← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 1468

الخطط التوفيقية الجديدة

علي مبارك

Полный текст (5 619 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(قلت): بستان البواشقى محله الآن الأرض التى على يمين المار فى شارع البلاقسة إلى الشيخ ريحان، وكان مجاور البستان الفرغانى، والطريق الموصلة إلى الهدير الصغير، محلها الآن حارة الزير المعلق، وأما حكر الزهرى فمحله الآن كتلة البيوت والحارات الباقية من خط عابدين المحددة بالخليج الكبير، وشارع درب الحجر، وشارع الزير المعلق، وشارع غيط العدة. انتهى ما يتعلق بوصف شارع سويقة السباعين قديما وحديثا. ***

стр. 807

شارع أبى الليف أوله من شارع سويقة السباعين، وآخره أول شارع المذبح، وطوله مائة وثمانية وأربعون مترا. وبأوله زاوية أبى الليف الذى عرف الشارع به، وهى زاوية صغيرة، شعائرها مقامة من غلة حوش موقوف عليها، وبداخلها ضريح الشيخ محمد بن غازى المشهور بأبى الليف، يعمل له مولد كل سنة. وبهذا الشارع من جهة اليمين خوخة تعرف بخوخة سعدان، وحارة تعرف بحارة العجمى باسم ضريح الشيخ العجمى الذى بداخلها بجوار بيت مصطفى أفندى راشد من الجهة الغربية. وبه من جهة اليسار درب يعرف بدرب مشمش. ***

стр. 808

شارع المذبح أوله من آخر شارع أبى الليف، وآخره شارع درب الحمام، وطوله مائة وعشرون متر وبه من جهة اليمين عطفة السنان، وعطفة شرف، وبه أيضا زاويتان متخربتان إحداهما تعرف بزاوية الفوالة، والأخرى بزاوية خلوك، نظرهما للديوان. ***

стр. 809

شارع خليل طينة بالنون بعد الياء التحتية، أوله من شارع درب الجماميز، ويقطعه الخليج المصرى وآخره بجوار الشيخ صالح من الجهة القبلية، وطوله ثلثمائة وثمانون مترا، ويعرف أيضا بشارع الحنفى. وبه من جهة اليمين حارة وثلاث عطف وهى: حارة سوق مسكة يسلك منها لحارة النصارى، وبداخلها الجامع المعروف بجامع الست مسكة، بالقرب من جامع الشيخ صالح أبى حديد، أنشأته سنة ست وأربعين وسبعمائة، وأقيمت فيه الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وبداخله قبر الست مسكة جارية الملك الناصر محمد بن قلاوون، عليه مقصورة من الخشب، وبوسط صحنه بئر ومطهرته ومنافعه بخارجه، واستمر مدة متخرّبا، ثم جدده ديوان الأوقاف، وهو مقام الشعائر إلى الآن. ولما عمرت الست مسكة هذا الجامع فى الحكر المعروف بها بسويقة السباعين بقرب حكر الست حدق بنى الناس حوله حتى صار متصلا بالعمارة من سائر جوانبه، وسكنه الأمراء والأعيان، وأنشأوا به الحمامات والأسواق وغير ذلك كما فى المقريزى. وأما حكر الست حدق فقال المقريزى: إنه يعرف اليوم بالمريس، وكان بساتين من بعضها بستان الخشاب، فعرف بالست حدق، من أجل أنها أنشأت هناك جامعا كان موضعه منظرة السكرة فبنى الناس حوله، وأكثر من كان يسكن هناك السودان، وبه يتخذ المزر ومأوى أهل الفواحش والقاذورات، وصار به عدة مساكن وسوق كبير، يحتاج محتسب

стр. 810

القاهرة أن يقيم به نائبا عنه للكشف عما يباع فيه من المعايش، ثم قال: وقد أدركنا المريس على غاية من العمارة، إلا أنه اختل منذ حدثت الحوادث من سنة ست وثمانمائة، وبه الآن بقية من فساد كبير. (انتهى). (قلت): فيؤخذ من كلام المقريزى أن بستان الخشاب كان بعض هذا الحكر، ومحله الآن الأرض الواقعة أمام قصر العينى والقصر العالى، المحددة بالخليج والشارع المارّ تجاه منزل أحمد باشا راشد إلى القصر العالى، ولعل تسميته بالمريس فى زمن المقريزى أخذت من سكن السودان به، وعملهم المزر المسمى أيضا بالمريسة، ويظهر أن مساكن السودان كانت ممتدة على جانبى الخليج إلى أن تتصل بمبانى البلد محل منزل أحمد باشا راشد، ومنزل حافظ بيك، وإلى شارع السيدة زينب الموصل للأرض التى بها مسجد زين العابدين المعروفة قديما بالأرض الصفراء كما ذكر ذلك المقريزى عند الكلام على قطائع ابن طولون. وأما الجامع الذى أنشأته الست حدق فى محل منظرة السكرة فقد ذكرناه فى غير هذا الموضع من هذا الكتاب أن محله الآن عمارة حسن باشا راسم الواقعة تجاه بيت داود باشا يكن وبيت يوسف باشا فهمى، غربى بيت أحمد باشا المذكور. وبداخل حارة سوق مسكة أيضا حارة الزعفران، وعطفة الفرن وحارة النصارى، بداخلها دار خورشيد باشا السنارى، وعطفة الخمارة، وعطفة خلف، وعطفة السمك ودرب الأسطى، وبعد حارة سوق مسكة عطفة تعرف بعطفة الشربجى، بها بيت جاهين بيك بداخله جنينة، ثم العطفة السد، ثم عطفة الحمام، عرفت بحمام مصطفى بيك الذى بداخلها، وهو برسم الرجال والنساء، وبقربه جامع ابن إدريس، أنشأه السيد أحمد بن إدريس الشافعى القاسمى فى سنة إحدى ومائتين وألف، بداخله قبره عليه مقصورة من الخشب، ويعمل به حضرة كل أسبوع ومولد كل عام، وشعائره مقامة من ريع أوقافه إلى الآن، وبقربه دار ورثة المرحوم محمد بيك الدغستلى، بها جنينة. وأما جهة اليسار فبها عطفة القماش، وعطفة الجردلى التى بها دار إسماعيل باشا الفريق، وعطفة قفص الوز، وعطفة النقلى، ودرب الهياتم، وهو درب كبير بداخله الجامع المعروف بجامع الهياتم، أنشأها الأمير يوسف جربجى فى سنة سبع وسبعين ومائة وألف، وشعائره مقامة

стр. 811

من ريع أوقافه إلى اليوم، وبلصقه سبيل يعلوه مكتب تابع له، وبهذا الدرب أيضا من الدور الكبيرة دار الأمير سليم باشا أباظه، ودار الأمير إبراهيم باشا جركس، وهى دار الأمير يوسف جربجى صاحب الجامع المذكور، ودار أحمد باشا الطويجى، ودار المرحوم مراد بيك ودار الأمير مصطفى بيك فرحات، ودار الأمير رستم بيك، فى مقابلتها جبّاسة تعرف بجباسة درويش مصطفى، معدة لبيع الجبس وطحنه، ودار الأمير أمين باشا الأزمرلى، وسراى الهياتم، الجميع بجنائن، ما عدا دار الأمير مصطفى بيك فرحات، وبجهة اليسار أيضا حارة الميضأة، تجاه ضريح سيدى البرمونى. جامع الأستاذ الحنفى وبهذا الشارع من الجوامع الشهيرة جامع الأستاذ الحنفى، أنشأه الأستاذ شمس الدين أبو محمود الحنفى بجوار داره فى سنة سبع عشرة وثمانمائة، كما ذكره المقريزى، وجعل له ثلاثة أبواب، أشهرها المفتوح على الشارع، وعن يسرة الداخل به مدفن الشيخ عمر شاه، والشيخ عمر الركنى، وسبيل ومكتب لتعليم الأطفال، وفى سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف جدده الأمير سليمان أفندى تابع العزيز محمد على باشا، كما هو منقوش بجوار قبلته، وفيه بئران قديمتان، إحداهما بالإيوان الصغير البحرى، وكانت تسمى بئر الكرامة، قد سد فمها بالحجر بعض النظار، والأخرى تجاه باب المقصورة بجوار العمود، يستشفون بمائها ويزعمون أنها من ماء زمزم، وهى دائما مغطاة لا تفتح إلا أيام المولد، وبالجانب الأيمن ضريح السلطان الحنفى، يعلوه قبة مرتفعة، وعليه مقصورة من الخشب المرصع بالصدف والعاج، يعمل له مقرأة كل أسبوع ومولد كل عام، وشعائره مقامة إلى الغاية من أوقافه الكثيرة. ترجمة الشيخ صالح أبى حديد وبقربه جامع الشيخ صالح أبى حديد، أنشأه الخديو إسماعيل سنة ثمانين ومائتين وألف، بداخله قبره، عليه مقصورة من النحاس، يعلوها قبة مرتفعة، يعمل له حضرة كل أسبوع ومولد كل عام، وشعائره مقامة من ريع أوقافه بمعرفة ديوان الأوقاف، وأنشأ الخديو إسماعيل أيضا تجاهه سبيلا كبيرا يعلوه مكتب عظيم، وترتب فيه مؤدبون وخوجات لتعليم جميع الفنون التى تدرس بالمدارس، وصار الآن من المكاتب الأهلية التى تحت إدارة ديوان

стр. 812

الأوقاف، والمعلوم من أمر الشيخ المدفون بهذا الجامع أنه كان فى مبدأ أمره قاطع طريق، وكان له صاحبان ملازمان له، أحدهما الشيخ يوسف المدفون فى الشارع العام الموصل من الإسماعيلية إلى قصر العينى، تحت القبة المجاورة لقبة لاظ أوغلى، والثانى لم أقف على اسمه وإنما كان يجلس بحارة درب سعادة على مكسلة بيت متخرب هناك، ويتزيّا بزى الدراويش، وللناس فيه اعتقاد كبير، ويزعمون أنه من الأولياء فيتبرّكون به ويقبلون يده، وكان يستمر جالسا إلى الليل، وكلما مر عليه رجل بمفرده قال: يا واحد فيخرج فى الحال من البيت جملة رجال يحتاطون به، ويدخلونه البيت قهرا عنه، فيقتلونه ويسلبون ما معه واستمروا على ذلك الفعل القبيح زمنا طويلا، إلى أن استشعر الضابط بذلك، فأكمن لهم كمينا، وحرض رجلا على المرور ليلا من هناك، فلما مر الرجل نادى الشيخ كعادته، فخرجت الرجال واحتاطت به، وإذا بالكمين قد خرج عليهم وضبطهم، ووضع اليد على الشيخ ومن كان معه بالبيت، وعاقبوهم عقابا شديدا، فأقر الشيخ على صاحبيه الشيخ يوسف، والشيخ صالح. هذا وكان الشيخ يوسف يلوذ بلاظوغلى، فوقع عليه فعفا عنه، وأما الشيخ صاحب المكسلة فقتل بعد تعذيبه، وأما الشيخ صالح فاحتمى بامرأة مغنية مشهورة، فادعت أنه مجنون، ووضعت فى رجليه قيدا من حديد، فأخذوه فوجدوه كما قالت، واعتقل لسانه عن الكلام لشدّة خوفه، وبقى على ذلك مدة، ثم شاع عنه بين الناس أن له كرامات وأخبارا بالمغيبات، وذلك بواسطة من اجتمع حوله من الأوباش ونحوهم، فقصده كثير من الناس أمراء وغيرهم، واعتقدوا فيه خصوصا النساء، وازدحم بيته بالزوار، وهجمت عليه النذور والهدايا، كل ذلك وهو لا يتكلم وملقى على الفراش وعليه حزام من صوف أبيض، وفى رجليه قيود الحديد، وحوله الخدم، وعند رأسه امرأة بيدها مروحة تروّح بها عليه وهو يحرك رأسه ويلعب شفتيه، فيسمع له صوت ساذج خفى جدّا يشبه صوت الأخرس وليس له مفهوم، فعند ذلك تقول المرأة للحاضرين من الزائرين الشيخ يقول فلانة تتزوّج، وفلانة تصطلح مع زوجها، وفلانة تحبل، والغائب يحضر، وزيد يترقى، وبكر ينعزل إلى غير ذلك من الخرافات، فكل من كان حاضرا يأخذ له معنى لنفسه من هذه الألفاظ، وبسبب ذلك صارت خدمته فى ثروة كبيرة وفوائد كثيرة، واستمرت حالته هكذا إلى أن مات، فبنى له الخديو إسماعيل هذا الجامع ودفن به، وهو جامع عظيم لم يبن لغيره من الأفاضل

стр. 813

ذوى المعارف والعلوم الذين انتفع الكثير بعلومهم ومعارفهم، ولكن هذه عادة قديمة ألفها المصريون من قديم الزمان، وطالما نبه عليها كثير من المؤلفين فى كتبهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم. وهناك أيضا بهذا الشارع سبيلان: أحدهما وقف على أغا سليم وتحت نظر محمود أفندى سليم من ذرية الواقف، والآخر تحت نظارة سليم أفندى رستم، ودار ورثة المرحوم رستم باشا ودار ورثة المرحوم أحمد بيك النجدلى، ودار ورثة المرحوم على أغا السجادلى. ***

стр. 814

شارع سويقة اللالا يبتدئ من آخر شارع الحنفى بجوار درب الهياتم، وينتهى لشارع الدرب الجديد، وطوله مائتان وسبعون مترا. وبه من جهة اليسار ثلاث عطف: الأولى عطفة المحتسب، بداخلها زاوية صغيرة تعرف بزاوية رضوان، فيها لوح رخام منقوش فيه (أحيا هذه الزاوية المباركة بعد اندثارها حضرة الأمير رضوان اختيار جاويشان محرم أمين-عفا الله عنه-افتتاح عام سنة ست ومائتين وألف). وهى اليوم معطلة الشعائر وجعلت مكتبا لتعليم الأطفال اللغة التركية، وبهذه العطفة أيضا دار الأمير أصلان باشا، ودار الأمير حسين باشا الطوبجى، ودار إبراهيم باشا أدهم، بكل واحدة جنينة. الثانية عطفة المدق، بداخلها زاوية صغيرة تعرف بزاوية عمر شاه، شعائرها مقامة من مرتب لها بالروزنامجة بنظر رجل يدعى خليل أفندى. الثالثة عطفة مرزوق، بآخرها حمام يعرف بحمام مرزوق، من إنشاء حسين أغا نجاتى، وهو برسم النساء فقط، وبها بيت رامز أغا بجنينة. وأما من اليمين فيها: حارة العراقى، يسلك منها لشارع الناصرية، عرفت بالشيخ العراقى صاحب الضريح الذى بها. جامع داود باشا وبأولها الجامع المعروف بجامع داود باشا، كان أول أمره مدرسة أنشأها الأمير داود باشا المتولى على مصر سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وأنشأ أيضا بجواره سبيلا مفروشا بالرخام، شعائرهما مقامة من ريع أوقافهما إلى اليوم.

стр. 815

وبوسط حارة العراقى أيضا ضريح يعرف صاحبه بالشيخ محمود، وزاوية تعرف بزاوية الست لالا، كانت متخربة فجدّدها المرحوم عبد الجليل بيك سنة خمس وتسعين ومائتين وألف وهى شرقى منزله، وجعل بها حنفيات، وعمل لها بئر، وأقام شعائرها إلى الآن، ويعمل بها مولد كل سنة للست لالا المدفونة بها. وبهذا الشارع أيضا جامع الكردى، يصعد إليه بدرج، وبأسفله عدة حواصل، وله مطهرة بجوارها نخيل وأشجار ومئذنته بدورين، وبداخله ضريح يعرف بالشيخ الكردى عليه مقصورة من الخشب، وشعائره مقامة بنظر ديوان الأوقاف، وبه عدة دور كبيرة: منها دار أحمد باشا صادق، ودار سرور أغا نجاتى ودار حسن أفندى وكيل طلعت باشا، ودار عبد الجليل بيك، كلها بحدائق. ترجمة السيد محمد الشهير بمرتضى وكان بهذا الشارع تجاه جامع الكردى المذكور دار السيد محمد الشهير بمرتضى، شارح كتاب القاموس، وهو-كما فى الجبرتى-الفقيه المحدث اللغوى النحوى الأصولى الناظم الناثر أبو الفيض السيد محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الشهير بمرتضى الحسينى الزبيدى الحنفى. قال الجبرتى: ولد سنة خمس وأربعين ومائة وألف، كما سمعته من لفظه ورأيته بخطه، ثم قال: ونشأ ببلاده وارتحل فى طلب العلم وحج مرارا، ثم وزد إلى مصر فى تاسع صفر سنة سبع وستين ومائة وألف، وسكن بخان الصاغة، وأول من عاشره وأخذ منه السيد على المقدسى الحنفى-من علماء مصر-وحضر دروس أشياخ الوقت كالشيخ أحمد الملوى، والجوهرى، والحفنى، والسيد البليدى، والصعيدى، والمدابغى وغيرهم، وتلقى عنهم وأجازوه، وشهدوا بعلمه وفضله وجودة حفظه، واعتنى بشأنه إسماعيل كتخدا عزبان، ووالاه بره، حتى راج أمره، وترونق حاله، واشتهر ذكره عند الخاص والعام، ولبس الملابس الفاخرة، وركب الخيول المسومة، وسافر إلى الصعيد ثلاث مرات، واجتمع بأكابره وأعيانه وعلمائه، وأكرمه شيخ العرب همام وإسماعيل أبو عبد الله، وأبو على، وأولاد نصير، وأولاد وافى وهادوه وبروه، وكذلك ارتحل إلى الجهات البحرية، مثل دمياط ورشيد والمنصورة وباقى البنادر العظيمة مرارا، حين كانت مزينة بأهلها، عامرة بأكابرها، وأكرمه الجميع، واجتمع بأكابر النواحى وأرباب العلم والسلوك، وتلقى عنهم وأجازوه وأجازهم، وصنف عدة رحلات فى انتقالاته فى البلاد القبلية والبحرية، تحتوى

стр. 816

على لطائف ومحاورات ومدائح نظما ونثرا، لو جمعت كانت مجلدا ضخما، وكناه السيد أبو الأنوار بن وفا بأبى الفيض، وذلك يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان سنة اثنتين وثمانين ومائة وألف، ثم تزوج وسكن بعطفة الغسال، مع بقاء سكنه بخان الصاغة، وشرع فى شرح القاموس حتى أتمه فى عدة سنين فى نحو أربعة عشر مجلدا سماه تاج العروس، ولما أكمله أولم وليمة حافلة جمع فيها طلاب العلم وأشياخ الوقت بغيط المعدية، وذلك فى سنة إحدى وثمانين ومائة وألف، وأطلعهم عليه واغتبطوا به وشهدوا بفضله وسعة اطلاعه ورسوخه فى علم اللغة، وكتبوا عليه تقاريظهم نظما ونثرا. ولما أنشأ محمد بيك أبو الذهب جامعه المعروف به بالقرب من الأزهر، وعمل فيه خزانة الكتب، واشترى جملة من الكتب ووضعها بها، أنهوا إليه شرح القاموس هذا، وعرفوه أنه إذا وضع بالخزانة كمل نظامها، وانفردت بذلك دون غيرها، ورغبوه فى ذلك فطلبه وعوضه عنه مائة ألف درهم فضة ووضعه فيها، ولم يزل المترجم يخدم العلم ويرقى فى درج المعالى، ويحرص على جمع الفنون التى أغفلها المتأخرون كعلم الأنساب والأسانيد، وتخاريج الأحاديث، واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وألف فى ذلك كتبا ورسائل ومنظومات وأراجيز جمة، ثم انتقل إلى منزل بسويقة اللالا تجاه جامع محرم أفندى، بالقرب من مسجد شمس الدين الحنفى، وذلك فى أوائل سنة تسع وثمانين ومائة وألف، وكانت تلك الخطة إذ ذاك عامرة بالأكابر والأعيان، فأحدقوا به وتحبب إليهم، واستأنسوا به وواسوه وهادوه، وأتوا إلى زيارته من كل ناحية، ورغبوا فى معاشرته لكونه غريبا، وعلى غير صورة العلماء المصريين وشكلهم، ويعرف باللغة التركية والفارسية وبعض لسان الكرج، فانجذبت قلوبهم إليه، وتناقلوا خبره وحديثه، ثم شرع فى إملاء الحديث على طريقة السلف فى ذكر الأسانيد والرواة والمخرجين من حفظه على طرق مختلفة، وكل من قدم عليه يملى عليه الحديث المسلسل بالأوّلية، وهو حديث الرحمة برواته ومخرجيه، ويكتب له سندا بذلك، ثم إن بعض علماء الأزهر ذهبوا إليه وطلبوا منه إجازة، فقال: لا بد من قراءة أوائل الكتب، واتفقوا على الاجتماع بجامع شيخون بالصليبة الاثنين والخميس تباعدا عن الناس، فشرعوا فى صحيح البخارى بقراءة السيد حسين الشيخونى، واجتمع عليهم

стр. 817

بعض أهل الخطة والشيخ موسى الشيخونى إمام المسجد وخازن الكتب، وتناقل فى الناس سعى علماء الأزهر مثل الشيخ أحمد السجاعى، والشيخ مصطفى الطائى، والشيخ سليمان الأكراشى وغيرهم للأخذ عنه، فازداد شأنه وعظم قدره، واجتمع عليه أهل تلك النواحى وغيرها من العامة والأكابر والأعيان، والتمسوا منه تبيين المعانى، فانتقل من الرواية إلى الدراية، وصار درسا عظيما، فعند ذلك انقطع عن حضوره أكثر الأزهرية وقد استغنى عنهم هو أيضا، وصار يملى على الجماعة بعد قراءة شئ من الصحيح حديثا من المسلسلات، أو فضائل الأعمال، ويسرد رجال سنده ورواته من حفظه، ويتبعه بأبيات من الشعر كذلك فيتعجبون من ذلك لكونهم لم يعهدوها فيما سبق فى المدرسين المصريين. وافتتح درسا آخر فى مسجد الحنفى، وقرأ الشمائل فى غير الأيام المعهودة بعد العصر، فازدادت شهرته، وأقبلت الناس من كل ناحية لسماعه ومشاهدة ذاته، لكونها على خلاف هيئة المصريين وزيهم، ودعاه كثير من الأعيان إلى بيوتهم، وعملوا من أجله ولائم فاخرة، فيذهب إليهم مع خواص الطلبة، والمقرئ والمستملى وكاتب الأسماء، فيقرأ لهم شيئا من الأجزاء الحديثية كئلاثيات البخارى أو الدارمى، أو بعض المسلسلات بحضور الجماعة وصاحب المنزل وأصحابه وأحبابه وأولاده وبناته ونساؤه من خلف الستائر، وبين أيديهم مجامر البخور بالعنبر والعود مدة القراءة، ثم يختمون ذلك بالصلاة على النبى ﷺ على النسق المعتاد، ويكتب الكاتب أسماء الحاضرين والسامعين حتى النساء والصبيان والبنات واليوم والتاريخ، ويكتب الشيخ تحت ذلك صحيح ذلك. وهذه كانت طريقة المحدثين فى الزمن السابق، ثم قال: وانجذب إليه بعض الأمراء الكبار مثل مصطفى بيك الاسكندرانى وأيوب بيك الدفتردار، فسعوا إلى منزله وترددوا لحضور مجالسه، وواصلوه بالهدايا الجزيلة والغلال واشترى الجوارى، وعمل الأطعمة للضيوف، وأكرم الواردين والوافدين من الآفاق البعيدة وحضر عبد الرازق أفندى الرئيس من الديار الرومية إلى مصر، وسمع به فحضر إليه والتمس منه الإجازة وقراءة مقامات الحريرى، فكان يذهب إليه بعد فراغه من درس شيخون ويطالع له ما تيسر من المقامات، ويفهمه معانيها اللغوية، ولما حضر محمد باشا عزت

стр. 818

الكبير رفع شأنه عنده وأصعده إليه، وخلع عليه فروة سمور، ورتب له تعيينا من كلاده لكفايته من لحم وسمن وأرز وحطب وخبز، ورتب له علوفة جزيلة بدفتر الحرمين والسائرة وغلالا من الأنبار، وأنهى إلى الدولة شأنه، فأتاه مرسوم بمرتب جزيل بالضربخانة وقدره مائة وخمسون نصفا فضة فى كل يوم، وذلك فى سنة إحدى وتسعين ومائة وألف، فعظم أمره، وانتشر صيته، وطلب إلى الدولة فى سنة أربع وتسعين فأجاب، ثم امتنع وترادفت عليه المراسلات من أكابر الدولة، وواصلوه بالهدايا والتحف والأمتعة الثمينة، وكاتبه ملوك النواحى من الترك والحجاز والهند واليمن والشام والبصرة والعراق، وملوك المغرب والسودان وفزان، والجزائر والبلاد البعيدة، وكثرت عليه الوفود من كل ناحية وترادفت عليه منهم الهدايا والصلات والأشياء الغريبة، وأرسل إليه من أغنام فزان، وهى عجيبة الخلقة، عظيمة الجثة، يشبه رأسها رأس العجل، فأرسلها إلى أولاد السلطان عبد الحميد فوقع لهم موقعا، وكذلك أرسلوا له من طيور الببغاء والجوارى والعبيد والطواشية، فكان يرسل من طرائف الناحية إلى الناحية المستغرب ذلك عندها، ويأتيه فى مقابلتها أضعافها، وأتاه من طرائف الهند وصنعاء اليمن وبلاد سرت وغيرها أشياء نفيسة، وماء الكادى والمربيات والعود والعنبر والعطر شاه بالأرطال، وصار له عند أهل المغرب شهرة عظيمة ومنزلة كبيرة واعتقاد زائد، وماتت زوجته فى سنة ست وتسعين، فحزن عليها حزنا كثيرا، ودفنها عند المشهد المعروف بمشهد السيدة رقية، وعمل على قبرها مقاما ومقصورة وستورا وفرشا وقناديل، ولازم قبرها أياما كثيرة، ويجتمع عنده الناس والقراء والمنشدون، ويعمل لهم الأطعمة والثريد والقهوة والشربات، واشترى مكانا بجوار المقبرة المذكورة، وعمره بيتا صغيرا وفرشه، وأسكن به أمها، ويبيت به أحيانا، وقصده الشعراء بالمراثى فيقبل منهم ذلك، ويجيزهم عليه ورثاها هو بجملة قصائد، ذكرها الجبرتى فى تاريخه، وبالجملة فإنه كان فى جمع المعارف صدرا لكل ناد، حتى قوض الدهر منه رفيع العماد، وأذنت شمسه بالزوال، وغربت بعد ما طلعت من مشرق الإقبال كما قيل: وزهرة الدنيا وإن أينعت … فإنها تسقى بماء الزوال وقد نعاه الفضل والكرم … وناحت لفراقه حمائم الحرم

стр. 819

وأصيب بالطاعون فى شهر شعبان، وذلك أنه صلى الجمعة فى مسجد الكردى المواجه لداره، فطعن بعد ما فرغ من الصلاة ودخل إلى البيت، واعتقل لسانه تلك الليلة، وتوفى فى يوم الأحد، ودفن فى قبر أعده لنفسه بجانب زوجته بالمشهد المعروف بالسيدة رقية. ومن مؤلفاته خلاف شرح القاموس وشرح الأحياء كتاب الجواهر المنيفة فى أصول أدلة مذهب الإمام أبى حنيفة-﵁-مما وافق فيه الأئمة الستة، وهو كتاب نفيس، حافل، رتبه ترتيب كتب الحديث من تقديم ما روى عنه فى الاعتقاديات، ثم فى العمليات ترتيب كتب الفقه، والعقد الثمين فى طرق الإلباس والتلقين، وحكمة الإشراق إلى كتاب الآفاق، وإعلام الأعلام بمناسك حج بيت الله الحرام، ورشف سلاف الرحيق فى نسب حضرة الصديق، والقول المثبوت فى تحقيق لفظ التابوت، ومنح الفيوضات الوفية فيما فى سورة الرحمن من أسرار الصفة الإلهية، وجزء فى حديث نعم الإدام الخل، وتفسير على سورة يونس مستقل على لسان القوم، وحديقة الصفا فى والدى المصطفى، ورسالة فى طبقات الحفاظ، والمنح العلية فى الطريقة النقشبندية، والانتصار لوالدى النبى المختار، وألفية السند ومناقب أصحاب الحديث، وكشف اللثام عن آداب الإيمان والإسلام، ورفع الشكوى لعالم السر والنجوى، وترويح القلوب بذكر ملوك بنى أيوب، وغير ذلك مؤلفات كثيرة، ذكرها الجبرتى فى ترجمته فلتراجع. ***

стр. 820

شارع درب الجديد أوله من آخر شارع سويقة اللالا، وآخره الدرب الجديد، وطوله مائتان وعشرون مترا وبه من جهة اليسار عطفة تعرف بعطفة الجمل، ودرب يعرف بدرب الخواجا. ومن جهة اليمين عطفة الحمام، بداخلها الحمام المعروف بحمام الدرب الجديد، من إنشاء المرحوم محرم أفندى الكاتب الكبير، جعله برسم الرجال والنساء، وهو عامر إلى الآن. ثم عطفة الأمير يوسف. ثم حارة البوشى، ثم عطفة الجنيد، عرفت بجامع الجنيد الذى هناك بالقرب من المشهد الزينبى، أنشأه الأمير فلك الدين شاه بن ددا البغدادى سنة عشرين وسبعمائة، شعائره مقامة إلى الآن من أوقافه، ويتبعه سبيل متخرب. ثم بعد عطفة الجنيد الدرب الجديد الذى عرف الشارع به، وهو درب كبير، برأسه سبيل يعرف بسبيل يونس، أنشأه الأمير يونس، وجعل فوقه مكتبا لتعليم الأطفال، وبقربه سبيل الباقرجية، أنشأته الست المعروفة بالباقرجية سنة أربع وسبعين ومائتين وألف، جعلت فوقه مكتبا، وهما عامران إلى اليوم من أوقافهما، وبداخله منزل ورثة المرحوم مصطفى باشا الجردلى، ومنزل ورثة المرحوم مصطفى بيك، بكل منهما جنينة وغير ذلك من الدور الكبيرة والمنازل الصغيرة. ***

стр. 821

شارع الناصرية يبتدئ من آخر شارع سويقة السباعين، وينتهى لشارع الكومى، وسكة القصر العالى، وطوله خمسمائة وثمانون مترا. وبه من جهة اليسار: درب المزين، ثم درب الجنينة، ثم درب المعازة، ثم درب الغزالى، ويعرف أيضا بدرب القرودى، يسلك منه لشارع سويقة اللالا، وبداخله عطفتان وزاوية تعرف بزاوية الست صلوحة، معطلة الشعائر لتخربها، وتحت نظر ديوان الأوقاف، وأخرى تعرف بزاوية الطواب، شعائرها مقامة ونظرها لامرأة تدعى فاطمة النبوية وبجوارها سبيل صغير. ثم درب أبى لحاف، بداخله ثلاثة فروع غير نافذة، ثم درب الكنيّسة بضم الكاف وفتح النون وتشديد الياء، ثم درب السايس، بداخله ضريح معروف بضريح أبى يزيد البسطامى، ثم العطفة الصغيرة، ثم عطفة الخبيرى. وأما جهة اليمين: فبها سكة الجنائن، ودرب البندق، بداخله درب الفقراء، ودرب الصعايدة، وعطفة صغيرة، وضريح يعرف بضريح الشيخ العجان. وبهذا الشارع من الجوامع الشهيرة جامع قايتباى، يصعد إليه بدرج، وله بابان أحدهما بالجهة الغربية، بجواره سبيل، والآخر بالجهة البحرية بجوار باب المطهرة، وشعائره مقامة من أوقافه بنظر الديوان. [جامع الإسماعيلى] جامع الإسماعيلى: أنشأه الأمير أرغون الإسماعيلى على البركة-الناصرية فى شعبان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة كما ذكره المقريزى، وهو تجاه درب القرودى، له بابان، والمستعمل

стр. 822

منه الآن للصلاة نصفه تقريبا، والنصف الآخر فيه المطهرة والمراحيض والبئر، وليس به أضرحة ولا مئذنة، وشعائره مقامة من أوقافه إلى الآن، وكانت مطهرته أولا فى خارجه، وقد جعلت اليوم بداخله بمعرفة ديوان الأوقاف. [جامع أبو اليسر] جامع أبو اليسر، وهو جامع قديم، مقام الشعائر الإسلامية من جهة ديوان الأوقاف، بنى أول أمره مدرسة بناها الأمير قرا سنقر الشمسى الظاهرى برقوق، المتوفى سنة تسع وثلاثين وثمانمائة. [زاوية الكومى] وبه أيضا زاوية تعرف بزاوية الكومى على الخليج، بالقرب من المشهد الزينبى، عرفت باسم الشيخ إبراهيم الكومى المدفون بها، يعلو قبره قبة صغيرة، وشعائرها مقامة من ريع أوقافها بنظر رجل يدعى الشيخ إبراهيم حسن البيومى. وبه ضريح يعرف بين الناس بضريح كعب الأحبار، وآخر يعرف بالشيخ الزفيتى، وحمام الناصرية برسم الرجال والنساء، وجار فى ملك بعض الأهالى، وعمارة محمد بيك التتونجى، وهى عمارة كبيرة وفى مقابلتها جباسة تعرف بجباسة التتونجى، معدة لطحن الجبس وبيعه. [ترجمة الأمير حسن كاشف جركس] وبه أيضا المدرسة المعروفة بمدرسة المبتديان التى كانت فى الأصل دار الأمير حسن كاشف جركس، أحد الأمراء المصريين، ترجمه الجبرنى فقال: حسن كاشف المعروف بجركس، أصله من مماليك محمد بيك أبى الذهب وإشراق عثمان بيك الشرقاوى، كان من الفراعنة، وهو الذى عمر الدار العظيمة بالناصرية، وصرف عليها أموالا عظيمة، وقبل بياضها وصلت الفرنسيس إلى الديار المصرية، فسكنها الفلكيون والمدبرون وأهل الحكمة والمهندسون، فلذلك صيلت من الخراب كما وقع لغيرها من الدور لكون عسكرهم لم يسكنوا بها، تقلد المترجم الصنجقية بالشام، ثم هلك بالطاعون، وذلك فى سنة خمس عشرة ومائتين وألف. ثم أخذ تلك الدار الأمير عثمان بيك البرديسى وسكنها، وبنى حولها أبراجا جعل فيها

стр. 823

طائفة من عسكره، وظن أنه ينفرد بإمارة مصر فلم يتم له ذلك، وخرج منها مطرودا، وبقى على ذلك إلى أن مات بمنفلوط ودفن بها، وذلك فى سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف وكان ظلوما غشوما سيئ التدبير، جعله الله سببا فى زوال عز الأمراء المصريين ودولتهم. (انتهى). وقد بسطنا ترجمته عند الكلام على منفلوط من هذا الكتاب، ثم بعد خروج البرديسى وموته بمنفلوط دخلت تلك الدار فى ملك العزيز محمد على باشا، فعمّرها وجعلها مدرسة، ثم لما تولى المرحوم عباس باشا أبطلها وجعلها مسافرخانة لكل من ورد إلى مصر من الديار الأجنبية، ثم جعلت فى عهد الخديو إسماعيل مدرسة للمبتديان، وهى باقية على ذلك إلى الآن وهذه المدرسة قد دخل فيها بعض بيوت من الجهة القبلية لعدم كفايتها لضروريات التلامذة المجتمعين بها، وفى مدة نظارتى على ديوان المدارس أجريت بها عمارة كبيرة وبعض تصليحات، ومع هذا لم تستوف شروط المدارس، وينبغى هدمها وبناؤها على قالب مستحسن لتكون موافقة لذلك. تتمة [بركة أبى الشامات] كان بهذا الشارع البركة المعروفة بالبركة الناصرية، وكانت فى الجهة القبلية للبركة المعروفة ببركة السباع، وكانت تعرف فى زمن الفرنساوية ببركة أبى الشامات، وقد تكلم عليها المقريزى فى خططه حيث قال: هذه البركة من جملة جنان الزهرى، فلما خربت جنان الزهرى صار موضعها كوم تراب إلى أن أنشأ السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ميدان المهارى فى سنة عشرين وسبعمائة، وأراد بناء الزريبة بجانب الجامع الطيبرسى احتاج فى بنائها إلى طين، فركب وعين مكان هذه البركة، وأمر الفخر ناظر الجيش فكتب أوراقا بأسماء الأمراء، وانتدب الأمير بيبرس الحاجب فنزل بالمهندسين فقاسوا دور البركة ووزع على الأمراء بالأقصاب، فنزل كل أمير وضرب خيمة لعمل ما يخصه، فابتدأوا العمل فى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فتمادى الحفر إلى جانب كنيسة الزهرى، وكان إذ ذاك فى تلك الأرض عدة كنائس، ولم يكن هناك شئ

стр. 824

من العمائر التى هى اليوم حول البركة الناصرية، ولا من العمائر التى فى خط قناطر السباع، ولا فى خط السبع سقايات إلى قنطرة السد، وإنما كانت بساتين وكنائس وديور للنصارى، فاستولى الحفر على ما حول كنيسة الزهرى وصارت فى وسط الحفر حتى تعلقت، وكان القصد أن تسقط من غير تعمد هدمها، فأراد الله تعالى هدمها على يد العامة، ثم لما تم حفر البركة نقل ما خرج منها من الطين إلى الزريبة، وأجرى إليها الماء من جوار الميدان السلطانى الكائن بأراضى بستان الخشاب عند موردة البلاط، فلما امتلأت بالماء صارت مساحتها سبعة أفدنة، فحكر الناس ما حولها وبنوا عليها الدور العظيمة، وما برح خط الناصرية عامرا إلى أن كانت الحوادث من سنة ست وثمانمائة، فشرع الناس فى هدم ما عليها من الدور، فهدم كثير مما كان هناك، والهدم مستمر إلى يومنا هذا. (انتهى). (قلت): وجميع ما ذكره المقريزى فى ترجمة البركة الناصرية يدل على أنها هى التى كانت تعرف فى زمن الفرنساوية ببركة أبى الشامات، وكان موقعها على الخرطة التى رسمتها الفرنساوية فى غربى الجنينة المعروفة بجنينة وهبى بيك من الجهة البحرية، وكان مرسوما بجوارها من الجهة الشرقية تل أثره باق إلى الآن فى الزاوية الغربية للجنينة المذكورة. وهذه البركة كانت تمتد من بوابة الناصرية إلى شارع السيدة زينب الموصل إلى القصر العالى، ومن حقوقها ديوان المالية الذى كان بيتا لإسماعيل باشا المفتش، وكذلك المبانى المقابلة له، الكائنة على الشارع العمومى. وكان بحريها غيط يعرف يغيط أبى الشامات. [غيط المجلس] وفى شرقيها غيط قاسم بيك الذى هو الآن بيد ورثة وهبى بيك، وكان يعرف فى زمن الفرنساوية بغيط المجلس، لأن ذوى المعارف من الفرنساوية الذين حضروا مع نابليون بونابرت نزلوا بقرب هذا الغيط، بالمنزل المعروف ببيت حسن كاشف الذى هو الآن مدرسة المبتديان يعرف الغيط بغيط المجلس من أجل ذلك، وكان قبلى الغيط المذكور الطريق العام، وكان السالك فيه إلى القصر العالى يجد عن يمينه غيط قاسم بيك، وعن يساره غيط إبراهيم جاويش، وكان كبيرا ممتدا إلى الخليج، ومن ضمنه الآن بيت حبيب أفندى، وبيت حافظ بيك،

стр. 825

وبيت علوى بيك، وبيت أحمد باشا راشد، وكان فى البرّ الثانى للخليج فى مقابلة بيت أحمد باشا راشد غيط الجوهرجية، وبقربه غيط يعرف بغيط عمر كاشف، وكان ممتدا إلى قنطرة السد. [ميدان النشاب] وقد وجد مرسوما أيضا على خرطة مصر التى عملتها الفرنساوية جزء كان باقيا من الميدان السلطانى، سموه ميدان النشاب، كان معدا لرمى النشاب فى زمن العزيز محمد على باشا، وكان موضعه تجاه القصر العالى، ويمتد إلى قصر العينى. مطلب هدم الكنائس بمصر والقاهرة وقوص وغيرها فى يوم واحد عقب صلاة الجمعة ثم نرجع إلى بيان هدم كنيسة الزهرى التى تقدم ذكرها فنقول: ذكر المقريزى أن هذه الكنيسة كانت فى الموضع الذى فيه البركة الناصرية بالقرب من قناطر السباع فى بر الخليج الغربى غربى اللوق، ثم ذكر ما تقدم من حفر البركة الناصرية وإجراء الماء إليها، ثم قال: ولما كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة، والعمل من الحفر بطال، فتجمع عدّة من غوغاء العامة بغير مرسوم السلطان، وقالوا بصوت عال مرتفع: الله أكبر، ووضعوا أيديهم بالمساحى ونحوها فى كنيسة الزهرى وهدموها حتى بقيت كوما وقتلوا من كان فيها من النصارى، وأخذوا جميع ما كان فيها، وهدموا كنيسة يومنا التى كانت بالحمراء، وكانت معظمة عند النصارى من قديم الزمان، وبها عدة من النصارى قد انقطعوا فيها، ويحمل إليهم نصارى مصر سائر ما يحتاج إليه، ويبعث إليها بالنذور الجليلة، والصدقات الكثيرة، فوجد فيها مال كثير ما بين نقد ومصاغ وغيره، وتسلق العامة إلى أعلاها وفتحوا أبوابها وأخذوا منها مالا وقماشا وجرار خمر كان أمرا مهولا، ثم مضوا من كنيسة الحمراء بعد ما هدموها إلى كنيستين بجوار السبع سقايات، تعرف إحداهما بكنيسة البنات، كان يسكنها بنات النصارى، وعدة من الرهبان فكسروا أبواب الكنيستين وسبوا البنات، وكن زيادة على ستين بنتا، وأخذوا ما عليهن من الثياب، ونهبوا سائر ما ظفروا به، وحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلها، هذا والناس فى صلاة الجمعة، فعند ما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هو لا كبيرا من كثرة الغبار ودخان

стр. 826

الحريق، ومرج الناس وشدة حركاتهم ومعهم ما نهبوه فما شبه الناس الحال لهوله إلاّ بيوم القيامة، وانتشر الخبر، وطار إلى الرميلة تحت قلعة الجبل، فسمع السلطان ضجة عظيمة منكرة أفزعته، فبعث لكشف الخبر، فلما بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما، وغضب من تجرؤ العامة وإقدامهم على ذلك بغير أمره، وأمر الأمير أيدغمش أمير أخور أن يركب بجماعة الأوشاقية ويتدارك هذا الخلل، ويقبض على من فعله، فأخذ أيدغمش يتهيأ للركوب وإذا بخبر قد ورد من القاهرة أن العامة ثارت فى القاهرة وخربت كنيسة بحارة الروم وكنيسة بحارة زويلة، وجاء الخبر من مدينة مصر أيضا بأن العامة قامت فى مصر فى جمع كثير جدا، وزحفت إلى كنيسة المعلقة بقصر الشمع، فأغلقها النصارى وهم محصورون بها وهى على أن تؤخذ، فتزايد غضب السلطان وهم أن يركب بنفسه ويبطش بالعامة، ثم تأخر لما راجعه الأمير أيدغمش ونزل من القلعة فى أربعة من الأمراء إلى مصر، وركب الأمير بيبرس الحاجب والأمير ألماس الحاجب إلى موضع الحفر، وركب الأمير طينال إلى القاهرة، وكل منهم فى عدة وافرة، وقد أمر السلطان بقتل من قدروا عليه من العامة، بحيث لا يعفون عن أحد، فقامت القاهرة ومصر على ساق، وفرت النهابة، فلم يظفر الأمراء منهم إلا بمن عجز عن الحركة بما غلبه من السكر بالخمر الذى نهبه من الكنائس، ولحق الأمير أيد عمش بمصر وقد ركب الوالى إلى المعلقة قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلقة من حضر للنهب، فأخذه الرجم حتى فر منهم ولم يبق إلا أن يحرق باب الكنيسة، فجرد أيد غمش ومن معه السيوف يريدون الفتك بالعامة، فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر، وخاف سوء العاقبة، فأمسك عن القتل، وأمر أصحابه بإرجاف العامة من غير إهراق دم، ونادى مناديه من وقف حل دمه، ففر سائر من اجتمع من العامة وتفرقوا، وصار أيد غمش واقفا، إلى أن أذّن العصر خوفا عن عود العامة، ثم مضى وألزم والى مصر أن يبيت بأعوانه هناك، وترك معه خمسين من الأوشاقية، وأما الأمير ألماس فإنه وصل إلى كنائس الحمراء وكنائس الزهرى ليتداركها، فإذا بها قد بقيت كيمانا، ليس بها جدار قائم، فعاد وعاد الأمراء فردوا الخبر على السلطان وهو لا يزداد إلا حنقا، فما زالوا به حتى سكن غضبه، وكان الأمر فى هدم هذه الكنائس عجبا من العجب وهو أن الناس لما كانوا فى صلاة الجمعة من هذا اليوم بجامع قلعة الجبل، فعند ما فرغوا من الصلاة قام رجل موله وهو يصيح من وسط الجامع: اهدموا الكنيسة التى فى القلعة اهدموها

стр. 827

وأكثر من الصياح المزعج، حتى خرج عن الحد، ثم اضطرب فتعجب السلطان والأمراء من قوله، ورسم لنقيب الجيوش والحاجب بالفحص عن ذلك، فمضيا من الجامع إلى خرائب التتر من القلعة، فإذا فيها كنيسة قد بنيت فهدموها، فلم يفرغوا من هدمها حتى وصل الخبر بواقعة كنائس الحمراء والقاهرة، فكثر تعجب السلطان من شاه ذلك الفقير، وطلب فلم يوقف له على خبر، واتفق أيضا بالجامع الأزهر أن الناس لما اجتمعوا فى هذا اليوم لصلاة الجمعة قام شخص من الفقراء بعد ما أذن قبل أن يخرج الخطيب وقال: اهدموا كنائس الطغيان والكفرة، وصار يزعج الناس ويصرخ من الأساس إلى الأساس، فحدق الناس بالنظر إليه ولم يدروا ما خبره، وافترقوا فى أمره، فقائل هذا مجنون، وقائل هذه إشارة لشئ، فلما خرج الخطيب أمسك عن الصياح، وطلب بعد انقضاء الصلاة فلم يوجد، وخرج الناس إلى باب الجامع فرأوا النهابة ومعهم أخشاب الكنائس وثياب النصارى وغير ذلك من النهوب، فسألوا عن الخبر فقيل: قد نادى السلطان بخراب الكنائس، فظن الناس الأمر كما قيل، حتى تبين بعد قليل أن هذا الأمر إنما كان من غير أمر السلطان، وكان الذى هدم فى هذا اليوم من الكنائس بالقاهرة كنيسة بحارة الروم، وكنيسة بالبندقانيين، وكنيستين بحارة زويلة، وفى يوم الأحد الثالث من يوم الجمعة الكائن فيه هدم كنائس القاهرة ومصر، وورد الخبر من والى الإسكندرية بأنه لما كان فى يوم الجمعة تاسع ربيع الآخر بعد صلاة الجمعة وقع فى الناس هرج، وخرجوا من الجامع وقد وقع الصياح هدمت الكنائس، فركب من فوره فوجد الكنائس قد صارت كوما، وعدتها أربع كنائس، وأن بطاقة وقعت من والى البحيرة بأن كنيستين فى مدينة دمنهور هدمتا والناس فى صلاة الجمعة من هذا اليوم، فكثر التعجب من ذلك إلى أن ورد الخبر فى يوم الجمعة سادس عشره من مدينة قوص بأن الناس عند ما فرغوا من صلاة الجمعة فى اليوم التاسع من شهر ربيع الآخر قام رجل من الفقراء وقال: يا فقراء اخرجوا إلى هدم الكنائس، وخرج فى جمع من الناس فوجدوا الهدم قد وقع فى الكنائس، فهدمت ست كنائس كانت بقوص وما حولها فى ساعة واحدة، وتواتر الخبر من الوجه القبلى والوجه البحرى بكثرة ما هدم فى هذا اليوم وقت صلاة الجمعة وما بعدها من الكنائس والديور فى جميع إقليم مصر كله.

стр. 828

مطلب الكلام على الحريق الذى وقع بالقاهرة ومصر فى عدة مواضع ثم لم يمض سوى شهر من يوم هدم الكنائس حتى وقع الحريق بالقاهرة ومصر فى عدة مواضع، وحصل فيه من الشناعة أضعاف ما كان من هدم الكنائس، فوقع الحريق فى ربع بخط الشوائين من القاهرة فى يوم السبت عاشر جمادى الأولى، وسرت النار إلى ما حوله، واستمر إلى آخر يوم الأحد، فتلف فى هذا الحريق شئ كثير، وعند ما أطفئ وقع الحريق بحارة الديلم، وكانت ليلة شديدة الريح، فسرت النار من كل ناحية حتى وصلت إلى بيت كريم الدين ناظر الخاص، وبلغ ذلك السلطان، فانزعج انزعاجا عظيما، لما كان هناك من الحواصل السلطانية، وسير طائفة من الأمراء لإطفائه، فجمعوا الناس، وقد عظم الخطب، وتزايد الحال فى اشتعال النار، وعجز الأمراء والناس على إطفائها لكثرة انتشارها فى الأماكن وقوة الريح التى ألقت باسقات النخل، وغرقت المراكب، فلم يشك الناس فى حريق القاهرة كلها، وصعدوا المآذن، وبرز الفقراء وأهل الخير والصلاح، وضجوا بالتكبير والدعاء، واستمر الحريق والاستحثاث يرد على الأمراء من السلطان فى إطفائه إلى يوم الثلاثاء، فنزل نائب السلطان ومعه جميع الأمراء وسائر السقائين، ونزل الأمير بكتمر الساقى، فكان يوما عظيما، لم ير الناس أعظم منه، ولا أشد هولا. ووكل بأبواب القاهرة من يرد السقائين، إذ اخرجوا لأجل إطفاء النار، فلم يبق أحد من سقائى الأمراء وسقائى البلد إلا وعمل، وصاروا ينقلون الماء من المدارس والحمامات، وأخذ جميع النجارين والبنائين لهدم الدور، فهدم فى هذه النوبة ما شاء الله من الدور العظيمة، والرباع الكبيرة، وعمل فى هذا الحريق أربعة وعشرون أميرا من الأمراء المقدمين، سوى من عداهم من أمراء الطبلخانات والعشراوات والمماليك، وصار الماء من باب زويلة إلى حارة الديلم فى الشارع بحرا من كثرة الرجال والجمال التى تحمل الماء، ووقف الأمير بكتمر الساقى والأمير أرغون النائب على نقل الحواصل السلطانية من بيت كريم الدين إلى بيت ولده بدرب الرصاصى، وخربوا ست عشرة دارا من جوار الدار وقبالتها حتى تمكنوا من نقل الحواصل، فما هو إلا أن أكمل إطفاء الحريق ونقل الحواصل، وإذا بالحريق قد وقع فى ربع الظاهر خارج باب زويلة، وكان يشتمل على مائة وعشرين بيتا، وتحته قيسارية تعرف بقيسارية الفقراء، وهب مع الحريق ريح قوية، فركب الحاجب والوالى لإطفائه، وهدموا

стр. 829

عدة دور من حوله حتى انطفأ، فوقع فى ثانى يوم حريق بدار الأمير سلار فى خط بين القصرين، فوقع الاجتهاد فيه حتى أطفئ، فأمر السلطان الأمير علم الدين سنجر الخازن والى القاهرة، والأمير ركن الدين بيبرس الحاجب بالاحتراز واليقظة، ونودى بأن يعمل عند كل حانوت دن فيه ماء، أو زير مملوء بالماء، وأن يقام مثل ذلك فى جميع الحارات والأزقة والدروب، فبلغ ثمن كل دن خمسة دراهم بعد درهم، وثمن الزير ثمانية دراهم، ووقع حريق بحارة الروم وعدة مواضع، حتى أنه لم يخل يوم من وقوع الحريق فى موضع، فتنبه الناس لما نزل بهم، وظنوا أنه من أفعال النصارى، وذلك أن النار كانت ترى فى منابر الجوامع وحيطان المساجد والمدارس، فاستعدوا للحريق وتتبعوا الأحوال، حتى وجدوا هذا الحريق من نفط قد لف عليه خرق مبلولة بزيت وقطران. فلما كان ليلة الجمعة النصف من جمادى الأولى قبض على راهبين عند ما خرجا من المدرسة الكهارية بعد العشاء الأخيرة، وقد اشتعلت النار فى المدرسة ورائحة الكبريت فى أيديهما، فحملا إلى الأمير علم الدين الخازن والى القاهرة، فأعلم السلطان بذلك، فأمر بعقوبتهما، فما هو إلا أن نزل من القلعة، وإذا بالعامة قد أمسكوا نصرانيا وجد فى جامع الظاهر ومعه خرق على هيئة الكعكة، فى داخلها قطران ونفط، وقد ألقى منها واحدة بجانب المنبر، وما زال واقفا إلى أن خرج الدخان، فمشى يريد الخروج من الجامع، وكان قد فطن به شخص وتأمله من حيث لم يشعر به النصرانى، فقبض عليه وتكاثر الناس فجروه إلى بيت الوالى وهو بهيئة المسلمين، فعوقب عند الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، فاعترف بأن جماعة من النصارى قد اجتمعوا على عمل نفط وتفريقه مع جماعة من أتباعهم، وأنه ممن أعطى ذلك، وأمر بوضعه عند منبر جامع الظاهر، ثم أمر بالراهبين فعوقبا، فاعترفا أنهما من سكان دير البغل، وأنهما هما اللذان أحرقا المواضع التى تقدم ذكرها بالقاهرة غيرة وحنقا من المسلمين لما كان من هدمهم الكنائس، وأن طائفة النصارى تجمعوا وأخرجوا من بينهم مالا جزيلا لعمل هذا النفط، واتفق وصول كريم الدين ناظر الخاص من الإسكندرية، فعرفه السلطان ما وقع من القبض على النصارى، فقال النصارى لهم بطرك، يرجعون إليه ويعرف أحوالهم فرسم السلطان بطلب البطرك عند كريم الدين ليتحدث معه فى أمر الحريق وما ذكره النصارى من قيامهم فى ذلك.

стр. 830

ثم بعد حضور البطرك والتحدث معه أخذ كريم الدين يهون أمر النصارى الممسوكين للسلطان، ويذكر أنهم سفهاء وجهال، فرسم السلطان للوالى بتشديد عقوبتهم، فنزل وعاقبهم عقوبة مؤلمة، فاعترفوا بأن أربعة عشر راهبا بدير البغل قد تحالفوا على إحراق ديار المسلمين كلها وفيهم راهب يصنع النفط، وأنهم اقتسموا القاهرة ومصر، فجعل للقاهرة ثمانية، ولمصر ستة، فكبس دير البغل وقبض على من فيه، وأحرق من جماعته أربعة بشارع صليبة ابن طولون فى يوم الجمعة، وقد اجتمع لمشاهدتهم عالم عظيم، فضرى من حينئذ جمهور الناس على النصارى وفتكوا بهم وصاروا يسلبون ما عليهم من الثياب، حتى فحش الأمر وتجاوزوا فيه المقدار، فغضب السلطان من ذلك وهمّ أن يوقع بالعامة. واتفق أنه ركب من القلعة يريد الميدان الكبير فى يوم السبت، فرأى من الناس أمما عظيمة قد ملأت المطرقات وهم يصيحون: نصر الله الإسلام، انصر دين محمد بن عبد الله، فحرج من ذلك، وعند ما نزل الميدان أحضر إليه الخازن نصرانيين قد قبض عليهما وهم يحرقان الدور، فأمر بتحريقهما، فأخرجا وعمل لهما حفرة وأحرقا بمرأى من الناس، وبينا هم فى إحراق النصرانيين إذا بديوان الأمير بكتمر الساقى قد مر يريد بيت الأمير بكتمر، وكان نصرانيا، فعند ما عاينه العامة ألقوه عن دابته إلى الأرض وجردوه من جميع ما عليه من الثياب وحملوه ليلقوه فى النار، فصاح بالشهادتين وأظهر الإسلام فأطلق، واتفق مع هذا مرور كريم الدين وقد لبس التشريف من الميدان، فرجمه من هنالك رجما متتابعا، وصاحوا به: كم تحامى للنصارى وتشد معهم، ولعنوه وسبوه، فلم يجد بدا من العود إلى السلطان وهو بالميدان، وقد اشتد ضجيج العامة وصياحهم حتى سمعهم السلطان، فلما دخل عليه وأعلمه الخبر امتلأ غضبا، واستشار الأمراء، وكان بحضرته منهم الأمير جمال الدين نائب الكرك، والأمير سيف الدين البوبكرى، والخطيرى، وبكتمر الحاجب فى عدة أخرى، فقال البوبكرى العامة عمى، والمصلحة أن يخرج إليهم الحاجب ويسألهم عن اختيارهم حتى يعلم فكره هذا من قوله السلطان، وأعرض عنه، فقال نائب الكرك كل هذا من أجل الكتاب النصارى، فإن الناس أبغضوهم، والرأى أن السلطان لا يعمل فى العامة شيئا، وإنما يعزل النصارى من الديوان، فلم يعجبه هذا الرأى أيضا، وقال للأمير ألماس الحاجب: امض ومعك أربعة من الأمراء وضع السيف فى العامة، من حين تخرج من باب الميدان إلى أن تصل

стр. 831

إلى باب زويلة، واضرب فيهم بالسيف من باب زويلة إلى باب النصر. بحيث لا ترفع السيف عن أحد ألبتة. وقال لوالى القاهرة: اركب إلى باب اللوق وإلى باب البحر، ولا تدع أحدا حتى تقبض عليه، وتطلع به إلى القلعة، وعين معه عدة من المماليك السلطانية، فخرج الأمراء بعد ما تلكئوا فى المسير، حتى اشتهر الخبر، فلم يجدوا أحدا من الناس حتى ولا غلمان الأمراء وحواشيهم، ووقع القول بذلك فى القاهرة، فغلقت الأسواق جميعها، وحل بالناس أمر لم يسمع يأشد منه وسار الأمراء فلم يجدوا فى طول طريقهم أحدا إلى أن بلغوا باب النصر، وقبض الوالى من باب اللوق وناحية بولاق، وباب البحر كثيرا من الكلابزية والنواتية وأسقاط الناس فاشتد الخوف وعدّى كثير من الناس إلى البر الغربى بالجيزة. وخرج السلطان من الميدان فلم يجد فى طريقه إلى أن صعد القلعة أحدا من العامة، وعند ما استقر بالقلعة سير إلى الوالى يستعجل حضوره، فما غربت الشمس حتى أحضر ممن أمسك من العامة نحو مائتى رجل، فعزل منهم طائفة أمر بشنقهم، وجماعة رسم بتوسيطهم، وجماعة رسم بقطع أيديهم، فصاحوا بأجمعهم: ياخوند ما يحل لك ما نحن الذين رجمنا، فبكى الأمير بكتمر الساقى ومن حضر من الأمراء رحمة لهم، وما زالوا بالسلطان إلى أن قال للوالى: اعزل منهم جماعة، وانصب الخشب من باب زويلة إلى تحت القلعة يسوق الخيل، وعلق هؤلاء بأيديهم، فلما أصبح علق الجميع من باب زويلة إلى سوق الخيل، وكان فيهم من له بزة وهيئة، ومر الأمراء بهم فتوجعوا لهم وبكوا عليهم، وجلس السلطان فى الشبّاك، وقد أحضر بين يديه جماعة ممن قبض عليهم الوالى، فقطع أيدى وأرجل ثلاثة منهم، والأمراء لا يقدرون على الكلام معه فى أمرهم لشدة حنقه، فتقدم كريم الدين وكشف رأسه وقبل الأرض، وهو يسأل العفو، فقبل سؤاله وأمر بهم أن يعملوا فى حفيرة الجيزة، فأخرجوا وأنزل المعلقون من على الخشب، وعند ما قام السلطان من الشباك وقع الصوت بالحريق فى جهة جامع ابن طولون، وفى قلعة الجبل، وفى بيت ركن الدين الأحمدى بحارة بهاء الدين وبالفندق خارج باب البحر من المقس وما فوقه من الريع.

стр. 832

وفى صبيحة يوم هذا الحريق قبض على ثلاثة من النصارى وجد معهم فتائل النفط، فأحضروا إلى السلطان واعترفوا بأن الحريق كان منهم، فلما ركب السلطان إلى الميدان على عادته وجد نحو عشرين ألف نفس من العامة قد صبغوا خرقا بلون أزرق، وعملوا فيه صلبانا بيضا، وعند ما رأوا السلطان صاحوا بصوت عال واحد: لا دين إلا دين الإسلام، نصر الله دين محمد بن عبد الله، يا ملك الناصر يا سلطان الإسلام انصرنا على أهل الكفر ولا تنصر النصارى، فارتجت الدنيا من هول أصواتهم، وأوقع الله الرعب فى قلب السلطان وقلوب الأمراء، وسار وهو فى فكر زائد حتى نزل بالميدان وصراخ العامة لا يبطل، فرأى أن الرأى فى استعمال المداراة، وأمر الحاجب أن يخرج وينادى بين يديه من وجد نصرانيا فله ماله ودمه فخرج ونادى بذلك، فصاحت العامة وصرخت نصرك الله وضجوا بالدعاء، وكان النصارى يلبسون العمائم البيض، فنودى فى القاهرة ومصر من وجد نصرانيا بعمامة بيضاء حل له دمه وماله ومن وجد نصرانيا راكبا حل له دمه وماله، وخرج مرسوم بلبس النصارى العمامة الزرقاء، وأن لا يركب أحد منهم فرسا ولا بغلا، ومن ركب حمارا فليركبه مقلوبا، ولا يدخل نصرانى الحمّام إلا وفى عنقه جرس، ولا يتزيا أحد منهم بزى المسلمين، ومنع الأمراء من استخدام النصارى، وأخرجوا من ديوان السلطان، وكتب لسائر الأعمال بصرف جميع المباشرين من النصارى، وكثر إيقاع المسلمين بالنصارى حتى تركوا السعى فى الطرقات، وأسلم منهم جماعة كثيرة. (انتهى ملخصا). (قلت): وقد أطال المقريزى القول على هذه الحادثة الشنيعة فى خططه فلتراجع. وكان ابتداؤها من تاسع ربيع الآخر، واستمرت إلى نصف جمادى الأولى، وتخرّب بسببها كثير من الدور والمساجد والمدارس والكنائس، وتلف كثير من الأسباب والأموال، ولله عاقبة الأمور. ***

стр. 833

شارع الكومى أوله من قنطرة السيدة زينب-﵂-وآخره شارع الناصرية وشارع القصر العالى وطوله مائة وأربعون مترا. وبه من جهة اليمين عطفة الخوخة، موصلة لعطفة الجنيد. ***

стр. 834

شارع قنطرة الدكة يبتدئ من عند قنطرة الليمون، وينتهى لقنطرة الدكة، وطوله خمسمائة متر، عرف بهذا الاسم من أجل الدكة التى كانت عند القنطرة، وكان يجلس عليها المتفرجون أيام النيل، كما ذكره أبو السرور البكرى فى خططه. وبه الآن من جهة اليسار عطفة تجاه جامع أولاد عنان، وفى نهايته شارع يعرف بشارع الكارة، يأتى بيانه قريبا إن شاء الله تعالى. وأما المبانى الموجودة اليوم بجانبيه، فليست من المبانى القديمة، وإنما هى حادثة فى وقتنا هذا، فقد ذكر المقريزى أن هذه الخطة كان موضعها بستانا من أعظم بساتين القاهرة فيما بين أراضى اللوق والمقس، وبه منظرة للخلفاء الفاطميين، تشرف طاقاتها على بحر النيل الأعظم ولا يحول بينها وبين بر الجيزة شئ، ثم قال: فلما زالت الدولة الفاطمية تلاشى أمر هذا البستان وخرب، فحكر موضعه وبنى الناس فيه، فصار خطة كبيرة، كأنه بلد جليل، وصار به سوق عظيم، وسكنه الكتاب وغيرهم من الناس. قال: وأدركته عامرا، ثم إنه خرب منذ سنة ست وثمانمائة، وصار كيمانا. (انتهى). (قلت): وهذا البستان كان أوله من قنطرة الدكة، ونهايته القبلية أول الشارع الممتد من الأزبكية إلى بولاق، وآخره من الجهة الغربية بحر النيل، ومن ضمنه اللوكاندة المعروفة بلوكاندة شبت، وما بجوارها من المبانى والجنان، وكذا بيت زينب هانم المعروف بسراى الأزبكية.

стр. 835

مطلب قصر السيد إبراهيم وكان أصل هذا البيت-كما فى الجبرتى-قصرا أنشأه السيد إبراهيم ابن السيد سعودى إسكندر-من فقهاء الحنفية-وجعل فى أسفله قناطر وبوائك من ناحية البركة، وجعلها برسم النزهة لعامة الناس، فكان يجتمع بها الكثير من أجناس الناس وأولاد البلد، وكان بها قهاو ومغان، وعدة من الباعة وغيرها، وكان يقف عندها مراكب وقوارب بها من تلك الأجناس، فكان يقع بها وبالجسر المقابل لها من عصر النهار إلى آخر الليل من الحظ والنزاهة ما لا يوصف. مطلب انتقال قصر السيد إبراهيم إلى ملك الألفى ثم تداول هذا القصر أيدى الملاك، وظهر على بيك وقساوة حكمه، فسدوا تلك البوائك ومنعوا عنها الناس، لما كان يقع بها فى بعض الأحيان من اجتماع أهل الفسوق والحشاشين ثم اشترى ذلك القصر الأمير أحمد أغا شويكار وباعه بعد مدة، فاشتراه الأمير محمد بيك الألفى فى سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، وشرع فى هدمه وتعميره على الصورة التى كان عليها وكان وقتئذ غائبا فى جهة الشرقية، فرسم لكتخدائه ذى الفقار صورته فى كاغد، وبين له كيفية وضعه، فحضر ذو الفقار وهدم ذلك القصر وحفر الجدران ووضع الأساس، وأقام الدعائم، ووضع سقوف الدور سفلية، فحضر عند ذلك مخدومه فلم يجده على الرسم الذى حدده له، فهدمه ثانيا وأقام دعائمه على مراده، واجتهد فى عمارته، وطلب له الصناج والمؤن من الأحجار والأخشاب المتنوعة حتى شحت المؤن فى ذلك الوقت، وأوقف أربعة من أمرائه على جهاته الاربع، وعمل على ذمة العمارة طواحين للجبس، وقمنا للجير، وأحضر البلاط من الجبل قطعا كبارا، ونشرها على قياس مطلوبه، وكذلك الرخام، وذلك خلاف أنقاض رخام المكان، وأنقاض الأماكن التى اشتراها وهدمها وأخذ أنقاضها، ومنها البيت الكبير الذى كان أنشأه حسن كتخدا الشعراوى على بركة الرطلى، وكان به شئ كثير من الأنقاض والأخشاب والشبابيك والرواشن، نقلت جميعها إلى العمارة، فصار كل من الأمراء المشدّين يبنى وينقل ويبيع ويفرق على من أحب، حتى بنوا دورا من جانب تلك العمارة، والطلب مستمر حتى أتموه فى مدة يسيرة، وركب على جميع الشبابيك شرائح الزجاج وهو شئ كثير جدا، وفى المخادع المختصة به ألواح الزجاج البلور الكبار التى يساوى الواحد منها خمسمائة

стр. 836

درهم، ثم فرشه جميعه بالبسط الرومى والفرش الفاخرة، وعلفوا به الستائر، ووضعوا به الوسائد المزركشة: وبنى به حمامين إلى غير ذلك، فما هو إلا أن أتمه وأقام به نحو عشرين يوما، ثم خرج إلى الشرقية فأقام هناك. سكنى سارى عسكر بونابارت وحضر الفرنسيس، فسكنه سارى عسكر بونابارت، وعمّر به أيضا، ثم لما سافر، وأقام مقامه كلهبر عمر فيه أيضا، فلما قتل كلهبر وتولى عوضه عبد الله منو غير معالمه، وأدخل فيه المسجد، وبنى الباب على الوضع الذى كان عليه، وعقد فوقه القبة المحكمة، وأقام فى أركانها الأعمدة، وعمل السلالم العراض التى يصعد عليها إلى الدور العلوى والسفلى على يمين الداخل، وجعل مساكنه كلها تنفذ إلى بعضها على طريقة وضع مساكنهم، واستمر يبنى فيه ويعمر مدة إقامته، إلى أن خرج من مصر. سكنى العزيز محمد على فلما حضر العثمانية، وتولى على مصر محمد على باشا رغب فى سكنى هذا المكان وشرع فى تعميره هذه العمارة العظيمة، حتى أنه رتب لإحراق الجير فقط اثنتى عشرة قمينة تشتغل على الدوام، والجمال التى تنقل الحجر من الجبل ثلاث قطارات، كل قطار سبعون جملا، وقس على ذلك بقية اللوازم، ورموا جميع الأتربة فى البركة، حتى ردموا منها جانبا كبيرا ردما غير معتدل، وصارت كلها كيمانا وأتربه. (انتهى). (قلت): وبقيت تلك السراية سكن المرحوم محمد على باشا مدة، ثم أعطاها لكريمته زينب هانم، فعرفت بها. مدرسة الألسن وأما لو كاندة شبت المذكورة، فكان أصلها مدرسة تعرف بمدرسة الألسن، أنشأها المرحوم محمد على باشا المذكور، بجوار تلك السراية، وكان يدرس بها اللغات العربية والفرنجية والأدبية، وخرج منها كثير من المترجمين والشعراء، وفيها ترجمت كتب كثيرة أدبية من اللغة الفرنجية إلى العربية، ثم أبطلها المرحوم محمد على، وجعلها لوكاندة للإنجليز وهى باقية إلى الآن.

стр. 837

ترجمة محمد بيك الألفى وأما محمد بيك الألفى المتقدم ذكره، فهو-كما فى تاريخ الجبرتى-الأمير الكبير، والضرغام الشهير محمد بيك الألفى المرادى، جلبه بعض التجار إلى مصر فى سنة تسع وثمانين ومائة وألف، فاشتراه أحمد جاويش، المعروف بالمجنون، فأقام ببيته أياما، فلم تعجبه أوضاعه، لكونه كان مماجنا سفيها ممازحا، فطلب منه بيع نفسه، فباعه لسليم أغا الغزاوى، المعروف بتمرلنك، فأقام عنده شهورا، ثم أهداه إلى مراد بيك فأعطاه فى نظيره ألف أردب من الغلال، فلذلك سمى بالألفى، وكان جميل الصورة فأحبه مراد بيك، وجعله جوخداره، ثم أعتقه وجعله كاشفا بالشرقية، وعمر دارا بجهة الخطة المعروفة بالشيخ ظلام وأنشأ هناك حماما بتلك الخطة، عرفت به، وكان صعب المراس، قوى الشكيمة، وكان بجواره على أغا المعروف بالمتوكلى، فدخل عنده يوما وتشفع فى أمر فقبل رجاءه ثم نكث فحنق منه واحتد ودخل عليه فى داره يعاتبه، فرد عليه بغلظة، فأمر الخدم بضربه فضربوه وبطحوه، فتألم لذلك ومات بعد يومين، فشكوه إلى أستاذه مراد بيك فنفاه إلى بحرى فعسف بالبلاد مثل فوة وبرنبال ورشيد، وأخذ من أهلها أموالا، فتشكوا منه إلى أستاذه، وكان يعجبه ذلك، وفى أثناء ذلك وقع خلاف بمصر بين الأمراء، ونفوا سليمان بيك وأخاه إبراهيم بيك ومصطفى بيك، فأرسله إليه أستاذه أن يتعين على مصطفى بيك ويذهب به إلى إسكندرية منفيا ثم يعود هو إلى مصر، ففعل ورجع المترجم إلى مصر، فعند ذلك قلدوه الصنجقية، وذلك فى سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف، واشتهر بالفجور، فخافته الناس وتحاموا به، وسكن أيضا بدار ناحية قوصون، وهدم داره القديمة ووسعها وأنشأها إنشاء جديدا واشترى المماليك الكثيرة، وأمر منهم أمراء وكشافا، فنشأوا على طبيعته فى التعدى والعسف والفجور والتزم بإقطاع فرشوط وغيرها من البلاد القبلية والبحرية، وتقلد كشوفية شرقية بلبيس، ونزل إليها، وكان يغير ما بتلك الناحية من إقطاعات وغيرها، وأخاف عربان تلك الجهة ومنعهم من التعدى والجور على الفلاحين بتلك النواحى، حتى خافه الكثير من القبائل، وفرض عليهم المغارم.

стр. 838

ولم يزل على حالته وسطوته إلى أن حضر حسن باشا الجزائرلى إلى مصر، فخرج المترجم مع عشيرته إلى ناحية قبلى، ثم رجع فى أواخر سنة خمس ومائتين وألف، وذلك بعد إقامته بالصعيد زيادة عن أربع سنوات، ففى تلك المدة ترزن عقله، وانهضمت نفسه، وتعلق قلبه بمطالعة الكتب، والنظر فى جزئيات العلوم والفلكيات والهندسيات، وأشكال الرمل والزايرجات والأحكام النجومية والتقاويم، ومنازل القمر وأنوائها، ويسأل عمن له إلمام بذلك فيطلبه ليستفيد منه، واقتنى كتبا فى أنواع العلوم والتواريخ، واعتكف بداره القديمة، ورغب فى الانفراد وترك الحالة التى كان عليها قبل ذلك، واقتصر على مماليكه والإقطاعات التى بيده واستمر على ذلك مدة من الزمان، فثقل هذا الأمر على أهل دائرته، وبدا يصغر فى أعين خشداشيه، ويضعف جانبه، وطفقوا يباكتونه، وتجاسروا عليه، وطمعوا فيما لديه، فلم يسهل عليه ذلك، واستعمل الأمر الأوسط، وسكن بدار أحمد جاويش المجنون بدرب سعادة وعمر القصر الكبير بمصر القديمة تجاه المقياس، وأنشأ أيضا قصرا فيما بين باب النصر والد مرداش وجعل غالب إقامته فيه، وأكثر من شراء المماليك حتى اجتمع عنده نحو ألف مملوك خلاف الذى عند كشافه وهم نحو الأربعين كاشفا، وبنى له قصر خارج بلبيس، وآخر بالدماميين. وكان له داران بالأزبكية إحداهما كانت لرضوان بيك يلبغا، والأخرى للسيد أحمد ابن عبد السلام، فبدا له فى سنة اثنتى عشرة ومائتين وألف أن ينشئ دارا عظيمة خلاف ذلك بالأزبكية، فاشترى قصر ابن السيد سعودى الذى بخط الساكت، فيما بينه وبين قنطرة الدكة وهدمه وبناه، وصرف عليه الأموال الجسيمة كما تقدم ذلك، وازدحمت خيول الأمراء ببابه، وكان أول سكنه بهذا البيت فى أواخر شهر شعبان من السنة المذكورة، وأقام به إلى منتصف شهر رمضان، فكانت المدة كلها ستة عشر يوما، ثم بدا له السفر إلى جهة الشرقية وفى أثناء ذلك وصلت الفرنساوية إلى الإسكندرية، ثم إلى مصر، وجرى ما جرى من الحروب بينهم وبين المصريين وابتلى المترجم مع جنده فى تلك الوقائع بلاء حسنا وقتل من كشافه ومماليكه عدة وافرة، ولم يزل مدة إقامة الفرنساوية بمصر يتنقل فى الجهات القبلية والبحرية، ويعمل معهم مكايد ويصطاد منهم. ولما وصل عرضى الوزير إلى الشام ذهب إليه وقابله، وأنعم عليه، وكان معه رؤساء من الفرنساوية وعدة أسرى، وأسد عظيم اصطاده فى سروحه فشكره الوزير وخلع عليه

стр. 839

وأقام بعرضيه أياما، ثم رجع إلى ناحية مصر وذهب إلى الصعيد، ثم رجع إلى الشام والفرنساوية يأخذون خبره، ويرصدون له فى الطريق، فيزوع منهم ويكبسهم فى غفلاتهم، وينال منهم ولما اصطلح مراد بيك مع الفرنساوية لم يوافقه على ذلك واعتزله، وخرج مع العثمانية إلى نواحى الشام، ثم رجع إلى جهة الشرقية، وصار يحارب من يصادفه من الفرنسيس، فإذا تجمعوا وأتوا لحربه لم يجدوه، ويمر من خلف الجبل ويمر بالحاجر من الصعيد فلا يعلم أين ذهب، ثم يظهر بالبر الغربى، ثم يصير مشرقا ويعود إلى الشام، وهكذا كان دأبه، وكانت له حروب ومناوشات كثيرة مع المصريين وغيرهم، كلها مبسوطة فى ترجمته فلتراجع. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف، وكان معتدل القامة، أبيض اللون، مشربا بحمرة، جميل الصورة، مدور اللحية، أشقر الشعر، قد لحقه الشيب، مليح العينين، معجبا بنفسه، مترفها فى زيّه وملبسه، كثير الفكر كتوما لا يبيح بأسراره، إلا أنه لم يسعفه الدهر وجنى عليه بالقهر، ومات وعمره خمسة وخمسون سنة، رحمه الله تعالى. (انتهى)، وقد بسطنا ترجمته فى دمنهور فى جزء البلاد من هذا الكتاب. وأما قنطرة الدكة المتقدم ذكرها، فقد قال المقريزى: أنها كانت فوق خليج الذكر، وعرفت أخيرا بقنطرة التركمانى، من أجل أن الأمير بدر الدين التركمانى قد عمّرها، وقد طمّ ما تحتها، وصارت معقودة على التراب لتلاف خليج الذكر. (انتهى). مطلب خليج فم الخور (قلت): وهى موجودة إلى اليوم، والخطة تعرف بها، يمر السالك من فوقها إلى شارع الكارة، وعطفة الشلبيات، وشارع الجامع وغير ذلك، ويوجد بخطتها الآن دار المرحوم أحمد باشا المنكلى، ويغلب على الظن أن محلها من ضمن منظرة الخلفاء المتقدم ذكرها، وخليج الذكر ذكره المقريزى مع خليج فم الخور حيث قال: وخليج فم الخور يخرج الآن من بحر النيل ويصب فى الخليج الناصرى، وكان قبل أن يحفر الخليج الناصرى يمد خليج الذكر، وكان أصله ترعة يدخل منها ماء النيل للبستان المقسى، ثم وسعه الملك الكامل، ويقال: إن خليج الذكر حفره كافور الأخشيدى، فلما زال البستان المقسى فى أيام الخليفة الظاهر، وجعله بركة قدام منظرة اللؤلؤة، صار يدخل الماء إليها من هذا الخليج، وكان يفتح قبل الخليج

стр. 840

الكبير. ولم يزل حتى أمر الملك الناصر محمد بن قلاوون فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة بحفره فحفر وأوصل بالخليج الكبير. قال المقريزى: وأنا أدركت آثاره، وفيه ينبت القصب الفارسى، وإنما قيل له الخليج الذكر لأن بعض أمراء الملك الظاهر ركن الدين بيبرس كان يعرف بشمسى الدين الذكر الكركى، وكان له أثر من حفره فعرف به، وكان الماء يدخل إليه من تحت قنطرة الدكة، وكان للناس عند هذا الخليج مجتمع يكثر فيه لهوهم ولعبهم. (انتهى). خليج الذكر (قلت): وخليج الذكر هذا كان يمر من بحرى هذه الخطة، فاصلا بين منازلها ومنازل الشارع الموصل إلى قنطرة الليمون، وكانت منازل كوم الدكة تشرف عليه، ونحن أدركنا ذلك وشاهدناه، والآن قد ردم هذا الخليج وصار موضعه طريقا تسلكها العامة، ويتوصل منها إلى جهة الخلاء، وإلى باب الحديد والأزبكية وغيرها، وكان الماء يدخله من الخليج الناصرى، وكان قبل فتح الخليج الناصرى يتصل بخليج فم الخور الذى كان فمة بحرى قصر النيل. مطلب معنى لفظ الخور وأما لفظ الخور فقد ذكر المقريزى أنه فى اللغة اسم لمصب الماء، وهنا اسم للأرض التى بين الخليج الناصرى والخليج الذى يعرف بفم الخور، وجميع هذه الأرض من جملة بستان ابن ثعلب، وكان يعرف بالخور الصعبى، لأنه كانت به مناظر تعرف بمناظر الصعبى تشرف على النيل. ترجمة كريم الدين والصعبى هذا هو الشيخ كريم الدين عبد الواحد بن محمد بن على الصعبى، مات فى شهر رمضان سنة ثلاث وستمائة. (انتهى). (قلت): ويؤخذ من هذا أن أراضى الخور من جملة بستان ابن ثعلب، وقد بسطنا الكلام عليه عند الكلام على شارع الصنافيرى، فليراجع.

стр. 841

قرية أم دنين ويؤخذ من كلام المقريزى أيضا أن القرية المعروفة بأم دنين كانت فى خطة هذا الشارع، وكانت تعرف بالمقس أيضا، لأنه قال عند الكلام على المقس: اعلم أن المقس قديم، وكان فى الجاهلية قرية تعرف بأم دنين، وهى الآن محلة بظاهر القاهرة فى بر الخليج الغربى، وكان عند وضع القاهرة هو ساحل النيل، وبه أنشأ الإمام المعز لدين الله أبو تميم معد الصناعة يعنى المكان الذى قد أعد لإنشاء المراكب البحرية التى يقال لها السفن الحربية التى يقال لها الأسطول، وبه أنشأ الإمام الحاكم بأمر الله جامع المقس الذى تسميه عامة أهل مصر بجامع المقسى، وهو الآن يطل على الخليج الناصرى. (انتهى). جامع أولاد عنان وهذا الجامع هو المعروف اليوم بجامع أولاد عنان، خارج باب البحر، عن يسرة من سلك من الشارع الجديد إلى باب الحديد، وإلى شبرا الخيمة، بقرب قنطرة الخليج المذكور الذى هو اليوم الترعة الحلوة، المارة إلى السويس، وكان أولا على شاطئه، فلما اختصر صار بعيدا عنه، وكان يعرف أيضا بجامع باب البحر. وفى سنة سبعين وسبعمائة جدّده الوزير الصاحب شمس الدين عبد الله المقسى، وهدم القلعة، وجعل مكانها جنينة، فصارت العامة يقولون جامع المقسى لكونه جدّده وبيضه، وهو مقام الشعائر إلى الآن، وبه ضريح سيدى محمد بن عنان، يعمل له حضرة كل أسبوع ومولد كل عام، وقد بسطنا ترجمته عند الكلام على جامعه من هذا الكتاب. ونقل المقريزى عن القاضى أبى عبد الله القضاعى أن المقس كانت ضيعة تعرف بأم دنين وإنما سميت المقس لأن العاشر كان يقعد بها وصاحب المكس، فقيل المكس، فقلب فقيل المقس، ثم نقل عن ابن عبد الظاهر أنه قال فى كتاب خطط القاهرة، وسمعت من يقول: إنه المقسم بالميم، قيل لأن قسمة الغنائم عند الفتوح كانت به، ثم قال: وقال العماد محمد ابن أبى الفرج بن محمد بن حامد الكاتب الأصفهانى فى كتاب سنى البرق الشامى، وجلس الملك الكامل محمد بن السلطان العادل أبى بكر بن أيوب فى البرج الذى بجوار جامع المقسم، فى السابع والعشرين من شوال سنة ست وتسعين وخمسمائة، وهذا المقسم على شاطئ النيل يزار.

стр. 842

مكان قسمة الغنائم وهناك مسجد يتبرك به الأبرار، وهو المكان الذى قسمت فيه الغنائم عند استيلاء الصحابة ﵃-على مصر. (انتهى). منظرة المقس وذكر عند الكلام على منظرة المقس أنها كانت من جملة مناظر الخلفاء الفاطميين، وكانت بجوار جامع المقس من الجهة البحرية، وهى مطلة على النيل، وكان حينئذ ساحل النيل بالمقس وكانت هذه المنظرة معدة لنزول الخليفة بها عند تجهيز الأسطول إلى غزو الفرنج، فتحضر رؤساء المراكب بالشوانى، وهى مزينة بأنواع العدد والسلاح، ويلعبون بها فى النيل حيث الآن الخليج الناصرى تجاه الجامع، وما وراء الخليج من غربيه. جامع المقس ثم قال: وقد خربت هذه المنظرة، وكان موضعها برجا كبيرا، صار يعرف فى الدولة الأيوبية بقلعة المقس، فلما جدّد الصاحب الوزير شمس الدين عبد الله المقسى جامع المقس على ما هو عليه الآن فى سنة سبعين وسبعمائة هدم هذا البرج، وجعل مكانه جنينة شرقى الجامع وتحدث الناس أنه وجد فيه ما لا والله أعلم. محل الجنينة التى كانت فى قلعة المقس (قلت): ومحل هذه الجنينة الآن بعض الشارع الذى تجاه جامع أولاد عنان، وقد بقى أثرها إلى زمن الفرنساوية ورسموها على خرطتهم، ولم يكن إذ ذاك مبان موجودة بالضفة المقابلة للجامع التى بها الآن سبيل أم حسين بيك، المعروف بسبيل أولاد عنان. الكلام على الأسطول ثم نرجع للكلام على الأسطول لأجل تمام الفائدة فنقول: ذكر المقريزى أن أول من أنشأ الأسطول بمصر فى خلافة أمير المؤمنين المتوكل على الله أبى الفضل جعفر بن المعتصم، عند ما نزل الروم دمياط يوم عرفة سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وأمير مصر يومئذ عنبسة ابن إسحق، ثم قويت العناية بالأسطول فى مصر منذ قدم المعز لدين الله، وأنشأ المراكب

стр. 843

الحربية، واقتدى به بنوه، وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد، واعتناء بالأسطول واصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر والإسكندرية ودمياط من الشوانى المربية والشلنديات والمسطحات، وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان، وكانت جريدة قواد الأسطول فى آخر أمرهم تزيد على خمسة آلاف مدونة، منهم عشرة أعيان يقال لهم القوّاد، واحدهم قائد، وتصل جامكية كل واحد منهم إلى عشرين دينارا، ثم إلى خمسة عشر دينارا، ثم إلى عشرة دنانير، ثم إلى ثمانية، ثم إلى دينارين، وهى أقلها، وكانت عدة المراكب فى أيام المعز لدين الله تزيد على ستمائة قطعة، وآخر ما صارت إليه فى آخر الدولة نحو الثمانين شونة وعشر مسطحات، وعشر حمالات، ثم قال: فإذا تكاملت النفقة، وتجهزت المراكب، وتهيأت للسفر ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النيل بالمقس خارج القاهرة، وكان هناك على شاطئ النيل بالجامع منظرة يجلس فيها الخليفة برسم وداع الأسطول ولقائه إذا عاد، فإذا جلس للوداع جاءت القواد بالمراكب من مصر إلى هناك للحركات فى البحر بين يديه، وهى مزينة بأسلحتها ولبودها، وما فيها من المنجنيقات، فيرمى بها وتنحدر المراكب وتقلع، وتفعل سائر ما تفعله عند لقاء العدو، ثم يحضر المقدم والرئيس إلى بين يدى الخليفة فيودعهما ويدعو للجماعة بالنصر والسلامة، ويعطى للمقدم مائة دينار، وللرئيس عشرين، وينحدر الأسطول إلى دمياط، ومن هناك يخرج إلى بحر الملح فيكون له ببلاد العدو صيت عظيم ومهابة قوية، والعادة أنه إذا غنم الأسطول ما عسى أن يغنم لا يتعرض السلطان منه إلى شئ ألبتة إلا ما كان من الأسرى والسلاح، فإنه للسلطان وما عداهما من المال والثياب ونحوهما، فإنه لغزاة الأسطول، لا يشاركهم فيه أحد، ولم يزل الأسطول على ذلك إلى أن كانت وزارة شاور، ونزل مرى ملك الفرنج على بركة الحبش، فأمر شاور بتحريق مصر وتحريق مراكب الأسطول فحرقت ونهبها العبيد فيما نهبوا. مطلب الحبس الجيوشى الخراج قال: فلما كان زوال الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب، اعتنى أيضا بأمر الأسطول، وأفرد له ديوانا عرف بديوان الأسطول وعين لهذا الديوان الفيوم بأعمالها، والحبس الجيوشى فى البرّين الشرقى والغربى، وهو من البر الشرقى بهتين والأميرية

стр. 844

والمنية، ومن الغربى ناحية سفط ونهيا ووسيم، والبساتين خارج القاهرة، وعين له أيضا الخراج، وهو أشجار من سنط لا تحصى كثرة فى البهنساوية وسفط ريشين والأشمونين، والأسيوطية والأخميمية والقوصية لم تزل بهذه النواحى لا يقطع منها إلا ما تدعو إليه الحاجة، وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد مائة دينار، وعين له أيضا النطرون، وكان قد بلغ ضمانه ثمانية آلاف دينار، ثم أفرد لديوان الأسطول مع ما ذكر الزكاة التى كانت تجبى بمصر، وبلغت فى سنه زيادة على خمسين ألف دينار، وأفرد له المراكب الديوانية، وناحية اشناى وطنبدى، وسلم هذا الديوان لأخيه الملك العادل، فأقام فى مباشرته وعمالته صفى الدين عبد الله بن على بن شكر. فلما مات السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب استمر الحال فى الأسطول قليلا، ثم قل الاهتمام به، وصار لا يفكر فى أمره إلا عند الحاجة إليه، إلى أن كانت أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقدارى، فنظر فى أمر الشوانى الحربية، واستدعى برجال الأسطول، وكان الأمراء قد استعملوهم فى الحراريق وغيرها، وندبهم للسفر، وأمر بمد الشوانى وقطع الأخشاب لعمارتها، وإقامتها على ما كانت عليه فى أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب، واحترز على الخراج، ومنع الناس من التصرف فى أعواد العمل، وتقدم بعمارة الشوانى فى ثغرى الإسكندرية ودمياط، وصار ينزل بنفسه إلى الصناعة بمصر، ويرتب ما يحب ترتيبه من عمل الشوانى ومصالحها، واستدعى بشوانى الثغور إلى مصر، فبلغت زيادة على أربعين قطعة، سوى الحراريق والطرائد، فإنها كانت عدة كثيرة. (انتهى). وقد أطال المقريزى الكلام على ذلك عند ذكر المواضع المعروفة بالصناعة، فراجعه إن شئت. بيان محل بركة الحبش وبركة الحبش المذكورة محلها الآن بعض أراضى قرية البساتين الكائنة قريبا من قبة الإمام الشافعى من الجهة القبلية. قال المقريزى: وكانت تعرف ببركة المعافر وببركة حمير، وتعرف أيضا بإصطبل قرة، وعرفت أيضا بإصطبل قامش-يعنى القصب-وتنقلت حتى صارت تعرف ببركة الحبش، ودخلت فى ملك أبى بكر الماردانى، فجعلها وقفا، ثم أرصدت

стр. 845

لبنى حسن وبنى حسين ابنى على بن أبى طالب-﵃-وكانت تتصل بالجبل من عند البئر الطولونية، والبئر المعروفة بموسى بن أبى خليد، وهذه البئر هى المعروفة بالنعش. (انتهى). [والبئر الطولونية] هى البئر الساقية الموجودة الآن قبل محطة البساتين بقليل، والعيون متصلة بها، يعنى عيون ابن طولون. وأما البئر المعروفة [بالنعش]، فهى الموجودة الآن فى حوض عفصة من أراضى البساتين، بيد الحاج صبح الصحارى التربى، ويوجد هناك ساقية بيد رجل حريرى من تجار الغورية، واقعة فى شرقى البساتين، وبعدها من جهة الشرق ترب اليهود، وعليها أرض زراعة وجنينة قدر فدان على يمين السالك إلى قرية طرا، مملوكة للتاجر المذكور. وهذه الساقية هى البئر التى سماها المقريزى بئر الدرج فقال: هى شرق البساتين، لها درج ينزل به إليها، عملها الحاكم بأمر الله، وشرقيها قبور النصارى، وبعدهم إلى جهة الجبل قبور اليهود. (انتهى). وأما البئر التى تعرف [ببئر الزقاق]، فقد قال إنها شرقى بئر عفصة الصغرى، ثم قال: والزقاق معروف إذ ذاك فى الجبل، وفى أوله بئر مربعة، كان يسقى منها البقر والغنم (انتهى). (قلت): ويوجد إلى الآن فى الجهة الشرقية القبلية لساقية بئر عفصة التى بيد صبح التربى بئر مربعة الشكل، كائنة بيد أولاد أيوب من أهالى البساتين، فهى بئر الزقاق المذكورة. وهناك طريق فى الجبل أشبه بزقاق يوصل إليها، فلعلّه الزقاق المذكور. وأما البئر التى قال إنها غربى دير مرحنا، فهى الساقية الواقعة على البحر التى فى ملك ورثة المرحوم عبد الله باشا الأرنؤدى، وأما عفصة الصغرى فهى الحوض الواقع فى جهته القبلية الغربية قرية البساتين، ويسمى إلى الآن بحوض عفصة، وهو جار فى ملك جملة من أهالى البساتين وأرضه أول أرض تزرع، ينزل بها المار من جهة الإمام الشافعى ﵁. (قلت): وكانت بركة الحبشى تمتد إلى النيل من قبلى، وبينها وبين مصر العتيقة بركة الشعيبية، يفصلهما جسر فيه قنطرة لدخول الماء، ويحيط بكلتا البركتين مزارع وبساتين،
следующие страницы →