً من الكفار والزوج في اللغة الصنف وقد أوتيت القرآن العظيم الذي فيه غنى عن كل شيء. قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: من أوتي القرآن فرأى أنّ أحداً أوتي في الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً. وتأوّل سفيان بن عيينة هذه الآية بقول النبيّ صلى الله

стр. 866

عليه وسلم «ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن» ، أي: لم يستغن. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ﴿لا تمدّنّ عينيك﴾ أي: لا تتمنّ ما فضلنا به أحداً من متاع الدنيا، وقيل: أتت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجوهر وسائر الأمتعة فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في طاعة الله تعالى فقال الله تعالى: لقد أعطيتكم سبع آيات هنّ خير من هذه القوافل السبع. وقرّر الواحدي هذا المعنى فقال: إنما يكون مادًّا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه. وكان النبيّ ﷺ لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا. روي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق وقد عوست في أبوالها وأبعارها وهو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» . وقوله تعالى: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ نهي له عن الالتفات إليهم إن لم يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار. ولما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين بقوله تعالى: ﴿واخفض جناحك﴾ أي: ألن جانبك ﴿للمؤمنين﴾ أي: العريقين في هذا الوصف واصبر نفسك معهم وارفق بهم. ولما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالزهد في الدنيا والتواضع للمؤمنين أمره بتبليغ ما أرسل به إليهم بقوله تعالى: ﴿وقل إني أنا النذير﴾ من عذاب الله أن ينزل عليكم إن لم تؤمنوا. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء والباقون بالسكون ﴿المبين﴾ أي: البين الإنذار وقوله تعالى: ﴿كما أنزلنا﴾ أي: العذاب ﴿على المقتسمين﴾ قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى سموا بذلك لأنهم آمنوا ببعض القرآن وكفروا ببعضه فما وافق كتبهم آمنوا به وما خالف كتبهم كفروا به. وقال عكرمة: إنهم اقتسموا سور القرآن فقال واحد: هذه السورة لي. وقال آخر: هذه السورة لي، وإنما فعلوا ذلك استهزاء به. وقال مجاهد: أنهم اقتسموا كتبهم فآمن بعضهم ببعضها وكفر بعضهم ببعضها. وقال قتادة: أراد بالمقتسمين كفار قريش قال: سموا بذلك لأنّ أقوالهم تقسمت في القرآن فقال بعضهم: إنه سحر وزعم بعضهم أنه كهانة وزعم بعضهم أنه أساطير الأوّلين. وقال ابن السائب: سموا بالمقتسمين لأنهم اقتسموا طرق مكة، وذلك أنّ الوليد بن المغيرة بعث رهطاً من أهل مكة قيل: ستة عشر، وقيل: أربعين. وقال: انطلقوا فتفرّقوا على طرق مكة حيث يمر بكم أهل الموسم فإذا سألوكم عن محمد فليقل بعضكم: إنه مجنون وليقل بعضكم: إنه كاهن وليقل بعضكم: إنه ساحر وليقل بعضكم: إنه شاعر فذهبوا وقعدوا على طرق مكة يقولون ذلك لمن يمرّ بهم من حجاج العرب وقعد الوليد بن المغيرة على باب المسجد الحرام نصبوه حكماً فإذا جاؤوا سألوا عما قال أولئك فيقول: صدقوا فأهلكهم الله تعالى يوم بدر. وقوله تعالى: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ نعت للمقتسمين وقال ابن عباس: هم اليهود والنصارى جزؤوا القرآن أجزاء فآمنوا بما وافق التوراة والإنجيل وكفروا بالباقي. وقال مجاهد: قسموا كتاب الله ففرقوه وبدّدوه، وقيل: كانوا يستهزؤون به

стр. 867

فيقول بعضهم: سورة البقرة لي، ويقول بعضهم: سورة آل عمران لي. وقيل: اقتسموا القرآن فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: شعر. وقال بعضهم: كذب. وقال بعضهم: أساطير الأوّلين. وقيل: هم أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض على أنّ القرآن ما يقرؤونه من كتبهم فيكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم وقولهم سحر وشعر وأساطير الأوّلين بأنّ غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب نحو فعلهم.l تنبيه: عضين جمع عضة وهي الفرقة والعضين الفرق وتقدّم معنى جعلهم القرآن كذلك وقيل: العضة السحر بلغة قريش يقولون هو عاضه وهي عاضهة. وفي الحديث: «لعن رسول الله ﷺ العاضهة والمستعضهة» ، أي: الساحرة والمستسحرة وقيل: هو من العضه وهو الكذب والبهتان، يقال: عضهه عضها وعضيهة، أي: رماه بالبهتان وقيل: جمع عضو مأخوذ من قولهم: عضيت الشيء أعضيه إذا فرقته وجعلته أجزاء وذلك أنهم جعلوا القرآن أعضاء مفرقة فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: أساطير الأوّلين. ثم أقسم بنفسه على أنه يسأل هؤلاء المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين بقوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾ فيكون الضمير عائداً على المقتسمين لأنه الأقرب ويحتمل أن يعود على جميع المكلفين لأنّ ذكرهم تقدّم في قوله تعالى: ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ (الحجر، ٨٩) أي: لجميع الخلق قال جماعة من المفسرين: يسألون عن لا إله إلا الله. وقال أبو العالية: يسألون عما كانوا يعبدون وما أجابوا به المرسلين. فإن قيل: كيف الجمع بين قوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ وبين قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ (الرحمن، ٣٩) أجيب: بأنّ النفي ينصرف إلى بعض الأوقات والاثبات إلى وقت آخر لأنّ يوم القيامة يوم طويل وفيه مواقف يسألون في بعضها ولا يسألون في بعض آخر. ونظيره قوله تعالى: ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ (المرسلات، ٣٥) . وقال في آية أخرى: ﴿ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون﴾ (الزمر، ٣١) ثم قال تعالى لنبيه ﷺ ﴿فاصدع﴾ أي: اجهر بعلو وشدّة فارقاً بين الحق والباطل. وقرأ حمزة والكسائي بإشمام الصاد الساكنة قبل الدال والباقون بالصاد الخالصة. ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿تؤمر﴾ به. أمر النبيّ ﷺ في هذه الآية بإظهار الدعوة. روي عن عبد الله بن عبيدة قال: كان مستخفياً حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه. ﴿وأعرض﴾ أي: إعراض من لا يبالي ﴿عن المشركين﴾ بالصفح الجميل عن الأذى والاجتهاد في الدعاء ولا تلتفت إلى لومهم إياك على إظهار الدعوة. قال بعض المفسرين كالبغوي: وهذا منسوخ بآية القتال، قال الرازي: وهو ضعيف لأنّ معنى هذا الإعراض ترك المبالاة بهم فلا يكون منسوخاً. ولما كان هذا الصدع في غاية الشدّة عليه ﷺ لكثرة ما يلقى عليه من الأذى خفف عنه بقوله معللاً له: ﴿إنا﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة ﴿كفيناك المستهزئين﴾ أي: شرّ الذين هم عريقون في الاستهزاء وهم خمسة نفر من رؤوساء قريش الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد المطلب، والأسود بن عبد يغوث، ووصف هؤلاء بقوله تعالى: ﴿الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر﴾ وقيل: ليس بصفة بل مبتدأ ولتضمنه معنى الشرط دخلت الفاء في خبره

стр. 868

وهو ﴿فسوف يعلمون﴾ أي: عاقبة أمرهم في الدارين. ولما ذكر أنّ قومه يسفهون عليه ولا سيما أولئك المقتسمون قال له تعالى: ﴿ولقد نعلم﴾ أي: نحقق وقوع علمنا ﴿أنك﴾ أي: على ما لم من الحلم وسعة البطان ﴿يضيق صدرك﴾ أي: يوجد ضيقه ويتجدد ﴿بما يقولون﴾ أي: من الاستهزاء والتكذيب بك وبالقرآن لأنّ الجبلة البشرية والمزاج الإنساني يقتضي ذلك فعند هذا قال تعالى: ﴿فسبح﴾ ملتبساً ﴿بحمد ربك﴾ أي: نزهه عن صفات النقص. وقال الضحاك: قل سبحان الله وبحمده. وقال ابن عباس: فصلّ بأمر ربك. ﴿وكن من الساجدين﴾ أي: من المصلين. روي أنه ﷺ «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» . وقدّمت معناه في سورة البقرة. تنبيه: اختلف الناس كيف صار الإقبال على الطاعات سبباً لزوال ضيق القلب والحزن فقال العارفون المحققون: إذا اشتغل الإنسان بهذه الأنواع من العبادات يتنوّر باطنه ويشرق عليه وينفسح وينشرح صدره فعند ذلك يعرف قدر الدنيا وحقارتها فلا يلتفت إليها. وقال بعض الحكماء: إذا نزل بالإنسان بعض المكاره ففزع إلى الطاعات فكأنه يقول: يا رب يجب عليّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات فأنا عبدك بين يديك فافعل بي ما تشاء ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ قال ابن عباس: يريد الموت، وسمى الموت يقيناً لأنه أمر متيقن وهذا مثل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً﴾ (مريم، ٣١) . وروى البغوي بسنده عن ابن جبير قال: قال رسول الله ﷺ «ما أوحى الله إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحى إليّ أن ﴿سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ » . فإن قيل: أي: فائدة لهذا التوقيت مع أنّ كل أحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه العبادات؟ أجيب: بأنّ المراد منه واعبد ربك في جميع زمان حياتك فلا تخل لحظة من لحظات الدنيا بهذه العبادات. وعن عمر ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلاً وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال رسول الله ﷺ «انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب ولقد رأيت عليه حلة شراها أو قال شريت له بمائتي درهم فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون» . وما رواه البيضاوي تبعاً للزمخشري من أنه ﷺ قال: «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد ﷺ . حديث موضوع. سورة النحل مكية إلا قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم﴾ إلى آخر السورة وحكى الأصم عن بعضهم أنها كلها مدنية وقال آخرون: من أوّلها إلى قوله: ﴿كن فيكون﴾ مدني وما سواه مكي. وعن قتادة بالعكس، وتسمى سورة النعم والمقصود من هذه السورة الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم فاعل بالاختيار منزه عن شوائب النقص وأدل ما فيها على هذا المعنى أمر النحل، لما ذكر من شأنها في دقة الفهم في ترتيب

стр. 869

بيوتها ورحبها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرج منها من أعسالها وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة وغير ذلك من الأمور ووسمها بالنعم واضح وهي مائة وثمانية وعشرون آية وألفان وثمانمائة وأربعون كلمة وعدد حروفها سبعة آلاف وسبعمائة وسبعة أحرف. ﴿بسم الله﴾ أي: المحيط بدائرة الكمال فما شاء فعل ﴿الرحمن﴾ أي: الذي عمت نعمته جليل خلقه وحقيره صغيره وكبيره. ﴿الرحيم﴾ أي: الذي خص من شاء بنعمته النجاة مما يسخطه بما يراه وقوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ فيه وجهان أحدهما أنه ماض لفظاً مستقبل معنى إذ المراد به يوم القيامة وإنما أبرزه في صورة ما وقع وانقضى تحقيقاً له ولصدق المخبر به. والثاني: أنه على بابه والمراد مقدّماته وأوائله وهو نصر رسوله ﷺ أي: جاء أمر الله ودنا وقرب فإنه يقال في الكلام المعتاد أنه قد أتى ووقع إجراء لما يجب وقوعه مجرى الواقع. يقال لمن طلب الإعانة وقرب حصولها: جاءك الغوث، أي: أتى أمر الله وعداً ﴿فلا تستعجلوه﴾ وقوعاً قبل مجيئه فإنه واقع لا محالة روي أنه ﷺ قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى» . قال ابن عباس: كان مبعث رسول الله ﷺ من أشراط الساعة. ولما مرّ جبريل بأهل السموات مبعوثاً إلى النبيّ ﷺ قالوا: الله أكبر قامت الساعة. وروي أنه لما نزلت ﴿اقتربت الساعة﴾ قال (القمر، ١) قال الكفار بعضهم لبعض: إنّ هذا، أي: محمداً ﷺ يزعم أنّ القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما تقولون حتى ننظر ما هو كائن، فلما تأخرت قالوا: ما نرى شيئاً فنزل ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ (الأنبياء، ١) فاشفقوا وانتظروا فلما امتدّت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوّفنا به فنزل ﴿أتى أمر الله﴾ فوثب رسول الله ﷺ ورفع الناس رؤوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزل ﴿فلا تستعجلوه﴾ فاطمأنوا فكأن الكفار قالوا: سلمنا لك يا محمد إلا أنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله تعالى فتخلصنا من هذا العذاب المحكوم به فأجابهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿سبحانه﴾ أي: تنزيهاً له ﴿وتعالى عما يشركون﴾ أي: تبرأ بالأوصاف الحميدة عن أن يكون له شريك في ملكه. وقرأ حمزة والكسائي أتى بالإمالة، وقرأ ورش بالفتح وبين اللفظين والباقون بالفتح. وقرأ حمزة والكسائي عما يشركون في الموضعين بالتاء على وفق قوله فلا تسعجلوه والباقون بالياء على الغيبة على تلوين الخطاب أو على أنّ الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم. ولما أجاب الكفار عن شبهتهم بقوله تنزيهاً لنفسه عما يشركون وكان الكفار قالوا: هب أنّ الله تعالى قضى على بعض عبيده بالشرّ وعلى آخرين بالخير ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأمور التي لا يعلمها إلا الله تعالى؟ وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله تعالى وأحكامه في ملكه وملكوته فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ينزل الملائكة﴾ قال ابن عباس: يريد بالملائكة جبريل وحده. قال الواحدي: يسمى الواحد بالجمع إذا كان ذلك الواحد رئيساً. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الزاي والباقون بتشديدها والمراد ﴿بالروح﴾ الوحي أو القرآن فإنّ القلوب تحيا به من موت الجهالات وقوله تعالى: ﴿من أمره﴾ أي: بإرادته حال من الروح ﴿على من يشاء من عباده﴾ وهم الأنبياء ﴿أن أنذروا﴾ أي: خوّفوا الكافرين بالعذاب وأعلموهم ﴿أنه﴾

стр. 870

أي: الشأن ﴿لا إله إلا أنا﴾ أي: لا إله غيري وقوله تعالى: ﴿فاتقون﴾ أي: خافوني رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود. تنبيه: في قوله تعالى: ﴿أن أنذروا﴾ ثلاثة أوجه أحدها: أنها المفسرة لأنّ الوحي فيه ضرب من القول والإنزال بالروح عبارة عن الوحي قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ (الشورى، ٥٢) . الثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف. الثالث: أنها المصدرية التي من شأنها نصب المضارع ووصلت بالأمر كقولهم: كتبت إليه بأن قم والآية تدل على أنّ نزول الوحي بواسطة الملائكة وأنّ النبوّة عطاءة. ولما وحد نفسه ذكر الآيات الدالة على وحدانيته من حيث أنها تدلّ على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة بقوله تعالى: ﴿خلق السموات﴾ أي: التي هي السقف المظل ﴿والأرض﴾ أي: التي هي البساط المقل. ﴿بالحق﴾ أي: أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته ﴿تعالى﴾ أي: تعالياً فات الوصف ﴿عما يشركون﴾ به من الأصنام. ولما كان خلق السموات والأرض غيباً لتقدّمه وكان خلق الإنسان على هذه الصفة شهادة فتكون أقوى في الدلالة على وحدانيته تعالى قال تعالى: ﴿خلق الإنسان﴾ أي: هذا النوع ﴿من نطفة﴾ أي: آدم ﵇ من مطلق الماء ومن تفرع منه بعد زوجه حوّاء من ماء مقيد بالدفق إلى أن صيره قوياً شديداً ﴿فإذا هو خصيم﴾ أي: شديد الخصومة ﴿مبين﴾ أي: بينها. روي أنّ أبيّ بن خلف الجمحي وكان ينكر البعث جاء إلى النبي ﷺ بعظم رميم فقال: تزعم يا محمد أنّ الله يحيي هذا العظم بعدما قد رمّ فنزلت هذه الآية، ونزل فيه أيضاً قوله تعالى: ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ (يس، ٧٨) . قال الخازن في تفسيره: والصحيح أنّ الآية عامة في كل ما يقع فيه الخصومة في الدنيا ويوم القيامة وحملها على العموم أولى. ولما كان أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات وأشرفها الأنعام ذكرها بقوله تعالى: ﴿والأنعام﴾ أي: الأزواج الثمانية الضأن، والمعز، والإبل، والبقر، ونصبه بفعل يفسره ﴿خلقها﴾ . قال الواحدي: تم الكلام عند قوله: ﴿والأنعام خلقها﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿لكم فيها دفء﴾ أي: ما يدفأ به من اللباس والأكسية ونحوها المتخذة من الأصواف والأوبار والأشعار. قال: ويجوز أيضاً أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿والأنعام خلقها لكم﴾ ثم ابتدأ فقال تعالى: ﴿فيها دفء﴾ . قال الرازي: قال صاحب النظم: وأحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله تعالى: ﴿خلقها﴾ والدليل عليه أنه عطف عليه ﴿ولكم فيها جمال﴾ والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال. ولما ذكر تعالى الأنعام ذكر لها أنواعاً من المنافع الأوّل: قوله تعالى: ﴿لكم فيها دفء﴾ . والنوع الثاني: قوله تعالى: ﴿ومنافع﴾ أي: ولكم فيها منافع من نسلها ودرها وركوبها والحمل عليها وسائر ما ينتفع به من الأنعام وإنما عير تعالى عن ذلك بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على الوصف الأعم لأنّ الدر والنسل قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات، فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل. النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ومنها تأكلون﴾ فإن قيل: تقديم الظرف يفيد الحصر لأنّ تقديم

стр. 871

الظرف موذن بالاختصاص وقد يؤكل من غيرها. أجيب: بأنّ الأكل من هذه الأنعام هو الذي يعتمده الناس في معايشهم، وأمّا الأكل من غيرها كالدجاج والبط والأوز وصيد البرّ والبحر فليس بمعتد به في الأغلب، وأكله يجري مجرى التفكه به فخرج ومنها تأكلون مخرج الغالب في الأكل من هذه الأنعام. فإن قيل: منفعة الأكل مقدمة على منفعة اللباس فلم قدّمت منفعة اللباس عليه؟ أجيب: بأنّ منفعة اللباس أكثر من منفعة الأكل فلهذا قدّمت على منفعة الأكل. ﴿ولكم فيها جمال﴾ أي: زينة ﴿حين تريحون﴾ أي: تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشيّ ﴿وحين تسرحون﴾ أي: تخرجونها بالغداة إلى المرعى، فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين وتجل أهلها في أعين الناظرين إليها. فإن قيل: لم قدّمت الإراحة على التسريح؟ أجيب: بأنّ الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ثم أوت إلى الحظائر حاضرة لأهلها فيفرح أهلها بها بخلاف تسريحها إلى المرعى فإنها تخرج جائعة البطون ضامرة الضروع ثم تأخذ في التفرق والانتشار للمرعى في البرية فليس في التسريح تجمل كما في الإراحة. النوع الرابع: قوله تعالى: ﴿وتحمل أثقالكم﴾ جمع ثقل وهو متاع المسافر. ﴿إلى بلد﴾ أي: غير بلدكم أردتم السفر إليه ﴿لم تكونوا بالغيه﴾ أي: غير واصلين إليه على غير الإبل ﴿إلا بشق الأنفس﴾ أي: إلا بكلفة ومشقة والشق بكسر الشين نصف الشي، أي: لم تكونوا بالغيه إلا بنقصان قوّة النفس وذهاب نصفها. وقال ابن عباس: يريد من مكة إلى اليمن وإلى الشأم وإلى مصر قال الواحدي: والمراد كل بلد لو تكلفتم بلوغه على غير إبل شق عليكم. وخص ابن عباس هذه البلاد لأنّ متاجر أهل مكة كانت إلى هذه البلاد. فإن قيل: المراد من قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم﴾ الإبل فقط بدليل أنه وصفها إلى آخر الآية بقوله: ﴿وتحمل أثقالكم إلى بلد﴾ وهذا الوصف لا يليق إلا بالإبل؟ أجيب: بأنّ المقصود من هذه الآيات تعديد منافع الأنعام فبعض تلك المنافع حاصل في الكل وبعضها مختص بالبعض والدليل عليه أن قوله: ﴿ولكم فيها جمال﴾ حاصل في البقر والغنم، مثل حصوله في الإبل. تنبيه: احتج منكرو كرامات الأولياء بهذه الآية فإنها تدل على أنّ الإنسان لا يمكنه الانتقال من بلد إلى بلد إلا بشق الأنفس وحمل الأثقال على الإبل ومثبتوا الكرامات يقولون: إنّ الأولياء قد ينتقلون من بلد إلى بلد آخر بعيد في ليلة واحدة من غير تعب وتحمل مشقة، وكان ذلك على خلاف هذه الآية فيكون باطلاً وإذا بطل القول بالكرامات في هذه الصورة بطل القول بها في سائر الصور إذ لا قائل بالفرق، وأجاب المثبتون بأنا نخصص عموم هذه الآية بالأدلة الدالة على وقوع الكرامات ﴿إنّ ربكم﴾ أي: الموجد لكم والمحسن إليكم ﴿لرؤوف﴾ أي: بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بما يرضيه. وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة والباقون بالمدّ. ﴿رحيم﴾ أي: بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب. وقوله تعالى: ﴿والخيل﴾ أي: الصاهلة وهو اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والرهط. ﴿والبغال﴾ أي: المتولدة بينها وبين الحمير ﴿والحمير﴾ الناهقة عطف على الأنعام، أي: وخلق هذه الحيوانات ﴿لتركبوها﴾ أي: لأجل أن تركبوها وفي نصب قوله تعالى: ﴿وزينة﴾ أوجه أحدها: أنه مفعول من أجله وإنما وصل الفعل إلى

стр. 872

الأوّل باللام في قوله تعالى: ﴿لتركبوها﴾ وإلى هذا بنفسه لاختلاف شرطه في الأوّل وهو عدم اتحاد الفاعل فإنّ الخالق هو الله تعالى والراكب المخاطبون بخلاف الثاني. الثاني: أنها منصوبة على الحال وصاحب الحال إمّا مفعول خلقها وإمّا مفعول لتركبوها فهو مصدر أقيم مقام الحال. الثالث: أن ينتصب بتقدير فعل قدّره الزمخشري بقوله وخلقها زينة وقدّره ابن عطية وغيره بقولهم: وجعلها زينة. الرابع: أنها مصدر لفعل محذوف، أي: وتتزينون بها زينة. وتنبيه: احتج القائلون وهم ابن عباس والحاكم وأبو حنيفة ومالك بتحريم لحوم الخيل بهذه الآية، قالوا: منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب فلو كان أكل لحم الخيل جائزاً لكان هذا المعنى أولى بالذكر وحيث لم يذكره تعالى علمنا أنه يحرم أكله لأنّ الله تعالى خص الأنعام بالأكل حيث قال تعالى: ﴿ومنها تأكلون﴾ (النحل، ٥) وخص هذه بالركوب فقال: ﴿لتركبوها﴾ فعلمنا أنها مخلوقة للركوب لا للأكل واحتج القائلون بإباحة أكل اللحم من الخيل وهم سعيد بن جبير وعطاء وشريح والحسن والشافعي بما روي عن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنهما قالت: «نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً ونحن بالمدينة» . وبما روي عن جابر ﵁ «أنّ رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل» . وفي رواية: «أكلنا في زمن خيبر الخيل وحمر الوحش ونهى النبيّ ﷺ عن الحمار الأهلي» هذه رواية البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود قال: «ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير وكنا قد أصابنا مخمصة فنهانا النبيّ ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل» . وأجابوا عن هذه الآية بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أنّ منفعتها مختصة بذلك وإنما خص هاتين المنفعتين بالذكر لأنهما معظم المقصود ولهذا سكت عن حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وتحمل أثقالكم﴾ (النحل، ٧٠) ولم يلزم من ذلك تحريم الأثقال على الخيل. وقال الواحدي: لو دلت هذه الآية على تحريم أكل هذا الحيوان لكان تحريم أكلها معلوماً في مكة لأجل أنّ هذه السورة مكية ولو كان الأمر كذلك لكان قول عامّة المفسرين والمحدّثين أنّ لحوم الحمر الأهلية حرمت عام خيبر، أي: وذلك في المدينة باطلاً لأنّ التحريم لما كان حاصلاً قبل هذا اليوم لم يكن لتخصيص هذا التحريم بهذه السنة فائدة، قال الرازي: وهذا جواب حسن متين. وقال ابن الخازن: والدليل الصحيح المعتمد عليه في إباحة لحوم الخيل أنّ السنة مبينة للكتاب. ولما كان نص الآية يقتضي أنّ الخيل والبغال والحمير مخلوقة للركوب والزينة وكان الأكل مسكوتاً عنه ودار الأمر فيه على الإباحة والتحريم فوردت السنة بإباحة لحوم الخيل وتحريم لحوم البغال والحمير، أخذنا به جمعاً بين النصين. ولما ذكر هذه الأنواع من الحيوان ذكر باقيها على سبيل الإجمال بقوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ وذلك لأنّ أنواعها وأصنافها وأقسامها كثيرة خارجة عن الحدّ والإحصاء ولو خاض الإنسان في شرح عجائب أحوالها لكان المذكور بعد كتبه المجلدات الكثيرة كالقطرة في البحر فكان أحسن الأحوال ذكرها على سبيل الإجمال كما ذكر الله تعالى في هذه الآية. وروى عطاء

стр. 873

ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إنّ عن يمين العرش نهراً من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة يدخل فيه جبريل كل يوم ويغتسل فيزداد نوراً إلى نوره وجمالاً إلى جماله ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل نفضة تقع من ريشه تقع كذا وكذا ألف ملك يدخل كل يوم منهم سبعون ألفاً البيت المعمور وفي الكعبة أيضاً سبعون ألفاً لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة سبحان من له هذا الملك العظيم، قال تعالى: ﴿وما يعلم جنود ربك إلا هو﴾ (المدثر/ ٣١) . وفسر قتادة الآية بالسوس في النبات والدود في الفواكه وفسرها بعضهم بما أعدّ الله تعالى لأهل الجنة في الجنة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولما شرح الله تعالى دلائل التوحيد قال تعالى: ﴿وعلى الله﴾ أي: الذي له الإحاطة بكل شيء ﴿قصد السبيل﴾ أي: بيان الطريق المستقيم إنما ذكرت هذه الدلائل وشرحها إزاحة للعذر وإزالة للعلة ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حي عن بينة والمراد بالسبيل الجنس ولذلك أضاف إليها القصد. وقال: ﴿ومنها﴾ أي: السبيل ﴿جائر﴾ أي: حائد عن الاستقامة. فإن قيل: هذه الآية تدلّ على أنّ الله تعالى يجب عليه الإرشاد والهداية إلى الدين وإزاحة العلل والأعذار كما قال به المعتزلة لأنه تعالى قال: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ . وكلمة على للوجوب. قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (آل عمران، ٩٧) أجيب: بأنّ المراد على الله تعالى بحسب الفضل والكرم أن يبين الدين الحق والمذهب الصحيح. فإن قيل: لم غير أسلوب الكلام حيث قال في الأوّل: ﴿وعلى الله قصد السبيل﴾ . وفي الثاني: ﴿ومنها جائر﴾ دون وعليه جائر؟ أجيب: بأنّ المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض. ثم قال تعالى: ﴿ولو شاء﴾ هدايتكم ﴿لهداكم﴾ إلى قصد السبيل ﴿أجمعين﴾ فتهتدون إليه باختيار منكم. قال الرازي: وهذا يدلّ على أنّ الله تعالى ما شاء هداية الكفار وما أراد منهم الإيمان لأنّ كلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره. ولما ذكر تعالى نعمه على عباده بخلق الحيوانات لأجل الانتفاع والزينة عقبه بذكر إنزال المطر لأنه من أعظم النعم على عباده فقال: ﴿هو﴾ أي: لا غيره مما تدعى فيه الإلهية ﴿الذي أنزل﴾ أي: بقدرته الباهرة ﴿من السماء﴾ إمّا من نفسها أو من غيرها أو من جهتها أو من السحاب كما هو مشاهد ﴿ماء﴾ أي: واحداً تحسونه بالذوق والبصر ﴿لكم منه﴾ أي: من ذلك الماء ﴿شراب﴾ أي: تشربونه وقد بيّن تعالى في آية أخرى أنّ هذه النعمة جليلة فقال: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حيّ﴾ (الأنبياء، ٣٠) . فإن قيل: ظاهر هذا أنّ شرابنا ليس إلا من المطر؟ أجيب: بأنه تعالى لم ينف أن يشرب من غيره وبتقدير الحصر لا يمتنع أن يكون الماء العذب تحت الأرض من جملة ماء المطر سكن هناك بدليل قوله في سورة المؤمنون: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾ (المؤمنون، ١٨) . ﴿ومنه﴾ أي: من الماء ﴿شجر﴾ أي: ينبت بسببه والشجر هنا كل نبات من الأرض حتى الكلأ وفي الحديث: «لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت» يعني الكلأ. فإن قيل: قال المفسرون: في قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ (الرحمن، ٦) المراد من النجم ما ينجم من الأرض مما ليس له ساق ومن الشجر ما له ساق؟ أجيب: بأن عطف الجنس على النوع وبالضدّ مشهور وأيضاً فلفظ الشجر يشعر بالاختلاط يقال: تشاجر القوم إذا اختلط

стр. 874

أصوات بعضهم ببعض وتشاجرت الرياح إذا اختلطت وقال تعالى: ﴿حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ (النساء، ٦٥) ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ. فوجب إطلاق لفظ الشجر عليه ويصح أن يكون المراد بالشجر هنا ما له ساق لأنّ الإبل تقدر على رعي ورق الأشجار الكبار وحينئذٍ فإطلاق الشجر على الكلأ مجاز. ﴿فيه﴾ أي: الشجر ﴿تسيمون﴾ أي: ترعون مواشيكم يقال: أسمت الماشية إذا خليتها ترعى وسامت هي إذا رعت حيث شاءت. قال الزجاج: أخذ ذلك من السومة وهي العلامة لأنها تؤثر في الأرض برعيها علامات وقال غيره: لأنها تعلم الإرسال في المرعى. ولما ذكر تعالى الحيوانات تفصيلاً وإجمالاً ذكر الثمار تفصيلاً وإجمالاً بقوله تعالى: ﴿ينبت﴾ أي: الله ﴿لكم به﴾ أي: بذلك الماء ﴿الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات﴾ فبدأ بذكر الزرع وهو الحبّ الذي يقتات به كالحنطة والشعير والأرز لأن به قوام البدن بذكر الزيتون لما فيه من الأدم والدهن وبارك فيه وثلث بذكر النخيل لأنّ ثمرها غذاء وفاكهة وختم بذكر الأعناب لأنه شبيه النخيل في المنفعة من التفكه والتغذية ثم ذكر تعالى سائر الثمار إجمالاً لينبه بذلك على عظيم قدرته وجزيل نعمته على عباده لأنّ الحبة الواحدةتقع في الطين فإذا مضى عليها مقدار معين من الوقت نفذ في داخل تلك الحبة أجزاء من رطوبة الأرض ونداوتها فتنفتح الحبة فينشق أعلاها وأسفلها فيخرج من أعلى تلك الحبة شجرة صاعدة من داخل الأرض إلى الهواء ومن أسفلها شجرة أخرى غائصة في قعر الأرض وهذه الغائصة هي المسماة بعروق الشجرة ثم إن تلك الشجرة لا تزال تزداد وتنمو وتقوى ثم تخرج منها الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ثم إنّ تلك الثمرة تشتمل على أجسام مختلفة الطبائع مثل العنب، فإنّ قشره وعجمه باردان يابسان كثيفان ولحمه وماؤه حاران رطبان لطيفان وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إنّ في ذلك لآية﴾ بينة على أنّ فاعل ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة وأنه مختار يفعل ذلك في الوقت الذي يريده وإنما تحصل معرفة ذلك ﴿لقوم يتفكرون﴾ فيما ذكر من دلائل قدرته ووحدانيته فيؤمنون. ثم ذكر أشياء تدلّ على أنه الفاعل المختار بقوله تعالى: ﴿وسخر لكم﴾ أي: أيها الناس لإصلاح أحوالكم ﴿الليل﴾ للسكنى ﴿والنهار﴾ للمعاش. ثم ذكر آية النهار فقال: ﴿والشمس﴾ أي: لمنافع اختصاصها ثم آية الليل فقال: ﴿والقمر﴾ لأمور علقها به ﴿والنجوم﴾ أي: الآيات نصبها لها. ثم نبه على تغيرها بقوله تعالى: ﴿مسخرات﴾ أي: بأنواع التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها ﴿بأمره﴾ أي: بإرادته سبباً لصلاحكم وصلاح ما به قوامكم دلالة على وحدانيته تعالى وفعله بالاختيار ولو شاء تعالى لأقام أسباباً غيرها أو أغنى عن الأسباب. وقرأ ابن عامر برفع الأربع وهي الشمس والقمر والنجوم ومسخرات على الابتداء والخبر ووافقه حفص في الاثنين الأخيرين والنجوم مسخرات لا غير والباقون بالنصب عطفاً على ما قبله في الثلاثة الأول وفي الرابع وهو مسخرات على الحال. ولما ذكر هذه الأشياء وجعلها مسخرات لمنافع عباده ختم ذلك بقوله: ﴿إنّ في ذلك﴾ أي: التسخير العظيم ﴿لآيات﴾ أي: دلالات متعدّدة كثيرة عظيمة

стр. 875

﴿لقوم يعقلون﴾ أي: يتدبرون فيعلمون أنّ جميع الخلق تحت قدره وقدرته وتسخيره لما أراده منهم. وقوله تعالى: ﴿وما ذرأ﴾ أي: خلق ﴿لكم في الأرض﴾ عطف على الليل، أي: وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات. وقيل: إنه في موضع نصب بفعل محذوف، أي: وخلق هكذا قدّره أبو البقاء وكأنه استبعد تسلط سخر على ذلك فقدّر فعلاً لائقاً. وقوله تعالى: ﴿مختلفاً﴾ حل منه. وقوله تعالى: ﴿ألوانه﴾ أي: في الخلقة والهيئة والكيفية فاعل به ﴿إنّ في ذلك لآية لقوم يذّكّرون﴾ أي: يتعظون. تنبيه: ختم تعالى الآية الأولى بالتفكر لأنّ ما فيها يحتاج إلى تأمّل ونظر، وختم الثانية بالعقل لأنّ مدار ما تقدّم عليه وختم الثالثة بالتذكر لأنه نتيجة ما تقدّم وجمع الآيات في الثانية دون الأولى والثالثة لأن ما نيط بها أكثر ولذلك ذكر معها العقل. ولما استدل على إثبات الإله أولاً بأجرام السموات والأرض وثانياً ببدن الإنسان وثالثاً بعجائب خلقة الحيوان ورابعاً بعجائب النبات ذكر خامساً عجائب العناصر وبدأ بالاستدلال بعنصر الماء بقوله تعالى: وهو أي: لا غيره. وقرأ قالون وأبو عمرو والكسائي بسكون الهاء والباقون بضمها ﴿الذي سخر البحر﴾ أي: ذلله وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكوّن الجواهر وغير ذلك قال علماء الهيئة: ثلاثة أرباع كرة الأرض غائصة في الماء فذاك هو البحر المحيط وجعل في هذا الربع المسكون سبعة أبحر قال تعالى: ﴿والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر﴾ (لقمان، ٢٧) والبحر الذي سخره الله تعالى للناس هو هذه البحار فمن تسخيرها للخلق ما مر ومنه جعلها بحيث يتمكن الناس من الانتفاع بها بالركوب وبالغوص وبغير ذلك فمنافع البحار كثيرة وذكر منها هنا ثلاثة منافع الأولى قوله تعالى: ﴿لتأكلوا منه﴾ أي: بالاصطياد وغيره من لحوم الأسماك. ﴿لحماً طرياً﴾ لا تجد أنعم منه ولا ألين وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله عذباً ففي ذلك دلالة على كمال قدرته تعالى وذلك أن السمك لو كان كله مالحاً لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري لأنه لما خرج من البحر الملح اللحم الطري في غاية العذوبة علم أنه يخلق الله وقدرته لا بحسب الطبع وعلم بذلك أنّ الله تعالى قادر على إخراج الضدّ من الضدّ. المنفعة الثانية: قوله تعالى: ﴿وتستخرجوا منه﴾ أي: بجهدكم في الغوص وما يتبعه ﴿حلية﴾ أي: اللؤلؤ والمرجان، كما قال تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ (الرحمن، ٢٢) . ﴿تلبسونها﴾ أي: نساؤكم وهنّ بعضكم فكأن اللابس أنتم ولأنّ زينة النساء بالحلي إنما هو لأجل الرجال فكان ذلك زينة لهم. المنفعة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وترى الفلك﴾ أي: السفن ﴿مواخر﴾ أي: تمخر الماء، أي: تشقه بجريها ﴿فيه﴾ أي: مقبلة ومدبرة وذلك أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر بريح واحدة. وقال مجاهد: تمخر الريح السفن يعني أنها إذا جرت يسمع لها صوت. وقال الحسن: مواخر يعني مملوءة متاعاً. وقوله تعالى: ﴿ولتبتغوا﴾ أي: لتطلبوا عطف على تأكلوا وما بينهما إعتراض. وقيل: عطف على محذوف تقديره: لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا ﴿من فضله﴾ أي: من سعة رزقه بركوبها للتجارة وللوصول إلى البلدن الشاسعة ﴿ولعلكم تشكرون﴾ الله على هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره. ثم إنه تعالى ذكر بعض النعم التي خلقها الله تعالى في الأرض بقوله تعالى: ﴿وألقى

стр. 876

في الأرض رواسي﴾ أي: جبالاً ثوابت ﴿أن تميد﴾ أي: كراهة أن تميل وتضطرب ﴿بكم﴾ وقيل: لئلا تميل بكم والأوّل قدره البصريون والثاني قدّره الكوفيون، وقد تقدّم مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ (النساء، ١٧٦) . روي أن الله تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت وقوله تعالى: ﴿وأنهاراً﴾ عطف على رواسي لأنّ الإلقاء بمعنى الخلق والجعل. ألا ترى أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها﴾ (فصلت، ١٠) . وقال تعالى: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ (طه، ٣٩) . وذكر تعالى الأنهار بعد الجبال لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من الجبال. ﴿و﴾ جعل لكم فيها ﴿سبلاً﴾ أي: طرقاً مختلفة تسلكون فيها في أسفاركم والتردّد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان ﴿لعلكم تهتدون﴾ أي: بتلك السبل إلى مقاصدكم وإلى معرفة الله تعالى فلا تضلون. ﴿و﴾ جعل لكم فيها ﴿علامات﴾ أي: من الجبال وغيرها جمع علامة تهتدون بها في أسفاركم. ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأوضحها براً وبحراً ليلاً ونهاراً نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظنّ أن المخاطب مخصوص والأمر لا يتعدّاه فقال تعالى: ﴿وبالنجم﴾ أي: الجنس ﴿هم﴾ أي: أهل الأرض كلهم وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش ثم العرب كلها لفرط معرفتهم بالنجوم. ﴿يهتدون﴾ وقدّم الجارّ تنبيهاً على أن الدلالة بغيره بالنسبة إليه سافلة، وقيل: المراد بالنجم الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي. وقيل: الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم. ولما ذكر من عجائب قدرته وبديع خلقه ما ذكر على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدّمة كلها دالة على كمال قدرة الله ووحدانيته، وأنه تعالى المنفرد بخلقها جميعها قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام العاجزة التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تقدر على شيء. ﴿أفمن يخلق﴾ أي: هذه الأشياء الموجودة وغيرها ﴿كمن لا يخلق﴾ شيئاً من ذلك بل على إيجاد شيء ما فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق العبادة وترك عبادة من يستحقها وهو الله تعالى. فإن قيل: ذلك إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق فكان حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ أجيب: بأنهم لما جعلوا غير الله مثل الله تعالى في تسميته باسمه والعبادة له وسوّوا بينه وبينه فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهاً بها فانكر عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ . فإن قيل: من لا يخلق إن أريد به جميع ما عبد من دون الله كان ورود من واضحاً لأنّ العاقل يغلب على غيره فيعبر عن الجميع بمن ولو جيء أيضاً بما لجاز وإن أريد به الأصنام فلم جيء بمن الذي هو لأولي العلم؟ أجيب: بأنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ألا ترى إلى قوله تعالى على أثره: ﴿والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ (النحل، ٢٠) وإلى قول الشاعر: *بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ... فقلت ومثلي بالبكاء جدير

стр. 877

*أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير *وكل قطاة لا تعير جناحها ... تعيش بذل والجناح قصير فأوقع من على سرب لما عامله معاملة العقلاء، وقيل: للمشاكلة بينه وبين من يخلق، وقيل: المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده كقوله تعالى: ﴿ألهم أرجل يمشون بها﴾ (الأعراف، ١٩٥) يعني أنّ الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف تصح لهم العبادة إلا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا. ولما كان هذا القدر ظاهراً غير خافٍ على أحد فلا يحتاج فيه إلى تدقيق الفكر والنظر بل مجرّد التذكر فيه كفاية لمن فهم وعقل. ختم تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿أفلا تذكرون﴾ بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه فتؤمنون. تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنّ العبد غير خالق لأفعال نفسه لأنه تعالى ميز نفسه عن الأشياء التي يعبدونها بصفة الخالقية لأنّ الغرض من قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ بيان تميزه عن هذه الأشياء بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والعبودية لكونه تعالى خالقاً وهذا يقتضي أنّ العبد لو كان خالقاً لشيء لوجب كونه إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أنّ العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد، ولما كانت المقدورات لا تحصى وأكثرها نعم على العباد مذكرة لهم بخالقهم قال ممتناً عليهم بإحسانه من غير سبب منهم. ﴿وإن تعدّوا﴾ كلكم ﴿نعمت الله﴾ أي: إنعام الملك الأعظم الذي لا رب غيره عليكم من صحة البدن وعافية الجسم وإعطاء النظر الصحيح والعقل السليم وبطش اليدين ومشى الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليكم وما خلق لكم مما تحتاجون إليه من أمر الدنيا حتى لو رام أحدكم معرفة أدنى نعمة من هذه النعم لعجز عنها وعن معرفتها وحصرها فإن نتبعها يفوت الحصر. ﴿لا تحصوها﴾ أي: لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كثرتها وإعراضكم جملة عن شكرها والعبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات وبالغ في شكر نعم الله تعالى فإنه يكون مقصراً لأنّ نعم الله كثيرة وأقسامها عظيمة وعقل الخلق قاصر عن الإحاطة بمبادئها فضلاً عن غاياتها لكن الطريق إلى ذلك أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها. ﴿إنّ الله لغفور﴾ أي: لتقصيركم في القيام بشكرها يعني النعمة كما يجب عليكم ﴿رحيم﴾ بكم فوسع عليكم النعم ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير والمعاصي. وقوله تعالى: ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ فيه وجهان: الأوّل: أنّ الكفار مع كفرهم كانوا ليسرون أشياء وهو ما كانوا يمكرون بالنبيّ ﷺ وما يعلنون، أي: وما يظهرون من أذاه ﷺ فأخبر الله تعالى بأنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا يخفى عليه خافية وإن دقت وخفيت. والوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية المتقدّمة ذكر في هذه الآية أنّ الإله الذي يستحق العبادة يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات سرها وجهرها وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة. ثم وصف تعالى هذه الأصنام بصفات الأولى مذكورة في قوله تعالى: ﴿والذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي: الأصنام وتعتقدون

стр. 878

أنها آلهة وقرأ عاصم بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب ﴿لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ أي: يصوّرون من الحجارة وغيرها. فإن قيل: قوله تعالى في الآية المتقدّمة ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ يدلّ على أنّ هذه الأصنام لا تخلق شيئاً وهم يخلقون وهذا هو المعنى المذكور في تلك الآية المذكورة فما فائدة هذا التكرار؟ أجيب: بأنّ فائدته أنّ المعنى المذكور في الآية المتقدّمة أنهم لا يخلقون شيئاً فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون كغيرهم فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار فكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم فبين أولاً أنها لا تخلق شيئاً، ثم بيّن ثانياً أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة كغيرها. الصفة الثانية قوله تعالى: ﴿أموات﴾ أي: جمادات لا روح لها ﴿غير أحياء﴾ إذ الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي الذي لا يموت. فإن قيل: علم من قوله: أموات أنها غير أحياء فما الفائدة في ذكره؟ أجيب: بأنّ من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطف التي ينشئها الله تعالى حيواناً وأجساد الحيوانات التي تبعث بعد موتها وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة وذلك أعرق في موتها. وقيل: ذكر للتأكيد لأنّ الكلام مع الكفار الذي يعبدون الأوثان وهم في نهاية الجهالة والضلالة ومن تكلم مع الجاهل الغبي فقد يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة وغرضه الإعلام بكون المخاطب في غاية الغباوة في أنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. الصفة الثالثة قوله تعالى: ﴿وما يشعرون﴾ أي: الأصنام ﴿أيان﴾ أي: وقت ﴿يبعثون﴾ أي: وما تعلم هؤلاء الآلهة متي تبعث الأحياء تهكماً بحالها لأنّ شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حيّ إلا الحيّ القيوم . وقيل: الضمير راجع للأصنام. قال ابن عباس: إنّ الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿والذين تدعون من دون الله﴾ الملائكة وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله تعالى: إنهم أموات، أي: لا بد لهم من الموت غير أحياء، أي: باقية حياتهم وما يشعرون، أي: لا علم لهم بوقت بعثهم. ولما زيف طريقة عبدة الأصنام وبيّن فساد مذهبهم قال تعالى: ﴿إلهكم﴾ أي: أيها الخلق جميعاً المعبود بحق ﴿إله﴾ أي: متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أوان وكل زمان وكل مكان ﴿واحد﴾ لا يقبل التعدّد الذي هو مثال النقص بوجه من الوجوه لأنّ التعدّد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية. ﴿فالذين﴾ أي: فتسبب عن هذا أنّ الذين ﴿لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي: دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة ﴿قلوبهم منكرة﴾ أي: جاحدة للوحدانية ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم بسبب إنكار ذلك ﴿مستكبرون﴾ أي: متكبرون عن الإيمان بها ﴿لا جرم﴾ أي: حقاً ﴿أن الله يعلم﴾ علماً غيبياً وشاهدياً ﴿ما يسرون﴾ أي: ما يخفون مطلقاً أو بالنسبة إلى بعض الناس ﴿وما يعلنون﴾ أي: يظهرون فيجاز يهم ذلك. ولما كان في ذلك معنى التهديد علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنه﴾ أي: العالم بالسر والعلن ﴿لا يحب المستكبرين﴾ أي: على خلقه فما بالك بالمستكبرين على التوحيد واتباع الرسول ﷺ ومعنى عدم محبتهم أنه يعاقبهم.

стр. 879

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: يا رسول الله، إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً؟ قال: إنّ الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمص الناس» ومعنى بطر الحق أنه يستكبر عند سماع الحق فلا يقبله ومعنى غمص الناس استنقاصهم وازدراؤهم. ولما بالغ في دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام قال تعالى عاطفاً على قلوبهم منكرة: ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وقوله تعالى: ﴿ما﴾ استفهامية و ﴿ذا﴾ موصولة، أي: ما الذي ﴿أنزل ربكم﴾ على محمد ﷺ واختلف في قائل هذا القول فقيل: كلام بعضهم لبعض، وقيل: قول المسلمين لهم، وقيل: قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله ﷺ إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ﴿قالوا﴾ مكابرين في إنزال القرآن هو ﴿أساطير﴾ أي: آكاذيب ﴿الأوّلين﴾ مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضتهم أقصر سورة منه مع علمهم بأنهم أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدّم أو متأخر قول إلا قالوا أبلغ منه. فإن قيل: هذا كلام متناقض لأنه لا يكون منزلاً من ربهم وأساطير؟ أجيب: بأنهم قالوه على سبيل السخرية كقوله: ﴿إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ (الشعراء، ٢٧) واللام في قوله تعالى: ﴿ليحملوا﴾ لام العاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزناً﴾ (القصص، ٨٠) وذلك لما وصفوا القرآن بكونه أساطير الأوّلين كان عاقبتهم بذلك أن يحملوا ﴿أوزارهم﴾ أي: ذنوب أنفسهم وإنما قال تعالى: ﴿كاملة﴾ لئلا يتوهم أنه يكفر عنهم شيء بسبب البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البرّ التي عملوها في الدنيا بل يعاقبون بكل أوزارهم ﴿يوم القيامة﴾ الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه. قال الرازي: وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة ﴿و﴾ ليحملوا أيضاً ﴿من﴾ جنس ﴿أوزار﴾ الجهلة الضعفاء ﴿الذين يضلونهم﴾ وقوله تعالى: ﴿بغير علم﴾ حال من مفعول يضلونهم، أي: يضلون من يعلم أنهم ضلال أو من الفاعل وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل وإنما حصل للرؤوساء الذين أضلوا غيرهم وصدّوهم عن الإيمان مثل أوزار الأتباع لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم فاشتركوا في الإثم وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» أخرجه مسلم. ومعنى الآية والحديث أنّ الرئيس والكبير إذا سنّ سنة حسنة أو سيئة قبيحة فتبعه عليها جماعة فعملوا بها فإن الله تعالى يعطيهم ثوابه وعقابه حتى يكون ذلك الثواب والعقاب مساوياً لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع الذين عملوا بالسنة الحسنة أو القبيحة، وليس المراد بأن الله يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه

стр. 880

الأتباع إلى الرؤوساء ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام، ١٦٤) . وقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم، ٣٩) . تنبيه: قال الواحدي: لفظة من في قوله تعالى: ﴿ومن أوزار﴾ ليست للتبعيض لأنها لو كانت كذلك لنقص عن الأتباع بعض الأوزار وقد قال ﷺ «لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» لكنها للجنس كما قدّرت ذلك في الآية الكريمة، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع. وقيل: إنها للتبعيض وجرى عليه البيضاوي تبعاً للزمخشري. ﴿ألا ساء﴾ أي: بئس ﴿ما يزرون﴾ أي: يحملون حملهم هذا وفي هذا وعيد وتهديد لهم. فإن قيل: إنّ الله تعالى حكى هذه الشبهة عن القوم ولم يجب عنها بل اقتصر على محض الوعيد فما السبب في ذلك؟ أجيب: بأنّ السبب فيه أنه تعالى بيّن كون القرآن معجزاً بطريقين: الأوّل: أنه ﷺ تحداهم أولاً بكل القرآن وثانياً بعشر سور وثالثاً بسورة فعجزواعن المعارضة وذلك يدل على كونه معجزاً الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً﴾ (الفرقان، ٥٠) وأبطلها بقوله تعالى: ﴿قل أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض﴾ (الفرقان، ٦) . ومعناه أنّ القرآن يشتمل على الإخبار بالغيوب، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالماً بأسرار السموات والأرض. ولما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين وتكرّر شرح هذين الطريقين مراراً كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرّد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ثم إنه بالغ في وصف وعيد هؤلاء الكفار بقوله تعالى: أي: ممن رأوا آثارهم في ديارهم ﴿فأتى الله﴾ أي: أمره ﴿بنيانهم من القواعد﴾ أي: من جهة العمد التي بنوا عليها مكرهم ﴿فخرّ﴾ أي: سقط ﴿عليهم السقف من فوقهم﴾ وصار سبب هلاكهم وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم. والباقون بكسر الهاء وضم الميم. وأمّا الوقف فحمزة بضم الهاء على أصله والباقون بالكسر. ﴿وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ أي: من جهة لا تخطر ببالهم وهذا على سبيل التمثيل، أي: التشبيه والتخييل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل فجعل الله هلاكهم فيما أبرموه كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن تضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا نحوه من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً، وقيل: هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء قال ابن عباس: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. وقال كعب: كان طوله فرسخين فأهب الله تعالى الريح فألقت رأسه في البحر وخرّ عليهم الباقي وهم تحته قال البغوي: ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية فذلك قوله تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ أي: أتى أمره فخرب بنيانهم من أصلها فخرّ عليه وعلى قومه السقف، أي: أعلى البيوت من فوقهم فهلكوا. تنبيه: قال ابن الخازن في قول البغوي: وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية نظر لأنّ صالحاً ﵇ كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية وكان أهل اليمن عرباً منهم جرهم الذين نشأ إسماعيل بينهم وتعلم منهم العربية وكان ببابل من العرب طائفة
следующие страницы →