← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وفى سنة ست وستين عند حضورى من بلاد فرنسا كلّفنى المرحوم عباس باشا بعمل رسم عن الميدان واصطبل للمعية وعربخانة وقراقول وحبس، وقد صار اشتراء أماكن كثيرة تمتد إلى مقابلة المضفر، فاكتفينا فى الرسم بما هو موجود الآن على ظاهر الأرض، فسبحان من له الدوام والبقاء. عطفة الغسّال ثم بعد ميدان الحلمية عطفة الغسّال، وهى على يمين المارّ من الشارع فى نهاية الميدان ويتوصل منها لشارع الشيخ نور الظلام. وهذا وصف شارع الحلمية قديما وحديثا.

стр. 352

القسم السابع عشر: شارع السيوفية أوله من ضريح المضفر، وينتهى إلى سبيل أم عباس باشا بأول شارع الصليبة. شارع المضفر وبه على يسار المارّ بأوّله شارع المضفر يسلك فيه إلى الرميلة التى عرفت الآن بالمنشية بجوار جامع السلطان حسن. وشارع المضفر هذا هو حدرة البقر المذكورة فى المقريزى غير مرة، فكانت هذه الخطة تعرف أوّلا بحدرة البقر. وإلى الآن هذا الاسم مذكور فى أكثر حجج الأملاك التى بشارع السيوفية. دار البقر وفى زمن الناصر محمد بن قلاوون كان بهذا الشارع عمارات جليلة من ضمنها دار البقر التى ذكرها المقريزى، فقال: هذه الدار خارج القاهرة - فيما بين قلعة الجبل وبركة الفيل بالخط الذى يقال له اليوم حدرة البقر - كانت دارا للأبقار التى برسم السواقى السلطانية، ومنشرا للزبل، وفيها ساقية، ثم إن الملك الناصر محمد بن قلاوون أنشأها دارا وإصطبلا، وغرس بها عدّة أشجار، وتولّى عمارتها القاضى كريم الدين عبد الكريم الكبير، فبلغ المصروف عليها ألف ألف درهم. (انتهى). (قلت): والذى يغلب على الظن أن دار البقر هذه هى التى محلها الآن حوش الجاموس المملوك لعلى أفندى البقلى الحكيم، والبيوت المملوكة لنا التى أنشأناها بلصق بيتنا الكبير الكائن على الشارع. وقبل إنشائها كان فى محلها ساقية غزاوى كبيرة ذات وجوه أربع، أظن أنها هى ساقية دار البقر المذكورة. وكانت هذه الساقية من المبانى السلطانية جميعها بالحجر العجالى الكبير، ما عدا جزء منها يقرب من ثلثها من الأسفل، فإنه نقر فى الحجر. وكان مسطحها يقرب من ألف ذراع معمارى، وكان ارتفاعها فوق أرض الحارة نحو عشرة أمتار. وقد هدمناها وأنشأنا فى مساحتها البيوت المذكورة، وبئرها موجودة إلى الآن فى المسافة التى تركت فرجة للسكان فيما بين البيوت.

стр. 353

(قلت): ولا يبعد أن بيتنا الكبير المتقدّم الذكر كان من ضمن دار البقر أيضا هو والحوش المملوك لنا مع ما جاوره من بيوتنا الموجودة الآن بحرىّ البيت الكبير. وقد وجدنا وقت البناء أن جميع الأرض حصيرة واحدة كلها مدكوكة بالحجر. قصر يلبغا اليحياوى وكان فى محل جامع السلطان حسن قصر يلبغا اليحياوى. قال المقريزى: هذا القصر موضعه الآن مدرسة السلطان حسن المطلّة على الرميلة تحت قلعة الجبل. وكان قصرا عظيما أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون - فى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة - ببنائه لسكن الأمير يلبغا اليحياوى، وأن يبنى أيضا قصر يقابله برسم سكنى الأمير ألطنبغا الماردينى، لتزايد رغبته فيهما وعظيم محبته لهما حتى يكونا تجاهه وينظر إليهما من قلعة الجبل، فركب بنفسه إلى حيث سوق الخيل من الرميلة تحت القلعة، وسار إلى حمّام الملك السعيد. (قلت): وهذا الحمّام هو الذى كان يعرف فى زماننا بحمّام الهنود، وقد هدم عندما أنشأت والدة الخديو إسماعيل البيوت الواقعة خلف قراقول الرميلة - المعروف الآن بقراقول ميدان محمد على. ثم قال المقريزى: وعيّن إصطبل الأمير أيدغمش أمير أخور، وكان تجاهها، ليعمره هو وما يقابله قصرين متقابلين، ويضاف إليه إصطبل الأمير طاشتمر الساقى، واصطبل الجوق، وأمر الأمير قوصون أن يشترى ما يجاور اصطبله من الأملاك، ويوسّع فى إصطبله، وجعل أمر هذه العمارة إلى الأمير أقبغا عبد الواحد، فوقع الهدم فيما كان بجوار بيت الأمير قوصون وزيد فى الاصطبل، وجعل باب هذا الإصطبل من تجاه باب القلعة المعروف بباب السلسلة. وأمر السلطان بالنفقة على العمارة من ماله على يد النشو. وكان للملك الناصر رغبة كبيرة فى العمارة بحيث أنه أفرد لها ديوانا، وبلغ مصروفها فى كل يوم اثنى عشر ألف درهم نقرة، وأقل ما كان يصرف من ديوان العمارة فى اليوم برسم العمارة مبلغ ثمانية آلاف درهم نقرة. فلما كثر الاهتمام فى بناء القصرين المذكورين، وعظم الاجتهاد فى عمارتها، صار السلطان ينزل من القلعة لكشف العمل، ويستحث على فراغهما. وأول ما بدئ به قصر يلبغا اليحياوى، فعمل أساسه حصيرة واحدة، انصرف عليها وحدها مبلغ أربعمائة ألف درهم نقرة، ولم يبق فى القاهرة ومصر صانع له تعلّق فى العمارة إلا وعمل فيها، حتى كمل القصر فجاء فى غاية الحسن. وبلغت النفقة عليه أربعمائة ألف ألف درهم وستين ألف درهم نقرة، منها ثمن لازورد خاصة مائة ألف درهم.

стр. 354

فلما كملت العمارة نزل السلطان لرؤيتها، وحضر سائر أمراء الدولة من أول النهار، وأقاموا بالقصر فى أكل وشرب ولهو. وفى آخر النهار أحضرت إليهم التشاريف السلطانية، وكذلك الخلع، وركبوا الخيول المحضرة إليهم من الإصطبل السلطانى، وساروا إلى منازلهم، وما زال هذا القصر باقيا إلى أن هدمه السلطان الملك الناصر حسن، وأنشأ موضعه مدرسته الموجودة الآن. (انتهى ملخصا). (قلت): ومن فحوى ما تقدّم يفهم أن محل جامع السلطان حسن كان أوّلا إصطبل الأمير أيدغمش أمير أخور وإصطبل طاشتمر الساقى وإصطبل الحوق، فلما أقرّ الملك الناصر بعمل الثلاثة قصرين، واجتهد فى عمارتهما أمر أوّلا بإتمام قصر يلبغا اليحياوى فأتمّه، ولم يتم الثانى ولكن كانت أرضه وما بنى فوقها باقية تحت الإتمام، فجرت حوادث أوجبت عدم الإتمام. ثم لما رغب السلطان حسن بناء جامعه هدم القصر المبنى، وأضاف إليه ما لم يبن، وجعل فوق أرض الاثنين الجامع المذكور. (قلت): وقد تكلم المقريزى على التقادم التى أهديت والتشاريف التى فرّقت على الأمراء يوم إتمام قصر يلبغا المذكور، وكانت شيئا كثيرا ليس هذا محل بيانه. (انظر خطط المقريزى). إصطبل قوصون وأما إصطبل قوصون المذكور فى ضمن ما تقدّم فمحلّه الآن الحوش المعروف بحوش بردق الذى اشترته والدة الخديو إسماعيل، وأنشأت فى قطعة من مساحته عدة منازل قبلى جامع السلطان حسن وخلف قراقول المنشية، وفتح فيه من جهته القبلية شارع يسلك منه من شارع السيوفية إلى المنشية. (قلت): وقد أطال المقريزى فى ترجمة هذا الإصطبل وأطنب فى وصفه، فذكر أنه كان من الدور الجليلة وسكنه الأمير قوصون مدة حياة الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفى شهر رجب من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة حدثت فتنة كبيرة بين الأمير قوصون وبين الأمراء وكبيرهم أيدغمش أمير أخور، فنادى أيدغمش فى العامة: «عليكم بإصطبل قوصون انهبوه». هذا وقوصون محصور بقلعة الجبل، فأقبلت العامة وانتهبت ما كان بركاب خاناته وحواصله، وكسروا الأبواب واحتملوا أكياس الذهب ونثروها فى الدهاليز والطرق، وظفروا بجواهر نفيسة وذخائر ملوكية وأمتعة جليلة القدر وأسلحة عظيمة، إلى غير ذلك مما أطال به المقريزى. (اه. ملخصا).

стр. 355

ترجمة الأمير أقبردى (قلت): وهذا الإصطبل صار يتنقل من مالك إلى آخر حتى انتقل فى ملك الأمير أقبردى الدوادار الكبير، الذى حرفت اسمه العامة وسمته بردق، وهو كما فى «ابن إياس» الأمير أقبردى بن على. كان أميرا جليلا، رئيسا حشما، بشوشا متواضعا، كريما سخىّ النفس، فى سعة من المال، وكان أصله من مماليك السلطان الأشرف قايتباى، ثم ظهر أنه قريبه فدنا منه وقربه ورقّاه فى أيامه إلى منتهى الرياسة. وتولّى عدة وظائف جليلة، منها الدوادارية الكبرى، وأمرية السلاح، والأستدارية، والوزارة، وكاشف الكشّاف. وكان عديل السلطان متزوجا ببنت العلاى على بن خاص بيك أخت خوند الخاصكية. وكان صاحب العقد والحل بالديار المصرية، وكان وافر الحرمة، نافذ الكلمة، شديد العزم، شجاعا بطلا مقداما فى الحرب، جرت عليه شدائد ومحن، ونهبت أمواله مرارا، واستمرّ يحارب مصر بمفرده ثلاث سنين، وتوجّه إلى آخر الصعيد، ثم توجه إلى الشام وحاصرها وكذلك حماة وحلب، ثم توجّه إلى بلاد التركمان، ولم يظفر به أحد، ولم يسلّم نفسه عن عجز، ولا سجن قط، ولا تقيّد كغيره، وآخر الأمر مات على فراشه من غير أن يقتل. قيل إنه لما دخل حلب وأقام بها اعتراه أكلة فى فمه، وقيل فى وجهه، ورعت فيه حتى مات بحلب ودفن عند سيدى سعد الأنصارى، ثم نقلت جثته إلى القاهرة فى أواخر صفر سنة خمس وتسعمائة، ودفن بتربته التى أنشأها بالصحراء. ومات وله من العمر نحو الخمسين سنة، وكان أسمر اللون، مستدير اللحية، أسود الشعر، غير عبوس الوجه. وكانت الأمراء والسلطان يخشون سطوته. (انتهى). تكية المولوية ثم بعد شارع المضفر المتقدم الذكر تكية المولوية، وهى من وقف يوسف سنان، كانت أول أمرها الرباط الذى أنشأه الأمير شمس الدين سنقر السعدى سنة خمس عشرة وسبعمائة بمدرسته المعروفة بالسعدية، التى لم يبق من آثارها الآن إلا الفرن، وقبّة شاهقة متسعة متينة بداخلها أربعة أضرحة، وباب مقصورة فيها ضريح، يقال إنه قبر أحد مشايخ التكية، ومنارة فوق باب تلك المدرسة بجوار القبّة على الشارع. وهذه التكية عامرة بالدراويش، ولهم بها مساكن، وفيها جنينة، ويعمل بها حضرة كل ليلة جمعة، وإيرادها سنويا سبعون ألفا ومائتان وسبعة وستون قرشا وثلاثون نصفا فضة. وقد أجرى بها عمارة المرحوم سعيد باشا فى أيام ولايته على الديار المصرية. ثم بعد التكية باب الشارع المستجدّ الآن المأخوذ من حوش بردق، وهو تجاه حارة الألفى، ويسلك منه إلى المنشية.

стр. 356

زاوية الآبار ثم بعد هذا الشارع زاوية الآبار، وهى المدرسة البندقدارية التى ذكرها المقريزى حيث قال: هى تجاه المدرسة الفارقانية وحمام الفارقانى، أنشأها الأمير علاء الدين أيدكين البندقدارى الصالحى النجمى، وجعلها مسجدا لله تعالى وخانقاه، ورتّب فيها صوفية وقرّاء فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة. ومات - رحمه الله تعالى - سنة أربع وثمانين وستمائة، ودفن بقبّة هذه الخانقاه. وإلى الآن قبره بها ظاهر يزار، وعليه تابوت من الخشب منقوش فيه آيات قرآنية، وقد بسطنا ترجمته عند الكلام على زاوية الآبار فى جزء الزوايا من هذا الكتاب. وقد تخرّبت تلك المدرسة مدة ثم جدّدها ديوان الأوقاف فى زماننا هذا على ماهى عليه الآن، وعرفت بزاوية الآبار، ولها مطهرة ومراحيض، وشعائرها مقامة من جهة الأوقاف. مدرسة البنات ثم بعدها مدرسة البنات التى هى دار الأمير طاز ذكرها المقريزى فقال: هذه الدار بجوار المدرسة البندقدارية تجاه حمّام الفارقانى على يمنة من سلك من الصليبة يريد حدرة البقر وباب زويلة، أنشأها الأمير سيف الدين طاز فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وكان موضعها عدّة مساكن هدمها برضا أربابها وبغير رضاهم. وتولّى الأمير منجك عمارتها، وصار يقف عليها بنفسه، حتى كملت، فجاءت قصرا مشيدا وإصطبلا كبيرا، وهى باقية إلى يومنا هذا يسكنها الأمراء. (انتهى ملخصا). (قلت): وهذه الدار اليوم هى المدرسة المعروفة بمدرسة البنات التى تجاه بيت الأمير عبد الله باشا فكرى. وحمّام الفارقانى المذكورة هى الآن حمّام الألفى الواقعة خلف بيت الأمير المذكور. وكانت هذه الدار قبل جعلها مدرسة جارية فى وقف على أغا أغاة دار السعادة، وكانت الناظرة عليها امرأة تدعى نفوسة. وفى زمن العزيز محمد على باشا أخذت هذه الدار، وجعلت مخزنا للمهمات الحربية، وترتّب للناظرة عليها مائة وخمسة وعشرون قرشا ديوانيا فى كل شهر. واستمرّت كذلك إلى زمن الخديو إسماعيل، أعنى سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف، ثم رغب فى إنشاء مدرسة لتربية البنات وتعليمهن، وكنت إذ ذاك ناظرا على ديوان الأوقاف والمدارس، فصرت أبحث عن محل يليق لهذا الغرض، فلم أجد أليق من هذه الدار، وكانت قد خليت من المهمات وانقطع راتب الناظرة عنها، فجعلتها مسكنا للفقراء ومربطا للدواب، وكانت وقتئذ متشعثة، ومتخرّبا أغلبها، ولم يتحصل منها إلا ريع قليل، فتكلمت مع الناظرة، مكتبة الأسرة - ٢٠٠٨

стр. 357

وجعلت لها خمسمائة قرش فى كل شهر من جهة المدارس إن تنازلت من نظارتها لديوان الأوقاف فعندما سمعت بذلك رضيت فى الحال، فشر عنا فى عمارتها مدرسة من ذاك الوقت، وتمت على الصورة التى هى عليها الآن، ولم نغير بابها بل بقى على صورته الأصلية، وأصلحنا خلل القاعة والمقعد، وبعض الجهات القابلة للإصلاح وأنشأنا بها البناء القاسم للحوش، وفتحنا الدكاكين القديمة التى كانت بواجهتها فجاءت بحمد الله مدرسة حافلة ومساكن فاخرة، ودخلها نحو مائتى بنت يتعلمن فيها الكتابة وغيرها من الأشغال الدقيقة مثل الخياطة والتطريز ونحو ذلك، وترتب بها الخوجات والمعلمات، وهى عامرة إلى وقتنا هذا، ويعمل بها امتحان فى كل سنة. ترجمة عبد الله فكرى ولنذكر هنا نبذة فى ترجمة الأمير الكبير حضرة عبد الله باشا فكرى صاحب البيت المارّ ذكره، فنقول: هو ابن محمد أفندى بليغ ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد. كان جده الشيخ عبد الله المذكور - تغمده الله برحمته - من العلماء المدرسين بالجامع الأزهر من السادة المالكية من بيت علم وصلاح، أخذ العلم عن أجلاّء من مشايخ وقته؛ منهم الشيخ عبد العليم الفيومى البصير بقلبا الشهير بالعلم والبركة والكرامة الموجود مقامه فى زاويته المعروفة به فى الحارة الدويدارية من خط الأزهر ﵁، وكان مقرئه فى الدرس، ولما دخل الفرنساوية مصر القاهرة رحل إلى منية ابن خصيب من صعيد مصر، فأقام بها مدة ثم عاد إلى القاهرة، واشتغل بقراءة العلم فى الأزهر كما كان، إلى أن توفى بها، ودفن ببستان العلماء من قرافة المجاورين بقرب ضريح الشيخ على العدوى المالكى المعروف بالشيخ الصعيدى. ونشأ محمد بليغ أفندى ابن الشيخ عبد الله المذكور بالأزهر، وتلقى بعض العلوم والفنون به، ثم بالمدارس الملكية، ومهر فى العلوم الرياضية إلى أن صار من المهندسين، والتحق بخدمة الحكومة، وترقّى فى رتبها إلى أن وصل إلى رتبة صاغقول أغاسى. وتقلّب مع الجنود المصرية فى بعض حروبها خارج ديار مصر، فكان معهم فى غزو بلاد مورة، فأتى منها بوالدة المترجم، ثم رحل بها إلى الحجاز مع الجيوش المصرية، فولد له ولده عبد الله بمكة المشرفة، أدام الله شرفها، ثم رجع إلى القاهرة. واستمر محمد أفندى فى خدمة الحكومة إلى أن صار باشمهندس الشرقية، وانتقل منها إلى وظيفة مفتش هندسة الجيزة والبحيرة، فتوفى بها بعد قليل فى ٢٩ شوال سة ١٢٦١. وكان حسن الأخلاق، ديّنا صالحا، وتلقى الطريقة الخلوتية الحفنية من طرق السادة الصوفية، وكان له أذكار وأوراد يواظب عليها، ولما مات دفن مع والده.

стр. 358

وكان مولد ابنه عبد الله فكرى باشا فى أوائل شهر ربيع الأول من سنة ١٢٥٠ من الهجرة ووافق هذا التاريخ جمل قوله تعالى: «قالَ/ ١٣١ إِنِّي/ ٦١ عَبْدُ اللهِ/ ١٤٢ آتانِيَ/ ٤٦٢ الْكِتابَ/ ٤٥٤» (١٢٥٠) فلما كبر رقم هذه الآية فى خاتم فختم كتبه به، فكان ذلك من لطائف الاتفاق. ولما ولد بمكة المعظمة كما ذكر وضعه أبوه برهة على عتبة الكعبة المكرمة، وغسل بدنه بماء زمزم تبركا، ثم رجع به إلى مصر صغيرا، ثم توفى عنه والده وهو صغير لم يبلغ الحلم، فنشأ يتيما عند بعض أقرباء أبيه من السادة العلوية، فأتم قراءة القرآن المجيد، وحفظه وجوّده، واستمر. على قراءته مدة يختمه فى اليومين والثلاثة ختمة، ثم اشتغل بطلب العلم فى الجامع الأزهر وتلقّى العلوم المتداولة به كعلوم العربية والفقه والحديث والتفسير والعقائد والمنطق عن أعلام علمائه؛ كالشيخ إبراهيم السقّاء، والشيخ محمد عليش، والشيخ حسن البلتانى، وغيرهم إلى أن دخل فى خدمة الحكومة بقلم التركى فى الديوان الكتخدائى أوائل جمادى الأولى سنة ١٢٦٧ بمرتب مائة قرش، واستمر على طلب العلم بالأزهر كل يوم قبل ذهابه إلى الديوان وبعد إبابه منه، إلى أن كثرت أشغاله، فاشتغل بالمطالعة أحيانا وحده. وأحيانا مع شيخه السيد على خليل الأسيوطى. ثم انتقل من الديوان المذكور إلى المحافظة ثم إلى الداخلية بوظيفة مترجم، إلى أن التحق بالمعية الخديوية أيام حكومة سعيد باشا المرحوم، فاستمرّ بها فى خدمة الكتابة بقلم التركى تارة، وبالعربى تارة، إلى أن توفى سعيد باشا سنة ١٢٧٩، وخلفه على الحكومة إسماعيل باشا الخديو السابق، فرحل معه إلى الآستانة لما مضى إليها لاستلام تقليد الولاية وأداء الشكر للحضرة السلطانية، ثم حضر معه واستمر فى خدمته بمعيته، وسافر إلى إسلامبول مرارا فى مأمورية الكتابة مع الحرم الخديو والجناب الخديو وبعض مأموريات أخرى، ورقّى إلى رتبة بيك المعروفة بالرتبة الثانية فى أول سنة ١٢٨٢. ثم عيّن فى سنة ١٢٨٤ من طرف الخديو المشار إليه لمأمورية ملاحظة الدروس المشرقية؛ أعنى العربية والتركية والفارسية بمعية أنجاله الأماجد وهم: أفندينا الخديو المعظم توفيق باشا، وأخواه الماجدان حسين باشا وحسن باشا، والأمير المعظم إبراهيم باشا ابن عمهم، والمرحوم طوسون باشا ابن المرحوم سعيد باشا بأمر من الحضرة الخديوية الإسماعيلية، وخطاب من لدنه للحضرة التوفيقية يذكر فيه أنه عيّنه لهذه الوظيفة مع احتياجه لبقائه فى معيته، فآثرهم به لفرط اعتنائه بتقدمهم فى التعلم، ويحثهم على أن يقدروا هذه العناية والرعاية حق قدرها، ويجدوا

стр. 359

ويجتهدوا فى تحصيل العلم، فأقام معهم يباشر أمرهم فى التعليم والتعلم، والتدرج فى الفضل والتقدم، فكان أحيانا يباشر التعليم بنفسه، وأحيانا يقوم بمراقبة غيره من المعلمين، وملاحظة إلقاء الدروس، وتقويم طريقة التعليم. فلم يزل على ذلك إلى أن ترقى الجناب الخديوى التوفيقى - حرسه الله - إلى رتبة الوزارة والمشيرية، وتوجه إلى دار الخلافة العلية لأداء رسوم الشكر على ذلك للجناب الرفيع السلطانى المعظم، فصحبه المترجم فى التوجه إلى دار السعادة والمقام بها والعودة. وبعد مدة نقل إلى ديوان المالية سنة ١٢٨٦، فأقام أياما بغير عمل، ثم عهد إليه النظر فى أمر الكتب الموجودة فى ديوان المحافظة على ذمة الحكومة وإبداء رأيه فيها، فلبث مدة يتردد على ديوان المحافظة، وينظر فى هذه الكتب، ثم قدّم فى أمرها تقريرا مفصلا ضمّنه بيانها وما رآه فى حالها، وذكر فيه أن بقاءها كما هى لا يحسن ولا يصح لما بيّنه من عدم إمكان الانتفاع بها فى تلك الحالة وغير ذلك، وقرّر أنه من اللازم أن تجعل على حالة يتأتى معها انتفاع الناس بها إما بإنشاء محل خاص تحوّل إليه، ويجعل فيه ما فيه الكفاية لها من الدواليب، وتوضع بها على الوضع الموافق، وإما بإحالتها على المدارس لتودع فى المكتبة الجارى إنشاؤها فيها بمعرفة سعادة على مبارك باشا ناظرها إذ ذاك على سعة لا تضيق بهذه الكتب وأمثالها، وأوضح أن الوجه الثانى أولى. وقد حصل ذلك على وجه ما قرّره، وبذلك استنقذت تلك الكتب النفيسة من زوايا الخمول والإهمال والاكتتام، ورفعت على منصات الحسن والزينة والانتظام، ورتبت ترتيبا حسنا فى المكتبة المذكورة، وهى المكتبة الخديوية العمومية الشهيرة فى سراى درب الجماميز. فلما أنهى هذه المأمورية، وكان المجلس الخصوصى الذى خلفه مجلس النظار فيما بعد مشتغلا بجمع القوانين واللوائح وقراءتها وتنقيحها وتعديلها، فطلب من المالية لأجل ذلك، وسلّمت إليه القوانين واللوائح التركية، فأخذ يشتغل بذلك إلى أن انفصل من الخدمة (فى أوائل رجب سنة ١٢٨٧)، ورتّب له معاش بقدر ربع استحقاقه، وبقى كذلك إلى آخر السنة المذكورة. وفى أول سنة ١٢٨٨ جعل وكيل ديوان المكاتب الأهلية، وكان ناظر الديوان المذكور سعادة على باشا المشار إليه. وفى آخر صفر سنة ١٢٩٤ رقّى إلى رتبة المتمايز. وفى رجب سنة ١٢٩٦ صار وكيل نظارة المعارف العمومية، ورقّى إلى رتبة مير ميران، ثم ضمت إليه وظيفة الكاتب الأول بمجلس النواب مع بقاء الوظيفة المتقدمة الذكر.

стр. 360

وفى شهر ربيع الأول سنة ١٢٩٩ فوضت إليه نظارة المعارف العمومية فى ضمن النظار الذين كان منهم عرابى. وفى رجب سنة ١٢٩٩ استقال من وظيفته مع باقى النظار الذين كانوا معه بناء على ما حصل حينئذ من الفتنة والاضطراب والخلف بين النظارة والحضرة الخديوية، أثناء الحادثة العسكرية المشهورة. وفى أواخر السنة المذكورة طلب إلى الضبطية وسجن فى ضمن من سجن ممن اتهموا فى الحادثة المذكورة من الأمراء والعلماء وغيرهم، وأوقف معاشه، وكان قد تكلّم فيه بعض من لا خير فيه من حاسديه بما ليس له أصل ولا ينطبق على حقيقة، فاتهم فيمن اتهم، وتكرر سؤاله واستجوابه فى لجنة التحقيق التى كانت قد فوّض إليها تحقيق تلك الأحوال، فلم يظهر عليه شئ يوجب المؤاخذة، فأفرج عنه، وخرج من السجن، وبقى معاشه موقوفا، وأراد لقاء الحضرة الخديوية فلم ينل، فنظم فى ذلك قصيدة بارعة يمدح بها الجناب الخديوى ويستعطفه، ويتنصل مما افتراه عليه المفترون نحا بها منحى النابغة فى اعتذارياته. وقد اشتهرت، هذه القصيدة وتداولتها الأيدى والألسن مع كونها لم تطبع، وستأتى مع غيرها. ولما عرضت على الجناب الخديوى أجلّها وأحلّها محلها، وسمح له بالمثول بين يديه، وأقبل عليه، ثم أعيد معاشه إليه، فنظم قصيدته التشكرية الطنّانة المشهورة كسابقتها ضمّنها واقعة الحال مع التنصل والشكر، فزادت عن تسعين بيتا، وأشار عليه بعض أصدقائه من كبار الأمراء بالاختصار، فحذف جملة من أبياتها، ثم أشار آخر بعدم مجاوزة العشرة ففعل واقتصر على عشرة أبيات، فى وزنها ورويّها أدمج فيها بيتين، فنّها وهى هذه: ألا إن شكر الصنع حق لمنعم … فشكرا لآلاء الخديو المعظم مليك له فى الجود فضل ومفخر … على كل منهلّ من السحب مرهم بعيد مجال الشوط فى كل غاية … من الفخر، دان للندى والتكرّم تلافى أمور الملك خوف تلافها … بحكمة وضاح من الرأى محكم فبوّأ ظلّ الأمن كلّ مروّع … وروّى بفياض الندى كلّ معدم وأجرى زلال العدل صفوا نميره … ولولا التقى شابته صبغة عندم وقد حفّنى من فيض نعماه بالرضا … وأردفه فضلا بإحسان منعم وأوردنى من راحه نشوة المنى … فلا بدّ لى فى مدحه من ترنم سأشكره النعماء ما عانقت يدى … يراعى أو استولى على منطق فمى فلا زال محروس الحمى متمتعا … مع الخيرة الأشبال فى خير أنعم

стр. 361

(وأما القصيدة الأولى الاستعطافية فهى هذه): كتابى توجّه وجهة الساحة الكبرى … وكبّر إذا وافيت واجتنب الكبرا وقف خاضعا، واستوهب الإذن، والتمس … قبولا، وقبل سدّة الباب لى عشرا وبلّغ لدى الباب الخديوى حاجة … لذى أمل يرجو له البشر والبشرى لدى باب سمح الراحتين مؤمل … صفوح عن الزلات يلتمس العذرا كريم تودّ السحب فيض بنانه … إذا أرسلت أنواء وابلها غزرا ويستصبح البدر التمام بوجهه … فيلحظ عين الشمس من بعده شزرا ويخجل ضوء الصبح وضّاح رأيه … إذا ما ادلهمّ الخطب فى خطة نكرا تنوء الجبال الراسيات بحلمه … إذا طاش ذو جهل لدى غيظه قهرا عزيز أعزّ الله آية ملكه … بتوفيقه حتى أقام به الأمرا يراقب رحمن السموات قلبه … فيرحم من فى الأرض رفقا بهم طرّا مليكى ومولاى العزيز وسيدى … ومن أرتجى آلاء معروفه العمرا لئن كان أقوام علىّ تقوّلوا … بأمر فقد جاءوا بما زوّروا نكرا وإنّ سعاة السوء أنزل فيهم … علينا إله العرش فى ذكره ذكرا وعلّمنا أن نستبين مقالهم … ونأخذ منهم فى مساعيهم الحذرا وسامهم وسم الفسوق لحكمة … قضى حكمها للهجر من قولهم هجرا حلفت بما بين الحطيم وزمزم … وبالباب والميزاب والكعبة الغرّا وبالروضة القدسية السدّة التى … أجلّ لها الرحمن فى ملكه قدرا وبالزائريها يرتجون مليكهم … لما فرّطوا فى العمد والخطا الغفرا وبالصلوات الخمس يرجى ثوابها … وبالصوم يوليه الحفىّ به الشهرا لما كان لى فى الشرّ باع ولا يد … ولا كنت من يبغى مدى عمره الشرا ولا رمت إلا الصفو والعفو والولا … بجهدى لا أمرا أحاوله إمرا ولكن محتوم المقادير قد جرى … بما الله فى أمّ الكتاب له أجرى فى علم مولاى الكريم خلائقى … قديما، وحسبى علمه شاهدا برا أتذكر يا مولاى حين تقول لى … وإنّى لأرجو أن ستنفعنى الذكرى (أراك تروم النفع للناس فطرة … لديك، ولا ترجو لذى نسمة ضرّا) فذلك دأبى منذ كنت ولم أزل … كذاك، ورب البيت يا سيدى أدرى

стр. 362

فإن كنت قد آثرت ما قال قائل … ففى عفوك المرجو ما يمحق الوزرا فعفوا أبا العباس لا زلت قادرا … على الأمر. إن العفو من قادر أحرى ملكت فاسجح وامنح العفو تبتغى … زكاة لما أولاك ربك أو شكرا وهبنى من تقبيل يمناك راحة … تمنيتها أرجو بها اليمن واليسرا وحسبى ما قد مرّ من ضنك أشهر … تجرعت فيها الصبر أطعمه مرا يعادل منها الشهر فى الطول حقبة … ويعدل منها اليوم فى طوله شهرا أيجمل فى دين المروءة أننى … أكابد فى أيامك البؤس والعسرا وأحرم من تقبيل كفّك بعد ما … ترامت بى الآمال مستأنسا برّا ولى فيك آمال ضمينى بنجحها … وفاؤك لا أرجو سواك لها ذخرا وقد مرّ لى فوق الثلاثين حجة … بخدمة هذا الملك لم آلها صبرا أرى الصدق فرضا والعفاف عزيمة … ونصح الورى دينا وغشّهم كفرا وجاوزتها لا لى عقار يفيدنى … كفافا ولا فى الكفّ قد أبتغى وفرا ولو شئت كانت لى زروع وأنعم … ومال به الآمال أقتادها قسرا ولكنها نفس فدتك أبية … تعاف الدنايا أن تمرّ بها مرا فمنّ فقد ألفيت موضع منّة … وربك لا ينسى لذى منّة أجرا فلا زلت مأمولا مرجّى مهنأ … بما ترتجيه العام والشهر والدهرا (وأما التشكرية الطويلة الأصلية فهاهى): لى الله من عانى الفؤاد متيم … ولوع بمغرى بالدلال منعم وفىّ كما شاء الغرام ولو رمى … بى البين غدرا بين أنياب ضيغم صبور على جور الغرام وعدله … شكور على زور الخيال المسلم وقد عشت عمرا أتقى عادى الهوى … وأسحب أذيال الخلى المسلم ألوم على دين الصبابة أهله … وأسخر من حال العميد المتيم إلى أن رمى قلبى هواك بأسهم … تلتها يد البين المشتّ بأسهم فأصبحت ألحى بالذى كنت لاحيا … عليه وأرمى بالذى كنت أرتمى أعدّ عذاب الحب عذبا وبؤسه … نعيما، ومن يبل الصبابة يعلم بلوت الهوى حتى عرفت صروفه … جميعا على الحالين بؤس وأنعم فلا النأى بى ينأى عن الوجد والهوى … ولا القرب بى يدنو لبعض التبرم نأيت بقلب فى حماك مشيع … وعدت بقلب فى ذراك مخيم

стр. 363

فلا يطمع اللاحى بموضع سلوة … عن الحب فى أنحاء قلب مقسّم ولا يدّع الواشى النموم بأننى … عصيت الهوى أو رمت طاعة لوّم جمالك أغرى بالغرام جوانحى … وأذكى على الأحشاء نبران مضرم وألقى إلى أيدى التصابى أزمتى … فعاودت بعد الشيب صبوة مغرم ولذت بأعطاف القريض وطالما … رميت ذراه بالقلا والتجهم ولكننى أزويه عن غير أهله … وأهديه مدحا للخديوى المعظم مليك يردّ الطرف من دون شأوه … حسيرا لدى نهج من الحق أقوم بعيد مجال الشوط فى كل غاية … من الفخر دان للندى وللتكرم قريب منال الصفح عن كل زلّة … إذا لاذ ذو جرم بأهداب مندم إذا اغتنم الغضبان للفتك فرصة … رأى هو أن العفو من خير مغنم وليس كفضل العفو فضل ومفخر … ولا سيما من قادر متحكم رعى الله فى أمر الرعايا يسوسهم … مسهّد عين الفكر غير مهوّم فأمن لذى روع، وروع لمعتد … وصون لذى يسر، ويسر لمعدم مناقب يستعصى على الوصف حصرها … وأنّى لباغى العدّ إحصاء أنجم تدارك أمر الملك غبّ صعائب … من الخطب شتى بين فذ وتوأم فأحكمه بالعزم والحزم وانتضى … له نصل مضاء من الرأى مخذم على حين أمسى الناس فى جنح داجر … من الشر مسدول الرفارف مظلم فأطلع من آرائه كل كوكب … يكشف أستار الظلام المخيّم وسدّ فضاء البحر طمّ عبابه … بسود خفاف فى حفافيه جثم بوارج أمثال البروج تقاذفت … بحمر كأمثال الصواعق رجم بواخر ترمى الشاهقات بمثلها … سراعا كأسراب الحمام المحوّم دوارع يلقين المخاوف، آمنا … بها سربها من كل خوف ومرغم من اللاء لا يتركن حصنا محصنا … ولا أنف برج شامخ غير مرغم يطارحن أسراب المدافع فى الوغى … بكل رجيح وزنه غير أخرم وسالت شعاب الأرض بالجند زاحفا … بكل سبوح من كميت وأدهم يموج به الماذىّ فى كل مأزق … كما زخرت أمواج يمّ ميمم وغشى ضياء الشمس أسود حالك … من النقع معقودا بأقتم أسحم تغيّم منه الأفق والصحو سافر … لثاما ووجه الجو غير مغمّ

стр. 364

وأرعدت الأرض السماء وأبرقت … بصيّب ودق للمنية ينهمى وجاوب أصداء البنادق مثلها … نداء فما يبقين غير مكلم ونازع فيها ابن الكروب نديده … رسائل ليست للتودّد تنتمى ولولاك لم ترفع من النصر راية … لجند، ولم تفتح مغاليق معصم بعزمك صال السيف، واشتجر القنا … وعبّ عباب الجيش والحرب تحتمى فلما تداعى الشر واضطربت به … قوائم قوم من جبان ومقدم وأصبح ما بين المهنّد والطلى … من القرب أدنى من بنان لمعصم عفوت، وكان العفو شيمة قادر … ولو شئت أشرقت الصوارم بالدم وشالت بأطراف الرماح جماجم … تميد بأعطاف الوشيج المقوم وشالت بأشلاء الرجال أباطح … فأشربن ماء النيل صبغة عندم وطلّت دماء ما تزال مصونة … وطاح برئ تحت أثواب مجرم أبت ذاك نفس برّة دينها التقى … وقلب يخاف الدهر غشيان مأثم سجية مطبوع على الخير راحم … ومن يرج رحمن السموات يرحم إليك أبا العباس أزجى نجائبا … من الشكر لم تعلق بها نار ميسم كرائم تقفو إثر غرّ كريمة … سوالف قدما حزن فضل التقدم ضممن إلى شرق البسيطة غربها … فلم تبق فيها مجهلا غير معلم فأنت الذى أوليتنى الخير منعما … ولست الذى يرضى بكفران منعم وطوّقتى الآلاء قدما وحادثا … وذو الطوق مشغوف بفضل الترنم وأنت وربى الله مولاى لم أزل … إلى خير شعب من ولائك أنتمى فلا تستمع فى العبد غىّ مفند … ركيك أواخى النطق أعجم مفحم حسود يرى النعماء فى عينه قذى … فناظره من طول ما قد رأى عمى رمانى بهجر القول لا درّ درّه … ولو رمت قول الهجر لم يستطع فمى أأنطق لغوا بعد كل منضد … من المدح فى جيد الزمان منظم تسير به الركبان ما بين منجد … وآخر يبغى الغور منهم ومتهم يزيد على كرّ الحديدين جدة … ويصرم عمر العصر غير مصرم حلفت بما ضم الكتاب وما وعت … صحائفه من صادق القول محكم لقد كذب الواشون فيما سعوا به … من الغىّ فى طىّ الحديث المرجم وقد وسمونى بالذى اتسموا به … وما القول إلا لبسة المتكلم وقد غرّهم إصغاء سمع وراءه … فؤاد له عين على كل مبهم

стр. 365

يطالع مكنون الغيوب مسطرا … على صفحات الوجه عند التوسم فيستطلع السر الخفى مؤيدا … بنور اليقين المحض لا بالتوهم ويدرك غبّ الغيب عفوا بحكمة … ورأى صواب لا برؤيا مهوّم فلا يحسب البانى على الزور ما بنى … سيلبث إلا قيد وشك التهدم سيطفئ نار الإفك سيل عرمرم … من الصدق مشفوع بسيل عرمرم ويصدع نور الحق أبلج واضحا … فيلوى بليل من دجى المين مظلم ولو شئت حكمت القوافى بيننا … بماضى شباة القول فيهم مصمم ثقيل على قلب الحسود حديثه … خفيف على سمع المسامر والفم يثير دخان النقع فوق رؤوسهم … بنار على الأعداء ذات تضرّم زعيم بذى ليل من الهجو أليل … يشدّ عرى يوم من الذمّ أيوم ولكننى أنهى اللسان عن الخنى … وألوى عنان الأعوجى المقوم سأضرب صفح القول عنهم نزاهة … وأطويه طىّ الأتحمىّ المسهم وأفزع بالشكوى إلى حكم عادل … بصير ببادى أمرهم والمكتم محيط بما فوق السموات علمه … وما تحت أطباق الثرى لا معلم أليس بكاف عبده وهو قائم … على كل نفس بالقضاء المحتمّ ودون الذى يلقونه من عقابه … عدالة طبع الداورى المفخّم أيستامنى ريب الزمان ظلامة … وما زلت بالباب الخديوى أحتمى أردّ به كيد العدا فى نحورهم … وألوى به زند الألدّ المصمم وقد وضحت شمس النهار لمبصر … وأسفر وجه الأفق غير مليثم ودمّر ما قد شيّدوا كل محكم … من الحق مبنى على الصدق مدعّم وأصبح توفيق من الله مسعدى … وحسبى بالتوفيق حصنا لمحتمى وما زال حصنى فى الخطوب ومعصمى … وكفّى إذا بارزت خصمى ومعصمى سأشكره النعماء ما عانقت يدى … يراعى وما استولى على منطق فى وله فى الجناب الخديوى مديح كثير منه قصيدة التهنئة بتفويض مسند الخديوية إليه، وهى: اليوم يستقبل الآمال راجيها … وينجلى عن سماء العزّ داجيها وتزدهى مصر والنيل السعيد بها … والملك والدين والدنيا وما فيها قد أطلع الله فى سعد السعود سنى … بدر بلألائه ابيضت لياليها

стр. 366

وقام بالأمر رحب الباع مضطلع … بالعبء جمّ شؤون النفس ساميها ذو همة دون أدنى شأوها قصّرت … غايات من رام فى أمر يدانيها وراحة لو تحاكيها السحائب فى … فيض الندى هطلت تبرا غواديها يزهو بها قلم سام يسوس به … أمر الأقاليم؛ نائيها ودانيها يجرى بما شاء من حكم ومن حكم … يصبو لحسن معانيها معانيها ورأفة بعباد الله كافلة … بخير ما حدثت نفسا أمانيها مؤيّد بالهدى والحق، ملتمس … رضا البرية لاسترضاء بازيها تربو على وصف مطريه محاسنه … وهل يعدّ نجوم الأفق راعيها توفيق مصر ومولاها وموئلها … وركنها ومفدّاها وفاديها وغصنها النضر أنمته منابتها … من دوحة أينعت فيها مجانيها خديوها ابن خديويها ابن فارسها … أميرها البطل الشهم ابن واليها رأى الخليفة فية رأى حكمته … وللملوك صواب فى مرائيها رآه أجدر أن يرعى رعيته … وأن يقوم بما يرجوه راجيها وأن ينحى عنها ما أحاط بها … من الخطوب التى هالت أهاليها فجاء مرسومه السامى تطير به … نجائب البرق يطوى البر ساريها لله يوم جلا عن نور غرّته … كالشمس مزق برد الغيم ضاحيها فى موكب مثل عقد الدر فى نسق … أو كالنجوم الدرارى فى مساريها يسير فى مصر والبشرى تسابقه … من حيث سار وتسرى فى نواحيها يحفه أخواه الماجدان به … مع الوزير شريف النفس عاليها مشير صدق بحزم الرأى قد عرفت … أفكاره بين باديها وخافيها لا تنثنى عن صواب الرأى رغبته … لرهبة كائنا ما كان راعيها حتى أتى القلعة الفيحاء فانطلقت … فيها المدافع بالبشرى تواليها واستقبلته صفوف الجند قد نظمت … نظم القلائد زانتها لآليها داعين تعلن ما فى النفس ألسنتهم … بدعوة الخير والتأمين تاليها فتفتخر مصر إعجابا بحاضرها … على محاسن ماضيها وآتيها إيه، لقد أبدت الأيام سرّ منى … طالت عليه الليالى فى تماديها وأسعد الطالع الميمون أنفسنا … بخير أمنية كانت تناغيها هذا الذى كانت الآمال ترقبه … دهرا، وتعتده أقصى مراميها ما زال فى قلب مصر من محبته … سر تبوح به نجوى أهاليها

стр. 367

تصبو له، وأمانيها تطاوعها … فى حبه، ولياليها تعاصيها وترتجيه من الرحمن سائلة … حتى استجيب بما ترجوه داعيها فالحمد لله شكرانا لأنعمه … فالشكر حافظ نعماه وواقيها يا ابن الذين لهم فى المجد قد عرفت … أخبار صدق، لسان الحمد راويها قادوا الجنائب من مصر مسوّمة … إلى الحجاز؛ إلى أقصى أعاليها غرّا سوابق مشهورا سوابقها … مقرونة بأعاليها عواليها قباضوا مرّ، كالآرام يكنفها … ليوث حرب، بأيديها مواضيها تموج فى زرد الماذىّ سابحة … تحدى بأرجلها عدوا أياديها رموا بهن صدور البيد معنقة … على نحور أعاديها عواديها قد عوّدوهن أن لا ينثنين عن ال … هيجاء إلا إذا كفّت عواديها وأن يطأن على هام الكماة إذا … لفّ الوغى بهواديها تواليها فاستنقذوا حرم الرحمن من عصب … لم يرع حرمة بيت الله راعيها وأوردوا الخيل نجدا، فاستبوه، ولم … تعسر عليها عسير فى مساعيها وكان تأييدها أمر الخلافة فى … مواطن الحرب من جلى معاليها مولاى، دعوة إخلاص يكررها … داع أياديك أرضته أياديها هنئت علياء قد وافتك خاطبة … تختال تيها، وتزهو فى تهاديها علياء فاتت سموا كل منزلة … فلم يكن فى سواها ما يساويها رأت علاك فشاقتها حلاك فلم … تسمح لغيرك من خلّ يخاليها وكم سمت نحوها نفس تؤملها … من قبل، لكنها ضلّت مساعيها تجاذبوها فرثّت فى أناملهم … حبالها، وتمادت فى تنائيها قضوا غراما، ولم يقضوا بها وطرا … فكان أصل مناياهم أمانيها فاسلم أقرّ بك الرحمن أعينها … ولا برحت لها مولى تواليها وأقرّ سمعك من حلو الثناء حلى … يلهو بلحن المثانى صوت شاديها حلى كما انتظم العقد الفريد على … لبّات حسناء تجلوه تراقيها وهاك غراء من حرّ القريض إذا … ما أنشدت خلب الألباب تاليها وفخرها أنها فى المدح قد صدعت … بقول صدق فلا حىّ يلاحيها يسهو بها الراكب المزجى مطيته … عن حاجة راح يغدو فى تقاضيها يسائل الناس: أى الناس قائلها … وأى بربّه الممدوح جازيها وإنما حسبها برّا وتكرمة … منه قبول وإقبال يوافيها

стр. 368

تدرى القصائد أنى لست أقصدها … إلا وللحب داع من دواعيها ولا تجافيت عنها قبل من حصر … بحمد ربى ولا ضنّت قوافيها لكنها نفس حرّ لا تهمّ بما … لا يستوى فيه باديها وخافيها تسعى إليك وفرط الشوق قائدها … إلى رخابك والإخلاص حاديها وافت تهنّئ مولاها مؤرخة … توفيق مصر بأيد الله راعيها ٥٩٦ ٣٣٠ ١٧ ٦٦ ٢٨٧ - سنة ١٢٩٦ وهذا أنموذج من شعره دال على منزلته فى النظم كاف عن غيره. وأما النثر فشهرته فيه معلومة تغنى عن إطالة القول. وكان قد عرف بذلك واشتهر به من زمن عنفوان الشباب، ولم يكن إذ ذاك فى كتاب الحكومة من يجيد النثر إلا أقل من القليل، لا سيّما مع الإلمام بعلوم العربية، وكتب عن سعيد باشا المرحوم فى أيام حكومته جملة كتب إلى بعض الملوك وغيرهم، وعن الجناب الفخيم جناب إسماعيل باشا - خديو مصر السابق - كذلك، وعن لسان والدته الكريمة - رحمة الله عليها - وحرمه المصون إلى الجناب العالى السلطانى جناب السلطان عبد العزيز خان - عليه الرحمة والرضوان - وحرمه المحترم، ووالدته الماجدة، وقضى غالب أيام خدمته للحكومة فى أشغال الكتابة باللغتين التركية والعربية والترجمة من إحدى هاتين اللغتين إلى الأخرى. ونوّه بفضله كثير من معاصريه منهم الأديب الماهر الناظم الناثر أحمد فارس أفندى - صاحب «الجوائب» - فى الجوائب وغيرها، وذكره فى كتابه «سر الليال» حين تكلم على السجع قال «وممن برع فيه فى هذا العصر، وحق له به الفخر فى الإنشاءات الديوانية، وهى عندى أوعر مسلكا من المقامات الحريرية، الأديب الأريب الفاضل العبقرى عبد الله بك فكرى المصرى. فلو أدركه صاحب «المثل السائر» لقال كم ترك الأول للآخر، فسبحان المنعم على من يشاء بما شاء. ومن أجلّ تلك النعم الإنشاء». (انتهى كلامه). وقد أورد جملة من منشآته الفاضل البارع النحرير الشيخ حسين المرصفى فى الجزء الثانى من كتابه «الوسيلة الأدبية للعلوم العربية». قال فى صحيفة ٦٧٢ من الجزء المذكور: «إذا قرأت متأملا حق التأمل ما نقلناه لك من إنشاء ذوى العصور المتتالية عرفت كيف اختلاف مذاهب الناس فى الإنشاء، وإذا يسلك بك التوفيق إلى اختيار طريقة تناسب أحوال

стр. 369

بنى وقتك. وتوافق أفهامهم، إذا دعتك داعية للإنشاء المصنوع هذا، وأنفع ما أراه ينبغى لك أن تتخذه دليلا يرشدك إلى كل وجه جميل من وجوه الفنون التى تحاول فيها أن تكتب الكتابة الصناعية المناسبة لوقتك الذى تأمل أن تعيش فى رضا أهله عنك، واعترافهم بظهور ما يعود منك عليهم نفعه منشآت الأمير الجليل صاحب الوقت، الذى لو تقدم به الزمان لكان له بديعان، ولم ينفرد بهذا اللقب علامة همذان، عبد الله فكرى بك أطاب الله أيامه، وأعلى كما نرجوه منه تعالى حيث كان مقامه». إلى آخر ما قاله، وأورد جملة من إنشائه ساقها إلى آخر الكتاب يراجعها فيه من أرادها. ومن إنشائه «المقامة الفكرية فى المملكة الباطنية»، وهى مشهورة طبعت غير مرة. ومن إنشائه من كتاب عن لسان مؤلف هذا الكتاب إلى سلطان باشا المرحوم، حين كان مفتش الأقاليم الصعيدية، يستحثه على ترويج «روضة المدارس» - وهى صحيفة علمية استحدثت إذ ذاك فى ديوان المدارس - قال: «لا يخفى أن تقدّم الأمة فى طريق التمدّن، ورسوخ أقدامها فى ذروة التمكن إنما يكون بواسطة عظمائها وعلمائها وفضلائها ونبلائها، وهذا إنما يمكن الوصول إليه والحصول عليه بنشر آثار بيانهم، واستفادة العامة من استفاضة أنوار أذهانهم، وهذا أيضا لا يتأتى إلا بالوسائل النشرية، أى بوسائط الصحف الدورية العلمية والخبرية، وهذه إنما تستقيم سوقها وتنفق سوقها بواسطة أعيان الأمة الكرام، وترويجهم لها عند الخاص والعام. وهذا كما يقال تشبيب بعده مديح، وتلويح يعقبه توضيح وتصريح، والغرض من هذه الوسائط المتصلة والوسائل المتسلسلة، إنما هو «روضة المدارس»؛ وهى روضة ابتدئ غراسها، وجنة أنشئ أساسها، فإن ساعدها الإقبال بإقبال سعادتكم عليها وتوجيه نظر أولى العوارف والمعارف إليها رويت بماء الفضل والإفضال وانتعشت بنسمات الكمال والجمال، فعند ذلك تتنوع أشجارها وتتضوع أزهارها وتينع ثمارها، وتثبت أصولها، ويكثر محصولها، وتتّسع مزارعها، وتعم الأمة منافعها. وإن نالها من الإغماض سموم الإدبار، وأصابها من الإعراض إعصار فيه نار، خصوصا وهى قريبة العهد بالوجود، عاطشة لماء الفضل والجود، ذبلت أغصانها، وذوت أفنانها، وانتثرت أوراقها، وسقطت ساقها. وأنتم أولى من يغار للفضل وأسبابه، وينهض ويستنهض غيره لفتح بابه، لا سيّما وإقليم الصعيد أول ما عمر من هذا القطر السعيد، وقد صار والحمد لله سلطان الفضل به ظاهر، وصادف من العناية العلية الخديوية قوة وناصر، والمرتب فيه الآن من «روضة المدارس» نسختان لا غير، وهو أقل من القليل بالنسبة لمن به من أهل الفطنة

стр. 370

ومن إنشائه مقدمة نبذة له فى محاسن آثار الداورى المعظم محمد على الكبير وأخلافه قال: «بك اللهم نستفتح باب النجاح، ونستمنح أسباب الفلاح، وبالثناء عليك بجلائل أسمائك نستوهب المزيد من جزائل نعمائك، وباستدعاء صلات صلاتك على خير الشفعاء لديك نتقرب به، ونستشفع به إليك، فإنه أكرم الخلق عليك، باسطين على أبوابك أكفّ السؤال، متوسلين إلى جنابك ببضاعة الرجاء، وضراعة الابتهال. أن تديم دولة أمير المؤمنين وأمين أمور المسلمين، خليفة رسولك الأمين على من استرعيته من العالمين، وتعزّ به الملك والدين أبد الآبدين، وأن تمتع بطول الدوام وحصول المرام حضرة عزيز مصرنا وغرّة وجه عصرنا، وتحفظ له أنجاله الأمجاد، وتبلغه من حسن أمرهم ما أراد، وأن تديم توفيقه لما فيه صلاح حالنا ومآلنا، ونجاح أعمالنا وآمالنا، وفوز أوطاننا بأوطارنا، وسمو أقدارنا بأقطارنا، وأن تعين أمراءه وعمّاله وأمناءه على معاضدته فى أعماله الناجحة، ومساعدته على آماله الراجحة وأن توزعنا شكر نعمك، وتودعنا برّ كرمك، وتهدينا سبيل الرشاد، وتوفقنا للخير والسداد كى نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا. وبعد، فلما كان التحدث بالنعمة طاعة، والشكر عليها واجبا على قدر الاستطاعة، كان علينا أن نحلى بنان البراعة، ونطلق فى ميدان البلاغة عنان اليراعة بذكر ما أنعم الله به على هذه الديار السعيدة الجد فى عهد عزيزها الأسعد ووالده الماجد، وجده الأمجد. وقد أفادت التواريخ العظيمة بإجماعها، وشهدت الآثار القديمة بلسان إبداعها أن هذه الديار كانت فى سالف الأعصار قدوة الأمصار فى المجد والفخار، وكعبة الفضل التى يحجها كل ناجب من كل جانب، ومدينة العلم التى يقصدها كل طالب من الأجانب، ليستفيدوا من أهلها عوارف معارفهم، ويستزيدوا فى طرائف لطائفهم، ويتعلموا عليهم ما لم يكن إلا لديهم من الصنائع العجيبة والبدائع الغريبة، فهم الذين سهّلوا سبل البراعة لسالكيها، وذللّوا أعنة الصناعة لمالكيها، على حين كان غيرها لم ينشق عن صبح المعارف ظلامها، ولا انزاح عن وجه التمدّن لثامها، فكانت مصر أم الدنيا تقدّما وتقديما، وأهلها آباء الناس تربية وتعليما، وكان الكل عيالا عليها، وأطفالا بالنسبة إليها. وناهيك دلالة على فضلها القديم ما حكاه أفلاطون الحكيم أن سولون الفيلسوف الكبير - أحد حكماء اليونان المشاهير - لما قدم إلى مدينة صا الحجر فى إقليم الغربية ليمارس العلوم والمعارف الحكمية، وذلك قبل المسيح ﵇ بنحو من سبعمائة عام، قال له قسوسها ياسولون إنما أنتم معاشر اليونان بالنسبة إلينا أطفال، ليس فيكم من شيخ يعد فى الرجال … إلى آخر ما قال ..

стр. 371

وحسبك من بقاياها ما تراه فى خبايا زواياها من بدائع الأسرار المرموزة فى روائع الآثار المكنوزة، التى سارت بأحاديث فضلها مطايا الأيام فهى نجائب، وعقمت عن إنتاج مثلها حبالى الليالى التى تلد العجائب، فهى أحدوثة الزمان وأعجوبة الإمكان، وبكر الفلك الدائر ويتيمة الدهر الداهر، وقد طالما حاولت يد الزمن الغالب أن تعفى آثارها وطاولت همم المتغلبين عليها من الملوك الأجانب دمارها، فلم تزل منها بقية يغالبهم إفناؤها، ويعاندهم بقاؤها، حتى شلّت عنها أيادى الأعادى، وملّت منها غوادى العوادى، وحتى خضعت لديها أرباب الأفكار العالية، وتقطّعت عليها رقاب الأعصار الخالية، وحتى لقد هرمت الأيام وهى متباهية بشبابها، وتصرّمت الأنام وهى باقية بين أترابها، ناطقة ببراعة عبارتها، شاهدة فى إشارة حسن شارتها، شاهدة لمصر بما لها من قدم المجد المؤيد، وقدم الصدق فى السبق إلى كل سئودد. على أنها لو جحد الخصم دعواها وهيهات، وطالبها خصمها فى محافل الفخر بإثبات ما فات، لكفاها أن تقيم شاهديها الكريمين من هرميها الهرمين، فيخبرا بما كان من قبل الطوفان، ويشهدا بما علم من فضلها، وما كان من مجد أهلها، وأنهم كانوا أثبت الناس فى التمدّن قدما، وأسبقهم إلى التفنن قدما، وأطولهم فى محاسن الفضائل باعا، وأميلهم إلى محاسن الشمائل طباعا، ثم تناولتها الأيادى المتطلبة وتداولتها الأعادى المتغلبة فندّدوا أهلها، وبدّدوا شملها، وأتلفوا ما استطاعوا من تلك المعالم، وتفنّنوا فى أنواع المظالم، حتى أصبح مزاج الفضل بها فاسدا، وسوق العلم فيها كاسدا، وربع المعالى خاليا، وبيت الأمانى على عرشه خاويا. ولم تزل كذلك إلى أن انتهت إلى المرحوم محمد على علىّ الشان، سقى الله تعالى ضريحه سحائب الغفران، وأحل روحه رياض الرضوان، فخلّصها من مصاعب المصائب، واستخلصها من نيوب النوائب، وصيّرها موطنه ومأمنه وحماه، ومنع جانبها من صنوف الصروف وحماه، وبذل الجد فى لم شعثها، ولم يأل جهدا فى تسهيل دعتها، وأعاد ما سلب الفقر من نضارة نضارتها، ورد ما غصب الدهر من غضارة حضارتها، حتى زهيت بحسن علاها وحلاها، ونسيت ما كان من بلائها وبلاها … إلى آخره». ومن كلامه مقالة تليت يوم توزيع المكافآت على تلامذة المدارس والمكاتب بحضور الخديو السابق إسماعيل باشا المعظم، تلاها أحد التلامذة بحضوره، وقد جعل فى أثناء المقالة أبياتا مرتبة فى مواضع منها فكلما وصل التالى إلى موضع ترنم بما فيه من النظم جماعة من التلامذة بألحان معجبة وأنغام مطربة. صنع ذلك حسب الاقتراح. والمقالة المذكورة هى هذه قال:

стр. 372

يا مفيض الجود على الوجود، وجامع الناس ليوم مشهود، نحمدك اللهم حمدا يكافئ مزيد نوالك، ونشكرك اللهم شكرا يستتبع دوام أفضالك، ونسألك أن تهدى لسيد الشاكرين وأشرف الأولين والآخرين صلة صلاة تليق بجنابه، وتعمّ جميع آله الكرام وأصحابه: أزكى صلاة وأسناها يرادفها … أزكى سلام على المختار هادينا وآله الطهر والصحب الأماجد من … بهديهم قد أقاموا للهدى دينا ونتوسل اللهم بهم لديك، باسطين أكف الضراعة إليك، سائلين من فضل كرمك، مستمسكين بحبل نعمك، أن تديم غرّة عصرنا، وقرة عين مصرنا؛ من أعاد لهذه الأوطان العزيزة قديم اشتهارها، وجدّد ما اندرس من معالم افتخارها، وأجرى ما نضب من منابع يسارها، فأضحت تباهى سائر بلاد الدنيا وأمصارها، ونشر أنوار الفنون والمعارف بين أبنائها بما أنشأ من المدارس والمكاتب فى جميع أنحائها، وما صرف من جزيل كرمه عليها، وما عطف من جليل هممه إليها؛ حتى أصبح نور العلم والعدل فى ظل أيامه فاشيا، وظلام الظلم والجهل بحكمة أحكامه متلاشيا: فى ظل دولة إسماعيل قد ظهرت … فى مظهر الشرف الأعلى معالينا وساعدتنا الليالى، وازدهت فرحا … أوطاننا، وسعدنا فى أمانينا أدامه الله محفوظ الجناب على … طول الزمان، وهنّاه المنى فينا ودام أنجاله فى عز دولته … مدى الليالى فهم عز لوادينا فحق على جميع أهل الوطن الكريم شكر هذا الجناب الخديوى الفخيم على ذلك الخير العظيم والبر العميم، ولا سيما نحن أبناء المدارس الميرية والمكاتب المحلية الأهلية والخيرية، فقد نشأنا فى ظل عدله، وربينا على موائد فضله، وتعلمنا كل ما تعلمنا بحسن إرشاده، وتقدمنا فيما تعلمنا بمساعدته وإسعاده، فنحن صنائع كرمه، وربائب نعمه، وغرس أياديه الكريمة، وثمرات مساعيه الجسيمة. غرسنا فى أرض أفضاله، وسقانا زلال نواله، وتولانا بكامل عنايته، وتعهّدنا بعلى رعايته، وسنكون بمشيئة الله وعونه أرواح نجاح، ونثمر بمنه ويمنه للوطن حسن صلاح وفلاح. وها هو أدام الله أيامه، وبلّغه من جميع الخير ما رامه شرع يكافئنا على نعمه بنعمه، وشرفنا فى هذا المحفل الباهر بنقل قدمه كرم على كرم ونعمة على نعم. فعلينا من الواجب البيّن وجوب الفرض المتعيّن أن نجعل أيامنا ظرفا لشكر نعمته، وأجسامنا وقفا على حسن خدمته، وألسنتنا مدى الدهر ناطقة بمدحته، وقلوبنا مدة العمر متفقة على طاعته ومحبته، وأن نبذل فى تحصيل رضاه غاية إمكاننا، ونجارى إن شاء الله مقاصده الكريمة فى نفع أوطاننا. مكتبة الأسرة - ٢٠٠٨

стр. 373

وحق لنا الآن أن نتهادى بيننا علائم التهانى، ونبشّر نفوسنا وأوطاننا بغايات الأمانى، وعلينا أن نعلن بعد شكره وشكر حضرات أنجاله الفخام بالثناء على من شرّفنا فى هذا المقام من حضرات الأمراء العظام وأعلام علماء الإسلام وسائر الحضار الكرام أدام الله معاليهم، وأسعد بهم أيامهم ولياليهم. وعلينا أيضا أن نعترف بحسن اجتهاد رؤسائنا معنا فى التربية والتعليم على وفق مقاصد الجناب الخديوى الفخيم، ونقوم لهم بواجبات الشكر والتكريم، شكر الله أياديهم، وتقبّل مساعيهم، وأعاد لنا وللجميع فى مثل هذه الأيام عيد هذه العادة الحسنة الخديوية كل عام ببقاء ولى النعم الخديو الأفخم - متّعه الله بدوام توفيقه وإقباله، وكامل أشباله الأماجد وأنجاله وسائر ذويه الكرام، وبلّغه غاية المرام: ندعو له وإله العرش يسمعنا … فضلا، ويعلن بالإخلاص داعينا دعاء صدق إذا الداعى استهلّ به … يقول سامعه آمين آمينا». وآثاره فى الإنشاء كثيرة شهيرة، طبع عدد عديد منها فى أوقاته فى الجر نالات وغيرها، فلنكتف بما أوردناه منها. ولصاحب الترجمة فى رواية الحديث طرق عديدة وأسانيد سديدة، بعضها أعلى من بعض أجازه بها الأشياخ الأكابر بالسند المتصل كابرا عن كابر، فمن ذلك: روايته عن العلامة المحقق الشيخ إبراهيم السقا عن أشياخه، كالشيخ ثعيلب، والشيخ الأمير الصغير عن والده الشيخ الأمير الكبير، وغيرهما. وروايته عن العلامة الورع المتقن المعمّر الشيخ على بن عبد الحق الأقصر الحجاجى القوصى عن الشيخ الأمير الكبير المذكور. وروايته عن العلامة المدقق السيد على خليل الأسيوطى، عن الشيخ على القوصى المذكور. وروايته عن الفاضل الكامل الثقة المعمر الشيخ عبد الواحد بن السيد منصور الريانى المتوفى سنة ١٢٧٩، عن السيد داود، عن السيد المرتضى الزبيدى - محدّث وقته المشهور بعلو السند صاحب «شرح القاموس» وغيره. وروايته عن الشيخ عبد الواحد المذكور، عن شيخه الشيخ عبد الله الشرقاوى شيخ الجامع الأزهر فى وقته - صاحب «حواشى التحرير» وغيرهما. وروايته عن السيد على خليل المذكور آنفا عن شيخه الشيخ إبراهيم الباجورى - شيخ الأزهر فيما سبق - عن الشيخ عبد الله الشرقاوى المذكور. وبهذه الطريق يروى بعض المسلسلات المشهورة.

стр. 374

وقد تلقى طرقا من طرق السادة الصوفية رضوان الله عليهم عن أكابر من أفاضل المشايخ الواصلين؛ فمن ذلك طريق السادة الخلوتية عن الحسيب النسيب المجمع على ولايته وكرامته وعلو مكانته الشيخ على حكشة، المدفون عند ضريح السلطان أبى العلا ببولاق، وشاهد صاحب الترجمة كثيرا من كراماته الظاهرة، ومكاشفاته الباهرة، وانتفع على يديه. وتلقى الشيخ على حكشة ﵁ عن شيخه العارف بالله تعالى الولى الكامل الشيخ صالح السباعى، الموجود مقامه عند باب مقام شيخه القطب الكبير الشيخ أحمد الدردير - الشهير بمالك الصغير - عن الشيخ الدردير المذكور، عن مشايخه المذكورين فى كتابه «التحفة» بالسند المتصل إلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وكرّم وجهه، إلى رسول الله ﷺ . وقد نظم رجال سلسلة هذه الطريقة فى منظومة له طبعت سابقا، وهى من أول نظمه. وهذا آخر ما أردنا إيراده من ترجمته فسح الله فى أيام مدته. وهذا وصف جهة اليسار من شارع السيوفية، وأما من جهة اليمين: زاوية المضفر فبها زاوية المضفر عرفت بذلك لأن تجاهها ضريح الشيخ المضفر، وكانت أول أمرها مدرسة أنشأها الأمير حرمان الأبوبكرى المؤيدى، فيها قبره، وقبر الشيخ أسد - كما ذكره السخاوى فى «تحفة الأحباب» - وهى موجودة إلى الآن، ولها منبر وخطبة ومطهرة ومراحيض وبئر، وفيها قبور، وشعائرها مقامة من جهة ورثة المرحوم محمد على باشا. قلت: وخلف هذه الزاوية حوش كبير كائن بجوار دار حرم المرحوم محمد على باشا من أولاد جنتمكان العزيز محمد على باشا - جد العائلة الحاكمة فى وقتنا هذا - وهذا الحوش ممتد خلف الدكاكين المجاورة للزاوية من الجهة البحرية التى أمام بيتنا إلى قريب من بيت الأسطى محمد الشكلى الخيّاط الذى تجاه بيتنا المذكور. وقد شاهدت عند هدم تلك الدكاكين وهدم مساكن الحوش أساسات ممتدة إلى الزاوية، ومتصلة بها، وشاهدت أيضا بعض بوائك كانت داخلة فى ضمن بعض المساكن، وهى بالحجر الفص الكبير تدل على أنها بعض آثار المدرسة الأبوبكرية المذكورة، ويظهر أن الأيدى تسلطت مع الزمن على هذه المدرسة، فصارت ضمن الحوش ولم يبق منها إلا الزاوية الموجودة الآن.

стр. 375

دار السلطان طومان باى ثم وفى قبلى هذه الزاوية خلف دار المرحوم محمد على باشا المتقدم ذكرها والدار المجاورة لها والحوش الذى هناك تجاه تكية المولوية دار كبيرة متخربة كانت أولا من الدور الشهيرة، وكانت فى ملك السلطان طومان باى - قريب السلطان الغورى - ثم سكنها السلطان سليم بعد فتح مصر ورجوعه من الإسكندرية، وبقى ساكنا بها إلى أن خرج متوجها إلى البلاد الرومية فى ثلاث وعشرين من شعبان سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة، ثم انتقلت إلى ملك سنان باشا الدفتدار، ثم إلى ملك محمد بيك عجم زاده. وبيان ذلك أن ابن إياس وغيره ذكر أن السلطان سليم سكن فى دار طومان باى بعد أن انتقل من المقياس. وذكر أبو السرور البكرى فى خططه أن السلطان سليم تحول إلى البيت المطل على بركة الفيل المعروف الآن ببيت عجم زاده. وفى حجة مصطفى أغا ابن عبد الرحيم - أغا دار السعادة - أن دار عجم زاده هى دار طومان باى التى بزقاق حلب. والزقاق موجود إلى الآن لكن ليس له اسم. (انتهى ملخصا). قلت: فنتج من هذا كله أن دار طومان باى قد انتقلت إلى ملك سنان باشا وإلى ملك عجم زاده، كما هو ظاهر مما تقدّم، وهى موجودة إلى الآن إلا أنها متخربة. ضريح المضفر وأما ضريح الشيخ المضفر المذكور فقد هدمناه عند بناء بيتنا، وجدّدناه، ولكن لم نغير قبته، وجعلنا له كل سنة مولدا ليلتين مع مولد السيدة نفيسة ﵂ والظاهر أن بهذا الضريح رأس سنجر الذى ذكره السخاوى. ترجمة المضفر وأما المضفر فهو - كما فى المقريزى - الملك المظفر سيف الدين قطز، تسلطن فى يوم السبت رابع عشر ذى القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة، وأخرج المنصور بن المعز أيبك وأمه إلى بلاد الأشكرى، وقبض على عدة من الأمراء، وسار فأوقع بجمع هولاكو على عين جالوت، وهزمهم فى يوم الجمعة خامس عشرى رمضان سنة ثمان وخمسين، وقتل منهم وأسر كثيرا، بعد ما ملكوا بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم بالله عبد الله، وأزالوا دولة بنى العباس، وخرّبوا بغداد، وديار بكر، وحلب، ونازلوا دمشق فملكوها، فكانت هذه الواقعة أول هزيمة عرفت للتتر منذ قاموا.

стр. 376

ودخل المظفر قطز إلى دمشق، وعاد منها يريد مصر، فقتله الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى قريبا من المنزلة الصالحية فى يوم السبت نصف ذى القعدة منها. فكانت مدته سنة تنقص ثلاثة عشر يوما. (انتهى). حارة الألفى ثم بعد زاوية المضفر حارة الألفى، يسلك منها لشارع الشيخ نور الظلام، ولسكة درب جميزة الذى بشارع الصليبة. وفى القرن الحادى عشر كانت تعرف هذه الحارة بزقاق حلب كما هو مذكور فى حجة مصطفى أغا ابن عبد الرحيم أغا دار السعادة. قلت: وهى من حقوق درب ابن البابا الذى ذكره المقريزى فى الأخطاط حيث قال: هذا الخط يتوصل إليه من تجاه المدرسة البندقدارية بجوار حمّام الفارقانى، ويسلك فيه إلى خط واسع يشتمل على عدة مساكن جليلة، ويتوصل منه إلى الجامع الطولونى، وخط قناطر السباع وغير ذلك. قلت: وهو الآن من أعمر أخطاط القاهرة، وبه كثير من منازل الأمراء والأعيان، وكان فى الأصل بستانا يعرف ببستان أبى الحسين بن مرشد الطائى، ثم عرف ببستان نامش، ثم عرف أخيرا ببستان سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، ثم حكره أمير يعرف بعلم الدين الغتمى، فبنى الناس فيه الدور فى الدولة التركية وصار يعرف بحكر الغتمى، ثم عرف أخيرا بدرب ابن البابا. وكان هذا البستان يشرف على بركة الفيل، وله دهاليز واسعة عليها جواسق تنظر إلى الجهات الأربع، ويقابله حيث الدرب الآن المدرسة البندقدارية، وما فى صفّها إلى الصليبة بستان يعرف ببستان الوزير ابن المغربى، وفيه حمّام مليحة. ويتصل ببستان ابن المغربى بستان عرف أخيرا ببستان شجرة الدر، وهو حيث الآن سكن الخلفاء بالقرب من مشهد السيدة نفيسة، ويتصل ببستان شجرة الدربساتين إلى حيث الموضع المعروف اليوم بالكبارة من مصر. (انتهى ملخصا). والحمّام المذكورة هنا هى حمّام الصليبة. زاوية الفرقانى ثم بعد حارة الألفى زاوية الفرقانى، وهى على رأس الحارة تجاه زاوية الآبار، معلّقة يصعد إليها بدرج، وكانت أول أمرها مدرسة تعرف بالفرقانية، بناها هى والحمّام الآتى بعدها - المعروف بحمّام الألفى - الأمير ركن الدين بيبرس الفارقانى، وهو غير الفارقانى

стр. 377

المنسوبة إليه المدرسة الفارقانية التى بحارة الوزيرية - كما فى المقريزى - وبها منبر وخطبة وحنفية، وشعائرها مقامة من ريع أوقافها. حمام الألفى ثم حمّام الألفى المذكور، وهو وقف الست الألفية، معدّ للرجال والنساء. عطفة مراد باشا ثم عطفة مراد باشا عن يمين المارّ بالشارع أيضا، وليست نافذة، عرفت بالمرحوم مراد باشا لأن بها داره، وهى كبيرة، وعلى رأسها دار الأمير طلعت باشا، وهى كبيرة أيضا وبها جنينة متسعة. قلت: وبهذا الشارع سبيلان عامران: - أحدهما يعرف بسبيل مصطفى أغا لأنه أنشأه مصطفى أغا ابن عبد الرحيم - أغا دار السعادة - وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال القرآن الشريف وذلك سنة اثنتين وثلاثين وألف، ومذكور فى وقفيته أنه أنشأ المكان المستجدّ الإنشاء بخط الصليبة الشيخونية بحدرة البقر تجاه المولوية، وبه جنينة بحرية تطل على زقاق حلب تجاه منزل سنان بيك الدفتدار، ثم صار سكن محمد بيك عجم زاده وأنشأ المكان المجاور له أيضا. قلت: فعلم من هذا أن السبيل والمكان المجاور له المجعول الآن حوشا لسكن الحدادين وغيرهم ومنزل حرم محمد على باشا هو من إنشاء مصطفى أغا المذكور. - والثانى يعرف بسبيل على أغا لأنه أنشأه، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأيتام وذلك سنة ثمان وثمانين وألف. وهما عامران إلى الآن من جهة الأوقاف. قلت: وعلى أغا هذا هو على - أغا دار السعادة - ومن أوقافه البيت الكبير المجعول الآن مدرسة للبنات - كما تقدّم - ومنزل حرم المرحوم محمد على باشا ومنزل الأمير رياض باشا الذى تجاه المدرسة البشرية - المعروفة بزاوية الشيخ نور الظلام - الكائنة بدرب الخادم، كما هو مذكور فى كتاب وقفيته المؤرخ بسنة سبعين وألف المحفوظ بدفترخانة الأوقاف، ويعلم منها أيضا أن المنزل الكبير المجاور لمنزل الأمير رياض باشا من الجهة القبلية كان منزل قانصوه بيك. (انتهى). وهذا وصف شارع السيوفية قديما وحديثا.

стр. 378

القسم الثامن عشر: شارع الركبية أوله من سبيل أم عباس عند مقطع شارع الصليبة، وينتهى إلى أول شارع الخليفة بالقرب من درب الحصر، وبه عطف ودروب كهذا البيان: عطفة الحكيم عن يسار المارّ، وهى غير نافذة. عطفة البهلوان عن اليسار، وليست نافذة أيضا. وأما جهة اليمين فبها: عطفة المغاربة بجوار ضريح سيدى أحمد، وهى غير نافذة. درب المرعاوى عن يمين المارّ بالشارع، وليس بنافذ. عرف بذلك لأن به ضريح الشيخ المرعاوى، وبقربه ضريح آخر يعرف بالأربعين. وبهذا الشارع فى وقتنا هذا جملة دكاكين من الجانبين لبيع اللحم والخضراوات وغير ذلك، وبه زاويتان: إحداهما تعرف بزاوية مصطفى بيك طبطباى، شعائرها غير مقامة لتخربها. والثانية تعرف بزاوية بابا يحيى، شعائرها مقامة، وبها قبر لؤلؤ الخازندار، وقبر آخر يعرف بقبر إسماعيل الجزار، ولها مرتب بالروزنامجة نحو السبعة قروش شهريا. وبه أيضا سبيل أنشأه مصطفى بيك طبطباى المذكور فى سنة ست وأربعين وألف، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال القرآن الشريف، وهو الآن متخرب. والناظر على هذا السبيل والزاويتين رجل يدعى محمد أفندى نور. وبهذا الشارع أيضا أربعة أضرحة: أحدها يعرف بضريح سيدى جوهر، والثانى بضريح سيدى محمود الكردى، والثالث بضريح سيدى النجشى، والرابع بضريح الشيخ الفردونى، ووكالة تعرف بوكالة حسن باشا طاهر، لأنها من وقفه، وهى معدة للسكنى.

стр. 379

القسم التاسع عشر: شارع الخليفة ويقال له شارع السيدة سكينة. أوله من باب درب الحصر، وينتهى إلى تكية السيدة رقية، وبه دروب وعطف وحارات كهذا البيان: درب الكحالة عن يسار المارّ، وليس بنافذ. العطفة الصغيرة عن اليسار، وليست نافذة. شارع المشرقى عن اليسار وسيأتى بيانه. درب الجامع بجوار مسجد سيدى محمد الخليفة، وهو غير نافذ. هذه جهة اليسار من الشارع المذكور وأما جهة اليمين فبها: حارة الغنم يسلك منها لشارع الخضيرى، وللدرب المسدود، ولحارة العبيد. الدرب المسدود يسلك منه لحارة الغنم، ولحارة العبيد، ولدرب المشّاطة. زاوية العادلى وبدرب المشاطة هذا زاوية بها ضريح يعرف بضريح الشيخ تاج الدين العادلى، يعمل له مولد كل سنة. زاوية سيدى منصور وأخرى تعرف بزاوية سيدى منصور. ترجمة شرف الدين العادلى (قلت): ويغلب على الظن أن هاتين الزاويتين هما اللتان ذكرهما السخاوى فى كتاب «المزارات» حيث قال: إن الأولى مدفون بها الشيخ العارف الصالح القدوة شيخ مشايخ السادة الصوفية شرف الدين عمر العادلى القادرى الشافعى. كان من علماء مشايخ الطريق، وصنّف كتابا سماه «منهاج الطريق وسراج التحقيق» جمع فيه أسماء المشايخ الذين أخذ عنهم،

стр. 380

وهم أربعون شيخا من مشايخ مشاهر الأولياء، وبين طريقهم فيه، وكيفية الوصول إليهم خلفا عن سلف، وأكثر عن قاضى القضاة عز الدين ابن جماعة، وكان بزىّ الجند ثم تزيّى بزى الفقراء، وصحب القادرية. مات سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ودفن بزاويته. ثم قال: وهناك قبر الشيخ بلال البرهانى، وقبر الشيخ محمد النحات، وقبر الشيخ محمد السلاوى. (انتهى). ترجمة الشيخ عمر بن إبراهيم بن على الكردى والثانية مدفون بها الشيخ الصالح العارف ناهض الدين أبو حفص عمر بن إبراهيم بن على الكردى - نفعنا الله ببركاته - هو من أهل السلوك والمجاهدات، توفى - رحمه الله تعالى - يوم الاثنين بعد الزوال الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وأربعين وسبعمائة. قال الحافظ شرف الدين العادلى: إنه أخذ عنه، وأخذ العهد عليه بزاويته هذه التى دفن بها، ثم قال: والشيخ عمر هذا قد صحب الشيخ الصالح أبا عبد الله محمد المعروف بابن الحاج الفاسى، وهو صحب الشيخ العارف بالله تعالى محمد الزيات، وقيل أبو الحسن الزيات. (اه. من كتاب «المزارات» للسخاوى). ثم وبالدرب المسدود المتقدّم الذكر أربع عطف وخوخة: الأولى عطفة صغيرة غير نافذة. الثانية غير نافذة أيضا. الثالثة عطفة تعرف بعطفة حنفى وهى غير نافذة. الرابعة عطفة تعرف بعطفة الفقيه، وليست نافذة. خوخة أبى يوسف الخامسة الخوخة المعروفة بخوخة أبى يوسف، وهى عن يمين المارّ، وبالقرب منها زاوية تعرف بزاوية الشيخ يوسف، لأن بها ضريحا يعرف بالشيخ يوسف، تعمل له ليلة كل سنة، وشعائرها غير مقامة لتخرّبها. وبقربها ضريح يعرف بضريح الشيخ محمد البنا، تعمل له حضرة كل ليلة خميس، ومولد كل سنة. مشهد السيدة سكينة ﵂ وبوسط شارع الخليفة المذكور الجامع المعروف بمشهد السيدة سكينة ﵂ الذى جدّده الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة ثلاث وسبعين ومائة وألف، ثم أجرى فيه المرحوم

стр. 381

عباس باشا عمارة جليلة، وهو من الجوامع الشهيرة، وبه ضريح السيدة سكينة ﵂ يقصد بالزيارة، وتعمل به حضرة كل ليلة خميس، ومولد كل عام. وبالجهة البحرية الشرقية لهذا الجامع حارة تعرف بحارة البحر والنهر، لأن بها ضريحين: أحدهما لزين الدين بن إبراهيم الفقيه الحنفى صاحب كتاب «البحر فى فقه الحنفية»، والآخر لأخيه عمر إبراهيم صاحب كتاب «النهر فى فقه الحنفية» أيضا، ولضريحيهما باب من الجامع المذكور. ترجمة الرباب بنت امرئ القيس وذكر صاحب كتاب «نور الأبصار» ما ملخصه أن أم السيدة سكينة هى الرباب بنت امرئ القيس بن عدى بن أوس الكلبى. كان نصرانيا، فجاء إلى عمر بن الخطاب ﵁، فدعا له برمح، وعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة، فتولّى قبل أن يصلى صلاة، وما أمسى حتى خطب منه الحسين بنته الرباب، فزوّجه إياها، فأولدها عبد الله وسكينة وسكينة. وكانت الرباب من خيار النساء وأفضلهن، وخطبت بعد قتل الحسين ﵁ فقالت: «ما كنت لأتخذ حما بعد رسول الله ﷺ »، وبقيت بعده سنة لا يظلها سقف بيت إلى أن ماتت رحمها الله. ترجمة السيدة سكينة وكانت سكينة سيدة نساء عصرها، ومن أجمل النساء وأظرفهن، وأحسنهن أخلاقا، وتزوجها مصعب بن الزبير، فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم ابن حزام، فولدت له قريبا، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، وفارقها قبل الدخول، ثم تزوجها زين بن عمرو بن عثمان بن عفان، فأمره سليمان بن عبد الملك بطلاقها ففعل. والطرة السكينية منسوبة إليها، وكانت أحسن الناس شعرا، وكانت تصفّف جمتّها تصفيفا لم ير أحسن منه، حتى عرف ذلك، وكانت تلك الجمة تسمى السكينية. وكان عمر ابن عبد العزيز إذا وجد رجلا يصفّف جمته السكينية جلده وحلقه. وكان منزلها مألف الأدباء والشعراء. توفيت بمكة يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الأول سنة ست وعشرين ومائة، وصلى عليها شبيه بن النطاح المقرئ. وفى ابن خلكان توفيت سنة سبع عشرة ومائة، وكانت وفاتها بالمدينة. والأكثرون على أن وفاتها بالمدينة، وفى طبقات الشعرانى أنها مدفونة بالمراغة بقرب السيدة نفيسة، ومثله فى طبقات المناوى، والأصح أنها دفنت بالمدينة. (انتهى).

стр. 382

مسجد سيدى محمد الأنور وبقرب جامع السيدة سكينة جامع سيدى محمد الأنور، وهو مسجد صغير منقوش على بابه تاريخ عمارة مستجدة سنة خمس وتسعين ومائة وألف، وشعائره مقامة، ويعمل به مولد فى كل سنة. وذكر السخاوى فى كتابه «تحفة الأحباب» أنه يعرف بمشهد محمد الأصغر، وبعضهم يقول إنه ابن زين العابدين، ولم يذكر أحد من علماء النسب أن زين العابدين تخلّف بعده ولد اسمه محمد الأصغر، وإنما خلّف محمدا الباقر وزيدا الأزدى وعمرا وعليا الأصغر والحسين. وقال العبيدلى النسّابة: هذا المشهد من مشاهد الرؤيا. (انتهى). جامع الخليفة وجامع الخليفة - المعروف الآن بمسجد شجرة الدر - وهو فى مقابلة تكية السيدة رقية جدّده الشيخ مرزوق الفرّاش سنة أربع وتسعين ومائتين وألف، وشعائره مقامة، وبداخله ضريحان؛ أحدهما ضريح شجرة الدر، والآخر ضريح سيدى محمد الخليفة العباسى، الذى عرف الخط باسمه. تكية السيدة رقية ثم بعد هذا الجامع التكية المعروفة بتكية السيدة رقية، وهى فى غاية الخفة والنورانية، وبداخلها ضريح السيدة رقية، يعلوه قبة لطيفة، وبقربه عدة أضرحة. ويوجد بها قبلة مصنوعة من خشب بنقوش غريبة فى غاية الإتقان والصنعة. وهناك مساكن للصوفية، وحنفيات للوضوء، وجنينة صغيرة، ويعمل للسيدة رقية مقرأ وحضرة فى كل أسبوع، ومولد فى كل عام. وذكر صاحب كتاب «نور الأبصار» أن أم السيدة رقية هى أم حبيب الصهباء التغلبية أم ولد، كانت من سبى الردة الذى أغار عليه سيدنا خالد بن الوليد بعين التمر، فاشتراها سيدنا على ﵁ من سيدنا خالد، فعمر الأكبر شقيق رقية، وفى «الفصول المهمة» كانا توأمين، وعمر «عمر» هذا خمسا وثمانين سنة، وحاز نصف ميراث علىّ ﵁ وذلك أن إخوته أشقاء، وهم عبد الله، وجعفر، وعثمان قتلوا مع الحسين بالطف، فورثهم. وفى الباب العاشر من «المنن» للشعرانى قال: وأخبرنى الخواص أن رقية بنت الإمام على - كرّم الله وجهه - فى المشهد القريب من جامع دار الخليفة أمير المؤمنين، ومعها جماعة من أهل البيت، وهو معروف بجامع شجرة الدر.

стр. 383

وهذا الجامع على يسار الطالب للسيدة نفيسة، والمكان الذى فيه السيدة رقية عن يمينه. وقيل إن للسيدة رقية ضريحا بدمشق الشام. (انتهى). وذكر صاحب «مصباح الدياجى» المعروف بابن عين الفضلاء ما نصه: «قال عبيد الله بن سعيد: بعث لى الحافظ عبد المجيد فى الليل، فجئت مع الذى دعانى له، فقلت له: ما تريد؟ فقال: رأيت مناما، فقلت: ما هو؟ قال: رأيت امرأة متلففة، فقلت: من أنت؟ قالت: بنت على رقية: فجاءوا بنا إلى هذا الموضع، فلم نجد به قبرا، فأمر ببناء هذا المشهد، فبنى وهو مكان عرف بإجابة الدعاء». وذكر الحافظ السلفى وفاة على بن أبى طالب، وعدّ له من الأولاد ثلاثين ولدا، وعدّ رقية منهم. ورقية هذه من الصهباء، وقيل لها رقية الصغرى من أسماء بنت عميس الخثعمية. ثم قال: وإذا خرجت من مشهد رقية، وأخذت يمينا وجدت قبّة قديمة حسنة البناء مكتوبا عليها أم محمد بنت محمد بن الهيثم. قال المسبحى: تزوجها عبد الله بن جعفر. (اه). (قلت): ويظهر من هذا أن هذه القبة محلها الآن زاوية الغباشى التى بشارع الشيخ كشك، وقد تكلمنا عليها هناك. حمّام الخليفة ثم وبشارع الخليفة أيضا حمّام يعرف بحمّام السيدة سكينة، لأنه فى مقابلة باب مسجدها القبلى، ويعرف أيضا بحمّام الخليفة لأنه من الحمامات القديمة المبنية فى زمنه، وهو عامر إلى الآن يدخله الرجال والنساء. وسبيل يعرف بسبيل النجدلى إذ هو من وقف حسن أغا النجدلى، وهو عامر إلى الآن، وتحت نظارة امرأة تدعى فطومة عجم. وثلاث وكائل: إحداها مملوكة لفطومة عجم المذكورة، بها أماكن علوية وسفلية معدّة للسكنى، والثانية مملوكة لرجل يدعى خليل المدنى، بها أماكن معدة للسكنى أيضا، والثالثة ملك السيد محمد السادات، بها أماكن علوية وسفلية معدة للسكنى. وبه أيضا قراقول يعرف بقراقول السيدة رقية لمجاورته لها. وهذا وصف شارع الخليفة وما به من الجوامع وغيرها:

стр. 384

القسم العشرون: شارع السيدة نفيسة أوله من قراقول السيدة رقية، وآخره بوابة السيدة نفيسة، وعن يسار المارّ به شارع البلاسى الموصل لشارع القبر الطويل، وعرف بالبلاسى لأن بأوله ضريح الشيخ محمد البلاسى، وذكر السخاوى أن اسمه الشيخ عبد الله البلانسى. وقال: إن بالقرب منه قبر الشيخ محمد الليمونى (اه). (قلت): فلعل العوام حرفوه فقالوا محمد البلاسى. القبر الطويل ثم ذكر السخاوى أيضا أن الخطة التى بها القبر الطويل كانت تعرف سابقا بسوق المراغة، وكان فى وسط الطريق قبور مبيّضة يقال إنها قبور سادة أشراف، ثم قال: وظاهر الحال أن هذه الرحاب وما حولها كانت مقبرة، وحدث هذه البناء الذى حولها (اه). (قلت): وإلى الآن يوجد بهذه الخطة قبور كثيرة داخل أسوار من البناء، وأما القبور التى ذكر أنها بوسط الطريق، فهى التى عرف بعضها أخيرا بالقبر الطويل، وقد بنى عليها المرحوم المعلم جمعة راجح رئيس طائفة البنّائين حجرة صغيرة تعرف إلى اليوم بالأربعين الشهداء وبالقبر الطويل أيضا. وقد بلغنى ممن أثق به أنه شاهد عدّة قبور معقودة فى استقامة حجرة القبر الطويل عند بنائها، وبهذا التحقيق ظهر لك ما كان خافيا عليك. جامع المعرّف وبهذه الخطة أيضا الجامع الشهير بجامع المعرف، وهو بالقرب من القبر الطويل جدّده المعلم جمعة راجح، فعرف به. قال السخاوى إن به قبر سيدى أحمد المخبر عن نفسه، وكان قبرا دارسا، فرآه رجل، فأخبره أنه فلان، فبناه، وهو الآن يعرف فى الخط بسيدى أبى بكر المعروف. (اه). (قلت): لعل الواو حذفت، وقيل المعرف - كما هو المعروف اليوم.

стр. 385

معبد السيدة نفيسة ثم إذا كنت بالقرب من القبر الطويل وبآخر سكة السيدة نفيسة تجد عن يسارك على بعد ثلاثين مترأ تقريبا قبة قديمة يقال إنها معبد السيدة نفيسة ﵂ وقال السخاوى: وهذا القول لا اعتماد عليه، ولا صحة له، ولم يذكر هذا الموضع أحد من علماء المشايخ وأهل الأنساب. وقال صاحب «المصباح» ثم تجد المشهد المعروف بمشهد القاسم، وفيه قبة كبيرة كتب عليها العوام «القاسم بن الحسين بن على بن أبى طالب»، وذلك غير صحيح لأن الحسين ﵁ لما قتل لم يبق بعده إلا زين العابدين، ويحتمل أنه يكون من ذرية الحسين. وبهذه القبة قبور أخر لا تعرف، وبها أيضا قبر السيدة الشريفة نفيسة بنت زيد عمة السيدة نفيسة بنت الحسن. وقال صاحب «الكواكب السيارة فى ترتيب الزيارة»: قبرها بالمراغة معروف مشهور، ولقد غلط من قال إنها نفيسة بنت الحسن الأنور، وقال بعضهم إن نفيسة بنت زيد المذكور كانت زوجة الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة، فيحتمل أنه طلّقها، وأنها وردت إلى مصر، وتوفيت بها، وقال بعضهم إنها ماتت فى عصمته، ولم يثبت أين ماتت بمصر أو بالشام أو غيرها، ولكن دخولها مصر غير مشهور. وزيد هذا كان يعرف بالأبلج بن الحسن السبط ابن الإمام على ابن أبى طالب - رضى الله تعالى عنهم. (اهـ. ملخصا). ثم بعد شارع البلاسى - المتقدم الذكر - التكية المعروفة بتكية السيدة نفيسة لقربها من مسجدها. كان أصلها مدرسة تعرف «بمدرسة أم السلطان» أنشأها الملك المنصور قلاوون فى سنة اثنتين وثمانين وستمائة برسم أم الملك الصالح علاء الدين على ابن الملك المنصور قلاوون وتخربت هى وما حولها. ثم فى سنة ثمانين ومائتين وألف سكنها جماعة من العجم، وأجروا فيها عمارة، وجعلوا بها مساكن، وغرسوا بها أشجارا، وهم ساكنوها إلى اليوم، والصرف عليها جار من جهة الأوقاف. قبة الأشرف خليل وفى الجهة القبلية لهذه التكية قبة الأشرف، وهى من المبانى الفاخرة، بدائرتها كتابة منقوشة فى الحجر. أنشأها الملك الأشرف خليل ابن الملك المنصور قلاوون، ولما قتل دفن بها.

стр. 386

تكية السيدة نفيسة ثم بعد هذه القبة سبيل يعرف بسبيل اليازجى، وهو تجاه بوابة السيدة نفيسة، يعلوه مكتب لتعليم الأطفال، وتحت نظر رجل يدعى حسن أفندى. المشهد النفيسى ثم بعده سبيل السيدة نفيسة الكائن برأس العطفة الموصلة إلى المشهد النفيسى، أنشئ فى سنة أربع وستين ومائة وألف. ثم بعده المشهد النفيسى وهو من الجوامع الشهيرة أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة أربع عشرة وسبعمائة، وبداخله ضريحها الشريف ﵂ يقصد بالزيارة، ويعمل به حضرة كل ليلة اثنين، ومولد كل سنة، وشعائره مقامة للغاية. وخلفه نحو القرافة ضريح معروف بضريح الست جوهرة. (قلت): وفى كتاب «مصباح الدياجى» ما ملخصه: قال ابن الرومى: ومحل قبرها - يعنى السيدة نفيسة - كان يعرف بدرب السباع. حكى ذلك ابن النحوى فى كتابه المسمى «بالدرة النفيسة فى مناقب السيدة نفيسة»، وذكر أن أباها مات بريف مصر، ثم انتقلت إلى درب الكورينى، ثم إلى هذا المكان الذى به قبرها، ويعرف بدرب السباع، وبنى السرى بن الحكم لها معبدا. من دفن من العباسيين وغيرهم بجوار المشهد النفيسى ثم قال: وبجوار مشهدها من الجهة الشرقية جماعة من العباسيين، وبالقرب منهم جماعة من الفاطميين. وعند الخروج من بابها الشرق قبل خروجك منه تجد قبة بها السيد الشريف محمد بن جعفر الحسينى. وعند الخروج منه تحت الطاقة تربة تعرف بتربة بنى المصلى، سمى جدهم بالمصلى لكثرة صلاته، وهم بيت كبير بمصر من الأشراف يعرفون ببنى المصلى. (اه). قلت: والعباسيون المتقدم ذكرهم هم داخل قبة تحتها ستة قبور، على كل قبر تركيبة يحيط بها دائر من الخشب مكتوب عليه آيات قرآنية وأسماء المدفونين فى القبر، وقد قرأت على القبر الأول الذى عن يمين الداخل: «السيد حسن العباسى مات فى جمادى الآخرة سنة ست عشرة وتسعمائة»، وعلى الثانى: «الطفل الشهيد عمر ابن مولانا السلطان الملك الظاهر العادل العالم فى مركز الدين والدنيا أبى الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين فى ربيع الآخر سنة سبعين وستمائة»، وعلى الثالث أسماء جملة من الخلفاء.

стр. 387

ولتلك القبة شباك يشرف على ضريح السيدة نفيسة، ويقابله من الجهة الغربية شباك آخر مشرف على قبور من قبور الفاطميين. وفى تجاه قبة العباسيين بجوار التخشيبة التى بها قبور شحاتة أفندى باشكاتب الدفترخانة، قبر عليه كتابة كوفية لم تمكنى من قراءتها، يقال إنه قبر إسحق الأنصارى، قاضى الخلفاء العباسيين. وأما القبة المذكورة، فهى داخل حوش كبير، يحيط به سور مبنى بالطوب، يظهر أن بناءه قديم، وتجد عند باب الدخول لهذا الحوش بعض عقود مبنية بالطوب أيضا، ومحلات متهدمة، يظهر من هيئتها أنها كانت فى الأزمان السالفة أشبه بتكية، وربما كانت الخلفاء تنزل بها فى بعض الأحيان. (قلت): وأما باب السيدة الشرقى فالداخل فى طرقته يجد عن يمينه بابا يتوصل منه إلى مقبرة بها عدة قبور، وفى زاويتها القبلية الشرقية قبة صغيرة ينزل إليها بدرج، فيها قبر السيد الشريف محمد بن جعفر الحسينى - المتقدم الذكر - وعلى دائرته كتابة كوفية، وهذا القبر مشهور بين العامة بأنه قبر سيدى محمد موفى الدين، يقصد بالزيارة من الأقاليم المصرية وغيرها، وللناس فيه اعتقاد كبير. وذكر صاحب «مصباح الدياجى» أن هناك مقابل المئذنة قبر الشيخ الصالح القاضى أبى بصرة الغفارى، وهو تحت المحراب والمجرى منحدرين عليه، وتاريخه على رخامة. (اه). (قلت): وهو موجود داخل قبة بقرب باب السيدة الغربى، ومعروف الآن بقبر الشيخ الصالح. حارة السيدة نفيسة وبجوار بوابة الخلاء حارة تعرف بحارة السيدة نفيسة، يسلك المارّ فيها إلى ضريح الست جوهرة المارّ الذكر، وإلى جبّانة السيدة نفيسة ﵂. ترجمة محمد العليمى المجذوب ودفن فى هذه الجبانة الشيخ محمد العليمى المجذوب الذى قتل بالرميلة، وله حكاية غريبة، وهى - كما فى ابن إياس - أن هذا الرجل أصله من قرية الأعلام بولاية الفيوم، حضر إلى مصر فى آخر جمادى الأولى سنة عشر ومائة وألف، ووقف بالرميلة بظاهر القهوة التى تجاه سبيل المؤمنين، واستمر واقفا على إحدى رجليه ليلا ونهارا مع مواظبته على الصلوات الخمس فى أوقاتها، فتسامعت به الناس، وهرعوا إليه من كل جهة، بحيث ملئت الرميلة وطرقها من كثرة الخلق الوافدين إليه رجالا ونساء، أعيانا وغير أعيان، وكادت أن تحصل المفاسد بسبب الاجتماع عليه، فمكث بعض أيام واقفا على رجله، ثم حفر لنفسه حفرة فى المحل

стр. 388

الذى هو واقف به ونزل بها، وغطوا عليه بباب من الخشب، واستمر على هذه الحالة إلى ثالث جمادى الآخرة من السنة المذكورة، فقدر الله أن جاءت مراكب من جهة الصعيد مملوءة بلحا ألواحيا، وكان وقتئذ حسين باشا الوزير هو المتولى على مصر، فجاءه مكتوب من عند عبد الرحمن بيك - حاكم ولاية جرجا - يذكر فيه أن البلح الذى جاء فى المراكب نهبته المغاربة من الواحات وأرسلته إلى مصر تبيعه فيها، فعند ذلك أمر حسين باشا أن تجبر المراكب ويؤخذ جميع ما فيها. فجاءت الجماعة التى كانت فى المراكب على البلح لأجل بيعه إلى الشيخ محمد المذكور، وقالوا له إن الباشا قد جبر علينا بلحنا وأخذه منا، ونريد أن تشفع لنا عنده، ليعطينا بلحنا، فعند ذلك تقدم ثلاثة أنفار كانوا نقباء له فى حالة ظهوره، وكانوا يأخذون الدراهم ممن يأتى لزيارته على سبيل النذور، وهم الذين عضدوه وأشاعوا صيته فى مصر، وأظهروا عنه الكرامات، وكتبوا عرضحالا مضمونه أن أصحاب البلح من تلامذة الشيخ محمد العليمى وأن قصدهم إعادة البلح إليهم إكراما للشيخ، وأخذوا جماعة من أهل الرميلة، ومعهم طبول وأعلام، وتوجهوا إلى الديوان العالى، وقرأوا الفاتحة فى حوش الديوان، وضربوا الطبول، فعند ذلك نظر حسين باشا من الشباك إلى الجمعية التى بالحوش وقال: ما هذه الجمعية؟ وما سببها؟ فجاءوا بالعرضحال الذى كتبوه، فنظره وتأمله، فاحتد حدة زائدة من ذلك، وقال: من هذا الشيخ الذى يشفع فى أموال الطائفة المفسدين الذين تحققنا أن البلح ليس لهم ويدلس علينا؟ فقال له جماعة من أهل الديوان: إنه قد ظهر الآن رجل بالرميلة، وأن هذه الجماعة التى جاءوا بالعرضحال هم الذين أوجبوا اجتماع العالم عليه لما ينقلونه عنه من الكذب من إظهار الكرامات والخوارق التى لا أصل لها. فعند ذلك أمر حسين باشا برمى رقاب من يكون من جماعته، فضربت رقاب الأنفار الثلاثة المذكورين فى الحال. وأمر بإحضار الشيخ، فخرج زعيم مصر من الديوان، ونزل إلى الرميلة ليأتى بالشيخ إلى الديوان حسب ما أمره حسين باشا، فاجتمع عليه الناس المجتمعون على الشيخ وكادوا يقتلونه، فعاد وأخبر الباشا بما حصل له، فأمر الباشا بأن يتوجه بطائفة من الينكجرية وطائفة من العزب وطائفة من جماعة الباشا ويأتى به، وكل من تعرض لمنعه عن المجئ أمر بإتلافه، فتوجه زعيم مصر إلى الرميلة وصحبته الطوائف المذكورة. فلما رأى المجتمعون على الشيخ هذه الطوائف مع زعيم مصر علموا أن كل من تعرض لهم أتلفوه، فتنحوا عن الشيخ، فأخذوه وأوجعوه ضربا إلى أن وصل إلى الديوان، فلما دخل حوش الديوان ضربه أحد الناس بخنجر هدل كتفه، فوقع إلى الأرض، فقطع رأسه زعيم مصر، وجاءت الحانوتية فحملت جثث الثلاثة أنفار النقباء إلى مغسل السلطان بالرميلة، وأما الشيخ

стр. 389

فحملوه وأنزلوه إلى الرميلة، وقبل أن يأتوا به إلى المغسل طيروه إلى الحفرة التى كان احتفرها، وأظهروا أنهم لا يقدرون على إدخاله المغسل. ثم بعد ذلك توجهوا به إلى المغسل، فغسلوه وكفنوه وداروا به فى الرميلة مشرقين ومغربين مظهرين أنه يطير وأنهم لا يقدرون على رده عن المكان الذى هو قاصده. وهم فى تلك الحالة وإذا بأحد أمراء مصر نازل من الديوان وخلفه أتباعه على الخيول، فتعرض له الحمالون فى الطريق بالتابوت ومنعوه من الذهاب، فأمر جماعته بضربهم، فضربوهم وأهانوهم، ثم بعد ذلك توجهوا به إلى ناحية الصليبة، وصاروا يشطحون به. وكان هناك جماعة من العساكر جالسين فقاموا على الحمالين وضربوهم بسبب هذا الفعل، ووقع التابوت على الأرض، فقالوا لهم: إن كان يطير ولا بد فليطر من على الأرض، فشالوه بعد ذلك، وتوجهوا به إلى التربة التى بجوار السيدة نفيسة ﵂ ودفنوه هناك. وكان ﵀ طويل القامة أعور العين أسمر اللون جدا فى وجهه أثر الجدرى. (اه). فهذا بيان الأقسام العشرين من الشارع الطولى بالبدء من باب الفتوح إلى بوابة السيدة نفيسة، ثم نبين فى الشوارع والحارات بالبدء من حذاء تلك الجهة أيضا فنقول:

стр. 390

شارع باب النصر ويعرف أيضا بشارع الجمالية. أوله من باب النصر بحرى القاهرة، وينتهى إلى السكة الجديدة تجاه المشهد الحسينى. وطوله ثمانمائة متر وأربعة وأربعون مترا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام لكل منها اسم يخصه، وسيأتى بيانها إن شاء الله تعالى. (فائدة): باب النصر هذا، الذى عرف هذا الشارع باسمه، هو أحد أبواب القاهرة التى وضعها جوهر القائد. قال المقريزى: وكان أولا دون موضعه اليوم. قال: وأدركت قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه ركن المدرسة القاصدية الغربى، بحيث تكون الرحبة التى فيما بين المدرسة القاصدية وبين بابى جامع الحاكم القبليين خارج القاهرة. فلما كان فى أيام المستنصر، وقدم عليه أمير الجيوش بدر الجمالى من عكا، وتقلد وزارته، وعمر سور القاهرة، نقل باب النصر من حيث وضعه القائد جوهر إلى حيث هو الآن، فصار قريبا من مصلى العيد. ترجمة أمير الجيوش بدر الجمالى وأمير الجيوش هذا هو أبو النجم بدر الجمالى. كان مملوكا أرمنيا لجمال الدولة بن عمار، فلذلك عرف بالجمالى، وما زال يأخذ بالجد فى زمن سبيه فيما يباشره، ويوطن نفسه على قوة العزم، وينتقل فى الخدم، حتى ولى إمارة دمشق من قبل المستنصر سنة خمس وخمسين وأربعمائة. ثم سار منها كالهارب فى ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من رجب سنة ست وخمسين. ثم وليها ثانيا سنة ثمان وخمسين فبلغه قتل ولده شعبان بعسقلان، فخرج فى شهر رمضان سنة ستين وأربعمائة، فثار العساكر وأخربوا قصره. وتقلد نيابة عكا. فلما كانت الشدة بمصر من شدة الغلاء وكثرة الفناء، والأحوال بالحضرة قد فسدت، والأمور قد تغيرت، ولواته قد ملكت الريف والصعيد بأيدى العبيد،
следующие страницы →