← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأمراء على إقامة الأشرف مظفر الدين موسى من ذرية الأيوبية شريكا له فى السلطنة، فأقاموه معه وعمره نحو ست سنين، وصارت المراسيم تبرز عن الملكين، إلا أن الأمر والنهى للمعز، وليس للأشرف سوى مجرد الاسم، إلى أن قبض عليه المعز، وسجنه سنة خمسين وستمائة، وقطع اسمه من الخطبة، وانفرد بالسلطنة. مطلب أول من تولى الوزارة من الأقباط واتخذ شرف الدين أبا سعيد هبة الله بن صاعد الفائزى وزيرا، وهو أول قبطى ولى الوزارة فى دار مصر، فأحدث مكوسا سماها الحقوق السلطانية، فحصل للناس منه ما لا خير فيه، وقامت عرب الصعيد، فوجّه إليهم الملك المعز عساكره فأفناهم، ثم لم يحزم أمره، وعتا وظلم، فتركه أغلب الأتراك. ومن أول جلوسه على التخت أمر بتخريب قلعة الروضة، فخرّبت، وعمّر مدرسته التى كانت معروفة بالمعزية، فى رحبة الحناء بمدينة مصر بمحل منازل العز، وتقدم ذكرها. وخرب ميدان القلعة سنة إحدى وخمسين وستمائة، وهو من بقايا ميدان أحمد بن طولون، وكان قد هجر إلى أن بناه الملك الكامل محمد بن العادل بن أبى بكر بن أيوب فى سنة أحدى عشرة وستمائة، وأجرى إليه الماء، ثم تعطّل مدة، وعمّره ابنه الملك العادل أبو بكر محمد ابن الكامل محمد، وبعده اهتم به الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، وجدّد له ساقية أخرى، وأنشأ حوله الأشجار، ثم تلاشى إلى أن هدمه الملك المعز أيبك، وقال له منجمه مرة: إن امرأة تكون سببا فى قتلك، فأمر أن تخرّب الدور والحوانيت من عند قلعة الجبل بالتبانة إلى باب زويلة وإلى باب الخرق وإلى باب اللوق، أعنى عند جامع الطباخ إلى الميدان الصالحى، وأمر أن لا يترك باب مفتوح بالأماكن التى يمر بها يوم ركوبه إلى الميدان، ولا تفتح أيضا طاقة. وهذا يدل على أن الدرب الأحمر والمحجر، من باب زويلة إلى باب اللوق كان عامرا فى وقت الأيوبية، بل ربما كان ذلك فى آخر دولة الفاطميين، لأن حارة اليانسية منسوبة إلى يانس - أحد وزراء الفاطميين. ثم اتفق أن وقع لهذا الملك ما أخبره به منجمه، وذلك أنه قتلته زوجته شجرة الدر فى سنة خمس وخمسين وستمائة، وكانت مدته نحو سبع سنين، وكان ظلوما غشوما، سفاكا للدماء، أفنى خلقا كثيرا.

стр. 72

تولية الملك المنصور بن المعز أيبك وولى الملك بعده ابنه السلطان الملك المنصور نور الدين على بن المعز أيبك وعمره خمس عشرة سنة ودبّر أمره نائب أبيه الأمير سيف الدين قطز ثم خلعه بعد سنتين، واستقل بالسلطنة ولقّب بالملك المظفر فأخرج المنصور بن المعز منفيا هو وأمه إلى بلاد الأشكرى وقبض على عدة من الأمراء، وسار إلى محاربة التتار فأوقع بمجموع هولاكو على عين جالوت سنة ثمان وخمسين وستمائة وقتل منهم وأسر كثيرا بعد أن كانوا قد ملكوا بغداد وقتلوا الخليفة المستعصم بالله عبد الله، وأزالوا دولة بنى العباس وخربوا بغداد وديار بكر وحلب، ونازلوا دمشق فملكوها، فكانت هذه الواقعة أول هزيمة عرفت للتتار منذ قاموا. ودخل المظفر قطز إلى دمشق، وعاد منها يريد مصر فقتله الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى الصالحى بمنزلة الصالحية من مديرية الشرقية، وقام مقامه فى السلطنة وكانت مدة المظفر سنة إلا أياما. *** تولية الظاهر بيبرس البندقدارى وكان الملك الظاهر بيبرس البندقدارى من المماليك البحرية، فلما صارت مملكة مصر إليه فى سنة ثمان وخمسين وستمائة، كان أول ما بدأ به أن أبطل ما كان قطز أحدثه من المظالم عند سفره، وهو تصقيع الأملاك وتقويمها، وأخذ زكاة ثمنها فى كل سنة، وجباية دينار من كل إنسان. وأخذ ثلث الزكاة الأهلية. وكتب الظاهر بإبطال ذلك مسموحا. وفى سنة تسع وخمسين وستمائة وصل إليه الإمام أبو العباس أحمد بن الخليفة الظاهر العباسى من بغداد. فتلقاه فى عساكره، وبالغ فى إكرامه، وأنزله بالقلعة، وانعقدت البيعة له بمحضر العلماء والأمراء، ولقّب بالإمام المستنصر، وكتب الظاهر إلى الأطراف بأخذ البيعة له، وإقامة الخطبة باسمه على المنابر، ونقشت السكة فى ديار مصر باسمه واسم الملك الظاهر. وبالمستنصر هذا ابتدئت الخلافة العباسية بمصر من ذلك الحين، وتوالى الخلفاء من بعده إلى أن انتهت خلافتهم فى مدة الغورى حين التحاق مصر بالدولة العثمانية. واهتم بيبرس بعمارة قلعة الروضة، فأعادها كما كانت، ورتّب فيها الحمدارية، وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة، ورسم بأن تكون بيوتات جميع الأمراء واصطبلاتهم فيها، فكثرت فيها المبانى، وزادت بها العمارة، لكثرة ركوبه بحر النيل. واعتنائه بعمارة الشوانى

стр. 73

الحربية ولعبها فى البحر، فصار للأسطول فى أيامه شأن عظيم، كما كان فى أحسن أيام الدولة الفاطمية، وأيام الصالح نجم الدين، ثم تلاشى أمر الأسطول من بعده لقلة الالتفات إليه والعناية به. واتخذ بيبرس الموضع الكائن خارج القاهرة من شرقيّها، وهو الذى به الآن قرافة المجاورين وقايتباى، ميدانا لرمى النشاب، وكان يقال له الميدان الأسود، والميدان الأخضر، وميدان العيد، وميدان السباق، وميدان القبق، وبنى به فى المحرم سنة ست وستين وستمائة مصطبة عند ما احتفل برمى النشاب وأمور الحرب، وحثّ الناس على لعب الرمح ورمى النشاب ونحو ذلك. وصار ينزل كل يوم إلى هذه المصطبة، فلا يركب منها إلى العشاء، وهو يرمى ويحرض الناس على الرمى والنضال والرهان. وقد أطال المقريزى فى ذكر ما كان يعمل فى هذا الميدان. واستمر هذا الميدان فضاء إلى أن تولى السلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون، فترك النزول فيه، وبنيت فيه القبور شيئا بعد شئ، حتى انسدت طريقه، واتصلت المبانى من ميدان القبق إلى تربة الروضة خارج باب البرقية، وبطل السباق منه ورمى القبق فيه من آخر أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون. وفى زمن المقريزى كان فيه بعض عمد الرخام قائمة تعرف بين الناس بعواميد السباق، بين كل عمودين مسافة بعيدة، وما برحت قائمة هناك إلى ما بعد سنة ثمانين وسبعمائة، فهدمت عند ما عمّر الأمير يونس الدوادار الظاهرى تربته تجاه قبة النصر، ثم عمّر أيضا الأمير قجماس ابن عم الملك الظاهر برقوق تربة هنالك، وتتابع الناس فى البنيان إلى أن صار كما هو الآن. ولما انحسر ماء النيل عن ميدان الملك الصالح نجم الدين أيوب جعل الملك الظاهر ميدانه بطرف اللوق تجاه قنطرة قدادار، ومحله الآن الأرض المواجهة لقصر النيل من الشرق إلى شارع مصر العتيقة. وما زال يلعب فيه بالكرة إلى زمن الناصر محمد بن قلاوون، فجعل بستانا من أجل بعد البحر عنه، وأرسل إلى دمشق فحمل إليه من سائر أصناف الشجر، وأحضر معها خولة الشام والمطعّمين، فغرسوها فيه وطعّموها. قال المقريزى: ومنه تعلم الناس بمصر تطعيم الأشجار. والحق أن تطعيم الأشجار كان معروفا بمصر من قبل ذلك بأزمان طويلة، فقد نقل المقريزى نفسه فى الكلام على خمارويه ابن أحمد بن طولون أنه أخذ الميدان الذى كان لأبيه، فجعله كله بستانا، وغرس فيه أنواع الأشجار والرياحين البديعة، وكان فيه ريحان مزروع على نقوش معمولة وكتابات مكتوبة يتعاهدها البستانى بالمقراض، حتى لا تزيد ورقة على ورقة، إلى أن قال: «وأهدى إليه

стр. 74

من خراسان وغيرها كل أصل عجيب، وطعّموا له شجر المشمش باللوز، وأشباه ذلك من كل ما يستظرف ويستحسن» (انتهى). فعلم من هذا أن التطعيم موجود بمصر من ذاك العهد، وربما كان من قبل ذلك. وبنى الظاهر بيبرس أيضا القصر المعروف بالدار الجديدة، وكان يشرف على الرميلة. وبنى بالقلعة دارا كبيرة لولده الملك السعيد، وأنشأ دورا كثيرة للأمراء بظاهر القاهرة مما يلى القلعة، واصطبلات، وأنشأ حماما بسوق الخيل لولده، وقد هدم، ومحله القره قول وبعض عمارة والدة الخديو إسماعيل باشا بجهة ميدان محمد على. وجدد الجامع الأقمر، والجامع الأزهر، وزاوية الشيخ خضر، وعدة جوامع بالأعمال المصرية، وجسورا وقناطر كثيرة، منها قنطرة السباع عند السيدة زينب ﵂. وبنى أيضا دار العدل تحت القلعة فى سنة إحدى وستين وستمائة، وصار يجلس بها لعرض العساكر يومى الإثنين والخميس. وما برحت دار العدل هذه باقية، إلى أن استجد السلطان الملك المنصور قلاوون الإيوان فهجرت دار العدل إلى أن كانت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فهدمها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وعمل موضعها الطبلخانة - كان محلها فى شارع الدحديرة. واتفق أن غلت الأسعار بمصر مدة فى أيام الملك الظاهر حتى بلغ الإردب القمح نحو مائة درهم، وعدم الخبز، فنادى السلطان فى الفقراء أن يجتمعوا تحت القلعة، ونزل فى يوم الخميس سابع ربيع الآخر منها، وجلس بدار العدل هذه، ونظر فى أمر السعر، وأبطل التسعيرة، وكتب مرسوما إلى الأمراء ببيع خمسمائة إردب فى كل يوم، وأن يكون البيع للضعفاء والأرامل فقط دون من عداهم. وأمر الحجاب، فنزلوا تحت القلعة وكتبوا أسماء الفقراء الذين تجمعوا بالرميلة، وبعث إلى كل جهة من جهات القاهرة ومصر وضواحيهما حاجبا ليكتب أسماء الفقراء، وقال: «والله لو كان عندى غلة تكفى هؤلاء لفرقتها». ولما انتهى إحصاء الفقراء أخذ منهم لنفسه ألوفا، وجعل باسم ابنه الملك السعيد ألوفا، وأمر ديوان الجيش فوزع باقيهم، على كل أمير جملة من الفقراء بعدّة رجاله، ثم فرق ما بقى على الأجناد والمقدمين والبحرية، وقرر لكل واحد من الفقراء كفايته لمدة ثلاثة أشهر، وفرّق على الأكابر والتجار، وعيّن لأرباب الزوايا مائة إردب قمح فى كل يوم تخرج من الشّون السلطانية إلى جامع أحمد بن طولون لتفرّق على من هناك .. إلى آخر ما قال. وفى سنة اثنتين وستين وستمائة أركب ابنه السعيد بركة خان بشعار السلطنة، ومشى قدّامه، وشقّ القاهرة، والكل مشاة بين يديه، من باب النصر إلى قلعة الجبل وزيّنت البلد.

стр. 75

وفى هذه السنة ختنه ومعه ألف وستمائة وخمسة وأربعون صبيا من أولاد الناس، سوى أولاد الأمراء والأجناد، وأمر لكل صغير منهم بكسوة على قدره، ومائتى درهم، ورأس من الغنم. وفى سنة خمس وستين وستمائة أعاد الخطبة إلى الأزهر، كما تقدم فى الكلام على السلطان صلاح الدين، وشدّد فى منع المفاسد، وإبطال المنكرات، فرسم بإبطال ضمان الحشيش، وإراقة الخمور، وإبطال المفسدات والخواطئ من البلاد المصرية والشامية، وحبسن حتى يتزوجن، وأسقطت الضرائب التى كانت مرتبة عليهن، وكانت ألف دينار كل يوم فى القاهرة وحدها. وكتب بذلك توقيعا قرئ على منابر مصر والقاهرة، وسارت البرد بذلك إلى الآفاق وجعل حد السّكر السيف. وفى سنة ست وستين وستمائة قرر الظاهر بمصر أربعة قضاة وهم: شافعى، ومالكى، وحنفى، وحنبلى. وكان القاضى قبل ذلك شافعيا، فسئل فى أمر فامتنع من الدخول فيه، فنشأ عن ذلك ما ذكر. ولما حجّ سنة سبع وستين وستمائة، وزار ضريح النبى ﷺ ، أحسن إلى أهل الحرمين، وتكرّم وتفضّل على الناس، وغسل الكعبة بماء الورد بيده، وتوجه إلى الخليل ﵊، وزار ضريح الخليل إبراهيم ﵊، وسار إلى بيت المقدس، وصلى فى المسجد الأقصى، ورجع إلى دمشق، وأراق جميع الخمور. فكان رحمه الله تعالى - مع اشتغاله بالجهاد ومباشرته للحروب بنفسه وتوزيع أوقاته فى ذلك - لا يفتر عن إقامة شعائر الدين، وإبطال المنكرات. [سكنى التتر فى اللوق] وأول ما بنيت الدور للسكنى فى اللوق فى أيام ملكه، وذلك أنه جهّز كشافا من خواصه مع الأمير جمال الدين الرومى السلاحدار، والأمير علاء الدين آق سنقر الناصرى، ليعرف أخبار هولاكو، ومعهم عدة من العرب، فوجدوا بالشام طائفة من التتر مستأمنين، وقد عزموا على قصد السلطان بمصر، فلما وردت الأخبار بذلك إلى مصر، كتب السلطان إلى نواب الشام بإكرامهم، وتجهيز الإقامات لهم، وبعث إليهم بالخلع والإنعامات، وأمر بعمارة دور فى أرض اللوق لإنزالهم فيها، فوصلوا إلى ظاهر القاهرة، وهم ينيفون على ألف فارس بنسائهم وأولادهم فى يوم الخميس الرابع والعشرين من ذى الحجة سنة ستين وستمائة، فخرج السلطان يوم السبت السادس والعشرين منه إلى لقائهم بنفسه، ومعه العساكر، فلم يبق أحد

стр. 76

حتى خرج لمشاهدتهم، فاجتمع عالم عظيم، وكان يوما مشهودا، فأنزلهم السلطان فى الدور التى كان قد أمر بعمارتها من أجلهم، وعمل لهم دعوة عظيمة هناك، وحملت إليهم الخلع والخيول والأموال، وركب السلطان إلى الميدان وأركبهم معه للعب الكرة، وأعطى كبراءهم إمرات، فمنهم من عمله أمير مائة، ومنهم دون ذلك. وأنزل بقيتهم منزلة البحرية، وصار كل منهم من سعة الحال كالأمير، فى خدمته الأجناد والغلمان، وأفرد لهم عدة جهات برسم مرتبهم، وكثرت نعمهم، وتظاهروا بدين الإسلام. فلما بلغ التتار ما فعله السلطان مع هؤلاء وفد عليه منهم جماعة بعد جماعة، وهو يقابلهم بمزيد الإحسان، فتكاثروا فى بلاد مصر، وتزايدت العمائر فى اللوق وما حوله. ولما قدمت رسل القان بركة خان ابن عم هولاكو سنة إحدى وستين وستمائة أنزلهم السلطان الملك الظاهر باللوق، وعمل لهم مهما عظيما، وصار يركب كل سبت وثلاثاء للعب الكرة باللوق. وفى هذه السنة قدم من المغل والبهادرية زيادة على ألف وثلثمائة فارس، فأنزلوا فى مساكن عمّرت لهم باللوق بأهاليهم وأولادهم. وفى هذه السنة أيضا قدمت رسل الملك بركة خان، ورسل الأشكرى، فعملت لهم دعوة عظيمة باللوق. فمن هذا يعلم أن جهة اللوق نشأت فيها العمارة فى زمنه على نفقته، واتسعت بمدته. وفى أيامه عمرت منشأة المهرانى سنة إحدى وسبعين وستمائة، وحدثت فيها المساجد والدور، بعد أن كان يعمل فيها قمائن الطوب، والتلال التى نشاهدها عند قنطرة السد المعروفة بقنطرة الماوردة التى يتوصل منها إلى قصر العينى هى آثار تلك المبانى. وفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة كثرت العمارة فى جهة دير الطين، وبنى الصاحب تاج الدين - متولى ديوان الأحباس ووزارة الصحبة للسلطان الملك الظاهر - جامع الأثر الموجود إلى الآن. وقد تجدد فى أيامه سوى ما ذكر كثير من المبانى فى داخل القاهرة وخارجها، فإنه كان يستكثر من العمارة ويرغب فيها، كما تدل عليه الآثار الباقية من أيامه فى كل جهة. فمن آثاره الخيرية المدرسة الظاهرية بين القصرين، والجامع الكائن خارج مصر من جهتها البحرية فى طريق العباسية الذى كان يعرف بمخبز الظاهر، وكان محل هذا الجامع قبل ذلك ميدانا

стр. 77

لقراقوش الأسدى فى الدولة الأيوبية، ثم استعمله الظاهر مدة من الزمن ميدانا للعب الكرة والرمى، إلى أن بدا له بناء هذا الجامع، فبناه فيه، وأوقف عليه باقى أرض الميدان مع أوقاف أخرى. أول حدوث موكب المحمل والكسوة بمصر وفى أيامه طيف بالمحمل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة. وهو أول من فعل ذلك فى سنة خمس وسبعين وستمائة. وفى أول سنة ست وسبعين وستمائة توفى بدمشق بالإسهال والحمى، وعمره نحو سبع وخمسين سنة، ومدة ملكه سبع عشرة سنة وشهران، وكان ملكا جليلا عسوفا عجولا، كثير المصادرات لرعيته ودواوينه، سريع الحركة، فارسا مقداما، موصوفا بالعزم والحزم. قال الذهبى: كان الظاهر خليقا بالملك لولا ما كان فيه من المظالم، قال: «والله يرحمه ويغفر له، فان له أياما بيضاء فى الإسلام، ومواقف مشهودة، وفتوحات معدودة» (انتهى). وكانت فتوحاته كثيرة، ولم تنقطع الحروب بينه وبين ملوك النصارى بالشام، حتى استولى على ما فى أيديهم من البلاد والقلاع. *** جلوس السلطان ناصر الدين بركة خان وأخيه الملك العادل سلامش على سرير الملك وخلف الظاهر بيبرس على تخت المملكة ابنه الملك السعيد ناصر الدين أبو المعالى محمد بركة خان سنة ست وسبعين وستمائة، فلم تطل مدته، وخامر عليه قوصون، واتحد مع الأمراء، فخلعوه سنة ثمان وسبعين وستمائة، وأقيم بعده أخوه الملك العادل بدر الدين سلامش بن الظاهر بيبرس وعمره سبع سنين، فلم يقم غير أشهر، وخلع، وبعث به إلى الكرك، فسجن مع أخيه. *** تولية الملك المنصور قلاوون ثم أقيم من بعده على تخت ملك مصر المنصور سيف الدين قلاوون الألفى العلائى. أصله من مماليك الصالح نجم الدين، ولذلك عرف بالصالحى النجمى، وكان شهما بطلا منصورا

стр. 78

فى حروبه، وله محاربات ووقائع كثيرة مع التتار وغيرهم، انتصر فيها، فعظمت هيبته، وامتدت شوكته، فافتتح بعض البلاد، وهادنه بعض الملوك، وهاداه بعضهم، وقرر على صاحب سيس كل سنة قطيعة من أضياف ودراهم تبلغ مقدار ألف ألف درهم، حتى قال بعضهم إذ ذاك: «لو فتحت سيس ما فضل بعد مصروفها مقدار ما وقع عليه الهدنة». وهاداه بعض الملوك - مثل ملك سيلان. وغزا بلاد النوبة سنة سبع وثمانين وستمائة، وكان له فيها فتوح عظيمة، وعاد منها بغنائم عظيمة. وفى أيامه حدثت عمارات كثيرة وكان له آثار فاخرة، منها المدرسة والقبة المنصورية، والمارستان. وقد دخل فى عمارة هذه المبانى كثير من أعمدة قلعة الروضة ورخامها كما يأتى ذكره فى الكلام على المدرسة المنصورية. وفى أيام ملكه أكثر من شراء المماليك الجركسية، وجعلهم فى أبراج القلعة، وسمّاهم البرجية، فبلغت عدتهم ستة آلاف، وعمل منهم أوجاقية، وحمقدارية، وجاشنكيرية، وسلاحدارية، وأحدث تغييرا فى ملابس العسكر، واستجدّ طائفة سماها البحرية، وسببه أن البحرية الصالحية كانوا تشتتوا بعد قتل الفارس أقطاى فى أيام سلطنة المعز أيبك التركمانى، وبقيت أولادهم بمصر فى حالة رذيلة، فلما أفضت السلطنة إلى الملك المنصور قلاوون جمعهم، ورتب لهم الجوامك، والعليق، واللحم، والكسوة، ورسم أن يكونوا على أبواب القلعة، وسمّاهم البحرية. وكان له عناية زائدة بالمماليك حتى إنه كان يخرج فى غالب أوقاته إلى الرحبة عند وقت حضور الطعام للمماليك، ويأمر بعرضه عليه، ويتفقد لجمهم، ويختبر طعامهم جودة ورداءة، فمتى رأى فيه عيبا اشتد على المشرف والأستادار، ونهرهما، وأحل بهما المكروه. وكان يقول: «كل الملوك عملوا شيئا يذكرون به ما بين مال وعقار، وأنا عمّرت أسوارا، وعملت حصونا مانعة لى ولأولادى وللمسلمين، وهم المماليك». وكانت المماليك أبدا تقيم بهذه الطباق، ولا تبرح منها. وهو الذى بنى بقلعة الجبل دار النيابة فى سنة سبع وثمانين وستمائة، وكانت النواب تجلس بشباكها إلى أن هدمها الناصر محمد بن قلاوون، وأبطل النيابة والوزارة، ثم اهتم بإعادتها بعده قوصون إلا أنه مات قبل أن تكمل، فكملت من بعده فى أيام الصالح إسماعيل بن الناصر محمد بن قلاوون.

стр. 79

مطلب وفاة الملك المنصور وفى سنة تسع وثمانين وستمائة توفى المنصور قلاوون، ودفن بالقبة المنصورية المتقدم ذكرها، بعد أن أقام فى الملك مدة إحدى عشرة سنة وأشهرا. وأحدث فى أيامه وظيفة كتابة السر، واللعب بالرمح فى موكب المحمل وكسوة الكعبة، وأبطل عدة مكوس. *** سلطنة الملك الأشرف صلاح الدين خليل وخلفه على سلطنة مصر ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل، فمكث ثلاث سنين. وفى أيامه كانت الحروب قائمة على ساقها مع الإفرنج فى السواحل الشامية، فجلاهم عنها، وفتح عكا، وهدمها، وفتح عدة حصون. وبعد عودته ذهب إلى قوص، ومن هناك سافر على اليمن إلى الكرك، ثم عاد إلى مصر. وفى أيامة أكمل عدة المماليك عشرة آلاف، وسمح لهم بالنزول من القلعة فى النهار، ولا يبيتون إلا بها، فكان لا يقدر أحد منهم أن يبيت بغيرها. وفى سنة اثنتين وتسعين وستمائة بنى بالقلعة قصر الأشرفية، وصرف عليه جملة من المال، وعمر أيضا الرفرف، وجعله عاليا، يشرف على الجيزة كلها، وبيّضه وصوّر فيه أمراء الدولة وخواصها، وعقد عليه قبة على عمد، وزخرفها. وكان مجلسا يجلس فيه السلطان إلى أن هدمه الناصر محمد بن قلاوون، والغالب أنه كان فى محل القصر الأبلق وما يلحق به، ومحله الآن الطوبخانة بالقلعة. وفى سنة ثلاث وتسعين وستمائة توفى قتيلا، وكان قد انفرد فى الصيد فى نفر يسير وساق، حتى وصل إلى الطرانة، فقصده الأمير بيدرة ومعه جماعة وقتلوه، وتسلطن بيدرة، وتلقب بالملك القاهر، فلم يقم فى السلطنة سوى يوم واحد وقتل. *** سلطنة الناصر محمد بن قلاوون وولى السلطنة الملك الناصر محمد ابن السلطان قلاوون، وعمره تسع سنين، وتولى نيابته وقام عنه بالأمر الأمير كتبغا المنصورى، وقبض على جماعة من الأمراء الذين قتلوا الأشرف،

стр. 80

واعتقلهم فى خرانة البنود، وتولى عقوبتهم بيبرس الجاشنكير، وآل بهم الأمر إلى أن قطعت أيديهم وأرجلهم وعلّقت فى أعناقهم، وشهروا فى مصر والقاهرة. وحصلت فتنة من مماليك الأشرف، فأمسك منهم نحو ثلثمائة، وقطعت أيديهم وأرجلهم، وصلبوا عند باب زويلة، ثم إن كتبغا استصغر السلطان الناصر، وطمع فى الملك، فقام عليه، وأنزله عن سرير ملكه، واعتقله، وذلك فى افتتاح سنة أربع وتسعين وستمائة. *** سلطنة الملك العادل كتبغا وعند ذلك استبد بالسلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى المذكور. وكان أحد مماليك الملك المنصور قلاوون، فحصل للناس فى زمنه مالا يوصف من الشر، لأن مد النيل فى أيامه قصر، واشتد الغلاء المفرط، حتى أكل الناس الجيف، وبلغ ثمن الإردب من القمح مائة وسبعين درهما نقرة عبارة عن ثمانية مثاقيل ونصف مثقال من الذهب، وأكلت الكلاب والحمير والخيل والبغال، وحصل الوباء بشدة عظيمة، حتى طرحت الموتى فى الطرق. وفى زمن كتبغا قدمت طائفة الأويراتية سنة خمس وتسعين وستمائة، وهم طائفة من المغل حضروا فرارا من ملكهم غازان بإذن السلطان كتبغا، كما قدم غيرهم، فإنه لما تغلب التتار على ممالك الشرق والعراق، وجفل الناس إلى مصر، نزلوا بالحسينية، وعمروا بها المساكن. ونزل بها أيضا أمراء الدولة، فصارت من أعظم عمائر مصر والقاهرة. واتخذ الأمراء بها من بحريها، فيما بين الريدانية - وهى العباسية - إلى الخندق - وهى قرية سيدى الدمرداش - مناخات الجمال واصطبلات الخيل، ومن ورائها الأسواق والأماكن الكثيرة. وصار أهلها يوصفون بالحسن، خصوصا لما قدمت الأويراتية، فازدادت العمارة بهذه الجهة. وعمرت أيضا جهة الصليبة فى أيامه، وسبب ذلك أنه فى سنة خمس وتسعين وستمائة كان الناس فى أشد ما يكون من غلاء الأسعار، وكثرة الوباء، والسلطان خائف على نفسه، ومتحرز عن وقوع فتنة، وهو مع ذلك ينزل من قلعة الجبل إلى الميدان الظاهرى بطرف اللوق، فحسن بخاطره أن يعمل اصطبل الجوق (الذى كان مشرفا على بركة الفيل قبالة الكبش بمحل الحوض المرصود، وكان برسم خيول المماليك السلطانية) ميدانا عوضا عن ميدان اللوق، وأمر بإخراج الخيل منه، وشرع فى عمله ميدانا، وبادر الناس من حينئذ إلى بناء الدور بجانبه. وكان أول من أنشأ هناك الأمير علم الدين سنجر الخازن - فى الموضع الذى عرف اليوم بحكر الخازن، وهو شارع نور الظلام. وتلاه الناس والأسراء فى العمارة، وصار السلطان

стр. 81

ينزل إلى هذا الميدان من القلعة، فلا يجد فى طريقه أخدا من الناس سوى الباعة أصحاب الحوانيت لقلة الناس، وشغلهم بما هم فيه من الغلاء والوباء، واشتد خوفه من الفتنة فأظهر العناية بأمر الأويراتية، لأنهم كانوا من جنسه، وكان مراده أن يجعلهم عونا له يتقوى بهم، فبالغ فى إكرامهم، حتى أثر فى قلوب أمراء الدولة إحنا، وخشوا إيقاعه بهم، فآل الأمر بسببهم، وبسبب تخلفه عن المسير مع الجيوش المصرية إلى محاربة التتار، حين أغاروا على بلاد الشام، إلى قيام بعض الأمراء عليه، فترك سرير السلطنة وفرّ إلى دمشق. *** سلطنة حسام الدين لاجين المنصورى واستولى على السلطنة حسام الدين لاجين المنصورى، أحد مماليك المنصور قلاوون. وكان نائب السلطنة فى مدة كتبغا، وتلقب بالملك المنصور، وذلك فى سنة ست وتسعين وستمائة. فلم يسر فى الدولة السير الملائم، وساء تدبيره، فقامت عليه الأمراء وقتلوه سنة ثمان وتسعين وستمائة بعد سنتين وشهرين. وكان من أول ما بدأ به أن أخرج الناصر محمد بن قلاوون من قلعة الجبل، وكان معتقلا بها، ونفاه إلى الكرك، وجعله فى قلعتها، ثم أخذ فى تجديد الجامع الطولونى بعد تخربه، وكان قد نذر ذلك من قبل سلطنته، فإنه كان ممن وافق الأمير بيدرة - المتقدم ذكره - على قتل الملك الأشرف. فلما قتل بيدرة فى محاربة مماليك الأشرف، فرّ لاجين من المعركة، واختفى بالجامع الطولونى، وهو يومئذ خراب لا ساكن فيه، فأعطى الله عهدا أنه إن سلم من هذه المحنة، ومكنه الله من الأرض يجدّد عمارة هذا الجامع، ويجعل له ما يقوم به. فلما آلت إليه السلطنة عمّره، ورتب فيه دروسا على المذاهب الأربعة، ودرسا لتفسير القرآن، وآخر للحديث، وآخر للطب، وقرّر له الخطيب والمؤذنين وسائر الخدمة، وأنشأ بجواره مكتبا. وبلغت النفقة عليه عشرين ألف دينار، ورتّب له ما يقوم به. *** السلطنة الثانية للملك الناصر محمد بن قلاوون فلما قتل كما تقدم اجتمع الأمراء للمشورة، فانحط رأيهم على إمارة الملك الناصر محمد ابن قلاوون، فأحضر من الكرك، بعد أن استمر التخت خاليا عن سلطان واحدا وأربعين يوما، والأمراء يدبرون الأمور، فقلّده الخليفة السلطنة فى جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة، وهى سلطنته الثانية على مصر.

стр. 82

فقام بتدبير الأمور الأميران: سلار نائب السلطنة، وبيبرس الجاشنكير أتابك العساكر وكانت جميع الأمور بيدهما لصغر من الناصر حينئذ، فزهد فى الملك، واحتال حتى مضى إلى الكرك، وكتب إلى الأمراء يقول: إننى قنعت بالكرك، فاطلبوا لكم ملكا تختارونه لما قصرت يدى فى تدبير المملكة بوجود سلار وبيبرس. فأثبت ذلك لدى القضاة بمصر، ثم نفذ إلى قضاة الشام. فكانت مدته فى هذه السلطنة الثانية تسع سنين وأشهر. وفى أثناء تلك المدة جدّدت بعض عمائر، وحصل مع التتار فى جهات الشام جملة حروب ومنازلات، كان الأمر فيها مرة لهم، ومرة عليهم، وسار فيها الملك الناصر بنفسه وجنده إلى الشام، وحضر القتال مرتين، انكسر فى أولاهما، ونهب ما معه، وكسرهم فى الثانية كسرة عظيمة، وأسر منهم خلقا كثيرا. وفى بعض هذه المدة قام بعض العرب بالبحيرة، فأرسل عليهم تجريدة، فقهرتهم. وفيها أمر اليهود بلبس العمائم الصفر، والنصارى بلبس العمائم الزرق، والسامرية بلبس العمائم الحمر تمييزا لهم عن المسلمين. ومن أهم ما وقع بها زلزلة هائلة، ابتدأت فى شهر ذى الحجة سنة اثنتين وسبعمائة، وأقامت تعاود الناس مدة عشرين يوما، فهدمت بالإسكندرية المنار، وكثيرا من الأبراج والأسوار، وفاض ماء البحر حتى غرّق البساتين، وهدمت بالقاهرة عدة مدارس وجوامع ومساجد، وتشقّق الجبل المقطم، وسقطت الدور على الناس، ومات كثير من أهلها تحت الردم، وخاف الناس وخرجوا إلى الصحراء، واتصلت هذه الزلزلة بأغلب بلاد الشام. *** سلطنة ركن الدين بيبرس الجاشنكير ولما اعتزل الملك الناصر السلطنة كما ذكر، تشاور الأمراء فيمن يتولاها، فاستقر الأمر من بعده للسلطان ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وتقلد السلطنة سنة ثمان وسبعمائة، وتلقب بالملك المظفر. وهو من مماليك المنصور قلاوون، وكان خيّرا عفيفا، كثير الحياء، جليل القدر، مهيب السطوة فى أيام إمرته. فلما تسلطن عمل جسر النيل، من قليوب إلى دمياط فى عرض أربع قصبات من أعلاه، وست من أسفله، وأبطل الخمّارات، وترك ما كان مقررا عليها، وشدد فى إزالة المنكرات، وتتبع مواضع الفساد، وبنى الخانقاه العظيمة بالجمالية، وكانت أجل خانقاه بالقاهرة، وقد

стр. 83

ذكرت فى الخوانق، ورتب فى قبتها درسا للحديث، وقرّاء يتناوبون القراءة فى الليل والنهار، وأوقف عليها الأوقاف العظيمة. وقد دثر كل ذلك بتوالى الأيام، ولم يبق من الخانقاه إلا بعضها، وهو الجامع المعروف بجامع بيبرس. وفى أيامه قصر مد النيل سنة تسع وسبعمائة، فلم يبلغ فى الزيادة غير ستة عشر ذراعا، إلا قيراطين، فشرقت أرض مصر، وتعالت الأسعار، فضجّ الناس وتشاءموا بالمظفر، وصارت العامة تتغنى بالأزجال فى مسبّته، فشدّد فى العقاب، وقبض على كثير من العامة، فقطع ألسنة بعضهم، وضرب البعض. وقبض أيضا على جماعة من الأمراء بلغه أنهم يكاتبون الناصر سرا، فخرج كثير من الناس ولحقوا بالناصر فى الكرك، فكتب إليه المظفر يتهدده بالنفى إلى القسطنطينية، ويطلب منه ما خرج به معه من الخيل والمال والمماليك، فحنق الناصر من ذلك، وكاتب نوّاب طرابلس وحمص وصفد وحماة وغيرهم، وكان من ذكروا من مماليك أبيه وعتقائه، فأجابوه وقاموا بنصرته، فقام من الكرك ودخل الشام وتسلطن بها، وخطب باسمه على المنابر. وكان المظفر قد أعد تجريدة من الجند لقتاله، فلما بلغهم الخبر لم يسيروا إليه، ورجعوا من ثانى يومهم إلى القاهرة، فاضطرب أمر المظفر، وخلع نفسه من الملك، وأشهد على نفسه، وأرسل الأشهاد إلى الناصر، وسأله أن يعيّن له موضعا يقيم به، إلا أنه مع ذلك لم يستقر به قرارا، فاستعدّ للهرب، وأخذ ما قدر عليه من المال والخيل والمماليك، ونزل من القلعة، فوقف له العامة عند باب القرافة، يسبّونه ويرجمونه، فشغلهم بشئ من المال نثره عليهم، وتخلّص منهم بذلك، وسار يريد الشام. وكان الناصر قد دخل مصر واستولى على سلطنتها، فبعث من قبض على المظفر بقرب غزة، وأحضره مقيدا بالحديد، وقتله فى ذى القعدة سنة تسع وسبعمائة. *** السلطنة الثالثة للملك الناصر محمد بن قلاوون وصفا الملك فى مصر والشام للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون. وكان عود السلطنة إليه هذه المرة فى أول شوّال سنة تسع وسبعمائة، وهى سلطنته الثالثة. فقام بأعباء الملك وطلب منه الأمير سلار نائب السلطنة أن يعفيه من النيابة، وأن يقيم بالشوبك، لأنها من إقطاعه، فأجابه لذلك، وخرج من يومه إلى الشوبك.

стр. 84

وفى سنة عشر وسبعمائة بلغ الناصر أن أحا الأمير سلار وجماعة من الأمراء من عصبته يقصدون الوثوب عليه، فلما تحقّق لديه ذلك قبض عليهم، وبعث باستحضار سلار، فلما جاء سجنه فى القلعة أياما حتى مات. وطالت سلطنة الناصر هذه المرة، وتم له من العزّ والشوكة والسعة وبسطة الملك ما يطول شرحه. وكان ذا شغف بالعمارات، فحدثت فى أيامه عمارات كثيرة منه ومن غيره، فاستجد بقلعة الجبل المبانى الكثيرة من القصور وغيرها. وحدثت فيما بين القلعة وقبة النصر عدة ترب - محل قايتباى وترب المجاورين - بعد ما كان ذلك المكان فضاء يعرف بالميدان الأسود وميدان القبق، وتزايدت العمارات بالحسينية، حتى صارت من الريدانية إلى باب الفتوح. وعمر ما حول بركة الفيل والصليبة، إلى جامع ابن طولون، وما جاوره إلى المشهد النفيسى. وحكر الناس أرض الزهرى وما قرب منها، وهو من قناطر السباع إلى منشأة المهرانى، ومن قناطر السباع إلى البركة الناصرية، إلى اللوق، إلى المقس. وأمر بهدم الإيوان الذى أنشأه السلطان المنصور قلاوون المعروف بدار العدل، وأعاده، وأنشأ فيه قبة جليلة. وبنى القصر الأبلق بالقلعة، وعمل بجانبه بستانا متسعا، وصرف على ذلك خمسمائة ألف ألف درهم. وكانت العادة جلوس السلطان به للخدمة كل يوم، ما عدا يومى الاثنين والخميس فإنه يجلس فى دار العدل. وكان ذلك القصر مشرفا على الرميلة وقراميدان، وكان بداخله ثلاثة قصور، فى جميعها وجميع قصور الأمراء مجارى الماء مرفوعا من النيل بدواليب تديرها البقر، فتنقله من موضع إلى أعلى منه، حتى ينتهى إلى القلعة. وكانت العادة أن يمدّ كل يوم، طرفى النهار، أسمطة جليلة لعامة الأمراء. وكذا عمّر سبع قاعات بالقلعة لسراريه، وكانت تشرف على قراميدان وباب القرافة. وفى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة أمر بهدم دار النيابة، وأبطل النيابة والوزارة، ومن بعده أعادها الأمير قوصون عند استقراره فى النيابة، فلم تكمل حتى قبض عليه، فولى بعده الأمير طشتمر حمص أخضر. وبعد القبض عليه تولاها الأمير شمس الدين آق سنقر فى أيام الملك الصالح إسماعيل، فجلس بها سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، وهو أول من جلس بها من النواب بعد تجديدها، وتوارثها النواب بعده. [حفر الخليج فى عهد الملك الناصر محمد بن قلاوون] ولما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاوون القصور والخانقاه بناحية سرياقوس، وجعل هناك ميدانا يسرح إليه، وأبطل ميدان القبق، وترك المصطبة التى بناها بالقرب من بركة

стр. 85

الحبش لمطعم الطيور والجوارح، اختار أن يحفر خليجا من بحر النيل لتمر فيه المراكب إلى ناحية سرياقوس، لحمل ما يحتاج إليه من الغلال وغيرها، فأمر بالكشف عن عمل ذلك وحفر الخليج، وأنهى الحفر فى سلخ جمادى الآخرة على رأس شهرين، وجرى الماء فيه عند زيادة النيل، فأنشأ الناس عليه عدة سواق، وجرت فيه السفن، فسرّ السلطان بذلك، وحصل للناس رفق، وقويت رغبتهم فيه، فاشتروا جملة أراض من بيت المال، غرست فيها الأشجار، وصارت بساتين جليلة، وأخذ الناس فى العمارة على حافتى الخليج - فيما بين المقس وساحل النيل ببولاق. وكثرت العمائر على الخليج، حتى اتصلت من أوله بموردة البلاط إلى حيث يصير فى الخليج الكبير بأرض الطبالة، وإلى سرياقوس. وصارت البساتين من وراء الأملاك المطلة على الخليج، وتنافس الناس فى السكنى هناك، وأنشأ الحمامات والمساجد والأسواق. وصار هذا الخليج مواطن أفراح، ومنازل لهو، ومغنى صبابات، وملعب أتراب، ومحل أنس وقصف، فيما يمر فيه من المراكب، وفيما عليه من الدور. وما برحت مراكب النزهة تمر فيه بأنواع الناس على سبيل اللهو، إلى أن منعت المراكب منه بعد قتل الأشرف. وكان أوله عند قرب قنطرة السد الجارى عليها المرور إلى قصر العينى، فيسير قليلا فى الأرض إلى هناك، منعطفا إلى جهة الغرب، حتى يتصل بشارع مصر العتيقة المار أمام سراى الإسماعيلية والقصر العالى، فيمتد على حافته الشرقية مبحرا إلى أن يفارق الجسر الممتد إلى السلطان أبى العلاء وبولاق، فيكون فى غربى البستان الذى كان فى ملك المرحومة زينب خانم، ثم يكون عند أولاد عنان، فينعطف ويسير إلى أن يتلاقى مع الخليج الكبير بقرب جامع الظاهر - وللآن منه قطعة باقية خلف المنازل وفوقها قنطرة البكرية المعروفة بالقنطرة الجديدة، والتلال الكبيرة التى كانت بطوله، من ابتدائه إلى منتهاه، هى أثر العمارات التى دمرتها الحوادث، وتقدم بعض ذلك. امتداد العمران أيام الملك الناصر وفى أيام الملك الناصر أخذت العمارة فى الازدياد فى جميع أطراف القاهرة وداخلها، وتنافس الناس فيها، وكان النيل قد انحسر عن جانب المقس الغربى، وصار هنالك رمال متصلة من بحريّها بجزيرة الفيل ومن قبليّها بأراضى اللوق، ففتح بها الناس باب العمارة، فعمروا فى تلك الرمال المواضع، وهى الجهة التى تعرف اليوم ببولاق، وأنشأوا بجزيرة الفيل البساتين والقصور، حتى لم يبق منها مكان بغير عمارة، وحكر ما كان منها وقفا على مدرسة

стр. 86

صلاح الدين المجاورة للإمام الشافعى ﵁، وما كان وقفا على المارستان الكبير المنصورى، وغرس ذلك كله بساتين، فصارت تنيف على مائة وخمسين بستانا إلى وفاة الملك الناصر محمد بن قلاوون، ونصب فيها سوق كبير يباع فيه أكثر ما يطلب من المأكل. وأنشأ الناس فيها عدة دور وجامعا، فصارت قرية كبيرة، وما زالت فى زيادة إلى أن حدثت المحن فى سنة ست وثمانمائة، فتلاشت وخرب كثير منها. وجميع أرض المهمشة وقرية الزاوية الحمراء إلى شبرا وسرياقوس هى من أرض هذه الجزيرة، ولم تكن قرية الزاوية الحمراء إلا القرية التى حدثت إذ ذاك عوضا عن قرية كوم الريش التى ذكرها المقريزى، وكانت بقربها. وامتدت العمارة من الجهة القبلية إلى القاهرة، وتقدم بعض ذلك أيضا، وعمر ما خرج عن باب زويلة يمنة ويسرة من قنطرة الخرق إلى الخليج الكبير، ومن باب زويلة إلى المشهد النفيسى. وعمرت القرافة من باب القرافة إلى بركة الحبش طولا، ومن القرافة الكبرى إلى الجبل عرضا، حتى إنه استجد فى أيام الناصر محمد بن قلاوون بضع وستون حكرا، ولم يبق مكان يحكر. وأكثر هذه الأحكار فى جهة الخليج الغربية، من ابتداء قنطرة السباع إلى قنطرة باب الخرق، فأغلب الأخطاط الموجودة الآن فى هذه الجهة لم يعمر إلا فى وقته، وتنافست رجاله فى إنشاء العمارات الجليلة من البساتين الفاخرة والدور الظريفة، وأكثروا من الزينة والزخرفة فى بناء المساجد والمدارس. وبالتأمل يظهر أن أغلب ما ذكره المقريزى من العمائر بنى فى سلطنته، فإنه كان يحب ذلك ويرغب فيه كما قدمنا. وأنشأ السلطان على نفقته عدة عمارات باهرة، من ضمنها الميدان الكبير الناصرىّ غربى الخليج - ومحله الأرض الواقعة فى قبلى منزل الأمير أحمد باشا رشيد، وفى غربيه إلى النيل إذ ذاك. وأنشأ هناك ميدان المهارة، وبنى قصرا عظيما، وكان يتردد إليه، ومحله الأرض الواقعة على يمين السالك من الشارع إلى القصر العالى، وهى الأرض التى كانت فى يد محمد وهبى باشا، وانتقلت إلى ورثته، ثم قسّمت وبيع بعضها، وتبلغ مساحتها نحو سبعة عشر فدانا، ومنها بعض الشارع، وبعض منزل حافظ بيك رمضان. [القلعة فى عهد الناصر] واعتنى الناصر بالميدان الذى تحت القلعة، وكان قد هجر من مدة، فابتدأ فى إصلاحه سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، فاقتطع من باب الاصطبل، وهو باب العزب، إلى باب القرافة،

стр. 87

وأحضر جميع حمال الأمراء، فنقلت الطين حتى كساه كله، وزرعه، وحفر به الآبار وركب عليه السواقى، وغرس فى بعضه النخيل والأشجار، وأدار عليه سورا من الحجر، وبنى حوضا للسبيل من خارجه. فلما كمل نزل إليه، ولعب فيه بالكرة مع أمرائه، وخلع عليهم، وكان القصر الأبلق يشرف عليه، وجعل فيه عدة وحوش، وأمر بربط الخيل فيه، واتخذ صلاة العيدين به عادة. وعمل فى القلعة الحوش الذى لا يرى مثله، وكانت مساحته أربعة فدادين وكان موضعه بركة عظيمة قد قطع ما فيها من الحجر لعمارة قاعات القلعة، حتى صارت غورا كبيرا فردمها فى سنتين، وأحضر من بلاد الصعيد ومن الوجه البحرى ألفى رأس غنم، وكثيرا من البقر الأبلق لتقف فى هذا الحوش، فصار مراح غنم، ومربط بقر، وأجرى الماء إليه من القلعة، وأقام الأغنام حوله، وتتبع فى كل سنة المراحات من عيذاب وقوص وما دونهما من البلاد، ليأخذ ما بهما من الأغنام المختارة، بل جلبها من بلاد النوبة ومن اليمن، فبلغت عدتها بعد موته ثمانين ألف رأس. واهتم بعمل السواقى التى تنقل الماء من بحر النيل من جهة بركة الحبش إلى القلعة، واعتنى بها عناية عظيمة، فأنشأ أربع سواق على بحر النيل تنقل المياه إلى السور، ثم من السور إلى القلعة، وعمل نقّالة من المصنع الذى عمله الظاهر بيبرس عند زاوية تقى الدين رجب، التى بالرميلة تحت القلعة إلى الاصطبل. وأنشأ بالقلعة بستانا عظيما، جلب إليه أصناف الأشجار من سائر البلاد، حتى طلع فيه الكادى وجوز الهند وغير ذلك. وفى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة عزم على عمل خليج يبتدئ من ناحية حلوان لتوصيل الماء إلى القلعة، ولم يتم له ذلك لأن المهندسين الذين أحضرهم من الشام قدّروا المصرف ثمانين ألف دينار، والمدة عشر سنين، فعدل عن ذلك. وفى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة اهتم الملك الناصر بسوق الماء إلى القلعة، لأجل سقى الأشجار وملء الفساقى، ولأجل مراحات الغنم والبقر، فطلب المهندسين والبنائين، ونزل معهم، وسار فى طول القناطر التى تحمل الماء من النيل إلى القلعة، حتى انتهى إلى الساحل، فأمر بحفر بئر أخرى، وإعمال القناطر لينقل عليها الماء حتى تتصل بالقناطر العتيقة، فيجتمع الماء من البئرين ويصير ماء واحدا يجرى إلى القلعة، فعمل ذلك، ثم أحب الزيادة فى الماء أيضا، فركب ومعه المهندسون إلى بركة الحبش، وأمر بحفر خليج صغير يخرج من البحر، ويمر إلى حائط الرصد، وينقر فى الحجر تحت الرصد عشر آيار يصب فيها الخليج المذكور،

стр. 88

ويركب على الآبار السواقى، لتنقل الماء إلى القناطر العتيقة زيادة لمائها. واشترى جميع الأملاك هناك، وحفر الآبار فى الحجر، فصار عمق البئر أربعين ذراعا. ومات الملك الناصر قبل أن يتم جميع ذلك، وإلى الآن جميع هذة الآبار باقية فى ذيل الجبل المطل على أرض البساتين، والعيون ظاهرة، تمر غربى الإمام الشافعى ﵁. [اتصال مصر بالقاهرة] وبالجملة فلم يهتم أحد من الملوك السابقين عليه، ولا اللاحقين به مثله فى أمر العمارة والبناء، ونحن لم نذكر جميع ما أجراه مدة سلطنته الطويلة من قناطر وترع وجسور، ومبان خيرية فى القاهرة ومصر، وجهات كثيرة من القطر المصرى، والبلاد الشامية، خشية زيادة الإطالة. ومن كثرة عمائره اتصلت مصر بالقاهرة حتى صارتا بلدا واحدا من مسجد تبر بقرب القبة إلى بساتين الوزير، قبلى بركة الحبش، ومن شاطئ النيل بالجيزة إلى الحبل المقطم. وعمر الناصر الجامع الجديد المطل على بحر النيل عند موردة الحلفاء (١)، وهدم لأجل ذلك الصنم الذى كان عند قصر الشمع بسرّية أبى الهول، وأدخل حجارته فى عمارة الجامع. وأجرى بمكة المعظمة عين ماء وهى المعروفة بعين بازان، وعمل للكعبة بابا جديدا من خشب السنط الأحمر صفحه بطبقة من الفضة زنتها ثلاثون ألف درهم، وأنعم بالفضة القديمة على الخدم. وفى أيامه عمرت القرية المعروفة بالنحريرية، عمرها الأمير شمس الدين سنقر السعدى، وأخذها الناصر منه بعد عمارتها. وجدد عمارة الرصد، وعمارة جامع راشدة عند دير الطين، وجدّد عمارة مشهد السيدة نفيسة ﵂، ووضع به المحراب على التحرير الصحيح. وعمّر زاوية الشيخ رجب التى تحت القلعة. إلى غير ذلك مما يطول تعداده. [حريق القاهرة فى زمن الناصر] ومن الحوادث المهمة فى أيامه التى تؤرخ حادثة حرق كنائس كثيرة فى القاهرة ومصر والإسكندرية وجهات كثيرة من الإقليم فى ساعة واحدة يوم الجمعة التاسع من ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة، خربها العامة ونهبوا ما فيها، وقتلوا وسبوا كثيرا ممن بها وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة، وقد أسهب المقريزى فى تفصيل تلك الحادثة، وذكرناها عند الكلام على شارع الناصرية (٢) من هذا الكتاب.

стр. 89

وبعد ذلك بشهر اتفقت النصارى على حرق مصر والقاهرة، فوقع حرق هائل فى عدة حارات، ودمر كثير من الدور والربوع والجوامع والمدارس والخوانق، وتلف للناس كثير من الأموال، واستمر ذلك أياما، إلى أن عرف أنها من النصارى، ووقع القبض على من كان يفعل ذلك منهم، وعوقبوا بالحرق والقتل. وبعد ذلك ألزمت النصارى بلبس العمائم الزرق، ونودى بأن من وجد نصرانيا بعمامة بيضاء، أو راكبا على العادة حل له دمه وماله، وأن لا يركب أحد منهم بغلا ولا فرسا، ومن ركب حمارا فليركبه مقلوبا، ولا يدخل نصرانى الحمام إلا وفى عنقه جرس، ولا يتزيا أحد منهم بزى المسلمين، ومنع الأمراء من استخدامهم، وكثر إيقاع المسلمين بهم، حتى تركوا السعى فى الطرقات، وأسلم كثير منهم. وبعد ذلك حصل الاهتمام من السلطان والأمراء وغيرهم فى تجديد ما تهدم، وعمارة ما تخرب، حتى تراجعت العمارة وازدادت. وما زالت القاهرة تزداد فى أيامه عظما وعمارة، واستمرت على ذلك بعده، إلى أن حدث الفناء العظيم فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فخلا كثير من المواضع. [أهم أعمال الناصر وصفاته] وكان السلطان الناصر محمد بن قلاوون مشغوفا بجلب المماليك من بلاد أزبك وتوريز والروم وبغداد، وبعث فى طلبهم، وبذل الرغائب للتجار فى تحصيلهم، ثم أفاض على من يشتريه منهم أنواع العطاء من عامة الأصناف دفعة واحدة فى يوم واحد، ولم يراع عادة أبيه ومن كان قبله من الملوك فى تنقل المماليك فى أطوار الخدمة حتى تتدرب وتتمرن، وسمح لهم بالنزول إلى الحمام يوما فى الأسبوع، وكانوا ينزلون بالنوبة مع الخدم ويعودون آخر النهار، ولم يزل هذا حالهم، إلى أن انقرضت دولة بنى قلاوون. ومات عن ألف ومائتى وصيفة مولدة، سوى من عداهن من سائر الأصناف، وبلغت عدة مماليكه اثنى عشر ألف مملوك، حتى صار راتبه وراتب مماليكه من لحم الضأن كل يوم ستة وثلاثين ألف رطل. وهو أول من اتخذ للعسكر الأقبية المفتوحة، والطرز الذهب، والحوائص الذهب، والسيوف المسقطة بالذهب. وهو أول من رتب المواكب فى القصر، ورتب شرب السكر بعد السماط، ورتب وقوف الأمراء فى المواكب على قدر منازلهم، وكذلك أرباب الوظائف.

стр. 90

وقد طالت أيامه فى السلطنة، وصفا له الوقت، وصار غالب النواب والأمراء من مماليكه ومماليك والده، ولا يعلم لأحد من الملوك آثار مثل آثاره وآثار مماليكه، وخطب له على منابر عدة بقاع، وافتتح كثيرا من البلاد والحصون، وأخضع العرب المفسدين، وقتل منهم الكثير، غير من أسره منهم واستخدمه فى الجسور والترع، وأبطل جملة من المظالم، منها ضمان الغوانى، وهو عبارة عن أخذ مال من النساء الباغيات، فكانت إذا خرجت امرأة للبغاء، ونزلت اسمها عند امرأة تسمى الضامنة لا يقدر أحد على منعها، وأبطل ما كان يؤخذ ممن يبيع ملكا، وذلك عن كل ألف درهم عشرون درهما، وأبطل الضرب بالمقارع من سائر أعمال مملكته، وكتب بذلك مراسيم قرئت على المنابر، وحج ثلاث حجات، بذل فيها كثيرا من العطايا والإحسان، وزار بيت المقدس، وقبر الخليل ﵊ ثلاث مرات. وكان أبيض اللون قد وخطه الشيب، وفى عينيه حول، وبرجله اليمنى ريح شوكة تنغص عليه أحيانا وتؤلمه، وكان لا يكاد يمس بها الأرض، ولا يمشى إلا متكئا على شئ. وكان شديد البأس، جيد الرأى، يتولى الأمور بنفسه، ويجود لخواصه بالعطايا الكثيرة، وكان مهيبا عند أهل مملكته وخواصه، بحيث أن الأمراء إذا كانوا عنده بالخدمة لا يجسر أحد أن يكلم آخر بكلمة واحدة، ولا يلتفت بعضهم إلى بعض خوفا منه، ولا يمكن واحدا أن يذهب إلى بيت أحد البتة، فان فعل أحد منهم شيئا من ذلك أخرجه من يومه منفيا، وأفنى خلقا كثيرا من الأمراء، بلغ عددهم نحو مائتى أسير، وكان كثير التخيل، حتى لو تخيل من ابنه قتله. وفى آخر أيامه شره فى جمع المال، وصادر كثيرا من الأمراء والولاة وغيرهم، ورمى البضائع على التجار، حتى خاف كل من له مال. وكان مخادعا، كثير الحيل، لا يقف عند قول، ولا يفى بعهد، ولا يبر فى يمين. ولم يزل قائما على سرير ملكه حتى مرض ومات على فراشه سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وله من العمر ثمان وخمسون سنة، ودفن مع والده بين القصرين. وكانت مدة سلطنته فى مصر والشام ثلاثا وأربعين سنة، وذلك دون اعتزاله السلطنة وفراغه منها، نحو أربع سنين. ولما مات الملك الناصر ترك أحد عشر من الأولاد الذكور، وتولى السلطنة بعده ثمانية منهم، وأكثرهم كان لا خير فيه.

стр. 91

مطلب تولية ثمانية من أولاد الملك الناصر السلطنة فأولهم السلطان الملك المنصور سيف الدين أبو بكر، مكث شهرين إلا يوما، وخلعه الأمير قوصون نائب السلطنة سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، لفساده وشربه الخمور، ونفى هو وإخوته إلى قوص، فقتل هناك. *** ثم تولى الملك الأشرف علاء الدين كجك (١) أخوه، ولم يكمل له من العمر ثمان سنين، فأقام خمسة أشهر وعشرة أيام، وكانت الأمور كلها بيد قوصون أتابك السلطنة، فأخذ يمهد الأمور لنفسه، ويعزل ويولى فى الأمراء، وقبض على كثير منهم، فحقدوا عليه، وتعصب جماعة من نواب الشام وأمرائها بشهاب الدين أحمد بن الناصر، وكان فى الكرك، وانضموا إليه، واتفقوا على إقامته فى السلطنة بدل أخيه كجك، وقام بمصر الأمير إيدوغمش، وانضم إليه كثير من الأمراء والعسكر، فقبض على قوصون، وسجنه، وأرسله إلى الإسكندرية مقيدا، وسجن بها، وخلع كجك فى شعبان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ودخل إلى دار الحرم، فبقى بها إلى أن مات. *** وقام بأمور السلطنة بعد خلعه الأمير أيدوغمش إلى أن حضر شهاب الدين أحمد بن الناصر، فلما جاء فى شوال من السنة المذكورة، جلس على تخت مصر، وتلقب بالملك الناصر، فساءت سيرته، وقبض على جماعة من الأمراء، وقتل بعضهم، ومضى إلى الكرك، فأرسل إليه الأمراء فى الحضور إلى مصر، فأبى معتذرا بالشتاء، فخلعوه فى المحرم سنة ثلاث وأربعين، فكانت مدته ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما، وأقام بالكرك، إلى أن قتل فى سنة خمس وأربعين وسبعمائة. *** والذى تولى السلطنة بعد خلعه أخوه الملك الصالح عماد الدين اسماعيل أبو الفداء فى أول سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، فأحسن السير، وأظهر العدل، وكان له بر وصدقات. وفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة أرسل جندا لقتال أخيه أحمد فى الكرك، فقاتلوه وحاصروه إلى أن استسلم، فقبضوا عليه وقتل. واستمر الصالح فى السلطنة إلى أن مرض، ومات على فراشه سنة ست وأربعين وسبعمائة، فكانت مدته ثلاث سنين وشهرين وعشرة أيام.

стр. 92

وكان قد عمر بالقلعة الدهيشة، واستدعى لها من دمشق وحلب ألفى حجر أبيض وألفى حجر أحمر، وحشرت الجمال لحملها، حتى وصلت إلى قلعة الجبل، وصرف فى حمولة كل حجر من حلب اثنى عشر درهما ومن دمشق ثمانية دراهم، وجمع لها الرخام والصناع من سائر الجهات، وبلغ مصروفها خمسمائة ألف درهم. *** ثم تولى أخوه الملك الكامل سيف الدين شعبان فى منتصف ربيع الثانى من السنة المذكورة، فأساء السير، وصار يخرج الإقطاعات بمال معلوم، ويصادر أرباب الوظائف، ويأخذ أموالهم قهرا، وقبض على جماعة من الأمراء، واعتقل أخويه، وهما حاجى وحسين ولدا الناصر فى محل من الدهيشة، وأراد أن يبنى عليهما موضعا يكون قبرا لهما، وهمّ بالقبض على بعض الأمراء، فقاموا عليه، وخلعوه، وحبس مكان أخويه إلى أن قتل وكانت مدته سنة وشهرا. *** وبويع بعده أخوه حاجى المذكور، فجلس على سرير السلطنة سنة سبع وأربعين وسبعمائة، ولقب بالملك المظفر، وكانت ولادته بطريق الحجاز فى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، ولذا سمى حاجى، وكان قبيح السيرة، يؤثر صحبة الأوباش على أرباب الفضائل، وانهمك فى اللعب، وكان أشد قسوة من أخيه، فساءت حالته، واحتال على الأمراء فجمعهم بالقلعة، وقتل بعضهم، واعتقل البعض، فنفرت منه القلوب، وقام عليه باقى الأمراء، وقاتلوه حتى أمسكوه وذبحوه، ودفن فى تربة عند الباب المحروق. وكانت مدته سنة وثمانية شهور، ولكن قتل فى هذه المدة اليسيرة كثيرا من الأمراء وغيرهم، وكان يلبغا اليحياوى لما بلغه ما فعله بالأمراء هرب إلى الشام، لأنه كان نائبا بها، فوجه له بعض المماليك فقتلوه، وبعثوا برأسه إليه، فعلقها على باب زويلة. *** السلطنة الأولى للملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون ثم تولى بعده أخوه الملك الناصر بدر الدين أبو المعالى حسن بن الناصر محمد بن قلاوون فى رابع عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وعمره ثلاث عشرة سنة، فعهد إلى الأمير منجك اليوسفى بالوزارة، وجعله استادار الديار المصرية، فنقص كثيرا من مصروف الدولة والرواتب، ومديده لأخذ الرشوة، وصار يولى الوظائف بمال يأخذه ممن يتولاها

стр. 93

واشتد احتراق النيل مما يلى مصر، فاتفق الرأى على سده من بر الجيزة ليتحول الماء إلى مصر، ووكل هذا الأمر إلى الأمير منجك المذكور، فضرب لأجل ذلك على كل دكان درهمين من الفضة، وعلى كل نخلة من نخل الشرقية كذلك، إلى غير ما ذكر، فجمع أموالا جمة، وصنع مراكب، وشحنها أحجارا، ورماها فى مجرى النيل، مما يلى بر الجيزة، فلم تحصل ثمرة. وعزل منجك من الوزارة، ثم أعيدت إليه بعد قليل، ففتح باب الولايات بالمال، وجمع من ذلك أموالا عظيمة، واشتد ظلمه وعسفه، وكثرت حوادثه. إلى أن عزل بعد مدة، وحمل إلى الإسكندرية، فاعتقل بها، وصودر فى جميع أملاكه وأمواله، ثم أطلق وأعيد إليه بعض ملكه. وفى سنة تسع وأربعين وسبعمائة حصل طاعون عام وفناء عظيم عم ديار مصر وغيرها، وقيل إنه لم يسبق مثله، فخرب أكثر البلاد ومصر والقاهرة، وتعطل الزرع بسبب موت الفلاحين، ولم يكن الموت مقصورا على الآدميين، بل شمل الطاعون أيضا الجمال والخيل والحمير والوحوش والطيور، وحصل الغلاء، واشتد حتى بلغ ثمن الويبة من القمح - وهى سدس الإردب - مائتى درهم فضة. وفى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة جمع السلطان حسن القضاة الأربعة والأمراء ورشد نفسه. وبعد أيام قبض على جماعة من الأمراء، منهم الأمير منجك المتقدم ذكره، وأرسلهم إلى الشام على طريق الإسكندرية، فداخل الأمراء من ذلك ما داخلهم، إلى أن تعصبوا وقاموا عليه فى سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. وكان رأس الفتنة الأمير طاز، فقبضوا عليه، وسجنوه بالقلعة فى مكان داخل دور الحرم، فأقام به إلى حين عوده للسلطنة ثانية كما سيأتى، فكانت مدته فى هذه المرة ثلاث سنين وتسعة شهور. *** وتولى بعده أخوه الملك الصالح صلاح الدين صالح فى ثامن عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة يوم خلع أخوه، وهو آخر من تسلطن منهم، ولم يكن بلغ سنه خمس عشرة سنة، فأقام ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، ثم خلع لكثرة لهوه، وسجن بالقلعة يوم الاثنين ثانى شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة. وكان المتكلم فى أمر الديار المصرية فى مدته الأمير طاز المتقدم ذكره، وهو صاحب الدار التى جعلت فى زماننا هذا مدرسة للبنات بقرب الصليبة، والأمير شيخو العمرى صاحب

стр. 94

الجامع والخانقاه بالصليبة، والأمير صرغتمش صاحب المدرسة بخط الصليبة أيضا، فكان الأمير طاز يسيره كيف يشاء، وكان هو الذى أجلس الصالح على سرير الملك، فكان للملك الصالح من السلطنة الاسم وللأمير طاز الفعل، فنفرت قلوب بعض الأمراء من ذلك، وقاموا على الأمير طاز، وأرادوا الفتك به، فتعصب بالسلطان ومضى معه لقتالهم، ونودى فى القاهرة بقتل كل من وجد من مماليك الأمراء الثائرين، فقتل منهم فى الحارات وداخل البيوت عدد وافر، ووقع القتال بين الأمير طاز ومعه السلطان، وبين الأمراء الثائرين عند خليج الزعفران وجهة المطرية، فكانت النصرة للسلطان ومن معه بعد أن قتل فى المعركة كثير من المماليك. وفى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة خرج عن الطاعة بعض نواب المملكة فى البلاد الشامية، وانضم إليهم عدد عديد من الأمراء والعسكر سوى من التف عليهم من العرب والعشائر، فحصلت منهم أمور شنيعة، خصوصا بدمشق، فإنهم نهبوا ضياعها، وخربوا بساتينها، وأفحشوا فى النساء، فقام السلطان، وسار إليهم، وحاربهم، وبدد شملهم، وقتل كثيرا منهم، ورجع منصورا، وزينت له مصر. وفى سنة أربع وخمسين وسبعمائة خرجت عرب الصعيد عن الطاعة، ونهبوا الغلال، وقتلوا العمال، فخرج إليهم السلطان بنفسه ومعه جميع الأمراء، وكان رؤساء العسكر الأمير طاز، والأمير صرغتمش، والأمير شيخو، فأفنوا كثيرا من العرب، حتى عمل شيخو منها مصاطب ومنارات على شاطئ البحر، وحضروا بنحو سبعمائة أسير منهم قتلوا جميعا بالقاهرة. وفى سنة خمس وخمسين وسبعمائة منعت اليهود والنصارى من مباشرة الدواوين، وأن لا تزيد عمائمهم على عشرة أذرع، ولا يدخل أحد منهم الحمام إلاّ وفى رقبته صليب، ولا تدخل نساؤهم مع نساء المسلمين، وأن يكون إزار النصرانية أزرق، وإزار اليهودية أصفر، وإزار السامرية أحمر، وأن يلبسوا الخف لونين، كل فردة من لون. وفى هذه السنة وثب الأمير شيخو العمرى، ومعه جماعة من الأمراء على الملك الصالح، وكان الأمير طاز متغيبا عن القاهرة فى البحيرة للصيد، فهجموا على السلطان، وخلعوه من الملك، وسجنوه بدور الحرم يوم الاثنين ثانى شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة. *** مطلب السلطنة للناصر حسن بن محمد بن قلاوون وفى يوم خلعه عاد للسلطنة الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون باتفاق الأمراء الحاضرين، فأقام فى الملك ست سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وقام عليه مملوكه الأمير

стр. 95

يلبغا، وقتله فى يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وكان ملكا شجاعا، بطلا مهيبا، نافذ الكلمة، محبا للرعية، وفتحت فى أيامه جملة قلاع، غير أنه كثيرا ما كان يصادر أرباب الوظائف، ومات عن سبع وعشرين سنة، منها فى السلطنة عشر سنين ونصف فى المرتين، وخلف من الأولاد عشرة من الذكور، وستة من البنات، وكان قد وقع فى نفسه التخلص من إمرة المماليك، لكثرة ما كانوا يحدثونه من الفتن والثورة على الملوك، طمعا فى السلطنة، فصار يولى الوظائف لأولاد الناس، لكنه لم يتم له ما أراد لضيق مدته عن إتمام ذلك، وكثرة الأحزاب. وفى مدة سلطنته جعل الأمير شيخو العمرى أميرا كبيرا وهو أول من سمى بأمير كبير، وصار الحل والعقد إليه، وإلى الأمير صرغتمش، وكان بينهما وبين الأمير طاز عداوة، وكان غائبا، فلما حضر، قبض عليه وسجنه، ثم عفا عنه، وجرت معه أمور آلت إلى قتله. وفى سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، قام أحد المماليك على الأمير شيخو فى الديوان وضربه بخنجر ثلاث ضربات فى وجهه، فقاموا عليه وقتلوه، وبقى شيخو مريضا بجراحاته ثلاثة شهور فى داره بحدرة البقر، التى هى الآن حوش بردق، ثم مات من ذلك، ودفن فى خانقاهة التى فى الصليبة، وكانت عدة مماليكه سبعمائة، وبلغ من العز والسطوة مبلغا لم يبلغه غيره، وصادر أكثر العمال والأمراء من مماليكه ورجاله، وكثرت أمواله حتى صار دخل أملاكه فى اليوم مائتى ألف درهم نقرة سوى الإنعامات السلطانية والتقادم التى ترد إليه من الشام ومصر، والبراطيل على ولاية الأعمال. وبعده استقل صرغتمش بالكلمة، وصار رأس نوبة النوب، وأتابكى العساكر، وضرب فلوسا جديدة، كل فلس زنته مثقال، فشمل الناس من ذلك ضرر عظيم. ومنع ما كان مرتبا للديور والكنائس من ديوان الأحباس، وكان نحوا من خمسة وعشرين ألف فدان، فبطل من حينئذ ما كان بأيدى النصارى من الرزق، ووزع كل ذلك على الأمراء، وهدم كنيسة شبرا التى كانت تعرف بكنيسة الشهيد، وكان بها إصبع يعرف بإصبع الشهيد، كانوا يضعونه فى النيل، ليزيد به فى زعمهم. وذلك أنهم كانوا كل سنة فى ثامن بشنس يحتفلون بذلك، ويزعمون أن إلقاء إصبع الشهيد فى هذا الأوان يجلب زيادة النيل، ويجتمع لذلك خلائق لا يحصون من مصر والقاهرة وضواحيهما، وينصبون الخيام على ساحل النيل وفى الجزائر، ويصرفون فى ذلك أموالا لها صورة، ويكون يوم قصف وشرب وملاعب زائدة، فهدم صرغتمش الكنيسة، وأحرق الإصبع فى قراميدان.

стр. 96

وزالت تلك العادة من ذاك العهد، ثم إنه لتكبره حتى على السلطان نفر منه السلطان، وألقى إليه الأمراء فيه، وحذروه منه، وقالوا له: إن لم تقتله قتلك، فوجه السلطان أفكاره لهذا الأمر، حتى قبض عليه فى الإيوان وأرسله إلى الإسكندرية، فسجنه بها مدة، ثم قتله فتحشدت مماليكه، وكانوا نحو ثمانمائة، ووقع الحرب بينهم وبين عساكر السلطان فى الرميلة، فقتل غالبهم، ونهبت دورهم ودور سيدهم وخانقاهه ودكاكين الصليبة، وكان أمرا مهولا. وحينئذ كان الموت واقعا بمصر، فخرج السلطان إلى الجيزة، وذلك سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وكان قد أهداه بعض ملوك اليمن بخيمة غريبة الشكل، بديعة الصنعة، بها قاعة وحمام، فنصبها هناك، وصار الناس يذهبون للتفرج عليها، فأقام بها ثلاثة أشهر، وكان قد جعل أمور مصر بيد مملوكه يلبغا، فأوقع بعض الأمراء بينه وبين السلطان، فكان السلطان يخشاه على نفسه، وأضمر أن يقتله، وأراد أن يكبسه فى مخيمه، وعلم يلبغا منه ذلك، فأخذ حذره، فكمن للسلطان فى طريقه، فوقعت أمور آلت إلى قتل السلطان فى تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة. ومن إنشائه المدرسة المعروفة الآن بجامع السلطان حسن بين الرميلة وحدرة البقر، وكذا أنشأ بالقلعة قاعة البيسرية سنة إحدى وستين وسبعمائة، فجاءت فى غاية الحسن، لم ير مثلها فى المبانى المملوكية، ارتفاعها فى السماء ثمانية وثمانون ذراعا، وعمل بها برجا من الأبنوس المطعم بالعاج، وله باب يدخل منه إلى أرض كذلك، وفيه مقرنص قطعة واحدة، يكاد يذهل الناظر إليه بشبابيك ذهب خالص، وطرازات ذهب مصوغ، وشرافات ذهب مصوغ، وقبة مصوغة من ذهب، صرف فيه ثمانية وثلاثون ألف مثقال من الذهب، وصرف فى مؤنه وأجره تتمة ألف ألف درهم فضة، منها خمسون ألف دينار ذهبا، وبصدر إيوان هذه القاعة شباك حديد يقارب باب زويلة، يطل على جنينة بديعة الشكل. وجملة ما دخل فيها من الفضة البيضاء الخالصة المضروبة، مائتا ألف وعشرون ألف درهم، كلها مطلية بالذهب. وفى أيام سلطنته أنشأ جامع شيخو وخانقاهه، وخانقاه صرغتمش. *** تولية صلاح الدين محمد بن المظفر حاجى السلطنة ويوم موته تولى الملك بعده ابن أخيه السلطان صلاح الدين محمد بن المظفر حاجى، ولقب بالمنصور، وعمره أربع عشرة سنة، واستبد بتدبير الأمور الأمير يلبغا العمرى.

стр. 97

واستمر الملك المنصور فى السلطنة إلى أن خلعه يلبغا فى رابع شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، وسجنه بالقلعة فى دور الحرم، وذلك لأنه كان مغرما بالشرب، لا يفيق منه ساعة واحدة، مائلا بكليته إلى الأغانى والجوارى الحسان. وبقى الملك المنصور بعد خلعه مشغولا باللذات، إلى أن مات مخلوعا سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. ودفن فى تربة جدته أم أبيه خوند طفلى عند الباب المحروق. *** مطلب تولية السلطنة زين الدين أبى المعالى شعبان بن حسين بن الناصر محمد ثم تولى السلطنة السلطان زين الدين أبو المعالى شعبان بن حسين بن الناصر محمد ابن قلاوون، فى منتصف شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، ولقب بالملك الأشرف، وكان عمره عشر سنين، وأقيم فى الأتابكية الأمير يلبغا العمرى، فقام بالأمور لصغر سن الأشرف. وفى سنة سبع وستين وسبعمائة أراد أن يجعل الأمير طيبغا الطويل نائب الشام، وكان الأمير طيبغا حينئذ فى جهة العباسية، برأس الوادى يتصيد، فأرسل له بذلك صحبة جملة من الأمراء، فلم يمتثل، واتحد مع الأمراء المرسلين إليه، ورفعوا لواء العصيان، فلما بلغ الأمير يلبغا الخبر أخبر السلطان، وقام بالعساكر لقتالهم، فوقع بين الفريقين مقتلة قوية عند قبة النصر، بقرب الجبل الأحمر من العباسية، آلت إلى انتصار يلبغا، فقبض عليهم، وقتل من قتل، وأسر من أسر. وفى تلك السنة - أعنى سنة سبع وستين وسبعمائة - وردت مراكب صاحب قبرس على ثغر الإسكندرية، وكانت سبعين سفينة حربية مشحونة بمقاتلين، فطرقوا المدينة على حين غفلة، فقام عليهم نائب الإسكندرية بمن جمعهم من العسكر والعرب، وقاتلهم فهزموه، ودخلوا المدينة، فنهبوها، وقتلوا كثيرا من أهلها، ورحلوا عنها قبل وصول عساكر السلطان إليهم. ولهذا السبب، وكثرة إفساد مراكب الإفرنج فى البحر وقطعهم طرق التجارة، شرع فى إنشاء مائة مركب من المراكب الحربية بالجزيرة الوسطى، المعروفة بجزيرة العبيط، لأجل ردعهم ومنعهم. فلما كملت توجه إليها السلطان يوما لينظرها، فتفرج عليها، وعدى إلى بر الجيزة، ثم مضى إلى الطرانة بقصد النزهة، ونصب بها خيامه. وكانت مماليك يلبغا يضمرون الخيانة لسيدهم، ويريدون الفتك به سرا، فهجموا عليه ليلا، فلم يجدوه، لأنه كان قد بلغه الخبر

стр. 98

فهرب إلى القلعة. فتوجه المماليك إلى السلطان وأخبروه وجبروه على الاتحاد معهم، فلم يسعه غير الموافقة. ولما بلغ يلبغا هذا الأمر جمع جموعه، واستدعى بالأمير أنوك أخى السلطان من دور الحرم، وقلده السلطنة، ولقبه بالملك المنصور، وسار به إلى الجزيرة الوسطى، والسلطان الأشرف فى برّ إنبابة مع المماليك، وصار الفريقان يترامون بالنشاب والمكاحل، إلى أن عدى السلطان بجماعة معه على حين غفلة إلى جزيرة الفيل من جهة الوراق، وسار من جهة خليج الزعفران ومن بين الترب، حتى طلع إلى القلعة. وتسامع بذلك من كان مع يلبغا، ففارقوه، وانضموا إلى السلطان الأشرف. وانتهى الأمر بالقبض على يلبغا، وإيداعه السجن، ثم تسلمته مماليكه، فقتلوه عند الصرة، ودفن عند الباب المحروق. وكان قد بلغ من العظمة ما بلغ، وكانت عدة مماليكه نحو ثلاثة آلاف مملوك، وهو صاحب الدار التى محلها الآن ورشة الحوض المرصود. وبعد موته تعين بدله فى الأتابكية أسندمر الناصرى بعد فتنة كبيرة مات فيها كثير من الأمراء. فالتفت مماليك يلبغا على أسندمر، وكانوا من أنجس خلق الله، فأكثروا النهب، وهتكوا الأعراض، واتحدوا مع أسندمر على الفتك بالسلطان، فتعصب الزعر وكثير من العسكر للسلطان، وحصل بينهم وبين أسندمر وجماعته واقعات انتهت بالقبض على أسندمر وسجنه. وتداول الأتابكية بعد أسندمر أربعة من الأمراء وهم: يلبغا آص، ومنكلى بغا اليوسفى، والجائى اليوسفى، ومنجك اليوسفى، فلم تخل أيامهم من الهرج والمرج، والثورة على السلطان والتعاظم عليه. ومنهم ألجاى اليوسفى تزوج خوند بركة أم السلطان، وهى صاحبة المدرسة المعروفة بجامع أم السلطان فى التبانة، وماتت فى عصمته، فحصل بسبب ميراثه تغير بينه وبين السلطان، وجرت بسبب ذلك فتن ووقائع، مات فيها ألجاى اليوسفى، وخلفه فى الأتابكية منجك اليوسفى، وبقى بها، إلى أن مات سنة ست وسبعين وسبعمائة، فلم يول السلطان أحدا بعده، وتولى الأمر بنفسه. وكانت تلك المدة كلها مدة هرج ومرج، ووقعت فيها وقائع كثيرة، تارة بالرميلة، وتارة بجهة بولاق، أو فى الجزيرة، أو فى ضواحى القاهرة ومصر. وتخرب فيها كثير من الدور الشهيرة والمبانى الفاخرة، وتعطل فيها كثير من المتاجر، وخسر فيها الناس خسائر لا تحصى. وفى خلال ذلك رسم السلطان الأشرف للأشراف سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة بخضرة العمائم، ليمتازوا بها عن غيرهم، إظهارا لشرفهم، وتعظيما لحقهم.

стр. 99

وفى سنة ست وسبعين قصر مد النيل، فحصل الغلاء والفناء. وفى سنة ثمان وسبعين أبطل ما كان يؤخذ على أصحاب المغانى من رجال ونساء، وأبطل القراريط، وهى ما كان يؤخذ إذا باع أحد ملكه، وذلك على كل ألف درهم عشرون درهما. وفى تلك السنة سار السلطان الأشرف للحج إلى بيت الله الحرام، فلما وصل إلى العقبة ثارت عليه المماليك، ففر راجعا إلى القاهرة، واختفى فى دار امرأة بالجودرية إلى أن قبض عليه، فأخذ وخنق فى سادس ذى القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، وكسر ظهره، ووضع فى زنبيل، وألقى فى بئر، ثم أخذ ودفن فى مدرسة أمه. وكان ذا حرمة وعظمة، ومعرفة بالأمور. وولى فى أيامه الكثير من أولاد الناس المناصب السامية، والوظائف الجليلة، وافتتح عدة مدن، وأنشأ مدرسة برأس الصوة تجاه القلعة، عرفت بالمدرسة الأشرفية، ثم هدمت فى مدة سلطنة فرج بن برقوق، ثم أنشئ فى محلها المارستان المؤيدى فى أيام السلطان المؤيد شيخ، ولم يبق منها إلاّ باب واحد موجود عند تكية الأعجام، فى جهة الرميلة إلى الآن، وهو فى غاية الحسن والإتقان. وكان يوم قيام المماليك على الأشرف، فى جهة العقبة، أشيع فى القاهرة موته، فأقيم فى السلطنة بعده ابنه على علاء الدين سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ولقب بالملك المنصور. *** سلطنة الملك المنصور علاء الدين بن السلطان شعبان ولما تولى الملك المنصور السلطنة، كان عمره سبع سنين، وتولى النيابة المقر السيفى آقتمر الصاحبى الشهير بالحنبلى، وطشتمر المحمدى الشهير باللفاف أتابك العسكر. ولصغر سن السلطان ارتبكت الأمور، واضطربت الأحوال، ووقعت حروب آلت إلى عزل النائب والأتابك، وتولية الأمير آينبك البدرى أتابك العسكر، وكان رأس العصبة، فلما تولى أخذ فى العزل والتولية. وسجن بعض الأمراء، وقتل البعض، وأسكن بعض مماليكه فى مدرسة السلطان حسن، وبعضهم فى مدرسة السلطان شعبان برأس الصوة، واستبد بالأمور، وبلغه أن عمال الشام رفعوا راية العصيان، فجهز إليهم جيشا جرارا، وخرج إليهم مع السلطان، وفى أثناء الطريق هرب بعض الأمراء، ورجع إلى مصر، وتحشد مع كثير من الأمراء وغيرهم. فلما بلغ أتابك ذلك

стр. 100

رجع هو والسلطان، وقاتلوا العصاة فى الرميلة، فانتصر العصاة، وقبضوا على الأتابك، وحبس بالإسكندرية. وتداول النيابة والأتابكية وغيرهما من الوظائف جماعة من الأمراء، كل أيامهم فتن ومحن، ومن جملتهم الأمير برقوق العثمانى. وفى سنة تسع وسبعين وسبعمائة، حصل حريق هائل بظاهر باب زويلة عند باب دار التفاح، مكث يومين بلياليهما. فاحترقت دار التفاح، والرباع التى حوله، ووصلت النار إلى البراذعيين وعند الموازنيين، فاحترق نحو خمسمائة دار، ولولا سور القاهرة لاحترق نصف المدينة. ولما صار الأمر لبرقوق تصرف فى الأمور برأيه، فأوقع بكثير من الأمراء، وسجن من سجن، ونفى من نفى، فقام عليه باقى الأمراء، وقاتلوه مرارا، وملكوا القلعة، فحاصرهم حتى أخلاها منهم، وقتل منهم عددا وافرا، وتمكن من باقيهم، وسجنهم بالإسكندرية. وفى سنة إحدى وثمانين وسبعمائة، هجمت العرب على دمنهور والبحيرة ونهبوها، ونهبوا كثيرا من قرى البحيرة، فتوجهت إليهم جملة من العساكر، فقاتلوهم وانتصر العسكر عليهم، وقتلوا منهم جملة، وأسروا نساءهم وأطفالهم، وأتوا بهم إلى القاهرة، ودخلوها فى موكب هائل، وباعوهم بها بيع الأرقاء. وفى خلال تلك الحوادث، حصل وباء عظيم، مات فيه السلطان سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، ومدته خمس سنين وأشهر. وكانت نفس برقوق مائلة إلى الجلوس على تخت السلطنة - ككل من تولى الأتابكية - لكنه خاف من الأمراء، فأجلس على التخت السلطان زين الدين حاجى، أخا الأشرف سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، ولقبه بالملك الصالح. *** جلوس السلطان زين الدين حاجى ولما تولى الملك الصالح حاجى كان عمره إحدى عشرة سنة، فلم يكن له من السلطنة سوى الاسم، وكان الكلام كله لبرقوق، وكانت المملكة فى غاية الاضطراب، لأن كل واحد من الأمراء كان يريد الرياسة، فكانوا يوقدون نيران الفتن، وكذلك العرب كانت تعربد فى البلاد.

стр. 101

وعلم برقوق اتفاق بعض المماليك السلطانية مع أحد مماليكه على الفتك به، فقام برقوق واتحد مع خشداشيته، وهجم على باب السلسلة - الذى هو باب العزب، أحد أبواب القلعة - واستحضر الخليفة الموجود، وهو المتوكل على الله العباسى، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء، فلما اجتمعوا فى باب السلسلة قام القاضى بدر الدين بن فضل الله كاتب السر، وقال: يا أمير المؤمنين، ويا سادات القضاة، إن أحوال المملكة قد فسدت، وزاد فساد العرب فى البلاد، وخامر غالب النواب فى البلاد الشامية، وخرجوا عن الطاعة، والأحوال غير مستقيمة، والوقت محتاج إلى إقامة سلطان كبير تجتمع فيه الكلمة، ويسكن الاضطراب. فتكلم القضاة مع الخليفة فى سلطنة الأتابكى برقوق، فخلعوا الملك الصالح حاجى من السلطنة، وتقررت بينهم سلطنة برقوق. ودخل الملك الصالح دور الحرم عند إخوته، فكانت مدة سلطنته بعد أخيه سنة وشهورا. فكان من تولى السلطنة من ذرية الناصر اثنى عشر، أقاموا فيها ثلاثا وأربعين سنة، مع أن الناصر محمد بن قلاوون أقام بها أربعا وأربعين سنة، ومدتهم كلها كانت أهوالا وشدائد، حتى اشتد الضرر بالناس، ومع ذلك حدثت فى مدتهم العمائر الكثيرة ببولاق والقاهرة وضواحيها، وأغلبها كان فى الرحاب التى كانت بالقاهرة زمن الدولة الفاطمية، والدولة الأيوبية.

стр. 102

دولة المماليك الجراكسة أول من تسلطن من المماليك الجراكسة وهو السلطان برقوق أول من تسلطن منهم هو السلطان الملك الظاهر أبو سعيد برقوق بن آنص فى أواخر سنة أربع وثمانين وسبعمائة، وهو جركسى الجنس، أخذ من بلاد الجركس وبيع ببلاد القرم، وجلب إلى القاهرة، فاشتراه الأمير الكبير يلبغا الخاصكى وأعتقه، وجعله من جملة مماليكه الأجلاب، وعرف ببرقوق العثمانى نسبة إلى بائعه الخواجه فخر الدين عثمان بن مسافر. فلما قتل يلبغا فى زمن الملك الأشرف، أخرجه مع المماليك الأجلاب إلى الكرك، فأقام مسجونا بها عدة سنين، ثم أطلقه والذين كانوا معه، فمضوا إلى دمشق، وخدموا عند الأمير منجك نائب الشام، إلى أن طلب الأشرف المماليك اليلبغاوية، فقدم برقوق فى جملتهم، واستقروا فى خدمة على وحاجى، ولدى الأشرف، وعرفوا باليلبغاوية، وصار برقوق من الأمراء المعدودين، إلى أن تسلطن بعد خلع حاجى كما تقدم، وكان قد سمى برقوقا لجحوظ فى عينيه. ومن قبل تلك المدة، كان شراء المماليك أمرا ألفه الملوك والأمراء، ليتقووا بهم. وكان السلطان الملك المنصور قلاوون اشترى من الجركس والآص، عددا وافرا يبلغ ثلاثة آلاف وسبعمائة مملوك، وعمل منهم أوجاقية، وجمقدارية، وجاشنكيرية، وسلحدارية، وجعلهم فى أبراج القلعة، واقتفى أثره فى ذلك غيره. مطلب تغلب الأمير برقوق وجلوسه على تخت السلطنة ففى آخر سلطنة الملك الصالح زين الدين حاجى، كانت الأحوال مضطربة لصغر سنه كما مر، وكان كل أمير متطلعا إلى السلطنة، فتغلب الأمير برقوق، وتولى الأمور، ثم تغلب على السلطان وخلعه، وجلس على تخت الملك، على وجه ما تقدم.

стр. 103

ومن إنشائه المدرسة البرقوقية، بدأ فيها سنة سبع وثمانين وسبعمائة، وتمت فى سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. فكانت مدة العمل فيها سنة، وكان المباشر للعمل فيها الأمير جركس الخليلى. ولما استقر برقوق فى الملك أخذ يكثر من شراء المماليك، ورخص لهم فى سكنى القاهرة، وفى التزوج، فنزلوا من الطباق فى القلعة، وتزوجوا بنساء أهل المدينة، وأخلدوا إلى البطالة، وتغيرت أحوال الدولة وعوائدها. ثم رفع نواب البلاد الشامية لواء العصيان، ووقع بينهم وبين عساكر مصر وقائع سفك فيها كثير من الدماء، ودام الاضطراب، حتى حضر يلبغا الناصرى بعساكره من الشام، فحارب عساكر السلطان برقوق خارج باب النصر، فانهزمت عساكر السلطان، واختفى برقوق، واستولى يلبغا على القلعة، فأخرج حاجى بن الأشرف من دور الحرم، وولاه السلطنة، ولقبه بالمنصور، ثم قبض يلبغا على كثير من الأمراء، وامتدت أيدى العساكر الشامية إلى النهب والسلب، فنهبوا جهة باب النصر والركن المخلق، وجهات أخرى، فارتجت القاهرة لذلك، وأكثر الناس من العويل والشكوى إلى يلبغا، فمنع ذلك، ثم أخرج من مصر جميع مماليك الظاهر برقوق، وأكثر البحث عنه حتى عثر به، فقبض عليه، وأرسله مسجونا إلى الكرك. وبعد ذلك حصلت عداوة بين الأمير منطاش وبين الأتابك يلبغا، تسبب عنها فتنه ومحاربة فى الرميلة، آل أمرها إلى هرب يلبغا وجماعته، وصار الحل والعقد بيد منطاش، فعزل وولى، وتصرف تصرفا مطلقا. وفى تلك المدة تمكن الملك الظاهر برقوق من الخروج من الكرك، فخرج وانضم إليه مماليكه وكثير من العرب، وحصل له مع ولاة الشام والملك المنصور وقعات عديدة، انتهت برجوعه إلى السلطنة ثانيا. وكان الأمير منطاش قد هرب فى الوقعة الأخيرة، فبعد عود الظاهر برقوق للسلطنة مال إليه كثير من الناس، وصار يهجم على البلاد الشامية، ويقتل ويسلب، وحصل له وقعات مع نواب الشام، انتهت بقتل منطاش، وأتى برأسه فعلقت على باب زويلة، وفرح السلطان برقوق لقتله فرحا شديدا، وكان المتولى الأتابكية الأمير لاجين الحموى. وفى تلك المدة كان تيمورلنك يعثو فى البلاد بجيوشه الباغية، وأخرب بلادا كثيرة، وحصل بينه وبين المصريين وقعات كثيرة، واستولت عساكره على بغداد، وفر صاحبها

стр. 104

القان أحمد، وحضر إلى مصر، فأكرمه السلطان، وأنزله فى دار الأمير طقوز دمور، المطلة على بركة الفيل - وهى محل المدارس الميرية الآن فى درب الجماميز، ثم جهّز جيشا وسار معه بنفسه إلى الشام، وكان تيمورلنك قد رحل عنها. ورجع السلطان برقوق إلى مصر، وتوجه القان إلى مملكته، فكانت هذه المدة حروبا وشدائد، ووقع فيها غلاء ووباء بديار مصر، تسبّب عنه خراب كثير من البلاد وكثير من الدور والحارات فى القاهرة، وغيرها من المدن. واستمر السلطان برقوق فى الملك إلى أن مات على فراشه سنة إحدى وثمانمائة، ودفن فى تربته بالصحراء. فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست عشرة سنة وشهورا، منها مدة السلطنة الأولى ست سنين وشهور، والثانية تسع سنين وشهور، ومدة أتابكيته أربع سنين وشهور. ولما مات كان له من العمر ثلاث وستون سنة، وخلّف من الأولاد ستة: ثلاثة من الذكور، وثلاث من الإناث. وخلف فى الخزائن من المال ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار، ومن الخيل اثنى عشر ألف فرس، ومن الجمال خمسة آلاف جمل، ومثلها من البغال. وكان كثير البر والصدقات، فكان يفرّق كل سنة سبعة آلاف إردب على الزوايا والمزارات، وأبطل فى أيامه مكوسا كثيرة بمصر والشام، وعظم أمره، حتى خطب باسمه فى أماكن، لم يخطب فيها لأحد قبله، فخطب باسمه فى توريز من بلاد العجم، وفى الموصل، وفى ماردين، وفى سنجار. وضربت السّكة باسمه فى جميع هذه البقاع، وأراد أن ينقض الأوقاف، فمنعه من ذلك السراج البلقينى والعلماء. وكان فى يومى الأحد والأربعاء ينزل إلى باب السلسلة، ويجلس بالاصطبل لسماع الشكاوى والمظالم. وهو أول من رتب شرب القمز فى الميدان تحت القلعة، والقمز لبن مصنوع محمض فيه إسكار، فكانت الأمراء تجتمع كل يوم أربعاء فى الميدان، فتدور عليهم السقاة بزبادى القمز، وصار ذلك من شعائر السلطنة. النيروز وفى أيامه أبطل ما كان يعمل بالديار المصرية يوم النيروز (وهو أول يوم من السنة القبطية) من اجتماع الكثير من أراذل الناس على أبواب الأكابر والأعيان، ويجعلون لهم أميرا يسمى

стр. 105

أمير النيروز، فيقرر مبالغ على كل أمير، فمن أعطاه ما رسم كفّ عنه، وإلا أشبعه ذما وشتما. وكانوا يقفون فى الطرقات، ويرشّون من مرّ بالمياه النجسة، ويضربونهم بالبيض النىّء، وغير ذلك من القبائح، حتى كانت الناس فى ذلك اليوم لا يخرجون من بيوتهم، ويغلقون دكاكينهم، وتتعطل الأشغال جميعها. وقبل موته كان قد عين للأتابكية أيتمش البجاسى عوضا عن كمشبغا (١)، فلما اشتد عليه المرض، جعل ابنه ولى عهده. *** تولية الملك الناصر أبى السعادات فرج فلما مات تولى ابنه الملك الناصر زين الدين أبو السعادات فرج سنة إحدى وثمانمائة، وعمره نحو العشر سنين، فلم يلبث أن قام أيتمش بمماليكه يريد خلع السلطان، فتحزّب عليه مماليك الظاهر، مع كثير من الأمراء، وانتشب الحرب بين الفريقين فى الرميلة، وحول القلعة، فانهزم أيتمش، وفر إلى الشام، وقتل فى هذه الوقعة كثير من الناس، ونهب العوام بيوت الأمراء الذين هربوا معه، ونهبوا مدرسة أيتمش، التى عند باب الوزير، وأحرقوا ربعه المجاور للمدرسة، وحفروا قبر أولاده، بظن أن فيه مالا، فلم يعثروا على شئ، ونهبوا جامع آق سنقر المجاور لدار أيتمش - وهو المعروف بجامع إبراهيم أغا بالتبّانة، ونهبوا قبة خوند زهراء بنت الملك الناصر محمد بن قلاوون، المجاورة لدار أيتمش، ونهبوا وكالة أيتمش، ومدرسة السلطان حسن، وأحرقوا بابها لكون أيتمش كان يحاصر القلعة منها. ولم يزل النهب مستمرا مدة يومين، وازداد أمر العوام، حتى كسروا باب حبس الرحبة وأطلقوا من كان به من المحابيس، وماجت المدينة، وتعطل البيع والشراء، واضطربت أحوال الناس، وتعيّن بدل أيتمش فى الأتابكية بيبرس السيفى، فهدأت الحال فى المدينة، والتف أيتمش على بعض نواب الشام، وعثوا هناك بالقتل والسلب، فجهّز إليه السلطان جيشا جرارا وسار إليه. وبعد وقعات قبض على أيتمش، وقطع رأسه، وقتل كثيرا ممن معه، وأرسل برأسه فعلق على باب رويلة، ثم رحل إلى مصر، ودخلها فى موكب هائل. ولما دخلت سنة ثلاث وثمانمائة كانت عساكر تيمورلنك قد انتشرت فى جميع جهات الشام، ودمّروا ما وصلوا إليه من البلاد، لا سيما حلب فإنه تمكن منها بعد محاربته، وانهزام

стр. 106

عساكر السلطان، وقتل كثير منهم، فاستمر القتال فى المدينة ثلاثة أيام، فقتلوا الرجال، وسبوا البنين والبنات، وافتضّوا الأبكار، وهتكوا الأعراض، وأحرقوا الدور، وقلّعوا الأشجار، وأسرفوا فى القتل فى جميع البلاد، حتى قيل إنه بنى من الرؤوس عشر منارات، دور كل منارة عشرون ذراعا فى مثلها ارتفاعا، وجعلوا الوجوه منها بارزة، تذرّى عليها الرياح، وتركوا الجثث للكلاب والوحوش. ويقال إن قتلى مدينة حلب بلغوا نحوا من عشرين ألف نفس. وكذا فعل بحماة ودمشق، وأحرقها عن آخرها، ولما أراد الرحيل عن دمشق جمعوا له أطفال المدينة الذين أسر أهلهم، وأكبرهم ابن خمس سنين، ليرقّ لهم، وكانوا نحو عشرة آلاف نفس، فأمر تيمورلنك عساكره أن يسوقوا عليهم بالخيل، فساقوا عليهم حتى أتوا على آخرهم. كل ذلك والسلطان فرج فى لهوه وشربه وحظوظه مع الملاح والندماء. وتوقف النيل، وحلّ الوباء والغلاء بديار مصر، حتى قيل إن أهل الصعيد باعوا أولادهم. وقد سخط الأمراء على السلطان، وسخط عليهم، فثارت الفتن فى كل جهة، وهاجت عرب الشرقية، وكثر النهب، واستمرّ ذلك إلى سنة ثمان وثمانمائة، فقام بيبرس على السلطان وأراد أن يفتك به فهرب. *** تولية السلطان عبد العزيز، ثم رجوع السلطان فرج للسلطنة ثانيا وأقام بيبرس بدله السلطان عز الدين عبد العزيز أخا الناصر فرج، وعمره عشر سنين، وتلقّب بالملك المنصور، ولم يبق فى السلطنة إلا نحو شهرين. وفى مدته صار بيبرس هو الأتابكى، وبيده الحل والعقد، وليس للمنصور غير الاسم، وانخفضت كلمة المعز السيفى بشتك الدوادار، فعزّ عليه ذلك، وحزّب الأحزاب. وكان الناصر فرج مختفيا فظهر، وافترقت الأمراء والعساكر فرقتين، ووقع الحرب بينهما فى الرميلة وقرميدان وأطرافهما، فقتل خلق كثيرون، ثم انهزم بيبرس. ورجع السلطان الناصر فرج للسلطنة ثانيا، ورسم لأخيه عز الدين بالدخول فى دور الحرم، وعيّن المقر السيفى تغرى بردى أتابك العسكر، وقبض على أكثر الأمراء المتعصبين، وعلى بيبرس، وأرسلهم إلى سجن الإسكندرية. والتفت إلى مماليك أبيه، فصار يذبح منهم بيده كل ليلة نحو العشرين.

стр. 107

وأكثر من الشرب والفسق، فهرب أكثر مماليك أبيه، ورفع الأمير شيخ المحمودى لواء العصيان بالشام، والتف عليه كثير من الناس، وكان معهم الخليفة المستعين بالله العباسى والقضاة الأربعة، فتوجه إليه السلطان الناصر فرج بجيش جرار، فالتقى الجمعان فى ضيعة من الشام تعرف باللجون، ففارق الناصر من كان معه وخذلوه، فهرب فلحقوا به، وقبضوا عليه، وحبس فى برج بقلعة دمشق، ثم دخل عليه جماعة من الفداوية وقتلوه بالخناجر، فلما أصبح الصباح ألقى على مزبلة خارج البلد، فبقى على هذه الحالة ثلاثة أيام، ثم دفن بمقبرة دمشق. فكانت مدته بالبلاد المصرية والديار الشامية ثلاث عشرة سنة وشهورا، وله من العمر نحو ست وعشرين سنة، وخلّف من الأولاد خمسة ذكور وأربع إناث، وكان شجاعا مقداما، غير أنه كان سفّاكا للدماء، مسرفا على نفسه، منهمكا على شرب الخمور، وسماع الزمور، كثير الجهل، قليل الدين. وله من المبانى بالقاهرة مدرسة تجاه باب زويلة، عرفت بالدهيشة، وعمّر الجامع الذى فى داخل الحوش السلطانى بالقلعة، وجدد بالدهيشة التى فى القلعة أشياء كثيرة، وعمّر الربعين اللذين بقرب جامع الصالح خارج باب زويلة، وغير ذلك من المبانى. وفى أيامه احترق نحو الثلث من الحرم الشريف بمكة المعظمة، وأتت النار على أكثر من مائة وثلاثين عمودا، وعلى باب العمرة، فبعث بعشرة آلاف دينار صرفت على عمارته، وعملت العمد من الآجرّ الأسود عوضا عن الرخام، لتعذر وجود الرخام وقتئذ. وكان المتولى أمور المملكة الأمير سعد الدين إبراهيم بن عبد الرزاق بن غراب الإسكندرانى، واستولى على كثير من الوظائف، فكان ناظر الخاص، وناظر الجيوش، واستادار السلطان، وكاتب السر، وأحد أمراء الألوف الأكابر، فتصرّف فى الأمور أسوأ تصرف، وهو ممن تسبب فى تخريب إقليم مصر، فإنه ما زال يرفع قيمة الذهب، حتى بلغ صرف الدينار مائتين وخمسين درهما من القلوس. بعد ما كان صرفه خمسة وعشرين درهما منها، ففسدت بذلك معاملة الإقليم، وقلّت النقود، وغلت الأسعار، فساءت أحوال الناس، وزالت البهجة، وانطوى بساط الرقة. وانقطعت رواتب اللحم وغيرها، حتى عن مماليك الطباق، مع قلّتهم، ورتّب للواحد منهم عشرة دراهم من الفلوس، فصار غذاؤهم غالبا الفول المسلوق عجزا عن شراء اللحم ونحوه.

стр. 108

ومات سعد الدين المذكور فى مدة الناصر فرج سنة ثمان وثمانمائة، وكانت جنازته حافلة، شهدها كثير من الأمراء والأعيان وأرباب الوظائف، حتى استأجر الناس السقائف والحوانيت لمشاهدتها، ونزل السلطان للصلاة عليه. ولما قتل السلطان الناصر فرج سنة أربع عشرة وثمانمائة - كما مرّ - كان فى إمكان الأمير شيخ المحمودى أن يتسلطن، لكنه أخّر نفسه، وقدم الخليفة العباسى للسلطنة، حتى لا يكون عرضة لسهام الفتن، فإن الأحوال كانت مضطربة، والفتن قائمة فى جميع أنحاء المملكة، من مصر والشام، وتداعى للخراب كثير من المحلات بالقاهرة وغيرها من المدن والبلاد، وأكثر الصعيد وأسفل الأرض، حتى صار كثير من الأماكن تلالا وفلوات موحشة، وخلت الخزائن من الأموال، فتأخر شيخ عن الاستيلاء على تخت السلطنة، ربما يتمكن من عهد الأمور، وتقرير الأحوال. *** تولية أمير المؤمنين أبى الفضل العباسى وولى السلطنة أمير المؤمنين الخليفة المستعين بالله أبو الفضل العباس بن محمد العباسى، فأقام بها ستة شهور، وتولى النيابة المؤيد شيخ، فشاركه المؤيد فى الخطبة، وصار الأمر للمؤيد فتغلب على السلطنة، وصار الخليفة معه فى غاية الضنك، محجورا عليه، لا يتمكن من كتب منشور أو مرسوم، حتى يعرضه على الأتابك. فلم يكن له فى السلطنة مع الأتابك غير مجرد الاسم، وكل الأمر بيد الأتابك شيخ، إلى أن بدا للأتابك أن يخلع الخليفة، ويتسلطن، فأحضر القضاة الأربعة، وسائر الأمراء، وخلعه من السلطنة، ولم يخلعه من الخلافة، وأبقاه فى القلعة تحت الحجر. ثم خلعه من الخلافة أيضا، وأرسله مسجونا إلى الإسكندرية، فاستمر بالسجن إلى زمن الملك الأشرف برسباى، فأخرج من السجن، وأسكن هناك إلى أن مات فى الوباء الذى وقع فى سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، ودفن هناك. *** جلوس السلطان المؤيد وفى إثر خلع الخليفة المذكور من السلطنة سنة خمس عشرة وثمانمائة جلس على تخت المملكة السلطان أبو النصر شيخ المحمودى الظاهرى، أحد مماليك الظاهر برقوق فى شهر شعبان من تلك السنة، وتلقّب بالملك المؤيد.

стр. 109

ولما وصل إلى نوروز نائب الشام أخبار خلع الخليفة وتسلطن المؤيد شيخ، وكان نوروز هو القائم مع شيخ والمعضد له، لم يذعن بالطاعة، واستمر يخطب باسم الخليفة، فسار إليه المؤيد، وحاربه، حتى قبض عليه وقتله، وعاد إلى القاهرة، وولّى منكلى بغا الشمسى، محتسبا بالقاهرة، وهو أول من تولى الحسبة من أولاد الترك. وفى سنة ثمان عشرة وثمانمائة، خلع نواب الشام ربقة الطاعة ثانيا، فسار إليهم، فهربوا منه، واستبدلهم بغيرهم ممن يثق بهم، ومن البلاد الشامية، وعاد إلى القاهرة، وصفا له الوقت، واطمأنّت البلاد. ولما صفا للسلطان الوقت، أكثر من شراء المماليك، وأخذ فى اللهو والقصف، وصار أغلب إقامته ببولاق. ووقع فى زمنه وباء وغلاء، من ابتداء سنة ثمان عشرة إلى سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، حتى حصل للناس من ذلك ضرر كثير. ولما مات ابنه إبراهيم، وجد عليه وجدا شديدا، مع أنه هو الذى قتله بالسم، فيما يقال، لما بلغه أنه متطلع إلى انتزاع السلطنة منه، ثم دفنه فى قبّة الجامع المؤيد الذى أنشأه فى داخل باب زويلة، ثم مات هو، فدفن معه. وكان مقداما خبيرا بالأمور، يحب العلم والعلماء، وله شعر ومعرفة، لكنه كان سفاكا للدماء، قتل كثيرا من النواب، وكان كثير المصادرات، وأحدث كثيرا من المظالم، وأخذ رخام جامعه من البيوت والمساجد، وأخذ باب جامع السلطان حسن، وعمودى سماق من قبلة جامع قوصون، ووزع الأخشاب ودهانها على المباشرين. وكانت وفاته سنة أربع وعشرين وثمانمائة. *** تولية أبى السعادات أحمد بن المؤيد شيخ وتولى المملكة بعده ابنه أبو السعادات أحمد بن المؤيد شيخ، ولقّب بالملك المظفر، وعمره دون سنتين، تعصب له مماليك أبيه، وكانوا خمسة آلاف مملوك، فسلطنوه رضيعا، وجعلوا التصرف فى المملكة للأمير ططر، بسبب أنه لما مات السلطان المؤيد تزوج زوجته أم ابنه السلطان أبى السعادات المذكور، فأخذ بزمام الأحكام، وأغدق على المماليك، فانضموا إليه

стр. 110

وكانت الأمور مضطربة فى البلاد الشامية، لقيام النواب، ورفع الأتابك الأمير طيبغا لواء العصيان، فجهز ططر العساكر، وسافر إلى الشام، واستصحب معه السلطان بمرضعته، فغلب العصاة، وقتل منهم عددا وافرا، ورجع إلى مصر ظافرا. وصفا له الوقت، فسوّلت له نفسه خلع السلطان، فخلعه، وأرسله إلى سجن الإسكندرية مع مرضعته ودادته، وبقى محبوسا، إلى أن بلغ سنه إحدى عشرة سنة، ومات وهو فى السجن، فنقل إلى القاهرة، ودفن مع أبيه. وفى سنة أربع وعشرين وثمانمائة المذكورة زاد النيل زيادة مفرطة، واستمرت الزيادة إلى آخر هاتور، ولم يعهد ذلك قط فى الإسلام، فحصل للناس الضرر الشامل، واستبحرت الأراضى، وغرق أكثر البساتين، وفات أوان الزرع، وانقطعت الطرق لكثرة الماء، فكان ما حصل للناس بأسباب هذه الحادثة من الضرر والكآبة، مع ما هم فيه من المحن والفتن جرحا على جرح. *** تولية أبى الفتح ططر الظاهرى ولما خلع أحمد بن المؤيد، تولى السلطنة الملك سيف الدين أبو الفتح ططر الظاهرى الجركسى المذكور فى سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وتلقّب بالملك الظاهر، فلم يلبث أن مرض ومات ولم يمكث فى السلطنة غير ثلاثة أشهر ويومين. ومع ذلك فقد أفنى كثيرا من الأمراء، وهو من مماليك الظاهر برقوق، وكان كثير الحيلة والتدبير، ولكن غلبته حيلة زوجته، فإنه يقال إنه لما خلع ابنها شغلته بالسم، فكان سبب موته، وأنه طلقها قبل موته بقليل. *** وقد عهد لابنه محمد، فتولى الملك بعده، وسنّه عشر سنين، ولقب بالملك الصالح أبى النصر، فأقام فى السلطنة أربعة أشهر وأربعة أيام، ثم خلع. وكانت أمور المملكة فى أيامه بيد المعز الأتابكى جانبك العوفى، فلم يكن للسلطان معه إلا مجرد الاسم، فعزّ ذلك على الأمراء، فتعصبوا مع الأمير برسباى الدقماقى، وقبضوا على الأتابكى، وبعثوا به إلى سجن الإسكندرية، وخلعوا السلطان الصالح، وسلطنوا برسباى، وبقى الصالح مع أمه خوند بركة بنت الأمير سودون الفقيه فى القلعة، ثم أذن له فى النزول من القلعة، والركوب إلى زيارة
следующие страницы →