ووكالة تعرف بوكالة العدوى، من إنشاء الشيخ على العدوى، وهى الآن جارية فى حيازة ورثته، بها أماكن علوية وسفلية، وبواجهتها عدة حوانيت.
[ترجمة عثمان بيك الطنبورجى]
وبه أيضا دار المرحوم بهجت باشا التى كانت تعرف أولا بدار عثمان بيك الطنبورجى لأنه سكنها مدة، وهو - كما فى الجبرتى - عثمان بيك الجوخدار المعروف بالطنبورجى المرادى، من مماليك مراد بيك اشتراه ورباه ورقّاه وقلّده الإمارة والصنجقية فى سنة سبع وتسعين ومائة وألف.
ولما وصل حسين باشا الجزايرلى إلى مصر خرج المترجم مع سيده وباقى الأمراء من مصر، ووقع بينهم ما وقع من الحروب والمهادنة، ثم أحضر هو وحسين بيك المعروف بشفت وعبد الرحمن بيك الإبراهيمى إلى مصر رهائن. ولما سافر حسن باشا إلى الروم أخذهم صحبته بإغراء إسماعيل بيك، فأقاموا هناك، ثم رجع المترجم وعبد الرحمن بيك بعد وقوع الطاعون وموت إسماعيل بيك إلى مصر.
فلم يزل حتى حصل ما حصل من ورود الفرنسيس وموت مراد بيك فى أخريات أيامهم، فوقع اختيار المرادية على تأميره عوضا عن سيده بإشارة خشداشه محمد بيك الألفى، وانتقل بعشيرته إلى الجهة البحرية، وانضموا إلى عرضى الوزير، ووصلوا إلى مصر، فكان هو وإبراهيم بيك الألفى ثانى اثنين يركبان معا، وينزلان معا، ولم يزل حتى سافر القبودان بعد ما مكر مكره مع الوزير سرا على خيانة المصريين، فأرسل يستدعيه هو وعثمان بيك البرديسى، فسافر امتثالا للأمر، فأوقع بهما وقتل المترجم ونجا البرديسى، ودفن بالإسكندرية.
وكان أميرا لا بأس به، وجيه الشكل، عظيم اللحية، ساكن الجأش، فيه تؤدة وعقل، وسبب تلقبه بالطنبورجى أنه كان فى عنفوان أمره مولعا بسماع الآلات وضرب الطنبور، وربما باشر ضربه بيديه مع الإتقان، فغلبت عليه الشهرة بذلك. (انتهى). مات ﵀ سنة ست عشرة ومائتين وألف.
وبقيت داره إلى أن جعلت ورشة من ضمن الورش التى أنشأها العزيز محمد على باشا، واشتغلت مدة ثم تعطلت - كما تعطل غيرها من الورش، وفى زمن الخديو إسماعيل باشا اشتراها المرحوم بهجت باشا، وجعل منها بيتا كبيرا أعده لسكنه، وباقيها جعله بيوتا للسكنى لأنها كانت كبيرة جدا؛ أولها على هذا الشارع، وآخرها الشارع القبلى الفاصل بينها وبين البيوت المستجدة، وهى محكورة لجهة الأوقاف إلى الآن.
стр. 527
ودار ورثة حسن باشا جركس بداخلها جنينة.
ودار ورثة الأمير مصطفى باشا ماهر بها جنينة، وفى مقابلتها دار كبيرة بابها على يمين الداخل من أول درب الشمسى تعرف بدار إبراهيم بيك أبى شنب وهى جارية فى وقفه إلى الآن.
ترجمة إبراهيم بيك [أبى شنب]
وإبراهيم بيك هذا هو أحد الأمراء المصريين ترجمه الجبرتى فقال: الأمير الكبير إبراهيم بيك المعروف بأبى شنب أصله مملوك مراد بيك القاسمى، وخشداش إيواظ بيك، تقلد الإمارة والصنجقية مع إيواظ بيك، وكان من الأمراء الكبار المعدودين، تولى إمارة الحج مرتين، وسافر أميرا على العسكر المعيّن فى فتح كريد سنة أربع ومائة وألف، ثم رجع إلى مصر، وطلع إلى الإسكندرية. وكان المتعيّن فى ذاك الوقت بالرياسة إبراهيم بيك ذا الفقار، وكان فى عزمه قطع بيت القاسمية، فأخرج إيواظ بيك إلى إقليم الجيزة وقانصوه بيك إلى بنى سويف وأحمد بيك إلى المنوفية.
ولما حضر المترجم واستقر بمصر اتفق إبراهيم بيك ذو الفقار مع على باشا - والى مصر - على قتله بحجة المال والغلال المنكسرة عليه فى غيبته، فأرسل إليه الباشا يطلبه، وكان عنده خبر بذلك، فقال للرسول: سلّم على الباشا وبعد الديوان أطلع أقابله، ففات العصر ولم يطلع فأرسل الباشا إلى درويش بيك - وكان خفيرا بمصر القديمة - وأمره بالجلوس عند باب السر الذى يطلع على زين العابدين، وأرسل إلى الوالى والعسس، وأمر أوده باشا بالجلوس عند بيت المترجم، وأشيع ذلك فضاق خناق المترجم، واغتم جيرانه وأهل حارته لإحسانه فى حقهم، وحضر إليه بعض أصحابه يؤانسه، مثل إبراهيم جربجى الداودية وغيره، ثم أشيع الخبر بأن السلطان أحمد توفى، وتولى بدله السلطان مصطفى، فعزل على باشا من مصر وولى إسماعيل باشا - حاكم الشام - ففرح المترجم، وأمن على نفسه، وبعد قليل تولى الدفتدارية فى سنة تسع عشرة ومائة وألف، واستمر بها إلى سنة إحدى وعشرين، ثم عزل وتقلد إمارة الحج، ثم أعيد إلى الدفتدارية فى سنة سبع وعشرين، ولم يزل إلى أن مات بالطاعون سنة ثلاثين ومائة وألف، وعمره اثنتان وتسعون سنة.
ترجمة محمد بيك ابن إبراهيم بك
وخلف ولده محمد بيك تقلد الإمارة والصنجقية فى حياة أبيه سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ولما مات والده انتقل إلى داره، وتولى عدة كشوفيات بالأقاليم فى أيام المرحوم
стр. 528
إسماعيل بيك ابن ايواظ، وكانت الرياسة له وقتئذ، وكان محمد بيك يكرهه ويحقد عليه باطنا هو ومماليك أبيه، خصوصا محمد بيك جركس، وجرت بينهم أمور كثيرة ذكرها الجبرتى فى ترجمة محمد بيك جركس المتوفى سنة أربعين ومائة وألف، آل الأمر فيها إلى قتل محمد بيك أبى شنب بعد أن صار دفتدارا، وصار أميرا كبيرا يشار إليه ويرجع إليه فى جميع الأمور، وتقلد قائمقام بعد عزل محمد باشا النشفجى، وعمل الديوان ببيته، وصار كأنه السلطان، وكان على نسق مملوك أبيه محمد بيك جركس فى العسف وسوء التدبير، وبقى كذلك إلى أن أخذه الله بسوء فعله، ولله عاقبة الأمور. (انتهى ملخصا).
تتمة
هذا الشارع هو الذى سماه المقريزى بالجسر الأعظم حيث قال: هذا الجسر فى زمننا قد صار شارعا مسلوكا يمشى فيه من الكبش إلى قناطر السباع، وأصله جسر يفصل بين بركة قارون وبركة الفيل، وبينهما سرب يدخل منه الماء، وعليه أحجار يراها من يمر هناك.
ثم قال: وبلغنى أنه كان هناك قنطرة مرتفعة فلما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاوون الميدان السلطانى عند موردة البلاط أمر بهدم القنطرة فهدمت، ولم يكن إذ ذاك على بركة الفيل من جهة الجسر الأعظم مبان، وإنما كانت ظاهرة يراها المارّ، ثم أمر السلطان بعمل حائط قصير بطولها، فأقيم الحائط وصفر بالطين الأصفر، ثم حدثت الدور هناك. (انتهى).
(قلت): وفى وقتنا هذا أرض البركة المجاورة لهذا الشارع أغلبها مزارع وبساتين مملوكة لبعض الأمراء؛ منها بستان خلف بيت إبراهيم أفندى جركس جار فى ملكه إلى الآن، ومنها أرض جارية فى ملك حسين باشا فهمى الشهير بالمعمار - وكيل ديوان الأوقاف الآن تمتد إلى حائط الحوض المرصود، وباقى ذلك يمتد إلى بركة الفيل.
وفى زمن العزيز محمد على باشا أراد أن يفتح شارع يمر بتلك الأراضى يكون أوله من شارع درب الجماميز بقرب سبيل الحبانية، ويتلاقى بشارع مرسينا من عند باب عطفة حوش أيوب بيك، ويمتد إلى جهة الخلاء، فلو أراد الله وتم ذلك لحصل به النفع العظيم، بسبب ما يترتب عليه من العمارية، وتجديد الهواء، وسهولة المسالك، وغير ذلك من المنافع العمومية.
والآن لو فتح شارع وكان أوله من عند بيت الأمير رستم باشا أو بالقرب منه، وامتد إلى شارع مرسينا، ومر بأرض البركة التابعة لسراى الحلمية، وعمل بالبركة ميدان، وفتح منه جملة حارات، واتصل شارع الحلمية بشارع درب الجماميز لحصل من ذلك فوائد جمة لسكان تلك الجهات، من تخليص الهواء، وسهولة المسالك، وارتفاع قيمة أراضى تلك الجهات،
стр. 529
والرغبة فى سكنى الأماكن التى تحدث بها مع ارتفاع أجرها، فلو اجتهدت دائرة الحلمية فى عمل ذلك لتحصلت على منافع كثيرة بسبب ما يتبعها من أراضى البركة والأراضى الزائدة عن اللزوم من الأماكن التابعة لها، وفضلا عن ذلك تحيا جهة الحبانية، ويرجع لها صيتها القديم.
***
شارع أزبك
ابتداؤه من آخر شارع الصليبة وأول شارع حدرة الحناء تجاه حارة بئر الوطاويط، وانتهاؤه بركة الفيل، وطوله ثلثمائة متر وعشرة أمتار.
وبه جهة اليمين:
- حارة شقبون، بها زاوية تعرف بزاوية الأربعين.
- ثم عطفة روينة.
وأما جهة اليسار فبها:
- العطفة الصغيرة.
- ثم عطفة عمارة حسين باشا، وكلها غير نافذة.
[جامع أزبك]
وبهذا الشارع أيضا جامع أزبك الذى عرف الشارع باسمه، أنشأه الأمير أزبك اليوسفى فى شعبان سنة تسعمائة - كما هو منقوش على بابه - وهو عن شمال الذاهب من الصليبة إلى بركة الفيل، شعائره مقامة، ويتبعه سبيل تحت نظر الأوقاف.
[جامع حسن باشا]
وجامع حسن باشا أنشأه الأمير حسن باشا طاهر والأمير عابدين بيك فى سنة أربع وعشرين ومائتين وألف - كما هو منقوش على بابه - وهو عن يمين الذاهب من الصليبة إلى بركة الفيل، شعائره مقامة إلى الآن، وبداخله ثلاثة قبور: أحدها يعرف بالأربعين، والثانى يعرف بمحمد باشا طاهر، والثالث بالأمير يوسف بيك، وبه سبيل يعلوه مكتب.
وبهذا الشارع أيضا سبيل أنشئ سنة أربع وأربعين ومائتين وألف، والآن تحت نظر ألماس أغا.
ودار المرحوم حسن باشا راسم، ودار الأمير يوسف بيك سرور، وغيرهما من الدور الكبيرة والصغيرة.
***
стр. 530
شارع نور الظلام
ابتداؤه من الحلمية. وانتهاؤه قبلى جامع حسن باشا، وطوله خمسمائة متر وستون مترا.
وبه جهة اليمين: عطفة العمارة ليست نافذة.
وأما جهة اليسار فبها: عطفتان؛ إحداهما تعرف بعطفة الرزازين، بها زاوية تعرف بزاوية الأربعين. والأخرى تعرف بالعطفة الصغيرة.
[زاوية نور الظلام]
وبه ضريح الشيخ نور الظلام الذى عرف الشارع به داخل زاوية تعرف بزاوية نور الظلام، وهى تجاه دار الأمير مصطفى باشا رياض، وكانت أولا تعرف بالمدرسة البشيرية لأنها من إنشاء الأمير الطواشى سعد الدين بشير الجمدار الناصرى، وجعل بها خزانة كتب، وذلك فى سنة إحدى وستين وسبعمائة. والآن شعائرها غير مقامة، لتخربها واندثارها.
[زاوية النحاس]
وبه زاوية بين سراى الحلمية وحديقتها تعرف بزاوية النحاس، أنشأها الشيخ النحاس، بها ضريحه، وضريح ابنه وزوجته، ويقال لها أيضا زاوية الأربعين. كانت متخربة فجددها الأمير عباس باشا سنة سبع وستين ومائتين وألف لمجاورتها لداره، وشعائرها مقامة إلى الآن.
وبه سبيلان: أحدهما أنشأه الأمير حسن كتخدا عزبان سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف، والآخر أنشأه إسماعيل أفندى سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف، وهما عامران إلى الآن.
وبه أيضا عدة من الدور الكبيرة المتسعة ذات الجنائن؛ مثل دار الأمير رياض باشا، ودار فرحات بيك، وغيرهما.
تتمة
هذا الشارع كان أولا يعرف بحكر الخازن، ثم عرف بحكر الخادم، وبدرب الخادم (بالدال المهملة بدل الزاى المعجمة) كما وجد ذلك فى حجج أملاك هذه الخطة. قال المقريزى:
حكر الخازن هو فيما بين بركة الفيل وخط الجامع الطولونى كان من جملة البساتين، ثم صار إصطيلا للجوق الذى فيه خيول المماليك السلطانية، فلما تسلطن الملك العادل كتبغا أخرج منه الخيول. وعمله ميدانا يشرف على بركة الفيل سنة خمس وتسعين وستمائة، ثم عمر فيه الأمير
стр. 531
سنجر الخازن - والى القاهرة - بيتا، فعرف حينئذ بحكر الخازن، وتبعه الناس فى البناء هناك، وأنشئ فيه الآدر الجليلة، فصار من أجل الأخطاط وأعمرها، وأكثر من يسكن به الأمراء والمماليك
ترجمة الخازن
والخازن هذا هو الأمير علم الدين سنجر الأشرفى - أحد مماليك الملك المنصور قلاوون - وتنقل فى أيام ابنه الملك الأشرف خليل، وصار أحد الخزّان، فعرف بالخازن، ثم ولى شد الدواوين، ثم ولاية البهنسا، ثم ولاية القاهرة وشد الجهات، فباشر ذلك بعقل وسياسة، وحسن خلق، وقلة ظلم، ومحبة للستر، وتغافل عن مساوى الناس، وإقالة عثرات ذوى الهيآت، مع العصبية والمعرفة، وكثرة المال، وسعة الحال، واقتنى الأملاك الكثيرة، ثم صرف عن ولاية القاهرة بالأمير قدادار سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فوجد الناس من عزله شدة، وما زال بالقاهرة إلى أن مات سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، فوجد له أربعة عشر ألف إردب غلة عتيقة وأموال كثيرة، وله من الآثار مسجد بناه فوق درب استجده بحكر الخازن، وخانقاه بالقرافة دفن فيها - عفا الله عنه. (انتهى).
وإلى هنا انتهى بيان الأقسام الثلاثة للشارع الطولى المارّ من جهة المنشية إلى شارع اللبودية.
стр. 532
الشارع الطولى الذى ابتداؤه باب الشعرية وانتهاؤه بوابة السيدة زينب
وأما الشارع الطولى الذى ابتداؤه من قراقول باب الشعرية، وانتهاؤه بوابة السيدة زينب - رضى الله تعالى عنها - وهى بوابة الخلاء القريبة من زاوية الحبيبى، فطوله ثلاثة آلاف وستمائة متر. وهذا الشارع حين يقابل القراقول الذى بجوار السيدة زينب ينعطف جهة اليمين حتى يمر على قناطر السباع، وهى القنطرة الكبيرة التى أمام السيدة زينب والشيخ العتريس، ثم ينعطف إلى اليسار مارا على الجهة القريبة من مقام ومسجد السيدة زينب بطريق مصر العتيقة حتى ينتهى إلى بوابة الخلاء المعروفة ببوابة السيدة زينب، وينقسم عشرة أقسام:
القسم الأول: شارع الشعرانى
ابتداؤه من قراقول باب الشعرية، وينتهى إلى ضريح سيدى على الحمار، وعلى يسار المارّ به حارة كبيرة تعرف بحارة الشعرانى تجاه جامع الأستاذ الشعرانى، يسلك منها لحارة برجوان وللخرنفش، بها سبع عطف على هذا الترتيب:
- الأولى عطفة الفرن، بداخلها ضريح سيدى محمد ميالة، وزاوية يقال لها زاوية راشد.
- الثانية عطفة الزاوية عرفت بذلك لمجاورتها لزاوية الشيخ عبد الكريم التى عن يمين الذاهب من حارة الشعرانى إلى حارة برجوان، جددها راغب أفندى - أحد غلمان المرحوم عباس باشا - بداخلها ضريح الشيخ عبد الكريم، يعمل له حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام، وشعائرها مقامة إلى الآن.
- الثالثة عطفة سيدى على وفا، بها ضريحه داخل الزاوية المعروفة به.
- الرابعة العطفة الصغيرة.
- الخامسة عطفة الجداوى.
стр. 533
- السادسة عطفة الغندور.
- السابعة العطفة الضيقة.
وبهذه الحارة أيضا حمام يقال له حمام الشعرانى معد للرجال والنساء، وعامر إلى الآن.
ترجمة حسن كتخدا الجلفى
وبآخرها بيت كبير يعرف ببيت الست الجلفية، وهى زوجة حسن كتخدا الجلفى الذى ترجمه الجبرتى حيث قال: الأمير حسن كتخدا عزبان الجلفى كان إنسانا خيّرا، له بر معروف وصدقات وإحسان للفقراء، ومن مآثره أنه وسع المشهد الحسينى، واشترى عدة أماكن بماله وأضافها إليه، وصنع له تابوتا من آبنوس مطعما بالصدف مضبّبا بالفضة، وجعل عليه سترا من الحرير المزركش بالمخيش، وعملوا له موكبا ووضعوه على المقام الشريف.
توفى يوم الأربعاء تاسع شوال سنة أربع وعشرين ومائة وألف، وخرجوا بجنازته من بيته بمشهد حافل، وصلى عليه بسبيل المؤمنين بالرميلة، واجتمع بمشهده زيادة عن عشرة آلاف إنسان، وكان حسن الاعتقاد يميل إلى الفقراء. ﵀.
ترجمة الأمير على كتخدا الجلفى
وسكن بيته من بعده الأمير على كتخدا الجلفى وهو - كما فى الجبرتى - أيضا. الأمير الكبير على كتخدا الجلفى تنقل فى الإمارة بباب عزبان بعد سيده، وتقلد الكتخدائية، وصار من أعيان الأمراء بمصر، ومن أرباب الحل والعقد، وسبب تلقيبهم بهذا اللقب، هو أن محمد أغا مملوك بشير أغا القزلار - أستاذ حسن كتخدا - كان يجتمع عليه رجل يسمى منصور السنجلفى من قرية من قرى مصر تسمى سنجلف، وكان متمولا وله ابنة، فخطبها محمد أغا لمملوكه حسن كتخدا - أستاذ المترجم - وزوّجها له، وهى خديجة المعروفة بالست الجلفية، ولم يزل المترجم باقيا على حرمته وإمارته إلى أن قتل بعد سنة ثلاثين ومائة وألف.
ومن مآثره القصر الكبير الذى بناحية الشيخ قمر المعروف بقصر الجلفى، وكان فى السابق قصرا صغيرا يعرف بقصر القبر صلى، وأنشأ أيضا القصر الكبير بالجزيرة المعروفة بالفرشة تجاه رشيد. وله غير ذلك مآثر كثيرة وخيرات، رحمه الله تعالى. (انتهى). (قلت):
والدار المذكورة باقية إلى اليوم، لكنها متشعثة، وجارية فى وقف الجلفى، والناظرة عليها حليمة السوداء، وهى تجاه زاوية سيدى على وفا.
стр. 534
هذا وصف جهة اليسار من هذا الشارع، وأما جهة اليمين فبها:
جامع الشعرانى
ضريح الأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعرانى صاحب التآليف الشهيرة داخل الجامع المعروف باسمه، وهو عن يمين الذاهب من شارع باب الشعرية إلى شارع الموسكى، أنشأه القاضى عبد القادر الأرزبكى (نسبة إلى الأمير أرزبك - أحد أمراء الجراكسة) وجعله مدرسة، ووقف عليها أوقافا كثيرة، شعائره مقامة من ريعها إلى الآن، ويعمل لسيدى عبد الوهاب حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام.
وبأسفل هذا الجامع سبيل تابع له يملأ كل سنة من الخليج المصرى، وبلصقه ضريح يعرف بضريح الخضر.
وذكر الشعرانى فى طبقاته فى ترجمة سيدى على نور الدين الشونى أنه كان له وظيفة تدريس بتربة السلطان طومان باى العادل، ثم قال: ولما مات دفن بالمدرسة القادرية بخط بين السورين. (اه).
وفى طبقات المناوى أن الشيخ على الشونى كان شيخ الصلاة على رسول الله بالجامع الأزهر ودفن بزاوية الشعرانى بخط بين السورين، وكانت وفاته سنة أربع وأربعين وتسعمائة (١). (انتهى).
(قلت): المدرسة القادرية هى مسجد الشعرانى الموجود الآن، وأما تربة السلطان طومان باى فقد تهدم أكثرها، ولم يبق منها الآن إلا القبة التى يشاهدها السالك فى طريق العباسية قبل الوصول إلى قشلاق عساكر البيادة الذى هناك، وعلى بابها كتابة تدل على تاريخ إنشائها وعلى اسم منشئها، وهذا الباب مرتفع عن الأرض بنحو مترين يظهر أنه كان له سلالم.
[زاوية أبى العشائر]
وبأول هذا الشارع زاوية أبى العشائر عند باب القنطرة، ويقال لها أيضا جامع أبى الأشائر، عرف باسم منشئها أبى السعود بن أبى العشائر. قال الشعرانى: وكان من أجلاء مشايخ مصر.
مات سنة أربع وأربعين وستمائة، ودفن بسفح جبل المقطم. (انتهى).
[زاوية خوند]
وبآخره زاوية خوند بجوار ضريح الأربعين منقوش على بابها فى الحجر اسم فاطمة خوند، وهى مقامة الشعائر، وبها منبر، وكانت تعرف أولا بمدرسة أم خوند، وكان سيدى عبد الوهاب الشعرانى يتعبد بها - كما هو مذكور فى كتاب وقفيّته.
стр. 535
ترجمة أبى الحمائل
وبهذا الشارع أيضا ثلاثة أضرحة: أحدها ضريح أبى الحمائل داخل زاويته تجاه زاوية خوند، وهو - كما فى طبقات المناوى - محمد السروى العارف الكامل المشهور بأبى الحمائل، قدم مصر، فسكن الزاوية الحمراء، ثم زاوية إبراهيم المواهبى، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة، ودفن بزاويته بين السورين.
ترجمة المواهبى
ثم ذكر المناوى أن المواهبى هو إبراهيم أبو الطيب بن محمود بن أحمد بن حسن الأقصرائى الشاذلى المشهور بالمواهبى - أحد أتباع الشيخ محمد المغربى - مات بزاويته بقرب قنطرة سنقر سنة أربع عشرة وتسعمائة.
وفى طبقات المناوى أيضا أن عبد العال الجعفرى المتوفى فى أواخر القرن العاشر، دفن بزاوية الشيخ أبى الحمائل بخط بين السورين. (انتهى).
[زاوية عصفور]
ثانيها ضريح سيدى عصفور، قال الشعرانى: وكان تجاه زاوية أبى الحمائل زاوية مدفون بها سيدى إبراهيم بن عصيفير، وكان خطه الذى يمشى فيه من باب الشعرية إلى قنطرة الموسكى وإلى جامع الغمرى، وكان كثير الكشف، له وقائع مشهورة، وكان أصله من ناحية البحر الصغير، وظهرت له كرامات وهو صغير. مات سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة. (انتهى).
(قلت): والعامة حرّفت اسمه وقالت عصفور بدل عصيفير.
ثالثها ضريح سيدى على الجمّار، يقال إنه أحد مشايخ الشعرانى.
وبهذا الشارع أيضا عدة من الدور الكبيرة؛ منها دار وقف سليمان أغا السلحدار مجعولة الآن بيتا للصحة الطبية التابعة لقسم باب الشعرية، ومنها دار السيد أحمد العزبى التاجر الشهير، ومنها دار الشيخ عبد الحليم الشعرانى - من ذرية الشيخ الشعرانى - وغير ذلك من الدور الصغيرة والكبيرة.
وهذا وصف شارع الشعرانى فى وقتنا هذا، وأما فى الأزمان القديمة فكان يعرف بخط باب القنطرة. قال المقريزى: وخط باب القنطرة كان يعرف قديما بحارة المرتاحية وحارة الفرحية والرمّاحين، وكان ما بين الرماحين - الذى يعرف اليوم بباب القوس داخل باب القنطرة - وبين الخليج فضاء لا عمارة فيه بطول ما بين باب الرماحين إلى باب الخوخة وإلى
стр. 536
باب سعادة وإلى باب الفرج، ولم يكن إذ ذاك على حافة الخليج عمائر ألبتة، وإنما العمائر من جانب الكافورى، وهى منظرة اللؤلؤة وما جاورها من قبليها إلى باب الفرج، وتخرج العامة عصريات كل يوم إلى شاطئ الخليج الشرقى تحت المناظر للتفرج، فإن بر الخليج الغربى كان فضاء ما بين بساتين وبرك. (انتهى). والمرتاحية والفرحية طوائف من عسكر الفاطمية كان سكنهم بهذه الخطة فلذلك نسبت لهم.
(تم طبع الجزء الثانى، ويليه الجزء الثالث، وأوله القسم الثانى شارع بين السورين، يعنى القسم الثانى من الشارع الطولى الذى ابتداؤه من قراقول باب الشعرية وانتهاؤه بوابة السيدة زينب رضى الله تعالى عنها).
стр. 537
تنويه: ينظر الاستدراكات وتصحيح الأسماء فى آخر هذا الجزء
قام بمراجعة هذا الجزء وعمل الاستدراكات:
الأستاذ/متولى خليل عوض، باحث أول بالمركز.
الأستاذ/مصطفى عبد السميع، باحث بالمركز.
قام بتصحيح الأسماء:
الدكتورة/لبيبة إبراهيم مصطفى، كبير باحثين بالمركز.
стр. 538
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القسم الثانى: شارع بين السورين
ابتداؤه من آخر شارع الشعرانى، وانتهاؤه التقاطع الفاصل بين شارع الموسكى وشارع السكة الجديدة، وهذا الشارع باق على اسمه القديم إلى الآن، وهو الذى سماه المقريزى خط بين السورين فقال: هذا الخط من حدّ باب الكافورى فى الغرب إلى باب سعادة، وبه الآن صفان من الأملاك، أحدهما مشرف على الخليج والآخر مشرف على الشارع المسلوك فيه من باب القنطرة إلى باب سعادة، ويقال لهذا الشارع بين السورين تسميه العامة بها فاشتهر بذلك. (انتهى).
باب القنطرة
(قلت): وباب القنطرة المذكور هو أحد أبواب القاهرة، سمى بذلك من أجل القنطرة التى بناها جوهر القائد على الخليج الكبير، يتوصل إليها من القاهرة، ويمر فوقها إلى المقس.
وقال المقريزى: إنها كانت عند باب جنان أبى المسك كافور الإخشيدى الملاصق للميدان والبستان الذى للأمير أبى بكر محمد الإخشيد، وكان بناؤها فى سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وكانت مرتفعة بحيث تمر المراكب من تحتها، وقد صارت الآن قريبة من أرض الخليج لا يمكن الراكب العبور من تحتها، وتسد بأبواب خوفا من دخول الدعار إلى القاهرة. (قلت):
وهى موجودة إلى الآن، والباب هدمه المرحوم قاسم باشا حين كان محافظا على القاهرة، وكان بقرب قراقول باب الشعرية.
وفى زمن الفاطميين كان خارج هذا الباب من جهة النيل بساتين ثم صارت أحكارا.
стр. 539
حكر ابن منقذ
منها حكر ابن منقذ ذكره المقريزى فقال: هو خارج باب القنطرة بعدوة خليج الذكر، وكان بستانا يعرف ببستان الشريف الجليس، ويعرف أيضا بالبطائحى، ثم عرف بالأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ نائب الملك المعز سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين ابن نجم الدين أيوب بن شاذى على مملكة اليمن، وانتقل بعد ابن منقذ إلى الشيخ عبد المحسن ابن عبد العزيز بن على المخزومى المعروف بابن الصيرفى، فوقفه على جهات تؤول أخيرا إلى الفقراء والمساكين المقيمين بمشهد السيدة نفيسة والفقراء والمساكين المعتقلين فى حبوس القاهرة، وذلك فى سنة ثلاث وأربعين وستمائة، ثم أزيلت أنشاب هذا البستان، وحكرت أرضه وبنيت الدور والمساكن عليها.
[حكر شمس الخواص (¬*)]
ومنها أيضا حكر شمس الخواص مسرور. قال المقريزى: إنه فيما بين خليج الذكر وحكر ابن منقذ: كان بستانا لشمس الخواص مسرور الطواشى أحد الخدّام الصالحية. مات فى نصف شوال سنة سبع وأربعين وستمائة بالقاهرة، ثم حكر، وبنى فيه الدور، وموضعه الآن كيمان. (انتهى).
[حكر بدر بن رزيك]
(قلت): ويظهر أن هذين الحكرين كانا فى برّ الخليج الغربى على يسار السالك الآن بشارع أبى بدير، وكان يفصلهما عن خليج الذكر حكر فارس المسلمين بدر بن رزيك؛ وكان الحد القبلى للأحكار الثلاثة خليج الذكر، وهو الترعة التى ذكرها المقريزى فى ترجمة ميدان القمح، وكانت تمر من قنطرة الدكة إلى الخليج الكبير، ويغلب على الظن أنها كانت تتبع فى سيرها شارع وش البركة، وتمتدّ إلى الخليج الكبير.
ويظهر من كلام المقريزى فى ترجمة ميدان العزيز أن الأحكار الثلاثة المذكورة كانت بأرض بستان البغدادية الذى جعله الملك العزيز ميدانا. قال المقريزى: هذا الميدان بجوار خليج الذكر، وكان موضعه بستانا. قال القاضى الفاضل فى متجددات الثالث والعشرين من
стр. 540
شهر رمضان سنة أربع وتسعين وخمسمائة: خرج أمر الملك العزيز عثمان ابن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بقطع النخل المثمر المستغل تخت اللؤلؤة بالبستان المعروف بالبغدادية، وهذا البستان كان من بساتين القاهرة الموصوفة، وكان منظره من المناظر المستحسنة وكان له مستغل، وكان قد عنى الأولون به لمجاورته اللؤلؤة وإطلال جميع مناظرها عليه، وجعل هذا البستان ميدانا، وحرث أرضه وقطع ما فيه من الأصول ثم حكر الناس أرضه وبنوا عليها، وهو الآن دائر وفيه كيمان وأتربة. (انتهى). (قلت): وقد تداولت الأيام، وتغيرت الأحوال، وصارت هذه الخطة الآن من أعمر أخطاط القاهرة وأبهجها، لأنها تشتمل على خط باب الشعرية وما بجواره.
وهذه الأحكار كان محلها بعض بركة بطن البقرة المعروفة أخيرا ببركة الأزبكية، وباقيها وهو الممتد من خليج الذكر إلى آخرها من قبلى-أعنى إلى قنطرة الموسكى-كان أحكارا أخر:
حكر خطلبا
منها حكر خطلبا. قال المقريزى: هذا الحكر حدّه القبلى إلى الخليج، وحدّه البحرى إلى الكوم الفاصل بينه وبين حكر الأوسية المعروف بالجاولى، وحده الشرقى إلى بستان الجليس الذى عرف بابن منقذ، والغربى إلى زقاق هناك. وكان هذا الحكر بستانا اشتراه جمال الدين الطواشى من جمال الدين عمر بن ناصح الدين داود بن إسماعيل الملكى الكاملى فى سنة ست عشرة وستمائة، ثم ابتاعه منه الطواشى محيى الدين صندل الكاملى فى سنة عشرين وستمائة، وباعه للأمير الفارس صارم الدين خطلبا الكاملى فى سنة إحدى وعشرين وستمائة فعرف به. (انتهى).
[حكر ابن أسد]
وكان فى حدّه البحرى حكر ابن الأسد جفريل أحد أمراء الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب بمصر. (انتهى). (قلت): وحكر ابن أسد هذا كان بجوار خليج الذكر لأن المقريزى ذكر أنه قبلى حكر تكان، ثم ذكر فى الكلام على حكر تكان أن حدّه الشرقى ينتهى إلى حكر البغدادية، وحكر البغدادية كان ممتدا إلى خليج الذكر. فحينئذ يكون حكر ابن أسد مجاورا لخليج الذكر.
стр. 541
[حكر العلائى]
وكان بجوار حكر تكان من بحريه حكر العلائى. قال المقريزى: وكان بستانا جليل القدر، ثم حكر، وصار بعضه وقف تذكار بى خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس، وقفته فى سنة أربع وثلاثين وسبعمائة على نفسها، ثم من بعدها على الرباط الذى أنشأته داخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس، وهو الرباط المعروف برواق البغدادية، وعلى المسجد الذى بحكر سيف الإسلام خارج باب زويلة، وعلى تربتها التى بجوار جامع ابن عبد الظاهر بالقرافة، وصار بعض هذا الحكر فى وقف الأمير سيف الدين بهادر العلائى متولى البهنسا، وكان وقفه فى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فعرف بحكر العلائى. (انتهى).
[حكر الحريرى]
وكان بجواره حكر يعرف بحكر الحريرى. قال المقريزى: هذا الحكر بجوار حكر العلائى من حده البحرى، وهو من جملة الأرض المعروفة بالأرض البيضاء، وكان بستانا ثم حكر وصار فى وقف خزائن السلاح. (انتهى). (قلت): وكان ينتهى إلى الخليج الناصرى لأن الأرض البيضاء كانت قبالة الأرض المعروفة بالخور التى ذكرها المقريزى حيث قال: الخور فى اللغة مصب الماء، وهو هنا اسم للأرض التى ما بين الخليج الناصرى والخليج الذى يعرف بفم الخور، وجميع هذه الأرض من بستان ابن ثعلب. (انتهى).
[حكر خزائن السلاح]
وأما حكر خزائن السلاح المعروف قديما بحكر الأوسية فكان بجوار حكر تكان يفصل بينهما سويقة العجمى، وقفه السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب على مصالح خزائن السلاح، وذكر المقريزى فى ترجمة حكر تكان أن حده الغربى ينتهى إلى حكر خزائن السلاح وإلى سويقة العجمى، ثم قال: وهذا الحكر قد استقر أخيرا فى أوقاف خوند زوجة الملك الأشرف خليل بن قلاوون على تربتها التى أنشأتها خارج باب القرافة. (انتهى).
(قلت): وقد تقدم فى الكلام على حكر خطلبا أن حده البحرى إلى الكوم الفاصل بينه وبين حكر الأوسية، فيؤخذ من هذا أن حكر الأوسية الذى هو حكر خزائن السلاح كان حده الشرقى سويقة العجمى، وحده القبلى الكوم المذكور.
стр. 542
وبالتأمل فيما تقدم يظهر أن جميع هذه الأحكار هى عبارة عن بركة الأزبكية بأكملها بما فى ذلك جميع الأماكن والحارات والأزقة الكائنة على الخليج من ابتداء قنطرة الموسكى إلى باب القنطرة من هذه الجهة، ومن الجهة الأخرى من ابتداء قنطرة الموسكى أيضا إلى الشارع المسلوك فيه إلى مصر القديمة تجاه سراى الإسماعيلية والقصر العالى وقصر العينى، ولا يخرج عن ذلك إلا بستان الدكة الذى محله الآن خط قنطرة الدكة.
والكوم المذكور فى حكر خطلبا هو المعروف اليوم بكوم الشيخ سلامة، وسويقة العجمى هى المعروفة الآن بسويقة المناصرة، وتكون مقبرة المناصرة المشهورة بترب الأزبكية من ضمن حكر خزائن السلاح، ويكون ما وراء كوم الشيخ سلامة إلى الخليج الكبير بما فيه دار الشيخ العباسى وما بجوارها من بحرى من الدور من حكر خطلبا.
وجميع هذه الأحكار هى بعض البستان المقدسى القديم. قال المقريزى: وكان فى القديم بخط بين السورين هذا البستان الكافورى يشرف عليه بحدّه الغربى ثمة مناظر اللؤلؤة، وقد بقيت منها عقود مبنية بالآجر يمر السالك فى هذا الشارع من تحتها، ثم مناظر دار الذهب، وموضعها الآن دار تعرف بدار بهادر الأعسر، وعلى بابها بئر يستسقى منها الماء فى حوض يشرب منه الدواب، ويجاورها قبو معقود يعرف بقبو الذهب من بقية مناظر دار الذهب، وبحدّ دار الذهب منظرة الغزالة، وهى بجوار قنطرة الموسكى، وقد بنى فى مكانها ربع يعرف إلى اليوم بربع غزالة ودار ابن قرفة، وقد صار موضعها جامع ابن المغربى وحمام ابن قرفة، وبقى منها البئر التى يستسقى منها إلى اليوم بحمام السلطان، وعدّة دور كلها فيما يلى شقة القاهرة من صف باب الخوخة.
وكان ما بين المناظر والخليج مراحا، ولم يكن شئ من هذه العمائر التى بحافة الخليج اليوم ألبتة. وكان الحاكم بأمر الله فى سنة إحدى وأربعمائة منع من الركوب فى المراكب بالخليج وسد أبواب القاهرة التى تلى الخليج وأبواب الدور التى هناك والطاقات المطلة عليه.
وقال ابن المأمون فى حوادث سنة ست عشرة وخمسمائة: ولما وقع الاهتمام بسكنى اللؤلؤة والمقام بها مدة النيل على الحكم الأول-يعنى قبل أيام أمير الجيوش بدر وابنه الأفضل- وإزالة ما لم تكن العادة جارية عليه من مضايقة اللؤلؤة بالبناء، وأنها صارت حارات تعرف
стр. 543
بالفرحية والسودان وغيرهما، أمر حسام الملك-متولى بابه-باحضار عرفاء الفرحية والإنكار عليهم فى تجاسرهم على ما استجدوه وأقدموا عليه، فاعتذروا بكثرة الرجال وضيق الأمكنة عليهم، فبنوا لهم قبايا يسيرة، فتقدم-يعنى أمر الوزير المأمون-إلى متولى الباب بالإنعام عليهم وعلى جميع من بنى فى هذه الحارة بثلاثة آلاف درهم وأن يقسم بينهم بالسوية، ويأمرهم بنقل قسمهم، وأن يبنوا لهم حارة قبالة بستان الوزير-يعنى ابن المغربى-خارج الباب الجديد خارج باب زويلة. (انتهى).
(قلت): وقد بينا محل الباب الجديد فى الكلام على شارع الحلمية من هذا الكتاب (١).
وأما بستان ابن المغربى فقد تكلمنا عليه فى شارع السيوفية (٢) فانظره هناك.
[منظرة اللؤلؤة]
ومنظرة اللؤلؤة المتقدم ذكرها محلها الآن الدور والأبنية التى من جملتها القبو المجاور لضريح الشعرانى، وقد هدم هذا القبو عندما بنى التاجر المشهور أحمد العزبى داره التى كانت بجواره على الخليج الكبير وذلك قبل سنة تسعين ومائتين وألف. وهذه المنظرة بناها العزيز بالله، وكانت الخلفاء تتحول إليها أيام النيل بحرمهم وحشمهم، وكانت تشرف من شرقيها على البستان الكافورى، ومن غربيها على الخليج الكبير، وكان تجاهها حكر فارس المسلمين بدر بن رزيك. قال المقريزى: وكان من جملة البركة المعروفة ببطن البقرة ثم حكر وبنى فيه.
[منظرة الغزالة]
وأما منظرة الغزالة فكانت على شاطئ الخليج تقابل حمام ابن قرفة، وموضعها الآن الأبنية التى تجاه جامع ابن المغربى الكائن بهذا الشارع بجوار ربع هناك من أوقاف الشيخ الجوهرى بالقرب من محل الضبطية القديم. وهذا الجامع موجود للآن إلا أنه متخرب، وقد زالت أكثر معالمه ولم يبق منها إلا القليل. وذكر المقريزى أن هذه المنظرة كان يسكن بها الأمير أبو القاسم ابن المستنصر والد الحافظ لدين الله، ثم سكنها أبو الحسن بن أبى أسامة كاتب الدست، ثم قال وكان بعد ذلك ينزلها من يتولى الخدمة فى الطراز أيام الخلفاء.
стр. 544
مبحث الخدمة فى الطراز
قال ابن الطوير: الخدمة فى الطراز وينعت بالطراز الشريف، لا يتولاها إلا أعيان المستخدمين من أرباب العمائم والسيوف، وله اختصاص بالخليفة دون كافة المستخدمين، ومقامه بدمياط وتنيس وغيرهما، وجارية أمير الجوارى، وبين يديه من المندوبين مائة رجل لتنفيذ الاستعمالات بالقرى، وله عشارى دتماس مجرد معه، وثلاثة مراكب من الدكاسات، ولها رؤساء ونواتية لا يبرحون، ونفقاتهم جارية من مال الديوان، فإذا وصل بالاستعمالات الخاصة التى منها المظلة وبدلتها والبدنة واللباس الخاص الجمعى وغيره هيئ بكرامة عظيمة، وندب له دابة من مراكيب الخليفة لا تزال تحته حتى يعود إلى خدمته، وينزل فى الغزالة على شاطئ الخليج، وكانت من المناظر السلطانية.
قال: ولو كان لصاحب الطراز فى القاهرة عشرة دور لا يمكن من نزوله إلا بالغزالة، وتجرى عليه الضيافة كالغرباء الواردين على الدولة، فيتمثل بين يدى الخليفة بعد حمل الأسفاط المشدودة على تلك الكساوى العظيمة، ويعرض جميع ما معه وهو ينّبه على شئ فشئ بيد فراشى الخاص فى دار الخليفة مكان سكنه، ولهذا حرمة عظيمة، ولا سيما إذا وافق استعماله غرضهم، فاذا انقضى عرض ذلك بالمدرج الذى يحضره سلم لمستخدم الكسوات، وخلع عليه بين يدى الخليفة باطنا، ولا يخلع على أحد كذلك سواه، ثم ينكفئ إلى مكانه، وله فى بعض الأوقات التى لا يتسع له الانفصال نائب يصل عنه بذلك غير غريب منه، ولا يمكن أن يكون إلا ولدا أو أخا، فان الرتبة عظيمة والمطلق له من الجامكية فى كل شهر سبعون دينارا، ولهذا النائب عشرون دينارا، ومن أدواته أنه إذا عبى ذلك فى الأسفاط استدعى والى ذلك المكان ليشاهده عند ذلك، ويكون الناس كلهم قياما لحلول نفس المظلة وما يليها من خاص الخليفة فى مجلس دار الطراز وهو جالس فى مرتبته والوالى واقف على رأسه خدمة لذلك وهذا من رسوم خدمته وميزتها.
[حمّام ابن قرقة]
وأما حمّام ابن قرقة فكان بخط سويقة المسعودى من حارة زويلة على ما ذكره المقريزى، ثم لما خرّب عمل موضعه فندق عرف بفندق عمارة الحمامى بجوار جامع ابن المغربى وفى وقتنا هذا محل هذا الفندق وكالة كبيرة عامرة إلى اليوم.
стр. 545
[حمام السلطان]
وأما حمام السلطان فقال المقريزى: إنه يتوصل إليها من سويقة المسعودى التى بينها وبين قنطرة الموسكى، وقد زال هذا الحمّام عند فتح شارع السكة الجديدة، وكان بالقرب من قنطرة الموسكى.
وبهذا الشارع الآن من جهة اليمين رأس شارع القنطرة الجديدة يسلك منه لشارع الميدان وغيره، سيأتى بيانه فى محله.
[حارة زويلة]
وأما جهة اليسار فبها الجارة المعروفة بحارة زويلة، وهى حارة كبيرة جدا بداخلها عطف وحارات على هذا الترتيب: منها على اليمين عطفة الكنيسة، ثم عطفة العدوى، ثم عطفة العشماوى.
ومنها على اليسار حارة أمين كاشف، يتوصل منها لحارة نخلة الكرارجى، وبداخلها درب يعرف بدرب البئر، ثم العطفة الصغيرة، ثم حارة نخلة الكرارجى.
وحارة زويلة هذه من الحارات القديمة التى ذكرها المقريزى فى خططه حيث قال: لما نزل القائد جوهر بالقاهرة اختطت كل قبيلة خطة عرفت بها، فزويلة بنت الحارة المعروف بها والبئر التى تعرف ببئر زويلة فى المكان الذى يعمل فيه الآن الروايا. ثم قال: حارة زويلة محلة كبيرة بالقاهرة بينها وبين باب زويلة عدة محال، سميت بذلك لأن جوهرا-غلام المعز- لما اختط محله بالقاهرة أنزل أهل زويلة بهذا المكان فتسمى بهم. (انتهى). وذكر أيضا عند الكلام على مسالك القاهرة وشوارعها أن المارّ من الساباط المسلوك فيه إلى حمام خشيبة الذى هو الآن حمام المقاصيص يصل إلى درب شمس الدولة-المعروف بعطفة الجوهرى الآن-وإلى حارة العدوية التى هى اليوم شارع خان أبى طقية، وإلى حارة زويلة. وذكر أيضا عند ترجمة المارستان المنصورى إنه يتوصل من باب المارستان إلى الخرنفش وإلى باب الكافورى وإلى حارة زويلة، ثم قال: إن السالك من باب الخرنفش يسلك إلى حارة برجوان وإلى حارة زويلة.
стр. 546
فتلخص من هذا كله أن حارة زويلة المشهورة الآن بهذا الاسم هى قطعة صغيرة من الحارة القديمة التى ذكرت فى الخطط، فإن الحارة المعروفة الآن لا تصل إلى ما ذكره المقريزى، وبالبحث والتأمل تبين أن من ضمن حارة زويلة بحسب الأصل حارة اليهود الربانيين التى يسلك إليها من سوق الصيارفة، وحارة اليهود القرائين التى يسلك إليها من خط الخرنفش عند باب سوق السمك، ويسلك إليها من شارع خميس العدس من مسلك جديد كان أصله فويريقة مشهورة بورشة خميس العدس، ودرب الصقالبة المسلوك إليه من الزقاق الذى على يسار المارّ من شارع السكة الجديدة من جهة قنطرة الموسكى، وهذه الحارات الأربع تتصل ببعضها، غير أن حارة اليهود الربانيين كان يتوصل منها إلى حارة زويلة من طاحون هناك ومنزل صغير. بجوارها، فقبل سنة تسعين ومائتين وألف هجرية أخذت هذه الطاحون وجعلت مستشفى لمرضى فقراء اليهود، وللآن له باب من حارة زويلة. وحارة زويلة هذه مشهورة عند اليهود بحارة النصارى لسكنى كثير من الأقباط بها ولهم فيها كنيسة معروفة بكنيسة الأقباط.
وحاصل ما ذكر أن حارة زويلة القديمة انقسمت إلى أربعة أقسام: حارة زويلة المعروفة اليوم، وحارة اليهود القرائين، وحارة اليهود الربانيين، ودرب الصقالبة، وجميعها يقال له حارة اليهود، غير أن لكل واحدة منها بابا من خط بعيد عن الآخر، وأما فى الداخل فالجميع حارة واحدة.
وسكنى اليهود بهذه الخطة قديم فإن المقريزى قال فى ترجمة المدرسة العاشورية: هذه المدرسة بحارة زويلة من القاهرة بالقرب من المدرسة القطبية، وقد تلاشت هذه المدرسة، وصارت طول الأيام مغلقة لا تفتح إلا قليلا، فإنها فى زقاق لا يسكنه إلا اليهود ومن يقرب منهم فى النسب. (انتهى).
وللآن فى الزقاق الذى به المستشفى باب مدرسة مقنطر مسدود بالبناء وداخله خربة كبيرة فلعله هو باب المدرسة المذكورة.
وأما الدروب التى كانت بحارة زويلة المذكورة فذكر المقريزى منها درب مخلص، ان يعرف بدرب الرابض، وذكر درب الوشاقى، ودرب الكنجى وكان يعرف بدرب
стр. 547
حليلة، ودرب الصقالبة، وهذه الدروب لم تعرف الآن لتغير أسمائها ومواقعها ما عدا درب الصقالبة فإنه إلى اليوم يعرف بهذا الاسم
وذكر بها أيضا من الأزقة زقاق القابلة، وقال إن فيه اليوم كنيسة اليهود وبجواره درب رومية، وعرف بزقاق العسل، ثم عرف بزقاق المعصرة، ثم عرف بزقاق الكنيسة.
وذكر بها من الخوخ خوخة الجوهرة، وعرفت بخوخة الوالى، وخوخة مصطفى بآخر زقاق الكنيسة يخرج منها إلى القبو الذى تحت حمام طاب الزمان المسلوك منه إلى قبو منظرة اللؤلؤة. وحمام طاب الزمان كان بخط بين السورين.
وذكر بها من الرحاب رحبة كوكاى، ورحبة ابن ذكرى قال: وهى التى بها البئر السائلة بالقرب من المدرسة العاشورية، ورحبة الموفق، ورحبة خوند. وهذه الأسماء كلها تغيرت، بل وضع الحارة كله تغير ولم يبق منه إلا القليل.
انتهى ما يتعلق بوصف حارة زويلة قديما وحديثا.
وبهذا الشارع أيضا زاوية عبد الوهاب بن شاكر، وتعرف أيضا بزاوية كهنشاه الإبراهيمى كانت متخربة، فعمرها ناظرها المعلم حسن الكوالينى وأقام شعائرها. وبه ضريح يعرف بضريح الشيخ أبى طالب، وسبيل وقف سليمان جاويش، وكنيسة تعرف بكنيسة الأرمن.
***
стр. 548
القسم الثالث: شارع بين النهدين
ابتداؤه من آخر شارع بين السورين، وينتهى لجامع الحفنى، وطوله ثمانون مترا، وكان فى القديم من ضمن شارع بين السورين، ثم عرف أخيرا بشارع بين النهدين.
[جامع العجمى]
وبأوله من جهة اليسار جامع العجمى تجاه قراقول الموسكى، شعائره مقامة وتحته صهريج، وفوقه مكتب لتعليم الأطفال. ويعرف أيضا بجامع مراد بك.
ثم شارع قبو الزينية، وفى الأزمان القديمة كان بشارع قبو الزينية باب الخوخة الذى ذكره المقريزى فقال: هو أحد أبواب القاهرة مما يلى الخليج فى حد القاهرة البحرى يسلك إليه من سويقة الصاحب ومن سويقة المسعودى، وكان هذا الباب يعرف أولا بخوخة ميمون دبة، ويخرج منه إلى الخليج الكبير، وميمون دبة يكنى بأبى سعيد أحد خدام العزيز بالله كان خصيا. (انتهى).
[جامع القاضى يحيى]
وأما جهة اليمين فبها جامع القاضى يحيى على شاطئ الخليج الشرقى أنشأه القاضى يحيى زين الدين الاستادارى فى سنة أربعين وثمانمائة. وهو مقام الشعائر إلى الآن. وله أوقاف تحت نظر الديوان، وبحائطه الشرقية باب صغير من الخارج يتوصل منه إلى ضريح منقوش على بابه فى الحجر «هذا ضريح الشيخ الصالح سيدى فرج السطوحى».
[جامع الحفنى]
ثم جامع الحفنى أنشأه الأمير عبد الرحمن كتخدا فى سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، ثم جدد فى سنة تسعين ومائتين وألف من جهة ديوان الأوقاف، وهو مقام الشعائر إلى الآن.
وبجواره دار الشيخ محمد المهدى العباسى الحنفى شيخ الجامع الأزهر ومفتى السادة الحنفية سابقا، وهى دار كبيرة بداخلها جنينة.
***
стр. 549
القسم الرابع: شارع جامع البنات
يبتدئ من آخر شارع بين النهدين بجوار دار الشيخ محمد المهدى، وينتهى لأول شارع قنطرة الأمير حسين.
دار الذهب
وكان به فى القديم دار الذهب التى ذكرها المقريزى حيث قال: هذه الدار خارج القاهرة فيما بين باب الخوخة وباب سعادة، بناها الأفضل أبو القاسم شاهنشاه ابن أمير الجيوش بدر الجمالى، ثم قال: ويجاورها من حيز باب الخوخة دار الفلك بناها فلك الملك أحد الأستاذين الحاكمين. وتلاصق دار الذهب هذه دار الشابورة.
ودار الذهب عرفت أخيرا بدار الأمير بهادر الأعسر شاد الدواوين، ثم الآن عرفت بدار الأمير الوزير المشير الاستادار فخر الدين عبد الغنى ابن الأمير الوزير الاستادار تاج الدين عبد الرازق ابن أبى الفرج الأرمنى الأصل، وعنى بها وهدم كثيرا من الدور التى كانت تجاهها على بر الخليج الشرقى، وأنشأ هناك دارا يتطرق إليها من هذه الدار بساباط.
[جامع البنات]
وأنشأ بجوارها جامعه، وهو المعروف اليوم بجامع البنات، وكان يعرف أولا بجامع الفخرى وكان أنشأه فى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، وجعل بصحنه صهريجا، ولما مات دفن به، وهو عامر إلى الآن من أوقاف له تحت نظر الشيخ سليم عمر. وفى سنة سبعين ومائتين وألف جددت منارته المرحومة والدة حسين بيك نجل العزيز محمد على مع السبيل الذى قبالة هذا الجامع المعروف بسبيل أم حسين بيك.
стр. 550
[حمّام الكلاب]
وكذلك أنشأ حمامه الذى عرف أخيرا بحمام الكلاب، وكان يعرف أولا بحمام الفخرى، وقد أزيل هذا الحمام عند بناء الزيادة المستجدة فى دار الست أم حسين بيك.
ثم هدم كثيرا من الدور التى كانت على الخليج وما وراءها بتلك الأحكار التى فى الجانب الغربى من الخليج، وغرس فى أراضى تلك الدور الأشجار، وجعلها بستانا تجاه داره، فمات قبل أن تكمل وصار أكثر مواضع الدور التى خربها هناك كيمانا. (انتهى).
والساباط المذكور استمر موجودا إلى سنة خمس وثمانين بعد المائتين والألف، ثم هدم بأمر ديوان الأشغال، وكان يعرف بقبو الذهب، وكان بجوار جامع الحفنى الجديد الذى أحدثه الشيخ العباسى شيخ الجامع الأزهر، وأثر هذا القبو موجود إلى الآن فى الحائط المقابل للباب المذكور.
وقد أنشأ أيضا الشيخ العباسى قنطرة ليمر من عليها إلى السراى التى جدّدها شرقىّ بيته القديم الذى هو بيت أجداده، وهذه القنطرة غير القنطرة القديمة التى كان يتوصل من فوقها أوّلا إلى سرايته المذكورة، وهى باقية إلى الآن بالقرب من القنطرة الجديدة. وعلى يمين الداخل من الباب الجديد الذى عليه الدرابزين الحديد بيت مستجد الإنشاء يعرف ببيت الشيخ الحفنى، لأنه كان يسكنه فى حياته، وهو الآن وقف، وتحت نظر الشيخ العباسى المذكور.
خوخة الأمير حسين
وبنهاية هذا الشارع الآن من جهة اليسار باب القبوة يتوصل منه لحارة درب سعادة.
عرف بذلك لأنه كان هناك قبو من الحجر يمر الناس من تحته، وقد زال عند بناء سور سراى الأمير منصور باشا، وهذا القبو هو باب خوخة الأمير حسين التى ذكرها المقريزى حيث قال: هذه الخوخة من جملة الوزيرية يخرج منها إلى تجاه قنطرة الأمير حسين، فتحها الأمير شرف الدين حسين بن أبى بكر بن إسماعيل بن حيدرة بك الرومى حين بنى القنطرة على الخليج الكبير وأنشأ الجامع بحكر جوهر النوبى.
وجرى فى فتح هذه الخوخة أمر لا بأس بإيراده، وهو أن الأمير حسينا قصد أن يفتح فى السور خوخة لتمر الناس من أهل القاهرة فيها إلى شارع بين السورين ليعمر جامعه، فمنعه
стр. 551
الأمير علم الدين سنجر-والى القاهرة-من ذلك إلا بمشاورة السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون، وكان للأمير حسين إقدام على السلطان، وله به مؤانسة، فعرّفه أنه أنشأ جامعا وسأله أن يفسح له فى فتح مكان من السور ليصير طريقا نافذا يمر فيه الناس من القاهرة ويخرجون فيه، فأذن له فى ذلك، وسمح به، فنزل إلى السور، وخرق منه قدر باب كبير ودهن عليه رنكه بعد ما ركّب هناك بابا، ومرّ الناس منه.
واتفق أنه اجتمع بالخازن والى القاهرة، وقال له على سبيل المداعبة: كم كنت تقول ما أخليك تفتح فى السور بابا حتى تشاور السلطان، هأنا قد شاورته وفتحت بابا على رغم أنفك، فحنق الخازن من هذا القول، وصعد إلى القلعة، ودخل على السلطان وقال: ياخوند أنت رسمت للأمير شرف الدين أن يفتح فى السور بابا وهو سور حصين على البلد، فقال السلطان: إنما شاورنى أن يفتح خوخة لأجل حضور الناس الصلاة فى جامعه، فقال الخازن:
يا خوند ما فتح إلا بابا يعادل باب زويلة وعمل عليه رنكه وقصد أن يعمل سلطانا على البارد وما جرت عادة أحد أن يفتح سور البلدة.
فأثّر هذا الكلام من الخازن فى نفس السلطان أثرا قبيحا، وغضب غضبا شديدا، وبعث إلى النائب، وقد اشتد حنقه بأن يسفر حسين بن حيدرة إلى دمشق بحيث لا يبيت فى المدينة، فخرج من يومه من البلد بسبب ما تقدم ذكره. (انتهى).
وأما جهة اليمين من هذا الشارع فبها سكة قنطرة الأمير حسين يتوصل منها إلى شارع الخليج وشارع المناصرة وحارة غيط العدة وغيرها.
وبهذا الشارع أيضا من الدور الشهيرة دار الست أم حسين بيك لها بابان باب من هذا الشارع وباب من حارة درب سعادة، ثم دار الشيخ عبد الهادى الإبيارى الشافعى الشاعر المشهور، ثم دار الأمير أحمد بيك أخى الأمير منصور باشا، وتجاه هذه الدار ضريح يعرف بضريح الشيخ عبد الله.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع جامع البنات قديما وحديثا.
стр. 552
القسم الخامس: شارع قنطرة الأمير حسين
يبتدئ من آخر شارع جامع البنات وينتهى لأول شارع الحين عند قنطرة باب الخرق التى ذكرها المقريزى فقال: إنها على الخليج الكبير كان موضعها ساحلا وموردة للسقائين فى أيام الخلفاء الفاطميين، فلما أنشأ الملك الصالح نجم الدين أيوب الميدان السلطانى بأرض اللوق وعمر به المناظر فى سنة تسع وثلاثين وستمائة أنشأ هذه القنطرة ليمر عليها إلى الميدان المذكور، وقيل لها قنطرة باب الخرق. (انتهى).
(قلت): وقد بقيت على حالها إلى أن فتح شارع محمد على فى زمن الخديو إسماعيل، وكنت إذ ذاك ناظرا على ديوان الأشغال فهدمت هذه القنطرة، وعمل بدلها قنطرة جديدة تحت الميدان الكائن تجاه سراى الأمير منصور باشا.
وبأول هذا الشارع من جهة اليمين ضريح سيدى شاهين داخل مزار صغير وله شباك على الشارع، ثم ضريح سيدى محمد أبى النور داخل زاوية صغيرة أنشئت له بأمر الخديو إسماعيل، وكان أولا تجاه باب درب سعادة داخل قبة صغيرة هناك، ثم عند عمل الميدان أخذت هذه القبة فيه بعد نقله منها ودفنه تجاه سور جنينة السراية، وعملت له الزاوية المذكورة.
ويغلب على الظن أن هذه القبة حدثت أخيرا لأنها لم تكن قديمة البناء وأن محلها كان به مسجد يانس الذى ذكره المقريزى حيث قال: هذا المسجد كان تجاه باب درب سعادة خارج القاهرة، ثم ذكر سبب بنائه فقال: وكان الأجل المأمون-يعنى الوزير محمد بن فأتك البطائحى-قد انضم إليه عدة من مماليك الأفضل بن أمير الجيوش، من جملتهم يانس، وجعله مقدما على صبيان مجلسه، وسلم إليه بيت ماله، وميّزه فى رسومه. فلما رأى المذكور فى ليلة
стр. 553
النصف من شهر رجب يعنى سنة ست عشرة وخمسمائة ما عمل فى المسجد المستجدّ قبالة باب الخوخة من الهمة ووفور الصدقات وملازمة الصلوات كتب رقعة يسأل فيها أن يفسح له فى بناء مسجد بظاهر باب درب سعادة، فلم يجبه المأمون إلى ذلك، وقال له: ما ثم مانع من عمارة المساجد وأرض الله واسعة، وإنما هذا الساحل فيه معونة للمسلمين وموردة للسقائين وهو مرسى مراكب الغلة، والمضرة فى مضايقة المسلمين فيه منه، ولو لم يكن المسجد المستجد قبالة باب الخوخة محرسا لما استجد، فان أردت أن تبنى مسجدا قبل مسجد الريفى أو على شاطئ الخليج فالطريق ثم سهلة.
فقبّل الأرض وامتثل الأمر، فلما قبض على المأمون، وأمر الخليفة يانس المذكور، ولم يزل ينقله إلى أن استخدمه فى حجبة بابه سأله فى مثل ذلك، فلم يجبه إلى أن أخذ الوزارة فبناه فى المكان المذكور، وكانت مدته يسيرة فتوفى قبل إتمامه وإكماله، فكمّله أولاده بعد وفاته. (انتهى).
(قلت): وقد عرف هذا المسجد أخيرا بزاوية الشيخ أبى العباس البصير لأنه أقام به واتخذه زاوية لفقرائه فعرف بزاوية أبى العباس من ذلك الوقت.
ترجمة الشيخ أبى العباس البصير
وأبو العباس هذا ترجمه الشعرانى فى طبقاته وقال: إنه من أصحاب الكشف التام والقبول العام. كان ﵁ معاصرا للشيخ أبى السعود بن أبى العشائر، وكان سيدى أبو السعود فى زاويته بباب القنطرة يراسل سيدى أبا العباس بالأوراق أيام النيل بالخليج الحاكمى وهو فى زاويته بباب الخرق، فكانت ورقة أبى السعود تقلع وورقة أبى العباس تحدر إلى أن ترسى على سلم الخليج ولا تبتل. ﵄.
وذكر الشعرانى أيضا أن الشيخ يحيى الصنافيرى-المتوفى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة- دفن بتربة الشيخ أبى العباس البصير بالقرافة. (انتهى). فعلم من هذا أن القبر الذى كان بهذه الزاوية تحت القبة التى كانت هناك ليس هو قبر أبى العباس، وهل هو قبر يانس صاحب المسجد أم قبر أحد أولاده؟ الله أعلم بحقيقة الحال.
стр. 554
ثم بعد ضريح سيدى محمد أبى النور قنطرة ثابت باشا، عرفت به لأنه هو الذى أنشأها ليمر عليها إلى داره التى هناك بشاطئ الخليج الغربى، وهى دار كبيرة فيها حديقة متسعة، وقد اشتراها الميرى الآن وجعل بها المحكمة الابتدائية المستجدة.
[سراى الأمير منصور]
وبه من جهة اليسار سراى الأمير منصور باشا، وهى من المبانى الهائلة. كان أصلها عدة بيوت وعطف وحارات أخذت جميعها وهدمت وبنيت على هذه الصورة، ومن ضمن ما دخل فيها سراى الأمير حسن باشا الطويل، وكانت عظيمة الاتساع صرف عليها مبلغا من النقود وأدخل فيها عدة بيوت، وبعد موته آلت إلى ابنته التى تزوجها فؤاد بيك بن حسن باشا الإسلامبولى، وسافرت معه إلى الآستانة العلية، فأقامت هناك مدة ثم عادت إلى مصر بأولادها بسبب أمور وقعت لها من زوجها، فاشترى منها الخديو إسماعيل هذه السراى، ثم اشترى الدور المجاورة لها من الجهة القبلية والبحرية، وهدم الجميع وأنشأه دارا واحدة برسم كريمته حرم الأمير منصور باشا، وعمل بداخلها بستانا عظيما فى جهتها البحرية، وأحدث من أجلها الميدان الموجود الآن محل جامع إسكندر باشا وملحقاته من السبيل والتكية والمنازل والدكاكين الموقوفة على ذلك، وكذلك جميع الأماكن التى كانت على الخليج تجاه السراية المذكورة مما كان لغير الأوقاف أخذ بثمنه من أربابه بعد تثمينه من أهل الخبرة، وجعل الجميع ميدانا كما هو الآن.
وقد بلغ مجموع تكاليف هذه العمارة من مشترى أملاك وهدم ونقل أتربة وبناء ومؤن وأجر وغير ذلك ما يزيد على مائتى ألف جنيه مصرى، ومع كل ذلك جاءت عمارة خالية من الحسن مجردة عن الانتظام ليس لهيئتها رونق مثل غيرها من العمارات الجسيمة.
ثم لما حصلت الحوادث بعد سنة ست وتسعين ومائتين وألف وخرج الخديو إسماعيل من الديار المصرية لم تتمكن صاحبتها من الإقامة بها لكثرة ما يلزمها من المصاريف، فتركتها وسكنت بالقصر الذى اشترته من الميرى الكائن بقرب ديوان المالية الآن الذى كان أصله بيت الأمير إسماعيل صديق باشا، وبقيت تلك السراية خالية من السكان لا يمكن بيعها لقلة من يرغب فى شرائها لخروجها عن الحد فى الاتساع، ولا يمكن تأجيرها للسكنى إلا إذا جعلت
стр. 555
وكالة أو حوشا يسكنه الفقراء، وفى هذه الحالة ما يتحصل منها من الاستغلال لا يكفى ما يتوقع بها من المرمة والعمارة، وعلى فرض حصول ذلك تصير خرابا فى زمن قريب مثل حوش الشرقاوى وغيره من بيوت الأمراء من الغز فى الأيام السالفة.
وقد قيل إن الميرى يرغب مشتراها ليجعلها ديوانا لإقامة المجالس المحلية، فإن فعل ذلك لزمه أن يصرف عليها مبالغ وافرة لتحويلها إلى الصورة الموافقة لإقامة المجالس بها، إذ تحويلها يقتضى هدمها عن آخرها وعمارتها بشكل جديد. فالأولى أن تبقى على حالتها وتجعل ديوانا للضبطية والمخالفات وعساكر البوليس لوجودها فى وسط البلد.
(قلت): ويوجد الآن بجهة حائط هذه السراية القبلية ضريح مشهور عند العامة بضريح الست سعادة وهو غلط، والصحيح أنه ضريح سعادة غلام المعز لدين الله، وقد ذكرنا ترجمته فى شارع درب سعادة من هذا الكتاب.
وكان بجوار هذا الضريح باب درب سعادة القديم كان معقودا بالحجر، وعليه بوابة كبيرة وكان من داخله حمام كبير يعرف بحمام درب سعادة، وفى مقابلته سبيل كبير، وقد زال كل ذلك مع تكية الوزير إسكندر باشا وجامعه وسبيله ومكتبته التى أنشأها سنة ثلاث وستين وتسعمائة فى عمل الميدان كما تقدم ذكر ذلك.
وإلى هنا انتهى الكلام على وصف شارع قنطرة الأمير حسين قديما وحديثا.
***
стр. 556
القسم السادس: شارع الحين
ويقال له شارع قنطرة الذى كفر، أوّله من آخر الميدان بجوار قنطرة الخليج الجديدة، وآخره أوّل شارع ضلع السمكة بقرب تكية النقشبندية.
[جامع الحين]
وبأوله من جهة اليمين جامع الحين الذى عرف الشارع به، وهو جامع كبير مشرف على الخليج من غربيه بجوار القنطرة الجديدة، أنشأه الأمير يوسف الشهير بالحين، وذلك فى القرن التاسع، وعمل له منارة مرنفعة، وجعل به خطبة، ولما مات دفن به، وهو مقام الشعائر إلى الآن من ريع أوقافه بنظر الديوان. ويتبعه سبيل يعلوه مكتب لتعليم الأطفال القرآن.
[قهوة الحين]
وكان تجاه هذا الجامع قهوة صغيرة تعرف بقهوة الحين يجلس عليها حانوتية الموتى ومطيبو العوالم، وقد زالت هذه القهوة عند فتح شارع محمد على، وأنشئ فى محلها قهوة كبيرة لها بابان، أحدهما تجاه الجامع والآخر بشارع محمد على، وصارت معدة لجلوس الحانوتية والمطيبين كالقهوة التى كانت قبلها، وهى من ضمن عمارة الأمير حسن باشا الشريعى.
وهذه العمارة الهائلة أصلها بيت كبير من بيوت الميرى جعل ورشة فى زمن العزيز محمد على باشا، ثم لما بطلت الورش بقى مدة فى حيازة الميرى إلى أن اشتراه الأمير المذكور فى زمن المرحوم سعيد باشا، وصار ينزل به حين مجيئه من بلده إلى مصر، واستمر كذلك إلى أن فتح شارع محمد على فمرّ من وسطه وقسمه نصفين، ثم بعد ذلك شرع فى عمارته الأمير المذكور، فجعل بضفتى الشارع عدة دكاكين وقهاوى، وما بقى جعله بيتا عظما معدا
стр. 557
لسكنه، فجاءت هذه العمارة من أحسن ما بنى بشارع محمد على. وهذا البيت كان أولا يعرف ببيت الأمير لاجين بك أحد أمراء الغز المصريين، وقد ذكرنا ترجمته بشارع محمد على من هذا الكتاب.
[قنطرة الذى كفر (١)]
ثم بعد جامع الحين ضريحان بجوار بعضهما يعمل لهما ليلة كل سنة، ثم قنطرة الذى كفر يسلك من عليها إلى شارع الخلوتى وغيره. وهذه القنطرة لم نقف لها على تاريخ إنشاء ولا على منشئ، وكذلك المقريزى لم يذكرها فى خططه لكونها استجدت بعد موته.
стр. 558
وهذا وصف جهة اليمين من شارع الحين المذكور، وأما جهة اليسار فبها السويقة المعروفة قديما بسويقة لاجين، وتعرف الآن بسويقة الداودية، يسلك منه إلى شارع محمد على وإلى
стр. 559
داخل حارة الداودية، وبها عدة دكاكين معدة لمبيع المأكولات ونحوها.
стр. 560
وبهذا الشارع أيضا بيت الأمير أحمد باشا ابن المرحوم أحمد باشا عم الخديو، وداخله
стр. 561
جنينة، وبيت أحمد أفندى وكيل دائرة أحمد باشا الطوبجى، ووكالة وقف الأستاذ الشعرانى ﵁.
стр. 562
القسم السابع: شارع ضلع السمكة
ابتداؤه من قنطرة الذى كفر، وانتهاؤه أول شارع بشتاك وآخر شارع الحبّانية تجاه قنطرة سنقر.
[جامع كاتم السر]
وعن يمين المارّ به عطفة كاتم السر ليست نافذة، وعلى رأسها جامع كاتم السرّ تجاه تكية الحبانية، كان قديما متخربا، فجدّده العزيز محمد على باشا سنة خمس وخمسين ومائتين وألف، وهو مشرف على الخليج الناصرى يصعد إليه بدرج من الحجر، وبداخله ضريحان، أحدهما يعرف بكاتم السر، والآخر لم يعرف صاحبه، وشعائره مقامة إلى الآن بنظر الأوقاف.
ثم بعد هذا الجامع العطفة الجديدة غير نافذة أيضا.
[تكية النقشبندية]
وهذا وصف جهة اليمين، وأما جهة اليسار فبها تكية النقشبندية؛ أنشأها المرحوم عباس باشا سنة ثمان وستين ومائتين وألف كما فى النقوش التى على أبوابها، وجعل بها مصلى ومراحيض للصوفية، وبنى بها سبيلا وبيتا لسكن شيخها محمد عاشق أفندى، وعمل بها حديقة لأجل أن تشرف عليها مساكن الصوفية، وبقى مقيما بها محمد أفندى عاشق إلى أن مات فى شهر جمادى الأولى سنة ثلثمائة وألف، ودفن بها ﵀، وهى مقامة الشعائر إلى الآن من أوقافها بنظر شيخها ابن بنت محمد عاشق المذكور. وسبب بناء هذه التكية أن المرحوم عباس باشا كان يعتقد فى الشيخ محمد عاشق ويحلّه ويعظمه، فطلب منه أن يبنى له تكية
стр. 563
ليسكن فيها مع دراويشه، فاشترى عدة منازل كانت فى محل هذه التكية، وأنشأها على حالتها التى هى عليها الآن، ووقف عليها أوقافا كثيرة، ورتب لها مرتبات جليلة، والله الموفق.
ثم زاوية المخفى. كانت متخربة فجدّدت من طرف المرحوم صالح باشا سنة ثمانين ومائتين وألف، وشعائرها مقامة إلى الآن.
[تكية الحبانية]
ثم تكية الحبانية، وكانت أول أمرها مدرسة أنشأها السلطان الملك المغازى محمود خان ابن السلطان مصطفى خان سنة أربع وستين ومائة وألف-كما هو منقوش على بابها-وبها أشجار ومساكن للصوفية، وكتبخانة معتبرة، وشعائرها مقامة من ريع أوقافها، وأنشأ بلصقها أيضا سبيلا، وجعل فوقه مكتبا قد صار الآن من المكاتب الأهلية الشهيرة يعرف بمكتب الحبانية، به نحو المائة تلميذ لهم خوجات ومؤدبون بماهيات من طرف الأوقاف، ويعمل به امتحان فى كل سنة.
وبهذا الشارع أيضا دار ورثة المرحوم صالح باشا بداخلها جنينة.
***
стр. 564
القسم الثامن: شارع بشتاك
ويقال له شارع درب الجماميز، ابتداؤه من آخر شارع ضلع السمكة، وانتهاؤه شارع اللبودية تجاه حارة إسماعيل بيك. وكان فى القديم يعرف بخط قبو الكرمانى، وكان يسكنه جماعة من الفرنج والأقباط ويرتكبون من الفضائح ما يليق بهم، فلما بنى جامع بشتاك تحولوا عنه.
(قلت): وللآن يوجد فى برّ الخليج الشرقى حارة كبيرة معمورة بالأقباط تعرف بحارة النصارى، فهى من بواقى ما كان يسكن منهم بهذا الخط. والكرمانى المنسوب إليه هذا الخط هو الأمير طقزدمر الكرمانى الحموى نائب السلطنة بديار مصر، وهو الذى أنشأ القنطرة المعروفة الآن بقنطرة درب الجماميز-كما سيأتى ذلك نقلا عن المقريزى
[جامع بشتاك]
ويوجد بهذا الشارع جامع بشتاك (١) الذى عرف الشارع به، أنشأه الأمير بشتاك، فكمل فى سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وخطب به عبد الرحمن بن جلال الدين القزوينى، واستمرّ أعواما عامرا ثم تخرب، وبقى كذلك إلى أن جددته والدة المرحوم مصطفى باشا فى سنة تسع وسبعين ومائتين وألف، وصار الآن أحسن مما كان، وأنشأت تجاه بابه سبيلا ومكتبا،
стр. 565
ورتبت مرتبات سنوية لخدمة الجامع والأطفال الذين بالمكتب والمعلمين والمؤدبين، ووقفت على ذلك أوقافا دارّة، شعائرها مقامة منها إلى الآن.
وكان فى محل هذا السبيل خانقاه بشتاك التى أنشأها مع الجامع.
ترجمة سعد الدين
وبجوار هذا السبيل الآن زاوية تعرف بزاوية سعد الدين الغرابى كانت فى الأصل خانقاه ابن غراب التى قال فيها المقريزى إنها خارج القاهرة على الخليج الكبير من بره الشرقى أنشأها القاضى سعد الدين بن عبد الرزاق بن غراب الإسكندرانى المتوفى سنة ثمان وثمانمائة، واليوم قد جعل بعضها مساكن، ولم يبق منها إلا إيوان واحد فى شعائره بعض تعطيل. وبها سبيل مهجور، وبجوارها زاوية سيدى عبد الوهاب، شعائرها غير مقامة لتخربها، وتحت نظر أبى العينين الحمامى.
وبهذا الشارع أيضا جامع المنادى، ويعرف بجامع نقيب الجيش، أنشأه الناصرى محمد نقيب الجيش المنصور، شعائره مقامة، وبه ضريحان، أحدهما لمنشئه، والآخر للشيخ مصطفى المنادى الذى عرف به هذا الجامع، يعمل له حضرة كل ليلة سبت، ومولد كل عام مع مولد السيدة زينب ﵂.
وتجاه هذا الجامع زاوية خربة وسبيل تابعان له، وبه جامع حارس الطير، أنشأه الأمير سيف الدين أسنبغا حارس الطير بعد الثمانمائة، وهو مقام الشعائر إلى الآن، وبجواره زاوية الكردى، لها بابان إليه، ومنافعهما واحدة، عرفت بذلك لأن بها ضريح الشيخ يوسف الكردى وولديه الفوزى والخضرى. وبجوارها سبيل له باب من داخله، وفوقه مكتب لتعليم الأطفال.
وبه أيضا زاوية تعرف بزاوية الأربعين داخل حارة النبقة، بها ضريح يقال له الأربعين، ولها منبر، وكانت أول أمرها مدرسة كما يدل لذلك ما هو مكتوب بأسفل سقفها ونصه:
«أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة الجناب الكريم العالى المولوى». وباقى الكتابة مطموس لا يمكن قراءته، وشعائرها غير مقامة لتخربها، ونظرها لإسماعيل أفندى عبد الخالق.