Полный текст (5 619 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تقديم
لقد اقترن اسم «على مبارك» (١٨٢٤ - ١٨٩٣ م) فى تاريخ مصر الحديث بالجانب العملى للنهضة والعمران، ومن اللافت للنظر أن إسهاماته فى هذا المضمار كانت بارزة بشكل يثير الإعجاب والتقدير، ولا سيما بعد تولى الخديوى إسماعيل الحكم فى ١٨ من يناير ١٨٦٣ م، والذى عهد إلى على مبارك قيادة مشروعه المعمارى العمرانى بإعادة تنظيم القاهرة على نمط حديث، بشقّ الشوارع الواسعة، وإنشاء الميادين، وإقامة المبانى والعمائر العثمانية الجديدة، وإمداد القاهرة بالمياه وإضاءتها بالغاز، فضلا عن تعيينه ناظرا على القناطر الخيرية، وكذا تعيينه وكيلا عاما لديوان المدارس، وديوان الأشغال العمومية، وإدارة السكك الحديدية، ونظارة عموم الأوقاف، بالإضافة إلى الإشراف على الاحتفال بافتتاح قناة السويس.
ونظرا لبصماته الواضحة وكفاءته العالية فى كل عمل كان يوكل إليه، فقد تولى على مبارك ثلاث وزارات هى: الأوقاف، والمعارف، والأشغال العمومية.
وبالرغم من تعدد هذه المسئوليات إلا أن ذلك لم يشغله عن التأليف، فترك لنا مؤلفات متنوعة تدل على نبوغه فى ميدان العمل الإصلاحى، والتأليف … أهمها: تنوير الأفهام فى تغذى الأجسام، ونخبة الفكر فى تدبير نيل مصر، وعلم الدين، وآثار الإسلام فى المدنية والعمران، فضلا عن موسوعته العظيمة التى بين أيدينا: «الخطط التوفيقية الجديدة لمصر … القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة».
ويعد كتاب «الخطط التوفيقية» أطلس متكاملا لمدن مصر على مر العصور، حيث إنه يصف فيه بالتفصيل مدن مصر وقراها من أقدم العصور إلى الوقت الذى اندثرت فيه أو ظلت قائمة حتى عصره، واصفا ما بها من منشآت ومرافق مثل: المساجد والزوايا والأضرحة والأديرة والكنائس، وغير ذلك، ومن ثم فإن هذا الكتاب يخرج من كونه مؤلفا مهما إلى عمل موسوعى ينبض بالحياة بكل ما يتصل بمصر - بصفة عامة والقاهرة خاصة - من تاريخ سياسى واجتماعى واقتصادى، وبما اشتمل عليه مما لا يحصى من تراجم الأعلام فى قديم مصر وحديثها، مما جعل منه محاولة رائدة لكتابة تاريخ مصر وفق المعلومات الحديثة، حيث أضافت هذه الخطط إلى تاريخ مصر فى فرعى التاريخ القديم والحديث مادة علمية جديدة، وقد استفاد المؤلف فى كلا الفرعين من نتائج الكشوف الأثرية التى أجريت فى مصر فى القرن التاسع عشر الميلادى ومما كتبه الأوروبيون عن تاريخ مصر، وحيث إن على باشا مبارك شارك فى تنفيذ بعض المشروعات العمرانية العملاقة، أو عاصرها، فقد جاءت كتاباته عنها غاية فى الدقة، الأمر الذى جعل من هذه الخطط سجلا حافلا لمظاهر الحضارة التى أدخلت فى مصر فى العصر الحديث من توسع زراعى، وصناعى.
стр. 2
وقد نهج المؤلف فى كتابه هذا منهجا علميا، اعتمد فيه على كثير من المصادر والمراجع القديمة والحديثة (العربية وغير العربية)، مكملا وموضحا كثيرا من الأماكن والمعالم التى تغيرت أو اختفت بعد المقريزى، والتى أوردها فى كتابه الشهير «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»، وفضلا عن ذلك، فقد تميزت الخطط التوفيقية بروح الفحص والنقد والمناقشة، ولم تقع أسيرة التقليد، حيث ناقش على مبارك ونظر فيما بين يديه من معلومات، كما اعتمد على العلوم المساعدة لفهم التاريخ مثل: الوثائق والنميات والآثار والنقوش، وقد استغرق المؤلف فى وصف هذه بضع عشرة سنة حتى فرغ من طباعتها، وقسمها إلى عشرين جزءا مما جعلها دائرة معارف متكاملة من العصر الفاطمى إلى عصر توفيق، حتى قيل عن كاتبها إن لم يكن له من الأعمال سواها لكفته ذكرا باقيا وأثرا شاهدا على عزيمة جبارة وعقل متوهج، وقلم متدفق.
ويسعد مكتبة الأسرة أن تعيد إصدار هذه الموسوعة الضخمة بأجزائها العشرين عن طبعتها الصادرة عام ٢٠٠٤ عن مركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية.
стр. 3
تنويه: ينظر الاستدراكات وتصحيح الأسماء فى آخر هذا الجزء
قام بمراجعة هذا الجزء وعمل الاستدراكات:
الأستاذ/متولى خليل عوض، باحث أول بالمركز.
الأستاذ/مصطفى عبد السميع، باحث بالمركز.
قام بتصحيح الأسماء:
الدكتورة/لبيبة إبراهيم مصطفى، كبير باحثين بالمركز.
стр. 4
مقدمة الطبعة الثانية
وجه نفر من المؤرخين المصريين فى العصور الوسطى عنايته إلى الكتابة فى نوع من التاريخ، على ما فيه من مشقة ونصب وما يحتاجه من سعة فى الاطلاع ووفرة فى تحصيل العلوم والمعرفة، ذلك هو الكتابة فى الخطط، سواء أكانت خاصة بمدينة بعينها، أم إقليم بذاته.
والتأريخ بأسلوب الخطط أشبه ما يكون بدائرة معارف شاملة عن المكان الذى يتناوله المؤرخ، إذ يذكر فيه كل ما يتعلق بالموقع من معلومات جغرافية وتاريخية، وسير وتراجم، وعادات وتقاليد، وحضارة وفنون، ومعالم وآثار … إلى غير ذلك من الموضوعات التى تتعلق بذاك المكان.
وأقدم مؤرخ مصرى، ألّف بأسلوب الخطط هو عبد الرحمن بن الحكم، فضلا عن أنه أقدم مؤرخ مصرى لمصر الإسلامية، ولذلك يعتبر واضح حجر الأساس لهذا الفرع من التاريخ.
وتلا عبد الرحمن بن الحكم فى هذا الميدان عدد من المؤرخين على مر العصور، يذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: ابن الحكم أبو عمر بن يوسف الكندى، وأبو محمد الحسن بن إبراهيم زولاق الليثى المصرى، والأمير المختار عز الملك المسيحى، وأبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعى الفقيه الشافعى، وصارم الدين إبراهيم بن محمد بن أيدمر بن دقماق القاهرى، وأحمد بن على بن عبد القادر، أبو العباس الحسينى العبيدى تقى الدين المعروف «بالمقريزى»، صاحب ذلك الأثر النفيس الذى وصل إلينا عن خطط مصر؛ وهو كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار».
وقد قيّض الله لمصر فى العصر الحديث ابنا من أبر أبنائها، وعلما من أشهر أعلامها، وهو على مبارك باشا، الذى اقتفى أثر المؤرخين السابقين، وكتب كتابا عن خطط مصر، سماه: «الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة» وهو نفسه
стр. 5
الذى اشتهر باسم «الخطط التوفيقية»، وذلك بعد أن رأى قدم العهد، بخطط المقريزى، وتغير كثير من المعالم، بل واختفاء بعضها، لدرجة يصعب معها التحقق مما ورد فى هذا المؤلّف القديم، والتعرف على كثير من المعالم، فقرّ رأيه على ضرورة وضع كتاب آخر حديث، ولذا نراه يقول فى مقدمته:
«فلما كانت مدينة القاهرة المعزية التى هى دار الحكومة الخديوية قد كثر ذكرها فى كتب الخطط والتواريخ والسير، ووصف ما كان بها من المبانى والبساتين، وهى الآن غيرها فى تلك الأزمان، لتغييرها عما كانت عليه زمن الفاطميين الذين اختطوها بتغيير الدول، وتقلب الأزمنة، وكانت تارة يؤثر فيها الزيادة، فترى أحيانا زاهرة زاهية، وطورا واهنة واهية، ولم نر منا معشر أبنائها، من يهدينا إلى تلك التقلبات، ويفقهنا أسباب هاتيك الانتقالات، ويدلنا على ما فيها من الآثار، فنجوس خلالها ولا نعرف أحوالها، ونجوب أقطاعها ولا ندرى من وضعها، وقد خطها العلامة المقريزى لوقته، وأطال القول فيما فيها من المبانى والمزارع، وتكلم على الحوادث والرجال، ولكن بعده كم من أمور مرت فدمرت، وعبر جرت فغيرت، حتى ذهب أكثر ما أسهب فى شرحه كليا، وزال حتى صار نسيا منسيا، وكم من آثار خيرية صار نفعها مندثرا مهجورا ومصانع وصنائع قد دثرت كأن لم تكن شيئا مذكورا، وكم من تلال كانت عمارات شاهقة، ووهاد كانت بساتين معينة متأنقة، وقبور مزوية فى جوانب الحارات ومشاهد متباعدة فى الفلوات أطلق عليها العامة أسماء كاذبة، كقولهم مثلا: «هذا ضريح الأربعين».، وكم من مساجد نسبوها لغير من بناها، ومعابد أسندوها لمن لم يكن رآها، والحقيقة أنها قبور ملوك عظام، أو معابد سادات كرام، أو مساجد أمراء فخام، مع أن معرفة ذلك حق علينا، إذ لا يليق بنا جهل بلادنا، والتهاون بمعرفة آثار أسلافنا، التى هى عبرة للمعتبر، وذكرى للمدّكر، فهم وإن مضوا لسبيلهم، قد تركوا لنا ما يحثّنا على اقتفاء آثارهم، وأن نصنع لوقتنا ما صنعوه لوقتهم، وأن نجد فى طريق الإفادة كما جدّوا، دعتنى نفسى لتأليف كتاب واف للمصريين من قديم وحديث».
ذلك هو ما دفع على مبارك باشا إلى وضع كتابه «الخطط التوفيقية»، وقد قدّم له محرر المقدمة بقوله:
«صار يذكر فى كل مكان من أماكن القاهرة خطته القديمة واسمه وشهرته التى كانت فى ذلك الوقت مستديمة، ثم يعقبه بذكر ما تحولت إليه فى وقتنا هذا، وقبله حاله
стр. 6
وما آل إليه مآله. ويذكر أول من أنشأ هذا المكان ومن انتقل إليه بعده مرة بعد أخرى، وتملكه من جميع أخطاط القاهرة وشوارعها وحارتها ودروبها وأزقتها وبيوتها الكبيرة والصغيرة وخاناتها، حتى صارت جهاتها واضحة معلومة للساكنين، غير مشتبهة الأعلام والطرق على السائرين فى أزقتها والسابلين».
وهذا قول حق يلمسه المطلع على كتاب «الخطط التوفيقية» الذى جعله على باشا مبارك من ٢٠ جزءا، نستعرض محتويات كل منها فيما يلى:
يعرض الجزء الأول تاريخ القاهرة ومصر منذ قدوم الفاطميين إليها حتى عصر توفيق ويقارن أوضاعها القديمة بالأوضاع المعاصرة، ويصف أحياء القاهرة الحديثة.
وتذكر الأجزاء الثانى والثالث والرابع خطط القاهرة وشوارعها ودروبها وحاراتها مرتبة على حروف المعجم، مع تحقيقات عن أوضاعها القديمة، منذ عصر «المقريزى».
والجزء الخامس خاص بالحديث عن الجوامع.
والجزء السادس عن المدارس والزوايا والمساجد والخانقاوات والأسبلة والكنائس، مرتبة على حروف المعجم.
والجزء السابع عن مدينة الإسكندرية.
وتشمل الأجزاء من الثامن إلى الخامس عشر الكلام عن أقاليم الديار المصرية، ومدنها، وقراها، وترجمة أعيانها وأدبائها، وشعرائها وأوليائها وأكابرها، مرتبة على حروف المعجم.
والجزء السادس عشر عن الآثار الفرعونية، وبخاصة أهرام الجيزة وما حولها.
ونجد فى الجزء السابع عشر بعض التراجم والأماكن والوقائع.
أما الجزء الثامن عشر، فخاص بمقياس النيل منذ عصر الفراعنة وخلال مختلف الدول الإسلامية وأيام الاحتلال الفرنسى، وعيد الشهيد، ومهرجان النيل وما يتعلق بذلك.
ويدرس الجزء التاسع عشر الريّاحات والترع.
فى حين يتناول الجزء العشرون النقود وأشكالها وتواريخها وقيمتها فى مختلف العصور، وبه جدول للمقارنة بين قيمتها القديمة وقيم النقد الحديث.
ولقد جاء كتاب «الخطط التوفيقية»، دائرة معارف مصرية شاملة تعد بمثابة المرجع الأول للعصر الذى تحدث عنه فى كثير من المسائل، وبخاصة تاريخ الأشخاص الذين
стр. 7
عاصرهم، والمنشئات العامة، مثل المواصلات والرى والتلغراف والمدارس وغير ذلك.
فهى والحالة هذه، تساعد على إعطاء صورة عامة عن أحوال البلاد، كما تمكن فى الوقت نفسه من تتبع تاريخ موضوع بحثه.
وهكذا عمل على مبارك باشا على سد الفراغ الذى شعر به وأشار إليه فى مقدمة كتابه، وفى هذا يقول محمد عبد الله عنان فى كتابه «مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية»:
«ولم يشهد تاريخ الخطط منذ المقريزى جهودا فى الطرافة والإفاضة كمجهود على باشا مبارك، بل لقد جاءت «الخطط التوفيقية» من بعض الوجوه، أتم وأوفى من خطط المقريزى، وكانت مهمة مؤلفها فى كثير من الأحيان أدق وأصعب، من مهمة سلفه الكبير، فقد كان عليه أن يتتبع تاريخ الخطط فى ظلمات العصر التركى، وأن يحقق المعالم والمواقع والآثار القديمة على ضوء الأطلال الدارسة والمنشئات المحدثة التى تفصلها من الماضى قرون طويلة.
وقد توسع فى مهمة التعريف عن الخطط والتراجم توسعا عظيما، فتناول بعد القاهرة جميع المدن والقرى المصرية بإفاضة، وترجم لكثير من أعيانها فى مختلف العصور».
ومما لا شك فيه أن نشأة على باشا مبارك والمناصب التى تولاها كانت عاملا فى مساعدته على الوقوف على كثير من البيانات والمعلومات التى دونها فى كتابه هذا.
ومن المعروف أن على مبارك كان طموحا تواقا إلى تولى المناصب الهامة، ولم يكن راضيا على ما رسمه له أبوه من أن يكون فقيها، ولذلك نراه لا يقبل على نوع الدراسة التى اختارها له، بل يلتحق بالمدارس التى تخرّج طبقة الحكام ويكون له ما أراد، إذ يظهر تفوقا فى دراساته ونبوغا، ويلتحق بمدرسة قصر العينى سنة ١٨٣٦، ثم مدرسة المهندسخانة سنة ١٨٤٠، ويكافأ على تفوقه فيها بإرساله ضمن بعثة أنجال محمد على للدراسة فى فرنسا سنة ١٨٤٥، حيث درس الفنون العسكرية والهندسة الحربية.
ولما عاد إلى مصر إثر وفاة إبراهيم باشا سنة ١٨٤٨ التحق بخدمة الحكومة، وتقلب فى مناصب عدة، منها التدريس بالمدارس التحضيرية والعسكرية، وتنقل بين ميادين التعليم والأوقاف والأعمال الهندسية، وكلها أعمال ساعدته لا شك على الوقوف على الكثير من المعلومات والبيانات، ليس عن القاهرة فقط، بل وعن المدن الأخرى، فضلا عن إطلاعه على كثير من كتب الخطط والتراجم وغيرها من المراجع التى كانت بين يديه. ككتب العرب والفرنج الذين زاروا البلاد وساحوا خلالها، ووثائق المحفوظات الحكومية، ومحفوظات المساجد والآثار المختلفة، وغيرها مما لدى الأسر الكبيرة.
стр. 8
وقد طبعت الخطط التوفيقية بأمر الخديو توفيق فى مطبعة بولاق الأهلية، وصدرت أجزاؤها خلال سنتى ١٨٨٨، ١٨٨٩.
ونظرا لمضى عهد طويل على صدور «الخطط التوفيقية»، وتغير الكثير من معالم البلاد وتخطيطها نتيجة لإدخال الأساليب الحديثة فى التخطيط والتنظيم ووسائل المواصلات ووقوع أحداث كثيرة غيرت فى تاريخها ومعالمها لهذا كان من الواجب وضع كتاب جديد عن خطط مصر. ولكن نظرا لتعذر تأليف مثل هذا الكتاب الآن، فقد رئى الاكتفاء مؤقتا بإعادة نشر الخطط التوفيقية وفق الأساليب الحديثة فى الطباعة والنشر والإخراج، وأن تكون الطبعة الجديدة محققة مستوفاة للتعليقات والشروح لتمثل حالة البلاد فى الوقت الراهن، وتكون هاديا ومرشدا لمن يريد الوقوف على خطط البلاد وتاريخها وتطورها ونموها، وهذا ما نرجو أن يتحقق فى الأجزاء التالية من الخطط، وفى الطبعة الثالثة من هذا الجزء التى لا نشك فى أن إقبال القراء عليه فى طبعته الحالية سيدفع دار الكتب إلى إعادة طبعه فى وقت قريب.
ونرجو أن تحوز هذه الطبعة الجديدة رضاء القراء وأن تسد ولو جزءا من الفراغ الذى يشعر به كل دارس ومحقق فى هذا الميدان من ميادين التاريخ، وخاصة بعد نفاد الطبعة الأولى من «الخطط التوفيقية» منذ سنوات بعيدة.
مارس ١٩٦٩
د. جمال محمد محرز
стр. 9
مقدمة الطبعة الأولى
(تشتمل على تقريظ كتاب الخطط التوفيقية وبيان سبب تأليفه وطبعه) يقول خادم تصحيح العلوم بدار الطباعة العامرة ببولاق مصر القاهرة، الفقير إلى الله تعالى محمد الحسينى، أعانه الله على أداء واجبه الكفائى والعينى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سبحان من أبدع بحكمته خلق الإنسان، وحلاه بملكة التدبير، وزينه بحلية البيان، وخصه (¬*) باللطيفة الروحية العقلية، فاقتدر بها على إبراز المكنونات الغيبية، ونوعه إلى أنواع متعددة على أنحاء شتى، وأخلاق ولغات مختلفة، ووافق بين بعض أشكاله، وخالف بين بعض، لحكم بالغة تدق على العقل الحكيم، جهل ذلك من جهله، وعرفه من عرفه. وفاضل بباهر تدبيره بين بنيه فيما وهبهم من نفائس الفهوم، وأوردهم موارد علمه، فانتهل كل من رائق دقائقه حظه المقسوم.
نحمده حمد من استنارت بصيرته فعرف الحق لأهله، ونشكره شكرا يستوجب المزيد من إحسانه وفضله.
ونصلى ونسلم على نبيه الأكرم، ورسوله السيد السند الأعظم، سيدنا ومولانا محمد الذى فتح الله له من كنوز غيبه، ما أعجز عن الوصول إلى أدناه أفره السوابق من جياد العقول، وأفعم سجله العظيم من زلال علمه وهنىّ سيبه، فارتوت أمته من فيضه، وملأوا آنيتهم من سائغ علمه المعقول والمنقول. قصّ سبحانه عليه من قصص الأولين ما ثبت به فؤاده، وأنبأه من نبأ السابقين بما بلغ به من هداية الأمة مراده، وكشف له من مغيبات الآخرين ما وقف
_________
(¬*) الأرقام على جوانب الصفحات هى أرقام صفحات الطبعة الأولى من الكتاب، وهى طبعة بولاق الصادرة سنة ١٣٠٦ هـ.
стр. 10
فى بيانه موقفا حدث فيه بعض خواصه عما كان وما يكون إلى يوم الدين، وعلى آله كنوز أسراره، وأصحابه حملة شرعه وأخباره.
أما بعد فإن الله جلت قدرته، ودقت حكمته، جعل أحوال الماضين عبرة للغابرين، وأخبار الأولين أدبا تتكمل به نفوس الآخرين، وطرائق السابقين مثالا يحذو حذوه نبلاء اللاحقين، فعلم كل أناس مشربهم، ونهج كل قبيل مذهبهم. لهذا كان علم التاريخ من أرفع العلوم شأنا، وأرجحها ميزانا، وأفسحها مجالا، وأنفعها حالا ومآلا، فأكبّ النبلاء على تدوين أحوال أسلافهم، وذكر معاهدهم، ومنشأ اختلافهم وائتلافهم. وما قنعوا حتى بحثوا عن مبدأ عالم الإنسان، فسطروا أحواله من نشأته. وقيدوا شئونه من جذمه إلى قمته، وبيّنوا أصوله وفصوله، من القبائل والشعوب والعشائر، والفصائل والبطون والأفخاذ والعمائر.
وفصّلوا أنواعه وأصنافه من عرب وعجم على تشعب فروعها وأصولها، وتوفرت لديهم الدواعى لشحن بطون الدفاتر بتفصيل مصطلحاتهم، وتحرير نقولها، وقيد علماء كل فريق ما أشرق الله على عقولهم من أنوار العلوم والمعارف، وانتفع من بعدهم بما أبرزوه من غوامض الأسرار؛ التالد منها والطارف.
واجتهد إثر ذلك جهابذة المتأخرين، فافتتحوا كنوز المعارف التى اشتد فى إخفاء مغالقها حذاق السابقين، فكشفوا هاتيك الأستار، وفتحوا خدور تلك الأفكار، وأبرزوا من حصونها مخدرات الأبكار، واستنتجوا من أصولها غوامض فصول شذت عن أفكار سلفهم، واستحدثوا شوارد فروع ندت عن أفئدة أولئك، فانتفعوا بها فى شئونهم، وكانت ثمرتهم لخلفهم، ليعلم أنه كم ترك الأول للآخر، وأن فضل الله على عباده لا يختص به سابقهم، بل هو عام للجميع ظاهر باهر، واعتنوا أيضا ببيان مساكنهم ومنازلهم من المدن والقرى والبوادى والجبال مواقعها من المعمورة وأبعادها وأطوالها وعروضها وميلها عن خط الاستواء على أتم حال، وابانوا أديانهم وعباداتهم ومعبوداتهم، وسيرهم فى أنفسهم ومع ملوكهم، ووقائعهم وحروبهم وعاداتهم.
ونقش بعض الأمم ذلك على جدران معابدهم وهياكلهم وبرابيهم ومغاراتهم، وبعضهم ملأ بذلك أغوار سجلاتهم. واعتنى المتأخرون ببيان خطط بلادهم وديارهم، وتبعهم من بعدهم على آثارهم، سيّما أهل الديار المصرية، فإنهم جارون فى ذلك غالبا على عوائد أهل هذه الديار الأصلية.
وممن شمر الذيل فى ذلك، واشتد فى السعى حتى بلغ الغاية وسابق فرسان هذا الميدان، فلم يكن لسبقه نهاية نابغة زمانه، وقدوة فضلاء آنه، الشيخ الإمام علامة الأنام: تقى الدين
стр. 11
أحمد بن على بن عبد القادر بن محمد المعروف بالمقريزى. طيب الله ثراه، وأجزل فى دار النعيم قراه، فإنه ﵀ بين خطط القاهرة فى زمانه أتم بيان، وأوضح معالم مدنها وقراها الشهيرة أبدع إيضاح وأجمل تبيان، وذكر معظم تواريخ أعاظمها من العلماء والأعيان، وما وصل إليه من أحوال أهلها فى زمنه وفرقهم ومذاهبهم، وما عثر عليه من القديم، حتى بلغ من ذلك مبلغا انتفع به الناس النفع العميم، ثم لما تقادم الزمن واستدار، ودارت على مصر فى الأعصر الخالية دوائر الأهوال والإحن والأقدار، فاكفهر نجمها وحال حالها، واسود وجهها النضير، وكسف بالها.
إلى أن أدركها الله تعالى بعنايته، ووصلت من النضرة والسرور إلى غايته، حين وليتها العائلة الفخيمة؛ عائلة مولانا وسيدنا الخديو الجليل المرحوم الحاج محمد على. فقد لبست مصر فى عهدها بعد البؤس والقدم لباس النعيم والجدة، وبدلت الرخاء بعد الشدة، فتغيرت لذلك أخطاطها ومعاهدها؛ وتبدلت معالمها، فلا يكاد يهتدى إلى منزل من منازلها ولا إلى دار ولا خطة من خططها الآن قاصدها، وبقيت مجهولة المسالك والمساكن وغيرها قديما وحديثا، وصار الناس، عالمهم وجاهلهم، من أمرها لا يفقهون حديثا، انتهض لذلك ذو العزم الذى لا يجارى، والهمة التى لا تبارى، الذى بلغ من كل وصف جليل غايته، وحاز من كل خلق كريم بهجته، وحلّ من كل ثناء جميل بحبوحته، الرياضى الذى لا يشق غباره، والنبراس الذى لا يهتدى إلا به، ولا تشرق فى القلوب إلا آثاره:
أمير له فى الفضل أرفع منزل … وفى أفق التحقيق أنجمه زهر
جليل نبيل ذو وقار وحشمة … وبين ذوى أحكامنا أمره الأمر
إذا رفع الناس الحوائج نحوه … أنالهم برا فجم له الشكر
بشوش المحيا دائم البشر للذى … يوافيه يبغى عرفه، دأبه اليسر
إذا خط فالدر الرطيب منظم … أو الروض فى أفنانه ينفح الزهر
هو الفيصل المعدود فى كل معضل … هو الشهم فى حل العويص له ذكر
هو الحكم المرضى والثقف الذى … إذا ناضل الأنداد تم له النصر
العلم الشهير. والبدر المنير، والعالم النحرير، والطبن بالمشكلات الخبير، الجبرى الذى كاد أن يبين عن حقيقة الجذر الأصم، والحيسوب الذى كشف عن وجه الأعداد الأول اللثام على الوجه الأتم، والهندسى الذى أسس أشكال التأسيس، ووضع الأعداد المتناسبة على الوجه النفيس، ذو السعادة على باشا مبارك ناظر ديوان المعارف العمومية بالمحروسة مصر المعزية،
стр. 12
إذ أخذته - حفظه الله - الغيرة الوطنية، واحتملته الحمية، حمية العلمية، وهاجته النجدة والحرية الطبيعية، ودعته محبة تكثير العلوم والمعارف والأعمال الخيرية واهتزته نخوة الأريحية الجبلية، فنادى فى سوق الأدب:
«يا تجار الآداب، يا من سلكوا فى طريق المعرفة سبيل الصواب، يا جهابذة التاريخ، وأساة الأخبار، يا دعاة العلوم، ورعاة الآثار، يا من أعملوا جيادهم فى تدوين الفنون، يا نقاد النفائس ودهاقنة الجوهر المكنون. إن هذه الديار قد انمحت من دواوين التخطيط أخبارها، واندرست - أو كادت - من معالم التاريخ الآن آثارها، فهل من حر تحمله الهمة على تخطيط داره؟ هل من ذى نخوة تستفزه مروءته إلى إيضاح منار وطنه، وتدوين تاريخه، وإشهار أخباره وآثاره؟ يا فرسان هذا الميدان، يا من لهم اليد الطولى فى هذا الشان، يا من اشتهروا باحتياز فنون الأدب والتاريخ فى جميع البلدان، هلموا إلى هذه الخطة التى فضلها لا ينكر، والعمل الذى مزيته الحسنة وأثره الجميل أشهر من أن يذكر».
فلم يجبه إلى هذا النداء مجيب، ولم يظهر لهذا الداء طبيب، ولم يأخذ أحد من هذا الفضل محظ ولا نصيب.
فشمر حفظه الله ساعد الاجتهاد، واعتمد فى هذا الغرض المهم على رب العباد، وسار بحول الله وقوته سالكا سبيل السداد، وجمع لذلك الكتب العدة، واستعد له بكل عدة، ووضع خطط المقريزى أمامه، وسلّ فى سيره على قطاع الطريق من شياطين الغواية حسامه، وصار يذكر فى كل مكان من أماكن القاهرة خطته القديمة واسمه وشهرته التى كانت فى ذلك الوقت مستديمة، ثم يعقبه بذكر ما تحولت إليه فى وقتنا هذا وقبله حاله، وما آل إليه مآله. ويذكر أول من أنشأ هذا المكان ومن انتقل إليه بعده مرة بعد أخرى حتى الآن وتملكه، ومن استولى عليه بأى نوع من أنواع الاستيلاء، أو فى سلك الأوقاف سلكه، وهكذا الأمر فى جميع أخطاط القاهرة وشوارعها وحاراتها ودروبها وأزقتها وبيوتها الكبيرة والصغيرة وخاناتها، حتّى صارت جهاتها واضحة معلومة للسالكين، غير مشتبهة الأعلام والطرق على السائرين فى أزقتها والسابلين.
وذكر فى أمر الجوامع والمساجد والزوايا والكنائس والديور ما هو أغرب وأطرب، وذكر من تواريخ أصحاب الأضرحه، ومشاهير الأولياء والعلماء وأرباب البيوت والمساجد والأوقاف والأسبلة وغير ذلك وتراجمهم، فأبان وأعرب، وذكر قبل ذلك فائدة تشتمل على حملة عدد المساجد والجوامع والزوايا والربط والكنائس والديور والحمامات.
стр. 13
وفى البلاد يذكر إقليم البلد، والمسافة بينها وبين ما يليها من البلاد من أىّ الجهات، ثم إن كانت تلك البلد محل وقعة من الوقائع القديمة قبل الإسلام، أو الحادثة بعده ذكرها.
ويصف البلد على أتم وصف، ويوضح أمرها، ويذكر ما طرأ عليها من تغيير وتبديل وعمارة وخراب، وغير ذلك من الأحوال على وجه الصواب، ويذكر تواريخ وتراجم من نشأ فيها من العلماء والأعيان والمشاهير والأولياء قديما وحديثا بألطف بيان.
وقد جمع لذلك ما لا يحصى من حجج الأوقاف والأملاك وكتب التاريخ للقاهرة وغيرها من النظار والملاك.
وبالجملة فهو كتاب جليل المقدار، واضح المنار، ثمين القيمة، غزير الديمة، فريد فى بابه، إمام فى محرابه، يعز على غير مؤلفه - حفظه الله - تأليف مثله، ولا يعرف غير العلماء والفضلاء فى هذا الشأن مقدار فضله:
كتاب عظيم الشان عز مثيله … حوى دقة المعنى إلى رقة اللفظ
إذا سمعت أذناك رقة لفظه … ترى نفثات السحر فى ألطف اللحظ
به منهل التحقيق ساغ وروده … له فى نفوس الأذكياء أوفر الحظ
يعز على ذوق الغبىّ مناله … وينبو عن الجافى وعن مسمع الفظ
جعله مؤلفه خدمة لوطنه، ونفعا لأهل هذا الشأن، وقياما بحق زمنه، وهدية من أحسن الهدايا، وتحفة من أبهج التحف، وذخيرة من أعظم الذخائر، وطرفة من أنفس الطرف، لخزانة الحضرة المهيبة الخديوية (١)، والطلعة الداورية التوفيقية، حضرة سيدنا ومولانا الذى عم الأنام إحسانه، وشملهم جوده وامتنانه، محيى رفات المكارم بعد اندراسها، ومشيد أركان المفاخر على مكين أساسها.
سيد يملأ القلوب ابتهاجا … ولمن حلّ فى حماه مجير
هو نهد رحب الذراع مهيب … ورؤوف لمن أساء غفور
وسع الناس حلمه وهو سيف … فى حدود الإله ماض غيور
وأنام الأنام فى ظل أمن … بحماه وسيفه مشهور
أخصبت مصر إذ أقام بها العد … ل، فأمست وكسرها مجبور
_________
(١) بقية المقدمة عبارة عن مدح بالنثر والشعر فى الخديو محمد توفيق، وذكر لمناقبه وكريم خصاله وسجاياه، رأينا إثباتها بالرغم من زيفها وافتتاتها على الحق، خاصة وقد أصبحنا نعرف دور توفيق فى ضرب الثورة العرابية الوطنية، والترحيب بمقدم قوات الاحتلال البريطانية، ليرى القارئ المعاصر نموذجا لبعض أساليب الكتابة والزلفى للحاكمين وقت نشر الكتاب.
стр. 14
هو شمس الوجود لولاه ما أز … هر بدر ولا استفاض النور
لا، ولا أنبتت سنابل زرع … أى أرض ولا زها التزهير
هو بر بالمعتفين رحيم … هو بحر جداه جم غزير
هو ليث تأتى الأسود إليه … مطرقات عنيدها مقهور
العزيز الذى أعزّ به الدي … ن فأضحى وبيته معمور
المليك الفخم المفخم توفي … ق الإله المؤيد المنصور
ما رأينا ولا سمعنا عزيزا … مثله خيره الهنى كثير
إن أوصافه الحسان بحار … ليس يحصى من قطرها التسطير
غير أن النفوس تروى أواما … من نداها المرىّ فهو نمير
يحسن المدح من سناها ويحلو … من حلاها المنظوم والمنثور
صغت من درها اليتيم عقودا … تتحلى بها الحسان الحور
مهديا وشيها لحضرته العلي … افمدحى له بها مشكور
يا جوادا أروى النفوس بجدوا … هـ وأحيا الأرواح وهى تمور
يا إماما له الأنام خضوع … ورفيقا للنصر حيث تسير
أنت كل الورى كمالا وفضلا … أنت للفادحات آس خبير
عش كما شئت راقيا فى المعالى … فلك السعد خادم وسمير
وتهنأ نفسا ببهجة الأنجا … ل دواما فحظهم موفور
رب أصلح به العباد وأزهر … بدره بالسرور وهو منير
رب أحسن به البلاد وأكثر … خيرها تمس والعسير يسير
فهو غوث الأنام غيث مريع … سائغ ورده الزلال الشهير
الشهم الذى اقتعد هام المعالى بهمته، والمهيب الذى عنت جباه الحبابرة لهيبته، ذو الجناب المجيد، والفخر الجلى، أبو العباس أفندينا محمد توفيق بن اسماعيل بن إبراهيم بن محمد على، لا زالت ألوية العز خافقة على هامه، ولا برح الخير مغدقا على رعيته مدى أيامه، مهنأ البال بأنجاله، فرح الفؤاد بأشباله.
هذا، ولما رأى - أدام الله عزه - هذا الكتاب البديع، وما اشتمل عليه من لطف الشكل، وحسن الصنيع، راقه حسنه الرائق، وأعجبه لطفه الفائق، وأطربه شكله الظريف
стр. 15
وأنعشه روضه النضير، وظله الوريف، فرغبت نفسه الشريفة، وتعلقت آماله المنيفة، وصدر أمره الكريم بطبعه، رغبة فى عموم نفعه، فبودر إلى امتثال أمره الكريم، وأجرى طبعه حسب مرغوب جنابه الفخيم بالمطبعة الكبرى العامرة ببولاق مصر القاهرة، الشائع فضلها فى جميع الأنحاء والأقطار، الشهير صيتها وحسنها، والسارى عموم نفعها فى سائر الجهات سريان الليل والنهار، وذلك لشدة شغفه، أدام الله دولته وكثرة شوقه إلى تأليف كتاب فى عهده، يبين خطط مصر الجديدة، ويشرح حالها، ويذكر تواريخ أهلها، ويوضح ما عليها وما لها، ولما جبلت عليه نفسه الزكية، وشيمته الطاهرة المرضية، من حب المساعى الخيرية، والمبادرة إلى الأفعال البرّية.
فانه، أطال الله حياته، مجبول على حب الطاعة وفعل الخير والتواضع، والشفقة على عباد الله، والرحمة للضعفاء والمساكين، فطالما كان يدخل المستشفيات فى مصر والإسكندرية، ويصافح المرضى بنفسه، ويصبرهم ويدعو لهم بالشفاء، ويعدهم بذلك من فضل الله تعالى، ويأمر الأطباء بالرأفة والشفقة على المرضى، ويحثهم على المواظبة على عياداتهم، والصدق فى مداواتهم، وعدم التكبر والتأخر عن أحد دعوا إليه؛ كبيرا أو صغيرا، عظيما أو حقيرا.
وهو مولع بحب المساجد، والصلاة فيها، والإقبال بهمته على عمارتها، خصوصا مساجد أهل البيت ﵃، فانه - أيده الله - حث على عمارة مسجد سيدنا الإمام الشافعى ﵁ التى صدر أمره الكريم بها سنة ١٣٠٣، وحضر بنفسه يوم وضع أساسه، وكان يوما عظيما مشهودا، ووضع أول لبنة فى أساسه بيده الشريفة، اعتناء بهذا المسجد الشريف، وحبا فى سيدنا الإمام ﵁، وكذلك مسجد سيدتنا السيدة زينب، بنت سيدنا الإمام على ﵁، وكرم وجهه، الكائن عند قناطر السباع، الذى جرى تجديده فى عهد الحضرة الفخيمة الخديوية التوفيقية أدام الله أيامها.
وبالجملة فعزيزنا - حفظه الله - سيد أهل هذا الزمان حقا، وبهجة هذا الوقت جميعه، يقينا وصدقا، نسأل الله تعالى أن يديم على رعيته أيامه، ويوالى عليهم بره وإنعامه، وأن يصلح له وبه الأحوال، ويكثر به الخير فى الحال والمآل، بجاه سيدنا ومولانا محمد الرؤوف الرحيم، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
стр. 16
مقمة الطبعة المنقحة
يعد كتاب الخطط التوفيقية دائرة معارف مصرية شاملة، من العصر الفاطمى إلى عصر توفيق. وقد حظى كتاب الخطط التوفيقية، لعلى باشا مبارك، باهتمام كبير من الباحثين، حيث أنه المكمل والموضح لكثير من الأماكن والمعالم التى تغيرت أو اختفت بعد المقريزى، والتى شملها كتابه: «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط الآثار»، مما يصعب معه التحقق مما ورد فيه.
فكان قدم العهد بخطط المقريزى وتغير الأمان هو الدافع لعلى باشا مبارك لكتابة هذا الكتاب، والذى تتبع فيه أثر من سبقه من المؤرخين فى الخطط مثل: ابن الحكم، وابن زولاق الليثى المصرى، والمسبحى، وابن دقماق القاهرى، والمقريزى.
وقد ذكر على باشا مبارك فى مقدمته لهذا الكتاب الدافع والأسباب لوضع كتابه، ومنهجه فى تبع أماكن القاهرة فى خطتها القديمة وأسمائها وشهرتها، ثم ذكر ما تحولت إليه فى وقته، مع ذكر أول من أنشأها ومن تملكها.
وقد قسم على باشا مبارك كتابه إلى عشرين جزءا، تشمل تاريخ القاهرة ومصر منذ العصر الفاطمى حتى عصر توفيق، مع مقارنة أوضاعها القديمة بالأوضاع المعاصرة له.
طبع الكتاب أو مرة بمطبعة بولاق سنة ١٣٠٦ هـ، تشمل تاريخ القاهرة ومصر منذ العصر الفاطمى حتى عصر توفيق، مع مقارنة أوضاعها القديمة بالأوضاع المعاصرة له.
طبع الكتاب أو مرة بمطبعة بولاق سنة ١٣٠٦ هـ، ثم طبعت الهيئة المصرية العامة للكتاب الأجزاء من ١ - ١١ طبعتين مصورتين عن طبعة بولاق، وقام المركز مؤخرا بطبع الأجزاء من ١٢ - ٢٠ (صدر الجزء ١٧، وجار طبع باقى الأجزاء) طبعة جديدة منقحة عن طبعة بولاق.
والمركز الآن بصدد إعادة الأجزاء من ١ - ١١، طبعة منقحة ومصورة عن الطبعات السابقة عن طبعة بولاق، لما فى هذه الطبعات من الأخطاء اللغوية الكثيرة والأخطاء فى أسماء الشخصيات، ووجو بعض السقط فيها، ولنفادها من الأسواق.
وقد تمت المراجعة اللغوية والتاريخية لهذه الطبعة بمركز تحقيق التراث.
ونرجو أن تعود هذه الطبعة بالفائدة على الباحثين والدارسين في هذا المجال، ونسألا لله التوفيق لبلوغ القصد
إبريل ٢٠٠٤ م
مدير عام مركز تحقيق التراث نجوى مصطفى كامل
стр. 17
الجزء الأوّل من الخطط التوفيقية الجديدة لمصر والقاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة
تأليف
الجناب الأمجد والملاذ الأسعد سعادة على باشا مبارك ﵀
طبعة منقحة
[ومصورة عن الطبعات السابقة]
[عن طبعة بولاق]
[١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م]
стр. 18
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فلما كانت مدينة القاهرة المعزية، التى هى دار الحكومة الخديوية، قد كثر ذكرها فى كتب الخطط والتواريخ والسير، ووصف ما كان بها من المبانى والبساتين، وهى الآن غيرها فى تلك الأزمان، لتغيرها عما كانت عليه زمن الفاطميين الذين اختطوها بتغير الدول وتقلب الأزمنة، وكانت تارة يؤثر فيها الزيادة وتارة النقصان، فترى أحيانا زاهرة زاهية، وطورا واهنة واهية.
ولم نر منا معشر أبنائها من يهدينا إلى تلك التقلبات، ويفقهنا أسباب هاتيك الانتقالات، ويدلنا على ما فيها من الآثار، فنجوس خلالها ولا نعرف أحوالها، ونجوب أقطاعها ولا ندرى من وضعها.
وقد خطّها العلامة المقريزى لوقته، وأطال القول فيما فيها من المبانى والمزارع، وتكلم على الحوادث والرجال، ولكن بعده كم من أمور مرت فدمرت، وغير جرت فغيّرت، حتى ذهب أكثر ما أسهب فى شرحه كليا، وزال حتى صار نسيا منسيا. وكم من آثار خيرية صار نفعها مندثرا مهجورا، ومصانع وصنائع قد دثرت كأن لم تكن شيئا مذكورا.
وكم من تلال كانت عمارات شاهقة، ووهاد كانت بساتين معجبة فائقة، وقبور مزوية فى جوانب الحارات، ومشاهد متباعدة فى الفلوات، أطلق عليها العامة أسماء كاذبة كقولهم هذا ضريح الأربعين مثلا. وكم من مساجد نسبوها لغير من بناها، ومعابد أسندوها لمن لم يكن رآها، والحقيقة أنها قبور ملوك عظام، أو معابد سادات كرام، أو مساجد أمراء فخام.
مع أن معرفة ذلك حق علينا، إذ لا يليق بنا جهل بلادنا، والتهاون بمعرفة آثار أسلافنا، التى هى عبرة للمعتبر وذكرى للمدّكر، فهم - وإن مضوا لسبيلهم - قد تركوا لنا ما بحثنا على اقتفاء آثارهم، وأن نصنع لوقتنا ما صنعوه لوقتهم، وأن نجدّ فى طرق الإفادة
стр. 19
كما جدّوا، دعتنى نفسى لتأليف كتاب واف بما لمصر من قديم وحديث، متضمن لذكر مبانيها الداثرة والموجودة، وما يتبع ذلك من أخبار أربابها، وذكر نيلها ومنافعه، وكيفية تصرفاته ومواضعه.
لكنى رأيت هذا المشروع صعب المسلك، لما يحتاج إليه من مراجعة كتب كثيرة فى هذا الشأن، ومناظرة رسوم القديم والجديد من تلك الأزمان، وربما تعسر الوجود، أو تعذر المقصود، كما أنه محتاج لخلو بال وصلاح زمان، وأنّى لى بذلك مع كثرة أشغالى، وتحملى أعباء الوظائف المهمة فى أزمان الحوادث التى أخلت بالراحة العمومية والخصوصية مما يكدر الفكر ويحير العقل؟
فأخذت أحمل جهابذة العلوم، ومن لهم القدرة على ذلك، وأحثهم على وضع كتاب يفك لنا عقدة تلك الصعوبات، ويفض ختام ما أودع فى كتب الخطط من أخبار المتقدمين، وآثار القرون السالفين، وأهل العصر الذى نحن فيه، وأبين ما لهذا المشروع الجليل من الفائدة فى الدنيا والثواب فى العقبى، حتى كلّ فؤادى، وكأن لا حياة لمن أنادى.
فلما لم يلتفت لهذا الأمر إنسان، بل ربما عدّه بعض الجهلة ضربا من الهذيان، قمت مشمرا عن ساعد الجد والاجتهاد، معتمدا على من بيده الهداية إلى سبيل الرشاد، منتهزا لكل فرصة سنحت، مداوما على استنباط الغرائب وترتيب المقاصد، جامعا من كتب العجم والعرب ما يفضى بمتأمله إلى العجب، مراجعا كتب العرب والإفرنج الذين ساحوا تلك الديار، ورسومهم التى بينوا فيها حدود هذه الأقطار، وكذا حجج الأوقاف والأملاك، وما وجد مسطورا على الأحجار والجدران، ملخصا من ذلك ما يحتاج إليه ولا يحسن جهله بحسب الإمكان، إذ ما لا يدرك كله لا يترك كله، ولم أزل على ذلك مدة من الزمن، حارما للعين فى كثير من الأوقات لذيذ الوسن، حتى جاء بحمد الله مجموعا يسر الناظر، ويشرح الخاطر، وهو وإن كان بالنسبة لما قصدت ليس على ما أردت، لكن اخترت أن يكون ذلك مقدمة لمن يوافيه، فينتفع بما فيه.
[منهج الكتاب]
ورأيت أن العلاّمة المقريزى لم يقتصر فى خططه على مدينة القاهرة المعزية، بل تكلم على كثير من بلدان الديار المصرية، بعضها اندثر ولم يبق له أثر، وبعضها صار إلى خالة فائقة لا مناسبة بينها وبين الحالة السابقة، ونصّ على أسماء رجال لم يترجمها، وبلدان وقرى لم يذكر موضعها، وذلك مما ينبغى بيانه خصوصا أن أكثر الآثار القديمة؛ كالأهرام والبرانى وغيرها
стр. 20
مما بقى من أعمال الأمم الماضية والقرون الخالية، لم يكن الغرض من ذكرها إلا كونها من عجائب الدنيا.
ومعلوم أن الكتابة الطيرية المعروفة بالهيروجليفية، لم تنكشف حقيقتها إلا فى هذا القرن، فقد وقف الإفرنج على حقائقها من الكتابات الباقية على جدران الآثار المصرية والمبانى الفرعونية، وأخذوا مجدّين اليوم فى توسيع دائرة علمها، فالتزمت أن أطالع ما كتب بخصوص تلك الآثار، وألخص ما فيه الفائدة، من غير إطالة ولا إكثار.
ووضعت فى كل بلدة من البلدان المذكورة فى هذا الكتاب تراجم من أحاط به الاطلاع ممن نشأ منها، أو استوطنها، أو أقام بها، أو دفن فيها، أو له مناسبة بها من أعلام العلماء والأمراء، ومشاهير الرجال، مع بيان ما لهم من الآثار والأخبار والمصنفات والمرويات بحسب الاستطاعة.
وأتيت على ذكر ما عثرت عليه، أو نقل إلىّ علمه مما اختص بالبلدة، أو برعت فيه، أو عرفت به من صناعة أو غيرها، مضافا إلى ما بها من الآثار العتيقة والمبانى الشهيرة.
وابتدأت الكتاب بهذا المجلد، فجعلته مقدمة له، لخصت فيه الكلام على محل القاهرة قبل قدوم جوهر القائد، وعلى ما حصل لها من الأحوال والتغييرات بتقلب الأزمان وتداول الدول من عهد الدولة الفاطمية، وعلى بقية ملوك القاهرة إلى الآن على الإجمال.
وجعلت للبلدان والقرى مجلدات مخصوصة على ترتيب حروف المعجم تسهيلا على الطالب، ثم شرحت مقياس النيل السعيد فى مجلد وحيد، وبسطت الكلام عليه، وأضفت المتجددات إليه، وأتيت فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان متتابعة، يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا، وقصدت أتم الروايات فنقلتها عمن يعلم صدقهم فيما نقلوه وصحة ما دونوه، وإنه بذلك لجدير، كيف لا وهو الإشارة الناطقة، والدلالة الواضحة على نمو الزراعة فى كل سنة؟ وبحثت على درجات ارتفاعه وانخفاضه من الكتب العربية والإفرنجية، ووضعت لذلك جدولا لطيفا شاملا لارتفاعه وحوادثه، وما صار بسببه إلى بلادنا. وطبعته مع الكتاب لوقوف أهل ديارنا على حقيقة نيلهم الذى هو منبع سعادتهم إن اعتنوه، ومورد شقاوتهم إن أهملوه.
وأفردت الترع والخلجان بمجلد بينت فيه أحوالها، وما كانت عليه قبل الآن، أو هى عليه الآن.
وجعلت أيضا لمدينة الإسكندرية جزءا مشتملا بوجه وجيز على بعض حوادثها، وما كانت عليه فى الأزمان المتقدمة.
стр. 21
ولم أتكلم على الفسطاط لاندثارها وخرابها، ومن أراد الوقوف على ما كان بها فليراجع خطط المقريزى، فقد أتى فيها بما يشفى ويكفى.
ولما كانت مدينة القاهرة هى الغرض الأصلى المقصود بالذات من هذا الموضوع، لأنها أم البلاد المصرية، وتخت الحكومة الخديوية، ومنبع العلم والصنعة والتجارة، جعلت مبانيها الشهيرة - كالمساجد والمدارس ونحوها - مرتبة على ترتيب حروف الهجاء فى مجلدات على حدتها، حتى أن من أراد الاطلاع على مسجد أو مدرسة مثلا، يسهل له الوقوف على ما أراد بعد معرفة اسمه. ولم أقتصر فى ذلك على شرح الحالة الراهنة، بل أخذت ما وجدته فى الخطط وغيرها من صفة الحال السالفة، رغبة فى جمع ما تشتت من أحوالها، لوقوف الطالب على جميع صفاتها قديما وحديثا.
ووضعت أيضا لشوارعها مجلدين على ترتيب الحروف، وتكلمت على ملحقات كل شارع من دروب وحارات وعطف وأزقة، مع ما فيها من المساجد والمدارس والأضرحة والأسبلة والحمامات والوكائل ونحو ذلك، سابقا ولاحقا، حتى صار هذان المجلدان عبارة عن خطط القاهرة فى زماننا هذا، فجاء ما فيهما كافيا وافيا فى الدلالة على هذه المدينة ومشتملاتها.
ولتتم الفائدة من هذا الكتاب أفردت مجلدا قررت فيه القول على أصناف النقدية التى كان جاريا بها التعامل فى مصرنا بكل عصر من الأزمان الخالية، وشرحت تاريخها، وأصل وضعها، وأسباب حدوثها، ومن أحدثها وقوّمها، حتى صار فى إمكان الطالب أن يقارن بين أسعار الأشياء فى الأوقات المتفاوتة، فإنه متى قيل كان صنف كذا يباع بكذا من الدنانير مثلا، وحصلت مقارنة بين هذه القيمة لهذا الصنف فى سنة كذا وبين قيمته الآن بمعاملتنا، يعلم أن هذا الصنف كان أعلى قيمة مما هو عليه الآن أو أقل فى كل زمن وقع فيه الاعتبار.
فكمل كتابنا هذا بحمد الله فى عشرين مجلدا لطيفا على أسلوب رقيق، ووضع أنيق، يسرّ سامعه، ويروق مطالعه. والله الكريم أسأل من فضله وكرمه أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كل طالب بقلب سليم، وأن يوفق من اطلع. عليه إلى إصلاح ما عسى أن يكون فيه من الخطأ والنسيان، ويزيد عليه ما عجزت عن الإتيان به، وأن يكافئنا وإياه بما كافأ به عباده الصالحين، الذين قصروا أعمالهم مدة حياتهم على طلب مرضاته. إنه جواد كريم، رؤوف رحيم.
стр. 22
بيان محل القاهرة قبل قدوم جوهر القائد
لما قدم القائد جوهر بعساكر الفاطميين إلى ساحل الفسطاط وقت الزوال من يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شهر شعبان سنة سبع وخمسين وثلثمائة نزل بحرى الفسطاط فى الأرض التى فيها اليوم الجامع الأزهر وبيت القاضى وخان الخليلى وبين القصرين وما جاورهما من الأماكن التى بين الجبل والخليج. وكانت هذه البقعة رمالا فيما بين مصر الفسطاط وعين شمس - التى تسمى الآن بالمطرية - يمر بها الناس عند مسيرهم من الفسطاط إلى عين شمس، فيما بين الخليج، المعروف فى أول الإسلام بخليج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، والخليج المعروف باليحاميم لمروره بجانبها، إذ اليحاميم اسم للجبل الأحمر الكائن بشرق العباسية. وكان ذلك الخليج يمر بقربها، وقد زال من مدة ولم يبق له أثر.
وعند نزول جوهر بهذه الرملة لم يكن بها بنيان غير البساتين وأماكن قليلة، منها بستان الإخشيد محمد بن طغج المعروف بالكافورى، وكان هذا البستان فى شرقى الخليج - محله اليوم فيما بين جامع الشعرانى والسكة الجديدة قريبا من قنطرة الموسكى - ممتدا فى الجهة الشرقية إلى النحاسين، وكانت مساحته تبلغ ستة وثلاثين فدانا بمقياسنا اليوم، وبجانبه من الجهة القبلية ميدان الإخشيد - ومحله الآن من بر الخليج الشرقى إلى شارع السكرية والغورية.
وكان فى محل الجامع الأقمر دير للنصارى، يعرف بدير العظام، تزعم النصارى أن فيه بعض من أدرك المسيح ﵇، وبئر هذا الجامع هى بئر ذلك الدير، وتعرف ببئر العظام، وتسميها العامة ببئر العظمة.
وكان بهذه الرملة أيضا موضع آخر يعرف بقصيّر الشوك (بصيغة التصغير)، تنزله بنو عذرة فى الجاهلية، وصار عند بناء القاهرة خطا، يعرف بقصر الشوك.
وفى تلك الحقبة كان الخليج المصرى ينتهى إلى قنطرة بناها عبد العزيز بن مروان سنة تسع وستين - موضعها الآن منتهى حارة السيدة زينب ﵂ وكانت الحارة طريقا لا بناء فيه، تمر الناس من فوق تلك القنطرة إلى بره الغربى. وإلى ساحل النيل.
стр. 23
وكان فى غربى الخليج تجاه معسكر جوهر قرية تعرف بأم دنين، ثم عرفت بعد بالمقس، وهى الآن خط من أخطاط القاهرة، واقع عن يسرة من سلك من شارع كلوت بك إلى سكة الحديد، ممتدا إلى الشارع الواقع عليه جامع أولاد عنان. وكان الخليج فاصلا بينهما وبين الرملة المذكورة، وكان فيما بين قرية أم دنين والشاطئ الغربى فضاء لا بناء فيه، ثم صار بعد بناء القاهرة ميدانا توضع فيه الغلال، وسمّاه المقريزى ميدان القمح، وهو الآن من جملة خط باب الشعرية. وكان الواقف بهذا الفضاء يرى النيل عن يمينه من بعد إذا استقبل المغرب، وعن يساره بستان المقس - محل بركة الأزبكية وما بحذائها من الجهة القبلية - وبعده تلك البساتين إلى الفسطاط، وكان يرى بر الجيزة والقرى الواقعة عليه أمامه.
وكان من يسافر من الفسطاط إلى الشام من العسكر والتجار وغيرهم ينزل بطرف هذه الرملة فى الموضع الذى كان يعرف إذ ذاك بمنية الإصبغ، ثم عرف زمن الفاطميين بالخندق، والآن يعرف بقرية الدمرداش، ويقوم من منية الإصبغ إلى سلمنت وبلبيس، وبينها وبين الفسطاط أربعة وعشرون ميلا، ومن بلبيس إلى العلاقمة ثم إلى الفرما، ولم يكن هذا الدرب يعرف قديما، وإنما عرف بعد خراب تنيس والفرما.
وكان من يسافر من الفسطاط إلى الحجاز برا، ينزل بجب عميرة المسمى أولا ببركة الجب والآن ببركة الحاج - وكانت حافة الخليج الشرقية هى الطريق العام.
وكان القادم من الفسطاط إلى القاهرة يجد عن يمينه منازل العسكر - فى محل التلال التى نشاهدها الآن قريبا من باب السد - ثم يجد عدة ديور وكنائس موضع خط السيدة زينب ﵂، ثم بركة البغالة وبركة الفيل إلى سور القاهرة. وكانت العامة تجلس فى هذا الطريق أمام السور للتفرج على الخليج وما وراءه من البساتين والبرك.
وأما بر الخليج الغربى فكان بأوله بحرى قنطرة عبد العزيز بن مروان البستان الزهرى ممتدا إلى باب اللوق إلى جامع الطباخ، ويتصل به عدة بساتين إلى المقس، جميعها مطل على النيل، ولم يكن لبر الخليج الغربى كبير عرض، وإنما يمر النيل فى غربى البساتين على الموضع الذى يعرف اليوم باللوق، وأوله عند جامع الطباخ، ويمتد جهة الغرب إلى ساحل النيل.
стр. 24
حال القاهرة فى مدة الخلفاء الفاطميين
هذه المدينة الفخيمة وضعها الفاطميون سنة ثمان وخمسين وثلثمائة من الهجرة، وذلك أنه لما توالى الغلاء، وتتابعت الشدائد، وحصل الإدبار، وعجز رجال الدولة عن إدارة الأمور، واختل حال الأقاليم المصرية، قام المعز لدين الله أبو تميم معدّ، وأغار على مصر فى أيام الإخشيديين، وقام إليها تابعه جوهر قائد عساكره، فانتزعها من أيديهم، ودخل الفسطاط بالعساكر فى السنة المذكورة. وكانت الفسطاط اذ ذاك مدينة كبيرة، وكانت محل الأمراء، ومستقر ملكهم، وإليها تجبى ثمرات الأقاليم، وكان لها من وفور العمارة، وكثرة السكان، وسعة الأرزاق، ما تفتخر به على مدن المعمورة.
وكان حدها الشرقى من باب القرافة تحت قلعة الجبل، ممتدا إلى كوم الجارح إلى بركة الحبش، وهى أرض البساتين.
والحد الغربى قناطر السباع إلى دير الطين، ممتدا على ساحل النيل.
والحد القبلى من شاطئ النيل عند دير الطين إلى نهاية الحد الشرقى حيث البساتين.
والحد البحرى من قناطر السباع إلى قلعة الجبل.
وما بين تلك الحدود كان مشحونا بالعمارة من الدور الفاخرة والأسواق والمبانى. وكان منها العسكر والقطايع.
وكل ذلك تخرّب واندرست معالمه، ولم يبق منه إلا القليل جدا؛ كخط السيدة زينب ﵂، وخط الكبش، والجامع الطولونى، والسيدة نفيسة ﵂، إلى آخر ثمن الخليفة، وما حول الرميلة وقراميدان. فإذا خرج الإنسان من بوابة السيدة نفيسة إلى العيون، وقلب طرفه فى تلك الصحراء الواسعة يرى أثر العمائر أطلالا وتلالا مرتفعة فى بحرىّ العيون وقبلّيها، وخلف العامر من مصر العتيقة، وجهة الإمام الشافعى وأبى السعود الجارحى ﵄، والدير الكبير المعروف قديما بقصر الشمع، وجهة الرصد، وهو الجبل المرتفع على أرض البساتين من بحريها وغير ذلك.
стр. 25
[ما عابه ابن رضوان على القاهرة]
ومع ما كانت عليه هذه المدينة من العز والثروة عابها ابن رضوان، وشنّع على موقعها وترتيبها، قال: إن بعدها عن خط الاستواء ثلاثون درجة، والجبل المقطم فى شرقيها:
وبينها وبينه المقابر، وقد قال الأطباء إن أردأ المواضع ما كان الجبل فى شرقيه يعوق ريح الصباعنه. قال: وأعظم أجزاء الفسطاط فى غور، فانه يعلوه من الشرق المقطم، وكذا من الجنوب الشرقى، ومن الشمال المكان المعروف بالموقف والعسكر وجامع ابن طولون. ومتى نظرت إلى الفسطاط من الشرق، أو من مكان آخر عال، رأيت وضعها فى غور. وقد بين بقراط أن المواضع المتسفلة أسخن من المواضع المرتفعة وأردأ هواء، لاحتقان البخار فيها، لأن ما حولها من المواضع العالية يعوق تحليل الرياح لها. وأزقة الفسطاط وشوارعها ضيقة، وأبنيتها عالية، وقد قال روفس: إذا دخلت مدينة فرأيتها ضيقة الأزقة مرتفعة البناء، فاهرب منها لأنها وبيئة، اذ رداءة البخار لا تنحل منها كما ينبغى، لضيق الأزقة وارتفاع البناء.
ومن شأن أهل الفسطاط أن يرموا ما مات فى دورهم من السنانير والكلاب ونحوها من الحيوانات التى تخّالط الناس فى شوارعهم وأزقتهم، فتتعفن ويخالط عفونتها الهواء. ومن شأنهم أيضا أن يرموا فى النيل الذى يشربون منه فضول الحيوانات وجيفها، وتصب فيه خرارات كنفهم، وربما انقطع جرى الماء فيشربون هذه العفونة باختلاطها بالماء. وفى خلال الفسطاط مستوقدات عظيمة يصعد منها فى الهواء دخان مفرط.، وهى أيضا كثيرة البخار لسخونة أرضها، حتى إنك تجد بها الهواء فى أيام الصيف كدرا، ويتسخ منه الثوب النظيف فى اليوم الواحد وإذا مر بها الإنسان فى حاجة لم يرجع إلا وقد اجتمع فى وجهه ولحيته غبار كثير، ويعلوها فى العشيات، خاصة فى أيام الصيف، بخار كدر أسود، لا سيما عند سكون الرياح، إلى آخر ما قال من كلام طويل.
[بناء القاهرة ووصول المعز]
ولما دخلت عساكر المعز الديار المصرية سار جوهر إلى الفسطاط، ودخلها يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان من السنة المذكورة، فاختار أن يبنى فى بحريها بعيدا عنها، فاختلط للعسكر فى الرملة التى كانت تجاه قرية أم دنين، وكانت فى ملك الخلفاء العباسيين، ثم بنى ابن طولون، فاستقر جوهر هناك، واختط القصر.
فلما أصبح المصريون ذهبوا إليه للتهنئة، فوجدوه قد حفر أساس القصر ليلا. وكانت فيه ازورارات، فلما رآها لم تعجبه، ثم أغضى عنها، وقال: إنه قد حفر فى ليلة مباركة،
стр. 26
وساعة سعيدة، فتركه على حاله، وأدخل فيه دير العظام الذى فى محله جامع الأقمر، واختطت كل قبيلة خطة عرفت بها، وأدار السور الذى جعله من اللّبن على مناخه الذى نزل فيه بعساكر وسماها «المنصورية».
ولما كملت فى ثلاث سنين، وبلغ المعز تمامها، خرج من مدينة «المنصورة» - تخت ملكه بالمغرب - يريد أرض مصر، فركب البحر فى أسطول، واجتاز على جزيرة سار دينيا ثم جزيرة صقلية التابعتين لملكه، وأقام بهما عدة شهور حتى رتّب أمورهما، ثم اجتاز على طرابلس الغرب، فأقام بها يسيرا، وقام منها فدخل الإسكندرية فى شعبان من السنة المذكورة، وأقام بها مدة، ثم سار إلى الفسطاط بعساكره، واجتاز النيل على جسر عمله له جوهر عند البستان المسمى بالمختار، وكان فى الطرف البحرى من جزيرة المقياس. فلم يدخل الفسطاط مع أنها تزينت له، واستعدّ أهلها لملاقاته، بل سار إلى أن دخل القاهرة، وكان معه أولاده وإخوته، وسائر أولاد جده عبيد الله المهدى أول ملوك الدولة الفاطمية بالمغرب، وتوابيت آبائه.
[محاولة القرامطة غزو مصر]
وفى الخطط أن القاهرة فى أول الأمر كانت تسمى بالقلعة والطابية والمعقل والحصن، وقصد القائد باختطاطها فى هذا الموضع أن تكون حصنا للفسطاط ممن يقصدها من جهتها البحرية، خصوصا القرامطة الذين كانت بايديهم البلاد الشامية القاصية وبلاد أرمنستان، فإنه لما بلغهم استيلاء جوهر على مصر وأخذه دمشق جيشوا جيوشا جرارة، وساروا لقتاله فى سنة ستين وثلثمائة. فلما وصلوا دمشق أخذوها، وقتلوا جعفر بن فلاح حاكمها من طرف الفاطميين، ثم أخذوا الرملة، ثم وصلوا القلزم، فاحترس جوهر، واستعد لقتالهم، وحفر الخنادق، وبنى الأبواب المنيعة، وركّب عليها بوابات البستان الكافورى وكانت من حديد، وبنى القنطرة عند شارع باب الشعرية - وهى باقية إلى زماننا هذا - سنة ثلثمائة وألف، ثم حصل بينه وبينهم عدة وقعات قتل فيها كثير منهم، وانهزموا شر هزيمة، واستولى جوهر على سواد أميرهم الأعصم وكتبه وصناديقه.
[الخنادق المحيطة بالقاهرة، وبستان الإخشيد]
وكانت القاهرة إذ ذاك بين ثلاثة خنادق: خندق من قبليها، وهو الذى حفره عمرو ابن العاص، ﵁، وكان شرقى قبر الإمام الشافعى ﵁، وخندق اليحاميم أوله الجبل الأحمر المسمى باليحاميم، وخندق من غربيها وهو الخليج الموجود فى هذا القرن الثالث عشر.
стр. 27
ولما أدار سورها حفر لها الخندق الرابع من بحريها، فصارت بين أربعة خنادق، وأدخل فى السور بستان الإخشيد وميدانه، وجعل دير العظام وقصر الشوك من ضمن القصر الكبير، فكان البستان بين القصر والخليج، وصار الخليج خارجا، وكان البستان كبيرا جدا - وفى محله الآن حارات اليهود وخط الخرنفش، ويمتد إلى شارع النحاسين.
والذى أنشأ هذا البستان الأمير أبو بكر بن محمد بن طغج بن الإخشيد أمير مصر، وكان مطلا على الخليج، واعتنى به، وجعل له أبوابا من حديد، وكان يتردد إليه ويقيم به الأيام، واهتم به بعده أبناؤه: الأمير أبو القاسم أنوجور، والأمير أبو الحسن على أيام إمارتهما بعد أبيهما، ولما استقل بعدهما بإمارة مصر الأستاذ أبو المسك كافور الإخشيدى كان كثيرا ما يتنزه به ويواصل الركوب إلى الميدان الذى به، وكانت خيوله بهذا الميدان، ثم لما آلت مصر للفاطميين صار هذا الميدان منتزها لهم، وكانوا يتوصلون إليه من سراديب مبنية تحت الأرض ينزلون إليها من القصر الكبير، ويسيرون فيها بالدواب إلى البستان ومناظر اللؤلؤة، بحيث لا تراهم الأعين، فلما زالت الدولة الفاطمية حكّر، وتجددت فيه الأبنية سنة إحدى وخمسين وستمائة.
[أبواب القاهرة]
وكان فى السور الذى بناه جوهر عدة أبواب: ففى الجهة البحرية باب النصر القديم - كان بجوار زاوية القاصد، وباب الفتوح القديم، وكان بجوار حارة بين السيارج التى فى خارجه - وكان محل الجامع الحاكمى خارج السور.
وبالجهة القبلية بابان متلاصقان يسميان بابى زويلة، أحدهما بجوار زاوية سام بن نوح المجاورة لسبيل العقادين، والآخر بجواره، وكان أحدهما وهو المجاور للزاوية المذكورة يسمى باب القوس، دخل منه المعز القاهرة عند قدومه، فتيامن الناس به، واستعملوه، وهجروا الباب الآخر، زاعمين أن من مرّ منه لا تقضى له حاجة، وقد زال بالكلية ولم يبق له أثر.
وفى الجهة الشرقية الباب المحروق القديم، وكان دون موضعه الآن، وباب البرقية كان خارج حارة البرقية التى اختطها جماعة من أهل برقة - وهى التى تعرف اليوم بالدراسة، وبقرب موضعه اليوم الباب المعروف بباب الغريب.
وكان لها هناك باب ثالث يغلب على الظن أنه كان بين هذين البابين.
وفى الجهة الغربية باب سعادة - ومحله بجوار الحد القبلى لسراى الأمير منصور باشا بقرب جامع اسكندر الذى هدم وصار محله الميدان الكائن أمام منزل الباشا المذكور - وكان هذا
стр. 28
الباب على رأس زقاق هدم فى ضمن ما هدم من الأبنية فى إنشاء الميدان المذكور، وكان هذا الزقاق من درب سعادة.
وباب آخر يسمى باب القنطرة لكونه مبنيا فوق القنطرة التى بناها جوهر القائد على الخليج، يمر منه السالك من باب مرجوش إلى باب الشعرية، ثم هدم بعد سنة سبعين ومائتين وألف لخلل قام به.
وكان باب ثالث يعرف بباب الفرج قد زال، وكان بعد حمام المؤيد بجواره.
وباب رابع يعرف بباب الخوخة كان بشارع قبو الزينية، ومحله تجاه جامع الشيخ فرج.
وما بين هذه الحدود كان ثلثمائة وأربعين فدانا، والقصر الكبير الشرقى يشغل من الأرض خمس ذلك.
[برك القاهرة القديمة وبساتينها]
وكان شكل القاهرة إذ ذاك مربعا تقريبا، فكان طولها على الخليج ألف متر ومائتى متر.
وعرضها ألف متر ومائة متر، وطول وجهة القصر الغربية ثلثمائة وخمسة وأربعون مترا باعتبار الفدان أربعة آلاف متر ومائتان من الأمتار المربعة.
وكان الذاهب من الفسطاط إلى عين شمس - أى المطرية - يسير على ساحل النيل القديم ثم يسير بحافة الخليج الشرقية، فتكون عن يمينه بركة الفيل الصغيرة - وهى بركة البغالة - وكان حولها ديور وكنائس وبساتين، تحيط بها المبانى المعروفة بالعسكر - التى هى الآن تلال مرتفعة قبلى بركة البغالة - وبجوارها مبانى جبل يشكر وجبل الكبش، ثم يلى هذه البركة بركة الفيل الكبيرة - الباقى بعضها إلى الآن - وكانت تتصل ببركة الفيل الصغيرة، وتمتد بركة الفيل الكبيرة قرب باب زويلة، ويحدها من جهة الشرق شارع السروجية، وكان بساحلها الشرقى بساتين تمتد إلى الرميلة إلى السيدة نفيسة ﵂، وتتصل بها بساتين أخرى عند القطائع والفسطاط إلى النيل، ومن جهة الغرب الطريق المار بشرقى الخليج - وهو الطريق المعروف الآن بشارع درب الجماميز - وعلى حافة هذه البركة من هذه الجهة بنى فيما يعد جامع بشتاك وغيره من المبانى وغيرها.
ومن الجهة القبلية الجسر الأعظم، وهو الطريق المار تحت قلعة الكبش الموصل من الصليبة إلى خط السيدة زينب ﵂، ويحدها من الجهة البحرية الشارع المعروف بشارع تحت الربع.
وكان السالك على حافة هذه البركة من الجهة الغربية فى طول الخليج يشاهد فى غربى الخليج المذكور بحر النيل، وبينه وبين الخليج بساتين الزهرى على ضفته الغربية ممتدة إلى قنطرة
стр. 29
باب الخرق، فاذا حاذى السالك القاهرة كانت عن يمينه وجملة بساتين عن يساره ممتدة إلى النيل، وشمالا إلى قنطرة البكرية الموجودة الآن بشارع العباسية قرب جامع الظاهر.
وكان فى شمال القاهرة مزارع وبساتين ممتدة إلى المطرية. ولم يكن فى الجهة الشرقية إلا جبل الجيوشى، فكان موقع القاهرة فى تلك الأزمان من أجلّ المواقع وأجملها.
ولما استقرّ ملك الفاطميين أحدثوا فى ضواحيها الأربع من المبانى الفاخرة، والمناظر البهجة، والبساتين النضرة، ما زاد فى بهجتها ورونقها، وبقيت كذلك إلى أن انقرضت دولتهم، فتغيرت أحوالها. وصارت إلى ما سيتلى عليك فى مواضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
[تسمية الحوارى بأسماء القبائل التى سكنتها]
ويفهم من كلام المقريزى أن قصبة القاهرة كانت فى منتصف المسافة بين السورين، الشرقى والغربى، وتمر بين باب الفتوح وباب زويلة. وقصر الخلفاء كان فى وسط القصبة، وينظر منه إلى بستان الإخشيد، وأن قبائل العرب التى حضرت مع جوهر اختطت أغلب خططها فى جميع جهاتها، ما عدا الجهة التى تقابل الخليج، وإلى اليوم يطلق على بعض حارات القاهرة أسماء من اختطها، فحارة زويلة لم تزل معروفة بهذا الاسم الذى أخذته من قبيلة زويلة من بلاد القيروان، وحارة البرقية من قبيلة البرقية. وللروم الذين هم جموع من نصارى الأروام حارتان: إحداهما داخل البلد بحرى قصر الخليفة بقرب السور، والأخرى خارج البلد من قبليها بقرب باب زويلة، وكذا العطوفية، وحارة الباطنية حيث السور الشرقى، والجودرية حيث السور القبلى.
وجعل لطائفتين من العساكر، وهما الريحانية والوزيرية، حارتان يفصل بينهما شارع فى الجهة البحرية خارج القاهرة من جهة باب الفتوح، وقد صارتا - فيما بعد الدولة الفاطمية - حارة واحدة سميت بحارة بهاء الدين فى زمن الدولة الأيوبية، وتعرف الآن بحارة بين السيارج.
وجعل لطائفتى المرتاحية والفرحية حارة من داخل باب القنطرة، لحيث السور البحرى، وهى الآن الشارع المشهور بخط مرجوش الذى يسلك منه إلى باب القنطرة.
[بناء الأزهر والمقابر المعزية]
ثم إن جوهرا بنى الجامع الأزهر قبلى القصر الكبير الشرقى، وجعل بين الجامع والقصر اصطبل القصر المسمى باصطبل الطارمة، وكان به الخيل الخاصة للخليفة فى جهته القبلية،
стр. 30
وكان مفصولا عن الجامع برحبة، واليوم محل هذا الإصطبل شارع الشنوانى وما عليه من المبانى والأزقة، وجعل أمام الجامع من الجهة الغربية رحبة متسعة، وكان يشرف على الاصطبل أحد القصور المسمى بقصر الشوك.
وجعل من جملة القصر الكبير التربة المعزية، وفيها دفن المعز لدين الله آباءه الذين أحضر معه أجسادهم فى توابيت من بلاد المغرب كما تقدم، وهم عبيد الله المهدى، وابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد، وابنه المنصور بنصر الله أبو الظاهر اسماعيل، واستقرت مدفنا للخلفاء وأولادهم ونسائهم، وكانت تعرف بتربة الزعفران، وهى مكان كبير من جملتها الخط الذى كان يعرف قديما بخط الزراكشة العتيق، ويعرف اليوم بخان الخليلى.
وكانت هذه التربة تمتد إلى المدرسة البديرية خلف المدارس الصالحية النجمية، وبها إلى اليوم بقايا من قبورهم. وكان لهذه التربة عوائد ورسوم منها أن الخليفة كلما ركب بمظلة وعاد إلى القصر لا بد أنه يدخل إلى زيارة آبائه بهذه التربة، وكذلك لا بد أن يدخل فى يوم الجمعة دائما، وفى عيدى الفطر والأضحى مع صدقات ورسوم ذكرها المقريزى.
وبقيت هذه التربة محترمة مقامة الشعائر الأزمان الطويلة أيام دولة الفاطميين وارتفاع شأنها إلى أن اضمحلت أحوالهم وضعف أمرهم، فاضمحلت باضمحلالهم.
ولما كانت الشدة العظمى فى زمن الخليفة المستنصر وطلب عساكر الأتراك منه النفقة فما ظلهم، هجموا على هذه التربة وانتهبوها فى ضمن ما انتهبوه، على ما بينه المقريزى فى خططه، فأخذوا ما فيها من قناديل الذهب، وكانت قيمتها، مع ما اجتمع إليها من الآلات الموجودة هناك مثل المداخن والمجامر وحلى المحاريب وغير ذلك، خمسين ألف دينار. ثم لما زال ملكهم، وانقرضوا، وتداولت الأيام والدول، وأنشأ الأمير جهاركس الخليلى فى خط الزراكشة المقدم ذكره أيام الناصر بن قلاوون خانه المعروف بخان الخليلى نسبة إليه، أخرج من هذه التربة ما شاء الله من عظامهم، فألقيت فى المزابل على كيمان البرقية.
[مصلى العيد]
وبنى جوهر أيضا مصلى العيد خارج باب النصر، وكان الفراغ من بنائه فى شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، ثم جدّده العزيز بالله. وكان للفاطميين رسوم وعادات فى صلاة العيد فى المصلى المذكور، تكلم عليها المقريزى وأطنب، وبعض المصلى باق إلى الآن، وبه محراب قديم، وأكثره صار مقابر، ومن زمن مديد يطلق على مصلى العيد المذكور اسم مصلى الأموات، وكثيرا ما نجد هذا الاسم فى الكتب، وقد استوفينا بيان ذلك فى محله.
стр. 31
مطلب مدة استيلاء الفاطميين على مصر
ثم إن مدة استيلاء الفاطميين على أرض مصر كانت مائتى سنة وتسع سنين، وذلك من مدة دخول جوهر وتأسيسه مدينة القاهرة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة إلى انقراض دولتهم بموت العاضد آخر خلفائهم سنة سبع وستين وخمسمائة.
وتولى الخلافة منهم فى تلك المدة أحد عشر خليفة، ما من خليفة منهم إلا جدد عمارات بالقاهرة ومصر وضواحيها، حتى اتسع نطاق العمارة. ولكون القاهرة كانت مقر الخليفة ورجاله وعساكره كانت على جانب عظيم من الاحترام، وأما الفسطاط، فلكونها هى العاصمة، وإليها ترد البضائع وتصدر عنها، فكانت مقر الأعيان وأرباب الثروة، ورجال العلوم والصنائع والحرف.
وكانت الثروة إذ ذاك كبيرة، والتجارة واسعة الأرجاء، بسبب اتساع ملك الفاطميين، فإنه كان ممتدا إلى أقصى بلاد الشام والمغرب، فكانت تأتيها البضائع مما دخل تحت ملكهم ومن غيره.
[سائح فارسى يصف القاهرة بعد بنائها بخمسين سنة]
وقد ساح فى بلاد مصر بعد بناء القاهرة بخمسين عاما عالم من الفرس يعرف «بالناصرى خسرو»، ووصف القاهرة والفسطاط، فقال فى رحلته المعروفة «بسفرنامه»: إن الفسطاط تظهر من بعد كالجبل، وفيها منازل من سبع طبقات فأكثر، وسبعة جوامع - كبار. قال:
ولو وصفت ما فيها من آثار السعادة والثروة لكذّبنى الفرس.
وفى موضع آخر قال: إن مدينة القاهرة قلّ أن يوجد لها شبيه فى الدنيا، وقد حسبت فيها عشرين ألف دكان جميعها ملك السلطان، وأغلبها مؤجر بعشرة دنانير، والحمامات والوكائل وغيرها من المبانى لا يحصى عددا، والكل ملك السلطان. لأنه كان ممنوعا فى القاهرة التملك لغيره.
قال: وأخبرت إن فى القاهرة - كما فى مصر - عشرين ألف منزل ملك السلطان أيضا، وجميعها مؤجرة، والأجرة تقبض شهريا، والتأجير والإخلاء من غير جبر ولا إكراه.
وسراى السلطان فى وسط القاهرة، وحولها فضاء لا يحوّم حوله بناء قط، ومتى نظرت إلى السراى المذكورة من بعد تراها كأنها جبل لكثرة المبانى وعلوّها، وأما من دخل البلد، فلا يمكنه نظرها بسبب علو الأسوار.
стр. 32
ذكر أبواب القاهرة [ومنازلها]
ومدينة القاهرة لها خمسة أبواب: باب النصر، وباب الفتوح، وباب القنطرة، وباب زويلة، وباب الخليج، وليست محاطة بسور حصين، ولكن السراى والمنازل شاهقة، وكل منها أشبه بقلعة، وأغلب البيوت من خمس أو ست طبقات، ومن حسن صنعتها وإتقانها يتوهم الناظر إليها أنها مبنية من أحجار ثمينة، وليست من جص ودبش، وجميع البيوت منفصلة عن بعضها، بحيث أن سور أحدها لا يمس سور الآخر المجاور له، وكل مالك يمكنه أن يبنى ويهدم من غير ممانعة من الجار.
مطلب أول من تولى الخلافة من الفاطميين [وأوصاف قصره وما تضمه خزائنه من نفائس]
وأول من تولى الخلافة منهم بديار مصر المعز لدين الله أبو تميم معد، وكان عالما فاضلا جوادا، حسن السيرة، منصفا للرعية، مغرما بالنجوم؛ أقيمت له الدعوة بالمغرب كله وديار مصر والشام والحرمين وبعض أعمال العراق، ولما قدم مصر ساس الأمور، ودبر الأحوال، ولم يأل جهدا فى الإصلاح، فانصلح حال مصر عما كانت عليه. ولما استقر بالقصر أمر بالزيادة فيه، وكان جوهر قد رتب به الدواوين ومواضع السكنى اللائقة بالخلافة، وأدار عليه سورا فى سنة ستين وثلثمائة.
وكان للقصر تسعة أبواب: ثلاثة فى الغرب، باب الزهومة، وباب الذهب، وباب البحر، وفى بحريه باب واحد كان يعرف بباب الريح، وفى جهته الشرقية ثلاثة؛ باب الزمرد، وباب قصر الشوك، وباب العيد، واثنان فى جهة القبلة؛ باب الديلم، وباب تربة الزعفران.
وكان القصر الكبير يشغل محل خان سرور والمدارس الصالحية والمدرسة الظاهرية وأرض الدكاكين والمنازل الكائنة فى صفّها، إلى رحبة العيد وأرض الحارات والأزقة والأماكن الموجودة خلف جميع ذلك إلى حارة البرقية، وقد بينّا جميع ذلك فى محلّه، وله عدة خزائن لحفظ ما تستدعيه رسوم الملك وأبهة الخلافة، ولوازم القصر وملحقاته، من الحلىّ وأنواع الزينة والأمتعة والفرش والثياب والذخائر، وما تحتاج إليه العساكر البريّة والبحرية كالسلاح والخيام والبنود، وما يتجمّل به الخليفة وخواصه وسائر رجاله وأتباعه، وما ينعم به فى أيام الأعياد والمواسم إلى غير ذلك.
وكانت هذه الخزائن كثيرة العدد، لكل منها نوع من الأنواع قد أعدت له، وكانت مشتملة على نفائس جليلة، ومهمات عظيمة، بالغة فى العظم والكثرة حدا لا تكاد تبلغه
стр. 33
العبارة، حتى إنّه كان للكتب خاصة من ضمن هذه الخزائن أربعون خزانة تشتمل - فيما حكاه بعضهم - على ألف ألف وستمائة ألف كتاب.
وفى ضمن ما كان فى خزانة الفرش والأمتعة مقطع من الحرير الأزرق التسترى القرقوبى، غريب الصّنعة، منسوج بالذهب وسائر ألوان الحرير، كان المعز لدين الله أمر بعمله فى سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة، فيه صورة أقاليم الأرض وجبالها وبحارها ومدنها وأنهارها ومساكنها شبه جغرافيا، وفيه صورة مكة والمدينة مبيّنة للناظر، مكتوب على كل مدينة وجبل وبلد ونهر وبحر وطريق اسمه بالذهب أو الفضة أو الحرير.
وكان فى خزائن الخيم عدة عظيمة من أعدال الخيم والمضارب، والفازات والمسطحات والجركاوات وغيرها، ومنها فسطاط يسمى المدورة الكبيرة يقوم على فرد عمود طوله خمسة وستون ذراعا بالكبير، ودائره خمسمائة ذراع، وكانت تحمل خرقه وحباله وعدته على مائة جمل، وفى صفريته المعمولة من الفضة ثلاثة قناطير مصرية، قد صور فى رفرفه صورة كل حيوان فى الأرض، وكل شكل ظريف، عمل فى أيام الوزير اليازورى. كان يعمل فيه مائة وخمسون صانعا مدة تسع سنين، وبلغت النفقة عليه ثلاثين ألف دينار، وكان عمله على مثال القاتول، الذى كان العزيز بالله أمر بعمله أيام خلافته، وكان أعظم من هذا … إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
وعامة ما فى هذه الخزائن قد استلب وانتهب فى الشدة العظمى أيام المستنصر، وبيع ما بيع منه بأبخس الأثمان، فتبدّد ما كان فى تلك الخزائن من بدائع النفائس، وجلائل الذخائر، وأصبحت خالية خاوية، ولم تزل بها تقلبات الأيام وتصرفات الأحوال حتى تخرّبت بالكلية، واندرست معالمها، وانطمست آثارها، حتى جهلت مواضعها.
وقد أطال المقريزى رحمه الله تعالى القول فى هذه الخزائن، وذكر مشتملاتها، ويأتى فى الكلام على شارع النحاسين بيان مواضعها، والإلماع بما كان فيها.
وكان القصر الكبير منعزلا عن مساكن العسكر يحيط به الرحاب الواسعة، فكان فى غربيّه بين القصرين فضاء عظيم، يقف فيه من العساكر نحو عشرة آلاف، ورحبة باب العيد كذلك - كان أولها من جامع الجمالى إلى دار الأمير أحمد باشا رشيد - كانت تقف بها العساكر، فارسها وراجلها، فى أيام مواكب الأعياد ينتظرون ركوب الخليفة وخروجه من باب العيد، ولم يبتدأ بالبناء فيها إلا بعد سنة ستمائة من الهجرة، وكان بحذاء هذه الرحبة دار الضيافة المعروفة بدار سعيد السعداء، ويقابلها دار الوزارة الكبرى - التى محلها اليوم المكتب
стр. 34
الأهلى بالجمالية، وما فى صفّه إلى باب الجوّانية - وخلفها بحذاء السور المناخ السعيد، ويجاوره حارة العطوفية.
وكان فى الجهة القبلية من القصر رحبة تعرف برحبة قصر الشوك كبيرة المقدار، أولها من الباب الأخضر الحسينى إلى باب حارة القزازين من شارع قصر الشوك، وكان حائلا بينها وبين رحبة باب العيد خزانة البنود والسقيفة ورحبة اصطبل الطارمة، وكان فى مقابلة قصر الشوك، وكانت هذه الرحبة فضاء ذا سعة عظيمة.
[حجر تعليم الغلمان، وحارة كتامة، ودرب الديلم]
ثم إن المعز لدين الله أنشأ أيضا سبع حجر لتعليم الغلمان الحجرية الذين يخدمون منصب الخلافة بالقصر، وكانت هذه الحجر بعد دار الوزارة المقدّم ذكرها فيما بين باب النصر القديم إلى باب الجوّانية، وأنشأ لهم تجاه هذه الحجر اصطبلا بجوار باب الفتوح، بينه وبين رأس مرجوش. وكان ما بين الاصطبل والحجر فضاء متسعا من باب النصر إلى الدرب الأصفر، ومحله الآن الوكائل والحارات التى بين الشارعين.
وهؤلاء الحجرية شبان مختارون من بنى وجهاء الناس، من كل ماهر شهم، معتدل القامة، حسن الخلقة، وكانوا يربّونهم فى هذه الحجر، ويسمون بصبيان الحجر، ويكونون فى جهات متعددة، وكان عددهم نحوا من خمسة آلاف نسمة. وكان لكل حجرة اسم تعرف به، وعندهم سلاحهم وما يحتاجون إليه، ومتى عرف الواحد منهم بالفضل والشجاعة خرج إلى الإمرة والتقدم.
وما زالت هذه الحجر باقية إلى ما بعد السبعمائة، فهدمت، وابتنى الناس محلها الدور وغيرها.
واختط المعز أيضا حارة كتامة للأمراء الكتاميين، فيما بين حارة الباطنية وحارة البرقية، وتعرف اليوم بحارة الدويدارى.
وقبيلة كتامة هى رجال الدولة الفاطمية، التى قامت بنصرة المهدى عبيد الله حتى استقر على دست خلافة المغرب، وبقيت كذلك مدة خلافة ابنه أبى القاسم القائم بأمر الله، وخلافة المنصور بنصر الله اسماعيل بن أبى القاسم، وخلافة معدّ المعز لدين الله بن المنصور، وبهم أخذ ديار مصر لما سيّرهم إليها مع القائد جوهر فى سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وهم أيضا كانوا أكابر من قدم معه من الغرب فى سنة اثنتين وستين وثلثمائة، ولم تنحط درجتهم إلى زمن العزيز بالله نزار، فلما اصطنع الديلم والأتراك، وقدّمهم وجعلهم خاصته،
стр. 35
صار بينهم وبين كتامة تحاسد وتنافس، إلى أن مات العزيز بالله، وقام من بعده أبو على المنصور، الملقّب بالحاكم بأمر الله، فرجع لكتامة الأمر بعض رجوع لما ولى ابن عمار الكتامى الوساطة التى هى فى معنى الوزارة. ولم يمكث ذلك معهم إلا قليلا.
وتغيّرت أحوال كتامة بعد قتل ابن عمار وتولية برجوان الوزارة وكان صقلبيا، فحط عليهم، وأغرى الحاكم بهم، فقتل منهم الكثير، وانحط قدرهم إلى زمن الظاهر لإعزاز دين الله، ولانكبابه على اللهو، وميله إلى الأتراك والمشارقة تلاشى أمر كتامة بالكلية، وصاروا من جملة الرعية بعد ما كانوا وجوه الدولة وأكابر أهلها.
وكانت الديلم فى زمن العزيز بالله نزار كثيرة المبانى بالقاهرة، فاختطت حارة بجوار باب زويلة القديم، وتعرف بهذا الاسم فى حجج الأملاك إلى الآن، وتارة تسمى بحارة الأمراء، وبحارة خوشقدم، وكان من جملتها حارة درب الأتراك لهفتكين التركى أحد أمراء العزيز، ثم انفصلت عنها كما هى اليوم.
[قصر البحر]
واختط نادر الصقلبى سيف الدولة، غلام العزيز بالله، دربا كان يعرف قديما بدرب نادر، وبدرب سيف الدولة، والآن يعرف بحارة الفراخة من خط قصر الشوك.
وأنشأ العزيز بالله نزار بن المعز قصرا صغيرا تجاه القصر الكبير من جهته الغربية، وكان يعرف بقصر البحر، بناه لسكنى ابنته «ست الملك» أخت الحاكم بأمر الله، وجعل به قاعة كبيرة لم يبن مثلها. وكان حدّ هذا القصر من تجاه الجامع الأقمر إلى الصاغة. وكان مطبخ القصر فى موضع الصاغة إلى درب السلسلة - وهو موضع وكالة الجوهرية الآن.
وكان ذلك القصر الصغير مطلا من شرقيه على القصر الكبير، ومن غربية على البستان الكافورى، وصار هذا البستان من عمائر القصر الصغير، فكان من أحسن ما بنى فى تلك الأيام، وابتدئ فى عمارته سنة خمسين وأربعمائة، وتمّ فى زمن الخليفة المستنصر بالله سنة سبع وخمسين وأربعمائة، فكانت مدة البناء فيه سبع سنين متوالية، وصرف عليه ألفا ألف دينار، عبارة عن ألف ألف جنيه وشئ، لأن الدينار يزيد عن نصف الجنيه قليلا.
وكان قصد الخليفة المستنصر بالله أن يجعله منزلا للخليفة القائم الله العباسى صاحب بغداد، ويجمع إليه بنى العباس، فلم يتيسر له ذلك، فجعله لسكناه، وكان من أبوابه باب الساباط، الذى فى موضعه الآن باب سر المارستان المنصورى، المسلوك منه إلى الخرنفش،
стр. 36
وبجواره من الجهة البحرية باب التبانين - وموضعه مكان باب حارة الخرنفش الآن - ويظهر من كلام صاحب الخطط أنه لما قويت شوكة الإفرنج فى آخر دولة الفاطميين اعدت هذه الدار أو بعضها - وهو ما صار فيما بعد الدار البيسرية - لمن يجلس فيها من قصاد الإفرنج، عند ما تقرر الأمر معهم على أن يكون نصف ما يحصّل من مال البلد للإفرنج، فصار يجلس فى هذه الدار قاصد معتبر للإفرنج يقبض المال، فلما زالت الدولة الفاطمية، وملك مصر الأيوبيون، أخذها الملك المفضل قطب الدين أحمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، وعمل بها الإصطبلات والمبانى الفخيمة، فعرفت بالدار القطبية، ولما مات الملك المفضل صارت إلى ابنته «مؤنسة خاتون»، وكان بها قاعة كبيرة لم يكن بمصر مثلها، فلما آلت السلطنة إلى الملك المنصور قلاوون اشترى هذه الدار، وعمل فى محل القاعة المارستان، وفى باقيها المبانى التى استجدها بهذا الخط، وأما الدار البيسرية المتقدم ذكرها فشرع فى عمارتها الأمير ركن الدين بيسرى الشمسى الصالحى النجمى فى سنة تسع وخمسين وستمائة فى زمن الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وكان من أعظم الأمراء، وله عدة مماليك، راتب كل واحد منهم مائة رطل لحم، ومنهم من له عليه فى اليوم ستون عليقة لخيله، وبلغ عليق خيله وخيل مماليكه فى كل يوم ثلاثة آلاف عليقة سوى عليق الجمال … إلى آخر ما قال فى الخطط فانظره.
ومن زمن مديد إلى الآن بطل جعله مارستانا، ونقلت منه المرضى، غير أن به محلا يجتمع فيه كل يوم المصابون بوجع العين للكشف عليهم ومداواتهم من طبيب العيون المعيّن لذلك، وبعض محلاته اتخذه باعة النحاس حواصل لنحاسهم، وبعضها جعل مدرسة أهلية.
وهذا القصر، وإن سمى القصر الصغير، كان فى غاية السعة، فإنّ حدّه الشرقى النهاية الغربية للميدان الذى كان بين القصرين، المشرف عليه الآن المارستان، وما اتصل به من المدرسة المنصورية، والظاهرية، والكاملية، والخرنفش إلى تجاه الجامع الأقمر، وكان حدّه الغربى - بما فيه من البستان الكافورى - سور القاهرة المطل على الخليج، ويتصل به من جهته القبلية مطبخه، وهو موضع الصاغة، فالنهاية القبلية الصاغة هى حده القبلى. وكان الحمام الذى بين الصاغة والمارستان من حمامات القصر، وحده البحرى ميدان كبير يتصل به كان يعرف بميدان الخرشتف، ومحله الشارع المعروف الآن بشارع الخرنفش وما يتصل به من الأزقة والدور وغيرها من المبانى، وكان هذا الميدان يمتد إلى نهاية البستان الكافورى عند الخليج، وإنما عرف بالخرشتف، لأن المعز أول من بنى فيه الاصطبلات بالخرشتف، وهو ما يتحجر مما يوقد به على مياه الحمامات من الزبل وغيره، كما نبه عليه المقريزى. ويؤخذ من هذا أن استعمال الزبل فى وقود الحمامات قديم العهد، ولم يزل جاريا إلى اليوم.
стр. 37
وقد بقى هذا الميدان فضاء إلى سنة ستمائة من الهجرة، وبنيت بعد ذلك فيه الدور والأماكن والحارات، والآن هو من أعظم أخطاط القاهرة، وقد بقى له اسمه القديم، مع بعض تحريف قليل، فتحول لفظ الخرشتف إلى الخرنفش.
وكان قبلى البستان الكافورى اصطبل الجميزة، وكان معدا لعساكر الفاطميين، وكان له الساقية العظيمة المسماة ببئر زويلة، وقد تكلمنا على ذلك فى موضعه. والاصطبل المذكور كان ابتداؤه بالقرب من موضع سر المارستان، ويشمل خط البندقانيين، وجزءا كبيرا من حارات اليهود المجاورة للسّكة الحديدة، وكان يشرف من الجهة القبلية على ميدان الإخشيد.
[جامع الخطبة ودار الوزارة]
وفى سنة ثمانين وثلثمائة أمر الخليفة العزيز بالله ببناء جامع كبير خارج سور القاهرة، فشرع فى بنائه، وكان من موضع باب النصر إلى محل باب الفتوح، وخطب فيه قبل تمامه، وسمّاه جامع الخطبة، ثم مات قبل تمامه، فكمّله ابنه الحاكم بأمر الله، فنسب إليه، وإلى الآن هو موجود متخرب، ويعرف بجامع الحاكم.
وفى أيام العزيز بالله بنى يعقوب بن يوسف بن كلّس داره فى جهة الجنوب الشرقى من القاهرة فى أرض ميدان الإخشيد، وكانت كبيرة جدا، وسميت دار الوزارة، والحارة التى هى فيها عرفت بالوزيرية، وتعرف اليوم بدرب سعادة. وكانت جملة غلمان الوزير أربعة آلاف عرفوا بالطائفة الوزيرية، وإليهم تنسب الوزيرية، فانها كانت مساكنهم، ثم جعلت بعد ذلك لعمل الديباج إلى آخر دولة الفاطميين، ثم بعد زوال دولتهم سكنها الصاحب صفى الدين عبد الله بن على بن شكر فى أيام الملك العادل أبى بكر بن أيوب، فعرف خطها بخط الصاحب، وقد تغير ذلك كله وقسّمت هذه الدار دورا وحارات، وأسواقا ومساجد ونحو ذلك، ففى موضعها الآن سوق النمارسة، والموضع المشهور بمدق البن القديم، وما جاور ذلك من المساجد والأماكن، والحارة المشهورة بحارة بيرم، ودرب الحريرى المعروف بدرب الفرن بحارة درب سعادة، وما وراء ذلك كله.
واستجد بحارة الوزيرية وغيرها جملة دروب، كدرب الحريرى الذى عرف بعد الدولة الفاطمية بدرب ابن قطز، وهو الآن عطفة صغيرة من عطف درب سعادة، ودرب العدّاس، وهو اليوم حارة جامع البنات.
وفى أيام العزيز بالله بنيت دار الفطرة، وخزائن دار افتكين، والإيوان الكبير بالقصر الشرقى، واستجدّت عدة جوامع ومساجد بالفسطاط.
стр. 38
رسوم الجوامع والمساجد فى الأزمان القديمة
وكان من رسوم الجوامع والمساجد أن قاضى القضاة يتولى أحباسها، وإليه أمرها، ولها ديوان مفرد. وفى سنة ثلاث وستين وثلثمائة جمعت أحباسها، فبلغت فى السنة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم. وكان مرتب كل مشهد خمسين درهما فى الشهر برسم الماء لزوارها.
وكانت العادة قبل رمضان بثلاثة أيام أن تطوف القضاة على المساجد والمشاهد بمصر والقاهرة، ليتفقدوا حصرها وقناديلها وعمائرها، وما تشعث منها ونحو ذلك، فيبتدئون بجامع المقس، ثم جامع القاهرة، وهو الأزهر، ثم المشاهد، ثم القرافة، ثم جامع مصر، وهو جامع عمرو ثم مشهد الرأس.
[ابتداء التدريس فى الجامع الأزهر]
وفى سنة ثمانين وثلثمائة ترتب المتصدرون لقراءة العلم بالجامع الأزهر، والعزيز هو أول من أقام الدرس بمعلوم، ثم فى مدته عمل الوزير. يعقوب بن كلس مجلسا فى داره، يحضره الفقهاء والمتكلمون وأهل الجدل، وكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهب الفاطمية، وعمل أيضا مجلسا بجامع مصر لقراءة ذلك الكتاب، وكان يسمى كتاب الوزير.
وبنى العزيز أيضا منظرة اللؤلؤة على الخليج، بالقرب من باب القنطرة جهة جامع الشيخ عبد الوهاب الشعرانى، وكانت من أحسن منتزهاتهم، فإنها كانت تشرف على الخليج من الغرب، وعلى البستان الكافورى من الشرق، وجعل لها سردابا تحت الأرض متصلا بالقصر الكبير، وكان يركب فى هذا السرداب من القصر الكبير إلى اللؤلؤة، ويتحول إليها فى أيام الخليج بحرمه وخواصه، وكانت تطل على بستان يعرف بالمقسى، وكان كبيرا جدا، يمتد إلى النيل، وفى بعض محلّه الآن بركة الأزبكية وخط الموسكى.
وبنى دار الصناعة بالمقس، بالقرب من موضع جامع أولاد عنان، وعمل المراكب التى لم ير مثلها قديما عظما ومتانة وحسنا. وكان ليوم خروج الأسطول رسوم ذكرها المقريزى.
وكان الخلفاء يخرجون للفرجة، فيمتلئ وجه النيل وساحله من المتفرجين، فيكون ذلك اليوم من المواسم المشهودة.
مطلب ليالى الوقود
وبنى أيضا منظرة الجامع الأزهر، وكان يجلس فيها ليالى الوقود، وهى ليلة مستهل رجب وليلة نصفه، وليلة مستهل شعبان وليلة نصفه، وقد تكلم عليها المقريزى وأطنب.
стр. 39
وخلاصة ما كان لهم من الرسوم فى ذلك أن يركب قاضى القضاة بهيئته المقررة، ومعه الشهود والمؤذنون والقراء يطربون بالقراءة، وبين يديه الشمع المحمول إليه موقودا؛ من كل جانب ثلاثون شمعة، كل واحدة منها سدس قنطار، ولغيره من الشمع الواحدة والاثنتان والثلاثة، كل بحسب المقرر له، فيمشون من أول شارع فيه دار القاضى إلى باب الخلافة، وقد اجتمع من العالم فى وقت جوازهم ما لا يحصى، فيسيرون إلى باب الخليفة، ويحضر صاحب الباب، ووالى القاهرة، والقراء والخطباء، فيترجلّون تحت منظرة الخليفة، ويخطبون، وينصرفون بعد أن يسلم عليهم من الطاقة أستاذ دار الخلافة استفتاحا وانصرافا، ثم يركب الناس إلى دار الوزارة، فيجلس إليهم الوزير فى مجلسه، ويسلمون عليه، ويخطب الخطباء ويدعون له ويخرجون، فيشق القاضى والجماعة القاهرة، وينزل بالجامع الأزهر، والجامع الأقمر والجامع الأنور بالقاهرة، والطيلونى والعتيق بمصر، وجامع القرافة، والمشاهد التى تضمنت الأعضاء الشريفة، وبعض المساجد التى لأربابها وجاهة، ويصلى فى كل مسجد ركعتين، ويقدم للناس الحلواء والأطعمة والبخور فى مجامر الذهب والفضة، ويوقد فى المساجد الشموع والقناديل الكثيرة، فكان المرتب للجامع العتيق برسم وقوده خاصة فى كل ليلة أحد عشر قنطارا ونصف قنطار من زيت الزيتون، ولغيره من المساجد شئ كثير كل بحسبه.
وبالجملة فكانت هذه الليالى الأربع من أبهج الليالى وأحسنها، يحشر الناس لمشاهدتها من كل أوب، فيصل إليهم فيها أنواع من البر، وتعظم فيها ميرة أهل الجوامع والمشاهد.
[جامع والدة العزيز وقصرها ومنظرة السكرة]
وبنت والدة العزيز، وهى الست تغريد، جامع الأولياء بالقرافة، قبلى الإمام الليث ﵁ وقصرا بجواره، وقد زال كل ذلك من زمن بعيد، ومحله الآن حوش لدفن الموتى يعرف بحوش أبى على.
وبنت أيضا الدار المعروفة بمنازل العز، وكانت تشرف على النيل، وصارت معدة لنزهة الخلفاء، وهى التى صارت فيما بعد مدرسة عرفت بمدرسة منازل العز، وقد تكلمنا عليها فى المدارس من هذا الكتاب، وبيّنا مواضعها فى الكلام على ساحل النيل.
وبنى العزيز أيضا منظرة السكرة على بر الخليج الغربى، كان يجلس فيها الخليفة يوم فتح الخليج، وكانت قنطرة السد يومئذ هى قنطرة عبد العزيز بن مروان، ومحلها بموضع منزل الست الشماشرجية بحارة السيدة زينب ﵂، ومنظرة السكرة حيث منزل المرحوم حسن باشا راسم من طريق القصر العالى الذى صار الآن ملكا لأحمد باشا كمال كما تقدم.
وكانت هذه المنظرة جميلة الموقع فى بستان أنيق، يحيط بها البساتين من كل جانب.
стр. 40
[المساجد والأهراء فى عهد الحاكم بأمر الله]
وفى أيام الحاكم بأمر الله زادت الناس رغبة فى العمارة بالقاهرة، واستجدّت بها حارات ودروب، وبنيت عدة مساجد بالفسطاط، حتى قيل إنه أحصى المساجد التى لا غلة لها، فكانت ثمانمائة، فأطلق لها من بيت المال تسعة آلاف درهم ومائتى درهم، وفى سنة خمس وأربعمائة حبس خمس ضياع عليها، منها: إطفيح، وصول، وطوخ، مع تحبيس ضياع أخرى على القراء والمؤذنين بالجوامع. وعلى المصانع والمارستان وأكفان الموتى. وهو الذى كمّل جامع الخطبة فعرف به، وسمّى بالجامع الحاكمى، وزاد فى جهته الغربية محل الأهراء - - أى الأشوان التى تجتمع فيها الغلال ذخيرة بالقاهرة - وكانت فى بعض أماكن من القاهرة أهراء يخزن بها فى السنة ما يزيد على ثلثمائة ألف أردب من الغلة، أكثرها من الصعيد، وكان منها إطلاق الأقوات لأرباب الرتب، والخدم، وأرباب الصدقات، وأرباب الجوامع والمساجد، وجرايات العبيد السودان، وما ينفق فى الطواحين برسم خاص الخليفة، ومنها يخرج جرايات رجال الأسطول، وما يستدعى بدار الضيافة، لأخباز الرسل ومن يتبعهم، وكان بعض هذه الأهراء عند السور القبلى بقرب محل جامع المؤيد، حيث موضع السجن، المعروف بخزانة شمائل، الذى كان بجوار باب زويلة، على يسرة الداخل منه بجوار السور، وكان هذا السجن من أشنع السجون، إلى أن هدمه الملك المؤيد شيخ المحمودى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وأدخله مع ما أخذه من الدور بجوانبه فى المدرسة الموجودة الآن المعروفة بجامع المؤيد.
مطلب أول ما بنى فى موضع الحسينية
وبنى الحاكم أيضا خارج باب الفتوح شونا كبيرا جدا، ملأه حطبا، حتى خاف الناس من ذلك، وثارت الإشاعة أن الحاكم يريد بجمع هذه الأحطاب إحراق جماعة من الكتّاب، فضجّ الناس تحت القصر يطلبون الأمان، فكتب لهم بالأمان حتى اطمأنوا. وهذا الموضع الذى بناه هو أول ما بنى فى موضع الحسينية، وكان هو أول حارة الحسينية.
[عمارات الحاكم وجنونه]
وبنى أيضا جامع المقس الذى كان على شط بحر النيل، وهو المعروف اليوم بجامع أولاد عنان، وكانت المكوس تؤخذ فى هذا الموضع. وأمر بهدم منظرة اللؤلؤة، وهدم سور القصر الكبير، وبناه ثانيا، وجدّد الباب المسمى بباب البحر.
следующие страницы →