Полный текст (2 552 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
في الأرض رواسي﴾ أي: جبالاً ثوابت ﴿أن تميد﴾ أي: كراهة أن تميل وتضطرب ﴿بكم﴾ وقيل: لئلا تميل بكم والأوّل قدره البصريون والثاني قدّره الكوفيون، وقد تقدّم مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ (النساء، ١٧٦)
. روي أن الله تعالى خلق الأرض فجعلت تمور فقالت الملائكة: ما هي بمقرّ أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال لم تدر الملائكة مم خلقت وقوله تعالى: ﴿وأنهاراً﴾ عطف على رواسي لأنّ الإلقاء بمعنى الخلق والجعل. ألا ترى أنه تعالى قال في آية أخرى: ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها﴾ (فصلت، ١٠)
. وقال تعالى: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾ (طه، ٣٩)
. وذكر تعالى الأنهار بعد الجبال لأن معظم عيون الأنهار وأصولها تكون من الجبال. ﴿و﴾ جعل لكم فيها ﴿سبلاً﴾ أي: طرقاً مختلفة تسلكون فيها في أسفاركم والتردّد في حوائجكم من بلد إلى بلد ومن مكان إلى مكان ﴿لعلكم تهتدون﴾ أي: بتلك السبل إلى مقاصدكم وإلى معرفة الله تعالى فلا تضلون.
﴿و﴾ جعل لكم فيها ﴿علامات﴾ أي: من الجبال وغيرها جمع علامة تهتدون بها في أسفاركم. ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع الدلالات وأوضحها براً وبحراً ليلاً ونهاراً نبه على عظمها بالالتفات إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظنّ أن المخاطب مخصوص والأمر لا يتعدّاه فقال تعالى: ﴿وبالنجم﴾ أي: الجنس ﴿هم﴾ أي: أهل الأرض كلهم وأولى الناس بذلك المخاطبون وهم قريش ثم العرب كلها لفرط معرفتهم بالنجوم. ﴿يهتدون﴾ وقدّم الجارّ تنبيهاً على أن الدلالة بغيره بالنسبة إليه سافلة، وقيل: المراد بالنجم الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي. وقيل: الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم. ولما ذكر من عجائب قدرته وبديع خلقه ما ذكر على الترتيب الأحسن والنظم الأكمل وكانت هذه الأشياء المخلوقة المذكورة في الآيات المتقدّمة كلها دالة على كمال قدرة الله ووحدانيته، وأنه تعالى المنفرد بخلقها جميعها قال على سبيل الإنكار على من ترك عبادته واشتغل بعبادة هذه الأصنام العاجزة التي لا تضرّ ولا تنفع ولا تقدر على شيء.
﴿أفمن يخلق﴾ أي: هذه الأشياء الموجودة وغيرها ﴿كمن لا يخلق﴾ شيئاً من ذلك بل على إيجاد شيء ما فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بعبادة من لا يستحق العبادة وترك عبادة من يستحقها وهو الله تعالى. فإن قيل: ذلك إلزام للذين عبدوا الأوثان وسموها آلهة تشبيهاً بالله فقد جعلوا غير الخالق مثل الخالق فكان حق الإلزام أن يقال: أفمن لا يخلق كمن يخلق؟ أجيب: بأنهم لما جعلوا غير الله مثل الله تعالى في تسميته باسمه والعبادة له وسوّوا بينه وبينه فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهاً بها فانكر عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ . فإن قيل: من لا يخلق إن أريد به جميع ما عبد من دون الله كان ورود من واضحاً لأنّ العاقل يغلب على غيره فيعبر عن الجميع بمن ولو جيء أيضاً بما لجاز وإن أريد به الأصنام فلم جيء بمن الذي هو لأولي العلم؟ أجيب: بأنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى أولي العلم ألا ترى إلى قوله تعالى على أثره: ﴿والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ (النحل، ٢٠)
وإلى قول الشاعر:
*بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي ... فقلت ومثلي بالبكاء جدير
стр. 877
*أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
*وكل قطاة لا تعير جناحها ... تعيش بذل والجناح قصير
فأوقع من على سرب لما عامله معاملة العقلاء، وقيل: للمشاكلة بينه وبين من يخلق، وقيل: المعنى أنّ من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده كقوله تعالى: ﴿ألهم أرجل يمشون بها﴾ (الأعراف، ١٩٥)
يعني أنّ الآلهة حالهم منحطة عن حال من لهم أرجل وأيد وآذان وقلوب، لأن هؤلاء أحياء وهم أموات فكيف تصح لهم العبادة إلا أنها لو صحت لهم هذه الأعضاء لصح أن يعبدوا. ولما كان هذا القدر ظاهراً غير خافٍ على أحد فلا يحتاج فيه إلى تدقيق الفكر والنظر بل مجرّد التذكر فيه كفاية لمن فهم وعقل. ختم تعالى ذلك بقوله تعالى: ﴿أفلا تذكرون﴾ بما تشاهدونه من ذلك ولو من بعض الوجوه فتؤمنون. تنبيه: احتج أهل السنة بهذه الآية على أنّ العبد غير خالق لأفعال نفسه لأنه تعالى ميز نفسه عن الأشياء التي يعبدونها بصفة الخالقية لأنّ الغرض من قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ بيان تميزه عن هذه الأشياء بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والعبودية لكونه تعالى خالقاً وهذا يقتضي أنّ العبد لو كان خالقاً لشيء لوجب كونه إلهاً معبوداً، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أنّ العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد، ولما كانت المقدورات لا تحصى وأكثرها نعم على العباد مذكرة لهم بخالقهم قال ممتناً عليهم بإحسانه من غير سبب منهم.
﴿وإن تعدّوا﴾ كلكم ﴿نعمت الله﴾ أي: إنعام الملك الأعظم الذي لا رب غيره عليكم من صحة البدن وعافية الجسم وإعطاء النظر الصحيح والعقل السليم وبطش اليدين ومشى الرجلين إلى غير ذلك مما أنعم به عليكم وما خلق لكم مما تحتاجون إليه من أمر الدنيا حتى لو رام أحدكم معرفة أدنى نعمة من هذه النعم لعجز عنها وعن معرفتها وحصرها فإن نتبعها يفوت الحصر. ﴿لا تحصوها﴾ أي: لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كثرتها وإعراضكم جملة عن شكرها والعبد وإن أتعب نفسه في القيام بالطاعات والعبادات وبالغ في شكر نعم الله تعالى فإنه يكون مقصراً لأنّ نعم الله كثيرة وأقسامها عظيمة وعقل الخلق قاصر عن الإحاطة بمبادئها فضلاً عن غاياتها لكن الطريق إلى ذلك أن يشكر الله تعالى على جميع نعمه مفصلها ومجملها. ﴿إنّ الله لغفور﴾ أي: لتقصيركم في القيام بشكرها يعني النعمة كما يجب عليكم ﴿رحيم﴾ بكم فوسع عليكم النعم ولم يقطعها عنكم بسبب التقصير والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ فيه وجهان: الأوّل: أنّ الكفار مع كفرهم كانوا ليسرون أشياء وهو ما كانوا يمكرون بالنبيّ ﷺ وما يعلنون، أي: وما يظهرون من أذاه ﷺ فأخبر الله تعالى بأنه عالم بكل أحوالهم سرها وعلانيتها لا يخفى عليه خافية وإن دقت وخفيت. والوجه الثاني: أنه تعالى لما ذكر الأصنام وذكر عجزها في الآية المتقدّمة ذكر في هذه الآية أنّ الإله الذي يستحق العبادة يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات سرها وجهرها وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تستحق العبادة. ثم وصف تعالى هذه الأصنام بصفات الأولى مذكورة في قوله تعالى:
﴿والذين تدعون﴾ أي: تعبدون ﴿من دون الله﴾ أي: الأصنام وتعتقدون
стр. 878
أنها آلهة وقرأ عاصم بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب ﴿لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ أي: يصوّرون من الحجارة وغيرها. فإن قيل: قوله تعالى في الآية المتقدّمة ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ يدلّ على أنّ هذه الأصنام لا تخلق شيئاً وهم يخلقون وهذا هو المعنى المذكور في تلك الآية المذكورة فما فائدة هذا التكرار؟ أجيب: بأنّ فائدته أنّ المعنى المذكور في الآية المتقدّمة أنهم لا يخلقون شيئاً فقط والمذكور في هذه الآية أنهم لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون كغيرهم فكان هذا زيادة في المعنى وهو فائدة التكرار فكأنه تعالى بدأ بشرح نقصهم في ذواتهم وصفاتهم فبين أولاً أنها لا تخلق شيئاً، ثم بيّن ثانياً أنها كما لا تخلق غيرها فهي مخلوقة كغيرها.
الصفة الثانية قوله تعالى: ﴿أموات﴾ أي: جمادات لا روح لها ﴿غير أحياء﴾ إذ الإله الذي يستحق أن يعبد هو الحي الذي لا يموت. فإن قيل: علم من قوله: أموات أنها غير أحياء فما الفائدة في ذكره؟ أجيب: بأنّ من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطف التي ينشئها الله تعالى حيواناً وأجساد الحيوانات التي تبعث بعد موتها وأمّا الحجارة فأموات لا يعقب موتها حياة وذلك أعرق في موتها. وقيل: ذكر للتأكيد لأنّ الكلام مع الكفار الذي يعبدون الأوثان وهم في نهاية الجهالة والضلالة ومن تكلم مع الجاهل الغبي فقد يعبر عن المعنى الواحد بالعبارات الكثيرة وغرضه الإعلام بكون المخاطب في غاية الغباوة في أنه لا يفهم المعنى المقصود بالعبارة الواحدة. الصفة الثالثة قوله تعالى: ﴿وما يشعرون﴾ أي: الأصنام ﴿أيان﴾ أي: وقت ﴿يبعثون﴾ أي: وما تعلم هؤلاء الآلهة متي تبعث الأحياء تهكماً بحالها لأنّ شعور الجماد محال فكيف بشعور ما لا يعلمه حيّ إلا الحيّ القيوم . وقيل: الضمير راجع للأصنام. قال ابن عباس: إنّ الله تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار، وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿والذين تدعون من دون الله﴾ الملائكة وكان ناس من الكفار يعبدونهم فقال الله تعالى: إنهم أموات، أي: لا بد لهم من الموت غير أحياء، أي: باقية حياتهم وما يشعرون، أي: لا علم لهم بوقت بعثهم. ولما زيف طريقة عبدة الأصنام وبيّن فساد مذهبهم قال تعالى:
﴿إلهكم﴾ أي: أيها الخلق جميعاً المعبود بحق ﴿إله﴾ أي: متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أوان وكل زمان وكل مكان ﴿واحد﴾ لا يقبل التعدّد الذي هو مثال النقص بوجه من الوجوه لأنّ التعدّد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم للبعد عن رتبة الإلهية. ﴿فالذين﴾ أي: فتسبب عن هذا أنّ الذين ﴿لا يؤمنون بالآخرة﴾ أي: دار الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة ﴿قلوبهم منكرة﴾ أي: جاحدة للوحدانية ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم بسبب إنكار ذلك ﴿مستكبرون﴾ أي: متكبرون عن الإيمان بها ﴿لا جرم﴾ أي: حقاً ﴿أن الله يعلم﴾ علماً غيبياً وشاهدياً ﴿ما يسرون﴾ أي: ما يخفون مطلقاً أو بالنسبة إلى بعض الناس ﴿وما يعلنون﴾ أي: يظهرون فيجاز يهم ذلك. ولما كان في ذلك معنى التهديد علل ذلك بقوله تعالى: ﴿إنه﴾ أي: العالم بالسر والعلن ﴿لا يحب المستكبرين﴾ أي: على خلقه فما بالك بالمستكبرين على التوحيد واتباع الرسول ﷺ ومعنى عدم محبتهم أنه يعاقبهم.
стр. 879
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. فقال رجل: يا رسول الله، إنّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً؟ قال: إنّ الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمص الناس» ومعنى بطر الحق أنه يستكبر عند سماع الحق فلا يقبله ومعنى غمص الناس استنقاصهم وازدراؤهم. ولما بالغ في دلائل التوحيد وأورد الدلائل القاهرة في إبطال مذاهب عبدة الأصنام قال تعالى عاطفاً على قلوبهم منكرة: ﴿وإذا قيل لهم﴾ أي: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وقوله تعالى: ﴿ما﴾ استفهامية و ﴿ذا﴾ موصولة، أي: ما الذي ﴿أنزل ربكم﴾ على محمد ﷺ واختلف في قائل هذا القول فقيل: كلام بعضهم لبعض، وقيل: قول المسلمين لهم، وقيل: قول المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة ينفرون عن رسول الله ﷺ إذا سألهم وفود الحاج عما أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ ﴿قالوا﴾ مكابرين في إنزال القرآن هو ﴿أساطير﴾ أي: آكاذيب ﴿الأوّلين﴾ مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضتهم أقصر سورة منه مع علمهم بأنهم أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدّم أو متأخر قول إلا قالوا أبلغ منه. فإن قيل: هذا كلام متناقض لأنه لا يكون منزلاً من ربهم وأساطير؟ أجيب: بأنهم قالوه على سبيل السخرية كقوله: ﴿إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ (الشعراء، ٢٧)
واللام في قوله تعالى: ﴿ليحملوا﴾ لام العاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزناً﴾ (القصص، ٨٠)
وذلك لما وصفوا القرآن بكونه أساطير الأوّلين كان عاقبتهم بذلك أن يحملوا ﴿أوزارهم﴾ أي: ذنوب أنفسهم وإنما قال تعالى: ﴿كاملة﴾ لئلا يتوهم أنه يكفر عنهم شيء بسبب البلايا التي أصابتهم في الدنيا وأعمال البرّ التي عملوها في الدنيا بل يعاقبون بكل أوزارهم ﴿يوم القيامة﴾ الذي لا شك فيه ولا محيص عن إتيانه. قال الرازي: وهذا يدل على أنه تعالى قد يسقط بعض العقاب عن المؤمنين إذ لو كان هذا المعنى حاصلاً في حق الكل لم يكن لتخصيص هؤلاء الكفار بهذا التكميل فائدة ﴿و﴾ ليحملوا أيضاً ﴿من﴾ جنس ﴿أوزار﴾ الجهلة الضعفاء ﴿الذين يضلونهم﴾ وقوله تعالى: ﴿بغير علم﴾ حال من مفعول يضلونهم، أي: يضلون من يعلم أنهم ضلال أو من الفاعل وإنما وصف بالضلال واحتمال الوزر من أضلوه وإن لم يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل وإنما حصل للرؤوساء الذين أضلوا غيرهم وصدّوهم عن الإيمان مثل أوزار الأتباع لأنهم دعوهم إلى الضلال فاتبعوهم فاشتركوا في الإثم وعن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» أخرجه مسلم. ومعنى الآية والحديث أنّ الرئيس والكبير إذا سنّ سنة حسنة أو سيئة قبيحة فتبعه عليها جماعة فعملوا بها فإن الله تعالى يعطيهم ثوابه وعقابه حتى يكون ذلك الثواب والعقاب مساوياً لكل ما يستحقه كل واحد من الأتباع الذين عملوا بالسنة الحسنة أو القبيحة، وليس المراد بأن الله يوصل جميع الثواب أو العقاب الذي يستحقه
стр. 880
الأتباع إلى الرؤوساء ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الأنعام، ١٦٤)
. وقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (النجم، ٣٩)
. تنبيه: قال الواحدي: لفظة من في قوله تعالى: ﴿ومن أوزار﴾ ليست للتبعيض لأنها لو كانت كذلك لنقص عن الأتباع بعض الأوزار وقد قال ﷺ «لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» لكنها للجنس كما قدّرت ذلك في الآية الكريمة، أي: ليحملوا من جنس أوزار الأتباع. وقيل: إنها للتبعيض وجرى عليه البيضاوي تبعاً للزمخشري. ﴿ألا ساء﴾ أي: بئس ﴿ما يزرون﴾ أي: يحملون حملهم هذا وفي هذا وعيد وتهديد لهم. فإن قيل: إنّ الله تعالى حكى هذه الشبهة عن القوم ولم يجب عنها بل اقتصر على محض الوعيد فما السبب في ذلك؟ أجيب: بأنّ السبب فيه أنه تعالى بيّن كون القرآن معجزاً بطريقين: الأوّل: أنه ﷺ تحداهم أولاً بكل القرآن وثانياً بعشر سور وثالثاً بسورة فعجزواعن المعارضة وذلك يدل على كونه معجزاً الثاني: أنه تعالى حكى هذه الشبهة بعينها في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً﴾ (الفرقان، ٥٠)
وأبطلها بقوله تعالى: ﴿قل أنزله الذي يعلم السرّ في السموات والأرض﴾ (الفرقان، ٦)
. ومعناه أنّ القرآن يشتمل على الإخبار بالغيوب، وذلك لا يتأتى إلا ممن يكون عالماً بأسرار السموات والأرض. ولما ثبت كون القرآن معجزاً بهذين الطريقين وتكرّر شرح هذين الطريقين مراراً كثيرة لا جرم اقتصر في هذه الآية على مجرّد الوعيد ولم يذكر ما يجري مجرى الجواب عن هذه الشبهة ثم إنه بالغ في وصف وعيد هؤلاء الكفار بقوله تعالى:
أي: ممن رأوا آثارهم في ديارهم ﴿فأتى الله﴾ أي: أمره ﴿بنيانهم من القواعد﴾ أي: من جهة العمد التي بنوا عليها مكرهم ﴿فخرّ﴾ أي: سقط ﴿عليهم السقف من فوقهم﴾ وصار سبب هلاكهم وقرأ أبو عمرو في الوصل بكسر الهاء والميم وحمزة والكسائي بضم الهاء والميم. والباقون بكسر الهاء وضم الميم. وأمّا الوقف فحمزة بضم الهاء على أصله والباقون بالكسر. ﴿وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ أي: من جهة لا تخطر ببالهم وهذا على سبيل التمثيل، أي: التشبيه والتخييل لإفساد ما أبرموه من المكر بالرسل فجعل الله هلاكهم فيما أبرموه كحال قوم بنوا بنياناً وعمدوه بالأساطين فأتى البنيان من الأساطين بأن تضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا نحوه من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً، وقيل: هو نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء قال ابن عباس: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع. وقال كعب: كان طوله فرسخين فأهب الله تعالى الريح فألقت رأسه في البحر وخرّ عليهم الباقي وهم تحته قال البغوي: ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس يومئذ من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية فذلك قوله تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ أي: أتى أمره فخرب بنيانهم من أصلها فخرّ عليه وعلى قومه السقف، أي: أعلى البيوت من فوقهم فهلكوا. تنبيه: قال ابن الخازن في قول البغوي: وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية نظر لأنّ صالحاً ﵇ كان قبلهم وكان يتكلم بالعربية وكان أهل اليمن عرباً منهم جرهم الذين نشأ إسماعيل بينهم وتعلم منهم العربية وكان ببابل من العرب طائفة
стр. 881
قديمة قبل إبراهيم ﵇ انتهى. وقد يقال: إنه كان لسان أكثر الناس بالسريانية فلا ينافي ذلك. فإن قيل: ما فائدة قوله تعالى: ﴿فخرّ عليهم السقف من فوقهم﴾ والسقف من فوقهم؟ أجيب: بأنهم قد لا يكونون تحته فلما قال تعالى: ﴿فخرّ عليهم السقف من فوقهم﴾ دل
على أنهم كانوا تحته وحينئذٍ يفيد هذا الكلام بأنّ الأبنية قد تهدّمت وهم ماتوا تحتها. ولما ذكر الله تعالى حال أصحاب المكر في الدنيا ذكر حالهم في الآخرة بقوله :
﴿
ثم يوم القيامة يخزيهم﴾ أي: يذلهم ويهينهم بعذاب النار ﴿ويقول﴾ لهم الله تعالى على لسان الملائكة توبيخاً: ﴿أين شركائي﴾ أي: في زعمكم واعتقادكم ﴿الذين كنتم تشاقون﴾ أي: تخالفون المؤمنين ﴿فيهم﴾ أي: في شأنهم وقرأ نافع بكسر النون والباقون بفتحها ﴿قال﴾ أي: يقول ﴿الذين أوتوا العلم﴾ أي: من الأنبياء والمؤمنين وقال ابن عباس: يريد الملائكة ﴿إنّ الخزي﴾ أي: البلاء المذل ﴿اليوم﴾ أي: يوم الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة ﴿والسوء﴾ أي: كل ما يسوء ﴿على الكافرين﴾ أي: الغريقين في الكفر الذين تكبروا في غير موضع التكبر، وفائدة قولهم إظهار الشماتة، وزيادة الإهانة، وحكايته لتكون لطفاً لمن سمعه. تنبيه: في الآية دلالة على أن ماهية الخزي وماهية السوء في يوم القيامة مختصة بالكافرين وهذا ينفي حصول هذه الماهية في حق غيرهم ويؤكد هذا قول موسى ﵇: ﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى﴾ (طه، ٤٨)
ثم إنه تعالى وصف عذاب هؤلاء الكافرين من وجه آخر فقال : ﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ أي: يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه ﵈. وقرأ حمزة في هذه الآية وفي الآية الآتية بالياء في الموضعين على التذكير لأن الملائكة ذكور والباقون بالتاء على التأنيث لأن لفظ الجمع مؤنث. ﴿ظالمي أنفسهم﴾ أي: بأن عرضوها للعذاب المخلد بكفرهم ﴿فالقوا السلم﴾ أي: استسلموا وانقادوا حين عاينوا الموت قائلين: ﴿ماكنا نعمل من سوء﴾ أي: شرك وعدوان فتقول لهم الملائكة: ﴿بلى﴾ أي: بل كنتم تعملون أعظم السوء ثم علل تكذيبهم بقوله تعالى: ﴿إنّ الله عليم بما كنتم تعملون﴾ أي: فلا فائدة لكم في إنكاركم فيجازيكم به.
ولمّا كان هذا الفعل مع العلم سبباً لدخول جهنم قال تعالى: ﴿فادخلوا﴾ أي: أيها الكفرة ﴿أبواب جهنم﴾ أي: أبواب طبقاتها ودركاتها ﴿خالدين﴾ أي: مقدّرين الخلود ﴿فيها﴾ أي: جهنم لا يخرجون منها وإنما قال تعالى ذلك لهم ليكون أعظم في الخزي والغم وفي ذلك دليل على أنّ الكفار بعضهم أشدّ عذاباً من بعض ثم قال تعالى: ﴿فلبئس مثوى﴾ أي: مأوى ﴿المتكبرين﴾ عن قبول التوحيد وسائر ما آتت به الرسل. ولمّا بيّن تعالى أحوال المكذبين ذكر أحوال الصدّيقين بقوله تعالى:
﴿وقيل للذين اتقوا﴾ أي: خافوا عقاب الله ﴿ماذا﴾ أي: أيّ شيء ﴿أنزل ربكم قالوا خيراً﴾ أي: أنزل خيراً وذلك أنّ أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبيّ ﷺ فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه فيقولون: ساحر شاعر كذاب مجنون ولو لم تلقه خيرلك فيقول السائل: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وألقاه فيدخل مكة فيرى أصحاب النبيّ ﷺ فيخبرونه بصدقه، وأنه نبيّ مبعوث
стр. 882
من الله تعالى فذلك قوله تعالى: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم﴾ الآية فإن قيل: لم رفع الأول وهو قولهم أساطير الأوّلين ونصب الثاني وهو قولهم خيراً أجيب: بأنه ذكر ذلك للفصل بين جواب المقرّ وجواب الجاحد، وذلك أنهم لمّا سألوا الكفار عن المنزل على النبي ﷺ عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا أساطير الأولين وليس هو من الإنزال في شيء لأنهم لم يعتقدوا كونه منزلاً. ولمّا سألوا المؤمنين عن المنزل على النبيّ ﷺ لم يتلعثموا، وطابقوا الجواب عن السؤال بيناً مكشوفاً مفعولاً للإنزال، فقالوا: ﴿خيراً﴾ أي: أنزل خيراً، وتمّ الكلام عند قوله ﴿خيراً﴾ فهو وقف تامّ، ثم ابتدأ بقوله تعالى:
﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة﴾ أي: حياة طيّبة أو أنّ للذين أتوا بالأعمال الصالحات الحسنة لهم ثوابها حسنة مضاعفة من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة، أو أنه تعالى بيّن أنّ اعترافهم بذلك الإحسان في هذه الدنيا حسنة أي: جزاء لهم على إحسانهم ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ (الرخمن، ٦٠)
ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال أخبر عن حالهم في الآخرة فقال: ﴿ولدار الآخرة﴾ أي: الجنة ﴿خير﴾ أي: ما أعدّ الله لهم في الجنة خير مما حصل لهم في الدنيا، ثم مدحها ومدحهم بقوله تعالى: ﴿ولنعم دار المتقين﴾ أي: دار الآخرة، فحذف لتقدّم ذكرها وقال الحسن: هي الدنيا لأنّ أهل التقوى يتزوّدون فيها للآخرة.
وقوله تعالى: ﴿جنات﴾ أي: بساتين ﴿عدن﴾ أي: إقامة خبر مبتدأ محذوف ويصح أن يكون المخصوص بالمدح ﴿يدخلونها﴾ أي: تلك الجنات حالة كونها ﴿تجري من تحتها﴾ أي: من تحت غرفها ﴿الأنهار﴾ ثم كأنّ سائلاً سأل عما فيها من الثمار وغيرها. فأجيب بأنّ ﴿لهم فيها ما يشاؤون﴾ أي: ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، مع زيادات غير ذلك، فهذه الآية تدل على حصول كل الخيرات والسعادات فهي أبلغ من قوله تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ (الزخرف، ٧١)
لأن هذين القسمين داخلان في قوله تعالى: ﴿لهم فيها ما يشاؤون﴾ مع أقسام أخرى وعلى أنّ الإنسان لا يجد كل ما يريده في الدنيا، لأنّ قوله: ﴿لهم فيها ما يشاؤون﴾ يفيد الحصر ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا الجزاء العظيم ﴿يجزي الله﴾ أي: الذي له الكمال كله ﴿المتقين﴾ أي: الراسخين في صفة التقوى، ثم حث تعالى على ملازمة التقوى بالتنبيه على أنّ العبرة بحال الموت فقال:
﴿الذين تتوفاهم الملائكة﴾ أي: تقبض أرواحهم وقوله تعالى: ﴿طيبين﴾ كلمة مختصرة جامعة للمعاني الكثيرة وذلك لأنه يدخل فيه إتيانهم بكل ما أمروا به واجتنابهم عن كل ما نهوا عنه، ويدخل فيه كونهم موصوفين بالأخلاق الفاضلة، مبّرئين عن الأخلاق المذمومة، ويدخل فيه كونهم مبرّئين عن العلائق الجسمانية، متوجهين إلى حضرة القدس، ويدخل فيه أنه طاب لهم قبض الأرواح، وأنها لم تقبض إلامع البشارة بالجنة، حتى صاروا كأنهم مشاهدون لها، ومن هذا حاله لا يتألم بالموت، وأكثر المفسرين على أنّ هذا التوفي هو قبض الأرواح كما مرّ، وإن كان الحسن يقول: إنه وفاة الحشر. واستدل بقوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة﴾ لأنه لا يقال عند قبض الأرواح في الدنيا، ادخلوا الجنة. وأجاب الأكثرون بما سيأتي وأدغم أبو عمرو التاء في الطاء بخلاف عنه. ثم بيّن تعالى أنّ الملائكة ﴿يقولون﴾ لهم عند الموت ﴿سلام عليكم﴾ فتسلم عليهم أوتبلغهم السلام
стр. 883
من الله تعالى، كما روي أنّ العبد المؤمن إذا أشرف على الموت جاءه ملك فقال: السلام عليك يا ولي الله، الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة، ويقال لهم في الآخرة هذا جواب الأكثرين ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ أو إنهم لمّا بشروهم بالجنة صارت الجنة كأنها دارهم، وكأنهم فيها فيكون المراد بقولهم: ادخلوا الجنة، أي: هي خاصة لكم كأنكم فيها. ولما طعن الكفار في القرآن بقولهم: ﴿أساطير الأوّلين﴾ وذكر أنواع التهديد والوعيد ثم أتبعه بذكر الوعد لمن وصف القرآن بكونه خيراً، عاد إلى بيان أنّ أولئك الكفار لا ينزجرون عن كفرهم وأقوالهم الباطلة إلا إذا جاءتهم الملائكة، وأتاهم أمر ربك فقال تعالى:
﴿هل ينظرون إلاأن تأتيهم الملائكة﴾ لقبض أرواحهم. وقرأ حمزة والكسائي بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث وتقدّم توجيه ذلك ﴿أو يأتي أمر ربك﴾ أي: يوم القيامة وقيل: العذاب. وقيل: إنهم طلبوا من النبيّ ﷺ أن ينزل الله تعالى ملكاً من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوّة فقال تعالى: ﴿هل ينظرون﴾ في التصديق بنبوّتك إلا أن تأتيهم الملائكة شاهدين بذلك. وعلى كلا التقديرين، فقد قال تعالى: ﴿كذلك﴾ أي: مثل ما ﴿فعل﴾ هؤلاء هذا الفعل البعيد الشنيع فعل ﴿الذين من قبلهم﴾ من الأمم السالفة، كذبوا رسلهم فأهلكوا ﴿وما ظلمهم الله﴾ باهلاكهم بغير ذنب. ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ بكفرهم وتكذيبهم للرسل فاستوجبوا ما نزل بهم ﴿فأصابهم﴾ أي: فتسب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم ﴿سيئات﴾ أي: عقوبات أو جزاء سيئات ﴿ما عملوا وحاق﴾ أي: نزل ﴿بهم ما كانوا به يستهزؤون﴾ تكبراً عن قبول الحق فحاق بهم جزاؤه، والحيق لا يستعمل إلا في الشر. وقرأ حاق حمزة بالإمالة والباقون بالفتح.
﴿وقال الذين أشركوا﴾ للنبيّ ﷺ استهزاء ومنعاً للبعثة والتكليف ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا﴾ لأنهم اعتقدوا أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثة الرسل وهو اعتقاد باطل، فلذلك استحقوا عليه الذم والوعيد ثم قالوا لهم: ﴿ولا حرّمنا من دونه من شيء﴾ أي: من السوائب والبحائر والحامي فهو راض به وبمشيئته وحينئذ فلا فائدة في مجيئك وفي إرسالك وهذا عين ما حكاه الله تعالى عنهم في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله﴾ (الأنعام، ١٤٨)
الآية. قال الله تعالى: ﴿كذلك فعل الذين من قبلهم﴾ أي: من تقدّم هؤلاء من الكفار من الأمم الماضية كانوا على هذه الطريقة، وهذا الفعل الخبيث فإنكار بعثة الرسل كان قديماً في الأمم الخالية ففي ذلك تسلية للنبيّ ﷺ وكذا في قوله تعالى: ﴿فهل على الرسل إلا البلاغ﴾ أي: الإبلاغ. ﴿المبين﴾ أي: البين فليس عليهم هداية أحد إنما عليهم تبليغ ما أرسلوا به إلى من أرسلوا إليه.
ثم بين تعالى أنّ البعثة أمر جرت به السنة الإلهية في الأمم كلها سبباً لهدى من أراد اهتداءه، وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه ويضرّ المزاج المنحرف ويفنيه بقوله تعالى: ﴿ولقد﴾ أي: والله لقد ﴿بعثنا﴾ أي: بما لنا من العظمة التي من اعترض عليها قصم. ﴿في كل أمّة﴾ من الأمم الذين من قبلكم ﴿رسولاً﴾ أي: كما بعثنا فيكم محمداً ﷺ رسولاً. ﴿أن اعبدوا الله﴾ أي: الملك
стр. 884
الأعلى وحده. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر النون في الوصل والباقون بالضم. ﴿واجتنبوا الطاغوت﴾ أي: الأوثان أن تعبدوها ﴿فمنهم من هدى الله﴾ أي: وفقهم للإيمان بإرشاده ﴿ومنهم من حقت﴾ أي: وجبت ﴿عليه الضلالة﴾ أي: في علم الله تعالى فلم ينفعهم ولم يرد هداهم. تنبيه: في هذه الآية أبين دليل على أنّ الهادي والمضل هو الله تعالى لأنه المتصرف في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا اعتراض عليه فيما حكم به لسابق علمه، ثم التفت إلى مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا الدليل المحسوس للبصر فقال تعالى: ﴿فسيروا﴾ أي: فإن كنتم أيها المخاطبون في شك من أخبار الرسل فسيروا ﴿في الأرض﴾ أي: جنسها ﴿فانظروا﴾ أي: إذا سرتم ومررتم بديار المكذبين وآثارهم، ثم أشار تعالى بالاستفهام إلى أن أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال: ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي: آخر أمر ﴿المكذبين﴾ أي: من عاد ومن
بعدهم من الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفر من أسلافكم لعلكم تعتبرون. ولما كان من المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال إلى الأمر المحسوس إلا العناد أعرض عنهم ملتفتاً إلى الرؤوف بهم الشفيق عليهم محمد ﷺ فقال مسلياً له:
﴿إن تحرص على هداهم﴾ فتطلبه بغاية جدّك واجتهادك وقد أضلهم الله تعالى لا تقدر على ذلك ثم قال تعالى: ﴿فإنّ الله لا يهدي من يضلّ﴾ أي: من يرد ضلاله وهو معين لمن حقت عليه الضلالة. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الدال، والباقون بضم الياء وفتح الدال على البناء المفعول. قال البيضاوي: وهو أبلغ. ثم قال تعالى: ﴿وما لهم﴾ أي: هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله ﴿من ناصرين﴾ أي: وليس لهم أحد ينصرهم في الدنيا والآخرة عند مجازاتهم على الضلالة لينقذوهم مما يلحقهم عليه من الوبال كما فعل بالمكذبين ممن قبلهم.
ثم حكى الله عن هؤلاء القوم أنهم ينكرون الحشر والنشر بقوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ أي: غاية اجتهادهم فيها ﴿لا يبعث الله من يموت﴾ وذلك أنهم قالوا: إنّ الإنسان ليس هو إلا هذه البنية المخصوصة فإذا مات وتفرّقت أجزاؤه وبلى امتنع عوده بعينه؛ لأنّ الشيء إذا عدم فقد فني، ولم يبق له ذات ولا حقيقة بعد فنائه وعدمه، فكذبهم الله تعالى في قولهم بقوله تعالى: ﴿بلى﴾ أي: يبعثهم بعد الموت فإنّ لفظة بلى إثبات لما بعد النفي والجواب عن شبهتهم أنّ الله تعالى خلق الإنسان وأوجده من العدم، ولم يكن شيئاً فالذي أوجده ولم يكن شيئاً قادر على إيجاده بعد إعدامه لأنّ النشأة الثانية أهون من الأولى، وقوله تعالى: ﴿وعداً عليه حقاً﴾ مصدران مؤكدان منصوبان بفعلهما المقدّر، أي: وعد ذلك وعداً وحقه حقاً.
﴿ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون﴾ ذلك، أي: لا علم لهم يوصلهم لذلك لأنه من عالم الغيب، لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد من الله تعالى ولا هم يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم الله بروح منه لتقيدهم بما يوصل إلى عقولهم أنها قاصرة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي منه إلى عالم الغيب بغير واسطة منه ، فلذلك ترى الإنسان منهم يأبى ذلك استبعاداً وهو خصيم مبين.
وقوله تعالى: ﴿ليبين لهم الذي
стр. 885
يختلفون فيه﴾ يتعلق بما دل عليه بلى، أي: يبعثهم ليبين لهم والضمير لمن يموت وهو عامّ للمؤمنين والكافرين والذي اختلفوا فيه هو الحق. ﴿وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾ في قولهم: ﴿لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء﴾ وقولهم: ﴿لا يبعث الله من يموت﴾ وقيل: يجوز أن يتعلق بقوله: ﴿ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً﴾ أي: بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه، وأنهم كانوا على الضلالة قبله مفترين على الله الكذب ثم بين تيسر الإعادة بقوله تعالى:
﴿إنما قولنا﴾ أي: بما لنا من العظمة والقدرة ﴿لشيء﴾ إبداء وإعادة ﴿إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ أي: يتسبب عن ذلك القول أنه يكون. تنبيه: قوله تعالى: ﴿قولنا﴾ مبتدأ و ﴿أن نقول﴾ خبره. فيكون وكن من كان التامة التي بمعنى الحدوث والوجود،، أي: إذا أردنا حدوث شيء فليس إلا أن نقول له: أحدث فيحدث عقب ذلك من غير توقف. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿كن﴾ إن كان خطاباً مع المعدوم فهو محال وإن كان خطاباً مع الموجود فكان أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال؟ أجيب: بأنّ هذا تمثيل لنفي الكلام والغايات وخطاب مع الخلق بما يعقلون ليس هو خطاب المعدوم لأنّ ما أراد فهو كائن على كل حال وعلى ما أراده من الإسراع ولو أراد تعالى خلق الدنيا والآخرة بما فيها من السموات والأرض في قدر لمح البصر لقدر على ذلك، ولكن خاطب تعالى العباد بما يعقلون، وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ «يقول الله ﵎: يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له. أمّا شتمه إياي فيقول: إنّ لي ولداً. وأمّا تكذيبه فيقول: ليس يعيدني كما بدأني» . حديث وفي رواية: «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني، وليس أوّل الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأمّا شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً. وأنا الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحدٍ» . وقرأ ابن عامر والكسائي بفتح النون من يكون عطفاً على يقول أو جواباً للأمر والباقون بالرفع. ولما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم على إنكار البعث والقيامة دل ذلك على أنهم تمادوا في الغي والجهالة والجهل والضلال، وفي مثل هذه الحالة لا يبعد إقدامهم على إيذاء المسلمين وإنزال العقوبة بهم، وحينئذٍ يلزم على المؤمنين أن يهاجروا من تلك الديار والمساكن فبيّن تعالى حكم تلك الهجرة، وما لهؤلاء
المهاجرين من الحسنة في الدنيا والآخرة بقوله تعالى:
стр. 886
وقوله تعالى: ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات﴾ فيه إضمار تقديره المكرات السيئات وهم كفار قريش مكروا بالنبيّ ﷺ وأصحابه وبالقرآن في أذيتهم والمكر عبارة عن السعي بالفساد على سبيل الإخفاء ثم إنه تعالى ذكر في تهديدهم أربعة أمور الأوّل قوله تعالى: ﴿أن يخسف الله بهم الأرض﴾ كما خسف بقارون وأصحابه فإذا هم في بطنها لا يقدرون على نوع تقلب بمتابعة ولا غيرها. الثاني قوله تعالى: ﴿أو يأتيهم العذاب﴾ على غير تلك الحال ﴿من حيث لا يشعرون﴾ به فيأتيهم بغتة فيهلكهم كما فعل بقوم لوط ﵇. الثالث: قوله تعالى: ﴿أو يأخذهم﴾ أي: الله بعذابه ﴿في﴾ حالة ﴿تقلبهم﴾ ومشاعرهم حاضرة وقواهم مستجمعة وفي تفسير هذا التقلب وجوه أوّلها: أنه تعالى يأخذهم بالعقوبة في أسفارهم فإنه تعالى قادر على إهلاكهم في السفر كما أنه قادر على إهلاكهم في الحضر. ﴿فما هم بمعجزين﴾ أي: بفائتين العذاب بسبب ضربهم في البلاد البعيدة بل يدركهم الله تعالى حيث كانوا. ثانيها: أنه تعالى يأخذهم بالليل والنهار وفي حال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم. وثالثها: أنّ الله تعالى يأخذهم في حال ما يتقلبون في قضايا أفكارهم فيحول الله بينهم وبين إتمام تلك الحيل وحمل لفظ التقلب على هذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ (التوبة، ٤٨)
فإنهم إذا قلبوها فقد تقلبوا فيها.
الأمر الرابع: قوله تعالى:
﴿أو يأخذهم على تخوّف﴾ وفي تفسير التخوّف قولان؛ الأوّل: التخوّف تفعل من الخوف يقال: خفت الشيء وتخوّفته، والمعنى: أنه تعالى لا يأخذهم بالعذاب أوّلاً بل يخيفهم أوّلاً ثم يعذبهم بعده، وتلك الإخافة هو أنه تعالى يهلك قرية فتخاف التي تليها فيأتيهم العذاب. والثاني: التخوّف بمعنى التنقص، أي: أنه تعالى ينقص شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوّفه إذا تنقصه. وروي أنّ عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر: ما تقولون في هذه الآية؟ فسكتوا. فقال شيخ من هذيل: هذه لغتنا التخوّف التنقص. فقال عمر: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير:
تخوّف، أي: تنقص ـ الرحل، أي: رحل ناقته ـ منها تامكاً، أي: سناماً ـ قردا،
стр. 887
أي: متراكماً أو مرتفعاً وهو بسكون الراء ـ كما تخوّف عود النبعة السفن
والنبعة بالضم واحدة النبع وهو شجر يتخذ منه السفن والسفن بفتح السين والفاء ما ينحت به الشيء وهو فاعل تخوّف ومفعوله عود. فقال عمر: عليكم بديوانكم. قالوا: وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم. ومعنى البيت أنّ رحل ناقته ينقص سنامها المتراكم أو المرتفع كما ينقص السفن عود النبعة. ﴿فإنّ ربكم﴾ أي: المحسن إليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد وقوله تعالى: ﴿لرؤوف﴾ قرأه أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بقصر الهمزة والباقون بالمدّ ومعناه بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة وكذا من قاطعه أتم مقاطعة وإليه أشار بقوله تعالى: ﴿رحيم﴾ أي: حيث لم يعاجلهم بالعذاب. ولما خوّف المشركين بالأنواع الأربعة المذكورة من العذاب أردفه بذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وتدبير أحوال الأرواح والأجسام ليظهر لهم أنه مع كمال هذه القدرة الباهرة والقوّة الغير المتناهية لا يعجز عن إيصال العذاب إليهم على أحد تلك الأجسام الأربعة بقوله تعالى:
﴿أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء﴾ أي: من الأجرام التي لها ظل كشجر وجبل ﴿تتفيؤ﴾ أي: تتميل ﴿ظلاله عن اليمين والشمائل﴾ جمع شمال، أي: عن جانبي كل واحد منهما وشقيه. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب على نسق ما قبله والباقون بالياء على الغيبة إلى ما خلق استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء، أي: ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له. وقال قتادة والضحاك: أمّا اليمين فأوّل النهار وأمّا الشمائل فآخره لأنّ الشمس وقت طلوعها إلى وقت انتهائها إلى وسط الفلك تقع الظلال إلى الجانب الغربي فإذا انحدرت الشمس من وسط الفلك إلى الجانب الغربي وقعت الظلال في الجانب الشرقي والظلال في أوّل النهار تبتدئ من يمين الفلك على الربع الغربي من الأرض ومن وقت انحدار الشمس من وسط الفلك تبتدئ من شمال الفلك واقعة على الربع الشرقي من الأرض. فإن قيل: ما السبب في ذكر اليمين بلفظ الواحد والشمائل بصيغة الجمع؟ أجيب: بأشياء الأوّل: أنه وحّد اليمين والمراد الجمع ولكنه اقتصر على الواحد كقوله تعالى: ﴿ويولون الدبر﴾ (القمر، ٤٥)
الثاني: قال الفرّاء: كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلال وإذا جمع ذهب إلى كلها وذلك لأنّ قوله: ﴿إلى ما خلق الله من شيء﴾ لفظه واحد ومعناه الجمع على ما مرّ فيحتمل كلا الأمرين. الثالث: أنّ العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن أحدهما بلفظ الواحد كقوله تعالى: ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (الأنعام، ١)
. وقوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ (البقرة، ٧)
. تنبيه: الهمزة للاستفهام وهو استفهام إنكار، أي: قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيه ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه وما موصولة مبهمة بمعنى الذي ومن شيء بيان لها. فإن قيل: كيف بين الموصول وهو مبهم بشيء وهو مبهم بل أبهم مما قبله؟ أجيب: بأن شيئاً قد اتضح وظهر بوصفه بالجملة بعده وهو تتفيؤ ظلاله وقيل: الجملة بيان لما. وقوله تعالى: ﴿سجداً لله﴾ حال من الظلال جمع ساجد كشاهد وشهد، وراكع وركع. واختلف في المراد من السجود على قولين أحدهما: أنّ المراد منه
стр. 888
الاستسلام والانقياد يقال: سجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب وسجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل ويقال: اسجد للقرد في زمانه، أي: اخضع له وقال الشاعر:
* ترى الأكم فيها سجداً للحوافر
أي متواضعة. والثاني: أنّ هذه الظلال واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد فلما كانت الظلال يشبه شكلها شكل الساجدين أطلق الله تعالى عليها هذا اللفظ وكان الحسن يقول: أما ظلك فيسجد لربك وأمّا أنت فلا تسجد لربك بئسما صنعت. وعن مجاهد ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي. وقيل: ظل كل شيء يسجد لله سواء أكان ذلك الشيء ساجداً أم لا. قال الرازي: والأوّل أقرب إلى الحقائق العقلية والثاني أقرب إلى الشبهات الظاهرة. وقوله تعالى: ﴿وهم داخرون﴾ أي: صاغرون حال أيضاً من الظلال فينتصب عنه حالان وقيل: حال من الضمير المستتر في سجداً فهي حال متداخلة. فإن قيل: الظلال ليست من العقلاء فكيف جاز جمعها بالواو والنون؟ أجيب: أنه تعالى لما وصفها بالطاعة والدخور أشبهت العقلاء أو أن في جملة ذلك من يعقل فغلب. ولما حكم على الظلال بما يعم أصحابها من جماد وحيوان وكان الحيوان أشرف من الجماد رقي الحكم إليه بخصوصه، فقال:
﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض﴾ وقوله تعالى: ﴿من دابة﴾ يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً على أنّ في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما تدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض ويراد بما في السموات الملائكة وكرّر ذكرهم بقوله تعالى: ﴿والملائكة﴾ خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهنّ وبقوله تعالى: ﴿والملائكة﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم. فإن قيل: سجود المكلفين مما انتظمه هذا الكلام خلاف سجود غيرهم فكيف عبر عن النوعين بلفظ واحد؟ أجيب: بأنّ المراد بسجود المكلفين طاعتهم وعبادتهم وبسجود غيرهم انقياده لإرادة الله تعالى وأنه غير ممتنع عليه وكلا السجودين يجمعهما معنى الانقياد فلم يختلفا فلذلك جاز أن يعبر عنهما بلفظ واحد. فإن قيل: هلا جيء بمن دون ما تغليباً للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ أجيب: بأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب فكان متناولاً للعقلاء خاصة فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة للعموم. ﴿وهم﴾ أي: الملائكة ﴿لا يستكبرون﴾ عن عبادته ثم علل تخصيصهم بقوله تعالى دلالة على أنهم كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء.
﴿يخافون ربهم﴾ أي: الموجد لهم المدبر لأمورهم المحسن إليهم خوفاً مبتدأ ﴿من فوقهم﴾ إشارة إلى علو الخوف عليهم وغلبته لهم، أو أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ (الأنعام، ١٨)
. وقوله تعالى: ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾ (الأعراف، ١٢٧)
والجملة حال من الضمير في لا يستكبرون، أو بيان له أو تقرير لأنّ من خاف الله لا يستكبر عن عبادته. ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ أي: من الطاعة والتدبير وفي ذلك دليل على أنّ الملائكة مكلفون مدارون على الأمر والنهي والوعد والوعيد كسائر المكلفين وأنهم بين الخوف والرجاء، كما مرّت الإشارة إليه وأنهم معصومون من الذنوب لأنّ قوله تعالى: ﴿وهم لا يستكبرون﴾ يدل
стр. 889
على أنهم منقادون لخالقهم وأنهم ما خالفوا في أمر من الأمور كما قال تعالى: ﴿لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون﴾ (الأنبياء، ٢٧)
. ولما بيّن تعالى أنّ كل ما سوى الله تعالى سواء أكان من عالم الأرواح أم من عالم الأجساد فهو منقاد خاضع لجلال الله تعالى وكبريائه أتبعه بالنهي عن الشرك وبالأمر بأنّ كل ما سواه فهو ملكه وأنه غني عن الكل بقوله تعالى: ﴿وقال الله﴾ فعبّر لأجل تعظيم المقام بالاسم الأعظم الخاص ﴿لا تتخذوا﴾ أي: لا تكلفوا فطرتكم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أنّ الإله واحد أن تأخذ في اعتقادها ﴿إلهين اثنين﴾ . فإن قيل: إنما جمعوا بين العدد والمعدود فيما وراء الواحد والاثنين، فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة لأنّ المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص. فأمّا رجل ورجلان وفرس وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد فلا حاجة إلى أن يقال رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله تعالى: ﴿إلهين اثنين﴾ ؟ أجيب: بأجوبة أوّلها: قال الرازي: وهو الأقرب عندي أنّ الشيء إذا كان مستنكراً مستقبحاً فمن أراد المبالغة في التنفير عنه عبر عنه بعبارات كثيرة ليصير توالي تلك العبارات سبباً لوقوف العقل على ما فيه من القبح والقول بوجود إلهين مستقبح في العقول فإن أحداً من العقلاء لم يقل بوجود إلهين متساويين في الوجود والقدم وصفات الكمال فالمقصود من تكرار اثنين تأكيد التنفير عنه وتوقيف العقل على ما فيه من القبح. الثاني: أنّ قوله تعالى: ﴿إلهين﴾ لفظ واحد يدل على أمرين ثبوت الإله وثبوت التعدّد فإذا قيل: لا تتخذوا إلهين لم يعرف من هذا اللفظ أن النهي وقع عن إثبات الإلهين أو عن اثبات التعدّد أو عن مجموعهما فلما قال: لا تتخذوا إلهين اثنين ظهر أنّ قوله لا تتخذوا نهي عن إثبات التعدّد فقط. الثالث: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: لا تتخذوا اثنين إلهين. الرابع: أنّ الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين على الجنسية والعدد المخصوص فإذا أريدت الدلالة على أنّ المعنيّ به منهما والذي يساق إليه الحديث هو العدد شفع بما يؤكده فدل به على القصد
إليه والعناية به. ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكده بواحد لم يحسن وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية، ثم علل تعالى ذلك النهي بما اقتضاه السياق من الوحدانية فقال جل ذكره: ﴿إنما هو﴾ أي: الإله المفهوم من لفظ إلهين الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازاً لأنه لا يطلق إطلاقاً حقيقياً إلا على من وجوده من ذاته.k
﴿إله﴾ أي: مستحق هذا الوصف على الإطلاق ﴿واحد﴾ لا يمكن أن يثنى بوجه ولا أن يجزأ بغاية وغير غاية لغناه المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه. ولما دلت الدلائل على أنه لا بدّ للعالم من إله وثبت أنّ القول بوجود إلهين محال، وثبت أنه لا إله إلا الواحد الأحد الفرد الصمد، قال تعالى بعده: ﴿فإياي فارهبون﴾ أي: خافون دون غيري والرهبة مخافة مع حزن واضطراب وإنما نقل الكلام من الغيبة إلى خطاب الحضور وهو من طريقة الالتفات لأنه أبلغ في الترهيب من قوله فإياه فارهبوه، ومن أن يجيء ما قبله على لفظ المتكلم. ولما ثبت بالدليل الصحيح والبرهان الواضح أنّ إله العالم لا شريك له في الإلهية وجب أن يكون جميع المخلوقات عبيده وفي ملكه وتصرفه وتحت قهره وذلك قوله تعالى:
أي: الله وأعاد الضمير في قوله تعالى له
стр. 890
على الله الاسم الأعظم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى. ﴿ما في السموات والأرض﴾ أي: ما تعبدونه وغيره فكيف يتصوّر أن يكون شيء من ذلك إلهاً، وهو ملكه مع كونه محتاجاً إلى الزمان والمكان وغيرهما. ﴿وله الدين﴾ أي: الطاعة وقوله تعالى: ﴿واصباً﴾ أي: دائماً حال من الدين والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل. قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك لسبب في حال الحياة أو بالموت إلا الحق فإطاعته واجبة أبداً، ولأنه المنعم على عباده المالك لهم فكانت طاعته واجبة دائماً أبداً. وقوله تعالى: ﴿أفغير الله﴾ أي: الذي له العظمة كلها ﴿تتقون﴾ استفهام إنكار والمعنى: أنكم بعدما عرفتم أنّ إله العالم واحد وعرفتم أنّ كل ما سواه محتاج إليه في وقت دوامه وبقائه فبعد العلم بذلك كيف يعقل أن يكون للإنسان رغبة في غير الله تعالى أو رهبة من غير الله تعالى ولما بيّن تعالى أنّ الواجب على العاقل أن لا يتقي غير الله بيّن أنه يجب عليه أن لا يشكر أحداً إلا الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة﴾ أي: من نعمة الإسلام وصحة الأبدان وسعة في الأرزاق وكل ما أعطاكم من مال أو ولد أو جاه ﴿فمن الله﴾ هو المتفضل على عباده فيجب عليكم شكره على جميع إنعامه لأنّ الشكر إنما يجب على النعمة، فثبت بهذا أنّ العاقل يجب عليه أن لا يخاف، وأن لا يشكر إلا الله تعالى. تنبيه: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنّ الإيمان حصل بخلق الله فقالوا: الإيمان نعمة وكل نعمة فمن الله ينتج أنّ الإيمان من الله وأيضاً النعمة عبارة عن كل ما يكون منتفعاً به وأعظم الأشياء في النفع هو الإيمان فثبت أنّ الإيمان نعمة والمسلمون مطبقون على قولهم الحمد لله على نعمة الإيمان والنعم إمّا دينية وإمّا دنيوية. أمّا النعم الدينية فهي إمّا معرفة الحق لذاته وإمّا معرفة الخير لأجل العمل به. والنعم الدنيوية إمّا
نفسانية وإمّا بدنية وإمّا خارجية، وكل واحد من هذه الثلاثة جنس تحته أنواع خارجة عن الحصر. كما قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ (إبراهيم، ٣٤)
وقد مرّت الإشارة إلى ذلك عند ذكر هذه الآية. ولما كان إخلاصهم له مع ادعائهم ألوهية غيره أمراً مستبعداً عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى: ﴿ثم إذا مسكم﴾ أي: أصابكم أدنى مس ﴿الضّرّ﴾ بزوال نعمة مما أنعم به عليكم. وقال ابن عباس: يريد الأسقام والأمراض والحاجة. ﴿فإليه﴾ أي: لا إلى غيره ﴿تجأرون﴾ أي: ترفعون أصواتكم بالاستغاثة لما ركز في فطرتكم الأوّلية السليمة من أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه.
﴿ثم إذا كشف﴾ ﴿الضّرّ﴾ أي: الذي مسكم ﴿عنكم﴾ ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران فقال: ﴿إذا فريق﴾ أي: جماعة هم أهل فرقة وضلال ﴿منكم﴾ أي: أيها العباد ﴿بربهم﴾ الذي تفرّد بالإنعام عليهم ﴿يشركون﴾ أي: يوقعون الإشراك بعبادة غيره.
﴿ليكفروا بما آتيناهم﴾ أي: من النعم. تنبيه: في هذه اللام وجهان: الأوّل: أنها لام كي فيكون المعنى على هذا أنهم إنما أشركوا بالله ليجحدوا نعمه عليهم في كشف الضر. الثاني: أنها لام العاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا وحزناً﴾ (القصص، ٨)
والمعنى عاقبة أمرهم هو كفرهم بما آتيناهم من النعماء، وكشفنا عنهم الضر والبلاء. ثم إنه تعالى توعدهم بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿فتمتعوا﴾ أي: باجتماعكم على عبادة الأصنام وهذا لفظه أمر والمراد منه التهديد كقوله تعالى:
стр. 891
﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا﴾ (الإسراء، ١٠٧)
. وقوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ (الكهف، ٢٩)
. ﴿فسوف تعلمون﴾ عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب. ولما بين تعالى بالدلائل القاهرة فساد قول أهل الشرك والتشبيه شرح تفاصيل أقوالهم، وبين فسادها بأنواع الأوّل قوله تعالى:
﴿ويجعلون﴾ أي: المشركون ﴿لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم﴾ من الحرث والأنعام بقولهم هذا لله وهذا لشركائنا. تنبيه: الضمير في قوله تعالى: ﴿لما لا يعلمون﴾ عائد على الأصنام، أي: أنّ الأصنام لا تعي شيئاً البتة لأنها جماد والجماد لا علم له. وقيل: عائد إلى المشركين، ومعنى لا يعلمونها أنهم يسمونها آلهة فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع لهم وليس الأمر كذلك. ثم أقسم بنفسه على نفسه أنه يسألهم يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿تالله لتسألنّ﴾ سؤال توبيخ وفيه التفات من الغيبة إلى الحضور وهو من بديع الكلام وبليغه. ﴿عما كنتم تفترون﴾ على الله من أنه أمركم بذلك. تنبيه: في وقت السؤال احتمالان الأوّل: أنه يقع عند القرب من الموت. الثاني: أنه يقع في الآخرة. قال الرازي: وهذا أولى. النوع الثاني قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله البنات﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً﴾ كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله. قال الرازي: أظنّ أنّ العرب إنما أطلقوا لفظ البنات على الملائكة لاستتارهم عن العيون، فأشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم البنات. قال ابن عادل: وهذا الذي ظنه ليس بشيء فإنّ الجنّ أيضاً مستترون عن العيون، ولم يطلقوا عليهم لفظ البنات. ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول، قال تعالى: ﴿سبحانه﴾ وفيه وجهان: الأوّل: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه الثاني: تعجيب الخلق من هذا الأمر والجهل الصريح وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى، قيل في التفسير: معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأوّل. ولما ذكر الله تعالى إلى ما جعلوا له مع الغنى المطلق بين ما نسبوا لأنفسهم مع لزوم الحاجة والضعف بقوله تعالى: ﴿ولهم ما يشتهون﴾ من البنين وقد يكونون أعداء أعدائهم. ثم إنه تعالى ذكر أنّ الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فكيف
يثبته لله تعالى؟ فقال:
﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى﴾ أي: أخبر بولادتها ﴿ظل وجهه﴾ أي: صار أو دام النهار كله ﴿مسودًّا﴾ من الكآبة والحياء من الناس واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتخجيل كما أنّ بياض الوجه وإشراقه كناية عن الفرح والسرور. ﴿وهو كظيم﴾ أي: مملوء غيظاً على المرأة ولا ذنب لها بوجه والبشارة في أصل اللغة الخبر الذي يغير البشرة من حزن أو سرور، ثم خص في عرف اللغة بالسرور ولا يكون إلا بالخبر الأوّل فالمراد بالبشارة هنا الإخبار كما مرّ. وقول الرازي: إنّ إطلاقه على الخير والشر داخل في التحقيق خلاف المشهور.
﴿يتوارى﴾ أي: يستحي ﴿من القوم﴾ أي: من الرجال الذين هو فيهم ﴿من سوء ما بشر به﴾ خوفاً من التعيير وذلك أنّ العرب كانوا في الجاهلية إذا قرب ولادة زوجة أحدهم توارى عن القوم إلى أن يعلم ما ولد له فإن ولد له ذكر ابتهج وسرّ بذلك وظهر، وإن كانت أنثى حزن ولم يظهر أياماً متردّداً ماذا يفعل بذلك الولد ﴿أيمسكه﴾ أي: يتركه بغير قتل ﴿على هون﴾ هوان وذل ﴿أم يدسه في التراب﴾ وذكر الضمير في يمسكه ويدسه نظراً للفظ الولد أو
стр. 892
لكون الأنثى ولداً كما علم مما مرّ. قال ابن ميلق: قال المفسرون: كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفرة وجلست على شفيرها فإن وضعت ذكراً أظهرته وظهر السرور على أهله، وإن وضعت أنثى استأذنت مستولدها فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمرها بإلقائها في الحفرة وردّت التراب عليها وهي حية لتموت انتهى. وعن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول الله، إني واريت ثمان بنات في الجاهلية. فقال له ﷺ «أعتق عن كل واحدة منهنّ رقبة. فقال: يا نبيّ الله إني ذو إبل. قال: إهد عن كل واحدة منهن هدياً» . وروي أنّ رجلاً قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام مذ قد أسلمت، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها فلما انتهيت إلى واد فيه بئر بعيدة القعر ألقيتها فيها فقالت: يا أبت قتلتني، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. فقال ﷺ «ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار» ، وكانوا في الجاهلية مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفرة ويدفنها فيها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية خوفاً من أن يطمع فيهنّ غير الأكفاء وتارة خوفاً من الفقر وكثرة العيال ولزوم النفقة. وكان الذي منهم يريد أن يحيي ابنته تركها حتى تكبر ثم يلبسها جبة من صوف أو شعر ويجعلها ترعى
الإبل والغنم في البادية. قال الله تعالى: ﴿ألا ساء﴾ أي: بئس ﴿ما يحكمون﴾ حكمهم هذا وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات فأوّلها: أنه يسود وجهه، وثانيها: أنه يختفي من القوم من شدّة نفرته عن البنت. وثالثها: أنّ الولد محبوب بحسب الطبيعة ثم إنه بسبب نفرته عنها يقدم على قتلها وذلك يدل على أنّ النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغاً لا يزاد عليه فكيف يليق بالعاقل أن يثبت ذلك لإله عالم مقدس عال عن مشابهة جميع المخلوقات، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذاً قسمة ضيزى﴾ (النجم: ٢١، ٢٢)
ثم قال تعالى: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ وهم الكفار ﴿مثل السوء﴾ أي: الصفة السوء بمعنى القبيحة وهي قتلهم البنات مع احتياجهم إليهنّ للنكاح ﴿ولله المثل الأعلى﴾ أي: الصفة العليا وهي أنه لا إله إلا هو، وأن له جميع صفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والبقاء السرمدي وغير ذلك من الصفات التي وصف الله بها نفسه. وقال ابن عباس: مثل السوء النار والمثل الأعلى شهادة أن لا إله إلا الله. فإن قيل: كيف جاء لله المثل الأعلى مع قوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ (النحل، ٧٤)
أجيب: بأنّ المثل الذي يضربه الله تعالى حق وصدق والذي يذكره غيره باطل. ﴿وهو العزيز﴾ الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له. ﴿الحكيم﴾ الذي لا يوقع شيئاً إلا في محله. ولما حكى الله تعالى عن القوم عظيم كفرهم وقبيح قولهم بين أنه تعالى يمهل هؤلاء الكفار ولا يعاجلهم بالعقوبة إظهاراً للفضل والرحمة والكرم بقوله تعالى:
أي: بسبب كفرهم ومعاصيهم ﴿ما ترك عليها﴾ أي: على الأرض وإنما أضمر ذكرها من غير ذكر لدلالة الناس والدابة عليها. ﴿من دابة﴾ أي: أنّ الله تعالى لو آخذ الناس بظلمهم لأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض. فإن قيل: اسم الناس جنس يشمل الكل
стр. 893
فيدخل في ذلك الأنبياء فيدل على عدم عصمتهم؟ أجيب: بأنّ ذلك عام مخصوص بقوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله﴾ (فاطر، ٣٢)
فالمذكور في هذه الآية، إما كل العصاة المستحقين العقاب أو الذين تقدّم ذكرهم من المشركين ومن الذين أثبتوا لله البنات، أو جميع الكفار بدليل قوله تعالى: ﴿إنّ شرّ الدواب عند الله الذين كفروا﴾ (الأنفال، ٥٥)
. وقال قتادة: قد فعل الله تعالى ذلك في زمن نوح ﵇ فأهلك جميع الدواب التي على وجه الأرض إلا من كان في السفينة مع نوح ﵇. روي أنّ أبا هريرة رضي الله تعالى عنه سمع رجلاً يقول: إنّ الظالم لا يضر إلا نفسه. فقال: بئسما قلت إنّ الحبارى تموت هزالاً من ظلم الظالم. وقال ابن مسعود: إنّ الجعل تعذب في حجرها بذنب ابن آدم، والجعل بضم الجيم وفتح العين دويبة قاله الجوهريّ. وقيل في معنى الآية: ولو يؤاخذ الله الآباء الظالمين بسبب ظلمهم لانقطع النسل، ولم توجد الأبناء ولم يبق في الأرض أحد. ﴿ولكن يؤخرهم﴾ أي: يمهلهم بفضله وكرمه وحلمه ﴿إلى أجل مسمى﴾ أي: إلى انتهاء آجالهم وانقضاء أعمارهم، ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة﴾ عنه ﴿ولا يستقدمون﴾ أي: لا يؤخرون ساعة من الأجل الذي جعله الله تعالى لهم ولا ينتقصون منه. تنبيه: ههنا همزتان مفتوحتان من كلمتين فقرأ قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط إحدى الهمزتين مع المدّ والقصر. وقرأ ورش وقنبل بتسهيل الثانية وإبدالها حرف مدّ والباقون بتحقيق الهمزتين.
والنوع الثالث من الأقاويل الفاسدة التي كان يذكرها الكفار وحكاها الله تعالى عنهم قوله: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ لأنفسهم من البنات وأراذل الأحوال والشركاء في الرياسة. ثم وصف الله تعالى جراءتهم مع ذلك بقوله تعالى: ﴿وتصف﴾ أي: وتقول ﴿ألسنتهم الكذب﴾ أي: مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل، ثم بيّنه بقوله تعالى: ﴿أنّ لهم الحسنى﴾ أي: عنده، أي: الجنة كقوله تعالى: ﴿ولئن رجعت إلى ربي إنّ لي عنده للحسنى﴾ ولا جهل أعظم ولا أحكم سوءاً من أن تقطع بأنّ من تجعل له ما تكره أن يجعل لك ما تحب فكأنه قيل ما لهم عنده؟ فقيل: ﴿لا جرم﴾ أي لا ظن ولا تردّد في ﴿أن لهم النار﴾ أي: هي جزاء الظالمين وقيل لا جرم بمعنى حقاً. ﴿وأنهم مفرطون﴾ أي: متركون فيها أو مقدّمون إليها وقرأ نافع بكسر الراء، أي: متجاوزون الحد والباقون بالفتح. فإن قيل: إنهم لم يقرّوا بالبعث فكيف يقولون إن لنا الحسنى عند الله؟ أجيب: بأنهم قالوا إن كان محمد صادقاً في البعث بعد الموت فإن لنا الجنة، وقيل إنه كان في العرب جمع يقرّون بالبعث والقيامة وأنهم كانوا يربطون البعير النفيس على قبر الميت ويتركونه إلى أن يموت ويقولون إنّ ذلك الميت إذا حشر فإنه يحشر معه مركوبه، ثم بين تعالى أنّ مثل هذا الصنيع الذي يصدر من مشركي قريش قد صدر من سائر الأمم السابقين في حق الأنبياء المتقدّمين بقوله تعالى:
﴿تالله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿لقد أرسلنا﴾ أي: بما لنا من القدرة رسلاً من الماضين ﴿إلى أمم من قبلك﴾ كما أرسلنا إلى هؤلاء ﴿فزين لهم الشيطان﴾ أي: المحترق بالغضب المطرود باللعنة ﴿أعمالهم﴾ الخبيثة من الكفر والتكذيب كما زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم، وهذا يجري مجرى التسلية للنبيّ
стр. 894
صلى الله عليه وسلم فيما كان يناله من الغم بسبب جهالات القوم والمزين في الحقيقة هو الله تعالى هذا مذهب أهل السنة وإنما جعل الشيطان آلة بالإلقاء للوسوسة في قلوبهم وليس له قدرة على أن يضلّ أحداً أو يهدي أحداً وإنما له الوسوسة فقط فمن أراد الله تعالى شقاوته سلطه الله عليه حتى يقبل وسوسته ﴿فهو وليهم اليوم﴾ أي: في الدنيا وإنما عبر باليوم عن زمانها، أي: فهو وليهم حين كان يزين لهم أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية، أي: لا ولي لهم غيره وهو عاجز عن نصر نفسه فكيف ينصرهم. وقيل: الضمير لقريش، أي: زين الشيطان للكفرة المتقدّمين أعمالهم وهو وليّ هؤلاء القوم يغرّهم ويغريهم، وقيل: يجوز أن يقدّر مضاف، أي: فهو ولي أمثالهم والوليّ القرين والناصر فيكون نعتاً للناصر لهم على أبلغ الوجوه ﴿ولهم عذاب أليم﴾ أي: مؤلم في الآخرة. ثم ذكر تعالى أنه مع هذا الوعيد الشديد قد أقام الحجة وأزاح العلة بقوله تعالى:
﴿وما أنزلنا﴾ أي: بما لنا من العظمة من جهة العلوّ. ﴿عليك﴾ يا أشرف المرسلين ﴿الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿إلا لتبين لهم﴾ أي: للناس ﴿الذي اختلفوا فيه﴾ من أمر الدين مثل التوحيد والشرك وإثبات المعاد ونفيه فإنه كان فيهم من ينكر البعث ومنهم من يؤمن به ومنهم عبد المطلب ومثل تحريم الحلال كالبحيرة والسائبة وتحليلهم أشياء محرّمة كالميتة. فإن قيل: اللام في لتبين لهم تدل على أنّ أفعال الله تعالى معللة بالأغراض كقوله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس﴾ (إبراهيم، ١)
. وقوله: ﴿وما خلقت الجنّ والأنس إلا ليعبدون﴾ (الذاريات، ٥٦)
أجيب: بأنه لما ثبت بالعقل امتناع التعليل وجب صرفه إلى التأويل وقوله تعالى: ﴿وهدى ورحمة﴾ أي: وإكراماً بمحبة معطوفان على محل لتبين إلا أنهما انتصبا على أنهما مفعول لهما لأنهما فعلا الذي أنزل الكتاب ودخلت اللام على لتبين لأنه فعل المخاطب لا فعل المنزل وإنما ينتصب مفعولاً له ما كان فعل فاعل الفعل المعلل، ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم نفاه بقوله تعالى: ﴿لقوم يؤمنون﴾ ونظيره قوله تعالى في أوّل البقرة: ﴿هدى للمتقين﴾ (البقرة، ٢)
. وإنما خص المؤمنين بالذكر من حيث أنهم قبلوه وانتفعوا به كما في قوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر من يخشاها﴾ (النازعات، ٤٥)
لأنه إنما انتفع بإنذراه هذا القوم فقط. ولما انقضى الدليل على أنّ قلوبهم منكرة استكباراً وما يتعلق به، وختمه بما أحيا به القلوب في الإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل، وكان المقصود الأعظم من القرآن تقرير أصول أربعة: الإلهيات والنبوّات والمعاد وإثبات القضاء والقدر والفعل بالاختيار وكان أجلّ هذه المقاصد الإلهيات شرع في ذكر الوحدانية والقدرة والفعل بالاختيار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير المتقدّم ليعلم أنّ أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار وأجلى من ضياء النهار فعطف على قوله: ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ (النحل، ١٩)
. قوله جامعاً في الدليل بين العالم العلوي والعالم السفلي.
﴿والله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿أنزل من السماء﴾ في الوقت الذي يريده ﴿ماء﴾ بالمطر والثلج والبرد ﴿فأحيا به﴾ أي: بذلك الماء ﴿الأرض﴾ بأنواع النبات ﴿بعد موتها﴾ أي: يبسها ﴿إنّ في ذلك﴾ المذكور ﴿لآية﴾ أي: دلالة واضحة على كمال قدرته تعالى ﴿لقوم يسمعون﴾ أي: سماع تدبر وإنصاف ونظر لأنّ سماع القلوب هو النافع لاسماع الآذان فمن سمع آيات القرآن بقلبه وتدبرها وتفكر فيها
стр. 895
انتفع ومن لم يسمع بقلبه فكأنه أصم لم يسمع فلم ينتفع بالآيات ومن الدلائل المذكورة في هذه الآية الاستدلال بعجائب أحوال الحيوانات وهو قوله:
﴿وإنّ لكم في الأنعام لعبرة﴾ أي: اعتباراً إذا تفكرتم فيها وعرفتم كمال قدرتنا وقوله تعالى: ﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ استئناف بيان للعبرة وإنما ذكر لفظ الضمير لأنه لفظ الأنعام مفرد وضع لإفادة الجمع كالرهط والقوم ولا من اللبس والدلالة على قوّة المعنى لكونها سورة النعم وأنثه في سورة المؤمنون للمعنى فإنّ الأنعام اسم جمع ولذلك عدّه سيبويه في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال كقولهم: ثوب أكياش بياء تحتية وشين معجمة ضرب من الثياب يغزل مرتين ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإنّ اللبن لبعضها دون جميعها. وقرأ نافع وابن عامر وشعبة بفتح النون تقول: سقيته حتى روي. قال تعالى: ﴿وسقاهم ربهم شراباً طهوراً﴾ (الإنسان، ٢١)
. والباقون بضمها من قولك: اسقاه إذا جعل له شراباً كقوله تعالى: ﴿وأسقيناكم ماءً فراتاً﴾ (المرسلات، ٢٧)
. ولما كان في موضع العبرة تخليص اللبن من غيره قدم قوله تعالى: ﴿من بين فرث﴾ وهو الثفل الذي نزل إلى الكرش فإذا خرج منه لم يسم فرثاً. ﴿ودمٍ لبناً خالصاً﴾ أي: صافياً خلقه الله وسطاً بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما بزرخ من قدرة الله لا يبغي عليه أحدهما بلون أو رائحة أو طعم.d
روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا أكلت البهيمة العلف واستقرّ في كرشها طبخته فكان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً والكبد متسلطة على هذه الأصناف الثلاثة تقتسمها فيجري الدم في العروق واللبن في الضرع ويبقى الفرث في الكرش فسبحان الله ما أعظم قدرته وألطف حكمته لمن تفكر وتأمّل، وسئل شقيق عن الإخلاص فقال: تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من بين فرث ودم. ﴿سائغاً للشاربين﴾ أي: سهل المرور في الحلق. وقيل: لم يغص أحد باللبن قط. تنبيه: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر، وذلك لأنّ هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض فخالق العالم دبر تدبيراً آخر بقلب ذلك الدم لبناً ثم دبر تدبيراً آخر فأحدث من ذلك اللبن السمن والجبن فهذا الاستقرار يدلّ على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أنّ البعث والقيامة أمرممكن غير ممتنع وفي حدوث اللبن في الثدي واتصافه بالصفات التي باعتبارها يكون موافقاً لتغذية الطفل مشتملة على حكمة عجيبة يشهد صريح العقل بأنها لا تحصل إلا بتدبير الفاعل الحكيم المدبر وبيانه من وجوه: الأوّل أنه تعالى خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثفل الغذاء فإذا تناول الإنسان غذاء أو شراباً انطبق ذلك المنفذ انطباقاً كلياً لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة، ويجذب ما صفي منه إلى الكبد ويبقى الثفل هناك فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ وينزل منه ذلك الثفل وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم لأنه متى كانت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم من المعدة انفتح فحصول
стр. 896
الانطباق تارة
والانفتاح تارة أخرى بحسب الحاجة وبقدر المنفعة مما لا يتأتى إلا بتقدير الفاعل الحكيم. الثاني: عند تولد اللبن في الضرع يحدث الله تعالى في حلمة الثدي ثقباً صغيرة ومسامّ ضيقة وجعلها بحيث إذا اتصل المص والحلب بتلك الحلمة انفصل اللبن عنها ولما كانت تلك المسام ضيقة جدًّا كان لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصفاء واللطافة. وأمّا الأجزاء الكثيفة فإنه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيقة فتبقى في الداخل فالحكمة في أحداث تلك الثقب الصغيرة والمنافذ الضيقة في رأس حلمة الثدي أنها تكون كالمصفاة فكل ما كان لطيفاً خرج وكل ما كان كثيفاً احتبس في الداخل ولم يخرج فبهذا الطريق يصيراللبن خالصاً موافقاً لبدن الطفل سائغاً للشاربين. الثالث: أنه تعالى ألهم ذلك الطفل إلى المص فإنّ الأمّ كلما ألقت حلمة الثدي في فم الطفل فذلك الطفل في الحال يأخذ في المص، ولولا أنّ الفاعل المختار الرحيم ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص وإلا لم يحصل الانتفاع بتخليق ذلك اللبن في الثدي.
وقوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب﴾ متعلق بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب، أي: من عصيرهما وحذف لدلالة نسقيكم عليه، وقوله تعالى: ﴿تتخذون منه سكراً﴾ بيان وكشف عن كنه الإسقاء. قال الواحدي: الأعناب عطف على الثمرات لا على النخيل لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب والعنب نفسه ثمرة وليس له ثمرة أخرى ﴿ورزقاً حسناً﴾ كالتمر والزبيب والدبس والخل. تنبيه: في تفسير السكر وجوه: الأوّل: هو الخمر سميت بالمصدر من سكر سكراً وسكراً نحو: رشد رشداً ورشداً. فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله تعالى في معرض الأنعام؟ أجيب: عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنّ هذه السورة مكية وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة، فكأنّ نزول هذه الآية كان في الوقت الذي كانت الخمرة فيه غير محرمة وممن قال بنسخها النخعي والشعبي. الثاني: أنّ الآية جامعة بين العتاب والمنة فالعتاب بالنسبة إلى السكر والمنة بالنسبة إلى رزقاً حسناً. الوجه الثاني: أنّ السكر هو النبيذ وهو عصير العنب والزبيب والتمر فإذا طبخ حتى يذهب ثلثاه، ثم يترك حتى يشتد فهو حلال عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى إلى حد السكر، ويحتج بهذه الآية وبقوله ﷺ «الخمر حرام لعينها» وهذا يقتضي أن يكون السكر شيئاً غير الخمر وكل من أثبت هذه المغايرة قال: إنه النبيذ المطبوخ. الوجه الثالث: أنّ السكر هو الطعام قاله أبو عبيدة واحتج عليه بقول الشاعر:
* جعلت إعراض الكرام سكراً
أي تنقلب بإعراضهم بأن جعلتها نقلاً وتناولتها والنقل ما ينتقل به على الشراب. قال البغوي: وأولى الأقاويل أن قوله تعالى: ﴿تتخذون منه سكراً﴾ منسوخ انتهى. ويدل له قول الحسن: ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرّمها عليهم. وروي عن ابن عباس قال: السكر ما حرم من ثمرها، والرزق الحسن ما أحل من ثمرها. وروي عنه أيضاً السكر الحرام منه والرزق زبيبه وعنبه ومنافعه. ثم قال تعالى: ﴿إنّ في ذلك﴾ المذكور ﴿لآية﴾ أي: دلالة على قدرته تعالى: ﴿لقوم يعقلون﴾ أي: يستعملون عقولهم بالنظر والتأمّل في الآيات فيعلمون أنّ هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى فيحتج بحصولها على وجود الإله القادر
стр. 897
الحكيم. ولما بيّن أنّ إخراج الألبان وإخراج السكر والرزق الحسن من ثمرات النخيل والأعناب دليل قاطع وبرهان ساطع على أنّ لهذا العالم إلهاً قادراً مختاراً حكيماً. ذكر أنّ إخراج العسل الذي جعله الله تعالى شفاء للناس من دابة ضعيفة وهي النحل دليل قاطع. وبرهان ساطع على إثبات هذا المقصود بقوله تعالى:
﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾ وحي إلهام. قال الضحاك: ألهمها ولم يرسل إليها رسولاً والمراد من الإلهام أنه تعالى قدر في أنفسها هذه الأعمال العجيبة التي يعجز عنها العقلاء من البشر وبيانه من وجوه: الأوّل: ما ذكر الله بقول تعالى: ﴿أن اتخذي﴾ أي: بأن اتخذي ويجوز أن تكون مفسرة لأنّ في الإيحاء معنى القول: ﴿من الجبال بيوتاً﴾ تأوين إليها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتاً تشبيهاً ببيت الإنسان، فتبني البيوت المسدسة من أضلاع متساوية لا يزيد بعضها على بعض بمجرّد طبعها والعقلاء من البشر لا يمكنهم، مثل تلك البيوت إلا بآلات وأنظار دقيقة. الثاني: أنه ثبت في الهندسة أنّ تلك البيوت لو كانت مشكلة بأشكال سوى المسدّسات كأن كانت مدورة أو مثلثة أو مربعة أو غير ذلك من الأشكال فإنه تبقى بالضرورة فيما بين تلك البيوت فرج خالية ضائعة فاهتداء هذا الحيوان الضعيف إلى هذه الحكمة الخفية والدقيقة اللطيفة من الأعاجيب. الثالث: أنّ النحل يحصل بينها واحد كالرئيس للبقية وذلك الواحد يكون أعظم جثة من الباقي ويكون نافذ الحكم على تلك البقية وهم يخدمونه ويحملونه عند تعبه وذلك أيضاً من الأعاجيب.
الرابع: أنها إذا انفردت عن وكرها ذهبت مع الجمعية إلى موضع آخر فإذا أرادوا عودها إلى وكرها ضربوا الطبول وآلات الموسيقى فبواسطة تلك الألحان يقدرون على ردها إلى أوكارها، وهذه أيضاً حالة عجيبة فلما امتاز هذا الحيوان بهذه الخواص العجيبة الدالة على مزيد الذكاء والكياسة كان ليس إلا على سبيل الإلهام وهو حالة شبيهة بالوحي، والوحي قد ورد في حق الأنبياء كقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب﴾ (الشورى ٥١)
وفي حق الأولياء قال تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾ (المائدة، ١١١)
وبمعنى الإلهام في حق البشر قال تعالى: ﴿وأوحينا إلى أمّ موسى﴾ . (القصص، ٧)
وفي حق سائر الحيوانات خاص. قال الزجاج: يجوز أن يقال سمي هذا الحيوان نحلاً لأنّ الله تعالى نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها. وقال غيره: النحل يذكر ويؤنث وهي مؤنثة في لغة الحجاز، ولذلك أنثها الله تعالى وكذلك كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء. ﴿و﴾ اتخذي ﴿من الشجر﴾ أي: الصالحة بيوتاً ﴿و﴾ اتخذي ﴿مما يعرشون﴾ أي: الناس فيبنون تلك الأماكن وذلك أنّ النحل منه وحشي وهو الذي يسكن الجبال والشجر والكهوف، ومنه أهليّ وهو الذي يأوي إلى البيوت وتربيه الناس عندهم وقد جرت العادة أنّ الناس يبنون للنحل الأماكن حتى يأوي إليها وذكر ذلك بحرف التبعيض لأنها لا تبنى في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش من الكرم أو سقف ولا في كل مكان منها. وقرأ ابن عامر وشعبة بضم الراء والباقون بكسرها.
تنبيه: ظاهر قوله تعالى: ﴿اتخذي﴾ أمر، وقد اختلفوا فيه فمن الناس من يقول: لا بُعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول ولا بدع أن يتوجه عليها من الله أمر ونهي. وقال آخرون: بل المراد منه أنه تعالى خلق فيها
стр. 898
غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله في سورة النمل، عند قوله تعالى: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾ . (النمل، ١٨)
ولما كان أهم شيء للحيوانات بعد الراحة من همّ المقيل أكل شيء، ثنى به فقال:
﴿ثم كلي من كل الثمرات﴾ أي: من كل ثمرة يشتهيها مرّها وحلوها، وذكر ذلك بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها. تنبيه: لفظ من هذا للتبعيض أو لابتداء الغاية. ولما أذن لها في ذلك كله، وكان من المعلوم عادة أنّ تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه نبه على خرقه العادة في تيسيره لها بقوله تعالى: ﴿فاسلكي سبل ربك﴾ أي: الطرق التي ألهمك الله تعالى أن تسلكيها وتدخلي فيها لأجل طلب الثمار وقوله تعالى: ﴿ذللاً﴾ جمع ذلول حال من السبل، أي: مسخرة لك فلا تعسر عليك وإن توعرت ولا تضلي عن العود وإن بعدت. وقيل: من الضمير في اسلكي، أي: منقادة لأربابها حتى أنهم ينقلونها من مكان إلى مكان آخر حيث شاؤوا وأرادوا لا تستعصي عليهم. وقوله تعالى: ﴿يخرج من بطونها﴾ فيه عدول عن خطاب النحل إلى خطاب الناس لأنه محل الإنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم ﴿شراب﴾ أي: عسل ﴿مختلف ألوانه﴾ ما بين أبيض وأحمر وأصفر وغير ذلك من ألوان العسل وذلك على قدر ما تأكل من الثمار والأزهار ويستحيل في بطونها عسلاً بقدرة الله تعالى، ثم يخرج من أفواهها يسيل كاللعاب. وقال الرازي: إنه رأى في بعض كتب الطب أنّ العسل طل من السماء ينزل كالترنجبين فيقع على الأزهار وأوراق الشجر فتجمعه النحل فتأكل بعضه وتدّخر بعضه في بيوتها لأنفسها لتتغذى به فإذا اجتمع في بيوتها من تلك الأجزاء الطلية شيء كثير فذلك هو العسل وقال هذا القول أقرب إلى العقل لأنّ طبيعة الترنجبين تقرب من طبيعة العسل وأيضاً إنا نشاهد أنّ النحل يتغذى بالعسل وأجاب، عن قوله تعالى: ﴿يخرج من بطونها شراب﴾ إنّ كل تجويف داخل البدن يسمى بطناًفقوله: ﴿يخرج من بطونها﴾ أي: من أفواهها انتهى.
والأوّل كما قال ابن الخازن وغيره أظهر لأنا نشاهد أنّ العسل يوجد فيه طعم تلك الأزهار التي يأكلها النحل وكذا توجد لذتها وريحها وطعمها فيه أيضاً، ويعضد هذا قول بعض أزواج النبيّ ﷺ له: «أكلت مغافير؟ قال: لا، قالت: ما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل. قالت: جرست نحله العرفط» . والعرفط شجر الطلع له صبغ يقال له: المغافير كريه الرائحة، فمعنى جرست نحله العرفط أكلت ورعت من العرفط الذي له الرائحة الكريهة، فثبت بهذا أنه يوجد في طعم العسل ولونه وريحه طعم ما يأكله النحل ولونه وريحه لا ما قاله الأطباء من أنه طل لأنه لو كان طلاً لكان على لون واحد وقوله: كل تجويف في داخل البدن يسمى بطناً خلاف الظاهر لأنّ لفظ البطن إذا أطلق لم يرد به إلا العضو المعروف بطن الإنسان وغيره. ﴿فيه﴾ أي: الشراب الذي يخرج من بطون النحل ﴿شفاء للناس﴾ من الأوجاع كما قال ابن عباس وابن مسعود، إمّا لبعضها كما دلّ عليه تنكير شفاء، وإمّا لكلها بضميمته إلى غيره إذ قل معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل أو بدونه بنيته وبهذا سقط ما قيل إنه يضرّ بأصحاب الصفراء ويهيج الحرارة، ويضرّ بالشباب
стр. 899
المحرورين ويعطش. قال ابن مسعود: العسل شفاء من كل داء والقرآن شفاء لما في الصدور. وفي رواية عنه: عليكم بالشفاءين القرآن والعسل. وروى نافع أنّ ابن عمر ما كانت قرحة ولا شيء إلا لطخ الموضع بالعسل. ويقرأ ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس﴾ .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّ أخي يشتكي بطنه. فقال ﷺ اسقه العسل فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فما نفع؟ فقال: اذهب فاسقه العسل فقد صدق الله وكذب بطن أخيك، فسقاه، فشفاه الله، فبرأ، فكأنما نشط من عقال» فقوله ﷺ «صدق الله وكذب بطن أخيك» يحتمل أنه ﷺ علم بنور الوحي الإلهي، أنّ العسل الذي أمره بشربه سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال قال: صدق الله يعني فيما وعده من أنّ فيه شفاء للناس، وكذب بطن أخيك، يعني باستعجالكم للشفاء في أوّل مرّة. وقال مجاهد: الضمير في ﴿فيه شفاء للناس﴾ راجع للقرآن، لأنّ فيه شفاء من أمراض الشرك، والجهالة والضلالة. وهو هدى ورحمة للناس وعلى هذا تمت قصة تولد العسل من النحل عند قوله تعالى: ﴿يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه﴾ ثم ابتدأ وقال: ﴿فيه شفاء للناس﴾ أي: في هذا القرآن. قال الرازي: وهذا قول ضعيف، ويدل عليه وجهان: الأوّل أنّ الضمير في قوله تعالى: ﴿فيه شفاء للناس﴾ يجب عوده إلى أقرب المذكورات، وما ذاك إلا قوله تعالى: ﴿شراب مختلف ألوانه﴾ . وأمّا الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق فهو غير مناسب. والثاني: حديث أبي سعيد الخدري المتقدّم. ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إنّ في ذلك﴾ أي: المذكور ﴿لآية لقوم يتفكرون﴾ أي: في اختصاص النحل بتلك الطعوم الرقيقة واللطائف الخفية مثل بناء البيوت المسدسة وغير ذلك فيعتبرون ويستدلون بما ذكرنا على وحدانيتنا وقدرتنا وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين تارة بالإفراد وتارة بالجمع، ونوّعها تارة بالعقل وتارة بالفكر وتارة بالذكر وتارة بغيرها. ثم إنه تعالى لما أيقظهم من رقدتهم ونبههم على عظيم غفلتهم ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك فقال:
﴿والله﴾ أي: المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿خلقكم﴾ أي: أوجدكم من العدم وأخرجكم إلى الوجود ولم تكونوا شيئاً. ﴿ثم يتوفاكم﴾ أي: عند انقضاء آجالكم على اختلاف الإنسان فلا يقدر الصغير أن يؤخر ولا الكبير على أن يقدّم فمنكم من يموت على حال قوّته. ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾ أي: أخسه من الهرم والخرف. قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب سنّ الطفولية والنمو وهو أوّل العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة وهو غاية سنّ الشباب، وبلوغ الأشدّ ثم المرتبة الثانية سنّ الوقوف وهو من ثلاثة وثلاثين سنة إلى أربعين سنة وهو غاية القوّة وكمال العقل والمرتبة الثالثة سنّ الكهولة وهو من الأربعين إلى الستين وهذه المرتبة يشرع فيها الإنسان في النقص لكنه يكون نقصاً خفياً لا يظهر، ثم المرتبة الرابعة سنّ الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر خمسة وستون سنة يتبين النقص ويكون الهرم والخرف.
قال علي بن أبي طالب ﵁: أرذل العمر خمسة وسبعون سنة وقيل ثمانون سنة. وقال قتادة: تسعون سنة. وعن أنس رضي الله
стр. 900
تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من العجز والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر وفتنة المحيا والممات» . وفي رواية عنه كان يقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات» . ﴿لكيلا يعلم بعد علم شيئاً﴾ أي: ليصير إلى حالة شبيهة بحال الطفولية في نقصان القوّة والعقل وسوء الفهم. تنبيه: هل ذلك عام في المسلم والكافر أو مختص بالكافر فيه قولان: أحدهما: أنه عامّ، والقول الثاني: أنه مختص إذ المسلم لا يزداد بطول العمر إلا كرامة على الله تعالى، ولا يقال في حقه: إنه ردّ إلى أرذل العمر. قال الرازي: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ (التين: ٥، ٦)
فبين أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات ما ردّوا إلى أسفل السافلين. وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر إلى هذه الحالة. وقال في قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ : هم الذين قرؤوا القرآن. وقال ابن عباس: قوله: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ يريد الكافرين ثم استثنى المؤمنين فقال: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ وهذا يؤيد ما مرّ. ﴿إن الله عليم﴾ بمقادير أعمارهم ﴿قدير﴾ يميت الشاب النشيط، ويبقي الهرم الفاني، وفي ذلك تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم، ركب أبنيتهم وعدّل أمزجتهم على قدر معلوم، ولو كان مقتضى الطباع كما يقول الطبائعيون لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ. ولما ذكر تعالى المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت أتبعها بالمفاوتة في الأرزاق فقال:
﴿والله﴾ أي: الذي له الأمر كله ﴿فضل بعضكم﴾ أيها الناس ﴿على بعض في الرزق﴾ فمنكم غني، ومنكم فقير، ومنكم مالك، ومنكم مملوك، كل ذلك بتقدير العزيز الحكيم، فيجعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم فنرى أكيس الناس وأكثرهم عقلاً يفني عمره في طلب القليل من الدنيا ولا يتيسر له ذلك، ونرى أجلف الخلق وأقلهم عقلاً وفهماً تفتح له أبواب الدنيا فكل شيء خطر بباله، أو دار في خياله، فإنه يحصل له بسهولة ولو كان السبب في ذلك هو جهل الإنسان وعقله لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال فلما رأينا أنّ الأعقل أقل نصيباً وأنّ الأجهل الأخس أوفر نصيباً علمنا أنّ ذلك بسبب قسمة القسام كما قال تعالى: ﴿أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا﴾ (الزخرف، ٣٢)
فاتقوا الله وأجملوا في طلب الرزق وأقبلوا في جمع قلوبكم على ما ينفعكم من الاستبصار وأنشد سفيان بن عيينة يقول:
*كم من قويّ قويّ في تقلبه ... مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
*ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف
وحكي أنّ سليمان المهلبي أرسل إلى الخليل بن أحمد بمئة ألف درهم فردّها الخليل وكتب إليه هذه الأبيات:
*أبلغ سليمان أني عنه في سعة
... وفي غنى غير أني لست ذا مال
*شحي بنفسي أني لا أرى أحداً
... يموت جوعاً ولا يبقى على حال
стр. 901
*فالعجز عن قدرها العجز ينقصه
... ولا يزيدك فيه حول محتال
*والفقر في النفس لا في المال تعرفه
... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال
وقال الشافعي رحمه الله تعالى:
*ومن الدليل على القضاء وكونه
... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
تنبيه: هذا التفاوت ليس مختصاً بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة، والحسن والقبح، والعقل والحمق، والصحة والسقم، والاسم الحسن والاسم القبيح، وهذا بحر لا ساحل له. قال الرازي: وقد كنت مصاحباً لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه، فكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه الكثيرة العطرة عنده، وما كان يمكنه أن يتناول شيئاً منها وكان من الفقراء من هو صحيح المزاج وقوي البنية كامل القوّة وما كان يجد ملء بطنه طعاماً فذلك الملك وإن كان يفضل هذا الفقير في المال إلا أنّ هذا الفقير كان يفضل ذلك الملك في الصحة والقوّة وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه فيه، فنسأل الله تعالى أن يغنينا من فضله وأن يرضينا بما قسم لنا إنه كريم جواد.
ثم ضرب الله تعالى مثلاً للذين جعلوا لله شركاء بقوله تعالى: ﴿فما الذين فضلوا﴾ أي: في الرزق وهم الموالي ﴿برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم﴾ أي: بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها بينهم وبين مماليكهم ﴿فهم﴾ أي: المماليك والموالي ﴿فيه سواء﴾ أي: شركاء يقول الله تعالى هم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء فكيف يجعلون بعض عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني، وقيل: معنى الآية أنّ الموالي والمماليك الله رازقهم جميعاً فهم في رزقه سواء فلا تحسبن الموالي يردّون أرزاقهم على مماليكهم من عند أنفسهم بل ذلك رزق الله أجراه على أيدي الموالي للماليك.
والمقصود منه بيان أنّ الرازق هو الله تعالى لجميع خلقه وأنّ الموالي والمماليك في ذلك الرزق سواء وأنّ المالك لا يرزق المملوك وإنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم فالرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى.
ولما قرّر هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل كان ذلك إنعاماً عظيماً منه على الخلق فعند هذا قال: ﴿أفبنعمة الله﴾ في تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه البينات ﴿يجحدون﴾ أن يكفرون وفي ذلك إنكار على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره وجعلوا له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم فيسوّون بينهم وبينه في ذلك. وقرأ شعبة بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة ثم إنه تعالى ذكر نوعاً آخر من أحوال الناس ليستدلّ به على وجود الإله المختار الحكيم وتنبيهاً على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم بقوله تعالى:
﴿والله﴾ أي: الذي له تمام القدرة وكمال العلم ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ أي: من جنسكم لتستأنسوا بها ولتكون أولادكم منكم فخلق حوّاء من ضلع آدم وسائر الناس من نطف الرجال والنساء فهو خطاب عام فتخصيصه بآدم وحوّاء فقط خلاف الدليل، والمعنى أنه تعالى خلق النساء لتتزوّج بهنّ الذكور ومعنى من أنفسكم كقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ (البقرة، ٥٤)
﴿فسلموا على
стр. 902
أنفسكم﴾ (النور، ٦١)
أي: بعضكم بعضاً ونظيره قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ (الروم، ٢١)
. ﴿وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾ والحفدة جمع حافد وهو المسرع بالخدمةالمسارع إلى الطاعة ومنه قول القانت: وإليك نسعى ونحفد، أي: نسرع إلى طاعتك هذا أصله في اللغة.
واختلف فيه أقوال المفسرين فقال ابن مسعود والنخعي: الحفدة أختان الرجل على بناته. وعن ابن مسعود أنهم أصهاره فهو بمعنى الأوّل وعلى هذا يكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوّجونهنّ فيحصل لكم بسببهنّ الأختان والأصهار. وقال الحسن وعكرمة والضحاك: هم الخدم. وقال مجاهد: هم الأعوان وكل من أعانك فهو حفيدك. وقال عطاء: هم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه. وقال الكلبي ومقاتل: البنون هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذين يعينون الرجل الذين ليسوا منه، أي: أولاد المرأة من الزوج الأوّل. قال الرازي: والأولى دخول الكل فيه لأنّ اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالحفدة البنون أنفسهم كأنه قيل: جعل لكم منهنّ أولاداً هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين انتهى. ومع هذا فالمشهور أنّ الحافد ولد الولد من الذكور والإناث.
فائدة: قال الأطباء وأهل الطبيعة: المني إذا انصب إلى الخصية اليمنى من الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة، وإذا انصب من الخصية اليسرى ثم انصب إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد أنثى تاماً في الأنوثة، وإذا انصب إلى الخصية اليمنى وانصب منها إلى الجانب الأيسر من الرحم كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإذا انصب إلى الخصية اليسرى ثم انصب منها إلى الجانب الأيمن من الرحم كان هذا الولد أنثى في طبيعة الذكور. وحاصل كلامهم أنّ الذكور الغالب عليهم الحرارة واليبوسة والغالب على الإناث البرودة والرطوبة، وهذه العلة ضعيفة فإنّ في النساء من مزاجها في غاية السخونة وفي الرجال من مزاجه في غاية البرودة فخالق الذكر والأنثى هو الإله القادر الحكيم. ولما ذكر تعالى إنعامه على عبيده بالمنكوح وما بينه فيه من المنافع والمصالح ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة فقال: ﴿ورزقكم من الطيبات﴾ سواء كانت من النبات وهي الثمار والحبوب والأشربة أو كانت من الحيوان والمراد بالطيب المستلذ أو الحلال ومن في من الطيبات للتبعيض لأنّ كل الطيبات في الجنة وما طيبات الدنيا إلا أنموذج منها واختلف في تفسير قوله تعالى: ﴿أفباطل يؤمنون﴾ فقال ابن عباس: يعني بالأصنام. وقال مقاتل: يعني بالشيطان، وقال عطاء: يصدّقون أنّ لي شريكاً وصاحبة وولداً. ﴿وبنعمت الله هم يكفرون﴾ أي: بأن يضيفوها إلى غير الله تعالى، ويتركون إضافتها إلى الله تعالى. وقيل: الباطل ما سوّل لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ونعمة الله ما أحل لهم من هذه الطيبات وتحريم الخبائث. فائدة: رسمت نعمت هنا بالتاء ووقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالهاء والباقون بالتاء والكسائي يقرأ بالإمالة. ولما شرح الله تعالى الدلائل على صحة التوحيد وأتبعها بذكر أقسام النعم العظيمة أتبعها بالرد على عبدة الأصنام فقال:
﴿ويعبدون من دون الله﴾ أي: غيره ﴿ما لا يملك لهم رزقاً﴾
стр. 903
أي: تاركين عبادة من بيده جميع الأرزاق وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات ويعبدون غيره، ثم بين تعالى جهة الرزق بقوله تعالى: ﴿من السموات والأرض﴾ أمّا الرزق الذي يأتي من جانب السماء فالمطر، وأمّا الذي من جانب الأرض فالنبات والثمار التي تخرج منها، وقوله تعالى: ﴿شيئاً﴾ فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه منصوب على المصدر، أي: لا يملك لهم ملكاً، أي: شيئاً من الملك. والثاني: أنه بدل من رزقاً، أي: لا يملك لهم شيئاً. قال ابن عادل: وهذا غير مفيد إذ من المعلوم أنّ الرزق شيء من الأشياء ويؤيد ذلك أنّ البدل لا يأتي إلا لأحد معنيين البيان أو التأكيد، وهذا ليس فيه بيان لأنه أعمّ ولا تأكيد. الثالث: أنه منصوب على أنه اسم مصدر واسم المصدر يعمل عمل المصدر على خلاف في ذلك. ولما كان من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق نفى الله تعالى عنهم ذلك بقوله تعالى: ﴿ولا يستطيعون﴾ أي: وليس لهم نوع استطاعة أصلاً. فإن قيل: إنه تعالى قال: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك﴾ فعبر عن الأصنام بصيغة ما وهي لغير العاقل ثم جمع بالواو والنون. وقال: ﴿ولا يستطيعون﴾ وهو مختص بمن يعقل؟ أجيب: بأنه عبر عنها ثانياً اعتباراً باعتقادهم أنها آلهة.
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ وجهان: الأوّل: قال أكثر المفسرين: ولا تشبهوا الله بخلقه فإنه واحد لا مثل له ولا شبيه ولا شريك من خلقه لأنّ الخلق كلهم عبيده وفي ملكه، فكيف يشبه الخالق بالمخلوق، والرازق بالمرزوق، والقادر بالعاجز. الثاني: أنّ عبدة الأوثان كانوا يقولون أنّ إله العالم أجل وأعظم من أن يعبده الواحد منا، بل نحن نعبد الكواكب أو نعبد هؤلاء الأصنام، ثم إنّ الكواكب والأصنام عبيد الإله الأكبر الأعظم كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حفدة الملك، وأولئك الأكابر كانوا يخدمون الملك فكذا ههنا. ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره ﴿يعلم﴾ أي: خطأ ما أنتم عليه من ضرب الأمثال له. ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ ذلك وقيل معناه: وأنتم لا تعلمون ما عليكم من العقاب العظيم بسبب عبادة هذه الأصنام ولو علمتموه لتركتم عبادتها. ولما ختم تعالى إبطال مذهب عبدة الأصنام بسبب العلم الذي هو مناط السداد عنهم، أكد ذلك بضرب مثل بقوله تعالى:
﴿ضرب الله﴾ أي: الذي له كمال العلم وتمام القدرة. ﴿مثلاً﴾ بالأحرار والعبيد ثم أبدل من مثلاً ﴿عبداً﴾ وقيده بقوله تعالى: ﴿مملوكاً﴾ ليخرج الحرّ. لأنّ العبد يطلق على الحرّ بالنسبة إلى الله تعالى وقيده بقوله تعالى: ﴿لا يقدر على شيء﴾ ليخرج المكاتب ومن فيه شائبة حرّية وهذا مثل شركائهم ثم عطف على عبداً قوله: ﴿ومن﴾ أي: وحرًّا فهي نكرة موصوفة ليطابق عبداً ﴿رزقناه منا رزقاً حسناً﴾ أي: واسعاً طيباً ﴿فهو ينفق منه﴾ دائماً وهو معنى قوله تعالى: ﴿سراً وجهراً﴾ أي: يتصرف فيه كيف يشاء وهذا مثل الإله وله المثل الأعلى ثم بكتهم إنكاراً عليهم بقوله تعالى: ﴿هل يستوون﴾ أي: هذان الفريقان الممثل بهما لأن المراد الجنس فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يسوّى بين مخلوقين أحدهما حرّ مقتدر والآخر مملوك عاجز، فكيف يسوّى بين حجر من صوّان أو غيره وبين الله تعالى الذي له القدرة التامّة على كل شيء، وقيل: ذلك تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق.
стр. 904
تنبيه: جواب هل يستوون هو لا يستوون. وقوله تعالى: ﴿الحمد لله﴾ قال ابن عباس: الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد، وقيل المعنى: أن كل الحمد لله، وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد لأنها جماد عاجز، أي: إنما الحمد لله لا لغيره فيجب على جميع العباد حمد الله لأنه تعالى أهل المحامد والثناء الحسن، فكأنهم قالوا: نحن نعلم ذلك فقيل: ﴿بل أكثرهم﴾ أي: الكفار ﴿لا يعلمون﴾ لكونهم يسوّونه غيره ومن نفى عنه أصل العلم الذي هو أعلى صفات الكمال. كان في عداد الأنعام فهم لذلك يشبهون به ما ذكر ويضربون له الأمثال الباطلة ويضيفون نعمه إلى غيره.
ثم إنه تعالى ضرب لعبدة الأوثان مثلاً آخر بقوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً﴾ ثم أبدل منه ﴿رجلين﴾ ثم استأنف البيان لما أجمل فقال ﴿أحدهما أبكم﴾ وهو الذي ولد أخرس فكل أبكم أخرس وليس كل أخرس أبكم وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: الأبكم الذي لا يسمع ولايبصر وصف الله تعالى هذا الرجل بصفة ثانية بقوله تعالى: ﴿لايقدر على شيء﴾ لأنه لايفهم ولاَيُفهم وفي ذلك إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل ثم وصفه الله تعالى بصفة ثالثة بقوله تعالى: ﴿وهو﴾ أي: ذلك الأبكم العاجز ﴿كلّ على مولاه﴾ أي: ثقيل على من ولي أمره ويعوله، قال أهل المعاني: أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة يقال: كلّ السكين إذا غلظت شفرته فلم تقطع وكلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام وكل فلان عن الأمر إذا ثقل عليه فلم ينهض فيه ثم وصفه تعالى بصفة رابعة بقوله: ﴿أينما يوجهه﴾ أي: يرسله ويصرفه ذلك المولى ﴿لا يأت بخير﴾ لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم، قيل: هذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على عبدتهم ووبخهم الله تعالى بقوله: ﴿هل يستوي هو﴾ أي: هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع ﴿ومن﴾ أي: ورجل آخر على ضد صفته فهو ناطق قادر عالم فطن قوي خبير مبارك ميمون ﴿يأمر﴾ أي: ورجل آخر بماله من العلم والقدرة ﴿بالعدل﴾ أي: يبذل النصيحة لغيره ﴿وهو﴾ في نفسه ظاهراً وباطناً ﴿على صراط﴾ أي: طريق واضح ﴿مستقيم﴾ أي: عامل فيه بما يأمر به، قيل: هذا مثال المعبود بالحق الذي يكفي عابديه جميع المؤن وهو دال على كمال علمه وتمام قدرته، وقيل: المراد من هذا الأبكم عبد لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه كان ذلك العبد يكره الإسلام وما كان فيه خير ومولاه وهو عثمان يأمر بالعدل وكان على الدين القويم والصراط المستقيم، وقيل: المراد كل عبد موصوف بهذه الصفات المذمومة وكل حر موصوف بتلك الصفات الحميدة وهذا القول كما قال الرازي أولى من الأول لأن وصفه تعالى إياهما بكونهما رجلين يمنع من حمل ذلك على
الوثن وكذلك بالبكم وبالكلّ وبالتوجه في جهات المنافع وكذلك وصف الآخر بأنه على صراط مستقيم يمنع من حمله على الله تعالى وأيضاً المقصود تشبيه صورة بصورة في أمر من الأمور وذلك التشبيه لا يتم إلا عند كون إحدى الصورتين مغايرة للأخرى، وأمّا القول الثاني فضعيف أيضاً لأنّ المقصود إبانة التفرقة بين رجلين موصوفين بالصفات المذكورة وذلك غير مختص بشخص معين بل إذا حصل التفاوت في الصفات المذكورة فإنه يحصل المقصود.
ثم وصف نفسه بكمال العلم بقوله تعالى: ﴿ولله﴾ أي: لا لغيره ﴿غيب السموات
стр. 905
والأرض﴾ وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوساً ولم يدل عليه محسوس، وقيل: الغيب هنا هو قيام الساعة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض ثم وصف كمال قدرته بقوله تعالى: ﴿وما أمر الساعة﴾ وهو الوقت الذي يكون فيه البعث ﴿إلا كلمح البصر﴾ أي: إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، والمعنى: وما أمر قيام الساعة في السرعة والسهولة إلا كطرف العين والمراد منه تقدير كمال القدرة ومعنى قوله تعالى: ﴿أو هو أقرب﴾ إنّ لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ولا شك أنّ الحدقة مؤلفة من أجزاء فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف الحدقة ولاشك أن تلك الأجزاء كثيرة والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلذلك قال أو هو أقرب إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره، ثم قال: ﴿أو هو أقرب﴾ تنبيهاً على ما مرّ ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك فالمراد إذاً بل هو أقرب، وقال الزجاج: المراد به الإبهام على المخاطبين لا أنه تعالى يأتي بالساعة إمّا بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع، وقيل معناه: إنّ قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة كقوله تعالى: ﴿وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ (الرحمن، ٤٧)
. ﴿إنّ الله﴾ أي: الملك الأعظم ﴿على كل شيء قدير﴾ فيقدر على أن يحي الخلائق دفعة واحدة كما قدر على إحيائهم، فإنه تعالى مهما أراده كان في أسرع ما يكون ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار فعطف على قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً﴾ قوله :
﴿والله﴾ أي: الذي له العظمة كلها ﴿أخرجكم﴾ بقدرته وعلمه ﴿من بطون أمّهاتكم﴾ حال كونكم عند الإخراج ﴿لا تعلمون شيئاً﴾ من الأشياء قلّ أو جلّ فالذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطون الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى. وقرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة والباقون بضمها، وقرأ حمزة بكسر الميم والباقون بفتحها ثم عطف على أخرجكم قوله تعالى: ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة﴾ آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه وفتق مواضعها وسوّاها وعدلها، وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يد ولا يتمكن من شق شيء منه بآلة فالذي قدر على ذلك في البطن إبداعاً قادر على إعادته في بطن الأرض، بل بطريق الأولى. قال البقاعيّ: ولعله تعالى جمعهما، أي: الأبصار والأفئدة دون السمع لأنّ التفاوت فيهما أكثر من التفاوت فيه بما لا يعلمه إلا الله، والأفئدة هي القلوب التي هيأها الله تعالى للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة للمعاني الدقيقة ﴿لعلكم تشكرون﴾ لتصيروا بمعارف القلوب التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات في حال يرجى فيها شكركم لما أفاض عليكم من لطائف صنعه بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة فإنه إنما أنعم عليكم بهذه الحواس لتستعملوها في شكر من أنعم بها عليكم.
فإن قيل: عطف وجعل لكم السمع على أخرجكم يقتضي أن يكون جعل السمع والبصر متأخرين عن الإخراج من البطون مع أنّ
стр. 906
الأمر ليس كذلك؟ أجيب: بأنّ حرف الواو لا يوجب الترتيب وأيضاً إذا حملنا السمع على الاستماع والأبصار على الرؤية زال السؤال ثم إنه تعالى ذكر دليلاً آخر على كمال قدررته وحكمته بقوله تعالى:
﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات﴾ أي: مذللات للطيران ﴿في جوّ السماء﴾ أي: في الهواء بين الخافقين مما لا يقدرون عليه بوجه من الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول فعلم قطعاً أنه تعالى خلق الطير خلقة معها يمكنه الطيران فيها وإلا لما أمكن ذلك لأنه تعالى أعطى الطير جناحاً يبسطه مرة ويكسره مرّة أخرى مثل ما يعمل السابح في الماء، وخلق الجوّ خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنفاذ فيه، ولولا ذلك لما كان الطيران ممكناً ومع ذلك ﴿ما يمسكهنّ﴾ في الجوّ عن الوقوع ﴿إلا الله﴾ أي: الملك الأعظم فإنّ جسد الطير جسم ثقيل، والجسم الثقيل يمتنع بقاؤه في الجوّ معلقاً من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوّ هو الله تعالى. وقرأ ابن عامر وحمزة بالتاء على أنه خطاب العامّة والباقون بالياء على الغيبة ﴿إنّ في ذلك﴾ المذكور ﴿لآيات﴾ أي: دلالات ﴿لقوم يؤمنون﴾ وخصهم بذلك لأنهم هم المنتفعون بها وإن كانت هذه الآيات آيات لكل العقلاء.
ثم ذكر تعالى نوعاً آخر من دلائل التوحيد بقوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: الذي له الحكمة البالغة. ﴿جعل لكم من بيوتكم﴾ وأصل البيت المأوى ليلاً ثم اتسع فيه ﴿سكناً﴾ أي: موضعاً لتسكنوا فيه. تنبيه: البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين: أحدهما: البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن تسقيف البيوت، وإليها الإشارة بقوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من بيوتكم سكناً﴾ وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقلها، بل الإنسان ينتقل إليها. والقسم الثاني: القباب والخيام والفساطيط، وإليها الإشارة بقوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً﴾ المتخذة من الأدم ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث أنها ثابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها ﴿تستخفونها﴾ أي: تتخذونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها. ﴿يوم ظعنكم﴾ أي: وقت ترحالكم وعبر باليوم لأنّ الترحال في النهار ﴿ويوم إقامتكم﴾ أي: وقت الحضر أو وقت النزول وهذا القسم من البيوت يمكن نقلها وتحويلها من مكان إلى مكان. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح العين والباقون بالسكون، وأضاف قوله تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ إلى ضمير الأنعام لأنها من جملتها. قال المفسرون وأهل اللغة: الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز. ﴿أثاثاً﴾ أي: ما يلبس ويفرش ﴿ومتاعاً﴾ أي: ما يتجر به، وقيل: الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إلى حين﴾ فقيل: إلى حين تبلى، وقيل: إلى حين الموت، وقيل: إلى حين بعد حين، وقيل: إلى يوم القيامة.
تنبيه: في نصب أثاثاً وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفاً على بيوتاً، أي: وجعل لكم من أصوافها أثاثاً. والثاني: أنه منصوب على الحال، واعلم أنّ الإنسان إمّا أن يكون مقيماً أو مسافراً والمسافر إمّا أن يكون غنياً يستصحب معه الخيام أولا فالقسم الأوّل أشار إليه بقوله تعالى: ﴿جعل لكم من بيوتكم سكناً﴾
стр. 907
وأشار إلى القسم الثاني بقوله تعالى: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً﴾ وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى: ﴿والله﴾ أي: الذي له الجلال والإكرام ﴿جعل لكم﴾ أي: من غير حاجة منه تعالى ﴿مما خلق﴾ من شجر وجبال وأبنية وغيرها. وقوله تعالى: ﴿ظلالاً﴾ جمع ظل تتقون به شدّة الحرّ. وقوله تعالى: ﴿وجعل لكم﴾ مع غناه المطلق ﴿من الجبال أكناناً﴾ جمع كنّ موضع تسكنون فيه من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها ﴿وجعل لكم﴾ أي: امتناناً منه عليكم ﴿سرابيل﴾ جمع سربال. قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره، أي: وسواء كان من صوف أو كتان أو قطن أو غير ذلك ﴿تقيكم الحرّ﴾ ولم يقل تعالى والبرد لتقدّمه في قوله تعالى: ﴿فيها دفء﴾ (النحل، ٥)
. وقيل: إنه اكتفى بأحد المتقابلين. وقيل: كان المخاطبون بهذا الكلام العرب وبلادهم حارّة فكان حاجتهم إلى ما يدفع الحرّ فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال تعالى: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ وسائر أنواع الثياب أشرف إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان الفهم بها أشدّ واعتيادهم للبسها أكثر، ولما كانت السرابيل نوعاً واحداً لم يكرّر لفظ جعل فقال: ﴿وسرابيل﴾ أي: دروعاً من حديد وغيرها ﴿تقيكم بأسكم﴾ أي: حربكم، أي: في الطعن والضرب فيها. ولما عدّد الله تعالى أنواع نعمه قال: ﴿كذلك﴾ أي: كإتمام هذه النعمة المتقدّمة ﴿يتمّ نعمته عليكم﴾ في الدنيا والدين بالبيان والهداية لطريق النجاة والمنافع والتنبيه على دقائق ذلك ﴿لعلكم﴾ يا أهل مكة ﴿تسلمون﴾ أي: تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الأنعامات أحد سواه، وقيل: تسلمون من الجراح بلبس الدروع.
﴿فإن تولوا﴾ فلم يقبلوا منك وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر ﴿فإنما عليك﴾ يا أفضل الخلق ﴿البلاغ المبين﴾ هذا جواب الشرط وفي الحقيقة جواب الشرط محذوف، أي: فقد تمهد عذرك بعد ما أدّيت ما وجب عليك من التبليغ فذكر سبب العذر وهو البلاع ليدل على المسبب وذلك لأنّ تبلغيه سبب في عذره فأقيم السبب مقام المسبب وهذا قبل الأمر بالقتال، ثم إنه تعالى ذمّهم بأنهم
﴿يعرفون نعمة الله﴾ أي: الملك الأعظم التي تقدّم عدّ بعضها في هذه السورة وغيرها ﴿ثم ينكرونها﴾ بعبادتهم غير المنعم بها، وقال السدي: نعمة الله يعني محمداً ﷺ أنكروه وكذبوه. وقيل: نعمة الله هي الإسلام وهو من أعظم النعم التي أنعم الله تعالى بها على عباده، ثم إنّ كفار مكة أنكروه وجحدوه، واختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وأكثرهم الكافرون﴾ مع أنهم كلهم كانوا كافرين على وجوه؛ الأوّل: إنما قال تعالى: ﴿وأكثرهم﴾ لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجة، ممن لم يبلغ حدّ التكليف أو كان ناقص العقل فأراد بالأكثر البالغين الأصحاء. الثاني: أن يكون المراد بالكافر الجاحد المعاند وكان فيهم من لم يكن معانداً بل كان جاهلاً بصدق الرسول وما ظهر له كونه نبياً حقاً من عند الله. الثالث: أنه ذكر الأكثر والمراد الجميع لأنّ أكثر الشيء يقوم مقام الكل، فذكر الأكثر كذكر الجميع، وهذا كقوله تعالى: ﴿الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ (الزمر، ٢٩)
ولما بين تعالى من حال القوم أنهم عرفوا نعمة الله ثم أنكروها وذكر أيضاً من حالهم أن أكثرهم كافرون أتبعه بالوعيد فذكر حال يوم القيامة بقوله تعالى: ﴿ويوم﴾ أي: وخوّفهم
стр. 908
يوم أو واذكر لهم يوم ﴿نبعث﴾ بعد البعث ﴿من كل أمّة شهيداً﴾ هو نبيها كما قال تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ (النساء، ٤١)
يشهد نبيها لها وعليها يوم القيامة ليحكم تعالى بقوله إجراء للأمر على ما يتعارفون وإن كان تعالى غنياً عن شهيد. وقوله تعالى: ﴿ثم لا يؤذن للذين كفروا﴾ فيه وجوه: أحدها: لا يؤذن لهم في الاعتذار كقوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ (المرسلات، ٣٦)
. ثانيها: لا يؤذن لهم في كثرة الكلام. ثالثها: لا يؤذن لهم في الرجوع إلى دار الدنيا وإلى التكليف. رابعها: لا يؤذن لهم في حال شهادة الشهود بل يسكت أهل الجمع كلهم ليشهد الشهود. فإن قيل: ما معنى ثم ههنا؟ أجيب: بأنّ معناها أنهم يمتحنون، أي: يبتلون بغير شهادة الأنبياء ﵈ بما هو أطمّ منها وأنهم يمنعون الكلام فلا يؤذن لهم في إلقاء معذرة ولا إدلاء بحجة ﴿ولا هم يستعتبون﴾ أي: لا تزال عتباهم وهي ما يعتبون عليها ويلامون، يقال: استعتبت فلاناً بمعنى اعتبته، أي: أزلت عتباه.
﴿وإذا رأى الذين ظلموا﴾ أي: ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي ﴿العذاب﴾ أي: عذاب جهنم بعد الموقف وشهادة الشهداء ﴿فلا يخفف عنهم﴾ ذلك العذاب ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي: لا يمهلون. ولما بين تعالى حاصل أمرهم في البعث وما بعده وكان من أهمّ المهمّ أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا يرجونهم عطف على ذلك بقوله تعالى:
﴿وإذا رأى﴾ أي: بالعين يوم القيامة ﴿الذين أشركوا شركاءهم﴾ أي: الآلهة التي كانوا يدعونها شركاء من الشياطين وغيرها ﴿قالوا ربنا﴾ أي: يا من أحسن إلينا وربانا ﴿هؤلاء شركاؤنا﴾ أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها الموجبة لضرّهم ثم بينوا المراد بقولهم: ﴿الذين كنا ندعوا﴾ أي: نعبدهم ﴿من دونك﴾ ليقرّبونا إليك فأكرمنا لأجلهم جرياً على مناهجهم في الدنيا في الجهل والغباوة فخاف شركاؤهم من عواقب هذا القول والإقرار عليه سطوات الغضب ﴿فألقوا﴾ أي: الشركاء ﴿إليهم﴾ أي: المشركين ﴿القول﴾ أي: بادروا به حتى كان إسراعهم إليه إسراع شيء ثقيل يلقى من علو وأكدوا قولهم فقالوا: ﴿إنكم لكاذبون﴾ في جعلنا شركاء أو أنكم عبدتمونا حقيقة وإنما عبدتم أهواءكم كقوله تعالى: ﴿كلا سيكفرون بعبادتهم﴾ (مريم، ٨٢)
ولا يبعد أن تنطق الأصنام بذلك يومئذ في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ (إبراهيم، ٢٢)
. ﴿وألقوا﴾ أي: الشركاء ﴿إلى الله﴾ أي: الملك الأعلى ﴿يومئذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿السلم﴾ أي: الاستسلام بحكمه بعد الاستكبار في الدنيا ﴿وضلّ﴾ أي: غاب ﴿عنهم﴾ أي: الكفار ﴿ما كانوا يفترون﴾ أي: من أنّ آلهتهم تشفع لهم. ولما ذكر تعالى وعيد الذين كفروا أتبعه بوعيد من ضمّ إلى كفره صد الغير عن سبيل الله بقوله تعالى:
﴿الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله﴾ أي: ضموا مع كفرهم أنهم منعوا الناس عن الدخول في الإيمان بالله وبرسوله ﴿زدناهم عذاباً﴾ لصدّهم ﴿فوق العذاب﴾ المستحق بكفرهم ﴿بما كانوا يفسدون﴾ أي: بكونهم مفسدين بصدّهم، وقيل: زدناهم عذاباً بحيات وعقارب كأمثال البخت يستغيثون بالهرب منها إلى النار ومنهم من ذكر أنّ لكل عقرب ستمائة نقرة في كل نقرة ثلاثمائة قلة من سم، وقيل: عقارب لها أنياب كالنخل الطوال ثم كرّر سبحانه
стр. 909
وتعالى التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما أفهمته الآية السابقة وهو أنّ الشهادة تقع على الأمم لا لهم وتكون بحضرتهم فقال:
﴿ويوم﴾ أي: وخوفهم أو واذكر لهم يوم ﴿نبعث﴾ أي: بمالنا من القدرة ﴿في كل أمّة﴾ من الأمم والأمّة عبارة عن القرن والجماعة ﴿شهيداً عليهم﴾ قال ابن عباس: يريد الأنبياء قال المفسرون: كل نبيّ شاهد على أمّته وهو أعدل شاهد عليها ﴿من أنفسهم﴾ أي: منهم لأنّ كل نبيّ إنما بعث من قومه الذين بعث إليهم ليشهدوا عليهم بما فعلوا من كفر وإيمان وطاعة وعصيان ﴿وجئنا﴾ بما لنا من العظمة ﴿بك﴾ يا خير المرسلين ﴿شهيداً على هؤلاء﴾ أي: الذين بعثناك إليهم وهم أهل الأرض وأكثرهم ليس من قومه ﷺ ولذلك لم تقيد بعثته بشيء، وقال أبو بكر الأصم: المراد بذلك الشهيد هوأنه تعالى ينطق عشرة من أعضاء الإنسان حتى أنها تشد عليه وهو الأذنان والعينان والرجلان واليدان والجلد واللسان، قال: والدليل عليه ماقاله في صفة الشهيد أنه من أنفسهم وهذه الأعضاء لا شك أنها من أنفسهم، ورد بأنه تعالى قال: ﴿شهيداً عليهم﴾ يجب أن يكون غيرهم، وأيضاً قال ﴿من كل أمّة﴾ فيجب أن يكون ذلك الشهيد من الأمّة وآحاد هذه الأعضاء لا يصح وصفها بأنها من الأمّة، ثم بيّن تعالى أنه أزاح علتهم فيما كلفوا به فلا حجة لهم ولا معذرة بقوله تعالى: ﴿ونزلنا﴾ أي: بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم ﴿عليك﴾ ياخير خلق الله ﴿الكتاب﴾ أي: القرآن الجامع للهدى ﴿تبياناً﴾ أي: بياناً بليغاً ﴿لكل شيء﴾ فإن قيل: كيف كان القرآن تبياناً لكل شيء؟ أجيب: بأن المعنى من كل شيء من أمور الدين حيث كان نصاً على بعضها وإحالة على السنة حيث أمر فيه بإتباع النبيّ ﷺ وطاعته. وقد قال تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ (النجم، ٣)
وحثاً على الاجماع في قوله تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ (النساء، ١١٥)
وقد رضي رسول الله ﷺ لأمّته اتباع أصحابه والاقتداء بآثارهم وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا طرق القياس والاجتهاد فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مسندة إلى تبيان الكتاب فمن ثم كان تبياناً لكل شيء ﴿وهدى﴾ أي: من الضلالة ﴿ورحمة﴾ لمن آمن به وصدّقه ﴿وبشرى﴾ بالجنة ﴿للمسلمين﴾ أي: الموحدين خاصة ولما استقصى في شرح الوعد والوعيد والرغبة والترهيب أتبعه بقوله:
﴿إنّ الله﴾ أي: الملك المستجمع لصفات الكمال ﴿يأمر بالعدل﴾ قال ابن عباس: في بعض الروايات العدل شهادة أن لا إله إلا الله ﴿والإحسان﴾ أداء الفرائض، وقال في رواية أخرى: العدل خلع الأنداد والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحبّ للناس ما تحبّ لنفسك فإن كان مؤمناً أحببت له أن يزداد إيماناً وإن كان كافراً أحببت له أن يكون أخاك في الإسلام، وقال في رواية ثالثة: العدل هو التوحيد والإحسان هو الإخلاص فيه وقال آخرون: يعني بالعدل في الأفعال والإحسان في الأقوال فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو إحسان وأصل العدل المساواة في كل شيء من غير زيادة ولا نقصان فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيراً فخير وإن شراً فشر والإحسان أن تقابل الخير بأكثر منه والشرّ بأن تعفو عنه، وعن الشعبي قال عيسى بن مريم: إنما الإحسان أن تحسن
стр. 910
إلى من أساء إليك، ليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك. وقيل: العدل الإنصاف، والإنصاف أعدل من الاعتراف للمنعم بإنعامه، والإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، وعن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال: صف لي العدل؟ فقلت: بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أبا ولكبيرهم ابناً وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك. ﴿وإيتاء﴾ أي: ومن الإحسان إيتاء ﴿ذي القربى﴾ أي: القرابة القربى والبعدى فيندب أن تصلهم من فضل ما رزقك الله فإن لم يكن لك فضل فدعاء حسن وتودّد. وروى أبو سلمة عن أبيه أنّ رسول الله
ﷺ قال: «إنّ أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم، إنّ أهل هذا البيت ليكونون تجاراً فتنمى أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم» .
ولما أمر تعالى بالمكارم نهى عن المساوئ بقوله تعالى: ﴿وينهى عن الفحشاء﴾ قال ابن عباس:، أي: الزنا، فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها. وقال غيره: الفحشاء ما قبح من القول والفعل فيدخل فيه الزنا وغيره من جميع الأقوال والأفعال المذمومة جميعها. ﴿والمنكر﴾ قال ابن عباس: يعني الشرك والكفر. وقال غيره: المنكر ما لا يعرف في شريعة أو سنة. ﴿والبغي﴾ هو الاستيلاء على الناس والتجبر عليهم قيل: إنّ أعجل المعاصي عقاباً البغي، ولو أنّ جبلين بغى أحدهما على الآخر لدك الباغي. ونص تعالى على البغي مع دخوله في المنكر اهتماماً به، كما بدأ بالفحشاء لذلك. وقال ابن قتيبة في هذه الآية: العدل استواء السرّ والعلانية والإحسان أن تكون سريرته خيراً من علانيته والفحشاء والمنكر والبغي أن تكون علانيته أحسن من سريرته. وقال بعض العلماء: إنّ الله تعالى ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء، فذكر العدل وهو الإنصاف والمساواة في الأقوال والأفعال، وذكر في مقابلته الفحشاء وهو ما قبح من الأقوال والأفعال، وذكر الإحسان وهو أن يعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، وذكر في مقابلته المنكر وهو أن ينكر إحسان من أحسن إليه، وذكر إيتاء ذي القربى، والمراد به صلة القرابة والتودّد إليهم والشفقة عليهم وذكر في مقابلته البغي وهو أن يتكبر عليهم أو يظلمهم حقوقهم. ولما كان هذا المذكور من أبلغ المواعظ نبه عليه بقوله تعالى: ﴿يعظكم﴾ أي: يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة الثلاثة الأول وهي العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ومجانبة الثلاثة الأخيرة وهي الفحشاء والمنكر والبغي. ﴿لعلكم تذكرون﴾ أي: لكي تتعظوا فتعملوا بما فيه رضا الله تعالى. وقرأ حفص وحمزة والكسائي بتخفيف الذال والباقون
بالتشديد وفيه ادغام التاء في الأصل في الذال. وروى البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن مسعود أنه قال: أعظم آية في كتاب الله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو الحيّ
القيوم﴾ (البقرة، ٢٥٥)
وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر الآية التي في النحل: ﴿إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ (الطلاق: ٢، ٣)
وأشدّ آية في كتاب الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ (الزمر، ٥٣)
الآية. وقال أهل المعاني: لما قال الله تعالى في الآية الأولى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ بيّن في هذه الآية المأمور به والمنهي عنه على سبيل الإجمال فما من شيء يحتاج
стр. 911
إليه الناس في أمر دينهم مما يجب أن يؤتى به أو يترك إلا وقد اشتملت عليه هذه الآية.
وعن قتادة: ليس من خلق حسن كان من أهل الجاهلية يعملون به ويعظونه ويخشونه إلا أمر الله تعالى به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه. وعن عكرمة أنّ النبيّ ﷺ قرأ على الوليد بن المغيرة ﴿إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخر الآية. فقال له: يا ابن أخي أعد عليّ فأعادها عليه؟ فقال الوليد: والله إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، ولما تقرّرت هذه الجمل التي جمعت بجمعها المأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر والصدور، وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت من البلاغة مبلغاً يحصل به غاية السرور. ذكر بعض تلك الأقسام وبدأ بما هو مع جمعه أهمّ وهو الوفاء بالعهد بقوله تعالى: ﴿وأوفوا﴾ أي: أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره ﴿بعهد الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل من التوحيد والبيع والإيمان وغيرها من أصول الدين وفروعه ﴿إذا عاهدتم﴾ بتقلبكم له بإذعانكم لامتثاله ﴿ولا تنقضوا الأيمان﴾ واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى: ﴿بعد توكيدها﴾ أي: تشديدها فتحنثوا فيها، وفي ذلك دليل على أن المراد بالعهد غير اليمين لأنه أعم منه. وقرأ أبو عمرو بادغام الدال في التاء بخلاف عنه. ﴿و﴾ الحال أنكم ﴿قد جعلتم الله﴾ أي: الذي له العظمة كلها ﴿عليكم كفيلاً﴾ أي: شاهداً ورقيباً. وقرأ نافع وابن كثير وابن ذكوان وعاصم بإظهار دال قد عند الجيم والباقون بالادغام. وعن جابر ﵁ قال: نزلت هذه الآية في بيعة النبيّ ﷺ كان من أسلم بايع على الإسلام فقال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها﴾ فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام. ﴿إنّ الله﴾ أي: الذي له الإحاطة الكاملة ﴿يعلم ما تفعلون﴾ من وفاء العهد ونقضه. ثم ضرب الله تعالى
لنقض العهد مثلاً فقال:
﴿ولا تكونوا﴾ أي: في نقض العهد ﴿كالتي نقضت غزلها﴾ أي: ما غزلته فهو مصدر بمعنى المفعول ﴿من بعد قوّة﴾ أي: إبرام وإحكام، وقوله تعالى: ﴿أنكاثاً﴾ جمع نكث وهو ما ينقض من الغزل والحبل. قال مقاتل: هذه إمرأة من قريش يقال لها: رائطة، وقيل: ريطة وتلقب بجعواء وكان خرقاء حمقاء لها وسوسة اتخذت مغزلاً قدر ذراع وصنارة مثل إصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهنّ فينقضن ما غزلن وكان هذا دأبها. وقال السدّي: كانت امرأة بمكة تسمى خرقاء مكة تغزل فإذا برمت غزلها نقضته. وقال مجاهد: نقضت حبلها بعد إبرامها إياه. وقال قتادة: لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم ما أحمق هذه، وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده. وقال في قوله تعالى: ﴿تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم﴾ خيانة وغدراً انتهى. والدخل ما يدخل في الشيء على سبيل الفساد، وقيل: الدخل والدغل أن يظهر الرجل الوفاء بالعهد ويبطن نقضه وإنما كانوا يفعلون ذلك ﴿أن﴾ أي: بسبب أن ﴿تكون﴾ أو مخافة أن تكون، وتكون يجوز أن تكون تامّة فتكون ﴿أمّة﴾ أي: جماعة فاعلها وأن تكون ناقصة فتكون أمّة اسمها و ﴿هي﴾ مبتدأ و ﴿أربى﴾ أي: أكثر ﴿من أمّة﴾
стр. 912
خبره، والجملة في محل نصب على الحال على الوجه الأوّل وفي موضع الخبر على الثاني، وأربى مأخوذ من ربا الشيء يربو إذا زاد، وهذه الزيادة قد تكون في العدد وفي القوّة وفي الشرف. قال مجاهد: وكانوا يحالفون الحلفاء ثم يجدون من كان أعز منهم وأشرف فينقضون حلف الأوّلين ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهاهم الله تعالى عن ذلك ﴿إنما يبلوكم الله﴾ الذي له الملك كله، أي: يختبركم ﴿به﴾ أي: يعاملكم معاملة المختبر ليظهر للناس تمسككم بالوفاء وانخلاعكم عنه اعتماداً على كثرة أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين أو غيرهم مع قدرته على ما يريد فيوشك
أن يعاقب
بالمخالفة فيضعف القويّ ويقلل الكثير ويكثر القليل. ﴿وليبينن لكم﴾ أي: إذا تجلى لفصل القضاء ﴿يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون﴾ أي: إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب، فاحذروا يوم العرض على مالك السموات والأرض، وأنّ من نوقش الحساب يهلك.
﴿ولو شاء الله﴾ أي: الملك الأعلى الذي لا أثر لأحد معه أن يجعلكم أمّة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه ﴿لجعلكم أمّة واحدة﴾ أي: متفقة على أمر واحد وهو دين الإسلام ﴿ولكن﴾ لم يشأ ذلك بل شاء اختلافكم فهو تعالى: ﴿يضلّ من يشاء﴾ عدلاً منه تعالى لأنه تامّ الملك، ولو كان الذي أضله على أحسن الحالات ﴿ويهدي﴾ بفضله ﴿من يشاء﴾ ولو كان على أخس الحالات والأحوال فبذلك تكونون مختلفين لا يسئل عما يفعل ﴿ولتسئلنّ عما كنتم تعملون﴾ في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بعدله تعالى. ولما حذر عن نقض العهد والأيمان مطلقاً قال تعالى:
﴿ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً﴾ أي: فساداً ومكراً وخديعة ﴿بينكم﴾ وليس المراد منه التحذير عن نقض مطلق الأيمان وإلا لزم التكرار الخالي عن الفائدة في موضع واحد بل المراد نهي أولئك الأقوام المخاطبين بهذا الخطاب عن بعض أيمان مخصوصة أقدموا عليها فلهذا المعنى قال المفسرون: المراد نهي الذين بايعوا النبيّ ﷺ عن نقض العهد لأنّ قوله تعالى: ﴿فتزلَّ﴾ أي: فيكون ذلك سبباً لأن تزل ﴿قدم﴾ هي في غاية العظمة ﴿بعد ثبوتها﴾ أي: عن مركزها التي كانت به من دين أو دنيا فلا يصير لها قرار فتسقط عن مرتبتها لا يليق بنقض عهد قبله وإنما يليق بنقض عهد رسول الله ﷺ على الإيمان به وبشرائعه. تنبيه: فتزل منصوب بإضمار أن على جواب النهي وزلل القدم مثل يذكر لكل من وقع في بلاء بعد عافية أو سقط في ورطة بعد سلامة أو محنة بعد نعمة ﴿وتذوقوا السوء﴾ أي: العذاب في الدنيا ﴿بما﴾ أي: بسبب ما ﴿صددتم﴾ أي: أنفسكم ومنعتم بأيمانكم التي قد أردتم بها الإفساد وخفاء الحق. ﴿عن سبيل الله﴾ أي: دينه وذلك أنّ من نقض العهد سهل على غيره طرق نقض العهد فيستن به ﴿ولكم﴾ مع ذلك ﴿عذاب عظيم﴾ أي: ثابت غير منفك إذا متم على ذلك ثم أكد هذا التحذير بقوله تعالى:
﴿ولا تشتروا﴾ أي: ولا تكلفوا أنفسكم لجاجاً وتركاً للنظر أن تأخذوا وتستبدلوا. ﴿بعهد الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿ثمناً قليلاً﴾ أي: من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيراً ثم علل قلته بقوله تعالى: ﴿إنما عند الله﴾
стр. 913
أي: الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين ﴿هو خير لكم﴾ ولا يعدل عن الخير إلى غيره إلا لجوج ناقص العقل، ثم شرط علم خيريته لكونهم من ذوي العلم بقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم والتمييز فتعلمون فضل ما بين العوضين ثم بين ذلك بقوله تعالى:
﴿ما عندكم﴾ أي: من متاع الدنيا ولذاتها ﴿ينفد﴾ أي: يفنى فصاحبه منغص العيش أشدّ ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه ﴿وما عند الله﴾ أي: الذي له الأمر كله من ثواب الآخرة ونعيم الجنة ﴿باق﴾ أي: دائم. روي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أحب دنياه أضرّ بآخرته، ومن أحب آخرته أضرّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» . وقرأ ابن كثير باقي في الوقف بالياء، والباقون بغير ياء. وأمّا في الوصل فالجميع بالتنوين. ﴿وليجزينّ الذين صبروا﴾ على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي في السرّاء والضرّاء. ﴿أجرهم﴾ أي: ثواب صبرهم ﴿بأحسن ما كانوا يعملون﴾ أي: بجزاء أحسن من أعمالهم أو يجزيهم على أحسن أعمالهم وذلك لأنّ المؤمن قد يأتي بالمباحات وبالمندوبات وبالواجبات ولا شكّ أنّ الواجبات والمندوبات مما يثاب على فعلها لا على فعل المباحات.
وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون قبل الجيم، أي: ولنجزين نحن والباقون بالياء، أي: وليجزين الله. ثم إنه تعالى رغب المؤمنين في الإيمان بكل ما كان من شرائع الإسلام بقوله تعالى:
﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن﴾ إذ لا اعتداد بأعمال الكفار في استحقاق الثواب وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب. فإن قيل: من عمل صالحاً يفيد العموم فما فائدة من ذكر أو أنثى؟ أجيب: بأنه ذكر دفعاً للتخصيص بأحد الفريقين. واختلف في قوله تعالى: ﴿فلنحيينه حياة طيبة﴾ فقال سعيد بن جبير وعطاء: هي الررزق الحلال. وقال مقاتل: هي العيش في الطاعة. وقال الحسن: هي القناعة لأنّ عيش المؤمن في الدنيا وإن كان فقيراً أطيب من عيش الكافر وإن كان غنياً، لأنّ المؤمن لما علم أنّ رزقه من عند الله تعالى وذلك بتقديره وتدبيره تعالى. وعرف أنّ الله تعالى محسن كريم حكيم يضع الأشياء في محلها فكان المؤمن راضياً بقضاء الله وبما قدّره له ورزقه إياه، وعرف أنّ مصلحته في ذلك القدر الذي رزقه فاستراحت نفسه من الكدر والحرص فطاب عيشه بذلك، وأمّا الكافر والجاهل بهذه الأصول فدائم الحرص على طلب الرزق فيكون أبداً في حزن وتعب وعناء وحرص في الدنيا ولا يناله من الرزق إلا ما قدّر له فظهر بهذا أن عيش المؤمن القنوع أطيب من غيره. وقال السدّي: الحياة الطيبة إنما تحصل في القبر لأنّ المؤمن يستريح بالموت من كدّ الدنيا وتعبها. وقال مجاهد وقتادة: هي الجنة لأنها حياة بلا موت، وغنى بلا فقر، وصحة بلا سقم، وملك بلا هلك، وسعادة بلا شقاوة. فأثبت بهذا أنّ الحياة الطيبة لا تكون إلا في الجنة، ولا مانع من أنّ المؤمن الكامل يحصل جميع ذلك ثم إنّ الله تعالى ختم الآية بقوله تعالى: ﴿ولنجزينهم أجرهم﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿بأحسن ما كانوا يعملون﴾ أي: من الطاعة وقد سبق تفسيره. ولما قال تعالى: ﴿ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ أرشد به إلى العمل الذي به تخلص أعماله من الوسواس بقوله تعالى:
﴿فإذا قرأت القرآن﴾ أي: أردت قراءته ﴿فاستعذ﴾ أي: إن شئت جهراً وإن شئت سرًّا. قال الشافعي رضي الله
стр. 914
تعالى عنه: والإسرار أولى في الصلاة. وفي قول يجهر كما يفعل خارج الصلاة. ﴿بالله﴾ أي: سل الذي له الكمال كله أن يعيذك ﴿من الشيطان﴾ أي: المحترق باللعنة ﴿الرجيم﴾ أي: المطرود عن الرحمة من أن يصدّك بوساوسه عن اتباعه ويدخل في ذلك جميع المردة من الشياطين لأنّ لهم قدرة على إلقاء الوسوسة في قلوب بني آدم بإقدار الله تعالى على ذلك. وقيل: المراد إبليس خاصة والاستعاذة بالله تعالى هي الاعتصام به، والخطاب للنبيّ ﷺ ويدخل فيه غيره من أمّته وظاهر الآية وجوب الاستعاذة، وإليه ذهب عطاء سواء كانت القراءة في الصلاة أم في غيرها، واتفق سائر الفقهاء على أنها سنة في الصلاة وغيرها والصارف لهذا الأمر عن الوجوب أحاديث كثيرة منها القراءة بدون ذكر تعوّذ كحديث البخاري وغيره عن أبي سعيد بن العلاء رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «ما منعك أن تجيبني؟ قال: كنت أصلي. قال ألم يقل الله: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم﴾ (الأنفال، ٢٤)
ثم قال: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ » . وفي رواية الموطأ أنه ﷺ نادى أبيّاً وأنه قال له: «كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: أبيّ: فقرأت ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ حتى أتيت إلى آخرها» ، وظاهر الآية يدل على أنّ الاستعاذة بعد القراءة وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين وهو قول أبي هريرة وإليه ذهب مالك وداود الظاهريّ. قالوا: لأنّ قارئ القرآن يستحق ثواباً عظيماً وربما حصل الوسواس في قلب القارئ هل حصل له ذلك الثواب أو لا، فإذا استعاذ بعد القرءاة اندفعت تلك الوساوس وبقي الثواب مخلصاً والذي ذهب إليه الأكثرون من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة وفقهاء الأمصار أنّ الاستعاذة مقدّمة على القراءة قالوا: ومعنى الآية إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله وتبعتهم على ذلك فلهذا قدّرت ذلك في الآية الكريمة، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (المائدة، ٦)
ومثله من الكلام إذا أكلت فسمّ،، أي: إذا أردت أن تأكل فقل: بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا سافرت فتأهب، أي: إذا أردت السفر فتأهب، وأيضاً الوسوسة إنما تحصل في أثناء القراءة فتقديم الاستعاذة على القراءة لتذهب الوسوسة عنه أولى من تأخيرها عن وقت الحاجة إليها. ولما أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالاستعاذة من الشيطان، وكان ذلك يوهم أنّ للشيطان قدرة على التصرّف في إتيان الإنسان أزال الله تعالى ذلك الوهم وبيّن أنه لا قدرة له ألبتة إلا على الوسوسة بقوله تعالى:
﴿إنه ليس له سلطان﴾ أي: بحيث لا يقدر المسلط عليه على الانفكاك عنه. ﴿على الذين آمنوا﴾ أي: بتوفيق ربهم لهم. ﴿وعلى ربهم﴾ وحده ﴿يتوكلون﴾ أي: على أوليائه المؤمنين به والمتوكلين عليه، فإنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع خطواته. وعن سفيان الثوريّ قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم، ثم وصل تعالى بذلك ما أفهمه من أنّ له سلطاناً على غيرهم بقوله:
﴿إنما سلطانه﴾ أي: الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله تعالى له: ﴿على الذين يتولونه﴾ أي: يجيبونه ويطيعونه ﴿والذين هم به﴾ أي: بالله تعالى ﴿مشركون﴾ وقيل الضمير راجع إلى الشيطان والمعنى هم بسببه مشركون بالله. ولما كان المشركون إذا
стр. 915
نزلت آية فيها شدّة ثم نزلت آية ناسخة لها يقولون إن محمداً يستهزئ بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غداً ما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه نزل.
﴿وإذا بدّلنا﴾ أي: بقدرتنا بالنسخ ﴿آية﴾ سهلة كالعدّة بأربعة شهور وعشر وقتال الواحد من المسلمين لاثنين من الكفار، أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب الصلوات الخمس فجعلناها ﴿مكان آية﴾ شاقة كالعدّة بحول ومصابرة عشرة من الكفار أو سهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر والتبديل رفع الشيء ووضع غيره مكانه ﴿والله﴾ أي: الذي له الإحاطة الشاملة ﴿أعلم بما ينزل﴾ من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو غيره ﴿قالوا﴾ أي: الكفار ﴿إنما أنت﴾ يا محمد ﴿مفتر﴾ أي: متقوّل على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه وهو جواب إذا. ﴿والله أعلم بما ينزل﴾ اعتراض، والمعنى: والله أعلم بما ينزل من الناسخ والمنسوخ والتغليظ والتخفيف، أي: هو أعلم بجميع ذلك ومصالح العباد، وهذا توبيخ للكفار على قولهم إنما أنت مفتر، أي: إذا كان هو أعلم بما ينزل فما لهم ينسبون محمداً إلى الافتراء لأجل التبديل والنسخ ﴿بل أكثرهم﴾ وهم الذين يستمرّون على الكفر ﴿لا يعلمون﴾ حكمة فائدة النسخ والتبديل ولا يميزون الخطأ من الصواب، فإن الله تعالى أعلم بمصالح العباد كما أنّ الطبيب يأمر المريض بشربة ثم بعد مدّة ينهاه عنها، ويأمره بغيرها بضدّ تلك الشربة، ثم أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالردّ عليهم بقوله تعالى:
﴿قل﴾ لمن واجهك بذلك منهم ﴿نزّله﴾ أي: القرآن بحسب التدريج لأجل أتباع المصالح بإحاطة علم المتكلم به ﴿روح القدس﴾ أي: جبريل ﵇ وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كما يقال: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد الروح المقدّس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدّس المطهر من المآثم ﴿من ربك بالحق﴾ أي: متلبساً بالحكمة ﴿ليثبت الذين آمنوا﴾ أي: ليثبت بالقرآن قلوب الذين آمنوا فيزدادوا إيماناً ويقيناً ﴿وهدى﴾ أي: بياناً واضحاً ﴿وبشرى للمسلمين﴾ أي: المنقادين لحكمك. فإن قيل: ظاهر الآية أن القرآن لا ينسخ بالسنة لقوله تعالى: ﴿وإذا بدّلنا آية مكان آية﴾ إذ متقضاه أنّ الآية لا تنسخ إلا بأخرى؟ أجيب: بأنّ هذه الآية دلت على أنه تعالى يبدّل آية بآية ولا دلالة فيها على أنه لا يبدّل آية إلا بآية، وأيضاً فجبريل ﵇ ينزل بالسنة كما ينزل بالآية. ولما كان المشركون يقولون: إن محمداً إنما يتعلم هذه القصص وهذه الأخبار من إنسان آخر وهو آدمي مثله وليس هو من عند الله كما يزعم نزل قوله تعالى:
﴿ولقد نعلم﴾ أي: علماً مستمرّاً ﴿أنهم يقولون إنما يعلّمه بشر﴾ واختلف في البشر الذي قال المشركون إنّ النبيّ ﷺ يتعلم منه فقيل: هو عبد لبني عامر بن لؤيّ يقال له: يعيش كان يقرأ الكتب، وقيل: عداس غلام عتبة بن ربيعة، وقيل: عبد لبني الحضرمي صاحب كتب، وكان اسمه خيراً فكانت قريش تقول: عبد بني الحضرمي يعلّم خديجة وخديجة تعلّم محمداً، وقيل: كان بمكة نصراني أعجميّ اللسان اسمه بلعام، ويقال: ابن ميسرة يتكلم بالرومية، وقيل: سلمان الفارسي، وبالجملة فلا فائدة في تعداد هذه الأسماء والحاصل أنّ القوم اتهموه بأنه يتعلم هذه الكلمات من غيره ثم إنه يظهرها من نفسه، ويزعم أنه إنما عرفها بالوحي وهو كاذب فيه فأجاب
следующие страницы →