تكية السيدة نفيسة
ثم بعد هذه القبة سبيل يعرف بسبيل اليازجى، وهو تجاه بوابة السيدة نفيسة، يعلوه مكتب لتعليم الأطفال، وتحت نظر رجل يدعى حسن أفندى.
المشهد النفيسى
ثم بعده سبيل السيدة نفيسة الكائن برأس العطفة الموصلة إلى المشهد النفيسى، أنشئ فى سنة أربع وستين ومائة وألف. ثم بعده المشهد النفيسى وهو من الجوامع الشهيرة أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة أربع عشرة وسبعمائة، وبداخله ضريحها الشريف ﵂ يقصد بالزيارة، ويعمل به حضرة كل ليلة اثنين، ومولد كل سنة، وشعائره مقامة للغاية.
وخلفه نحو القرافة ضريح معروف بضريح الست جوهرة.
(قلت): وفى كتاب «مصباح الدياجى» ما ملخصه:
قال ابن الرومى: ومحل قبرها - يعنى السيدة نفيسة - كان يعرف بدرب السباع. حكى ذلك ابن النحوى فى كتابه المسمى «بالدرة النفيسة فى مناقب السيدة نفيسة»، وذكر أن أباها مات بريف مصر، ثم انتقلت إلى درب الكورينى، ثم إلى هذا المكان الذى به قبرها، ويعرف بدرب السباع، وبنى السرى بن الحكم لها معبدا.
من دفن من العباسيين وغيرهم بجوار المشهد النفيسى
ثم قال: وبجوار مشهدها من الجهة الشرقية جماعة من العباسيين، وبالقرب منهم جماعة من الفاطميين. وعند الخروج من بابها الشرق قبل خروجك منه تجد قبة بها السيد الشريف محمد بن جعفر الحسينى. وعند الخروج منه تحت الطاقة تربة تعرف بتربة بنى المصلى، سمى جدهم بالمصلى لكثرة صلاته، وهم بيت كبير بمصر من الأشراف يعرفون ببنى المصلى. (اه).
قلت: والعباسيون المتقدم ذكرهم هم داخل قبة تحتها ستة قبور، على كل قبر تركيبة يحيط بها دائر من الخشب مكتوب عليه آيات قرآنية وأسماء المدفونين فى القبر، وقد قرأت على القبر الأول الذى عن يمين الداخل: «السيد حسن العباسى مات فى جمادى الآخرة سنة ست عشرة وتسعمائة»، وعلى الثانى: «الطفل الشهيد عمر ابن مولانا السلطان الملك الظاهر العادل العالم فى مركز الدين والدنيا أبى الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين فى ربيع الآخر سنة سبعين وستمائة»، وعلى الثالث أسماء جملة من الخلفاء.
стр. 387
ولتلك القبة شباك يشرف على ضريح السيدة نفيسة، ويقابله من الجهة الغربية شباك آخر مشرف على قبور من قبور الفاطميين. وفى تجاه قبة العباسيين بجوار التخشيبة التى بها قبور شحاتة أفندى باشكاتب الدفترخانة، قبر عليه كتابة كوفية لم تمكنى من قراءتها، يقال إنه قبر إسحق الأنصارى، قاضى الخلفاء العباسيين. وأما القبة المذكورة، فهى داخل حوش كبير، يحيط به سور مبنى بالطوب، يظهر أن بناءه قديم، وتجد عند باب الدخول لهذا الحوش بعض عقود مبنية بالطوب أيضا، ومحلات متهدمة، يظهر من هيئتها أنها كانت فى الأزمان السالفة أشبه بتكية، وربما كانت الخلفاء تنزل بها فى بعض الأحيان.
(قلت): وأما باب السيدة الشرقى فالداخل فى طرقته يجد عن يمينه بابا يتوصل منه إلى مقبرة بها عدة قبور، وفى زاويتها القبلية الشرقية قبة صغيرة ينزل إليها بدرج، فيها قبر السيد الشريف محمد بن جعفر الحسينى - المتقدم الذكر - وعلى دائرته كتابة كوفية، وهذا القبر مشهور بين العامة بأنه قبر سيدى محمد موفى الدين، يقصد بالزيارة من الأقاليم المصرية وغيرها، وللناس فيه اعتقاد كبير.
وذكر صاحب «مصباح الدياجى» أن هناك مقابل المئذنة قبر الشيخ الصالح القاضى أبى بصرة الغفارى، وهو تحت المحراب والمجرى منحدرين عليه، وتاريخه على رخامة. (اه).
(قلت): وهو موجود داخل قبة بقرب باب السيدة الغربى، ومعروف الآن بقبر الشيخ الصالح.
حارة السيدة نفيسة
وبجوار بوابة الخلاء حارة تعرف بحارة السيدة نفيسة، يسلك المارّ فيها إلى ضريح الست جوهرة المارّ الذكر، وإلى جبّانة السيدة نفيسة ﵂.
ترجمة محمد العليمى المجذوب
ودفن فى هذه الجبانة الشيخ محمد العليمى المجذوب الذى قتل بالرميلة، وله حكاية غريبة، وهى - كما فى ابن إياس - أن هذا الرجل أصله من قرية الأعلام بولاية الفيوم، حضر إلى مصر فى آخر جمادى الأولى سنة عشر ومائة وألف، ووقف بالرميلة بظاهر القهوة التى تجاه سبيل المؤمنين، واستمر واقفا على إحدى رجليه ليلا ونهارا مع مواظبته على الصلوات الخمس فى أوقاتها، فتسامعت به الناس، وهرعوا إليه من كل جهة، بحيث ملئت الرميلة وطرقها من كثرة الخلق الوافدين إليه رجالا ونساء، أعيانا وغير أعيان، وكادت أن تحصل المفاسد بسبب الاجتماع عليه، فمكث بعض أيام واقفا على رجله، ثم حفر لنفسه حفرة فى المحل
стр. 388
الذى هو واقف به ونزل بها، وغطوا عليه بباب من الخشب، واستمر على هذه الحالة إلى ثالث جمادى الآخرة من السنة المذكورة، فقدر الله أن جاءت مراكب من جهة الصعيد مملوءة بلحا ألواحيا، وكان وقتئذ حسين باشا الوزير هو المتولى على مصر، فجاءه مكتوب من عند عبد الرحمن بيك - حاكم ولاية جرجا - يذكر فيه أن البلح الذى جاء فى المراكب نهبته المغاربة من الواحات وأرسلته إلى مصر تبيعه فيها، فعند ذلك أمر حسين باشا أن تجبر المراكب ويؤخذ جميع ما فيها. فجاءت الجماعة التى كانت فى المراكب على البلح لأجل بيعه إلى الشيخ محمد المذكور، وقالوا له إن الباشا قد جبر علينا بلحنا وأخذه منا، ونريد أن تشفع لنا عنده، ليعطينا بلحنا، فعند ذلك تقدم ثلاثة أنفار كانوا نقباء له فى حالة ظهوره، وكانوا يأخذون الدراهم ممن يأتى لزيارته على سبيل النذور، وهم الذين عضدوه وأشاعوا صيته فى مصر، وأظهروا عنه الكرامات، وكتبوا عرضحالا مضمونه أن أصحاب البلح من تلامذة الشيخ محمد العليمى وأن قصدهم إعادة البلح إليهم إكراما للشيخ، وأخذوا جماعة من أهل الرميلة، ومعهم طبول وأعلام، وتوجهوا إلى الديوان العالى، وقرأوا الفاتحة فى حوش الديوان، وضربوا الطبول، فعند ذلك نظر حسين باشا من الشباك إلى الجمعية التى بالحوش وقال:
ما هذه الجمعية؟ وما سببها؟ فجاءوا بالعرضحال الذى كتبوه، فنظره وتأمله، فاحتد حدة زائدة من ذلك، وقال: من هذا الشيخ الذى يشفع فى أموال الطائفة المفسدين الذين تحققنا أن البلح ليس لهم ويدلس علينا؟ فقال له جماعة من أهل الديوان: إنه قد ظهر الآن رجل بالرميلة، وأن هذه الجماعة التى جاءوا بالعرضحال هم الذين أوجبوا اجتماع العالم عليه لما ينقلونه عنه من الكذب من إظهار الكرامات والخوارق التى لا أصل لها.
فعند ذلك أمر حسين باشا برمى رقاب من يكون من جماعته، فضربت رقاب الأنفار الثلاثة المذكورين فى الحال. وأمر بإحضار الشيخ، فخرج زعيم مصر من الديوان، ونزل إلى الرميلة ليأتى بالشيخ إلى الديوان حسب ما أمره حسين باشا، فاجتمع عليه الناس المجتمعون على الشيخ وكادوا يقتلونه، فعاد وأخبر الباشا بما حصل له، فأمر الباشا بأن يتوجه بطائفة من الينكجرية وطائفة من العزب وطائفة من جماعة الباشا ويأتى به، وكل من تعرض لمنعه عن المجئ أمر بإتلافه، فتوجه زعيم مصر إلى الرميلة وصحبته الطوائف المذكورة. فلما رأى المجتمعون على الشيخ هذه الطوائف مع زعيم مصر علموا أن كل من تعرض لهم أتلفوه، فتنحوا عن الشيخ، فأخذوه وأوجعوه ضربا إلى أن وصل إلى الديوان، فلما دخل حوش الديوان ضربه أحد الناس بخنجر هدل كتفه، فوقع إلى الأرض، فقطع رأسه زعيم مصر، وجاءت الحانوتية فحملت جثث الثلاثة أنفار النقباء إلى مغسل السلطان بالرميلة، وأما الشيخ
стр. 389
فحملوه وأنزلوه إلى الرميلة، وقبل أن يأتوا به إلى المغسل طيروه إلى الحفرة التى كان احتفرها، وأظهروا أنهم لا يقدرون على إدخاله المغسل. ثم بعد ذلك توجهوا به إلى المغسل، فغسلوه وكفنوه وداروا به فى الرميلة مشرقين ومغربين مظهرين أنه يطير وأنهم لا يقدرون على رده عن المكان الذى هو قاصده. وهم فى تلك الحالة وإذا بأحد أمراء مصر نازل من الديوان وخلفه أتباعه على الخيول، فتعرض له الحمالون فى الطريق بالتابوت ومنعوه من الذهاب، فأمر جماعته بضربهم، فضربوهم وأهانوهم، ثم بعد ذلك توجهوا به إلى ناحية الصليبة، وصاروا يشطحون به. وكان هناك جماعة من العساكر جالسين فقاموا على الحمالين وضربوهم بسبب هذا الفعل، ووقع التابوت على الأرض، فقالوا لهم: إن كان يطير ولا بد فليطر من على الأرض، فشالوه بعد ذلك، وتوجهوا به إلى التربة التى بجوار السيدة نفيسة ﵂ ودفنوه هناك. وكان ﵀ طويل القامة أعور العين أسمر اللون جدا فى وجهه أثر الجدرى. (اه).
فهذا بيان الأقسام العشرين من الشارع الطولى بالبدء من باب الفتوح إلى بوابة السيدة نفيسة، ثم نبين فى الشوارع والحارات بالبدء من حذاء تلك الجهة أيضا فنقول:
стр. 390
شارع باب النصر
ويعرف أيضا بشارع الجمالية. أوله من باب النصر بحرى القاهرة، وينتهى إلى السكة الجديدة تجاه المشهد الحسينى. وطوله ثمانمائة متر وأربعة وأربعون مترا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام لكل منها اسم يخصه، وسيأتى بيانها إن شاء الله تعالى.
(فائدة): باب النصر هذا، الذى عرف هذا الشارع باسمه، هو أحد أبواب القاهرة التى وضعها جوهر القائد. قال المقريزى: وكان أولا دون موضعه اليوم. قال: وأدركت قطعة من أحد جانبيه كانت تجاه ركن المدرسة القاصدية الغربى، بحيث تكون الرحبة التى فيما بين المدرسة القاصدية وبين بابى جامع الحاكم القبليين خارج القاهرة. فلما كان فى أيام المستنصر، وقدم عليه أمير الجيوش بدر الجمالى من عكا، وتقلد وزارته، وعمر سور القاهرة، نقل باب النصر من حيث وضعه القائد جوهر إلى حيث هو الآن، فصار قريبا من مصلى العيد.
ترجمة أمير الجيوش بدر الجمالى
وأمير الجيوش هذا هو أبو النجم بدر الجمالى. كان مملوكا أرمنيا لجمال الدولة بن عمار، فلذلك عرف بالجمالى، وما زال يأخذ بالجد فى زمن سبيه فيما يباشره، ويوطن نفسه على قوة العزم، وينتقل فى الخدم، حتى ولى إمارة دمشق من قبل المستنصر سنة خمس وخمسين وأربعمائة.
ثم سار منها كالهارب فى ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من رجب سنة ست وخمسين. ثم وليها ثانيا سنة ثمان وخمسين فبلغه قتل ولده شعبان بعسقلان، فخرج فى شهر رمضان سنة ستين وأربعمائة، فثار العساكر وأخربوا قصره.
وتقلد نيابة عكا. فلما كانت الشدة بمصر من شدة الغلاء وكثرة الفناء، والأحوال بالحضرة قد فسدت، والأمور قد تغيرت، ولواته قد ملكت الريف والصعيد بأيدى العبيد،
стр. 391
والطرقات قد انقطعت برا وبحرا إلا بالخفارة الثقيلة، كتب المستنصر إليه يستدعيه ليكون المتولى لتدبير دولته، فاشترط أن يحضر معه من يختاره من العساكر، ولا يبقى أحدا من عسكر مصر، فأجابه المستنصر إلى ذلك، فاستخدم معه عسكرا، وركب البحر من عكا فى أول كانون، وسار بمائة مركب بعد أن قيل له إن العادة لم تجر بركوب البحر فى الشتاء لهيجانه وخوف التلف، فأبى عليهم، وأقلع فتمادى الصحو والسكون مع الريح الطيبة مدة أربعين يوما، حتى كثر التعجب من ذلك، وعد من سعادته، فوصل إلى تنيس ودمياط، واقترض المال من تجارها ومياسيرها، وقام بأمر ضيافته وما يحتاج إليه من الغلال سليمان اللواتى - كبير أهل البحيرة.
وسار إلى قليوب، فنزل بها، وأرسل إلى المستنصر يقول: لا أدخل إلى مصر حتى تقبض على بلد كوش، وكان أحد الأمراء وقد اشتد على المستنصر بعد قتل ابن حمدان، فبادر المستنصر وقبض عليه واعتقله بخزانة البنود، فقدم بدر عشية الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة خمس وستين وأربعمائة، فتهيأ له أن قبض على جميع أمراء الدولة.
وذلك أنه لما قدم لم يكن عند الأمراء علم باستدعائه، فما منهم إلا من أضافه، وقدم عليه، فلما انقضت نوبهم فى ضيافته استدعاهم إلى منزله فى دعوة صنعها لهم، وبيت مع أصحابه أن القوم إذا أجنهم الليل، فإنهم لابد يحتاجون إلى الخلاء، فمن قام منهم إلى الخلاء يقتل هناك، ووكل بكل واحد واحدا من أصحابه، وأنعم عليه بجميع ما يتركه ذلك الأمير من دار ومال وإقطاع وغيره، فسار الأمراء إليه وظلوا نهارهم عنده، وباتوا مطمئنين، فما طلع ضوء النهار حتى استولى أصحابه على جميع دور الأمراء، وصارت رؤوسهم بين يديه، فقويت شوكته، وعظم أمره، وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقور، وقلده وزارة السيف والقلم، فصارت القضاة والدعاة وسائر المستخدمين من تحت يديه.
وزيد فى ألقابه: أمير الجيوش، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين، وتتبع المفسدين فلم يبق منهم أحدا حتى قتله، وقتل من أماثل المصريين وقضاتهم ووزرائهم جماعة.
ثم خرج إلى الوجه البحرى، فأسرف فى قتل من هناك من لواته، واستصفى أموالهم، وأزاح المفسدين وأفناهم بأنواع القتل. وصار إلى البر الشرقى، فقتل منه كثيرا من المفسدين.
ونزل إلى الإسكندرية، وقد ثار بها جماعة مع ابنه الأوحد، فحاصرها أياما من المحرم سنة سبع وسبعين وأربعمائة إلى أن أخذها عنوة، وقتل جماعة ممن كان بها، وعمر جامع العطارين من مال المصادرات، وفرغ من بنائه فى ربيع الأول سنة تسع وسبعين.
стр. 392
ثم سار إلى الصعيد، فحارب جهينة والثعالبة، وأفنى أكثرهم بالقتل، وغنم من الأموال ما لا يعرف قدره كثرة. فصلح حال الإقليم بعد فساده.
ثم جهز العساكر لمحاربة البلاد الشامية، فسارت إليه غير مرة وحاربت أهلها، ولم يظفر منها بطائل، واستناب ولده شاهنشاه وجعله ولى عهده.
مات فى ربيع الآخر، وقيل فى جمادى الأولى، سنة سبع وثمانين وأربعمائة.
وقد تحكم فى مصر تحكم الملوك، ولم يبق للمستنصر معه أمر، واستبد بالأمور، فضبطها أحسن ضبط. وكان شديد الهمة، وافر الحرمة، مخوف السطوة.
قتل من مصر خلائق لا يحصيها إلا خالقها؛ منها أنه قتل من أهل البحيرة نحو العشرين ألف إنسان، إلى غير ذلك من أهل دمياط والإسكندرية والغربية والشرقية والصعيد وأسوان وأهل القاهرة ومصر.
إلا أنه عمر البلاد، وأصلحها بعد فسادها وخرابها بإتلاف المفسدين من أهلها. وكان له يوم مات نحو الثمانين سنة.
وكانت له محاسن منها أنه أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين، حتى ترفهت أحوال الفلاحين واستغنوا فى أيامه، ومنها حضور التجار إلى مصر لكثرة عدله بعد انتزاحهم منها فى أيام الشدة، ومنها كثرة كرمه.
وكانت مدة أيامه بمصر إحدى وعشرين سنة. وهو أول وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر.
ومن آثاره الباقية بالقاهرة: باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النصر، ودفن خارج باب النصر - بحرى مصلى العيد - وبنى على قبره تربة جليلة.
وقام من بعده بالأمر ابنه شاهنشاه الملقب بالأفضل ابن أمير الجيوش. (انتهى)
ويوجد الآن فى زيادة الجامع الحاكمى قبة شاهقة قديمة يصعد إليها بدرج اضطرب الناس فيها؛ فمنهم من يقول إنها للأمير محمد قرقماس، ومنهم من يقول إنها للشيخ الساعى، وكثير من أهل المعرفة المسنين يقول إنها قبة تربة أمير الجيوش بدر الجمالى، وهذا هو الذى يغلب على الظن وتميل إليه النفس، لأن المعروف لنا من اسم محمد قرقماس اثنان: أحدهما كان فى زمن الغورى، وهذا قد ذكرنا فى المدارس أن له مدرسة فى الصحراء، وأنه مات بالشام فى واقعة الغورى، ولم يذكر أحد أنه نقل إلى مصر، والثانى محمد قرقماس الحنفى، وهذا
стр. 393
مدفون بمدرسته التى بدرب الحجر بجوار بيت الأمير راغب باشا - المعروفة الآن بجامع جنبلاط - فلعل نسبة هذه القبة إلى محمد قرقماس بسبب دفن أمير هناك يسمى بهذا الاسم، وأما نسبتها إلى الشيخ الساعى فلعله لمجاورتها لتربته المعروفة هناك إلى الآن باسمه. ومما يشهد لصحة نسبتها إلى أمير الجيوش بدر الجمالى فخامة بنائها وارتفاعها وموقعها خارج باب النصر القديم، ويدل لذلك قول المقريزى: وبنى على قبره تربة جليلة، إذ ليس فى تلك الجهة ما يشبهها عظمة وفخامة.
قلت: وهذا بيان الأقسام الثلاثة من الشارع المذكور التى وعدنا ببيانها:
стр. 394
القسم الأول شارع وكالة الصابون والجمالية
يبتدئ من باب النصر، وينتهى إلى قراقول الجمالية بأول شارع وكالة التفاح.
وبأوله المدرسة الجنبلاطية، وهى بلصق باب النصر عن يمين الخارج إلى المقبرة، تخربت ولم يبق منها الآن إلا باب مسدود كان يدخل إليها منه قبل الخروج من باب النصر من عن يمين السالك إلى خارج البلد.
ترجمة الملك الأشرف جنبلاط
أنشأها الأشرف جنبلاط فى أوائل القرن العاشر، وهو - كما فى ابن إياس - الملك الأشرف أبو النصر جنبلاط. أصله جركسى الجنس، اشتراه الأمير يشبك من الأمير مهدى الدوادار، وأقام عنده مدة، فحفظ القرآن، ثم إن الأمير يشبك قدمه للسلطان قايتباى، فصار من جملة المماليك السلطانية، ثم إنه أعتقه، وصار من جملة معاتيق قايتباى، ثم أخرج له خيلا وقماشا، وصار من جملة المماليك الجمدارية، ثم بعد مدة بقى خاصكيا، ثم دوادار سكين، ثم سافر أميرا على الحج بالركب الأول وهو خاصكى غير مرة، ثم أنعم عليه السلطان بإمرة عشرة فى سنة أربع وتسعين وثمانمائة، وسافر إلى الحجاز أمير ركب المحمل وهو أمير عشرة، وقرر فى نظر الخانقاه.
ثم توجه قاصدا إلى ابن عثمان - ملك الروم - سنة ست وتسعين وثمانمائة. وكان يومئذ أمير طبلخاناه تاجر المماليك، ثم بقى مقدم ألف فى آخر دولة الأشرف قايتباى، ثم بقى دوادارا كبيرا عوضا عن أقبردى فى دولة الناصر.
ثم قرر فى نيابة حلب، وخرج إليها، فلما تولى السلطنة الظاهر قانصوه نقله إلى نيابة الشام عوضا عن كرتباى الأحمر بحكم وفاته، ثم تزوج بخوندا صلباى أم الملك الناصر.
стр. 395
واستمر على ذلك حتى وثب طومان باى على الظاهر قانصوه وخلعه من السلطنة، فوقع الاتفاق على سلطنته على كره من الأمراء والعساكر، وكان ملء العيون كفئا للسلطنة وافر العقل.
وفى حال سلطنته أكثر من مصادرات الأمراء والأعيان والكتاب، لم يرحم مسلما ولا نصرانيا ولا يهوديا. ولما أكثر من الظلم وحصل منه فى مدة سلطنته القليلة ما لم يحصل من غيره فى الأزمان الطويلة انتهى أمره بأن قام عليه طومان باى، وحاصره بالقلعة، ثم أخذه وحبسه فى البرج بالإسكندرية، وذلك فى شهر رجب سنة ست وتسعمائة، ثم بعد ذلك خنقه.
(انتهى ملخصا)
جامع الحاكم بأمر الله
ثم جامع الحاكم بأمر الله أسسه أمير المؤمنين نزار بن المعز لدين الله معد سنة ثمانين وثلثمائة، وكان يعرف أولا بجامع الخطبة، ويقال له الجامع الأنور. وفى سنة إحدى وأربعمائة أكمله ولده الحاكم بأمر الله، وتم فى سنة ثلاث وأربعمائة.
وفى سنة اثنتين وسبعمائة تزلزلت أرض مصر والقاهرة، وسمع للحيطان قعقعة، وللسقوف فرقعة، فكان هذا الجامع مما تهدم فى هذه الزلزلة.
وفى سنة ستين وسبعمائة فى الولاية الثانية للملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون جدد هذا الجامع، وأضاف على أوقافه أوقافا.
وفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين وألف جدّد به نقيب الأشراف السيد عمر مكرم أربع بوائك من مؤخره، فجعلت مسجدا به منبر وخطبة ومطهرة وأخلية، وله فى الروزنامجة بعض أحكار. وباقى الجامع متهتك الحرمة، وبعض الواردين من الشام يصنعون فيه قناديل الزجاج والأكواب، والحريريون يفتلون فيه الحرير.
ولم يبق من أبوابه السبعة مفتوحا إلا اثنان: الباب الموصل إلى باب النصر، وباب سوق الليمون.
وبجواره من الجهة الغربية مدفن قديم عليه قبة مرتفعة يعرف بمدفن الساعى، وفيه شواهد عليها أسماء بعض الموتى المدفونين هناك.
وعلى سور الجامع مزاغل للمحاصرة وأماكن صغيرة معقودة بعقود هندسية. وهناك كتابات بعضها بالقلم الكوفى، وبعضها بالهيروجليفى، وآثار تشبه آثار قدماء المصريين، وبئر بقرب باب النصر فى غاية المتانة. وهو الآن غير مقام الشعائر لتخربه.
стр. 396
دار الهرماس
(فائدة): كان بجوار هذا الجامع دار عظيمة تعرف بدار الهرماس ذكرها المقريزى فقال: هذه الدار كانت بجوار الجامع الحاكمى من قبليه شارعة فى رحبة الجامع على يسرة من يمر إلى باب النصر، عمرها الشيخ قطب الدين محمد بن المقدسى المعروف بالهرماس، وسكنها مدة، وكان أثيرا عند السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون له فيه اعتقاد كبير، فعظم عند الناس قدره، واشتهر فيما بينهم ذكره، إلى أن دبت بينه وبين الشيخ شمس الدين محمد بن النقاش عقارب الحسد، فسعى به عند السلطان إلى أن تغير عليه وأبعده، ثم ركب فى يوم سنة إحدى وستين وسبعمائة من قلعة الجبل بعساكره إلى باب زويلة، فعندما وصل إليه ترجل الأمراء كلهم عن خيولهم، ودخلوا مشاة من باب زويلة كما هى العادة، وصار السلطان راكبا بمفرده وابن النقاش أيضا راكب بجانبه وسائر الأمراء والمماليك مشاة فى ركابه على ترتيبهم إلى أن وصل السلطان إلى المارستان المنصورى بين القصرين، فنزل إليه ودخل القبة، وزار قبر أبيه وجده وإخوته، وجلس وقد حضر هناك مشايخ العلم والقضاة، فتذاكروا بين يديه مسائل علمية، ثم قام إلى النظر فى أمور المرضى بالمارستان، فدار عليهم حتى انتهى غرضه من ذلك، وخرج فركب وسار نحو باب النصر والناس مشاة فى ركابه إلا ابن النقاش فإنه راكب بجانبه إلى أن وصل إلى رحبة الجامع الحاكمى، فوقف تجاه دار الهرماس وأمر بهدمها، فهدمت وهو واقف، وقبض على الهرماس وابنه، وضرب بالمقارع عدة شيوب، ونفى من القاهرة. (اه).
زاوية البقرى
وبقرب هذا الجامع زاوية البقرى - بين باب حارة العطوف ودرب الشرفا عن يسار الداخل من باب حارة العطوف - وهى صغيرة، وبها منبر نفيس وخطبة، وشعائرها مقامة إلى الآن.
وكانت أول أمرها مدرسة تعرف بالبقرية، أنشأها الرئيس شمس الدين شاكر بن غزيّل (تصغير غزال) المعروف بابن البقرى سنة ست وأربعين وسبعمائة - كما هو منقوش فى الحجر الذى عن يمين المحراب. ولما مات ﵀ سنة ست وسبعين وسبعمائة دفن بهذه المدرسة.
وعلى قبره قبة مرتفعة فى غاية الحسن.
стр. 397
زاوية القاصد
وزاوية القاصد، وهى بين حارة العطوف ووكالة الحتو - عند سوق العصر الذى يباع فيه عتيق الثياب ونحوها - جدّدها على بن حسين سنة تسعمائة - كما هو مكتوب على بابها - وهى صغيرة وبها حنفية. وبداخلها ضريح الشيخ أحمد القاصد الذى عرفت به، يعمل له مولد كل سنة فى آخر شعبان، وشعائرها مقامة إلى الآن.
(قلت): ويغلب على الظن أن على بن حسين هذا هو سيدى على الدميرى المجذوب الذى ترجمه الشعرانى فى طبقاته وقال: إنه دفن بالمسجد الذى بقرب باب النصر، وقبره ظاهر يزار. (اه).
(أقول): وهذا المسجد هو زاوية القاصد المذكورة، وبظهر من كلام المقريزى أنها كانت مدرسة تعرف بالقاصدية حيث قال عند ذكر باب النصر: إن عضادة الباب موجودة للآن بالركن الذى تجاه المدرسة القاصدية، وذكرها أيضا عند الكلام على رحبة الجامع الحاكمى، وكذلك فى الكلام على الحجر، لكنه سماها مسجدا حيث قال: وكانت هذه الحجر من جانب حارة الجوانية وإلى حيث المسجد الذى يعرف بمسجد القاصد تجاه باب الجامع الحاكمى. (اه. ملخصا).
جامع التينة
وجامع التينة، وهو بالعطوف قريبا من سور باب النصر، أنشئ سنة ست وخمسين ومائة وألف كما هو موجود فى بعض آثاره، وشعائره مقامة من أوقاف له قليلة بنظر رجل يدعى مصطفى حجاج.
وبهذا الشارع عطف وحارات كهذا البيان:
حارة العطوف عن يسار المار به، وبداخلها عطف وحارات غير نافذة، وكلها عن يسار المارّ بها.
عطفة الجلبى.
حارة حوش البقرى.
عطفة قشطة.
عطفة البدوى.
فرع من حارة العطوف ممتد لجهة قبلى تجاه عطفة البدوى، ويستقيم مشرقا حتى يتقابل بآخر عطفة العطوف، ويتصل أيضا بحارة حوش أبى نار، وبهذا الفرع عطف وحارات كهذا البيان:
стр. 398
العطفة السد، عطفة زايد، عطفة الهندى، وكلها عن يسار المارّ به وغير نافذة.
عطفة الشيخ قنديل عن يمين المارّ به، وغير نافذة، وليس بهذا الفرع غير ما ذكر.
عطفة البنا عن يسار المارّ بحارة العطوف، وليست نافذة.
العطفة السد عن يسار المارّ بها أيضا.
عطفة القليوبى عن يمين المارّ بها.
حارة حوش أبى نار عن يمين المارّ بها أيضا، وبداخلها أربع عطف: عطفة السبيلى، عطفة الحناوى، عطفة منصور عجوة، عطفة الشيخ خليل، وكلها عن يمين المارّ بحارة حوش أبى نار المذكورة.
حارة العراقى، عرفت بذلك لأن بها ضريحا يعرف بضريح سيدى العراقى، وهى عن يمين المارّ من حارة العطوف، وبنهايتها أرض براح تتصل بعطفة الشيخ خليل من جهة مسجده.
حارة الجمل، عرفت بذلك لأن بها ضريحا يعرف بالشيخ الجمل، وهى عن يسار المارّ من شارع وكالة الصابون.
حارة الجوانية عن يسار المارّ من حارة الشيخ الجمل، ويسلك منها إلى عطفة الدير، وهى من الحارات القديمة التى اختطها جوهر لعساكر مولاه كما اختط العطوفية والباطلية، وكان يقال لها حارة الروم الجوانية، ويقال لحارة الروم التى بجوار باب زويلة حارة الروم البرانية لأنها كانت خارج باب زويلة. وذكر المقريزى لتسميتها بالجوانية سببا آخر، وهو أن الجوانية منسوبة للأشراف الجوانيين، منهم الشريف النسابة الجوانى (بفتح الجيم وتشديد الواو وفتحها وبعد الواو ألف ساكنة ثم نون) نسبة إلى جوان قرية من عمل مدينة طيبة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
دار اليوسفى
وكان بجوار باب حارة الجوانية دار اليوسفى. قال المقريزى: هى بجوار باب الجوانية - فيما بينها وبين الحوض المعد لشرب الدواب - أنشأها هى والحوض الأمير سيف الدين بهادر اليوسفى السلاحدار الناصرى. (اه). وقوله الناصرى إشارة إلى أنه من أمراء الملك الناصر محمد بن قلاوون. وقد زالت الآن، وبنى فى موضعها وكالة القرب وما جاورها.
стр. 399
دير الطيور
وباب هذه الحارة فى وقتنا هذا مقابل لوكالة الفراخ التى هى وكالة الصابون الصغرى، فالداخل من بابها يجد عن يساره دربا يتوصل منه إلى دير كبير لرهبان النصارى، وهو منسوب إلى دير الطيور.
كنيسة الشوام
وبها كنيسة كبيرة ومدرسة أنشأهما رفلا عبيد أحد النصارى الشوام، لأنه كان يسكنها وموضع هذه الكنيسة والمدرسة كان فى القديم موضع دار ابن البقرى، صاحب المدرسة البقرية المتقدم ذكرها.
المدرسة الفارسية
وبها المدرسة الفارسية التى ذكرها المقريزى حيث قال: هذه المدرسة بخط الفهادين من أول العطوفية بالقاهرة، وكان موضعها كنيسة تعرف بكنيسة الفهادين، فلما كانت واقعة النصارى فى سنة ست وخمسين وسبعمائة هدمها الأمير فارس الدين البكى قريب الأمير سيف الدين آل ملك الجوكندار، وبنى هذه المدرسة. (اه). (قلت): وهى الآن متخربة، ولم يبق منها إلا موضع صغير خرب، وكان موضع هذه المدرسة إلى آخر الحارة من حقوق الحارة العطوفية، وكان باب العطوفية فى القديم فيما بين هذه المدرسة والدير، وكان بباب الحوانية حمام سنقر الأعسر، وموضعه الآن السبيل الذى يعلوه المكتب.
ترجمة الأمير سنقر الأعسر
وسنقر هذا هو - كما فى المقريزى - الأمير سنقر الأعسر أحد مماليك الأمير عز الدين أيدمر الظاهرى نائب الشام، وجعله دواداره، فباشر الدوادارية لأستاذه بدمشق. وبعد عزل سيده اشتراه الملك المنصور قلاوون، وولاّه نيابة الأستدارية، ثم سيّره فى سنة ثلاث وثمانين وستمائة إلى دمشق وأعطاه إمرة وولاه شد الدواوين بها وأستدارا.
فصارت له بالشام سمعة زائدة إلى أن مات قلاوون، وقام من بعده الأشرف خليل، فطلب سنقر إلى القاهرة، وعاقبه وصادره، فتوصل حتى تزوج بابنة الوزير شمس الدين السلعوس على صداق مبلغ ألف وخمسمائة دينار، فأعاده إلى حالته، ولم يزل إلى أن تسلطن الملك العادل كتبغا، واستوزر الصاحب فخر الدين بن خليل، وقبض على سنقر، وصادره وأخذ منه خمسمائة ألف درهم، وعزله عن شد الدواوين، وأحضره إلى القاهرة
стр. 400
فلما وثب الأمير حسام الدين لاجين على كتبغا وتسلطن ولى سنقر هذا الوزارة عوضا عن ابن خليل فى جمادى الأولى سنة ست وتسعين وستمائة، ثم قبض عليه فى ذى الحجة منها، وذلك أنه تعاظم فى وزارته، وصار يتبين منه للسلطان قلة الاكتراث به، فأخذ فى ذمه، ثم صرف عن الوزارة، وقيد فأرسل يسأل السلطان عن الذنب الذى أوجب هذه العقوبة، فقال ما له عندى ذنب غير كبره.
ولم يزل يتنقل من الوزارة إلى غيرها، وتمر عليه حوادث حتى انتهى أمره بأن استقر أحد أمراء الألوف، وحج صحبة الأمير سلار، ومات بالقاهرة بعد أمراض فى سنة تسع وسبعمائة. (انتهى باختصار).
مطلب بيان ما اغتصب من حارة الجوانية
وقد اغتصب سليمان أغا السلحدار قطعة كبيرة من حارة الجوانية، من ضمنها السبيل المذكور، والمكتب الذى يعلوه، وبنى بها العمارة التى عن يمين الداخل من بابها إلى ضريح الشيخ الجمل، وأنشأ موضع السبيل والمكتب قصرا وأسكنه جماعة من النصارى، وكان قد كتب هذه العمارة لإحدى زوجاته، فلما مات هدمت القصر، وأعادت السبيل والمكتب كما كان.
دار الست طولباى
وكان بباب الجوانية أيضا دار الست طولباى الناصرية، وموضعها الآن وكالة تجاه باب درب الرشيدى واقعة فى وقف سليمان أغا السلحدار. قال المقريزى: وهذه الدار بجوار حمام الأعسر برأس حارة الجوانية، تجاه درب الرشيدى، أنشأها الأمير سنقر الأعسر الوزير، ثم عرفت بخوند طولباى الناصرية جهة الملك الناصر.
ترجمة الست طولباى الناصرية
قال: وطولباى هذه هى من ذرية جنكزخان، تزوجها الملك الناصر محمد بن قلاوون.
ولما جاءت من بلادها إلى الإسكندرية فى شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة، وطلعت من المراكب وحملت فى خركاه من الذهب على العجل، وجرها المماليك إلى دار السلطنة بالإسكندرية، وبعث السلطان إلى خدمتها عدة من الحجاب وثمانى عشرة من الحرم، ونزلت فى الحراقة فوصلت إلى القلعة يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الأول المذكور، وفرش لها بالمناظر فى الميدان دهليز أطلس معدنى، ومدّ لهم سماطا، ثم عقد عليها يوم الاثنين
стр. 401
سادس ربيع الآخر على ثلاثين ألف دينار معجلها عشرون ألفا، وعقد العقد قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، وقبل عن السلطان النائب أرغون، وبنى عليها، وأعاد الرسل بعد أن شملهم من الإنعام ما أربى على أملهم ومعهم هدية جليلة.
تربة الست طولباى
وماتت فى الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبعمائة، ودفنت بتربتها خارج باب البرقية بجوار تربة خوند طغاى أم أنوك .. (انتهى ملخصا).
وتربة خوند طغاى هى اليوم زاوية الشيخ الشرقاوى التى بقرافة المجاورين.
وكان من جملة حارة الجوانية سوق الفهادين، وهو الموضع الذى به الدير والمدرسة الفارسية، فهذه الحارة باقية إلى اليوم، وشهرتها بالجوانية على أصلها، وهى ناحيتان: ناحية عن يسار الداخل، وهى التى بها الكنيسة والمكتب والدير، وهذه الناحية من رأس الزقاق إلى الدير من حقوق الجوانية، ومن الدير والمدرسة الفارسية إلى آخر الناحية من حقوق العطوفية القديمة، وصارت الآن من حقوق الجوانية.
والناحية الثانية وهى التى تجاه السالك من باب الحارة إلى آخرها هى حارة الجوانية القديمة، وأغلب سكانها من نصارى الشوام والأروام.
دار رفلا عبيد مع ترجمته
وبها من الدور الكبيرة دار رفلا عبيد. كان تاجرا من نصارى الشوام اشتهر بالتجارة حتى صار من أغنياء وقته، واشترى بهذه الحارة أملاكا بجوار الدير، منها دار كبيرة جدا كانت معروفة بدار الشنوانى، ودور صغيرة، وهدم الجميع، وبنى موضعها الكنيسة والمكتب المذكورين، وذلك بعد سنة سبعين ومائتين وألف من سنى الهجرة. ومات وقد ناهز السبعين، ولم يتزوج قط لأنه كان معتقدا أنه إن تزوج مات من عامه الذى يتزوج فيه، إذ كان له أخوان تاجران اتفق لهما ذلك، فتشاءم من الزواج.
انتهى ما يتعلق بحارة الجوانية قديما وحديثا.
حارة وكالة السلحدار - حارة حوش عطىّ
حارة وكالة السلحدار عن يسار المارّ بالشارع وليست نافذة.
حارة حوش عطىّ (بضم العين المهملة وتشديد الياء المثناة) هى عن يسار المارّ بالشارع وليست نافذة أيضا.
стр. 402
ضريح الشيخ عبد الكريم
وبجوارها ضريح الشيخ عبد الكريم الأموى يعمل له حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام فى شهر شعبان.
حارة المبيضة
حارة المبيضة عن اليسار، وبرأسها سبيل وقف الخانكى فى نظارة الأوقاف.
زاوية الخضر والأربعين
وبداخلها زاوية تعرف بزاوية الخضر والأربعين، وهى صغيرة، وبها ضريح يزار، وله مولد سنوى، ولها بئر خارجة عنها. وكانت أول أمرها مدرسة تعرف بالنابلسية ذكرها المقريزى مرارا فى التحديد، ولم يفردها بالذكر.
زاوية الشيخ عبد اللطيف
وزاوية أخرى تعرف بزاوية الشيخ عبد اللطيف، وهى بآخر حارة عبد اللطيف - التى هى داخل حارة المبيضة المذكورة - بها ضريح الشيخ عبد اللطيف، المعروفة الزاوية به، يعمل له مولد كل سنة. وهى الآن متخربة، وتحت نظر رجل يعرف بيوسف الختام.
ضريح الشيخ عمارة ضريح الشيخ الطبلاوى
وبحارة المبيضة أيضا ضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ عمارة، والآخر بالشيخ الطبلاوى وبها دار يوسف الجبلاوى أحد التجار، ودار سليمان أبى داود شيخ الياسرجية سابقا، وغيرهما من الدور الكبيرة والصغيرة.
دار الوزارة الكبرى
وكان موضعها فى القديم دار الوزارة الكبرى التى أنشأها أمير الجيوش بدر الجمالى - وزير الخليفة المستنصر - وكانت كبيرة جدا؛ فكان حدها طولا من باب حوش عطىّ إلى باب حارة المبيضة المذكورة. وكانت قبل ذلك تسمى دار القباب، وحولها دور صغيرة، واستمرت دار وزارة إلى آخر مدة الخلفاء الفاطميين، وسكنها صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان إذ ذاك وزيرا للفاطميين، فلما تمكن من نزع الخلافة منهم، ولقب بالسلطان الملك الناصر صارت هذه الدار تسمى دار الملك لسكنه بها إلى أن كانت أيام الملك محمد ابن الملك
стр. 403
العادل بن أيوب انتقل بيت الملك إلى القلعة، وصارت القلعة منزلا للملوك والسلاطين إلى أيامنا هذه. وفى الدولة التركية فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون شرع فى هدم الجهة القبلية منها الأمير قرا سنقر، وبنى بها ربعا ومدرسة، وبنى السلطان بيبرس الجاشنكير بجانب المدرسة خانقاه.
قال المقريزى: ولما كانت سنة سبعمائة أخذ الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى - نائب السلطنة فى أيام الملك المنصور حسام الدين لاجين - قطعة من دار الوزارة، فبنى بها الربع المقابل خانقاه سعيد السعداء، ثم بنى المدرسة المعروفة بالقراسنقرية، ومكتب الأيتام.
فلما كانت دولة البرجية بنى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير الخانقاه الركنية والرباط بجانبها من جملة دار الوزارة، وذلك فى سنة تسع وسبعمائة. ثم استولى الناس على ما بقى من دار الوزارة، وبنوا فيها، فمن حقوقها الربع الذى تجاه خانقاه سعيد السعداء، والمدرسة القراسنقرية، وخانقاه ركن الدين بيبرس، وما بجوارها من دار قزمان، ودار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وحمّامه الذى بجانبها، والحمام المجاور لها، وما وراء هذه الأماكن من الآدر وغيرها، والدار الكبرى المعروفة بدار الأمير سيف الدين برلغى الصغير - صهر الملك المظفر بيبرس الجاشنكير - المعروفة اليوم بدار الغزاوى، وفيها السرداب الذى كان زريك بن الصالح فتحه فى أيام وزارته من دار الوزارة إلى سعيد السعداء، وهو باق إلى الآن فى صدر قاعتها، وذكر أن فيه حية عظيمة.
ومن حقوق دار الوزارة المناخ المجاور لهذه القاعة، وكان من وراء القصر الكبير فيما يلى ظهر دار الوزارة الكبرى والحجر، وكان برسم طواحين القمح التى تطحن جرايات القصور، وبرسم مخازن الأخشاب والحديد، ونحو ذلك مثل آلات الأساطيل من الأسلحة المعمولة بيد الفرنج القاطنين فيه، والقنب والكتان والمنجنيقات والزفت فى المخازن التى عليها الأتربة، ولا تنقطع إلا بالمعاول، وكانت الفرنج فيه كثيرة منهم النجارون والخرازون والدهانون والخبازون والخياطون وغيرهم.
وكان على دار الوزارة سور مبنى بالحجارة، وقد بقى الآن منه قطعة فى حد دار الوزارة الغربى وفى حدها القبلى، وهو الجدار الذى فيه باب الطاحون والساقية تجاه باب سعيد السعداء من الزقاق الذى يعرف اليوم بخرائب تتر.
ثم قال: وكانت دار الوزارة فى الدولة الفاطمية تشتمل على عدة قاعات ومساكن وبستان وغيره، وكان فيها مائة وعشرون مقسما للماء الذى يجرى فى بركها ومطابخها ونحو ذلك.
(انتهى ملخصا).
стр. 404
قلت: والزقاق المعروف بخرائب تتر المذكور فى عبارته هو فى وقتنا هذا حارة المبيضة، وأما دار الوزارة فقد استمر الأخذ من أرضها والتغيير فى أوضاعها بالتغلب تارة وبالشراء أخرى إلى أن انمحى أثرها بالكلية. وموضعها اليوم من جهة الشارع حارة المبيضة، والربع الذى بجوارها، ومدرسة قراسنقر - التى فى موضعها الآن مكتب الجمالية - وجامع بيبرس المعروف بالخانقاه، وحوش عطىّ، وما وراء ذلك من الأماكن وغيرها.
مدرسة قراسنقر
ومدرسة قراسنقر المذكورة كانت تجاه خانقاه سعيد السعداء أنشأها الأمير قراسنقر المنصورى سنة سبعمائة، وبنى بجوارها مسجدا معلقا ومكتبا لقراءة الأيتام، وقد تخربت.
مكتب الجمالية
ثم لما كنت ناظرا على ديوان المدارس والأوقاف عمّرت فى بعض منها مكتب الجمالية الذى هو من المكاتب الأهلية، وهو عامر إلى الآن، وبه كثير من الأولاد لهم خوجات ومعلمون، ويعمل لهم امتحان فى كل سنة.
جامع بيبرس الجاشنكير
وأما جامع بيبرس الجاشنكير فهو الجامع القريب من هذا المكتب الذى تجاه الدرب الأصفر، به قبر منشئه يعلوه قبة مرتفعة. وكان إنشاؤه أولا خانقاه للصوفية، وهى أجل خانقاه بالقاهرة، بناها الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكيرى المنصورى قبل أن يلى السلطنة سنة ست وسبعمائة، وبنى بجانبها رباطا يتوصل إليه منها. وبلغ قياس أرض الخانقاه والرباط والقبة نحو فدان وثلث، ولما كملت فى سنة تسع وسبعمائة قرر بالخانقاه أربعمائة صوفى، وبالرباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت، وجعل بها مطبخا يفرق على كل منهم فى كل يوم اللحم والطعام وثلاثة أرغفة من خبز البر، وجعل لهم الحلوى، ورتب بالقبة درسا للحديث النبوى له مدرس وعنده عدة من المحدثين (اه).
وقد أطال المقريزى فى ترجمتها فراجعه. قلت: ولم يكن من ذلك شئ الآن إلا بعض أوقاف شعائرها مقامة منها.
وهذا وصف جهة اليسار من شارع الجمالية ووكالة الصابون.
وكالة الصابون
وأما جهة اليمين فبأولها الوكالة الكبيرة المعروفة بوكالة الصابون، وهى التى سماها المقريزى بوكالة قوصون حيث قال: هى فى معنى الفنادق والخانات، ينزلها التجار ببضائع بلاد الشام مكتبة الأسرة - ٢٠٠٨
стр. 405
من الزيت والشيرج والصابون والدبس والفستق والجوز واللوز والخرنوب ونحو ذلك، وموضعها فيما بين الجامع الحاكمى ودار سعيد السعداء، كانت أخيرا دارا تعرف بدار تعويل البوعانى، فأخربها وما جاورها الأمير قوصون، وجعلها فندقا كبيرا إلى الغاية وبدائره عدة مخازن، وشرط أن لا يؤجر كل مخزن إلا بخمسة دراهم من غير زيادة على ذلك، ولا يخرج أحد من مخزنه، فصارت هذه المخازن تتوارث لقلة أجرتها وكثرة فوائدها.
قال المقريزى: وأدركنا هذه الوكالة، وإن رؤيتها من داخلها وخارجها لتدهش لكثرة ما هناك من أصناف البضائع وازدحام الناس وشدة أصوات العتالين عند حمل البضائع ونقلها لمن يبتاعها، ثم تلاشى أمرها منذ خربت الشام فى سنة ثلاث وثمانمائة على يد تيمور لنك.
ثم قال: وفيها الآن بقية، ويعلو هذه الوكالة رباع تشتمل على ثلثمائة وستين بيتا أدركناها عامرة كلها. (اه). قلت: وهذه الوكالة باقية إلى اليوم واشتهرت بوكالة الصابون من أجل أن الصابون يباع بها.
شارع الضببية
ثم يليها باب شارع الضببية يتصل بشارع الكلباتى وبشارع مرجوش، وطوله مائة وستون مترا.
سوق الجملون الصغير
وكان موضع هذا الشارع سوق الجملون الصغير الذى ذكره المقريزى حيث قال: هذا السوق يسلك فيه من رأس سويقة أمير الجيوش إلى باب الجوانية وباب النصر، وهو مجاور لدرب الفرحية.
المدرسة الصيرمية
وفيه المدرسة الصيرمية وباب زيادة الجامع الحاكمى، وكان أولا يعرف بالأمراء القرشيين بنى النورى، ثم عرف بالجملون الصغير، وبجملون ابن صيرم وهو الأمير جمال الدين ابن صيرم - أحد الأمراء فى أيام الملك الكامل محمد بن العادل، وإليه تنسب المدرسة الصيرمية والخط المعروف خارج باب الفتوح ببستان ابن صيرم. وهذه المدرسة أنشأها ابن صيرم المذكور الذى كانت وفاته فى سنة ست وثلاثين وستمائة. (اه).
زاوية سوق الضببية
قلت: وفى وقتنا هذا قد زالت هذه المدرسة، وبنى فى موضعها زاوية صغيرة تعرف بزاوية سوق الضببية أغلب أوقاتها معطلة. وأما زيادة الجامع الحاكمى المذكورة فقيل إنها
стр. 406
من بناء الظاهر على بن الحاكم ولم يكملها، وكان قد حبس فيها الفرنج، فعملوا فيها كنائس هدمها الملك الناصر صلاح الدين، وكان قد تغلب عليها، وبنيت اصطبلات.
قال المقريزى: وبلغنى أنها كانت فى الأيام المتقدمة قد جعلت أهراء للغلال، فلما كان فى الأيام الصالحية وزارة معين الدين حسن ابن شيخ الشيوخ للملك الصالح أيوب ولد الكامل ثبت عند الحاكم أنها من الجامع، وأن بها محرابا، فانتزعت وأخرج الخيل منها، وبنى فيها ما هو الآن فى الأيام المعزية على يد الركن الصيرفى، ثم قال: وأدركنا هذا الجمالون معمور الجانبين من أوله إلى آخره بالحوانيت، ففى أوله كثير من البزازين الذين يبيعون ثياب الكتان، وبآخره كثير من الضببيين بحيث لو أراد أحد أن يشترى منه ألف ضبة فى يوم لما عسر عليه ذلك .. فلما حدثت المحن خرب هذا السوق، ثم إنه عمر بعد سنة عشر وثمانمائة قال: وفيه الآن نفر من البزازين وقليل ممن سواهم.
درب الفرحية
وأما درب الفرحية المذكور فقال المقريزى: إنه كان عن يمنة من خرج من الجمالون الصغير طالبا درب الرشيدى، وهو من الدروب التى كانت فى أيام الخلفاء. (اه).
قلت: ومن حقوقه الآن المصبغة الكبيرة التى بشارع الضببية وما جاورها من حانوت الأموات والمصبغة الصغيرة التى كان يتوصل منها إلى درب الرشيدى.
درب الرشيدى
درب الرشيدى عن يمين المارّ بالشارع، وهو من الدروب القديمة التى ذكرها المقريزى حيث قال: وكان موضعه فى أيام الدولة الفاطمية براحا تجاه الحجر، ونسبته إلى الأمير عز الدين أيدمر الرشيدى مملوك الأمير بلبان الرشيدى خوشداش الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وهو مقابل لباب حارة الجوانية عن يمين السالك من باب النصر يريد الخانقاه البيبرسية بين الضببية والدرب الأصفر، وإلى الآن مشهور بهذا الاسم، وبه من الدور العظيمة دار الحاج أحمد عبد القدوس التاجر المشهور، ودار عبد الله محيسن، ودار الشيخ عبده التاجر، ودار السيد محمود الحتو ابن السيد يوسف، كان تاجرا مشهورا يميل إلى الخير والصلاح ﵀.
جامع الحتو
وهو الذى عرف به جامع الحتو بهذه الخطة تجاه وكالة الصابون، لأنه هو الذى أنشأه سنة ثمانين ومائتين وألف، وجعل به منبرا وخطبة، وعمل به سبيلا ومكتبا، ووقف عليه
стр. 407
أوقافا دارّة. وكان أول أمره مدفنا يعلوه زاوية صغيرة تعرف بزاوية الشهداء. وشعائره مقامة إلى الآن من ريع أوقافه.
دار الأمير أحمد
وكان موضع هذا الجامع فى القديم دار الأمير أحمد، وكانت بجوار دار الجاولى. عرفت بالأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكانت من حقوق الحجر، وقد زالت.
وأدركنا مكانها مدفنا يقرأ فيه القرآن يعلوه زاوية مشرفة على الشارع، ثم بعد سنة خمس وسبعين ومائتين وألف استأجر هذا المدفن مع الزاوية رجل من البرابرة، وجعله معملا للمزر المتخذ من القمح، ففزع الناس من ذلك، وتعرض له السيد محمود الحتو، ورفع ذلك للديوان، فمنع البربرى، وعزل الناظر، وأقام السيد محمود ناظرا، فهدمه وبناه على هذا الوضع، ووقف عليه الأوقاف الكثيرة.
دار الجاولى
وأما دار الجاولى فكانت عن يمين الداخل من باب النصر يريد المشهد الحسينى. بناها علم الدين سنجر الجاولى، ووقفها على مدرسته التى بالكبش. وهذه الدار موضعها اليوم الوكالتان المعروفة إحداهما بوكالة القناديل، والأخرى بوكالة الزجاج. وكان بقربها الدار المعروفة بدار الهرماس التى تقدم ذكرها. وقد صارت دار الهرماس هذه إلى الأمير جمال الدين عبد الله بن بكتمر الحاجب، وذلك فى سنة ثمانين وسبعمائة، فأنشأها قاعة وعدة حوانيت وربعا علو ذلك. قلت: وقد زال أثرها، وموضعها اليوم مدفن تعطل الدفن فيه لما امتنع الدفن بالقاهرة، وهو تجاه زاوية القاصد المتقدم ذكرها.
دار الحاجب
وكان بقرب هذه الدار دار الحاجب. قال المقريزى: هى خارج باب النصر تجاه مصلى الأموات، أنشأها الأمير سيف الدين كهرداش المنصورى - أحد المماليك الزراقين - ثم اشتراها الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، فعرفت به، وقد زالت الآن، وبنى فى موضعها مدفن جديد، أنشأه السيد محمود الحتو، وبنى به قبرا لنفسه.
مصلى الأموات
ومصلى الأموات المذكورة هى خارج باب النصر بأول الطريق عن يمنة المارّ بالشارع المسلوك فيه إلى العباسية، وبها قبلة قديمة، بلصقها من الجهة الشرقية معبد يعرف بمعبد الست
стр. 408
زينب بنت أحمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن الحنفية، وتسميه العامة مشهد الست زينب.
وفى شرقيه موضع معروف عند التربية ببيت البئر، ومذكور فى تقاريرهم بهذا الاسم.
وهذا الموضع هو بئر اللفت الذى ذكره المقريزى. وفى شرقيه مدفن يعرف بمدفن السادة الصوفية.
تربة الصوفية
(فائدة): قال السخاوى فى كتاب «المزارات»: وأخذ صوفية الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء قطعة أرض قدر فدانين من ميدان القبق، وأداروا عليها سورا من الحجر وجعلت مقبرة لمن يموت منهم، ثم أضافوا لها قطعة من تربة قراسنقر سنة تسعين وسبعمائة.
وما برح الناس يقصدون تربة الصوفية هذه لزيارة من فيها من الأموات ويرغبون الدفن بها إلى أن ولى مشيخة الخانقاه الشيخ شمس الدين محمد العلالى فسمح لكل أحد أن يقبر ميته بها على مال يؤخذ منه، فقبر بها كثير من أعوان الظلمة ومن لم يستنكر طريقته، فصارت مجمعا للنساء ومحلا للعبيد، بعد أن لم يكن فى هذه الصحراء تربة مثلها فيما جمع فيها من العلماء والمحدّثين والأولياء. (اه).
سويقة اللفت (١)
وكان هناك حيث بئر اللفت السويقة المعروفة بسويقة اللفت فى شمال مصلى الأموات.
كانت تشتمل على عدة حوانيت يباع فيها اللفت والكرنب، ويحمل منها إلى سائر أسواق القاهرة.
سويقة زاوية الخدام
وكان فى بحرّيها سويقة زاوية الخدّام. كان فيها عدة حوانيت يباع فيها أنواع المآكل إلى أن خربت فى سنة ست وثمانمائة، ولم يبق فيها سوى حوانيت لا طائل وراءها.
سويقة الرملة
وكان فيما بين سويقة زاوية الخدام وجامع آل ملك حيث مصلى الأموات سويقة الرملة.
كان فيها عدة حوانيت مملوءة بأصناف المآكل.
سويقة جامع آل ملك
وكان هناك أيضا سويقة جامع آل ملك بقيت إلى سنة ست وثمانمائة. وكانت من الأسواق الكبار.
стр. 409
سويقة أبى ظهير وسويقة السنابطة
وكان يليها سويقة أبى ظهير، وسويقة السنابطة كانت هناك أيضا، عرفت بقوم من أهل سنباط كانوا سكنوها. (اه. مقريزى).
وأما الشارع المسلوك من باب النصر إلى العباسية فيعرف بشارع الشيخ يونس لأن به قبره، وهو عن يمين السالك إلى العباسية فى مقبرة معروفة بالدير.
قبر الشيخ يونس السعدى
وفى بحرى قبر الشيخ يونس قبر الشيخ محمد العراقى واقع بالتل الذى هناك، وفى قبليه تل يعرف بتل الشيخ شعبان. وقبلى تل الشيخ شعبان المقبرة المعروفة بالإيوان، وهى واقعة بين مصلى الأموات وتل الشيخ شعبان.
قبر الشيخ الجعبرى
وهناك قبر داخل زاوية متخربة يعرف بقبر الشيخ الجعبرى عن يسار السالك فى الطريق تجاه تل الشيخ شعبان المذكور.
قبر الشيخ أمين الدين
وبالقرب من قبر الشيخ الجعبرى قبر الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمرى المتوفى سنة ثلاثين وتسعمائة ترجمه الشيخ الشعرانى وأطال فى ترجمته فراجعها إن شئت.
رباط الفخرى
وهناك عن يسار الخارج من باب النصر الرباط المعروف برباط الفخرى بناه الأمير عز الدين أيبك المعروف بالفخرى - أحد أمراء الملك الظاهر بيبرس - وهذا الرباط موجود للآن، ويعرف بهذا الاسم واقع فيما بين باب الفتوح وباب النصر فى ظهر الأماكن التى هناك.
مقبرة الجبّاسة وغيرها
ويقابله مقبرة تعرف بالجباسة، وفى شرقيها مقبرة يقال لها «ودن» واقعة تجاه مصلى الأموات.
وفى بحرى مقبرة الجباسة القباب الثلاث المعروفة بالشيخ مبارك. وفى بحرى القباب مقبرة الشقاروة.
انتهى ما يتعلق بوصف درب الرشيدى ومصلى الأموات وما جاورها من الأضرحة والمقابر بحسب ما تيسر لنا.
***
стр. 410
الدرب الأصفر
الدرب الأصفر عن يمين المارّ بالشارع، وغير نافذ، وبه عطفة صغيرة عن يمين المارّ به تعرف بعطفة جنبلاط، وهو من الدروب القديمة ذكرها المقريزى فقال: هذا الدرب تجاه خانقاه بيبرس الجاشنكير، وكان موضعه المنحر، لأن الخلفاء الفاطميين كانوا ينحرون بهذا الموضع الضحايا يوم عيد النحر عند رجوعهم من مصلى العيد، التى هى خارج باب النصر.
دار الشيخ المنصورى
(قلت): وهو إلى الآن عامر، وبه دور كبيرة وصغيرة منها دار الشيخ محمد المنصورى الضرير - أحد علماء الحنفية، ومفتى مجلس الأحكام سابقا - وهى للآن تحت أيدى ورثته.
دار السحيمى
ودار السحيمى، وهى دار كبيرة جدا مطلة على باب حارة برجوان، وآلت إلى ملك السيد محمد إمام القصبى - شيخ الجامع الأحمدى بطنتدا - بطريق الشراء الشرعى.
الخانقاه الشرابشية
وهذه الدار فى موضع الخانقاه الشرابشية التى ذكرها المقريزى فى الخوانق قال: أنشأها نور الدين على بن محمد الشرابشى، وكانت فيما بين الجامع الأقمر وحارة برجوان، وبابها الأصلى كان من زقاق ضيق بوسط حارة برجوان.
دار جنبلاط
ودار جنبلاط، وهى كبيرة أيضا، ولها بابان؛ أحدهما من هذا الدرب، والثانى من درب الرشيدى.
وبه أيضا ضريح يعرف بضريح الشيخ السطوحى، وآخر يعرف بالأربعين.
هذا ما يتعلق بالدرب الأصفر قديما وحديثا.
المنحر
وأما المنحر فذكر المقريزى أنه كان بجوار القصر الكبير، ثم قال: هو الموضع الذى اتخذه الخلفاء لنحر الأضاحى فى عيد النحر وعيد الغدير، وكان تجاه رحبة باب العيد. وموضعه الآن يعرف بالدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وصار موضعه ما بداخل هذا الدرب من
стр. 411
الآدر والطاحون وغيرها، وظاهره تجاه رأس حارة برجوان: يفصل بينه وبين حارة برجوان الحوانيت التى تقابل باب الحارة.
ومن جملة المنحر الساحة العظيمة التى عملت لها خوند بركة - أم السلطان الملك الأشرف شعبان بن حسين - البوابة العظيمة بخط الركن المخلق، بجوار قيسارية الجلود التى عمل فيها حوانيت الأساكفة. (انتهى).
(قلت): وخط الركن المخلق هو شارع وكالة التفاح الآن. وأما الركن المخلق فهو الركن الذى عن يمين الداخل من معبد موسى ﵇ المعروف اليوم بزاوية سيدنا موسى.
ثم قال المقريزى: وكان الخليفة إذا صلى صلاة عيد النحر وخطب ينحر بالمصلى، ثم يأتى المنحر المذكور وخلفه المؤذنون يجهرون بالتكبير، ويرفعون أصواتهم كلما نحر الخليفة شيئا، وتكون الحربة فى يد قاضى القضاة وهو بجانب الخليفة ليناوله إياها إذا نحر. وأول من سن منهم إعطاء الضحايا وتفرقتها فى أولياء الدولة على قدر رتبهم العزيز بالله نزار.
وقال أيضا: وفى التاسع من ذى الحجة سنة ست عشرة وخمسمائة جلس الخليفة الآمر بأحكام الله على سرير الملك، وحضر الوزير وأولاده، وقاموا بما يجب من السلام، واستفتح المقرئون، وتقدم حامل المظلة وعرض ما جرت به عادته من المظال الخمسة التى جميعها مذهّب، وسلم الأمراء على طبقاتهم، وختم المقرئون، وعرضت الدواب جميعها والعماريات والوحوش وعاد الخليفة إلى محله، فلما أسفر الصبح خرج الخليفة وسلم على من جرت عادته بالسلام عليه، ولم يخرج بشئ عما جرت به العادة فى الركوب والعود. وغيّر الخليفة ثيابه، ولبس ما يختص بالمنحر، وهو البدلة الحمراء بالمشدة التى تسمى بشدة الوقار، والعلم الجوهر فى وجهه بغير قضيب ملك فى يده إلى أن دخل المنحر، وفرشت الملاءة الديبقى الحمراء، وثلاث بطائن مصبوغة حمر ليتقى بها الدم مع كون كل من الجزارين بيده مكبة صفصاف مدهونة يلقى بها الدم عن الملاءة، وكبّر المؤذنون، ونحر الخليفة أربعا وثلاثين ناقة وقصد المسجد الذى آخر صف المنحر، وهو مغلق بالشروب والفاكهة المعبأة فيه بمقدار ما غسل يديه، ثم ركب من فوره.
بيان ما كان ينحره الخليفة خاصة
وجملة ما نحره وذبحه الخليفة خاصة فى المنحر، وباب الساباط دون الأجل الوزير المأمون وأولاده وإخوته فى ثلاثة الأيام ما عدته ألف وتسعمائة وستة وأربعون رأسا. تفصيله: نوق مائة وثلاث عشرة ناقة نحر منها فى المصلى عقيب الخطبة ناقة، وهى التى تهدى وتطلب من
стр. 412
آفاق الأرض للتبرك بلحمها، ونحر فى المناخ مائة ناقة، وهى التى يحمل منها الوزير وأولاده وإخوته والأمراء والضيوف والأجناد والعسكرية والمميزين، وفى كل يوم يتصدق منها على الضعفاء والمساكين بناقة واحدة، وفى اليوم الثالث من العيد كانت تحمل ناقة منحورة للفقراء فى القرافة، وينحر فى باب الساباط ما يحمل إلى من حوته القصور وإلى دار الوزارة وإلى الأصحاب والحواشى اثنتا عشرة ناقة، وثمانى عشرة بقرة، وخمس عشرة جاموسة، ومن الكباش ألف وثمانمائة رأس. ويتصدق فى كل يوم فى باب الساباط بسقط ما يذبح من النوق والبقر.
بيان المبلغ المنصرف على الأسمطة فى أيام العيد
وأما مبلغ المنصرف على الأسمطة فى ثلاثة الأيام خارجا عن الأسمطة بالدار المأمونية فألف وثلثمائة وستة وعشرون دينارا، أو ربع وسدس دينار. ومن السكر برسم قصور الحلاوة، والقطع المنفوخ المصنوعة بدار الفطرة خارجا عن المطابخ ثمانية وأربعون قنطارا، ثم نقل عن ابن الطوير أنه إذا انقضى ذو القعدة وأهلّ ذو الحجة اهتم بالركوب فى عيد النحر وهو يوم عاشره، فيجرى حاله كما جرى فى عيد الفطر من الزى والركوب إلى المصلى، ويكون لباس الخليفة فيه الأحمر الموشح ولا ينخرم منه شئ، وركوبه ثلاثة أيام متوالية:
فأولها يوم الخروج إلى المصلى والخطابة كعيد الفطر، وثانى يوم وثالثه إلى المنحر، وهو المقابل لباب الريح الذى فى ركن القصر المقابل لسور دار سعيد السعداء - الخانقاه اليوم - وكان براحا خاليا لا عمارة فيه، فيخرج من هذا الباب الخليفة بنفسه، ويكون الوزير واقفا عليه، فيترجل ويدخل ماشيا بين يديه بقربه. هذا بعد انفصالهما من المصلى ويكون قد قيد إلى هذا المنحر أحد وثلاثون فصيلا وناقة أمام مصطبة مفروشة يطلع عليها الخليفة والوزير ثم أكابر الدولة، وهو بين الأستاذين المحنكين، فيقدم الفراشون له إلى المصطبة رأسا، ويكون بيده حربة من رأسها الذى لا سنان فيه، ويد قاضى القضاة فى أصل سنانها، فيجعله القاضى فى نحر النحيرة ويطعن بها الخليفة، وتجر من بين يديه حتى يأتى على العدة المذكورة، فأول نحيرة هى التى تقدّد وتسير إلى داعى اليمن - وهو الملك فيه - فيفرقها على المعتقدين من وزن نصف الدرهم إلى ربع درهم، ثم يعمل ثانى يوم كذلك، فيكون عدد ما ينحر سبعا وعشرين، ثم يعمل فى اليوم الثالث كذلك، وعدة ما ينحر ثلاث وعشرون. وفى مدة هذه الأيام الثلاثة يسير رسم الأضحية إلى أرباب الرتب والرسوم كما سيرت الغرة فى أول السنة من الدنانير بغير رباعية ولا قراريط على مثال الغرة من عشرة دنانير إلى دينار، فإذا انقضى ذلك خلع الخليفة على الوزير ثيابه الحمر التى كانت عليه ومنديلا آخر بغير السمة والعقد المنظوم من القصر عند
стр. 413
عود الخليفة من المنحر، فيركب الوزير من القصر بالخلع المذكورة شاقا القاهرة، فإذا خرج من باب زويلة انعطف على يمينه سالكا على الخليج، فيدخل من باب القنطرة إلى دار الوزارة وبذلك انفصال عيد النحر. (انتهى). وقد أطال المقريزى فى وصف ذلك فارجع إليه إن شئت.
حمام سعيد السعداء
ثم بعد الدرب الأصفر المتقدم الذكر حمام سعيد السعداء بجوار جامع الخانقاه المعروف بجامع سعيد السعداء، وكان يعرف أولا بحمام الصوفية، أنشأه السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب لصوفية الخانقاه، وهو عامر إلى اليوم يدخله الرجال والنساء ويعرف بحمام الجمالية.
جامع الخانقاه
ثم جامع الخانقاه المعروف بجامع سعيد السعداء، ويعرف أيضا بالخانقاه الصلاحية هو تجاه حارة المبيضة واقع بين حمام الجمالية والقراقول الذى هناك، تحته عدة قبور دفن بها بعض الصوفية، وقد تغير بعض مبانيه الأصلية، وجعل به منبر وخطبة. وكان أصله دارا تعرف بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر، ويقال عنبر، واسمه بليان ولقبه سعيد السعداء - أحد المحنكين خدام القصر، عتيق الخليفة المستنصر - قتل سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
فلما استبد صلاح الدين يوسف بن أيوب، وغيّر رسوم الدولة الفاطمية عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية، ووقف عليهم أوقافا، فكانت أول خانقاه عملت بمصر، وعرفت بدويرة الصوفية. وكان سكانها يعرفون بالعلم والصلاح، وكان لهم يوم الجمعة هيئة فاضلة فى خروجهم للصلاة بالجامع الحاكمى.
ولما جدد الأمير يلبغا السالمى الجامع الأقمر، وعمل به منبرا، وأقيمت به الجمعة ألزم صوفية هذه الخانقاه أن يصلوا الجمعة به. فلما زالت أيامه تركوا ذلك ولم يعودوا إلى الاجتماع بالجامع الحاكمى. (انتهى ملخصا من المقريزى): (قلت): وهذا الجامع عامر إلى اليوم، وشعائره مقامة، ويتبعه سبيل متخرب.
وبهذا الشارع أيضا سبيلان: أحدهما وقف السلطان قايتباى أنشأه سنة أربع وثمانين وثمانمائة، والآخر وقف المويلحى أنشأه سنة أربع وعشرين ومائة وألف، وهما عامران الآن بنظر الأوقاف.
стр. 414
وبه من الدور الكبيرة دار محمد شمس الدين حمود شيخ طريقة الأحمدية، ودار ملك ورثة المرحوم السيد أحمد من التجار المشهورين، ودار الشيخ السجينى الجراح، وغير ذلك من الدور الكبيرة والصغيرة.
***
شارع وكالة التفاح
هو عن يمين المارّ من شارع الجمالية، ويتصل بشارع السنّانين وشارع التنبكشية، وطوله اثنان وثمانون مترا.
جامع الجمالى
وبأوله تجاه قراقول الجمالية الجامع المعلق، ويعرف أيضا بجامع الجمال وبجامع الجمالى، وهو معلق يصعد إليه بدرج. وكان أول أمره مدرسة تعرف بمدرسة الأمير جمال الدين الأستادار، ابتدأ فى عمارتها الأمير جمال الدين سنة عشر وثمانمائة، وانتهت سنة إحدى عشرة وثمانمائة. وقد بسطنا الكلام عليها فى جزء المدارس من هذا الكتاب. (قلت): وهو مقام الشعائر إلى الآن، وله أوقاف، ويتبعه سبيل متخرب.
وهناك أيضا سبيلان؛ أحدهما معروف بسبيل النقادى وهو متخرب، والآخر عامر بنظر الأوقاف بقرب وكالة التفاح.
وكالة التفاح
وبوسط هذا الشارع وكالة كبيرة شهيرة بوكالة التفاح، عرف هذا الشارع بها لشهرتها، فيها عدة من تجار الشوام يبيعون فيها البضائع الشامية، كالشاهى والقطنى ونحوهما. وهذه الوكالة هى العمارة التى أنشأتها أم السلطان، وكان أصلها دارا كبيرة تعرف بالأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى، وكان يدخل إليها من الدرب الأصفر تجاه جامع بيبرس الجاشنكير، وكان لها باب آخر من المحايريين، يعنى من الشارع المعروف الآن بالسنانين الذى به سور الجامع الأقمر، ثم عرفت بالأمير مظفر الدين موسى الصالح على بن مالك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى، ثم خربت، فجعلتها خوند أم السلطان شعبان بن حسين بن قلاوون عمارة، فبنتها قيسارية عرفت بقيسارية الجلود، ووقفتها على مدرستها التى بالتبانة، ثم انتقلت من وقفها إلى وقف جمال الدين يوسف الأستادار اغتصابا، وهى الآن تحت نظر أولاد المراكشى
стр. 415
وكالة الدخان
وأما الوكالة التى بجوارها فكان أصلها قاعة عظيمة أنشأتها أم السلطان أيضا من جملة العمارة، غير أنها لم تبن بها سوى بوابتها، ثم أخذها السلطان الملك الأشرف أبو العزيز برسباى الدقماقى الظاهرى، وجعلها وكالة كبيرة، وذلك فى سنة خمس وعشرين وثمانمائة، ولم يسخر فى عمارتها أحدا، وغيّر من الطراز المنقوش فى الحجارة بجانبى باب الدخول اسم شعبان ابن حسين وكتب برسباى، فجاءت من أحسن المبانى، وهى باقية إلى اليوم، وتعرف بوكالة الدخان لمبيع الدخان بها.
وبهذا الشارع أيضا عدة وكائل من الجانبين، منها وكالة شهيرة بوكالة الركن، وهى معدة لمبيع الخرنوب والدخان، وتحت نظر الأوقاف، ومنها وكالة مطبخ العسل، وهى معدة لمبيع أصناف النقل كالحوز واللوز ونحوهما، وتحت نظر السيد أحمد السخاوى، ومنها وكالة عبد الله باشا الأرنؤودى، وهى معدة لمبيع الأصناف الواردة من الأقطار الحجازية، وتحت نظر ذرية الباشا المذكور، ومنها وكالة عباس أغا، وهى معدة لمبيع الأصناف الواردة من جهة الحجاز وغيره، وتحت نظر محمد الشعبى.
***
стр. 416
القسم الثانى: شارع المحكمة
ويعرف بشارع رحبة العيد وبشارع حبس الرحبة. ابتداؤه من قراقول الجمالية وأول شارع وكالة التفاح، وانتهاؤه مسجد المشهد الحسينى، وبه شارع قصر الشوك، وسيأتى بيانه، وبه عطف وجارات ودروب كهذا البيان:
درب المسمط
درب المسمط عن يسار المارّ بالشارع، وليس بنافذ.
جامع محمود محرم وترجمته
وعلى رأسه جامع محمود محرم. كان إنشاؤه سنة ست وأربعين وتسعمائة كما هو منقوش على عمود فيه من الرخام، ثم جدّده الخواجا الحاج محمود محرم سنة سبع ومائتين وألف كما هو منقوش على بابه، فعرف به من ذاك الوقت، ووقف عليه أوقافا، شعائره مقامة إلى اليوم من ريعها، وبه منبر وخطبة وخزانة كتب عليها قيّم يتعهدها ويغير منها للطالبين، وبداخله ضريح يقال إنه ضريح الشيخ إبراهيم البقاعى المفسّر.
وأما محمود محرم المذكور فهو الخواجه المعظم والملاذ الأفخم الحاج محمود بن محرم، أصل والده من الفيوم، ثم استوطن مصر، وتعاطى التجارة، فاتسعت دنياه. مات فى طريق الحجاز سنة ثمان ومائتين وألف ودفن هناك، وقد بسطنا ترجمته عند الكلام على جامعه فى مجلد الجوامع من هذا الكتاب.
ويتبع هذا الجامع سبيل أنشئ سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف وتحت نظر الشيخ مصطفى حجاج. (قلت): وقد بلغنى أن المعروف عند اختيارية أهل هذه الخطة أن حبس الرحبة المذكور كان قريبا من جامع محمود محرم.
وهناك بالقرب من الجامع سبيلان أحدهما وقف السلطان إينال، والآخر وقف الجلشنى، وهما عامران إلى الآن بنظر الأوقاف.
стр. 417
دار محمود محرم
وبدرب المسمط أيضا دار محمود محرم صاحب الجامع المذكور، وهى دار كبيرة جعلت مدة مسافرخانة ميرية، ثم أعطيت للمدارس برسم أن تجعل مدرسة للبنات، ولم يحصل ذلك وهى الآن تابعة للأوقاف. وهناك ضريح يعرف بضريح الشيخ سليمان
درب الطبلاوى
درب الطبلاوى عن يسار المارّ بالشارع أيضا، وليس بنافذ.
جامع المرازقة
وعلى رأسه جامع المرازقة به منبر وخطبة، وبداخله ضريح الشيخ مرزوق الذى تنسب إليه المرازقة، وهى طائفة من أتباع السيد البدوى ﵁ ويقال إن أسماءهم دائرة بين محمد ومصطفى ومرزوق، وشعائره مقامة، ويتبعه سبيل معروف بسبيل سيدى مرزوق، وهو تحت نظر الشيخ محمد شمس الدين.
زاوية بدر الدين القرافى
وزاوية سيدى محمد بدر الدين القرافى لها منبر وخطبة، وشعائرها مقامة، ويتبعها سبيل.
وهذا وصف شارع المحكمة المذكور.
***
شارع قصر الشوك
عن يسار المارّ، ويتصل بشارع درب القزاز، وطوله مائة وتسعون مترا.
وبه حارات وعطف ودروب كهذا البيان:
حارة قصر الشوك
حارة قصر الشوك عن يسرة المارّ بشارع قصر الشوك، وبرأسها سبيل معروف بسبيل القهوجى، عامر بنظر الشيخ محمد التاجر المشهور بالقهوجى. ويفهم من كلام المقريزى فى درب راشد أنه هو الذى يسمى اليوم بحارة قصر الشوك. (أقول): وبداخلها الآن عطف ودروب كهذا البيان: عطفة الجمال عن يمين المارّ بها وغير نافذة، درب القصاصين عن يمين المارّ بها وليس بنافذ، عطفة البنان عن اليمين وليست نافذة، درب الكاشف عن اليمين أيضا وليس بنافذ.
стр. 418
وبها أيضا بيت الشيخ عبد الرحمن البحراوى الحنفى - أحد مدرسى الأزهر - وبيت السيد أحمد العفيفى ابن السيد عبد الباقى العفيفى ابن الشيخ عبد الوهاب العفيفى - شيخ طريقة العفيفية - الولى المشهور، المدفون بقرافة المجاورين بالقرب من مسجد قايتباى.
درب الفراخة
درب الفراخة عن يسار المارّ بشارع قصر الشوك وغير نافذ. (قلت): وهو من الدروب القديمة. ذكره المقريزى بعنوان درب نادر، وقال: هذا الدرب بجوار المدرسة الجمالية فيما بين درب راشد ودرب ملوخيا المسمى الآن بدرب القزازين.
ترجمة نادر
ونادر المنسوب إليه هذا الدرب هو سيف الدولة نادر أحد غلمان الخليفة العزيز بالله ابن المعز لدين الله توفى سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة .. (انتهى).
المدرسة القوصية
وكان بداخل هذا الدرب المدرسة القوصية المذكورة فى المدارس. أنشأها الأمير الكردى والى قوص كما فى المقريزى، وموصعها الآن زاوية تعرف بزاوية الشيخ عبد الرحيم وبزاوية درب الفراخة، وهى عامرة، وشعائرها مقامة.
المدرسة الجمالية
وأما المدرسة الجمالية المذكورة فهى واقعة بين حارة الفراخة وقصر الشوك بناها الوزير علاء الدين مغلطاى الجمالى سنة ثلاثين وسبعمائة، وجعلها مدرسة للحنفية وخانقاه للصوفية، وكان شأنها عظيما. وتعدّ من أجلّ مدارس القاهرة، وقد تلاشى أمرها لسوء ولاتها، وشعائرها معطلة لتخربها، وتعرف اليوم بزاوية الجمالى. وهذا ما يتعلق بدرب الفراخة قديما وحديثا.
درب الشيخ موسى مسجد الشيخ موسى
درب الشيخ موسى عن يمين المارّ من شارع قصر الشوك، وليس بنافذ، وبه مسجد صغير بداخله ضريح ولى يعرف بالشيخ موسى الذى سمى هذا الدرب باسمه، يعمل له حضرة كل يوم ثلاثاء، ويحضر فيها النساء اللاتى يزعمن أن بهن الداء المعروف بالزار،
стр. 419
وتضرب الدفوف فيرقصن ويغنين، بزعم أن ذلك يريحهن من أذى الجن، وهذا فعل قبيح وليس بصحيح، وقد عمت به البلوى فى عصرنا بهذا القطر المصرى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وهذا الدرب ذكره المقريزى وعبر عنه بدرب السلامى فقال: هو من جملة خط رحبة باب العيد، وفيه إلى اليوم أحد أبواب القصر المسمى بباب العيد، ويسلك من هذا الدرب إلى خط قصر الشوك، وإلى المارستان العتيق الصلاحى، وإلى دار الضرب وغير ذلك.
ترجمة مجد الدين السلاّمى
وعرف بمجد الدين السلامى إسماعيل بن محمد بن ياقوت الخواجا مجد الدين السلامى تاجر الخاص فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان يدخل إلى بلاد التتر ويتجر ويعود بالرقيق وغيره، واجتهد مع جوبان إلى أن اتفق الصلح بين الملك الناصر وبين القان أبى سعيد، فانتظم ذلك بسفارته وحسن سعيه، فازدادت وجهاته عند الملكين. وكان الملك الناصر يسفره ويقرر معه أمورا، فيتوجه ويقضيها على وفق مراده بزيادات، فأحبه وقربه، ورتب له الرواتب الوافرة فى كل يوم من الدراهم وغيرها. ولما مات الملك الناصر تغير عليه الأمير قوصون، وأخذ منه مبلغا يسيرا، وكان ذا عقل وافر، وفكر مصيب، وخبرة بأخلاق الملوك، وما يليق بخواطرها، ونطق سعيد، وخلق رضى وشكالة حسنة، وطلعة بهية. مات فى داره من درب السلامى هذا يوم الأربعاء سابع جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، ودفن بتربته خارج باب النصر، ومولده فى سنة إحدى وسبعين وستمائة بالسلامية بلدة من أعمال الموصل.
(وهى بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحت مشددة ثم تاء التأنيث).
(انتهى). وهذا وصف درب الشيخ موسى قديما وحديثا.
درب المقدم
درب المقدم عن يمين المارّ بشارع قصر الشوك، وليس بنافذ، وبرأسه سبيل معروف بسبيل حمزة أنشئ سنة أربع وتسعين وتسعمائة، وهو عامر إلى اليوم بنظر ديوان الأوقاف.
ويؤخذ من كلام المقريزى أن الطريق الذى كان فاصلا بين خزانة البنود وبين سور القصر هو درب المقدم هذا. (قلت): وبابه الآن كائن بين دار الأمير أحمد باشا رشيد التى هى موضع خزانة البنود وبين درب القزازين الصغير الذى هو موضع باب قصر الشوك - أحد أبواب القصر - وبداخله عدة بيوت.
стр. 420
بيت أحمد بيك صقر
وبالقرب من هذا الدرب بيت أحمد بيك صقر - باشكاتب عموم السكة الحديد، وهو بيت كبير فى غاية الإتقان والاتساع، وبه جنينة، وبيت إسماعيل أفندى حقى من التجار المشهورين، وبيت الفاضل الشيخ عبد الرحمن القطب النواوى - قاضى طنتدا الآن.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع قصر الشوك وما به من الدروب والعطف والحارات.
مطلب تتميم الكلام على شارع المحكمة
ولنرجع إلى تتميم الكلام على شارع المحكمة فنقول:
عطفة المورلى عن يسار المارّ بشارع المحكمة، وليست نافذة.
عطفة أحمد باشا طاهر عن اليسار أيضا، وغير نافذة، عرفت بالأمير أحمد باشا طاهر، لأن منزله بها، وهو كبير جدا.
زاوية الواطى
وبها زاوية سيدى أحمد الواطى، وهى صغيرة معدة لإقامة المجاورين الذين يأتون من ناحية الواط (منوفية)، وبداخلها سبيل، والناظر عليها الشيخ محمد الواطى من ذرية سيدى أحمد الواطى المذكور.
عطفة القفاصين عن يمين المارّ من شارع المحكمة واقعة بين جامع يوسف جمال الدين وبين جامع الست الحجازية، وهى غير نافذة.
عطفة الأفندى عن يمين المارّ بالشارع المذكور بجوار باب المحكمة الكبرى، وهى متصلة بحارة الصالحية.
حمّام الأفندى
وبداخلها حمّام تعرف بحمام الأفندى، وهو قديم عبر عنه المقريزى بحمام القاضى، فقال هو من جملة خط درب الأسوانى، وكانت تعرف بإنشاء شهاب الدولة بدر الخاص - أحد رجال الدولة الفاطمية، ثم انتقلت إلى ملك القاضى السعيد أبى المعالى هبة الله بن فارس، وصارت بعده إلى ملك القاضى كمال الدين أبى حامد محمد ابن قاضى القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس المارانى، فعرفت بحمام القاضى إلى اليوم. (انتهى). وذكر ابن أبى السرور البكرى فى خططه أنها إلى الآن - يعنى فى زمنه - تعرف بحمام الأفندى لمجاورتها
стр. 421
لبيته. (انتهى). (قلت): واستمر لها هذا الاسم إلى وقتنا هذا، وهى عامرة يدخلها الرجال والنساء.
ويظهر مما تقدم عن المقريزى أن عطفة الأفندى هى من ضمن درب الأسوانى الذى ذكره حيث قال: إنه ينسب إلى القاضى أبى محمد الحسن بن هبة الله الأسوانى المعروف بابن عتاب.
(انتهى ملخصا).
قصر الزمرد
وكان بأول شارع المحكمة قصر يعرف بقصر الزمرد، وهو من قصور الخلفاء الفاطميين.
قال المقريزى: قيل له قصر الزمرد، لأنه كان بجوار باب الزمرد - أحد أبواب القصر الغربى، فلما زالت الدولة الفاطمية صار من جملة ما صار بيد ملوك بنى أيوب، واختلفت عليه الأيدى إلى أن اشتراه الأمير بدر الدين مسعود بن خطير الحاجب من أولاد ملوك بنى أيوب.
واستمر بيده إلى أن رسم بتسفيره من مصر إلى مدينة غزة، واستقر نائب السلطنة بها سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وكاتب الأمير سيف الدين قوصون عليه وملّكه إياه، فشرع فى عمارة سبع قاعات، لكل قاعة إصطبل ومنافع ومرافق، وكانت مساحة ذلك عشرة أفدنة، فمات قوصون قبل أن يتم بناء ما أراده من ذلك.
فصار يعرف بقصر قوصون إلى أن اشترته خوند تتر الحجازية ابنة الملك الناصر محمد ابن قلاوون وزوج الأمير بكتمر الحجازى، فعمّرته عمارة ملوكية، وتأنقت فيه تأنقا زائدا، وأجرت الماء إلى أعلاه وعملت تحت القصر إصطبلا كبيرا لخيول خدامها، وساحة كبيرة يشرف عليها من شبابيك حديد، فجاء شيئا عجيبا حسنه. وأنشأت بجواره مدرستها التى تعرف إلى اليوم بالمدرسة الحجازية، وجعلت هذا القصر من جملة ما هو موقوف عليها.
فلما ماتت سكنه الأمراء بالأجرة إلى أن عمر الأمير جمال الدين يوسف الأستادار داره المجاورة للمدرسة السابقة، وتولى أستادارية الملك الناصر فرج صار يجلس برحبة هذا القصر والمقعد الذى كان بها، وعمل القصر سجنا يحبس فيه من يعاقبه من الوزراء والأعيان، فصار موحشا يروع النفوس ذكره لما قتل فيه من الناس خنقا وتحت العقوبة من بعد ما قام دهرا وهو مغنى صابات، وملعب أتراب، وموطن أفراح، ودار عز، ومنزل لهو، ومحل أمانى النفوس ولذاتها، ثم لما فحش كلب جمال الدين وشنع شرهه فى اغتصاب الأوقاف أخذ هذا القصر يتشعث شئ من زخارفه، وحكم له قاضى القضاة جمال الدين عمر بن العديم الحنفى باستبداله، فقلع رخامه، فلما قتل صار معطلا مدة، وهم الملك الناصر فرج ببنائه
стр. 422
رباطا ثم انثنى عزمه عن ذلك، فلما عزم على المسير إلى محاربة الأمير شيخ والأمير نوروز فى سنة أربع عشرة وثمانمائة نزل إليه الوزير الصاحب سعد الدين إبراهيم بن البشيرى، وقلع شبابيكه لتعمل آلات حرب. وهو الآن بغير رخام ولا شبابيك، قائم على أصوله، لا يكاد ينتفع به، إلا أن الأمير المشير بدر الدين حسن بن محمد الأستادار لما سكن فى بيت الأمير جمال الدين جعل ساحة هذا القصر إصطبلا لخيوله، وصار يحبس فى هذا القصر من يصادره أحيانا. وفى سنة عشرين وثمانمائة شرع فى عمل هذا القصر سجنا، وأزيل كثير من معالمه، ثم ترك على ما بقى فيه ولم يتخذ سجنا. (اه. ملخصا).
المدرسة الحجازية
وأما المدرسة الحجازية فهى الجامع الموجود إلى الآن بهذا الاسم فى أول الشارع عن يمين السالك من الشارع إلى المحكمة، أنشأتها الست خوند تتر الحجازية - المتقدم ذكرها - سنة إحدى وستين وسبعمائة، وبها قبرها. وكانت أول أمرها مدرسة، ثم ترك منها التدريس، وبقيت لمجرد الصلاة. شعائرها مقامة للآن.
وكان القصر بجوارها، وكانت مساحته عشرة أفدنة بفدان ذاك الوقت - وقدره خمسة آلاف وتسعمائة وخمسة وعشرون مترا مربعا - فتكون مساحة هذا القصر تسعة وخمسين ألف متر ومائتين وخمسين مترا، وذلك يستوجب أن القصر كان ممتدا إلى بيت القاضى الآن، وأن جميع الأماكن التى عن يمنة السالك إلى بيت القاضى وكذا عطفة القفاصين التى هناك بما فيها من البيوت وغيرها كان داخلا فى هذه المساحة. وعند فتح شارع المحكمة الجديد الآتى من شارع النحاسين وهدم الأماكن التى كانت هناك ظهر من آثار هذا القصر سور كبير مبنى بأحجار ضخمة، عبارة عن حائطين سمك الواحدة أربعة أمتار وبينهما فضاء مشغول بقناطر تربط الحائطين بسعة أربعة أمتار أيضا، فكان السّمك جميعه عبارة عن اثنى عشر مترا.
وقد أخذ من هذه الأحجار فى بناء القراقول المستجد بجوار المشهد الزينبى، وفى عمارة مجلس الأحكام الذى بجوار بيت القاضى، وبقى إلى الآن جملة من هذه الأحجار.
هذا وصف شارع المحكمة بما فيه من العطف والدروب والحارات وغير ذلك قديما وحديثا.
стр. 423
القسم الثالث: شارع سيدنا الحسين
أوله من مسجد المشهد الحسينى من الجهة البحرية، وآخره شارع السكة الجديدة من عند التقاطع.
الجامع الحسينى
عرف بذلك لأن به ضريح الإمام الحسين ﵁ داخل جامعه المعروف به، وهو جامع كبير عامر شهير أنشئ حيث مشهد الإمام الحسين بن على بن أبى طالب ﵁ أنشأه له الفاطميون سنة تسع وأربعين وخمسمائة على يد الصالح طلائع بن رزيك فى خلافة الفائز بنصر الله، وقد بسطنا الكلام عليه عند الكلام على جوامع القاهرة من كتابنا هذا، ولكن نذكر لك نبذة صغيرة مما ذكرناه هناك فنقول:
هذا المسجد هو الحرم المصرى والمشهد الحسينى المنفرد بالمزايا السنية والأنوار الحسينية، اعتنى الأكابر والأمراء فى كل عصر بعمارته وزخرفته وإعلاء شأنه وفرشه بالفرش النفيسة وتنويره بالشموع والزيوت الطيبة فى قناديل البلور ونجفاته، ورتبوا له فوق الكفاية من الأئمة والمؤذنين والبوابين ونحوهم وقرّاء لقراءة القرآن والدلائل والتوسلات، ووقفوا عليه أوقافا جمّة يبلغ إيرادها الآن نحو الألف جنيه فى السنة. وآخر من عمرّه قبل عمارة الخديو إسماعيل هذه الأمير عبد الرحمن كتخدا، فإنه فى سنة خمس وسبعين ومائة وألف أجرى فيه عمارة عظيمة وزاد فى تحسينه ورونقته.
مطلب تجديد الجامع الحسينى وتاريخ بنائه
ولما أخذ الخديو إسماعيل بزمام ولاية مصر سنة تسع وسبعين ومائتين وألف أمر بتجديده وتوسعته، وندبنى لعمل رسم يكون وافيا بمقصوده، فبذلت الهمة فى ذلك، وعملت له رسما لائقا، وجعلت شكله قائم الزوايا، وجعلت حده القبلى هو استقامة الحد البحرى للقبة، وحده البحرى هو الحد البحرى للصحن الذى به الحنفية اليوم، ويصير هذا الصحن من
стр. 424
ضمن الجامع وحده الذى به المحراب، والمنبر يكون بحذاء جدار القبة الذى به محرابها، والحد الرابع الذى يلى خان الخليلى هو الذى له الآن، وجعلت الصحن والحنفية فى جهته القبلية، أعنى فى محل الإيوان القديم بجوار عمارة العنانى، ويكون قبلى ذلك المطهرة والمراحيض بحيث يؤخذ لها بعض من عمارة العنانى، حتى يكون الجامع آمنا من انعكاس روائح الأخلية عليه. وعلى هذا الرسم صار الضريح الشريف خارجا عن الجامع متصلا بالصحن، وجعلت للضريح بابا إلى الجامع وبابا إلى الصحن، وبابا إلى شارع الباب الأخضر، وجعلت سعة الشارع فى غربيه وشرقيه نحو ثلاثين مترا وفى بحريه نحو أربعين مترا.
فلما قدمته إليه وقع عنده موقع الاستحسان، وفى الحال أحضر الأمير راتب باشا الكبير - وهو يومئذ ناظر الأوقاف المصرية - وأمره بإجراء العمارة على هذا الرسم، ثم شرعوا فى هدمه، فهدم جميعه ما عدا القبة والضريح، وشرعوا فى بنائه وذلك فى خامس عشرى المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف. وفى ثمان وعشرين من شهر شعبان سنة تسعين تم جميعه إلا المئذنة فتمت سنة خمس وتسعين، وبلغ المنصرف على البناء فقط نحو سبعين ألف جنيه مصريا، وهو مبلغ جسيم كان يكفى لجعل هذه العمارة أحسن عمارة من عمارات القاهرة.
ومع كل ذلك لم يجر المرحوم راتب باشا فى وضع هذا الجامع على ما رسمناه زاعما أن هذا الرسم يلزمه خروج بعض الجامع إلى الشارع مع أنه لا يلزم ذلك عند التأمل فى الرسم، وصار هذا الجامع - مع سعته وارتفاعه وكثرة مصروفه - غير مستوف لحقه من الانتظام والتماثل والنور والهواء لسوء رسمه ورسم الأبواب والشبابيك وعدم أخذها حقها من الارتفاع والاتساع مع قلتها وقلة الملاقف.
ومن العجيب أن منحنيات قواصر الأساطين جاءت على شكل مخالف لأشكال المنحنيات الهندسية إلى غير ذلك من الأسقام. ثم إن جميع بناء هذا الجامع بالحجر النحيت، وله إلى جهة خان الخليلى ثلاثة أبواب، وباب إلى عمارة العنانى غير مستعمل الآن، والباب الأخضر، وباب بين المطهرة والساقية، وله منبر بديع الصنعة، ومنارتان إحداهما بجوار القبة وهى قديمة، والأخرى فى جهته القبلية جددت مع الجامع. ودخل فى هذه العمارة عدة بيوت كانت حول الجامع من جهته الشرقية والبحرية؛ منها بيت للسادات - محله الآن الصحن والحنفية - والباقى منه ما هو وقف ومنه ما هو مملوك لأربابه، وقد اشتراه ديوان الأوقاف، ودفع ثمنه من خزينته، ثم هدم الجميع، وجعل فى بعض مساحته الميضأة والمراحيض والمصانع، والبعض الآخر جعل طرقة للمرور من الجهة الشرقية والبحرية.
стр. 425
وكان بالجامع القديم مقبرة تعرف بمقبرة القضاة، فلما هدم الجامع جمعت عظام من فيها، وبنى لها تربة تحت إيوان الحنفية الذى به القبلة ودفنت هناك.
ترجمة على بيك الحسينى
(قلت): وممن دفن فى هذه المقبرة - كما ذكره الجبرتى - الأمير على بيك الحسينى.
كان من مماليك حسن بيك الجداوى قلده الإمارة فى أيام حسن باشا الوزير، وتزوج بزوجة مصطفى بيك الداوودية المعروف بالإسكندرانى، وبقى فى إمارته إلى أن مات بالطاعون فى شهر رجب سنة تسع وتسعين ومائة وألف ودفن بهذه المقبرة. (اه).
القبة الشريفة
وأما القبة الشريفة فهى قائمة على أصولها لم يتغير فيها شئ، وبداخلها الضريح الشريف عليه مقصورة من النحاس الأصفر، بابها منها، ويعلوها قبة صغيرة من الخشب. وعلى الضريح تابوت مكسو بالاستبرق الأحمر المزركش بالمخيش الأصفر، وعليه عمامة من الديباج الأخضر عليها كشمير فرمش. ولهذه القبة ثلاثة أبواب؛ باب إلى جهة الباب الأخضر، وبابان إلى الجامع، بينهما شباكان من النحاس.
وذكر الجبرتى فى ترجمة الأمير حسن كتخدا عزبان الجلفى أن هذا الأمير وسع هذا الجامع وصنع للمقام الشريف تابوتا من الآبنوس مطعما بالصدف، مضببا بالفضة، وجعل عليه سترا من الحرير المزركش بالمخيش. ولما تمموا صناعته عملوا له موكبا، وساروا به حتى وصلوا المشهد، ووضعوه على المقام. وكان أميرا جليلا صاحب بر وإحسان. توفى يوم الأربعاء تاسع شوال سنة أربع وعشرين ومائة وألف ببيته الكائن بحارة برجوان الموجود إلى الآن تحت نظر حليمة السمراء من عتقائه. (اه).
(قلت): ويعمل بهذا المشهد مقرأة كل ليلة ثلاثاء، ومولد فى ربيع الثانى من كل عام يستغرق أكثر الشهر. ولم يزل هذا المشهد من لدن إنشائه عامرا مبجلا محتفلا به إلى ما شاء الله تعالى، كيف وهو مشهد من لولا جده لم تخلق الدنيا من العدم.
(تنبيه): ينبغى زيارة هذا المشهد الجليل فإن صاحبه باب تفريج الكروب، وبه تزول الخطوب، وبالجملة فكتب التواريخ مشحونة بقصة هذا المشهد العظيم، وقد ترجمناه فى جامعه عند الكلام على الجوامع من هذا الكتاب.
عطفة الميضأة
وفى بحرى هذا الجامع عطفة الميضأة يسلك منها إلى عطفة الباب الأخضر.