عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فقلتُ: الإذْنَ، هذا أبو غادية الجُهنى. فقال عبد الأعلى: أدْخِلوه، فَدَخَلَ عليه مُقَطّعاتٌ لَهُ فإذا رجلٌ طُوال ضَرْبٌ من الرجال كأَنّه ليس من هذه الأمّة، فلمّا أن قعد قال: بايعتُ رسول الله، ﷺ ، قلتُ: بيَمينك؟ قال: نعم، وخَطَبَنا رسول الله، ﷺ ، يوم العَقَبَة فقال: يا أيها النّاس ألا إنّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم إلى أن تَلْقَوْا ربّكم كحُرْمَةِ يَوْمكم هذا في شهركم هذا في بَلَدِكم هذا، ألا هَلْ بَلّغْتُ؟ فقلنا: نعم، فقال: اللهُمّ اشْهَدْ، ثمّ قال: ألا لا تَرْجعوا بعدى كُفّارًا يَضْرِبُ بعضكم رِقابَ بعض، قال ثمّ أتْبَعَ ذا فقال: إنّا كُنّا نَعُدّ عمّار بن ياسر فينا حَنانًا، فبينا أنا في مسجد قُباءَ إذ هو يقول: ألا إنّ نَعْثَلًا هذا لعثمان، فألْتَفِتُ فلو أجِدُ عليه أعْوانًا لَوَطِئْتُه حتَّى أقْتُله، قال قلت اللهُمّ إنّك إنْ تَشأُ تُمَكّنّى من عمّار، فلمّا كان يوم صفّين أقبل يستنّ أوّلَ الكتيبة رجلًا حتَّى إذا كان بين الصفّين فأبْصَرَ رجلٌ عَوْرَةً فطعنه في ركبته بالرمح فعثر فانكشف المِغْفَرُ عنْه، فضربتُه فإذا رأس عمّار. قال: فلم أرَ رجلًا أبْيَنَ ضَلالَةً عندي منه، إنّه سمع من النّبيّ، ﵇، ما سمع ثمّ قَتَلَ عَمّارًا (١).
قال واستسقى أبو غادية فأُتى بماء في زُجاجٍ فأبَى أن يشرب فيها، فأُتىَ بماءٍ في قَدَحٍ فَشَرب، فقال رجلٌ على رأس الأمير قائمٌ بالنّبطيّة: أوى يد كفتا يَتَوَرّعُ عن الشراب في زجاج ولم يتورّع عن قتل عمّار.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جَبْر عن أبي غادية قال: سمعتُ عمّار بن ياسر يقع في عثمان يَشْتِمُه بالمدينة قال: فتوعّدتُه بالقتل قلت: لئنْ أمكننى الله منك لأفْعَلَنّ. فلمّا كان يومُ صفّين جَعَلَ عمّار يحمل على النّاس، فقيل هذا عمّارٌ، فرأيتُ فُرْجة بين الرّئَتَين وبين الساقين، قال فحملتُ عليه فطعنتُه في ركبته، قال: فوقع فقتلتُه. فقيل قتلت عمّار بن ياسر. وأُخبر عمرو بن العاص فقال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول إنّ قاتله وسالبه في النّار، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تُقاتله، فقال: إنّما قال قاتله وسالبه (٢).
стр. 1052
قال: أخبرنا محمّد بن عمر وغيره قالوا: لمّا استلحم القتالُ بصفّين وكادوا يتفانَوْنَ قال معاوية: هذا يومٌ تفانى فيه العرب إلا أنْ تُدركهم فيه خِفّةُ العَبْدِ، يعني عمّار بن ياسر، قال وكان القتال الشديد ثلاثةَ أيّام ولياليَهنّ، آخرُهن ليلةُ الهَرير، فلمّا كان اليومُ الثالث قال عمّار لهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ومعه اللّواءُ يومئذٍ: احْمِلْ فِدَاكَ أبى وأمّى! فقال هاشم: يا عمّار رحمك الله إنّك رجلٌ تَسْتَخِفّكَ الحَرْبُ وإنى إنّما أزحفُ باللّواء زَحفًا رَجاءَ أن أبلغَ بذلك ما أريد، وإنى إن خَفَفْتُ لم آمَنِ الهَلَكَةَ. فَلَمْ يَزَلْ به حتَّى حَمَلَ فَنَهَضَ عمّار في كتيبته فنهض إليه ذو الكلاع في كتيبته فاقتتلوا فقُتلا جميعًا واستُؤصِلت الكتيبتان، وَحَمَلَ على عمّار حُوَيّ السّكسَكِيّ وأبو الغادية المُزَنيّ وقَتَلاه، فقيل لأبى الغادية: كيْفَ قَتَلْتَه؟ قال: لمّا دَلَفَ إلينا في كتيبته ودلفنا إليه، نادى هل من مُبارزٍ، فَبَرَزَ إليه رجلٌ من السكاسك فاضطربا بسيفيهما فقَتَلَ عمّارٌ السّكسكيَّ، ثمّ نادى مَنْ يُبارِز، فَبَرَزَ إليه رجُل من حِمْيَرَ فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار الحميريَّ وأثْخَنَه الحميريّ، ونادى مَنْ يُبارِزُ، فبرزتُ إليه فاختلفنا ضَرْبَتَيْن، وقد كانت يده ضَعُفَتْ فأنْتَحى عليه بضربة أُخرى فسقط فضربتُه بسيفى حتَّى بَرَدَ. قال ونادى النّاسُ: قتلتَ أبا اليَقْظان قَتَلَك الله! فقلت اذْهَبْ إليكَ فوالله ما أُبالى من كنتَ، وبالله ما أعرفُه يومئذٍ. فقال له محمّد بن المنْتَشِر: يا أبا الغادية خَصْمُك يوم القيامة مازُنْدَرُ، يعني ضخمًا، قال فضحك، وكان أبو الغادية شيخًا كبيرًا جسيمًا أدْلَمَ، قال: وقال عليّ حين قُتل عمّار: إنّ امْرأ من المسلمين لم يَعْظُمْ عليه قَتْلُ ابن ياسر وتَدْخُل به عليه المصيبةُ الموجعةُ لَغيرُ رَشيدٍ، رَحِمَ الله عمّارًا يومَ أسْلَمَ، ورحم الله عمّارًا يومَ قُتِلَ، ورحم الله عمّارًا يومَ يُبْعَثُ حيًّا، لقد رأيتُ عمّارًا وما يُذْكَرُ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، أربعةٌ إلّا كان رابعًا ولا خمسةٌ إلّا كان خامسًا، وما كان أحدٌ من قدماء أصحاب رسول الله يشكّ أنّ عمّارًا قد وَجَبَتْ له الجنّة في غير موطن ولا اثنين، فهَنيئًا لعمّار بالجنّة، ولقد قيل إنّ عمّارًا مع الحقّ والحقّ معه، يَدورُ عمّار مع الحقّ أينما دار، وقاتلُ عمّار في النّار.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبي خالد عن يحيَى بن عابس قال: قال عمّار ادْفنونى في ثيابى فإنى مخاصم.
стр. 1053
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق الشيبانيّ عن مُثْنيّ العَبْديّ عن أشياخٍ لهم شهدوا عمّارًا قال: لا تَغْسِلوا عنى دمًا ولا تَحْثوا علىّ تُرابًا فإنى مخاصم.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن أشعث بن سَوّار عن أبي إسحاق أنّ عليًّا صلّى على عمّار بن ياسر وهاشم بن عتبة، ﵄، فجعل عمّار ممّا يليه وهاشمًا أمام ذلك، وكبّر عليهما تكبيرًا واحدًا خمسًا أو ستًّا أو سبعًا، والشكّ في ذلك من أشعث.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا الحسن بن عُمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرَة أنّ عليًّا صلّى على عمّار ولم يَغْسِلْه.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا عبد العزيز بن سِياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: قُتل عمّار يومَ قتل وهو مُجْتَمعُ العَقْلِ.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا سعيد بن أوس العبسيّ عن بلال بن يحيَى العبسيّ قال: لمّا حضر حُذيفَةَ الموت، وإنّما عاش بعد قتل عثمان أربعين ليلة، فقيل له يا أبا عبد الله إنّ هذا الرجل قد قُتل، يعني عثمان، فما ترى؟ قال: أمّا إذْ أبَيْتُم فأجْلسونى، فأسْنَدوه إلى صدر رَجُلٍ ثمّ قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: أبو اليَقْظان على الفِطْرة، أبو اليقظان على الفطرة لن يَدَعَها حتَّى يموتَ أو يُنْسِيَه الهَرَمُ.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا عبد الجبّار بن عبّاس عن أبي إسحاق قال: لمّا قُتل عمّار دخل خُزيمة بن ثابت فسطاطه وطرح عليه سلاحه وشَنّ عليه من الماء فاغتسل ثمّ قاتل حتَّى قُتل، ﵀.
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ قال: أخبرنا ابن عون عن الحسن قال: قال عمرو بن العاص: إنى لأرجو ألا يكونَ رسول الله، ﷺ ، ماتَ يومَ ماتَ وهو يُحِبّ رجلًا فيُدْخلَه الله النّارَ، قال: فقالوا قد كنّا نَراهُ يُحِبّك وكان يستعملك، قال فقال الله أعلمُ أحَبّنى أم تألّفَنى، ولكنّا كنّا نراه يحبّ رجلًا، قالوا: فمن ذلك الرجلُ؟ قال: عمّار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلُكم يومَ صفّين، قال: قد والله قتلناه (١).
стр. 1054
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وموسى بن إسماعيل قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرنا الحسن قال: قيل لعمرو بن العاص قد كان رسول الله يُحِبّك ويستعملك، قال: قد كان والله يفعل فلا أدرى أحُبّ أم تَألّفٌ يتألّفنى ولكنّى أشْهَدُ على رجلين توفى رسول الله، ﷺ ، وهو يُحبّهما: عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر. قالوا: فذاك والله قتيلُكم يومَ صفّين، قال: صَدَقْتُمْ والله لقد قتلناه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوّام بن حَوْشَب عن عمرو بن مُرّة عن أبى وائل قال: رأى عمرو بن شُرَحْبيل أبو مَيْسَرَة، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله، في المنام قال: رأيتُ كأنّى أُدْخِلتُ الجنّة فإذا قِبابٌ مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذى الكَلاع وحوشَب، وكانا ممّن قُتل مع معاوية، قال قلت: فأين عمّار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قال قلت: وقد قَتَلَ بعضهم بعضًا، قيل إنّهم لَقوا الله فوجدوه واسع المَغْفِرَة، قلت: فما فعلَ أهلُ النّهر؟ قيل: لَقُوا برْحا.
قال: أخبرنا قبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضّحى قال: رأى أبو ميسرة في المنام روضة خضراء فيها قِبابٌ مضروبة فيها عمّار وقباب مضروبة فيها ذو الكلاع، قال قلتُ: كيف هذا وقد اقتتلوا؟ قال: فقيل لي وجدوا ربًّا واسع المغفرة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمّار أنّها وصفت لهم عمّارًا فقالت: كان رجُلًا آدَمَ طُوالًا، مضطربًا، أشْهَلَ العينين، بعيدَ ما بين المنكبين، وكان لا يُغيّرُ شيبه (١).
قال محمّد بن عمر: والذى أُجْمِعَ عليه في قتل عمّار أنّه قُتل، ﵀، مع عليّ بن أبي طالب بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، ودُفن هناك بصفّين، ﵀ ورضى عنه (٢).
* * *
стр. 1055
٧٧ - مُعتِّب بن عَوْف
ابن عامر بن الفضل بن عفيف، وهو الذي يُدْعى عَيْهامة بن كُليب بن حُبْشِيّة بن سَلول بن كَعْب بن عَمرو بن عامر من خُزاعة، هكذا نسبه محمّد بن إسحاق في كتابه (١)، وهو الذي يُقال له معتّب بن الحمراء ويكنى أبا عوف حليف لبنى مخزوم، وكان من مُهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر، ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو معشر فِيمَن هاجر إلى أرض الحبشة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عُمر بن عثمان عن أبيه قال: لمّا هاجر معتّب بن عوف من مكّة إلى المدينة نَزَلَ على مُبشّر بن عبد المنذر.
قالوا: آخَى رسول الله، ﷺ بين مُعتّب بن الحمراء وثَعلبة بن حاطِب، وشهد معتّب بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، ومات سنة سبع وخمسين وهو يومئذٍ ابن ثمانٍ وسبعين سنة. خمسة نفر (٢).
* * *
ومن بنى عديّ بن كعب بن لُؤيّ
٧٨ - عمر بن الخطّاب
﵁ وأرضاه، ابن نُفَيل بن عبد العُزّى بن رياح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح (٣) بن عديّ بن كعب، ويكنى أبا حفص. وأمّه حَنْتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (٤).
стр. 1056
وكان لعمر من الولد عبد الله وعبد الرّحمن وحفصة وأمّهم زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمَحٍ، وزيد الأكبر لا بقيّة له، ورُقيّة وأمّهما أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمّهما فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، وزيد الأصغر وعُبيد الله قُتل يوم صفّين مع معاوية وأمّهما أمّ كلثوم بنت جَرْوَل بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصْرَم بن ضَبيس بن حَرَام بن حُبْشِيّة بن سَلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وكان الإسلام فرق بين عمر وبين أمّ كلثوم بنت جرول. وعاصم وأمّه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقْلَح واسمه قيس بن عِصْمة بن مالك بن أمَةَ بن ضُبَيعة بن زيد من الأوس من الأنصار، وعبد الرّحمن الأوسط وهو أبو المُجَبَّر وأمّه لُهَيّة أمّ ولد، وعبد الرّحمن الأصغر وأمّه أمّ ولد، وفاطمة وأمّها أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وزينب وهي أصغر ولد عمر وأمّها فُكيهة أمّ ولد، وعياض بن عمر وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيل.
قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس المدنى قال: أخبرنا سليمان بن بلال عن عُبيد الله بن عمر عن نافع قال: غَيّرَ النّبيّ، ﷺ ، اسم أمّ عاصم بن عمر وكان اسمها عاصية، قال: لا بل أنتِ جميلة (١).
قال محمّد بن سعد: سألتُ أبا بكر بن محمّد بن أبي مُرّة المَكّيّ، وكان عالمًا بأمور مكّة، عن منزل عمر بن الخطّاب الذي كان في الجاهليّة بمكّة فقال: كان ينزل في أصل الجبل الذي يقال له اليوم جبل عمر، وكان اسم الجبل في الجاهليّة العاقر فنُسب إلى عمر بعد ذلك، وبه كانت منازل بنى عديّ بن كعب.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مُسلم وعارِم بن الفضل قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرنا يزيد بن حازم عن سليمان بن يَسار قال: مَرّ عمر بن الخطّاب بضَجنان فقال: لقد رأيتُنى وإنى لأرعَى على الخطّاب في هذا المكان وكان والله ما علمتُ فَظًّا غَليظًا، ثمّ أصبحت إلى أمر أمّة محمّد، ﷺ ، ثمّ قال متمثّلًا:
لَا شَىْءَ فيما تَرَى إلّا بَشَاشَتَهُ … يَبْقَى الإلهُ ويودى المالُ والولدُ (٢)
стр. 1057
ثمّ قال لبعيره: حَوْبَ.
قال: أخبرنا سعيد بن عامر وعبد الوهّاب بن عَطاء قالا: أخبرنا محمّد بن عَمرو عن يحيَى بن عبد الرّحمن بن حاطِب عن أبيه قال: أقبلنا مع عمر بن الخطّاب قافلين من مكّة حتَّى إذا كنّا بشعاب ضَجْنان وقف النّاس فكان محمّد يقول: مكانًا كثير الشجر والأشَبِ، قال فقال: لقد رأيتُنى في هذا المكان وأنا في إبلٍ للخطّاب، وكان فَظًّا غَلِيظًا، أَحْتطبُ عليها مرّة وأَختبطُ عليها أُخرى، ثمّ أصبحتُ اليوم يَضْرِبُ النّاسُ بجَنباتى ليس فوقى أحَدٌ. قال ثمّ تَمَثَّلَ (١) بهذا البيت:
لا شَىْءَ فيما تَرى إلا بَشاشَتَهُ … يَبْقى الإلهُ ويودى المالُ والوَلدُ
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقديّ قال: أخبرنا خارجة بن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنّ النّبيّ، ﷺ ، قال: اللهمّ أعِزّ الإسلامَ بأحَبّ الرّجُلين إليك، بعمر بن الخطّاب أو بأبى جَهْل بن هشام. قال فكان أحبهما إليه عمر بن الخطّاب (٢).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا خالد بن الحارث قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن حَرْمَلَة عن سعيد بن المسيّب قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا رأى عمر بن الخطّاب أو أبا جَهل بن هشام قال: اللهمّ اشْدُدْ دينك بأحبّهما إليك. فشَدّدَ دينه بعمر بن الخطّاب (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا أشعث بن سوّار عن الحسن عن النّبيّ، ﷺ ، قال: اللهمّ أعزّ الدّين بعمر بن الخطّاب (٤).
* * *
стр. 1058
إسلام عمر، ﵀
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا القاسم بن عثمان البصريّ عن أنَس بن مالك قال: خرَج عمر مُتَقَلِّدًا السيف فلقيه رجلٌ من بَنى زُهرة قال: أين تَعْمِدُ يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمّدًا، قال: وكيف تأمَنُ في بنى هاشم وبنى زُهرة وقد قتلتَ محمّدًا؟ قال فقال عمر: ما أراك إلّا قد صَبوتَ وتَركتَ دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدُلّك على العجب يا عمر؟ إنّ خَتَنَك وأختَكَ قد صَبَوَا وتركا دينَك الذي أنتَ عليه. قال فمشى عُمر ذامرًا (١) حتَّى أتاهما وعندهما رجلٌ من المهاجرين يقال له خَبّاب. قال فلمّا سمِع خَبّاب حِسّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال: ما هذه الهَيْنَمَةُ (٢) التي سمعتُها عندكم؟ قال وكانوا يقرءون ﴿طه﴾ فقالا: ما عدا حديثًا تحدّثناه بيننا، قال: فلعلّكما قد صَبوْتُما؟ قال فقال له خَتَنُه: أرأيتَ يا عمر إن كان الحقّ في غير دينك؟ قال فوثَبَ عمر على خَتنه فَوطِئه وَطْأً شديدًا فجاءت أختُه فدفعتهُ عن زوجها فنفحها بيده نَفْحَةً (٣) فَدَمَّى وجهها فقالت وهي غَضْبَى: يا عمر إن كان الحقّ في غير دينك، أَشْهَدُ أنْ لا إله إلّا الله وأَشْهَدُ (٤) أنّ محمّدًا رسول الله. فلمّا يئس عمر قال: أعطونى هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه. قال: وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت أخته: إنّك رِجْسٌ ولا يمسه إلّا المطهّرون فقُمْ فاغتسل أو تَوضّأ (٥). قال فقام عمر فتوضّأ ثمّ أخذ الكتاب فقرأ ﴿طه﴾ حتَّى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: ١ - ١٤].
قال فقال عمر: دُلّونى على محمّد. فلمّا سمع خبّاب قولَ عمر خرَج من البيت فقال: أبْشِرْ يا عمر فإنى أرجو أن تكون دعوةُ رسول الله، ﷺ ، لك ليلة
стр. 1059
الخميس: اللّهمّ أعِزّ الإسلام بعمر بن الخطّاب أو بعَمرو بن هشام، قال ورسول الله، ﷺ ، في الدار التي في أصل الصَّفَا. فانطلقَ عمر حتَّى أتى الدار، قال وعلى باب الدار حَمزة وطَلحة وأُناس من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فلمّا رأى حمزةُ وَجَلَ القومِ من عمر قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يُرِدِ الله بعمر خيرًا يُسلِمْ ويتبع النّبيّ، ﷺ ، وإنْ يُرِدْ غير ذلك يكن قتله علينا هيّنًا. قال والنّبيّ، ﵇، داخلٌ يُوحَى إليه، قال فخرج رسول الله، ﷺ ، حتَّى أتى عمر فأخذ بمجامع ثَوبه وحمائل السيف فقال: أما أنت منتهيًا يا عمر حتَّى يُنْزِلَ الله بك من الخِزْى والنَّكَال ما أنزل بالوليد بن المغِيرة؟ اللهمّ هذا عمر بن الخطّاب، اللهمّ أعِزّ الدين بعُمر بن الخطّاب، قال فقال عمر: أشْهَدُ أنّكَ رسول الله. فأسلَم وقال: اخْرُجْ يا رسول الله (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين قال: وحدّثنى مَعمر عن الزّهريّ قالا: أسلَم عمر بن الخطّاب بعد أن دخل رسول الله، ﷺ ، دار الأرقم وبعد أربعين أو نيّف وأربعين بين رجال ونساء قد أسلَموا قبله، وقد كان رسول الله، ﷺ ، قال بالأمس اللهمّ أيّدِ الإسلام بأحَبّ الرّجلين إليك: عمرَ بن الخطّاب أو عَمرو بن هشام. فلمّا أسلَم عمر نَزَلَ جبريل فقال: يا محمّد لقد استبشر أهلُ السّماءِ بإسلام عمر (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن سعيد بن المسيب قال: أسلَم عمر بعد أربعين رجلًا وعشر نسوة، فما هو إلّا أن أسلم عمر فظهر الإسلام بمكّة (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني علي بن محمّد عن عُبيد الله بن سلمان الأغَرّ عن أبيه عن صُهيب بن سِنان قال: لمّا أسلَم عُمر ظهر الإسلام ودُعى إليه علانية، وجلسنا حول البيت حِلَقًا وطُفنا بالبيت وانتصفنا ممّن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتى به (٤).
стр. 1060
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن عبد الله عن أبيه قال: ذكرتُ له حديث عمر فقال: أخبرني عبد الله بن ثَعلبة بن صُعَير قال: أسلَمَ عمر بعد خمسةٍ وأربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زَيد بن أسْلَم عن أبيه عن جَدّه قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: وُلدتُ قبل الفجار الأعظم الآخر بأربع سنين. وأسلَم في ذى الحجّة السنة السادسة من النبوّة وهو ابن ستّ وعشرين سنة. قال: وكان عبد الله بن عمر يقول: أسلَم عمر وأنا ابن ستّ سنين.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير ويَعْلَى ومحمّد ابنا عُبيد قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قَيْس بن أبي حازم قال: سمعتُ عبد الله بن مَسعود يقول: ما زِلْنا أعِزّةً منذ أسلَم عُمر (٢).
قال محمّد بن عُبيد في حديثه: لقد رأيتُنا وما نستطيع أن نُصلّى بالبيت حتَّى أسلم عمر، فلمّا أسلَم عمر قَاتَلَهم حتَّى تركونا نصلّى.
قال: أخبرنا يَعْلَى ومحمّد ابنا عُبيد وعُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالوا: أخبرنا مِسْعَرُ عن القاسم بن عبد الرّحمن قال: قال عبد الله بن مَسعود: كان إسلامُ عمر فتحًا وكانت هجرته نَصرًا وكانت إمارته رَحمةً، لقد رأيتُنا وما نستطيع أن نصلّى بالبيت حتَّى أسلم عمر، فلمّا أسلَم عمر قاتَلَهم حتَّى تركونا فصلّينا (٣).
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّل مَن قال لعمر الفاروق، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أنّ رسول الله، ﷺ ، ذكر من ذلك شيئًا، ولم يبلغنا أنّ ابن عمر قال ذلك إلا لعمر، كان فيما يَذْكُرُ من مناقب عمر الصالحة ويثنى عليه، قال: وقد بلغنا أنّ عبد الله بن عمر كان يقول: قال رسول الله، ﷺ ، اللهمّ أيّدْ دينك بعمر بن الخطّاب (٤).
стр. 1061
قال: أخبرنا أحمد بن محمّد الأزرقيّ المكّى قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن حسن عن أيّوب بن موسى قال: قال رسول الله، ﷺ . إنّ الله جَعَل الحقّ على لسان عمر وقلبه وهو الفاروق فرق الله به بين الحقّ والباطل (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو حَزرةَ يعقوب بن مجاهد عن محمّد بن إبراهيم عن أبي عمرو ذَكوان قال: قلتُ لعائشة مَنْ سَمّى عمر الفاروق؟ قالت: النّبيّ، ﵇ (٢).
* * *
ذكر هجرة عمر بن الخطّاب وإخائه، ﵀
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله بن مُسلم عن الزّهريّ عن سالم عن أبيه وأخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عُمر بن أبي عاتكة وعبد الله بن نَافع عن نَافع عن ابن عمر قال: لما أَذِنَ رسول الله، ﷺ ، للناس في الخروج إلى المدينة جَعل المسلمون يخرجون أرْسالًا، يصطحب الرجال فيخرجون، قال عمر وعبد الله قلنا لنافع: مُشاةً أو رُكبانًا؟ قال: كلّ ذاك، أمّا أهل القوّة فركبان ويعتقبون وأمّا مَن لم يجد ظَهْرًا فيمشون (٣).
قال عمر بن الخطّاب: فكنت قد اتّعدتُ أنا وعيّاش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل التَّنَاضُب (٤) من أضَاة (٥) بنى غِفار وكنّا إنّما نخرج سرًّا، فقلنا:
стр. 1062
أيّكم ما تخلّف عن الموعد فلينطلق من أصبح عند الأضَاة. قال عمر: فخرجتُ أنا وعَيّاش بن أبي ربيعة، واحتَبس هشام بن العاص ففُتنَ فيمن فتن، وقدمت أنا وعيّاش فلمّا كنّا بالعقيق عَدَلنا إلى العُصبة حتَّى أتينا قُباء فنزلنا على رُفاعة بن عبد المنذر فَقَدِمَ على عيّاش بن أبي ربيعة أخواه لأُمّه: أبو جَهل والحارث ابنا هشام بن المغيرة وأمّهم أسماءُ ابنة مُخَرّبة من بنى تَميم، والنّبيّ ﷺ ، بعد بمكّة لم يخرج، فأسرعا السَّيْر فنزَلا معنا بقباءَ، فقالا لعيّاش: إنّ أمّك قد نَذَرَت ألا يظلّها ظِلّ ولا يمسّ رأسَها دُهْنٌ حتَّى تراك. قال عمر فقلت لعيّاش: والله إنْ يَرُدّاك إلّا عن دينك فاحْذَرْ على دينك، قال عيّاش: فإنّ لي بمكّة مالًا لعلّى آخذه فيكون لنا قوّة وأَبَرُّ (١) قَسَمَ أُمّى. فخرج معهما فلمّا كانوا بضجنان نزل عن راحلته فنزلا معه فأوثقاه رباطًا حتَّى دخلا به مكّة فقالا: كذا يا أهل مكّة فافعلوا بسفهائكم. ثمّ حبسوه (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين أبى بكر الصّدّيق وعمر بن الخطّاب.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال محمّد بن عُمَر: وَأخبرنا عبد الله بن جعفر عن سعد بن إبراهيم قالا: آخى رسول الله، ﷺ ، بين عمر بن الخطّاب وعُويم بن ساعدة (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين عمر بن الخطّاب وعِتْبان بن مالك، قال محمّد بن عمر: ويقال بين عمر ومُعاذ بن عَفراء (٤).
стр. 1063
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: منزل عمر بن الخطّاب بالمدينة خِطّة من رسول الله، ﷺ (١).
قالوا: شهد عمر بن الخطّاب بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، وخرج في عدّة سرايا وكان أمير بعضها.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أُسامة بن زيد بن أسلم عن أبي بكر بن عبد الرّحمن قال: بعث رسول الله، ﷺ ، عمر بن الخطّاب سريّة في ثلاثين رجلًا إلى عُجْزِ هوازن بِتُرَبَةَ في شعبان سنة سبع من الهجرة (٢).
قال: أخبرنا رَوْح بن عبادة قال: أخبرنا عوف عن ميمون أبى عبد الله عن عبد الله بن بُريدة عن أبيه بُريدة الأسلمى قال: لمّا كان حيث نزل رسول الله، ﷺ ، بحضرة أهل خيبر أعطى رسولُ الله، ﷺ ، اللواء عمر بن الخطّاب (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن عُبيد الله عن سالم عن ابن عمر قال: استأذن عمر النّبيّ، ﷺ ، في العُمْرة فقال: يا أخى أشْرِكنا في صالح دعائك ولا تَنْسَنَا (٤).
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ وسليمان بن حرب قالا: أخبرنا شُعبة عن عاصم بن عُبيد الله قال: سمعتُ سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر أنّه استأذن النّبيّ، ﷺ ، في العُمْرة فأذِنَ له فقال له النّبيّ: لا تَنْسَنَا يا أخى من دعائك. قال سليمان في حديثه قال فقال لي كلمةً ما يَسُرّنى أنّ لي بها الدّنيا، قال سليمان قال شعبة: ثمّ لقيت عاصمًا بعدُ بالمدينة فحدّثتهُ فقال: قال أشْرِكْنا يا أخى في دعائك. قال أبو الوليد: هكذا في كتابى عن ابن عمر.
قال: أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفيّ عن المغيرة بن زياد الموصليّ عن الوليد بن أبى هشام قال: استأذن عمر بن الخطّاب النّبيّ، ﷺ ، في العمرة وقال إنى أريد
стр. 1064
المشي. فأذِنَ له، قال فلمّا ولّى دعاه فقال: يا أخى شُبْنا بشئٍ من دعائك ولا تَنْسَنَا (١).
قال: حدّثنا عبد الله بن نُمير عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عُبيدة قال: قال عبد الله: أفرسُ النّاس ثلاثة، أبو بكر في عمر، وصاحبة موسى حين قالت اسْتَأجِرْهُ، وصاحب (٢) يوسف.
* * *
ذكر استخلاف عمر، ﵀
قال: أخبرنا سعيد بن عامر قال: أخبرنا صالح بن رستم عن ابن أبي مُليكة عن عائشة قالت: لمّا ثَقُلَ أبى دخل عليه فلان وفلان فقالوا: يا خليفة رسول الله ماذا تقول لربّك إذا قدمت عليه غدًا وقد استخلفت علينا ابن الخطّاب؟ فقال: أجْلِسونى، أبالله تُرْهِبونى؟ أقولُ استخلفتُ عليهم خيرَهم.
قال: أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النبيل قال: أخبرنا عُبيد الله بن أبي زياد عن يوسف بن ماهَكَ عن عائشة قالت: لمّا حضرت أبا بكرٍ الوفاةُ استخلف عمر فدخل عليه عليّ وطلحة فقالا: مَن استخلفتَ؟ قال: عمر، قالا: فماذا أنت قائلٌ لربّك؟ قال: أبالله تُفرّقانى؟ لأنا أعلم بالله وبعمر منكما، أقول استخلفتُ عليهم خيرَ أهلك.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد اللّيثى عن محمّد بن حمزة بن عمرو عن أبيه قال: توفى أبو بكر الصّدّيق مساء ليلة الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة موت أبى بكر، ﵀ (٣).
стр. 1065
قال: أخبرنا أسْباط بن محمّد عن أشعث عن الحسن قال فيما نظنّ أنّ أوّلَ خُطبةٍ خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فقد ابتُليتُ بكم وابتُليتم بي وخلفتُ فيكم بعد صاحبيّ، فمنْ كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومهما غابَ عَنّا وَلّيْنا أهلَ القوّة والأمانة، فمَنْ يُحْسِنْ نَزِدْهُ حُسنًا ومن يُسئ نُعاقبه ويغفر الله لنا ولكم.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن الأعمش عن جامع بن شدّاد عن أبيه قال: كان أوّل كلام تكلّم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللّهُمّ إنّى شديد فلَيّنّي وإنى ضعيف فقوّنى وإنى بخيل فسَخّنى (١).
قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة عن جامع بن شدّاد عن ذى قرابة له قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: ثلاث كلمات إذا قلتها فهيمنوا عليها: اللّهمّ إنى ضعيف فقوّنى، اللّهمّ إنى غليظ فلَيّنّى، اللّهمّ إنى بخيل فسخّنى.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ووهب بن جرير قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعتُ حُميد بن هلال قال: أخبرنا مَن شَهِدَ وفاةَ أبى بكر الصّدّيق فلمّا فرغ عمر من دفنه نفض يده عن تراب قبره ثمّ قام خطيبًا مكانه فقال: إنّ الله ابتلاكم بي وابتلانى بكم وأبقانى فيكم بعد صاحبيّ، فوالله لا يَحْضُرُنى شئٌ من أمركم فيَليَه أحدٌ دونى ولا يتغيّبُ عنّى فآلو فيه عن الجَزْءِ والأمانة، ولئِنْ أحْسنوا لأحْسِنَنّ إليهم ولئن أساءُوا لأنَكّلَنَّ بهم. قال الرجل: فوالله ما زاد على ذلك حتَّى فارق الدّنيا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن القاسم بن محمّد قال: قال عمر بن الخطّاب: لِيَعْلَمْ من وَلىَ هذا الأمر من بعدى أن سَيُريدُه عنه القريبُ والبعيدُ، إنى لأقاتلُ النّاسَ عن نفسى قتالًا ولو علمتُ [إن علمت] أنّ أحدًا من النّاس أقوى عليه منّي لكنتُ [أَنْ] أُقدَّمَ فَتُضْرَبَ (٢) عُنُقى أحبُّ إليَّ مِنْ أن ألِيَه (٣).
стр. 1066
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن أَيّوب وابن عون وهشام، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، عن محمّد بن سيرين عن الأحنف قال: كنّا جلوسًا بباب عمر فمَرّتْ جاريةٌ فقالوا سُرّيّةُ أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرّيّة وما تَحِلّ له، إنّها من مال الله، فقلنا: فماذا يحلّ له من مال الله؟ فما هو إلا قَدْرُ أنْ بلغت وجاءَ الرسول فدعانا فأتيناه فقال: ماذا قلتم؟ قلنا: لم نقل بأسًا، مرّت جاريةٌ فقلنا هذه سُرِّيَّةُ (١) أمير المؤمنين، فقالت: ما هي لأمير المؤمنين بسرّيّة وما تحِلّ له، إنّها من مال الله، فقلنا: فماذا يحلّ له من مال الله؟ فقال: أنا أخْبركم بما أسْتَحِلّ منه، يَحِلّ لي حُلّتان، حُلّة في الشّتاء وحُلّة في القَيْظ، وما أحُجّ عليه وأعْتَمِرُ من الظَّهْر، وقُوتى وقُوتُ أهلى كقُوت رجلٍ من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثمّ أنا بعدُ رجلٌ من المسلمين يُصيبُنى ما أصابهم (٢).
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح وقبيصة بن عقبة قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مُضَرّب قال: قال عمر بن الخطّاب: إنى أنزلتُ نفسى من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيتُ استعففتُ وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف. قال وكيع في حديثه: فإن أيْسَرْتُ قضيتُ.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا زكريّاءُ بن أبي زائدة عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرّب عن عمر أنه قال: إنى أنزلتُ مال الله منى بمنزلة مال اليتيم، فإن استغنيتُ عفَفْتُ عنه وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروف (٣).
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا زائدة بن قُدامة عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال عمر: إنى أنزلتُ مال الله منى بمنزلة مال اليتيم، مَن كان غنيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة أنّ عمر بن الخطّاب قال: لا يَحِلّ لي من هذا المال إلا ما كنتُ آكلًا من صُلْب مالى (٤).
стр. 1067
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا سلام بن مسكين قال: أخبرنا عمران أنّ عمر بن الخطّاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاسْتَقْرَضَه، فربّما عَسُرَ فيأتيه صاحبُ بيت المال يتقاضاه فيَلْزَمُه فيحتال له عمر، وربّما خرج عطاؤه فقضاه (١).
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر قال: أخبرنا عيسى بن حفص قال: حدّثني رجل من بنى سلمة عن ابنٍ للبراء بن مَعْرُور أنّ عمر خرج يومًا حتَّى أتى المنبر، وقد كان اشتكى شكوى له فنُعِتَ له العَسَلُ وفى بيت المال عُكّة فقال: إنْ أذنْتم لي فيها أخذتها وإلّا فإنّها على حرام، فأذِنوا له فيها (٢).
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثيّ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عاصم بن عمر قال: أرسل إليّ عمر يَرْفا (٣) فأتيتُه وهو في مُصَلّاه عند الفجر أو عند الظهر، قال فقال: والله ما كنت أرى هذا المال يَحِلّ لي من قبلِ أن ألِيَه إلا بحقّه، وما كان قطّ أحرم على منه إذ وَليتُه فعاد أمانتى وقد أنفقتُ عليك شهرًا من مال الله، ولستُ بزائدك ولكنى مُعينك بثمر مالى بالغابة فاجدده فبِعْه ثمّ ائْتِ رجلًا من قومك من تُجّارهم فقم إلى جنبه، فإذا اشترى شيئًا فاسْتَشْرِكْه فاسْتَنْفِقْ وأنْفِقْ على أهلك (٤).
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن حُميد عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب رأى جارية تطيش هُزالًا فقال عمر: من هذه الجارية؟ فقال عبد الله: هذه إحدى بناتك، قال: وأيّ بناتى هذه؟ قال: ابنتى، قال: ما بَلَغَ بها ما أرى؟ قال: عملك، لا تنْفِقُ عليها، فقال: إنّى والله ما أغُرّك من ولدك فأُوسِعَ على ولدك أيّها الرجل (٥).
стр. 1068
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وأبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قالا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن مصعب بن سعد قال: قالت حفصة بنت عمر لأبيها، قال يزيد يا أمير المؤمنين، وقال أبو أُسامة يا أبتِ، إنّه قد أوسع الله الرّزق وفتح عليك الأرض وأكثر من الخير فلو طَعِمْتَ طعامًا ألين من طعامك ولَبِسْتَ لباسًا ألين من لباسك، فقال: سأُخاصمُكِ إلى نفسك، أما تذكرين ما كان رسول الله، ﷺ ، يَلْقَى من شدّة العيش؟ قال فما زال يُذكّرها حتَّى أبكاها، ثمّ قال: إنى قد قلتُ لك إنى والله لئن استطعتُ لأشاركَنّهما في عيشهما الشديد لَعَلّى ألْقى معهما عيشهما الرخيّ. قال يزيد بن هارون: يعني رسول الله وأبا بكر (١).
أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو عَقيل قال الحَسن: إنّ عمر بن الخطّاب أبَى إلّا شدّةً وحَصْرًا على نفسه فجاء الله بالسعة فجاء المسلمون فدخلوا على حفصة فقالوا: أبَى عمر إلّا شدّةً على نفسه وحصرًا وقد بسط الله في الرزق، فَلْيَبْسُطْ في هذا الفَئِ فيما شاءَ منه وهو في حِلّ من جماعة المسلمين. فكأنّها قاربتهم في هواهم، فلمّا انصرفوا من عندها دَخَلَ عليها عمر فأخبرته بالذى قال القوم فقال لها عمر: يا حفصة بنت عمر نَصَحْتِ قومك وغَشَشْتِ أباكِ، إنّما حَقُّ أهلى في نفسى ومالى فأمّا في دينى وأمانتى فلا.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن غالب، يعني القطّان، عن الحسن قال: كَلّموا حفصة أن تُكَلّمَ أباها أن يُلين من عيشه شيئًا فقالت: يا أبتاه، أو يا أمير المؤمنين، إنّ قومك كلّمونى أن تُلين من عيشك، فقال: غششتِ أباكِ ونصحتِ لقومك (٢).
قال: أخبرنا يحيَى بن حمّاد والفضل بن عنبسة قالا: أخبرنا أبو عوَانة عن الأعمش عن إبراهيم أنّ عمر بن الخطّاب كان يتّجر وهو خليفة. قال يحيَى في حديثه: وجهّز عيرًا إلى الشأم فبعث إلى عبد الرّحمن بن عوف، وقال الفضل: فبعث إلى رجل من أصحاب النّبيّ، ﵇، قالا جميعًا يستقرضه أربعة
стр. 1069
آلاف درهم، فقال للرسول: قل له يَأخُذُها من بيت المال ثمّ ليرُدّها. فلمّا جاءه الرسول فأخبره بما قال شَقّ ذلك عليه فلقيه عمر فقال: أنت القائل ليأخذها من بيت المال؟ فإن مِتّ قبل أن تَجيء قلتم أخَذَها أمير المؤمنين دَعوها له وأُوخَذُ بها يومَ القيامة، لا ولكن أردتُ أن آخذها من رجلٍ حريص شحيح مثلك فإن مِتّ أخَذَها، قال يحيَى من ميراثى، وقال الفضل من مالى.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير، قال إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرني سعيد بن أبي بُرْدَة عن يسار بن نُمير قال: سألنى عمرُ: كم أنفقنا في حجّتنا هذه؟ قلت: خمسة عشر دينارًا.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن يحيَى بن سعيد عن شيخ لهم قال: خرج عمر بن الخطّاب إلى مكّة فما ضرب فُسطاطًا حتَّى رجع، كان يستظلّ بالنّطْع.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل، قال حمّاد بن زيد عن يحيَى بن سعيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين وعبد الوهّاب بن عطاء قالا: أخبرنا عبد الله العُمرى عن عبد الرّحمن بن القاسم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: صَحِبْتُ عمر بن الخطّاب من المدينة إلى مكّة في الحجّ ثمّ رجعنا فما ضرب فسطاطًا ولا كان له بناءٌ يستظلّ به إنّما كان يُلقى نطعًا أو كساء على شجرة فيستظلّ تحته.
قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قال: حدّثني جرير بن حازم قال: سمعتُ الحسن يحدّث قال: قَدِمَ أبو موسى في وفد أهل البصرة على عمر، قال: فقالوا كنّا ندخل كلّ يوم وله خُبَز ثلاث فربّما وافقناها مأدومةً بزيتٍ، وربّما وافقناها بسمن، وربّما وافقناها باللّبن، وربّما وافقناها بالقدائد اليابسة قد دُقّت ثمّ أُغلى بها، وربّما وافقنا اللحم الغريض وهو قليل. فقال لنا يومًا: أيّها القوم إنّى والله لقد أرى تعذيركم وكراهيتكم لطعامى، وإنّى والله لو شئتُ لكنتُ أطْيَبَكم طَعَامًا وَأَرْفَغَكُم (١) عيشًا، أما والله ما أجهلُ عن كَرِاكرَ وأَسْنمة (٢) وعن
стр. 1070
صِلَاءٍ (١) وصِنَاب (٢) وصلائق (٣)، ولكنى سمعتُ الله، جلّ ثناؤه، عَيّرَ قوْمًا بأمرٍ فعلوه فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [سورة الأحقاف: ٢٠]، وإنّ أبا موسى كلّمنا فقال: لو كلّمتم أمير المؤمنين يَفْرِضُ لنا من بيت المال أرْزاقنا، فوالله ما زال حتَّى كلّمناه فقال: يا معشر الأمراء أمَا تَرْضَوْنَ لأنفسكم ما أرضاه لنفسى؟ قال قلنا: يا أمير المؤمنين إنّ المدينة أرضٌ العيشُ بها شديد ولا نرى طعامك يُعَشِّى ولا يُؤكَل، وإنّا بأرضٍ ذات ريف، وإنّ أميرنا يُعشّى وإنّ طعامه يؤكل. فنكت في الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال: فنَعَمْ فإنى قد فرضتُ لكم كلّ يوم من بيت المال شاتين وجريبين فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على أحد الجريبين فكلْ أنت وأصحابك ثمّ ادْعُ بشرابك فاشْرَبْ، ثمّ اسقِ الذي عن يمينك، ثمّ الذي يليه، ثمّ قم لحاجتك، فإذا كان بالعشيّ فضع الشاة الغابرة على الجريب الغابر فكل أنت وأصحابك، ثمّ ادْعُ بشرابك فاشرب، ألا وأشْبعوا النّاس! في بيوتهم وأطعموا عيالهم فإنّ تجفينكم (٤) للنّاس لا يُحسّن أخلاقهم ولا يُشْبِعُ جائعهم، والله مع ذاك ما أظنّ رُسْتاقًا يُؤخَذُ منه كلّ يومٍ شاتان وجريبان إلا يُسْرِعَانِ في خرابه (٥).
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن يونس عن حُميد بن هلال أنّ حفص بن أبي العاص كان يَحْضُرُ طعام عمر فكان لا يأكل، فقال له عمر: ما يمنعك من طعامنا؟ قال: إنّ طعامك جَشِبٌ غليظ وإنى راجع إلى طعام لينٍ قد صُنع لي فأصيب منه، قال: أترانى أعْجِز أنْ آمُرَ بشاةٍ فيُلْقى عنها شَعْرُها وآمُرَ
стр. 1071
بدَقيقٍ فَيُنْخَلَ في خرقة ثمّ آمُرَ به فيُخْبَزَ خبزًا رقاقًا وآمُرَ بصاع من زبيب فيُقْذَف في سُعْن (١) ثمّ يُصَبّ عليه من الماء فيُصبحَ كأنه دَمُ غزال؟ فقال: إنى لأراك عالمًا بطيب العيش، فقال: أجَلْ! والّذى نفسى بيده لولا أن تنتقص (٢) حَسَنَاتى لَشَارَكْتُكم في لين عيشكم.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن سعيد الجريرى عن أبي نَضْرة عن الربيع بن زياد الحارثى أنّه وفد إلى عمر بن الخطّاب فأعجبته هيئته ونحوه فشكا عمر طعامًا غليظًا أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين إنّ أحَقّ النّاس بطعامٍ لَيّنٍ ومركبٍ لينٍ وملبسٍ لَينٍ لأنْتَ. فرفع عمر جريدة معه فضرب بها رأسه وقال: أما والله ما أراكَ أرَدتَ بها الله وما أردتَ بها إلّا مقاربتى إن كُنْتُ لأحْسِب أنّ فيك [خيرًا] ويحك! هل تَدْرى ما مثلى ومثل هؤلاء؟ قال: وما مثلك ومثلهم؟ قال: مثلُ قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منهم، فقالوا له: أنفِقْ علينا: فهل يَحِلّ له أن يستأثر منها بشئ؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، قال: فكذلك مثلى ومثلهم (٣).
ثمّ قال عمر: إنى لم أستعمل عليكم عُمّالى ليضربوا أبشاركم وليشتموا أعراضكم ويأخذوا أموالكم ولكنى استعملتهم ليعلّموكم كتابَ ربّكم وسنّه نبيكم، فمن ظَلَمَه عاملُه بمظلمة فلا إذنَ له عليّ ليرفعها إليّ حتَّى أُقِصّه منه. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين أرأيت إنْ أدّبَ أميرٌ رجلًا من رعيّته أتُقِصّه منه؟ فقال عمر: وما لي لا أقِصّه منه وقد رأيت رسول الله، ﷺ ، يُقِصّ من نفسه؟ وكتب عمر إلى أمراء الأجناد. لا تَضْرِبوا المُسلمين فتُذِلّوهم ولا تَحْرِموهم فتُكْفِرُوهم ولا تُجمّرُوهم فتَفْتنوهم ولا تُنْزِلوهم الغِياض فتُضَيّعوهم (٤).
стр. 1072
قالوا: إنّ رسول الله، ﷺ ، لمّا تُوفى واسْتُخلف أبو بكر الصّدّيق كان يقال له خليفةُ رسول الله، ﷺ ، فلمّا توفى أبو بكر، ﵀، واستخلف عمر بن الخطَّاب قيل لعمر خليفة خليفة رسول الله، ﷺ ، فقال المسلمون: فمن جاء بعد عمر قيل له خليفة خليفة خليفة رسول الله، ﵇، فيطول هذا، ولكن أجْمِعُوا على اسمٍ تدعون به الخليفة يُدْعَ به مَنْ بعده من الخلفاء، فقال بعض أصحاب رسول الله، ﷺ : نحن المؤمنون وعمر أميرنا، فدُعى عمر أمير المؤمنين فهو أوّل من سُمّى بذلك (١)، (*) وهو أوّل من كتب التاريخ في شهر ربيع الأوّل سنة ستّ عشرة فكتبه من هجرة النّبيّ، ﷺ ، من مكّة إلى المدينة، وهو أوّل من جمع القرآن في الصّحُف، وهو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان وجَمَعَ النّاس على ذلك وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة، وجعل للنّاس بالمدينة قارِئَين، قارئًا يُصلّى بالرّجال وقارِئًا يصلى بالنساء.
وهو أوّل من ضرب في الخمر ثمانين واشتدّ على أهل الرّيَب والتّهَم وأحرق بيت رُويشد الثقفى وكان حانوتًا وغَرّبَ ربيعة بن أُميّة بن خلف إلى خيبر وكان صاحب شراب، فدخل أرضَ الرّوم فارتدّ، وهو أوّل من عَسّ في عمله بالمدينة وحمل الدِّرّة وأدّبَ بها، ولقد قيل بعده لَدِرّةُ عمر أهْيَبُ من سيفكم.
وهو أوّل من فتح الفتوح وهي الأرَضون والكُوَر التي فيها الخراج والفَئُ، فتح العراق كلّه، السواد والجبال، وأذربيجان وكور البصرة وأرضها وكور الأهواز وفارس وكور الشأم ما خلا أجنادين فإنّها فتحت في خلافة أبى بكر الصّديق، ﵀.
وفتح عمر كور الجزيرة والموصل ومصر والإسكندريّة، وقُتِل، ﵀، وخَيْلُه على الريّ وقد فتحوا عامّتها، وهو أوّل من مسح السواد وأرض الجبل ووضع الخراج على الأرضين والجزية على جماجم أهل الذمّة فيما فتح من البلدان، فوضع على الغنى ثمانيةً وأربعين درهمًا وعلى الوسط أربعةً وعشرين درهمًا وعلى
стр. 1073
الفقير اثنى عشر درهمًا، وقال: لا يُعْوِزُ رجلًا منهم درهمٌ في شهر، فبلغ خراج السواد والجبل على عهد عمر، ﵀، مائة ألف ألف وعشرين ألف ألف وافٍ، والواف درهم ودانقان ونصف، وهو أوّل من مصّر الأمصار: الكوفة والبصرة والجزيرة والشأم ومصر والموصل، وأنزلها العرب، وخطّ الكوفة والبصرة خِططًا للقبائل، وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار، وهو أوّل من دوّن الديوان وكتب النّاس على قبائلهم وفرض لهم الأعْطِيَةَ من الفئ وقَسَمَ القسوم في النّاس، وفرض لأهل بدر وفَضّلَهم على غيرهم، وفرض للمسلمين على أقدارهم وتقَدُّمهم في الإسلام، وهو أوّل من حمل الطعام في السّفُن من مصر في البحرِ حتَّى ورد البحر ثم حمل من الجار إلى المدينة.
وكان عمر، ﵁، إذا بعث عاملًا له على مدينة كتب ماله، وقد قاسم غير واحدٍ منهم ماله إذا عزله، منهم سعد بن أبي وقّاص وأبو هُريرة، وكان يستعمل رجلًا من أصحاب رسول الله، ﵇، مثل عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة، ويَدَعُ مَن هو أفْضل منهم مثل عثمان وعليّ وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف ونظرائهم لقوّة أولئك على العمل والبَصَر به، ولإشراف عمر عليهم وهيبتهم له، وقيل له: مالك لا تُوَلّى الأكابر من أصحاب رسول الله، ﵇؟ فقال: أكره أن أدنّسهم بالعمل (*).
واتخذ عمر دار الرقيق، وقال بعضهم الدقيق، فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر (١) والزبيب وما يُحتاج إليه يُعين به المُنقطع به والضيف ينزل بعمر، ووضع عمر في طريق السّبُلِ ما بين مكة والمدينة ما يُصْلح مَنْ ينقطع به ويحمل من ماء إلى ماء، وهَدَمَ عمرُ مسجد رسول الله، ﷺ ، وزاد فيه وأدخل دار العبّاس بن عبد المطّلب فيما زاد، ووسّعه وبناه لمّا كَثُرَ النّاسُ بالمدينة، وهو أخرج اليهود من الحجاز وأجلاهم من جزيرة العرب إلى الشأم، وأخرج أهل نجران وأنزلهم ناحية الكوفة، وكان عمر خرج إلى الجابية في صفر سنة ستّ عشرة فأقام بها عشرين ليلة يقصّر
стр. 1074
الصلاة، وحضر فتح بيت المقدس، وقسم الغنائم بالجابية، وخرج بعد ذلك في جمادى الأولى سنة سبع عشرة يريد الشأم فبلغ سَرْغَ فبلغه أنّ الطّاعون قد اشتعل بالشأم فرجع من سرغ، فكلّمه أبو عُبيدة بن الجرّاح وقال: أتَفِرّ من قدر الله؟ قال: نعم إلى قَدَرِ الله (١).
وفى خلافته كان طاعون عَمَواس في سنه ثمانى عشرة. وفى هذه السنة كان أوّل عام الرّمادة أصابَ النّاسَ محلٌ وجَدْبٌ ومجاعة تسعة أشهر، واستعمل عمر على الحجّ بالنّاس أول سنة اسْتُخْلِف، وهي سنة ثلاث عشرة، عبد الرّحمن بن عوف فحجّ بالنّاس تلك السنة ثمّ لم يزل عمر بن الخطّاب يحجّ بالنّاس في كلّ سنة خلافته كلّها فحجّ بهم عشر سنين ولاءً: وحجّ بأزواج النّبيّ، ﵇، في آخر حِجّة حجّها بالنّاس سنة ثلاثٍ وعشرين، واعْتَمَرَ عمر في خلافته ثلاث مرّات، عُمرة في رجب سنة سبع عشرة، وعمرة في رجب سنة إحدى وعشرين، وعمرة في رجب سنة اثنتين وعشرين، وهو أخّر المقام إلى موضعه اليوم، كان ملصقًا بالبيت.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: حدّثني الأشعث عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب مصّرَ الأمصار: المدينة والبصرة والكوفة والبحرين ومصر والشأم والجزيرة (٢).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن يونس عن الحسن أنّ عمر بن الخطّاب قال: هانَ شئٌ أُصْلِحُ به قومًا أنْ أُبَدّلهم أميرًا مكان أمير.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن عبد الله بن إبراهيم قال: أوّل من ألقى الحصى في مسجد رسول الله، ﷺ ، عمر بن الخطّاب، وكان النّاس إذا رفعوا رءوسهم من السجود نفضوا أيْديَهم فأمر عمر بالحصى فجئ به من العقيق فبُسِطَ في مسجد النّبيّ، ﷺ .
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرنا أيّوب عن
стр. 1075
محمّد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطّاب: لأعْزِلَنّ خالد بن الوليد والمثنى مثنى بنى شيبان حتَّى يعلما أنّ الله إنّما كان ينصر عباده وليس إيّاهما كان ينصر.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا كثير أبو محمّد عن عبد الرّحمن بن عجلان أنّ عمر بن الخطّاب مَرّ بقوم يرتمون فقال أحدهم: أسَيْتَ. فقال عمر: سُوءُ اللّحن أسْوَأ مِنْ سُوءِ الرّمْى.
قال: وأخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا جرير بن حازم عن يَعْلى بن حكيم عن نافع قال: قال عمر: لا يسألنى الله عن ركوب المسلمين البحر أبدًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوب البحر، قال فكتب عمرو إليه يقول: دُود على عود فإن انكسر العود هلك الدود. قال فكره عمر أن يحملهم في البحر، قال هشام وقال سعيد بن أبي هلال: فأمسك عمر عن ركوب البحر.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: أخبرنا داود بن أبي الفرات قال: أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمى قال: بينا عمر بن الخطّاب يَعُسّ ذات ليلةٍ إذا امرأةٌ تقول:
هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشرَبَها … أم هل سبيلٌ إلى نصرِ بن حجّاجِ؟
فلمّا أصبح سأل عنه، فإذا هو من بنى سُلَيْم فأرسل إليه فأتاه فإذا هو من أحسن النّاس شَعرًا وأصبحهم وجهًا، فأمره عمر أن يَطُمّ شعره ففعل، فخرجت جبهته فازداد حسنًا، فأمره عمر أن يَعْتَمّ ففعل، فازداد حسنا، فقال عمر: لا والذى نفسى بيده لا تُجامعُنى بأرض أنا بها! فأمر له بما يُصْلحه وسيّره إلى البصرة (١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى قال: أخبرنا داود بن أبي الفرات قال: أخبرنا عبد الله بن بُرَيْدة الأسلمى قال: خرج عمر بن الخطّاب يَعُسّ ذات ليلةٍ فإذا هو بنسوة يتحدّثن، فإذا هنّ يقلن: أيّ أهل المدينة أصْبَحُ؟ فقالت امرأة منهنّ:
стр. 1076
أبو ذئب. فلمّا أصبح سأل عنه فإذا هو من بنى سُليم، فلمّا نظر إليه عمر إذا هو من أجمل النّاس، فقال له عمر: أنت والله ذِئْبُهُنّ، مرّتين أو ثلاثًا، والذى نفسى بيده لا تجامعنى بأرض أنا بها! قال: فإن كنت لا بُدّ مُسَيّرنى فسَيّرنى حيث سَيّرتَ ابن عمّى، يعني نصر بن حجّاج السلمى، فأمر له بما يُصْلحه وسيّره إلى البصرة (١).
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن ابن عون عن محمّد أنّ بُرَيْدًا قَدِمَ على عُمر فنثر كنانته فبدرت صحيفة فأخذها فقرأها فإذا فيها:
ألا أبْلِغْ أبا حفصٍ رَسُولًا … فِدى لك من أخى ثِقة إزارى
قَلائصَنا، هداك الله، إنّا … شُغِلْنا عنكُمُ زَمَنَ الحِصَارِ
فما قُلُصٌ وُجِدْنَ مُعَقَّلاتٍ … قَفا سَلْعٍ بمُخْتَلِفِ التِّجَار (٢)
قلائصُ من بنى سعد بن بكرٍ … وأسْلَمَ أو جُهَيْنَةَ أو غِفارِ
يُعَقّلْهُنّ جعدةُ مِنْ سُلَيمٍ … مُعيدًا يَبْتَغى سَقَطَ العذارِ
فقال: ادْعوا لي جَعْدَةَ من سُلَيم. قال فدعوا به فجُلِدَ مائةً معقولًا ونهاه أن يدخُل على امرأة مُغيبة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا عاصم بن العبّاس الأسديّ قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: كان عمر بن الخطّاب يُحِبّ الصلاة في كَبِدِ اللّيل، يعني وسط اللّيل.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم قال: أخبرنا أبو هلال عن محمّد بن سيرين قال: كان عمر بن الخطّاب قد اعتراه نسيانٌ في الصلاة فجعل رجلٌ خلفه يُلقّنُه، فإذا أومأ إليه أن يسجد أو يقوم فعل.
قال: أخبرنا المُعَلّى بن أسد قال: أخبرنا وُهيب بن خالد عن يحيَى بن سعيد
стр. 1077
عن سالم بن عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب كان يُدْخِلُ يده في دَبَرَة (١) البَعير ويقول: إنى لخائفٌ أن أُسْأل عَمّا بك (٢).
قال: أخبرنا خالد بن مَخلَد البَجَلى قال: أخبرنا عبد الله بن عمر عن الزّهريّ قال: قال عمر بن الخطّاب في العام الذي طُعِنَ فيه: أيّها النّاس إنى أُكلّمكم بالكلام فمن حفظه فليحدّث به حيث انتهت به راحلتُه، ومن لم يحفظه فأُحَرّجُ بالله على امرئٍ أنْ يقولَ عليّ ما لم أقلْ.
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن مَعْمَر عن الزّهريّ قال: أراد عمر بن الخطّاب أن يكتب السُّنَنَ فاسْتَخَارَ الله شهْرًا ثمّ أصبحَ وقد عُزِمَ له فقال: ذكرتُ قومًا كتبوا كتابًا فأقْبلوا عليه وتركوا كتابَ الله (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن مصعب القرقسانيّ قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله ابن أبي مريم عن راشد بن سعد أن عمر بن الخطّاب أُتِىَ بمالٍ فجعل يَقْسِمُه بين النّاس فازدحموا عليه. فأقبل سعد بن أبي وقّاص يُزاحمُ النّاس حتَّى خلص إليه فعلاه عمر بالدِّرّة وقال: إنّك أقبلتَ لا تهابُ سلطان الله في الأرض فأحببتُ أنْ أعلّمَكَ أنّ سلطان الله لن يهابك.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن عكرمة أنّ حَجّامًا كان يقصّ عمر بن الخطّاب وكان رجلًا مهيبًا، فَتَنَحْنَحَ عمر فأحدث الحجّام، فأمر له عمر بأربعين درهمًا، والحجّام هو سعيد بن الهَيْلَم (٤).
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثنا أبي عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه قال في ولايته: من وَلىَ هذا الأمر بعدى فليعلم أن سيُريدُه عنه القريبُ والبعيد، وايْمُ الله ما كنتُ إلّا أُقاتل النّاسَ عن نفسى قتالًا.
стр. 1078
قال: أخبرنا مطرّف بن عبد الله قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن معمر بن محمّد عن أبيه محمّد بن زيد قال: اجتمع على وعثمان وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف وسعد، وكان أجْرَأُهم على عمر عبدَ الرّحمن بن عوف، فقالوا: يا عبد الرّحمن لو كلّمتَ أمير المؤمنين للنّاس فإنّه يأتى الرّجلُ طالب الحاجة فتَمْنَعُهُ هَيْبَتُكَ أنْ يكلّمك في حاجة حتَّى يرجع ولم يَقْضِ حاجته. فدخل عليه فكلّمه فقال: يا أمير المؤمنين لِنْ للنّاس فإنّه يَقْدَمُ القادم فتمنعه هيبتُك أن يُكلّمك في حاجته حتَّى يرجع ولم يُكلّمْك. قال: يا عبد الرّحمن أنْشُدُك الله أعَليٌّ وعثمان وطلحة والزّبير وسعد أمَروك بهذا؟ قال: اللّهمّ نعم، قال: يا عبد الرّحمن والله لقد لِنْتُ للنّاس حتَّى خشيت الله في اللين ثمّ اشتددت عليهم حتَّى خشيت الله في الشدّة، فأينَ المَخْرَجُ؟ فقام عبد الرّحمن يبكى يَجُرّ رِداءَه يقول بيده: أُفّ لهم بعدك، أُفّ لهم بعدك (١)!
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: أخبرنا سفيان عن عاصم بن كُليبٍ عن أبيه عن ابن عبّاس قال: كان عمر بن الخطاب كُلّما صلّى صلاةً جلس للنّاس، فمن كانت له حاجة نظر فيها. فصلّى صلوات لا يجلس فيها فأتيتُ الباب فقلتُ: يا يَرْفا، فخرج علينا يَرْفا، فقلت: أبأمير المؤمنين شَكْوَى؟ قال: لا، فبينا أنا كذلك إذ جاء عثمان فدخل يرفا ثمّ خرج علينا فقال: قم يابن عفّان، قم يا ابن عبّاس، فدخلنا على عمر وبين يديه صُبَرٌ من مال، على كلّ صُبْرة منها كَتِفٌ، فقال: إنى نظرتُ فلم أجِدْ بالمدينة أكثر عشيرة منكما، خُذا هذا المال فاقْسِماه بين النّاس، فإن فَضَلَ فَضْلٌ فرُدّا. فأمّا عثمان فحثا وأما أنا فجثيتُ لرُكْبَتَيّ فقلتُ: وإن كان نقصانًا رددتَ علينا؟ فقال: شِنْشِنَةٌ مِنْ أخْشَنَ، قال سفيان: يعني حجرًا من جبل، أما كان هذا عند الله إذ محمّد، ﷺ ، وأصحابه يأكلون القِدّ؟ قلتُ: بلى ولو فُتح عليه لَصَنَعَ غير الذي تَصْنَعُ، قال: وما كان يصنع؟ قلت: إذًا لأكل وأطعمنا. قال: فرأيته نَشج حتَّى اختلفت أضلاعه وقال: لَوَدِدْتُ أنى خرجتُ منه كفافًا لا عَلَيّ ولا لي.
стр. 1079
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: أصيب بعيرٌ من المال زعم يحيَى من الفئ فنحره عمر وأرسل إلى أزواج النّبيّ منه وصنع ما بقى فدعا عليه من المسلمين وفيهم يومئذ العبّاس بن عبد المطّلب، فقال العبّاس: يا أمير المؤمنين لو صنعت لنا كلّ يوم مثل هذا فأكلنا عندك وتحدّثنا، فقال عمر: لا أعود لمثلها، إنّه مضى صاحبان لي، يعني النّبيّ، ﷺ ، وأبا بكر عملا عملًا وسلكا طريقًا وإنى إنْ عَمِلْتُ بغير عَمَلهما سُلك بي طريقٌ غير طريقهما.
قال: أخبرنا عبد الله بن مسلم بن قَعْنَب الحارثى قال: أخبرنا مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب خرج فقعد على المنبر فثاب النّاس إليه حتَّى سمع به أهل العالية فنزلوا فعَلّمهم حتَّى ما بقى وجهٌ إلّا عَلّمَهُم، ثمّ أتى أهلَه وقال: قد سمعتم ما نهيتُ عنه وإنى لا أعرف أنّ أحدًا منكم يأتى شيئًا ممّا نهيتُ عنه إلا ضاعفتُ له العذاب ضِعْفَيْن، أو كما قال (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني معمر عن الزّهريّ عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان عمر إذا أراد أن يَنْهَى النّاس عن شئ تقدّم إلى أهله فقال: لا أعْلَمَنّ أحدًا وَقَعَ في شئ ممّا نهيتُ عنه إلا أضعفتُ له العقوبة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة قال: كان عمر إذا أتاه الخصمان برك على رُكْبَتَيْه وقال: اللّهمّ أعِنّى عليهما فإنّ كلّ واحدٍ منهما يريدنى عن دينى (٢).
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ وهوذة بن خليفة قالوا: أخبرنا ابن عون عن محمّد بن سيرين قال: قال عمر بن الخطّاب: ما بقى فيّ شئٌ من أمر الجاهليّة إلا أنى لستُ أبالى إلى أيّ النّاس نَكَحْتُ وأيّهم أنْكَحْتُ.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: حدّثني
стр. 1080
معاوية بن قُرّة عن الحكم بن أبي العاص الثقفيّ قال: كنت قاعدًا مع عمر بن الخطّاب فأتاه رَجُلٌ فسَلّمَ عَليه فقال له عمر: بينك وبين أهل نجران قرابةٌ؟ قال الرجل: لا، قال عمر: بلى، قال الرجل: لا، قال عمر: بلى والله، أنْشُدُ الله كلّ رجلٍ من المسلمين يعلم أنّ بين هذا وبين أهل نجران قرابةً لمَا تَكَلّمَ، فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قِبَل كذا وكذا، فقال له عمر: مَهْ فإنّا نقفو الآثار.
قال: أخبرنا يعلى بن عُبيد قال: أخبرنا سفيان عن أبي نَهيك عن زياد بن حُدَيْر قال: رأيتُ عمر أكثر النّاس صيامًا وأكثرهم سواكًا.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا زهير بن معاوية قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: قال عمر بن الخطّاب. لو كنتُ أُطيقُ مع الخِلّيفَى (١) لأذّنْتُ.
قال: أخبرنا يعلى بن عُبيد قال: أخبرنا مِسْعَر بن كِدام عن حبيب بن أبي ثابت عن يحيَى بن أبي جَعْدة قال: قال عمر بن الخطّاب: لولا أنْ أسيرَ في سبيلِ الله أو أضع جبينى لله في التراب أو أجالس قومًا يلتقطون طيّب القول كما يُلتقط طيّب الثمر لأحْبَبْتُ أن أكون قد لحقتُ بالله (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمى قال: أخبرنا عمر بن سليمان بن أبي حُثْمة عن أبيه قال: قالت الشفاءُ ابنة عبد الله، ورأتْ فِتْيانًا يقصدون في المشي ويتكلّمون رويدًا فقالت: ما هذا؟ فقالوا: نُسّاكٌ، فقالت: كان والله عمر إذا تكلّم أسمع وإذا مشى أسرَع وإذا ضَرب أوجع، وهو النّاسك حقًّا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن أُمّ بكر بنت المِسْوَر عن أبيها المِسْوَر بن مخرمة قال: كنّا نلزم عمر بن الخطّاب نَتَعَلّمُ منه الوَرَعَ.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن يحيَى، يعني ابن
стр. 1081
سعيد، قال: قال عمر بن الخطّاب ما أُبالى إذا اختصم إليّ رجلان لأيّهما كان الحقّ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب بن خالد قال: أخبرنا خالد الحذّاء عن أبي قِلابة عن أنس بن مالك عن النّبيّ، ﷺ ، قال: أشدّ أُمّتى في أمر الله عمر.
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا محمّد بن قيس الأسدى عن العلاء بن أبي عائشة أنّ عمر بن الخطّاب دعا بحَلّاق فحلقه بموسى، يعني جسده، فاستشرف له النّاسُ فقال: أيّها النّاس، إنّ هذا ليس من السّنّة ولكن النورة من النعيم فكَرهْتُها.
قال: أخبرنا حَجّاج بن محمّد قال: أخبرنا أبو هلال الراسبيّ عن قتادة قال: كان الخلفاء لا يتنوّرون، أبو بكر وعمر وعثمان.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلى قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَروبة بلغه عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال: رأيتُ النّبيّ، ﷺ ، في المنام وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فقال لي: يا عمر إنْ وَليتَ من أمر النّاس شيئًا فخُذْ بسيرة هذَيْن.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس المدينيّ عن الزّهريّ عن سالم قال: كان عمر بن الخطّاب وعبد الله بن عمر لا يُعْرَفُ فيهما البِرّ حتَّى يقولا أو يفعلا (١)، قال: قلتُ يا أبا بكر ما تعنى بذلك؟ قال: لم يكونا مُؤنّثَين ولا مُتماوِتَين.
قال: أخبرنا مَعن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة بن مسعود قال: كان البِرّ لا يُعْرَفُ في عمر ولا في ابنه حتَّى يقولا أو يفعلا.
قال: أخبرنا مَعن بن عيسى وعبد الله بن مسلمة بن قعنب قالا: أخبرنا مالك بن أنس عن قطَن بن وهب بن عُوَيمر بن الأجدع قال معن: إنّ عمر بن الخطّاب
стр. 1082
كان يسير ببعض طريق مكّة، وقال عبد الله بن مسلمة عن قَطَن بن وهب عن عمه إنّه كان مع عمر بن الخطّاب في سفر فلمّا كان قريبًا من الروحاء، قال معن وعبد الله بن مسلمة في حديثهما، فسمع صوت راعٍ في جبل فعدل إليه فلمّا دنا منه صاح: يا راعىَ الغنم، فأجابه الراعى فقال: يا راعيها، فقال عمر: إنى قد مررتُ بمكان هو أخصبُ من مكانك وإنّ كلّ راعٍ مسئول عن رعيّته، ثمّ عدل صدورَ الركاب.
قال: أخبرنا عبد الحميد بن عبد الرّحمن الحِمّانى عن النعمان بن ثابت عن موسى بن طلحة عن ابن الحوتكيّة قال: سُئِل عمر عن شئ فقال: لولا أنى أكره أن أزيد في الحديث أو أنتقص منه لحدّثتكم به.
قال: أخبرنا معن بن عيسى ورَوْح بن عبادة قالا: أخبرنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يومًا وخرجتُ معه حتَّى دخل حائطًا فسمعتهُ يقول، وبينى وبينه جدارٌ وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بَخْ والله بُنيَّ الخطّاب لَتَتَّقِيَنَّ الله أو لَيُعَذّبَنّك (١).
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أُويس قال: حدّثني أبى عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يقول: إنّ النّاس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أَئمّتُهم وهُداتُهم (٢).
قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس عن هشام بن حسّان عن الحسن قال: قال عمر بن الخطّاب: الرعيّة مُؤَدِّيَةٌ إلى الإمام ما أدّى الإمامُ إلى الله، فإذا رَتَعَ الإمامُ رتعوا.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدّثني أبى عن عاصم بن محمّد عن زيد بن أسلم قال: أخبرني أسلم أبى أنّ عبد الله بن عمر قال: يا أسلم أخبرني عن عمر، قال: فأخبرتُه عن بعض شأنه فقال عبد الله: ما رأيتُ أحدًا قطّ بعد رسول الله، ﷺ ، من حين قُبض كان أجَدّ ولا أجودَ حتَّى انتهى من عمر (٣).
стр. 1083
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا مِنْدَل بن عليّ عن عاصم قال: سمعتُ أبا عثمان النّهدى يقول: والّذى لو شاء أنْ تَنْطِقَ قَناتى نَطَقَتْ لو كان عمر بن الخطّاب ميزانًا ما كان فيه مَيْطُ شَعْرَة (١).
قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الوليد الأزرقيّ المكّى قال: أخبرنا أبو عُمير الحارث بن عمير عن رجل أنّ عمر بن الخطّاب رقى المنبر وجمع النّاس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس لقد رأيتُنى وما لي من أَكَال (٢) يَأكُلُه النّاس، إلّا أنّ لي خالاتٍ من بنى مخزوم، فكنتُ أستعذِبُ لهنّ الماءَ فَيُقَبِّضْنَ (٣) لي القبضات من الزبيب. قال ثمّ نزل عن المنبر، فقيل له: ما أردتَ إلى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إنى وجدتُ في نفسى شيئًا فأردتُ أن أطأطئَ منها.
قال: أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر قال: قال سفيان، يعني ابن عُيينة: قال عمر بن الخطّاب: أحبّ النّاس إليّ من رفع إليّ عيوبى.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا حميد عن أنس بن مالك أنّ الهُرْمُزان رأى عمر بن الخطّاب مضطجعًا في مسجد رسول الله، ﷺ ، فقال: هذا والله المَلِكُ (٤) الهَنِئُ.
قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَد البَجَليّ قال: أخبرنا عبد الله بن عمر قال: أخبرني زيد بن أسْلم عن أبيه قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب يأخذ بأذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثمّ ينْزُو على مَتْن الفرس.
стр. 1084
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: كان عمر بن الخطّاب يأمر عمّاله أن يوافوه بالموسم فإذا اجتمعوا قال: أيّها الناس، إنى لم أبعث عُمّالى عليكم ليُصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنّما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فَيْئَكم بينكم، فمن فُعِلَ به غير ذلك فلْيَقُمْ. فما قام أحد إلا رجلٌ واحد قام فقال: يا أمير المؤمنين إنّ عاملك فلانًا ضربنى مائة سوط. قال: فيمَ ضربتَه؟
قم فاقتصّ منه، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنّك إنْ فعلتَ هذا يَكْثر عليك ويكون سُنّةً يأخذُ بها مَن بعدك، فقال: أنا لا أُقِيدُ وقد رأيتُ رسول الله يُقيد من نفسه، قال: فَدَعْنا فلنُرْضِه، قال: دُونَكم فأرْضوه. فافتدى منه بمائتى دينار، كلّ سوط بدينارين.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الجريريّ عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد مولى أبى أسيد قال: كان عمر بن الخطّاب يَعُسّ المسجد بعد العشاء فلا يرى فيه أحدًا إلا أخرجه إلّا رجلًا قائمًا يصلّى، فمرّ بنفر من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فيهم أُبَيّ بن كَعب فقال: من هؤلاء؟ قال أُبَيّ: نفر من أهلك يا أمير المؤمنين، قال: ما خلّفَكم بعد الصّلاة؟ قال: جلسنا نذكر الله، قال فجَلَسَ معهم ثمّ قال لأدْناهم إليه: خُذْ، قال فدعا فاسْتَقْرَأهم رجلًا رجلًا يدعون حتَّى انتهى إليّ وأنا إلى جنبه فقال: هات، فحُصرتُ وأخذنى من الرّعدة أفْكَلٌ حتَّى جعل يجد مسّ ذلك منّى، فقال: ولو أن تقول اللّهمّ اغفر لنا، اللّهمّ ارحمنا، قال ثمّ أخذ عمر [يدعو] فما كان في القوم أكثر دمعةً ولا أشدّ بكاءً منه، ثمّ قال: إِيهًا، الآن فتفرّقوا (١).
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا فَرَج بن فَضالة عن محمّد بن الوليد الزّبيديّ عن الزّهريّ قال: كان عمر بن الخطّاب يجلس متربّعًا ويستلقى على ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا فرج بن فضالة عن محمّد بن الوليد
стр. 1085
عن الزّهرىّ قال: قال عمر بن الخطّاب إذا أطال أحدُكم الجلوس في المسجد فلا عليه أن يضع جنبه فإنّه أجدر أن لا يَمَلّ جلوسه.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب وهشام عن محمّد بن سيرين قال: قُتِلَ عمر ولم يجمع القرآن.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال. حدّثني عائذ بن يحيَى عن أبي الحُويرث عن جُبير بن الحُويرث بن نُقَيْد أنّ عمر بن الخطّاب استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له عليّ بن أبي طالب: تَقْسِمُ كلّ سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تُمْسِكُ منه شيئًا، وقال عثمان بن عفّان: أرى مالًا كثيرًا يَسَعُ النّاسَ وإنْ لم يُحْصَوْا حتَّى تَعْرِفَ من أخَذَ ممّن لم يأخذ، خشيتُ أن يَنْتَشِرَ الأمْرُ. فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين قد جئتُ الشأم فرأيتُ ملوكها قد دوّنوا ديوانًا وجَنّدوا جنودًا فدَوّنْ ديوانًا وجَنّدْ جنودًا، فأخذ بقوله فدعا عَقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجُبير بن مطعم وكانوا من نُسّاب قريش فقال: اكتبوا النّاس على منازلهم، فكتبوا فبَدءُوا ببنى هاشم ثمّ أتْبعوهم أبا بكر وقوْمَه، ثمّ عمر وقومه على الخلافة، فلمّا نظر إليه عمر قال: وددتُ والله أنّه هكذا ولكن ابْدءوا بقرابة النّبيّ، ﷺ ، الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جدّه قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب حين عُرِض عليه الكِتابُ، وبنو تيم على أثر بنى هاشم، وبنو عديّ على أثر بنى تيْم، فأسْمَعُهُ يقول: ضَعوا عُمرَ موضعَه وابْدَءُوا بالأقرب فالأقرب من رسول الله، ﷺ ، فجاءت بنو عديّ إلى عمر فقالوا: أنت خليفة رسول الله، ﷺ ، أو خليفة أبى بكر وأبو بكر خليفة رسول الله، ﵇، قالوا: وذاك فلو جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم، قال: بَخٍ بَخٍ بنى عَديّ، أردتم الأكل على ظهرى لأنْ أُذْهِبَ حَسناتى لكم، لا والله حتَّى تأتيكم الدّعوة وإنْ أُطْبِقَ عليكم الدفترُ، يعني ولو أن تُكتبوا آخرَ النّاس، إنّ لي صاحبين سلكا طريقًا فإن خالفتُهما خولف بي، والله ما أدركنا الفضل في الدنيا ولا ما نرجو من الآخرة من ثواب الله على ما عَمِلنا إلّا بمحَمّد، ﷺ ، فهو شرفنا وقومه أشرف العرب ثمّ الأقرب فالأقرب، إنّ العرب شَرُفَتْ برسول الله، ولو أن
стр. 1086
بعضنا يلقاه إلى آباءٍ كثيرة وما بيننا وبين أن نلقاه إلى نسبه ثمّ لا نفارقه إلي آدم إلا آباء يسرةً مع ذلك، والله لئن جاءتْ الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير عمل فهم أولى بمحمّدٍ منّا يومَ القيامة، فلا ينظُرُ رجلٌ إلى القرابة ويعمل لما عند الله، فإنّ من قَصّرَ به عَمَلُه لا يُسْرِعُ به نَسَبُه.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد بن أسلم عن يحيَى بن عبد الله بن مالك عن أبيه عن جدّه. قال محمّد بن عمر وأخبرنا سليمان بن داود بن الحُصين عن أبيه عن عكرمة عن ابن عبّاس. قال محمّد بن عمر وأخبرنا عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمّد الأخنسيّ. قال محمّد بن عمر وأخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: وحدّثنى محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: لمّا أجْمَعَ عمر بن الخطّاب على تدوين الديوان وذلك في المحرّم سنة عشرين بدأ ببنى هاشم في الدعوة، ثمّ الأقرب فالأقرب برسول الله، ﷺ ، فكان القوم إذا اسْتَوَوْا في القرابة برسول الله، ﷺ ، قَدّمَ أهْل السابقة حتَّى انتهى إلى الأنصار فقالوا: بمن نبدأ؟ فقال عمر: ابْدَءُوا برهط سعد بن مُعاذ الأشهليّ ثمّ الأقرب فالأقرب بسعد بن مُعاذ.
وفَرَضَ عمرُ لأهل الديوان ففَضّلَ أهل السوابق والمشاهد في الفرائض، وكان أبو بكر الصّدّيق قد سَوّى بين النّاس في القَسْم فقيل لعمر في ذلك فقال: لا أجْعَلُ من قاتلَ رسولَ الله، ﷺ ، كمن قاتل معه. فبدأ بمن شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار ففرض لكلّ رجل منهم خمسة آلاف درهم في كلّ سنة، حليفهم ومولاهم معهم بالسواء، وفرض لمن كان له إسلامٌ كإسلام أهل بدر من مهاجرة الحَبَشَةِ ومَنْ شهد أُحُدًا أربعة آلاف درهم لكلّ رجل منهم، وفرض لأبناءِ البدريّين ألفين ألفين إلّا حَسَنًا وحُسَيْنًا فإنّه ألحقهما بفريضة أبيهما لقرابتهما برسول الله، ﷺ ، ففرض لكلّ واحدٍ منهما خمسة آلاف درهم، وفرض للعبّاس بن عبد المطّلب خمسة آلاف درهم لقرابته برسول الله، ﷺ .
قال: وقد روى بعضهم أنّه فرض له سبعة آلاف درهم، وقال سائرهم: لم يُفَضّلْ أحدًا على أهل بدر إلّا أزْواج النّبيّ، ﷺ ، فإنّه فرض لكلّ امرأةٍ منهن اثنى عشر ألف درهم، جُويرية بنت الحارث وصَفِيّة بنتُ حُييّ فيهنّ، هذا المجتمع عليه.
стр. 1087
وفرض لمن هاجَر قبل الفتح لكلّ رجل ثلاثة آلاف درهم، وفرض لمسلمة الفتح لكلّ رجل منهم ألفين، وفرض لغلمان أحداث من أبناء المهاجرين والأنصار كفرائض مسلمة الفتح، وفرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم، فقال محمّد بن عبد الله بن جَحش: لِمَ تُفَضّلُ عمرَ علينا فقد هاجر آباؤنا وشهدوا؟ فقال عمر: أفَضّله لمكانه من النّبيّ، ﷺ ، فليأتِ الّذى يَسْتَعْتِبُ بأمّ مثل أُمِّ سَلَمة أُعْتِبْه، وفرضَ لأسامة بن زَيد أربعة آلاف درهم، فقال عبد الله بن عمر: فرَضْتَ لي ثلاثَةَ آلاف وفرَضتَ لأسامة في أربعة آلاف وقد شهِدتُ ما لم يشهدْ أُسامة، فقال عمر: زِدْتُه لأنّه كان أحَبّ إلى رسول الله، ﷺ ، منك وكان أبوه أحبّ إلى رسول الله، ﵇، من أبيك.
ثمّ فرض للنّاس على منازلهم وقراءتهم للقرآن وجهادهم، ثمّ جعل من بقى من النّاس ببَّانًا (١) واحدًا فألحق مَن جاءهم (٢) من المسلمين بالمدينة في خمسةٍ وعشرين دينارًا لكلّ رجلٍ، وفرض للمُحَرَّرين معهم، وفرض لأهل اليمن وقيس بالشأم والعراق لكلّ رجلٍ ألفَين إلى ألف إلى تسعمائة إلى خمسمائة إلى ثلاثمائة لم يُنْقِصْ أحدًا من ثلاثمائة، وقال: لئنْ كَثُرَ المال لأفْرضَنّ لكلّ رجلٍ أربعة آلاف درهم، ألف لسَفَره وألف لسلاحه وألف يُخَلّفُها لأَهله وألف لفرسه وبَغْله.
وفرض لنساءٍ مُهاجراتٍ، فَرَضَ لصَفِيّة بنت عبد المطّلب ستّة آلاف درهم، ولأسماءَ ابنة عُمَيس ألف درهم، ولأمّ كلثوم بنت عقبة ألف درهم، ولأمّ عبد الله بن مسعود ألف درهم. وقد رُوى أنّه فرض للنساء المُهاجرات ثلاثة آلاف درهم لكلّ واحدة، وأمر عمر فكُتِبَ له عيالُ أهل العوالى فكان يُجرى عليهم القُوت، ثمّ كان عثمان فوسّع عليهم في القوت والكسوة، وكان عمر يفرض للمنفوس مائة درهم فإذا ترعرع بَلَغَ به مائتى درهم فإذا بلغ زاده، وكان إذا أُتى باللّقيط فرض له
стр. 1088
مائة درهم وفرض له رزقًا يأخذه وليّه كلّ شهر ما يُصْلِحُه، ثمّ ينقله من سنة إلى سنة، وكان يوصى بهم خيرًا ويجعل رِضاعهم ونفقتهم من بيت المال.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني حزام بن هشام الكعبيّ عن أبيه قال: رأيتُ عمر بن الخطّاب يَحْمِلُ ديوان خُزاعة حتَّى ينزل قُديدًا فتأتيه بقديد فلا يغيب عنه أمرأةٌ بكر ولا ثَيّبٌ فيُعطيهنّ في أيديهنّ ثمّ يروح فينزل عُسْفان فيفعل مثل ذلك أيضًا حتَّى تُوفى.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرَة عن محمّد بن زيد قال: كان ديوان حِمْيَرَ على عهد عُمر على حَدّه.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن عمر العمريّ عن جهم بن أبي جهم قال: قدم خالد بن عُرْفُطة العُذرى على عمر فسأله عمّا وراءه فقال: يا أمير المؤمنين تركتُ مَنْ ورائى يسألون الله أن يزيد في عمرك من أعمارهم، ما وطئ أحدٌ القادسيّة إلا عطاؤه ألفان أو خمس عشرة مائة، وما من مولودٍ يولَدُ إلّا أُلحِق على مائة وجَريبَين (١) كلّ شهر ذكرًا كان أو أُنثى، وما يبلغ لنا ذَكَرٌ إلّا أُلْحِقَ على خمسمائة أو ستّمائة، فإذا خرج هذا لأهلِ بيت مِنْهُمْ مَنْ يَأكُلُ الطّعام ومنهم من لا يأكُلُ الطّعام، فما ظنّك به؟ فإنّه ليُنْفِقُه فيما ينبغي وفيما لا ينبغي، قال عمر: فالله المستعان إنما هو حَقّهم أُعْطوه وأنا أسْعَدُ بأدائه إليهم منهم بأخْذِه، فلا تَحْمَدَنّى عليه فإنّه لو كان من مال الخطّاب ما أُعطيتموه ولكنّى قد علمتُ أنّ فيه فضلًا ولا ينبغي أن أحْبِسَه عنهم، فلو أنّه إذا خرجَ عطاءُ أحد هؤلاء العُرَيْبِ ابْتاعَ منه غَنَمًا فجعلها بسوادهم ثمّ إذا خرج العطاءُ الثانيةَ ابتاعَ الرأسَ فجعله فيها فإنى، ويحك يا خالد بن عُرْفُطة، أخاف عليكم أنْ يَلِيَكُم بعدى وُلاةٌ لا يُعَدّ العطاءُ في زمانهم مالًا، فإن بقىَ أحدٌ منهم أو أحدٌ من ولده كان لهم شئ قد اعتقدوه فَيَتّكئُونَ عليه، فإنّ نصيحتى لك وأنت عندي جالس كنصيحتى لمن هو بأقْصى ثَغْر من ثغور المسلمين وذلك لما طَوّقَنى الله من أَمرهم، قال رسول الله، ﷺ : مَنْ ماتَ غَاشًّا لرعيّتِه لم يَرِحْ رائحةَ الجنّة (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن عمرو السُّمَيْعيّ عن
стр. 1089
الحسن قال: كتب عمرُ إلى حُذيفة أن أعْطِ النّاس أعْطِيَتَهم وأرزاقهم. فكتب إليه: إنّا قد فعلنا وبقى شئ كثير، فكتب إليه عمر إنّه فيْؤهم الذي أفاءَ الله عليهم، ليس هو لعمر ولا لآل عمر، اقْسِمْه بينهم.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الزّهريّ وعبد الملك بن سليمان عن إسماعيل بن محمّد بن سعد عن السائب بن يزيد قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول: والذى لا إله إلا هو، ثلاثًا، ما من النّاس أحدٌ إلّا له في هذا المال حَقٌّ أُعْطِيَه أو مُنِعَهُ، وما أحَدٌ بأحَقّ به من أحَد إلا عبدٌ مملوك، وما أنا فيه إلّا كأحَدِهم ولكنّا على منازلنا من كتابِ الله وقِسْمنا من رسول الله، ﷺ ، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجُل وقِدَمه في الإسلام، والرّجل وغَناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيتُ لَيَأْتِيَنّ الراعىَ بجبل صنعاءَ حَظُّه من هذا المال وهو مكانه. قال إسماعيل بن محمّد: فذكرتُ ذلك لأبى فعرف الحديث (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أُسامة بن زيد اللّيثيّ عن محمّد بن المنكدر عن مالك بن أوس بن الحدَثان قال: سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: ما على الأرض مسلمٌ لا يملكون رَقَبَتَهُ إلّا له في هذا الفئ حقّ أُعطِيَه أو مُنِعَه، ولَئن عِشْتُ لَيَأتِيَنّ الراعىَ باليمن حَقّه قبل أن يحْمَرّ وَجْهُه، يعني في طلبه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هُريرة أنّه قدم على عمر من البحرين، قال أبو هُريرة: فلقيتُه في صلاة العشاء الآخرة فسلّمتُ عليه فسألنى عن النّاس، ثمّ قال لي: ماذا جئتَ به؟ قلتُ: جئتُ بخمسمائة ألف درهم، قال: هل تدرى ما تقول؟ قلت: جئتُ بخمسمائة ألف درهم، قال: ماذا تقول؟ قال قلت: مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، مائة ألف، حتَّى عددت خمسًا. قال: إنّك ناعس فارجع إلى أهلك فنَمْ فإذا أصبحتَ فأتنى، فقال أبو هُريرة: فغدوتُ إليه، فقال: ماذا جئت به؟ قلت: جئت بخمسمائة ألف درهم، قال عمر: أطَيّبٌ؟ قلت: نعم لا أَعلم إلا ذلك
стр. 1090
فقال للنّاس: إنّه قد قدِمَ علينا مالٌ كثير فإن شئتم أن نعدّ لكم عددًا وإن شئتم أن نكيله لكم كيلًا، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إنى قد رأيتُ هؤلاء الأعاجم يدوّنون ديوانًا يُعطون النّاس عليه، قال: فدَوّنَ الديوان وفرض للمهاجرين الأوّلين في خمسة آلاف خمسة آلاف، وللأنصار في أربعة آلاف أربعة آلاف، ولأزواج النّبيّ، ﵇، في اثنى عشر ألفًا (١).
قال يزيد: قال محمّد بن عمرو وحدّثنى يزيد بن خُصَيْفة عن عبد الله بن رافع عن بَرْزَةَ بنت رافع قالت: لمّا خَرَجَ العطاء أرْسَلَ عمر إلى زينب بنت جحش بالذى لها، فلمّا دخل عليها قالت: غفر الله لعمر! غيرى من أَخَواتى كان أقْوَى على قَسْم هذا منى، فقالوا: هذا كلّه لك، قالت: سبحان الله! واستترت منه بثوب، قالت: صُبّوه واطْرَحوا عليه ثوبًا، ثمّ قالت لي: أدخِلى يَدَكِ فاقبِضى منه قَبْضَة فاذْهبى بها إلى بنى فلان وبنى فلان، من أهل رحمها وأيتامها، فَقَسَمَتْه حتَّى بقيت بقيّةٌ تحت الثوب فقالت لها برزة بنت رافع: غفر الله لكِ يا أمّ المؤمنين! والله لقد كان لنا في هذا حَقّ، فقالت: فلكم ما تحت الثوب. قالت: فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهمًا، ثمّ رفعت يديها إلى السماء فقالت: اللّهمّ لا يُدْرِكنى عطاءٌ لعمر بعد عامى هذا. فماتت.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو عَقيل يحيَى بن المتوكّل قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: قَدِمَتْ رُفْقَةٌ من التّجّار، فنزلوا المُصَلَّى، فقال عمر لعبد الرّحمن بن عوف: هل لك أن نَحْرُسَهم اللّيلة من السَّرَق؟ فباتا يحرسانهم ويصلّيان ما كتب الله لهما، فسمع عمر بكاءَ صبيّ فتوجّه نحوه فقال لأمّه: اتّقى الله وأحْسِنى إلى صبيّك، ثمّ عاد إلى مكانه، فسمع بكاءَه فعاد إلى أمّه فقال لها مثل ذلك ثمّ عاد إلى مكانه، فلمّا كان في آخر اللّيل سمع بكاءه فأتى أمّه فقال: ويحكِ، إنى لأراكِ أمّ سوءٍ، ما لي أرى ابنكِ لا يَقِرّ منذ اللّيلة؟ قالت: يا عبد الله قد أبْرَمْتَنى منذ اللّيلة، إنى أريغُه عن الفِطام فيأبَى، قال: ولِمَ؟ قالت: لأن عمر لا يَفْرِضُ إلّا للفُطُمِ، قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرًا، قال: ويحك لا تُعْجِليه! فصلّى الفجر وما يَستبينُ النّاسُ قراءته