رأيت بعينى فوق ما كنت أسمع … وقد راعنى يوم من الحشر أروع
غداة كأن الأفق سدّ بمثله … فعاد غروب الشمس من حيث تطلع
فلم أدر إذ ودعت كيف أودّع … ولم أدر إذ شيعت كيف أشيع
ولما دخل مصر واختط القاهرة وكتب بالبشارة إلى المعز قال ابن هانئ:
تقول بنو العباس قد فتحت مصر … فقل لبنى العباس قد قضى الأمر
وقد جاوز الإسكندرية جوهر … تصاحبه البشرى ويقدمه النصر
ولم يزل معظما مطاعا، وله حكم ما فتح من بلاد الشام حتى ورد المعز من المغرب إلى القاهرة، وكان جعفر بن فلاح يرى نفسه أجل من جوهر، فلما قدم معه إلى مصر سيّره جوهر إلى بلاد الشام فى العساكر، فأخذ الرملة وغلب الحسن بن عبد الله بن طغج، وسار فملك طبرية ودمشق، فلما صارت الشام له شمخت نفسه عن مكاتبة جوهر، فأنفذ كتبه من دمشق إلى المعز وهو بالمغرب سرا من جوهر يذكر فيها طاعته ويقع فى جوهر، ويصف ما فتح الله للمعز على يده، فغضب المعز لذلك ورد كتبه كما هى مختومة، وكتب إليه:
«قد أخطأت الرأى لنفسك. نحن قد أنفذناك مع جوهر قائدنا، فاكتب إليه. فما وصل منك إلينا على يده قرأناه. ولا تتجاوزه بعد، فلسنا نفعل لك ذلك على الوجه الذى أردته وإن كنت أهله عندنا، ولكنا لا نستفسد جوهرا مع طاعته لنا».
فزاد غضب جعفر بن فلاح، وانكشف ذلك لجوهر، فلم يبعث ابن فلاح لجوهر يسأله نجدة خوفا أن لا ينجده بعسكر، وأقام مكانه لا يكاتب جوهرا بشئ من أمره إلى أن قدم عليه الحسن بن أحمد القرمطى، وكان من أمره ما كان وقتله.
ولما مات المعز واستخلف من بعده ابنه العزيز، وورد إلى دمشق أفتكين الشرابى من بغداد ندب العزيز بالله جوهرا القائد إلى الشام، فخرج إليها بخزائن السلاح والأموال، والعساكر العظيمة، فنزل على دمشق لثمان بقين من ذى القعدة سنة خمس وستين وثلثمائة، فأقام عليها وهو يحارب أهلها إلى أن قدم الحسن بن أحمد القرمطى من الأحساء إلى الشام، فرحل جوهر فى ثالث جمادى الأولى سنة ست وستين، فنزل على الرملة والقرمطى فى إثره،
стр. 667
فهلك، وقام من بعده جعفر القرمطى فحارب جوهر، واشتد الأمر على جوهر، وسار إلى عسقلان، وحصره هفتكين بها حتى بلغ من الجهد مبلغا عظيما، فصالح أفتكين وخرج من عسقلان إلى مصر بعد أن أقام بها وبظاهر الرملة نحوا من سبعة عشر شهرا، فقدم على العزيز وهو يريد الخروج إلى الشام، فلما ظفر العزيز بأفتكين واصطنعه فى سنة ثمانين وثلثمائة، واصطنع منجوتكين التركى أيضا، أخرجه راكبا من القصر وحده فى سنة إحدى وثمانين والقائد جوهر وابن عمار ومن دونهما مشاة فى ركابه، وكانت يد جوهر فى يد ابن عمار، فزفر ابن عمار زفرة كاد أن ينشق لها وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فنزع جوهر يده منه وقال: قد كنت عندى يا أبا محمد أثبت من هذا فظهر منك إنكار فى هذا المقام، ثم حدثه حديثا سلاه به، ثم قال:
«لكل زمان دولة ورجال، أنريد نحن أن نأخذ دولتنا ودولة غيرنا. لقد أرجل لى مولانا المعز لما سرت إلى مصر أولاده وإخوته وولى عهده وسائر أهل دولته، فتعجب الناس من ذلك، وهأنا اليوم أمشى راجلا بين يدى منجوتكين، أعزونا وأعزوا بنا غيرنا وبعد هذا فأقول اللهم قرب أجلى ومدتى فقد أنفت على الثمانين أو أنا فيها».
فمات فى تلك السنة، وذلك أنه اعتلّ، فركب إليه العزيز بالله عائدا، وحمل إليه قبل ركوبه خمسة آلاف دينار ومرتبة مثقل، وبعث إليه الأمير منصور بن العزيز بالله خمسة آلاف دينار، وتوفى فى يوم الاثنين لسبع بقين من ذى القعدة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، فبعث إليه العزيز بالحنوط والكفن، وأرسل إليه الأمير منصور بن العزيز أيضا الكفن، وأرسلت إليه السيدة العزيزية الكفن، فكفن فى سبعين ثوبا، ما بين مثقل ووشى مذهب، وصلى عليه العزيز بالله وخلع على ابنه الحسين وحمله وجعله فى مرتبة أبيه، ولقبه بالقائد ابن القائد ومكنه من جميع ما خلفه أبوه.
وكان جوهر عاقلا محسنا إلى الناس كاتبا بليغا، فمن مستحسن توقيعاته على قصة رفعت إليه بمصر: «سوء الاحترام أوقع بكم حلول الانتقام، وكفر الإنعام أخرجكم من حفظ الزمام، فالواجب فيكم ترك الإيجاب، واللازم لكم ملازمة الاحتساب، لأنكم
стр. 668
بدأتم فأسأتم، وعدتم فتعديتم، فابتداؤكم ملوم، وعودكم مذموم، وليس بينهما فرجة إلا تقتضى الذم لكم والإعراض عنكم، ليرى أمير المؤمنين صلوات الله عليه رأيه فيكم». (انتهى).
وبهذا الشارع من جهة اليمين: عطفة جامع البنات، وهى التى عبر عنها المقريزى بدرب العداس حيث قال: هذا الدرب فيما بين دار الديباج والوزيرية. عرف بعلى بن عمر العداس، صاحب سقيفة العداس، وذكر أيضا عند الكلام على جامع الفخر-المعروف اليوم بجامع البنات-أنه بجوار دار الذهب المجاورة لقبو الذهب من خط بين السورين فيما بين باب الخوخة وباب سعادة، ويتوصل إليه أيضا من درب العداس المجاور لحارة الوزيرية. (انتهى).
وأما جهة اليسار فبها عطفة الصاوى تجاه عطفة جامع البنات، وتعرف أيضا بعطفة الفرن، وهى التى عبر عنها المقريزى بدرب الحريرى فقال: هذا الدرب من جملة دار الديباج ويتوصل إليه اليوم من سويقة الصاحب، وفيه المدرسة القطبية، عرف بالقاضى نجم الدين محمد بن القاضى فتح الدين عمر المعروف بابن الحريرى، فإنه كان ساكنا فيه. (انتهى).
ثم عطفة المنجلة يسلك منها لشارع المنجلة والجودرية والحمزاوى وغير ذلك.
ثم حارة النبوية يسلك منها لحارة الحمام وحارة الأشراقية وغيرها، وبأولها ضريح السيدة عائشة النبوية، عليه قبة صغيرة، وله شباك مطل على الشارع، يعمل لها مولد كل سنة وبهذه الحارة أيضا زاويتان: إحداهما تعرف بزاوية حسن كاشف، يعلوها، مساكن وشعائرها معطلة فى غالب الأوقات، والأخرى زاوية الوزيرى، عرفت بذلك لأن بها ضريح الشيخ محمد الوزيرى، وهى غير مقامة الشعائر لتخربها، ونظرها للأوقاف.
ترجمة مصطفى كاشف كرد متولى الحسبة
وفى مقابلتها بيت كبير يعرف اليوم ببيت الفروجى، وكان يعرف أولا ببيت مصطفى كاشف المحتسب وهو-كما فى الجبرتى-الأمير الكبير مصطفى كاشف كرد، تنقل فى الخدم حتى تولى الحسبة فى رمضان سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف بأمر مطلق من والى مصر محمد
стр. 669
على، وذلك أنه لما تكرر على سمعه أفعال السوقة وانحرافهم وقلة طاعتهم وعدم مبالاتهم بالضرب والإيذاء وخزم الأنوف والتجريس قال فى مجلس خاصته: «لقد سرى حكمى فى الأقاليم البعيدة فضلا عن القريبة، وخافنى العربان وقطاع الطريق وغيرهم خلاف سوقة مصر فإنهم لا تدعون بما يفعله فيهم ولاة الحسبة من الإهانة والإيذاء، فلا بد لهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم».
فوقع اختياره على مصطفى كاشف هذا فقلده ذلك، وأطلق له الإذن، فعند ذلك ركب فى كبكبة، وخلفه عدة من الخيالة، وترك شعار المنصب من المقدمين والخدم الذين يتقدمونه، وصار يطوف على الباعة، ويضرب بالدبوس هشما بأدنى سبب، ويعاقب بقطع شحمة الأذن، فأغلقوا الحوانيت، ومنعوا وجود الأشياء حتى ما جرت به العادة فى رمضان من عمل الكعك والكنافة وغير ذلك، فلم يلتفت لامتناعهم وغلقهم الحوانيت، وزاد فى العسف، ولم يرجع عن اجتهاده، ولازم السعى والطواف ليلا ونهارا، وإذا أدركه النوم نام لحظة فى أى مكان ولو على مسطبة دكانه وأخذ يتفحص على السمن والجبن ونحوه المخزون فى الحواصل، ويخرجه ويدفع ثمنه لأربابه بالسعر المفروض، ويوزعه على أرباب الحوانيت ليبيعوه على الناس بزيادة نصف أو نصفين فى كل رطل، وذهب إلى بولاق ومصر القديمة فاستخرج سمنا كثيرا معظمه من مخازن العسكر، فإن العسكر كانوا يرصدون الفلاحين وغيرهم فيأخذون منهم بالسعر المفروض، ثم يبيعونه على المحتاجين إليه بما أحبوا من الزيادة الفاحشة، فلم يراع جانبها، واستخرج مخبآتهم قهرا عنهم، ومن خالف عليه منهم ضربه وأخذ سلاحه ونكل به.
فعندما رأى أرباب الحوانيت منه ذلك فتحوا حوانيتهم، وأظهروا مخبآتهم، وذلك خوفا من بطشه وعدم رحمته بهم. وكان يأمر بكنس الأسواق، ومواظبة رشها بالماء، ووقود القناديل على أبواب الدور والحوانيت.
ونادى على نصارى الأرمن والأروام والشوام بإخلاء البيوت التى عمروها بمصر القديمة وزخرفوها وسكنوا بها بطريق الإنشاء، وأن يعودوا إلى زيهم الأول من لبس العمائم الزرق
стр. 670
وعدم ركوب الخيل والبغال والرهوانات، واستخدام المسلمين، وأمر أيضا بالنداء على المرد ومحلقى اللحى يأن يتركوها ولا يحلقوها.
واتفق أن المترجم ضرب شخصا أرنؤديا من عسكر عابدين بيك بالدبوس، حتى كاد يموت، فاشتد بعابدين بيك الحنق، وركب إلى كتخدا بيك، وشنع على المترجم، وتعددت الشكوى منه، وصادفت فى زمن واحد، فأنهى الأمر إلى الباشا، فتقدم إليه بكف المحتسب عن هذه الفعال، فأحضره الكتخدا، وزجره وأمره أن لا يتعدى حكمه الباعة ومن كان يسرى عليهم أحكام من كان فى منصبه قبله، وأن يكون أمامه الميزان ويؤدب المستحق بالكرابيج دون الدبوس.
فمن حينئذ خمدت نار شوكته، وصار حكمه لا يسرى على النصارى، فضلا عن غيرهم. ولم يزل فى إمارته إلى أن مات سنة ست وثلاثين ومائتين وألف. وكان جبارا عسوفا يعاقب بجرح الأذن والضرب بالدبوس، وبهذا أقعد بعض صناع الكنافة على صوانيهم التى على النار، ودق فى أذن بعض السوقة المسمار، إلى غير ذلك من أنواع الإيذاء (انتهى ملخصا)
ترجمة حسن بيك الجداوى
ثم بعد حارة السيدة عائشة حارة الحمام، يسلك منها لشارع السكرية وغيره، وعن يسار المارّ بها عطفة صغيرة تعرف بعطفة الكاشف كان بها سكن الأمير حسن بيك الجداوى، بعدما تزوج بابنة الأمير أحمد بيك شنن الذى كان أصله مملوكا للشيخ محمد شنن المالكى شيخ الجامع الأزهر، وقد دخل فى سلك الجندية بعدما فارق ابن سيده لوحشة وقعت بينهما، فخدم عند على بيك الكبير، وأحبه ورقاه وأمره إلى أن قلده كتخدا الجاويشية، ثم قلده الصنجقية، وبقى كذلك إلى أن مات مقتولا سنة اثنتين وتسعين ومائتين وألف رحمه الله تعالى.
وبهذه الحارة أيضا حمام المؤيد الذى عرف به، وهو حمام كبير أنشأه السلطان المؤيد بعد إنشائه للجامع، وجعله وقفا عليه، وجعل له بابين أحدهما من الحارة، والآخر من عطفة صغيرة بشارع تحت الربع تجاه تكية الجلشنى، وهو عامر إلى الآن برسم الرجال والنساء.
стр. 671
[باب الفرج]
وكان بآخرها من جهة الأشراقية باب الفرج الذى هو أحد أبواب القاهرة. ذكره المقريزى فى ذكر أبواب القاهرة، لكنه لم يترجمه على حدته. وفى كتاب وقفية الجامع المؤيدى عند ذكر حدود الجامع والحمام ما يدل على أن باب الفرج المتقدم كان بآخر حارة الحمام من جهة الأشراقية، المعروفة قديما بالمحمودية حيث ذكر فيها ما ملخصه:
وقف مولانا السلطان المؤيد الجامع المحدود بحدود أربعة: الحد القبلى إلى الشارع داخل باب زويلة تجاه قيسارية الفاضل، والبحرى إلى الطريق الموصل إلى المحمودية، وباب الفرج والحمام، وفى هذا الحد الباب الموصل إلى الميضأة وبيوت الطلبة والحمام والساقية.
ثم قال: وجميع الحمام بخط المحمودية، حده القبلى إلى بئر ساقية الجامع، والبحرى إلى باب الفرج، وفيه معالم البئر التى من حقوق المستوقد، والشرقى إلى الطريق الموصل إلى باب الفرج، وفيه الباب وثلاثة حوانيت وحوض سبيل، والغربى إلى ربع الظاهر .. (انتهى من الوقفية).
وبهذه الحارة أيضا زاوية البزرجلى، أنشأها الأمير حسن أغا المعروف بالبزرجلى بعد سنة خمسين ومائتين وألف، شعائرها غير مقامة لتخربها، ونظرها لبنت المنشئ المذكور، وبقربها ضريح الشيخ فرج.
[أول دار للوزارة بالقاهرة]
وشارع درب سعادة هذا هو الذى سماه المقريزى بحارة الوزيرية، نسبة إلى الوزير يعقوب ابن كلّس، لأن داره كانت بها، وهى أول دار كانت للوزارة بالقاهرة أنشأها الوزير المذكور وسمّيت بعد انقطاع نسبتها إليه بدار الديباج، لأن الديباج الذى كان يعمل لقصور الخلفاء كان يعمل بها، واستمرت كذلك مدة الخلفاء الفاطميين، ثم تفرقت دورا ودروبا، وكان لغلمان الوزير المذكور مساكن حول داره. (اه). (أقول): ونسب الخط إليها، فصار يعرف بخط دار الديباج.
стр. 672
قال المقريزى: هذا الخط فيما بين خط البندقانيين والوزيرية، ومن جملته المدرسة الصاحبية ودرب الحريرى والمدرسة السيفية، وبقى معروفا بخط دار الديباج إلى أن سكن هناك الوزير صفى الدين عبد الله بن على بن شكر فى أيام العادل أبى بكر بن أيوب فصار يعرف بخط سويقة الصاحب
ويؤخذ مما حكاه المقريزى فى خططه أن هذه الدار كانت كبيرة جدا، وموضعها اليوم جميع الكتلة من المنازل والعطف المحدودة بأول درب سعادة من جهة جامع جقمق الذى تجاه عطفة الست بيرم إلى عطفة الصابونجية، وبشارع المنجلة من أول هذه العطفة إلى شارع الحطاب عند بيت الأمير فاضل باشا، ويجمع شارع الحطاب، وجميع شارع اللبودية إلى جامع جقمق المتقدم، فهذه حدود دار الوزارة التى أنشأها الوزير المذكور.
ويتوصل لهذه الخطة الآن من خمسة أبواب: أحدها كان بقرب قنطرة باب الخرق من عند الضريح المعروف بالست سعادة بجوار سراى الأمير منصور باشا تجاه الخليج، وهو محل أحد أبواب القاهرة الذى وضعه جوهر فى الجهة الغربية من السور، وسمى باب سعادة لدخول سعادة أحد غلمان المعز منه-كما تقدم. وثانيها تجاه قنطرة الأمير حسين محل الخوخة التى فتحها الأمير المذكور، وكان بداخل هذا الباب معمل معد لتشغيل شمع العسل، وقد زال الآن ودخل محله فى جنينة السراى المذكورة. وثالثها بقرب قنطرة الموسكى، وهو باب الخوخة، والعامة تقول إن سعادة علم على جارية زنجية من قهرمانات الناصر محمد بن قلاوون ويزعمون أن الحارة منسوبة إليها، وليس كذلك لأن الحارة اسمها الوزيرية، وسعادة هو غلام المعز الذى نسب إليه باب القاهرة، كما عرفت ذلك. ورابعها بالقرب من باب حارة الجودرية وخامسها بجوار جامع الحبشلى.
وبها الآن من المدارس:
المدرسة البوبكرية بجوار حارة الفرن، عرفت باسم منشئها الأمير سيف الدين اسنبغا ابن سيف الدين بكتمر البوبكرى الناصرى، ووقفها على فقهاء الحنفية، وأنشأ بجانبها حوض ماء وسقاية ومكتبا للأيتام، وذلك فى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، وبنى قبالتها جامعا، مات قبل إتمامه، ثم فى سنة خمس عشرة وثمانمائة جعل بها منبرا، وأقيمت فيها الجمعة. (انتهى)
стр. 673
«مقريزى»). (قلت): وهى باقية إلى الآن، وشعائرها مقامة، وتعرف بجامع أسنبغا، وبجامع الشرقاوى نسبة لخطيبها الشيخ محمد الشرقاوى. وأما الجامع الذى بنى قبالتها فليس له أثر اليوم بالكلية.
والمدرسة القطبية هى داخل حارة الفرن، منسوبة لاسم منشئها الأمير قطب الدين خسرو بن بلبل بن شجاع الهدبانى-أحد أمراء السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب-قال المقريزى:
أنشأها سنة سبعين وخمسمائة، وجعلها وقفا على فقهاء الشافعية. (انتهى). (قلت) وهى باقية إلى وقتنا هذا مقامة الشعائر، وتعرف بجامع أبى الفضل، لأن بلصقها ضريحا يعرف بالشيخ أبى الفضل-
والمدرسة الفارقانية، نسبة إلى الأمير شمس الدين آق سنقر الفارقانى السلاحدار. قال المقريزى: أنشأها، وجعل بها درسا للشافعية والحنفية، وفتحت يوم الاثنين رابع جمادى الأولى سنة ست وسبعين وستمائة. (انتهى). (قلت): وهى موجودة إلى الآن، وشعائرها مقامة، وتعرف بجامع جقمق، وبجوارها سبيل يعلوه مكتب.
وجامع الحبشلى برأس عطفة النبوية، به منبر وخطبة، وله منارة، وشعائره مقامة إلى الآن من أوقافة بنظر الديوان.
وهناك من الأضرحة: ضريح الست صفية، وقد دخل الآن فى سراى الأمير منصور باشا، وضريح آخر تجاه شبابيك مطبخ السراى المذكور، وضريح يعرف بالشيخ عبد الله، وضريحان للأربعين: أحدهما بجوار سراى الأمير إسماعيل باشا تمر كاشف، والآخر بآخر عطفة جامع البنات.
ومن الدور الكبيرة:
ترجمة الأمير أحمد كتخدا المعروف بالمجنون
دار ورثة المرحوم على برهان باشا، وكانت أولا مسكنا للأمير أحمد كتخدا المعروف بالمجنون. قال الجبرتى: هو الأمير المبجل أحمد كتخدا المعروف بالمجنون، أحد الأمراء المعروفين والقوانصة المشهورين، من مماليك سليمان جاويش القازدغلى، ثم انضوى إلى عبد الرحمن كتخدا وانتسب إليه، وعرف به، وأدرك الحوادث والفتن التليدة والطارفة، ونفى مع من نفى فى إمارة على بك الغزاوى فى سنة ثلاث وسبعين إلى بحرى، ثم إلى الحجاز، وأقام
стр. 674
بالمدينة المنورة نحو اثنتى عشرة سنة وقادا بالحرم المدنى، ثم رجع إلى الشام، وأحضره محمد بيك أبو الذهب إلى مصر وأكرمه ورد إليه بلاده وأحبه واختص به، وكان يسامره ويؤنس بحديثه ونكاته، فإنه كان يخلط الهزل بالجد، ويأتى بالمضحكات فى خلال المقبضات، فلذلك سمى بالمجنون، وكانت بلد ترسا بالجيزة جارية فى التزامه، وعمر بها قصرا، وأنشأ بجانبه بستانا عظيما زرع فيه أصناف الأشجار والنخيل والرياحين، وكذلك أنشأ بستانا بجزيرة المقياس فى غاية الحسن، وبنى بجانبه قصرا يذهب إليه فى بعض الأحيان. ولما حضر حسن باشا إلى مصر ورأى هذا البستان أعجبه، فأخذه لنفسه وأضافه إلى أوقافه، وبنى داره التى بالقرب من الموسكى داخل درب سعادة، ودارا على الخليج المرخم أسكن فيها بعض سراريه، وكان له عزوة ومماليك ومقدمون وأتباع، وإبراهيم بيك أوده باشا من مماليكه، ورضوان كتخدا الذى تولى بعده كتخدا الباب، وكان مقدمه فى المدد السابقة يقال له المقدم فودة، له شأن وصولة بمصر، وشهرة فى القضايا والدعاوى، ولم يزل طول المدد السابقة جاويشا، فلما كان آخر مدة حسن باشا قلدوه كتخدا مستحفظان، ولم يزل معروفا مشهورا فى أعيان مصر إلى أن توفى فى خامس شعبان من سنة إحدى ومائتين وألف. (انتهى).
ودار البرديسى، وهى دار كبيرة داخل عطفة جامع البنات، ودار الأمير إسماعيل باشا تمر كاشف بها جنينة كبيرة، ودار ورثة المرحوم توفيق بيك، ودار الست أم حسين بيك، بها جنينة كبيرة، ودار السنانكلى، ودار ورثة المرحوم الحاج سلامة القمصنجى، بها جنينة صغيرة، وغير ذلك من الدور الكبيرة والصغيرة.
وبالجملة فهى من أشهر حارات القاهرة وأقدمها، إلا أنها الآن قد اختلطت عند العامة بحارة المحمودية، المعروفة اليوم بالأشراقية، وصار درب سعادة يطلق على الحارتين معا، لكن ما يقرب من جامع المؤيد يسمى بالأشراقية، لأن هناك وكالة معدة لبيع الأشراق وحطب الوقود.
وهذا آخر ما تيسر لنا من الكلام على وصف شارع درب سعادة قديما وحديثا.
ثم نبين الشارع الطوالى الذى ابتداؤه آخر شارع الدرب الأحمر بقرب باب زويلة،
وانتهاؤه آخر شارع الصنافيرى من بحرى جامع الطباخ فنقول:
هذا الشارع طوله ألف متر وثلثمائة وسبعون مترا، وينقسم ستة أقسام:
стр. 675
القسم الأول: شارع باب زويلة
أوله من بوابة المتولى، وآخره أول شارع تحت الربع، عرف بذلك لأن بأوله باب زويلة قال المقريزى: كان باب زويلة عندما وضع القائد جوهر القاهرة بابين متلاصقين بجوار المسجد المعروف اليوم بسام بن نوح، فلما قدم المعز إلى القاهرة دخل من أحدهما، وهو الملاصق للمسجد الذى بقى منه اليوم عقد، ويعرف بباب القوس، فتيامن الناس به، وصاروا يكثرون الدخول والخروج منه، وهجروا الباب المجاور له حتى جرى على الألسنة أن من مر به لا تقضى له حاجة. قال: وقد زال هذا الباب ولم يبق له أثر اليوم.
فلما كانت سنة خمس وثمانين وأربعمائة بنى أمير الجيوش بدر الجمالى باب زويلة الكبير، الذى هو باق إلى الآن، ثم قال: وقد أخبرنى من طاف البلاد ورأى مدن المشرق أنه لم يشاهد فى مدينة من المدائن عظم باب زويلة، ولا يرى مثل بدنتيه اللتين عن جانبيه، ومن تأمل الأسطر التى كتبت على أعلاه من خارجه فإنه يجد فيها اسم أمير الجيوش والخليفة المستنصر، وتاريخ بنائه. وقد كانت البدنتان أكبر مما هما الآن بكثير. هدم أعلاهما الملك المؤيد شيخ لما بنى الجامع داخل باب زويلة، وعمل على البدنتين منارتين. (انتهى).
وعن يسار المارّ به تجاه باب زويلة سبيل يعرف بسبيل الدهيشة، وبجواره مدرسة الدهيشة التى أنشأها الملك الناصر فرج بن برقوق على يد الاستادار جمال الدين يوسف، وكذا السبيل والمكتب الذى يعلوه، وهذه المدرسة تعرف اليوم بزاوية الدهيشة، بأعلاها مساكن، وشعائرها مقامة من أوقافها بنظر السيد محمد القادرى.
ثم باب شارع القربية، وسيأتى بيانه فى محله إن شاء الله تعالى.
стр. 676
ثم عطفة الجلشنى، عرفت بذلك لأن بأولها تكية أنشأها الشيخ إبراهيم الجلشنى سنة تسعين وثمانمائة، وجعل بها بيوتا للصوفية، ومحلا لإقامة الصلوات والأذكار، وأنشأ له قبة مرتفعة دوائرها مصنوعة بالقيشانى، لما مات دفن تحتها، وهى عامرة إلى اليوم بالدراويش. ويعمل بها حضرة كل أسبوع، ومولد كل عام.
وأما جهة اليمين فبها زاوية أبى النور تحت الإيوان الغربى من الجامع المؤيدى، شعائرها مقامة، وبها ضريح يعرف بسيدى على أبى النور، يعمل له حضرة كل ليلة جمعة، ومولد كل عام. والذى فى كتاب «المزارات» للسخاوى أنه الشيخ عبد الحق حيث قال فى وصف الجامع المؤيدى: وتحت الإيوان الغربى من هذا الجامع زاوية الشيخ عبد الحق، وهو مسجد قديم، به صورة قبر تقول عليه العامة إنه أبو الحسن النورى، وليس بصحيح، وإنما المسجد يسمى مسجد النور، جدّد بناؤه سنة أربع وخمسين وستمائة. (انتهى).
وتجاه هذه الزاوية وكالة تعرف بوكالة الشماشرجى، معدة للسكنى.
وبهذا الشارع قراقول باب زويلة، ويعرف بقراقول المتولى، مقيم به معاون ثمن الدرب الأحمر.
***
стр. 677
القسم الثانى: شارع تحت الربع
يبتدئ من آخر شارع باب زويلة بجوار تكية الجلشنى، وينتهى لأول شارع باب الخرق من عند درب المذبح. عرف بذلك من أجل الربع الذى أنشأه الملك الظاهر بيبرس، ووقفه على مدرسته التى بخط بين القصرين تجاه المارستان المنصورى. وهذا الربع كان بين باب زويلة وباب الفرج-أحد أبواب القاهرة-الذى محله الآن غربى حمام المؤيد بداخل حارة الأشراقية.
وذكر المقريزى فى ترجمة كنيسة الزهرى أن هذا الربع قد احترق من ضمن ما احترق فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وكان يشتمل على مائة وعشرين بيتا، وتحته قيسارية الفقراء (انتهى). (قلت): فيظهر من ذلك أنه كان كبيرا ممتدا من باب زويلة إلى العطفة القريبة من زاوية قاسم.
[سوق الأقباعيين]
وكان بهذا الخط أيضا سوق يعرف بسوق الأقباعيين. قال المقريزى: هو خارج باب زويلة بخط تحت الربع ممايلى الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة الخرق ما كان منه على يمنة من سلك إلى قنطرة الخرق، فإنه جار فى وقف الملك الظاهر بيبرس هو وما فوقه على المدرسة الظاهرية بخط بين القصرين وعلى أولاده، ولم يزل إلى يوم السبت خامس شهر رمضان سنة عشرين وثمانمائة فوقع الهدم فيه ليضاف إلى عمارة الملك المؤيد شيخ المجاورة لباب زويلة، وما كان من هذا السوق على يسرة من سلك إلى القنطرة فإنه جار فى وقف أقبغا عبد الواحد على مدرسته المجاورة للجامع الأزهر، وبعضه وقف امرأة تعرف بدنيا. (انتهى).
стр. 678
وعن يمين المارّ بهذا الشارع عطفة صغيرة تعرف بعطفة الحمّام، بداخلها أحد أبواب حمام المؤيد.
ثم عطفة الفرن، ويقال لها عطفة الهو، يتوصل منها لدرب سعادة من الفرن الذى هناك، وعلى رأسها سبيل حسن أغا الأزرقطلى، أنشأه سنة ست وأربعين ومائتين وألف، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال، وهما عامران إلى الآن من أوقافهما بنظر بنت الواقف.
ثم سبيل نذير أغا، أنشأه وجعل فوقه مكتبا فى سنة ثمان وخمسين ومائتين وألف، وهما عامران إلى الآن من أوقافهما بنظر رجل يدعى محمد الفراش.
ثم زاوية قاسم، يقال لها زاوية درب المذبح لأنها فى مقابلته. كانت متخربة فجددت من جهة الأوقاف وأقيمت شعائرها إلى الآن.
وأما جهة اليسار فبها رأس شارع حوش الشرقاوى المستجد، الموصل لشارع الداودية وغيره.
ثم الدرب المعروف بدرب الفرن، وهو درب صغير غير نافذ.
ثم جامع رشيد الدين، ذكره المقريزى فقال: هو خارج باب زويلة بخط تحت الربع، على يسرة من سلك من دار التفاح يريد قنطرة باب الخرق، بناه رشيد الدين البهائى (انتهى).
(قلت): وهو اليوم يعرف بجامع المرأة وبجامع المقشات، شعائره مقامة، وله منارة، وبه خطبة، وبداخله مقصورة من الخشب، بها قبران مكتوب على أحدهما: «هذا قبر الست فاطمة»، وليس على الآخر كتابة.
ثم درب المذبح، وهو درب كبير متصل بحوش الشرقاوى، به عدة بيوت، وضريح يعرف بضريح سيدى محمد زرع النوى وليس بنافذ.
هذا وصف شارع تحت الربع قديما وحديثا.
***
стр. 679
القسم الثالث: شارع باب الخرق
ابتداؤه من آخر شارع تحت الربع، وانتهاؤه أول شارع غيط العدة بجوار مسجد السلطان شاه.
وعن يسار المارّ به:
حارة كوم الصعايدة، بها خمسة أزقة وهى غير نافذة.
ثم قنطرة باب الخرق الجديدة التى أنشئت عوضا عن القنطرة القديمة.
ثم باب شارع درب الطواب الموصل لسكة الخليج، وسيأتى بيانه.
وعن اليمين: عطفة الجباسة، ثم أحد أبواب حارة غيط العدة، ثم حمام البارودية، وهو حمام كبير برسم الرجال والنساء، جار فى ملك محمود باشا البارودى، والحاج محمد صبح شيخ الحمامية الآن.
وفى مقابلة هذا الحمام ضريح يعرف بالشيخ النحاس، يعمل له ليلة كل سنة فى شهر شعبان، وبجواره وكالة القمح الجديدة، معدة لبيع القمح ونحوه، وبأعلاها ربع معد للسكنى ولها بابان: أحدهما من الشارع، والآخر من حارة قواديس، وهى جارية فى ملك الحاج أحمد القماح والحاج محمد جاد الله. وهذه الوكالة أصلها بيت كبير كان يعرف ببيت أبى دفية، ثم بيع فى سنة تسعين بعد المائتين والألف للحاج أحمد القماح وشريكه الحاج محمد جاد الله، وبنى وكالة كبيرة يعلوها ربع. ونقلت وكالة القمح القديمة المعروفة بوكالة شريف باشا إلى هذه الوكالة، وصارت تعرف بوكالة القمح الجديدة إلى الآن.
стр. 680
ترجمة الأمير سليمان أغا أبى دفية
وأما أبو دفية المذكور فهو من الأمراء المصريين، ترجمه الجبرتى فقال: هو الأمير سليمان أغا أبو دفية القاسمى، مملوك خليل أغا تابع محمد بيك قطامش أغات باب العزب سابقا
وخليل أغا هذا هو الذى انتدب لقتل ذى الفقار بيك، وتزيا بزى أوده باشا البوابة، وكان شبيها به فى الصورة، وتحيل وأخذ معه نحو السبعين نفرا من القاسمية ومعهم المترجم، ودخلوا إلى بيت ذى الفقار وهم يقولون: قبضنا على أبى دفية. وكان ذو الفقار المذكور يريد قتله لحقد بينهما، وكان وقت دخولهم عليه جالسا بمقعد بيته مشمرا ذراعيه يريد الوضوء لصلاة العشاء، فلما وقفوا بين يديه قام على قدميه وقال: أين أبو دفية؟ فقال خليل أغا:
ها هو، وكان مغطيا رأسه وبيده قرابانة، فكشفوا رأسه فأراد ذو الفقار أن يوبخه، فأطلق أبو دفية القرابانة فى بطن ذى الفقار، وأطلق باقى الجماعة ما معهم من الطبنجات، فانعقدت الدخنة بالمقعد، ونزلوا على الفور.
وهذه هى الحيلة التى عملها خليل أغا أستاذ المترجم على قتل ذى الفقار بيك المذكور، ثم كانت الدائرة عليهم فقبضوا على خليل أغا وقتلوه، وكذلك عثمان أغا الرزاز، وكان بيته على الخليج-ومحله الآن البيت الكبير الذى على قنطرة باب الخرق المملوك لعبد الشافى التراب- وأما ما كان من شأن المترجم، فإنه ذهب إلى بيت مقدمه، ولبس زى بعض القواسة، وركب فرسه، وخرج فى وقت الفجر إلى جهة الشرقية، وذهب مع القافلة إلى غزة، ثم إلى الشام، وسافر منها إلى إسلامبول، ثم سافر إلى التترخان، فأعطى منصبا، وعمل مرزة، وتزوج بقونية، ولم يزل هناك حتى مات بعد سنة أربعين ومائة وألف. (انتهى).
[دار الست البارودية]
وفى مقابلة تلك الوكالة الدار المعروفة بدار الست البارودية بجوار دار الأمير سليمان أغا الوكيل-أحد الأمراء المصريين-وهى دار كبيرة جدا بداخلها حديقة متسعة. قال الجبرتى: وهذه الدار جعلت ديوانا للفردة فى أيام الفرنساوية، والآن جار تجديدها بمعرفة محمود باشا البارودى لأنها آلت إليه من جهة أمه، فهدم بابها، وعمل لها بابا عظيما مرتفعا، وجعل بعقوده ووجهته نقوشا غريبة وتقاسيم عجيبة جميعها فى الحجر النحيت.
стр. 681
[ترجمة الأمير إبراهيم كتخدا القازدغلى]
وفى سنة ستين ومائة وألف جددت هذه الدار من جهة الأمير إبراهيم كتخدا القازدغلى زوج بنت البارودى وهو-كما فى الجبرتى-الأمير الكبير إبراهيم كتخدا تابع سليمان كتخدا القازدغلى، وسليمان هذا تابع مصطفى كتخدا الكبير القازدغلى، وخشداش حسن جاويش، استاذ عثمان كتخدا والد عبد الرحمن كتخدا المشهور، لبس الضلمة فى سنة ثمان وأربعين ومائة وألف، وعمل جاويشا، وطلع سردار قطار فى الحج فى إمارة عثمان بيك ذى الفقار سنة إحدى وخمسين ومائة وألف.
وفى تلك السنة استوحش منه عثمان بيك باطنا، لأنه كان شديد المراس قوى الشكيمة، وبعد رجوعه من الحج سنة اثنتين وخمسين ومائة وألف ذكره واشتهر صيته، ولم يزل من حينئذ ينمو أمره وتزيد صولته، وكان ذا دهاء ومكر وتحيّل ولين وقسوة وسماحة وسعة صدر وتودد وحزم وإقدام ونظر فى العواقب، ولم يزل يدبر على عثمان بيك، وضم إليه كتخداه أحمد السكرى ورضوان كتخدا الجلفى وخليل بيك قطامش وعمر بيك، حتى أوقع به على حين غفلة، وخرج عثمان بيك من مصر. فعند ذلك عظم شأنه، وزادت سطوته، واستكثر من شراء المماليك، وقلد عثمان مملوكه صنجقا، وهو الذى عرف بالجرجاوى، ولما قتل خليل بيك قطامش وعمر بيك بلاط وعلى بيك الدمياطى ومحمد بيك فى أيام راغب باشا بمخامرة حسين بيك الخشاب، ثم حصلت كائنة الخشاب وخروجه ومن معه من مصر انتهت رياسة مصر وسيادتها للمترجم وقسيمه رضوان كتخدا، ونفذت كلمتها، وعلت سطوتهما على باقى الأمراء والاختيارية الموجودين بمصر.
وتقلّد المترجم كتخدائية باب مستحفظان ثلاثة أشهر، ثم انفصل عنها، وقلد مملوكيه عليا وحسينا صنجقين، وكذلك رضوان كتخدا، وصار لكل منهما ثلاثة صناجق، واشتغل المترجم بالأحكام وقبض الأموال الميرية وصرفها فى جهاتها، وكذلك العلوفات وغلال الأنبار ومهمات الحج والخزينة ولوازم الدولة والولاة، وقسيمه رضوان كتخدا مشتغل بلذاته، ولا يتدخل فى شئ مما ذكر، واستكثر المترجم من شراء المماليك وقلدهم الأمريات والمناصب
стр. 682
وقلد إمارة الحج لمملوكه على بيك الكبير، وطلع بالحج ورجع سنة سبع وستين ومائة وألف.
وفى تلك السنة نزل على الحج سيل عظيم بمنزلة ظهر حمار، فأخذ معظم الحج بجمالهم وأحمالهم إلى البحر.
قال الجبرتى: وليس للمترجم مآثر أخروية ولا أفعال خيرية يدخرها فى ميعاده، ويخفف عنه بها ظلم خلقه وعباده، بل كان معظم اجتهاده الحرص على الرياسة والإمارة. وعمر داره التى بخط قوصون بجوار دار رضوان كتخدا والدار التى بباب الخرق، وهى دار زوجته بنت البارودى، والقصر المنسوب إليها أيضا بمصر القديمة، والقصر الذى عند سبيل قيماز بالعادلية، وزوّج الكثير من مماليكه نساء الأمراء الذين ماتوا، وأسكنهم فى بيوتهم، وعمل وليمة لمصطفى باشا وعزمه فى بيته بحارة قوصون فى سنة ست وستين ومائة وألف، وقدّم له تقادم وهدايا، وأدرك المترجم من العز والعظمة ونفاذ الكلمة وحسن السياسة واستقرار الأمور ما لم يدركه غيره بمصر، ولم يزل فى سيادته حتى مات على فراشه فى شهر صفر سنة ثمان وستين ومائة وألف. (انتهى).
ترجمة أحمد أغا البارودى
ثم سكن داره مملوكه أحمد أغا البارودى، وهو-كما فى الجبرتى أيضا-الجناب المكرم الأمير أحمد أغا البارودى مملوك إبراهيم كتخدا القازدغلى. تزوج بابنته التى من بنت البارودى وسكن معها فى بيتهم المشهور، وولد له منها أولاد ذكور وأناث، منهم إبراهيم جلبى وعلى ومصطفى. تقلد المترجم فى أيام على بيك مناصب جليلة مثل أغاوية المتفرقة، وكتخدا الجاوشية وكان إنسانا حسنا صافى الباطن لا يميل طبعه لسوى فعل الخير، يحب أهل العلم وممارستهم، ولم يزل على حسن حالته حتى توفى فى سابع جمادى الأولى من سنة ثمان وثمانين ومائة وألف.
وكان له فى منزله خلوة ينفرد فيها بنفسه ويخلع ثياب الأبهة ويلبس كساء من صوف أحمر على بدنه، ويأخذ بيده مسبحة كبيرة يذكر ربه عليها.
ترجمة محمد أغا البارودى
ثم تزوج بزوجته مملوكه محمد أغا البارودى. قال الجبرتى: رباه سيده أحمد أغا، وجعله خازن داره، وعقد له على ابنته، فلما توفى سيده فى سنة ثمان وثمانين طلقها وتزوج
стр. 683
بزوجة سيده بنت إبراهيم كتخدا من الست البارودية، وهى أم أولاده إبراهيم وعلى ومصطفى الذين تقدم ذكرهم، والتى كان عقد عليها كانت من غيرها، فتزوجها حسن كاشف أحد أتباعهم.
تنبه المترجم، وتداخل فى الأمراء والأكابر، وانضوى إلى حسن كتخدا الجربان، عندما كان كتخدا مراد بيك فقلّده فى الخدم والقضايا، وأعجبته سياسته فارتاح إليه، وكان حسن كتخدا المذكور تعتريه النوازل فينقطع بسببها أياما بمنزله فينوب عنه المترجم فى الكتخدائية عند مراد بيك فيحسن الخدمة والسياسة ويستجلب له المصالح فأحبه وأعجب به وقلده الأمور الجسيمة وجعله أمين الشون، فعند ذلك اشتهر ذكره، ونما أمره، واتسع حاله، وانفتح بيته، وقصدته الناس، وتردد إليه الأعيان فى قضاء الحوائج، ووقفت ببابه الحجاب، واتخذ له ندماء وجلساء من اللطفاء وأولاد البلد يجلس معهم حصة من الليل ينادمونه ويسامرونه، ويشرب معهم.
وماتت زوجته ابنة سيد سيده من بنت البارودى، فزوّجه مراد بيك أكبر محاظيه أم ولده أيوب، وأتت إلى بيته بجهاز عظيم، وصار بذلك صهرا المراد بيك، وزادت شهرته ورفعته.
فلما حصلت الحوادث ووصل حسن باشا وخرج مراد بيك من مصر لم يخرج معه، واستمر بمصر، فقبض عليه إسماعيل بيك وحبسه مع عمر كاشف بيته، ثم نقلهما إلى القلعة بباب مستحفظان مدة، فلم يزل المترجم حتى صالح عن نفسه وأفرج عنه، وتقيد بخدمة إسماعيل بيك وتداخل معه حتى نصبه فى كتخدائيته، وأحبه واحتوى على عقله، فسلم إليه قياده فى جميع أشغاله، وارتاح إليه وجعله أمين الشون والضربخانة وغيرهما، فعظم شأنه، وطار صيته بالأقاليم المصرية، وكثر الازدحام ببابه، وجبيت إليه الأموال، وصار الإيراد إليه، والمصرف من يده، فيصرف جماكى العساكر ولوازم الدولة وهداياها ومصاريف العمائر والتجاريد واحتياجات أمير الحج، وغير ذلك بتؤدة وزياقة، وحسن طريقة من غير شعور لأحد من الناس بشئ من ذلك.
стр. 684
وزوّج ابنة سيده لخازن داره على أغا، وعمل لهما مهما عظيما عدة أيام، وحضر إسماعيل بيك والأمراء والأعيان، وأرسلوا إليه الهدايا العظيمة، وكذلك جميع التجار والنصارى، والكتاب القبط، ومشايخ البلدان.
وبعد تمام أيام العرس ولياليه بالسماعات والآلات والملاعب والنقوط عملوا للعروس زفة بهيئة لم يسبق نظيرها، ومشى جميع أرباب الحرف وأرباب الصنائع مع كل طائفة عربة وفيها هيئة صناعتهم ومن يشتغل فيها مثل القهوجى بآلته وكانونه، والحلوانى والفطاطرى، والحباك والقزاز بنوله، حتى مبيض النحاس والحيطان والمعاجينى، وبياع البز، وأرباب الملاهى، والنساء المغنيات وغيرهم، كل طائفة فى عربة، وكان مجموعها نيفا وسبعين حرفة، وذلك خلاف الملاعب والبهلوانية والرقاصين والحنك، ثم الموكب، وبعده الأغوات والحريم والملازمون والسعاة والجاويشية، وبعد ذلك عربة العروس من صناعة الفرنج بديعة الشكل، وبعدها مماليك الخزنة واللابسو الزروخ، وبعدهم النوبة التركية والنقيرات، فجاءت زفة غريبة الوضع لم يتفق مثلها بعدها.
وبلغ المترجم فى هذه الأيام من العظمة ما لم يبلغه أحد من نظائره، فكان إذ توجهت همته إلى أى شئ أتمه على الوجه الذى يريده، ويقبل الرشوة، وإذا أحب إنسانا قضى له أشغاله كائنة ما كانت من غير شئ.
ثم لما مات مخدومه إسماعيل بيك، وتعين بعده فى الإمارة عثمان بيك طبل استوزره أيضا وسلمه قياده فى جميع أموره، ولم يزل على ذلك إلى أن مات فى غرة رمضان سنة خمس ومائتين وألف، وذلك بعد موت إسماعيل بيك بأربعة عشر يوما، وبموته ارتفع الطاعون، وقيل فى ذلك:
وإذا كان منتهى العمر موتا … فسواء طويله والقصير
(انتهى ملخصا).
وهذا آخر ما تيسر لنا من الكلام على وصف شارع باب الخرق قديما وحديثا.
***
стр. 685
القسم الرابع: شارع غيط العدة
ابتداؤه من آخر شارع باب الخرق بجوار مسجد السلطان شاه، وانتهاؤه أول شارع الجميزة تجاه شارع عابدين.
وبه من جهة اليسار: حارة قواديس، يسلك منها لشارع عابدين وغيره، وعلى رأسها سبيل أنشأه إسماعيل بيك ابن المرحوم راتب باشا الكبير، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال، وبها جامع ابن الرفعة، وهو مسجد قديم. قال المقريزى: أنشأه الشيخ فخر الدين ابن عبد المحسن بن الرفعة بن أبى المجد العدوى. (انتهى). (قلت): وهو الآن متخرب وليس به آثار تدل على تاريخ إنشائه وبداخله ضريح منشئه متهدم وفى مقابلته من الجهة الأخرى ضريح داخل مزار صغير يعرف بالشيخ قواديس، ولذلك اشتهر الجامع بجامع قواديس.
وابن الرفعة هذا غير ابن الرفعة الإمام المشهور، أحد أئمة الشافعية ﵁.
وقد صار اليوم هذا الجامع بجوار حافة الشارع الجديد الذى فتح بأمر الخديو إسماعيل باشا شرقى سراى عابدين عن يسار السالك من أول هذا الشارع طالبا رحبة عابدين فى مقابلة السور الذى به باب السراى الشرقى، وكان فى محل هذا الباب رأس الشارع الممتد إلى حارة الزير المعلق، وكان بجوار جامع عابدين بيك من بحريه، وكان يتوصل منه إلى الدرب الجديد وإلى حارة الزير المعلق وغير ذلك. وكان به سراى محو بيك التى صارت أخيرا ملكا لاسماعيل صديق باشا الشهير بالمفتش، وسراى خورشيد وسراى شربتلى باشا وعدة من البيوت الكبيرة
стр. 686
والصغيرة، وقد دخل الجميع فى سراى عابدين، وصار الآن محل الدرب الجديد، وحارة الزير المعلق سلاملك وحوش سراى القبلى، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها.
وأما جهة اليمين: فبأولها جامع السلطان شاه وهو من الجوامع القديمة، ذكره المقريزى ولم يترجمه، تخرب وبقى كذلك إلى أن جدده الخديو إسماعيل باشا سنة تسع وثمانين ومائتين وألف، فصار مقام الشعائر إلى الآن، وبداخله ضريح منشئه عليه مقصورة من الخشب، ويعمل له مولد كل سنة فى أواخر شعبان.
[حارة غيط العدة]
ثم حارة غيط العدة، وهى حارة كبيرة، أرضها منخفضة عن أرض الشارع، لأنها كانت فى الأصل بستانا يعرف ببستان العدة. ذكره المقريزى فقال: هذا المكان من جملة الأحكار التي فى غربى الخليج، وهو بجوار قنطرة الخرق وبجوار حكر النوبى، قريب من باب اللوق تجاه الآدر المطلة على الخليج من شرقيه المقابلة لباب سعادة وحارة الوزيرية. كان بستانا جليلا، وقفه الأمير فارس المسلمين بدر بن رزيك أخو الصالح طلائع صاحب جامع الصالح خارج باب زويلة، ثم إنه خرب فحكر وبنى عليه عدة مساكن، وحكره يتعاطاه فارس المسلمين. (انتهى).
وهذه الحارة من الحارات المعتبرة قديما، وكان لا يسكنها إلا الأمراء والمعتبرون، وكانت فى غاية الضبط، فكانت أبوابها الثلاثة تغلق من بعد العشاء الأخيرة، ولا يصل إليها إلا من الباب الكبير الذى كان بقرب جامع الأمير حسين، وكان خفيرها إذا رأى إنسانا لا يعرفه لا يمكنه من الدخول فيها إلا إذا عرفه أنه داخل لفلان صاحب البيت الفلانى، فيذهب معه إلى البيت الذى أخبره عنه، وكان السالك بها لا يجد شباكا مفتوحا، ولا يسمح صوتا مرفوعا، وكان لأغنيائها عوائد حسنة من مساعدة فقرائهم ومواساتهم، إلى غير ذلك فى الخصال الحميدة، وبقيت كذلك إلى سنة خمسين ومائتين وألف، ثم أخذت تنقص عوائدها، وتقل فوائدها وتنقرض أمراؤها وتموت عظماؤها، حتى لم يبق منهم إلا النذر اليسير، وصارت كغيرها من باقي الحارات. ثم لما فتح شارع محمد على ومر بها جعلها أجزاء وصار يتوصل إليها من أبوابها الأصلية، ومن شارع محمد على المذكور.
وبها إلى الآن عشر عطف وستة دروب، على هذا الترتيب:
стр. 687
عطفة غريق الزيت هى فى مقابلة أحد أبواب الحارة التى بجوار سراى الأمير عباس باشا يكن المعروف بباب المنشر، عرفت بالشيخ محمد غريق الزيت المدفون بزاويته التى بداخلها المشهورة بزاوية غريق الزيت، وهى زاوية صغيرة شعائرها مقامة من أوقافها بمعرفة الديوان، وبها شجرة نبق كبيرة، ويعمل بها مولد لسيدى محمد غريق الزيت فى كل سنة، وفى مقابلتها بيت كبير للأمير محمد زكى باشا ناظر الأوقاف الآن.
ثم الدرب الأصفر، وهو درب صغير غير نافذ، وبآخره بيت الحاج أبى العلاء القصبجى أحد أسطاوات صناع المخيش والتلى، وهو من المشهورين بدقة هذه الصنعة.
ضريح سيدى على الجمل
وبقرب هذا الدرب ضريح داخل فى مزار صغير يعرف بضريح سيدى على الجمل، للناس فيه اعتقاد كبير، وفى مقابلته بيت الشيخ على الجنيد، أحد الفقهاء المشهورين، ولد ببولاق، وبها حفظ القرآن واشتهر هناك شهرة تامة، وأنشأ له بيتا بها، ثم لما زادت شهرته وصار يطلب من بولاق ليقرأ بالقاهرة عند الأمراء والأعيان، وترتب فى شهر رمضان بسراى الخديو إسماعيل باشا، ومن بعده بسراى الخديوى توفيق باشا اشترى هذا البيت، ثم اشترى بجواره خربة، وجعلهما بيتا واحدا، وزخرفه، وغرس به بعض أشجار، وهو ساكن به إلى الآن.
ضريح الشيخ على البوصيلى
ثم عطفة المغاربة، وهى صغيرة غير نافذة، ولها باب يغلق عليها، وبجوارها بيت الأمير مصطفى بيك الهجين، بلصقه ضريح يعرف بالشيخ محمد البوصيلى، وهو بيت كبير به حديقة متسعة، فيها عدة من الأشجار المثمرة، والأغصان المزهرة، وبه سلاملك عظيم، جدده الأمير المذكور بعد وفاة والده، وجعل أرضيته بالرخام، وبالغ فى زخرفته وفرشه، وعلق به نجف البللور، وصار معدا لجلوس كل من تردد عليه من الأمراء ونحوهم.
ترجمة الأمير مصطفى بيك الهجين
وهذا الأمير هو مصطفى بيك الهجين ابن المرحوم حسن بيك الهجين ابن الحاج محمد الهجين ابن الحاج مصطفى الهجين التاجر الكبير والمعتبر الشهير صاحب الثروة الزائدة والهمة
стр. 688
العالية، بيتهم بيت مجد من قديم الزمان، ومناقبهم غنية عن البيان. كان الحاج مصطفى هذا من أصحاب الهمة والمروءة من الرجال المعدودين يرجع إليه فى حل المعضلات من القضايا، وكان سكنه بجهة الفحامين، وكان بيته دائما مفتوحا لكثرة الواردين عليه، والمترددين إليه، وكان محبا لفعل الخير، ويميل لأهل العلم والصلاح، ويعظمهم، ويقضى حوائجهم، ويرأف بالفقراء والمساكين، ويتصدق عليهم. اقتنى كثيرا من الأموال والأملاك، ووقف أوقافا جمّة، خصّ أغلبها بجهات البر والإحسان-رحمه الله تعالى-ثم اشتهر من بعده ولده الحاج محمد الهجين، وصار من التجار المعتبرين، وفتح بيت أبيه، وأجرى مرتباته الخيرية، وصدقاته السرية، واستمر مبجلا إلى أن مات رحمه الله تعالى.
ترجمة الأمير حسين بيك الهجين
ثم من بعده اشتهر ولده الأمير حسن بيك الهجين، وصار من المعتبرين أصحاب الثروة مثل جده، بل زادت شهرته، وكثرت ثروته زيادة عن جده، واقتنى الكثير من الأموال والأطيان والأملاك، وترددت عليه الأمراء والأعيان، وعرفته الحكومة، وصار من أعضاء المجالس التجارية، وأنعم عليه الخديو إسماعيل باشا برتبة ميرالاى، واشترى البيت الكبير الذى بغيط العدة، وانتقل إليه من بيته الكائن بالفحامين، وبقى ساكنا به إلى أن توفى بعد سنة ثمانين ومائتين وألف-﵀.
وقبل وفاته وقف جميع أطيانه وأملاكه على ذريته، وجعل القيم على ذلك أكبر أولاده الأمير مصطفى بيك المذكور. وقد اشتهر أيضا-مثل أبيه-واجتهد فى إصلاح ما يخصه، ويعنيه، وعرفته الأمراء والأعيان، وترددت عليه، وانتدب فى الحكومة مثل أبيه، وأنعم عليه الخديو توفيق باشا برتبة الميرالاى، لما رآه فيه من الأهلية واللياقة، ثم برتبة المتمايز وهو إنسان لا بأس به.
حارة ابن دقيق العيد
ثم تجد بعد عطفة المغاربة حارة ابن دقيق العيد؛ بأولها منزل على أفندى البطراوى، ابن المرحوم أحمد أفندى البطراوى ابن الحاج على البطراوى صاحب الشهرة الكبيرة، وريس طائفة العطارين فى زمن العزيز محمد على.
стр. 689
عطفة الشيخ جوهر
ثم تجد عن يسارك عطفة الشيخ جوهر، وهى عطفة طويلة؛ أولها من عند بيت محمد أفندى صبح، وآخرها رحبة الأمير دبوس أغلى الآتى ذكرها، وبوسطها جامع الشيخ جوهر الذى عرفت به. كان أول أمره مدرسة أنشأها الأمير جوهر المعينى الحبشى، وقرر بها درسا وقارئا للبخارى، وذلك فى القرن التاسع كما فى «الضوء اللامع» -للسخاوى. وبقيت على ذلك إلى أن خربت، فجددها الأمير محمد بيك دبوس أغلى، وجعلها جامعا بمنبر وخطبة، وعمل لها منارة، وبنى بها صهريجا، وذلك فى سنة تسع وعشرين ومائتين وألف، ووقف عليها أوقافا كثيرة، وأقيمت شعائرها إلى الآن، وعرفت بجامع الشيخ جوهر.
درب العوالم
ثم درب العوالم، له بابان: أحدهما من عطفة الشيخ جوهر، والآخر من رحبة دبوس أغلى، وبأحد بيوته ضريح يقال له ضريح الشيخ محمد.
ثم عطفة الجنينة. كانت غير نافذة، وبآخرها جنينة متسعة، تعرف بجنينة دبوس أغلى، أنشأها الأمير محمد بيك دبوس أغلى، ووقفها على جامع الشيخ جوهر بعد بنائه له، وعند فتح شارع محمد على أخذت هذه الجنينة فى الشارع، وصار يسلك منه لحارة غيط العدة من عطفة الجنينة المذكورة.
ثم درب الزيتونة غير نافذ، وعلى رأسه بيت أحمد بيك سعد وكيل دائرة والدة إسماعيل الخديو السابق.
ثم عطفة الباجورية، عرفت ببيت كبير يعرف ببيت الست الباجورية كائن بها، وبقربه ضريح يعرف بالشيخ محمد أبى قدرة، وبالقرب من هذا الضريح زاوية صغيرة مهجورة بجوار مستوقد حمام البارودية بها ضريح يعلوه قبة يعرف بسيدى محمد بن دقيق العيد، للناس فيه اعتقاد كبير، وبعض الناس يقول إنه من ذرية ابن دقيق العيد الإمام الكبير وكان عالما زاهدا مقيما بهذه الزاوية، ولما مات دفن بها، رحم الله الجميع.
стр. 690
ثم تجد بقرب هذه الزاوية أحد أبواب الحارة المعروف بباب الدحديرة، يسلك منه لشارع باب الخرق.
ثم ترجع إلى داخل الحارة فتجد بوسطها رحبة كبيرة تعرف برحبة دبوس أغلى، بدائرها بيوت أولاد المرحوم حسين بيك دبوس أغلى ابن المرحوم محمد بيك دبوس أغلى، الأمير الكبير صاحب الشهرة العظيمة فى زمن العزيز محمد على باشا، وبيته الأصلى موجود إلى الآن بهذه الرحبة، إلا أنه تشعث وجعل به عدة مساكن وورشة معدة لتشغيل المخيش والتلى تابعة للحاج أبى العلاء القصبجى المتقدم ذكره.
وبهذه الرحبة أيضا سبيلان: أحدهما من إنشاء الأمير محمد بيك المذكور، وأنشأه سنة سبع وأربعين ومائتين وألف، وجعل فوقه مكتبا لتعلم الأطفال، وهو عامر إلى الآن بنظر الأمير مختار بيك من ذرية المنشئ، والثانى من إنشاء الست المعروفة بالعنتبلية، يعلوه مكتب، وهو عامر إلى الآن بنظر بعض الأهالى، وبوسطها شجرة لبخ عظيمة جدا بجانبها بجمون يجئ فيه ماء النيل من الخليج بواسطة مجرى معقود تحت الأرض، ممتدا إلى الخليج، يفتح فى كل سنة أربعة أشهر النيل، وتملأ منه الأسبلة التى هناك، وينتفع بمائه أهل الحارة وغيرها بدون عوض، وهو من إنشاء الأمير محمد بيك المذكور، رحم الله الجميع.
عطفة شعبان أغا
ثم تجد بعد خروجك من تلك الرحبة قاصدا شارع محمد على عطفة صغيرة على يسارك، تعرف بعطفة شعبان أغا.
ثم تجد بعد هذه العطفة من جهة اليمين زاوية تعرف بزاوية الشيخ ضرغام، أخذ منها جزء فى شارع محمد على، ذهب فيه مطهرتها ومرافقها، ثم جددت من جهة الأوقاف فى سنة ثلاث وتسعين ومائتين وألف، إلا أنه لم يجعل بها مطهرة لذهاب بئرها، وهى مرتفعة يصعد إليها بدرج، وتحتها أربعة حوانيت موقوفة عليها، وبداخلها ضريح الشيخ محمد ضرغام، يعمل له مقرأة كل أسبوع، ومولد كل عام، وشعائرها مقامة إلى الآن بنظر الديوان.
стр. 691
وفى مقابلة هذه الزاوية حارة كبيرة تعرف بحارة الشيخ ضرغام، على يمين المارّ بها عطفة صغيرة غير نافذة يقال لها عطفة الشويش، وفى صفها عطفة أخرى مثلها تعرف بعطفة سيدى موسى.
تكية الغنامية
وتجاه عطفة سيدى موسى هذه حارة الشيخ غنام، بوسطها تكية لطيفة، تعرف بتكية الغنامية، بها ضريح الشيخ محمد غنام داخل مزار صغير، وبها محل معد لإقامة الصلاة، ومساكن للدراويش، ومغروس بها بعض أشجار ونخيل، وفيها بئر معينة، وبجمون يجئ فيه ماء النيل من الخليج، وبها عدة قبور، منها قبر الأمير محمد بيك دبوس أغلى المذكور، عليه تركيبة من الرخام ومقصورة من الخشب ويعمل بها مولد كل عام، وشعائرها مقامة من أوقافها بمعرفة ناظرها، وشيخها الشيخ محمود الكردى.
وبجوار هذه التكية حوش كبير معروف بحوش أبى الشوارب من ضمن أوقاف الأمير رضوان بيك الشهير بأبى الشوارب المدفون تجاه جامعه المعروف الآن بجامع شريف باشا، وقد ذكرنا ترجمته هناك بشارع العشماوى. وكان نظر هذا الحوش للست البارودية والدة محمود باشا البارودى لأنها كانت من المستحقين فى وقف أبى الشوارب المذكور ثم لما كبرت تنازلت عنه لولدها محمود المذكور، ثم لما عصى الحكومة جرد ونفى، وهو الآن تحت نظر الديوان.
درب السكرى
ثم بعد أن تخرج من حارة الشيخ ضرغام وتمر بشارع محمد على تجد فى مقابلتك باقى حارة غيط العدة الذى فصله الشارع فتنزل منحدرا فتجد عن يسارك باب الدرب المعروف بدرب السكرى، قطعه الشارع وسار معظمه على يسار المارّ منه.
درب العنبة
ثم تنعطف عن يمينك وأنت عند باب درب السكرى وتمشى قليلا فتجد باب درب العنبة، وهو درب صغير قطعه الشارع أيضا، وصار يسلك إليه منه بجوار بيت محمد أمين بيك الحكيم.
стр. 692
درب الأنصارى
ثم تخرج من درب العنبة وتمشى قليلا تجد درب الأنصارى، بأوله بيت السيد إبراهيم المويلحى والد السيد عبد الخالق المويلحى والد عبد السلام بيك المويلحى الموجود الآن. وكان بآخره زاوية تعرف بزاوية الأنصارى، بها ضريح الشيخ محمد الأنصارى، الذى عرف الدرب به، فلما فتح شارع محمد على زالت هذه الزاوية ونقلت جثة الشيخ محمد المذكور، فدفنت بالقطعة الصغيرة التى بقيت بحافة الشارع تجاه بيت الحاج محمد القصبجى الذى هناك.
ثم لما تخرج من درب الأنصارى تجد عن يسارك الحمام المعروف بحمام القزازية، وهو حمام صغير برسم الرجال والنساء، وبجواره جامع الأمير حسين.
ترجمة الأمير حسين
قال المقريزى: كان موضعه بستانا بجوار غيط العدة، أنشأه الأمير حسين بن أبى بكر ابن إسماعيل بن حيدر بيك مشرف الرومى. قدم مع أبيه من بلاد الروم إلى ديار مصر سنة خمس وسبعين وستمائة، وتخصص بالأمير حسام الدين لاجين المنصورى قبل سلطنته، فكانت، له منه مكانة مكينة، وصار أمير شكار، وأنشأ أيضا القنطرة المعروفة بقنطرة الأمير حسين على خليج القاهرة، وفتح الخوخة بسور القاهرة بجوار الوزيرية. توفى فى سابع المحرم سنة تسع وعشرين وسبعمائة. (انتهى).
(قلت): وأكثره الآن متخرب، وإنما يصلى فى بعض بوائكه الغربية من المنبر، وله بابان: أحدهما-وهو الكبير-بجوار الحمام، وعلى عقده منارة مرتفعة من الحجر دقيقة الصنعة، والآخر من جهة حارة المناصرة، وبه بئر وصهريج وبعض أشجار، وله أوقاف تحت نظر الديوان.
مدرسة ابن عرام
وفى مقابلة بابه الكبير زريبة متسعة تحت يد الشيخ العباسى-مفتى الديار المصرية سابقا- كانت أول أمرها مدرسة تعرف بمدرسة ابن عرام. قال المقريزى: هى بجوار جامع الأمير
стр. 693
حسين، أنشأها الأمير صلاح الدين خليل بن عرّام فى القرن الثامن. كان من فضلاء الناس وشارك فى العلوم. (انتهى).
(قلت): وفى وقتنا هذا قد زالت هذه المدرسة بالكلية، ولم يبق من آثارها إلا الباب والساقية، ووضع يده عليها الشيخ المهدى بعد أجداده، وأكراها لجماعة جعلوها زريبة ماشية فعرفت بالزريبة إلى الآن، فسبحان من لا يتغير ولا يزول.
وبالجملة فحارة غيط العدة المذكورة حارة كبيرة أشبه ببلد، تشتمل على مساجد وزوايا وأضرحة وتكايا ومكاتب وأسبلة وحمامات وطواحين وأفران وغير ذلك.
وهذا آخر ما تيسر لنا من كلام على وصفها مع شارعها قديما وحديثا.
***
стр. 694
القسم الخامس: شارع جميزة
يبتدئ من آخر شارع غيط العدة، وينتهى لأول شارع الصنافيرى.
وبه من جهة اليمين دار للأمير عباس باشا يكن، وهى دار كبيرة بها جنينة متسعة، ثم دار الست الشامية-إحدى زوجات الأمير شريف باشا الكبير-وهاتان الداران كانتا فى الأصل دارا واحدة تعرف بدار ولى أفندى، ثم انقسمت دورا كما هى الآن.
ترجمة ولى أفندى
وولى أفندى هذا هو-كما فى الجبرتى-الأمير الكبير أحد أكابر الدولة، ويقال له أيضا ولى خوجا، وهو كاتب خزينة الباشا قال الجبرتى: أنشأ الدار العظيمة التى بناحية باب اللوق، وأدخل فيها عدة بيوت ودورا جليلة ملاصقة لها من الجانبين، وبعضها مطل على البركة المعروفة ببركة أبى الشوارب، ثم قال: وقد صاهره الباشا، وزوّج ابنته لبعض أقارب الباشا الخصيصين به، وعمل له مهما عظيما احتفل فيه إلى الغاية، كل ذلك وهو متمرض وبقى كذلك إلى أن مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف، وضبطت تركته فوجد له كثير من النقود والجواهر والأمتعة وغير ذلك، فسبحان الحى الذى لا يموت. (انتهى).
ثم بعد دار الست الشامية جامع جميزة الذى سماه المقريزى بزاوية جميزة حيث قال: هذه الزاوية موضعها من جملة أراضى الزهرى بالقرب من معدية فريج، أنشأها الأمير سيف الدين جيرك السلاحدار المنصورى-أحد أمراء الملك المنصور قلاوون-سنة اثنتين وثمانين وستمائة وجعل فيها عدة من الصوفية. (انتهى). (قلت): هى مقامة الشعائر إلى الآن من أوقافها، وتعرف بجامع جميزة، وبها عرف هذا الشارع.
стр. 695
وأما معدية فريج المذكورة فيغلب على الظن أنها كانت فى محل قنطرة باب الخرق، لأنها لم تبن إلا فى زمن الصالح نجم الدين أيوب، ويقوى هذا ما وجد فى كتاب وقفية السلطان قايتباى من أنه وقف مكانا بخط معدية فريج بقرب درب الفواخير ودرب الفواخير هذا محله الآن حارة الشيخ مبارك التى بشارع سوق العصر القريبة من قنطرة باب الخرق، فيكون محل القنطرة ومحل المعدية المذكورة والله أعلم.
ثم بعد جامع جميزة دار الأمير كانى باشا، وهى دار كبيرة ووضعها قديم.
ثم رأس شارع الكرداسى، وسيأتى الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
ثم وكالة القمح القديمة، أنشأها الأمير شريف باشا الكبير، واشتهرت مدة، ثم لما بنيت الوكالة الجديدة التى بشارع باب الخرق انتقل إليه القماحون، ودثرت وكالة شريف باشا المذكورة، فاشتراها إسماعيل بيك ابن الأمير راتب باشا الكبير، وجعلها عربخانات للأجرة.
ثم بعد الوكالة الجامع المعروف بجامع حماد، وهو مسجد قديم جدده الأمير رجب أغا ابن الأمير أغا أغاى طائفة التفكشية وكتخدا الجاويشية، ووقف عليه أوقافا كثيرة، وذلك فى سنة أربع وسبعين وألف، وشعائره مقامة من أوقافه إلى الآن.
وبجوار هذا الجامع دار ورثة المرحوم السيد مجدى بيك الشاعر المشهور، وقد بسطنا ترجمته فى بلدته المعروفة بأبى رجوان من هذا الكتاب.
وفى مقابلتها ضريح سيدى حسن الأنور، المشروع فى عمارته من جهة ديوان الأوقاف بأمر الخديو توفيق باشا، وقد أشرف الآن على التمام.
***
стр. 696
القسم السادس: شارع الصنافيرى
أوله من آخر شارع جميزة بجوار قشلاق العساكر الذى استجد هناك، وآخره أول شارع أبى السباع بحرى جامع الطباخ. عرف بذلك لأن به ضريح الشيخ إسماعيل الصنافيرى داخل الزاوية المعروفة به، يعمل له مولد كل عام. وهذه الزاوية شعائرها مقامة إلى الآن من أوقافها التى منها الوكالة المعروفة بوكالة الصنافيرى بهذا الشارع.
وكان بأوله من جهة اليسار: جامع البر مشية بالجهة الغربية من القشلاق، أخذ بعضه فى تنظيم شارع عابدين، وباقيه فى القشلاق المذكور.
وبآخره الآن من جهة اليسار أيضا: الجامع المعروف بجامع الطباخ، وهو جامع قديم.
قال المقريزى: أنشأه الأمير جمال الدين أقوش، وجدده الحاج على الطباخ فى المطبخ السلطانى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، به منبر وخطبة، وله منارة، وشعائرة مقامة إلى الغاية من جهة الديوان، وقد ذكرنا ترجمة الحاج على هذا عند الكلام على جامعه من هذا الكتاب.
وهناك بقرب هذا الجامع سبيل قديم يعرف بسبيل الذهبى، وجبّاسة تعرف بجباسة أحمد ابن أبى غريب.
الميدان الصالحى
وهذا الشارع كان يعرف قبل التنظيم بشارع باب اللوق لأن به باب الميدان الصالحى، المعروف بباب اللوق كان بأوله قرب جامع الطباخ وآخر الميدان كان عند قنطرة قدا دار التى عرفت أخيرا بقنطرة المدابغ، لأنها كانت بقربها، وقد زالت فى تنظيم الإسماعيلية، ومحلها
стр. 697
الآن عند الزاوية الغربية البحرية لبيت حافظ بيك-شماشرجى الخديو السابق إسماعيل باشا- الكائن على الشارع المار تجاه بيت الأمير محمد باشا أبى سلطان.
وهذا الميدان كان أولا بستانا، كما ذكر ذلك المقريزى حيث قال: الميدان الصالحى كان بأراضى اللوق من بر الخليج الغربى، وموضعه الآن من جامع الطباخ بباب اللوق إلى قنطرة قدا دار التى على الخليج الناصرى، ومن جملته الطريق المسلوك الآن من باب اللوق إلى القنطرة المذكورة.
(قلت): وهذا الطريق عوضه الشارع الفاصل بين بيت أبى سلطان باشا وبيت يعقوب بيك القطاوى الذى آخره الشارع العام المسلوك فيه إلى قصر العينى ومصر القديمة.
ثم قال المقريزى: وكان أولا بستانا يعرف ببستان الشريف ابن ثعلب، فاشتراه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل محمد ابن الملك العادل أبى بكر بن أيوب بثلاثة آلاف دينار مصرية من الأمير حصن الدين ثعلب ابن الأمير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب الجعفرى فى شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وجعله ميدانا، وأنشأ فيه مناظر جليلة تشرف على النيل الأعظم، وصار يركب إليه ويلعب فيه بالكرة. وكان عمل هذا الميدان سببا لبناء القنطرة التى يقال لها اليوم قنطرة الخرق على الخليج الكبير لجوازه عليها، وكان قبل بنائها موضعها موردة سقائى القاهرة، وما برح هذا الميدان تلعب فيه الملوك بالكرة من بعد الملك الصالح إلى أن انحسر ماء النيل من تجاهه وبعد عنه، فأنشأ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى ميدانا بطرف أراضى اللوق يشرف على النيل.
قال المقريزى: وموضعه الآن تجاه قنطرة قدادار من جهة باب اللوق. (قلت): فيكون محله الآن جميع الأرض الممتدة غربى شارع مصر العتيقة إلى ساحل النيل حينذاك، وكان يمتد إلى الخور يعنى بقرب جسر أبى العلاء.
ثم قال المقريزى: وما زال يلعب فيه بالكرة هو ومن بعده من ملوك مصر، إلى أن كانت سنة أربع عشرة وسبعمائة فنزل السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون وخرب مناظره وعمله بستانا من أجل بعد البحر عنه، وأرسل إلى دمشق فحمل إليه منها سائر أصناف الشجر، وأحضر معها خولة الشام والمطعمين فغرسوها فيه وطعموها، وما زال بستانا عظيما، ومنه تعلم الناس بمصر تطعيم الأشجار فى بساتين جزيرة الفيل.
стр. 698
[زربية قوصون] (¬*)
ثم إن السلطان لما اختص بالأمير قوصون أنعم بهذا البستان عليه، فعمر تجاهه الزربية التى عرفت بزربية قوصون على النيل، وبنى الناس الدور الكثيرة هناك، سيما لما حفر الخليج الناصرى، فإن العمارة عظمت فيما بين هذا البستان والبحر، وفيما بينه وبين القاهرة ومصر، ثم إن هذا البستان خرب لتلاشى أحواله بعد قوصون، وحكرت أرضه، وبنى الناس فوقها الدور التى على يسرة من صعد القنطرة من جهة باب اللوق يريد الزربية، ثم لما خرب خط الزربية خرب ما عمر بأرض هذا البستان من الدور منذ سنة ست وثمانمائة والله تعالى أعلم. (انتهى). (قلت): وأرض الزربية محلها الآن الأرض الأرض المبنى فوقها وابور المياه وما جاورها إلى الشارع الكائن بحرى منزل مراد باشا، يحدّها شارع مصر العتيقة من جهة شارع باب اللوق من الجهة الأخرى وهذا الاسم باق لها إلى اليوم فى المكلفات وفى قوائم المسّاحين.
وذكر المقريزى فى الكلام علي ما بين بولاق ومنشأة المهرانى أنه كان يتصل بها عدة أخطاط منها خط فم الخور وخط حكر ابن الأثير وخط زربية قوصون وخط الميدان السلطانى وخط منشأة الكتبة، فأما خط فم الخور فكان فيه من المناظر الجليلة عدة تشرف على النيل، ومن ورائها البساتين، ويفصل بين البساتين والدور المطلة على النيل شارع مسلوك، وأنشئ هناك حمام وجامع وسوق، فصار خطا يعرف بخط فم الخور.
ثم لما أنشأ القاضى علاء الدين بن الأثير دارا على النيل. وكان إذ ذاك كاتب السر وبنى الناس بجواره، عرف ذلك الخط بحكر ابن الأثير، واتصلت العمارة من بولاق إلى فم الخور، ومن فم الخور إلى حكر ابن الأثير.
[خط فم الخور]
(قلت): وخط فم الخور محله الآن الأرض التى كان يعمل بها مولد النبى ﷺ الكائنة عن يمين المارّ بالشارع الموصل إلى بولاق، المجاور لبيت زينب هانم وهذه الأرض معروفة فى المكلفات بتل اليهودية وبتل سن إبرة، ولم أقف على سبب تسميتها بذلك، ولعلها كانت ملكا للوزير علم الدين عبد الوهاب بن الطنساوى المعروف بسن إبرة،
стр. 699
الذى ذكره المقريزى فى ترجمة دار ابن البقرى فعرفت به، وهى من ضمن بستان قراقوش، لأن المقريزى ذكر فى تحديد بستان بن ثعلب أن حده الشرقى إلى بستان الدكة، وبستان الأمير قراقوش، ولم يكن بعد بستان الدكة الذى من ضمنه الآن بيت زينب هانم إلا هذه الأرض. وأما خط زربية قوصون فكان بعد خط حكر بن الأثير، وقد بينا أن محله الآن الأرض التى عليها وابور المياه وما جاورها إلى الشارع الكائن بحرى بيت مراد باشا.
[خط الميدان السلطانى]
وأما خط الميدان السلطانى، فمحله من قرب قصر النيل إلى القصر العالى من الشارع الذى هناك، وكان بعده منشأة الكتبة قبلى زربية السلطان. قال المقريزى: وزريبة السلطان كانت قبلى جامع الطيبرسى، ومحلها الآن يكاد أن يكون فى أرض جنينة إبراهيم باشا ابن عم الخديو توفيق، وقد ذكرنا فى ترجمة جامع الطيبرسى أن محله الآن الجامع المعروف بالأربعين غربى سراى الإسماعيلية.
[البركة الناصرية]
قال المقريزى: إن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون لما عمر ميدان المهارى أنشأ زربية فى قبلى الجامع الطيبرسى، وحفر لأجل بنائها البركة المعروفة الآن بالبركة الناصرية، واتصلت العمارة من بحرى الجامع الطيبرسى بزربية قوصون، وصار هناك أزقة وشوارع، ودروب ومساكن من وراء المناظر المطلة على النيل تتصل بالخليج، وأكثر الناس من البناء فى طريق الميدان السلطانى، فصارت العمائر منتظمة من قناطر السباع إلى الميدان من جهاته كلها، وعمر المكين إبراهيم ابن قزوينة ناظر الجيش فى قبلى زربية السلطان حيث كان بستان الخشاب دارا جليلة، وعمر أيضا صلاح الدين الكحال، والصاحب أمين الدين عبد الله ابن الغنام وعدة من الكتاب، فقيل لهذه الخطة منشأة الكتاب، واتصلت العمارة بمنشأة المهرانى، فصار ساحل النيل من خط دير الطين قبلى مدينة مصر إلى منية الشيرج بحرى القاهرة مسافة لا تقصر عن أزيد من نصف بريد بكثير كلها منتظمة بالمناظر العظيمة والمساكن الجليلة، والجوامع والمساجد والخوانك والحمامات وغيرها من البساتين لا تجد فيما بين ذلك خرابا ألبتة.
ثم لما حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة وتقلص ماء النيل عن البر الشرقى خربت تلك الجهات
стр. 700
وصارت تلالا. (انتهى). (قلت): ومنشأة المهرانى كانت على الخليج الكبير عند قنطرة السد التى يمر من فوقها من أراد قصر العينى من شارع السيدة الموصل إلى مصر العتيقة، وأما البركة الناصرية فقد تكلمنا عليها عند الكلام على برك القاهرة، ومحلها الآن غربى شرقى جنينة وهبى بك، ويدخل فيها نصف ديوان المالية القبلى الذى أصله سراى إسماعيل بيك صديق وسراى تفيده هانم وبعض البيوت المجاورة لها من الجهة البحرية والغربية، وأكثر الأرض الكائنة خلف مدرسة البنات المجعولة الآن ديوانا للأشغال العمومية.
وذكر المقريزى أن الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى النجمى فى أيام سلطنته قال له منجمه إن امرأة تكون سببا فى قتله، فأمر أن تخرّب الدور والحوانيت التى من قلعة الجبل بالتبانة إلى باب زويلة وإلى باب الخرق وإلى باب اللوق إلى الميدان الصالحى، وأمر أن لا يترك باب مفتوح بالأماكن التى يمر عليها يوم ركوبه إلى الميدان ولا تفتح أيضا طاقة.
[قيسارية الغزل]
وما زال باب هذا الميدان باقيا وعليه طوارق مدهونة إلى ما بعد سنة أربعين وسبعمائة، فأدخله صلاح الدين ابن المغربى فى قيسارية الغزل التى أنشأها هناك، ولأجل هذا الباب قيل لذلك الخط باب اللوق.
ولما خرب هذا الميدان حكر وبنى موضعه ما هنالك من المساكن، ومن جملته حكر مرادى وهو على يمنة من سلك من جامع الطباخ إلى قنطرة قدادار، وهو فى أوقاف خانقاه قوصون وجامعه الذى بالقرافة، وهذا الحكر اليوم قد صار كيمانا بعد كثرة العمارة به (انتهى) (قلت)؛ ومحل قيسارية الغزل التى أنشأها ابن المغربى المذكور الدكاكين المجاورة لجامع الطباخ وجزء من شارع البلاقسة، ومن حقوق حكر مرادى المنازل الكائنة على يمين السالك فى الشارع الواقع قبلى بحرى بيت الأمير أبى سلطان باشا.
[بستان ابن ثعلب]
وأما بستان ابن ثعلب فقال المقريزى: إنه كان بستانا عظيم القدر، مساحته خمسة وسبعون فدانا، فيه سائر الفواكه يأسرها، وجميع ما يزرع من الأشجار والنخل والكروم والرياحين وغير ذلك، وبه الآبار المعينة، وله الهماليات وتسمى بالتوابيت، وهى سواق
стр. 701
معروفة عند الفلاحين من الإقليم المصرى، وفيه منظرة عظيمة وعدة دور، ومن حقوق هذا البستان الأرض التى تعرف اليوم ببركة قرموط، والأرض التى تعرف اليوم بالخور قبالة الأرض المعروفة بالبيضاء بجوار بستان السراج وبستان الزهرى وبستان البرجى فيما بين هذه البساتين وبين خليج الدكة والمقس.
وكان على بستان ابن ثعلب سور مبنى، وله باب جليل، وحدّه القبلى إلى منشأة ابن ثعلب وحدّه البحرى إلى الأرض المجاورة للميدان السلطانى الصاحب وإلى أرض الجزائر، وفى هذا الحد أرض الخور، وهى من حقوقه، وحدّه الشرقى إلى بستان الدكة وبستان الأمير قراقوش، وحدّه الغربى إلى الطريق المسلوك فيها إلى موردة السقائين قبالة بستان السراج، وكان باب هذا البستان فى الموضع الذى يقال له اليوم باب اللوق (انتهى).
[بستان السراج]
(قلت): وبستان السراج محله الآن الدور والأزقة والحارات الموجودة على يسار السالك بشارع باب اللوق من ابتداء جامع الطباخ إلى بيت الأمير أبى سلطان باشا، وكان يفصله عن شارع مصر العتيقة الأرض البيضاء.
وبيان ذلك أن المقريزى ذكر أن من ضمن بستان ابن ثعلب الأرض المعروفة اليوم بالخور قبالة الأرض المعروفة بالبيضاء بجوار بستان السراج، وقال إن الحد الغربى بستان ابن ثعلب إلى الطريق المسلوك فيها إلى موردة السقائين قبالة بستان السراج، والطريق المسلوك فيها إلى الموردة هى شارع باب الخرق، والموردة هى القنطرة، فيكون بستان السراج حينئذ محله كما ذكرنا، وكان كبيرا ممتدا إلى الأرض البيضاء التى كانت تحت الخليج الناصرى شرقى شارع مصر العتيقة. وكانت الأرض البيضاء تمتد إلى جسر بولاق المعروف الآن بجسر أبى العلاء.
وأما منشأة ابن ثعلب فمحلها الآن شارع مشتهر كما بيناه هناك، فعلى هذا كان بستان السراج ينتهى إلى محل هذا الشارع وإلى ساحل النيل حينذاك، فيكون محله الآن غربى الشارع الموصل إلى مصر العتيقة المارّ من غربى بيت الأمير ثابت باشا الجديد.
стр. 702
[بركة قرموط]
وأما بركة قرموط فمن ضمنها الآن بيت على باشا شريف وصادق بيك وابن مظلوم باشا وبيت ثابت باشا القديم المعروف ببيت الجربان وما جاوره من الجهة البحرية والشرقية من المنازل وغيرها، وكانت تنتهى إلى الشارع المستجد المارّ قبلى اللوقاندة، وتمتد على خط مستقيم إلى شارع مصر العتيقة، وقد زالت هذه البركة فى زماننا هذا ولم يبق لها أثر بالكلية.
وكان بمصر وقت دخول الفرنساوية ثلاث برك بحرى خط المدابغ:
إحداها تعرف ببركة الدم، وهى أصغرها، كان طولها مائة متر فى عرض خمسين، ومحلها الآن الأرض التى تجاه بيت محمود خليل، وكانت مصرفا لجميع مياه المدابغ والقاذورات
ثانيها: بركة الصابر، وكانت بجوار الأولى، وكان طولها مائة وخمسين مترا، وعرضها المتوسط مائة وعشرين مترا.
ثالثها: بركة الفوّالة، وهى التى كانت تعرف ببركة قرموط، وكانت أكبر الثلاثة، طولها ثلثمائة متر، وعرضها المتوسط مائة متر، وذكر المقريزى أنها كانت من ضمن بستان ابن ثعلب، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصرى من موردة البلاط، رمى ما خرج من الطين فى هذه البركة وبنى الناس الدور على الخليج، فصارت البركة من ورائها، وعرفت تلك الخطة كلها ببركة قرموط، وأدركنا بها ديارا جليلة، ثم قال: وأكثر من كان يسكنها الكتّاب، مسلموهم ونصاراهم، المترفون أولو النعمة. وفى حوادث سنة ست وثلثمائة خربت منازلها وبيعت أنقاضها وصارت موحشة، وبقى حولها بساتين خراب.
وقرموط هذا هو أمين الدين قرموط مستوفى الخزانة السلطانية، وذكر المقريزى أيضا فى الجوامع جامع ابن المغربى فقال: هذا الجامع بقرب بركة قرموط مطل على الخليج الناصرى أنشأه صلاح الدين يوسف بن المغربى-رئيس الأطباء بديار مصر-وبنى بجانبه قبة دفن فيها، وقد ذكرناه فى الجوامع من هذا الكتاب، وهو الآن مجعول تكية بها بعض دراويش، والقبر الذى هناك هو قبر ابن المغربى المذكور، وإلى الآن يعرف بهذا الاسم، وهذه التكية بآخر الشارع القريب من شارع مصر العتيقة.
стр. 703
وأما الأرض التى تعرف بالخور الواقعة بين ترعة فم الخور وبين الخليج الناصرى الذى محله الآن الشارع المقابل لسراى الإسماعيلية المارّ من جسر أبى العلاء إلى مصر العتيقة فمحلها بعض الأراضى الكائنة على يمين السالك بهذا الشارع من جسر أبى العلاء إلى مصر العتيقة وكانت تمتد إلى ساحل النيل فى ذاك الوقت، وتنتهى إلى قنطرة السد التى يسلك من عليها إلى قصر العينى.
وأما ترعة فم الخور المعروفة بخليج فم الخور فكانت تمتد باعوجاج من قنطرة الدكة إلى النيل، وكان النيل فى نحو سنة ثمانمائة من الهجرة عند جامع السلطان أبى العلاء، فكانت فى ذاك الوقت ممتدة إلى قريب من قنطرة ترعة الإسماعيلية الموجودة الآن بطريق بولاق قرب قصر النيل وقد بسطنا الكلام على ذلك فى شارع بين السورين فانظره هناك.
وذكر المقريزى أيضا أنه من ضمن بستان ابن ثعلب حكر يعرف بحكر قردمية على يمنة من سلك باب اللوق إلى قنطرة قدادار، وصار أخيرا بيد ورثة الأمير قوصون، وكان حكرا عامرا إلى ما بعد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فخرب عند وقوع الوباء الكبير بمصر، وحفرت أراضيه، وأخذ طينها، فصارت بركة ماء عليها كيمان خلف الدور التى على الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة قدادار. (انتهى). (قلت): وهذه البركة هى بعض البركة التى كانت ببركة الدم بقرب بركة قرموط، وقد تقدّم قريبا الكلام عليها.
ترجمة ابن ثعلب
وابن ثعلب هذا هو الأمير الكبير الشريف فخر الدين إسماعيل بن ثعلب الجعفرى الزينبى أحد أمراء مصر فى أيام الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب وغيره، صاحب المدرسة الشريفية بجوار درب كركامة على رأس حارة الجودرية من القاهرة. مات فى سابع عشر رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة. (انتهى).
مطلب أراضى اللوق
وأما أراضى اللوق فقال المقريزى إنها كانت بساتين ومزروعات، ولم يكن بها فى القديم بناء البتة، ثم لما انحسر ماء النيل عن منشأة الفاضل عمر فيها، ثم قال ويطلق اللوق فى زماننا على المكان المعروف بباب اللوق المجاور لجامع الطباخ المطل على بركة الشقاف وما يسامته إلى
стр. 704
الخليج الذى يعرف اليوم بخليج فم الخور، وينتهى اللوق من الجانب الغربى إلى منشأة المهرانى، ومن الجانب الشرقى إلى الدكة بجوار المقس.
قال: وكان بأراضى اللوق خمس رحاب يطلق عليها كلها الآن رحبة باب اللوق، وبها تجتمع أصحاب الحلق، وأرباب الملاعب والحرف، كالمشعبذين والمخايلين والحواة والمتأففين وغير ذلك، فيحشر هنالك من الخلائق للفرجة ولعمل الفساد ما لا ينحصر، وكان قبل ذلك فى حدود ما قبل الثمانين وسبعمائة من سنى الهجرة، إنما تجتمع الناس لذلك فى الطريق الشارع المسلوك من جامع الطباخ بالخط المذكور إلى قنطرة قدادار (انتهى). (قلت): فيؤخذ من كلام المقريزى أن أرض اللوق كانت ممتدة إلى ساحل النيل، وكان أولها من الخط الكائن بين جامع الطباخ إلى آخر بستان الدكة المعروف الآن بجنينة زينب هانم، ومن جامع الطباخ إلى آخر منشأة المهرانى عند قنطرة السد.
ترجمة منشأة الفاضل
وأما منشأة الفاضل فملخص ما ذكره المقريزى عند الكلام على جامع منشأة المهرانى أن القاضى الفاضل كان له بستان عظيم فيما بين ميدان اللوق وبستان الخشاب الذى أكله البحر، وكان يمير مصر والقاهرة من ثماره وأعنابه، ولم تزل الباعة ينادون على العنب رحم الله الفاضل يا عنب إلى مدة سنين عديدة بعد أن أكله البحر، وكان قد عمر إلى جانبه جامعا، وبنى حوله فسميت بمنشأة الفاضل، وكان خطيبه أخا الفقيه موفق الدين الديباجى قد عمر بجواره دارا وبستانا، وغرس فيه أشجارا حسنة، فاستولى البحر على الدار والجامع والمنشأة، وقطع جميع ذلك حتى لم يبق له أثر، فسأل موفق الدين الصاحب بهاء الدين على بن حنا فى بناء الجامع وألح عليه، فتحدث مع الملك الظاهر بيبرس فى عمارة جامع هناك، فأمر بإنشاء الجامع المعروف بجامع منشأة المهرانى، بالأرض المعروفة بالكوم الأحمر، وكانت مرصدة لعمل أقمنة الطوب الآجرية، ووقف عليه بقية هذه الأرض فى شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وستمائة (انتهى)
(قلت): ومحل بستان الخشاب الآن هو معظم الأرض الواقعة تجاه القصر العالى وقصر العينى التى بها سراى داود باشا يكن وسراى يوسف باشا فهمى، وأما منشأة الفاضل فمحلها بعض الأرض التى عليها القصر العالى وقصر العينى. وأما منشأة المهرانى التى كانت عند
стр. 705
قنطرة السد فمحلها الأرض الواقعة بين النيل والخليج، وكان موضعها يعرف بالكوم الأحمر من أجل أقمنة الطوب التى كانت بها والجامع كان على يمين المارّ من فوق القنطرة إلى قصر العينى، والتلال الموجودة الآن شرقى معمل البارود من آثار العمائر الجليلة التى كانت هناك، والتل الكبير الموجود جهة اليسار من أثر دار ابن صاحب الموصل، وكانت أولا منظرة للصاحب فخر الدين بن بهاء الدين على بن حنا.
وإلى هنا انتهى الكلام على الشارع الطوالى المتقدم ذكره، ثم نرجع إلى جهة باب زويلة فنبين شارع القربية وما وراءه من الشوارع على الترتيب فنقول: