← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

محطة الوجه ثم يقوم فى الميعاد المتقدم إلى محطة الوجه، والمسافة كالتى قبلها وكذا الطريق، ولا يعمل هناك موكب لدخولها، وبها قلعة وآبار، ونخيل قليل وشجر النبق، ويباع فيها السمك والخضر والسمن واللحم وغير ذلك، وبها تصرف مرتبات عرب الدرك وهم من قبيلة بلىّ، ويؤخذ منها الماء الكافى لمسير ثلاث محطات. [محطة أكرة] وفى الساعة الخامسة يسير من الوجه إلى محطة أكرة، ويقال لها عكرة، والمسافة بينهما ست عشرة ساعة أو خمس عشرة، غير زمن الاستراحة، وبها شجر العبل وليس بها ماء، وتبيع فيها العرب على الحجاج مثل ما مر فى الاصطبل. [محطة الحنك] ثم يسير فى الساعة الثامنة إلى محطة الحنك، مسافتها اثنتا عشرة ساعة وليس بهذه المحطة ماء، وبها يبيع العرب بعض المأكولات. [محطة الحورة] ومنها إلى محطة الحورة، وفى بعض طريقها أشجار سنط وفى/بعضها مضيق يسمى العبة الزرقاء، ينزل منها الجمال واحدا واحدا، ويوقد فى المرور بها مهتابات زيادة على المشاعيل التى توقد كل ليلة ويزاد فى المحافظات على الحاج من كل جهة خوف العرب، وبعدها أرض رملية، ثم يصعد فى علية توصل إلى محطة الحورة والمسافة إليها ثلاث عشرة ساعة، وهى محل به نخيل وماء وبيع وشراء.

стр. 2417

[محطة مبط] ثم يقوم فى الساعة الرابعة نهارا فيصل إلى محطة مبط فى الساعة العاشرة من الليل، وفى أثناء طريقها محل يقال له صحن مرمر، والعقبة وركاكة الحمير. وفى مبط ماء عذب وبعض حشائش وتكتنفها الجبال. ويقوم منها الحاج فى الساعة العاشرة من النهار إلى محطة الخضيرة. [محطة الخضيرة] وتسمى ورى النار لإيقاد الحطب فيها لكثرة أشجار السنط بها، وهى بين جبلين، ويقال إن بهما معدن النحاس وليس بها ماء، والمسافة إليها مسيرة عشر ساعات. [محطة الينبع] ويقوم منها كذلك إلى الينبع والمسافة مثل ذلك، وقبل الوصول إلى الينبع يأخذ الحاج استراحة حتى ينبلج الفجر، فيشرع فى تنظيم الموكب، ويلبس المحمل كسوته ويخرج محافظ الينبع وأمراؤه والأشراف والعرب إليم ملاقاتهم، ويدخلون بالتهليل فى موكب حافل إلى أن يصلوا المحطة، وهناك يجلس أمير الحاج وأمين الصرة مع محافظ الينبع ووكيله وأشراف البلد، ويمدّ لهم أمير الحاج سماطا، ويسقيهم السكر والقهوة، ثم تصرف المرتبات للعرب وأشراف جهينة، ويخلع على المحافظ وأمين الشونة وكاتبها، ويصرف العليق اللازم للجمال وغيرها، ويبيت بها ليلة واحدة مع المحافظة على الحاج من طرف محافظ ينبع. والينبع بندر شهير فى شرقى المالح، ليس بها تخيل ولا أشجار ولا آبار عذبة، وإنما فيها صهاريج تملأ من ماء المطر، يأخذ منها الحاج بالثمن من أربابها، وفيها قلعة عظيمة تتبع الدولة العلية بها مدافع.

стр. 2418

وفى القلعة صهريج. وهى مرسى عظيم للمراكب البخارية وغيرها، وفيها سوق دائم يباع فيه ما يجلبه العرب من نحو العسل والسمن والبطيخ وغير ذلك، وتأتى إليها البضائع من جهة جدّة والسويس والقصير، فيوجد بها كثير من بضائع المدن. [محطة السقيفة] ثم يقوم فى الساعة الرابعة من النهار إلى محطة السقيفة، والمسافة بينهما مسيرة ثمان عشرة ساعة فى طريق سهل، فيدخلها صباحا ويقيم بها خمس ساعات، وتصرف فيها الكساوى والمرتبات لعرب الدرك، وهم عرب الحوازم وعرب ذوى ظاهرة، وعرب الجديدة، وعرب صبح، وأشراف بدر، وليس بهذه المحطة ماء. [محطة الإفازة] ثم يقوم إلى محطة الإفازة فيقيم بها خمس ساعات أيضا على غير ماء. محطة رابغ ثم يقوم إلى محطة رابغ، وبينهما مسيرة أربع عشرة ساعة فى طريق سهلة ذات أشجار سنط وفى جبالها حشيش ترعاه الإبل، وبقربها عرب أشقياء يخشى من أذاهم، فلذا يأخذ الحاج استراحة آخر الليل حتى يطلع الفجر، فيدخل رابغا صباحا بدون موكب، وهى قرية صغيرة عامرة بها سوق. وفى هذه المحطة قلعة حصينة تبع الدولة العلية أيضا، وهى واقعة فى شرقى البحر الأحمر بنحو ست ساعات، وعلى ساحلها ترسو المراكب والوابورات، فتجلب لها من البضائع مثل ما تجلب لينبع، ويزرع فى أرضها بعض الحبوب والخضر. وهذا الموضع هو ميقات الحاج المصرى، لا يتجاوزونه من غير إحرام، بل

стр. 2419

يحرمون بأحد النسكين الحج والعمرة أو بهما معا، رجالا ونساء وشيوخا وأطفالا. وصفة ذلك: أن يغتسل الإنسان، وينظف جسده وشعره، ثم يتجرد الرجال من المخيط والمحيط، فيقتصر الذكر على إزار يجعله فى وسطه بلا عقد ولا زر، ورداء على كتفيه ونعلين من نعال التكرور، كاشفا رأسه من كل ساتر، ويستمر كذلك إلى تمام النسك. وأما المرأة فلا تتجرد، وإنما التجرد لإحرامها فى وجهها وكفيها فقط. ثم ينوى الحاج النسك بقلبه، ويشرع فى المسير والتلبية فيقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد لك والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك»، ويستمر يلبى عند كل صعود وهبوط إلى دخول مكة المشرفة، والإحرام هو الركن الأول من أركان الحج. [محطة بئر الهند] فإذا قام من رابغ فلا يحط إلا فى محطة بئر الهند، والمسافة مسيرة اثنتى عشرة ساعة، وبها ماء عذبة وبيع وشراء فيقيم بها أربع ساعات. [محطة عسفان] ويقوم إلى محطة عسفان، وبينهما مسيرة أربع عشرة ساعة، وفى بعض الطريق شجر العبل. وقبل الدخول فى عسفان بمسافة ثلاث ساعات، يستريح الحاج حتى يطلع الفجر لما بالطريق هناك من الوعر والضيق فيمر الركب جملا جملا، فيدخل عسفان صباحا. وهى قرية بها مياه عذبة وسوق وبها أشجار سنط، وفى أرضها يزرع على السيل الخضر، والذرة، والدخن، فيقيم بها سبع ساعات.

стр. 2420

محطة وادى فاطمة ثم يقوم إلى وادى فاطمة فيدخله صباحا، والطريق سهلة وبها شجر السنط، وقبل دخولها بساعة يمر على بغاز، وهو عبارة عن جبلين متقابلين جدا. وبوادى فاطمة نخيل وأشجار سنط وسوق جامع، ويزرع فى أرضها بعض أصناف الحبوب، وبعض الخضر، ويكون يوم الإقامة يوما عظيما، تحضر فيها طائفة من أهل مكة المشرفة بالهدايا للحج والتبرك بهم. وفى الساعة العاشرة من النهار يقوم فى موكب جامع على غاية/من الانتظام والأبهة، ولا يزالون فى ازدياد وتتلقاهم أمراء شريف مكة وعساكره بالاعتناء الزائد، مع عمل الشنك وضرب المدافع والبنادق، وهكذا إلى دخول مكة. [محطة العمرة] ومن وادى فاطمة يحط فى محطة العمرة، عل ست ساعات من وادى فاطمة، كانت فى السابق ميقاتا للإحرام بالعمرة، بالنسبة للمحرم من الحرم. وقبل الوصول إليها قبر السيدة ميمونة، إحدى أزواج النبى ﷺ ، عليه قبة، وبجواره مصلى وحوض ماء وآبار. وبعد محطة العمرة بنحو ساعتين يصل إلى العمرة الجديدة، التى يحرم منها الآن مريد العمرة من سكان الحرم، فيقيم ركب الحاج هناك إلى الصباح، ثم يقوم فرحا مسرورا لدخوله مكة شرفها الله تعالى. فإذا وصلوا إلى الشيخ محمود خارج مكة حطوا رحالهم هناك، واغتسل مريد الاغتسال من آبار هناك، ثم يسرعون إلى دخول مكة، فيدخلون من باب المعلى إلى الحرم الشريف مكبرين ملبين، ويدخلون المسجد الحرام من باب السلام.

стр. 2421

وقبل كل شئ يبدءون باستلام الحجر الأسود وتقبيله، ويطوفون طواف القدوم، فيطوفون حول الكعبة المطهرة سبعة أشواط، بشروط الصلاة من طهارة وستر عورة إلى آخرها، ويرملون فى الأشواط الثلاثة الأول، وبعد الفراغ من الطواف يصلون ركعتى الطواف، ثم يخرجون للسعى فيسعون بين الصفا والمروة سبعة أشواط، يبدءون بالصفا ويختمون بالمروة، ويهرولون فى الثلاثة الأول، ويرقون على كل منهما ويدعون ويبتهلون. والصفا، بالقصر، طرف جبل أبى قبيس، والمروة، بفتح الميم، طرف جبل قينقاع، ومقدار ما بين الصفا والمروة سبعمائة وسبعون ذراعا بذراع اليد، وفى المسافة بينهما ميلان أخضران أحدهما معلق فى ركن المسجد والآخر بدار العباس. وفى شرقى الممر حوانيت، وفى غربيه حائط المسجد الحرام. والسعى هو الركن الثانى من أركان الحج. وفى ثانى يوم القدوم يخرج حضرة شريف مكة وعزيزها لملاقاة أمير الحاج المصرى، فى موكب من أمرائه وعساكره وجم غفير من العرب، مشاة وركبانا على الخيل والهجن العشاريات وغيرها، على ترتيب عجيب وأبهة عظيمة، وعلى الشريف شمسية تظله يمسكها أحد أمرائه مكللة بالجواهر، وتضرب له المدافع عند مجيئه وعند انصرافه، ثم يتوجه لملاقاة أمير الحاج الشامى كذلك. ويقيم الحاج المصرى بمكة البعض فى خانات، والبعض فى الدور بالأجرة، والبعض فى الخيام المضروبة خارجها عند الشيخ محمود وغيره، ويقيم أمين الصرة بالصرة ومستخدموها وجميع متعلقاتها بتكية مكة. مطلب مكة المشرفة ومكة شرفها الله تعالى هى بلد الله الحرام، الغنية عن التعريف كبيت الله الحرام،

стр. 2422

والمسجد الحرام وزمزم والمقام، وغير ذلك من الآثار المعلومة، والشعائر الموسومة. وإنما نذكر بعض مشتملاتها. ففيها أسواق بها جميع أصناف السلع، تجبى إليها من جميع أرجاء الدنيا، وبها منازل مشيدة كقصور مصر القاهرة، وبها بساتين صغيرة، وفيها سرايات بها سلسبيلات، وتكيتها مشيدة بداخلها بستان عظيم وصهريج لخزن الماء، ويأوى إليها كثير من الفقراء والمساكين للأكل والشرب. وقد أجرى جميع ذلك بها المرحوم محمد على، عزيز مصر، فهى من الصدقات الجارية عليه. وبمكة أيضا جملة مدارس غير المسجد الحرام، لجماعة من الهنود، يقرأ فيها العلم الشريف والقرآن الكريم وطريقها طريق التكايا ينفق فيها على الطلبة حسبة لله تعالى وترد عليها الهدايا من بلاد الهند، والصين، والجاوه، والداغستان، والآستانة العلية، ومصر القاهرة وغير ذلك. وفيها قهاو بكثرة وتجار مياسير، وملبوس أهلها ثياب مفرجة من الجوخ والحرير وغيره، وطواق مخيشة يتعممون عليها، ويلبسون فى أرجلهم النعال غاليا. ولشدة الحر فيها خصوصا فى زمن الصيف، لوقوعها فى وسط جبال تكتنفها من كل جهة، يخرج والى الحجاز وشريف مكة والأمراء والأعيان، فى زمن الصيف، إلى جهة الطائف وجبل كرى، فيقيمون هناك زمنا، منهم من يسكن بالأجر، ومنهم من له منازل فى ملكه معدة لذلك. وجبل كرى على مسافة يوم وليلة من مكة. والطائف على مسافة يومين، وفى كل منهما بساتين عظيمة، نضرة ذات فواكه، وأنهار عذبة الماء، ومبانيها كمبانى المحروسة، والهواء معتدل جدا.

стр. 2423

وبمكة قلعة حصينة تسمى قلعة جياد، وعلى رؤس جبالها طواب صغيرة بها مدافع وآلات وعساكر كافية. فإذا كان اليوم الثامن من شهر ذى الحجة الحرام، يقوم الحاج من مكة صباحا إلى عرفات، ولا يحط إلا بها، وهى منها على مسافة ست ساعات، وفى طريقه يمر بمنى، بكسر الميم، ثم بمزدلفة على نحو ساعة من منى، ثم بمسجد نمرة، بفتح النون وكسر الميم وفتح الراء وهاء التأنيث، على ساعة من المزدلفة، ثم إلى موقف عرفة على نحو نصف ساعة وعرفة بطحاء متسعة، لها حدود محصورة، فيبيت بها الحاج ليلة التاسع ويستمر إلى جزء من الليلة العاشرة، والوقوف بها جزءا من ليلة العاشر، أو جزءا من الليل وجزءا من النهار، هو الركن الأعظم للحج، والمراد/بالوقوف الحضور فى ذلك المكان، سواء كان واقفا أو راكبا أو جالسا، فبعد فراغ الخطبة ومضى جزء يسير من الليل تضرب المدافع، وينفرون من عرفات إلى المزدلفة فى كبكبة عظيمة مع أمير الحاج، فيصلّون بها المغرب والعشاء، ويبيت أكثرهم بها ويلتقطون الجمار منها، وهى بطحاء غير مسكونة. فإذا طلع الفجر ارتحلوا إلى منى، فإذا وصلوا إليها رموا جمرة العقبة بسبع حصيات، وذبحوا أو نحروا هداياهم، وحلقوا وقصّروا رؤسهم، وحينئذ يحل لهم لبس المخيط وغيره من محرمات الإحرام إلا النساء والصيد، وهذا التحلل الأصغر. ثم يتركون رحالهم بها ويرجعون إلى مكة فيطوفون طواف الإفاضة وهو الركن الرابع من أركان الحج، وحينئذ يحل لهم كل شئ حتى النساء والصيد، وهو التحلل الأكبر، ثم يرجعون إلى منى فيبيتون بها ليلتين لمن تعجل وثلاثة لمن لم يتعجل، ويرمون فى كل يوم من أيام الإقامة الجمرات الثلاث وهى العقبة، والوسطى، والكبرى، كل واحدة

стр. 2424

بسبع حصيات، ثم يرتحلون إلى مكة وقد كانوا تركوا بها أمتعتهم وأثقالهم فيقيمون بها إلى اليوم الثامن والعشرين من ذى الحجة، ثم يخرجون إلى محطة الشيخ محمود بموكب عظيم، ويكون أمير الحاج المصرى استلم المحمل على يد والى الحجاز. ثم يقومون من الشيخ محمود فى آخر الشهر إلى زيارة النبى ﷺ بالمدينة المنورة حرسها الله تعالى. يحطون بوادى فاطمة، ثم بعسفان، ثم بخليص، وهى بلدة على ست ساعات من عسفان، بها نخيل وأرضها صالحة يزرع فيها الذرة والدخن، والبطيخ والقثاء، والفجل ونحو ذلك. ويبيت بها الحاج ليلة واحدة مع التحفظ من شرار الأعراب كاللتين قبلها، وفيها ماء عذب، ثم ببئر الهند على ست ساعات من خليص وهو بويتات بها عرب قاطنون، وينصب فيها سوق وليس بها زرع وبها بئر ملحة الماء، ثم برابغ ويؤخذ منها العليق الكافى إلى وصول المدينة المنورة. ثم من رابغ إلى بئر رضوان على مسيرة اثنتى عشرة ساعة، وهى محل به حشائش ترعاها الإبل وبئره صالحة للشرب، وينصب فيه عند نزول الحاج به سوق يبيع فيه العرب سلعهم على الحاج، وليس هناك سكان. ثم إلى أبى ضباع محل على تسع ساعات من رابغ، به منازل مبنية بالطوب والطين تسكنها جماعة من العرب الذين يخشى من خيانتهم، وفيها نخل كثير وشجر الليمون والموز، ويزرع فى أرضها الشعير والدخن والذرة والمقاثئ، وبه ماء عذب كاف للحيوانات والمزارع، والطريق قبلها وبعدها مخوفة من كثرة الجبال وطروق العرب. ثم منها إلى الريان، تسع ساعات أيضا فى جبال شاهقة، وفى أثناء الطريق بينهما محل يقال له البليدية، به نخيل وموز وليمون، ويزرع فيه القمح والشعير والذرة. ثم بعده محل يقال له المضيق فيه أيضا نخل وزرع كالبليدية، ويسكن الموضعين عرب طبعهم السرقة والنهب كعرب الجبال التى هناك، فلذا يضطر الحاج زيادة على

стр. 2425

المرتبات المعينة لهم إلى مواساتهم بالأموال، وإطعام ليأمنوا من شرهم. والريان قرية مسكونة بالعرب، فيها نخيل وأشجار الرمان والليمون، ونوع يشبه البرتقال يقال له لين، ويزرع في أرضها الحبوب والخضر، وفيها ماء عذب يسقى منه الزرع وغيره. ومن الريان إلى بئر العضم وهو محل على مسيرة أربع عشرة ساعة به بئر مالحة وليس به سكان ولا بيع سلع. ومن بئر العضم إلى بئر الماشى، وهو محل على اثنتى عشرة ساعة به بئر عذبة الماء جدا، وبه بيع وشراء قليل وليس به زرع. ومن هناك إلى المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، على مسيرة ثمانى ساعات. وقال السيوطى فى حسن المحاضرة (١): قال ابن فضل الله: المحامل السلطانية وجماهير الركبان لا تخرج إلا من أربع جهات: مصر، ودمشق، وبغداد، وتعز. قال: فيخرج الركب من مصر بالمحمل السلطانى، والسبيل المسبل للفقراء والضعفاء والمنقطعين بالماء والزاد والأشربة، والأدوية والعقاقير والأطباء، والكحالين والمجبرين والأدلاء، والأئمة والمؤذنين والأمراء، والجند والقاضى والشهود، والدواوين والأمناء، ومغسل الموتى، فى أكمل زىّ وأتم أبهة، وإذا نزلزا منزلا أو رحلوا مرحلا تدق الكوسات وينفر النفير ليؤذن الناس بالرحيل والنزول.

стр. 2426

فإذا خرج الركب من القاهرة نزل البركة على مرحلة واحدة فيقيم بها ثلاثة أيام أو أربعة، ثم يرحل إلى السويس فى خمس مراحل، ثم إلى نخل فى خمس مراحل، وقد عمل فيها الأميرال ملك الجوكندار المنصورى، أحد أمراء المشورة فى الدولة الناصرية ابن قلاوون، بركا واتخذ لها مصانع. ثم يرحل إلى أبلة فى خمس مراحل وبها العقبة العظمى فينزل منها إلى حجز بحر القلزم، ويمشى على حجزه حتى يقطعه من الجانب الشمالى إلى الجانب الجنوبى، ويقيم به أربعة أو خمسة، وبه سوق عظيم فيه أنواع المتاجر، ثم يرحل إلى حقل مرحلة واحدة، ثم إلى برّ مدين فى أربع مراحل وبه مغارة شعيب ﵊، ويقال إن ماءها/هو الذى سقى موسى، ﵊، غنم بنات شعيب، ثم يرحل إلى عيون القصب فى مرحلتين، ثم إلى المويلحة فى ثلاث مراحل، ثم إلى الازلم فى أربع مراحل وماؤه من أقبح المياه، وهناك خان بناه الأمير آل ملك الجوكندار وعمل هناك بئر أيضا، ثم إلى الوجه فى خمس مراحل وماؤه من أعذب المياه، ثم أكرى فى مرحلتين وماؤه أصعب ماء فى هذه الطريق، ثم إلى الحوراء وهى على ساحل بحر القلزم فى أربع مراحل، وماؤها شبيه بماء البحر لا يكاد يشرب، ثم إلى نبط فى مرحلتين وماؤه عذب، ثم إلى ينبع فى خمس مراحل ويقيم عليه ثلاثة أيام، ثم إلى الدهناء فى مرحلة، ثم إلى بدر فى ثلاث مراحل، وهى مدينة حجازية وبها عيون وجداول وحدائق وبها الجار فرضة المدينة الشريفة، ثم يرحل إلى رابغ فى خمس وهى بإزاء الجحفة التى هى الميقات، ثم يرحل إلى خليص فى ثلاث مراحل وبها بركة عملها الأمير أرغون الناصرى، ثم إلى بطن مرّ فى ثلاث مراحل وفى طريقه بئر عسفان، ثم يرحل من بطن مرّ إلى مكة المشرفة مرحلة واحدة، ثم يرجع فى منازله إلى بدر فيعطف إلى المدينة الشريفة فيرحل إلى الصفراء فى مرحلة، ثم إلى ذى الحليفة فى ثلاث مراحل، ثم إلى المدينة الشريفة فى مرحلة، ثم يرجع إلى الصفراء ويأخذ بين جبلين فى فجوة تعرف بنقب علىّ حتى يأتى الينبع فى ثلاث مراحل ثم يستقيم على طريقه إلى مصر، انتهى.

стр. 2427

(بركة غطاس) قرية كبيرة من مديرية البحيرة بمركز دمنهور، واقعة على البر البحرى للمحمودية على بعد مائتى قصبة. وأبنيتها بالآجر واللبن، وعندها على شاطئ المحمودية سويقة مشتملة على قهاو وخمارات وحوانيت تجارة. وفى شرقيها جامع أنشأه الميرى، وفى بحريها بركة ماء، وفى جنوبها الشرقى جملة عزب منها عزبة الخواجة نصر الله، بها مسكنه وجنينة له، وفى بحرى الجنينة مسجد قديم بداخله مقام ولى يزار. ولها سوق كل أربعاء، وتعداد أهلها أربعمائة وخمس وتسعون نفسا، وزمامها أربعة آلاف فدان ومائتا فدان وتسعة وتسعون فدانا. (البرلس) بضم الموحدة والراء واللام المشددة وبعدها سين مهملة، ثغر عظيم من ثغور مصر، وقد عد ابن الكندى ثغور مصر فجعلها أربعة عشر رباطا وهى: العريش، وتنيس، وشطا، ودمياط، والبرلس، ورشيد، والإسكندرية، وذات الحمام، وجميع هذه على البحر الرومى، ورباط أسوان على النوبة، ورباط الواحات على البربر والسودان، ورباط قوص على البجاة، وكانت سرّة وبرقة وطرابلس من رباطات مصر إلى أن خرجت فى سنة ثلاث وثلثمائة فأضيفت إلى رباطات الغرب. انتهى. قلت: لعله نسى رباط السويس ورباط القصير، وهما من الرباطات القديمة. ويشتمل خط البرلس على جملة قرى متقاربة، واقعة فى الرمال التى بين بحيرة البرلس

стр. 2428

وشط البحر المالح وفى شرقيها أشتوم البرلس، وفى غربيها أشتوم برج المعدية. وقال (بلين) فى بعض مؤلفاته: إن هذا الخط كان يسمى بتنيتو، وجعله بطليموس بين فرع النيل الغربى وفرع فرموطاق. ويؤخذ من كلامه أن البرلس مدينة كانت قاعدة هذا الخط، وكانت تسمى بوطو وكان لها أسقف، وكان من مدائن هذا الخط مدينة يتمر والتى سميت فيما بعد دمرو، كما فى تاريخ البطارقة. وفى دفاتر التعداد أن من هذا الاسم بلدتين فى مديرية الغربية. وبلاد البرلس الآن من مديرية الغربية، ومن أشهرها فلبشو الواقعة بآخر الرمال، منها إلى البحر المالح نحو ثلاث ساعات، وفى غربيها قربة أبى ماضى بنحو ساعة، وفى جنوبها كفر الستمونى بنحو ساعتين وفيها أبنية بالآجر والمونة. وقرية أبى ماضى فى قبلى البرج الحصين المعروف، بنمرة خمسة، الذى على شط المالح بنحو ساعتين. ومن أشهرها أيضا الشهابية، بوسط الرمال غربى البرج بنحو ساعتين، وشرقى العباسة بنحو ثلث ساعة، وناحية العباسة فى وسط الرمال غربى الشهابية بقليل، وشرقى بلطيم بنحو ساعتين، وهى غير العباسة التى ببلاد الشرقية، وبلطيم على شاطئ بحيرة البرلس، غربى قبة الشيخ مبارك بنحو ساعة، وفى بحريها ملاحة البرلس، طولها خمسة آلاف متر ومتوسط عرضها ثلثمائة متر، وفيها جامع بمنارة ومعمل فراريج، ولها سوق جمعى.

стр. 2429

ومنها كفر يوسف، به ضريح الشيخ يوسف، ومنها كفر الحصير بقرب أشتوم البرلس، وفى قبليه بقليل قبة ولى يقال له الشيخ غانم. وعلى شاطئ بحيرة البرلس جملة قباب لجماعة من الصالحين يقال لهم الشرفاء العامرية، وحول تلك القباب كفور صغيرة تسمى عزب الشرفاء، وفى كثير من هذه القرى أبنية بالآجر والمونة، وفيها مساجد عامرة، ولها نخيل كثير فى الرمال يتصل بعضه ببعض، على أصناف مختلفة منه، السمانى والحيانى وبنات عيش والكبيس، ويزرع فى رمالها البطيخ المشهور بالبرلسى، وفيها كروم العنب الأسود والأبيض، تبلغ الحبة منه قدر بيضة الحمامة مز الطعم، وكثير من أهلها يصطادون السمك من البحيرة والبحر، ويعملون منه الفسيخ الكثير ويجلب إلى مصر وخلافها، وتكسب/أهلها منه ومن البطيخ والعنب وتمر النخل. وكانت هذه القرى سابقا فى التزام محمد بيك طبوز أغلى، ثم ولده حسين بيك ثم هى الآن تابعة لمديرية الغربية، ثم إن جميع بلاد البرلس لا يصل إليها ماء النيل إلا قليلا، وأكثر شربهم من الحفائر وكذا سقى نخيلهم ونحوه، ويزرعون على المطر، فصدرت الأوامر الخديوية بعمل طريقة لتوصيل المياه إليهم، وهناك بحيرة متسعة تسمى بحيرة البرلس، وكذلك البرية الكبيرة الواسعة تنسب إليها، مع أنها لجملة بلاد كما بيّنا ذلك فى الكلام على بلقاس. ولها ملاحة تنسب إليها أيضا، وهى من أعظم ملاحات مصر لجودة ملحها، حتى أن أهل رشيد يفضلونه على الملح المستخرج من ملاحتهم، ويستعملونه فى ضرب الأرز. وهى واقعة فى الشمال الشرقى لبلطيم، وهى عبارة عن بركة فى وسط الرمل أرض قاعها منحطة عن المالح نحو نصف متر، تجف فى شهرى مسرى وتوت، فيقطعون منها الملح

стр. 2430

بالفؤس ويضعونه على أرض مرتفعة، ثم ينقلونه فى قوارب صغيرة وينشر فى الجهات، وقدر ما يتحصل منه فى السنة نحو خمسة آلاف أردب أو أكثر، والأردب عندهم ثلاثون كيلة بالكيلة المصرية التى هى نصف ويبة، وأجرة الأردب من قطع ووسق من قرشين إلى ثلاثة قروش. ثم أنه يظهر أن أهالى بلاد البرلس أو بعضهم عرب قرشيون، كما يدل كلام المقريزى فى كتابه «البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب» فإنه قال: إن فرقة من بنى عدى بن كعب رهط أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، نزلوا بالبرلس ومقدمهم خلف بن نصر بن منصور بن عبيد الله بن عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكانوا هم والكنانيون من ذوى الإثارة المذكورة فى نوبة دمياط. وخلف هذا هو جد بنى فضل الله بن المحلى بن دعجاب بن خلف بن نصر الله، ولوا كتابة السر لملوك الترك بالقاهرة ودمشق نحو مائة سنة. انتهى. وفى كتاب المستطرف (١): أن فى البرلس وقطية أقواما يعرفون قيافة الأثر. قال: والقيافة على ضربين: قيافة البشر وقيافة الأثر، فأما قيافة البشر: فالاستدلال بصفات أعضاء الإنسان، وتختص بقوم من العرب يقال لهم بنو مدلج، يعرض على أحدهم مولود فى عشرين نفرا فيلحقه بأحدهم. وحكى عن بعض أبناء التجار أنه كان فى بعض أسفاره راكبا على بعيره يقوده غلام أسود، فمر بهؤلاء القبيلة فنظر إليه واحد منهم وقال: ما أشبه الراكب بالقائد، قال

стр. 2431

ولد التاجر: فوقع فى نفسى من ذلك شئ، فلما رجعت إلى أمى ذكرت لها القضية. فقالت: يا ولدى إن أباك كان شيخا كبيرا ذا مال وليس له ولد فخشيت أن يفوتنا ماله، فمكنت هذا الغلام من نفسى فحملت بك، ولولا أن هذا شئ ستعلمه غدا فى الدار الآخرة لما أعلمتك به فى الدنيا. وأما قيافة الأثر: فالاستدلال بالأقدام والحوافر والخفاف، وقد اختص به قوم من العرب أرضهم ذات رمل، إذا هرب منهم هارب أو دخل عليهم سارق تتبعوا آثار قدمه حتى يظفروا به. ومن العجب أنهم يعرفون قدم الشاب من الشيخ، والمرأة من الرجل، والبكر من الثيب، والغريب من المستوطن. ثم قال: ولولا أن هناك لطيفة لا يتساوى الناس فيها، يعنى فى علمها، لما استأثر بذلك طائفة دون أخرى. وقيل إن القيافة لبنى مدلج فى أحياء مصر. واختلف رجلان من القافة فى أمر بعير. وهما بين مكة ومنى، فقال أحدهما: هو جمل، وقال الآخر هى ناقة، وقصدا يتبعان الأثر حتى دخلا شعب بنى عامر، فإذا بعير واقف فقال أحدهما لصاحبه: أهو ذا؟ قال: نعم، فوجداه خنثى فأصابا جميعا انتهى. وفى خطط المقريزى: أن محتسب القاهرة فى القرن الثامن كان من البرلس، وهو صلاح الدين عبد الله بن عبيد الله البرلسى، وهو الذى أحدث السلام على رسول الله ﷺ ليلة الجمعة، عقب الأذان بعد سنة ستين وسبعمائة. قال: فاستمر ذلك إلى أن كان فى شعبان سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، فأمر

стр. 2432

متولى الأمر بديار مصر الأمير منطاش فى دولة الملك المنصور بن شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون أن يكون ذلك بعد كل أذان، لرؤيا ادّعاها بعض الفقراء الخلاطين. وسيأتى فى الكلام على طنبدا شئ من ذلك وأنه من البدع المحدثة. ترجمة القطب الشهير سيدى على الخوّاص (١) وظهر منها أيضا صلحاء وعلماء كثيرون، ففى طبقات الشعرانى إن منها شيخه القطب الشهير سيدى عليا الخوّاص ﵁ قال: وكان أميّا لا يكتب ولا يقرأ، وكان يتكلم على معانى القرآن العظيم والسنة المشرفة كلاما نفيسا تتحير فيه العلماء، وكان له طب غريب يداوى به أهل الاستسقاء والجذام والفالج والأمراض المزمنة. وكان يعظم أرباب الحرف النافعة فى الدنيا كالسقاء والزبال، والطباخ، والفيخرانى، ومقدم الوالى، ومقدم أمير الحاج، والمعداوى والطوافين على رؤسهم بالبضائع، ويدعو لهم ويكرمهم. وكان يعظم العلماء وأرباب الدولة ويقوم لهم ويقبل أيديهم ويقول: هذا أدبنا معهم فى هذه الدار/وسيعلمنا الله تعالى الأدب معهم إذا وصلنا إلى دار الآخرة، وكان إذا علم من أحد من أرباب الدولة أو غيرهم أنه قاصد السلام عليه، يذهب إليه قبل أن يأتى. وكان أولا طوافا يبيع الصابون والجميز والعجوة وكل ما وجد، ثم فتح دكان زياتة سنين عديدة، ثم صار يضفر الخوص إلى أن مات.

стр. 2433

وكان لا يأكل شيئا من طعام الظلمة وأعوانهم، ولا يتصرف فى شئ من دراهمهم فى مصالح نفسه أو عياله، إنما يضعه عنده للنساء الأرامل والشيوخ، والعميان العاجزين عن الكسب، ومن ارتكبتهم الديون فيعطيهم من ذلك. وكان يكنس المساجد وينظف البيوت الأخلية، ويحمل الكناسة تارة ويخرجها إلى الكوم احتسابا لوجه الله تعالى كل يوم جمعة. وكان يكنس المقياس فى كل سنة، ثانى يوم نزول النقطة وينفق على أصحابه ذلك اليوم نفقة عظيمة، ويزن عنهم كراء المعدية وهم نحو مائة نفس، ثم يفرق السكر والخشكنان على أهل المقياس وجيرانه، ثم ينزل فيكشف رأسه ويتوضأ من المقياس ويصير يبكى ويتضرع ويرتعد كالقصبة فى الريح، ثم يطلع فيصلى ركعتين ويأمر كل واحد من أصحابه أن ينزل ثم يكنس السلم بمشط من حديد، ويخرج الطين الذى فيه بنفسه لا يمكن أحد أن يساعده فيه. وكان يقول لا يصير الرجل عندنا معدودا من أهل الطريق إلا إذا كان عالما بالشريعة المطهرة، مجملها ومبينها، ناسخها ومنسوخها، خاصها وعامها، ومن جهل حكما واحدا منها سقط عن درجة الرجال. وكان يقول: ونحن فى سنة إحدى وأربعين وتسعمائة، جميع أبواب الأولياء قد تزحزحت للغلق، وما بقى الآن مفتوحا إلا باب رسول الله ﷺ فأنزلوا كل ضرورة حصلت لكم به ﷺ . وكان يقول فى قولهم: «بئس الفقير بباب الأمير»، هذا فى حق من يأتى الأمير يسأله الدنيا فإن كان لشفاعة ونحوها فنعم الفقير بباب الأمير. وكان يقول: سمعت سيدى إبراهيم المتبولى يقول: زيادة العلم للرجل السوء كزيادة الماء فى أصول شجر الحنظل، فكلما ازداد ريا ازداد مرارة.

стр. 2434

وكان يقول: من آداب الزائر أن لا يزور أحدا إلا إن كان يعرف من نفسه القدرة على كتمان ما يرى فى المزور من العيوب، وإلا فترك الزيارة أولى. وكان يقول فى حديث: «أن الله يكره الحبر السمين» المراد بالحبر العالم، وسمنه يدل على قلة ورعه وعمله بعلمه، فلو تورع لم يجد شيئا فى عصره يسمن به. وكان يقول فى قوله ﷺ : إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، يدخل فيه العالم، أو المسلك إذا لم يعمل بعلمه فى نفسه، ولكن أفتى ودل الناس على طريق الله ، وكذا يدخل فيه العالم والعابد إذا زهدا فى الدنيا طول عمره، فلما قربت وفاتهما مالا إلى الدنيا وأحباها وجمعا المال من غير حل، فيموتان على ذلك فيحشران مع الفجار الخارجين عن هدى العلماء العاملين. وكان يقول: ليس ما يصيب الأطفال والبهائم من الأمراض كفارة لها لعدم معصيتها، وإنما هو فى البهائم لكونها تطعم وتسقى فى غير وقته أو غير ما تشتهى، أو لا تقتصر فى الأكل على الحاجة بل تزيد، ثم تستخدم مع ذلك فتتعب أبدانها لا سيما فى شدة الحرّ والبرد. وأما فى الأطفال فلأن الحوامل من النساء والمرضعات يأكلن ويشربن بشره وحرص أكثر مما ينبغى من ألوان الطعام والشراب، فيتولد فى أبدانها أخلاط غليظة مضادة للطباع، فيؤثر ذلك فى أبدان الأجنة التى فى بطونهن، وفى أبدان أطفالهن من اللبن الذى هو فاسد، ويكون ذلك سببا للأمراض والعلل والأوجاع من الفالج والزمانات واضطراب البنية، وتشويه الخلقة وسماجة الصورة. ثم قال: من أراد السلامة من ذلك فلا يأكل ولا يشرب إلا وقت الحاجة بقدر ما ينبغى من لون واحد، بقدر ما يسكن ألم الجوع ثم يستريح وينام، ويمتنع من الإفراط فى الحركة والسكون.

стр. 2435

وكان يقول: من طلب دليلا على الوحدانية كان الحمار أعرف منه بالله. وكان يقول: العلوم الإلهية لا تنزل إلا فى الأوعية الفارغة، ثم أنشد لبعضهم: أتانى هواها قبل أن أعرف الهوى … فصادف قلبا فارغا فتمكنا وكان يقول: الأفلاك تدور بدوران القلوب، والقلوب تدور بالأرواح، والأرواح بالأشباح، والأشباح بالأعمال، والأعمال بالقلوب، فرجع الآخر للأول. وكان يقول: إياكم والوقوع فى المعاصى، ثم تقولون هذا من إبليس، فإن إبليس يتبرأ منكم فى مكان يصدق فيه الكذوب، وذلك حين يخطب فى النار ويقول فى خطبته فلا تلومونى ولوموا أنفسكم، يعنى ما أغويتكم، حتى ملتم بنفوسكم إلى الوقوع فى المعاصى، وما كان لى عليكم من سلطان، يعنى قبل أن تميلوا. وكان يقول: ما فى القلب يظهر على الوجه، وما فى النفس يظهر على الملبوس وما فى العقل يظهر فى العين، وما فى السر يظهر فى القول/، وما فى الروح يظهر فى الأدب، وما فى الصورة كلها يظهر فى الحركة. وكان ﵁ يقول: العلم والمعرفة، والإدراك والفهم، والتمييز من أوصاف العقل، والسمع والبصر، والحاسة والذوق، والشم والشهوة والغضب من أوصاف النفس، والتذكر والمحبة، والتسليم والانقياد والصبر من أوصاف الروح، والفطرة والإيمان، والسعادة والنور، والهدى واليقين من أوصاف السر، والعقل والنفس، والروح والسر المجموع أوصاف للمعنى المسمى بالإنسان، وهى حقيقة واحدة غير متميزة وهذه الحقيقة وأوصافها روح هذا القالب المتحرك المتميز، والجميع روح صورة هذا القالب، والمجموع من الجميع روح جميع العالم. انتهى. باختصار كثير فقد أطال فى سوق جمل من كلامه الدال على مزيد فضله. ولما مات ﵁ دفن بمسجده فى الحسينية من القاهرة وقبره مشهور يزار.

стр. 2436

ترجمة الشيخ محسن البرلسى ومن البرلس أيضا الشيخ محسن البرلسى ﵁، قال الشعرانى فى الطبقات (١): كان من أصحاب الكشف التام، ووقع منى مرة سوء أدب فأرسل أعلمنى به، وهو فى الرميلة، وذلك أن الأمير جانم كان مطلوبا فى إسلامبول، فكتبت له كتابا إلى أصحاب النوبة بنواحى العجم والروم بالوصية عليه، وطواه ووضعه فى رأسه وخرج، فأرسل لى الشيخ فى الحال يقول: الناس فى عينيك كالقش، ما بقى أحد فى البلدة له شوارب إلا أنت، تكاتب أصحاب النوبة من غير إذن من أصحاب البلد، فاستغفرت فى نفسى فأرسل يقول لى: إذا سألك أحد فى شئ يتعلق بالولاة بمصر فشاور بقلبك أصحاب النوبة بها، إعطاء لحقهم من الأدب معهم ثم افعل بعد ذلك ما تريد لا حرج، لأنهم لا يحبون من يقل أدبه معهم. مات ﵁ فى سنة نيف وأربعين وتسعمائة، ودفن بالقرب من الإمام الشافعى فى تربة البارزى ﵁. ترجمة الشيخ عبد الجواد البرلسى وفى خلاصة الأثر (٢) أن منها عبد الجواد بن نور الدين البرلسى المصرى، خطيب الجامع الأزهر، الإمام الجليل الذى فضله أعظم من أن يذكر، أخذ عن والده، تخرج وبرع وتفنن فى علوم كثيرة، وانتفع به جمع، وكان له وجاهة ونباهة ونظم الشعر الفائق، واشتغل برهة بعلوم الرقائق، ومن لطيف شعره قوله فى رحالة:

стр. 2437

أؤدى إلى أعتاب عزتك العليا … سلاما سعى بالود نحوكم سعيا وأنهى إلى ذاك الوجيه مدائحا … وأدعية فى أزهر العلم والمحيا وأبدى له وجدى وفرط تشوّقى … رعى الله عهدا قد تقضى به رعيا وأنشدكم بالله عطفا على فتى … لبعدكم لم يلف صبرا ولا وعيا فأنت وجيه الدين غاية مقصدى … لبعدك باشرت المتاعب والأعيا وكانت وفاته فى الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وألف بمصر رحمه الله تعالى. ترجمة الإمام الشهير الشيخ مصطفى البولاقى البرلسى ومن البرلس أيضا الإمام الكبير والعالم الشهير، الشيخ مصطفى البولاقى الأزهرى، وقد ترجمه بعض الأفاضل، على لسان نجله المرحوم العلامة الشيخ يحيى البولاقى المالكى، الذى كان خطيبا بجامع المشهد الحسينى بالقاهرة، وأحد مدرسى الجامع الأزهر فقال: هو الحسيب النسيب، العفيف الشريف، العلامة الشيخ مصطفى، المشهور بالبولاقى، ابن الشيخ رمضان البرلسى ابن الشيخ عبد الكريم البرلسى، ابن الشيخ سليمان البرلسى، ابن الشيخ رجب البرلسى، ابن الشيخ عبد العظيم البرلسى، ابن الشيخ عميرة البرلسى الشهير بالشهاب، وينتهى نسبه إلى السيد عيسى الشهير بغفير البرلس، من ذرية سيدى موسى أخى العارف بالله تعالى سيدى إبراهيم الدسوقى ﵁. كان المترجم من فضلاء الآنام، وأئمة الإسلام، ولد رحمه الله تعالى ببولاق مصر القاهرة، فى أواخر القرن الثانى عشر، وحفظ القرآن على العارف بالله تعالى

стр. 2438

الشيخ صالح السباعى، خليفة أبى البركات القطب الشهير الشيخ أحمد الدردير، وتلقى عنه طريق السادة الخلوتية، ومبادئ مذهب الإمام مالك. ثم أخذ عن جماعة من أكابر العلماء منهم خاتمة المحققين الشيخ محمد الأمير الكبير، روى عنه السنن الست والموطأ، والمواهب اللدنية، والشفاء للقاضى عياض، وغيرها من الرسائل والمسلسلات، وأخذ عنه شيئا من فقه مالك. ومنهم الشيخ محمد الأمير الصغير، أخذ عنه أيضا فقه مالك. ومنهم العلامة الدسوقى، صاحب التصانيف المشهورة، أخذ عنه كثيرا من المعقول والمنقول. ومنهم البرهان القويسنى الشافعى، أخذ عنه المطول وجمع الجوامع، وغيرهما من كتب الرواية والدراية. ومنهم الشيخ شافعى الفيومى، وغيرهم من مشايخ العصر، حتى حصل التحصيل التام، وشهد بفضله الأنام، وتصدى للإفتاء والتدريس بالجامع الأزهر من ابتداء سنة ثلاث وعشرين بعد المائتين والألف، بعد الإجازة/من كافة مشايخه، فدرس الكتب العديدة من معقول ومنقول، وفروع وأصول، وتلقى عنه الجمّ الغفير من سائر أهل المذاهب. وقد صار واحد الزمان، وأشارت إليه الأكف بالبنان، وظهرت النجابة على تلامذته فى حياته، فدرسوا وصنفوا وأفادوا وأجادوا. فمنهم شيخ المالكية سابقا، وشيخ المشايخ المرحوم العلامة الشيخ محمد بن أحمد عليش المغربى الطرابلسى، صاحب التصانيف الشهيرة فى فنون كثيرة. ومنهم الفاضل الشيخ حسن العدوى الحمزاوى، صاحب التصانيف الكثيرة أيضا، من قرية عدوة من بلاد البهنسا.

стр. 2439

ومنهم العلامة المحقق الشيخ محمد الأشمونى، والسيد حسنين الغمراوى، والشيخ مخلوف المنياوى وغيرهم من المدرسين والمؤلفين. فكان رحمه الله تعالى ديدنة التدريس والإفادة لكبار الكتب وصغارها، ولذا لم يشتهر عنه من التاليف غير شئ قليل: كحاشية على شرح شيخه القويسنى للسلم فى المنطق، وشرح على منظومة فى فقه مالك، تسمى المنهل السيال فى الحرام والحلال، وله تقريرات على مسلسل عاشوراء. وجمع عنه تلامذته بعض تقريرات على السعد وجمع الجوامع، وله ديوان خطب مشهور، ورسالة فى حكم السماع؛ سماها السيف اليمانى فى حكم سماع الآلات والمغانى. وكان له ميل كبير إلى فنون الرياضة، كالهندسة والحساب والهيئة والفلك، وكان يحب الاجتماع بأهل هذه الفنون كثيرا مثل: الأمير محمود بيك الفلكى صاحب المعارف الشهيرة فى فنون كثيرة، والأمير الجليل حضرة سلامة باشا مفتش وجه قبلى، وغيرهما من جهابذة مدرسة المهندسخانة التى كانت ببولاق، حتى تمكن من تلك الفنون ونظم رسالة فى فن الميقات فى الربع المجيب، وألف رسائل كثيرة فى الجبر والمقابلة وحساب المثلثات. وكانت سكناه ببولاق، ويأتى الأزهر كل يوم، وكان يخطب بمسجد السلطان أبى العلا، وله به درس دائم بين المغرب والعشاء، وكان لسانه رطبا بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، صوّاما قوّاما، ولم يزل يزداد فى الاجتهاد فى الطاعة حتى أتاه اليقين، فى سنة ثلاث وستين ومائتين وألف، ودفن بداخل ضريح السلطان أبى العلا الحسينى ببولاق، ﵁. (برما) بكسر الباء وسكون الراء، كما فى مشترك البلدان،

стр. 2440

قرية كبيرة قديمة، من مركز أبيار بمديرية الغربية، مبنية على تل مرتفع بحرى محلة المرحوم، على بحر الصهريج بمسافة ثلثى ساعة، ولها شهرة بمعامل الدجاج. وكثير من المعامل التى بجهات مصر البحرية يديرها أناس من أهاليها، وقد ذكرنا كيفية استخراجه وما يتعلق به فى الكلام على ناحية ببلاو. وبها جمله بساتين وسواق معينة، وبها جامع بمئذنة عامر، وعمدتها محمد حموده، كان مفتشا فى الشفالك ثم أنعم عليه الخديو إسماعيل برتبة أمير الاى، وله بهاييت يشبه بيوت مصر، وسوقها سوق من ناحية أبيار وطنتدا. ترجمة شمس الدين البرماوى ونشأ منها من أفاضل العلماء الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الدائم، وقد ذكر ترجمته فى حسن المحاضرة (١) فقال: البرماوى؛ هو شمس الدين محمد بن عبد الدائم بن موسى، ولد فى ذى القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة، ولازم البدر الزركشى وتمهر به، وأخذ عن السراج البلقينى، وله تصانيف منها شرح العمدة ومنظومة فى الأصول. مات سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة. وفى الضوء اللامع للسخاوى (٢) أنه أمعن فى الاشتغال بالعلم، مع ضيق الحال وكثرة الهم، وناب فى الحكم عن أبيه البدر، ثم عن ابن البلقينى، ثم عن الإخنائى، ثم أقبل على الاشتغال. وكان للطلبة به نفع، وكل سنة يقسم كتابا من

стр. 2441

المختصرات، فيأتى عن آخره ويعمل وليمة. ثم توّجه إلى دمشق وناب فى الحكم وفى الخطابة، وولى إفتاء دار العدل، ثم تدريس الرواحية ونظرها، وتدريس الأمينية فاشتهرت فضيلته. ثم مات ولده محمد، فكره الإقامة بدمشق وجاء إلى القاهرة، وقد اتسع حاله وتصدى للإفتاء والتدريس والتصنيف، وباشر وظائف الولى العراقى نيابة عن حفيده، ولبس لذلك تشريفا، وعين لتدريس الفقه بالمؤيدية، وحج فى سنة ثمان وعشرين وجاور التى بعدها، ونشر العلم أيضا هناك. ثم عاد فى سنة ثلاثين وقد عين له بعناية ابن حجى تدريس الصلاحية ونظرها بالقدس، بعد موت الهروى فى آخر المحرم، فتوجه إليها وأقام بها قليلا، وانتفع به أهل تلك الناحية أيضا ولم ينفصل عنها إلا بالموت. وكان إماما علامة فى الفقه وأصوله، والعربية وغيرها مع حسن الخط والنظم والنثر، والتودد ولطف الأخلاق، وكثرة المحفوظ والتلاوة والوقار. ومن تصانيفه: شرح البخارى فى أربع مجلدات، وشرح العمدة، وله أيضا منظومة فى أسماء الرجال، وألفية فى أصول الفقه وشرحها، ومنظومة فه ى الفرائض، وشرح لامية الأفعال لابن مالك، والبهجة الوردية، وزوائد الشذور. وعمل مختصرات فى السيرة النبوية، وكتب عليها حاشية، ولخص المهمات للإسنوى، ولم يزل قائما بنشر العلم تصنيفا وإقراء حتى مات يوم الخميس الثانى والعشرين من جمادى الثانية سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة، ببيت المقدس، رحمه الله تعالى، انتهى.

стр. 2442

ترجمة المجد البرماوى / - ومنها أيضا المجد البرماوى، وهو كما فى حسن المحاضرة (١) أيضا: إسماعيل ابن أبى الحسن على بن عبد الله، ولد فى حدود الخمسين وسبعمائة، ومهر فى الفقه والفنون، وتصدى للتدريس أخذ عن البلقينى وغيره ومات فى ربيع الآخر سنة أربع وثلاثين وثمانمائة. [على البرماوى] ومن أهالى هذه القرية كما فى ابن اياس أيضا (٢): الحاج على البرماوى وكان بزدار السلطان الغورى والمتحدث على جهات الديوان المفرد، مات يوم الجمعة خامس عشر شعبان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وقد رأى من العز والعظمة ما لم يره غيره من البزدارية، وساعدته الأقدار حتى وصل إلى ما لم يصل إليه غيره فى هذه الوظيفة، وكان سبب موته أنه طلع له شقفه فى ظهره فانقطع اثنى عشر يوما ومات. وكان أصله من فلاحى برما يبيع الخام والطرح فى الأسواق وهو راكب حمارا، إلى أن فتح الله عليه، وكان لا بأس به، وكان عنده لين جانب من تواضع زائد، وظهر له من الموجود بعد موته من الذهب العين خمسمائة ألف دينار وستمائة دينار ذهب عين برسبهيه. ووجد له من الحجورة (الخيل) والمهارة نحو خمسمائة وأربعين رأسا، ومن الجاموس مائة رأس، ومن الغنم الضأن ألف رأس، ووجد له بالدواليب أربعمائة ثور، وضاع له عند الفلاحين أكثر مما تقدم ذكره، فقوّم ذلك الموجود بمائة ألف دينار. انتهى من ابن اياس.

стр. 2443

وسيأتى أن البازدار، هو خادم جوارح الصيد من البازات والصقور. والديوان المفرد، هو ديوان الأملاك الخاصة بالملك. قال خليل الظاهرى: يقال جميع بلاد المفرد الشريف، وله ديوان يقال له ديوان المفرد، والأمراء الملحقون به مفاردة والواحد مفردى. ويقال: الحجاب والمفاردة والأجناد ومفاردة الحلقة، ويطلق المفرد على الجندى أو المملوك. يقال: وصل مفرد من الصعيد، ويطلق المفرد على الزمامى، ففى سياحة ابن بطوطة الزماميون هم المفردون، أو المتفردون. وقال: استحضر صاحب الحصن والمفردون، وهم الزماميون، والزمامى هو المستخدم فى ديوان الأزمة. وذكر عماد الدين الأصفهانى فى تاريخ السلجوقية كلمة صاحب ديوان الزمام. وذكره المسعودى بلفظ الجمع، فقال: ولى الأزمة والخاتم. وقال: أقر الربيع على دواوين الأزمة. وذكر أبو المحاسن ان زمام دار كلمة فارسية مركبة من زمام ودار، ومعنى دار ممسك وليس معناه بيت كما تعتقده العامة. ويقولون: زمام الآدر. وفى كتاب خليل الظاهرى: زمام الآدر الشريفة هو الطواشى سمى زماما لأن أمور جميع الآدر الشريفة بيده، فقد جعل دار بمعنى بيت كما تعتقده العامة، وهو خلاف التحقيق. وقال صاحب ديوان (١) الإنشاء. زمام دار أصله زنان دار مركبا من كلمتين فارسيتين، فزنان معناه النساء ودار معناه ممسك، فحرفته العامة إلى زمام، وفسروه بقائد النساء، وهو أكبر الخدام يخاطب الملك فى تعلقات الحريم ويستدعى ما يحتجن إليه وله أتباع بباب الستارة ينصرفون فيما يصرفهم فيه من الوظائف، ويستأذن على تزويج المعتقات والخوندات.

стр. 2444

يؤخذ من (كترمير) أن خوندات جمع خوند أو خوندة وهى جارية الملك التى ولدت منه، فيقال تولى عقد تزويج جارية السلطان أم بنته. ونساء مصر يطلقونها على زوجة الملك فيقال صارت خوند الكبرى بعد موت خوند سكرباى الأحمدية. والعادة القديمة أن الخوندات يكن أربعا خوند الخوندات وهى، خوند الكبرى، وخوند الثانية، وخوند الثالثة والرابعة، وكذلك يطلق على أخت زوجة الملك فى كتاب الإنشاء أن الخواتين (جمع خاتون) من نساء الملوك يعبر عنهن فى زماننا بالخوندات وتطلق أيضا على السيد الأمير وهى كلمة فارسية. انتهى. ثم قال: إن ما ذكره صاحب كتاب الإنشاء من أن زمام أصله زنان بالنون ليس بصواب وليست هى بمعنى الطواشى فقط بل يطلق أيضا على مربى المماليك، وأصل زمام فى الأصل مقود الدابة فتصرف فيها، واستعملت بمعنى المتكلم على الشئ المتقدم فيه فيقال صار لأهله إماما وعلى جده وهزله زماما. انتهى. ترجمة الشيخ أحمد البرماوى الضرير وفى الجبرتى (١) أن من هذه القرية الشيخ الفاضل والعلامة العامل أحمد بن على ابن محمد بن عبد الرحمن علاء الدين البرماوى الذهبى الشافعى الضرير. حضر إلى مصر فجاور بالمدرسة الشيخونية، وحضر دروس مشايخ الأزهر كالشيخ محمد فارس، والشيخ على قايتباى، والشيخ الدفرى، والشيخ سليمان الزيات، والشيخ الملوى، والشيخ المدابغى، والشيخ الغنيمى، والشيخ الحفنى، وأخيه الشيخ يوسف، والشيخ الصعيدى، ثم تصدر للتدريس وإفادة الطلبة فانتفع به الكثير وكان إنسانا حسنا لا يتداخل فى أمور الدنيا.

стр. 2445

قال الجبرتى: وأخبرنى ولده الفاضل الشيخ مصطفى أن المترجم ولد بمصر سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف، وأصابه الجدرى فطمس بصره فأخذه عم أبيه الشيخ صالح الذهبى ودعا له فقال: «اللهم كما أعميت بصره نوّر بصيرته». فاستجاب الله دعاءه، فكان قوى الإدراك يمشى وحده من غير قائد، ويركب من غير خادم، ويأتى إلى الأزهر ولا يخطئ فى الطريق وينتحى مما عساه يصيبه أقوى من/صاحب البصر، ولم يزل على حاله إلى أن توفى فى شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف من السنة المذكورة، وصلى عليه بجامع طولون، ودفن بجوار المشهد المعروف بالسيدة سكينة ﵂ وعنه. (برمون) اسم مدينة من الوجه البحرى كانت محل إقامة حاكم ونقل (كترمير) من كتب القبط أن القيصر (ديوكليتيان) جعل الأمير (أريان) حاكم الاقاليم القبلية حاكما على جميع الديار المصرية، وصرفه فيها التصرف المطلق، من ابتداء الاسكندرية إلى بيلاق والبرمون. واستنبط (كترمير) المذكور من هذا الكلام مما وجده فيما كتب فى السنكزار-كتاب أخبار القبط -أن المقصود هنا من لفظ برمون هو المدينة التى تسميها العرب الفرما، وقوى ذلك عنده ما هو مذكور فى بعض كتب البطارقة، من أن أخوين من الرهبان قصدا مدينة برمون للتجارة وعادا منها فى البحر إلى الإسكندرية فى مدة سبعة عشر يوما. وشرح ما كانت عليه مدينة الفرما فى الأعصر الأول مبسوط فى كتاب أبى الفداء، والإدريسى، والمقريزى (١) وغوليوس، وغيرهم وسيأتى الكلام عليها فى محله. ومن هذا الاسم-أى برمون-أيضا بلدة من مديرية الدقهلية بمركز شها على الشاطئ الشرقى لفرع دمياط، وفى جنوب ناحية بدواى بنحو خمسة آلاف وخمسمائة متر، وفى الشمال الغربى لناحية شها بنحو خمسة آلاف ومائتى متر.

стр. 2446

وفى كتاب البيان والإعراب عمن بمصر من الأعراب للمقريزى: أن هذه البلدة كانت لعرب الحيادرة، وهم ولد حيدرة بن معروف بن حبيب بن الوليد بن سويد، وهم طائفة كثيرة، ولبنى عمارة بن الوليد بن سويد وفيهم عدد، وممن أمر معبد بن منازل وأقطع لمنى أبو جعشم من ولد مالك بن هلبا بن مالك بن سويد وأمر واقتنى عدة من المماليك والأتراك والروم، وبلغ من الملك الصالح نجم الدين أيوب منزلة وارتفع قدره فى سلطنة المعز أيبك وقدمه على عرب ديار مصر، ولم يزل على هذا حتى قتله غلمانه، فأقام الملك المعز ابنيه سلمى ودعش عوضه، ثم قدم دعش دمشق فأمره الملك الناصر يوسف ببوق وعلم، وأمر الملك المعز أيبك أخاه سلمى كذلك فأبى حتى يؤمر مفرج بن سالم بن راضى بن هلبا بعجه، ثم أمر مزروع بن نجم كذلك فى جماعة كثيرة من جذام وثعلبة وخلف ابن سالم على أمرته ولده حسان بن منوح، وكان مهيأ بن علوان بن على بن زبير ابن حبيب بن نائل من هلبا، جوادا كريما طرقته ضيوف فى شتاء وليس عنده حطب لطعامه الذى أراد أن يصنعه لهم فأوقد أحمالا من بز كانت عنده، وكان له كفر برسوط بنواحى مرصفة وكان لبنى ردينى بن زياد بن حسين بن مسعود بن مالك تل محمد. انتهى. (برنبال) من هذا الاسم ثلاث قرى كلها فى الوجه البحرى من مصر، إحداها بمديرية الغربية من مركز دسوق على الشاطئ الشرقى لبحر رشيد فى شمال قرية مطوس، بينها وبين رشيد نحو ساعتين، ومنها إلى فوّة نحو أربع ساعات، وهى قرية مبنية من الآجر واللبن وبها جوامع بمنارات، وأطيانها متصلة ببحيرة البرللس، ويزرع فيها الأرز كثيرا وسائر الأصناف المعتادة، وكان بها للعزيز المرحوم محمد على قصر ينزل فيه، وفيه مات ابنه الأمير أحمد باشا الشهير بطوسون، وذلك أنه بعد أن رجع من بلاد الحجاز وعمل له شنك ودخل القاهرة من باب النصر فى شعار الوزارة سافر إلى الإسكندرية لملاقاة والده وابنه عباس، وكان قد ولد له فى غببته، واستصحبه جده معه وسنه دون السنيين، ثم عاد إلى مصر ثم رجع إلى رشيد، وكان عرضيه جهة الحماد قريبا من رشيد، وجعل ينتقل من العرضى إلى رشيد ثم إلى برنبال وإلى أبى منصور وإلى العزب، ثم أقام برشيد ومعه بعض أحصائه ثم انتقل بهم إلى قصر برنبال. ففى ليلة حلوله بها أصيب

стр. 2447

بالطاعون وتململ نحو عشر ساعات ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى، وذلك فى ليلة الأحد السابع شهر ذى القعدة من سنة إحدى وثلاثين ومائتين وألف، وحضره خليل أفندى قولجى حاكم رشيد فغسلوه وكفنوه ووضعوه فى صندوق من الخشب ووصلوا به فى السفينة إلى مصر منتصف ليلة الأربعاء عاشر الشهر. وكان العزيز وقتئذ بالجيزة فلم يتجاسر أحد على أخباره، فذهب إليه أحمد أغا أخو كتخدا بيك ليلا فاستنكر حضوره فى ذلك الوقت فأخبره أن ابنه ورد إلى شبرى متوعكا، فركب القنجة حالا وانحدر إلى شبرى ودخل القصر وجعل يمر فى مخادعه ويقول: أين هو؟ وكانوا قد ذهبوا به إلى بولاق ورسوا به عند الترسخانة وأقبل كتخدا بيك على العزيز باكيا فلما رآه كذلك انزعج انزعاجا شديدا ونزل السفينة وأتى إلى بولاق آخر الليل وعاينه وانطلقت الرسل لإخبار الأعيان، فركبوا بأجمعهم إلى بولاق وحضر القاضى والأشياخ والسيد محمد المحروقى ونصبوا مظلة ساترة للسفينة ثم أخرجوا الصندوق الذى هو به ووضعوه على السرير، ونصبوا عند رأسه عودا وضعوا عليه تاج الوزارة المسمى بالطبلخان، وساروا بالجنازة من غير ترتيب والجميع مشاة أمامه وليس معهم أحد من الجموع المعتاد/حضورهم فى الجنائز المعتادة، مثل الفقهاء وأولاد المكاتب، فمروا من ساحل بولاق على طريق المدابغ وباب الخرق على الدرب الأحمر على التبانة إلى الرميلة، فصلوا عليه بمصلى المؤمنين، وذهبوا به إلى المدفن الذى أعده العزيز لنفسه ولموتاه. كل هذه المسافة والعزيز خلف نعشه ينظر إليه ويبكى، ومع الجنازة أربعة من الحمير تحمل القروش الفضية وربعيات الذهب وهم ينثرون منها على الأرض والكيمان، وعن يمين الكتخدا وشماله شخصان يناولانه قراطيس الفضة وهو يفرق على من يتعرض له من الفقراء والصبيان، فإذا تكاثروا عليه نثر ما بيده عليهم لينشغلوا عنه بالتقاطها، فكان جملة ما فرق ونثر من الأنصاف العددية خمسة وعشرين كيسا، عنها من الأنصاف الفضية خمسمائة ألف، خلاف القروش والربعيات الذهب وساقوا أمام الجنازة ستة رؤس

стр. 2448

من الجواميس الكبار، فرق منها على خدمة التربة ومن حولهم، وخدمة ضريح الإمام الشافعى والباقى على الفقراء، وأخرجوا لا سقاط صلاة الميت خمسة وأربعين كيسا تناولها فقراء الأزهر وفرقت فى جامع الفاكهانى، ولما وصلوا به إلى التربة أنزلوه القبر بتابوته وكانوا يطلقون حوله البخور فى مجامر الذهب. وأما والدته فلم تخبر بموته إلا بعد الدفن، فجزعت جزعا شديدا ولبست السواد وكذلك جميع نسائه وأتباعه، وصبغوا براقعهم، وامتنع الناس من عمل الأفراح ودق الطبول حتى ما يفعله الدراويش فى التكايا، وأقاموا عليه العزاء عند القبر وجعلوا عنده عدة من الفقهاء والمقرئين يتناوبون قراءة القرآن مدة أربعين يوما، ورتبوا لهم ذبائح ومآكل وكل ما يحتاجونه وترادفت عليهم العطايا من والدته وأقاربه والواردين عليهم. ومات ﵀ وهو مقتبل الشبيبة لم يبلغ العشرين، وكان أبيض جسيما، بطلا شجاعا جوادا له ميل لأولاد العرب منقادا لملة الإسلام، تخافه العسكر وتهابه، ومن اقترف ذنبا قتله مع إحسانه وعطاياه للمنقاد منهم ولأمرائه ولغالب الناس. وبرنبال الثانية والثالثة كلاهما من مديرية الدقهلية بمركز محلة دمنة واقعتان على البحر الصغير، إحداهما يقال لها برنبال القديمة وهى البحرية، والأخرى برنبال الجديدة، وبينهما نحو نصف ساعة، وتجاه القديمة ناحية منية القمص، وتجاه الجديدة كفر علام وفى قبليها كفر قنيش. وفى برنبال القديمة ثلاثة مساجد وفيها مضيفة لبعض أكابرها بالآجر والمونة وحولها قليل أشجار. وفى برنبال الجديدة مسجد ومنزل مشيد للوالد، ﵀، وفيها أربع مضايف ومنظرة حسنة لبعض أكابرها، ومعملان للدجاج ومصبغتان، وأربعة أنوال لنسج الصوف وعشر طواحين، ودكان واحدة يباع فيها العقاقير، وضريح ولى يسمى أبا عيسى بلا قبة.

стр. 2449

وفى شمالها فى أرض المزارع ضريح الشيخ منصور بلا قبة أيضا، وفيها وابوران أحدهما ثابت والآخر كومبل، ولنا فيها دوار أوسية، وفيها باعة يبيعون الخضر والفسيخ ونحو ذلك، ونواتيه ونجارون ومكتب لتعليم القرآن. وجبانتها فى جهتها الجنوبية، وحاراتها أربعة ممتدة من الشرق إلى الغرب على استقامة واحدة، وليس فيها من الأشجار إلا نخلتان، وكان يعمل بها كل سنة ليلة لسيدى أحمد البدوى ثم بطل ذلك من سنين. ترجمة المؤلف سعادة الأمير على باشا مبارك يقول جامع هذا الكتاب على باشا مبارك: «حيث إنا قد التزمنا عند الكلام على كل بلد ذكر من نشأ منها أو تربى بها أو مات أو دفن فيها، ممن لهم ذكر أو شهرة بأمر مهم من خير أو غيره، أو نالوا رتبا أو وظائف شريفة من لدن الحضرة الخديوية أو غيرها من العائلة المحمدية، أو من قبلها على حسب الإمكان. فنذكر ههنا ترجمتنا وأطوارنا لتصبر معروفة ولعلها لا تخلو من فائدة». فنقول: إن قرية برنبال الجديدة هى مسقط رأسى وبها نشأت، وكانت ولادتى فى سنة ألف ومائتين وتسع وثلاثين هجرية، كما أخبرنى بذلك أبى وأخى الأكبر المرحوم الحاج محمد، المتوفى فى شهر رمضان سنة ١٢٩٣. ووالدى هو مبارك بن مبارك بن سليمان ابن إبراهيم الروجى. ذكر لى أخى المذكور أن جدنا الأعلى من ناحية الكوم والخليج قرية على بحر طناح، وبسبب فشل كبير حصل فى البلد تشتتت عائلتنا فى البلاد، فمنهم من أقام بناحية دموه وهم عائلة البحالصة، ومنهم من أقام بناحية الموامنة، ولم يبق منهم بالبلد الأصلية إلا أولاد غيطاس، وأقام جدنا الأكبر إبراهيم الروجى بناحية برنبال الجديدة مكرما معظما، فكان هو إمامها وخطيبها وقاضيها، وبعد موته عقبه ولده سليمان على وظيفته، وعقب سليمان ابنه مبارك. ولما رزق مبارك الذى هو الجد الأدنى بأبى سماه على اسمه ونشأ على وظيفة آبائه وأجداده، وهكذا أكثر العائلة، فلذا كانت تعرف فى البلد إلى الآن بعائلة المشايخ. وهى عائلة كثيرة الفروع بحيث إن منها فى البلد حارة

стр. 2450

كاملة تعد نحو مائتى نفس، ولهم بها وظيفة القضاء والخطبة والإمامة وعقود الأنكحة والكيل والميزان، وكانت لهم رزقة بلا مال ولم يكن عليهم شئ مما على الفلاحين ولا لهم ٣٨ علائق عند حكام الجهات، وبقوا على ذلك إلى أن حصل ضعف/أكثر أهل الناحية عن فلاحة الأرض، وانكسرت عليهم أموال الديوان فرمى الحكام على هذه العائلة مقدارا من الأطيان وطلبوا منهم أموالها المنكسرة عليها، وضربوا عليهم بعض ضرائب، وشددوا فى خلاصها بالسجن والضرب كأسوة الفلاحين، فضاق خناقهم من ذلك لعدم اعتيادهم الإهانة وبعد بذلهم ما بأيديهم وبيعهم المواشى وأثاثات البيوت رأوا أن لا ملجأ لهم من ذلك إلا الفرار، ففارقوا البلد وتفرقوا فى البلاد فنزل والدى بقرية الحماديين من بلاد الشرقية وعمرى إذ ذاك نحو ست سنين. وقبل رحلتنا كنت ابتدأت فى تعلم القراءة والكتابة على رجل من برنبال أعمى يسمى أبا عسر قد توفى بعد ذلك. ولعدم إكرامنا بناحية الحماديين لم يطب لنا المقام بها، فلم نلبث فيها إلا قليلا وارتحلنا منها إلى عرب السماعنة بالشرقية أيضا وهم من عرب الخيش، ولم يكن عندهم فقهاء فأنزلوا والدى منزل الإكرام والإجلال، وانتفعوا منه وانتفع منهم انتفاعا كبيرا وصار مرجعهم إليه فى الأحكام الدينية، وكان رجلا صالحا ديّنا متفقها حسن الأخلاق فأحبوه حبا شديدا وبنوا جامعا جعلوه إمامه. ولما ارتاح خاطره وارتاحت عنه الشدائد التفت إلى تربيتى، فعلمنى أولا بنفسه، ثم أسلمنى لمعلم اسمه الشيخ أحمد أبو خضر من ناحية الكردى-قرية بقرب برنبال، وكان مقيما فى قرية صغيرة قريبة من مساكن هؤلاء العرب، وجعل الوالد يرسل لى كفايتى عنده، وكنت لا أذهب إلى بيتنا إلا كل جمعة ومن خوفى منه كنت لا أعود إليه فارغ اليد، فأقمت عنده نحو سنتين فختمت القرآن بداية.

стр. 2451

ثم لكثرة ضربه لى تركته وأبيت أن أذهب إليه بعد ذلك وجعلت أقرأ عند والدى إلا أنى لكثرة أشغاله واشتغاله عنى استعملت اللعب والتفريط فنسيت ما حفظته، فخشى والدى عاقبة ذلك فهم بجبرى على الذهاب إلى هذا المعلم فتعاصيت ونويت الهروب إن لم يرجع عنى. وكان لى من الأخوات سبع بنات شقيقات ولم يكن لوالدتى من الذكور غيرى، ولى إخوة ذكور من غير أمى، فلما فهموا منى نية الهروب أشفقوا من ذلك وحنوا إلى وسألونى عن مرغوبى فى التربية إذ لا يصح بقاء الشخص بلا تربية، فاخترت أن لا أكون فقيها بهذه المثابة وإنما أكون كاتبا، لما كنت أرى للكتاب من حسن الهيئة والهيبة والقرب من الحكام. وكان لوالدى صاحب من الكتاب، كان كاتب قسم، وإقامته بناحية الأخيوة فأسلمنى إليه، فرأيته رجلا حسن الهيئة نظيف الثياب جميل الخط فأقمت عنده مدة ولى من والدى مرتب يكفينى، فدخلت بيته وخالطت عياله فإذا هو مجمل الظاهر فقير فى بيته، وله ثلاث زوجات وعيال على قلة من الزاد فكنت فى غالب أيامى أبيت طاويا من الجوع وكان أغلب تعليمه إياى على قلته فى البيت أمام نسائه، وكان خروجه إلى السرحة قليلا وإذا خرج يستصحبنى معه فلا أستفيد إلا خدمتى له. ومع ذلك فكان يؤذينى دائما إلى أن كنا يوما فى قرية المناجاة فسألنى أمام الناظر وجماعة حضور عن الواحد فى الواحد فقلت له باثنين فضربنى بمقلاة بن فشجنى فى رأسى، فلامه الحاضرون. وذهبت إلى والدى أشكو إليه فلم أنل منه إلا الأذية، وكان يومئذ مولد سيدى أحمد البدوى فهربت مع الناس قاصد المطرية جهة المنزلة لألحق بخالة لى هناك. فمرضت بالريح الأصفر فى طريقى بقرية صان الحجر فأخذنى رجل من أهلها لا أعرفه فتمرضت عنده أربعين يوما، وقد سألونى عن أهلى فقلت أنا يتيم مقطوع، وكان والدى فى تلك المدة وأحد إخوتى يفتشان علىّ فى البلاد فاستدل على فى صان، فلما

стр. 2452

رأيته من بعد هربت ونزلت بمنية طريف فأخذنى رجل عربى ولم أقم عنده إلا قليلا، وهربت منه ولحقت بأخ لى فى بلدتنا برنبال وكان قد رجع إليها. وبعد أيام قدم إلينا أخى الذى كان يفتش على فأخذنى بالحيلة إلى والدى وقد أشكل عليهم أمرى وذهبوا كل مذهب فى كيفية تربيتى وما يصنعون بى، وجعلوا يعرضون على القراء والكتاب فلم أقبل، وقلت إن المعلم لا أستفيد منه إلا الضرب، والكاتب لا يفيدنى إلا الضياع والأذية ويستفيد منى الخدمة. ثم عرض على والدى أن يلحقنى بصاحب له من كتبة المساحين فرضيت بذلك، فلما عاشرته رغبت فى عشرته لما كنت أكتسب من صحبته من النقود التى تنالنى مما يأخذه من الأهالى، فأقمت عنده ثلاثة أشهر. ولكنى لصغر سنى وعدم معرفتى بما ينفع وما يضر كنت أفشى سره وأخبر عن أخذه من الناس فطردنى، فبقيت فى بيتنا أقرأ على أبى، ويستصحبنى فى قبض الأموال الأميرية التى على العرب، وكان منوطا بذلك، فكنت أباشر الكتابة وبعض المحاسبات ثم بعد نحو سنة جعلنى مساعدا عند كاتب فى مأمورية أبى كبير بماهية خمسين قرشا، وأبيّض له الدفاتر، فأقمت عنده نحو ثلاثة أشهر وقد خلقت ثيابى وساء حالى ولم أقبض شيئا من الماهية إلا الأكل فى بيته. ثم عيننى يوما لقبض حاصل أبى كبير فقبضته وأمسكت عندى منه قدر ماهيتى، وكتبت له علما بالواصل ووضعته فى كيس النقدية/فلما وقف على ذلك اغتاظ منى وأسرها فى نفسه. وكان مأمور أبى كبير يومئذ عبد العال أبو سالم من منية النمروط فأخبره بذلك، واتفق أن المأمورية مطلوب منها شخص للعسكرية فأغراه علىّ وتوافقا على إلحاقى بالجهادية لسداد هذه الطلبة، فنادونى على حين غفلة، وأمرنى المأمور بالذهاب إلى السجن لكتب المسجونين، وأصحبنى رجلا من أغوات المأمورية فلما دخلت السجن

стр. 2453

أحضروا باشا من: الحديد ووضعوه فى رقبتى وتركت مسجونا، فداخلنى ما لا مزيد عليه من الخوف، فلبث فى السجن بضعة وعشرين يوما فى أوساخ المسجونين وقاذوراتهم، وصرت أنتحب فرقّ لى السجان لصغر سنى فقربنى إلى الباب وواسيته بشئ من النقود التى كانت سبب سجنى. وكنت أرسلت إلى والدى بخبرى فذهب إلى العزيز وكان بناحية منية القمح، وقدّم له قصتى فى عرضحال فكتب بإخلاء سبيلى وأخذ والدى الأمر بيده. وقبل حضوره إلىّ أتى إلى السجان صاحب له من خدمة مأمور زراعة القطن بنواحى أبى كبير وأخبره أن المأمور محتاج إلى كاتب يكون معه بماهية، وكان السجان يميل إلىّ فدله علىّ ووصفنى له بالنجابة وحسن الخط، وعرّفه مسكنتى وما أنا فيه، فمال الخادم إلى وطلب منى أن أكتب خطى فى ورقة ليراها المأمور، فكتبت عريضة واعتنيت فيها وناولتها للخادم مع غازى ذهب قيمته عشرون قرشا ليسلك لى الطريق عند مخدومه ووعدته بأكثر من ذلك أيضا فأخذه. وبعد قليل حضر بأمر الافراج عنى وأخذنى معه حتى قربت من المأمور وكان يسمى عنبر أفندى، فنظرت إليه فإذا هو أسود حبشى كأنه عبد مملوك لكنه سمح جليل مهيب، ورأيت مشايخ البلاد والحكام وقوفا بين يديه وهو يلقى عليهم التنبيهات، فتأخرت حتى انصرفوا فدخلت عليه وقبلت يده، فكلمنى بكلام رقيق عربى فصيح، وقال لى: تريد أن تكون معى كاتبا ولك عندى جراية كل يوم وخمسة وسبعون قرشا ماهية كل شهر، فقلت: نعم، ثم انصرفت من أمامه وجلست مع الخدامين. وكنت أعرف من المشايخ الذين كانوا بين يديه جماعة من مشاهير البلاد أصحاب الثروة والخدم والحشم والعبيد، فاستغربت ما رأيته من وقوفهم بين يديه وامتثالهم أوامره، وكنت لم أر مثل ذلك قبل ولم أسمع به، بل اعتقد أن الحكام لا يكونون إلا من الأتراك على حسب ما جرت به العادة فى تلك الأزمان.

стр. 2454

وبقيت متعجبا متحيرا فى السبب الذى جعل السادة يقفون أمام العبيد ويقبلون أيديهم وحرصت كل الحرص على الوقوف على هذا السبب فكان ذلك من دواعى ملازمتى له. وفى ثانى يوم حضر والدى بأمر العزيز فسلمت عليه وأدخلته على المأمور وعرفته إياه فبش فى وجهه وأجلسه وأكرمه، وكان والدى جميل الهيئة أبيض اللون فصيحا متأدبا، آثار الصلاح والتقوى ظاهرة عليه، فكلمه فى شأنى. فقال له: إنى قد اخترته ليكون معى وجعلت له مرتبا فإن أحببت فذاك، فشكر له والدى ورضى أن أكون معه، وذكر له أصولنا وحيلتنا وانصرف من مجلسه مسرورا. ولما سهرت مع والدى ليلا جعلت كلامى معه فى هذا المأمور، فقلت له: هذا المأمور ليس من الأتراك لأنه أسود، فأجابنى بأنه يمكن أن يكون عبدا عتيقا، فقلت: هل يكون العبد حاكما مع أن أكابر البلاد لا يكونون حكاما فضلا عن العبيد، فجعل هو يجيبنى بأجوبة لا تقنعنى، فكان يقول لعل سبب ذلك مكارم أخلاقه ومعرفته. فأقول: وما معرفته، فيقول لعله جاور بالأزهر وتعلم فيه. فأقول: وهل التعلم فى الأزهر يؤدى إلى أن يكون الإنسان حاكما، ومن خرج من الأزهر حاكما. فقال: يا ولدى كلنا عبيد الله والله تعالى يرفع من يشاء، فأقول: مسلم لكن الأسباب لا بد منها وجعل يعظنى ويذكر لى حكايات وأشعار لم أقنع بها، ثم أوصانى بملازمته وامتثال أوامره. وبعد يومين سافر عنى وتركنى عنده، ثم حدثت لى فكرة أخرى مع الفكرة الأولى فكنت أقول فى نفسى إن الكتابة والماهية كانت هى السبب فى سجنى ووضع الحديد فى رقبتى، وقد وجدت هذا المأمور خلصنى من ذلك فلو فعل المأمور معى مثل ما فعل الكاتب فمن يخلصنى، واستمرت الفكرتان فى بالى وكانت همتى فى التخلص من كل ذلك ومن أمثاله وأود أن أكون بحالة لا ذل فيها ولا نخشى غوائلها. وفى أثناء ذلك اصطحبت بفرّاش له فجعلت أتفحص منه عن أخبار سيده

стр. 2455

وأسباب ترقيه، وكنت أسترق منه ذلك استراقا بحيث أخلل هذا الكلام بغيره، فأخبرنى أن سيده مشترى ست من الستات الكبار مرعيات الخواطر أدخلته سيدته مدرسة قصر العينى لما فتح العزيز المدارس وأدخل فيها الولدان، وأخبرنى أنهم يتعلمون فيها الخط والحساب واللغة التركية وغير ذلك، وأن الحكام إنما يؤخذون من المدارس فحينئذ حاك فى صدرى أن أدخل المدارس وسألته هل يدخلها أحد من الفلاحين فأفادنى أنه يدخلها صاحب الواسطة، فشغل ذلك بالى زيادة ومع ذلك فلم تفتر همتى، وسألته عن قصر العينى وعن طريقه وكيف الإقامة فيه، فأخبرنى عن ذلك كله وأثنى على حسن إقامتهم بها/ومأكولهم، وملبوسهم، وإكرامهم، فازددت شوقا، وكنت أكتب عندى كل ما يخبرنى به من بيان الطريق، وقدر المسافة، وأسماء البلاد التى فى الطريق، وقامت بنفسى فكرة التخلص والتوصل إلى المدارس فطلبت الإذن فى زيارة أهلى، فأذن لى بخمسة عشر يوما فسافرت إلى أن وصلت فى يوم السبت إلى بنى عياض، فى قرية فى طريقى، فتقابلت مع جملة أطفال تحت قيادة رجل خياط، مع كل واحد دواة وأقلام، فجلست معهم تحت شجرة وتحادثنا فظهر لى أنهم تلامذة من مكتب منية العز، وكان ذلك فألا حسنا ورأوا خطى فوجدوه أحسن من خطوطهم، فقال بعضهم لبعض: لو لحق هذا بالمكتب لكان جاويشا، فقال الخياط: ذلك قليل عليه فإن خط الباشجاويش الذى عندنا لا يساوى هذا الخط، فسألتهم: ما الجاويش؟ وما الباشجاويش؟ فأفادونى أنهم المقدمون فى المكتب، فجعلت أستفهم عن المكتب وصفته، وجعل الخياط يحسن لى أوصافه ويغرينى على دخوله، وأفهمنى أن نجباء المكاتب ينتقلون إلى المدارس بلا واسطة، فرأيت ذلك غاية مرغوبى فلم أتأخر عن الذهاب معهم، ودخلت المكتب، فإذا ناظره من معارف والدى، فأراد أن يمنعنى من الانتظام فى عقد التلامذة واجتهد فى ذلك لمرضاة والدى، فلم أسمع كلامه، وبقيت فى المكتب خمسة عشر يوما، وكان الناظر قد أرسل إلى والدى فلما جاءه قص عليه خبرى وأراه أنى راغب جدا. وأنى قلت له: إن لم يكتبنى فى المكتب اشتكيته، ثم دبر معه حيلة على أخذى على حين غفلة منى ومن التلامذة فانتظر خروجنا للفسحة والأكل فى وقت الظهر فاختطفنى والدى إلى بلدتنا، وحبسنى فى البيت نحو عشرة أيام كل ذلك ووالدتى تبكى علىّ وتستعطفنى للرجوع عما
следующие страницы →