Полный текст (5 619 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وبجواره من الجهة البحرية باب التبانين - وموضعه مكان باب حارة الخرنفش الآن - ويظهر من كلام صاحب الخطط أنه لما قويت شوكة الإفرنج فى آخر دولة الفاطميين اعدت هذه الدار أو بعضها - وهو ما صار فيما بعد الدار البيسرية - لمن يجلس فيها من قصاد الإفرنج، عند ما تقرر الأمر معهم على أن يكون نصف ما يحصّل من مال البلد للإفرنج، فصار يجلس فى هذه الدار قاصد معتبر للإفرنج يقبض المال، فلما زالت الدولة الفاطمية، وملك مصر الأيوبيون، أخذها الملك المفضل قطب الدين أحمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، وعمل بها الإصطبلات والمبانى الفخيمة، فعرفت بالدار القطبية، ولما مات الملك المفضل صارت إلى ابنته «مؤنسة خاتون»، وكان بها قاعة كبيرة لم يكن بمصر مثلها، فلما آلت السلطنة إلى الملك المنصور قلاوون اشترى هذه الدار، وعمل فى محل القاعة المارستان، وفى باقيها المبانى التى استجدها بهذا الخط، وأما الدار البيسرية المتقدم ذكرها فشرع فى عمارتها الأمير ركن الدين بيسرى الشمسى الصالحى النجمى فى سنة تسع وخمسين وستمائة فى زمن الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وكان من أعظم الأمراء، وله عدة مماليك، راتب كل واحد منهم مائة رطل لحم، ومنهم من له عليه فى اليوم ستون عليقة لخيله، وبلغ عليق خيله وخيل مماليكه فى كل يوم ثلاثة آلاف عليقة سوى عليق الجمال … إلى آخر ما قال فى الخطط فانظره.
ومن زمن مديد إلى الآن بطل جعله مارستانا، ونقلت منه المرضى، غير أن به محلا يجتمع فيه كل يوم المصابون بوجع العين للكشف عليهم ومداواتهم من طبيب العيون المعيّن لذلك، وبعض محلاته اتخذه باعة النحاس حواصل لنحاسهم، وبعضها جعل مدرسة أهلية.
وهذا القصر، وإن سمى القصر الصغير، كان فى غاية السعة، فإنّ حدّه الشرقى النهاية الغربية للميدان الذى كان بين القصرين، المشرف عليه الآن المارستان، وما اتصل به من المدرسة المنصورية، والظاهرية، والكاملية، والخرنفش إلى تجاه الجامع الأقمر، وكان حدّه الغربى - بما فيه من البستان الكافورى - سور القاهرة المطل على الخليج، ويتصل به من جهته القبلية مطبخه، وهو موضع الصاغة، فالنهاية القبلية الصاغة هى حده القبلى. وكان الحمام الذى بين الصاغة والمارستان من حمامات القصر، وحده البحرى ميدان كبير يتصل به كان يعرف بميدان الخرشتف، ومحله الشارع المعروف الآن بشارع الخرنفش وما يتصل به من الأزقة والدور وغيرها من المبانى، وكان هذا الميدان يمتد إلى نهاية البستان الكافورى عند الخليج، وإنما عرف بالخرشتف، لأن المعز أول من بنى فيه الاصطبلات بالخرشتف، وهو ما يتحجر مما يوقد به على مياه الحمامات من الزبل وغيره، كما نبه عليه المقريزى. ويؤخذ من هذا أن استعمال الزبل فى وقود الحمامات قديم العهد، ولم يزل جاريا إلى اليوم.
стр. 37
وقد بقى هذا الميدان فضاء إلى سنة ستمائة من الهجرة، وبنيت بعد ذلك فيه الدور والأماكن والحارات، والآن هو من أعظم أخطاط القاهرة، وقد بقى له اسمه القديم، مع بعض تحريف قليل، فتحول لفظ الخرشتف إلى الخرنفش.
وكان قبلى البستان الكافورى اصطبل الجميزة، وكان معدا لعساكر الفاطميين، وكان له الساقية العظيمة المسماة ببئر زويلة، وقد تكلمنا على ذلك فى موضعه. والاصطبل المذكور كان ابتداؤه بالقرب من موضع سر المارستان، ويشمل خط البندقانيين، وجزءا كبيرا من حارات اليهود المجاورة للسّكة الحديدة، وكان يشرف من الجهة القبلية على ميدان الإخشيد.
[جامع الخطبة ودار الوزارة]
وفى سنة ثمانين وثلثمائة أمر الخليفة العزيز بالله ببناء جامع كبير خارج سور القاهرة، فشرع فى بنائه، وكان من موضع باب النصر إلى محل باب الفتوح، وخطب فيه قبل تمامه، وسمّاه جامع الخطبة، ثم مات قبل تمامه، فكمّله ابنه الحاكم بأمر الله، فنسب إليه، وإلى الآن هو موجود متخرب، ويعرف بجامع الحاكم.
وفى أيام العزيز بالله بنى يعقوب بن يوسف بن كلّس داره فى جهة الجنوب الشرقى من القاهرة فى أرض ميدان الإخشيد، وكانت كبيرة جدا، وسميت دار الوزارة، والحارة التى هى فيها عرفت بالوزيرية، وتعرف اليوم بدرب سعادة. وكانت جملة غلمان الوزير أربعة آلاف عرفوا بالطائفة الوزيرية، وإليهم تنسب الوزيرية، فانها كانت مساكنهم، ثم جعلت بعد ذلك لعمل الديباج إلى آخر دولة الفاطميين، ثم بعد زوال دولتهم سكنها الصاحب صفى الدين عبد الله بن على بن شكر فى أيام الملك العادل أبى بكر بن أيوب، فعرف خطها بخط الصاحب، وقد تغير ذلك كله وقسّمت هذه الدار دورا وحارات، وأسواقا ومساجد ونحو ذلك، ففى موضعها الآن سوق النمارسة، والموضع المشهور بمدق البن القديم، وما جاور ذلك من المساجد والأماكن، والحارة المشهورة بحارة بيرم، ودرب الحريرى المعروف بدرب الفرن بحارة درب سعادة، وما وراء ذلك كله.
واستجد بحارة الوزيرية وغيرها جملة دروب، كدرب الحريرى الذى عرف بعد الدولة الفاطمية بدرب ابن قطز، وهو الآن عطفة صغيرة من عطف درب سعادة، ودرب العدّاس، وهو اليوم حارة جامع البنات.
وفى أيام العزيز بالله بنيت دار الفطرة، وخزائن دار افتكين، والإيوان الكبير بالقصر الشرقى، واستجدّت عدة جوامع ومساجد بالفسطاط.
стр. 38
رسوم الجوامع والمساجد فى الأزمان القديمة
وكان من رسوم الجوامع والمساجد أن قاضى القضاة يتولى أحباسها، وإليه أمرها، ولها ديوان مفرد. وفى سنة ثلاث وستين وثلثمائة جمعت أحباسها، فبلغت فى السنة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم. وكان مرتب كل مشهد خمسين درهما فى الشهر برسم الماء لزوارها.
وكانت العادة قبل رمضان بثلاثة أيام أن تطوف القضاة على المساجد والمشاهد بمصر والقاهرة، ليتفقدوا حصرها وقناديلها وعمائرها، وما تشعث منها ونحو ذلك، فيبتدئون بجامع المقس، ثم جامع القاهرة، وهو الأزهر، ثم المشاهد، ثم القرافة، ثم جامع مصر، وهو جامع عمرو ثم مشهد الرأس.
[ابتداء التدريس فى الجامع الأزهر]
وفى سنة ثمانين وثلثمائة ترتب المتصدرون لقراءة العلم بالجامع الأزهر، والعزيز هو أول من أقام الدرس بمعلوم، ثم فى مدته عمل الوزير. يعقوب بن كلس مجلسا فى داره، يحضره الفقهاء والمتكلمون وأهل الجدل، وكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهب الفاطمية، وعمل أيضا مجلسا بجامع مصر لقراءة ذلك الكتاب، وكان يسمى كتاب الوزير.
وبنى العزيز أيضا منظرة اللؤلؤة على الخليج، بالقرب من باب القنطرة جهة جامع الشيخ عبد الوهاب الشعرانى، وكانت من أحسن منتزهاتهم، فإنها كانت تشرف على الخليج من الغرب، وعلى البستان الكافورى من الشرق، وجعل لها سردابا تحت الأرض متصلا بالقصر الكبير، وكان يركب فى هذا السرداب من القصر الكبير إلى اللؤلؤة، ويتحول إليها فى أيام الخليج بحرمه وخواصه، وكانت تطل على بستان يعرف بالمقسى، وكان كبيرا جدا، يمتد إلى النيل، وفى بعض محلّه الآن بركة الأزبكية وخط الموسكى.
وبنى دار الصناعة بالمقس، بالقرب من موضع جامع أولاد عنان، وعمل المراكب التى لم ير مثلها قديما عظما ومتانة وحسنا. وكان ليوم خروج الأسطول رسوم ذكرها المقريزى.
وكان الخلفاء يخرجون للفرجة، فيمتلئ وجه النيل وساحله من المتفرجين، فيكون ذلك اليوم من المواسم المشهودة.
مطلب ليالى الوقود
وبنى أيضا منظرة الجامع الأزهر، وكان يجلس فيها ليالى الوقود، وهى ليلة مستهل رجب وليلة نصفه، وليلة مستهل شعبان وليلة نصفه، وقد تكلم عليها المقريزى وأطنب.
стр. 39
وخلاصة ما كان لهم من الرسوم فى ذلك أن يركب قاضى القضاة بهيئته المقررة، ومعه الشهود والمؤذنون والقراء يطربون بالقراءة، وبين يديه الشمع المحمول إليه موقودا؛ من كل جانب ثلاثون شمعة، كل واحدة منها سدس قنطار، ولغيره من الشمع الواحدة والاثنتان والثلاثة، كل بحسب المقرر له، فيمشون من أول شارع فيه دار القاضى إلى باب الخلافة، وقد اجتمع من العالم فى وقت جوازهم ما لا يحصى، فيسيرون إلى باب الخليفة، ويحضر صاحب الباب، ووالى القاهرة، والقراء والخطباء، فيترجلّون تحت منظرة الخليفة، ويخطبون، وينصرفون بعد أن يسلم عليهم من الطاقة أستاذ دار الخلافة استفتاحا وانصرافا، ثم يركب الناس إلى دار الوزارة، فيجلس إليهم الوزير فى مجلسه، ويسلمون عليه، ويخطب الخطباء ويدعون له ويخرجون، فيشق القاضى والجماعة القاهرة، وينزل بالجامع الأزهر، والجامع الأقمر والجامع الأنور بالقاهرة، والطيلونى والعتيق بمصر، وجامع القرافة، والمشاهد التى تضمنت الأعضاء الشريفة، وبعض المساجد التى لأربابها وجاهة، ويصلى فى كل مسجد ركعتين، ويقدم للناس الحلواء والأطعمة والبخور فى مجامر الذهب والفضة، ويوقد فى المساجد الشموع والقناديل الكثيرة، فكان المرتب للجامع العتيق برسم وقوده خاصة فى كل ليلة أحد عشر قنطارا ونصف قنطار من زيت الزيتون، ولغيره من المساجد شئ كثير كل بحسبه.
وبالجملة فكانت هذه الليالى الأربع من أبهج الليالى وأحسنها، يحشر الناس لمشاهدتها من كل أوب، فيصل إليهم فيها أنواع من البر، وتعظم فيها ميرة أهل الجوامع والمشاهد.
[جامع والدة العزيز وقصرها ومنظرة السكرة]
وبنت والدة العزيز، وهى الست تغريد، جامع الأولياء بالقرافة، قبلى الإمام الليث ﵁ وقصرا بجواره، وقد زال كل ذلك من زمن بعيد، ومحله الآن حوش لدفن الموتى يعرف بحوش أبى على.
وبنت أيضا الدار المعروفة بمنازل العز، وكانت تشرف على النيل، وصارت معدة لنزهة الخلفاء، وهى التى صارت فيما بعد مدرسة عرفت بمدرسة منازل العز، وقد تكلمنا عليها فى المدارس من هذا الكتاب، وبيّنا مواضعها فى الكلام على ساحل النيل.
وبنى العزيز أيضا منظرة السكرة على بر الخليج الغربى، كان يجلس فيها الخليفة يوم فتح الخليج، وكانت قنطرة السد يومئذ هى قنطرة عبد العزيز بن مروان، ومحلها بموضع منزل الست الشماشرجية بحارة السيدة زينب ﵂، ومنظرة السكرة حيث منزل المرحوم حسن باشا راسم من طريق القصر العالى الذى صار الآن ملكا لأحمد باشا كمال كما تقدم.
وكانت هذه المنظرة جميلة الموقع فى بستان أنيق، يحيط بها البساتين من كل جانب.
стр. 40
[المساجد والأهراء فى عهد الحاكم بأمر الله]
وفى أيام الحاكم بأمر الله زادت الناس رغبة فى العمارة بالقاهرة، واستجدّت بها حارات ودروب، وبنيت عدة مساجد بالفسطاط، حتى قيل إنه أحصى المساجد التى لا غلة لها، فكانت ثمانمائة، فأطلق لها من بيت المال تسعة آلاف درهم ومائتى درهم، وفى سنة خمس وأربعمائة حبس خمس ضياع عليها، منها: إطفيح، وصول، وطوخ، مع تحبيس ضياع أخرى على القراء والمؤذنين بالجوامع. وعلى المصانع والمارستان وأكفان الموتى. وهو الذى كمّل جامع الخطبة فعرف به، وسمّى بالجامع الحاكمى، وزاد فى جهته الغربية محل الأهراء - - أى الأشوان التى تجتمع فيها الغلال ذخيرة بالقاهرة - وكانت فى بعض أماكن من القاهرة أهراء يخزن بها فى السنة ما يزيد على ثلثمائة ألف أردب من الغلة، أكثرها من الصعيد، وكان منها إطلاق الأقوات لأرباب الرتب، والخدم، وأرباب الصدقات، وأرباب الجوامع والمساجد، وجرايات العبيد السودان، وما ينفق فى الطواحين برسم خاص الخليفة، ومنها يخرج جرايات رجال الأسطول، وما يستدعى بدار الضيافة، لأخباز الرسل ومن يتبعهم، وكان بعض هذه الأهراء عند السور القبلى بقرب محل جامع المؤيد، حيث موضع السجن، المعروف بخزانة شمائل، الذى كان بجوار باب زويلة، على يسرة الداخل منه بجوار السور، وكان هذا السجن من أشنع السجون، إلى أن هدمه الملك المؤيد شيخ المحمودى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وأدخله مع ما أخذه من الدور بجوانبه فى المدرسة الموجودة الآن المعروفة بجامع المؤيد.
مطلب أول ما بنى فى موضع الحسينية
وبنى الحاكم أيضا خارج باب الفتوح شونا كبيرا جدا، ملأه حطبا، حتى خاف الناس من ذلك، وثارت الإشاعة أن الحاكم يريد بجمع هذه الأحطاب إحراق جماعة من الكتّاب، فضجّ الناس تحت القصر يطلبون الأمان، فكتب لهم بالأمان حتى اطمأنوا. وهذا الموضع الذى بناه هو أول ما بنى فى موضع الحسينية، وكان هو أول حارة الحسينية.
[عمارات الحاكم وجنونه]
وبنى أيضا جامع المقس الذى كان على شط بحر النيل، وهو المعروف اليوم بجامع أولاد عنان، وكانت المكوس تؤخذ فى هذا الموضع. وأمر بهدم منظرة اللؤلؤة، وهدم سور القصر الكبير، وبناه ثانيا، وجدّد الباب المسمى بباب البحر.
стр. 41
وبنى أيضا جامع راشد بمصر، وهدم كنيسة لليهود، كانت بجوار باب زويلة القديم من داخل، وبنى موضعها مسجدا كان يعرف بمسجد ابن البناء كما فى الخطط، وهو الزاوية المعروفة الآن بزاوية سام بن نوح فى العقادين.
وجدّد دار العلم القديمة، التى كانت تجاه الجامع الأقمر، وكان يسلك إليها من قبو الخرنفش، ونقل إليها الكتب، وأباح للناس الدخول فيها للمطالعة والنقل منها، وأعدّ لهم الورق والمداد والأقلام.
وبنى أيضا خارج القاهرة الباب الجديد على شاطئ بركة الفيل عند رأس المنجبية، وهى حارة الدالى حسين من خط المغربلين، ثم حدثت حارتا الهلالية واليانسية الموجودتان إلى الآن.
وبنى أيضا بجزيرة الروضة جامع غين، وبنى غلامه ملوخيا داره التى محلها درب ملوخيا، المشهور الآن بدرب القزازين من خط أم الغلام.
وإلى ذاك الحين كانت الجهة الشرقية من القاهرة فضاء لا بناء فيه إلى الجبل، وكانت السيول عند اشتدادها تدخل القاهرة، فأمر الحاكم بوضع كيمان خلف سور البرقية، فصارت التلال الشاهقة التى نراها الآن، وعليها بعض طواحين الهواء، خلف حارة الدراسة بين القاهرة ومقبرة المجاورين، فلما ضرب الدهر ضرباته ألقى جهركس الخليلى على هذه التلال عظام الفاطميين لما نبش قبورهم كما أمر.
وبنى الحاكم أيضا غير ما ذكرنا من العمارات، وحذا حذوه الأمراء وغيرهم من الناس، فكثرت فى زمنه المبانى داخل البلد وخارجها، وكثرت إنعاماته، فتوقف فى إمضائها أمين الأمناء حسين بن طاهر الوزان، فكتب إليه الحاكم بخطه: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، كما هو أهله:
أصبحت لا أرجو، ولا أتقى … إلا إلهى، وله الفضل
جدى نبى، وإمامى أبى … ودينى التوحيد والعدل
المال مال الله، والخلق عيال الله، ونحن أمناؤه فى الأرض. أطلق أرزاق الناس ولا تقطعها والسلام».
إلا أنه بسبب ما كان اعتراه من خلل العقل الذى انتهى به إلى دعوى الألوهية لم يكن يثبت على أمر، بل كان ما يبنيه فى اليوم يهدمه فى الغد، وكثر فى أيامه الاضطراب والخلل فى المصالح العمومية.
стр. 42
[كثرة المفاسد فى عهد الظاهر]
فلما آل الأمر بعد وفاته إلى ولده أبى الحسن على، الملقب بالظاهر لإعزاز دين الله، كثرت المفاسد، وخيفت الطرقات، وزال الأمن لإقباله على اللهو وشرب الخمر، حتى رخص للناس فيه وفى سماع الغناء، وأشياء سوى ذلك، كانت ممنوعة فى أيام أسلافه، كشرب الفقاع، وأكل الملوخيا وجميع الأسماك، وزاد السعر، وعز وجود الخبز، واشتد الغلاء، وكثر نقص النيل.
كل ذلك والظاهر مشغول بلذاته لا يصل إليه غير وزرائه، ومنع الناس من ذبح البقر لقلّتها، وكثر الاضطراب والخوف فى ظواهر البلد، وتحدثت زعماء الدولة بمصادرة التجار، فاختلف بعضهم على بعض، وكثر ضجيج طوائف العسكر من الفقر والحاجة، فلم يجابوا، وفشت الأمراض، وكثر الموت فى الناس، وفقد الحيوان، فلم يقدر على دجاجة، وعزّ الماء لقلة الظهر، فعمّ البلاء من كل جهة، وعرض الناس أمتعتهم للبيع، فلم يوجد من يشتريها.
وخرج الحاج، فقطع عليهم الطريق بعد رحيلهم من بركة الحاج، وأخذت أموالهم، وقتل منهم الكثير، وكثر الخوف من الدعّار التى تكبس الحارات، ونهبت الأرياف وكثر طمع العبيد ونهبهم، وجرت أمور من العامة قبيحة، فكانت مدة خلافته من أشنع المدد.
وفى أيامه حفر البستان المقسى، وجعل بركة ماء تملأ من خليج فم الخور، الذى هو عند قنطرة الدكة، وأصله ترعة صغيرة، وكان يسمى أيضا خليج الذكر، أوله عند قنطرة الدكة، عند ما كان النيل بالمقس، ولم يزل يمتد مع انحسار النيل حتى صار فمه فى أيام الناصر، عند قنطرة سيدى أبى العلاء، المجاورة لوابور الماء. ولما عمل الخليج الناصرى صارت فوهة فم الخور منه، لقطعه إياه عن البحر.
وفى أيامه بنيت خزانة البنود، وأقام فيها ثلاثة آلاف صانع، وكانت فيما بين قصر الشوك والمشهد الحسينى، ومحلها اليوم منزل الأمير أحمد باشا رشيد بتلك الجهة وما جاوره من خط قصر الشوك.
[الفتنة العظيمة فى عهد المستنصر]
وفى أيام الخليفة المستنصر بالله كثرت الاضطرابات، لكثرة صرفه للوزراء والقضاة وولايتهم، واختلاطه بالرعاع وتقديم الأراذل، فاشتبهت عليه الأمور، وتناقضت الأحوال،
стр. 43
ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة وعسكر الترك، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير، لقصر مدة كل منهم، وخربت الأعمال، وقل ارتفاعها، وتغلّب الرجال على معظمها، مع كثرة النفقات والاستخفاف بالأمور، وطغيان الأكابر، إلى أن آل الأمر إلى حدوث الشدة العظمى، فخرب أكثر الفسطاط والقطائع والعسكر.
وكان لهذا الخراب سببان وهما: الشدة العظمى، ثم الحريق الذى حصل فى وزارة شاور فى آخر الدولة الفاطمية، حين قدم الإفرنج للاستيلاء على مصر.
وكان من أمر تلك الشدة أنه لما توالت الفتن أيام خلافة المستنصر، ارتفعت الأسعار بمصر سنة ست وأربعين وأربعمائة، وتبع الغلاء وباء. فبعث الخليفة إلى متملك الروم بقسطنطينية أن يحمل الغلال إلى مصر، فأطلق أربعمائة ألف أردب، وعزم على حملها إلى مصر، فأدركه أجله ومات قبل ذلك، وقام من بعده فى الملك امرأة، فكتبت إلى المستنصر تسأله أن يكون عونا لها، وأن يمدّها بعساكر مصر إذا ثار عليها أحد، فأبى، فجردت لذلك، وعاقت الغلال عن المسير إلى مصر، فغضب المستنصر، وجهز العساكر، ونودى فى بلاد الشام بالغزو، ووقعت أمور مهولة، ذكرها صاحب الخطط، منها أن الخليفة أمر بالقبض على جميع ما فى كنيسة القيامة التى ببيت المقدس، وكان شيئا كثيرا من الأموال، ففسد من حينئذ ما بين الروم والمصريين، حتى استولى الروم على بلاد الساحل كلها، وحاصروا القاهرة.
واشتد الغلاء فى تلك السنة، وهى سنة سبع وأربعين وأربعمائة، وكثر الوباء بمصر والقاهرة وأعمالها إلى سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وحدثت الفتنة العظيمة التى تخرب بسببها إقليم مصر كله، وسببها أن الخليفة خرج على عادته السنوية على النجب مع النساء والحشم إلى بركة الجب، فجرّد بعض الأتراك سيفا وهو سكران على أحد عبيد الشراء، فاجتمع عليه كثير من العبيد وقتلوه، فحنق لقتله الأتراك، وساروا بجمعهم إلى الخليفة يسألونه هل كان ذلك عن أمره، فتبرأ الخليفة من ذلك، فاجتمعت الأتراك لمحاربة العبيد، فوقعت بينهما محاربة شديدة بناحية كوم شريك، من مديرية البحيرة قتل فيها كثير من العبيد، وانهزم باقيهم، فشقّ ذلك على والدة المستنصر لكونها من جنسهم، وكانت هى السبب فى كثرتهم بمصر، فكانت لحبها الإكثار منهم تشتريهم من كل مكان، حتى قيل إنهم بلغوا إذ ذاك ما ينيف على خمسين ألف عبد، وقد أمدّتهم فى تلك الواقعة بالأموال والسلاح سرا، وكانت قد تحكمت فى الدولة ونفذت كلمتها، وحثت على قتل الأتراك، فوقعت الفتنة ثانيا واستمرت العداوة بين الفريقين إلى سنة تسع وخمسين، فقويت شوكة الأتراك، وتعدوا على الخليفة،
стр. 44
وطلبوا منه الزيادة فى واجباتهم، وضاق الحال بالعبيد واشتدت حاجتهم، وقلّ مال السلطان، واستضعف جانبه، فأغرت أمه العبيد ثانيا بالأتراك، فوقعت بينهم واقعة بالجيزة انهزم فيها العبيد إلى الصعيد، فازدادت قوة الأتراك وتعديهم، وكثر أذاهم، واستخفّ رئيسهم ابن حمدان بالخليفة، فأغرت أيضا باقيهم الموجودين بمصر، فوقعت بين الفريقين عدة وقعات خارج القاهرة انتهت بنصرة الأتراك، فزاد شرهم، واستمر إلى سنة ستين وأربعمائة، فانخرق ناموس الخلافة، واستهانوا بالخليفة، وصار مقررهم أربعمائة ألف دينار، بعد أن كانت ثمانية وعشرين ألف دينار فى الشهر. فلما نفد ما فى الخزائن بعثوا يطالبونه بالمال، فاعتذر لهم، فلم يقبلوا وألزموه ببيع ذخائره، فبيع ما كان فى خزائن القصر من الأمتعة والجواهر ونفائس الأموال والكتب، وانتهب ما انتهب، وقد أطنب المقريزى فى الكلام على ذلك.
ثم سار ابن حمدان إلى الصعيد، وقاتل العبيد حتى أفنى منهم الكثير، وهزم من بقى منهم وعاد إلى القاهرة، واستبدّ بسلطنة مصر، ودخلت سنة إحدى وستين وهو مستبد بالأمر، فثقل مكانه على الأتراك، فاجتمعوا جميعا مع العبيد، وساروا إلى الخليفة، فبعث إلى بن حمدان يأمره بالخروج من مصر، وتهدده إن لم يخرج، فخرج إلى الجيزة، فانتهب الناس دوره ودور حواشيه، فلما جن الليل عاد سرا، ودخل إلى دار القائد تاج الملوك شادى، وترامى عليه، وقبل رجليه، فقام لنصرته، وحصلت واقعة بين عساكره وعساكر الخليفة، آل أمرها إلى انهزام ابن حمدان إلى البحيرة.
وكثر النهب، واشتد الغلاء والقحط، حتى أكل الناس الجيف، وقطعت الطرق، وكثر القتل فيها، إلى أن دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة فجهّز الخليفة جيشا لقتال ابن حمدان، فوقعت بينهم حروب انهزمت فيها عساكر الخليفة، وتملك ابن حمدان جميع الوجه البحرى، وترك اسم الخليفة الفاطمى من الخطبة، وخطب باسم الخليفة القائم بأمر الله العباسى، ونهب أكثر الوجه البحرى، وقطع المسيرة عن القاهرة، فعظم البلاء، واشتدّت المجاعة، وتزايد الموت، وحلّ بالناس ما لا يطاق ولا يوصف، فاضطر الخليفة إلى مصالحة ابن حمدان، فصالحه على مال يحمل إليه، فأطلق الغلال، فدخلت مصر.
وبعد شهر وقع الاختلاف بينهما، فزحف إلى مصر، وحاصرها، وانتهبها، وأحرق من الساحل دورا كثيرة، ورجع إلى البحيرة فى سنة أربع وستين وأربعمائة، فتفاقم الأمر فى الشدة، وتلاشى ذكر الخليفة، فسار ابن حمدان إلى البلدة فملكها، وتصرف فى أمر الخلافة والخليفة.
стр. 45
[استتباب الأمر وتعمير القاهرة على يدى بدر الجمالى]
وكانت مدة هذا الغلاء سبع سنين، وفارق كثير من الناس البلد، وخرب الفسطاط، وخلا موضع العسكر والقطائع، وظاهر مصر مما يلى القرافة إلى بركة الحبش، وانتشرت الفتن بكافة أنحاء القطر، وملكت عرب لوانة الريف، وصار الصعيد بأيدى العبيد، فكتب الخليفة المستنصر إلى أمير الجيوش أبى النجم بدر الجمالى نائب عكا وقتئذ يستدعيه، ليكون القائم بتدبير دولته، فحضر من البحر بعسكر جرّار، وسار حتى دخل القاهرة، وقبض على الأمراء وقتلهم، وأقام مقامهم سواهم من رجاله، وتتّبع المفسدين فى كل جهة من جهات مصر من الأقاليم البحرية والقبلية من العرب وغيرهم، حتى أفناهم عن آخرهم، واستصفى أموالهم، فاستقامت الأحوال، واستتبت له الأمور، وأراح الفلاحين من الأموال ثلاث سنين، حتى صلحت أحوالهم، وحسنت حال مصر والقاهرة.
ولما سكن أمير الجيوش بدر الجمالى القاهرة، وجدها غير عامرة، فأمر الناس من العسكر والأرمن وغيرها أن يعمر كل من وصلت قدرته إلى عمارة ما شاء فى القاهرة من أنقاض ما تخرب من الفسطاط، فأخذوا فى نقل أنقاض ظاهر مصر، مما يلى القاهرة، حيث العسكر والقطائع، فصار محلها فضاء وتلالا بين مصر والقاهرة، وكذا بينهما وبين القرافة، وأكثر الناس من عمارة الدور وغيرها فى القاهرة وسكنوها، واتسعت دائرة العمارة، وسكنها أصحاب السلطان إلى انقراض الدولة الفاطمية.
وإلى ذلك الوقت كان البر الغربى للخليج خاليا من البناء البتة، وكانت بركة الأزبكية بعضها بستان وبعضها بركة فى بحريّه، ودثرت فى الشدة العظمى، ثم بنت طائفة من العبيد حارة فى بر الخليج الغربى تجاه اللؤلؤة، عرفت بحارة اللصوص سكنها العبيد من طوائف العسكر وغيرهم، وهجرت بركة الأزبكية وصارت موحشة، بعد أن كانت من أجلّ المنتزهات، وكثرت المبانى خلف السور من الجهات الثلاث، القبلية والشرقية والبحرية، فبنى الوزير بدر الجمالى أمير الجيوش عليها سورا جديدا يدور بها، والأبواب الثلاثة الموجودة الآن، وهى أبواب: باب النصر، وباب الفتوح، وباب زويلة، كلها من إنشاء أمير الجيوش المذكور، وكانت فى ذلك السور، وصارت مساحة القاهرة أربعمائة فدان، بعد أن كانت عند وضعها ثلثمائة وأربعين فدانا كما قدمنا. وما حدث من البناء بين السورين القديم والجديد سمّى بين السورين.
وفى وزارة أمير الجيوش بنيت دار المظفر، وصارت دار وزارة، وسكنها أمير الجيوش فى أيام وزارته، ومن بعده صارت إلى برجوان، ثم هى الآن جملة بيوت وحارات. وقد بيّنا كلا فى محله من هذا الكتاب.
стр. 46
وأحدث المستنصر بستانا خارج باب النصر، وأحدث أمير الجيوش سويقة فى أول الشارع الموصل إلى باب القنطرة، عرفت بسويقة أمير الجيوش، وعرف الشارع بشارع أمير الجيوش، ثم حرفته العامة بمرجوش.
[عمارات الأفضل وعطاياه]
وفى وزارة الأفضل أبى القاسم شاهنشاه بعد وفاة والده أمير الجيوش بدر الجمالى، بنيت دار الوزارة الكبرى، ومحلها الآن من حارة المبيضة إلى حارة الجوانية، واستمرت كذلك إلى آخر الدولة الفاطمية، وكانت تعرف بدار القباب.
وفى سنة إحدى وخمسمائة بنى الأفضل دار الملك بالساحل القديم للنيل بآخر مصر العتيقة، وانتقل إليها، وجعل بها محلا يجلس فيه، سمّاه مجلس العطايا، وأمر بتفصيل ثمانية ظروف من ديباج أطلس، كل اثنين من لون، وجعل فى سبعة منها خمسة وثلاثين ألف دينار، فى كل ظرف خمسة آلاف دينار سكبا وبطاقة بوزنه وعدده وشرابة حرير كبيرة. من ذلك ستة ظروف دنانير بالسوية عن اليمين وعن الشمال فى ذلك المجلس، وظرفان عند مرتبة الأفضل بقاعة اللؤلؤة، أحدهما دنانير والآخر دراهم جدد، فالذى فى اللؤلؤة برسم ما يستدعيه الأفضل إذا كان عند الحرم، والذى فى مجلس العطايا كان يصرف منه للشعراء، إذ لم يكن للشعراء فى الأيام الأفضلية، ولا فيما قبلها مرتبات على الشعر، وإنما كان الأمر أنه إذا اتفق أن السلطان طرب من شعر أحدهم واستحسنه أعطاه ما يسره الله على حكم الجائزة، فرأى القائد أن يكون العطاء من تلك الظروف، وكذا يصرف منها لمن يسأل الصدقة، وما ينعم به ابتداء من غير سؤال، وإذا انصرف الحاضرون أنزل المبلغ المنصرف فى البطاقة بخطه، وكتب عليه صح، وأحصى ما بقى، وأكمل الظرف وختم عليه، وهكذا.
وأنشأ الأفضل أيضا بظاهر القاهرة من جهتها البحرية بجانب الخليج الغربى منظرة البقل، وكانت فى المحل الكائن تجاه قنطرة الأوز، وأغلبها دخل الآن فى الترعة الإسماعيلية، وباقيها صار بعضه بركة، وبعضه تلا، وبعدها كانت منظرة التاج، ثم قبة الهواء، ثم منظرة الخمس الوجوه، وهى الأرض التى بيد الأمير إبراهيم باشا أدهم الآن من أرض مهمشا، وكان لكل منها بستان أنيق يطل على النيل، وأنشأ أيضا منظرة باب الفتوح خارج باب الفتوح فيما بينه وبين البساتين الجيوشية - ومحل هذه المنظرة الأرض المرتفعة التى بنيت فوقها المنازل فى وسط شارع أبى قشة بحرى الحمام الموجود فى الحسينية - وكانت من المناظر الفخيمة.
وكانت البساتين الجيوشية ممتدة، أولها من زقاق الكحل المعروف الآن بشارع الدشطوطى
стр. 47
وآخرها منية مطر - وهى المطرية اليوم، والبساتين والمزارع الموجودة الآن خارج باب الحسينية هى بعض منها.
وفى زمن الأفضل صارت دار برجوان دار الضيافة، وبقيت كذلك إلى آخر الدولة الفاطمية، ثم بنى الأفضل جامع الفيلة، ومسجد الرصد عند بركة الحبش، وكان محل هذا المسجد البقعة المعروفة بالرصد، وهو شرف يطل من غربيه على خطة راشدة، ومن قبليه على بركة الحبش - وهى أراضى قرية البساتين - يحسبه من يراه من جهة راشدة جبلا، وهو من شرقيه سهل يتوصل إليه من القرافة بغير صعود، وهو محاذ للشرف الذى كان من جملة العسكر، وهو الشرف الذى يعرف بالكبش.
وكان الجبل الذى بنى فوقه المسجد المتقدم ذكره يقال له قديما الجرف، ثم عرف بالرصد من أجل أن الأفضل جعل فوقه كرة لرصد الكواكب، فعرف من حينئذ بالرصد، وأولا جعلوها فوق سطح جامع الفيلة، ولما وجدوا المشرف لأول بروز الشمس مسدودا اتفقوا على نقل الآلات إلى المسجد الجيوشى مجاورا للأنطاكى المعروف أيضا بالرصد، وكان الأفضل بناه أحسن من جامع الفيلة ولم يكمل، فلما صار برسم الرصد كمل، فحضر الأفضل فى نقل الحلقة من جامع الفيلة إلى المسجد الجيوشى، ثم رصدوا الشمس بعد كلفة، فلما قتل الأفضل سنة خمس عشرة وخمسمائة، وتمت الوزارة للمأمون البطائحى، أحب أن يتمم جميع الأعمال، وأن يقال له الرصد المأمونى المصحح كما قيل للأول الرصد المأمونى الممتحن، فأخرج الأمر بنقل الرصد إلى باب النصر بالقاهرة، فنقل بعد إتعاب وعناء شديد، فلو أراد الله وبقى المأمون قليلا لكمل جميع رصد الكواكب، لكنه قبض عليه يوم السبت ثالث شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، وكان من جملة ما عدّ من ذنوبه عمل الرصد المذكور والاجتهاد فيه.
وقيل: أطمعته نفسه فى الخلافة، فسماه الرصد المأمونى، ونسبه إلى نفسه، ولم ينسبه إلى الخليفة الآمر بأحكام الله، فلما قبض عليه بطل، وأنكر الخليفة على عمله، فلم يجسر أحد أنه يذكره، وأمر بكسره، فكسر وحمل إلى المناخات.
وبالجملة فقد اعتنى الأفضل بالعمارة، وبنى المبانى الفاخرة، والمناظر الباهرة، وفى زمنه عملت البساتين الفائقة فى جهات متعددة فى ضواحى مصر، فكانت البساتين تحيط بالقاهرة من جميع جهاتها، وفى بعضها القصور والمناظر الفاخرة.
[المستعلى، والآمر]
وفى أيام وزارة الأفضل مات المستنصر، وتولى من بعده ابنه المستعلى بالله أبى القاسم أحمد، وكان القائم بالأمور كلها الأفضل. وفى زمن المستعلى انقطعت الخطبة للفاطميين من دمشق،
стр. 48
وخطب بها للعباسيين، وخرج الإفرنج من القسطنطينية لأخذ سواحل الشام وغيرها من أيدى المسلمين، فملكوا أنطاكية، وكان بينهم وبين عساكر مصر حروب كثيرة.
ولما مات المستعلى بالله تولى ابنه الآمر بأحكام الله أبو على المنصور، وهو طفل له من العمر خمس سنين وأشهر وأيام، وكان ذلك فى سنة تسعين وأربعمائة، وكان أمر الدولة إلى الأفضل ابن أمير الجيوش إلى أن قتل، فاستوزر بعده القائد أبا عبد الله محمد بن فاتك البطائحى، ولقبه بالمأمون، فقام بأمر الدولة إلى أن قبض عليه فى سنة تسع عشرة وخمسمائة، فتفرغ الأمر لنفسه، ولم يبق له ضد ولا مزاحم.
وكان كثير النزهة، محبا للمال والزينة، وكانت أيامه كلها لهوا، وعيشته راضية لكثرة عطائه وعطاء حواشيه، وكان أسمر شديد السمرة، يحفظ القرآن، ويكتب خطا ضعيفا.
[بستان الطواشى]
وهو الذى جدد رسوم الدولة، وأعاد إليها بهجتها بعد ما كان الأفضل أبطل ذلك، ونقل الدواوين والأسمطة من القصر بالقاهرة إلى دار الملك بمصر، وهو الذى أمر بانشاء المراكب والشوانى بصناعة مصر، وكانت المراكب إلى وقته تصنع بالجزيرة، وأضاف إلى الصناعة التى كانت فى الساحل من إنشاء الأمير أبى بكر محمد بن طغج الإخشيد دار الزبيب، وأنشأ بها منظرة لجلوس الخليفة، وكان بهذه الصناعة ديوان الجهاد، وفى زمن ابن طولون كان محلها دار خديجة بنت الفتح بن خاقان امرأة الأمير أحمد بن طولون، فلما زال ملك بنى طولون أخذها الأمير أبو محمد الإخشيد، وعملها دار صناعة.
وقد بقيت بعده مستعملة يجلس بها الملوك والسلاطين إلى سنة سبعمائة من الهجرة، فعملت بستانا، عرف ببستان ابن كيسان، ثم عرف بعد ببستان الطواشى. وكان ما بين هذه الصناعة والروضة بحرا، ثم تربى جرف عرف موضعه بالجرف، وأنشئ هناك بستان عرف ببستان الجرف، وقيل لهذا الجرف بين الزقاقين، وكان فيه عدة دور وحمامات وطواحين، ثم خرب فى سنة ستة وثمانمائة، وخرب بستان الجرف أيضا.
وإلى وقت المقريزى كان لبستان الطواشى بقية، وهو على يسرة من يريد مصر من المراغة، وبظاهره حوض ماء ترده الدواب، ومن وراء البستان كيمان فيها كنيسة للنصارى.
(قلت): ولم تزل الكنيسة باقية إلى الآن على يمين السالك إلى زين العابدين من الطريق الواقع تجاه قنطرة السد، وبستان الطواشى أيضا الآن، بعضه أرض خربة خلف التلال فى أيدى ورثة الشيخ على العدوى خادم السيدة زينب ﵂، والبعض فيه أماكن من خط السيدة
стр. 49
زينب أيضا، وبعضه التلول التى على يمين السالك من مصر العتيقة إلى السيدة زينب، كما أن على يساره موضع بستان الجرف، وفيه الآن المنازل والأزقة الموجودة بخط السيدة زينب ﵂ شرقى الخليج. وفى موضع الحوض المتقدم ذكره زاوية الحبيبى الموجودة الآن.
[العمارة فى عهد الآمر]
وفى أيام الخليفة الآمر بأحكام الله ملك الإفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل الشام، فملكت عكا وغزة وطرابلس وبانياس وجبيل وغيرها من البلاد. ومع ذلك كانت أحوال مصر رائجة، والعمارة فى مصر والقاهرة فى ازدياد، لا سيما فى وزارة البطائحى، فهو الذى أعاد بركة الأزبكية، وجعل بها الماء بعد حفرها وتعميقها، وسميت من وقتئذ بركة بطن البقرة. وبنى دار الذهب بخط بين السورين، وكانت مطلة على الخليج، وبنى له دارا تجاه خزانة الدرق، وهى التى جعلها يوسف صلاح الدين مدرسة عرفت بالمدرسة السيوفية - كما فى الخطط، وبعضها الآن جامع الشيخ مطهر من شرق.
وأعاد فى زمنه سكنى الخليفة بمنظرة اللؤلؤة، وعمّرها، وعمّر منظرة الغزالة على الخليج، وبنى للمصامدة (وهى فرقة من العساكر الفاطميين) خارج باب زويلة حارة عرفت بحارة المصامدة، والآن تعرف بحارة درب الأغوات.
وعمرت الناس البيوت فى الشارع الأعظم، حتى صارت مصر والقاهرة لا يتخللهما خراب، وبنى الناس من الباب الحديد حيث درب الدالى حسين إلى باب الصفا حيث كوم الجارح، ولما بنى الصالح طلائع جامعه كان خط الدرب الأحمر وما بعده إلى القلعة خرابا جميعه لا بناء فيه إلى ما بعد سنة خمسمائة، ثم صارت الناس يقبرون موتاهم من خلفه إلى جامع ابن طولون.
وفى زمن الآمر بأحكام الله بنى الجامع الأقمر، وبنى دار الضرب التى محلها الآن فى أول حارة الصنادقية على يمين السالك إلى الأزهر، وبنى فى جزيرة الروضة الهودج، وأسكن به محبوبته البدوية.
وبنى المأمون البطائحى أيضا دار العلم الجديدة خارج القصر، واليوم محلها وكالة سليمان أغا السلاحدار الكبيرة التى تجاه خان الخليلى. واستجد أيضا بالمناخ السعيد طواحين برسم الرواتب، وموضعها الآن صدر حارة المبيضة، وما وراء ذلك من حارة العطوفية، وبنى فوق أبواب القصر مناظر: إحداها فوق باب الذهب، كان يجلس بها الخليفة لعرض الجيوش، وكانت تسمى الزاهرة، واثنتان من داخل القصر، وهما الفاخرة، والناضرة.
стр. 50
[انهيار الدولة الفاطمية]
ولما قتل الآمر بأحكام الله أقام برغش وهزار الملوك الأمير أبا الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبى القاسم محمد بن المستنصر بالله فى دست الخلافة، ولقباه بالحافظ لدين الله، وأنه يكون كفيلا لمنتظر فى بطن أمه من أولاد الآمر. وكان عبد المجيد قد ولد بعسقلان سنة سبع، - وقيل ثمان - وتسعين وأربعمائة لما أخرج المستنصر ابنه أبا القاسم مع بقية أولاده فى أيام الشدة، فلذلك كان يقال له فى أيام الآمر بأحكام الله (الأمير عبد المجيد العسقلانى ابن عم مولانا)، فلما أفضى إليه الأمر على ما ذكر، استقر هزار الملوك - المقدم ذكره - فى الوزارة إلى أن قام العسكر ونهبوا شوارع القاهرة، وقتلوا الوزير هزار الملوك، وولوا عوضه أبا على ابن الأفضل، وذلك كله فى يوم واحد.
واستبد أبو على بالوزارة، فقبض على الحافظ، وحبسه مقيدا، فاستمر إلى أن قتل أبو على سنة ست وعشرين وخمسمائة، فأخرج من معتقله، وأخذ له العهد على أنه ولى عهد كفيل لمن يذكر اسمه. فاتخذ الحافظ هذا اليوم عيدا سماه عيد النصر، وصار يعمل كل سنة.
ونهبت القاهرة يومئذ، وقام يانس صاحب الباب بالوزارة، إلى أن هلك بعد تسعة أشهر فلم يستوزر الحافظ بعده أحدا، وتولى الأمور بنفسه إلى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، فأقام ابنه سليمان ولى عهده مقام وزير، فلم تطل أيامه سوى شهرين ومات، فجعل مكانه ابن حيدرة، فحنق ابنه حسن، وسار بالفتنة، وانتهى أمره بالقتل.
فلما قتل حسن قام بهرام الأرمنى، وأخذ الوزارة سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وكان نصرانيا، فاشتد ضرر المسلمين من النصارى، وكثرت أذيتهم، فسار رضوان بن ولخشى، وهو يومئذ متولى الغربية، وجمع الناس لحرب بهرام، وسار إلى القاهرة فانهزم بهرام، ودخل رضوان القاهرة، واستولى على الوزارة سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، فأوقع بالنصارى وأذلّهم، فشكره الناس على ذلك، إلا أنه كان خفيفا عجولا، فأخذ فى إهانة حواشى الخليفة وهمّ بخلعه، وقال: ما هو بإمام وإنما هو كفيل لغيره، وذلك الغير لم يصح، فتوحش الحافظ منه، ولم يزل يدبر عليه، حتى ثارت فتنة انهزم فيها رضوان، وخرج إلى الشام فجمع جماعة، وعاد سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، فجهز الحافظ له العساكر لمحاربته، فقاتلهم وانهزم منهم إلى الصعيد، فقبض عليه، واعتقل، فلم يستوزر الحافظ بعده أحدا.
وفى سنة اثنتين وأربعين خلص رضوان بالهرب من معتقله بالقصر، وخرج من نقب، وثار بجماعة، وكانت فتنة آلت إلى قتله.
стр. 51
وهكذا كانت الفتن تتكرر، حتى مات فى إحداها الحافظ سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
وفى أيامه بنى الوزير يانس الحارة اليانسية لعساكره، خارج باب زويلة.
[الظافر والفائز]
وولى الخلافة بعد الحافظ ابنه الظافر بأمر الله أبو منصور إسماعيل، فأقام أربع سنين، وبعض الخامسة ثم قتل، وكان محكوما عليه من الوزارة، وفى أيامه أخذت عسقلان، وظهر الخلل فى الدولة وكان كثير اللهو واللعب، وهو الذى أنشأ الجامع الأفخر، الذى عرف بالظافرى ويجامع الفاكهيين، ويعرف الآن بجامع الفاكهانى فى شارع العقّادين.
ولما قتل الظافر ولى الخلافة بعده ابنه الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى الفائز، وبنى المسجد الحسينى داخل باب الديلم من أبواب القصر لما نقل الوزير الصالح طلائع ابن رزيك الرأس الشريف من مسجد عسقلان ودخل به القاهرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ووضعه بمكان من البستان الكافورى، ثم نقله إلى المشهد. وكان المرور بالرأس الشريف من السرداب المتصل بالقصر والبستان الكافورى، وكان دفنه بموضعه الآن.
وبنى أيضا جامع الصالح طلائع خارج باب زويلة، لجعله مدفنا للرأس الشريف، فلم يمكنه أهل القصر من ذلك، وحدثت حارة الصالحية.
[النزاع بين شاور وشيركوه]
ولما مات الفائز أقام الصالح بن رزيك فى الخلافة بعده العاضد لدين الله، وكان عمره إحدى عشرة سنة، وقام الصالح بتدبير الأمور إلى أن قتل فى رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة، فقام من بعده ابنه رزيك بن طلائع، وحسنت سيرته، فعزل شاور بن مجير السعدى عن ولاية قوص، فلم يقبل العزل، وحشد، وسار على طريق الواحات فى البرية إلى تروجه (وهى بلدة قديمة بمديرية البحيرة صارت الآن خرابا)، فجمع الناس وسار إلى القاهرة، فلم يلبث رزيك أن فرّ، فقبض عليه بإطفيح، واستقر شاور بن مجير السعدى فى الوزارة، إلى أوائل صفر سنة تسع وخمسين وخمسمائة، والخليفة يومئذ العاضد لدين الله عبد الله بن يوسف اسم لا معنى له. وتلقب شاور بأمير الجيوش، وأخذ أموال بنى رزيك، وأقام فى الوزارة إلى أن ثار ضرغام صاحب الباب، ففرّ منه شاور إلى الشام، واستبدّ ضرغام بسلطنة مصر.
فكان بمصر فى هذه السنة ثلاثة وزراءهم: العادل رزيك بن طلائع بن رزيك، وشاور ابن مجير السعدى، وضرغام. فأساء ضرغام السيرة، وقتل أمراء الدولة، فضعفت يسبب
стр. 52
ذهاب أكابرها، فقدم الإفرنج وحاربوا مدينة بلبيس مدة، ودافعهم المسلمون عدة مرار، حتى عادوا إلى بلادهم بالساحل، ورجع العسكر إلى القاهرة، وقتل منهم كثير، ثم إن شاور استنجد بالسلطان نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام، فأنجده وبعث معه عسكرا كثيرا فى جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقدم عليه أسد الدين شيركوه على أنه يكون لنور الدين، إذا عاد شاور لمنصب الوزارة، ثلث خراج مصر، بعد إقطاعات العساكر، وأنه يكون شيركوه عنده بعساكره فى مصر، ولا ينصرف إلا بأمر نور الدين.
ووصل بعساكر الشام فحاربه ضرغام على بلبيس بعساكر مصر مرارا، وانهزموا فى آخرها، وغنم شاور ومن معه سائر ما خرجوا به، وكان شيئا جليلا، فسروا بذلك، وساروا إلى القاهرة، ونزل بمن معه عند التاج، وهى أرض إبراهيم باشا أدهم بالمهمشة، وحصلت وقعة بين الفريقين فى أرض الطبالة، وهى أرض الفجالة، ثم انتقل شاور إلى المقس - عند أولاد عنان، فحاربه أهل القاهرة، فانهزم، وقام على بركة الحبش، وهى أرض قرية البساتين، واستولى على مدينة مصر، فمال الناس إليه، وانحرفوا عن ضرغام، فقام شاور، ونزل باللوق، وكانت حروب آلت إلى إحراق الدور من باب سعادة إلى باب القنطرة، ثم كانت بين الفريقين حروب أيضا آلت إلى هزيمة ضرغام وقتله فى شهر رمضان منها، فاستولى شاور على الوزارة مرة ثانية، واختلف مع الغز القادمين معه من الشام، وكانت له معهم حروب، واحترق وجه الخليج خارج القاهرة بأسره، وقطعة من حارة زويلة.
وبعث شاور إلى مرى ملك الإفرنج يستدعيه إلى القاهرة، ليعينه على محاربة شيركوه ومن معه من الغز، فحضر، وقد سار شيركوه إلى مدينة بلبيس، وترك حصار القاهرة، فخرج شاور من القاهرة ونزل هو ومرى على بلبيس، وحاصرا شيركوه ثلاثة أشهر، وبلغ ذلك نور الدين، فأغار على ما قرب من بلاد الإفرنج، وأخذها من أيديهم، فخافوه، ووقع بينهم الصلح، فسار شيركوه بالغز إلى الشام، ورحل الإفرنج.
وعاد شاور إلى القاهرة سنة ستين وخمسمائة، فلم يزل إلى أن قدم شيركوه من الشام بالعساكر مرة ثانية يريد أخذ مصر، فخرج شاور من القاهرة إلى لقائه، واستدعى مرى ملك الإفرنج، فسار شيركوه على الشرق، وخرج من إطفيح وقصد بلاد الصعيد، فسار إليه شاور بالإفرنج، وكانت له معه وقعة عظيمة، فسار شيركوه بعد الوقعة من الأشمونين وأخذ الإسكندرية وعاد شاور إلى القاهرة، وخرج شيركوه من الإسكندرية بعد أن استخلف عليها ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب.
стр. 53
ولم يزل يسير من الإسكندرية إلى قوص وهو يجبى البلاد، فخرج شاور من القاهرة بالإفرنج ونازل الإسكندرية، فبلغ شيركوه ذلك فعاد من قوص إلى القاهرة وحاصرها، ثم كانت أمور آلت إلى مسير شيركوه وأصحابه من أرض مصر إلى الشام فى شوال وقد طمع الإفرنج فى البلاد، واستلموا أسوار القاهرة، وأقاموا فيها شحنة معه عدة من الإفرنج لمقاسمة المسلمين ما يتحصل من مال البلد، والذى تقرر لهم فى كل سنة مائة ألف دينار.
[استيلاء الإفرنج على القاهرة]
وفحش أمر شاور وساءت سيرته، وكثر تجرؤه على الدماء، وإتلافه للأموال، فلما كانت سنة أربع وستين وخمسمائة قوى تمكن الإفرنج من القاهرة، وجاروا فى حكمهم بها، وأهانوا المسلمين بأنواع الإهانة، وتيقنوا عجز الدولة عن مقاومتهم، فسار مرى يريد أخذ القاهرة، ونزل على مدينة بلبيس وأخذها عنوة، وسبى أهلها، وقصد القاهرة، فكتب العاضد إلى نور الدين محمود بن زنكى يستصرخه، ويحثه على نجدة الإسلام، وإنقاذ المسلمين من الإفرنج وجعل فى كتبه شعور نسائه وبناته.
فجهز أسد الدين شيركوه فى عسكر كثير، وجهّزهم وسيّرهم إلى مصر. وكانت عسكر الإفرنج قصدت النزول على بركة الحبش، وقد انضم الناس من الأعمال إلى القاهرة، فنادى شاور بمصر إنه لا يقيم بها أحد، وأزعج الناس فى النقلة منها، فتركوا أموالهم وأثقالهم، ونجوا بأنفسهم وأولادهم. وقد ماج الناس واضطربوا، فكأنما خرجوا من قبورهم إلى المحشر لا يعبأ والد بولده، ولا يلتفت أخ لأخيه. وبلغ كراء الدابة من مصر إلى القاهرة بضعة عشر دينارا، وكراء الجمل ثلاثين دينارا. ونزلوا بالقاهرة فى المساجد والحمامات والأزقة، وعلى الطرقات مطروحين بعيالهم وأولادهم، وقد سلبوا سائر أموالهم ينتظرون هجوم العدو على القاهرة بالسيف، كما فعل بمدينة بلبيس.
وبعث شاور بعشرين ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل نار فرّق ذلك فيها، فارتفع لهيب النار ودخان الحريق إلى السماء، فصار منظرا هائلا، فاستمرت النار تأتى على مساكن مصر من اليوم التاسع والعشرين من صفر لتمام أربعة وخمسين يوما، والنهاية من العبيد ورجال الأسطول وغيرهم بهذه المنازل فى طلب الخبايا.
[تولى صلاح الدين الوزارة]
ورحل مرى ونزل بباب البرقية، وهو باب الغريب، وقاتل أهلها قتالا شديدا، حتى كاد يأخذها عنوة، فسار إليه شاور، وخادعه حتى رضى بمال يجمعه له، فشرع فى جبايته، وإذا بالخبر ورد بقدوم شيركوه، فرحل الإفرنج عن القاهرة.
стр. 54
ونزل شيركوه على القاهرة بالغز ثالث مرة، فخلع عليه العاضد وأكرمه، وأخذ شاور يفتك بالغز على عادته، فقتلوه، وتقلد شيركوه وزارة العاضد، وقام بالدولة شهرين وخمسة أيام ومات، ففوض العاضد الوزارة لصلاح الدين يوسف بن أيوب، فأمر باحضار أعيان أهل مصر الذين رحلوا عن ديارهم فى الفتنة، وساروا إلى القاهرة، وأمرهم بالعودة، فنودى فى الناس بالرجوع إلى مصر، فتراجع الناس قليلا، وعمروا حول الجامع، ولكن لم تكمل العمارة، ولم تطل المدة، وتوالت المحن والشدائد، إلى أن كانت المحنة من الغلاء والوباء، فى سلطنة الملك العادل أبى بكر محمد بن أيوب سنة خمس وستين وخمسمائة، فخرب من مصر جانب كبير، ثم تحايا الناس، وأكثروا من العمارة بجانب مصر الغربى على شاطئ النيل، لما عمر الملك الصالح نجم الدين قلعة الروضة.
وفى سلطنة الملك العادل كتبغا سنة ست وتسعين وستمائة خرب كثير من مساكن مصر بسبب الوباء الذى حصل، ثم تراجع الناس بعد سنة تسعة وأربعين وسبعمائة، ثم حدث الفناء الكبير، فخربت أكثر المنازل، ثم تحايا الناس إلى سنة ستة وسبعين وسبعمائة، فشرقت بلاد مصر، وحصل الوباء بعد الغلاء، فخرب أكثر العامر إلى سنة تسعين وسبعمائة، فعظم الخراب، وشرع الناس فى هدم الدور، حتى صارت تلالا كما ترى.
وأما القاهرة المحروسة، فإنها وإن كانت بخراب الفسطاط قد نمت فيها العمارة، واتسعت دائرتها بانتقال من انتقل إليها ممن كان بالفسطاط وغيرها، إلا أنها حصل فيها كثير من التقلبات السياسية والتغيرات الدولية بتعاقب الملوك، وتداول الدول، كما سيذكره، فإن صلاح الدين من حين أخذ بزمام الأحكام وإدارة الأمور أخذ يدبر فى إزالة الدولة الفاطمية والتمهيد للدولة الكردية والخلافة العباسية، فبذل الأموال، وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال، فلم يزل أمره فى ازدياد وأمر العاضد فى نقصان، وصار يخطب بعد العاضد للسلطان نور الدين محمود، وأقطع أصحابه البلاد، وأبعد أهل مصر وأضعفهم، واستبد بالأمور، ومنع العاضد من التصرف، حتى تبين للناس ما يريده من إزالة الدولة، فقامت عبيد الدولة عليه، فهزمهم وأبادهم وأفناهم.
ومن حينئذ تلاشى العاضد واضمحل أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره فى الخطبة.
[وقعة العبيد مع الغز وانتهاء حكم الفاطميين]
ولوقعة العبيد هذه خبر طويل ذكره فى الخطط، وملخصه أن مؤتمن الخلافة جوهرا أحد الأستاذين المحنكين بالقصر تحدث فى إزالة صلاح الدين يوسف بن أيوب من وزارة
стр. 55
الخليفة العاضد لدين الله عند ما ضيق على أهل القصر وشدّد عليهم واستبدّ بأمور الدولة، وأضعف جانب الخلافة، وقبض على أكابر الدولة، فصار مع جوهر عدة من الأمراء المصريين والجند، واتفق رأيهم على أن يبعثوا إلى الإفرنج ببلاد الساحل يستدعونهم إلى القاهرة، حتى إذا خرج صلاح الدين لقتالهم بعسكره ثاروا عليه وهم بالقاهرة، واجتمعوا مع الإفرنج على إخراجه من مصر، ووقف صلاح الدين على هذا الخبر، فخاف مؤتمن الخلافة ولزم القصر، وامتنع من الخروج منه، فأعرض صلاح الدين عن ذلك جملة، وطال الأمر، فظن الخصى أنه قد أهمل أمره، فصار يخرج من القصر، وكانت له منظرة بناحية الخرقانية فى بستان، فخرج إليها فى جماعة، وبلغ ذلك صلاح الدين، فأنهض إليه عدة هجموا عليه، وقتلوه، واجتزوا رأسه، وأتوا بها إلى صلاح الدين.
واشتهر ذلك بالقاهرة وأشيع، فغضب العسكر المصريون، وثاروا بأجمعهم فى سادس عشر ذى القعدة سنة أربع وستين وخمسمائة، وقد انضم إليهم عالم عظيم من الأمراء والعامة، حتى صاروا ما ينيف على خمسين ألفا، وساروا إلى دار الوزارة، وفيها يومئذ صلاح الدين، وقد استعدوا بالأسلحة، فبادر شمس الدولة فخر الدين توران شاه أخو صلاح الدين وخرج فى عساكر الغز، وركب صلاح الدين، وقد اجتمع إليه طوائف من أهله وأقاربه، وجمع الغز ورتّبهم، ووقع بينهم وبين العبيد وقعة بين القصرين، وكادت الهزيمة تكون على الغز لولا أن ثبت صلاح الدين وأخوه، وقصد حرق المنظرة التى بها الخليفة لميل أهل القصر للعبيد، ومساعدة الخليفة لهم، فعند ذلك خاف الخليفة، وفتح باب المنظرة زعيم الخلافة أحد الأستاذين، وقال بصوت عال: أمير المؤمنين يسلم على شمس الدولة، ويقول: دونكم والعبيد الكلاب، أخرجوهم من بلادكم.
فلما سمع السودان ذلك ضعفت قلوبهم، ووضع الغز فيهم السيف، فقتل منهم الكثير، وانهزموا إلى السيوفيين بقرب الغورية. وهناك قتل منهم العدد الوافر، كلما دخلوا مكانا حرقوه عليهم، وهكذا حتى صاروا إلى باب زويلة، فوجدوه مقفلا، فلم يجدوا مخلصا، ووقع فيهم القتل من كل ناحية، وطلبوا الأمان، فأمّنهم صلاح الدين، وفتح الباب، فخرجوا إلى الجيزة، واقتفى أثرهم حتى أفناهم عن آخرهم.
وتمكن بعد ذلك صلاح الدين من الديار المصرية، وصار هو الحاكم المستبد، يفعل ما يشاء، وصار يوالى الطلب من العاضد فى كل يوم ليضعفه، حتى أتى على المال والخيل والرقيق وغير ذلك. ولم يبق عند العاضد غير فرس واحد، فطلبه منه، وألجأه إلى إرساله، وأبطل ركوبه من ذلك الوقت، وصار لا يخرج من قصره البتة.
стр. 56
وتتبع صلاح الدين جند العاضد، وأخذ دور الأمراء وإقطاعاتهم، فوهبها لأصحابه، وبعث إلى أبيه وإخوته وأهله، فقدموا إليه من الشام.
[عزل قضاة الشيعة وخلع العاضد]
فلما كان فى سنة ست وستين وخمسمائة أبطل المكوس من ديار مصر، وهدم دار المعونة بمصر، وعمرها مدرسة للشافعية، وأنشأ مدرسة أخرى للمالكية، وعزل قضاة مصر الشيعية وقلد القضاء صدر الدين عبد الملك بن درباس الشافعى، وجعل إليه الحكم فى إقليم مصر كله، فعزل سائر القضاة، واستناب قضاة شافعية، وعمل بمقتضى مذهبه، وهو امتناع إقامة خطبتين للجمعة فى بلد واحد، كما هو مذهب الإمام الشافعى ﵁، فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر، وأقرها بالجامع الحاكمى من أجل أنه أوسع. فلم يزل الجامع الأزهر معطلا من إقامة الجمعة فيه مائة عام، من حين استولى السلطان صلاح الدين إلى أن أعيدت الخطبة فى أيام السلطان الظاهر بيبرس.
وبعزل قضاة الشيعة اختفى مذهبهم، وتظاهر الناس بمذهب مالك والشافعى، وأخذ صلاح الدين فى غزو الإفرنج، وعاد منصورا، وعمر سور الإسكندرية، وسيّر توران شاه إلى الصعيد، فأوقع بأهل الصعيد، وأخذ منهم ما لا يمكن وصفه كثرة وعاد. فكثر القول من صلاح الدين وأصحابه فى ذم العاضد، وتحدثوا بخلعه، وإقامة الدعوة العباسية بالقاهرة ومصر، ثم قبض على سائر من بقى من أمراء الدولة، وأنزل أصحابه فى دورهم فى ليلة واحدة، فأصبح فى البلد من العويل والبكاء ما يذهل العقول، وحكم أصحابه فى البلد، وأخرج إقطاعات سائر المصريين لأصحابه، وقبض على بلاد العاضد، ومنع عنه سائر مواده.
وقبض على القصور، وسلمها إلى الطواشى بهاء الدين قراقوش الأسدى، وجعل له زماماتها، فضيق على أهل القصر، وصار العاضد معتقلا تحت يده، وأبطل من الأذان «حى على خير العمل»، وأزال شعار الدولة، وقطع الخطبة للعاضد. فمرض العاضد ومات، وعمره إحدى وعشرون سنة إلا عشرة أيام فى ليلة عاشوراء سنة سبع وستين وخمسمائة بعد قطع اسمه من الخطبة، والدعاء للمستنجد العباسى بثلاثة أيام. ويقال: إن اسمه إنما قطع من الخطبه بعد موته.
وكان العاضد كريما، لين الجانب مرت به مخاوف وشدائد وفتن، آلت إلى انقراض ملكه، وانقرضت دولة الفاطمية بانقراضه.
стр. 57
[تخطيط القاهرة وعمائرها فى عهد الدولة الفاطمية]
ومما تلى عليك من أخبار تلك الدولة، تعلم أن القاهرة فى مدة خلافة الفاطميين التى هى عبارة عن مائتى سنة وثمان سنين، كانت تتسع فى مدة كل خليفة بما يستجد داخلها وخارجها من المبانى الباهرة، والبساتين المزهرة، والقصور المشيدة، والمناظر البديعة، حتى بلغ أول العمران المطرية، وآخره دير الطين، بحيث لا ترى فاصلا بين البساتين والمدينة والعمائر، بل كان يظهر للناظر أن الكل مدينة واحدة، فكان من يذهب من المطرية إلى دير الطين لم يزل بين قصور عامرة، وبساتين مزهرة، وحدائق باهرة، تدهش الناظر، وتشرح الخاطر.
والنيل من بعد عن يمينه غربى تلك الأماكن، والجبل عن شماله مطلا، كالمتفرج على جمال تلك المحاسن، إلا أنه مفصول عنها بفضاء واسع، أحدثت فيه بعد ذلك قرافة المجاورين، وما قاربها.
وبالتفصيل كان الذاهب بعد أن يفارق عين شمس - وهى المطرية - يمر بقرية الخندق - وهى ناحية سيدى الدمرداش ﵁ ويرى وسط البساتين قرية كوم الريش - غربيها محل الزاوية الحمراء الآن -، ثم يكون بين البساتين السلطانية، والمناظر الجليلة الأميرية، إلى أن يصل إلى الميدان الكبير المعد لعرض العساكر التى تسافر إلى الجهاد أمام بابى النصر والفتوح - محل المقابر المجاورة للشيخ يونس ﵁، وما حوله من التلال الآن - وبه يتصل سور البلد، فمتى وصل السور سار بطول الخليج، ورأى عن يمينه بالساحل الشرقى للنيل قرية أم دنين، وإلى جانبها دار الصناعة وقصر الخلفاء، المعد لجلوسهم عند سفر الأسطول. وبعد ذلك من الجهة القبلية بستان الدكة وقصرها على النيل أيضا، وهو الذى كان يجلس فيه الخليفة عند عوده من كسر جسر الخليج كل عام، وبستان المقس، وغيرها من البساتين المعجبة إلى ساحل النيل، يتخللها قصور ومناظر تروق حسنا وجمالا وبهجة وكمالا. وعن شماله منظرة اللؤلؤة، محل مسجد الإمام الشعرانى والبستان الكافورى والميدان الكافورى، وعدة قصور ومناظر تشرف عليهما وعلى الخليج، يرى النيل من بعد، وإذا حاذى باب زويلة وجد عن شماله بالساحل الشرقى للخليج بركة الفيل، محيطا بها عدة بساتين ومبان، وعن يمينه بالساحل الغربى للخليج بستان الزهرى، ويمتد من بستان العدة إلى قنطرة السباع، وتمتد البركة والبساتين المحيطة بها من باب زويلة إلى قلعة الكبش إلى خط السيدة زينب وإلى السيدة نفيسة ﵄. وقد حكّر كل ذلك فيما بعد، وصار حارات، كما ترى.
стр. 58
ومتى قطع تلك الأماكن، ووصل إلى خط السيدة زينب ﵂، رأى عن شماله منازل العسكر، ومناظر الكبش، وجبل يشكر مطلة على بركة الفيل وبركة البغّالة، وكانت من بركة الفيل وحولها البساتين تحت الكبش، ومحل كل ما ذكر هو المبانى الموجودة فى خط السيدة زينب ﵂، والتلال الموجودة الآن بعد باب السد. ويرى من بعد قبة الهواء محل القلعة، ومن تحتها ميدان ابن طولون، وبستانا محل الرميلة متصلا بالقطائع، وعن يمينه ما على ساحل النيل من البساتين.
ومتى قطع منازل العسكر، ووصل إلى قرب محل جنينة السادات الآن - الكائنة بطريق مصر العتيقة - رأى الفسطاط تشرف على النيل، وأمامها جزيرة الروضة المسماة الآن بالمنيل، وبها من القصور والبساتين ما لا يحصى كثرة، ولا يوصف حسنا، وخلفها النيل.
وقبلى الفسطاط بركة الحبش، وحولها البساتين المطلة على النيل.
وشرقى الفسطاط القرافة الكبرى - محل الحوش المعروف الآن بحوش أبى على بالقرب من قرية البساتين - والقرافة الصغرى - محل الإمامين - متصلتين بالجبل حيث زاوية السادات الوفائية. وكان بمحل القرافتين من القصور الفخيمة، والمساجد العظيمة، والخوانق الجليلة، ما يذهب الكدر، ويجلو النظر. وقد أسهب المقريزى فى وصف ذلك، ووصف ما كان يصنع هنالك من البرّ والخير والصدقات والإحسان فى أيام عيّنها، وليال بيّنها، فكان المتردد فى هذه المسافة البعيدة الأطراف، لا يرى إلا ما يلذ الفؤاد، ويزيل الغموم، وينفى الأنكاد، إلا أنه لما تطرّق الخلل إلى سياستهم الداخلية والخارجية حين أخذت أمورهم فى الانحلال ودولتهم فى الاختلال تغيرت تلك الأحوال، ولم تزل الحوادث تتوالى فى أيامهم الأخيرة، ثم فى أيام من بعدهم، تارة بالصلاح وتارة بالفساد، إلى أن ألحت الحوادث وتوالت المحن، حتى غيرت تلك الوجوه الحسان، وغيرت ما كان من الحسن والإحسان، وأزالت رونقها جملة، وردت ما كان لتلك المنازل من الجمال والكمال، إلا ما ترى من أطلال بالية وتلال، وما كان لها من بهجة وحسن انتظام إلى ما تشاهد من الخراب العام.
ومع تنقل الأحوال، وتغير الدول، وقصور همم أربابها، استقر الخراب مكان العمارة، وسكنت الوحشة محل الأنس، واعتاضت التلال بدل البساتين، والخوف بدل التأمين، كما بينا ذلك فى محله من هذا الكتاب.
стр. 59
[ازدياد العمارة ووفرة الأرزاق فى عهد الفاطميين]
ومن يتأمل مدة كل خليفة وأعماله يرى أن همة أغلبهم كانت متجهة إلى اتساع دائرة العمارة واليسار، وبسبب اتساع ملكهم، وعظم سطوتهم واستقلالهم، وعدم تبعيتهم لغيرهم، وكون القاهرة كرسى ملكهم، كانت القاهرة مقصد التجارة من جميع أطراف المملكة، ومقر الصنائع والمعارف، فأخذت بها التجارة والعلوم غاية لم تكن لها من قبل، ولا حصلت لها من بعد إلى زماننا. واتسعت بسبب ما ذكر أيضا أرزاق أهلها، وزادت ثروتهم، وما من أحد من الخلفاء إلا وصرف الأموال الجمة فيما به ازدياد العمارة، وبذل الجهد فى التوسعة على الفقراء، حتى إنهم كانوا يجلبون من اشتهر ذكره وعلا صيته فى صناعتى البناء والتصوير فى أقاصى الأرض، فكانت مبانيهم من أتقن المبانى، والباقى منها إلى الآن يدل على علو قدرهم، كأبواب زويلة، والفتوح، والنصر، ومسجد الحاكم، والأنور، وغير ذلك.
ولم تقتصر هممهم على ما ذكر، بل وسعوا دائرة السخاء والكرم، حتى عم برّهم وإحسانهم طبقات الناس، من غنى وفقير، من قاص ودان، خصوصا فى أيام مواسمهم وأعيادهم، وخروجهم للنزهة فى فصول تعودوها، وكذا أيام مراكبهم ومواكبهم.
وكان لهم احتفال زائد بأول السنة، وآخرها، وأيام الصوم، وعيدى الفطر والأضحى، وعاشوراء، إلى غير ذلك، مما أطال المقريزى فى بيانه، فذكر ما كان يفرّق فى تلك المواسم من الكساوى الغالية، والنقود الوافرة، وأنواع الحلوى وغيرها، حتى إن من قال إن برّهم كان يعم المدينة، بل وما قاربها لا يكذب، وكانت أمراؤهم تحذو حذوهم، وتسير سيرهم، وكانت طباعهم تسرى فى طباع الغير، حتى صار الكرم سجية، والمروءة عادة فى أهل القطر.
فلما زالت دولتهم بدولة الأيوبية الأكراد تغيرت تلك الطباع، وتلونت بلون طباعهم، حتى فى المأكل والمشرب والملبس. ولم تزل تتلون بتلون القوة الحاكمة، حتى صارت إلى ما ترى مما سيتلى عليك بعضه فى هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
стр. 60
ما صارت إليه القاهرة بعد الفاطميين
ما زالت الدولة الفاطمية حتى استقرت بمصر الدولة الأيوبية التى هى دولة الأكراد، وتولى الملك منهم بمصر ثمانية: أولهم السلطان الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب جلس على دست ملكها أول سنة سبع وستين وخمسمائة وآخرهم السلطان المعظم توران شاه كان آخر مدته فى الملك سنة ثمان وأربعين وستمائة. فمدة ملكهم اثنتان وثمانون سنة، منها للسلطان صلاح الدين اثنتان وعشرون سنة.
مطلب جلوس السلطان صلاح الدين على دست المملكة
ومن أول جلوسه على تختها، لم يأل جهدا فى العمائر والإصلاحات هو وخلفاؤه، مع قيام الحروب على قدم وساق بين المسلمين والنصارى، فى سواحل الشام، فإنه لما استقر على سرير المملكة، وأزال شعار الفاطميين، جدّ فى العمارات، خصوصا فى مصر والقاهرة، فأحدث فيهما عمارات جليلة أوجبت اتساعهما، وزيادة اعتبارهما، وأباح سكنى القاهرة للخاص والعام، فزادت فى الاتساع، وهدم حارات العبيد اللاتى فى موضعها اليوم الداوودية والقربية، وجعلها بستانا.
[بناء قلعة الجبل]
وبنى قلعة الجبل، لتكون له معقلا وحصنا يعتصم به من أعدائه، فإنه كان يحذر من شيعة الفاطمية، فاختار لها المحل الذى بنيت فيه، وأقام على عمارتها الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، فشرع فى بنائها، وبنى سور القاهرة فى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وهدم ما هنالك من المساجد، وأزال القبور، وهدم الأهرام الصغار التى كانت بالجيزة تجاه مصر، وكانت كثيرة العدد، ونقل حجارتها، وبنى بها السور والقلعة، وبنى قناطر الجيزة، لأجل سهولة نقل تلك الأحجار عليها. وقصد صلاح الدين أن يكون السور محيطا بالقاهرة والقلعة ومصر، فمات قبل أن يتم ذلك، فأهمل العمل إلى أن كانت سلطنة الملك الكامل محمد
стр. 61
ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب، فأتمها. ويقال إن قراقوش كان يستعمل فى بناء القلعة والسور خمسين ألف أسير.
[بئر القلعة]
والبئر المعروف بالحلزون الموجودة بالقلعة هى من عمل قراقوش المذكور فى أيام صلاح الدين، عملت لأجل وجود الماء فى داخل القلعة بواسطتها إذا حصل لها حصار من عدو. قال ابن عبد الظاهر: هذه البئر من عجائب الأبنية، تدور البقر من أعلاها، فتنقل الماء من نقالة فى وسطها، وتدور البقر فى وسطها تنقل الماء من أسفلها، ولها طريق إلى الماء ينزل البقر إلى معينها فى مجار. وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء. وقيل:
إن أرضها مسامتة أرض بركة الفيل، وماؤها عذب.
وذكر القاضى ناصر الدين شافع بن على فى كتاب «عجائب البنيان»: أنه ينزل إلى هذه البئر بدرج نحو ثلثمائة درجة، والمشاهد أنه ينزل إليها بمزلقان، ولم يكن هناك درج.
وبئر يوسف المذكورة عبارة عن بئرين فوق بعضهما والماء بعد طلوعه من البئر الأسفل ينصب فى البئر الثانية، والمستعمل فى نقله سواقى القواديس. وارتفاع البئر الأعلى من ابتداء أرض القلعة إلى قاعها خمسون مترا وثلاثة أعشار متر، وعمق البئر الأسفل أربعون مترا وثلاثة أعشار متر، فيكون مجموع الارتفاع من أرض القلعة إلى قاع البئر الأسفل تسعين مترا وستة أعشار متر، وهو عبارة عن مائتين وتسع وسبعين قدما، وجميعه نقر فى الحجر.
وزمن صعود القادوس بعد ملئه من ماء البئر إلى سطح الأرض أربع دقائق وثلث، والزمن الذى يمضى فى سقوط حجر من أعلى إلى قاع البئر خمس ثوان، ودرجة حرارة ماء البئر مساوية لدرجة الحرارة المتوسطة السنوية فى مدينة القاهرة، وأقل بأربع درجات ونصف من درجة حرارة ارتفاع قاع بئر الأهرام. ومستوى ماء بئر يوسف تحت مستوى تحاريق النيل.
وماؤها به ملوحة قليلة.
[عمارات صلاح الدين وبعض أعماله]
وعمل صلاح الدين أيضا مارستانا بالقاهرة فى محل خزانة البنود، وكانت من أشنع الحبوس فى أيام الفاطمية.
وعمل أيضا الخانقاه الصلاحية للصوفية - وهى جامع سعيد السعداء الآن.
стр. 62
وبنى فى القرافة مدرسة للشافعية، بقرب تربة الإمام الشافعى ﵁، ووقف عليها جزيرة الفيل، وهى من أرض المهمشة الآن، وابتداء ظهورها كان فى أواخر الدولة الفاطمية، وكانت متوسطة بين منية الشيرج وأرض الفجالة.
ورتب فى المشهد الحسينى حلقة تدريس وفقهاء.
واعتنى بأمر الأسطول عناية زائدة، لم يقم بها أحد ممن جاء بعده إلا الظاهر بيبرس.
وقطع ما كان يؤخذ من الحجّاج، وعوض أمير مكة عنه فى كل سنة ألفى دينار وألف إردب غلة سوى اقطاعه بصعيد مصر وباليمن، ومبلغه ثمانية آلاف إردب.
وأبطل أمورا أخرى فى الإسكندرية وغيرها.
وأحاط على أهل العاضد وأولاده، وكانت عدة الأشراف فى القصور مائة وثلاثين، والأطفال خمسة وسبعين، فردهم فى مكان خارج القصر، واحتفظ عليهم، وفرّق بين الرجال والنساء لئلا يتناسلوا، وليكون ذلك أسرع لانقراضهم، وتسلم القصر بما فيه.
وبعث بالأموال إلى الخليفة ببغداد، وإلى السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى بالشام، فأتته الخلع الخليفية.
واستعرض الجوارى والعبيد، فأطلق من كان حرا، ووهب واستخدم باقيهم، وأطلق البيع فى كل جديد وعتيق، فاستمر البيع فيما وجد بالقصر عشر سنين.
وأخلى القصور من سكانها، وحطّ من قدرها، فأعطى القصر الكبير للأمراء فسكنوا فيه، وأسكن أباه نجم الدين فى قصر اللؤلؤة، وأقطع خواصه دور الخلفاء وأتباعهم، وكان الواحد منهم إذا استحسن دارا أخرج منها سكانها ونزل بها. وأخليت أماكن من القصر الغربى سكن بها الأمير موسك والأمير أبو الهيجاء.
وفى شهر شعبان سنة ست وستين وخمسمائة اشترى الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه ابن أيوب الجزيرة المعروفة بالروضة، وكانت حصينة، ذات بساتين وثمار وعمائر ليست فى غيرها، وهى أقدم جزيرة فى مصر، وكانت منتزها لمن قبل الفتح ولمن بعده من ملوك مصر، وقد بسطنا الكلام عليها فى المجلد المختص بالمقياس من هذا الكتاب، وبقيت هذه الجزيرة فى ملك المظفر، إلى أن وجهه السلطان صلاح الدين إلى البلاد الشامية، فوقفها على مدرسته التى أنشأها فى مصر العتيقة التى عرفت بالمدرسة التقوية، وهى جزء من محل منازل المعز، والآن يوجد فى محل منازل المعز المذكورة جامع المرحومى وحارات الشراقوة
стр. 63
وما يجاورها من البساتين، ويظهر أن المنارة الموجودة الآن لجامع المرحومى من أصل بناء المدرسة التقوية.
ونقل أيضا عن ابن عبد الظاهر أن القصر لما أخذه صلاح الدين، وأخرج من به، كان فيه اثنا عشر ألف نسمة، ليس فيهم فحل إلا الخليفة وأهله وأولاده، فأسكنهم دار المظفر بحارة برجوان، وكانت تعرف بدار الضيافة. وقبض صلاح الدين على ولى عهد الخليفة، واعتقل مع إخوته وأولاده وهم نحو عشرة، وجماعة من بنى أعمامه فى دار الأفضل من حارة برجوان. وفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة هرب منهم رجلان. قال: وعدد من بقى من هذه الذرية بدار المظفر والقصر الغربى والإيوان مائتان واثنان وخمسون شخصا، الذكور ثمانية وتسعون، والإناث مائة وأربعة وخمسون.
ولم يزالوا تحت الاعتقال بالقاهرة فى الأماكن التى أقيموا فيها، إلى أن نقلهم الملك الكامل محمد بن العادل بن أيوب إلى القلعة أيام سلطنته، حين انتقل من دار الوزارة الكبرى إليها، وفيها مات داود بن العاضد، واستمر بها من بقى منهم، إلى أن جاءت دولة الأتراك، وآلت السلطنة إلى الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، فأمر فى سنة ستين وستمائة بالإشهاد على من بقى منهم أن جميع ما كان لهم من القصور والدور ونحوها ملك لبيت المال بالنظر السلطانى الظاهرى من وجه صحيح شرعى.
وأول من انتقل من الملوك من دار الوزارة الكبرى إلى الإقامة بالقلعة الملك الكامل المذكور، وكانت دار الوزارة المذكورة من عهد الأفضل ابن أمير الجيوش إلى أيام الكامل مقر الوزراء أرباب السيوف فى عهد الدولة الفاطمية، ومقر الملوك فى أيام الدولة الكردية، وكان السلطان صلاح الدين أيام إقامته بديار مصر يقيم بدار الوزارة، وأحيانا يكون بالقلعة.
***
جلوس الملك العزيز بن صلاح الدين على سرير السلطنة
ولما مات سنة تسع وثمانين وخمسمائة خلفه على سرير السلطنة ابنه الملك العزيز، عماد الدين أبو الفتح عثمان، وكان ينوب عن أبيه بمصر أيام حياته، ثم استقر على سرير السلطنة بها عند موت أبيه، ثم حصل بينه وبين أخيه الملك الأفضل على وحشة، وكان بدمشق فتجهز العزيز لمحاربته، ووقعت بينهما وقائع وحروب، استولى فيها العزيز على دمشق.
وإلى وقت العزيز بن صلاح الدين كان فى البر الغربى من الخليج بساتين متعددة، منها بستان يعرف ببستان البغدادية كان من بساتين القاهرة الموصوفة تجاه منظرة اللؤلؤة التى
стр. 64
كانت من مواضع نزهته، فبدا له أن يجعل هذا البستان ميدانا للرمى والسباق، فأمر فى سنة أربع وتسعين وخمسمائة بقطع النخل المثمر المستغل الذى كان، وجعله ميدانا، وحرث أرضه، وقطع باقيه.
ومن حينئذ أخذت هذه الجهة فى السكنى، وحكرت أرض البستان كما ذكر ذلك فى موضعه. وفى محل هذا البستان الآن الأماكن التى فى غربى الخليج تجاه جامع الأستاذ الشعرانى، ممتدة إلى الدكة وشارع باب الشعرية، فهو قطعة من البستان المقسى.
وكان العزيز حسن السيرة بمعزل عن الشهوات والطمع فى أموال الناس، وإنما كان ضعيف الرأى، واتفق أن جماعة من أمرائه وأعيانه أشاروا عليه بهدم الأهرام الكبيرة التى بالجيزة، طمعا فى استخراج كنوز ودفائن من تحتها، فأصدر أمره على الفور بمباشرة العمل فى هدمها، فجمعوا لذلك العمال وصناع اللغم، وجعل عليهم بعض الأمراء، فاستغرقوا فى هذا العمل ثمانية أشهر، وكانوا لا يقدرون إلا على خلع حجر أو حجرين فى اليوم، فعدلوا عن هذا الأمر، بعد أن صرفوا عليه أموالا جمة بلا فائدة، وكان ذلك فى سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة.
وفى سنة أربع وتسعين وخمسمائة، شدّد فى منع ما كان يحصل فى موسم خليج القاهرة من ركوب الزوارق فيه وفعل المنكرات. وكان الناس قد اعتادوا ذلك من القديم، فعظم الأمر عليهم، وحنقوا على العزيز، وتمادى الشغب والاضطراب، حتى هموا بخلعه، والخروج عن طاعته، لولا أن بلغهم خبر موته، وكان ذلك فى سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
***
جلوس المنصور على سرير الملك
وبموته انفتح باب الفتن. فإنه لما آل الملك بعده إلى ابنه الملك المنصور ناصر الدين محمد بعهد منه، كان عمر المنصور تسع سنين وأشهر، فقام بأمور الدولة بهاء الدين قراقوش الأسدى الأتابك، فاختلف عليه أمراء الدولة، وكاتبوا عمه الملك الأفضل على بن صلاح الدين، فقدم من صرخد، واستولى على الأمور، فلم يبق للمنصور معه سوى الاسم.
وأراد الأفضل أخذ دمشق من عمه العادل، فجهز الجيوش إليها، وحصل بينهما وقائع آل الأمر فيها إلى هزيمة الأفضل، فدخل العادل إلى مصر، وأعاد الأفضل إلى صرخد، وأقام بأتابكية المنصور، ثم خلعه، واستبدّ بسلطنة ديار مصر، وبلاد الشام، وحرّان والرها
стр. 65
وميافارقين، وأخرج المنصور وإخوته من القاهرة إلى الرها، واستناب ابنه الملك الكامل محمد عنه، وعهد إليه بالسلطنة بعده، وحلف له الأمراء، وأخذ فى تدبير مملكته وإعلاء شأنها بمحاربة أعدائها والدفاع عنها. واشتهر بالجسارة والحزم والصبر على الأهوال والإقدام، لا يثنى عزيمته خطب، وكان حليما كريما، جزيل العطاء. ومات سنة خمسة عشرة وستمائة وله من العمر خمس وسبعون سنة، منها على تخت سلطنة مصر تسع عشرة سنة. وفى أيامه كثرت العمارة فى القاهرة وضواحى القلعة.
***
سلطنة الملك الكامل ناصر الدين محمد بن المنصور
والذى خلفه على دست السلطنة ابنه الكامل ناصر الدين محمد، وهو الذى أتم بناء قلعة الجبل، وأنشأ بها الدور السلطانية فى أثناء نيابته عن أبيه سنة أربع وستمائة. فلما استبد بالملك بعد أبيه انتقل من دار الوزارة الكبرى إليها، وهو أول من انتقل من دار الوزارة من الملوك وسكن بالقلعة، وجعلها منزلا للرسل، ونقل سوق الخيل والجمال والحمير إلى الرميلة تحت القلعة، فأخذت من حينئذ الناس فى تعمير ما حولها من الدرب الأحمر والمحجر وجهة القطائع والصليبة، بعد أن كان بعضها مقابر وبعضها بساتين، كما تقدم بعضه، ويأتى باقيه فى محله.
وهو الذى أنشأ دار الحديث بالقاهرة، وعمر القبة على ضريح الإمام الشافعى ﵁، وأجرى الماء من بركة الحبش إلى حوض السبيل على باب القبة المذكورة، ووقف أوقافا كثيرة على أنواع من البر. وكان معظما للسنّة وأهلها.
ومما تدوّن فى محاسنه أنه كتب إليه بعض عماله رقعة يخبره أن المرتب على بيت المال فى كل سنة مائة ألف دينار وسبعون ألف دينار صدقة، وذلك خلل فى بيت المال، فكتب على ظهر الرقعة:
«الغربة تذل الأعناق، والفاقة مرة المذاق، والمال مال الله، وهو الرزاق، فأجر الناس على عادتهم فى الاستحقاق. ما عندكم ينفد، وما عند الله باق. وإنّا لا نحب أن يؤرخ عنا المنع، وعن غيرنا الإطلاق. والآثار الحسنة من مكارم الأخلاق، وإليكم هذا الحديث يساق».
وكان كثيرا ما يتمثل ببيتى حاتم:
شربنا بكأس الفقر يوما وبالغنى … وما منهما إلا سقانا به الدهر
فما زادنا بغيا على ذى قرابة … غنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
стр. 66
سلطنة سيف الدين أبو بكر
ولما مات الكامل سنة خمس وثلاثين وستمائة، قام بالأمر بعده ابنه سيف الدين أبو بكر، ولقّب بالملك العادل الأصغر، فوقع بينه وبين أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب منازعات، أفضت إلى خنقه بيد الأمراء، لكونهم استوحشوا منه بسبب انهماكه على اللهو واللذات، واشتغاله بالشهوات عن تدبير مملكته. وكان موته سنة سبع وثلاثين وستمائة.
***
مطلب سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب
واستولى على السلطنة بعده أخوه الملك الصالح أبو الفتوح نجم الدين أيوب بن الكامل، فضبط الأمور، وسيّرها على نظام حسن، واسترد الأموال التى فرّقها أخوه بإسرافه وتبذيره، ومبلغها يزيد على سبعمائة ألف دينار، وقبض على كثير من الأمراء الذين اشتركوا فى قتل أخيه، وعوّضهم بغيرهم من مماليكه، ونظر فى عمارة أرض مصر، وحارب عرب الصعيد الذين كانوا يفسدون فى الأرض، ويخيفون السبيل.
وبنى قلعة جزيرة الروضة، بعد أن استأجر الجزيرة من ناظر وقف المدرسة التقوية لمدة ستين سنة، وتحول من قلعة الجبل إليها وسكنها، ورأى أن الماء فى فرع النيل الذى بينها وبين مصر العتيقة يجف فى زمن التحاريق، وتحول عن فوهة الخليج القديم التى كانت عليها قنطرة عبد العزيز بن مروان، فبنى قنطرة السد، الجارى المرور عليها إلى قصر العينى الآن، وحفر فرع النيل المتقدم ذكره، وكان يعمل فيه بجنوده، ويطرح بعض رمله بالساحل، فى مقابلة الجيزة، فعمّر هناك خواصّه الدور العظيمة فى قبالة الجامع الجديد الناصرى، الذى كان فى محل الحوش المعروف فى أيامنا هذه بحوش التكية بحرى جنينة السادات بمصر العتيقة.
وامتدت العمارة إلى المدرسة المعزية بآخر مصر العتيقة، ثم إن الملك الصالح أغرق عدة مراكب فى بر الجزيرة تجاه باب القنطرة خارج مصر العتيقة، فكثر الماء فى ذلك الفرع إلى المقس، وقطع منشأة الفاضل وخرّب جامعه وبستانه وسائر ما كان هناك من الأماكن، وكان ذلك بعد سنة ستين وستمائة.
ثم إن النيل قد انحسر عن أرض تمتد من قنطرة السد القديمة، وهى قنطرة عبد العزيز ابن مروان إلى آخر الساحل، وتربى هناك جرف، وحدث فى زمن السلطان الصالح نجم الدين رملة فى موضع الجامع الجديد، كانت الناس تمرغ فيها الدواب زمن احتراق النيل وانحسار
стр. 67
البحر أمامها، فلما عمّر السلطان قلعة الروضة صار كل سنة يحفر هذا الفرع بجنده وبنفسه، فكثرت العمارة على شاطئه، وأنعم ببستان من وراء الدور على امرأة مغنية كانت تعرف بالعالمة، فعرف البستان ببستان العالمة بالإضافة إليها - ومحله الآن جزء من بستان السادات، المقدم ذكره، وهناك ساقية ماء تعرف إلى يومنا هذا بساقية العالمة.
واتسعت العمارة فى الساحل من محل الجامع الجديد، إلى أن اتصلت بخط السيدة زينب ﵂ من الجانبين، فكانت المنازل على اليمين وعلى اليسار، والتلال التى ترى اليوم خارج البوابة هى آثار تلك المبانى، وكان هناك محل الصناعة حيث تعمل السفن، وتقول الناس الآن «ترسانة»، وهى محرفة من دار الصناعة، حرفها الترك، وكانت من العمارات الفاخرة - ومحلها تجاه قنطرة السد الموصلة إلى قصر العينى - ثم تخربت وبطلت فى الأزمان الأخيرة، ونشأ محلها بستان عرف ببستان ابن كيسان، فى محل التلال الموجودة على يمين السالك من مصر العتيقة إلى القاهرة، وكان أوله عند زاوية الحبيبى.
وكانت هذه الجهة من أعمر الجهات تتصل عمارتها بالعمارة الممتدة إلى الكبش وجبل يشكر، فكانت العمارة متصلة إلى دير الطين، وكانت جهة دير الطين، وما جاورها من بركة الحبش والبساتين والدور التى حولها من أحسن منتزهات أهل مصر والقاهرة، خصوصا فى أيام النوروز والغطاس والميلاد والمهرجان وعيد الشعانين، ونحو ذلك من أيام اللهو والقصف والعزف، فكان لا يبقى صغير ولا كبير إلا خرج إلى بركة الحبش، فيضربون هناك المضارب الحليلة والسرادقات والقباب والشراعات، ويخرجون بالأهل والولد، ومنهم من يخرج بالقينات المملوكة والحرائر، فيأكلون ويشربون ويسمعون ويتفكهون. ومثل ذلك كان يحصل على بركة الفيل وبركة قارون - وهى البغالة - وبركة الأزبكية.
وقد صارت بركة الحبش من مدة إلى الآن أرض مزارع يغمرها النيل زمن فيضانه إذا كان وافيا، فإن لم يكن وافيا شرقت كلها أو بعضها. ولم يبق من القصور والبساتين الفاخرة، التى بسط المقريزى الكلام فيها إلا التلال المشاهدة الآن فى تلك الجهات، وقد تكلمنا على طرف من ذلك عند الكلام على قرية البساتين.
وكان من أعظم تلك البساتين، بستان عرف ببستان الشريف بن ثعلب كان غربى البستان المقسى، ويمتد إلى النيل، وفى قبليّه أرض اللوق، تخلفت عن النيل كما سيأتى، وكانت مساحته خمسة وسبعين فدانا فيه سائر الفواكه، وجميع ما يزرع من الأشجار والنخل والكروم وأنواع الرياحين، وكان عليه سور وله باب جليل، وفيه منظرة وعدة دور، فاشتراه الملك الصالح نجم الدين بثلاثة آلاف دينار مصرية، وجعله ميدانا لتدريب مماليكه
стр. 68
وأجناده على السبق والرماية، وتمرينهم على الأعمال الحربية، وترك ميدان العزيز لبعده عن القلعة وازدحام الأبنية حوله.
وكانوا فى تلك الأحقاب مشتغلين بقتال النصارى، بسبب حروب الصليب التى كانت متتابعة من أيام نور الدين وصلاح الدين إلى ذلك التاريخ وما بعده، فاستدعت الحاجة إلى دوام الأهبة للحرب، والاستعداد له شراء هذا البستان، واتخاذ محله ميدانا كما ذكر، لكونه على طريق القلعة، ولما رأوا من موافقته للمطلوب إذ ذاك لسعة أرضه وامتداده، فإنه كان يمتد فى العرض من عند محل جامع الطباخ الموجود الآن بجهة باب اللوق إلى قنطرة قدادار التى كانت على الخليج الناصرى بقرب النيل، وقد زالت هذه القنطرة ومحلها بقرب دار حافظ أغا سفرجى الخديو اسماعيل باشا.
وكان هذا البستان يمتد طولا إلى جسر السلطان أبى العلاء الحسينى، وأنشأ الصالح فى هذا الميدان قنطرة جليلة على البحر، وصار يركب إليه من القلعة، ويلعب فيه بالكرة والصولجان، وجعل له بابا عظيما عند محل جامع الطباخ المذكور، ولذلك عرف الشارع الموجود عليه هذا الباب بشارع باب اللوق لكونه فى أرض اللوق.
وكان عمل هذا الميدان سببا لبناء قنطرة الخرق على الخليج الكبير. ومن حينئذ أخذ الناس فى العمارة بهذه الجهة حتى صار اللوق بلدا كبيرا، كما سنورده فى محله إن شاء الله تعالى.
ولم يكن اشتغال الصالح بالحروب فى تلك الأوقات يمنعه عن الاشتغال بتوسيع نطاق المعارف، وزيادة العمارة والآثار النافعة. ومن محاسن آثاره المدارس الصالحية بخط بين القصرين، دك أساسها فى سنة أربعين وستمائة، فلما كملت رتّب فيها دروسا أربعة لفقهاء المذاهب الأربعة فى سنة إحدى وأربعين وستمائة، وهو أول من أحدث إقراء دروس المذاهب الأربعة فى مكان واحد. وأنشأ المبانى خلف هذه المدارس، وجعل للمدارس أحكار تلك الأبنية.
وقد ملك الصالح فى أيام سلطنته مكة المشرفة، وغزا بلاد اليمن. وكان فطنا ذكيا حلو الفكاهة طاهر اللسان والذيل، يكتب أجوبته فى مخاطباته بيده، واستكثر من شراء المماليك وعتقهم وتأميرهم، وجعلهم أعز خاصته وبطانته، وكان إذا سافر أحاطوا بدهليز ملكه، وأطلق عليهم اسم المماليك البحرية. وكانت كثرتهم من البواعث على انقراض الدولة الأيوبية.
وكان موته بالمنصورة سنة سبع وأربعين وستمائة، وعمره أربعون سنة، أقام منها بالسلطنة بعد أخيه مدة تسع سنين وأشهر.
стр. 69
[شجرة الدر وتوران شاه]
ولما مات أحضرته شجرة الدر زوجته أم ولده خليل إلى قلعة الروضة من غير أن يشعر به أحد، وأخذت بزمام الأمور، من غير أن تظهر موت الصالح، وأجرت الأحوال على ما كانت عليه، وصارت الخدمة تعمل بالدهليز والسماط يمد، وشجرة الدر تدبر أمور الدولة، وتوهم الكافة أن السلطان مريض، ما لأحد إليه سبيل ولا وصول. إلى أن حضر الملك المعظم توران شاه ابنه من حصن كيفا، فسلمت إليه مقاليد الأمور، كما سيأتى.
ومن آثار شجرة الدر حمام وبستان ودور أنشأتها بجهة السيدة نفيسة ﵂، وقبرها معروف فى الجامع المشهور بجامع الخليفة أمام مشهد السيدة رقية ﵂.
ولما تسلم توران شاه زمام الأمور أساء التدبير، وعكف على السكر والملاهى واللذات، فنفرت منه قلوب الناس، لا سيما لمّا أهمل أمر أمراء أبيه ومماليكه، وأخّرهم عن مراتبهم، وقتل منهم عدة، وعزل جماعة، وجرّدهم من علامات الشرف، واحتظى بمن وصل معه من الشام، فحنقت عليه مماليك أبيه، وقاموا عليه، وقتلوه سنة ثمان وأربعين وستمائة، وتركوا رمّته مطروحة على البحر ثلاثة أيام، ولم يقم فى السلطنة سوى شهرين. وبموته انتهت دولة بنى أيوب، وجاءت المماليك.
стр. 70
دولة المماليك البحرية
قد عرفت أن القاهرة كانت قد اتسعت فى آخر دولة الفاطميين، وأنشئ فى خارجها عمائر وبساتين كثيرة من كل جهة، وأن الفسطاط كان قد تخرب أكثره، إلا ما جاوز النيل وما حول الجامع العتيق، وكذا جبل يشكر والكبش والعسكر والقطائع فقد كان فيها بعض عمائر. والذى تخرب بالمرة خرابا كليا هو ما كان جهة الرصد، وبركة الحبش، وما قارب الإمام الشافعى وأبى السعود الجارحى ﵄.
ولما صارت مصر إلى الدولة الأيوبية ازدادت العمارة فى داخل القاهرة وخارجها من جهاتها الأربع، خصوصا الدرب الأحمر، وشارع قصبة رضوان، والصليبة، وساحل مصر العتيقة، إلى دير الطين، إلى آخر ما قدمنا.
ولما زالت دولة بنى أيوب، وخلفتها دولة المماليك البحرية اجتهد أكثرهم فى توسيع نطاق العمارة أيضا فى مصر والقاهرة، كما سنورده فى محله إن شاء الله تعالى.
وإنما سمّوا بالمماليك البحرية لأنهم فى الأصل مماليك الصالح نجم الدين أيوب، كانوا معه مدة سجنه بالكرك، وبقوا معه حتى خلص من السجن سابع عشر شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وستمائة. فلما ملك مصر دعاه لهم ثباتهم معه حين تفرّق عنه الأكراد، وأكثر من شرائهم، وجعلهم أمراء دولته وبطانته المختصين بدهليزه إذا سافر، وأسكنهم معه فى قلعة الروضة، وسماهم البحرية من أجل ذلك. وكانوا نحو الألف، كلهم أتراك.
***
مطلب أول من تسلطن من المماليك البحرية
وأول من تسلطن منهم الملك المعز عز الدين أيبك الجاشنكير التركمانى الصالحى سنة ثمان وأربعين وستمائة بعد زواجه من شجرة الدر، وحدث من الفتن ما ترتب عليه اجتماع رأى
стр. 71
الأمراء على إقامة الأشرف مظفر الدين موسى من ذرية الأيوبية شريكا له فى السلطنة، فأقاموه معه وعمره نحو ست سنين، وصارت المراسيم تبرز عن الملكين، إلا أن الأمر والنهى للمعز، وليس للأشرف سوى مجرد الاسم، إلى أن قبض عليه المعز، وسجنه سنة خمسين وستمائة، وقطع اسمه من الخطبة، وانفرد بالسلطنة.
مطلب أول من تولى الوزارة من الأقباط
واتخذ شرف الدين أبا سعيد هبة الله بن صاعد الفائزى وزيرا، وهو أول قبطى ولى الوزارة فى دار مصر، فأحدث مكوسا سماها الحقوق السلطانية، فحصل للناس منه ما لا خير فيه، وقامت عرب الصعيد، فوجّه إليهم الملك المعز عساكره فأفناهم، ثم لم يحزم أمره، وعتا وظلم، فتركه أغلب الأتراك.
ومن أول جلوسه على التخت أمر بتخريب قلعة الروضة، فخرّبت، وعمّر مدرسته التى كانت معروفة بالمعزية، فى رحبة الحناء بمدينة مصر بمحل منازل العز، وتقدم ذكرها.
وخرب ميدان القلعة سنة إحدى وخمسين وستمائة، وهو من بقايا ميدان أحمد بن طولون، وكان قد هجر إلى أن بناه الملك الكامل محمد بن العادل بن أبى بكر بن أيوب فى سنة أحدى عشرة وستمائة، وأجرى إليه الماء، ثم تعطّل مدة، وعمّره ابنه الملك العادل أبو بكر محمد ابن الكامل محمد، وبعده اهتم به الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وجدّد له ساقية أخرى، وأنشأ حوله الأشجار، ثم تلاشى إلى أن هدمه الملك المعز أيبك، وقال له منجمه مرة: إن امرأة تكون سببا فى قتلك، فأمر أن تخرّب الدور والحوانيت من عند قلعة الجبل بالتبانة إلى باب زويلة وإلى باب الخرق وإلى باب اللوق، أعنى عند جامع الطباخ إلى الميدان الصالحى، وأمر أن لا يترك باب مفتوح بالأماكن التى يمر بها يوم ركوبه إلى الميدان، ولا تفتح أيضا طاقة. وهذا يدل على أن الدرب الأحمر والمحجر، من باب زويلة إلى باب اللوق كان عامرا فى وقت الأيوبية، بل ربما كان ذلك فى آخر دولة الفاطميين، لأن حارة اليانسية منسوبة إلى يانس - أحد وزراء الفاطميين. ثم اتفق أن وقع لهذا الملك ما أخبره به منجمه، وذلك أنه قتلته زوجته شجرة الدر فى سنة خمس وخمسين وستمائة، وكانت مدته نحو سبع سنين، وكان ظلوما غشوما، سفاكا للدماء، أفنى خلقا كثيرا.
стр. 72
تولية الملك المنصور بن المعز أيبك
وولى الملك بعده ابنه السلطان الملك المنصور نور الدين على بن المعز أيبك وعمره خمس عشرة سنة ودبّر أمره نائب أبيه الأمير سيف الدين قطز ثم خلعه بعد سنتين، واستقل بالسلطنة ولقّب بالملك المظفر فأخرج المنصور بن المعز منفيا هو وأمه إلى بلاد الأشكرى وقبض على عدة من الأمراء، وسار إلى محاربة التتار فأوقع بمجموع هولاكو على عين جالوت سنة ثمان وخمسين وستمائة وقتل منهم وأسر كثيرا بعد أن كانوا قد ملكوا بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم بالله عبد الله، وأزالوا دولة بنى العباس وخربوا بغداد وديار بكر وحلب، ونازلوا دمشق فملكوها، فكانت هذه الواقعة أول هزيمة عرفت للتتار منذ قاموا. ودخل المظفر قطز إلى دمشق، وعاد منها يريد مصر فقتله الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى الصالحى بمنزلة الصالحية من مديرية الشرقية، وقام مقامه فى السلطنة وكانت مدة المظفر سنة إلا أياما.
***
تولية الظاهر بيبرس البندقدارى
وكان الملك الظاهر بيبرس البندقدارى من المماليك البحرية، فلما صارت مملكة مصر إليه فى سنة ثمان وخمسين وستمائة، كان أول ما بدأ به أن أبطل ما كان قطز أحدثه من المظالم عند سفره، وهو تصقيع الأملاك وتقويمها، وأخذ زكاة ثمنها فى كل سنة، وجباية دينار من كل إنسان. وأخذ ثلث الزكاة الأهلية. وكتب الظاهر بإبطال ذلك مسموحا.
وفى سنة تسع وخمسين وستمائة وصل إليه الإمام أبو العباس أحمد بن الخليفة الظاهر العباسى من بغداد. فتلقاه فى عساكره، وبالغ فى إكرامه، وأنزله بالقلعة، وانعقدت البيعة له بمحضر العلماء والأمراء، ولقّب بالإمام المستنصر، وكتب الظاهر إلى الأطراف بأخذ البيعة له، وإقامة الخطبة باسمه على المنابر، ونقشت السكة فى ديار مصر باسمه واسم الملك الظاهر.
وبالمستنصر هذا ابتدئت الخلافة العباسية بمصر من ذلك الحين، وتوالى الخلفاء من بعده إلى أن انتهت خلافتهم فى مدة الغورى حين التحاق مصر بالدولة العثمانية.
واهتم بيبرس بعمارة قلعة الروضة، فأعادها كما كانت، ورتّب فيها الحمدارية، وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة، ورسم بأن تكون بيوتات جميع الأمراء واصطبلاتهم فيها، فكثرت فيها المبانى، وزادت بها العمارة، لكثرة ركوبه بحر النيل. واعتنائه بعمارة الشوانى
стр. 73
الحربية ولعبها فى البحر، فصار للأسطول فى أيامه شأن عظيم، كما كان فى أحسن أيام الدولة الفاطمية، وأيام الصالح نجم الدين، ثم تلاشى أمر الأسطول من بعده لقلة الالتفات إليه والعناية به.
واتخذ بيبرس الموضع الكائن خارج القاهرة من شرقيّها، وهو الذى به الآن قرافة المجاورين وقايتباى، ميدانا لرمى النشاب، وكان يقال له الميدان الأسود، والميدان الأخضر، وميدان العيد، وميدان السباق، وميدان القبق، وبنى به فى المحرم سنة ست وستين وستمائة مصطبة عند ما احتفل برمى النشاب وأمور الحرب، وحثّ الناس على لعب الرمح ورمى النشاب ونحو ذلك. وصار ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة، فلا يركب منها إلى العشاء، وهو يرمى ويحرض الناس على الرمى والنضال والرهان. وقد أطال المقريزى فى ذكر ما كان يعمل فى هذا الميدان.
واستمر هذا الميدان فضاء إلى أن تولى السلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فترك النزول فيه، وبنيت فيه القبور شيئا بعد شئ، حتى انسدت طريقه، واتصلت المبانى من ميدان القبق إلى تربة الروضة خارج باب البرقية، وبطل السباق منه ورمى القبق فيه من آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفى زمن المقريزى كان فيه بعض عمد الرخام قائمة تعرف بين الناس بعواميد السباق، بين كل عمودين مسافة بعيدة، وما برحت قائمة هناك إلى ما بعد سنة ثمانين وسبعمائة، فهدمت عند ما عمّر الأمير يونس الدوادار الظاهرى تربته تجاه قبة النصر، ثم عمّر أيضا الأمير قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق تربة هنالك، وتتابع الناس فى البنيان إلى أن صار كما هو الآن.
ولما انحسر ماء النيل عن ميدان الملك الصالح نجم الدين أيوب جعل الملك الظاهر ميدانه بطرف اللوق تجاه قنطرة قدادار، ومحله الآن الأرض المواجهة لقصر النيل من الشرق إلى شارع مصر العتيقة. وما زال يلعب فيه بالكرة إلى زمن الناصر محمد بن قلاوون، فجعل بستانا من أجل بعد البحر عنه، وأرسل إلى دمشق فحمل إليه من سائر أصناف الشجر، وأحضر معها خولة الشام والمطعّمين، فغرسوها فيه وطعّموها.
قال المقريزى: ومنه تعلم الناس بمصر تطعيم الأشجار. والحق أن تطعيم الأشجار كان معروفا بمصر من قبل ذلك بأزمان طويلة، فقد نقل المقريزى نفسه فى الكلام على خمارويه ابن أحمد بن طولون أنه أخذ الميدان الذى كان لأبيه، فجعله كله بستانا، وغرس فيه أنواع الأشجار والرياحين البديعة، وكان فيه ريحان مزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعاهدها البستانى بالمقراض، حتى لا تزيد ورقة على ورقة، إلى أن قال: «وأهدى إليه
стр. 74
من خراسان وغيرها كل أصل عجيب، وطعّموا له شجر المشمش باللوز، وأشباه ذلك من كل ما يستظرف ويستحسن» (انتهى). فعلم من هذا أن التطعيم موجود بمصر من ذاك العهد، وربما كان من قبل ذلك.
وبنى الظاهر بيبرس أيضا القصر المعروف بالدار الجديدة، وكان يشرف على الرميلة.
وبنى بالقلعة دارا كبيرة لولده الملك السعيد، وأنشأ دورا كثيرة للأمراء بظاهر القاهرة مما يلى القلعة، واصطبلات، وأنشأ حماما بسوق الخيل لولده، وقد هدم، ومحله القره قول وبعض عمارة والدة الخديو إسماعيل باشا بجهة ميدان محمد على.
وجدد الجامع الأقمر، والجامع الأزهر، وزاوية الشيخ خضر، وعدة جوامع بالأعمال المصرية، وجسورا وقناطر كثيرة، منها قنطرة السباع عند السيدة زينب ﵂.
وبنى أيضا دار العدل تحت القلعة فى سنة إحدى وستين وستمائة، وصار يجلس بها لعرض العساكر يومى الإثنين والخميس. وما برحت دار العدل هذه باقية، إلى أن استجد السلطان الملك المنصور قلاوون الإيوان فهجرت دار العدل إلى أن كانت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فهدمها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمل موضعها الطبلخانة - كان محلها فى شارع الدحديرة.
واتفق أن غلت الأسعار بمصر مدة فى أيام الملك الظاهر حتى بلغ الإردب القمح نحو مائة درهم، وعدم الخبز، فنادى السلطان فى الفقراء أن يجتمعوا تحت القلعة، ونزل فى يوم الخميس سابع ربيع الآخر منها، وجلس بدار العدل هذه، ونظر فى أمر السعر، وأبطل التسعيرة، وكتب مرسوما إلى الأمراء ببيع خمسمائة إردب فى كل يوم، وأن يكون البيع للضعفاء والأرامل فقط دون من عداهم. وأمر الحجاب، فنزلوا تحت القلعة وكتبوا أسماء الفقراء الذين تجمعوا بالرميلة، وبعث إلى كل جهة من جهات القاهرة ومصر وضواحيهما حاجبا ليكتب أسماء الفقراء، وقال: «والله لو كان عندى غلة تكفى هؤلاء لفرقتها».
ولما انتهى إحصاء الفقراء أخذ منهم لنفسه ألوفا، وجعل باسم ابنه الملك السعيد ألوفا، وأمر ديوان الجيش فوزع باقيهم، على كل أمير جملة من الفقراء بعدّة رجاله، ثم فرق ما بقى على الأجناد والمقدمين والبحرية، وقرر لكل واحد من الفقراء كفايته لمدة ثلاثة أشهر، وفرّق على الأكابر والتجار، وعيّن لأرباب الزوايا مائة إردب قمح فى كل يوم تخرج من الشّون السلطانية إلى جامع أحمد بن طولون لتفرّق على من هناك .. إلى آخر ما قال.
وفى سنة اثنتين وستين وستمائة أركب ابنه السعيد بركة خان بشعار السلطنة، ومشى قدّامه، وشقّ القاهرة، والكل مشاة بين يديه، من باب النصر إلى قلعة الجبل وزيّنت البلد.
стр. 75
وفى هذه السنة ختنه ومعه ألف وستمائة وخمسة وأربعون صبيا من أولاد الناس، سوى أولاد الأمراء والأجناد، وأمر لكل صغير منهم بكسوة على قدره، ومائتى درهم، ورأس من الغنم.
وفى سنة خمس وستين وستمائة أعاد الخطبة إلى الأزهر، كما تقدم فى الكلام على السلطان صلاح الدين، وشدّد فى منع المفاسد، وإبطال المنكرات، فرسم بإبطال ضمان الحشيش، وإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطئ من البلاد المصرية والشامية، وحبسن حتى يتزوجن، وأسقطت الضرائب التى كانت مرتبة عليهن، وكانت ألف دينار كل يوم فى القاهرة وحدها. وكتب بذلك توقيعا قرئ على منابر مصر والقاهرة، وسارت البرد بذلك إلى الآفاق وجعل حد السّكر السيف.
وفى سنة ست وستين وستمائة قرر الظاهر بمصر أربعة قضاة وهم: شافعى، ومالكى، وحنفى، وحنبلى. وكان القاضى قبل ذلك شافعيا، فسئل فى أمر فامتنع من الدخول فيه، فنشأ عن ذلك ما ذكر.
ولما حجّ سنة سبع وستين وستمائة، وزار ضريح النبى ﷺ ، أحسن إلى أهل الحرمين، وتكرّم وتفضّل على الناس، وغسل الكعبة بماء الورد بيده، وتوجه إلى الخليل ﵊، وزار ضريح الخليل إبراهيم ﵊، وسار إلى بيت المقدس، وصلى فى المسجد الأقصى، ورجع إلى دمشق، وأراق جميع الخمور.
فكان رحمه الله تعالى - مع اشتغاله بالجهاد ومباشرته للحروب بنفسه وتوزيع أوقاته فى ذلك - لا يفتر عن إقامة شعائر الدين، وإبطال المنكرات.
[سكنى التتر فى اللوق]
وأول ما بنيت الدور للسكنى فى اللوق فى أيام ملكه، وذلك أنه جهّز كشافا من خواصه مع الأمير جمال الدين الرومى السلاحدار، والأمير علاء الدين آق سنقر الناصرى، ليعرف أخبار هولاكو، ومعهم عدة من العرب، فوجدوا بالشام طائفة من التتر مستأمنين، وقد عزموا على قصد السلطان بمصر، فلما وردت الأخبار بذلك إلى مصر، كتب السلطان إلى نواب الشام بإكرامهم، وتجهيز الإقامات لهم، وبعث إليهم بالخلع والإنعامات، وأمر بعمارة دور فى أرض اللوق لإنزالهم فيها، فوصلوا إلى ظاهر القاهرة، وهم ينيفون على ألف فارس بنسائهم وأولادهم فى يوم الخميس الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة ستين وستمائة، فخرج السلطان يوم السبت السادس والعشرين منه إلى لقائهم بنفسه، ومعه العساكر، فلم يبق أحد
следующие страницы →