Полный текст (5 619 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
معروفة عند الفلاحين من الإقليم المصرى، وفيه منظرة عظيمة وعدة دور، ومن حقوق هذا البستان الأرض التى تعرف اليوم ببركة قرموط، والأرض التى تعرف اليوم بالخور قبالة الأرض المعروفة بالبيضاء بجوار بستان السراج وبستان الزهرى وبستان البرجى فيما بين هذه البساتين وبين خليج الدكة والمقس.
وكان على بستان ابن ثعلب سور مبنى، وله باب جليل، وحدّه القبلى إلى منشأة ابن ثعلب وحدّه البحرى إلى الأرض المجاورة للميدان السلطانى الصاحب وإلى أرض الجزائر، وفى هذا الحد أرض الخور، وهى من حقوقه، وحدّه الشرقى إلى بستان الدكة وبستان الأمير قراقوش، وحدّه الغربى إلى الطريق المسلوك فيها إلى موردة السقائين قبالة بستان السراج، وكان باب هذا البستان فى الموضع الذى يقال له اليوم باب اللوق (انتهى).
[بستان السراج]
(قلت): وبستان السراج محله الآن الدور والأزقة والحارات الموجودة على يسار السالك بشارع باب اللوق من ابتداء جامع الطباخ إلى بيت الأمير أبى سلطان باشا، وكان يفصله عن شارع مصر العتيقة الأرض البيضاء.
وبيان ذلك أن المقريزى ذكر أن من ضمن بستان ابن ثعلب الأرض المعروفة اليوم بالخور قبالة الأرض المعروفة بالبيضاء بجوار بستان السراج، وقال إن الحد الغربى بستان ابن ثعلب إلى الطريق المسلوك فيها إلى موردة السقائين قبالة بستان السراج، والطريق المسلوك فيها إلى الموردة هى شارع باب الخرق، والموردة هى القنطرة، فيكون بستان السراج حينئذ محله كما ذكرنا، وكان كبيرا ممتدا إلى الأرض البيضاء التى كانت تحت الخليج الناصرى شرقى شارع مصر العتيقة. وكانت الأرض البيضاء تمتد إلى جسر بولاق المعروف الآن بجسر أبى العلاء.
وأما منشأة ابن ثعلب فمحلها الآن شارع مشتهر كما بيناه هناك، فعلى هذا كان بستان السراج ينتهى إلى محل هذا الشارع وإلى ساحل النيل حينذاك، فيكون محله الآن غربى الشارع الموصل إلى مصر العتيقة المارّ من غربى بيت الأمير ثابت باشا الجديد.
стр. 702
[بركة قرموط]
وأما بركة قرموط فمن ضمنها الآن بيت على باشا شريف وصادق بيك وابن مظلوم باشا وبيت ثابت باشا القديم المعروف ببيت الجربان وما جاوره من الجهة البحرية والشرقية من المنازل وغيرها، وكانت تنتهى إلى الشارع المستجد المارّ قبلى اللوقاندة، وتمتد على خط مستقيم إلى شارع مصر العتيقة، وقد زالت هذه البركة فى زماننا هذا ولم يبق لها أثر بالكلية.
وكان بمصر وقت دخول الفرنساوية ثلاث برك بحرى خط المدابغ:
إحداها تعرف ببركة الدم، وهى أصغرها، كان طولها مائة متر فى عرض خمسين، ومحلها الآن الأرض التى تجاه بيت محمود خليل، وكانت مصرفا لجميع مياه المدابغ والقاذورات
ثانيها: بركة الصابر، وكانت بجوار الأولى، وكان طولها مائة وخمسين مترا، وعرضها المتوسط مائة وعشرين مترا.
ثالثها: بركة الفوّالة، وهى التى كانت تعرف ببركة قرموط، وكانت أكبر الثلاثة، طولها ثلثمائة متر، وعرضها المتوسط مائة متر، وذكر المقريزى أنها كانت من ضمن بستان ابن ثعلب، فلما حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج الناصرى من موردة البلاط، رمى ما خرج من الطين فى هذه البركة وبنى الناس الدور على الخليج، فصارت البركة من ورائها، وعرفت تلك الخطة كلها ببركة قرموط، وأدركنا بها ديارا جليلة، ثم قال: وأكثر من كان يسكنها الكتّاب، مسلموهم ونصاراهم، المترفون أولو النعمة. وفى حوادث سنة ست وثلثمائة خربت منازلها وبيعت أنقاضها وصارت موحشة، وبقى حولها بساتين خراب.
وقرموط هذا هو أمين الدين قرموط مستوفى الخزانة السلطانية، وذكر المقريزى أيضا فى الجوامع جامع ابن المغربى فقال: هذا الجامع بقرب بركة قرموط مطل على الخليج الناصرى أنشأه صلاح الدين يوسف بن المغربى-رئيس الأطباء بديار مصر-وبنى بجانبه قبة دفن فيها، وقد ذكرناه فى الجوامع من هذا الكتاب، وهو الآن مجعول تكية بها بعض دراويش، والقبر الذى هناك هو قبر ابن المغربى المذكور، وإلى الآن يعرف بهذا الاسم، وهذه التكية بآخر الشارع القريب من شارع مصر العتيقة.
стр. 703
وأما الأرض التى تعرف بالخور الواقعة بين ترعة فم الخور وبين الخليج الناصرى الذى محله الآن الشارع المقابل لسراى الإسماعيلية المارّ من جسر أبى العلاء إلى مصر العتيقة فمحلها بعض الأراضى الكائنة على يمين السالك بهذا الشارع من جسر أبى العلاء إلى مصر العتيقة وكانت تمتد إلى ساحل النيل فى ذاك الوقت، وتنتهى إلى قنطرة السد التى يسلك من عليها إلى قصر العينى.
وأما ترعة فم الخور المعروفة بخليج فم الخور فكانت تمتد باعوجاج من قنطرة الدكة إلى النيل، وكان النيل فى نحو سنة ثمانمائة من الهجرة عند جامع السلطان أبى العلاء، فكانت فى ذاك الوقت ممتدة إلى قريب من قنطرة ترعة الإسماعيلية الموجودة الآن بطريق بولاق قرب قصر النيل وقد بسطنا الكلام على ذلك فى شارع بين السورين فانظره هناك.
وذكر المقريزى أيضا أنه من ضمن بستان ابن ثعلب حكر يعرف بحكر قردمية على يمنة من سلك باب اللوق إلى قنطرة قدادار، وصار أخيرا بيد ورثة الأمير قوصون، وكان حكرا عامرا إلى ما بعد سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فخرب عند وقوع الوباء الكبير بمصر، وحفرت أراضيه، وأخذ طينها، فصارت بركة ماء عليها كيمان خلف الدور التى على الشارع المسلوك فيه إلى قنطرة قدادار. (انتهى). (قلت): وهذه البركة هى بعض البركة التى كانت ببركة الدم بقرب بركة قرموط، وقد تقدّم قريبا الكلام عليها.
ترجمة ابن ثعلب
وابن ثعلب هذا هو الأمير الكبير الشريف فخر الدين إسماعيل بن ثعلب الجعفرى الزينبى أحد أمراء مصر فى أيام الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب وغيره، صاحب المدرسة الشريفية بجوار درب كركامة على رأس حارة الجودرية من القاهرة. مات فى سابع عشر رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة. (انتهى).
مطلب أراضى اللوق
وأما أراضى اللوق فقال المقريزى إنها كانت بساتين ومزروعات، ولم يكن بها فى القديم بناء البتة، ثم لما انحسر ماء النيل عن منشأة الفاضل عمر فيها، ثم قال ويطلق اللوق فى زماننا على المكان المعروف بباب اللوق المجاور لجامع الطباخ المطل على بركة الشقاف وما يسامته إلى
стр. 704
الخليج الذى يعرف اليوم بخليج فم الخور، وينتهى اللوق من الجانب الغربى إلى منشأة المهرانى، ومن الجانب الشرقى إلى الدكة بجوار المقس.
قال: وكان بأراضى اللوق خمس رحاب يطلق عليها كلها الآن رحبة باب اللوق، وبها تجتمع أصحاب الحلق، وأرباب الملاعب والحرف، كالمشعبذين والمخايلين والحواة والمتأففين وغير ذلك، فيحشر هنالك من الخلائق للفرجة ولعمل الفساد ما لا ينحصر، وكان قبل ذلك فى حدود ما قبل الثمانين وسبعمائة من سنى الهجرة، إنما تجتمع الناس لذلك فى الطريق الشارع المسلوك من جامع الطباخ بالخط المذكور إلى قنطرة قدادار (انتهى). (قلت): فيؤخذ من كلام المقريزى أن أرض اللوق كانت ممتدة إلى ساحل النيل، وكان أولها من الخط الكائن بين جامع الطباخ إلى آخر بستان الدكة المعروف الآن بجنينة زينب هانم، ومن جامع الطباخ إلى آخر منشأة المهرانى عند قنطرة السد.
ترجمة منشأة الفاضل
وأما منشأة الفاضل فملخص ما ذكره المقريزى عند الكلام على جامع منشأة المهرانى أن القاضى الفاضل كان له بستان عظيم فيما بين ميدان اللوق وبستان الخشاب الذى أكله البحر، وكان يمير مصر والقاهرة من ثماره وأعنابه، ولم تزل الباعة ينادون على العنب رحم الله الفاضل يا عنب إلى مدة سنين عديدة بعد أن أكله البحر، وكان قد عمر إلى جانبه جامعا، وبنى حوله فسميت بمنشأة الفاضل، وكان خطيبه أخا الفقيه موفق الدين الديباجى قد عمر بجواره دارا وبستانا، وغرس فيه أشجارا حسنة، فاستولى البحر على الدار والجامع والمنشأة، وقطع جميع ذلك حتى لم يبق له أثر، فسأل موفق الدين الصاحب بهاء الدين على بن حنا فى بناء الجامع وألح عليه، فتحدث مع الملك الظاهر بيبرس فى عمارة جامع هناك، فأمر بإنشاء الجامع المعروف بجامع منشأة المهرانى، بالأرض المعروفة بالكوم الأحمر، وكانت مرصدة لعمل أقمنة الطوب الآجرية، ووقف عليه بقية هذه الأرض فى شهر رمضان سنة إحدى وسبعين وستمائة (انتهى)
(قلت): ومحل بستان الخشاب الآن هو معظم الأرض الواقعة تجاه القصر العالى وقصر العينى التى بها سراى داود باشا يكن وسراى يوسف باشا فهمى، وأما منشأة الفاضل فمحلها بعض الأرض التى عليها القصر العالى وقصر العينى. وأما منشأة المهرانى التى كانت عند
стр. 705
قنطرة السد فمحلها الأرض الواقعة بين النيل والخليج، وكان موضعها يعرف بالكوم الأحمر من أجل أقمنة الطوب التى كانت بها والجامع كان على يمين المارّ من فوق القنطرة إلى قصر العينى، والتلال الموجودة الآن شرقى معمل البارود من آثار العمائر الجليلة التى كانت هناك، والتل الكبير الموجود جهة اليسار من أثر دار ابن صاحب الموصل، وكانت أولا منظرة للصاحب فخر الدين بن بهاء الدين على بن حنا.
وإلى هنا انتهى الكلام على الشارع الطوالى المتقدم ذكره، ثم نرجع إلى جهة باب زويلة فنبين شارع القربية وما وراءه من الشوارع على الترتيب فنقول:
стр. 706
شارع القربية
ابتداؤه من شارع باب زويلة، وانتهاؤه أول شارع الحمزية، وطوله مائة متر وستة وخمسون مترا، عرف بذلك لأن به عدة حوانيت معدة لبيع القرب والدلاء.
وبه من جهة اليمين: عطفة تعرف بعطفة الخشيبة، بنهايتها وكالة يقال لها الخشيبة، بداخلها زاوية صغيرة متخربة، وأصل هذه الوكالة من ضمن وقف الدشيشة، وبأسفلها عدة حواصل وبهذه العطفة أيضا بيت صحة ثمن الدرب الأحمر، أجرته شهريا مائة وخمسة وتسعون قرشا ميرية.
[حارة القربية]
وأما جهة اليسار فبها حارة القربية، بداخلها زاوية رضوان بيك، أنشأها سنة ستين وألف، ووقف عليها أوقافا، شعائرها مقامة من ريعها إلى الآن بنظر الديوان.
[مدرسة القربية]
وبجوار هذه الزاوية المدرسة المعروفة بمدرسة القربية، وهى من المدارس الشهيرة، بها جملة من الأطفال يتعلمون فيها جميع الفنون الجارى تعليمها فى المدارس الميرية، ولهم خوجات ومؤدبون من جهة الديوان، ويعمل لهم امتحان فى كل سنة. وهى أول مدرسة أهلية أنشئت بمدينة القاهرة، وكان إنشاؤها فى سنة أربع وثمانين ومائتين وألف منذ كنت ناظرا على ديوان الأوقاف والمدارس، وكان أصلها بيتا من البيوت التابعة للأوقاف المتخربة، كان ببعض حواصله دفاتر قديمة من دفاتر الديوان، فجاءت من أحسن المدارس وأنفعها، وبها الآن ما يزيد على مائتى تلميذ لحسن التعليم بها.
стр. 707
وحارة القربية المذكورة من الحارات القديمة، سماها المقريزى بحارة المنصورية فقال:
هذه الحارة كانت كبيرة متسعة جدا، فيها عدة مساكن للسودان، فلما كانت واقعتهم فى سنة أربع وستين وخمسمائة أمر صلاح الدين يوسف بن أيوب بتخريب المنصورية هذه وتعفية أثرها، فخربها خطاب بن موسى الملقب صارم الدين، وعملها بستانا.
وكان للسودان بديار مصر شوكة وقوة، فتتبعهم صلاح الدين ببلاد الصعيد حتى أفناهم بعد أن كان لهم فى كل قرية ومحلة وضيعة مكان مفرد لا يدخله وال ولا غيره احتراما لهم، وقد كانوا يزيدون على خمسين ألفا، وإذا ثاروا على وزير قتلوه، وكان الضرر بهم عظيما، لامتداد أيديهم إلى أموال الناس وأهاليهم، فلما كثر بغيهم وزاد تعديهم أهلكهم الله بذنوبهم
قال: وكان موضع المنصورية على يمنة من سلك فى الشارع خارج باب زويلة، ثم قال:
وهى إلى جانب الباب الجديد، يعنى الذى يعرف اليوم بالقوس عند رأس المنتجبية فيما بينها وبين الهلالية، وبعضها-يعنى المنصورية-من جهة بركة الفيل إلى جانب بستان سيف الإسلام ويسمى الآن بحكر الغتمى، وحكر الغتمى يعرف اليوم بدرب ابن البابا تجاه البند قدارية بجوار حمام الفارقانى قريب من صليبة ابن طولون. (انتهى). وذكر أيضا فى ترجمة دار التفاح أنها من حقوق حارة السودان التى خربها صلاح الدين. (انتهى).
(قلت): ودار التفاح موضعها اليوم الوكالة والأماكن التى بجوار تكية الجلشنى من الجهة الشرقية، فيؤخذ من هذا أن حارة المنصورية كان أولها من عند باب زويلة بحارة القربية، وكانت تمتد إلى ما وراء الباب الجديد الذى محله الآن بقرب عطفة الدالى حسين التى هى حارة المنتجبية. وقوله إن بعض المنصورية كان بجانب بستان سيف الإسلام يفيد أن حارة المصامدة قطعة منها، وترجمته للمصامدة على حدتها يفيد أنها مستقلة عنها، فلعل الاستقلال يفيد أنها مستقلة عنها، فلعل الاستقلال وقع بعد الانفصال، وقد بسطنا الكلام على حارة المصامدة بشارع الحلمية، فانظره هناك، والله الموفق للصواب.
بستان سيف الإسلام
وأما بستان سيف الإسلام فقال المقريزى فى ترجمته: خط ابن البابا هذا الخط يتوصل إليه من تجاه المدرسة البندقدارية بجوار حمام الفارقانى، ويسلك فيه إلى خط واسع يشتمل على
стр. 708
عدة مساكن جليلة، ويتوصل منه إلى الجامع الطولونى وقناطر السباع وغير ذلك، وكان هذا الخط بستانا يعرف ببستان أبى الحسين بن مرشد الطائى، ثم عرف ببستان تامش، ثم عرف أخيرا ببستان سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، وكان يشرف على بركة الفيل، وله دهاليز واسعة عليها جواسق تنظر إلى الجهات الأربع، ويقابله حيث الدرب الآن المدرسة البندقدارية وما فى صفها إلى الصليبة-بستان يعرف ببستان الوزير ابن المغربى، وفيه حمام مليحة، ويتصل ببستان ابن المغربى بستان عرف أخيرا ببستان شجرة الدر، وهو حيث الآن سكن الخلفاء، بالقرب من المشهد النفيسى، ويتصل ببستان شجرة الدر بساتين إلى حيث الموضع المعروف اليوم بالكبارة من مصر. ثم إن بستان سيف الأسلام حكره أمير يعرف بعلم الدين الغتمى.
ترجمة ابن البابا
وهو الآن يعرف بدرب ابن البابا، وهو الأمير الجليل جنكلى بن محمد بن البابا بن جنكلى ابن خليل بن عبد الله بدر الدين العجلى رأس الميمنة وكبير الأمراء الناصرية محمد بن قلاوون بعد الأمير جمال الدين نائب الكرك. قدم إلى مصر فى أوائل سنة أربع وسبعمائة بعد ما طلبه الملك الأشرف خليل بن قلاوون، ورغبه فى الحضور إلى الديار المصرية، وكتب له منشورا بإقطاع جيد، وجهزه إليه، فلم يتفق حضوره إلا فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان مقامه بالقرب من آمد، فأكرمه وعظمه، وأعطاه إمرة، ولم يزل مكرما معظما إلى أن مات يوم الاثنين سابع عشر ذى الحجة سنة ست وأربعين وسبعمائة. وكان شكلا مليحا، حليما كثير المعروف والجود، عفيفا لا يستخدم مملوكا أمرد ألبتة، واقتصر من النساء على امرأته التى قدمت معه إلى مصر، ومنها أولاده، وكان يحب العلم وأهله، ويطارح بمسائل علمية، وكان ينتسب إلى إبراهيم بن أدهم، وهو من محاسن الدولة التركية، رحمه الله تعالى، ورحم أموات المسلمين أجمعين.
(قلت): ومن حقوق بستان ابن المغربى الآن المدرسة البندقدارية المعروفة اليوم بزاوية الآبار التى بشارع السيوفية، ومدرسة البنات الكائنة بجوارها، وما فى صفها إلى شارع الصليبه
وأما بستان سيف الإسلام فكان فى مقابلته على يمنة السالك من الشارع إلى الصليبة، وكان يمتد إلى بركة الفيل، وفيه إلى الآن الحمام المعروف بحمام البابا.
стр. 709
ثم ترجع لشارع القربية فنقول: وبنهايته زاوية تعرف بزاوية المأموئية، شعائرها مقامة من أوقافها، وفى مقابلتها سبيل يعلوه مكتب.
[حمام القربية]
وبوسطه حمام يعرف بحمام القربية، وهو برسم الرجال والنساء، عامر إلى الآن.
ضريح نجم الدين
وفى مقابلته ضريح يقال له ضريح سيدى على نجم الدين، عليه قبة صغيرة، وله شباك على الشارع.
ومذكور فى وقفية الست نفيسة-معتوقة على بيك الكبير وزوجة مراد بيك محمد أمير الحج الشريف-أنها وقفت هذا الحمام، وكان فى الأصل حمامين أنشأهما الحاج أحمد السعاوى وزوجته، فأخذتهما الست نفيسة المذكورة وجعلتهما حماما واحدا، وكان خطهما يعرف بخط البراذعيين العتيق، وكان الحمام يعرف بحمام الوالى، لقربه من باب زويلة محل إقامة الوالى فى ذاك الوقت، ومذكور فى الوقفية أيضا أن هناك زاوية بقرب الحمام تعرف بزاوية الشيخ مانونيا. (انتهى). (قلت): أما الحمام فهو موجود إلى الآن معروف بحمام القربية، وأما الزاوية فغالبا هى الزاوية المأمونية المتقدم ذكرها، وحرفت اسمها العامة فقالت المأمونية بدل مانونيا والله أعلم.
[سوق السقطيين]
وكان بأول هذا الشارع سوق يعرف بسوق السقطيين، من الأسواق القديمة، ذكره المقريزى فقال: هو خارج باب زويلة، بجوار دار التفاح، أنشأه الأمير آقبغا عبد الواحد وهو جار فى وقفه. (انتهى). (قلت): وإلى وقتنا هذا يوجد بشارع القربية المذكور حوانيت تباع فيها الأسقاط والكروش ونحوها، فلعلها من أثر سوق السقطيين المذكور.
وهذا آخر ما تيسر لنا من الكلام على وصف شارع القربية قديما وحديثا.
стр. 710
شارع الحمزية
يبتدئ من آخر شارع القربية، وينتهى لشارع الداودية، وطوله مائتان وعشرون مترا.
وبه من جهة اليسار حارتان:
إحداهما تعرف بحارة العرقسوس، وهى غير نافذة.
[حارة الحمزية]
والثانية حارة الحمزية، وهى حارة كبيرة، يتوصل منها لعطفة النجار النافذة لشارع قصبة رضوان، وبداخلها ضريحان: أحدهما للشيخ العراقى، والآخر للشيخ المنسى، وهذه الحارة سماها المقريزى حارة الحمزيين حيث قال: كانت أوّلا تعرف بالحبانية، ثم قيل لها حارة الحمزيين، من أجل أن جماعة من الحمزيين نزلوا بها، منهم الحاج يوسف بن فاتن الحمزى.
ترجمة حمزة بن أدركة
والحمزيون أيضا ينسبون إلى حمزة بن أدركة السارى، خرج بخراسان فى أيام هارون ابن محمد الرشيد، فعاث وأفسد وفض جموع عيسى بن على-عامل خراسان-وقتل منهم خلقا، وانهزم عيسى إلى بابل، ثم غرق حمزة بواد فى كرمان، فعرفت طائفته بالحمزية، ثم قال: وكان ذلك بعد سنة ستمائة، وهذه الحارة خارج باب زويلة. (انتهى).
(قلت): وهى إلى يومنا هذا لم يتغير اسمها، ويتوصل إليها من شارع القربية، من بابها المقابل لحارة الخشبية بجوار حوش الشرقاوى، ويسلك إليها أيضا من شارع المغربلين، ويغلب
стр. 711
على الظن أنها كانت فى القديم متصلة بحارة الحبانية، لأن المتأمل فى آخرها من عند ضريح العراقى يراها فى استقامة حارة الحبانية، ويرى أن الفاصل بينهما البناء الذى بين جامع البردينى وضريح العراقى المذكور، فلو أزيل هذا البناء لكانتا حارة واحدة.
وبها دور كثيرة وعطف متعددة، وبسبب انحباس الهواء عنها، بيوتها قليلة القيمة، وليست مرغوبة فى السكنى، فلو رجعت كما كانت قديما واتصلت بالحبانية لصارت مرغوبة السكنى كغيرها، وهناك ضريح يعرف بالشيخ فرج.
وهذا ما يتعلق بوصف شارع الحمزية قديما وحديثا.
стр. 712
شارع سوق العصر
أوله من آخر شارع الحمزية تجاه حارة العرقسوس، وآخره شارع الحين المعروف بشارع قنطرة الذى كفر، ويقطعه شارع محمد على، وطوله مائتان وسبعون مترا.
وبه من جهة اليمين: حارة الشيخ مبارك، بها ضريح يعرف بالشيخ مبارك، وعطفتان غير نافذتين.
[حارة المدابغ]
وأما جهة اليسار فيها: عطفة تعرف بعطفة الطوقجية، ثم حارة المدابغ القديمة، يتوصل منها لحارة القتلى، وبداخلها سبع عطف: الأولى عطفة الزيتون، بها جامع قديم، يعرف بجامع العمرى، بداخله ضريح الشيخ العمرى، يعمل له مولد كل سنة، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الديوان-الثانية: العطفة الصغيرة، الثالثة عطفة المزينين-الرابعة عطفة جمعة، الخامسة عطفة القرفة، السادسة عطفة عطية، السابعة عطفة المعازة.
وبحارة المدابغ أيضا ضريح يعرف بالشيخ محمد تنيس، وأربع وكائل: الأولى مشتركة بين ورثة أصيل وغيرهم والثانية وقف امرأة تدعى فاطمة هانم، والثالثة ملك ورثة على برهان باشا، والآن مجعولة بوظة، والرابعة ملك ورثة محمد كاشف سليم.
وبهذا الشارع أيضا البيت الكبير المعروف بحوش الشرقاوى، أصله من بيوت الأمراء المصريين، تخرب وآل إلى الميرى، ثم بيع معظمه لبعض الأهالى، وتقسم شوارع وحارات، وبنى فيه عدة بيوت وأرباع وحوانيت، وإلى الآن جار البناء فيه، وبه جباستان: إحداهما تعرف بجباسة حسن الأسود، والأخرى بجباسة عبد الباقى حسن.
стр. 713
ويظهر من فحوى حجج أملاك هذه الخطة المحررة فى القرن الحادى عشر أن خط المدابغ القديم كان كبيرا جدا، وكان لا يسكنه إلا المدابغية وما ماثلهم، ومن ضمنه الآن شارع سوق العصر وشارع سويقة عصفور وشارع الداودية القبلى وشارع الداودية البحرى وما با لك من الحارات والعطف وغيرها. ثم لما كثرت الأهالى احتيج لسكن هذه الخطة، فحصل الضرر لمن كان يسكن بها من روائح قاذورات المدابغ، فتشكى الناس من ذلك، فنقلت المدابغ إلى باب اللوق.
ثم فى سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف هجرية انتقلت المدابغ من باب اللوق إلى مصر العتيقة، وذلك أن مصلحة المدابغ من المصالح المقررة، ويلزم أن تكون بعيدة عن العمران، لما ينشأ عنها من الضرر الحاصل من العفونات والأوساخ والقاذورات المضرة بالصحة، وقبل انتقالها كان الإنسان لا يمكنه المرور من هناك إلا بمشقة، لما يجد من كثرة الروائح الكريهة، الناتجة من الجلود المدبوغة، ومن البرك التى تجتمع فيها مياه الدباغة ونحوها، وقد حصل التشكى كثيرا من ديوان الصحة للحكومة فى زمن المرحوم عباس باشا ولم يجد نفعا، وكذلك فى زمن المرحوم سعيد باشا، ثم فى زمن الخديو إسماعيل صدر الأمر بنقلها وشراء جميع أملاك المدابغ على طرف الميرى، وتجعل مدبغة ميرية على جسر البحر قبلى مصر العتيقة، فحينئذ عمل الرسم لذلك بمعرفة قلم الهندسة وأعطى بالمقاولة، وتم على أحسن حال، ونقلت المدابغ هناك فى سنة اثنتين وثمانين كما تقدم، وتخلصت المدينة من أذى الروائح الكريهة التى كانت منتشرة فى تلك الجهات بسبب المدابغ. ومع كل ذلك لم تخسر الحكومة شيئا فى ذلك، فإن أرض المدابغ بيعت عن آخرها، وبنى فى مكانها المنازل الممتدة من جامع الطبلخ إلى مصر القديمة، وصار محلها الآن مبانى مشيدة وشوارع جديدة، وأضحت من أبهج المتنزهات، وأعمر المحلات.
وإلى هنا انتهى الكلام على وصف شارع سوق العصر قديما وحديثا:
***
стр. 714
شارع سويقة عصفور
يبتدئ من شارع الداودية تجاه شارع الحمزية، وينتهى إلى حارة عصفور، وطوله مائة متر وعشرة أمتار.
وبه من جهة اليمين: حارة القتلى يسلك منها لحارة المدابغ القديمة، ثم عطفة حوش البئر.
وفى نهايته حارة عصفور غير نافذة، وهناك سبيل وقف محمد كتخدا، أنشئ سنة سبع وثلاثين ومائة وألف، وشعائره مقامة بنظر رضوان أفندى جلبى.
***
стр. 715
شارع الداودية القبلى
هو عن يسار المارّ من شارع سويقة عصفور قبلى مسجد الست صفية، ويسلك منها لسكة سبيل الجزار، وطوله مائة وسبعون مترا.
وبه من جهة اليمين: سكة الحارة الكبيرة، طوله مائة متر وأربعة أمتار، وعطفتان؛ إحداهما تعرف بعطفة المسمط، والأخرى بعطفة نائل.
وأما جهة اليسار فبها: سكة الداودية، غربى مسجد الست صفية، يسلك منها لشارع الداودية البحرى.
***
стр. 716
شارع الداودية البحرى
هو فى الجهة البحرية لمسجد الست صفية، يبتدئ من شارع سوق العصر، وينتهى لشارع المغربلين، وطوله ثلثمائة وثمانون مترا.
وبه من جهة اليسار: عطفة جامع البردينى غير نافذة، وبجوارها جامع الشيخ كريم الدين البردينى، أنشأه سنة خمس وعشرين وألف، ولما مات دفن به، وهو مسجد صغير يصعد إليه بدرج، وبه خطبة، وله منارة، وشعائره مقامة من ريع حانوت تحته لم يكن له سواه.
وأما جهة اليمين فبها: حارة سبيل الجزار، يسلك منها لشارع محمد على ولشارع الحبانية وجامع الست صفية مرتفع عن أرض الشارع بنحو أربعة أمتار، وله بابان يصعد لهما بسلالم متسعة مستديرة، وله صحن متسع بدائره إيوان مسقوف بقباب على أعمدة من الحجر والرخام، وله مقصورة معدة للصلاة، بداخلها منبر وقبلة، ومطهرته منفصلة عنه بالطريق، وهو من إنشاء عثمان أغا ابن عبد أغا أغاى دار السعادة، ثم آل بطريق شرعى لسيدته الملكة صفية، كما فى كتاب وقفيته المحرر فى أواخر شوال سنة إحدى ومائة وألف.
وهناك سبيلان: أحدهما وقف أحمد جاهين، أنشأه سنة إحدى وثلاثين وألف، ونظره الآن للحاج رضوان ذى الفقار، والثانى وقف المحاسيجى تجاه جامع الست صفية، أنشأه سنة تسع وثلاثين ومائة وألف، ونظره لورثته.
وهذا الشارع كان يعرف قديما بدرب الفواخير، وكان من ضمن خط المدابغ القديمة كما وجد منصوصا فى حجج وقفيات هذه الخطة، ففى وقفية الأمير إسماعيل كتخدا القازدغلى
стр. 717
طائفة عزبان أنه وقف العمارة بخط المدابغ القديمة تجاه زاوية الشيخ كريم الدين البردينى، وفى وقفية رجب أغا ابن المرحوم إبراهيم أغا طائفة التفكشية وكتخدا الجاويشية أنه وقف أماكن بخط المدابغ القديمة بداخل درب الفواخير قريبا من مدرسة المرحوم كريم الدين.
(انتهى). (قلت): فيعلم من هذا أن درب الفواخير محله الآن هذا الشارع، وأن خطه كان يعرف بخط المدابغ القديمة، وأن جامع البردينى الموجود الآن هو المعبر عنه بزاوية كريم الدين وبمدرسة كريم الدين أيضا.
وإلى هنا انتهى الكلام على وصف شارع الداودية البحرى قديما وحديثا.
стр. 718
شارع الحبانية
أوله من سكة سبيل الجزار، وآخره شارع ضلع السمكة تجاه قنطرة سنقر، ويقطعه شارع محمد على، وطوله خمسمائة وعشرون مترا.
وبه من جهة اليسار: عطفتان غير نافذتين، الأولى تعرف بعطفة كعبة، والثانية بعطفة الأربعين.
وهذا الشارع هو الذى سماه المقريزى حارة العبدانية. قال: وكانت تعرف أولا بحارة البديعيين، ثم قيل لها بعد ذلك الحبانية من أجل البستان الذى يعرف بالحبانية الجارى فى وقف الخانقاه الصلاحية سعيد السعداء، ويتوصل إلى هذه الحارة من تجاه قنطرة سنقر، وبعض دورها الآن يشرف على بستان الحبانية، وبعضها يطل على بركة الفيل. (انتهى).
(قلت): وفى وقتنا هذا يتصل هذا الشارع بشارع الداودية وبشارع درب الجماميز من جهة قنطرة سنقر، وبه جامع صغير تجاه دار الأمير راتب باشا الصغير يعرف بجامع القاضى يحيى زين الدين، ويعرف أيضا بجامع محمد سعيد، له منارة مرتفعة، ويتبعه سبيل، بداخله وشعائرة مقامة من ريع أوقافه بنظر الديوان.
بستان الحبانية
وبه أيضا بقايا بستان يظهر أنه بعض بستان الحبانية الذى ذكره المقريزى عند الكلام على خارج باب زويلة حيث قال: ويشرف على بركة الفيل بساتين من دائرها، وإلى وقتنا هذا عليها بستان يعرف بالحبانية، وهم بطن من درماء بن عمرو بن عوف بن ثعلبة بن سلامان ابن بعل بن عمرو بن الغوث بن طئ، فدرماء فخذ من طئ، والحبانيون بطن من درماء، ثم قال: وبستان الحبانية فصل الناس بينه وبين البركة بطريق تسلك فيها المارة. (انتهى)
стр. 719
(قلت): فيؤخذ من هذا أن جميع المبانى الموجودة اليوم على يمنة المار من الحبانية طالبا شارع محمد على حدثت بعد ذلك. وكان هناك حمامان عن يسار الداخل من جهة قنطرة سنقر هدما وبقى أثرهما إلى سنة سبعين ومائتين وألف، ثم بنى فى محلهما دار بجوار دار الأمير راتب باشا.
ترجمة ظالم على
(قلت): وذكر الجبرتى فى حوادث سنة عشرين ومائة وألف فى ترجمة أحمد جربجى أن دار على جاويش المعروف بظالم على فى الحبانية بجوار الحمام الذى هناك. (قلت): ولم يكن بلصق الحمام إلا دار الأمير راتب باشا، فعلى هذا هى دار ظالم على المذكور. قال الجبرتى:
وظالم على هذا كان أميرا كبيرا مشاركا فى الكلمة للأمير أحمد جربجى عزبان المعروف بالقيومجى.
مات سنة خمس عشرة ومائة وألف، ومات الأمير أحمد بعده فى سنة عشرين ومائة وألف، والله أعلم.
وإلى هنا انتهى الكلام على وصف شارع الحبانية قديما وحديثا.
стр. 720
شارع محمد على
ابتداؤه من شارع العتبة الخضراء، وانتهاؤه المنشأة الجديدة التى تجاه جامع السلطان حسن، وطوله ألفا متر.
[ترب الأزبكية]
وكان بأوله الترب المعروفة بترب الأزبكية وبترب المناصرة، وكانت مقبرة كبيرة يدفن فيها من الأخطاط المجاورة لها وغيرها، ولم ينقطع الدفن بها إلا فى أواخر زمن العزيز محمد على باشا. وكانت هذه المقبرة محاطة بالمنازل من جهاتها الأربع، فكان فى جهتها الشرقية والقبلية منازل قلعة الكلاب وحارة المناصرة، وفى الجهة الغربية والبحرية منازل كوم الشيخ سلامة وشارع البكرى بما فى ذلك جامع أزبك والحمام الذى بجواره.
ثم لما شرعت الحكومة فى فتح شارع محمد على وعمل رسمه جاء مروره من وسطها تقريبا، فصدرت الأوامر للمحافظة بمشترى الأملاك الداخلة فى ذلك، وهدمت الترب ونقل منها بعض العظام إلى قرافة الإمام الشافعى وغيرها، والبعض الآخر عمل له صهريج مخصوص ودفن به، وبنى عليه مسجد عرف بمسجد العظام، وهو بقرب جامع العشماوى عن يمين المار بالشارع الموصل للعتبة الخضراء وعابدين.
وفى ذاك الوقت كنت ناظرا على ديوان المدارس والأوقاف، فطلبت من الخديو إسماعيل أن يحسن بالأرض المتخلفة من هذه المقبرة على المكاتب الأهلية ليستعان بثمنها على بناء المكاتب فى القاهرة وغيرها، فصدر أمره بذلك.
стр. 721
وفى سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف صار تقسيم الأرض المذكورة، وبيع نصفها، الكائن عن يسار المار بالشارع إلى العتبة الخضراء، فتحصل من ثمنها ستة عشر ألف جنيه مصرية، وشرع أربابها فى بنائها، فبنيت دكاكين وبيوت يفصلها حارات كبيرة وشوارع صغيرة وأصبحت هذه البقعة من أعمر الأخطاط وأصقعها، لقربها من الموسكى والأزبكية، بعد أن كانت قفرة موحشة لا يرغبها إنسان.
فائدة
ترجمة الأمير ازبك
الأزبكية المذكورة منسوبة للأمير أزبك الذى ترجمه ابن إياس فقال، كان أزبك هذا من أجل الأمراء قدرا، وأعظمهم ذكرا، وكان وافر الحرمة، نافذ الكلمة، فى سعة من المال، وكان أصله من معاتيق الظاهر جقمق، ويقال إن أصله من كتابية الأشرف برسباى، واشتراه الظاهر جقمق من بيت المال، وأعتقه فصار من معاتيقه، وصاهره مرتين فى ابنتيه، وتولى عدة وظائف جليلة بمصر، منها حجوبية الحجاب، ورأس نوبة كبير، ثم تولى نائب الشام فى دولة الظاهر بلباى، ثم عاد إلى مصر وتولى الأتابكية فى دولة الأشرف قايتباى سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، وأقام بها مدة، ثم قاسى شدائد ومحنا، ونفى نحو أربع مرات، وسجن بالإسكندرية مرتين.
وكان كفؤا للمهمات السلطانية والتجاريد، وقد سافر فى عدة تجاريد، وكان يطلب الطلبات الحافلة، وصرف على التجاريد من ماله مالا ينحصر. وكان مسعود الحركات فى سائر أفعاله، ذا شهامة وعلو همة، وأظهر العزم الشديد فى قتال عسكر ابن عثمان، ولم يجئ فى الأتابكية بعده مثله، ومات وله من العمر نحو خمس وثمانين سنة. وخلف من الأولاد ولده الناصرى محمدا الذى من بنت الظاهر جقمق وولده يحيى، وصاهره قانصوه خمسمائة فى إحدى بناته وماتت معه، فلما مات ترافع محمد ويحيى بين يدى السلطان، فوضع السلطان يده على تركته من صامت وناطق. قيل، وجد له من الذهب العين سبعمائة ألف دينار، خارجا عن الترك والخيول والقماش والتحف، وخارجا عن جهاز ابنته التى ماتت مع قانصوه خمسمائة، وقد قوّم ذلك بنحو مائة ألف دينار، فحمل ذلك جميعه إلى الخزائن الشريفة. ولولا الذى
стр. 722
صرفه الأمير أزبك على التجاريد وعمارة الأزبكية ما كان ماله ينحصر، وكانت تركته تعادل تركة سيلار نائب السلطنة، ومن أراد أن يعلم علو همة الأتابكى أزبك فلينظر ما صنعه من عمارة الأزبكية، وقد أنشأه فى سنة إحدى وثمانين وثمانمائة.
ثم قال: ومما عد من مساويه أنه كان شديد الخلق صعب المراس، إذا سجن أحدا لا يطلقه أبدا، وكان عنده حدة زائدة وشح فى نفسه، جرئ اللسان مع تكبر وبطش، وقد فاتته السلطنة عدة مرات. ولما مات نزل السلطان وصلى عليه فى سبيل المؤمنين، ودفن عند أستاذه الملك الظاهر جقمق، وكان يقال له أزبك الخازندار وناظر الخاص. (انتهى).
(قلت): وسبيل المؤمنين المذكور كان محله بجوار جامع المحمودية الكائن بالرميلة من الجهة الغربية للجامع.
الكلام على بركة الأزبكية
ثم لنذكر هنا بعض كلمات على بركة الأزبكية، فنقول: قال المقريزى: وأول ما عرفت من خبر هذه البركة أنها كانت بستانا كبيرا غربى الخليج، وكان يمتد فيما بين المقس وجنان الزهرى-يعنى من أولاد عنان إلى قنطرة باب الخرق-وكان يشرف على بحر النيل من غربيه وكان يعرف بالبستان المقسى نسبة إلى المقس-التى محلها الآن حارة النصارى المار بها شارع كلوت بيك-وسميت بالمقس بعد أن دخلت مصر فى يد المسلمين، وكانت أولا قرية تعرف بأم دنين، ثم لما صارت مصر للخلفاء الفاطميين أمر الخليفة الظاهر لإعزاز دين الله أبى هاشم على بن الحاكم بأمر الله يعد سنة عشر وأربعمائة بازالة أنشاب هذا البستان، وأن يعمل بركة قدام المنظرة التى تعرف باللؤلؤة ومحلها الآن عند جامع الشعراوى-فعملت بركة.
وبقيت كذلك إلى أن كانت الشدة العظمى فى زمن الخليفة المستنصر بالله فهجرت البركة وبنى على حافة الخليج أماكن عرفت بحارة اللصوص إذ ذاك، فلما كان فى أيام الخليفة الآمر بأحكام الله ووزارة الأجل المأمون محمد بن فاتك البطائحى أزيلت الأبنية، وعمق حفر الأرض وسلط عليها ماء النيل من خليج الذكر فصارت بركة عرفت ببطن البقرة، وما برحت إلى ما بعد سنة سبعمائة، وكان قد تلاشى أمرها منذ كانت الغلوة فى زمن الملك العادل كتبغا
стр. 723
فى سنة سبع وتسعين وستمائة، فكان من خرج من باب القنطرة يجد عن يمينه أرض الطبالة من جانب الخليج الغربى إلى حد المقس وبحر النيل الأعظم يجرى فى غربى بطن البقرة على حافة المقس إلى أرض الطبالة، ويمر من حيث الموضع المعروف اليوم بالجرف إلى غربى البعل، ثم قال: وموضع بطن البقرة يعرف اليوم بكوم الجاكى المجاور لميدان القمح وما جاور تلك الكيمان والخراب إلى نحو باب اللوق. (انتهى).
(قلت)، ومن يتأمل فى عظم بستان المقس وتحديدات المقريزى له يجد أنه لم يحفر كله بركة، إذ مساحته كانت تزيد على أربعمائة فدان، ولا يتصور حفر جميع ذلك بركة، بل الذى حفر هو الجزء القريب من منظرة اللؤلؤة فقط، وبقى بعضه إلى أيامنا وباقيه محله الآن المبانى الموجودة على حافة الخليج الغربية ما بين قنطرة الموسكى وباب القنطرة، ويدخل فى ذلك شارع ميدان القطن وشارع القنطرة وغيرهما. وأما باقى البستان فقد بقى على أصله إلى أن ضاقت مصر بالسكان فصار يحكر شيئا فشيئا حتى آلت البركة إلى القطعة التى بقيت فى زماننا هذا، وكانت مساحتها تبلغ نحو ستين فدانا.
وذكر ابن أبى السرور البكرى فى خططه أن هذه البقعة قبل بناء الأمير أزبك بها عمارته ساحة أرض خراب وكيمان فى أرض سباخ، وبها أشجار أثل وسنط، وكان بها مزار يعرف بسيدى عنتر، وآخر يعرف بسيدى وزير، ثم قال وفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة طم خليج الذكر، وخربت مناظر اللوق التى هناك، وصارت هذه البقعة خربة مقطع طريق مدة طويلة لا يلتفت إليها، ثم إن شخصا من الناس فتح بجمونا من الخليج الناصرى، فجرى فيه الماء أيام الزيادة وروى أرضها، وزرعت برسيما وشعيرا.
واستمرت على ذلك إلى سنة ثمانين وثمانمائة فى دولة الأشرف قايتباى، فحسن بال الأتابكى أزبك أن يعمر هناك مناخا لجماله، وكان سكنه قريبا منها. فلما أن عمر المناخ حلت له العمارة، فبنى القاعات الجليلة والدور والمقاعد وغير ذلك، ثم إنه أحضر أبقارا ومحاريث، وجرف ما احتاج إلى جرفه من الكيمان، ومهدها وصارت بركة، وبنى حولها رصيفا محيطا بها، وتعب فى ذلك تعبا شديدا حتى تم له ما أراد، وصرف عليها أموالا عديدة نحو مائتى ألف دينار، ثم إن الناس شرعوا فى البناء عليها، فينبت القصور النفيسة الفاخرة، والأماكن
стр. 724
الجليلة، وتزايدت العمائر بها إلى سنة إحدى وتسعمائة، وصارت بلدة بانفرادها، وأنشأ بها الأتابكى أزبك الجامع الكبير بخطبة ومنارة عظيمة، وأتقنه حتى صار فى غاية الحسن والزخرفة ثم أنشأ حول الجامع البناء والربوع والحمامات والقياسر، وما يحتاج إليه من الطواحين والأفران وغير ذلك من المنافع، ثم سكن أزبك فى تلك القصور إلى أن مات، وقد خرب الآن أغلبها وبه ذكرت الأزبكية. وكان عند فتح سد البركة يجتمع عنده الأمراء المتقدمون، وتأتى إليها الناس للفرجة أفواجا أفواجا، وكان لها يوم مشهود، وكان فى كل سنة تضرب حول البركة خيام، ويقع من القصف والفرجة ما لا مزيد عليه. (انتهى).
(قلت): ولم تزل على هذه الحال إلى زمن الخديو إسماعيل، فجرى تنظيمها على ما هى عليه الآن، وأخذ من بحريها وقبليها جزءا عمل فى بعضه التيانرو، والباقى دخل فى الميادين التى عملت هناك، وكان تنظيمها مدة نظارتى على ديوان الأشغال مع تنظيم الإسماعيلية.
والمناخ المتقدم ذكره محله الآن اللوكاندة الخديوية، وكان إنشاؤها بمعرفة جميعة إنجليزية ثم اشتراها الخديو إسماعيل، ثم فى مسألة تسوية الديون أخذها الميرى وباعها لأحد التليانيين المعروف بالخواجة جوزيف اللوكانتجى.
وأما جامع أزبك فقد هدم هو والحارة المجاورة له التى كانت تعرف بحارة الميضة، وكذا الحمام وما بجواره من المبانى فى تنظيم شارع محمد على، ومحل الجامع الآن قريب من محل التمثال من الجهة الشرقية، ومحل الحمام والرباع وغيرها الشوارع والميادين التى تجاه سراى العتبة الخضراء، فسبحان من يرث الأرض ومن عليها، ولله عاقبة الأمور.
ثم نعود إلى تتميم وصف شارع محمد على فنقول: إن هذا الشارع من أعظم ما عمل بمدينة مصر القاهرة، إذ بوجوده حصل نفع كبير وفوائد جمة للعامة وغيرها، وذلك كتنقية الهواء من الروائح الكريهة التى كانت توجب توالى الأمراض والأسقام على سكان الحارات والعطف التى قطعها، وبعد أن كانت جميع الجهات التى مر بها قليلة القيمة، مشحونة بالقاذورات، أصبحت بمروره منها عالية القيمة، مرغوبة السكنى توازى أعظم مواقع القاهرة، وقد بنى فى ضفتيه البيوت المشيدة، كالعمارة الكبيرة المستجدة ذات الأماكن العلوية والسفلية من إنشاء الحاج محمد أبى جبل أحد التجار المشهورين، وسراى الأمير حسن باشا الشريعى، وسراى نعماتى باشا، وسراى الأمير رستم باشا وغير ذلك من البيوت الكبيرة والصغيرة والحوانيت العديدة المتسعة.
стр. 725
فائدة
[ترجمة لاجين بيك]
سراى حسن باشا الشريعى المذكورة كانت تعرف أولا ببيت لاجين بيك أحد الأمراء المصريين، وهو-كما فى الجبرتى-الأمير الكبير لاجين بيك الفقارى حاكم الغربية. أصله من مماليك رضوان بيك صاحب قصبة رضوان. كان مقداما شجاعا انفرد بالرياسة، وعمر بيته الذى تجاه جامع الحين والسويقة التى هناك، المعروفة بسويقة لاجين، ثم لما حصلت واقعة الطرّانة بين الفقارية والقاسمية قتل فيها، وذلك بعد سنة أربعين وألف.
[ترجمة أحمد أفندى كاتب الروزنامة]
ثم انتقل هذا البيت إلى ملك أحمد أفندى كاتب الروزنامة ابن محمد أفندى التذكرجى، وكان منتميا لمحمد بيك جركس، فلما حصلت واقعة جركس وظهور ذى الفقار بيك وخرج جركس من مصر هاربا خرج معه المترجم إلى وردان. وكان جسيما، فانقطع مع بعض المنقطعين وأعرته العرب، وقبضوا عليه وأتوا به إلى مصطفى-تابع رضوان أغا-وكان بالطرّانة قائم مقام، فأرسله إلى مصر فحضروا به إلى بيت على بيك الدفتر دار، وعلى بيك أرسله إلى ذى الفقار، فلما حضر عنده لم يلتفت إليه، وأرسله إلى الباشا، فحبس بالقلعة وخنقوه ليلا، وأنزلوه إلى بيته، وهو بيت لاجين بيك المذكور، فغسّلوه وكفّنوه ودفنوه، وذلك بعد سنة أربعين ومائة وألف.
[ترجمة عبد الرحمن أغا أغات مستحفظان]
ثم انتقل إلى ملك عبد الرحمن أغا أغات مستحفظان، وهو من مماليك إبراهيم كتخدا، تقلد الأغاوية فى سنة سبعين ومائة وألف، واستمر فيها إلى سنة ثلاث وثمانين، ثم أرسل إلى غزة حاكما، وكان مأمورا بأن يتحيل على سليط ويقتله، وكان رجلا ذا سطوة عظيمة وفجور، فلم يزل يعمل الحيلة عليه حتى قتله فى داره، وأرسل برأسه إلى على بيك بمصر، وهى أول نكبة تمت لعلى بيك فى الشام، وبها طمع فى استخلاص الشام.
ولما حصلت الوحشة بين محمد بيك وسيده على بيك انضوى المترجم إلى محمد بيك، فلما استبد بالأمر قلده أيضا الأغاوية، فاستمر فيها مدة، ولما مات محمد بيك انحرف عليه
стр. 726
مراد بيك وعزله، ثم حصلت منافسات بينه وبين مراد بيك آلت إلى قتله بعد أن أحضروه إلى مراد بيك، وقطعوا يديه بأمره ثم حزوا رأسه، وذلك فى سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف.
وكان مقداما لم يأت بعده من يدانيه فى سياسة الأحكام والقضايا والتحيلات. باشر الحسبة مدة مع الأغاوية، وكان السوقة يحبونه، وتولى ناظرا على الجامع الأزهر مدة، وكان يحب العلماء ويتأدب معهم ويقبل شفاعتهم، وكان له تبصر، وعنده قوة فراسة وشدة حزم، عفا الله عنه. (انتهى ملخصا).
ثم بقى هذا البيت ينتقل فى أيدى الملاك إلى أن تولى العزيز محمد على باشا على الديار المصرية فأخذه وعمله ورشة للخياطين والصرماتية، ثم بعد إبطال الورش بقى مغلوقا مدة، ثم اشتراه حسن باشا الشريعى من الميرى بثلثمائة كيسة عملة صاغ ديوانى، ولما فتح شارع محمد على المذكور أخذ منه جزءا كان سببا فى تحسينه وتصقيعه، وهو باق إلى الآن فى ملك الباشا المذكور.
ثم بسبب قطع هذا الشارع معظم عرض المدينة، واتجاهه الواقع بين الشرق الجنوبى والبحرى الغربى حدث تغيير الهواء فى أغلب أنحاء المدينة بواسطة الشوارع والحارات التى قطعها. وكان الشروع فى عمل رسوماته وموازينه وغيرها بعد سنة تسعين ومائتين وألف، وكنت حينئذ ناظرا على ديوان الأشغال العمومية، وتحددت الأملاك والمنازل اللازم أخذها لذلك، ثم بعد إحالة الأورناتو على المحافظة صدر الأمر بشراء الأملاك، فبعض الناس باع وقبض الثمن، والبعض ارتضى بترك ما يؤخذ من ملكه بلا مقابل، ثم بعد إتمام ذلك صار الشروع فى العمل، وكان التصميم فى الأصل على أن يجعل عرضه عشرين مترا، منها ثمانية أمتار للمشايتين المجاورتين للمنازل، والاثنا عشر الباقية لمرور العربات والحيوانات وغير ذلك وعلى أن تعمل عقود للمشايتين المذكورتين، وتبنى المساكن فوقهما، فيحصل بذلك الوقاية من حر الشمس فى زمن الصيف، ومن المطر فى زمن الشتاء، ويكون هذا التنظيم داعيا لزيادة رغبة التجار فى استئجار الدكاكين الموجودة به.
وقد عدل قلم الأورناتو عن هذا التنظيم، ورتب به زرع اللبخ كما فى شوارع الإسماعيلية وغيرها، مع أن ما يحصل من الفائدة بغرس الأشجار لا يعادل ما كان يحصل من الفائدة
стр. 727
بعمل العقود، فإن فائدة الأشجار هى الخضرة والظل، لكن لا يخفى على كل عاقل المضار المترتبة على ذلك من وجود الناموس وغيره فى المنازل، ولربما صارت الأشجار سلما للصوص ونحوهم، وأما فائدة العقود فهى غير خافية، وفضلا عن الاستظلال بها كان يتحصل من انضمامها إلى المنازل زيادة سعة فيها، عوضا عما أخذ من أرضها، وكذلك كانت تنتفع الحكومة ببيع ستة عشر ألف متر تركتها بدون فائدة، وبالأقل المتر منها يساوى بينتو، فكأنها تركت ستة عشر ألف بينتو، وغير خاف أن الأشجار تحتاج لخدمة ومصرف مستديم لأجل إصلاحها وسقيها، والعقود لا تحتاج لشئ من ذلك، وبالجملة فعمل العقود كان أنفع من غرس الأشجار.
وأما الأماكن التى أخذت لأجل هذا الشارع فعددها ثلثمائة وثمانية وتسعون، منها بيوت كبيرة وصغيرة ثلثمائة وخمسة وعشرون، والباقى طواحين وأفران ورباع وحمامات وزرائب وخرائب، وأخذت قطعة من جامع قوصون من ضمنها الساقية والمأذنة والمطهرة والمراحيض.
جامع قوصون
وهذا الجامع أنشأه الأمير قوصون سنة ثلاثين وسبعمائة، وخطب به قاضى القضاة جلال الدين القزوينى بحضرة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، والآن جار تجديده من جهة ديوان الأوقاف العمومية.
وكذلك أخذ مسجد الشيخ بطيخة بأكمله، وجزء من مسجد الشيخ نعمان، وهو من إنشاء الأمير رجب أغا سنة خمس وثمانين وتسعمائة؛ بداخله ضريح الشيخ نعمان المذكور، وشعائره مقامة من جهة الديوان.
وكذا أخذ فى هذا الشارع جزء من مسجد الشيخ سليمان، وجعل ما بقى منه زاوية بأسفلها حوانيت، شعائرها مقامة من ريعها، وبداخلها ضريح الشيخ سليمان المذكور، وجزء من زاوية الشيخ ضرغام، وقد تكلمنا عليها فى شارع غيط العدّة.
ثم إن هذا الشارع جعل له انحدار واحد من ابتدائه إلى شارع قوصون، ومن ابتداء شارع قوصون إلى جامع السلطان حسن جعل له انحدار آخر، وقد ردم من عند جنينة دبوس أعلى من متر إلى مترين. فى طول الشارع إلى مسجد الشيخ نعمان المذكور، ومن هذا المحل
стр. 728
إلى آخر درب الحبانية قطعت أرضه من متر إلى مترين، وتسبب عن ذلك أن العطف والحارات المقطوعة صار بعضها منحطا وبعضها مرتفعا عن أرض الشارع، وهذا عيب من عيوب التنظيم، لكنه سيزول عند تجديد البيوت التى بالحارات والعطف المذكورة.
وقد عمل فى امتداد هذا الشارع قنطرة على الخليج عوضا عن قنطرة باب الخرق القديمة، وكذلك عمل مجرور لتصفية مياه المطر ولمنع الأتربة، ودكت أرضه بالرمل والدقشوم، ورتب فيه الكنس والرش فى كل يوم مرتين، ونصب فى جانبيه فنارات الغاز، فصار بذلك من أحسن الشوارع وأبهجها.
وللآن لم يتم الميدان المجاور لجامع السلطان حسن، فإنه إذا تم كما تقرر عنه من ديوان الأشغال العمومية ينتهى الشارع المذكور، وتكمل عمارات الحارات المجاورة له.
وأما المبلغ الذى صرف عليه فهو جزئى، وليس بشئ بالنسبة لما حصل من الفوائد العظيمة والمنافع الجسيمة لمدينة مصر القاهرة، ويا ليت الحكومة تهتم فى تتميم الشوارع الأخر التى منها الشارع المارّ من العتبة الخضراء إلى باب الفتوح، فإنه بمروره من الجهات البحرية والأماكن الحبيسة المحرومة من الشمس والهواء يكسبها الحياة، ويزيدها رغبة، ويرفعها قيمة، فإن نفع المدينة بهذين الشارعين زيادة عن نفعها بغيرها.
جامع السلطان حسن
وبنهاية هذا الشارع من جهة اليمين جامع السلطان حسن، أنشأه الملك الناصر حسن سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وعمله فى أكبر قالب، وأحسن هندام، وأضخم شكل، فهو من المبانى الفاخرة والآثار الظاهرة، شعائره مقامة من ريع أوقافه بنظر الديوان.
[جامع الرفاعى]
وفى مقابلة هذا الجامع جامع الرفاعى، عرف بسيدى على الرفاعى المدفون بداخله، المشهور بأبى شباك، يعمل له مولد كل سنة، ويستمر ثمانية أيام. وكان أول أمره زاوية تعرف بزاوية الرفاعى، فأزيلت هذه الزاوية مع ما جاورها من البيوت وغيرها، وصار الشروع فى إنشائها جامعا من جهة والدة الخديو إسماعيل، ولم يكمل للآن، بل ما بنى منه حصل به خلل، وصار معطل الشعائر الإسلامية.
انتهى ما يتعلق بوصف شارع محمد على قديما وحديثا:
стр. 729
شارع الزعفرانى
[ويعرف أيضا بشارع العدوى]
ابتداؤه من جهة الخلاء بحرى القاهرة، وانتهاؤه شارع باب الشعرية وشارع الفجالة من تجاه الدشطوطى، وهو قاطع للخليج المصرى، وطوله ثلثمائة وعشرون مترا.
وبه من جهة اليمين: عطفتان غير نافذتين، الأولى تعرف بعطفة الزعفرانى، والثانية تعرف بعطفة المحتسب.
وبوسطه الجامع المعروف بجامع العدوى بجوار قنطرة الخليج المعروفة بقنطرة العدوى، وهى من القناطر القديمة، ذكرها المقريزى وسماها بقنطرة باب الشعرية، وقال: هذه القنطرة على الخليج الكبير، يسلك إليها من باب الفتوح، ويمشى من فوقها إلى أرض الطبالة، وتعرف اليوم بقنطرة الخروبى. (انتهى). (قلت): ولم تزل موجودة إلى الآن على هيئتها الأصلية.
ترجمة الشيخ خضر العدوى
وأما جامع العدوى المذكور فكان أول أمره زاوية ذكرها المقريزى فى خططه وسماها بزاوية الشيخ خضر، وقال: هى خارج باب الفتوح من القاهرة بخط زقاق الكحل تشرف على الخليج الكبير عرفت بالشيخ خضر بن أبى بكر بن موسى المهرانى العدوى شيخ السلطان الملك الظاهر بيبرس. كان أولا قد انقطع بجبل المزة خارج دمشق، فعرفه الأمير سيف الدين قشتمر العجمى، وتردد إليه فقال له: لا بد أن يتسلطن الأمير بيبرس البندقدارى، فأخبر
стр. 730
بيبرس بذلك، فلما صارت المملكة إليه بعد قتل الملك المظفر قطز اشتمل على اعتقاده، وقرّبه وبنى له زاوية بجبل المزة، وزاوية بظاهر بعلبك. وزاوية بحماة، وزاوية بحمص.
وهذه الزاوية خارج القاهرة، ووقف عليها أحكارا تغل فى السنة نحو ثلاثين ألف درهم، وأنزله بها، وصار ينزل إليه فى الأسبوع مرة أو مرتين، ويطلعه على عوامض أسراره، ويستشيره فى أموره، ولا يخرج عما يشير به، ويأخذه معه فى أسفاره، وأطلق يده وصرفه فى مملكته، فاتقى جانبه الخاص والعام، حتى الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار نائب السلطنة، والصاحب بهاء الدين علىّ بن حنا، وملوك الأطراف، وكان يكتب إلى صاحب حماة وجميع الأمراء إذا طلب حاجة ما مثاله الشيخ خضر نياك الحمارة.
وكان ربع القامة كث اللحية يتعمم عسراوى، وفى لسانه عجمة مع سعة صدر، وكرم شمائل، وكثرة عطاء من تفرقة الذهب والفضة وعمل الأسمطة الفاخرة، وكانت أحواله عجيبة، لا تتكيف، وأقوال الناس فيه مختلفة، منهم من يثبت صلاحه ويعتقده ومنهم من يرميه بالعظائم. وكان يخبر السلطان بأمور تقع، منها: أنه لما حاصر أرسوف وهى أول فتوحاته قال له: متى نأخذ هذه المدينة؟ فعين له يوما يأخذها فيه، فأخذها فى ذلك اليوم بعينه. واتفق له مثل ذلك فى فتح قيسارية، فلذلك كثر اعتقاده فيه.
ثم قال: وما برح على رتبته إلى ثامن عشر شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة، فقبض عليه واعتقل بقلعة الجبل، ومنع الناس من الاجتماع عليه. ويقال إن ذلك بسبب أن السلطان كان أعطاه تحفا قدمت من اليمن منها كرّ يمنى مليح إلى الغاية، فأعطاه خضر لبعض المردان، فبلغ ذلك الأمير بدر الدين الخازندار النائب، وكان قد ثقل عليه بكثرة تسلطه حتى قال له مرة بحضرة السلطان: كأنك تشفق على السلطان وعلى أولاده مثل ما فعل قطز بأولاد المعز، فأسرها فى نفسه وبلّغ خبر الكرّ اليمنى إلى السلطان، فاستدعاه وحضر جماعة وافقوه على أمور كثيرة منكرة كاللّواط والزّنا ونحوه، فاعتقله ورتب له ما يكفيه من مأكول وفاكهة وحلوى.
ولما سافر السلطان إلى بلاد الروم، قال خضر لبعض أصحابه: إن السلطان يظهر على الروم ويرجع إلى دمشق، فيموت بها بعد أن أموت أنا بعشرين يوما. فكان كذلك، ومات خضر فى محبسه بقلعة الجبل فى سادس المحرم أو سابعه من سنة ست وسبعين وستمائة، وقد أناف
стр. 731
على الخمسين، فسلّم إلى أهله وحملوه إلى زاويته هذه ودفنوه بها، وكان السلطان قد كتب بالإفراج عنه، فقدم البريد بعد موته، ومات السلطان بدمشق فى السابع والعشرين من المحرم المذكور بعد خضر بعشرين يوما. وهذه الزاوية باقية إلى اليوم. (انتهى).
(قلت): وهى موجودة إلى وقتنا هذا وتعرف بجامع العدوى، وبداخلها ضريحان:
أحدهما يعرف بالشيخ الخروبى، والآخر ضريح الشيخ خضر العدوى المذكور، يعمل له مولد كل سنة، وشعائره مقامة من أوقافها بنظر عنبر أغا.
وبهذا الشارع أيضا ضريح يعرف بضريح الشيخ ترك، ووكالة تعرف بوكالة عوض، وعدة من البيوت الكبيرة والصغيرة، وجبّاسة تعرف بجباسة أحمد موسى.
وإلى هنا انتهى الكلام على وصف شارع الزعفرانى قديما وحديثا.
стр. 732
شارع الفجالة
ابتداؤه من آخر شارع الزعفرانى وأول شارع باب الشعرية، وانتهاؤه قراقول باب الحديد، وطوله ألف متر ومائة وخمسون مترا.
وبه من جهة اليمين: حارة الفجالة غير نافذة، وبها عدة بيوت، ثم سكة الإسماعيلية، ثم سكة لينان بيك.
وبأوله: جامع سيدى على المنشلى بالقرب من جامع الدشطوطى، به ضريح سيدى على المذكور، وشعائره غير مقامة، وتحت نظر الديوان.
وبآخره قراقول باب الحديد المستجد، مقيم به معاون ثمن الأزبكية، وبيت الصحة الطبية. وهذا القراقول أنشئ فى زمن الخديو إسماعيل باشا مدة نظارتى على ديوان الأشغال، والذى عمل رسمه الأمير حسن باشا كشك المعروف بالمعمار، وكذلك قره قول عابدين.
وهذا الشارع جميعه من الأرض المعروفة بأرض الطبالة التى يأتى بيانها بشارع قنطرة الدكة وهو يوازى سور البلدة تقريبا. وقبل مجئ الفرنساوية كانت أرضه صعبة، يعسر المرور بها ثم لما دخلت الفرنساوية أرض مصر ونظمت بعض الجهات نظمت هذا الشارع وجعلته ممتدا من قنطرة باب الحديد إلى قنطرة العدوى.
وفى الأزمان القديمة كان السالك فيه من جهة باب الشعرية يجد عن يمينه القرية المعروفة بقرية كوم الريش التى ذكرها المقريزى، وقد صارت بعد نقلها تلالا عالية، وبقيت كذلك إلى أن أزيلت فى زمن الخديو إسماعيل باشا مدة نظارتى على ديوان الأشغال.
стр. 733
وكان السالك فيه أيضا يبصر على بعد البركة المعروفة ببركة الرطلى التى ذكرناها فى زماننا ثم إنها ردمت بعد إزالة التلول المذكورة، وانتظمت هذه الخطة من ابتداء ترعة الإسماعيلية إلى سور البلد عرضا ومن جامع أولاد عنان إلى بوابة الحسينية طولا، وبيعت الأرض المملوكة للحكومة، وبنى فيها وفى غيرها من أرض الأهالى مبان هائلة، وقصور فاخرة، تحيط بها بساتين نضرة، وحدائق مستحسنة، وانقسمت إلى حارات منتظمة، وشوارع معتدلة فأصبحت نزهة للناظرين، وبهجة للطالبين، وكثرت الرغبة فى سكناها لحسن موقعها وجودة هوائها، وارتفعت قيمتها حتى بلغ ثمن المتر المسطح فى أرضها نحو الثمانين قرشا ميرية بعد أن كان لا يساوى قرشا واحدا.
[أسوار القاهرة]
وبالتأمل فيما ذكره المقريزى فى ترجمة سور القاهرة، يعلم أن السور القريب من هذا الشارع هو من بناء بهاء الدين قراقوش فى زمن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب، لأنه ذكر أن القاهرة منذ أسست عمل سورها ثلاث مرات:
السور الأول كان من لبن، وضعه القائد جوهر على مناخه الذى نزل به هو وعساكره حيث القاهرة الآن، فأداره على القصر والجامع، وذلك أنه لما سار من الجيزة بعد زوال الشمس من يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة بعساكره، وقصد إلى مناخه الذى رسمه له مولاه المعز لدين الله، واستقرت به الدار اختط القصر، وأصبح المصريون يهنئونه فوجدوه قد حفر الأساس فى الليل، فأدار السور اللبن وسماها المنصورية، إلى أن قدم المعز من بلاد المغرب إلى مصر، ونزل بها فسماه القاهرة، ويقال فى سبب تسميتها أن المريخ كان فى الطالع عند ابتداء وضع الأساس وهو قاهر الفلك، فسموها القاهرة، واقتضى نظرهم أنها لا تزال تحت القهر، وأدخل فى دائر هذا السور بئر العظام، التى هى الآن بالجامع الأقمر بخط بين القصرين، ثم قال: وجعل القاهرة حارات للواصلين صحبته وصحبة مولاه المعز، وعمّر القصر بترتيب ألقاه إليه المعز، ويقال إن المعز لما رأى القاهرة لم يعجبه مكانها وقال لجوهر: لما فاتك عمارة القاهرة بالساحل كان ينبغى عمارتها بهذا الجبل-يعنى سطح الجرف الذى يعرف اليوم بالرصد المشرف على جامع راشدة.
стр. 734
(قلت): ومحله اليوم قرية البساتين الواقعة على شرقى مصر العتيقة، ثم قال: ورتب فى القصر جميع ما يحتاج إليه الخلفاء، بحيث لا تراهم الأعين فى النقلة من مكان إلى مكان، وجعل فى ساحته البحرة والميدان والبستان، وتقدم بعمارة المصلى بظاهر القاهرة. (أقول): ومحلها الآن بحرى باب النصر، وآثارها موجودة إلى اليوم.
والسور الثانى بناه أمير الجيوش بدر الجمالى فى سنة ثمانين وأربعمائة، وزاد فيه الزيادات التى فيما بين بابى زويلة وباب زويلة الكبير، وفيما بين باب الفتوح الذى عند حارة بهاء الدين وباب الفتوح الآن، وزاد عند باب النصر أيضا جميع الرحبة التى تجاه جامع الحاكم الآن إلى باب النصر، وجعل السور من لبن، وأقام الأبواب من حجارة. (قلت): بابا زويلة كانا عند زاوية سام بن نوح الموجودة إلى الآن بلصق سبيل العقادين، وباب زويلة الكبير هو الموجود الآن فى مقابلة قراقول باب زويلة، فالزيادة حينئذ تكون من زاوية سام إلى هذا الباب. قال المقريزى: وفى نصف جمادى الآخرة سنة ثمانى عشرة وثمانمائة ابتدئ بهدم السور الحجر فيما بين باب زويلة الكبير وباب الفرج عند ما هدم الملك المؤيد شيخ الدور ليبنى جامعه، فوجد عرض السور فى الأماكن نحو عشرة أذرع.
والسور الثالث ابتدأ فى عمارته السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فى سنة ست وستين وخمسمائة-وهو يومئذ على وزارة العاضد لدين الله-فلما كانت سنة تسع وستين وقد استولى على المملكة انتدب لعمل السور الطواشى بهاء الدين قراقوش الأسدى، فبناه بالحجارة على ما هو عليه الآن، وقصد أن يجعل على القاهرة ومصر والقلعة سورا واحدا، فزاد فى سور القاهرة القطعة التى من باب القنطرة إلى باب الشعرية، ومن باب الشعرية إلى باب البحر، وبنى قلعة المقس، وهى برج كبير، وجعله على النيل بجانب جامع المقس وانقطع السور من هناك. وكان فى أمله مد السور من المقس إلى أن يتصل بسور مصر، وزاد فى سور القاهرة قطعة مما يلى باب النصر ممتدة إلى باب البرقية وإلى درب بطوط وإلى خارج باب الوزير ليتصل بسور قلعة الجبل، فانقطع من مكان يقرب الآن من الصوّة تحت القلعة لموته. وإلى الآن آثار الجدار ظاهرة لمن تأملها فيما بين آخر السور إلى جهة القلعة وكذلك لم يتهيأ له أن يصل سور قلعة الجبل بسور مصر
стр. 735
مطلب بيان دور السور المحيط بالقاهرة
وجاء دور هذا السور المحيط بالقاهرة الآن تسعة وعشرين ألف ذراع وثلثمائة ذراع، وذراعين بذراع العمل، وهو الذراع الهاشمى، من ذلك ما بين قلعة المقس على شاطئ النيل والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، ومن قلعة المقس إلى حائط قلعة الجبل بمسجد سعد الدولة ثمانية آلاف وثلثمائة واثنان وتسعون ذراعا، ومن جانب حائط قلعة الجبل من جهة مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع، ومن وراء القلعة بحيال مسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتان وعشرة أذرع، وذلك طول قوسه فى أبراجه من النيل إلى النيل.
[قلعة المقس]
وقلعة المقس المذكورة كانت برجا مطلا على النيل فى شرقى جامع المقس، ولم تزل إلى أن هدمها الوزير الصاحب شمس الدين عبد الله المقسى عند ما جدد الجامع المذكور فى سنة سبعين وسبعمائة، وجعل فى مكان البرج المذكور جنينة، وذكر أنه وجد فى البرج مالا، وأنه إنما جدد الجامع منه. والعامة تقول اليوم جامع المقسى بالإضافة.
ترجمة الخندق المحيط بسور القاهرة
وكان بحيط بسور القاهرة خندق شرع فى حفره من باب الفتوح إلى المقس فى المحرم سنة ثمان وتمانين وخمسمائة. وكان أيضا من الجهة الشرقية خارج باب النصر إلى باب البرقية وما بعده، وشاهدت آثار الخندق باقية، ومن ورائه سور بأبراج، له عرض كبير مبنى بالحجارة، إلا أن الخندق انطمّ، وتهدمت الأسوار التى كانت من ورائه. (انتهى).
(قلت): وجامع المقس هو الجامع المعروف اليوم بأولاد عنان، والكوم الأحمر هو الكوم التراب الموجود فوق قنطرة السد الموصلة إلى قصر العينى من شارع السيدة زينب.
وإلى هنا انتهى الكلام على وصف شارع الفجالة قديما وحديثا.
стр. 736
شارع الدشطوطى
هو عن يمين المارّ من شارع الفجالة تجاه شارع باب الشعرية، وطوله ثلثمائة متر.
جامع الدشطوطى
عرف بذلك من أجل أن به ضريح سيدى عبد القادر الدشطوطى داخل الجامع الشهير به فى هذه الخطة الذى برأس خوخة القطانيين، خارج باب الشعرية المعروف اليوم بباب العدوى أنشأه الشيخ عبد القادر الدشطوطى مدرسة فى تاسع شعبان سنة أربع وعشرين وتسعمائة، ثم جدده السيد محمد جلال الدين البكرى المدفون به، وأرضه مرتفعة، يصعد إليها بدرج، وعلى ضريح سيدى عبد القادر قبة مرتفعة، وله حضرة كل ليلة جمعة، ومولد كل عام، فى شهر رجب يقيم ثمانية أيام آخرها ليلة المعراج الشريف، وشعائره مقامة بنظر نقيب الأشراف السيد عبد الباقى البكرى.
وهناك سبيل معروف بسبيل الدشطوطى أنشئ سنة إحدى وعشرين ومائة وألف، وهو عامر بنظر السيد المذكور.
وبهذا الشارع من جهة اليمين: حارة العلوة بأولها زاوية يقال لها زاوية البلخى، تجاه جامع الدشطوطى، لها منبر وخطبة، وبداخلها ضريح الشيخ أحمد البلخى، يعمل له مولد كل سنة عقب مولد سيدنا الحسين-﵁-وشعائرها مقامة بنظر الديوان.
وبآخر هذه الحارة ضريح يعرف بالشيخ حمودة، للناس فيه اعتقاد.
ثم عطفة الشيخ شهاب، بداخلها ضريح الشيخ شهاب، وسماه الشعرانى فى طبقاته شهاب الدين المجذوب، وذكر فى ترجمة الشيخ فرج المجذوب أنه لما مات دفن عند الشيخ شهاب المذكور.
стр. 737
[جامع الحريشى]
ثم بعد عطفة الشيخ شهاب عطفة البركة المعروفة ببركة الرطلى، بآخرها جامع الحريشى، بين دار الأمير سليم باشا السلاحدار ودار الأمير حسين باشا الخازندار. وهذا الجامع هو الذى عبر عنه المقريزى بجامع بركة الرطلى فقال: أنشئ هذا الجامع، وكان ضيقا قصير السقف، وفيه قبة تحتها قبر يزار، وهو قبر الشيخ خليل بن عبد ربه-خادم الشيخ عبد المتعال-توفى فى المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فلما سكن الوزير الصاحب سعد الدين إبراهيم بن بركة البشيرى بجوار هذا الجامع هدمه، ووسع فيه، وبناه هذا البناء سنة أربع عشرة وثمانمائة، وهو عامر إلى الآن، وشعائره مقامة من ريع أوقافه. وذكر المناوى فى طبقاته، وكذا الشعرانى أن الشيخ يوسف الحريشى هو من جماعة الشيخ ابن عنان، مات سنة أربع وعشرين وتسعمائة ودفن بجامع البشيرى ببركة الرطلى. (انتهى). (قلت): وهذا هو السبب فى تسمية الجامع بجامع الحريشى.
ويؤخذ من كلام الشعرانى فى طبقاته أنه كان بالقرب من بركة الرطلى كوم مدفون به جماعة من الصالحين منهم الشيخ حسن العراقى، المتوفى سنة ثلاثين وتسعمائة، وسيدى حبيب المجذوب، وترجم لهما وأثنى على كل منهما. والآن قد زال هذا الكوم وزال ما كان عليه من المبانى والقبور، ولله عاقبة الأمور.
[بركة الرطلى]
وأما بركة الرطلى فقد ذكرها المقريزى فى البرك فقال: هذه البركة فى الجهة البحرية من مدينة مصر غربى جامع الظاهر. (انتهى). (قلت): وقد زالت وردمت من أتربة الكيمان التى كانت هناك، وذلك فى مدة نظارتى على ديوان الأشغال زمن الخديو إسماعيل باشا، وكان محلها على يمين السالك من طريق العباسية من ابتداء الخليج الكبير.
وفى خطط الفرنساوية كان جامع البكرية قريبا من نهايتها الشرقية، وجامع الحريشى فى زاويتها القبلية الشرقية، ويظهر من صورتها على الرسم أنها كانت فى غاية العظم، فإن طولها كان نحو ثلثمائة متر وخمسين مترا، وعرضها المتوسط قريبا من مائة متر، ومساحتها تقرب من تسعة فدادين مصرية.
стр. 738
وذكر المقريزى أيضا أنها كانت من جملة أرض الطبالة، وعرفت ببركة الطوابة أيضا من أجل أنه كان يعمل فيها الطوب، فلما حفر الخليج الناصرى التمس الأمير بكتمر الحاجب من المهندسين أن يجعلوا حفر الخليج على الحرف إلى أن يمر بجانب بركة الطوابين هذه، ويصب من بحرى أرض الطبالة فى الخليج الكبير، فوافقوه على ذلك ومر الخليج من ظاهر هذه البركة كما هو اليوم، فلما جرى ماء النيل فيه روى أرض البركة، فعرفت ببركة الحاجب فإنها كانت بيد الأمير بكتمر الحاجب المذكور.
وكان فى شرقى هذه البركة زاوية بها نخل كثير، وفيها شخص يصنع الأرطال الحديد التى تزن بها الناس، فسماها الناس بركة الرطلى نسبة لصانع الأرطال. وبقى محل الزاوية قائما بالبركة إلى ما بعد سنة تسعين وسبعمائة، فلما جرى الماء فى الخليج ودخل منه إلى هذه البركة عمل الجسر بين البركة والخليج، فحكره الناس وبنوا فوقه الدور، ثم تتابعوا فى البناء حول البركة حتى لم يبق بدائرها خلو، وصارت المراكب تعبر إليها من الخليج الناصرى، فتدورها تحت البيوت وهى مشحونة بالناس، فيمر هنالك للناس أحوال من اللهو يقصر عنها الوصف وتظاهر الناس فى المراكب بأنواع المنكرات من شرب المسكرات وتبرج النساء الفاجرات، واختلاطهن بالرجال من غير إنكار، فإذا نضب ماء النيل زرعت البركة بالقرط وغيره، فيجتمع فيها من الناس فى يومى الأحد والاثنين عالم لا يحصى لهم عدد، إلى أن قال: وفى سنة ست وثمانمائة تلاشى أمرها. (انتهى).
[أرض الطبالة]
(قلت): وأرض الطبالة المذكورة هى الأرض الكائنة بحرى القاهرة التى يحصرها الخليج الكبير والترعة الإسماعيلية وسور القاهرة وجامع أولاد عنان، وقد عمرت الآن بالمبانى المشيدة، والقصور النضرة، والشوارع والحارات المنتظمة. وفى سنة ثمان وتسعين ومائتين وألف جعل بها فنارات الغاز، وصارت بذلك من أحسن الجهات، وعمّا قليل لا يوجد بها فضاء ألبتة، لرغبة الناس فى البناء هناك لطيب هوائها عن داخل القاهرة.
وأما الجهة اليسرى من شارع الدشطوطى المذكور فيها:
حارة القطانيين، وهى حارة كبيرة بداخلها خمس عطف وهى:
عطفة لطفى، وعطفة الدودة، والعطفة الصغيرة، وعطفة الرحبة، والعطفة الأخيرة
стр. 739
ضريح الشيخ يوسف
ثم عطفة القسط غير نافذة، ثم درب حاتم غير نافذ، وبداخله ضريح يعرف بالشيخ يوسف، ثم العطفة السد.
وهناك بقرب آخره الجامع المعروف بجامع البكرية، ويعرف أيضا بالجامع الأبيض، أنشأه العارف بالله تعالى الشيخ أبو البقاء جلال الدين الصديقى سنة ثمان وتسعمائة، وكان به قديما مدفن سيدى مدين ابن سيدى شعيب التلمسانى، فأنشأ عليه الأستاذ أبو البقاء القبة، وجعل لنفسه مدفنا ملاصقا لمدفن سيدى مدين المذكور، وعمل بعض فساقى أخر، وبنى المئذنة، ووقف عليها أوقافا دارة
ترجمة جلال الدين البكرى
قال القطب الشعرانى: وكانت وفاة الشيخ جلال الدين البكرى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة، وكان من العلماء العاملين والأولياء الصالحين، أخذ العلم عن عمه الشيخ جلال الدين البكرى وشيخ الإسلام يحيى المناوى والكمال بن أبى شريف، ودفن بالقبة المذكورة. (انتهى).
(قلت): وهو اليوم متخرب ومعطل الشعائر.
وبهذا الشارع أيضا دار لنقيب الأشراف البكرى، يعمل فيها مولد الشيخ الدشطوطى، ودار ورثة عبد الفتاح مفتاح، وعدة من الدور الكبيرة والصغيرة.
قبر الشيخ عبد الرحمن المجذوب
والسالك فى هذا الشارع قاصدا نحو جامع الظاهر يجد عن يساره جامع البكرية، وحوله عدة من البيوت والبساتين، وعن يمينه بساتين، ثم يتقابل بشارع العباسية المستجد الموصل إلى العباسية وغيرها، فيجد عن يمينه عند تقاطع شارع الدشطوطى بشارع العباسية بناء قديما فيه قبر يغلب على الظن أنه قبر الشيخ عبد الرحمن المجذوب الذى ترجمه الشعرانى فى طبقاته، وقال إنه مات فى سنة أربع وأربعين وتسعمائة، ودفن بالقرب من جامع الظاهر بالحسينية فى زاويته- (انتهى).
وهذا آخر ما تيسر لنا من الكلام على وصف شارع الدشطوطى قديما وحديثا.
ثم لنرجع إلى بيان وصف الشارع الطوالى المارّ من باب الشعرية إلى قنطرة الدكة فنقول
هذا الشارع يبتدئ من شارع باب الشعرية تجاه جامع المغربى، وينتهى لشارع قنطرة الدكة أمام جامع أولاد عنان، وطوله ألف متر ومائة وثمانون مترا، وينقسم ثلاثة أقسام:
стр. 740
القسم الأول: شارع الطنبلى
يبتدئ من أول شارع باب الشعرية، وينتهى لأول شارع الطواشى، وبه شارع سوق الزلط، وسيأتى بيانه.
وبه من جهة اليسار عطف وحارات ودروب على هذا الترتيب:
عطفة برج، يسلك منها لدرب الصهريج، ولدرب المحكمة.
حارة المبرقعة غير نافذة، وبداخلها زاوية الست المبرقعة، وتعرف أيضا بزاوية أبى طالب شعائرها مقامة من أوقافها بنظر بعض الأهالى.
عطفة عجوة غير نافذة.
حارة الأقماعية، يسلك منها لشارع باب الشعرية وغيره، وبأولها ضريح سيدى حسن، وبداخلها جامع قديم يعرف بجامع سيدى مسعود، بداخله ضريحه، وشعائره مقامة بنظر بعض الأهالى.
درب الصهريج، يسلك منه لعطفة برج.
عطفة أجيجة غير نافذة.
عطفة المرعشلى غير نافذة.
عطفة رضوان كاشف غير نافذة، وبجوارها ثلاث عطف غير نافذة أيضا.
ثم حارة البئر الحلوة، يتوصل منها للدرب المعروف بدرب سيدى مدين الكائن بشارع أبى بدير.
وبهذا الشارع أيضا زاويتان: إحداهما تعرف بزاوية الصبان، وهى مقامة الشعائر بنظر ديوان الأوقاف، والأخرى تعرف بزاوية الست مريم، وهى بأول الشارع على يسرة من سلك إلى شارع الفجالة، شعائرها مقامة من ريع أوقافها القليلة بنظر بعض الأهالى.
وبوسطه حمام كبير يعرف بحمام الطنبلى، وهو برسم الرجال والنساء، وله بابان؛ أحدهما من هذا الشارع، والآخر من حارة الأقماعية.
وإلى هنا انتهى الكلام على وصف شارع الطنبلى
следующие страницы →