← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفى أول هذه الحارة فى مقابلة مدرسة مسرور ضريح فيه القاضى الفارض-والد سلطان العاشقين شرف الدين عمر بن الفارض-كما ذكره السخاوى فى كتاب «المزارات». وبها أيضا زاوية تعرف بزاوية عبد الرحمن الحريشى أنشأها عبد الرحمن الحريشى سنة سبع وثمانين ومائة وألف، وجعل بها سبيلا يعلوه مكتب، وهى مقامة الشعائر إلى الآن بنظر الست نفوسة الحريشية. وزاوية يقال لها زاوية الزنكلونى، غير مقامة الشعائر لتخرّبها، ونظرها للأوقاف، وبداخلها ضريح يعرف بالأربعين. وهذا آخر ما تيسر لنا الوقوف عليه من الكلام على وصف شارع الورّاقين وحارة شمس الدولة قديما وحديثا.

стр. 632

شارع البندقانيين يبتدئ من آخر شارع الورّاقين، وينتهى لشارع الحمزاوى، وطوله أربعة وستون مترا. وبه زاوية تعرف بزاوية المغربى وهى صغيرة معلقة، وشعائر ما مقامة بنظر الأوقاف. وهذا الشارع من الشوارع القديمة سماه المقريزى بخط البندقانيين فقال: هذا الخط كان قديما إصطبل الجميزة-أحد إصطبلات الخلفاء الفاطميين-فلما زالت الدولة اختط، وصارت فيه مساكن وسوق يعرف بسوق البندقانيين؛ من جملته عدة حوانيت لعمل قسى البندق، وكان يسلك إليه من سوق الزجاجيين وسويقة الصاحب ومن سوق الأبزاريين وغيره، وكان يعرف قديما بسوق بئر زويلة برسم إصطبل الجميزة، وموضع هذه البئر اليوم قيسارية يونس والربع الذى يعلوها، ثم لما زالت الدولة واختط موضع إصطبل الجميزة الدور وغيرها، وعرف موضع الإصطبل بالبندقانيين قيل لهذا السوق سوق البندقانيين. ثم قال: وأدركته سوقا كبيرا معمور الجانبين بالحوانيت، وفيه كثير من أرباب المعاش المعدين لمبيع المأكولات من الشواء والطعام والمطبوخ وأنواع الأجبان وغيرها، ثم لما حدثت المحن بعد سنة ست وثمانمائة اختل هذا السوق خللا كبيرا وتلاشى أمره. [حريق خط البندقانيين] ثم ذكر أيضا فى الكلام على خط البندقانيين أنه احترق يوم الجمعة للنصف من شهر صفر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة والناس فى صلاة الجمعة، فما قضى الناس الصلاة إلا وقد عظم أمره، فركب إليه والى القاهرة والنيران قد ارتفع لهبها، واجتمع الناس فلم يعرف من أين

стр. 633

كان ابتداء الحريق، واتفق هبوب ريح عاصفة فحملت شرر النار إلى أمد بعيد، ووصلت أشعتها إلى أن رؤيت من القلعة، فركب الوزير منجك بمماليك الأمراء، وجمعت السقاؤون لإطفاء النار، فعجزوا عن إطفائها، واشتدّ الأمر، فركب الأمير شيخو والأمير طاز والأمير مغلطاى وترجّلوا عن خيولهم، ومنعوا النهابة من التعرض إلى نهب البيوت التى احترقت، وعم الحريق دكاكين البندقانيين ودكاكين الرسامين وحوانيت الفقاعين والفندق المجاور لها والربع علوه، وعملت إلى الجانب الذى يلى بيت ركن الدين بيبرس المظفر والربع المجاور لعالى زقاق الكنيسة، فما زال شيخو واقفا بنفسه ومعه الأمراء إلى أن هدم ما هناك والنار تأكل ما تمر به إلى أن وصلت إلى بئر الدلاء المعروفة ببئر زويلة، فأحرقت ما جاورها من الأماكن والحوانيت، ولم يبق أحد فى ذلك الخط إلا حوّل متاعه خوفا من الحريق، فكان أهل البيت بينما هم فى نقل ثيابهم وإذا بالنار قد أحاطت بهم، فيتركون ما فى الدار وينجون بأنفسهم، وأقام الأمر على ذلك يومين وليلتين والأمراء وقوف، وعطب بالنار جماعة كثيرة، ووصل الحريق إلى قيسارية طشتمر وربع بكتمر الساقى. فلما كفى الله أمر هذا الحريق وأعان على طفئه بعد أن هدمت عدة أماكن جليلة ما بين رباع وحوانيت وغيرها وجد فى بعض المواضع التى بها الحريق كعكات بزيت وقطران، فعلم أن هذا من فعل النصارى كما وقع فى الحريق الذى كان أيام الملك الناصر، ونودى فى الناس أن يحترسوا على مساكنهم، فلم يبق أحد من الناس إلا أعدّ فى داره أوعية ملآنة بالماء-ما بين أحواض وأزيار-وصاروا يتناوبون السهر ليلا، ومع ذلك فلا يدرى أهل البيت إلا والنار قد وقعت فى بيوتهم، فيتداركون طفأها لئلا تشتعل ويصعب أمرها، وترك جماعة من الناس الطبخ فى الدور، وتمادى ذلك من نصف صفر إلى عاشر ربيع الأول. وبالجملة فكان أمر هذا الحريق مهولا، وانزعج منه الكثير، وكثرت النهّابة من الحرافيش وغيرهم، وضاع فيه أشياء كثيرة. ثم قال: ولقد أدركنا فى خط البندقانيين عدة كثيرة من الحوانيت التى يباع فيها الفقاع تبلغ نحو العشرين حانوتا، وكانت من أنزه ما يرى، فإنها كانت كلها مرخمة بأنواع الرخام الملوّن، وبها مصانع من ماء تجرى إلى فوارات تقذف بالماء على ذلك الرخام حيث كيزان الفقاع مرصوصة، فيستحسن منظرها إلى الغاية لأنها من الجانبين والناس يمرون بينهما.

стр. 634

وكان بهذا الخط عدة حوانيت لعمل قسى البندق، وعدة حوانيت لرسم أشكال ما يطرز بالذهب والحرير، وقد بقى من هذه الحوانيت بقايا يسيرة، وهو من أخطاط القاهرة الجسيمة. قال: وكان بجوار سوق البندقانيين سوق الأخفافيين، وهو سوق مستجد أنشأه الأمير يونس النوروزى-دوادار الملك الظاهر برقوق-سنة بضع وثمانين وسبعمائة، ونقل إليه الأخفافيين-بياعى أخفاف النساء-من خط الحريريين والزجّاجيين. وكان مكانه مما خرب فى حريق البندقانيين، فركب بعض القيسارية على بئر زويلة، وجعل بابها تجاه درب الأنجب، وبنى بأعلاها ربعا كبيرا فيه عدة مساكن، وجعل الحوانيت بظاهرها وبظاهر درب الأنجب، وبنى فوقها أيضا عدة مساكن، فعمر ذلك الخط بعمارة هذه الأماكن، وبه إلى الآن سكن بياعى أخفاف النساء ونعالهن. [درب الأنجب] قال: ودرب الأنجب هذا تجاه بئر زويلة التى من فوق فوهتها اليوم ربع يونس من خط البندقانيين، يعرف بالقاضى الأنجب أبى عبد الله محمد بن عبد الله بن نصر بن على-أحد الشهود فى أيام قاضى القضاة سنان الملك أبى عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسر-ثم عرف هذا الدرب بأولاد العميد الدمشقى، فإنه كان مسكنهم، ثم عرف بالبساطى، وهو قاضى القضاة جمال الدين يوسف. ثم قال: وكان أيضا بالبندقانيين درب كنيسة جدّة (بضم الجيم)، ويعرف بدرب بنت جدة، ثم عرف بدرب الشيخ السديد الموفق. (اه). (قلت): فيؤخذ من هذا أن خط البندقانيين كان من الأخطاط الكبيرة جدا، وكان به عدة من الدروب وغيرها. وفى وقتنا هذا هو من أعمر أخطاط القاهرة، إلا أنه صار صغيرا بالنسبة لما كان عليه أولا، ومن حقوقه الآن حارة «السبع قاعات» وما جاورها من الحانبين، وبعض شارع السكة الجديدة، وحارة شمس الدولة، وسوق السمك القديم، ويسكنه فى هذه الأيام جملة من العطارين وغيرهم.

стр. 635

وبه عدة وكائل ودكاكين كلها مشحونة بأنواع التجارة؛ منها وكالة تعرف بوكالة الإبر، ويقال لها وكالة العقبى، معدة لبيع العطارة ونحوها من أنواع التجارة، وبها حواصل يوسف العقبى التاجر المشهور، ومنها وكالة خان سعيد مملوكة لجملة أشخاص، وبها أماكن خربة، ومعدّة لبيع أصناف العطارة ونحوها، ووكالة تعرف بوكالة الحاج شحاتة الخرزاتى لأن له بها عدة حواصل، وهى معدة لبيع أصناف العطارة وغيرها أيضا. وهذا آخر ما تيسر لنا من الكلام على وصف شارع البندقانيين قديما وحديثا.

стр. 636

شارع الحمزاوى أوله من آخر شارع البندقانيين، وآخره أول شارع اللبودية وشارع الحطاب، وطوله مائة متر وستة عشر مترا. وعن يسار المارّ به عطفتان: الأولى تعرف بعطفة الأسكولة، وليست نافذة، والثانية تعرف بعطفة الكنيسة لأن بها كنيسة كبيرة للأروام. وهذا الشارع نسب إلى جانم الحمزاوى-أحد أمراء السلطان سليم بن عثمان-لمّا أنشأ به الخان الكبير المعروف بالحمزاوى، وذلك فى القرن العاشر، وكان أصله بيتا لابن السلطان الغورى، وقيل كان لبنت بنته. وهذا البيت بعضه باق إلى الآن فى ملك السيد يوسف العقبى التاجر المشهور تجاه بيت الأمير محمد باشا السيوفى، وبداخله قاعة كبيرة فى غاية الحسن يقال إنها من بناء الغورى؛ سقفها من أفلاق النخل وملفوف عليها الليف، وفوقه لياسة محكمة، مرسوم عليها نقوش بالذهب، فانظر لدقة صنعة أهل تلك الأزمان وإتقانهم فى الأعمال، فسبحان من علم الإنسان ما لم يعلم. وبهذا الشارع من الجانبين عدة دكاكين مشحونة بالأقمشة الثمينة؛ كالجوخ والاطاس اع؟؟؟ الحرير والمقصبات وغيرها، وأغلب تجّاره من نصارى الشوام والأقباط، وبأوّله ف؟؟؟ بوكالة القطاع، ويقال لها أيضا الحمزاوى الصغير، بها عدة حواصل مشحونة ونظرها للشيخ إبراهيم الخربطلى

стр. 637

وبوسطه حمّام يعرف بحمام الشرايبى، له بابان: أحدهما بجوار خان الحمزاوى الكبير والآخر من جهة الفحّامين بجوار وكالة الشرايبى، وهو من الحمامات القديمة أنشأه السلطان الغورى بجوار منزل كان يسكنه ابنه، وهو المنزل الذى عمله جانم الحمزاوى الخان المذكور، وكان يعرف سابقا بحمّام النملى، ثم عرف اليوم بحمام الشرايبى، وهو كبير جدا، وله شهرة بالنظافة، يدخله الرجال والنساء. هذا ما يتعلق بوصف شارع الحمزاوى قديما وحديثا.

стр. 638

شارع اللبودية يبتدئ من آخر شارع الحمزاوى، وأول شارع الحطاب، وينتهى لشارع درب سعادة، وطوله مائتان وخمسون مترا. وبه من جهة اليمين ثلاث عطف وحارة وهى على هذا الترتيب: الأولى عطفة حوش عيسى، يسلك منها لشارع السكة الجديدة، وبها جامع القاضى شرف الدين، وبيت كبير يعرف بحوش عيسى، وهى من حقوق حارة السبع قاعات التى تكلمنا عليها فى شارع سوق السمك القديم. الثانية عطفة السلاوى؛ هى عطفة صغيرة غير نافذة. الثالثة عطفة الشيشينى، يسلك منها لشارع السكة الجديدة، وبها عدة بيوت. الرابعة حارة مكسر الحطب، هى نافذة لشارع السكة الجديدة ولشارع الدهان الموصل لحارة اليهود وغيرها. وهذه الحارة كانت تعرف قديما بسويقة المسعودى. [ترجمة الأمير صارم الدين قايماز المسعودى] قال المقريزى: هذه السويقة من حقوق حارة زويلة بالقاهرة تنسب إلى الأمير صارم- الدين قايماز المسعودى-مملوك الملك المسعود أقسيس بن الملك الكامل-وولى المسعودى هذا ولاية القاهرة، وكان ظالما غاشما جبارا، مات سنة أربع وستين وستمائة. ضربه شخص فى دار العدل بسكين كان يريد أن يقتل بها الأمير عز الدين الحلى-نائب السلطنة-فوقعت فى فؤاد المسعودى فمات لوقته. (اه).

стр. 639

وبهذه الحارة الآن زاوية المنير عن يمين المارّ من جهة الحمزاوى طالبا السكة الجديدة، أنشأها الشيخ محمد بن حسن السمنودى، المعروف بالمنير، فى آخر القرن الثانى عشر، شعائرها مقامة إلى الآن، وبها خطبة، وبداخلها ضريح منشئها، له حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام، وكذا أنشأ بجوارها دارا له نظرها تحت يد ورثته إلى الآن. وبالقرب من هذه الزاوية حمّام يعرف بحمام الثلاث، وهو من الحمامات القديمة، عرفه المقريزى بحمام الصاحب فقال: هذا الحمام بسويقة الصاحب عرف بالصاحب الوزير صفى الدين بن شكر الدميرى-صاحب المدرسة الصاحبية-ثم تعطل مدة سنين، فلما ولى الأمير تاج الدين الشوبكى ولاية القاهرة فى أيام الملك المؤيد جدده، وأدار به الماء سنة سبع عشرة وثمانمائة. (اه). (قلت): وهو عامر إلى اليوم، وجار فى ملك ورثة المرحوم راتب باشا الكبير. وأما جهة اليسار فبها عطفتان: الأولى عطفة الملط، وهى عطفة كبيرة غير نافذة. [زاوية الست بيرم] الثانية عطفة الست بيرم؛ هى بآخر الشارع تجاه جامع السلطان دقمق، وليست نافذة، عرفت بذلك لأن بآخرها زاوية تعرف بزاوية الست بيرم، بنيت فى محل المدرسة الصاحبية التى قال فيها المقريزى إن بينها وبين المدرسة الزمامية دون مدى الصوت، أنشأها الصاحب صفى الدين بن شكر-وزير الملك العادل-وكان موضعها من جملة دار الوزير يعقوب بن كلس وجعلها وقفا على المالكية، وفى سنة ثمان وخمسين وسبعمائة جدّدها القاضى علم الدين إبراهيم، المعروف بابن الزبير، ناظر الدولة أيام السلطان حسن بن قلاوون، وجعل بها منبرا وخطبة، ثم تخربت، وبقى بها قبة فيها قبر منشئها، ثم أزيلت وبنى هناك مساكن، ولم يبق من الوقف إلا هذه الزاوية، وهى الآن متعطلة، ويوجد إلى الآن قبر الصاحب بن شكر خلف الزاوية بمنزل مجاور لها، وله شباك مشرف على الشارع، ومعروف بضريح الشيخ الصاحب إلى اليوم. وبالقرب منه تجاه عطفة الشيشينى الجامع المعروف بجامع المغربى، وهو جامع لطيف به خطبة، وله منارة، وشعائره مقامة إلى الغاية. وكان أولا يعرف بالمدرسة الزمامية. قال

стр. 640

المقريزى: هذه المدرسة أنشأها الطواشى زين الدين مقبل الرومى فى سنة سبع وتسعين وسبعمائة (انتهى). (قلت): وكان بجوار هذه المدرسة مدرسة أخرى تعرف بالمدرسة الحسامية ذكرها المقريزى فقال: هى بخط المسطاح من القاهرة قريبا من حارة الوزيرية بناها الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى-نائب السلطنة بديار مصر-إلى جانب داره، وجعلها برسم الفقهاء الشافعية. (انتهى). (أقول): وهذه المدرسة قد تخرّبت، وأخذ معظمها حسن مذكور النمرسى فى عمارته التى بجوارها، ولم يبق منها الآن إلا المحراب وقطعة أرض صغيرة يتوصل إليها من باب بجوار باب مطهرة جامع المغربى المذكور، وعما قريب يتغير ما بقى منها كما تغير غيره ولم يبق لها أثر ألبتة، فسبحان من لا يتغير ولا يزول. ويغلب على الظن أن عمارة حسن مذكور فى محل دار طرنطاى المنصورى صاحب المدرسة الحسامية المذكورة، لأنها هى التى بجوار المدرسة. وهذا الشارع الآن معد لبيع الصينى ونحوه، ولا يسكنه إلا النمارسة لأن صنف الصينى ونحوه لا يتجر فيه غيرهم، وبه عدة حوانيت ومنازل مملوكة للحاج حسن مذكور رئيس تجار النمارسة. وأما فى الأزمان القديمة فكان هذا الشارع يعرف بسويقة الصاحب وبخط المسطاح، فقد ذكر المقريزى عند الكلام على الأسواق أن سويقة الصاحب يسلك إليها من خط البندقانيين ومن باب الخوخة وغير ذلك، ثم قال: وهى من الأسواق القديمة، كانت فى الدولة الفاطمية تعرف بسويقة الوزير، يعنى يعقوب بن كلس وزير الخليفة العزيز بالله نزار بن المعز الذى تنسب إليه حارة الوزيرية، فإنها كانت على باب داره، التى عرفت بعده بدار الديباج، وصار موضعها الآن المدرسة الصاحبية، ثم صارت تعرف بسويقة دار الديباج، وقيل لذلك الموضع كله خط دار الديباج، ثم عرف بالسوق الكبير فى أخريات الدولة الفاطمية، فلما ولى صفى الدين بن شكر وزارة الملك العادل سكن فى هذا الخط، وأنشأ به مدرسته التى تعرف إلى اليوم بالمدرسة الصاحبية، وأنشأ به أيضا رباطه وحمامه المجاورين للمدرسة المذكورة، وعرفت من حينئذ هذه السويقة بسويقة الصاحب، واستمرت تعرف بذلك إلى يومنا هذا،

стр. 641

ولم تزل من الأسواق المعتبرة، يوجد فيها أكثر ما يحتاج إليه من المآكل لوفور نعم من يسكن هنالك من الوزراء وأعيان الكتاب، فلما حدثت المحن طرقها ما طرق غيرها من أسواق القاهرة، فاختلت عما كانت عليه، وفيها بقية. (انتهى). وقال أيضا عند الكلام على أخطاط القاهرة إن خط المسطاح فيما بين خط الملحيين وخط سويقة الصاحب، وفيه اليوم سوق الرقيق الذى يعرف بسوق الجوار والمدرسة الحسامية، ثم قال: وبخارج باب القنطرة قريبا من باب الشعرية خط يعرف بخط المسطاح أيضا. (انتهى). (أقول): ومحل سوق الجوار هو عطفة الشيشينى المذكورة، وقد وجدت بحجج الست نفيسة-معتوقة على بيك الكبير-أنها اشترت دارا داخل الحارة التى تجاه المدرسة الحسامية تعرف بدار الشيشينى، فعلى هذا تكون المدرسة التى أزيلت الآن، وبنى فى محلها الدكاكين المقابلة لحارة الشيشينى هى المدرسة الحسامية، ويكون الخط هو خط المسطاح المذكور. انتهى ما يتعلق بوصف شارع اللبودية قديما وحديثا.

стр. 642

شارع التربيعة يبتدئ من أول شارع الورّاقين، وينتهى لشارع العطارين والفحامين، وطوله مائة وستة وثلاثون مترا، وهو فى محاذاة شارع الغورية، والفاصل بينهما وكالة يعقوب بيك والأماكن التى بجوارها المتصلة بجامع الغورى، عرف بالتربيعة من أجل قيسارية كانت به، بعضها وقف القاضى الأشرف ابن القاضى الفاضل عبد الرحيم بن على البيسانى على ملء الصهريج بدرب ملوخيا، وبعضها وقف الصالح طلائع بن رزيك الوزير، وقد هدمت هذه القيسارية وبناها الأمير جانى بيك-دوادار السلطان الملك الأشرف برسباى الدقماقى الظاهرى-سنة ثمان وعشرين وثمانمائة تربيعة تتصل بالوراقين، وجعل لها بابا من الشارع، وبنى علوها طباقا وحوانيت على بابها، فجاءت من أحسن المبانى. (انتهى مقريزى). (قلت): وقد بقى لها هذا الاسم إلى وقتنا هذا. وبهذا الشارع من جهة اليمين زاوية صغيرة تعرف بزاوية بزاوية موسيو، أنشأها سليمان أفندى، المعروف بموسيو خليفة اليومية بالباب العالى، وصرف عليها من الفضة الأصناف العددية الديوانية خمسة وثمانين ألفا وتسعمائة وإحدى وخمسين نصفا، وهى معروفة بوقف الشيخ روى الدين-كما وجد ذلك فى بعض الوثائق المؤرخة بسنة اثنتين وثمانين ومائة وألف، لها منبر وخطبة، وشعائرها مقامة إلى الآن من جهة الأوقاف. ثم سكة حمام الشرايبى يسلك منها لشارع الجودرية، وبأولها من جهة اليسار وكالة تعرف بوكالة مقلد معدة لبيع أصناف العطارة، وبجوارها باب دار الأمير محمد باشا السيوفى، لكنه غير مستعمل الآن، بل المستعمل هو الباب الكبير الذى بوسط الفحامين.

стр. 643

وبجوار هذه الدار ضريح يعرف بالأربعين مجعولا مكتبا لتعليم الأطفال، وبجواره دار كبيرة معروفة بدار القصبجى. وأما جهة اليمين فبأولها مطهرة جامع الغورى، ثم ضريح يعرف بالسيد محمد الشملى، الشهير بالنامولى، وهو داخل مزار صغير أسفل منزل السيد يوسف العقبى التاجر الشهير، يعمل له مولد كل سنة، ثم دار السيد يوسف العقبى المذكور التى هى بعض بيت ابن السلطان الغورى، كما بيّنا ذلك بشارع الحمزاوى. ثم عطفة صغيرة غير نافذة. ثم وكالة البطراوى معدة لبيع العطارة، وجارية فى ملك السيد محمد البطراوى-شيخ العطارين-وبجوارها باب حمّام الشرايبى، ثم الوكالة المعروفة بوكالة الشرايبى معدة لبيع العطارة وغيرها، وبأعلاها مساكن. وهذا وصف جهة اليمين بما فيه من شارع التربيعة. وأما جهة اليسار فبها وكالة يعقوب بيك التى تكلمنا عليها بشارع الغورية، ثم عطفة صغيرة موصلة لشارع الغورية. [سوق الجمالون] ثم عطفة الشرم والجمالون، وهى التى عبّر عنها المقريزى بسوق الجمالون الكبير حيث قال: هذا السوق بوسط سوق الشرابشيين يتوصل منه إلى البندقانيين وإلى حارة الجودرية وغيرها، أنشئ فيه حوانيت سكنها البزّازون، وقفه السلطان الناصر محمد بن قلاوون على تربة مملوكه يلبغا التركمانى، ثم عمل عليه بابان بطرفيه بعد سنة تسعين وسبعمائة، فصارت تغلق بالليل. (انتهى). وقال ابن أبى السرور البكرى: هذا السوق الآن جار فى وقف السلطان الملك الأشرف قانصوه الغورى. (انتهى). (قلت): وإلى الآن أغلب حوانيت الشرم والجمالون تابعة لوقف السلطان الغورى. وكان بسوق الجمالون هذا قيسارية تعرف بقيسارية ابن قريش. قال المقريزى: هى فى صدر سوق الجمالون الكبير بجوار باب سوق الوراقين، ويسلك إليها من الجمالون ومن سوق الأخفافيين المسلوك إليه من البندقانيين، وبعضها الآن سكن الأرمنيين، والبعض الأخرى

стр. 644

سكن البزارين، قال ابن عبد الظاهر: استجدها القاضى المرتضى بن قريش فى الأيام الناصرية الصلاحية، وكان مكانها إصطبلا. (انتهى). ومن حقوقها الآن الحوانيت التى تجاه الشرم والجمالون ومطهرة الغورى وما خلف ذلك. قال المقريزى: وكان بجوار الجمالون الكبير قيسارية تعرف بقيسارية ابن أبى أسامة عن يسرة من سلك إلى بين القصرين يسكنها الآن الخردفوشية، وقفها الشيخ الأجل أبو الحسن على بن أحمد بن الحسن بن أبى أسامة-صاحب ديوان الإنشاء فى أيام الخليفة الآمر بأحكام الله. (انتهى). وقال ابن أبى السرور: وفى زماننا هذا الآن يسكنها اليهود لمبيع الجوخ والأطلس. (انتهى). [سوق الخشيبة] وقال المقريزى أيضا: كان فيما بين سوق الجمالون الكبير وبين قيسارية الشرب سوق البخانقيين بابه شارع من القصبة، ويعرف بسوق الخشيبة-تصغير خشبة-كانت على بابه تمنع الراكب من التوصل إليه، ويسلك من هذا السوق إلى قيسارية الشرب وغيرها، وقد تكلمنا فى ترجمة شارع التبليطة على قيسارية الشرب، وذكرنا أن محلها الآن الخان المملوك لمحمد بيك السيوفى تجاه وكالة الزيت التى فى محل قيسارية جهركس. ثم قال: وهو معمور الجانبين بالحوانيت المعدة لبيع الكوافى والطواقى التى تلبسها الصبيان والبنات. [الطواقى الجركسية] وبظاهر هذا السوق أيضا بالقصبة عدة حوانيت لبيع الطواقى وعملها، وقد كثر لبس رجال الدولة من الأمراء والمماليك والأجناد، ومن يتشبه بهم للطواقى فى الدولة الجركسية، وصاروا يلبسون الطاقية على رؤوسهم بغير عمامة، ويمرّون كذلك فى الشوارع والأسواق والجوامع والمواكب لا يرون بذلك بأسا بعدما كان نزع العمامة عن الرأس عارا وفضيحة، ونوّعوا هذه الطواقى ما بين أخضر وأحمر وأزرق وغيره من الألوان، وكانت أولا ترتفع نحو سدس ذراع، ويعمل أعلاها مدوّرا مسطحا، فحدث فى أيام الملك الناصر فرج منها شئ عرف بالطواقى الجركسية يكون ارتفاع عصابة الطاقية منها نحو ثلثى ذراع وأعلاها مدوّر مقبب، وبالغوافى تبطين الطاقية بالورق والكثيرة فيما بين البطانة المباشرة للرأس والوجه الظاهر

стр. 645

للناس، وجعلوا من أسفل العصابة المذكورة زيقا من فرو القرض الأسود يقال له القندس فى عرض نحو ثمن ذراع يصير دائرا بجبهة الرجل وأعلى عنقه، وهم على استعمال هذا الزى إلى اليوم، وهو من أسمج ما عانوه. (انتهى). (قلت): ومحل هذا السوق الآن العمارة الجديدة التابعة للأوقاف التى بوسط الغورية بجوار جامع الغورى تجاه الباب الجديد الذى أنشأه الأمير محمد باشا السيوفى لداره. وفى وقتنا هذا شارع التربيعة المذكور من أبهج الشوارع وأصقعها إلا أنه ضيق جدا، لا يستطيع المارّ به أن يجوز راكبا دابته إلا بمشقة، ويسكنه كثير من الماوردية الذين يبيعون الأعطار ونحوها، وكثير من تجار الحرير الذين يبيعون الشاهى والقطنى والعصب والكريشة والحرير ونحو ذلك. انتهى ما يتعلق بوصف شارع التربيعة قديما وحديثا.

стр. 646

شارع الفحامين ويعرف أيضا بشارع العطارين. ابتداؤه من نهاية شارع التربيعة بجوار باب جامع الغورى الصغير، وانتهاؤه أول شارع المؤيد، وطوله مائتان وأربعة عشر مترا. وعن يمين المارّ به بيت الأمير محمد باشا السيوفى-شاه بندر التجار بمصر-وهو بيت كبير فى غاية العظم، أصله بيت والده، وقد زاد فيه الأمير المذكور زيادات حسنة من المحلات الوقف التى كانت بجواره استبدلها من الأوقاف، وأدخلها فيه، وجعل له بابا عظيما مرتفعا فاتحا على شارع الغورية بدركة كبيرة فى غاية الحسن، وترك بابه الأول الذى كان مستعملا فى مدة والده ﵀، وأنشأ به محلا لتجارته، وبنى به سلملكا متسعا جعله معدّا لجلوس المترددين عليه، وبالغ فى زخرفته وفرشه بالفرش النفيسة. ثم بعد هذا البيت عطفة صغيرة غير نافذة. وأما جهة اليسار فبها: عطفة الطاو وقجية يسلك منها لشارع الغورية، ومحلها الآن العطفة التى فى آخر العمارة الجديدة التى بالغورية مما يلى الفحامين، ثم باب الفحامين، ثم الباب الكبير ويسكن هذا الشارع كثير من العطارين، وكثير من تجار المغاربة الذين يبيعون الطرابيش والبطانيات والأحرمة ونحو ذلك. وبه وكالتان إحداهما معدة لبيع أصناف العطارة ونحوها، والأخرى لبيع أصناف البضائع المغربية، والأولى تحت نظر الأوقاف، والثانية تحت نظر بعض الأهالى.

стр. 647

[سوق الكفتيين] ومحل هذا الشارع كان يعرف قديما بسوق الكفتيين. قال المقريزى: وهذا السوق يسلك إليه من البندقانيين ومن حارة الجودرية ومن الجمالون الكبير وغيره، ويشتمل على عدة حوانيت لعمل الكفت، وهو ما تطعم به أوانى النحاس من الذهب والفضة، وكان لهذا الصنف من الأعمال بديار مصر رواج عظيم، وللناس فى النحاس المكفّت رغبة عظيمة. قال: وأدركنا من ذلك شيئا لا يبلغ وصفه واصف لكثرته، فلا تكاد دار تخلو بالقاهرة ومصر من عدة قطع نحاس مكفت، ولا بد أن يكون فى شورة العروس دكة نحاس مكفت، والدكة عبارة عن شئ يشبه السرير يعمل من خشب مطعم بالعاج والآبنوس، أو من خشب مدهون، وفوق الدكة دست طاسات من نحاس أصفر مكفت بالفضة، وعدة الدست سبع قطع بعضها أصغر من بعض، تبلغ كبراها ما يسع نحو الإردب من القمح، وطول الأكفات التى نقشت بظاهرها من الفضة نحو ثلث ذراع فى عرض إصبعين، ومثل ذلك دست أطباق عدتها سبعة، بعضها فى جوف بعض، ويفتح أكبرها نحو الذراعين وأكثر، وغير ذلك من المناير والسرج وأحقاق الأشنان والطشت والإبريق والمبخرة، فتبلغ قيمة الدكة من النحاس المكفت زيادة على مائتى دينار ذهبا. وكانت العروس من بنات الأمراء والوزراء أو أعيان الكتاب أو أماثل التجار تجهز فى شورتها عند بناء الزوج عليها سبع دكك، دكة من فضة. ودكة من كفت، ودكة من نحاس أبيض، ودكة من خشب مدهون، ودكة من صينى، ودكة من بلور، ودكة كداهى وهى آلات من ورق مدهون تحمل من الصين. قال: وأدركنا منها فى الدور شيئا كثيرا، وقد عدم هذا الصنف من مصر إلا شيئا يسيرا، وبقى بهذا السوق إلى يومنا هذا بقية من صناع الكفت قليلة. (انتهى). (قلت): وهى الآن مجهولة لا تعرف.

стр. 648

شارع سوق المؤيد يبتدئ من رأس حارة الجودرية، وينتهى لحارة الأشراقية، وطوله مائتان واثنان وثا مترا. وبه من جهة اليسار: عطفة تعرف بعطفة الأرمجية، يسلك منها لشارع العقادين، ولعطفة العلبية التى يصنع بها علب البن وغيره. وأما جهة اليمين فبها: عطفة الكاشف، عرفت باسم الأمير سليم كاشف لأن بيته كان بها، وهو بيت كبير موجود إلى الآن معد لسكن الجلاّبة وغيرهم. (ترجمة سليم كاشف) وهو-كما فى الجبرتى-الأمير الكبير سليم كاشف أحد مماليك عثمان بيك المعروف بالجرجاوى من البيوت القديمة، وخشداش عبد الرحمن بيك عثمان المتوفى سنة خمس ومائتين وألف بالطاعون، وتزوّج ابنته بعد موته، وكان ملتزما بحصة من أسيوط، فاستوطنها وبنى بها دارا عظيمة وعدة دور صغار، وأنشأ بها عدة بساتين، وغرس بها وبشرق الناصرى أشجارا كثيرة، وعمر عدة قناطر، وحفر ترعا، وصنع جسورا وأسبلة فى مفارق الطرق، وأنشأ دارا بمصر بالمناخلية بسوق الأنماطيين، واشترى دارا جليلة كانت لسليمان بيك المعروف بأبى نبوت بحارة عابدين. وأنشأ بأسيوط جامعا عظيما ومكتبا. ولما قارب تمام الجامع جاءت الفرنسيس فاتخذوه سجنا، ثم لما قابلهم وأمّنوه أخذ فى إصلاح ما تشعث من البناء وتتميم العمارة فلم يساعده الوقت إذ ذاك لقلة الأخشاب وآلات البناء، فاشتغل بذلك على قدر طاقته، ولم يبق إلا اليسير ووقع الطاعون بأسيوط فمات سنة خمس عشرة ومائتين

стр. 649

وألف، وكان ذا بأس وشدّة وإقدام وشجاعة وتهور مشابها لحسن بيك الجداوى فى هذه الفعال، وكانت موائده مبسوطة وطعامه مبذولا وداره بأسيوط مقصدا للوارد والقاصد والصادر من الأمراء وغيرهم، وله صدقات وأنواع من البرّ ومحبة فى العمارة وغراس الأشجار واقتناء الأنعام، وكان متزوجا بثلاث زوجات؛ إحداهن ابنة سيده عثمان بيك، والثانية ابنة خشداشه عبد الرحمن بيك، والثالثة زوجة علىّ كاشف المعروف بجمال الدين، وكان ذا تجارؤ على سفك الدماء فبذلك خافته عرب الناحية وأهل القرى، وقاتل العرب مرارا، وقتل منهم الكثير، وبسكناه بأسيوط كثرت عمارتها وأمنت طرقها برا وبحرا وسكنها الكثير من الناس. (انتهى). ثم بعد عطفة الكاشف حارة الأشراقية، يتوصل منها لحارة درب سعادة وغيرها. وبهذا الشارع أيضا وكالتان: إحداهما بوسطه، وهى كبيرة بدائرها عدة حواصل، وبظاهرها عدة دكاكين معدة لبيع القطن وغيره من المساند ونحوها، والأخرى بجوارها، وهى كالأولى، وكلتاهما من إنشاء أمين باشا الشهير بالأعمى. ترجمة ذى الفقار بيك وإحدى هاتين الوكالتين، وهى التى بقرب رأس حارة الجودرية، أصلها من إنشاء ذى الفقار بيك الذى ترجمه الجبرتى فقال: هو الأمير الكبير ذو الفقار بيك الفقارى أصله مملوك عمر أغا من أتباع بلغيه، التجأ إلى على خازندار حسن كتخدا الجلفى بعد موت سيده، ثم بعد موت حسن كتخدا انطوى إلى محمد بيك جركس، وقتل ابن ايواظ، ثم بعد ذلك ترقى إلى رتبة الصنجقية وكشوفية المنوفية، وانضم إليه كثير من الفقارية، وصار صاحب الحل والعقد، فتعصب عليه القاسمية، فحصل بسبب ذلك أمور كثيرة بسطها الجبرتى فى ترجمته وانتهت بقتله فى بيته غدرا، وذلك فى أواخر شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين ومائة وألف. وكان أميرا جليلا شجاعا بطلا مهيبا كريم الأخلاق مع قلة إيراده وعدم ظلمه، وكان يرسل البلكات والكساوى فى شهر رمضان لجميع الأمراء والأعيان والوجاقات، ويرسل لأهل العلم بالأزهر ستين كسوة ودراهم تفرّق على الفقراء المجاورين بالأزهر. ومن إنشائه الجنينة والحوض ببركة الحاج والوكالة التى برأس الجودرية ولم يتمها. (انتهى).

стр. 650

وهناك سبيل يقال إنه من وقف السلطان قلاوون جدّد بعد تخربه فى سنة إحدى وسبعين ومائة وألف، وهو عامر بنظر الأوقاف. وهذا الشارع الآن معد لبيع القطن والمفروشات ينصب به سوق كل يوم من أول النهار إلى وقت الزوال، وكان قديما يعرف بسوق الحدّادين والحجّارين، ثم عرف أخيرا بسوق الأنماطيين. قال المقريزى: عند الكلام على مسالك القاهرة وشوارعها: إن السالك من باب زويلة طالبا الغورية يجد على يسرته الزقاق المسلوك فيه إلى سوق الحدادين والحجارين المعروف اليوم بسوق الأنماطيين. (انتهى). [حارة الأشراقية أو المحمودية] ويؤخذ من كلامه أيضا أن حارة الأشراقية هى المعروفة قديما بالمحمودية حيث قال عند الكلام على درب الصفّيرة (بتشديد الفاء)؛ هذا الدرب بجوار باب زويلة، وهو من حقوق حارة المحمودية، وكان نافذا إليها، وهو الآن غير نافذ، وأصله درب الصفيرا (تصغير صفرا) هكذا يوجد فى بعض الكتب القديمة، وقد دخل بجميع ما كان فيه من الدور الجليلة فى الجامع المؤيدى. (انتهى). ثم قال: والمحمودية عرفت بطائفة من طوائف عسكر الدولة الفاطمية كان يقال لها الطائفة المحمودية، وقد ذكرها المسبحى فى تاريخه مرارا، ثم قال: وفى متجددات سنة أربع وتسعين وخمسمائة والسلطان يومئذ بمصر الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين قد تتابع أهل مصر والقاهرة فى إظهار المنكرات وترك الإنكار لها وإباحة أهل الأمر والنهى فعلها، وتفاحش الأمر فيها إلى أن غلا سعر العنب لكثرة من يعصره، وأقيمت طاحون بالمحمودية لطحن حشيشة للبزر، وأفردت برسمه، وحميت بيوت المزر، وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة، فمنها ما انتهى أمره فى كل يوم إلى ستة عشر دينارا، ومنع المزر البيوتى ليتوفر الشراء من مواضع الحمى، وحملت أوانى الخمر على رؤوس الأشهاد وفى الأسواق من غير منكر، وظهر من عاجل عقوبة الله تعالى وقوف زيادة النيل عن معتادها وزيادة سعر الغلة فى وقت ميسورها. (انتهى). هذا آخر ما تيسر لنا من الكلام على وصف شارع سوق المؤيد وحارة الأشراقية قديما وحديثا.

стр. 651

شارع الجودرية يبتدئ من رأس حارة الجودرية بأول شارع المؤيد، وينتهى إلى أول شارع الحطاب وشارع المنجلة، وطوله مائة متر. [حارة الجودرية] وبه من جهة اليسار: حارة الجودرية؛ وهى حارة كبيرة ممتدة إلى جامع بيبرس وإلى درب سعادة، لها بابان: أحدهما من جهة سوق المؤيد، والآخر بجوار جامع بيبرس الذى أنشأه بيبرس الخيّاط سنة اثنتين وستين وستمائة، شعائره مقامة إلى الآن من أوقافه بنظر الشيخ عبد البر ابن الشيخ أحمد منة الله المالكى، وبداخله قبر زوجة منشئه وأولاده، عليه قبة شامخة من الحجر صنعتها دقيقة. [جامع الجودرى] وبهذه الحارة أربعة فروع غير نافذة، وزقاق يعرف بزقاق الغراب، وزاوية شهيرة بزاوية الجودرية، وهى قديمة وكانت متخربة فجدّدها الشيخ أحمد منة المذكور، وجعل بها منبرا وخطبة، وأقام شعائرها، فهى عامرة إلى الآن، وبداخلها ضريح السيد عمر بن السيد إدريس بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين ابن الإمام الحسين-﵃، يعمل له مقرأة كل أسبوع، ومولد كل عام، واليوم اشتهرت هذه الزاوية بجامع الجودرى، ونظره تحت يد الشيخ عبد البر المذكور. وفى مقابلته زاوية تعرف بزاوية الشامية أنشأتها الست الشامية سنة أربع وتسعين وتسعمائة، شعائرها مقامة من أوقافها بنظر الشيخ عبد البر.

стр. 652

وهناك أيضا زاوية الخلوتى، وهى زاوية قديمة عرفت بذلك لأن بها ضريحا يعرف بالشيخ الخلوتى، شعائرها مقامة من أوقافها بنظر الشيخ محمد الأمير من ذرية الشيخ أحمد منة. وزاوية الصياد عرفت باسم منشئها الشيخ الصياد، وهو مدفون بها يعمل له ليلة كل سنة، وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر الشيخ أحمد الفقيه. وسبيل يعرف بسبيل الست منور، أرضه مفروشة بالرخام، وهو عامر إلى الآن، وتابع لوقف الإمام الحسين ﵁. وبهذه الحارة أيضا من الدور الكبيرة: دار الشيخ أحمد منة؛ بها سبيل يعلوه مكتب لتعليم الأطفال، ودار الحاج أحمد مذكور النمرسى، وهى دار كبيرة فى محاذاة دار الشيخ أحمد منة، ودار السيد عبد الواحد الحريرى ابن السيد عبد الفتاح الحريرى بها جنينة، ودار إبراهيم الصرماتى العقاد، ودار محمد الفاكهانى التاجر، ودار الترجمان، وغير ذلك من الدور الكبيرة والصغيرة. وهذه الحارة من الحارات القديمة ترجمها المقريزى فقال: عرفت بالطائفة الجودرية -إحدى طوائف العسكر فى أيام الحاكم بأمر الله على ما ذكره المسبحى. وقال ابن عبد الظاهر الجودرية منسوبة إلى جماعة تعرف بالجودرية اختطوها، وكانوا أربعمائة منهم أبو على منصور الجودرى الذى كان فى أيام العزيز بالله، وزادت مكانته فى الأيام الحاكمية، فأضيفت إليه مع الأحباس الحسبة وسوق الرقيق والسواحل وغير ذلك. ولها حكاية سمعت جماعة يحكونها، وهى أنها كانت سكن اليهود معروفة بهم فبلغ الخليفة الحاكم أنهم يجتمعون بها فى أوقات خلواتهم. ويغنون بقولهم: وأمة قد ضلوا … ودينهم معتل قال لهم نبيهم … نعم الإدام الخل ويسخرون من هذا القول، ويتعرضون إلى مالا ينبغى سماعه، فأتى إلى أبوابها وسدّها عليهم ليلا وأحرقها. فإلى هذا الوقت لا يبيت بها يهودى، ولا يسكنها أبدا (انتهى).

стр. 653

[زقاق الغراب] وأما زقاق الغراب المتقدم ذكره فقال المقريزى: إنه بالجودرية، وكان يعرف بزقاق أبى العز، ثم عرف بزقاق ابن أبى الحسن العقيلى، ثم قيل له زقاق الغراب نسبة إلى أبى عبد الله محمد بن رضوان الملقب بغراب. (انتهى). وكان بهذه الحارة رحبة تعرف برحبة ابن علكان. قال المقريزى: هذه الرحبة بالجودرية فى الدرب المجاور للمدرسة الشريفية، عرفت بالأمير شجاع الدين عثمان بن علكان الكردى زوج ابنته الأمير بازكوج الأسدى، ثم عرفت بابنه منها الأمير أبى عبد الله سيف الدين محمد ابن عثمان، وكان أخيرا استشهد على غرة بيد الفرنج فى غرة شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكانت داره ودار أبيه بهذه الرحبة، ثم عرفت بعد ذلك برحبة الأمير علم الدين سنجر الصيرفى الصالحى. (انتهى). ورحبة أخرى تعرف برحبة أزدمر، وكانت بالدرب المذكور أعلاه، عرفت بالأمير عز الدين أزدمر الأعمى الكاشف، لأنها كانت أمام داره. انتهى. (قلت): وإلى الآن موجود أثر هذه الرحبة تجاه زاوية ابن العربى، وهو مربع الشكل، وبوسطه شجرة لبخ، وبه دار السيد المحروقى كما سيأتى: وكان بها أيضا حمام ابن علكان. قال المقريزى: أنشأه الأمير شجاع الدين عثمان بن ابن علكان، ثم انتقل إلى الأمير علم الدين سنجر الصيرفى، وما زال إلى أن خرب بعد سنة أربعين وسبعمائة. (انتهى). [قيسارية بيبرس] وكان برأس هذه الحارة قيسارية تعرف بقيسارية بيبرس. قال المقريزى: هذه القيسارية على رأس باب الجودرية من القاهرة كان موضعها دارا تعرف بدار الأنماط اشتراها وما حولها الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكيرى قبل ولايته السلطنة وهدمها، وعمر موضعها هذه القيسارية والربع فوقها، وتولى عمارة ذلك مجد الدين بن سالم الموقع، فلما كملت طلب سائر تجار قيسارية جهاركس وقيسارية الفاضل، وألزمهم بإخلاء حوانيتهم من القيساريتين وسكناهم بهذه القيسارية، وأكرههم على ذلك، وجعل أجرة كل حانوت منها مائة وعشرين درهما

стр. 654

نقرة، فلم يسع التجار إلا استئجار حوانيتها، وصار كثير منهم يقوم بأجرة الحانوت الذى ألزم به فى هذه القيسارية من غير أن يترك حانوته الذى هو معه باحدى القيساريتين المذكورتين ونقل أيضا صناع الأخفاف وأسكنهم فى الحوانيت التى خارجها، فعمرت من داخلها وخارجها بالناس فى يومين، وجاء إلى مخدومه الأمير بيبرس، وكان قد ولى السلطنة وتلقب بالملك المظفر قال: بسعادة السلطان أسكنت القيسارية فى يوم واحد، فنظر إليه طويلا وقال: يا قاضى إن كنت أسكنتها فى يوم واحد فهى تخلو فى ساعة واحدة، فجاء الأمر كما قال. وذلك أنه لما فر بيبرس من قلعة الجبل لم يبت فى هذه القيسارية لأحد من سكانها قطعة قماش بل نقلوا كل ما كان لهم فيها، وخلت حوانيتها مدة طويلة، ثم سكنها صناع الأخفاف كل حانوت بعشرة دراهم، وفى حوانيتها ما أجرته ثمانية دراهم، وهى الآن جارية فى أوقاف الخانقاه الركنية بيبرس، ويعرف الخط الذى هى فيه اليوم بالأخفافيين رأس الجودرية (انتهى)، (قلت): وفى وقتنا هذا محلها يعرف بالمشيخة، وبها عدة حوانيت من الجانبين يصنع فيها البلغ البلدى ونحوها من مراكيب المغاربة، وأغلب سكانها من المغاربة، وهى بجوار سوق المؤيد على رأس حارة الجودرية. انتهى ما يتعلق بوصف حارة الجودرية التى بجهة اليسار من هذا الشارع. [حارة المحروقى] وأما جهة اليمين فبها الحارة المعروفة بحلقوم الجمل، وتعرف أيضا بحارة المحروقى، وهى التى سماها المقريزى فى ترجمة المدرسة الشريفية بدرب كركامة حيث قال: هذه المدرسة بدرب كركامة على رأس حارة الجودرية. (انتهى). ويسلك من هذه الحارة إلى سوق الفحامين وإلى التربيعة وغيرها، وعرفت بالمحروقى لأنه أنشأ داره الكبيرة بها، وكان محلها دكة الحسبة التى ذكرها المقريزى فى خططه، وهذه الدار تتصل بسوق الفحامين وبها حديقة متسعة، وهى الآن مملوكة لعدة أشخاص، وفى مقابلتها دار أخرى بجوار زاوية ابن العربى معدة الآن لسكن الجلاّبة تعرف بدار المحروقى أيضا لأنها من إنشاء السيد محمد المحروقى بن المحروقى الكبير.

стр. 655

[ترجمة الأمير على أغا يحيى] وأصل هذه الدار كانت ملكا للأمير على أغا يحيى من الأمراء المصريين، وهو-كما فى الجبرتى-الأمير المبجل على أغا يحيى، أصله مملوك يحيى كاشف تابع أحمد بيك السكرى الذى كان كتخدا عند عثمان بيك الفقارى الكبير، ولما ظهر على بيك وأرسل محمد بيك ومن معه إلى جهة قبلى بعد قتل صالح بيك، كان الأمير يحيى من جملة الأمراء الذين كانوا بأسيوط، ولما تشتتوا فى البلاد ذهب الأمير يحيى إلى إسلامبول وصحبته مملوكه المترجم، وأقام هناك إلى أن مات، فحضر المترجم إلى مصر فى أيام محمد بيك، وتزوج ببنت أستاذه، وسكن بحارة السبع قاعات، واشتهر بها، وعمل كتخدا عند سليمان أغا الوالى، وصار مقبولا عنده، ويتوسط للناس فى القضايا والدعاوى، واشتهر ذكره من حينئذ، وارتاح الناس إليه فى غالب المقتضيات، وباشر فصل الحكومات بنفسه، وكان قليل الطمع، لين الجانب. ولما حضر حسن باشا وخرج مخدومه من مصر استوزره حسن بيك الجداوى، وعظم أمره أيضا فى أيامه، واشترى دار مصطفى أغا الجراكسة التى بجوار زاوية ابن العربى بالقرب من الفحامين، وسكن بها، وسافر مرارا إلى الجهة القبلية سفيرا بين الأمراء البحرية والقبلية. ولم يزل وافر الحرمة حتى كانت دولة العثمانيين، ونما أمر السيد أحمد المحروقى، فانضوى إليه لقرب داره منه، فقيده ببعض الخدم، وجبى الأموال من البلاد، ولما تآمر حسن بيك أخو طاهر باشا على التجريدة الموجهة إلى ناحية قبلى طلبوا رجلا من المصريين يكون رئيسا، عاقلا فأشاروا على المترجم، فطلبه الباشا من السيد أحمد المحروقى، فأرسل إليه بالحضور، فأقام أياما حتى قضى أشغاله وسافر وهو متوعك، فتوفى بسمالوط فى ثالث القعدة سنة تسع عشرة ومائتين وألف (انتهى) وبوسط هذه الحارة رحبة كبيرة بها زاوية تعرف اليوم بزاوية ابن العربى، وكانت أولا تعرف بالمدرسة الشريفية التى ذكرها المقريزى فقال: هذه المدرسة بدرب كركامة على رأس حارة الجودرية وقفها الأمير الشريف فخر الدين أبو نصر إسماعيل ابن حصن الدولة، أحد أمراء مصر فى الدولة الأيوبية، وتمت سنة اثنتى عشرة وستمائة، وكانت من مدارس الفقهاء الشافعية.

стр. 656

[ترجمة ابن العربى] واستمرت عامرة إلى أن تخربت، فجددها العلامة المحدّث الشيخ على الشهير بابن العربى الفاسى المصرى المعروف بالسقاط. ولد بفاس وقرأ على والده، وعلى العلامة محمد بن أحمد العربى، وسمع منه الإحياء، وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد السلام البنانى. كتب العربية، وجاور بمكة، فسمع على البصرى والنخلى وغيرهما، وعاد إلى مصر فقرأ على الشيخ إبراهيم الفيومى أوائل البخارى، وعلى عمر بن عبد السلام جميع الصحيح وقطعة من البيضاوى، وسمع كثيرا على عدة مشايخ، وكان عالما فاضلا مستأنسا بالوحدة، ولم يزل كذلك إلى أن مات سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف، ودفن بهذه الزاوية التى برأس حارة الجودرية .. (انتهى) «جبرتى»). [ترجمة السيد أحمد بن عبد السلام] وفى سنة خمس ومائتين وألف دفن بها السيد أحمد بن عبد السلام مع والده وهو-كما فى الجبرتى-الخواجا المعظم والتاجر المكرم السيد أحمد بن عبد السلام المغربى الفاسى. نشأ فى حجر والده، وتربى فى العز والرفاهية حتى كبر وترشد، وأخذ وأعطى، وباع واشترى وشارك وعامل، واشتهر ذكره وعرف بين التجار، ومات أبوه واستقر مكانه فى التجارة، وعرفته الناس زيادة عن أبيه، وصار يسافر إلى الحجاز فى كل سنة مقوما مثل أبيه، وبنى داره ووسعها، وأضاف إليها دكة الحسبة التى بجوار الفحامين، وأنشأ دارا عظيمة أيضا بخط الساكت بالأزبكية، وانضوى إليه السيد أحمد المحروقى، وأحبه واتحد به اتحادا كليا، وكان له أخ من أبيه بالحجاز يعرف بالعرائشى من أكابر التجار ووكلائهم المشهورين، ذو ثروة عظيمة فتوفى، وصادف وصول المترجم حينئذ إلى الحجاز فوضع يده على ماله ودفاتره وشركاته، وتزوج بزوجته، وأخذ جواريه وعبيده ورجع إلى مصر، واتسع حاله زيادة على ما كان عليه، وعظم صيته، وصار عظيم التجار وشاه البندر، وسلم قياده فى الأخذ والعطاء وحساب الشركاء إلى السيد أحمد المحروقى، وارتاح إليه لحذقه ونباهته، ولم يزل على ذلك حتى اخترمته المنية، وتوفى فى شعبان سنة خمس ومائتين وألف مطعونا، وغسل وكفن وصلى عليه بالمشهد الحسينى فى مشهد حافل بعد العشاء الأخيرة فى المشاعل، ودفن عند أبيه بزاوية ابن العربى بالقرب من الفحامين. (انتهى).

стр. 657

ترجمة السيد المحروقى الكبير وأما السيد أحمد المحروقى فهو-كما فى الجبرتى أيضا-عين الأعيان ونادرة الزمان- -شاه بندر التجار-والمرتقى بهمته إلى سنام الفخار، النبيه النجيب، والحسيب النسيب السيد أحمد بن السيد أحمد الشهير بالمحروقى الحريرى. كان والده حريريا بسوق العنبريين بمصر، وكان رجلا صالحا، منور الشيبة، معروفا بصدق اللهجة والديانة والأمانة بين أقرانه، وولد له المترجم فكان يدعو له كثيرا فى صلاته وسائر تحركاته، فلما ترعرع خالط الناس وكتب وحسب، وكان فى غاية الحذق والنباهة، وأخذ وأعطى، وباع واشترى وشارك، وتداخل مع التجار، وحاسب على الألوف، واتحد بالسيد أحمد بن عبد السلام، وسافر معه إلى الحجاز وأحبه وامتزج به امتزاجا كليا، ومات عمدة التجار العرائشى أخو الشيخ أحمد بن عبد السلام، وهو بالحجاز فى تلك السنة، فأحرز مخلفاته وأمواله ودفاتره، وتقيد المترجم بمحاسبة التجار والشركاء والوكلاء ومحاققتهم، فوفر عليه لكوكا من الأموال، واستأنف الشركات والمعاوضات وعد ذلك من سعادة مقدم المترجم ومرافقته له، ورجع صحبته إلى مصر، وزادت محبته له ورغبته فيه، وكان لابن عبد السلام شهرة ووصله بأكابر الأمراء كأبيه، وخصوصا مراد بيك، فكان يقضى له ولأمرائه لوازمهم، وكان ينوب عنه المترجم فى غالب أوقاته. ولشدة امتزاج الطبيعة بينهما صار يحاكيه فى ألفاظه واصطلاحاته، فاشتهر ذكره بسببه عند التجار والأمراء، واتحد بمحمد أغا البارودى-كتخدا مراد بيك-اتحادا زائدا فراج به عند مخدومه شأنهما، وارتفع به قدرهما. ولما تأمر اسماعيل بيك واستوزر البارودى، استمر حالهما كذلك إلى أن حصل الطاعون ومات به السيد أحمد بن عبد السلام، فاستقر المترجم فى مظهره ومنصبه شاه بندر التجار بواسطة البارودى، وسكن داره العظيمة التى عمرها بجوار الفحامين محل دكة الحسبة القديم، وتزوج بزوجاته، واستولى على حواصله ومخازنه، واستقل بها من غير شريك ولا وارث. فعند ذلك زادت شهرته ونفذت كلمته على أقرانه ولم يزل طالعه يسمو وسعده ينمو، إلى أن عاد مراد بيك والأمراء المصريون بعد موت اسماعيل بيك إلى إمارة مصر، فاختص بخدمته وخدمة إبراهيم بيك وباقى الأمراء، وقدم لهم الهدايا وواسى الجميع بحسن الصنع حتى جذب إليه قلوبهم ونافس الرجال، وانعطفت إليه الآمال، وعامل تجار النواحى والأمصار من سائر الجهات، وراسلوه وأودعوا عنده الودائع.

стр. 658

وزوّج ولده السيد محمدا وعمل له مهما عظيما افتخر فيه إلى الغاية، ودعا الأمراء والأكابر والأعيان، وأرسل إليه إبراهيم بيك ومراد بيك الهدايا العظيمة المحملة على الجمال الكثيرة، وكذلك باقى الأمراء، ومعها الأجراس التى لها رنة تسمع من البعد، وتقدمها جمل عليه طبل نقارية، وذلك خلاف هدايا التجار والناس والنصارى والأروام والأقباط الكتبة وتجار الفرنج والأتراك والشوام والمغاربة وغيرهم، وخلع الخلع الكثيرة، وأعطى البقاشيش والإنعامات والكساوى. وحج فى سنة اثنتى عشرة ومائتين وألف، وخرج فى تجمل زائد وجمال كثيرة وتختر وانات ومواهى ومسطحات وفراشين وخدم وهجن وبغال وخيول. وكان يوم خروجه يوما مشهودا اجتمع فيه الكثير من العامة رجالا ونساء، وجلسوا بالطريق للفرجة عليه، ومن خرج معه لتشبيعه ووداعه من الأعيان والتجار الراكبين والراجلين، وبأيديهم البنادق والأسلحة وعند رجوع الركب وصل الفرنساوية إلى بر مصر، ووصلهم الخبر بذلك، وأرسل إبراهيم بيك إلى صالح بيك أمير الحاج يطلبه مع الحجاج إلى بلبيس، وذهب بصحبتهم المترجم وحرى عليه ما جرى من نهب العرب لأمتعته وحموله، وكان شيئا كثيرا، حتى ما عليه من الثياب. وانحصر فى طريق القرين، فلم يجد عن ذلك بدا من مواجهة الفرنساوية، فذهب إلى سارى عسكر بونابرته وقابله، فرحب به وأكرمه، ولامه على فراره وركوبه للماليك، فاعتذر إليه بجهل الحال، فقبل عذره واجتهد له فى تحصيل منهوباته، وأرسل فى طلب المتعدين، واستخلص ما أمكن استخلاصه له ولغيره، وأرسلهم إلى مصر وأصحب معهم عدة من العساكر، لخفارتهم وهم مشاة، بالأسلحة بين أيديهم حتى أدخلوهم بيوتهم ولما رجع سار عسكر إلى مصر تردد عليه وأحله محل القبول، وارتاح له فى لوازمه، وتصدى للأمور وقضايا التجار، وصار مرعىّ الخاطر عنده ويقبل شفاعته، ويفصل القوانين بين يديه وأيدى أكابرهم. ولما رتّبوا الديوان تعين المترجم من الرؤساء فيه، وكاتبوا التجار وأهل الحجاز وشريف مكة بواسطته. واستمر على ذلك حتى سافر بونابرته، ووصل بعد ذلك عرضى العثمانية والأمراء المصرية، فخرج فيمن خرج لملاقاتهم. وحصل بعد ذلك ما حصل من نقض الصلح والحروب، واجتهد المترجم فى أيام الحرب وساعد وتصدى بكل همته، وصرف أموالا جمة فى المهمات.

стр. 659

والمؤن، إلى أن كان ما كان من ظهور الفرنساوية وخروج المحاربين من مصر، فلم يسعه إلا الخروج معهم والجلاء عن مصر، فنهب الفرنساوية داره وما يتعلق به. ولما استقر يوسف باشا الوزير جهة الشام آنسه المترجم وعاضده، واجتهد فى حوائجه واقترض الأموال، وكاتب التجار وبذل الهمة، وساعده بما لا يدخل تحت طوق البشر. وكان يراسل خواصه بمصر سرا فيطلعونه على الأخبار والأسرار إلى أن وصل العثمانيون إلى مصر، فصار المترجم هو المشار إليه فى الدولة، والتزم بالإقطاعات والبلاد، وحضر الوزير إلى داره وقدم إليه التقادم والهدايا، وباشر الأمور العظيمة والقضايا الجسيمة، وما يتعلق بالدول والدواوين والمهمات السلطانية، وازدحم الناس ببابه، وكثرت عليه الأتباع والأعوان والعساكر والقواسة والفراشون وغير ذلك، وحضر مشايخ البلاد والفلاحون الكثيرون بالهدايا والتقادم والأغنام والخيول، وضاقت داره بهم، فاتخذ دارا بجواره، وأنزل بها الوافدين، وجعل بها مضايف وحبوسا وغير ذلك. ولما قصد يوسف باشا الوزير السفر من مصر وكله على تعلقاته وخصوصياته، وحضر محمد باشا خسرو فاختص به أيضا اختصاصا كليا، وسلمه المقاليد، وجعله أمين الضربخانة، فزادت صولته وطار صيته، واتسعت دائرته، وصار بمنزلة شيخ البلد، بل أعظم، ونفذت أوامره فى الإقليم المصرى والرومى والحجازى والشامى، وأدرك من العز والجاه والعظمة ما لم يتفق لأمثاله من أولاد البلد. وكان ديوان بيته أعظم الدواوين بمصر، وتقرّب وجهاء الناس لخدمته والوصول لسدّته، ووهب وأعطى وراعى جانب كل من انتمى إليه، وكان يرسل الكساوى فى رمضان للأعيان والفقهاء والتجار وفيها الشالات الكشميرية، وعمل عدة أعراس وولائم، وزاره محمد باشا خسرو فى داره مرتين أو ثلاثة باستدعاء، وقدّم له التقادم والهدايا والتحف والرخوت المثمنة والخيول والتعابى من الأقمشة الهندية وغيرها. ولما ثارت العسكر على محمد باشا وخرج فارا كان بصحبته فى ذلك الوقت، فركب أيضا يريد الفرار معه، واختلفت بينهما الطرق، فصادفه طائفة من العسكر فقبضوا عليه، وسلبوا ثيابه وثياب ولده ومن معه، وأخذوا منه جواهر كثيرة ونقودا ومتاعا، فلحقه عمر

стр. 660

بيك الأرنؤودى الساكن ببولاق، وأدركه وخلّصه من أيديهم، وأخذه إلى داره وحماه، وقابل به محمد على. وذهب إلى داره واستقر بها إلى أن انقضت الفتنة، وظهر طاهر باشا فساس أمره معه حتى قتل، وحضر الأمراء المصريون فتداخل معهم وقدم لهم وهاداهم، واتحد بهم وبعثمان بيك البرديسى، فأبقوه على حالته ونجز مطلوبات الجميع، ولم يتضعضع للمزعجات، ولم يتقهقر من المفزعات، حتى إنهم لما أرادوا تقليد الستة عشر صنجقا فى يوم أحضره البرديسى تلك الليلة وأخبره بما اتفقوا عليه ووجده مشغول البال متحيرا فى لوازمهم فهون عليه الأمر وسهله، وقضى له جميع المطلوبات واللوازم للستة عشر أميرا فى تلك الليلة، وما أصبح النهار إلا وجميع المطلوبات من خيول ورخوت وفراوى وكساوى ومزركشات ذهب وفضة برسم الإنعامات وغيرها، فتعجب هو والحاضرون من ذلك، وقال له: مثلك من يخدم الملوك، وأعطاه فى ذلك اليوم فارسكور زيادة عما فى يده. ولما ثارت العسكر على الأمراء المصريين وأخرجوهم من مصر، وأحضروا أحمد باشا خورشيد من إسكندرية وقلّده ولاية مصر، وكان مختصر الحال هيأ له المترجم رقم الوزارة والرخوت والخلع واللوازم فى أسرع وقت. ولم يزل شأنه فى الترفع والصعود، وطالعه مقارنا للسعود حتى فاجأته المنية. وذلك أنه لما عاده الباشا فى يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة تسع عشرة ومائتين وألف نزل إلى داره، وتغدى عنده، وأقام نحو ساعتين، ثم ركب وطلع إلى القلعة، فأرسل فى إثره هدية جليلة صحبة السيد أحمد الملا ترجمانه، فلما كان ليلة الأحد الثانى والعشرين من شعبان المذكور جلس حصة من الليل مع أصحابه يحادثهم، ثم قال إنى أجد بردا، فدثروه ساعة، ثم أرادوا إيقاظه ليدخل إلى حريمه، فحركوه فوجدوة قد فارق الدنيا من ساعته، فكتموا أمره حتى ركب ولده السيد محمد إلى الباشا وأخبره، ثم رجع إلى داره، وحضر ديوان أفندى والقاضى، وختموا على خزائنه وحواصله، وكفنوه وصلوا عليه بالأزهر فى مشهد حافل، ثم رجعوا به إلى زاوية ابن العربى، ودفنوه بها مع السيد أحمد بن عبد السلام المتقدم الذكر.

стр. 661

ترجمة المحروقى الصغير ثم إن الباشا ألبس ولده السيد محمدا فروة وقفطانا على الضربخانة، وأبقاه على ما كان عليه والده من خدمة الدولة والالتزام، واستمر على ذلك إلى أن تولى شاه بندر التجار المصرية فى سنة ثمان وعشرين ومائتين وألف، وصار من أرباب الحل والعقد مثل أبيه، وأنشأ دارا كبيرة ببركة الرطلى، وبستانا فى محل المنازل التى تخربت فى حوادث الفرنسيس، وعمر جامع الحريشى الذى هناك، واشترى دار على أغا يحيى التى بجوار زاوية ابن العربى، وكانت تعرف أولا بدار مصطفى أغا الجراكسة، وجعل بها ساباطا يصل من عليه إلى دار أبيه لأنها فى مقابلتها، وخصها بالحريم، وصارت تعرف بدار المحروقى أيضا، وبقى على حالته مدة، ثم تنازلت شهرته، وقلت حالته، وتمرض أياما ومات، وذلك بعد سنة أربع وثلاثين ومائتين وألف-رحم الله الجميع. وهذه الزاوية مقامة الشعائر الإسلامية إلى اليوم، وبها ضريح بجوار قبر المحروقى، يقال له ضريح المرشدى، يعمل له مولد كل عام. هذا آخر ما تيسر لنا من الكلام على وصف شارع الجودرية بما فيه قديما وحديثا.

стр. 662

شارع الحطاب يبتدئ من آخر شارع الحمزاوى وأول شارع اللبودية، وينتهى لآخر شارع الجودرية وأول شارع المنجلة وطوله مائة وستون مترا. وبه من جهة اليمين جامع الشيخ الحطاب شعائره مقامة من أوقافه القليلة وبداخله ضريح يقال إنه ضريح الشيخ عثمان الحطاب الذى نسب إليه هذا الشارع، وليس كذلك فإن الشيخ عثمان الحطاب توفى بالقدس وكانت زاويته فى محل هذا الجامع، وكان بجوارها زاوية لشيخه الشيخ أبى بكر الدقدوسى-﵄-كما فى طبقات الشعرانى. وأما من جهة اليسار فبها: ضريح يعرف بضريح سيدى عثمان، يعمل له مولد كل سنة، وفى مقابلته دار كبيرة لبنت الأمير فاضل باشا، وبجواره دار الحبابى المغربى من تجار المغاربة المشهورين. وهناك بآخر الشارع دار كبيرة بها جنينة متسعة من إنشاء المرحوم فاضل باشا، وفى مقابلتها عمارة جديدة مملوكة للامير محمد بيك السيوفى شاه بندر التجار المصرية. وفى تجاه هذه العمارة عمارة أخرى جديدة مملوكة لأحد تجار المغاربة المشهورين. (قلت): وهذا الشارع من ضمن خط المسطاح الذى ذكرناه نقلا عن المقريزى بشارع اللبودية. انتهى ما يتعلق بوصف شارع الحطاب.

стр. 663

شارع المنجلة أوله من آخر شارع الجودرية، وآخره شارع درب سعادة وطوله ثلثمائة وأربعون مترا. وبأوله ضريح يعرف بضريح سيدى حبيب النجار بقرب بيت السنانيكلى. وعن يسار المارّ بآخره: عطفة تعرف بعطفة الصابونجية غير نافذة. وبه جامع قديم يعرف بجامع فيروز به ضريحه عليه قبة مرتفعة، وله منارة، وشعائره غير مقامة لتخربه، وكان يعرف أولا بالمدرسة الفيروزية، أنشأها الأمير فيروز الجركسى فى القرن التاسع، ولما مات دفن بها كما ذكر ذلك السخاوى فى «الضوء اللامع». وبجوار هذه المدرسة المحل المعروف بالمنجلة المعد لمنجلة القطنى والشاهى ونحو ذلك. وهذا الشارع كان يعرف أولا بخط الملحيين. قال المقريزى: هذا الخط فيما بين الوزيرية والبندقانيين من وراء دار الديباج، وتسميه العامة خط طواحين الملوحيين (بواو بعد اللام وقبل الحاء المهملة)، وهو تحريف وإنما هو خط الملحيين عرف بطائفة من طوائف العسكر فى أيام الخليفة المستنصر بالله يقال لها الملحية، وهم الذين قاموا بالفتنة فى أيام المستنصر إلى أن كان من الغلاء ما أوجب خراب البلاد ونهب خزائن الخليفة المستنصر، فلما قدم أمير الجيوش بدر الجمالى إلى القاهرة وتقلد وزارة المستنصر، وتجرد لإصلاح إقليم مصر وتتبع المفسدين وقتلهم، وسار فى سنة سبع وستين وأربعمائة إلى الوجه البحرى، وقتل لواته، وقتل مقدمهم سليمان اللواتى وولده، واستصفى أموالهم، ثم توجه إلى دمياط، وقتل فيها عدة من المفسدين فلما أصلح جميع البر الشرقى عدى إلى البر الغربى وقتل جماعة من الملحية وأتباعهم بثغر الإسكندرية، بعد ما أقام أياما محاصرا البلد وهم يمتنعون عليه ويقاتلونه إلى أن أخذها عنوة، فقتل منهم عدة كثيرة. وكان بهذا الخط عدة من الطواحين فسمى بخط طواحين الملحيين، وبه إلى الآن يسير من الطواحين. (انتهى). (قلت): وفى وقتنا هذا لم يكن بهذا الشارع شئ منها بالكلية.

стр. 664

شارع درب سعادة يبتدئ من آخر شارع اللبودية بجوار جامع السلطان جقمق الذى تجاه عطفة الست بيرم، وينتهى لرأس حارة الحمام، وطوله أربعمائة متر وثمانية وعشرون مترا، عرف بأحد أبواب القاهرة الذى بناه القائد جوهر المعروف بباب سعادة. ومحله اليوم الفضاء الموجود قبلى سراى الأمير منصور باشا. ترجمة سعادة غلام المعز قال المقريزى: وسعادة هذا هو ابن حيان غلام المعز لدين الله، لأنه لما قدم من بلاد المغرب بعد بناء القائد جوهر القاهرة نزل بالجيزة، وخرج جوهر إلى لقائه، فلما عاين سعادة جوهرا ترجل وسار إلى القاهرة فى رجب سنة ستين وثلثمائة فدخل إليها من هذا الباب، فعرف به وقيل له باب سعادة. ووافى سعادة هذا القاهرة بجيش كبير معه. فلما كان فى شوال سيره جوهر فى عسكر جرار عند ورود الخبر من دمشق بمجئ الحسين بن أحمد القرمطى إلى الشام، وقتل جعفر ابن فلاح، فسار سعادة يريد الرملة فوجد القرمطى قد قصدها، فانحاز بمن معه إلى يافا، ورجع إلى مصر، ثم خرج إلى الرملة فملكها فى سنة إحدى وستين، فأقبل إليه القرمطى، ففر منه إلى القاهرة. وبها مات لخمس بقين من المحرم سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وحضر جوهر جنازته، وصلى عليه الشريف أبو جعفر مسلم. وكان فيه بر وإحسان. (انتهى). (قلت): وتربته هى المعروفة اليوم بتربة الست سعادة التى بأول سور سراى الأمير منصور باشا تجاه الخليج.

стр. 665

ترجمة القائد جوهر وأما القائد جوهر فهو-كما فى المقريزى-مملوك رومى رباه المعز لدين الله أبو تميم معد، وكناه بأبى الحسن، وعظم محله عنده فى سنة سبع وأربعين وثلثمائة، وصار فى رتبة الوزارة، فصيره قائد جيوشه، وبعثه فى صفر منها ومعه عساكر كثيرة فيهم الأمير زيرى ابن منادى الصنهاجى وغيره من الأكابر، فسار إلى تاهرت وأوقع بعدة أقوام، وافتتح مدنا وسافر إلى فاس فنازلها مدة ولم ينل منها شيئا، فرحل عنها إلى سجلماسة وحارب تاثرا فأسره بها. وانتهى فى مسيره إلى البحر المحيط، واصطاد منه سمكا وبعثه فى قلة ماء إلى مولاه المعز، وأعلمه أنه قد استولى على ما مر به من المدائن والأمم حتى انتهى إلى البحر المحيط، ثم عاد إلى فاس، فألح عليها بالقتال إلى أن أخذها عنوة، وأسر صاحبها وحمله هو والتاثر بسجلماسة فى قفصين مع هدية إلى المعز، وعاد فى أخريات السنة وقد عظم شأنه وبعد صيته. ثم لما قوى عزم المعز على تسيير الجيوش لأخذ مصر وتهيأ أمرها قدم عليها القائد جوهر وبرز إلى رمادة ومعه ما ينيف على مائة ألف فارس، وبين يديه أكثر من ألف صندوق من المال، وكان المعز يخرج إليه فى كل يوم ويخلو به، وأطلق يده فى بيوت أمواله، فأخذ منها ما يريد زيادة على ما حمله معه. وخرج إليه يوما فقام جوهر بين يديه وقد اجتمع الجيش فالتفت المعز إلى المشايخ الذين وجههم مع جوهر وقال: والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، ولتدخلن إلى مصر بالأردية من غير حرب، ولتنزلن فى خرابات ابن طولون، وتبنى مدينة تسمى القاهرة تقهر الدنيا. وأمر المعز بإفراغ الذهب فى هيئة الأرحية، وحملها مع جوهر على الجمال ظاهرة، وأمر أولاده وإخوته الأمراء وولى العهد وسائر أهل الدولة أن يمشوا فى خدمته وهو راكب، وكتب إلى سائر عماله يأمرهم إذا قدم عليهم جوهر أن يترجلوا مشاة فى خدمته، فلما قدم برقة افتدى صاحبها من ترجله ومشيه فى ركابه بخمسين ألف دينار ذهبا فأبى جوهر إلا أن يمشى فى ركابه ورد المال فمشى، ولما رحل من القيروان إلى مصرفى يوم السبت رابع عشر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلثمائة. أنشد محمد بن هانئ فى ذلك أبياتا أولها:

стр. 666

رأيت بعينى فوق ما كنت أسمع … وقد راعنى يوم من الحشر أروع غداة كأن الأفق سدّ بمثله … فعاد غروب الشمس من حيث تطلع فلم أدر إذ ودعت كيف أودّع … ولم أدر إذ شيعت كيف أشيع ولما دخل مصر واختط القاهرة وكتب بالبشارة إلى المعز قال ابن هانئ: تقول بنو العباس قد فتحت مصر … فقل لبنى العباس قد قضى الأمر وقد جاوز الإسكندرية جوهر … تصاحبه البشرى ويقدمه النصر ولم يزل معظما مطاعا، وله حكم ما فتح من بلاد الشام حتى ورد المعز من المغرب إلى القاهرة، وكان جعفر بن فلاح يرى نفسه أجل من جوهر، فلما قدم معه إلى مصر سيّره جوهر إلى بلاد الشام فى العساكر، فأخذ الرملة وغلب الحسن بن عبد الله بن طغج، وسار فملك طبرية ودمشق، فلما صارت الشام له شمخت نفسه عن مكاتبة جوهر، فأنفذ كتبه من دمشق إلى المعز وهو بالمغرب سرا من جوهر يذكر فيها طاعته ويقع فى جوهر، ويصف ما فتح الله للمعز على يده، فغضب المعز لذلك ورد كتبه كما هى مختومة، وكتب إليه: «قد أخطأت الرأى لنفسك. نحن قد أنفذناك مع جوهر قائدنا، فاكتب إليه. فما وصل منك إلينا على يده قرأناه. ولا تتجاوزه بعد، فلسنا نفعل لك ذلك على الوجه الذى أردته وإن كنت أهله عندنا، ولكنا لا نستفسد جوهرا مع طاعته لنا». فزاد غضب جعفر بن فلاح، وانكشف ذلك لجوهر، فلم يبعث ابن فلاح لجوهر يسأله نجدة خوفا أن لا ينجده بعسكر، وأقام مكانه لا يكاتب جوهرا بشئ من أمره إلى أن قدم عليه الحسن بن أحمد القرمطى، وكان من أمره ما كان وقتله. ولما مات المعز واستخلف من بعده ابنه العزيز، وورد إلى دمشق أفتكين الشرابى من بغداد ندب العزيز بالله جوهرا القائد إلى الشام، فخرج إليها بخزائن السلاح والأموال، والعساكر العظيمة، فنزل على دمشق لثمان بقين من ذى القعدة سنة خمس وستين وثلثمائة، فأقام عليها وهو يحارب أهلها إلى أن قدم الحسن بن أحمد القرمطى من الأحساء إلى الشام، فرحل جوهر فى ثالث جمادى الأولى سنة ست وستين، فنزل على الرملة والقرمطى فى إثره،

стр. 667

فهلك، وقام من بعده جعفر القرمطى فحارب جوهر، واشتد الأمر على جوهر، وسار إلى عسقلان، وحصره هفتكين بها حتى بلغ من الجهد مبلغا عظيما، فصالح أفتكين وخرج من عسقلان إلى مصر بعد أن أقام بها وبظاهر الرملة نحوا من سبعة عشر شهرا، فقدم على العزيز وهو يريد الخروج إلى الشام، فلما ظفر العزيز بأفتكين واصطنعه فى سنة ثمانين وثلثمائة، واصطنع منجوتكين التركى أيضا، أخرجه راكبا من القصر وحده فى سنة إحدى وثمانين والقائد جوهر وابن عمار ومن دونهما مشاة فى ركابه، وكانت يد جوهر فى يد ابن عمار، فزفر ابن عمار زفرة كاد أن ينشق لها وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فنزع جوهر يده منه وقال: قد كنت عندى يا أبا محمد أثبت من هذا فظهر منك إنكار فى هذا المقام، ثم حدثه حديثا سلاه به، ثم قال: «لكل زمان دولة ورجال، أنريد نحن أن نأخذ دولتنا ودولة غيرنا. لقد أرجل لى مولانا المعز لما سرت إلى مصر أولاده وإخوته وولى عهده وسائر أهل دولته، فتعجب الناس من ذلك، وهأنا اليوم أمشى راجلا بين يدى منجوتكين، أعزونا وأعزوا بنا غيرنا وبعد هذا فأقول اللهم قرب أجلى ومدتى فقد أنفت على الثمانين أو أنا فيها». فمات فى تلك السنة، وذلك أنه اعتلّ، فركب إليه العزيز بالله عائدا، وحمل إليه قبل ركوبه خمسة آلاف دينار ومرتبة مثقل، وبعث إليه الأمير منصور بن العزيز بالله خمسة آلاف دينار، وتوفى فى يوم الاثنين لسبع بقين من ذى القعدة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، فبعث إليه العزيز بالحنوط والكفن، وأرسل إليه الأمير منصور بن العزيز أيضا الكفن، وأرسلت إليه السيدة العزيزية الكفن، فكفن فى سبعين ثوبا، ما بين مثقل ووشى مذهب، وصلى عليه العزيز بالله وخلع على ابنه الحسين وحمله وجعله فى مرتبة أبيه، ولقبه بالقائد ابن القائد ومكنه من جميع ما خلفه أبوه. وكان جوهر عاقلا محسنا إلى الناس كاتبا بليغا، فمن مستحسن توقيعاته على قصة رفعت إليه بمصر: «سوء الاحترام أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام أخرجكم من حفظ الزمام، فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللازم لكم ملازمة الاحتساب، لأنكم

стр. 668

بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعديتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة إلا تقتضى الذم لكم والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه رأيه فيكم». (انتهى). وبهذا الشارع من جهة اليمين: عطفة جامع البنات، وهى التى عبر عنها المقريزى بدرب العداس حيث قال: هذا الدرب فيما بين دار الديباج والوزيرية. عرف بعلى بن عمر العداس، صاحب سقيفة العداس، وذكر أيضا عند الكلام على جامع الفخر-المعروف اليوم بجامع البنات-أنه بجوار دار الذهب المجاورة لقبو الذهب من خط بين السورين فيما بين باب الخوخة وباب سعادة، ويتوصل إليه أيضا من درب العداس المجاور لحارة الوزيرية. (انتهى). وأما جهة اليسار فبها عطفة الصاوى تجاه عطفة جامع البنات، وتعرف أيضا بعطفة الفرن، وهى التى عبر عنها المقريزى بدرب الحريرى فقال: هذا الدرب من جملة دار الديباج ويتوصل إليه اليوم من سويقة الصاحب، وفيه المدرسة القطبية، عرف بالقاضى نجم الدين محمد بن القاضى فتح الدين عمر المعروف بابن الحريرى، فإنه كان ساكنا فيه. (انتهى). ثم عطفة المنجلة يسلك منها لشارع المنجلة والجودرية والحمزاوى وغير ذلك. ثم حارة النبوية يسلك منها لحارة الحمام وحارة الأشراقية وغيرها، وبأولها ضريح السيدة عائشة النبوية، عليه قبة صغيرة، وله شباك مطل على الشارع، يعمل لها مولد كل سنة وبهذه الحارة أيضا زاويتان: إحداهما تعرف بزاوية حسن كاشف، يعلوها، مساكن وشعائرها معطلة فى غالب الأوقات، والأخرى زاوية الوزيرى، عرفت بذلك لأن بها ضريح الشيخ محمد الوزيرى، وهى غير مقامة الشعائر لتخربها، ونظرها للأوقاف. ترجمة مصطفى كاشف كرد متولى الحسبة وفى مقابلتها بيت كبير يعرف اليوم ببيت الفروجى، وكان يعرف أولا ببيت مصطفى كاشف المحتسب وهو-كما فى الجبرتى-الأمير الكبير مصطفى كاشف كرد، تنقل فى الخدم حتى تولى الحسبة فى رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف بأمر مطلق من والى مصر محمد

стр. 669

على، وذلك أنه لما تكرر على سمعه أفعال السوقة وانحرافهم وقلة طاعتهم وعدم مبالاتهم بالضرب والإيذاء وخزم الأنوف والتجريس قال فى مجلس خاصته: «لقد سرى حكمى فى الأقاليم البعيدة فضلا عن القريبة، وخافنى العربان وقطاع الطريق وغيرهم خلاف سوقة مصر فإنهم لا تدعون بما يفعله فيهم ولاة الحسبة من الإهانة والإيذاء، فلا بد لهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم». فوقع اختياره على مصطفى كاشف هذا فقلده ذلك، وأطلق له الإذن، فعند ذلك ركب فى كبكبة، وخلفه عدة من الخيالة، وترك شعار المنصب من المقدمين والخدم الذين يتقدمونه، وصار يطوف على الباعة، ويضرب بالدبوس هشما بأدنى سبب، ويعاقب بقطع شحمة الأذن، فأغلقوا الحوانيت، ومنعوا وجود الأشياء حتى ما جرت به العادة فى رمضان من عمل الكعك والكنافة وغير ذلك، فلم يلتفت لامتناعهم وغلقهم الحوانيت، وزاد فى العسف، ولم يرجع عن اجتهاده، ولازم السعى والطواف ليلا ونهارا، وإذا أدركه النوم نام لحظة فى أى مكان ولو على مسطبة دكانه وأخذ يتفحص على السمن والجبن ونحوه المخزون فى الحواصل، ويخرجه ويدفع ثمنه لأربابه بالسعر المفروض، ويوزعه على أرباب الحوانيت ليبيعوه على الناس بزيادة نصف أو نصفين فى كل رطل، وذهب إلى بولاق ومصر القديمة فاستخرج سمنا كثيرا معظمه من مخازن العسكر، فإن العسكر كانوا يرصدون الفلاحين وغيرهم فيأخذون منهم بالسعر المفروض، ثم يبيعونه على المحتاجين إليه بما أحبوا من الزيادة الفاحشة، فلم يراع جانبها، واستخرج مخبآتهم قهرا عنهم، ومن خالف عليه منهم ضربه وأخذ سلاحه ونكل به. فعندما رأى أرباب الحوانيت منه ذلك فتحوا حوانيتهم، وأظهروا مخبآتهم، وذلك خوفا من بطشه وعدم رحمته بهم. وكان يأمر بكنس الأسواق، ومواظبة رشها بالماء، ووقود القناديل على أبواب الدور والحوانيت. ونادى على نصارى الأرمن والأروام والشوام بإخلاء البيوت التى عمروها بمصر القديمة وزخرفوها وسكنوا بها بطريق الإنشاء، وأن يعودوا إلى زيهم الأول من لبس العمائم الزرق

стр. 670

وعدم ركوب الخيل والبغال والرهوانات، واستخدام المسلمين، وأمر أيضا بالنداء على المرد ومحلقى اللحى يأن يتركوها ولا يحلقوها. واتفق أن المترجم ضرب شخصا أرنؤديا من عسكر عابدين بيك بالدبوس، حتى كاد يموت، فاشتد بعابدين بيك الحنق، وركب إلى كتخدا بيك، وشنع على المترجم، وتعددت الشكوى منه، وصادفت فى زمن واحد، فأنهى الأمر إلى الباشا، فتقدم إليه بكف المحتسب عن هذه الفعال، فأحضره الكتخدا، وزجره وأمره أن لا يتعدى حكمه الباعة ومن كان يسرى عليهم أحكام من كان فى منصبه قبله، وأن يكون أمامه الميزان ويؤدب المستحق بالكرابيج دون الدبوس. فمن حينئذ خمدت نار شوكته، وصار حكمه لا يسرى على النصارى، فضلا عن غيرهم. ولم يزل فى إمارته إلى أن مات سنة ست وثلاثين ومائتين وألف. وكان جبارا عسوفا يعاقب بجرح الأذن والضرب بالدبوس، وبهذا أقعد بعض صناع الكنافة على صوانيهم التى على النار، ودق فى أذن بعض السوقة المسمار، إلى غير ذلك من أنواع الإيذاء (انتهى ملخصا) ترجمة حسن بيك الجداوى ثم بعد حارة السيدة عائشة حارة الحمام، يسلك منها لشارع السكرية وغيره، وعن يسار المارّ بها عطفة صغيرة تعرف بعطفة الكاشف كان بها سكن الأمير حسن بيك الجداوى، بعدما تزوج بابنة الأمير أحمد بيك شنن الذى كان أصله مملوكا للشيخ محمد شنن المالكى شيخ الجامع الأزهر، وقد دخل فى سلك الجندية بعدما فارق ابن سيده لوحشة وقعت بينهما، فخدم عند على بيك الكبير، وأحبه ورقاه وأمره إلى أن قلده كتخدا الجاويشية، ثم قلده الصنجقية، وبقى كذلك إلى أن مات مقتولا سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى. وبهذه الحارة أيضا حمام المؤيد الذى عرف به، وهو حمام كبير أنشأه السلطان المؤيد بعد إنشائه للجامع، وجعله وقفا عليه، وجعل له بابين أحدهما من الحارة، والآخر من عطفة صغيرة بشارع تحت الربع تجاه تكية الجلشنى، وهو عامر إلى الآن برسم الرجال والنساء.
следующие страницы →