وأخرج ولد أحمد بن طولون وهم عشرون إنسانا، وأخرج قوادهم، فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر، وخلت الديار، وعفت منهم الآثار، وتعطلت منهم المنازل، وحل بهم الذل بعد العز، والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل ونضرة الملك ومساعدة الأيام، ثم سيق أصحاب شيبان بن أحمد بن طولون الى محمد بن سليمان وهو راكب، فذبحوا بين يديه كما تذبح الشياه، وقتل من السودان سكان القطائع خلقا كثيرا.
فكانت هذه الحادثة الشنيعة أشبه بحادثة العاضد - آخر خلفاء الفاطميين - لما ملك صلاح الدين. وكلتا الحادثتين نتيجة التصرف القبيح والسير الذميم، فإن خمارويه لم يترك للسبق حدا، وأكثر من التبذير، وصرف الأموال فى غير محلها، فمات مقتولا بالشام سنة اثنتين وثمانين ومائتين، قتله جواريه، وتولى من بعده ابنه أبو العساكر جيش بن خمارويه، فقتله عماه بالعباسة سنة اثنتين وتسعين، وتولى بعده شيبان بن أحمد بن طولون فلم يقم غير اثنى عشر يوما، وعزله محمد بن سليمان، ووقع لذرية ابن طولون ما تقدم ذكره، فكانت مدة دولة بنى طولون عبارة عن أربعين سنة، أقام منها أحمد بن طولون فى ولاية مصر من سنة أربع وخمسين ومائتين إلى سنة سبعين ومائتين، وكان بعد ذلك أول خراب قطائع ابن طولون وخراب قصوره، ثم تزايد خرابها فى أيام الشدة العظمى التى وقعت زمن الخليفة المستنصر وهلك جميع من كان بها من السكان، وقال المقريزى: إنها كانت تزيد على مائة ألف دار، وكانت نزهة للناظرين محدقة بالجنان والبساتين، ثم صارت تتقلب مع تقلبات الحوادث فى أيام دولة بنى أيوب ومن خلفهم، ولكن لم ترجع لحالتها الأولى.
*** وأما الرميلة فصارت سوقا يباع فيه الخيل والبغال والجمال والحمير وغير ذلك، ثم جعلت ميدانا للقتال فى زمن السلاطين، وكذا فى زمن باشاوات مصر من جهة آل عثمان، وفى زمن العزيز محمد على باشا إلى زمن الخديو إسماعيل كانت سوقا للخيل والجمال ونحوها، وفضلا عن ذلك كانت محلا لاجتماع الحواة ونحوهم. وكان بدائرها عدة دكاكين لبيع المأكولات وغيرها.
ثم إن الخديو إسماعيل أراد أن يغير هيئتها. ويزيل غمتها، ويمنحها منظرا حسنا، فأمرنى بعمل رسم لها. وكنت إذ ذاك ناظرا على القناطر الخيرية، فعملت لها الرسم التى هى عليه الآن، وأخذت الأملاك التى اقتضى الرسم أخذها. ودفع ثمنها من المحافظة، وغرست بها الأشجار هى والميدان المجاور لها، فصارت من أجمل متنزهات القاهرة، خصوصا باتصالها بشارع محمد على الممتد من الأزبكية إليها. ووجود مصطبة المحمل التى هناك وسكة الحديد
стр. 492
الموصلة إلى حلوان. ومن زمن مديد تجتمع بها الخلائق يوم خروج المحمل ويوم دخوله للفرجة عليه، فيكون فيها يومئذ ما يزيد على مائة ألف من الرجال والنساء، ويكون منظرها عجيبا وشكلها غريبا.
***
شارع تحت السور
يبتدئ من نهاية شارع العطارين إلى أول شارع باب القرافة الذى بنهاية مسجد السيدة عائشة النبوية ﵂، وطوله ثلثمائة وستون مترا.
وعن يمين المارّ به: شارع البقلى، وشارع درب الحبالة، وسيأتى بيانهما، وبه من جهة اليمين أيضا عطف ودروب وهى:
عطفة كوابن، ثم عطفة رجب، ثم درب الفرن، ثم عطفة الميلان، بداخلها ضريح يعرف بالشيخ عبد الله، ثم درب القزازين، ثم درب بجرى.
وبه جهة اليسار أربع عشرة عطفة:
الأولى عطفة الرملى؛ بداخلها ضريح يعرف بالشيخ الرملى. الثانية عطفة خلف. الثالثة عطفة البئر. الرابعة عطفة السادة. الخامسة عطفة الشرفا. السادسة عطفة العياد. السابعة عطفة سيدى عبد الله؛ بها ضريح للشيخ عبد الله. الثامنة عطفة النخلة. التاسعة عطفة الفرماوى، وبها ضريح للأربعين. العاشرة عطفة نفيس. الحادية عشرة عطفة محجوب. الثانية عشرة عطفة خميس. الثالثة عشرة عطفة الآبجى. الرابعة عشرة العطفة السد، وكلها غير نافذة.
وبهذا الشارع أيضا جامع الجركسى عن يمين الداخل من بوابة حجاج بقرب مسجد السيدة عائشة، شعائرة مقامة، وبه ضريحان: أحدهما يعرف بقايتباى الجركسى الذى سمى هذا الجامع باسمه، والآخر للشيخ عطية، ويعمل به مولد كل سنة، ويتبعه سبيل.
وجامع مصطفى باشا، وهو جامع قديم شعائره معطلة لتخربه، وتحت نظر الأوقاف.
وبه أيضا جملة وكائل منها: وكالة ملك ورثة الحاج على عجوة، ومنها وكالة ملك ورثة ونس الحمار، ومنها وكالة ملك ورثة هلال الفرارجى، وكلها بأعلاها مساكن.
***
стр. 493
شارع باب القرافة
أوله من نهاية شارع تحت السور، وآخره بوابة الخلاء المعروفة ببوابة حجاج قبلى مسجد السيدة عائشة، وطوله مائتان وثلاثون مترا.
وبه من جهة اليمين:
درب العتامنة - ثم درب الريحانى - ثم درب النجار؛ يتوصل منه لدرب الحبالة، وبأوله زاوية تعرف بزاوية الحاج على المسلوب - ثم درب مليحة، ثم عطفة البيارة؛ بداخلها ضريح يعرف بالشيخ محمد الجوينى، وزاوية يقال لها زاوية الشيخ عنان.
[مسجد السيدة عائشة]
وبهذا الشارع من المساجد الشهيرة مسجد السيدة عائشة النبوية (١) ﵂ به ضريحها الشريف، عليه مقصورة من النحاس الأصفر بابها منها، وعلى الضريح تركيبة عليها تابوت مكسو بالاستبرق مخيش بالأصفر والأبيض، ويعلو ذلك قبة مرتفعة دقيقة الصنعة.
وصاحبة هذا الضريح تقصد بالزيارة والنذور، ويعمل لها حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام. وهذا المسجد عن يسرة من سلك إلى القرافة الصغرى إلى بوابة حجاج، جدده الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة خمس وسبعين ومائة وألف، وشعائره مقامة إلى اليوم بنظر الديوان.
[زاوية الست مريم]
وفى مقابلته زاوية صغيرة تعرف بزاوية الست مريم بها قبرها، وقبر آخر لم يعرف صاحبه، وهى معطلة الشعائر لتخربها، واليوم جعلت مسكنا لبعض أرباب الحرف.
[جامع البردينى]
وهناك أيضا جامع البردينى، به ضريح البردينى، وضريح الشيخ خليل المرصفى، يعمل لهما حضرة كل ليلة جمعة، ومولد كل عام، وفى وقتنا هذا تخرب هذا الجامع وجعل مكتبا لتعليم الأطفال.
[ترجمة سيدى محمد أبى البقاء]
وذكر الشيخ على بن يونس الرومى الحنفى الشاذلى فى رسالة له أن هذا الجامع دفن به جماعة من طائفة المسلكين، وأجل خواص المقرئين؛ منهم سيدى محمد أبو البقاء. أخذ الطريقة عن سيدى على بن خليل المرصفى، فأحبه حبا شديدا، واختاره وقدمه على سائر تلامذته،
стр. 494
وزوّجه ابنته، فرزق منها بثلاثة ذكور. وكان كثر العبادة، قيل إنه كان يتلو فى كل يوم خمس ختمات، وصحب سيدى على بن خليل ثمانى عشرة سنة، وبلغ من العمر ثلاثا وستين سنة، وله مصنفات كثيرة؛ منها «البحر المحيط» جمع فيه سر أسرار أهل الطريقة ﵀.
ومن أولاده سيدى محمد أبو المواهب زين العابدين. كان من العلماء العاملين، ولما مات دفن مع إخوته ووالده بهذا الجامع. (انتهى).
وبهذا الشارع أيضا سبيل من وقف قايتباى، أنشئ سنة إحدى وسبعمائة، وهو عامر إلى اليوم بنظر الأوقاف، ودار ملك ابن القراشلى، ووكالتان يعلوهما أماكن للسكنى؛ إحداهما ملك حسين القماح، والأخرى ملك محمد رجب الجمال، وقراقول بجوار بوابة حجاج يعرف بقراقول السيدة عائشة، ويقال له قراقول بوابة حجاج أيضا.
[ترجمة حجاج الخضرى]
وبوابة حجاج هذه نسبت لحجاج الخضرى - شيخ طائفة الخضرية، وهو كما فى الجبرتى حجاج الخضرى الشهير بنواحى الرميلة، أخذه مصطفى كاشف المحتسب وشنقه على السبيل المجاور لحارة المبيضة بالجمالية، وذلك فى سادس ساعة من الليل وقت السحور ليلة الخميس سابع عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، وتركوه معلقا لمثلها من الليلة القابلة، ثم أذن برفعه، فأخذه أهله ودفنوه. وكان مشهورا بالإقدام والشجاعة، طويل القامة، عظيم الهمة. وكان شيخا على طائفة الخضرية، صاحب صولة وكلمة بتلك النواحى، ومكارم أخلاق، وهو الذى بنى البوابة بآخر الرميلة عند عرصة الغلة أيام الفتنة، واختفى مرارا بعد تلك الحوادث، وانضم إلى الألفى، ثم حضر إلى مصر بأمان، ولم يزل على حالته فى هدوء وسكون حتى شنق مظلوما زجرا لغيره. (انتهى ملخصا).
***
شارع القبر الطويل
ويقال له شارع سكة الزرايب. أوله من نهاية شارع باب القرافة تجاه بوابة الخلاء، وآخره شارع البلاسى وسكة السيدة نفيسة ﵂، وطوله أربعمائة متر.
وبه من جهة اليمين:
شارع الشيخ كشك، وشارع درب غزية، وسيأتى بيانهما، ثم عطفة الحنانى، ثم درب القطاطنة، ثم خوخة بدر الدين، عرفت بضريح سيدى بدر الدين الذى بجوارها.
стр. 495
وأما جهة اليسار فبها:
عطفة البارودى، ثم عطفة البلدية، ثم العطفة الصغيرة.
[جامع القبر الطويل]
وبهذا الشارع أيضا جامع القبر الطويل واقع خلف مسجد شجرة الدر. كان أصله زاوية صغيرة بها ضريح يقال لصاحبه الشيخ محمد. جددها المعلم جمعة راجح شيخ طائفة البنايين مسجدا، وعمل لها منارة وميضأة ومراحيض، وبنى قبة على الضريح، وذلك فى سنة خمس وثمانين ومائتين وألف، وأنشأ بجوار ذلك أماكن وقفها عليه، شعائره مقامة من ريعها، وجدد أيضا السبيل الذى هناك، والضريح الذى تجاه هذا الجامع المعروف بالأربعين.
[جامع بدر الدين الونائى]
وبه جامع بدر الدين الونائى؛ أعظمه متخرب، وبه سبيل ومكتب مهجوران، وله أوقاف بجواره، ويعمل به مولد كل سنة، والناظر عليه رجل يدعى بالشيخ حسن.
[زاوية الجميزى]
وبه زاوية الجميزى بالقرب من باب القرافة، بداخلها ضريح يعرف بضريح سيدى على الجميزى، عليه مقصورة من الخشب، وهى معطلة الشعائر لتخربها.
وهناك أيضا ضريح يعرف بضريح الشيخ مخلص.
***
شارع درب غزية
ابتداؤه من آخر شارع القبر الطويل، وانتهاؤه شارع درب الحبالة، وطوله مائتان واثنان وثلاثون مترا.
وبه من جهة اليمين أربع عطف غير نافذة:
- الأولى عطفة الشيخ محمد.
[زاوية سيدى بهادى]
- الثانية عطفة سيدى بهادى، بها زاوية بهادى أنشأها أبو سعيد الطاهرى فى شهر ربيع الآخر سنة خمس وثمانين وخمسمائة - كما هو منقوش فى لوح رخام على بابها - ثم جددها المعلم محمد الشيمى المهندس المعمارى تبرعا منه، وأقام شعائرها إلى اليوم، وبداخلها ضريح الشيخ بهادى الذى عرفت العطفة باسمه.
стр. 496
- الثالثة عطفة درب ملوخيا، بها ضريح للأربعين.
- الرابعة عطفة الجنزرلى، بها ضريح للأربعين أيضا.
وأما جهة اليسار فبها:
عطفة أبى داود، ثم درب غزية الذى عرف الشارع به؛ بداخله ضريح يعرف بضريح الست غزية، ثم العطفة الصغيرة.
***
شارع درب الحبالة
ابتداؤه من شارع تحت السور، وانتهاؤه شارع البقلى، وطوله مائة وتسعون مترا.
وبه جهة اليسار درب بجرى، ثم عطفة النقاش، ثم العطفة الصغيرة.
وأما جهة اليمين فبها عطف غير نافذة
***
شارع البقلى
أوله من شارع تحت السور بجوار جامع الجركسى، وآخره تقابل شارع المشرقى بشارع الشيخ كشك، وطوله ثلثمائة وأربعون مترا.
عرف بذلك لأن به ضريح سيدى على البقلى داخل الجامع المعروف به، وهو متخرب، وفيه مصلى صغيرة. ووجد بداخل الضريح قطعة لوح من خشب منقوش فيها: «هذا ضريح الشيخ على البقلى، توفى فى شهر جمادى سنة ست وستين وستمائة»، وبه صهريج متخرب أيضا، والناظر على ذلك الشيخ أحمد الدهشورى.
وبهذا الشارع من جهة اليمين: عطفة الصياربة، يتوصل منها لشارع الرماح، ثم عطفة الحلاوة، ثم درب البئر، ثم درب الشهيد، ثم عطفة أبى سنة، ثم عطفة كاسة بآخرها ضريح أبى الطراطير، ثم عطفة الشراقوة، ثم درب الدقاقين بداخله ضريح سيدى محمد.
وأما جهة اليسار فبها: حارة الجركسى، عرفت بذلك لمجاورتها الجامع الجركسى، الذى ذكرناه فى شارع تحت السور، وهى غير نافذة.
***
стр. 497
شارع المشرقى
ابتداؤه من نهاية شارع البقلى، وانتهاؤه شارع الخليفة قبلى مسجد السيدة سكينة، وطوله مائة وستون مترا.
وبه جهة اليمين: درب الأكراد تجاه حمام الخليفة، بداخله ضريح يعرف بضريح الأربعين.
وأما جهة اليسار فبها: حارة حوش السيدة، وهى غير نافذة.
وهناك أيضا ثلاثة أضرحة؛ أحدها للشيخ مصطفى القصبجى، والثانى للأربعين، والثالث يعرف بالشيخ أبى طقية.
***
شارع الشيخ كشك
أوله من آخر شارع البقلى، وآخره شارع القبر الطويل تجاه مسجد القبر الطويل، وطوله مائة وتسعون مترا. عرف بذلك لأن به ضريح الشيخ محمد كشك.
[ضريح الشيخ محمد كشك]
داخل الجامع المعروف به بجوار مسجد القبر الطويل خارج بوابة السيدة سكينة ﵂ له مطهرة وأخلية، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الشيخ عبد المجيد البرمونى، وبداخله أيضا ثلاثة أضرحة: أحدها للشيخ مصطفى الحبال، والثانى للشيخ على الحباك، والثالث للشيخ محمد البرمونى.
وبهذا الشارع من جهة اليمين: درب الحبالة ليس بنافذ، وبأوله جامع المعرف. كان أول أمره زاوية جددها المرحوم جمعة راجح مسجدا، وأقام شعائره إلى اليوم، وقد تكلمنا على هذا الجامع وعلى القبر الطويل فى شارع السيدة نفيسة فانظره هناك.
[جامع السليمانى]
وبهذا الشارع أيضا جامع السليمانى. كان أول أمره زاوية، والآن شعائره معطلة لتخربه، ونظره للأوقاف.
[زاوية الغباشى]
وبه زاوية الغباشى، عرفت بالشيخ محمد الغباشى المدفون بها، وهى بالقرب من القبر الطويل مكتوب على بابها تاريخ سنة ست وثلاثين ومائتين وألف، وشعائرها مقامة من أوقافها.
стр. 498
وذكر السخاوى فى كتاب «المزارات» أن فى بحرى جامع المعرف تربة قديمة، وبها قبر إلى جانب قبر السقايين، قال بعضهم ومكتوب على خشبة البناء «أم محمد بن محمد ابن الهيثم». قال المسبحى: تزوجها عبد الله بن جعفر. وهذه التربة هى المعروفة هناك بالسادة البنات البكر، وهذا الاسم ليس له صحة، ثم قال: وتجاه التربة على الطريق مدرسة بها قبر الشيخ العارف الصالح الفقيه المعتقد زين الدين أبى بكر بن عبد الله الدمروطى السليمانى، توفى آخر شوال سنة خمس وسبعين وسبعمائة ودفن بزاويته، ونقل عنه شيخ الإسلام سراج الدين بن الملقن الشافعى فى كتاب «حلبات الأولياء» أنه كان يحفظ جملة من كتاب «الشامل» لابن الصباغ الشافعى. (انتهى).
(قلت): ويؤخذ من هذا أن مدرسة زين الدين الدمروطى السليمانى هى التى عرفت الآن بجامع السليمانى والذى يقابله على الطريق هو زاوية الغباشى، فحينئذ تكون زاوية الغباشى هى المعروفة قديما بتربة السادة البنات البكر. هذا ما ظهر لى من عبارة السخاوى، ثم إنه قد بلغنى ممن أثق به أن بعض أهل تلك الخطة يقول إن زاوية الغباشى هذه كانت تعرف أولا بزاوية البنات البكر، وهذا يؤيد ما قلناه فلله الحمد.
***
شارع المسيحية
أوله من ابتداء سكة أبى سبحة خارج باب القرافة، وآخره شارع عرب يسار، وطوله مائة وسبعون مترا، عرف بذلك لأن به جامع المسيحية نسبة لمنشئه الوزير مسيح باشا، أنشأه سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة، وسبب بنائه أنه كان يعتقد فى الشيخ نور الدين القرافى - أحد علماء عصره - فأنشأ له هذا الجامع، ووقف عليه أوقافا، وجعلها بيد الشيخ المذكور، وجعل النظر له ولذريته من بعده، وهو إلى اليوم مقام الشعائر، ويعرف أيضا بجامع نور الدين القرافى لدفنه به.
وبهذا الشارع من جهة اليمين حارة الزينى، ثم عطفة المحسن (بالحاء المهملة)، ثم درب المأذنة، وكلها غير نافذة.
***
شارع عرب يسار
ابتداؤه من آخر شارع المسيحية، وانتهاؤه إلى البراح المحصور ما بين سور القلعة وعرب يسار، وطوله مائتان وستون مترا.
стр. 499
وبه جهة اليمين أربعة دروب: الأول درب الداوودى ليس بنافذ. الثانى درب البرقع غير نافذ أيضا. الثالث درب الدودة يسلك منه لشارع تحت السور. الرابع درب الساقية يسلك منه لشارع تحت السور أيضا.
وأما جهة اليسار فبها: العطفة الصغيرة، ثم عطفة المالح، ثم حارة المقدم، ثم حارة باشا، ثم درب المجرى، وكلها غير نافذة.
وبه أيضا زاوية تعرف بزاوية الشيخ عبد الله، بها ضريحه، يعلوه قبة مرتفعة كانت متخربة ثم جددها ديوان الأوقاف، وأقام شعائرها إلى اليوم، وبداخلها أيضا ضريح للشيخ على البركاتى، ويجاورها سبيل متخرب بداخله مكتب لتعليم الأطفال.
***
شارع سكة القادريّة (١)
يبتدئ من بوابة القرافة، وينتهى إلى جهة الخلاء قبلى القاهرة من جهة الإمامين، وطوله ثلثمائة متر.
[جامع السادة القادرية]
عرف بذلك لأن به جامع السادة القادرية، بداخله ضريح سيدى على القادرى، وضريح سيدى أحمد، وضريح سيدى حسين. يعمل لهم حضرة كل ليلة جمعة، ومولد كل عام.
وهذا الجامع يعرف أيضا بجامع علىّ (بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء) وهو عن يمنة من سلك من باب القرافة إلى الإمام الشافعى، مكتوب على بابه تاريخ سنة سبع وتسعين وستمائة، وشعائره مقامة إلى اليوم.
وبهذا الشارع من جهة اليمين حارتان: الأولى حارة السادة القادرية. الثانية حارة عرب قريش.
وأما جهة اليسار فبها: درب الباهى يسلك منه لشارع أبى سبحة.
وإلى هنا انتهى بيان أقسام الشوارع الصغيرة المتشعبة من الشارع الطوالى المار من باب زويلة إلى المنشية.
стр. 500
ثم لنبين لك الشارع الطوالى المارّ من المنشية بجوار سوق العصر فنقول:
هذا الشارع ابتداؤه من شارع العطارين بجوار سوق العصر، وانتهاؤه شارع طولون الموصل للخلاء غربى القاهرة، وطوله تسعمائة وخمسون مترا، وينقسم أربعة أقسام.
أولها: شارع الرماح
ابتداؤه من شارع العطارين، وانتهاؤه أول شارع درب الحصر.
عرف بذلك لأن به ضريح عبد الله أبى شعبان الرماح داخل جامع الرماح المعروف به بالجانب البحرى من ميدان محمد على، شعائره مقامة من ريع أوقافه بنظر الديوان، ويعمل به مولد كل عام.
وبهذا الشارع من جهة اليمين:
حارة الرماح التى بها هذا الجامع، ثم عطفة قلانس، ثم حارة الشطابين، ثم درب الزينى ثم حارة الزريبة، وكلها غير نافذة.
وأما جهة اليسار فبها: عطفتان كلتاهما غير نافذة: الأولى عطفة عليان (بكسر العين المهملة وسكون اللام). الثانية عطفة أبى داود.
ثانيها: شارع درب الحصر
أوله من نهاية شارع الرماح بجوار جامع سيدى محمد، وآخره أول شارع الخليفة، وآخر شارع الركبية.
وبه جهة اليمين: درب غير نافذ يعرف بدرب صبيح، بآخره زاوية يحيى جاويش، وتعرف أيضا بزاوية الأربعين.
وأما جهة اليسار فبها: درب الحصر الذى عرف الشارع به، وهو درب كبير به عدة بيوت، ثم عطفة زهرا، ثم عطفة قنبور، ثم عطفة حسين بيرم، وكلها غير نافذة.
стр. 501
[جامع قلمطاى]
وبهذا الشارع أيضا جامع عبد العزيز قلمطاى؛ به عمودان من الزلط، وضريح عليه مقصورة من الخشب. كان أول أمره زاوية تعرف بزاوية قلمطاى الجمالى، جددها مسجدا الأمير حسن أفندى كتخدا عزبان ابن المرحوم الأمير ناصف على فى جمادى الثانية سنة أربع وعشرين ومائة وألف، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الشيخ محمد القهوجى.
[جامع أبى بنات]
وجامع أبى بنات له منارة مرتفعة عليها نقوش حسنة، وفى شعائره بعض تعطيل.
وبجواره حمام درب الحصر أنشأه خوشقدم الأحمدى، وجعله برسم الرجال والنساء، وهو عامر إلى الآن، وجار فى ملك حسن مفتاح، وعليه حكر لوقف خوشقدم الأحمدى.
[زاوية التشتمرى]
وبه أيضا زاوية تعرف بزاوية التشتمرى، منقوش على بابها فى الخشب - بعد البسملة وآية «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ» - تاريخ سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وبداخلها ضريح يقال له ضريح الشيخ التشتمرى، ولها ميضأة وأخلية وبئر، وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر الديوان.
وسبيل يعرف بسبيل حسن كتخدا يعلوه مكتب، ومنقوش على شبا كه تاريخ سنة اثنتى عشرة ومائة وألف.
[ضريح الشيخ إبراهيم الفار ومولده]
وبه ثلاثة أضرحة؛ أحدها للشيخ العراقى، والثانى للشيخ عبد الله التكرورى، والثالث للشيخ إبراهيم الفار يعمل له حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام مع مولد السيدة سكينة ﵂ وفى آخر يوم من مولده يركب خليفته فى موكب حافل، ومعه جملة من أرباب الأشائر والطرق.
وتزعم العامة أن من رزق ولدا، وأراد أن يعيش له، فإنه يحضر به فى مولد الشيخ إبراهيم الفار المذكور، ويركبه مع الخليفة، ويجعل ركوبه عادة مستمرة كل سنة لأجل أن يعيش له ذلك الولد، وهذا اعتقاد فاسد من عقل كاسد يوقع صاحبه فى الضلال ويؤديه إلى الإضلال.
وصفة كيفية ركوب الخليفة أن يحضر كثير من الناس بأولادهم وعلى أبدانهم الثياب الملونة، وبرؤوسهم الطراطير المشكلة، ومعهم الركائب والطبول والزمور والمزازيك،
стр. 502
ويركبون مع الخليفة، ويخرجون من شارع درب الحصر، فينزلون على شارع الركبية، ثم على شارع الصليبة، ثم على المنشية، ثم يعودون إلى شارع درب الحصر، ويفعلون ذلك ثلاث مرات والخليفة راكب بأول الموكب وأمامه جماعة من أرباب الأشائر والطرق، وحوله جماعة من النقباء بأيديهم المباخر والقماقم، وجماعة من عسكر البوليص لمنع الناس من الازدحام، وخلفه الأولاد الصغار، وبعض من البالغين الكبار؛ فمنهم الراكب على حصان، ومنهم من هو راكب على حمار، ومنهم الراكب فى عربة، ونحو ذلك، ومنهم من على رأسه طرطور أحمر، ومنهم من على رأسه طرطور أصفر إلى غير ذلك من الأمور الشنيعة والغايات القبيحة.
ويكون ابتداء الموكب الساعة السادسة من النهار إلى آخر الساعة التاسعة، ويجتمع الكثير من الناس للتفرج على ذلك سيما النساء، ويكثر الازدحام، ويكون هذا اليوم مشهودا يقع فيه من القصف واللهو مالا مزيد عليه، فلا حول ولا قوة إلا بالله لا يقع فى ملكه إلا ما يشاء.
ثالثها: شارع الخضرية
أوله من نهاية شارع درب الحصر، وآخره أول شارع طولون تجاه حارة بئر الوطاويط.
وبه من جهة اليمين: عطفة نقنقة، ثم حارة بئر الوطاويط، يسلك منها لشارع الصليبة، وعلى يمين المارّ بها عطفة سيدى عبد الله، بداخلها ضريح الشيخ عبد الله، وعلى اليسار أربعة أزقة غير نافذة.
[حارة بئر الوطاويط]
وحارة بئر الوطاويط هذه حارة كبيرة قديمة ذكرها المقريزى فقال: عرفت بذلك من أجل البئر التى أنشأها الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات المعروف بابن خنزابة (١) لينقل منها الماء إلى السبع سقايات التى أنشأها وحبسها لجميع المسلمين، وكانت بخط الحمراء وكتب عليها:
«بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ﴾، وله الشكر وله الحمد، ومنه المن على عبده جعفر بن الفضل بن جعفر بن الفرات، وما وفقه له من البناء لهذه البئر وجريانها إلى السبع سقايات التى أنشأها وحبسها لجميع المسلمين، وحبسه وسبله وقفا مؤبدا لا يحل تغييره ولا العدول بشئ من مائه، ولا ينقل ولا يبطل ولا يساق إلا إلى حيث مجراه إلى السقايات المسبلة، فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين ببدلونه، إن الله سميع عليم، وذلك فى سنة خمس وخمسين وثلثمائة وصلى الله على نبيه محمد وآله وسلم».
стр. 503
فلما طال الأمر خربت السقايات، وبنى فوق البئر المذكورة، وتولد فيها كثير من الوطاويط، فعرفت ببئر الوطاويط. ولما أكثر الناس من بناء الأماكن فى أيام الناصر محمد ابن قلاوون عمّر هذا المكان، وعرف إلى اليوم بخط بئر الوطاويط، وهو خط عامر.
(انتهى).
[دار الأمير صرغتمش]
وكان به من الدور العظيمة دار الأمير صرغتمش. قال المقريزى: هذه الدار بخط بئر الوطاويط بالقرب من المدرسة الصرغتمشية المجاورة لجامع ابن طولون. كان موضعها مساكن، فاشتراها الأمير صرغتمش، وبناها قصرا واصطبلا فى سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وحمل إليه الوزراء والكتّاب والأعيان من الرخام وغيره شيئا كثيرا. ثم قال: وهى عامرة إلى اليوم يسكنها الأمراء. ووقع الهدم فى القصر خاصة سنة سبع وعشرين وثمانمائة. (انتهى). (قلت) وفى وقتنا هذا تخرّبت هذه الدار وبنى فى موضعها عدة أماكن.
وأما حارة بئر الوطاويط فهى باقية إلى اليوم وتعرف بهذا الاسم، واشتهر بين العامة أن هذه البئر تسمى بئر الست وطواطة، وهى إلى الآن داخل منزل ورثة السيد محمد القارضى.
ويقال إنه من مدة قريبة صار سرقة ما فى الحوانيت التى خلف المنزل المذكور، وبالتحرى عمن سرق والبحث عنه قد قيل إنه ربما نزل هذه البئر، ففى الحال نزلها أحد الحاضرين فوجدها فى غاية العظم والاتساع، ووجد بالقرب من مائها مصطبة معدة للجلوس.
[جامع أحمد بيك كوهية]
وبهذه الحارة جامع أحمد بيك كوهية، وهو جامع صغير منقوش بدائره تاريخ سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف. وله منبر ومنارة، وشعائره غير مقامة لاحتياجه إلى العمارة، ونظره للأوقاف.
وضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ زرع النوى، والثانى يقال له الشيخ هارون.
وأما جهة اليسار من هذا الشارع فبها: عطفتان غير نافذتين؛ الأولى تعرف بالعطفة الصغيرة. الثانية تعرف بالعطفة الضيقة.
رابعها: شارع طولون
ابتداؤه من نهاية شارع الخضرية، وانتهاؤه الخلاء غربى القاهرة عرف بذلك لأن به جامع طولون.
стр. 504
[جامع طولون]
وهو من الجوامع العتيقة الأنيقة الصنعة، الواسعة البنيان. وذكر المقريزى فى خططه أنه ابتدأ فى بنائه الأمير أبو العباس أحمد بن طولون فى سنة ثلاث وستين ومائتين، وفرغ منه فى رمضان سنة خمس وستين ومائتين، فجاء من أحسن الجوامع وأبهجها، وعمل فى مؤخره ميضأة، وخزانة شراب فيها جميع الشرابات والأدوية، وبلغت نفقة بنائه مائة وعشرين ألف دينار.
وقد بقى هذا الجامع عامرا مع ما حوله إلى زمن المستنصر، ثم خرّبت القطائع والعسكر، وفارقت الناس هذه الجهة، وخرب الجامع وما حوله، وصارت المغاربة تنزل فيه بأباعرها ومتاعها عندما تمر بمصر أيام الحج، واستمر على ذلك إلى أن استولى لاجين على الديار المصرية، وتلقب بالملك المنصور سنة ست وتسعين وستمائة، فأمر ببنائه، فبنى وبيض ورجع لما كان عليه، وعمر ما حوله إلى أن قتل الملك لاجين سنة ثمان وتسعين وستمائة، ثم سطت عليه غوائل الأزمان فتخرّب، وضاعت أوقافه. (انتهى).
وفى زمن الأمير محمد بيك أبى الذهب جعل ورشة لعمل الأحرمة الصوف وغيرها، وبعد ذلك اتخذ تكية للفقراء إلى الآن، ففيه اليوم جملة وافرة منهم أورثوه خرابا وتقذيرا، وجعلوا فيه عششا وأوكارا، ومع ذلك لم تتغير معالمه الأصلية، ووجد على بابه من داخله تجاه الميضأة لوح رخام مكتوب عليه بالخط الكوفى تاريخ إنشائه فى شهر رمضان سنة خمس وستين ومائتين. وقبلته من الرخام الملون، وعمده وطارته من الطوب الأحمر والجبس فى غاية الإتقان.
وله ثلاث مآذن اثنتان فى الجهة القبلية من الطوب، وسلالمهما من الداخل، والثالثة من الحجر سلمها من الخارج، وهذه غير مستعملة الآن، وهى من بناء ابن طولون، والسياحون للآن يقصدونها للفرجة عليها، ويعجبون من صنعتها.
وبداخل هذا الجامع زاوية صغيرة متخربة بجوار المنارة التى من الحجر، بها ضريح الشيخ البوشى.
وهناك سبيل تابع له.
قال المقريزى: وكان بجوار الجامع الطولونى دار أنشأها الأمير أحمد بن طولون عندما بنى الجامع، وجعلها فى الجهة القبلية، ولها باب من جدار الجامع يخرج منه إلى المقصورة بجوار المحراب والمنبر. (قلت): ويفهم من هذا أن هذه الدار كانت فى ظهر حائط القبلة، وكثيرا ما يعبر فى الحجج القديمة وفى مواضع كثيرة من المقريزى عن جهة القبلة بالقبلى. ثم
стр. 505
قال المقريزى: وكان يقال لها دار الإمارة، وموضعها الآن سوق الجامع، حيث البزازين وغيرهم، ولم تزل هذه الدار باقية إلى أن قدم المعز لدين الله أبو تميم معدّ من بلاد المغرب، فكان يستخرج فيها أموال الخراج، ثم خربت هذه الدار فيما خرب من القطائع والعسكر، وصار موضعها ساحة، إلى أن حكرها الدويدارى عند تجديد عمارة الجامع. (انتهى).
وذكر المقريزى فى ترجمة قيسارية الجامع الطولونى أن هذه القيسارية كان موضعها فى القديم من جملة دار الإمارة التى بناها الأمير أبو العباس أحمد بن طولون، وكان يخرج منها إلى الجامع من باب فى جداره القبلى، فلما خربت صارت ساحة أرض، فعمر فيها القاضى تاج الدين المناوى - خليفة الحاكم عن قاضى القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة - قيسارية فى سنة خمسين وسبعمائة من فائض مال الجامع الطولونى، فكمل فيها ثلاثون حانوتا. وفى سنة ثمانى عشرة وثمانمائة أنشأها قاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن نصير بن رسلان البلقينى قيسارية أخرى من مال الجامع المذكور، فرغب الناس فى سكناها لوفور العمارة بذلك الخط. (انتهى). (قلت): ومحلها الآن الدكاكين التى عن يمنة المارّ بهذا الشارع عند باب الجامع.
جبل يشكر
وذكر المقريزى أيضا أن موضع هذا الجامع يعرف بجبل يشكر. قال ابن عبد الظاهر:
وهو مكان مشهور بإجابة الدعاء، وقيل إن موسى ﵇ ناجى ربه عليه بكلمات، ويشكر هو يشكر بن جديلة من لخم، ويشكر قبيلة من قبائل العرب اختطت عند الفتح بهذا الجبل فعرف بجبل يشكر لذلك، ثم قال: وكان هذا الجبل يشرف على النيل وليس بينه وبين النيل شئ، وكان يشرف على بركة الفيل وبركة قارون - المعروفة اليوم بالبغالة. وعلى هذا الجبل كانت تنصب المجانيق التى تجرب قبل إرسالها إلى الثغور. وكان بجوار جبل يشكر الكبش، وكان يشرف على النيل من غربيه، ثم لما اختط المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر صار الكبش من جملة خطة الحمراء القصوى. (انتهى ملخصا).
وبهذا الشارع من جهة اليمين أربع عطف:
- الأولى عطفة سيدى فارس، عرفت بذلك لأن بها ضريحه داخل زاوية تعرف بزاوية فارس، وهى الآن معطلة ومجعولة مكتبا لتعليم الأطفال، ولها أوقاف تحت يد أحمد أفندى الطولونى.
- الثانية عطفة الخوخة يسلك منها لعطفة الجداوى.
- الثالثة عطفة المنبحة.
- الرابعة العطفة السد.
стр. 506
وأما جهة اليسار فبها:
- حارة العمرى؛ بأولها زاوية العمرى، بها ضريحه، وشعائره مقامة بنظر الحاج أحمد الحداد.
- ثم درب الجمالة.
- ثم العطفة الصغيرة.
- ثم عطفة بشتاق.
- ثم عطفة كوع القرد.
- ثم حاره الصائغ، بها زاوية الأربعين، بداخلها ضريح الأربعين، وهى معطلة الشعائر، ولها أوقاف تحت نظر السيد حسن الدنف، وبهذه الحارة أيضا وكالة متخرّبة يقال لها وكالة المغاربة.
- ثم عطفة المغاربة.
- ثم درب المصبغة عن يسار المارّ به ست عطف غير نافذة: الأولى عطفة حسين.
الثانية عطفة سعيد، بداخلها ضريح الشيخ سعيد. الثالثة عطفة البئر، بها ضريح يعرف بالشيخ محمود. وثلاث وكائل: الأولى ملك رجل يعرف بيوسف جوارى، والثانية وقف المكاتب الأهلية، والثالثة متخرّبة، وفى حيازة رجل يدعى يوسف هارون. الرابعة عطفة النقاش بآخرها ضريح للأربعين. الخامسة عطفة الكبابجى. السادسة عطفة حبشى، وكلها غير نافذة.
- ثم بعد درب المصبغة عطفة القبوة.
- ثم عطفة الأسقف، بداخلها ضريح الشيخ سليمان.
- ثم عطفة النصارى.
- ثم عطفة حوش النجار.
وبهذا الشارع أيضا عدة وكائل، منها وكالة محمود الغلالى، ومنها وكالة تبع الأوقاف ومنها وكالة الشيخة عساكر، ومنها وكالة حسن السيسى، ومنها وكالة محمود المعايرجى، ووكالة يوسف أغا، ووكالة يوسف ثابت معدّة لبيع الدهانات، وكلها ذات أماكن علوية للسكنى.
стр. 507
شارع الزيادة
ابتداؤه من شارع طولون أمام درب المصبغة، وانتهاؤه شارع قلعة الكبش، وطوله مائة وسبعون مترا، عرف بذلك لأنه من زيادة جامع ابن طولون، وبه عطفة تعرف بعطفة العمود، يتوصل منها لعطفة الخوخة، وبه وكالة مملوكة للست فاطمة بها أماكن للسكنى.
وإلى هنا انتهى الكلام على بيان الأقسام الأربعة من الشارع الطوالى الذى ابتداؤه من شارع العطارين بجوار سوق العصر وانتهاؤه شارع طولون، ثم نبين باقى الشوارع والحارات بالبدء من جهة الصليبة فنقول
стр. 508
الشارع الطوالى المارّ من جهة المنشية إلى آخر شارع اللبودية بقرب مسجد السيدة زينب طوله ألف متر وثلثمائة وستة وعشرون مترا، وينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شارع الصليبة
ابتداؤه من جهة المنشية، وانتهاؤه أول شارع حدرة الحناء قبالة حارة بئر الوطاويط،
وبه من جهة اليسار عطف وحارات ودروب على هذا الترتيب:
- حارة درب البوص.
- درب المراحلية.
- عطفة حوش الحدادين.
- حارة لطيف باشا برأسها دار الأمير عبد اللطيف باشا.
- درب الميضة بآخره زاوية الأربعين، وتعرف أيضا بزاوية الشيخ خضر، شعائرها مقامة.
[جامع تغرى بردى]
درب جميزة، برأسه جامع تغرى بردى، ويعرف بجامع المؤذى أنشأه الأمير تغرى بردى الرومى، وجعله مدرسة، وقرر فى مشيختها العلاء القلقشندى، وذلك فى سنة أربع وأربعين وثمانمائة، ولما مات دفن بها. وذكر السخاوى أن هذه المدرسة كانت فى طرف سوق الأساكفة. (انتهى).
[حارة بنت المعمار] [جامع مغلباى]
وبداخل درب جميزة حارة بنت المعمار، بها جامع مغلباى طاز؛ له منارة، وبه قبر منشئه الأمير مغلباى طاز، وهو غير مقام الشعائر لتخربه، وتحت نظر الأوقاف.
стр. 509
[جامع الأمير على]
وجامع الأمير على أنشأه الأمير على - تابع محمد بيك أمير اللواء - سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، وهو مقام الشعائر بنظر حسين بيك طوبجى باشا. وبها دار ورثة المرحوم حسين بيك الطوبجى، ودار ورثة المرحوم سليم باشا، بكل منهما جنينة. وبها سبيل على كتخدا عزبان، فوقه مكتب لتعليم الأطفال، ونظره للست خدوجة من ذرية المنشئ.
وأما من جهة اليمين فيها عطف وحارات ودروب على هذا الترتيب:
[جامع جوهر الصفوى]
- عطفة جوهر، عرفت بذلك لمجاورتها لجامع جوهر الصفوى المقابل لجامع الغورى، أنشأه جوهر المنجكى الصفوى، وجعله مدرسة، وعمل بها درسا فى الفرائض، وأقيمت بها الجمعة سنة أربع وأربعين وثمانمائة.
- عطفة الدمياطى.
- عطفة الحلوجى.
[جامع قايتباى المحمدى]
- درب السمّاكين، برأسه جامع قايتباى المحمدى، وكان أولا يعرف بالمدرسة القتبهية، وخطته تعرف بسويقة عبد المنعم، كما هو موجود فى بعض حجج أملاك هذه الجهة، وهو تجاه دار الأمير لطيف باشا، جدّده الأمير المذكور سنة سبع وثمانين ومائتين وألف، وعرف بالمحمدى لأن به ضريحا يقال له الشيخ المحمدى يعمل له مولد كل سنة، وشعائره مقامة، ويتبعه سبيل يعلوه مكتب.
وبداخل درب السمّاكين درب يعرف بدرب الطباخين.
- حارة خرابة منصور.
- العطفة الصغيرة.
- حارة العسيلى.
[حارة الأربعين]
حارة الأربعين، وتعرف بحارة الجعافرة، بها زاويتان؛ إحداهما تعرف بالأربعين، شعائرها مقامة من جهة الست زعفران، ويقابلها ضريح يقال له الأربعين، والأخرى تعرف بزاوية الجعافرة مقامة الشعائر أيضا، وبداخلها ضريحان: أحدهما للشيخ محمد الطيار، والآخر للشيخ أحمد الطيار، يعمل لهما مولد كل سنة.
стр. 510
وبهذه الحارة أيضا دار الأمير راشد باشا حسنى، أصلها من إنشاء المرحوم أدهم باشا - ناظر المدارس والأوقاف سابقا - وأخرى لورثة المرحوم حسن باشا جركس؛ بكل منهما جنينة.
[جامع شيخو]
وبهذا الشارع جامع شيخو تجاه خانقاه شيخو، أنشأهما الأمير سيف الدين شيخو الناصرى سنة ست وخمسين وسبعمائة. وبداخل الجامع تكية معروفة بتكية شيخو، وهى عامرة إلى الآن.
[سبيل الأمير عبد الله]
وفى شرقى هذا الجامع سبيل معروف بسبيل الأمير عبد الله، أنشأه الأمير المذكور سنة اثنتين ومائة وألف (١)، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال، وهو عامر إلى الآن بنظر الأوقاف، وبقربه المكتب الأهلى المعروف بمكتب شيخون، وهو من المكاتب الشهيرة به عدّة من الأطفال.
لهم الخوجات والمؤدبون، ويعمل به الامتحان السنوى مثل المدارس.
[سبيل أم عباس]
وبه أيضا حماما شيخو، أحدهما للرجال والآخر للنساء تجاه سبيل أم عباس باشا الذى أنشأته فى سنة أربع وثمانين ومائتين وألف، وجعلت فوقه مكتبا لتعليم الأطفال، ورتبت به المعلمين والمؤدبين، ووقفت على ذلك أوقافا كثيرة جار الصرف منها على المكتب والسبيل إلى الآن، ويعمل بهذا المكتب امتحان فى كل سنة.
[قراقول الصليبة]
وفى مقابلته قراقول قديم يعرف بقراقول الصليبة كان به معاون ثمن الخليفة، واليوم انتقل إلى القراقول الجديد المعروف بقراقول المنشية الذى به بيت الصحة الطبية.
القسم الثانى: شارع حدرة الحناء
يبتدئ من آخر شارع الصليبة، وينتهى إلى مسجد الجاولى بأول شارع مرسينا، وبوسطه شارع قلعة الكبش، وسيأتى الكلام عليه، وبه عطف وحارات وهى:
[حارة حمام بابا]
حارة حمام بابا، عرفت بذلك لأن بها حمام بابا، وهو حمام قديم عامر إلى الآن، يدخله الرجال والنساء، وأرضه محكورة لوقف الست فاطمة بنت السيد عبد الرحمن الصيرفى. وهذا الحمام سمّاه الجبرتى حمام السكر حيث قال فى ترجمة الأمير عبد الرحمن بيك المتوفى سنة سبع
стр. 511
وعشرين ومائة وألف إن الوزير إسماعيل باشا - المتولى على مصر سنة سبع ومائة وألف - قد اشترى بيتا بحدرة طولون بجوار حمام السكر من عتقاء عثمان جربجى مطلا على بركة الفيل، ثم لما عزل إسماعيل باشا المذكور باع هذا البيت والأملاك التى كان وقفها على التكية التى أنشأها بقراميدان للوزير حسين باشا الذى تولى بعده. (انتهى). (قلت): ويغلب على الظن أن هذا البيت هو الآن بيت الأمير حسن باشا راسم لأنه هو الذى بقرب الحمام ومطل على بركة الفيل، وبه جنينة متسعة، وقاطون مشترك بينه وبين بيت الشنوانى المجاور له.
وحارة حمام بابا هذه عن يمين المارّ من الشارع، ويسلك منها لشارع أزبك تجاه عطفة روبنة، وعن يسار المارّ بها حارتان؛ إحداهما تعرف بحارة الوكيل، والأخرى بحارة البقرية، بداخلها زاوية صغيرة، يقال لها زاوية الأربعين، بها ضريح الشيخ الأربعين، يعمل له مولد كل سنة، وشعائرها معطلة لتخربها، ونظرها لرجل يعرف بشحاته الفران من أهالى تلك الخطة، وهناك دار الأمير إبراهيم باشا الجردلى، ودار الأمير نجم الدين باشا، ودار ورثة المرحوم اتوزبير.
***
شارع قلعة الكبش
عن يسار المارّ بشارع حدرة الحناء بجوار جامع صرغتمش من جهته الغربية، ويمتدّ لشارع الزيادة، وينتهى إلى بركة البغالة، وطوله أربعمائة متر وأربعون مترا.
[مناظر الكبش]
عرف بالكبش من اسم الجبل المبنى فوقه البيوت، وكان عليه دار الإمارة فى زمن عمال مصر من طرف الخلفاء الأمويين والعباسيين. وفى دولة الفاطميين جعلوا فوقه قصورا سميت مناظر الكبش ذكرها المقريزى حيث قال: هذه المناظر آثارها الآن - يعنى فى زمنه - على جبل يشكر بجوار الجامع الطولونى مشرفة على البركة التى تعرف ببركة قارون أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل فى أعوام بضع وأربعين وستمائة، وكان حينئذ ليس على بركة الفيل بناء، ولا فى المواضع التى فى بر الخليج الغربى من قنطرة السباع إلى المقس سوى البساتين، وكانت الأرض التى من صليبة جامع ابن طولون إلى باب زويلة بساتين، وكذلك الأرض التى من قناطر السباع إلى باب مصر بجوار الكبارة ليس فيها إلا البساتين، وهذه المناظر تشرف على ذلك كله من أعلى جبل يشكر، وترى باب زويلة والقاهرة وباب مصر ومدينة مصر وقلعة الروضة وجزيرة الروضة، وترى مجرى النيل الأعظم وبر الجيزة،
стр. 512
فكانت من أجلّ منتزهات مصر، وتأنق فى بنائها وسماها الكبش فعرفت بذلك إلى اليوم، وما زالت بعد الملك الصالح من المنازل الملوكية.
ترجمة الحاكم بأمر الله
وبها نزل الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى بن أبى على الحسن بن أبى بكر من ذرية الخليفة الراشد بالله أبى جعفر منصور بن المسترشد بعدما أقام مدة فى برج من أبراج القلعة، وفى مدة إقامته بالقلعة بقى نحو سبع وعشرين سنة ممنوعا من الاجتماع على الناس بقيت أيام الظاهر بيبرس وأيام ولديه بركة وسلامش وأيام قلاوون، فلما صارت السلطنة إلى الأشرف خليل بن قلاوون أخرجه من سجنه يوم الجمعة العشرين من رمضان سنة تسعين وستمائة، وبعد مدة منع من الاجتماع بالناس، فامتنع حتى أفرج عنه المنصور لاجين فى سنة ست وتسعين وستمائة. وأسكنه بمناظر الكبش، وأنعم عليه بكسوة له ولعياله وأجرى عليه ما يقوم به، وبقى كذلك إلى أن توفى ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، فكانت مدة خلافته أربعين سنة ليس له فيها أمر ولا نهى.
ترجمة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان
وسكن بمناظر الكبش أيضا الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان فى أول خلافته، وشهد وقعة شقحب مع الملك الناصر محمد بن قلاوون. وعليه سواده، وقد أرخى له عذبة طويلة، وتقلد سيفا عربيا محلى، ثم تنكر عليه، وسجنه فى برج بالقلعة نحو خمسة أشهر، وأفرج عنه، وأنزله إلى دار قريب من المشهد النفيسى بتربة شجرة الدر، فأقام نحو ستة أشهر، وأخرجه إلى قوص فى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، وقطع راتبه، وأجرى له بقوص ما يتقوت به، فمات بها فى خامس شعبان سنة أربعين وسبعمائة.
واستمرت الخلفاء تسكن هذه الدار بقرب المشهد النفيسى، وقال المقريزى: إن مرتب الخلفاء كان على مكس الصباغة، وكان لا يكفى على القيام بأودهم.
وفى سنة ثمان وأربعين وسبعمائة استقرّ الخليفة أبو الفتح بن أبى الربيع سليمان فى نظر مشهد السيدة نفيسة ﵂ ليستعين بما يرد إلى ضريحها من نذر العامة، فحسنت حاله بما يبيعه من الشمع المحمول إلى المشهد.
وأول من اتسعت أحواله، وصار له إقطاعات الخليفة المتوكل على الله، فإن السلطان الظاهر برقوق استدعاه من محبسه. وأعاده إلى الخلافة. وخلع عليه فى يوم الأربعاء أول جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وبالغ فى تعظيمه وأنعم عليه. فلم يزل فى خلافته حتى توفى ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من رجب سنة ثمان وثمانمائة.
стр. 513
وفيها أيضا كانت ملوك حماة من بنى أيوب تنزل عند قدومهم إلى الديار المصرية.
وفى سنة ثلاث وتسعين وستمائة أنزل بهذه المناظر نحو ثلثمائة من مماليك الأشرف خليل ابن قلاوون عندما قبض عليهم بعد قتل الأشرف المذكور.
[زفاف ابنة الناصر محمد بن قلاوون]
ثم إن الناصر محمد بن قلاوون هدم هذه المناظر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وبناها بناء آخر، وأجرى الماء إليها، وجدد بها عدة مواضع، وزاد فى سعتها وأنشأ بها إصطبلا، وعمل زفاف ابنته على ولد الأمير أرغون - نائب السلطنة بديار مصر - بعد ما جهزها جهازا عظيما، وعمل سائر الأوانى من ذهب وفضة، فبلغت زنة الأوانى المذكورة ما ينيف على عشرة آلاف مثقال من الذهب، وتناهى فى هذا الجهاز، وبالغ فى الإنفاق عليه، حتى خرج عن الحدّ فى الكثرة فإنها كانت أول بناته. ولما نصب جهازها بالكبش نزل من القلعة، وصعد إلى الكبش، وعاينه ورتّبه بنفسه، واهتم فى عمل العرس اهتماما ملوكيا، وألزم الأمراء بحضوره، فلم يتأخر أحد منهم عن الحضور. ولما انقضت أيام العرس أنعم السلطان على كل امرأة من نساء الأمراء بتعبية قماش على مقدارها، وخلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء والكتّاب وغيرهم.
وسكن هذه المناظر أيضا الأمير صرغتمش فى أيام السلطان الملك الناصر حسن، وعمر الباب الذى هو موجود الآن وبدنتى الحجر اللتين بجانبى باب الكبش بالحدرة.
ثم إن الأمير يلبغا العمرى المعروف بالخاصكى سكنه إلى أن قتل سنة ثمان وستين وسبعمائة، فسكنه من بعده الأمير أستدمر إلى أن قبض عليه الملك الأشرف شعبان بن حسين، وأمر بهدم الكبش، فهدم وأقام خرابا لا ساكن فيه إلى سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فحكره الناس، وبنوا فيه مساكن وهو على ذلك إلى اليوم. (انتهى).
[حدرة ابن قميحة]
وكان بالكبش أيضا حدرة تعرف بحدرة ابن قميحة ذكرها المقريزى، ومحلها الآن من ضمن شارع الكبش يصعد إلى الكبش منها من خلف جامع صرغتمش:
قال المقريزى: والكبش جبل بجوار جبل يشكر كان قديما يشرف على النيل من غربيه.
قال: ولما اختط المسلمون مدينة الفسطاط بعد فتح أرض مصر صار الكبش من جملة خطة الحمراء القصوى وسمى بالكبش.
стр. 514
[الحمراء القصوى]
والحمراء القصوى كانت خطة بنى الأزرق، وهى التى بنى فى محلها العسكر. قال المقريزى: اعلم أن موضع العسكر قد كان قديما يعرف فى صدر الإسلام بالحمراء القصوى.
قال: والحمراء القصوى كانت خطة بنى الأزرق وبنى روبيل وبنى يشكر بن جزيلة، ثم دثرت هذه الخطة بعد العمارة بتلك القبائل حتى صارت صحراء. فلما قدم مروان بن محمد - آخر خلفاء بنى أمية - إلى مصر منهزما من بنى العباس نزلت عساكر صالح بن على وابن عون عبد الملك بن يزيد فى هذه الصحراء حيث جبل يشكر حتى ملأوا الفضاء، وأمر أبو عون أصحابه بالبناء فيه، فبنوا، وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين ومائة.
فلما خرج صالح بن على من مصر خرب أكثر ما بنى فيه إلى زمن موسى بن عيسى الهاشمى، فابتنى فيها دارا أنزل فيه حشمه وعبيده، ثم ولى السرى بن الحكم فأذن للناس فى البناء، فابتنوا فيه، وصار مملوكا بأيديهم، واتصل بناؤه ببناء الفسطاط، وبنيت فيه دار الإمارة، وجامع العسكر، وعملت الشرطة هناك، وإلى جانبها بنى أحمد بن طولون جامعه الموجود الآن، وسمى من حينئذ ذلك الفضاء بالعسكر، وصار أمراء مصر إذا ولوا ينزلون به، وصار مدينة ذات محال وأسواق ودور عظيمة، وفيه بنى أحمد بن طولون مارستانه، فأنفق عليه وعلى مستغله ستين ألف دينار، وكان بالقرب من بركة قارون.
وعظمت العمارة فى العسكر جدا إلى أن قدم أحمد بن طولون من العراق إلى مصر، فنزل بدار الإمارة من العسكر، وكان لها باب إلى جامع العسكر وينزلها الأمراء منذ بناها صالح ابن على بعد قتله مروان. وما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر والميدان بالقطائع، فتحول منها وسكن قصره بالقطائع. (انتهى ملخصا).
وفى وقتنا هذا الحد الشرقى للحمراء القصوى يمتد إلى جامع ابن طولون، فيكون فيه خط الجامع وخط الكبش، والحد القبلى هو التلول الممتدة من الكبش إلى شارع مصر القديمة التى بها قبر زين العابدين، والشرقى البحرى هو الشارع، والغربى الخليج المصرى من قنطرة السباع إلى قنطرة السد.
بركة قارون
وأما بركة قارون المتقدم ذكرها فإنها كانت كبيرة جدا، والآن لم يبق منها إلا شئ قليل، وعن قريب يردم ويزول أثرها بالكلية. وفى زمن دخول الفرنساوية مصر كانت تعرف ببركة الملا، ثم عرفت اليوم ببركة البغالة، وهى قريبة من عمارة الأمير الكبير الشهير حسين باشا حسنى ناظر المطبعة والكاغدخانة المصرية.
стр. 515
وذكرها المقريزى فى خططه فقال: هذه البركة موضعها الآن فيما بين حدرة ابن قميحة خلف جامع ابن طولون وبين الجسر الأعظم الفاصل بين هذه البركة وبركة الفيل، وعليها الآن عدة دور، وتعرف ببركة قراجا. وكان عليها عدة عمائر جليلة فى قديم الزمان عندما عمر العسكر والقطائع، فلما خرب العسكر والقطائع خرب ما كان من الدور على هذه البركة أيضا، ولم يزل خرابا إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون البركة الناصرية فى أراضى الزهرى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فصار جانب هذه البركة الذى يلى خط السبع سقايات مقطع طريق فيه مركز يقيم فيه من جهة متولى مصر من يحرس المارة من القاهرة إلى مصر، ولم يكن هناك شئ من الدور، وإنما كان هناك بستان بجوار حوض الدمياطى الموجود الآن تجاه كوم الأسارى - على يمنة من خرج وسلك من السبع سقايات إلى قنطرة السدّ، ويشرف هذا البستان على هذه البركة، فحكر آقبغا عبد الواحد مكانه، وصارت فيه الدور الموجودة الآن. (انتهى).
دار الفيل
ومن ضمن الدور التى كانت تشرف على بركة قارون دار الفيل. قال المقريزى: هى الدار التى على بركة قارون. ذكر بنو مسكين أنها من حبس جدهم، وكان كافور - أمير مصر - اشتراها، وبنى فيها دارا ذكر أنه أنفق عليها مائة ألف دينار، ثم سكنها فى رجب سنة ست وأربعين وثلثمائة، وقيل إنه أدخل فيها عدّة مساجد ومواضع اغتصبها من أربابها، ولم يقم فيها غير أيام قلائل، ثم انتقل إلى دار خمارويه المعروفة بدار الحرم، وسكنها بعدما عمروها له، وقيل إن انتقاله كان بسبب بخار البركة، وقيل بوباء وقع فى غلمانه، وقيل ظهر له بها جان.
وكانت دار الفيل هذه ينظر منها جزيرة مصر التى تعرف اليوم بالروضة. (انتهى).
(قلت): ويظهر من كلام المقريزى أن دار الفيل كانت كبيرة جدا، وكانت فوق جبل يشكر، ومنها الأرض المبنى فوقها حوش أيوب بيك، وعمارة حسين باشا حسنى، ومحل المناظر التى جددها الصالح نجم الدين أيوب.
وأما التلول التى نشاهدها قبلى البركة، فهى محل الدور التى كانت تشرف على البركة فى الأيام السالفة. وكان فى شرقى هذه البركة - بعد التلول المذكورة - بركة سماها الفرنساوية فى خرطة مصر ببركة طولون، وكان السالك من حوش أيوب بيك إلى الكيمان يرى محلا منخفضا هو محل بركة طولون المذكورة، وعلى بعد قليل من بركة طولون المقبرة المعروفة بمقبرة زين العابدين.
стр. 516
وفى سنة ست وثمانين ومائتين وألف - عندما كنت ناظرا على ديوان الأوقاف - كان بلصق مسجد السيدة زينب من الجهة الشرقية مقبرة مهجورة وبعدها أراضى فضاء ومزارع، فاشتريت ما كان مملوكا من ذلك وأضفته إلى أرض المقبرة، ثم أعطى بالحكر لمن كان يرغب فى ذلك، فأخذ منه الكثير من الناس، وبنوا فيه، وبعد قليل من الزمن صار خطا عظيما به جملة شوارع وحارات وبيوت لكثير من الأمراء وغيرهم، وبهذا السبب ردم معظم البركة.
وفى سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف - مدة نظارتى على الأشغال - عمل تصميم على إزالة جميع التلول الموجودة بطول الشارع من بوابة السيدة زينب إلى مصر العتيقة، والتلول الموجودة جهة زين العابدين خلف الديورة، وجيارة الميرى إلى العيون، وبالاتحاد مع مجلس الصحة صار اختيار هذه الجهة لبناء سلخانة عمومية لمدينة مصر وضواحيها، وعمل لها الرسم المستوفى لشروط الصحة، ثم أعطيت بالمقاولة، فبلغت قيمتها نحو عشرين ألف جنيه مصرية.
دار الأمير أرغون
(قلت): وكان بهذا الشارع أيضا دار الأمير أرغون، ذكرها المقريزى حيث قال:
هذه الدار بالجسر الأعظم على بركة الفيل، أنشأها الأمير أرغون سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وأدخل فيها من أرض بركة الفيل عشرين ذراعا. (انتهى). ومحلها الآن الحوش المقابل لجامع الحاولى المعروف بحوش إبراهيم شركس وما جاوره إلى الحوض المرصود.
ترجمة الأمير أرغون
وأرغون هذا هو - كما فى المقريزى - الأمير سيف الدين أرغون الكاملى نائب حلب ودمشق، تبناه الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون وزوّجه أخته من أمه بنت الأمير أرغون العلائى فى سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكان يعرف أولا بأرغون الصغير. مات بالقدس يوم الخميس لخمس بقين من شوال سنة ثمان وخمسين وسبعمائة. (انتهى).
ثم إنه يوجد بهذا الشارع من جهة اليمين خمسة دروب وثلاث عطف، كلها غير نافذة، وهى على هذا الترتيب:
- درب الطولونى.
- عطفة الحمامى.
- عطفة الشيخ عبد الله، بداخلها ضريح الشيخ عبد الله.
- عطفة الزيّاتين، بداخلها ضريح الشيخ محمد المأمون،
стр. 517
- درب السنابغة.
- درب البئر.
- درب النبقة، بأوله زاوية تعرف بزاوية أبى البقاء، بها ضريح الشيخ أبى البقاء، يعمل له حضرة كل جمعة، ومولد كل عام، وهى غير مقامة الشعائر لتخرّبها، ولها أوقاف تحت نظر امرأة تدعى الست أم عوض من أهل تلك الجهة.
- درب الساقية، عرف بذلك من أجل أن به أثر الساقية التى كان ينقل منها الماء إلى الدار التى بناها كافور الإخشيد فى هذه الخطة، وكانت تعرف بدار الفيل، وقد تقدّم الكلام عليها.
وإلى وقتنا هذا أثر الساقية المذكورة موجود يراه من يسلك من عطفة حوش أيوب بيك إلى جهة الخلاء.
وأما جهة اليسار فبها دربان وعطفة وهى على هذا الترتيب:
- عطفة الجداوى غير نافذة.
- درب حيدر غير نافذ.
- درب القطايعة غير نافذ أيضا.
[جامع قانم]
وبهذا الشارع أيضا جامع قانم، كان أول أمره مدرسة أنشأها قانم التاجر الجركسى المؤيدى فى القرن التاسع، والآن شعائره غير مقامة لتخربه.
[جامع قايتباى]
وبقربه جامع قايتباى أنشأه الملك الأشرف السلطان أبو النصر قايتباى سنة سبع وثمانين وثمانمائة وجعله مدرسة، وعمل بها خلاوى للصوفية، ووقف عليها أوقافا كثيرة. (قلت):
وهذا الجامع عامر إلى اليوم من أوقافه، وله بابان؛ أحدهما يفتح إلى الجهة البحرية، والآخر إلى الجهة القبلية، وله منارة عليها هلال من النحاس، وبه مطهرة ومراحيض، وبجواره سبيل تابع له، وبجوار السبيل أثر حوض كبير متهدم.
[جامع الخضيرى]
وبه أيضا جامع الخضيرى تجاه مدرسة صرغتمش. كان أول أمره زاوية أنشأها العارف بالله تعالى الشيخ سليمان الخضيرى المتوفى سنة خمس وستين وتسعمائة، وشعائره مقامة، وبداخله ضريحان؛ أحدهما للشيخ سليمان المذكور، والآخر لولده الشيخ أحمد الخضيرى، يعمل لهما حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام.
стр. 518
[جامع صرغتمش]
وبه مدرسة صرغتمش المعروفة الآن بجامع صرغتمش، هو تجاه جامع الخضيرى، عرف باسم منشئه الأمير سيف الدين صرغتمش الناصرى أنشأه سنة سبع وخمسين وسبعمائة، ورتب به دروسا، وشعائره مقامة إلى اليوم، وبداخله سبيل يعلوه مكتب، وقد بسطنا الكلام عليه فى جزء الجوامع من هذا الكتاب.
جامع الجاولى
وبآخر هذا الشارع جامع الجاولى بجوار قلعة الكبش، أنشأه الأمير علم الدين سنجر الجاولى، وجعله مدرسة، وذلك سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ورتب بها دروسا، وهو عامر إلى الآن، وبداخله ثلاث قباب متلاصقة، بإحداها قبر منشئه، وبالثانية قبر الأمير سلار، وبالثالثة قبر دارس لم يعلم صاحبه، وقد بسطنا الكلام عليه فى جزء الجوامع من هذا الكتاب. وكان بجوار هذا الجامع سور من الحجر مرتفع تسميه العامة بمصطبة فرعون، فلما اشترى الأمير حسين باشا حسنى - ناظر المطبعة - الأرض التى خلف هذا السور هدم معظمه، وبنى فى الأرض التى اشتراها عمارته الموجودة الآن، وأخبرنى أنه عثر عند الهدم على عقود كبيرة مرتفعة، جميعها بالحجر العجالى الكبير، وعلى سلالم، وعلى طريق موصل إلى جامع الجاولى، وعلى مجرور متسع مبنى أيضا بالحجر العجالى المحكم الصنعة، وهذا المجرور أكثره ممتد إلى الشارع وباقيه داخل العمارة. وأخبرنى أيضا أنه رأى بابا مبنيا بالحجر، وعليه كتابة من ضمنها اسم محمد السعيد، فيغلب على الظن أن تلك العقود والطريق الموصل إلى الجامع من آثار بناء الجاولى صاحب الجامع، وأن البناء الذى داخل الباب المكتوب عليه اسم محمد السعيد من آثار بناء محمد السعيد ابن السلطان بيبرس الحاشنكير، أو من آثار بناء غيره من الأمراء، وكان يسمى بهذا الاسم، وقد ذكرنا فى هذا الكتاب غير مرة أن هذه الخطة خصوصا فوق الكبش كانت محلا لسكن الأمراء من أعيان الدولة، وعلى هذا لا يبعد ما حررناه والله أعلم بالصواب.
وبهذا الشارع أيضا ضريحان؛ أحدهما يعرف بالشيخ خضر، والآخر يعرف بالست تاج، ووكالة كبيرة تعرف بوكالة إبراهيم شركس، بها عدة حواصل ومساكن علوية، وتحت نظر إبراهيم أفندى شركس المذكور.
стр. 519
خاتمة
شارع قلعة الكبش هذا يعرف أيضا بشارع الحوض المرصود من أجل حوض كان به يعرف بالحوض المرصود، وهو حوض من الحجر الصوان الأسود كان فى فجوة على قدره بالقرب من الكبش، وكان معدا للسقى، فلما دخلت الفرنساوية ديار مصر واستولوا عليها أخرجوه من موضعه، وأرسلوه إلى باريز مع غيره من التحف التى أخذوها من الديار المصرية، لكنها لم تصل إلى باريز، بل فى أثناء الطريق استحوذ عليها الإنجليز، وأخذوها جميعها إلى بلادهم، وإلى الآن موجود هذا الحوض بخزانة الآثار التى بمدينة لوندرة: ويؤخذ مما حرره الفرنساوية أن طول ذلك الحوض متران وسبعة أعشار متر وكسر، وعرضه الأمامى متر وثلاثة أعشار متر وثمانية أعشار عشر متر، اعنى مترا وثمانية وثلاثين سنتيمترا، وعرضه الخلفى متر وسبعة عشر سنتيمترا وثمانية أعشار عشر المتر، وارتفاعه متر وتسعة عشر سنتيمترا واثنان من أعشار عشر المتر، وعلى جميع أسطحته كتابة من الداخل والخارج.
***
القسم الثالث: شارع مرسينا
يبتدئ من آخر شارع حدرة الحناء، وينتهى لآخر شارع اللبودية، وبه من جهة اليمين:
ورشة الحوض المرصود، وتعرف أيضا بورشة الأسلحة لأنها معدة لتشغيل أسلحة الميرى، ثم درب الشمسى.
ترجمة حسين باشا حسنى - ناظر مطبعة بولاق سابقا
وأما جهة اليسار فبها دار ورثة الأمير حسين باشا حسنى المتقدم ذكره.
وهو الأمير الكبير، وعلم المجد الشهير حسين ابن المرحوم محمد أفندى كمورجينه لى.
كان قد تحلى ﵀ مدة حياته من خلال الكمالات الإنسانية بأبهجها وأحسنها، وتزين من زينة المروءة والمساعى الخيرية والمكارم الإحسانية بألطفها وأمكنها، وسعى بجد واجتهاد فى نشر العلوم وتوسيع دائرتها، وبذل وسعه فى تحسين دار الطباعة وتشييدها، وإحكام آلاتها توسلا إلى حسن الطبع لإقبال الناس على الكتب، وكثرة الانتفاع بها وإدامة دراستها ومطالعتها. ورغبة فى انتفاع العمال وفتح بيوتهم، ورغد عيشهم وكثرة قوتهم.
стр. 520
وكان مبدأ نشأته ﵀ فى القاهرة، وتربى فى التعلم بمدارسها الفاخرة، وصار ينتقل من مدرسة إلى مدرسة، حتى كانت خاتمة تعلمه بمدرسة الهندسة، فترقى بها إلى رتبة خوجة، فصار يعلم بها العلوم الرياضية من هندسة وجبر وفنون حسابية، ثم انتقل إلى المطبعة سنة ١٢٦٨ هجرية بوظيفة كاتب ومصحح تركى بالوقائع المصرية. وفى سنة ٧٨ صار مأمور تنظيم المطبعة، وفى سنة ١٢٧٩ حين أنعم بالمطبعة على عبد الرحمن باشا رشدى صار وكيلا له بأمر من سعيد باشا، ثم صار شريكا فى ربح المطبعة، وأنعم عليه من سعيد باشا برتبة قائم مقام.
وفى شهر أمشير سنة ١٨٦٤ ميلادية الموافقة لسنة ١٢٨١ هجرية حين انتقلت المطبعة إلى الدائرة السنية جعل عليها ناظرا، وأنعم عليه برتبة مير الاى.
وفى سنة ١٨٧٥ توجه مع حضرة خديو مصر الوزير الكبير إسماعيل باشا ابن إبراهيم ابن محمد على إلى فرنسا لمشاهدة معرض باريس، ثم تنقل فى بلادها وجهاتها، وفى كثير من جهات أوروبا كأوستريا وانكلتره للتفرج على معاملها ومحلات أشغالها رغبة فى إحضار ما يلزم للمطبعة من الآلات المحكمة والعدد المستحسنة، فاشترى جملا من آلاتها المتينة وعددها المكينة.
وفى سنة ٨٤ توجه إلى لندره ثانيا، فأحضر منها فابريقة الورق التى لم يوجد لها مثيل، وأحكم بناءها ببولاق على شاطئ النيل بجوار المطبعة، وأتقن آلاتها إتقانا زائدا، وتعب فى تحسين أوضاعها تحسينا تاما، وكذلك فى إدارتها العجيبة - هو وصهره وكيله فى المطبعة - محمد بك حسنى، حتى جاء منها ورق عجيب الشكل كاد يعطل على ورق أوربا، وكانت جميع مصاريفها وتكاليفها - من ثمن آلاتها وخلافها - من ربح المطبعة، وذلك باجتهاده ﵀ وحسن سعيه فى إحكام إدارتها وكثرة ثروتها رغبة فى عموم نفع الخلق من عمال وغيرهم:
وفى سنة ١٢٩٧ هجرية أنعم عليه برتبة «متمايز» من لدن الحضرة الفخيمة الخديوية التوفيقية أدام الله أيامها. وفى سنة ١٣٠٠ أنعم عليه أيضا برتبة باشا، فقابل أعتاب الحضرة الخديوية بالشكر الجزيل والثناء الجميل، ولم يزل ﵀ ساعيا فى عموم نفع الناس، ونشر العلوم مع إحسان الطبع وجودته على أتم ما ينبغى، وأبهج ما تشتهيه النفوس وتبتغى، وقد أحيا روح المطبعة الميرية، ونشر صيتها فى جميع الأقطار.
ودأب فى حسن المساعى الخيرية للخاص والعام آناء الليل وأطراف النهار، حتى دعاه داعى مولاه إلى حضرة رحمته ودار إحسانه فأجاب، وقوبلت روحه بالروح والريحان فى منازل الرضوان مع الأحباب ﵀ رحمة واسعة، وجمعنا يوم القيامة فى دار النعيم معه، آمين.
стр. 521
وقد رثاه العالم الفاضل، الأديب الكامل، الأستاذ الكبير، العالم الشهير، من كلامه يدل على كماله، الشيخ محمد الحسينى - رئيس المصححين بالمطبعة الكبرى الميرية ببولاق مصر - فقال:
«قد اشتاقت إلى حضرة القدس الرحمانى ودار النعيم الدائم الربانى النفس الطاهرة الزكية، والروح الفاخرة البهية، نفس الهمام الذى دونه كل همام، وروح الشهم الذى يعنو لهمته كل مقدام، المفضال الذى لا يقدر فى المكارم قدره، والكمال الذى فاق شمس غيره بدره، والنبراس الذى أنار غياهب المشكلات بآرائه، والصمصام الذى قدّ صميم المعضلات بمضائه، عظيم الهمة فى عيون الخلق، غزير الديمة، جليل المقدار فى قلوب الناس، ثمين القيمة، الذى يكبو فاره جواد اليراع فى ميدان مدائحه إن شرع يثنى، المرحوم حسين باشا حسينى - ناظر المطبعة الميرية ببولاق مصر المعزية - فأجاب داعى مولاه، وانتقل إلى دار رحمته ورضاه ليلة الجمعة الثالث عشر من جمادى الآخرة سنة ألف وثلثمائة وثلاث هجرية، وقابل مولاه الكريم.
وزفت روحه إلى جنات النعيم، وشيع الناس جنازته، وأقبلوا عليها من كل حدب ينسلون، وجاءوا إليها من شدة فزعهم يهرعون. وكان يوم وفاته يوما مشهودا، وحادث مصابه فى فوادح الشدائد معدودا، وساروا بجنازته فى مشهد عظيم جدا من أعظم المشاهد فى غاية الانتظام، وعليه من السكينة والوقار والهيبة ما يشهد به الخاص والعام، فلا ترى من الناس إلا باكيا من شدة الهيبة، وله بالرحمة داعيا، ولجنازته ومشهده العظيم مشيّعا وساعيا، حتى وصلوا به إلى مسجد سيدنا الإمام الحسين - رضى الله تعالى عنه - وصلّوا عليه فيه بجمع عظيم جدا عقب صلاة العصر، ووضعوا نعشه أمام مقصورة ابن (١) رسول الله ﷺ وأكثروا له من الدعاء بالرحمة حتى قوّت بذلك كل عين، ثم ساروا به إلى رمسه الطيب الكريم، وواروه فى جدثه العطر ليحظى بالروح والريحان ومشاهدة مولاه الرحمن الرحيم، فأقبل ﵀ على نعيمه، وترك لفراقه العيون غرقى فى سيول العبرات، والقلوب حرقى من وهيج الزفرات، حتى تفرّحت الأجفان، ونفهت النفوس، وهجمت العينان، وذابت المروءة كمدا على فراقه، ووجد نشر الكتب والعلوم على أفول بدر محياه ومحاقه، وصار كل لب لهول مصابه سامدا جامدا واجما، ولأليم فراقه نائيا عن مقرّه محجما، وقد بكى اليراع راثيا لمصابه، وراثيا لسوء حال أحبابه، فقال:
بكت عليه المعالى وهى لابسة … ثوب الحداد، وقد سارت نوادبه
ومزّقت أسفا أثواب زينتها … إذ لم تجد بعده خلاّ تصاحبه
ودارة الطبع قد حالت محاسنها … وانهدّ من ركنها السامى جوانبه
стр. 522
وناحت الكتب، واسودّت صحائفها … حزنا عليه، وما زالت تراقبه
ولم تصدق بأن قامت قيامته … وما رأت أن سهم الحتف صائبه
حتى غدت شمسه فى الأفق آفلة … وأظلم الجو، وانقضت كواكبه
على ثراه من الغفران منهمر … يعمّه فى هنىّ الروح ساكبه»
ورثاه الفاضل الأديب، الشاعر المجيد الأريب، الشيخ طه ابن الشيخ محمود قطرية الدمياطى، أحد المصححين بالمطبعة الميرية، فقال:
لا تشق بالزمان يا مطمئن … طالما فى الزمان أخلف ظن
كم رأينا له انقلاب مجنّ … بأناس هم فى الخطوب المجن
ورأينا من عاش دهرا طويلا … مدنّفا كاره الحياة يئن
وصحيحا قد أعجلته المنايا … عن أمانيه وفاجاه حين
فاجعل الحىّ منك ذكرا جميلا … لا يهى إن عراك وهى ووهن
وانتبه قبل أن تهاج عن العش … ولا يبتغى لفرخك حضن
إن حلوا يشوبه الموت مرّ … وفسيحا ينوبه الموت سجن
وثراء إلى الثرى عين فقر … وثواء قصاره القبر ظعن
ما لما كانت البهائم كنا … بين ذى العقل والبهائم بين
ما أخسّ الإنسان إن كان للبط … ن وللفرج يبرز المستكن
ما بكاء العيون إلا على من … للورى فى حياته مطمان
كل صعب بكته عيناك هيّن … بعد شهم أصابنا فيه عين
سيد كان من محاسن مصر … وبأمثاله الزمان يضن
أى شين كفقد مولى همام … مورد مصدر لما هو زين
كان معنى للمجد إن قيل: ما المج … د؟ ومعنا للجود إن ضن معن
فلقد كان للأمانى محلا … وبه من مخاوف الدهر أمن
قلت يوما لدارة الطبع: هلاّ … فى حسين عراك وجد وحزن
فأشارت تقول: ويحك ما تع … لم ألى جسم وروحى حسين
كان لى معقلا وركنا شديدا … فهوى معقل، وقوّض ركن
ربنا ارحمه، واجزه الخير عمن … كان منه للخير والبر يدنو
ما تحلّى بالصبر من قال أرخ … فى هنى النعيم أضحى حسين
٩٠ ٦٥ ٢٠١ ٨١٩ - ١٢٨
سنة ١٣٠٣
стр. 523
[ترجمة أيوب بيك]
وبعد دار ورثة المترجم عطفة حوش أيوب بيك، يسلك منها إلى بركة البغّالة، وبداخلها حوش كبير كان أصله بيتا للأمير أيوب بيك الذى ترجمه الجبرتى فقال: هو من مماليك محمد بيك أبى الذهب، وكان من خيارهم، يغلب عليه حب الخير والسكون، ويدفع الحق لأربابه وتأمّر على الحج، وشكرت سيرته، واقتنى كتبا نفيسة، واستكتب الكثير من المصاحف والكتب بالخطوط المنسوبة، وكان ليّن الجانب، مهذّب النفس، يحب أهل الفضائل، ذا ثروة وعزوة وعفة لا يعرف إلا الجد، ويلوم ويعترض على خشداشيه فى أفعالهم، ولا يعجبه سلوكهم، ولا يهمل حقا توجه عليه. مات ﵀ سنة خمس عشرة ومائتين وألف (انتهى).
[قصر بكتمر الساقى]
ثم بعد عطفة حوش أيوب بيك ورشة الحوض المرصود، وورشة الحوض المرصود المذكورة كان محلها فى القديم قصر بكتمر الساقى الذى ذكره المقريزى حيث قال: هذا القصر من أعظم مساكن مصر وأجلّها قدرا وأحسنها بنيانا، وموضعه تجاه الكبش على بركة الفيل، أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاوون لسكن أجلّ أمراء دولته بكتمر الساقى، وأدخل فيه أرض الميدان الذى أنشأه الملك العادل كتبغا، وقصد أن يأخذ قطعة من بركة الفيل، ليتسع بها الإصطبل الذى للأمير بكتمر بجوار هذا القصر، فبعث إلى قاضى القضاة شمس الدين الحريرى الحنفى ليحكم باستبدالها على قاعدة مذهبه، فامتنع من ذلك، فأرسل إلى سراج الدين الحنفى وقلده قضاء مصر منفردا عن القاهرة، فحكم باستبدال الأرض فى غرّة رجب سنة سبع عشرة وسبعمائة، فلم يلبث سوى مدة شهرين ومات فى أول شهر رمضان، فاستدعى السلطان شمس الدين الجريرى وأعاده إلى ولايته.
وكمل القصر والإصطبل على هيئة قلّما رأت العين مثلها بلغت النفقة على العمارة فى كل يوم مبلغ ألف وخمسمائة درهم فضة مع جاه العمل، لأن العجل التى تحمل الحجارة من عند السلطان والحجارة أيضا، والفعلة فى العمارة أهل السجون المقيدون من المحابيس، وقدّر لو لم يكن فى هذه العمارة جاه ولا سخرة لكان مصروفها فى كل يوم ثلاثة آلاف درهم فضة، وأقاموا فى عمارته مدة عشرة أشهر، فتجاوزت النفقة على عمارته مبلغ ألف ألف درهم فضة عنها زيادة على خمسين ألف دينار، سوى ما حمل وسوى من سخر فى العمل، وهو بنحو ذلك.
فلما تمّت عمارته سكنه الأمير بكتمر الساقى، وكان له فى إصطبله هذا مائة سطل نحاس لمائة سائس، كل سائس على ستة رؤوس من الخيل، سوى ما كان له فى الحارات والنواحى من الخيل.
стр. 524
ولما تزوج أنوك ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بابنة الأمير بكتمر الساقى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة خرج شوارها من هذا القصر، وكان عدة الجمالين ثمانمائة حمال، المساند المزركشة على أربعين حمالا، والمدورات ستة عشر حمالا، والكراسى اثنى عشر حمالا، وكراس لطاف أربعة حمالين، والتخوت الآبنوس المفضضة والموشقة مائة واثنين وستين حمالا، وفضيات تسعة وعشرين حمالا، وسلم الدكك أربعة حمالين، والنحاس المكفت ثمانية وأربعين حمالا، والصينى ثلاثة وثلاثين، والزجاج المذهّب اثنى عشر حمالا، والبعلبكى المدهون اثنى عشر حمالا، والخونجات والمحافى والزبادى والنحاس تسعة وعشرين حمالا، وصناديق الحوائج خاناه ستة حمالين، وغير ذلك تتمة العدة. والبغال المحملة الفرش واللخف والبسط والصناديق التى فيها المصاغ تسعة وتسعون بغلا. والمزركش والمصاغ ثمانون قنطارا بالمصرى.
ولما مات بكتمر هذا تولى سائر أوقافه أولاده وأولاد أولاده، فصار أمر الأوقاف إلى ابن ابنته، وهو أحمد بن محمد بن قرطاى المعروف بأحمد ابن بنت بكتمر.
وهذا القصر فى غاية من الحسن، ولا ينزله إلا الأعيان من الأمراء، إلى أن كانت سنة سبع عشرة وثمانمائة، وكان العسكر غائبا عن مصر مع الملك المؤيد فى محاربة الأمير نوروز الحافظى بدمشق، فعمد هذا المذكور إلى القصر، فأخذ رخامه وشبابيكه وكثيرا من سقوفه وأبوابه وغير ذلك، وباع الجميع وعمل بدل الرخام البلاط، وبدل الشبابيك الحديد الخشب، وفطن به أعيان الناس فقصدوه، وأخذوا منه أصنافا عظيمة بثمن وبغير ثمن، وهو الآن قائم البناء يسكنه الأمراء. (انتهى).
[ترجمة صالح بيك القاسمى]
(قلت): وبقى كذلك إلى أن تخرّب، وبنى فى محله الأمير صالح بيك القاسمى داره المواجهة للكبش فى سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف، وسكن بها وهو - كما فى الجبرتى - الأمير الكبير صالح بيك القاسمى، أصله مملوك مصطفى بيك المعروف بالقرد، ولما مات سيده تقلد الإمارة عوضه، وجيش على خشداشيه، واشتهر ذكره، وتقلّد إمارة الحج سنة اثنتين وسبعين ومائة وألف فى ولاية على باشا الحكيم، وسار أحسن سير، ولبسته الرياسة والإمارة، والتزم ببلاد أسياده وإقطاعاتهم القبلية، هو وخشداشوه وأتباعهم، وصار لهم نماء عظيم، وامتزجوا بهوّارة الصعيد، ووكّله شيخ العرب همام فى أموره بمصر، وأنشأ داره العظيمة المواجهة للكبش، ولم يكن لها نظير بمصر، ولما نما أمر على بيك، ونفى عبد الرحمن كتخدا إلى السويس كان المترجم هو المستسفر عليه، وأرسل خلفه فرمانا بنفيه
стр. 525
إلى غزّه، ثم نقل منها إلى رشيد، ثم ذهب من هناك إلى الصعيد، وأقام بالمنية وتحصّن بها، وجرى ما جرى من توجيه المحاربين إليه وخروج على بيك منفيا، وذهابه إلى قبلى، وانضمامه إلى المترجم ومعاهدته له، وحضوره معه إلى مصر، فركن إليه، وصدق معاهدته له، ولم يخرج عن مزاجه إلى أن غدر به وقتله، وذلك فى سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف، وخرجت عشيرته وأتباعه من مصر على وجوههم. وكان أميرا جليلا مهيبا لين العريكة يميل بطبعه إلى الخير. (انتهى).
(قلت): ويظهر أن هذه الدار صارت تتقلب مع تقلب الحوادث والأيام إلى أن جعلت فى زمن العائلة المحمدية ورشة لعمل الأسلحة وغيرها مثل الكلل والكبسون المصنوع من المواد الكيماوية ذات الرائحة الكريهة المضرة بالسكان التى حولها، فياليت الحكومة تمنع ذلك من داخل البلد، وتجعله فى أحد المحلات الموجودة بجبل الجيوشى فى ظهر القلعة بعيدا عن المساكن وأهلها.
[جامع لاجين]
وبشارع مرسينا أيضا جامع لاجين السيفى، بقرب ورشة الأسلحة منقوش على شق بابه فى الحجر: «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ». (الآية). وعلى شقه الآخر:
«أمر بإنشاء هذا المسجد السلطان الملك الظاهر جقمق فى تاسع شهر شعبان سنة أربع وخمسين وثمانمائة … » وباقى الكتابة مطموس، وبأعلى ذلك مكتوب «محمد جقمق أبو سعيد عز نصره»، وهو مقام الشعائر، وله منارة ومطهرة وبئر، وبداخله ضريح، وله أوقاف قليلة، ونظره للشيخ على سيد أحمد، وشهرته الآن بجامع لاشين السيفى، وقد ذكرناه فى جزء الجوامع من هذا الكتاب.
وبه أيضا ثلاث زوايا: إحداها زاوية عثمان، والثانية زاوية مرسينا التى عرف بها هذا الشارع، بداخلها ضريح يعرف بالشيخ مرسينا، والثالثة تعرف بزاوية الست مريم، لأنها من إنشاء الست مريم زوجة المرحوم حسين باشا كوسة، شعائرها مقامة، وبجوارها سبيل.
وبه ضريحان: أحدهما يعرف بالشيخ نصر الدين، والثانى بالأربعين.
وبه سبيلان: أحدهما بجوار دار المرحوم بهجت باشا من الجهة الشرقية مكتوب عليه تاريخ سنة ست وثلاثين ومائة وألف، والآخر وقف يوسف بيك أنشأه سنة أربع وأربعين وألف، وهو عامر إلى الآن بنظر إبراهيم أفندى جركس.
وحمام يعرف بحمام السيوفى ملك أحمد السيوفى الحمامى، وهو برسم الرجال فقط.
стр. 526
ووكالة تعرف بوكالة العدوى، من إنشاء الشيخ على العدوى، وهى الآن جارية فى حيازة ورثته، بها أماكن علوية وسفلية، وبواجهتها عدة حوانيت.
[ترجمة عثمان بيك الطنبورجى]
وبه أيضا دار المرحوم بهجت باشا التى كانت تعرف أولا بدار عثمان بيك الطنبورجى لأنه سكنها مدة، وهو - كما فى الجبرتى - عثمان بيك الجوخدار المعروف بالطنبورجى المرادى، من مماليك مراد بيك اشتراه ورباه ورقّاه وقلّده الإمارة والصنجقية فى سنة سبع وتسعين ومائة وألف.
ولما وصل حسين باشا الجزايرلى إلى مصر خرج المترجم مع سيده وباقى الأمراء من مصر، ووقع بينهم ما وقع من الحروب والمهادنة، ثم أحضر هو وحسين بيك المعروف بشفت وعبد الرحمن بيك الإبراهيمى إلى مصر رهائن. ولما سافر حسن باشا إلى الروم أخذهم صحبته بإغراء إسماعيل بيك، فأقاموا هناك، ثم رجع المترجم وعبد الرحمن بيك بعد وقوع الطاعون وموت إسماعيل بيك إلى مصر.
فلم يزل حتى حصل ما حصل من ورود الفرنسيس وموت مراد بيك فى أخريات أيامهم، فوقع اختيار المرادية على تأميره عوضا عن سيده بإشارة خشداشه محمد بيك الألفى، وانتقل بعشيرته إلى الجهة البحرية، وانضموا إلى عرضى الوزير، ووصلوا إلى مصر، فكان هو وإبراهيم بيك الألفى ثانى اثنين يركبان معا، وينزلان معا، ولم يزل حتى سافر القبودان بعد ما مكر مكره مع الوزير سرا على خيانة المصريين، فأرسل يستدعيه هو وعثمان بيك البرديسى، فسافر امتثالا للأمر، فأوقع بهما وقتل المترجم ونجا البرديسى، ودفن بالإسكندرية.
وكان أميرا لا بأس به، وجيه الشكل، عظيم اللحية، ساكن الجأش، فيه تؤدة وعقل، وسبب تلقبه بالطنبورجى أنه كان فى عنفوان أمره مولعا بسماع الآلات وضرب الطنبور، وربما باشر ضربه بيديه مع الإتقان، فغلبت عليه الشهرة بذلك. (انتهى). مات ﵀ سنة ست عشرة ومائتين وألف.
وبقيت داره إلى أن جعلت ورشة من ضمن الورش التى أنشأها العزيز محمد على باشا، واشتغلت مدة ثم تعطلت - كما تعطل غيرها من الورش، وفى زمن الخديو إسماعيل باشا اشتراها المرحوم بهجت باشا، وجعل منها بيتا كبيرا أعده لسكنه، وباقيها جعله بيوتا للسكنى لأنها كانت كبيرة جدا؛ أولها على هذا الشارع، وآخرها الشارع القبلى الفاصل بينها وبين البيوت المستجدة، وهى محكورة لجهة الأوقاف إلى الآن.
стр. 527
ودار ورثة حسن باشا جركس بداخلها جنينة.
ودار ورثة الأمير مصطفى باشا ماهر بها جنينة، وفى مقابلتها دار كبيرة بابها على يمين الداخل من أول درب الشمسى تعرف بدار إبراهيم بيك أبى شنب وهى جارية فى وقفه إلى الآن.
ترجمة إبراهيم بيك [أبى شنب]
وإبراهيم بيك هذا هو أحد الأمراء المصريين ترجمه الجبرتى فقال: الأمير الكبير إبراهيم بيك المعروف بأبى شنب أصله مملوك مراد بيك القاسمى، وخشداش إيواظ بيك، تقلد الإمارة والصنجقية مع إيواظ بيك، وكان من الأمراء الكبار المعدودين، تولى إمارة الحج مرتين، وسافر أميرا على العسكر المعيّن فى فتح كريد سنة أربع ومائة وألف، ثم رجع إلى مصر، وطلع إلى الإسكندرية. وكان المتعيّن فى ذاك الوقت بالرياسة إبراهيم بيك ذا الفقار، وكان فى عزمه قطع بيت القاسمية، فأخرج إيواظ بيك إلى إقليم الجيزة وقانصوه بيك إلى بنى سويف وأحمد بيك إلى المنوفية.
ولما حضر المترجم واستقر بمصر اتفق إبراهيم بيك ذو الفقار مع على باشا - والى مصر - على قتله بحجة المال والغلال المنكسرة عليه فى غيبته، فأرسل إليه الباشا يطلبه، وكان عنده خبر بذلك، فقال للرسول: سلّم على الباشا وبعد الديوان أطلع أقابله، ففات العصر ولم يطلع فأرسل الباشا إلى درويش بيك - وكان خفيرا بمصر القديمة - وأمره بالجلوس عند باب السر الذى يطلع على زين العابدين، وأرسل إلى الوالى والعسس، وأمر أوده باشا بالجلوس عند بيت المترجم، وأشيع ذلك فضاق خناق المترجم، واغتم جيرانه وأهل حارته لإحسانه فى حقهم، وحضر إليه بعض أصحابه يؤانسه، مثل إبراهيم جربجى الداودية وغيره، ثم أشيع الخبر بأن السلطان أحمد توفى، وتولى بدله السلطان مصطفى، فعزل على باشا من مصر وولى إسماعيل باشا - حاكم الشام - ففرح المترجم، وأمن على نفسه، وبعد قليل تولى الدفتدارية فى سنة تسع عشرة ومائة وألف، واستمر بها إلى سنة إحدى وعشرين، ثم عزل وتقلد إمارة الحج، ثم أعيد إلى الدفتدارية فى سنة سبع وعشرين، ولم يزل إلى أن مات بالطاعون سنة ثلاثين ومائة وألف، وعمره اثنتان وتسعون سنة.
ترجمة محمد بيك ابن إبراهيم بك
وخلف ولده محمد بيك تقلد الإمارة والصنجقية فى حياة أبيه سنة سبع وعشرين ومائة وألف، ولما مات والده انتقل إلى داره، وتولى عدة كشوفيات بالأقاليم فى أيام المرحوم
стр. 528
إسماعيل بيك ابن ايواظ، وكانت الرياسة له وقتئذ، وكان محمد بيك يكرهه ويحقد عليه باطنا هو ومماليك أبيه، خصوصا محمد بيك جركس، وجرت بينهم أمور كثيرة ذكرها الجبرتى فى ترجمة محمد بيك جركس المتوفى سنة أربعين ومائة وألف، آل الأمر فيها إلى قتل محمد بيك أبى شنب بعد أن صار دفتدارا، وصار أميرا كبيرا يشار إليه ويرجع إليه فى جميع الأمور، وتقلد قائمقام بعد عزل محمد باشا النشفجى، وعمل الديوان ببيته، وصار كأنه السلطان، وكان على نسق مملوك أبيه محمد بيك جركس فى العسف وسوء التدبير، وبقى كذلك إلى أن أخذه الله بسوء فعله، ولله عاقبة الأمور. (انتهى ملخصا).
تتمة
هذا الشارع هو الذى سماه المقريزى بالجسر الأعظم حيث قال: هذا الجسر فى زمننا قد صار شارعا مسلوكا يمشى فيه من الكبش إلى قناطر السباع، وأصله جسر يفصل بين بركة قارون وبركة الفيل، وبينهما سرب يدخل منه الماء، وعليه أحجار يراها من يمر هناك.
ثم قال: وبلغنى أنه كان هناك قنطرة مرتفعة فلما أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاوون الميدان السلطانى عند موردة البلاط أمر بهدم القنطرة فهدمت، ولم يكن إذ ذاك على بركة الفيل من جهة الجسر الأعظم مبان، وإنما كانت ظاهرة يراها المارّ، ثم أمر السلطان بعمل حائط قصير بطولها، فأقيم الحائط وصفر بالطين الأصفر، ثم حدثت الدور هناك. (انتهى).
(قلت): وفى وقتنا هذا أرض البركة المجاورة لهذا الشارع أغلبها مزارع وبساتين مملوكة لبعض الأمراء؛ منها بستان خلف بيت إبراهيم أفندى جركس جار فى ملكه إلى الآن، ومنها أرض جارية فى ملك حسين باشا فهمى الشهير بالمعمار - وكيل ديوان الأوقاف الآن تمتد إلى حائط الحوض المرصود، وباقى ذلك يمتد إلى بركة الفيل.
وفى زمن العزيز محمد على باشا أراد أن يفتح شارع يمر بتلك الأراضى يكون أوله من شارع درب الجماميز بقرب سبيل الحبانية، ويتلاقى بشارع مرسينا من عند باب عطفة حوش أيوب بيك، ويمتد إلى جهة الخلاء، فلو أراد الله وتم ذلك لحصل به النفع العظيم، بسبب ما يترتب عليه من العمارية، وتجديد الهواء، وسهولة المسالك، وغير ذلك من المنافع العمومية.
والآن لو فتح شارع وكان أوله من عند بيت الأمير رستم باشا أو بالقرب منه، وامتد إلى شارع مرسينا، ومر بأرض البركة التابعة لسراى الحلمية، وعمل بالبركة ميدان، وفتح منه جملة حارات، واتصل شارع الحلمية بشارع درب الجماميز لحصل من ذلك فوائد جمة لسكان تلك الجهات، من تخليص الهواء، وسهولة المسالك، وارتفاع قيمة أراضى تلك الجهات،
стр. 529
والرغبة فى سكنى الأماكن التى تحدث بها مع ارتفاع أجرها، فلو اجتهدت دائرة الحلمية فى عمل ذلك لتحصلت على منافع كثيرة بسبب ما يتبعها من أراضى البركة والأراضى الزائدة عن اللزوم من الأماكن التابعة لها، وفضلا عن ذلك تحيا جهة الحبانية، ويرجع لها صيتها القديم.
***
شارع أزبك
ابتداؤه من آخر شارع الصليبة وأول شارع حدرة الحناء تجاه حارة بئر الوطاويط، وانتهاؤه بركة الفيل، وطوله ثلثمائة متر وعشرة أمتار.
وبه جهة اليمين:
- حارة شقبون، بها زاوية تعرف بزاوية الأربعين.
- ثم عطفة روينة.
وأما جهة اليسار فبها:
- العطفة الصغيرة.
- ثم عطفة عمارة حسين باشا، وكلها غير نافذة.
[جامع أزبك]
وبهذا الشارع أيضا جامع أزبك الذى عرف الشارع باسمه، أنشأه الأمير أزبك اليوسفى فى شعبان سنة تسعمائة - كما هو منقوش على بابه - وهو عن شمال الذاهب من الصليبة إلى بركة الفيل، شعائره مقامة، ويتبعه سبيل تحت نظر الأوقاف.
[جامع حسن باشا]
وجامع حسن باشا أنشأه الأمير حسن باشا طاهر والأمير عابدين بيك فى سنة أربع وعشرين ومائتين وألف - كما هو منقوش على بابه - وهو عن يمين الذاهب من الصليبة إلى بركة الفيل، شعائره مقامة إلى الآن، وبداخله ثلاثة قبور: أحدها يعرف بالأربعين، والثانى يعرف بمحمد باشا طاهر، والثالث بالأمير يوسف بيك، وبه سبيل يعلوه مكتب.
وبهذا الشارع أيضا سبيل أنشئ سنة أربع وأربعين ومائتين وألف، والآن تحت نظر ألماس أغا.
ودار المرحوم حسن باشا راسم، ودار الأمير يوسف بيك سرور، وغيرهما من الدور الكبيرة والصغيرة.
***
стр. 530
شارع نور الظلام
ابتداؤه من الحلمية. وانتهاؤه قبلى جامع حسن باشا، وطوله خمسمائة متر وستون مترا.
وبه جهة اليمين: عطفة العمارة ليست نافذة.
وأما جهة اليسار فبها: عطفتان؛ إحداهما تعرف بعطفة الرزازين، بها زاوية تعرف بزاوية الأربعين. والأخرى تعرف بالعطفة الصغيرة.
[زاوية نور الظلام]
وبه ضريح الشيخ نور الظلام الذى عرف الشارع به داخل زاوية تعرف بزاوية نور الظلام، وهى تجاه دار الأمير مصطفى باشا رياض، وكانت أولا تعرف بالمدرسة البشيرية لأنها من إنشاء الأمير الطواشى سعد الدين بشير الجمدار الناصرى، وجعل بها خزانة كتب، وذلك فى سنة إحدى وستين وسبعمائة. والآن شعائرها غير مقامة، لتخربها واندثارها.
[زاوية النحاس]
وبه زاوية بين سراى الحلمية وحديقتها تعرف بزاوية النحاس، أنشأها الشيخ النحاس، بها ضريحه، وضريح ابنه وزوجته، ويقال لها أيضا زاوية الأربعين. كانت متخربة فجددها الأمير عباس باشا سنة سبع وستين ومائتين وألف لمجاورتها لداره، وشعائرها مقامة إلى الآن.
وبه سبيلان: أحدهما أنشأه الأمير حسن كتخدا عزبان سنة اثنتين وثلاثين ومائة وألف، والآخر أنشأه إسماعيل أفندى سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف، وهما عامران إلى الآن.
وبه أيضا عدة من الدور الكبيرة المتسعة ذات الجنائن؛ مثل دار الأمير رياض باشا، ودار فرحات بيك، وغيرهما.
تتمة
هذا الشارع كان أولا يعرف بحكر الخازن، ثم عرف بحكر الخادم، وبدرب الخادم (بالدال المهملة بدل الزاى المعجمة) كما وجد ذلك فى حجج أملاك هذه الخطة. قال المقريزى:
حكر الخازن هو فيما بين بركة الفيل وخط الجامع الطولونى كان من جملة البساتين، ثم صار إصطيلا للجوق الذى فيه خيول المماليك السلطانية، فلما تسلطن الملك العادل كتبغا أخرج منه الخيول. وعمله ميدانا يشرف على بركة الفيل سنة خمس وتسعين وستمائة، ثم عمر فيه الأمير