← Фикх общий

Фикх общий · id 1467

الكبائر لمحمد بن عبد الوهاب ت الجوابرة

محمد بن عبد الوهاب

Полный текст (213 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

[مقدمة] الكبائر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فهذا كتاب الكبائر للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ ذكر فيه جملة كبيرة من الكبائر معتمدا في ذلك على كلام الله وأحاديث رسول الله ﷺ فهو يذكر عنوان الباب ثم يبدأ بقول الله ثم يذكر حديثا أو أكثر في الاستدلال على أن هذا الفعل كبيرة وربما يذكر بعض أقوال السلف في ذلك.

стр. 3

وقد سلكت في تحقيق هذا الكتاب الخطوات التالية: ١ - اعتمدت في التحقيق على النسخة المطبوعة التي قام بها فضيلة الشيخ إسماعيل الأنصاري وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ بمقابلتها على مخطوطاتها، وقد اعتمدا على ثلاث نسخ فجزاهما الله خيرا. ٢ - عزوت الآيات إلى مواضعها من السور بذكر اسم السورة ورقم الآية. ٣ - خرجت الأحاديث التي وردت في الكتاب تخريجا موسعا ثم رأيت أن أقتصر في الأحاديث التي خرجها الإمام البخاري أو مسلم بالاقتصار عليهما، أما إن كان الحديث في غير الصحيحين فأتوسع في التخريج. ٤ - ذكرت درجة كل حديث من الصحة والضعف والحسن إن كان الحديث خارج الصحيحين، فإذا كان في الصحيحين أو أحدهما لا أذكر الحكم عليه، لأن وجود الحديث في أحدهما هو حكم بصحته. ٥ - شرحت معظم الأحاديث التي وردت في الكتاب معتمدا في ذلك على كتب الأئمة السابقين والعلماء المعروفين فكل تعليق أو شرح للأحاديث هو من أقوال الأئمة، ولا يوجد لي عمل في ذلك إلا النقل فقط، وكثيرا لم أعز القول إلى قائله طلبا للاختصار. ٦ - رقمت الأحاديث ترقيما تسلسليا. ٧ - رقمت الأبواب ترقيما تسلسليا.

стр. 4

٨ - كتبت ترجمة مختصرة للإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. وأسأل الله العلي القدير أن يكون عملي خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبل مني هذا العمل ويجعله في ميزان عملي، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وكتبه باسم بن فيصل الجوابرة أستاذ الحديث بكلية أصول الدين الرياض في ١٧ / ٤ / ١٤١٦هـ

стр. 5

[ترجمة موجزة عن المؤلف] اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد التميمي. وُلِدَ سنة ١١١٥هـ الموافقة سنة ١٧٠٣م في بلدة العُيَيْنة الواقعة شمال الرياض، ونشأ في حِجْر أبيه في تلك البلدة. وقد ظهرت عليه علامات النجابة والفطنة في صغره؛ فقد حفظ القرآن الكريم قبل بلوغ العاشرة، وبلغ الاحتلام قبل إتمام الاثنتي عشرة سنة، قال أبوه: رأيته أهلا للصلاة بالجماعة، وزوَّجْتُه في ذلك العام. طلبه للعلم: درس على والده الفقه الحنبلي والتفسير والحديث، وكان في صغره مُكِبًّا على كتب التفسير والحديث والعقائد، وكان كثير الاعتناء والمطالعة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم. رحلاته: رحل إلى مكة قاصدا حج بيت الله الحرام، ثم زار مسجد رسول الله ﷺ ، والتقى هناك بعلماء المدينة النبوية، واستفاد منهم، ثم رحل إلى البصرة فأقام فيها مدة درس العلم فيها على جماعة من العلماء، ثم رحل إلى نجد مرورا بالأحساء، وفي رحلته الطويلة هذه رأى الشيخ بثاقب نظره ما بنجد والأقطار التي زارها من العقائد الضالة والعادات الفاسدة، فصمم على

стр. 6

القيام بالدعوة إلى التوحيد ونبذ الخرافات والشركيات؛ فعندما زار المدينة كان يسمع الاستغاثات الشركية برسول الله ﷺ من دون الله. وقد كانت نجد مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تناقض أصول الدين الصحيحة، فقد كان فيها بعض القبور التي تنسب إلى بعض الصحابة؛ يحج الناس إليها، ويطلبون منها حاجاتهم، ويستغيثون بها لدفع كروبهم. وأغرب من ذلك توسلهم في بلدة منفوحة بفحل النخل واعتقادهم أن من تؤمه من العوانس تتزوج!! فكانت من تقصده تقول: " يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول "!! . ورأى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة وأهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين، والرسول ﷺ ، ما لا ينبغي إلا مع رب الأرباب. كما رأى في البصرة - وسمع عن العراق والشام ومصر واليمن - من الوثنية الجاهلية ما لا يستسيغه العقل ولا يقره الشرع، ووازن تلك الأفكار المنكرة بميزان الوحيين؛ كتاب الله وسنة الرسول الأمين ﷺ ، وسيرة أصحابه المتقين؛ فرآها بعيدة عن منهج الدين وروحه، ورأى فاعليها لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل؟ ولماذا بعث الله محمدا ﷺ للناس كافة؟ ورأى أنهم لم يعرفوا حالة الجاهلية وما كان فيها من الوثنية الممقوتة، رآهم غيروا وبدلوا أصول الدين وفروعه إلا القليل. بدء دعوة الشيخ الإصلاحية: بعد أن ثبت وتحقق لديه حالتهم السيئة في دينهم ودنياهم، وأيقن أنهم قد أدخلوا في أصول الإسلام العليا ما يأباه القرآن وتأباه السنة، قوى عقيدته بخطئهم وركونهم إلى البدع ما جاء في السنة بأن المسلمين لا بد أن

стр. 7

يغيروا، وأن يسلكوا مسالك الذين قبلهم كالحديث الصحيح (١) " «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه. .» ، وحديث «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ» (٢) . حينئذ صمم الشيخ أن يعلن لقومه بأنهم قد ضلوا الطريق السوي وزاغوا عن منهج الصواب. وقد ابتدأ الشيخ ﵀ دعوته، يبين لهم أن لا يدعى إلا الله، ولا يذبح ولا ينذر إلا له. ومن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار الاستغاثة بها وصرف النذور إليها، واعتقاد النفع والضر، فبين أن ذلك كله ضلال وزور، وبأنهم في حالة لا ترضي الله، فلا بد من نبذ ذلك ورده. عزز كلامه بالآيات من كتاب الله، وأقوال الرسول ﷺ وأفعاله، وسير أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه: عقيدة الشيخ هي كعقيدة السلف الصالح، وهي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة المهتدون؛ كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسفيان الثوري وسفيان بن عُيَيْنة وابن المبارك والبخاري ومسلم وأبي داود وسائر أهل " السنن " وأمثالهم ممن تبعهم من أهل الفقه والأثر كالأشعري وابن خزيمة وتقي الدين بن تيمية وابن القيم والذهبي - وغيرهم - رحمهم الله تعالى جميعا.

стр. 8

نقول من رسائله وعقائده: فمن تلك الرسائل ما كتبه لأهل القصيم: قال ﵀ بعد البسملة: " أشهد الله ومن حضرني من الملائكة، وأشهدكم أني أعتقد ما يعتقده أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره. ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بمن وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه، ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف ولا أمثل صفاته بصفات خلقه؛ لأنه تعالى لا سمي له ولا كيف ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فإنه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلا، وأحسن حديثا، منزِّه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل، وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ - وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية، وهم وسط في باب وعيد الله، بين المرجئة والوعيدية. وهم وسط في باب الإيمان والدين، بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية. وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض والخوارج. وأعتقد أن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود،

стр. 9

وأنه تكلم به حقيقة، وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عبده، نبينا محمد ﷺ . وأومن بأن الله فعال لما يريد، ولا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته شيء، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره، ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور. وأعتقد بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. وأومن بفتنة القبر ونعيمه، وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين، حفاة، عراة، غرلا، تدنو منهم الشمس، وتنصب الموازين، وتوزن بها أعمال العباد: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ - وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ وتنشر الدواوين، فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله. ولا ينكر شفاعة النبي إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا من بعد الإذن والرضى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله. وأما المشركون فليس لهم في الشفاعة نصيب كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ وأومن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا تفنيان.

стр. 10

وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته. وأومن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته. وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة - أهل بيعة الرضوان - ثم سائر الصحابة ﵃. وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ ، وأذكر محاسنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساوئهم، وأسكت عما شجر بينهم، وأعتقد فضلهم، عملا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء. وأقر بكرامات الأولياء إلا أنهم لا يستحقون من حق الله شيئا (١) . ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ، ولكني أرجو للمحسن، وأخاف على المسيء. ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنبه، ولا أخرجه من دائرة الإسلام. وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أم فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة. والجهاد ماضٍ منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال؛ لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.

стр. 11

وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين؛ برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله. ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به أو غلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج عليه. وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله. وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توحيه الشريعة المحمدية الطاهرة. فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي. والله على ما نقول وكيل ". قلت: فهذه عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في هذه الرسالة نقلتها بكاملها؛ لأنها عقيدة أهل السنة والجماعة دون نقص أو زيادة، وفيها من الفوائد العظيمة الشيء الكثير. ويجب على كل مسلم أن يعتقد هذه العقيدة، ومن لم يعتقد هذا المعتقد الصحيح السليم فهو ليس من أهل السنة والجماعة، بل نخشى عليه من الضلال والزيغ.

стр. 12

الأسباب والدوافع التي أدت إلى عداء ومناهضة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب السلفية الإصلاحية: ١ - لعل من أبرز الأسباب التي أدت إلى تشنيع الخصوم على الشيخ محمد بن عبد الوهاب أثناء ظهور الدعوة السلفية - تأليفا وواقعا - هو ما كان عليه أولئك الخصوم وكثير من المنتسبين إلى الإسلام من الضلال والغي، والبعد عن الصراط المستقيم. ولقد وصل حال كثير من المسلمين - قبيل ظهور دعوة الشيخ الإمام - إلى أحط الدركات في الضلال وفساد الاعتقاد؛ حيث عم الجهل وطغى، فعبد غالب المسلمين ربهم بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير، فظهرت البدع والشركيات بمختلف أنواعها، وصارت هذه الأمور الشركية والمحدثات البدعية من العوائد والمألوفات التي هرم عليها الكبير وشب عليها الصغير، فانعكست الموازين وانقلبت الحقائق وأصبح الحق باطلا والباطل حقا. ٢ - وهناك سبب ثان لهذا التحامل والمعاداة للدعوة السلفية؛ وهو ما ألصق بهذه الدعوة ومجددها وأنصارها من التهم الباطلة والأكاذيب والمفتريات، فقد أصاب هذه الدعوة منذ بدء ظهورها حملة مكثفة شنيعة عمت البلاد والعباد، فلقد ألصق بعض أدعياء العلم في هذه الدعوة السلفية ما ليس منها! فزعموا أنها مذهب خامس! وأنهم خوارج يستحلون دماء وأموال المسلمين! وأن صاحبها يدعي النبوة وينتقد الرسول ﷺ !!! إلى آخر تلك المفتريات. ومما يؤسف له أن الكثير من العوام يتلقف هذا الإفك والبهتان عن أولئك المفترين والوضاعين دون أدنى تثبت أو تَحَرٍّ في النقل، بل عمدته في ذلك مجرد التقليد الأعمى! .

стр. 13

ومما يجدر ذكره - هاهنا - أن بعض الخصوم قد استغل ما وقع فيه شرذمة من الأعراب المتحمسين، - وفي فترة محدودة - ممن تابع هذه الدعوة من التشدد والجفاء، فحكموا بغيا وعدوانا على جميع أتباع هذه الدعوة، وعلى مر الأزمان بهذا الحكم الجائر، فرموهم أيضا بالتشدد والجفاء. ٣ - وسبب ثالث أدى إلى عداء الدعوة السلفية هو النزعات السياسية والحروب التي قامت بين أتباع هذه الدعوة وبين الأتراك من جهة، وبين أتباع هذه الدعوة وأمراء الحجاز (!) من جهة أخرى. يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: إن سبب قذف الوهابية بالابتداع والكفر: سياسي محض كان لتنفير المسلمين منهم لاستيلائهم على الحجاز، وخوف الترك من أن يقيموا دولة عربية، ولذلك كان الناس يهيجون عليهم تبعا لسخط الدولة، ويسكتون عنهم إذا سكنت ريح السياسة. ويوضح الشيخ محمد رشيد رضا آثار العداء السياسي بين بعض كبار أهل مكة وساستها وأنصار هذه الدعوة، فكان مما أشار إليه أن هؤلاء قد أصدروا عدة منشورات في جريدة القبلة سنة ١٣٣٦ هـ وسنة ١٣٣٧ هـ، تضمنت رَمْي الوهابيين بالكفر وقذفهم بتكفير أهل السنة والطعن بالرسول وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات. وكان بعض أهل دمشق وبيروت يتقربون إلى هؤلاء الكبار - وهم من العلمانيين والقوميين - بطبع الرسائل في تكفيرهم ورميهم بالأكاذيب - ثم سرى ذلك إلى مصر، وظهر له أثر في بعض الجرائد. ٤ - وهناك سبب رابع أدى إلى تراكم المؤلفات المعادية للدعوة السلفية؛ وهو دفاع هؤلاء الخصوم - وبالأخص الصوفية والرافضة - عن معتقداتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة؛ فإنه لما غلب على حال كثير من المسلمين ظهور الشركيات، وانتشار البدع، واستفحال الخرافات، والغلو

стр. 14

في الأموات، والاستغاثة بهم، وظهور تشييد المشاهد، وإقامة المزارات على القبور، وزخرفتها وتزيينها وصرف الأموال الطائلة عليها: قامت ضد ذلك كله دعوة الشيخ ﵀. ولقد وجد هؤلاء المتصوفة في هذه الواقع مرتعا خصبا لبث سمومهم العقدية، فلما بدت أنوار هذه الدعوة تكشف غياهب الظلام، وتزيل أدران الشرك ونجاسته، وتدعو الناس إلى تحقيق التوحيد بصفائه ونقائه أدرك الخصوم أن ظهور هذه الدعوة السلفية نذير بزوال عقائدهم الباطلة، فحشد أولئك الخصوم قواهم، وانبروا في التشنيع بهذه الدعوة وأنصارها، وهم أثناء تشنيعهم يذكرون معتقدهم الصوفي أو الرافضي وغيرهما ويزينونه للناس ويزعمون أنه الحق! . فنجد هؤلاء الصوفية أثناء ردهم على الدعوة السلفية يتبجحون بصوفيتهم، ويفتخرون بانتسابهم إلى الطرق الصوفية. ويدافعون عن التصوف وأدعيائه. والرافضة أثناء مناهضتهم للدعوة السلفية يدافعون بكل ما عرف عنهم من كذب وقلب للحقائق عن معتقدهم. ونوضح ذلك بما حدث منهم لما كتب علماء المدينة النبوية سنة ١٣٤٤ هـ الفتوى حول تحريم البناء على القبور واتخاذها مساجد، وأجابوا بالحق الذي تعضده الأدلة، فلما ظهرت هذه الفتوى وتم العمل بموجبها وأزيلت القباب والأبنية على القبور، عندئذ قام علماء الرافضة وضجوا وسودوا الصحائف والأوراق في الطعن على هذه الفتوى، والنعي للمسلمين على زوال تلك القباب والمزارات!! .

стр. 15

هذه بعض الأسباب الظاهرة لشدة عداوة الخصوم للدعوة السلفية - أيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب وبعد موته ﵀. وكثرة المؤلفات المناوئة لهذه الدعوة الصادقة الحقة. تسمية الدعوة بالوهابية: أما بالنسبة إلى كلمة الوهابية؛ فإن الكثير من الخصوم أطلقوا هذا اللقب على أتباع الدعوة السلفية ويريدون بذلك توهيم الناس أن الوهابية مذهب جديد أو مستقل عن سائر المذاهب الإسلامية، لذا؛ فإن الأصل التحاشي من هذا اللقب، واجتناب ذكره. ومن معاملة الله لهم - أي: خصوم الدعوة - بنقيض قصدهم: أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول ﷺ كما زعموا! فلقد صار هذا اللقب الآن - بحمد الله - علما على كل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربة البدع والخرافات والتمسك بمنهج السلف الصالح ﵃. مفتريات ألصقت بدعوة الشيخ مع الدحض لها: ولقد ألصقت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه مفتريات كثيرة، وصدقها كثير من الناس، حتى شوهت هذه الدعوة المباركة فأصبح معنى الوهابي عند الناس الجهلة أنه يكره رسول الله ﷺ !! وأنه مذهب خامس!! وأنه ينكر كرامات الأولياء!! وأنه يكفر المسلمين ويستبيح دماءهم وغير ذلك من المفتريات. وسأورد هاهنا عددا منها مع الرد عليه:

стр. 16

الفرية الأولى: الافتراء على الشيخ بأنه ينتقص الرسول ﷺ أو يكرهه! أو لا يحب الصلاة عليه!! . قلت: إن الكتب التي بين أيدينا من مؤلفات هذا العالم تثبت أن هذا افتراء مبين على الشيخ، بل هو من أكثر الناس في عصره تعظيما وحبا وإجلالا لرسول الله ﷺ . يقول الشيخ في أحد كتبه التي أرسلها إلى عبد الرحمن السويدي - أحد علماء العراق - مجيبا عن هذه الافتراءات. " يا عجبا كيف يدخل هذا عقل عاقل؟ هل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟ ". ومما كتبه ابن الشيخ عبد الله ذاكرا هذه المفتريات ثم معقبا عليها: " ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق معنا علم قطعا أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين؛ تنفيرا للناس على الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك ". ثم قال: " والذي نعتقده أن مرتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذا هو أفضل منه بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه. وتسن زيارته إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه وإذا قصد مع ذلك فلا بأس، ومن أنفق أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه ﷺ الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين. قلت: هذه عقيدة الشيخ وأتباعه في سيدنا محمد ﷺ سيد ولد آدم، وكل من يقول غير ذلك فهو كاذب مفتر.

стр. 17

الفرية الثانية: فرية إنكار كرامات الأولياء! ومن الافتراءات التي ألصقت بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه ينكر كرامات الأولياء. قلت: إن الشيخ ﵀ لا ينكر كرامات الأولياء كما زعموا، بل يثبت هذه الكرامات بشرط أن يكون وليا حقيقيا صحيحا - والولي هو المتبع للكتاب والسنة - مبتعدا عن البدع الخرافات، والشرط الثاني أن كرامة الأولياء هي في حياتهم وليس بعد مماتهم، وأن الميت يحتاج بعد موته إلى دعاء الأحياء، وليس العكس. وهذه العقيدة في الأولياء هي عقيدة أهل السنة والجماعة، ولم يخالفهم الشيخ في ذلك. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أحد كتبه في إثبات كرامات الأولياء: " وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات، إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله ". ويقول أيضا: " والواجب علينا حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالين، وحق بين باطلين ". ويؤكد أتباع الدعوة من بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذا الاعتقاد ويقرونه: يقول أحد أتباع الشيخ ﵀: وكذلك حق أوليائه محبتهم والترضي عنهم والإيمان بكرامتهم لا دعاؤهم ليجلبوا لمن دعاهم خيرا لا يقدر على جلبه إلا الله تعالى، أو ليدفعوا عنهم سوءا لا يقدر على دفعه إلا هو ؛

стр. 18

فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس، هذا إذا تحققت الولاية أو رجيت لشخص معين، كظهور اتباع سنة وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته، ووسع كمه، وأسبل إزاره، ومد يده للتقبيل ولبس شكلا مخصوصا، وجمع الطبول والبيارق وأكل أموال عباد الله ظلما وادعاء، ورغب عن سنة المصطفى ﷺ وأحكام شرعه!! ". ويقول ابن الشيخ محمد - واسمه عبد الله -: " ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق، وأنهم على هدى من ربهم ما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد ممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم ". هذه نصوص من كلام الشيخ وأتباعه تثبت أن الشيخ يقر بكرامات الأولياء، ولا ينكرها، ولكنه ﵀ ينكر الاستغاثة بهم وطلب الحاجة منهم وصرف العبادة لهم من دون الله . وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة ولم يخالفهم الشيخ في ذلك. الفرية الثالثة: إن من أشد الشبهات التي أثيرت على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ شبهة تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وجواز قتالهم! لقد بلغت هذه الفرية الخاطئة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ فتعددت ردوده وأجوبته عليها، لأن فرية تكفير المسلمين واستباحة دمائهم قد شاعت وذاعت في غالب بلاد المسلمين وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فقد حرص الشيخ ﵀ على تأكيد هذه الردود، وإعلان براءته

стр. 19

ما ألحق به، فأرسل هذه الردود إلى مختلف البلاد: فقال في إحدى رسائله: " وأما ما ذكره الأعداء من أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون تنفير الناس عن دين الله ورسوله ". ويقول في رسالة أخرى ردا على بعض المفترين: " وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر. نقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن من عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو المسلم في أي زمان وأي مكان، وإنما نكفر من أشرك بالله في ألوهيته بعد ما تبين له الحجة على بطلان الشرك ". يقول أحد تلاميذ الشيخ رحمة الله عليه: " والشيخ محمد ﵀ من أعظم الناس توقفا وإحجاما على إطلاق الكفر حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها ". ويقول أيضا في مكان آخر عن معتقد الشيخ في مسألة التكفير: ". . . فإنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسوله، أو بشيء منها بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين ودعاهم مع الله، وجعلهم أندادا فيما يستحقه على خلقه من العبادات والإلهية ". ويقول أيضا: " كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يعلم أنه من أعظم الناس إجلالا للعلم والعلماء، ومن أشد لناس نهيا عن تكفيرهم وتنقيصهم وأذيتهم وأذيتهم، بل هو ممن يدينون بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم.

стр. 20

والشيخ ﵀ لم يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأجمعت الأمة على كفره، كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين ". هذه بعض النقول عن الشيخ وأتباعه في مسالة تكفير المسلمين. ويظهر من هذه النقول الجلية براءة الشيخ وكذا أتباعه وأنصار دعوته من مفتريات وأكاذيب الخصوم في مسألة التكفير. ومن طالع كتبهم وقرأ رسائلهم تبين لهم صحة معتقدهم وسلامة فهمهم لمسألة التكفير، وأن اعتقادهم فيها هو عين اعتقاد السلف الصالح. وفاته ﵀: وبعد حياة مليئة بالعلم، والجهاد، والدعوة إلى الله سبحانه، توفي الشيخ ﵀ في بلدة الدرعية سنة (١٢٠٦ هـ) . نسأل الله له الرحمة والرضوان، وأن يجمعنا وإياه في غرف الجنان، برحمة ربنا العظيم المنان (١) .

стр. 21

[كتاب الكبائر] [باب أكبر الكبائر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين كتاب الكبائر وقول الله تعالى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [سورة النساء، الآية: ٣١] . وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ الآية [سورة النجم، الآية: ٣٢] . روى ابن جرير (١) . عن ابن عباس ﵄ قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب. وله (٢) . عنه قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. ولعبد الرزاق عنه، هي إلى سبعين أقرب منها إلى سبع.

стр. 22

" ١ " باب أكبر الكبائر ١ - في الصحيحين عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؛ قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال - ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت» . ــ (١) رواه البخاري كتاب الشهادات ٥ / ٢٦١ رقم ٢٦٥٤، وكتاب الأدب ١٠ / ٤٠٥ رقم ٥٩٧٦ وكتاب الاستئذان ١١ / ٦٦ رقم ٦٢٧٣، ٦٢٧٤ ورقم ٩٩١٩. ومسلم كتاب الإيمان ١ / ٩١، رقم ٨٧. الشرك هو جعل شريك لله في ربوبيته وإلهيته والغالب الإشراك في الألوهية بأن يدعو مع الله غيره أو يصرف له شيئا من أنواع العبادة كالذبح لغير الله أو النذر أو الخوف أو الدعاء، والشرك نوعان: الأول: شرك أكبر يخرج من الإسلام يخلد صاحبه في النار إذا مات ولم يتب منه، وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كدعاء غير الله والتقرب بالذبح والنذر لغير الله من القبور والجن والخوف من الموتى أو الجن أن يضروه أو يمرضوه - ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء الحاجات وتفريج الكربات مما يفعل الآن حول قبور الصالحين وغيرهم وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الإسلام لكنه ينقص التوحيد وهو وسيلة إلى الشرك الأكبر وهو قسمان: القسم الأول شرك ظاهر وهو ألفاظ وأفعال فالألفاظ كالحلف بغير الله قال ﷺ : «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» صحيح رواه أبو داود وغيره ونحو قوله " ما شاء الله وشئت "، قال ﷺ «لما قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال ﷺ : " أجعلتني لله ندا قل ما شاء الله وحده» ونحو قوله: لولا الله وفلان، والصواب أن يقول: لولا الله ثم فلان، وما شاء الله ثم فلان. وأما الأفعال مثل لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، ومثل تعليق التمائم خوفا من العين وغيرها، هذا إذا اعتقد أن هذه أسباب لرفع البلاء أو دفعه فهذا شرك أصغر لأن الله لم يجعل هذه أسباب، وأما إن اعتقد أنها تدفع أو ترفع البلاء بنفسها فهذا شرك أكبر لأنه تعلق بغير الله. القسم الثاني من الشرك الأصغر: شرك خفي وهو الشرك في الإرادات والنيات كالرياء والسمعة كأن يعمل عملا مما يتقرب به إلى الله تعالى يريد به ثناء الناس عليه كأن يحسن صلاته أو يتصدق لأجل أن يمدح ويثنى عليه، والرياء إذا خالط العمل أبطله قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال النبي ﷺ : «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: " الرياء» صحيح رواه أحمد وغيره..

стр. 23

[باب كبائر القلب] " ٢ " باب كبائر القلب ٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم. ــ (٢) صحيح مسلم كتاب البر والصلة ٤ / ١٩٨٧ رقم ٢٥٦٤ وأحمد ٣ / ٥٣٩ وابن حبان في صحيحه ٢ / ٢١٩ رقم ٣٩٤. أي إن الله لا يجازيكم على صوركم وأجسادكم ولا على أموالكم الخالية من الخيرات أي لا يثيبكم عليها ولا يقربكم منه سبحانه، وإنما ينظر إلى قلوبكم التي هي محل التقوى. والجمال قسمان: ظاهري وباطني كجمال علم وعقل وكرم وهذا محل نظر الله وموضع محبته فيرى صاحب الجمال الباطن فيكسوه من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصفات فإن المؤمن يعطى حلاوة ومهابة بحسب إيمانه فمن رآه هابه ومن خالطه أحبه وإن كان أسود مشوها وهذا أمر مشهود بالعباد. قال الغزالي ﵀: قد أبان هذا الحديث أن محل القلب موضع نظر الرب فيا عجبا ممن يهتم بوجهه، الذي هو نظر الخلق فيغسله وينظفه من القذر والدنس، ويزينه بما أمكن، لئلا يطلع فيه مخلوق على عيب، ولا يهتم بقلبه الذي هو محل نظر الخالق، فيطهره ويزينه، لئلا يطلع ربه على دنس أو غيره..

стр. 24

٣ - وعن النعمان بن بشير ﵄ مرفوعا «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» . ــ (٣) رواه البخاري كتاب الإيمان ١ / ١٢٦ رقم ٥٢ والبيوع ٤ / ٢٩٠ رقم ٢٠٥١ ومسلم المساقاة ٣ / ١٢١٩ رقم ١٥٩٩ وغيرهما من حديث طويل مشهور أوله الحلال بين والحرام بين. . . الحديث. الحديث فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات، واتقاءه للشبهات بحسب صلاح قلبه. فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله، ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذرا من الوقوع في المحرمات. وإن كان القلب فاسدا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات، بحسب اتباع هوى القلب. ولهذا يقال القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له منبعثون في طاعته وتنفيذ أوامره، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ - إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وكان النبي ﷺ يقول في دعائه: «أسألك قلبا سليما» رواه الترمذي وغيره وهو حسن. فالقلب السليم، هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة الله، وما يحبه الله، وخشية الله، وخشية ما يباعد منه..

стр. 25

[باب ذكر الكبر] " ٣ " باب ذكر الكبر وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وقول الله تعالى: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ٤ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : - «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال: إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس» رواه مسلم. ــ (٤) رواه مسلم كتاب الإيمان ١ / ٩٣ رقم ٩١. الكبر: بكسر الكاف وهي الحالة التي يختص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره، وأعظم ذلك أن يتكبر على ربه بأن يمتنع من قبول الحق والإذعان له بالتوحيد والطاعة، والتكبر يأتي على وجهين أحدهما: أن تكون الأفعال الحسنة زائدة على محاسن الغير ومن ثم وصف سبحانه نفسه بالمتكبر. والثاني: أن يكون متكلفا لذلك، متشبعا بما ليس فيه، وهو وصف عامة الناس نحو قوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ أما معنى قوله: «الكبر بطر الحق» هو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيده وعبادته باطلا. وقيل هو أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقا وقيل هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. أما غمط الناس: الغمط الازدراء والاحتقار. واعلم أن الكبر من المهلكات ولا يخلو أحد من خلق عن شيء منه، وإزالته فرض عين، لا يزول بمجرد التمني بل بالمعالجة. قال الغزالي: ومن المعالجات لمرض الكبر أن يعرف نفسه، ويعرف ربه تعالى ويكفيه ذلك في إزالة الكبر، فإنه مهما عرف نفسه حق المعرفة علم أنه أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلة والمهابة، وإذا عرف ربه علم أنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا بالله. وأما معرفة نفسه فنذكر من ذلك ما ينفع في إثارة التواضع والمذلة ويكفيه أن يعرف معنى آية واحدة في كتاب الله قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ - مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ - مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ - ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ - ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ - ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان، وإلى آخره وإلى وسطه، فلينظر الإنسان إلى ذلك ليفهم معنى هذه الآية. أما أوله فهو لم يكن شيئا مذكورا، وقد كان في حيز العدم، ثم خلقه من أرذل الأشياء، ثم من أقذرها إذ قد خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. . إلخ ثم أسمعه بعدما كان أصم، وبصره بعدما كان فاقدا للبصر، قواه بعد ضعف، وعلمه بعد الجهل وأغناه بعد الفقر، وأشبعه بعد الجوع، وكساه بعد العري، وهداه بعد الضلال، فانظر كيف دبره وصوره. وأما آخره ومورده، فهو الموت فيسلب منه روحه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته وحركته، فيعود جمادا كما كان أول مرة، ثم يوضع في التراب فيصير جيفة منتنة قذرة يهرب منه الحيوان، ويستقذره الإنسان، لشدة الإنتان ويأكل الدود أجزاءه فيصير روثا في أجواف الديدان، وبعد ذلك يكون متكبرا! اللهم غفرانك..

стр. 26

٥ - روى البخاري عن حارثة بن وهب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عُتُلٍّ جواظ مستكبر» العتل الغليظ الجافي، والجواظ قيل المختال الضخم، وقيل القصير البطين، وبطر الحق: رده إذا أتاك، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم. ٦ - ولأحمد وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد ﵁ رفعه «من تواضع لله درجة رفعه الله بها درجة حتى يجعله في أعلى عليين. ومن تكبر على الله درجة وضعه الله بها درجة حتى يجعله في أسفل سافلين» . ٧ - وللطبراني عن ابن عمر ﵄ رفعه «إياكم والكبر فإن الكبر يكون في الرجل وإن عليه العباءة» رواته ثقات. ــ (٥) رواه البخاري كتاب التفسير ٨ / ٦٢٢ رقم ٤٩١٨ والأدب ١٠ / ٤٨٩ رقم ٦٠٧١ ومسلم كتاب صفة الجنة ٤ / ٢١٩٠ رقم ٢٨٥٣. العتل: شديد الخصومة، وقيل الجافي عن الموعظة، وقيل الفظ الشديد من كل شيء وقيل الفاحش الآثم. الجواظ: الكثير اللحم، المختال في مشيه، وقيل الأكول وقيل الفاجر. (٦) رواه أحمد ٣ / ٧٦ وابن ماجه كتاب الزهد ٢ / ١٣٩٨ رقم ٤١٧٦ وابن حبان ١٢ / ٤٩١ رقم ٥٦٧٨. كلهم من طريق عمر بن الحارث أن دراجا حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعد. قال البوصيري في الزوائد هذا إسناد ضعيف دراج بن سمعان أبو السمح وإن وثقه ابن معين وأخرج له ابن حبان في صحيحه فقد قال أبو داود وغيره حديثه مستقيم إلا ما كان عن أبي الهيثم، قال ابن عدي عامة أحاديث دراج مما لا يتابع عليه أ. هـ. قال الحافظ عنه صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. (٧) رواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين ٨ / ١٨٩ رقم ٤٩٣٧ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠ / ٢٢٦ رجاله ثقات. قلت في إسناده سويد بن عبد العزيز ضعيف. وأن عليه العباءة: أي من شدة الحاجة وضنك المعيشة وقلة الشيء ولا يمنعه رثاثة حاله عن النظر في عاقبته وحاله أن يتكبر..

стр. 27

[باب ذكر العجب] " ٤ " باب ذكر العجب وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ روي عن ابن مسعود أنه قال: «الهلاك في اثنين - القنوط والعجب» . ٨ - عن أبي بكرة «أن رجلا ذكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي ﷺ " ويحك قطعت عنق صاحبك " ردده مرارا ثم قال: " إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسبه كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك وحسيبه الله ولا أزكي على الله أحدا» رواه البخاري ومسلم. ــ (٨) رواه البخاري كتاب الشهادات ٥ / ٢٧٤ رقم ٢٦٦٢ والأدب ١٠ / ٤٧٦ رقم ٦٠٦١، ٦١٦٢ ومسلم الزهد ٤ / ٢٢٩٦ رقم ٣٠٠٠ بنحوه. قال الحافظ: " قال ابن بطال: حاصل النهي أن من أفرط في مدح آخر، بما ليس فيه، لم يأمن على الممدوح العجب، لظنه أنه بتلك المنزلة، فربما ضيع العمل والازدياد في الخير اتكالا على ما وصف به. وللإعجاب أسباب، فمن أقوى أسبابه كثرة مديح المتقربين وإطراء المتملقين، الذين جعلوا النفاق عادة ومكسبا، فإذا وجدوه مقبولا في العقول الضعيفة أغروا أربابها باعتقاد كذبهم وجعلوا ذلك ذريعة إلى الاستهزاء بهم، قال بعض الحكماء من رضي أن يمدح بما ليس فيه فقد أمكن الساخر منه..

стр. 28

ولأحمد (١) بسند جيد عن الحارث بن معاوية أنه قال لعمر ﵁ إنهم كانوا يراودونني (٢) . على القصص فقال: أخشى أن تقص فترتفع عليهم في نفسك ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم في منزلة الثريا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك ". ٩ - وللبيهقي عن أنس ﵁ مرفوعا: «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشد من ذلك " العجب» . ــ (٩) رواه البيهقي في شعب الإيمان ٥ / ٤٥٣ رقم ٧٢٥٥. ورواه البزار كما في كشف الأستار كتاب الزهد ٤ / ٢٤٤ رقم ٣٦٣٣ بنحوه قال الهيثمي ١٠ / ٢٦٩ رواه البزار وإسناده جيد. قلت: في إسناده سلام بن أبي الصهباء، قال البخاري: منكر الحديث وضعفه يحيى بن معين وقال: أحمد حسن الحديث، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. . . اللسان ٣ / ٥٨..

стр. 29

[باب ذكر الرياء والسمعة] " ٥ " باب ذكر الرياء والسمعة وقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١٠ - عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من سمَّع سمَّع الله به ومن يرائي يرائي الله به» أخرجاه. (قيل معنى من سمع سمع الله به أي فضحه يوم القيامة، ومعنى من ــ (١٠) رواه البخاري الرقائق ١١ / ٣٣٥ رقم ٦٤٩٩ والأحكام ١٣ / ١٢٨ رقم ٧١٥٢ ومسلم الزهد ٤ / ٢٢٨٩ رقم ٢٩٨٧. الرياء مشتق من الرؤية، والرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائه خصال الخير. والسمعة مشتقة من السماع، والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر. ومعناه أن من عمل عملا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه، جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه، وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس، ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثا عند الناس، الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ - أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .

стр. 30

يرائي: أي من أظهر العمل الصالح للناس ليعظم عندهم «يرائي به الله» قيل معناه إظهار سريرته للناس. ١١ - ولهما عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» . ١٢ - ولمسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا «إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ثلاثة - رجل استشهد في سبيل الله فأتي به فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال قاتلت في سبيلك حتى قتلت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال هو جريء فقيد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال هو عالم وقرأت ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أنه ينفق فيه إلا أنفقت فيه لك» ــ (١١) رواه البخاري بدء الوحي ١ / ٩ رقم ١ ورقم ٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣ ومسلم الإمارة ٣ / ١٥١٥ رقم ١٩٠٧. (١٢) رواه مسلم الإمارة ٣٥ / ١٥١٣ رقم ١٩٠٥..

стр. 31

قال الله كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار - وللترمذي (١) فيه أن معاوية ﵁ لما سمعه بكى وتلا قوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية [هود: ١٥] .

стр. 32

[باب الفرح] " ٦ " باب الفرح وقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ الآية [الطور: ٢٦] وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ الآية: [الأنعام: ٤٤] . معنى الآية الأولى، أنه كان لا يفكر في العواقب مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل. أما معنى الآية الثانية، فجاءت في معرض الثناء على من يخاف الله ويخشاه، أي كنا في الدار الدنيا ونحن في أهلينا خائفين من ربنا، مشفقين من عذابه وعقابه، وبسبب ذلك تصدق الله علينا، وأجارنا مما نخاف، وهو عذاب السعير. أما الآية الثالثة: أي لما أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم، فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الأموال، والأولاد، والأرزاق، أخذناهم على غفلة فإذا هم آيسون من كل خير..

стр. 33

[باب ذكر اليأس من روح الله والأمن من مكر الله] " ٧ " باب ذكر اليأس من روح الله والأمن من مكر الله وقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ عن ابن مسعود ﵁ قال «أكبر الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله» . رواه عبد الرزاق (١) . ١٣ - وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعا ولفظه «سئل ما الكبائر فقال: " الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله.» (٢) . ــ (١٣) أمر يعقوب ﵇ بنيه أن يبحثوا عن يوسف وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله أي لا يقطع رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه، فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. أما الآية الثانية: أفأمنوا مكر الله: أي بأسه ونقمته وقدرته عليهم، وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم. قال الحسن البصري ﵀ المؤمن يعمل بالطاعات، وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن..

стр. 34

[باب ذكر سوء الظن بالله] " ٨ " باب ذكر سوء الظن بالله وقول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ وقول الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ الآية: [فصلت: ٢٣] ، وقوله تعالى ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ روي من حديث ابن عمر ﵄ «أكبر الكبائر سوء الظن بالله» رواه ابن مردويه ". ١٤ - وعن جابر ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل وفاته بثلاث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» أخرجاه وزاد ابن أبي الدنيا «فإن قوما أرداهم سوء ظنهم بالله فقال ﵎ ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ » [فصلت: ٢٣] . ــ (١٤) رواه مسلم صفة الجنة ٤ / ٢٢٠٥ رقم ٢٨٧٧ وأبو داود الجنائز ٣ / ١٨٩ رقم ٣١١٣ وابن ماجه الزهد ٢ / ١٣٩٥ رقم ٤١٦٧ وأحمد ٣ / ٣٢٥، ٣٣٤، ٣٩٠، ٣٩٣ وابن حبان ٢ / ٤٠٣ رقم ٦٣٦، ٦٣٨ ولم أجده في صحيح البخاري. ومعنى حسن الظن بالله، بأن يظن أنه يرحمه ويعفوا عنه، أي عندما يكون في حالة الصحة يكون خائفا راجيا فإذا دنت آمارات الموت غلب عليه الرجاء لأن مقصود الخوف، الابتعاد عن المعاصي، الحرص على الإكثار من الطاعات والأعمال، وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال، فاستحب إحسان الظن المتضمن للافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له ويؤيده الحديث الذي بعده. وقد أفاد الحديث التحذير من اليأس والقنوط، والحث على الرجاء، وخاصة عند دنو الأجل..

стр. 35

١٥ - ولهما عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا قال الله تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي» زاد أحمد (١) . وابن حبان «إن ظن بي خيرا فله وإن ظن بي شرا فله» . ــ (١٥) رواه البخاري التوحيد ١٣ / ٤٦٦ رقم ٧٥٠٥ ومسلم الذكر ٤ / ٢٠٦٧ رقم ٢٦٧٥. ورواه البخاري ١٣ / ٣٨٤ رقم ٧٤٠٥ ومسلم التوبة ٤ / ٢١٠٢ رقم ٢٦٧٥ والذكر ٤ / ٢٠٦١ رقم ٢٦٧٥ مطولا. ومعناه أنا أعامله على حسن ظنه بي، وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر، والمراد الحث على تغليب الرجاء على الخوف، وحسن الظن بالله. قال القرطبي قيل معنى ظن عبدي بي، أي ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكا بصادق وعده، ويؤيده قوله ﷺ في الحديث الآخر: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه، موقنا بأن الله يقبله ويغفر له، لأنه وعد بذلك، وهو لا يخلف الميعاد، فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها، وأنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله، وهو من الكبائر، ومن مات على ذلك وُكل إلى ما ظن فإن كان خيرا فخير وإن ظن غير ذلك فله..

стр. 36

[باب ذكر إرادة العلو والفساد] " ٩ " باب ذكر إرادة العلو والفساد وقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ١٦ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» أخرجاه. ١٧ - وعن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به.» ــ (١٦) رواه البخاري الإيمان ١ / ٥٦ رقم ١٣ ومسلم الإيمان ١ / ٦٧ رقم ٤٥. معنى لا يؤمن: أي إيمانا كاملا، والمحبة إرادة ما تعتقده خيرا. قال النووي المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، والمراد هنا الميل الاختياري دون القهري ومن ذلك أيضا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من السوء ولم يذكره لأن حبه الشيء مستلزم بغض نقيضه وذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة، ومن زعم أن هذا من الصعب الممتنع غفل عن المعنى، والمراد هو أن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، وعماد ذلك وأساسه السلامة من الأدواء القلبية كالحسد. . (١٧) رواه ابن أبي عاصم في السنة ١ / ١٢ رقم ١٥ والخطيب في تاريخ بغداد ٤ / ٣٦٩ والبغوي في شرح السنة ١ / ٢١٢. وفي إسناده نعيم بن حماد وهو ضعيف، والانقطاع ما بين عقبة بن أوس وعبد الله بن عمرو. وهناك أحاديث صحيحة في معنى هذا الحديث وهو «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» ، رواه أحمد والنسائي وغيرهما. ومحبة الرسول ﷺ إرادة طاعته وترك مخالفته، وهو من واجبات الإسلام. والحديث من جوامع الكلم لأنه جمع فيه أصناف المحبة الثلاث محبة الإجلال وهي محبة الأصل، ومحبة الشفقة، وهي محبة الولد، ومحبة المجانسة وهي محبة الناس أجمعين..

стр. 37

[باب العداوة والبغضاء] " ١٠ " باب العداوة والبغضاء وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية: [النساء: ٥٩] وقال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية: [الممتحنة: ٤] . [باب الفحش] " ١١ " باب الفحش وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ الآية: [التوبة: ٩١] .

стр. 38

[باب ذكر مودة أعداء الله] " ١٢ " باب ذكر مودة أعداء الله وقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢] . وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ الآية: [هود: ١١٣] . وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. وروي عن ابن عباس ﵄ لا تميلوا إليهم كل الميل في المحبة ولين الكلام والمودة. ١٨ - عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المرء مع من أحب» أخرجاه. ــ (١٨) رواه البخاري الأدب ١٠ / ٥٥٧ رقم ٦١٦٨، ٦١٦٩ ومسلم البر والصلة ٤ / ٢٠٣٤ رقم ٢٦٤٠. ومعناه أنه يحشر مع محبوبه يكون رفيقا لمطلوبه، وظاهر الحديث العموم الشامل للصالح والطالح، فمن أحب الصالحين حشر معهم، ومن أحب الطالحين حشر معهم، ويؤيده حديث «المرء على دين خليله» ففيه ترغيب وترهيب ووعد ووعيد. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ .

стр. 39

[باب ذكر قسوة القلب] " ١٣ " باب ذكر قسوة القلب وقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ الآية: [المائدة: ١٣] ، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية: [الحديد: ١٦] . ١٩ - عن ابن عمرو ﵄ مرفوعا «ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» رواه أحمد. ــ (١٩) رواه أحمد في المسند ٢ / ١٦٥، ٢١٩ قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠ / ١٩١ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير حبان بن يزيد الشرعبي ووثقه ابن حبان قلت قال عنه الحافظ ثقة، وقد صححه الشيخ ناصر في السلسلة الصحيحة رقم ٤٨٢. يطلب منا رسول الله ﷺ أن نرحم، لأن الرحمة من صفات الحق سبحانه التي شمل بها عباده، فلذا كانت أعلى ما اتصف به البشر، فندب الشارع إليها في كل شيء حتى في قتال الكفار، وفي ذبح الحيوانات وإقامة الحج وغير ذلك. أما قوله ﷺ : «اغفروا يغفر لكم» لأنه يحب أسماءه وصفاته التي منها الرحمة والغفران، ويحب من تخلق بهما. والأقماع جمع قمع وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات في الأشربة والأدهان. شبه أسماع الذين يستمعون لقول ولا يعونه، ويحفظونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها. فكأنه يمر عليهم مجازا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازا، أما قوله ﷺ «ويل للمصرين» ، أي على الذنوب أي عازمين على المداومة عليها ويقيمون عليها فلم يتوبوا ولم يستغفروا وهم يعلمون: أي يصرون في حال علمهم بأن ما فعلوه معصية أو يعلمون بأن الإصرار أعظم من الذنب، أو يعلمون بأن الله سبحانه يعاقب على الذنب..

стр. 40

٢٠ - وللترمذي عنه (١) . مرفوعا: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد القلوب من الله القلب القاسي» . ٢١ - ولهما عن جرير ﵁ مرفوعا: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» أخرجاه. ــ (٢٠) رواه الترمذي الزهد ٤ / ٥٢٥ رقم ٢٤١١ وقال الترمذي حسن غريب وضعفه الشيخ ناصر في السلسلة الضعيفة رقم ٩٢٠. في هذا الحديث إشارة إلى أن بعض الكلام مباح، وهو ما يعنيه، فيجب علينا أن نكثر الكلام بذكر الله، لأنه سبب في لين القلب والرحمة، وكثرة الكلام بغير ذكر الله هو سبب في قسوة القلوب، وهو عدم سماع الحق وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء. (٢١) رواه البخاري الأدب ١٠ / ٤٣٨ رقم ٦٠١٣ والتوحيد ١٣ / ٣٥٨ رقم ٧٣٧٦ ومسلم ٤ / ١٨٠٩ رقم ٢٣٠٩. أي من لا يكون من أهل الرحمة لا يرحمه الله، أو من لا يرحم الناس بالإحسان لا يثاب من قبل الرحمن، أو من لا يكون فيه رحمة الإيمان في الدنيا لا يرحم في الآخرة..
следующие страницы →