[باب ما جاء في الأمانة والخيانة فيها وتفسير الأمانة]
" ٩٩ " باب ما جاء في الأمانة والخيانة
فيها وتفسير الأمانة وقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢] .
روى البيهقي (١) عن ابن مسعود ﵁ قال: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الأمانة والدين - يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال له أد أمانتك فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال انطلقوا به إلى الهاوية فينطلقون به إليها فتمثل له أمانته كهيأتها يوم دفعت إليه فيراها ويعرفها فيهوي في أثرها حتى يدركها فيحملها على منكبه حتى إذا ظن أنه خارج زلت عن منكبه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين ثم قال الصلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة - وعدد أشياء - وأشد ذلك الودائع قال: فأتيت البراء فقلت: ألا ترى إلى ما قال ابن مسعود؟ قال كذا وكذا. قال صدق أما سمعت الله تعالى يقول ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ » قال زيد بن أسلم هي الصوم والغسل من الجنابة وما خفي من الشرائع.
стр. 177
[باب الولايات من الأمانة]
" ١٠٠ " باب الولايات من الأمانة
٢٠٩ - عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «أن أعرابيا سأل النبي ﷺ متى الساعة؟ قال: " إذا ضيعت الأمانة فانتظر (١) الساعة - قال كيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» أخرجه البخاري.
ــ
(٢٠٩) رواه البخاري العلم ١ / ١٤١ رقم ٥٩ وفيه زيادة والرقاق ١١ / ٣٣٣ رقم ٦٤٩٦.
إذا وسد: أي أسند وأصله من الوسادة وكان من شأن الأمير عندهم إذا جلس أن تثنى تحته وسادة، وقوله وسد أي جعل له غير أهله وسادا.
وإسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم والمراد بالأمر جنس الأمور التي تتعلق بالدين كالخلافة والإمارة والقضاء والإفتاء وغير ذلك.
قال ابن بطال: إن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم فينبغي لهم تولية أهل الدين فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله تعالى إياها.
стр. 178
[باب النهي عن طلبها]
" ١٠١ " باب النهي عن طلبها
٢١٠ - عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ مرفوعا «لا تسأل الإمارة فأنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» أخرجاه.
ــ
(٢١٠) رواه البخاري الأيمان والنذور ١١ / ٥١٦ رقم ٦٦٢٢، ١١ / ٦٠٨ رقم ٦٧٢٢ والأحكام ١٣ / ١٢٣ رقم ٧١٤٦، ٧١٤٧ ومسلم الإيمان ٣ / ١٢٧٣ رقم ١٦٥٢ والإمارة ٣ / ١٤٥٦ رقم ١٦٥٢.
جاء في الفتح وكلت إليها أي صرف إليها ومن وكل إلى نفسه هلك ومنه في الدعاء " ولا تكلني إلى نفسي " ووكل أمره إلى فلان صرفه إليه ومعنى الحديث أن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه ويستفاد منه أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك، وأن من حرص على ذلك لا يعان. ومن لم يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل، فلا ينبغي أن يجاب سؤاله، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من المشقة فمن لم يكن له من الله إعانة تورط فيما دخل فيه وخسر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا بل إذا كان كافيا وأعطيها من غير مسألة فقد وعد الصادق بالإعانة ولا يخفى ما في ذلك من الفضل.
قال المهلب: الحرص على الولاية هو السبب في اقتتال الناس عليها حتى سفكت الدماء واستبيحت الأموال والفروج وعظم الفساد في الأرض بذلك، ووجه الندم أنه قد يقتل أو يعزل أو يموت فيندم على الدخول فيها لأنه يطالب بالتبعات التي ارتكبها ولد فاته ما حرص عليه بمفارقته ويستثنى من ذلك من تعين عليه كأن يموت الوالي ولا يوجد بعده من يقوم بالأمر غيره، وإذا لم يدخل في ذلك يحصل الفساد بضياع الأحوال.
стр. 179
٢١١ - ولمسلم عن أبي ذر ﵁ قلت «يا رسول الله ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال " يا أبا ذر إني أراك ضعيفا، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» .
ــ
(٢١١) رواه مسلم الإمارة ١٣ / ١٤٥٧ رقم ١٨٢٥، قال النووي: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلا لها، أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط.
وأما من كان أهلا للولاية وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة كحديث سبعة يظلهم الله، والحديث المذكور هنا وإجماع المسلمين منعقد عليه ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذره ﷺ منها وكذا حذر العلماء وامتنع منها خلائق من السلف وصبروا على الأذى حين امتنعوا.
стр. 180
[باب ما جاء في غش الرعية]
" ١٠٢ " باب ما جاء في غش الرعية
٢١٢ - عن معقل بن يسار ﵁ مرفوعا «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة» - وفي رواية - «فلم يحطها بنصيحته إلا لم يجد رائحة الجنة» أخرجاه.
ــ
(٢١٢) رواه البخاري الأحكام ١٣ / ١٢٧ رقم ٧١٥١ ومسلم الإيمان ١ / ١٢٥ رقم ١٤٢.
يحطها: أي يكلؤها أو يصنها.
ويحصل ذلك بظلمه لهم بأخذ أموالهم أو سفك دمائهم أو انتهاك أعراضهم وحبس حقوقهم وترك تعريفهم ما يجب عليهم في أمر دينهم وبإهمال إقامة الحدود فيهم وردع المفسدين منهم وترك حمايتهم ونحو ذلك.
قال ابن بطال هذا وعيد شديد على أئمة الجور فمن ضيع من استرعاه الله أو خانهم أو ظلمهم فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة، الفتح.
стр. 181
[باب الشفقة على الرعية]
" ١٠٣ " باب الشفقة على الرعية وقول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩] .
٢١٣ - ولمسلم عن عائشة ﵂ مرفوعا «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم، فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» .
ــ
(٢١٣) رواه مسلم الإمارة ١٤٥٨ رقم ١٨٢٨.
قال النووي هذا الحديث من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى.
стр. 182
[باب الاحتجاب دون الرعية]
" ١٠٤ " باب الاحتجاب دون الرعية
٢١٤ - عن أبي مريم الأزدي ﵁ أنه قال لمعاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة» " فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس. رواه أبو داود والترمذي.
٢١٥ - وللترمذي (١) عن عمرو بن مرة الجهني نحوه. صححه الحاكم.
ــ
(٢١٤) رواه أبو داود الإمارة ٣ / ١٣٥ رقم ٢٩٤٨ واللفظ له والترمذي الأحكام ٣ / ٦٢٠ رقم ١٣٣٣ والطبراني ٢٢ / ٣٣١ رقم ٨٣٢ والدولابي في الكنى ١ / ٥٤ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٤ / ٢٩٦ رقم ٢٣١٧ والحاكم ٤ / ٩٣ وصححه ووافقه الذهبي وذكره الشيخ ناصر في السلسلة الصحيحة ٦٢٩. فاحتجب دون حاجتهم: أي امتنع من الخروج إليهم وقضاء احتياجاتهم.
خلتهم: هي الحاجة الشديدة.
والمعنى منع أصحاب الحوائج أن يدخلوا عليه ويعرضوا حوائجهم وقيل الحاجة والفقر والخلة متقارب المعنى كرر للتأكيد.
(٢١٥) رواه الترمذي الأحكام ٣ / ٦١٩ رقم ١٣٣٢ والحاكم ٤ / ٩٤.
стр. 183
[باب المحاباة في الولاية]
" ١٠٥ " باب المحاباة في الولاية
٢١٦ - أخرج أحمد والحاكم وصححه عن يزيد بن أبي سفيان ﵁ «أن أبا بكر ﵁ قال له: يا يزيد إن لك قرابة فهل عسيت أن تؤثرهم بالإمارة وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول الله ﷺ : " من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر أحدا محاباة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم» .
٢١٧ - وللحاكم وصححه عن ابن عباس مرفوعا «من استعمل رجلا على عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين» .
ــ
(٢١٦) رواه أحمد ١ / ٦ والحاكم في المستدرك ٤ / ٩٣ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥ / ٢٣٢ وفيه رجل لم يسم.
قلت إسناد الحاكم ليس فيه إبهام، وقال عنه الحاكم صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي بقوله بكر بن خنيس قال عنه الدارقطني متروك.
(٢١٧) رواه الحاكم ٤ / ٩٢ وقال صحيح الإسناد.
قلت في إسناده حسين بن قيس الرحبي وهو متروك.
стр. 184
[باب الجور والظلم وخطر الولاية]
" ١٠٦ " باب الجور والظلم وخطر الولاية
٢١٨ - أخرج الحاكم وصححه «ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار» .
٢١٩ - ولهما عن معاذ ﵁ مرفوعا «اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» .
ــ
(٢١٨) رواه الحاكم في الأحكام ٤ / ٩٠ - ٩١ عن معقل بن سنان.
قال الحاكم صحيح الإسناد وافقه الذهبي.
قلت في إسناده عامر الدهني لم أجد ترجمته وكذلك والده، وقال الشيخ ناصر في ضعيف الجامع ضعيف.
(٢١٩) رواه مسلم الإيمان ١ / ٥٠ رقم ١٩ عن معاذ، ورواه البخاري كتاب الزكاة ٣ / ٣٥٧ رقم ١٤٩٦ والمظالم ٥ / ١٠٠ رقم ٢٤٤٨ والمغازي ٨ / ٦٤ رقم ٤٣٤٧. وقد جعله من مسند ابن عباس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه لليمن.
قال الحافظ في الفتح ٣ / ٣٥٨ عن ابن عباس قوله قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن كذا في جميع الطرق إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع فقال فيه عن ابن عباس عن معاذ قال: بعثني رسول الله ﷺ ، فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الروايات أنه من مسند ابن عباس.
اتق دعوة المظلوم: أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم.
حجاب: أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا.
стр. 185
٢٢٠ - ولمسلم عن عدي بن عميرة ﵁ مرفوعا «من استعملناه على عمل فكتم منه مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» .
٢٢١ - ولأحمد عن أبي هريرة مرفوعا «ويل للأمراء ويل للعرفاء ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقة بالثريا يتذبذبون بين السماء والأرض ولم يكونوا عملوا على شيء» .
ــ
(٢٢٠) صحيح مسلم الإمارة ١٣ / ١٤٦٥ رقم ١٨٣٣.
المخيط: الإبرة، الغلول: الخيانة والسرقة الخفية.
(٢٢١) صحيح، رواه أحمد في المسند ٢ / ٣٥٢ وأبو يعلى ٨ / ٤٧٤٥، ١١ / ٦٢١٧ والطيالسي ٢ / ١٦٥ رقم ٢٦٠٨ وابن حبان ١٠ / ٣٣٥ رقم ٤٤٨٣ والبيهقي ١٠ / ٩٧ والحاكم ٤ / ٩١.
العرفاء جمع عريف وهو القيم بأمور القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم ويعرف الأمير على أحوالهم.
стр. 186
[باب ولاية من لا يحسن العدل]
"١٠٧" باب ولاية من لا يحسن العدل
٢٢٢ - عن أبي ذر ﵁ مرفوعا «يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم» رواه مسلم.
٣٢٢ - ولأبي داود عن بريدة ﵁ مرفوعا «القضاة ثلاثة واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار» .
ــ
(٢٢٢) تقدم رقم ٢١١.
(٢٢٣) صحيح.
رواه أبو داود في الأقضية ٣ / ٢٩٩ رقم ٣٥٧٣ والترمذي الأحكام ٣ / ٦١٣ رقم ١٣٢٢ وابن ماجه الأحكام ٢ / ٧٧٦ رقم ٢٣١٥ والبيهقي ١٠ / ١٦ والحاكم ٤ / ٩٠.
جار في الحكم: أي مال عن الحق وظلم عالما به متعمدا له.
على جهل: حال من فاعل قضى أي قضى للناس جاهلا.
الحديث دليل على أنه لا ينجو من النار من القضاة إلا من عرف الحق وعمل به، والعمدة العمل فإن من عرف الحق ولم يعمل فهو ومن حكم بجهل سواء في النار، وظاهره أن من حكم بجهل وإن وافق حكمه الحق فإنه في النار لأنه أطلقه وقال فقضى للناس على جهل فإنه يصدق على من وافق الحق وهو جاهل في قضائه أنه قضى على جهل، وفيه التحذير من الحكم بجهل أو بخلاف الحق مع معرفته به.
стр. 187
٢٢٤ - وله (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «من أفتى فتيا بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه» .
ــ
(٢٢٤) حسن.
رواه أبو داود العلم ٣ / ٣٢١ رقم ٣٦٥٧ وابن ماجه المقدمة ١ / ٢٠ رقم ٨ والدارمي المقدمة ١ / ٥٣ رقم ٢١٦١ وأحمد ٢ / ٣٢١، ٣٦٥ والحاكم ١ / ١٢٦ وقال الحاكم صحيح.
من أفتى: على بناء المفعول أي من وقع في خطأ بفتوى عالم فالإثم على ذلك العالم وهذا إذا لم يكن الخطأ في محل الاجتهاد أو وقع في الخطأ لعدم بلوغه في الاجتهاد حقه.
وقيل على صيغة المجهول وقيل من المعلوم يعني كل جاهل سأل عالما عن مسألة فأفتاه العالم بجواب باطل فعمل السائل بها ولم يعلم بطلانها فإثمه على المفتي إن قصر في اجتهاده.
стр. 188
[باب الأمانة في البيع والشراء والكيل والوزن]
" ١٠٨ " باب الأمانة في البيع والشراء والكيل والوزن وقول الله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾
٢٢٥ - عن حذيفة ﵁ «قال حدثنا رسول الله ﷺ بحديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل كجمر دحرجها على رجلك فنفط فتراه منتبرا وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله. فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد أحدهم يودي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا، وحتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان. ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه. وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا» .
الجذر الأصل - والوكت الأثر اليسير - والمجل نفط يسير من أثر عمل. ومنتبرا مرتفعا.
ــ
(٢٢٥) رواه البخاري الرقاق ١١ / ٣٣٣ رقم ٦٤٩٧ والفتن رقم ٧٠٨٦ والاعتصام رقم ٧٢٧٦ ومسلم الإيمان ١ / ١٢٦ رقم ٢٣٠.
الأمانة هي ضد الخيانة والمراد برفعها إذهابها بحيث يكون الأمين معدوما أو شبه المعدوم.
بايعت: قال الخطابي تأوله بعض الناس على بيعة الخلافة وهذا خطأ وكيف يكون؟ وهو يقول إن كان نصرانيا رده على ساعيه فهو لا يبايع النصراني على الخلافة وإنما أراد مبايعة البيع والشراء.
رده علي ساعيه: أي واليه الذي أقيم عليه لينصف منه، وأكثر ما يستعمل الساعي في ولاة الصدقة، ويحتمل أن يراد به هنا الذي يتولى قبض الجزية.
стр. 189
٢٢٦ - ولمسلم في حديث الشفاعة وترسل الأمانة والرحم فيقومان بجنبتي الصراط يمينا وشمالا.
ــ
(٢٢٦) صحيح مسلم الإيمان ١ / ١٨٦ رقم ١٩٥ هو حديث حذيفة الطويل في الشفاعة العظمى.
قال النووي وأما إرسال الأمانة والرحم فهو لعظم أمرهما وكثير موقعهما فتصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله تعالى وتقومان لتطلبا كل من يريد الجواز بحقهما.
стр. 190
[باب قوله كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته]
" ١٠٩ " باب قوله كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية: [التحريم: ٦] .
٢٢٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: «قال رسول الله ﷺ " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. فالإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده ومسئولة عن رعيتها، والولد راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته. فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» متفق عليه.
ــ
(٢٢٧) رواه البخاري الأحكام ١٣ / ١١١ رقم ٧١٣٨ ومسلم ٣ / ١٤٥٩ رقم ١٨٢٩ الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه.
قال الخطابي: اشتركوا أي الإمام والرجل ومن ذكر في التسمية أي في الوصف بالراعي ومعانيهم مختلفة فرعاية الإمام الأعظم حياطة الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم.
ورعاية الرجل أهله سياسة لأمرهم وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك.
ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته قال الطيبي: في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوبا لذاته وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه فإنه أجمل أولا ثم فصل وأتى بحرف التنبيه مكررا، الفتح ١٣ / ١١١.
стр. 191
[باب الرفق بالمملوك]
" ١١٠ " باب الرفق بالمملوك
٢٢٨ - عن أبي مسعود ﵁ أنه ضرب عبدا له فقال النبي ﷺ .
«اعلمْ أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام - قلت هو حر لوجه الله تعالى. فقال: " أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار - أو لمستك النار» .
ــ
(٢٢٨) رواه مسلم ٢ / ١٢٨٠ رقم ١٦٥٩.
وفيه الحث على الرفق بالمملوك والوعظ والتنبيه على استعمال العفو وكظم الغيظ والحكم كما يحكم الله على عباده.
стр. 192
[باب الرفق بالبهائم]
" ١١١ " باب الرفق بالبهائم
٢٢٩ - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى حمارا قد وسم في وجهه فأنكر ذلك. وفي رواية (١) «لعن الله الذي وسمه» وفي رواية (٢) «نهى عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه» لما رواه مسلم.
٢٣٠ - ولهما عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت» .
٢٣١ - ولمسلم عن ابن عمرو (٣) ﵄ مرفوعا «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته» ولأبي داود (٤) «أن يضيع من يقوت» .
ــ
(٢٢٩) رواه مسلم اللباس ٣ / ١٦٧٣ رقم ٢١١٨.
(٢٣٠) رواه البخاري بدء الخلق ٦ / ٣٥٦ رقم ٣٣١٨ ومسلم التوبة ٤ / ٢٠٢٣ رقم ٢٦١٩.
(٢٣١) صحيح مسلم الزكاة ٢ / ٦٩٢ رقم ٩٩٦.
стр. 193
٢٣٢ - ولهما عن الحسن أنه قال لصاحب الجمل الذي لم يعلفه: «أما إنه ليحاجك يوم القيامة» .
ــ
(٢٣٢) لم أجده في الصحيحين.
رواه أبو داود الجهاد ٣ / ٢٣ رقم ٢٥٤٩ وأحمد ١ / ١٢٤ وأبو عوانة ١ / ١٩٧، من طريق الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر مرفوعا بمعناه.
стр. 194
[باب إباق العبد]
" ١١٢ " باب إباق العبد
٢٣٣ - عن جرير بن عبد الله ﵁ مرفوعا «أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة» رواه مسلم.
ــ
(٢٣٣) صحيح مسلم الإيمان ١ / ٨٣ رقم ٦٩.
الآبق: الهارب من سيده.
فقد برئت منه الذمة: قال النووي فمعناه لا ذمة له، قال الشيخ أبو عمرو ﵀ الذمة هنا يجوز أن تكون هي الذمة المفسرة بالذمام وهي الحرمة ويجوز أن يكون من قبيل ما جاء في قوله: " له ذمة الله تعالى وذمة رسول الله ﷺ " أي ضمانه وأمانته ورعايته ومن ذلك أن الآبق كان مصونا عن عقوبة السيد له وحبسه فزال ذلك بإباقه والله أعلم.
стр. 195
[باب ظلم الأجير]
" ١١٣ " باب ظلم الأجير
٢٣٤ - عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته - رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يؤته أجرته» رواه البخاري.
ــ
(٢٣٤) صحيح البخاري البيوع ٤ / ٤١٧ رقم ٢٢٢٧ الإجارة ٤ / ٤٤٧ رقم ٢٢٧٠ قال الحافظ في الفتح ٤ / ٤١٧.
قال ابن التين هو خصم لجميع الظالمين إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء بالتصريح والخصم يطلق على الواحد وعلى الاثنين وعلى أكثر من ذلك.
أعطى بي ثم غدر: على حذف المفعول والتقدير أعطى يمينه بي أي عاهد عهدا وحلف عليه بالله ثم نقضه.
باع حرا فأكل ثمنه: خص الأكل بالذكر لأنه أعظم مقصود.
قال المهلب: وإنما كان إثمه شديدا لأن المسلمين أكفاء في الحرية فمن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له وألزمه الذل الذي أنقذه الله منه.
ورجل استأجر أجيرا: هو في معنى من باع حرا وأكل ثمنه لأنه استوفى منفعته بغير عوض وكأنه أكلها لأنه استخدمه بغير أجرة وكأنه استعبده.
стр. 196
[باب سؤال المرأة الطلاق]
" ١١٤ " باب سؤال المرأة الطلاق
٢٣٥ - أخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن ثوبان مرفوعا «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة» .
ــ
(٢٣٥) صحيح، رواه أبو داود الطلاق ٢ / ٢٦٨ رقم ٢٢٢٦ والترمذي الطلاق ٣ / ٤٩٣ رقم ١١٨٧ وابن ماجه الطلاق ١ / ٦٦٢ رقم ٢٠٥٥ وأحمد ٥ / ٢٧٧، ٢٨٣ وابن أبي شيبة ٥ / ٢٧٢ والدارمي الطلاق ٢ / ٨٥ رقم ٢٢٧٥ وابن حبان ٩ / ٤٩٠ رقم ٤١٨٤.
قال الحافظ قي الفتح ٩ / ٣٠٤ وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
من غير بأس: أي من غير حاجة تلجئها إلى سؤال المفارقة، فحرام عليها رائحة الجنة: أي ممنوع عنها وذلك على نهج الوعيد أو وقوع ذلك متعلق بوقت دون وقت أي لا تجد رائحة الجنة أول ما وجدها المحسنون.
قال الحافظ في الفتح ٩ / ٤٠٢.
وفيه أن الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلاق زوجها محمولة على ما إذا لم يكن سبب يقتضي ذلك.
стр. 197
[باب ما جاء في الديوث]
" ١١٥ " باب ما جاء في الديوث
٢٣٦ - عن ابن عمر ﵄ مرفوعا «ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، وَرَجْلَةُ النساء» . رواه في المستدرك - والطبراني بسند قال المنذري لا أعلم فيه مجروحا قريبا منه وفيه فما " الديوث " قال: " الذي لا يبالي بمن دخل على أهله " قيل فما الرجلة قال: " التي تتشبه بالرجال ".
ــ
(٢٣٦) صحيح، رواه النسائي الزكاة ٥ / ٨٤ رقم ٢٥٦١ وأحمد ٢ / ٦٩، ١٢٨ وأبو يعلى ٨ / ٤٠٩ رقم ٥٥٥٦ والبزار كشف الأستار ٢ / ٣٧٢ رقم ١٨٧٥، ١٨٧٦ والطبراني ١٢ / ٣٠٢ رقم ١٣١٨٠ والبيهقي ١٠ / ٢٢٦ والحاكم ٤ / ١٤٦ وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨ / ١٤٧، رواه البزار بإسنادين رجالهما ثقات وصححه الشيخ ناصر في السلسلة الصحيحة رقم ١٣٩٧ (١) .
والديوث فيعول من ديثت البعير إذا ذللته ولينته بالرياضة فكأن الديوث ذلل حتى رأى المنكر بأهله فلا يغيره.
ورجلة النساء بفتح الراء وسكون الجيم وبفتح اللام أي المتشبهة بالرجال في الزي أو الهيئة لا في الرأي والعلم فإنه محمود.
قال ابن القيم ذكر الديوث يدل على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح فترفع السوء والفواحش وعدمها يميت القلب فتموت الجوارح فلا يبقى عندها دفع البتة، والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه فإذا ذهبت القوة كان الهلاك.
стр. 198
[باب ظلم المرأة]
" ١١٦ " باب ظلم المرأة
٢٣٧ - أخرج الطبراني بسند رجاله ثقات أنه ﷺ قال «أيما رجل تزوج امرأة على ما قل من المهر أو كثر وليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها خدعها فمات ولم يؤد إليها حقها لقي الله يوم القيامة وهو زان» .
ــ
(٢٣٧) رواه الطبراني في الكبير ٨ / ٤٠ رقم ٧٣٠٢ عن صهيب ﵁.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤ / ١٣١ رواه الطبراني في الكبير وعمرو بن دينار هذا متروك.
قلت له طريق آخر بنحوه رواه أحمد في المسند ٤ / ٣٣٢ والطبراني ٨ / ٤٠ رقم ٧٣٠١.
قال الهيثمي ٤ / ٢٨٤ رواه أحمد والطبراني وفي إسناد أحمد رجل لم يسم وبقية رجاله ثقات وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم.
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة رواه البزار كما في كشف الأستار ٢ / ١٦٢ رقم ١٤٢٩ ومن حديث ميمون الكردي عن أبيه رواه الطبراني في الصغير والأوسط وأنظر مجمع الزوائد ٤ / ٢٨٤. أي مات وهو متلبس بإثم مثل إثم الزاني والزاني في النار.
стр. 199
[باب الإشارة بالسلاح على وجه اللعب]
" ١١٧ " باب الإشارة بالسلاح على وجه اللعب
٢٣٨ - عن أبي هريرة مرفوعا «لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» أخرجاه.
٢٣٩ - ولمسلم «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يردها وإن كان أخاه من أبيه وأمه» .
ــ
(٢٣٨) رواه البخاري الفتن ١٣ / ٢٣ رقم ٧٠٧٢ ومسلم البر والصلة ٤ / ٢٠٢٠ رقم ٢٦١٧.
قال الحافظ في الفتح ١٣ / ٢٥ قال الخليل في العين نزغ الشيطان بين القوم نزغا حمل بعضهم على بعض بالفساد ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ والمراد أنه يغري بينهم حتى يضرب أحدهما الآخر بسلاحه فيحقق الشيطان ضربته له.
وقال ابن التين النهي عما يفضي إلى المحذور وإن لم يكن محذورا محققا سواء كان ذلك في جد أو هزل.
(٢٣٩) رواه مسلم البر والصلة ٤ / ٢٠٢٠ رقم ٢٦١٦.
قال ابن العربي إذا استحق الذي يشير بالحديدة اللعن فكيف الذي يصيب بها؟ وإنما يستحق اللعن إذا كانت إشارته تهديدا سواء كان جادا أم لاعبا، وإنما أخذ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع، ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجاد وإنما نهى عن تعاطي السيف مسلولا لما يخاف من الغفلة عند التناول فيسقط فيؤذي.
стр. 200
٢٤٠ - وللترمذي وحسنه عن جابر ﵁: «نهى رسول الله ﷺ عن تعاطي السيف مسلولا» .
٢٤١ - وفي المسند عن أبي بكرة «أن النبي ﷺ مر على قوم يتعاطون السيف مسلولا فقال: " لعن الله من فعل هذا أوليس قد نهيت عنه؟ ثم قال: إذا سل أحدكم سيفه فنظر إليه ثم أراد أن يناوله أخاه فليغمده ثم يناوله إياه» .
ــ
(٢٤٠) رواه أبو داود الجهاد ٣ / ٣١ رقم ٢٥٨٨ والترمذي الفتن ٤ / ٤٠٣ رقم ٢١٦٣.
وإنما نهى عن تعاطي السيف مسلولا لما يخاف من الغفلة عند التناول فيسقط فيؤذي.
(٢٤١) رواه أحمد في المسند ٥ / ٤٢ والحاكم ٤ / ٢٩٠ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
стр. 201
[باب العصبية]
" ١١٨ " باب العصبية
٢٤٢ - عن جندب بن عبد الله ﵁ مرفوعا «من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية» رواه مسلم.
٢٤٣ - ولأبي داود بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا وموقوفا «فمن نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي في بئر فهو ينزع بذنبه» .
ــ
(٢٤٢) صحيح مسلم الإمارة ٣ / ١٤٧٨ رقم ١٨٥٠.
العصبية: أي من يدعو الناس إلى الاجتماع على عصبية وهي معاونة الظالم.
ومعناه أنه يقاتل لشهوة في نفسه وغضبة لها ويقاتل عصبية لقومه وهواه.
(٢٤٣) رواه أبو داود الأدب ٤ / ٣٣١ رقم ٥١١٧ موقوفا ورواه أحمد ١ / ٣٩٣، ٤٤٩ مرفوعا.
من نصر قومه على غير الحق أي على باطل أو مشكوك فيه، قال الخطابي معناه أنه وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر فصار ينزع أي يخرج بذنبه ولا يقدر على الخلاص.
стр. 202
[باب من آوى محدثا]
" ١١٩ " باب من آوى محدثا
٢٤٤ - عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض» رواه مسلم.
ــ
(٢٤٤) صحيح مسلم الأضاحي ٣ / ١٥٦٧ رقم ١٩٧٨.
اللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله.
الذبح لغير الله كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لنبي من الأنبياء ﵈ أو ولي من الأولياء أو ذبح للقبر.
ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو كافرا فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى أو لعبادة له كان ذلك كفرا فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا، وأما ما يذبح عند قدوم الملك أو الرئيس أو السلطان تقربا إليه فهو حرام لأنه مما أهل به لغير الله.
لعن الله من آوى محدثا، آوى: أي ضمه إليه وحماه.
محدثا: من نصر جانيا أو آواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه.
والحدث الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة.
منار الأرض: علامات وحدود.
وتغير منار الأرض هو تقديم أو تأخير علاماتها وحدودها، فيدخل الرجل ملك غيره في ملكه فيقتطعه ظلما.
стр. 203
[كتاب المظالم] [ باب ظلم اليتيم]
" ١٢٠ " باب ظلم اليتيم وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾
٢٤٥ - ولهما عن أبي هريرة مرفوعا «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» .
ــ
(٢٤٥) رواه البخاري الوصايا ٥ / ٣٩٣ رقم ٢٧٦٦ والحدود ١٢ / ١٨١ رقم ٦٨٥٧ ومسلم الإيمان ١ / ٩٢ رقم ٨٩.
الشرك تقدم الكلام عليه في الحديث الأول.
السحر: جاء في الفتح ١٠ / ٢٢٢ السحر يطلق على معان.
أحدها: ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي خادعته واستملته، وكل من استمال شيئا فقد سحره ومنه إطلاق الشعراء سحر العيون لاستمالتها النفوس ومنه حديث «إن من البيان لسحرا» .
الثاني: ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذة من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ وقد يستعين في ذلك بما يكون فيه خاصية كالحجر الذي يجذب الحديد المسمى المغنطيس.
الثالث: ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾
الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانياتها بزعمهم. . .
وقد كان أهل بابل قوما صابئين يعبدون الكواكب السبعة ويسمونها آلهة ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما في العالم. . وهم الذين بعث إليهم إبراهيم ﵇ وكانت علومهم أحكام النجوم.
واختلف في السحر فقيل هو تمثيل فقط لا حقيقة له قال النووي الصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامة الفقهاء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة.
والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة.
أن السحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنما تقع غالبا اتفاقا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدي.
ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق وأن الكرامة لا تظهر على فاسق.
قال القرطبي السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس.
وقد استدل بقوله تعالى، ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ على أن الساحر كافر ومتعلمه كافر وهو واضح في بعض أنواعه قدمتها وهو التعبد للشياطين أو الكواكب. .
قال النووي: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات. ومنه ما يكون كفرا ومنه ما لا يكون كفرا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه ولا يقتل فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزر، وعن مالك الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب بل يتحتم قتله كالزنديق.
стр. 204
[باب غصب الأرض]
" ١٢١ " باب غصب الأرض
٢٤٦ - عن سعيد بن زيد ﵁ مرفوعا «من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين» أخرجاه.
ــ
(٢٤٦) رواه البخاري المظالم ٥ / ١٠٣ رقم ٢٤٥٢، ٣١٩٨ ومسلم المساقاة ٣ / ١٢٣٠ رقم ١٦١٠.
قال الحافظ في الفتح ٥ / ١٠٥.
وفي الحديث تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته وأنه من الكبائر. قال القرطبي: إن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض وله أن يمنع من حفر تحتها سردابا أو بئرا بغير رضاه، وفيه أن من ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بها فيه من حجارة ثابتة وأبنية ومعادن وغير ذلك وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره.
стр. 205
[باب الظلم في الأبدان]
" ١٢٢ " باب الظلم في الأبدان
٢٤٧ - عن ابن عمرو (١) ﵄ مرفوعا «ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة - من أم قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا - والدبار أن يأتيها بعد أن تفوته - ورجل اعتبد محررا» رواه أبو داود والطبراني بسند جيد.
ــ
(٢٤٧) رواه أبو داود الصلاة ١ / ١٦٢ رقم ٥١٣ وابن ماجه الصلاة ١٥ / ٣١١ رقم ٩٧٠.
وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف.
قال الشوكاني في نيل الأوطار:
وقد قيد ذلك جماعة من أهل العلم بالكراهة الدينية لسبب شرعي فأما الكراهة لغير الدين فلا عبرة بها وقيدوه أيضا بأن يكون الكارهون أكثر المأمومين، ولا اعتبار بكراهة الواحد أو الاثنين والثلاثة إذا كان المؤتمون جمعا كثيرا والاعتبار بكراهة أهل الدين دون غيرهم.
قال الخطابي يشبه أن يكون الوعيد في الرجل ليس من أهل الإمامة فيقتحم فيها ويتغلب عليها حتى يكره الناس إمامته، فأما إن كان مستحقا للإمامة فاللوم على من كرهه دونه.
ورجل أتى الصلاة إدبارا، الإدبار يطلق على آخر الشيء وقيل جمع دبر وهو آخر أوقات الشيء والمراد أنه يأتي الصلاة حين أدبر وقتها.
قال الخطابي هو أن يكون قد اتخذها عادة حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها.
ورجل اعتبد محررا: أي اتخذ نفسا معتقة عبدا أو جارية قال الخطابي اعتباد المحرر يكون من وجهين أحدهما أن يعتقه ثم يكتم عتقه أو ينكره وهذا شر الأمرين.
الوجه الآخر أن يعتقله بعد العتق فيستخدمه كرها.
стр. 206
٢٤٨ - وعن أبي أمامة ﵁ مرفوعا «من جرد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان» .
ــ
(٢٤٨) رواه الطبراني ٨ / ١٣٦ رقم ٧٥٣٦ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦ / ٢٥٣ وإسناده جيد وضعفه الشيخ ناصر في ضعيف الجامع ٧٩٩ رقم ٤٥٤٣.
جرد: أي عراه من ثيابه.
والمراد فيما يظهر أنه جرده من ثيابه ليضربه وهذا وعيد شديد يفيد أن ذلك كبيرة.
стр. 207
[باب الظلم في الأموال]
" ١٢٣ " باب الظلم في الأموال
٢٤٩ - في الصحيح «ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» .
ــ
(٢٤٩) رواه البخاري المظالم ٥ / ١١٩ رقم ٢٤٧٥ والأشربة ١٠ / ٣٠ رقم ٥٥٧٨ والحدود ١٢ / ٥٨ رقم ٦٧٧٢ من حديث أبي هريرة وفيه زيادة.
النهب: هو أخذ الرجل ما ليس له جهارا وقهرا.
قال الحافظ ٣ / ٥٣.
وأشار برفع البصر إلى حالة المنهوب - فإنهم ينظرون إلى من ينهبهم ولا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه، ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك فيكون صافة لازمة للنهب بخلاف السرقة والاختلاس فإنه يكون في خفية والانتهاب أشد إثما لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة.
стр. 208
[باب خذلان المظلوم]
" ١٢٤ " باب خذلان المظلوم
٢٥٠ - عن سهل بن حنيف ﵁ مرفوعا «من أُذِلَّ عنده مسلم فلم ينصره وهو يقدر أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة» رواه أحمد.
ــ
(٢٥٠) رواه أحمد ٣ / ٤٨٧ والطبراني ٦ / ٨٩ رقم ٥٥٥٤.
وقال الهيثمي ٧ / ٢٦٧ وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
قال الحافظ في الفتح ٥ / ٩٩.
نصر المظلوم فرض كفاية وهو عام في المظلومين وكذا في الناصرين بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع على الراجح ويتعين أحيانا على أن من له القدرة عليه وحده إذا لم يترتب على إنكاره مفسدة أشد من مفسدة المنكر فلو علم أو غلب على ظنه أنه لا يفيد سقط الوجوب وبقي أصل الاستحباب بالشروط المذكورة فلو تساوت المفسدتان تخير، وشرط الناصر أن يكون عالما بكون الفعل ظلما.
ما من امرئ يخذل امرأً مسلما: أي لم يحل بينه وبين من يظلمه ولا ينصره، بأن يتكلم فيه بما لا يحل والحرمة هنا ما لا يحل انتهاكه. قال الجوهري انتهك عرضه بالغ يا شتمه.
إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته: أي في موضع يكون فيه أحوج لنصرته وهو يوم القيامة.
فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم مثل أن يقدر على دفع عدو يريد البطش به فلا يدفعه.
стр. 209
٢٥١ - ولأبي داود عن جابر وأبي طلحة ﵄ مرفوعا «ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته» .
ــ
(٢٥١) حسن. رواه أبو داود الأدب ٤ / ٢٧١ رقم ٤٨٨٤ وأحمد ٤ / ٣٠ وقد حسنه الشيخ ناصر في صحيح الجامع ٢ / ٩٩٢ رقم ٥٦٩٠.
стр. 210
[باب ما جاء في أخوة الإسلام وحق المسلم على المسلم]
" ١٢٥ " باب ما جاء في أخوة الإسلام
وحق المسلم على المسلم وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية: [المائدة: ٥٤] .
٢٥٢ - وفي الصحيح «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام أفضل» .
ــ
(٢٥٢) رواه البخاري فضائل الصحابة ٧ / ١٧ رقم ٣٦٥٦، ٣٦٥٧ من حديث ابن عباس.
قال الحافظ ٧ / ١٣.
" واختلف في المودة والخلة والمحبة والصداقة هل هي مترادفة أو مختلفة قال أهل اللغة الخلة أرفع رتبة وهو الذي يشعر به هذا الحديث وكذا قوله ﷺ «لو كنت متخذا خليلا غير ربي» فإنه يشعر بأنه لم يكن له خليل من بني آدم ".
وهذا الحديث منقبة عظيمة لأبي بكر لم يشاركه فيها أحد. وقال الحافظ ٧ / ١٣.
وفيه إشكال فإن الخلة أفضل من أخوة الإسلام، لأنها تستلزم ذلك وزيادة، فقيل المراد أن مودة الإسلام مع النبي ﷺ أفضل من مودته مع غيره، وقيل أفضل بمعنى فاضل، ولا يعكر على ذلك اشتراك جميع الصحابة في هذه الفضيلة لأن رجحان أبي بكر عرف من غير ذلك وأخوة الإسلام ومودته متفاوتة بين المسلمين في نصر الدين وإعلاء كلمة الحق وتحصيل كثرة الثواب ولأبي بكر من ذلك أعظمه وأكثره والله أعلم.
стр. 211
٢٥٣ - وعن أبي موسى ﵁ مرفوعا «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» أخرجاه.
٢٥٤ - ولهما عن النعمان بن بشير ﵄ مرفوعا «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
ــ
(٢٥٣) رواه البخاري الصلاة ١ / ٥٦٥ رقم ٤٨١، ٢٤٤٦، ٦٠٢٦ ومسلم البر والصلة ٤ / ١٩٩٩ رقم ٢٥٨٥.
(٢٥٤) رواه البخاري الأدب ١٠ / ٤٣٨ رقم ٦٠١١ ومسلم البر ٤ / ١٩٩٩ رقم ٢٥٨٦. جاء في الفتح ١٠ / ٤٣٩.
قال ابن أبي جمرة الذي يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينهما فرق لطيف فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وأما التوادد فالمراد به التواصل الجالب للمحبة كالتزاور والتهادي، وأما التعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثوب عليه ليقويه.
قال القاضي عياض فتشبيه المؤمنين بالجسد الواحد تمثيل صحيح وفيه تقريب للفهم وإظهار للمعاني في الصور المرئية وفيه تعظيم حقوق المسلمين، والحض على تعاونهم وملاطفة بعضهم بعضا.
قال ابن أبي جمرة: شبه النبي ﷺ الإيمان بالجسد وأهله بالأعضاء لأن الإيمان أصل وفروعه التكاليف فإذا أخل المرء بشيء من التكاليف شأن ذلك الإخلال بالأصل، وكذلك الجسد أصل الشجرة وأعضاؤه كالأغصان فإذا اشتكى عضو من الأعضاء اشتكت الأعضاء كلها كالشجرة إذا ضرب غصن من أغصانها اهتزت الأغصان كلها بالتحرك والاضطراب.
стр. 212
٢٥٥ - وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تناجشوا ولا تدابروا. ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا - المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا - وأشار إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» رواه مسلم.
٢٥٦ - ولهما عن ابن عمر ﵄ مرفوعا «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» .
ــ
(٢٥٥) رواه مسلم البر والصلة ٤ / ١٩٨٦ رقم ٢٥٦٤.
(٢٥٦) رواه البخاري المظالم ٥ / ٩٧ رقم ٢٤٤٢ ومسلم البر والصلة ٤ / ١٩٩٦ رقم ٢٥٨٠.
أسلم فلان فلانا: إذا ألقاه إلى الهلكة ولم يحمه من عدوه وهو عام في كل من أسلم لغيره لكن غلب في الإلقاء إلى الهلكة.
ولا يسلمه: أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه بل ينصره ويدفع عنه.
كربه: أي غمه والكرب هو الغم الذي يأخذ النفس.
من ستر مسلما: أي من رآه على قبيح فلم يظهره أي للناس وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه.
والستر محله في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التلبس بها، فيجب الإنكار عليه وإلا رفعه إلى الحاكم المسلم، وليس من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة، وفيه إشارة إلى ترك الغيبة لأن من أظهر مساوئ أخيه لم يستره.
стр. 213
٢٥٧ - ولهما عن أنس ﵁ مرفوعا «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» .
٢٥٨ - وللبخاري عنه مرفوعا «انصر أخاك ظالما أو مظلوما " فقال رجل يا رسول الله إن كان ظالما كيف أنصره؟ قال: " تحجزه وتمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه» والله تعالى أعلم.
تمت بحمد الله ومنته وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليما كثيرا.
ــ
(٢٥٧) رواه البخاري الإيمان ١ / ٥٦ رقم ١٣ ومسلم الإيمان ١ / ٦٧ رقم ٤٥.
قال الحافظ ١ / ٥٧.
لا يؤمن: أي من يدعي الإيمان، والمراد بالنفي، كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، كقولهم فلان ليس بإنسان، فإن قيل فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنا كاملا وإن لم يأت ببقية الأركان، أجيب بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان في رواية " لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان " ومعنى الحقيقة هنا الكمال. وضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرا.
(٢٥٨) رواه البخاري المظالم ٥ / ٩٨ رقم ٢٤٤٣، ٢٤٤٤، الإكراه ١٢ / ٣٢٣ رقم ٦٩٥٢. جاء في الفتح ٥ / ٩٨.
قال ابن بطال: النصر عند العرب الإعانة، وتفسيره لنصر الظالم بمنعه من الظلم من تسمية الشيء بما يئول إليه، وهو من وجيز البلاغة قال البيهقي: معناه أن الظالم مظلوم في نفسه فيدخل فيه ردع المرء عن ظلمه لنفسه حسا ومعنى فلو رأى إنسانا يريد أن يَجُبَّ نفسه لظنه أن ذلك يزيل مفسدة طلبه الزنا مثلا منعه من ذلك وكان ذلك نصرا له، واتحد في هذه الصورة الظالم والمظلوم.
والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.