المؤمنين وقد قَتَلْتَ والدى وأخذتَ مالى؟ قال: أمّا مالك فهو معزول في بيت المال، فاغْدُ إلى مالك فخذه، وأمّا قولك قتلتَ أبى فإنى أرجو أن أكون أنا وأبوك من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٧]. فقال رجل من همدان أعْور: الله أعْدَلُ من ذلك. فصاح عليّ صيحة تداعى لها القصر، قال: فمَنْ ذاك إذا لم نكن نحن أولئك (١)؟
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوْضيّ قال: أخبرنا عُبيدة بن أبي رَيْطَة قال: أخبرني أبو حُميدة عليّ بن عبد الله الظّاعنيّ قال: لمّا قدم عليّ الكوفة أرسل إلى ابنَىْ طلحة بن عُبيد الله فقال لهما: يا ابنى أخى انطلقا إلى أرضكما فاقبضاها فإنى إنّما قبضتها لئلّا يَتَخَطّفَها النّاس، إنى لأرجو أن أكون أنا وأبوكما ممّن ذكر الله في كتابه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٧]. قال الحارث الأعور الهَمْدانيّ: الله أعْدَلُ من ذلك، فأخذ عليّ بمجامع ثيابه وقال: فَمَنْ، لا أمّ لك. مَرّتين.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أُنيسة عن محمّد الأنصاريّ عن أبيه قال: جاءَ رجل يومَ الجمل فقال: ائْذَنوا لقاتل طلحة. قال فسمعتُ عليًّا يقول: بَشّرْه بالنّار.
* * *
٧٠ - صُهَيْبُ بن سِنان
ابن مالك بن عبد عمرو بن عُقيل بن عامر بن جندلة بن جَذِيمة (٢) بن كعب
стр. 1017
ابن سعد بن أسلم بن أوس مناة بن النّمِر بن قاسط بن هِنْب بن أفْصى بن دُعْميّ بن جَديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وأمّه سلمى بنت قَعيد بن مَهيض بن خُزاعى بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم (١).
وكان أبوه سِنان بن مالك، أو عمّه، عاملًا لكسرى على الأبُلّة، وكانت منازلهم بأرض المَوْصِل، ويقال كانوا في قرية على شطّ الفرات ممّا يلى الجزيرة والموصل فأغارت الروم على تلك النّاحية فسبَتْ صُهيبًا وهو غُلام صغير، فقال عمّه:
أنشد بالله الغلام النمرىْ … دج به الروم وأهلى بالنبىْ (٢)
قال: والنبى اسم القرية التي كان أهله بها، فنشأ صُهيب بالروم فصارَ ألْكَنَ فابتاعته كلب منهم ثمّ قدمت به مكّة فاشتراه عبد الله بن جُدْعان التّيميّ منهم فأعتقه فأقام معه بمكّة إلى أن هلك عبد الله بن جُدْعان وبُعثَ النّبيّ، ﷺ ، لمّا أراد الله به من الكرامة ومَنّ به عليه من الإسلام. وأمّا أهل صُهيب وولده فيقولون بل هَرَبَ من الرّوم حين بلغ وعَقَلَ فقدم مكّة فحالف عبد الله بن جُدْعان وأقام معه إلى أن هلك (٣).
وكان صُهيب رجلًا أحمر شديد الحمرة، ليس بالطويل ولا بالقصير، وهو إلى القصر أقرب، وكان كثير شعر الرأس، وكان يخضب بالحنّاء (٤).
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن معروف بن أبي معروف الجَزَريّ قال: سمعتُ محمّد بن سيرين يقول: صُهيب من العرب من النّمِر بن قاسط.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : صُهيب سابق الروم.
стр. 1018
قال: أخبرنا عبد الملك أبو عامر العَقَديّ وأبو حُذيفة موسى بن مسعود قالا: أخبرنا زُهير بن محمّد قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو جميعًا عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل عن حمزة بن صُهيب عن أبيه أنه كان يُكنى أبا يحيَى ويقول إنّه من العرب ويُطْعِمُ الطعامَ الكثيرَ، فقال له عمر بن الخطّاب: يا صُهيب ما لك تُكنى أبا يحيَى وليس لك ولدٌ وتقول إنّك من العرب وأنت رجل من الروم وتُطْعِمُ الطعامَ الكثير وذلك سَرَفٌ في المال؟ فقال صُهيب: إنّ رسول الله، ﷺ ، كنانى أبا يحيَى، وأمّا قولك في النّسب وادّعائى إلى العرب فإنى رجل من النمر بن قاسط من أهل الموصل ولكن سُبِيتُ، سَبَتْنى الرومُ غلامًا صغيرًا بعد أن عَقَلْتُ أهلى وقومى وعرفتُ نسبى، وأمّا قولك في الطعام وإسرافى فيه فإنّ رسول الله، ﷺ ، كان يقول إنّ خِيارَكُمْ مَنْ أطْعَمَ الطَّعامَ ورَدّ السلامَ، فذلك الذي يحملنى على أن أطْعِمَ الطّعام (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن أبي عُبيدة عن أبيه قال عمّار بن ياسر: لقيتُ صُهيب بن سنان على باب دار الأرقم ورسول الله، ﷺ ، فيها فقلت: ما تريد؟ فقال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردتُ أن أدخل على محمّد فأسْمَعَ كلامه، قال: وأنا أريد ذلك. قال فدخلنا عليه فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثمّ مكثنا يومنا على ذلك حتى أمسينا، ثمّ خرجنا ونحن مُستخفون، فكان إسلام عَمّار وصُهيب بعد بضعةٍ وثلاثين رجلًا (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاوية بن عبد الرّحمن بن أبي مُزَرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزُّبير قال: كان صُهيب بن سنان من المستضعَفين من المؤمنين الذين كانوا يعذَّبون في الله بمكّة (٣).
قال: أخبرنا هَوذة بن خليفة قال: أخبرنا عوف عن أبي عثمان النّهْديّ قال: بلغنى أنّ صُهيبًا حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له أهل مكّة: أتَيْتَنا ها هنا صُعْلوكًا
стр. 1019
حقيرًا فكَثُرَ مالُك عندنا وبلغتَ ما بلغتَ ثمّ تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكونُ ذلك. فقال: أرَأيْتُمْ إنْ تركتُ مالى تُخَلّونَ أنتُم سبيلى؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله أجْمَعَ، فبلغَ النّبيّ، ﷺ ، فقال رَبحَ صُهَيْبٌ، رَبحَ صُهيب (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وسليمان بن حرب وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد قال: أخبرني عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال: أقبل صُهيب مهاجرًا نحو المدينة واتّبعه نفرٌ من قريش فنزل عن راحلته وانْتَثَلَ ما في كِنانته ثمّ قال: يا معشرَ قريش لقد عَلِمْتُم أنى مِنْ أرْماكم رجلًا، وايْمُ الله لا تَصِلون إليّ حتَّى أرْمىَ بكلّ سهم معي في كنانتى ثمّ أضْرِبَكُم بسيفى ما بَقىَ في يدى منه شئٌ، فافعلوا ما شئْتُم، فإنْ شِئتُم دَلَلتُكم على مالى وخلّيتُم سبيلى، قالوا: نعم، ففعل. فلمّا قدم على النّبيّ، ﷺ ، قال: رَبِحَ البَيْعُ (٢) أبا يحيَى، رَبِحَ البَيْعُ، قال ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٣) [سورة البقرة: ٢٠٧].
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عاصم بن سُويد من بنى عمرو بن عوف عن محمّد بن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت قال: قدِمَ آخرَ النّاس في الهجرة إلى المدينة عليّ وصُهيب بن سِنان، وذلك للنصف من شهر ربيع الأوّل، ورسول الله، ﷺ ، بقُباءَ لم يَرِمْ بعد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن عبد الحكيم بن صُهيب عن عمر بن الحكم قال: قدم صُهيبٌ على رسول الله، ﷺ ، وهو بقباءَ ومعه أبو بكر وعمر وبين أيديهم رُطَبٌ قد جاءَهم به كلثوم بن الهِدْم أمّهاتُ جراذين (٤)، وصُهيب قد رَمِدَ بالطريق وأصابته مَجاعةٌ شديدة، فوقع في الرطب
стр. 1020
فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى إلى صُهيب يأكل الرطب وهو رَمِدٌ؟ فقال رسول الله، ﷺ : تأكُلُ الرّطَبَ وأنْتَ رَمِدٌ؟ فقال صُهيب: وإنّما آكُلُه بشِقّ عَيْنى الصحيحة، فتبسّم رسولُ الله، ﷺ ، وجعل صُهيب يقول لأبى بكر: وَعَدْتَنى أن نَصْطَحِبَ (١) فخرَجتَ وتركتَنى، ويقول: وعدتَنى يا رسول الله أن تصاحبنى فانطلقتَ وتركتنى فأخَذَتْنى قريشٌ فحبسونى فاشتريتُ نفسى وأهلى بمالى. فقال رسول الله، ﷺ : رَبحَ البَيْعُ. فأنزلَ الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [سورة البقرة: ٢٠٧]. وقال صُهيب: يا رسول الله ما تزوّدتُ إلّا مُدًّا من دقيق عَجَنْتُه بالأبواء حتَّى قدمتُ عليك (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لمّا هاجر صُهيب من مكّة إلى المدينة نزل على سعد بن خَيْثَمَة، ونزل العُزّابُ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، على سعد بن خَيْثَمَة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ بين صُهيب بن سِنان والحارث بن الصّمّة.
قال: وشهد صُهيب بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ (٣).
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: أخبرنا جرير بن حازم عن يَعْلى بن حكيم عن سليمان بن أبي عبد الله قال: كان صُهيب يقول: هَلُمّوا نُحَدّثكم عن مغازينا فأمّا أن أقولَ قال رسول الله فلا (٤).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني فُليح بن سليمان عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه قال: قال عمر لأهل الشّورى فيما يوصيهم به: وَلْيُصَلّ لكم صُهيبٌ (٥).
стр. 1021
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني طلحة بن محمّد بن سعيد عن أبيه عن سعيد بن المسيّب قال: لمّا تُوفّى عمر نظر المسلمون فإذا صُهيب يُصَلّى بهم المكتوباتِ بأمْرِ عُمَرَ فقدّموا صُهيبًا فصلّى على عُمَرَ (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو حُذيفة رجل من ولد صُهيب عن أبيه عن جدّه قال: توفى صُهيب في شوّال سنة ثمانٍ وثلاثين وهو ابن سبعين سنة بالمدينة، ودفن بالبقيع. قال محمّد بن عمر: وقد روى صُهيب عن عمر ﵄.
* * *
٧١ - عامرُ بن فُهَيْرَة
مولى أبى بكر الصّدّيق ويُكنى أبا عمرو.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني مَعْمَر عن الزّهريّ عن عروة عن عائشة في حديث لها طويل قالت: وكان عامر بن فُهَيْرَة للطّفيل بن الحارث أخى عائشة لأمّها أمّ رومان، فأسلم عامر فاشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان يرعى عليه مَنيحة من غنم له.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن يزيد بن رُومان قال: أسلم عامر بن فُهيرة قبل أن يدْخُلَ رسول الله، ﷺ ، دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاوية بن عبد الرّحمن بن أبي مزرّد عن يزيد بن رُومان عن عروة بن الزُّبير قال: كان عامر بن فُهيرة من المستضعفين من المؤمنين، فكان ممّن يعذّب بمكّة ليرجع عن دينه.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لمّا هاجر عامر بن فُهيرة إلى المدينة نزل على سعد بن خيثمة.
قالوا: آخى رسول الله، ﷺ ، بين عامر بن فُهيرة والحارث بن أوس بن
стр. 1022
معاذ، وشهِدَ عامر بن فُهيرة بدرًا وأُحُدًا، وقُتل يومَ بئرِ مَعُونة سنة أربعٍ من الهجرة، وكان يومَ قُتل ابن أربعين سنة.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الرّحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك ورِجالٌ من أهل العلم أنّ عامر بن فُهيرة كان من أولئك الرّهط الذين قُتلوا يوم بئر معونة. قال ابن شهاب فزعم عروة بن الزُّبير أنّه قُتل يومئذٍ فلم يوجدْ جسده حين دُفِنَ، قال عروة: وكانوا يرون أنّ الملائكة هي دَفَنَتْه.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عمن سُمّى من رجاله في صدر هذا الكتاب أنّ جبّار بن سُلْمَى (١) الكِلَابيّ (٢) طعن عامر بن فُهيرة يومئذٍ فأنفذه، فقال عامر: فُزْتُ والله! قال: وذُهِبَ بعامر عُلُوًّا في السماء حتَّى ما أراه. فقال رسول الله، ﷺ : فإنّ الملائكة وارَتْ جُثّتَه وأُنْزِلَ عِلّيّينَ، وسألَ جَبّارُ بن سُلْمى ما قوله فُزْتُ والله، قالوا: الجنّة. قال فأسلم جبّار لِما رأى من أمر عامر بن فُهيرة فحَسُنَ إسلامه.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزُّهريّ عن عروة عَن عائشة قالت: رُفع عامر بن فُهيرة إلى السماء فلم توجد جثّته، يرون أنّ الملائكة وارته.
* * *
стр. 1023
٧٢ - بِلالُ بن رَباح
مولى أبى بكر ويُكنى أبا عبد الله، وكان من مُولّدى السراة واسم أمّه حَمامةُ، وكانت لبعض بنى جُمَحَ.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : بلال سابقُ الحَبَشَة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاوية بن عبد الرّحمن بن أبي مزرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزُّبير قال: كان بلال بن رَباح من المستضعفين من المؤمنين، وكان يعذَّب حين أسلم ليرجع عن دينه، فما أعطاهم قطّ كلمة ممّا يريدون، وكان الذي يُعذبه أميّة بن خَلَف (١).
قال: أخبرنا عثمان بن عمر ومحمّد بن عبد الله الأنصاريّ قالا: أخبرنا ابن عون عن عُمير بن إسحاق قال: كان بلال إذا اشتدّوا عليه في العذاب قال: أحَدٌ أحَدٌ، فيقولون له: قُلْ كما نقول، فيقول: إنّ لسانى لا يُحْسِنه.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن محمّد أنّ بلالًا أخذه أهله فمطُّوه وألْقَوْا عليه من البطحاء وجلدَ بقرة فجعلوا يقولون: ربّك اللّاتُ والعُزَّى، ويقول: أحَدٌ أحَدٌ. قال فأتى عليه أبو بكر قال: عَلامَ تُعَذّبون هذا الإنسان؟ قال: فاشتراه بسبع أواقٍ فأعتقه، فذكر ذلك للنّبيّ، ﷺ ، فقال: الشّرِكَةَ يا أبا بكر، فقال: قد أعتقته يا رسول الله.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزُّبير الحُميديّ قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: اشترى أبو بكر بلالًا بخمس أواق (٢).
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين وعبد الملك بن عمرو العَقَديّ وأحمد بن عبد الله بن يونس قالوا: أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمَة عن محمّد بن المنكدِر عن جابر بن عبد الله أنّ عمر كان يقول: أبو بكر سَيّدُنا وأعْتَقَ سَيّدَنا، يعني بلالًا.
стр. 1024
قال: أخبرنا جرير بن عبد الحميد الضّبيّ عن ليث عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ (١) [سورة ص: ٦٢، ٦٣]. قال: يقول أبو جهل أينَ بلالٌ أين فلان أين فلان كنّا نعُدّهُمْ في الدّنيا من الأشرار فلا نراهم في النّار أم هم في مكان لا نراهم فيه أم هم في النّار لا نرى مكانهم؟
قال: أخبرنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد قال: أوّلُ من أظهرَ الإسلام سبعة: رسول الله، ﷺ ، وأبو بكر، وبلال، وخَبّاب، وصُهيب، وعَمّار، وسُمَيّة أمّ عمّار. قال: فأمّا رسول الله، ﷺ ، فمنعه عمّه، وأمّا أبو بكر فمنعه قومه، وأُخِذَ الآخرون فألبَسوهم أدراع الحديد ثمّ صَهروهم في الشّمس حتَّى بلغ الجهد منهم كل مبلغ فأعطوْهم ما سألوا فجاء كلّ رجل منهم قومَه بأنْطاع الأُدْمِ فيها الماءُ فألْقَوهم فيه وحَمَلوا بجوانبه إلّا بلالًا. فلمّا كان العشيّ جاء أبو جَهْل فجعل يَشْتُمُ سُمَيّةَ ويَرْفُثُ، ثمّ طعنها فقتلها فهى أوّلُ شهيدٍ استشهد في الإسلام إلّا بلالًا فإنّه هانت عليه نفسه في الله حتَّى ملّوه، فجعوا في عنقه حبلًا ثمّ أمروا صبيانهم أنْ يشتدّوا به بين أخْشَبَىْ مكّة، فجعل بلالٌ يقول: أحَدٌ أحَدٌ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة لمّا هاجر بلال إلى المدينة نزل على سعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين بلال وبين عُبيدة بن الحارث بن المطّلب، وقال محمّد بن عمر: ويقال إنّه آخى بين بلال وبين أبى رُوَيحَة الخَثْعَميّ.
قال محمّد بن عمر: وليس ذلك بثبت ولم يشهد أبو رُويحة بدرًا.
وكان محمّد بن إسحاق يُثبت مؤاخاة بلال وأبى رُويحة عبد الله بن عبد الرّحمن الخثعميّ ثمّ أحَدِ الفُرْعِ ويقول: لمّا دَوّنَ عمرُ بن الخطّاب الدواوين بالشأم
стр. 1025
خرج بلال إلى الشأم فأقام بها مجاهدًا، فقال له عمر: إلى مَنْ تجعل (١) ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبى رُويحة لا أفارقه أبدًا للأخوّة التي كان رسول الله، ﷺ ، عقد بيني وبينه. فضَمّه إليه وضَمّ ديوان الحَبَشَة إلى خَثْعَمٍ لمكانِ بلالٍ منهم، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشأم.
قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد الطنافسيّ والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا المسعوديّ عن القاسم بن عبد الرّحمن قال: أوّلُ من أذّنَ بلالٌ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: كان بلال إذا فرغ من الأذان فأراد أن يَعْلَمَ النّبيّ، ﷺ ، أنّه قد أذّن وقف على الباب وقال: حَيَّ على (٢) الصلاة، حَيّ على الفلاح، الصلاة يا رسول الله.
قال محمّد بن عمر: فإذا خرج رسول الله، ﷺ ، فرآه بلال ابتدأ في الإقامة (٣).
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: كان لرسول الله، ﷺ ، ثلاثة مؤذّنين: بلال وأبو مَحْذورة وعمرو بن أمّ مكتوم، فإذا غاب بلال أذّن أبو محذورة، وإذا غاب أبو محذورة أذّن عمرو بن أمّ مكتوم.
أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن ابن أبي مُليكة أو غيره أنّ رسول الله، ﷺ ، أمر بلالًا أن يؤذّن يوم الفتح على ظهر الكعبة فأذّن على ظهرها والحارث بن هشام وصَفْوان بن أميّة قاعدان، فقال أحدهما للآخر: انْظُرْ إلى هذا الحبَشيّ، فقال الآخر: إنْ يَكْرَهْهُ الله يُغَيّرْه.
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسّان النّهديّ قال: أخبرنا شريك عن
стр. 1026
سماك بن حرب عن جابر بن سَمُرَة أنّ بلالًا كان يؤذّن حين تَدْحَضُ (١) الشمس ويُؤخّر الإقامة قليلًا، أو قال: وربّما أخّرَ الإقامة قليلًا ولكن لا يخرج في الأذان عن الوقت.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وعارم قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أنّ بلالًا صعد ليؤذّن وهو يقول:
مَا لِبِلَالٍ (٢) ثَكِلَتْه (٣) أمُّهُ … وابْتَلّ منْ نَضْحِ دمٍ جَبينهُ (٤)
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كانت العَنَزَةُ تُحْمَلُ بين يدى رسول الله، ﷺ ، يوم العيد يحملها بلالٌ المؤذّن.
قال محمّد بن عمر: فكان يَرْكُزُها بين يديه والمصلَّى يومئذٍ فَضَاءٌ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن محمّد بن عمّار بن سعد القَرَظِ عن أبيه عن جدّه قال: كان بلالٌ يحمل العَنَزَةَ بين يدى رسول الله، ﷺ ، يوم العيد والاستسقاء (٥).
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس المدنيّ قال: حدّثني عبد
стр. 1027
الرّحمن بن سعد بن عمّار بن سعد بن عَمّار بن سعد المؤذّن قال: حدّثني عبد الله بن محمّد بن عَمّار بن سعد، وعمّار بن حفص بن عمر بن سعد، وعمر بن حفص بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجداده أنّهم أخبروه أنّ النّجاشيّ الحبشيّ بعث إلى رسول الله، ﷺ ، ثلاث عَنَزات فأمسك النّبيّ، ﷺ ، واحدة لنفسه وأعطى عليّ بن أبي طالب واحدة وأعطى عمر بن الخطّاب واحدة، فكان بلال يمشى بتلك العَنزة التي أمسكها رسول الله، ﷺ ، لنفسه بين يدى رسول الله، ﷺ ، في العيدين يوم الفِطر ويوم الأضحى حتَّى يأتى المُصَلَّى فَيَرْكُزَهَا (١) بين يديه فيصلّى إليها، ثمّ كان يمشى بها بين يدى أبى بكر بعد رسول الله، ﷺ ، كذلك، ثمّ كان سعد القَرَظِ يمشى بها بين يدى عمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان في العيدين فيركزها بين أيديهما ويصلّيان إليها (٢).
قال عبد الرّحمن بن سعد: وهي هذه العنزة التي يُمْشَى بها اليوم بين يدى الولاة.
قالوا: ولما توفى رسول الله، ﷺ ، جاءَ بلال إلى أبى بكر الصّدّيق فقال له: يا خليفة رسول الله إنى سمعتُ رسول الله، ﷺ ، وهو يقول أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله، فقال أبا بكر: فما تشاءُ يا بلال؟ قال: أردتُ أن أرابط في سبيل الله حتَّى أموت. فقال أبو بكر: أنْشُدُكَ الله يا بلال وحُرْمتى وحَقّى فقد كبرتُ وضعفتُ واقترب أجَلى. فأقام بلال مع أبى بكر حتَّى توفى أبو بكر، فلمّا توفى أبو بكر جاءَ بلال إلى عمر بن الخطّاب فقال له كما قال لأبى بكر، فَرَدّ عليه عمر كما ردّ عليه أبو بكر، فأبَى بلال عليه فقال عمر: فإلى مَنْ ترى أن أجعلَ النّداء؟ فقال: إلى سعد، فإنّه قد أذّن لرسول الله، ﷺ ، فدعا عمر سعدًا فجعل الأذان إليه وإلى عَقِبِه من بعده.
قال ابن سعد: هذا كله في الحديث بإسناد إسماعيل بن أبي أويس (٣).
стр. 1028
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: لمّا توفى رسول الله، ﷺ ، أذّن بلال ورسول الله، ﷺ ، لم يُقْبَرْ، فكان إذا قال أشْهَدُ أنّ محمدًا رسول الله انتحب النّاس في المسجد. قال فلمّا دُفن رسول الله، ﷺ ، قال له أبو بكر: أذّنْ، فقال: إن كنتَ إنّما أعْتَقْتَنى لأن أكون معك فسبيل ذلك، وإن كنتَ أعتقتنى لله فخلّنى ومَنْ أعتَقتَنى له. فقال: ما أعتقتُك إلّا لله. قال: فإنى لا أؤذّنُ لأحدٍ بعد رسول الله، ﷺ ، قال: فذاك إليك. قال فأقام حتَّى خرجتْ بُعوثُ الشأم فسار معهم حتَّى انتهى إليها (١).
قال: أخبرنا رَوْح بن عبادة وعفّان بن مسلم وسليمان بن حرب قالوا: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب أنّ أبا بكر لمّا قعد على المنبر يوم الجمعة قال له بلال: يا أبا بكر، قال: لَبّيْك، قال: أعْتَقْتَنى لله أو لنفسك؟ قال: لله، قال: فأذَنْ لي حتَّى أغزوَ في سبيل الله. فأذنَ له فذهب إلى الشأم فمات ثَمّ (٢).
قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: أخبرنا شعبة عن مغيرة وأبى سلمة عن الشعبى قال: خَطَبَ بلالٌ وأخوه إلى أهل بيتٍ من اليمن فقال: أنا بلال وهذا أخى، عَبْدانِ من الحَبَشَةِ كنّا ضالّين فهدانا الله وكنّا عَبْدَين فأعتقنا الله، إنْ تُنْكِحونا فالحمدُ لله وإنْ تمنعونا فالله أكبر (٣).
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا عبد الواحد بن زياد قال: أخبرنا عمرو بن ميمون قال: حدّثني أبى أنّ أخًا لبلال كان ينتمى إلى العرب ويزعم أنّه منهم فخَطَبَ امرأةً من العرب فقالوا: إن حَضَرَ بلالٌ زَوّجناك. قال: فحضر بلالٌ فتشَهّدَ وقال: أنا بلال بن رباحٍ وهذا أخى وهو امْرُؤ سَوْءٍ في الخُلُق والدين، فإنْ
стр. 1029
شئتُم أن تُزَوّجوه وإن شئتُم أن تدعوا فدَعوا، فقالوا: مَنْ تكونُ أخاه نُزَوّجه، فَزَوّجوه (١).
قال: أخبرنا محمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أنّ بنى أبى البُكير جاءُوا إلى رسول الله، ﷺ ، فقالوا: زَوّجْ أخْتَنا فلانًا، فقال لهم: أيْنَ أنْتُمْ عَنْ بِلالٍ؟ ثمّ جاءُوا مَرّةً أُخرى فقالوا: يا رسول الله أنْكِحْ أختنا فلانًا، فقال: أين أنتم عن بلال؟ ثمّ جاءُوا الثالثة فقالوا: أنكح أختنا فلانًا، فقال: أين أنتم عن بلال؟ أين أنتم عن رجلٍ من أهل الجنّة؟ قال فأنْكحوه (٢).
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أنّ النّبيّ، ﷺ ، زوّج ابنةَ أبى البُكير بلالًا.
قال: أخبرنا حجّاج بن محمّد عن أبي مَعْشَر عن المَقْبُريّ أنّ رسول الله، ﷺ ، زوّج ابنة البُكير بلالًا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا أبو هلال قال: أخبرنا قتادة أنّ بلالًا تزوّج امرأةً عربيّة من بنى زُهرة.
قال: أُخبِرْتُ عن أبي اليمان الحِمْصيّ عن جرير بن عثمان عن عبد الرّحمن بن مَيْسَرَة عن ابن مُراهن قال: كان أناس يأتون بلالًا فيذكرون فضله وما قسم الله له من الخير فكان يقول: إنّما أنا حَبَشيّ كنت بالأمس عبدًا (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد الطنافسيّ قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: قال بلال لأبى بكر حين توفى رسول الله، ﷺ : إن كنت إنّما اشتريتنى لنفسك فأمْسِكْنى، وإن كنت إنّما اشتريتنى لله فذَرنى وعَمَلى لله.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: توفى بلال بدمشق سنة عشرين ودفن عند الباب الصغير في مقبرة دمشق وهو ابن بضعٍ وستّين سنة (٤).
стр. 1030
قال: أخبرنا محمّد بن عمر سمعتُ شُعيب بن طلحة من ولد أبى بكر الصّدّيق يقول: كان بلالٌ تِرْبَ أبى بكر. قال محمّد بن عمر: فإن كان هذا هكذا وقد توفى أبو بكر سنة ثلاث عشرة وهو ابن ثلاثٍ وستّين سنة فبين هذا وبين ما رُوى لنا في بلال سبعُ سنين، وشُعيب بن طلحة أعلم بميلاد بلال حين يقول هو تِرْبُ أبى بكر، فالله أعلم.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: حدّثني من رأى بلالًا رجلًا آدمَ شديد الأدمة، نحيفًا، طُوالَّا، أجْنَأ، له شعرٌ كثيرٌ، خفيفَ العارضين، به شَمَطٌ (١) كثيرٌ، لا يُغَيّرُ. قال محمّد بن عمر: قد شهِدَ بلالٌ بدرًا وأحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ (٢). خمسة نفر.
* * *
ومن بنى مخزوم بن يَقَظَةَ بن مُرَّة بن كعب ابن لُؤيِّ بن غالب
٧٣ - أبو سَلَمَةَ بن عبد الأسَد
ابن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبى سَلَمَةَ عبد الله وأمّه بَرّةُ بنت عبد المطّلب بن هاشم (٣) بن عبد مناف بن قصى، وكان لأبى سلمة من الولد سَلَمَة وعُمَرُ وزينب ودُرّةُ وأمّهم أمّ سلمة واسمها هند بنت أبى أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وولدت زينبَ بأرض الحبشة في الهجرة إليها.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن صالح عن يزيد بن رُومان قال: أسْلَمَ أبو سلمة بن عبد الأسد قبل أن يدخل رسول الله، ﷺ ، دار الأرقم بن أبي الأرقم وقبل أن يدعو فيها.
стр. 1031
قالوا: وكان أبو سَلَمةَ من مهاجِرة الحبشة في الهجرتين جميعًا ومعه امرأته أمّ سَلَمَةَ بنت أبى أميّة فيهما جميعًا مُجْمَعٌ على ذلك في الروايات.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معمر عن الزّهريّ عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف قال: أوّلُ من قدم علينا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، المدينة للهجرة أبو سَلَمَةَ بن عبد الأسد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عاصم بن سُويد من بنى عمرو بن عوف عن محمّد بن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت قال: أوّل من قدم علينا في الهجرة من مكّة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، قدم لعشرٍ خلون من المحرّم وقدم رسول الله، ﷺ ، المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، فكان بين أوّل مَنْ قدم من المهاجرين، فنزلوا في بنى عمرو بن عوف، وبين آخِرِهم شهران.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن موسى بن ميسرة عن أبي ميمونة قال: سمعتُ أمّ سَلَمَةَ تقول ونزل أبو سلمة حين هاجر إلى المدينة بقُباء على مبشّر بن عبد المنذر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيميّ عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين أبى سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: لمّا أقطع رسول الله، ﷺ ، الدور بالمدينة جعل لأبى سلمة موضع داره عند دار بنى عبد العزيز الزّهريّين اليوم، كانت معه أمّ سلمة، فباعوه بعدُ وتحوّلوا إلى بنى كعب.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عثمان قال: حدّثني عبد الملك بن عُبيد عن عبد الرّحمن بن سعيد بن يربوع عن عمر بن أبي سلمة أنّ أبا سلمة شهد بدرًا وأُحُدًا وكان الذي جرحه بأُحُد أبو أُسامة الجُشَميّ رماه بمِعْبَلَة (١) في عَضُده فمكث شهرًا يداويه فبَرَأ فيما يُرَى، وقد اندمل الجُرْحُ على
стр. 1032
بَغْيٍ لا يعرفه، فبعثه رسول الله، ﷺ ، في المحرّم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة سريّةً إلى بنى أسد بقَطن، فغاب بضع عشرة ليلة ثمّ قدم المدينة فانتقض به الجرح فاشتكى، ثمّ مات لثلاث ليالٍ مضين من جمادى الآخرة، فغُسّلَ من اليُسَيْرَة (١) بئر بنى أميّة بن زيد بالعالية وكان ينزل هناك حين تحوّل من قباءَ، غُسّلَ بين قَرنى البئر وكان اسمها في الجاهليّة العُسْرَة (٢) فسمّاها رسول الله، ﷺ . اليُسيرةَ، ثمّ حُملَ من بنى أميّة بن زيد فدفن بالمدينة.
قال عمر بن أبي سلمة: فاعْتَدتْ أمّي أمُّ سَلَمَةَ حتَّى حَلّتْ أربعة أشهر وعشرًا.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن أبي ذئب قال: وأخبرنا عثمان بن عمر عن يونس بن يزيد جميعًا عن الزّهريّ عن قَبيصة بن ذُؤيب قال: لمّا حَضَرَتْ أبا سلمة بن عبد الأسد الوفاة حضره النّبيّ، ﷺ ، وبينه وبين النساء سترٌ مستور فبكين، فقال رسول الله، ﷺ : إنّ الميّت يُحْضَرُ (٣) ويُؤَمَّنُ على ما يقول أهله، وإنّ البصَرَ لَيَشْخَصُ للرّوح حين يُعْرَجُ بها. فلمّا فاضت (٤) نفسُه بَسَطَ النّبيّ، ﷺ ، كفّيه على عينه فأغْمَضَهما.
стр. 1033
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح والفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ عن سفيان عن خالد الحَذّاء عن أبي قِلابة عن قَبيصة بن ذُؤيب أنّ رسول الله، ﷺ ، أغمض أبا سلمة حين مات.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمّع الأنصاريّ قال: أخبرنا ابن شهاب أنّ قَبيصة بن ذُؤيب حدّثه أنّ رسول الله، ﷺ ، أغمض أبا سلمة حين مات.
قال: أخبرنا معن بن عيسى ومحمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عَمَّن سمع قَبيصة بن ذُؤيب يحدّث أنّ النّبيّ، ﷺ ، أغمض أبا سلمة حين مات.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: أخبرنا حمّاد بن زيد عن أيّوب عن أبي قِلابة قال: أتَى النّبيّ، ﷺ ، أبا سلمة بن عبد الأسد يعوده فوافق دخوله عليه خروج نفسه، قال فقلن النساء عند ذلك فقال: مَهْ لا تَدْعُون على أنفسكنّ إلّا بخيرٍ فإنّ الملائكة تَحْضُرُ المَيّتَ، أو قال أهْلَ المَيّتِ، فيُؤمّنونَ على دُعائهم، فلا تدعون على أنفسكنّ إلّا بخير، ثمّ قال: اللهمّ افْسَحْ له في قبره وأضئْ له فيه، وعَظّمْ نورَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ، اللهمّ ارْفَعْ دَرَجَتَه في المَهْدِيّين وَاخْلُفْهُ في تَرِكَتِهِ في الغابرين وَاغْفِرْ لنا وله يا ربّ العالمين. ثمّ قال: إنّ الروح إذا خرج تَبِعَهُ البَصَرُ، أما رأيْتُمْ إلى شُخوصِ عَيْنَيْه؟
* * *
٧٤ - أَرقم بن أَبى الأرقم
ابن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمّه أميمة بنت الحارث بن حِبالة بن عُمير بن غُبْشان من خُزاعة، وخاله نافع بن عبد الحارث الخزاعى عاملُ عمر بن الخطّاب على مكّة ويكنى الأرقم أبا عبد الله، واسم أبى الأرقم عبد مناف، ويكنى أسد بن عبد الله أبا جُندب، وكان للأرقم من الولد عُبيد الله لأمّ ولد،
стр. 1034
وعثمان لأمّ ولد، وأميّة ومريم وأمّهما هند بنت عبد الله بن الحارث من بنى أسد بن خُزيمة، وصَفيّة لأمّ ولد، ويتعادّ ولد الأرقم إلى بضعةٍ وعشرين إنسانًا وكلّهم ولد عثمان بن الأرقم وبعضهم بالشأم وقعوا إليها منذ سنين.
وأمّا ولد عُبيد الله بن الأرقم فانقرضوا فلم يبقَ منهم أحد.
قال: أخبرنا محمّد بن عِمْران بن هند بن عبد الله بن عثمان بن الأرقم بن أبى الأرقم المخزوميّ قال: أخبرني أبى عن يحيَى بن عمران بن عثمان بن الأرقم قال: سمعتُ جدّى عثمان بن الأرقم يقول: أنا ابن سبعةٍ في الإسلام أسْلَمَ أبى سابعَ سبعة وكانت داره بمكّة على الصفا وهي الدار التي كان النبيّ، ﷺ ، يكون فيها في أوّل الإسلام، وفيها دَعَا النّاس إلى الإسلام، وأسلم فيها قوم كثير، وقال ليلة الاثنين فيها: اللهُمّ أعِزّ الإسلام بأحبّ الرّجلين إليك عمر بن الخطّاب أو عَمرو بن هشام. فجاء عمر بن الخطّاب من الغد بُكْرَةً فأسلم في دار الأرقم، وخرجوا منها فكبّروا وطافوا البيت ظاهرين، ودُعيت دار الأرقم دارَ الإسلام، وتصدّق بها الأرقم على ولده فَقَرَأتُ نسخةَ صَدَقَةِ الأرقم بداره: بسم الله الرّحمن الرحيم، هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما حاز الصّفا إنّها مُحَرّمةٌ بمكانها من الحرم لا تُباعُ ولا تورث، شَهِدَ هشام بن العاص وفلان مولى هشام بن العاص.
قال: فلم تزل هذه الدار صدقةً قائمةً فيها وَلَدُه يسكنون ويُؤاجِرون ويَأخُذون عليها حتَّى كان زمن أبى جعفر.
قال محمّد بن عمران: فأخبرنى أبى عن يحيَى بن عمران بن عثمان بن الأرقم قال: إنى لأعلَمُ اليومَ الّذى وقعت في نفس أبى جعفر، إنّه لَيَسْعى بين الصّفا والمَرْوَة في حجّة حجّها ونحن على ظهر الدار في فُسْطاطٍ فيَمُرّ تحتنا لو أشاءُ أن آخُذَ قلنسوةً عليه لأخَذتها وإنّه ليَنْظرُ إلينا من حين يهبط بطن الوادى حتَّى يصعد إلى الصّفَا، فلمّا خرج محمَّد بن عبد الله بن حسن بالمدينة كان عبد الله بن عثمان بن الأرقم ممّن تابَعَه ولم يخرج معه، فتعلّق عليه أبو جعفر بذلك فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحبسه ويطرحه في حديد، ثمّ بعث رجلًا من أهل الكوفة يقال له شهاب بن عبد رَبّ وكتب معه إلى عامل المدينة أن يفعل ما يأمره به، فدخل شهاب على عبد الله بن عثمان الحَبْسَ وهو شيخ كبير ابن بضعٍ وثمانين سنة وقد
стр. 1035
ضَجِرَ بالحديد والحبس فقال له: هل لك أن أخلّصك ممّا أنت فيه وتَبيعنى دار الأرقم؟ فإنّ أميرَ المؤمنين يريدها وعسى إنْ بِعْتَهُ إيّاها أنْ أكَلّمَه فيك فيعفو عنك. قال: إنّها صَدَقَة ولكن حقى منها له ومعى فيها شركاء إخْوَتى وغيرهم، فقال: إنّما عليك نفسك، أعْطِنا حقّك وبَرِئْتَ. فأشْهَدَ له بحقّه وكتب عليه كتاب شِرَى على حساب سبعة عشر ألف دينار ثمّ تتبعَ إخْوَتَه ففتنتهم كثرة المال فباعوه فصارت لأبى جعفر ولِمن أقطعها، ثمّ صَيّرَها المَهْديّ للخَيْزُران أمّ موسى وهارون فبَنَتْها وعُرِفت بها، ثمّ صارت لجعفر بن موسى أمير المؤمنين، ثمّ سكنها أصحاب الشّطَويّ والعَدَنيّ، ثمّ اشترى عامّتَها أو أكثرها غسّان بن عبّاد من ولَد موسى بن جعفر.
قال: وأمّا دار الأرقم بالمدينة في بنى زُريق فقطيعةٌ من النّبيّ، ﷺ .
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن جعفر عن سعد بن إبراهيم قال: وحدّثنى محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين الأرقم بن أبي الأرقم وبين أبى طلحة زيد بن سهل قالوا: وشهد الأرقم بن أبي الأرقم بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن عمران بن هند عن أبيه قال: حَضَرَت الأرقمَ بن أبى الأرقمِ الوفاةُ فأوصى أن يصلّى عليه سعدُ بن أبي وقّاص، وكان مروان بن الحَكم واليًا لمعاوية على المدينة، وكان سعد في قصره بالعقيق، وماتَ الأرقم فاحْتَبَسَ عليهم سعدٌ فقال مروان: أيُحْبَسُ صاحب رسول الله، ﷺ ، لرجل غائب؟ وأراد الصلاة عليه فأبَى عُبيد الله بن الأرقم ذلك على مروان وقامت معه بنو مخزوم، ووقع بينهم كلامٌ، ثمّ جاءَ سعدٌ فصلّى عليه وذلك سنة خمسٍ وخمسين بالمدينة، وهلك الأرقم وهو ابن بضع وثمانين سنة.
* * *
стр. 1036
٧٥ - شَمَّاسُ بن عثْمانَ
ابن الشريد بن هَرْميّ بن عامر بن مخزوم، وكان اسم شمّاس عثمان وإنّما سُمّى شمّاسًا لوَضاءته فغلب على اسمه، وأمّه صفيّة بنت ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى، وأمّه الضّيْرِيّة بنت أبى قيس بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، والضّيْرِيّة هي أمّ أبى مُليكة. وكان محمّد بن إسحاق يزيد في نسب شمّاس سُويد بن هرميّ، وأمّا هشام بن الكلبيّ ومحمّد بن عمر فكانا يقولان الشريد بن هرميّ ولا يذكران سُويدًا.
وكان لشمّاس من الولد عبدُ الله وأمّه أمّ حبيب بنت سعيد بن يربوع بن عَنْكَثَة (١) بن عامر بن مخزوم، وكانت أمّ حبيب من المهاجرات الأوَل، وكان شمّاس ممّن هاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر ولم يذكره موسى بن عُقبة وأبو معشر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عثمان عن أبيه قال: لمّا هاجر شمّاس بن عثمان إلى المدينة نزل على مبشّر بن عبد المنذر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عثمان عن عبد الملك بن عُبيد عن سعيد بن المسيّب قال: لم يزل شمّاس بن عثمان بن الشّريد نازلًا ببنى عَمرو بن عوف عند مبشّر بن عبد المنذر حتَّى قُتل بأُحُد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن موسى بن محمّد بن إِبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: آخى رسول الله، ﷺ ، بين شمّاس بن عثمان وحنظلة بن أبي عامر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن عمر بن عثمان عن عبد الملك بن عُبيد عن سعيد بن المسيّب وعبد الرّحمن بن سعيد بن يربوع قالا: شهد شمّاس بن عثمان
стр. 1037
بدرًا وأُحُدًا وكان رسول الله، ﷺ ، يقول: ما وجدتُ لشمّاس بن عثمان شبيها إلّا الجنّة يعني ممّا يقاتل عن رسول الله، ﷺ ، يومئذٍ، يعني يوم أحُد. وكان رسول الله، ﷺ ، لا يرمى ببصره يمينًا ولا شمالًا إلّا رأى شمّاسًا في ذلك الوجه يَذُبّ بسيفه حتَّى غُشى رسول الله، ﷺ ، فترّس بنفسه دونه حتَّى قُتل، فحُمل إلى المدينة وبه رَمَقٌ فأُدخل على عائشَة، فقالت أمّ سَلمَةَ: ابنُ عَمّى يُدْخَلُ على غيرى؟ فقال رسول الله، ﷺ : احملوه إلى أمّ سلمة، فحُمل إليها فمات عندها، ﵀، فأمر رسول الله، ﷺ ، أن يُرَدّ إلى أُحُدٍ فيُدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها وقد مكث يومًا وليلةً ولكنّه لم يذق شيئًا ولم يصلّ عليه رسول الله، ﷺ ، ولم يغسله. كان يومَ قُتلَ، ﵀، ابن أربعٍ وثلاثين سنة، وليس له عقب.
* * *
ومن حلفاء بنى مخزوم
٧٦ - عمّار بن ياسر
ابن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحُصين بن الوَذِيم (١) بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عَنْس، وهو زَيد بن مالك بن أُدَد بن زَيد بن يَشْجب بن عَريب بن زَيد بن كَهْلان بن سبإ بن يَشجب بن يعرب بن قَحطان. وبنو مالك بن أُدَد من مَذْحِج. كان قدم ياسرُ بن عامر وأخواه الحارث ومالك من اليمن إلى مكّة يطلبون أخًا لهم فرجع الحارث ومالك إلى اليمن وأقام ياسر بمكّة وحالَف أبا حُذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وزَوّجَه
стр. 1038
أبو حُذيفة أمَةً له يقال لها سُمَيّةُ بنت خُبَّاط (١)، فولدت له عمّارًا فأعتقه أبو حُذيفة. ولم يزل ياسر وعمّار مع أبى حُذيفة إلى أن مات وجاء الله بالإسلام فأسلم ياسر وسميّة وعمّار وأخوه عبد الله بن ياسر، وكان لياسر ابنٌ آخر أكبر من عمّار وعبد الله يقال له حُريث، قتلته بنو الدّيل في الجاهليّة (٢).
وخَلَفَ على سميّة بعد ياسر الأزرق، وكان روميًّا غلامًا للحارث بن كَلَدَة الثقفي، وهو ممّن خرج يوم الطائف إلى النّبيّ، ﷺ ، مع عُبيد أهل الطائف وفيهم أبو بَكْرَة فأعْتَقَهم رسول الله، ﷺ ، فولدت سميّة للأزرق سَلَمَةَ بن الأزرق فهو أخو عمّار لأمّه، ثمّ ادّعى ولدُ سلمة وعمر وعقبة بنى الأزرق أنّ الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبي شَمِر من غسّان، وأنّه حليف لبنى أميّة، وشَرُفوا بمكّة، وتزوّج الأزرق وولده في بنى أميّة، وكان لهم منهم أولاد، وكان عمّار يكنى أبا اليقظان.
وكان بنو الأزرق في أوّل أمرهم يدّعون أنّهم من بنى تغلب، ثمّ من بنى عِكَبٍّ، وتصحيح هذا أنّ جُبير بن مُطعم تزوّج إليهم امرأةً وهي بنت الأزرق فولدت له بُنَيّةً تزوّجها سعيد بن العاص فولدت له عبد الله بن سعيد، فمدح الأخطل عبد الله بن سعيد بكلمة له طويلة فقال فيها:
وَيَجْمَعُ نَوْفَلًا وَبنى عِكَبٍّ … كلا الحَيّينِ أفْلَحَ مَن أصابا
стр. 1039
ثمّ أفْسَدَتْهم خزاعةُ ودعوهم إلى اليمن وزيّنوا لهم ذلك وقالوا: أنْتُم لا يُغْسَلُ عنكم ذكرُ الروم إلّا أن تدّعوا أنّكم من غسّان. فانتموا إلى غسّان بعدُ (١).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر عن أبيه قال: قال عمّار بن ياسر: لقيتُ صُهيب بن سِنان على باب دار الأرقم ورسولُ الله فيها، فقلتُ له: ما تريد؟ قال لي: ما تريد أنت؟ فقلت: أردتُ أن أدخل على محمّد فأسمعَ كلامه، قال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا عليه فعَرَضَ علينا الإسلام فأسلمنا، ثمّ مكثنا يومنا على ذلك حتَّى أمسينا، ثمّ خرجنا ونحن مستخفون. فكان إسلام عمّار وصُهيب بعد بضعة وثلاثين رجلًا (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا معاوية بن عبد الرّحمن بن أبي مزرّد عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزُّبير قال: كان عمّار بن ياسر من المستضعفين الذين يعذَّبون بمكّة ليرجع عن دينه. قال محمّد بن عمر: والمستضعفون قوم لا عشائر لهم بمكّة وليست لهم منعة ولا قوّة، فكانت قريش تعذبهم في الرَّمْضَاءِ بأنْصاف النّهار ليرجعوا عن دينهم.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عثمان بن محمّد عن عبد الحكيم بن صُهيب عن عمر بن الحكم قال: كان عمّار بن ياسر يعذَّب حتَّى لا يدرى ما يقول، وكان صُهيب يعذَّب حتَّى لا يدرى ما يقول، وكان أبو فكيهة يعذَّب حتَّى لا يدرى ما يقول، وبلال وعامر بن فُهيرة وقوم من المسلمين، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (٣) [سورة النحل: ٤١].
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عثمان بن محمّد عن الحارث بن الفضل عن محمّد بن كعب القُرَظيّ قال: أخبرني من رأى عمّار بن ياسر متجرّدًا
стр. 1040
في سراويل قال: فنظرتُ إلى ظهره فيه حَبَطٌ كثير، فقلت: ما هذا؟ قال: هذا ممّا كانت تعذّبنى به قريش في رمضاء مكّة (١).
قال: أخبرنا يحيَى بن حمّاد قال: أخبرنا أبو عَوَانَة عن أبي بَلْج عن عمرو بن ميمون قال: أحرق المشركون عمّار بن ياسر بالنّار قال: فكان رسول الله، ﷺ ، يَمُرّ به ويُمِرّ يده على رأسه فيقول: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [سورة الأنبياء: ٦٩] على عمّار كما كنت على إبراهيم، تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغيَة (٢).
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم وعمرو بن الهيثم أبو قطن قالا: أخبرنا القاسم بن الفضل قال: أخبرنا عمرو بن مرّة الجَمَلى عن سالم بن أبي الجعد عن عثمان بن عفّان قال: أقبلتُ أنا ورسول الله، ﷺ ، آخذٌ بيدى نَتَماشى في البطحاء حتَّى أتينا على أبى عمّار وعمّار وأمّه وهم يُعَذَّبون، فقال ياسر: الدّهْرُ هَكَذا، فقال له النّبيّ، ﷺ : اصْبِرْ، اللهمّ اغْفِرْ لآلِ ياسر وقد فَعَلْتَ (٣).
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا هشام الدّسْتُوائيّ قال: أخبرنا أبو الزّبير أنّ النّبيّ، ﷺ ، مَرّ بآل عمّار وهم يُعذَّبون فقال لهم: أبْشِروا آلَ عمّار فإنّ مَوْعِدَكم الجنّة.
قال: أخبرنا الفضل بن عَنْبَسَة قال: أخبرنا شعبة عن أبي بشر عن يوسف المكيّ أنّ النّبيّ، ﷺ ، مرّ بعمّار وأبى عمّار وأمّه وهم يُعَذَّبون في البطحاء فقال: أبْشِروا يا آل عمّار فإنّ موعدكم الجَنّة.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن ابن عون عن محمّد أنّ النّبيّ، ﷺ ، لقى عمّارًا وهو يبكى فجعل يمسح عن عينيه وهو يقول: أخَذَكَ الكُفّارُ فَغَطّوك (٤) في الماء فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن عبد
стр. 1041
الكريم عن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلم يتركوه حتَّى نال من رسول الله، ﷺ ، وذَكَرَ آلهتهم بخير، فلمّا أتَى النّبيّ، ﷺ ، قال: ما وَراءَكَ؟ قال: شَرّ يا رسول الله، والله ما تُركْتُ حتَّى نلْتُ منك وذكرتُ آلهتَهم بخير، قال: فكيف تجِدُ قلبَك؟ قال: مُطْمَئِنّ بالإيمان، قال: فإنْ عادوا فعُدْ (١).
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى قال: أخبرنا عُبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل: ١٠٦]، قال: ذلك عمّار بن ياسر.
وفى قوله: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [سورة النحل: ١٠٦]، قال: ذلك عبدُ الله بن أبي سَرْح.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسرائيل عن جابر عن الحكم ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [سورة النحل: ١٠٦]، نزلت في عمّار بن ياسر.
قال: أخبرنا حجّاج بن محمّد قال: قال ابن جُريج سمعتُ عبد الله بن عُبيد بن عُمير يقول: نزل في عمّار بن ياسر إذ كان يعذَّب في الله قولُه: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ٢].
قال: أخبرنا محمّد بن كُناسة عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [سورة الزمر: ٩]، قال: نزلت في عمّار بن ياسر.
قال: أخبرنا محمّد بن عُبيد الطنافسيّ والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا المسعوديّ عن القاسم بن عبد الرّحمن قال: أوّلُ من بنى مسجدًا يُصَلَّى فيه عمّار بن ياسر.
قال: أخبرنا قَبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبيه قال: أوّلُ من اتّخذ في بيته مسجدًا يُصَلّى فيه عمّار.
قالوا: هاجر عمّار بن ياسر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية.
стр. 1042
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عثمان عن أبيه قال: لمّا هاجر عمّار بن ياسر من مكّة إلى المدينة نزل على مُبَشّر بن عبد المنذر.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر عن عبد الله بن جعفر قال: آخى رسول الله، ﷺ بين عمّار بن ياسر وحُذيفة بن اليَمان. قال عبد الله بن جعفر: إنْ لم يَكُنْ حُذيفة شَهِدَ بدرًا فإنّ إسلامه كان قديمًا.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: أقْطَعَ رسول الله، ﷺ ، عمّار بن ياسر موضع داره.
قالوا: وشهد عمّار بن ياسر بدرًا وأُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا وهب بن جرير بن حازم وموسى بن إسماعيل قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: سمعتُ الحسن قال: قال عمّار بن ياسر: قد قاتلتُ مع رسول الله، ﷺ ، الإنسَ والجِنّ، فقيل له: هذا قاتلتَ الإنسَ فكيف قاتلتَ الجنّ؟ قال: نزلنا مع رسول الله، ﷺ ، منزلًا فأخذتُ قِرْبتى ودَلْوى لأستَقى فقال لي رسول الله، ﷺ : أما إنّه سيَأتيك آتٍ يَمْنَعُك من الماء. فلمّا كنتُ على رأس البئر إذا رجلٌ أسود كأنّه مَرِسٌ (١) فقال: لا والله لا تَستَقى اليومَ منها ذَنوبًا واحدًا. فأخذته وأخذنى فصَرَعْتُه، ثمّ أخذتُ حجرًا فكسرتُ به أنفه ووجهه، ثمّ مَلأتُ قِرْبَتى فأتَيْتُ بها رسول الله، ﷺ ، فقال: هل أتاك على الماء من أحد؟ فقلت: عَبدٌ أسود، فقال: ما صنعتَ به؟ فأخبرتُه، قال: أتدرى مَن هو؟ قلتُ: لا، قال: ذاك الشّيطان، جاءَ يمنعك من الماءِ (٢).
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهُذيل قال: لمّا بنى رسول الله، ﷺ ، مسجده جَعَلَ القومُ يحملون وجعل النّبيّ، ﷺ ، يحمل هو وعمّار، فجعل عمّار يرتجز ويقول:
стр. 1043
نَحْنُ المسلمونَ نَبْتَنى المَساجِدا
وجعل رسول الله، ﷺ ، يقول: المساجدا. وقد كان عمّار اشتكى قبل ذلك فقال بعضُ القوم: لَيَموتَنّ عَمّارٌ اليومَ، فسمعهم رسول الله، ﷺ ، فنفضَ لَبِنَتَه وقال: وَيْحَكَ، ولم يَقُلْ وَيْلَكَ، يابنَ سُمَيّة تَقْتُلُكَ الفِئَةُ الباغية.
قال: أخبرنا إسحاق بن الأزرق قال: أخبرنا عوف الأعرابى عن الحسن عن أمّه عن أمّ سلمى قالت: سمعتُ النّبيّ، ﷺ ، يقول: تَقْتُلُ عمّارًا الفِئَةُ الباغية. قال عوف: ولا أحْسَبُهُ إلّا قال: وقاتِلُهُ في النّار.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: أخبرنا ابن عون عن الحسن عن أمّه عن أمّ سلمة قالت: إنّ رسول الله، ﷺ ، لَيُعاطيهم يومَ الخندق حتَّى اغْبَرّ صَدْرُه وهو يقول:
اللّهمّ إنّ العَيشَ عيشُ الآخِرَهْ … فَاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالمُهاجِرَهْ
وجاءَ عمّار، فقال: ويْحك يابن سُميّة تقتلك الفئة الباغية.
قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ قال: أخبرنا شُعبة قال: أخبرني أيّوب وخالد الحَذّاءُ عن الحسن عن أمّه عن أمّ سلمة أنّ النّبيّ، ﷺ ، قال لعمّار: تقتلك الفئة الباغية.
قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ قال: أخبرنا شُعبة قال: أخبرني عمرو بن دينار قال: سمعتُ أبا هشامٍ يحدّث عن أبي سعيد الخُدْرى أنّ رسول الله، ﷺ ، قال في عمّار: تقتلك الفئة الباغية.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا وُهيب قال: أخبرنا داود عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد الخُدْرى قال: لمّا أخَذَ النّبيّ، ﷺ ، في بناءِ المسجد جَعَلْنا نحمل لَبِنَة لبنة وجعل عمّار يحمل لبنتَيْن لبنتين، فجئتُ فحدّثنى أصحابى أنّ النّبيّ، ﷺ ، جعل ينفُضُ الترابَ عن رأسه ويقول: ويحك ابن سُميّة تقتلك الفئة الباغية.
قال: أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: أخبرنا النّضْر بن شُميل قال:
стр. 1044
أخبرنا شعبة عن أبي مسلمة عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: حدّثني من هو خيرٌ منّى أبو قتادة قال: قال النّبيّ، ﷺ ، لعَمّار وهو يَمْسَحُ الترابَ عن رأسه: بُؤسًا لكَ ابنَ سُميّة، تقتلك فِئةٌ باغية.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضّرير عن الأعمش عن عبد الرّحمن بن زياد عن عبد الله بن الحارث قال: إنّنى لأسيرُ مع معاوية في مُنْصَرَفه عن صِفّين بينه وبين عمرو بن العاص قال: فقال عبد الله بن عمرو: يا أبَت سمعتَ رسول الله، ﷺ ، يقول لعَمّار ويحك يابن سميّة تقتلك الفئة الباغية؟ قال: فقال عمرو لمعاوية: ألا تَسْمَعُ ما يقول هذا؟ قال فقال معاوية: ما تَزالُ تأتينا بهَنَةٍ تَدْحَضُ بها في بَوْلِك، أنَحْنُ قتلناه؟ إنّما قتله الذين جاءوا به.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن العوّام بن حَوْشَب قال: حدّثني أسود بن مسعود عن حَنْظلة بن خُويلد العَنَزيّ قال: بينا نحن عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمّار، يقول كلّ واحد منهما أنا قتلتُه، فقال عبد الله بن عمرو: ليَطبْ به أحدُكما نفسًا لصاحبه، فإنّى سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: تقتله الفئة الباغية. قال فقال معاوية: ألا تُغْنى عنّا مَجْنُونَك يا عَمرو فما بالك مَعَنا؟ قال: إنّ أبى شكانى إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: أطعْ أباكَ حَيًّا ولا تعصه، فأنا معكم ولستُ أقاتلُ.
قال: أخبرنا خالد بن مَخْلَدٍ قال: حدّثني سليمان بن بلال قال: حدّثني جعفر بن محمّد قال: سمعتُ رجلًا من الأنصار يحدّث أبى عن هُنيّ مولى عمر بن الخطّاب، قال: كنتُ أول شئٍ مع معاوية على عليّ فكان أصحاب معاوية يقولون: لا والله لا نقتل عمّارًا أبدًا، إنْ قتلناه فنحن كما يقولون. فلمّا كان يوم صفّين ذهبتُ أنْظُرُ في القتلى فإذا عمّار بن ياسر مقتول فقال هُنيّ فجئتُ إلى عمرو بن العاص وهو على سريره فقلت: أبا عبد الله، قال: ما تشاء؟ قلتُ: انْظُرْ أكلّمْكَ، فقامَ إليّ فقلت: عمّار بن ياسر ما سمعتَ فيه؟ فقال: قال رسول الله، ﷺ ، تقتله الفئة الباغية فقلت: هو ذا والله مقتولٌ، فقال: هذا باطل، فقلت: بَصُرَ به عينى مقتولٌ، قال: فانْطَلِقْ فَأرِنِيه. فذهبتُ به فأوقفته عليه فساعةَ رآه انتُقع لونه، ثمّ أعرض في شقّ وقال: إنّما قَتَلَه الذي خَرَجَ به.
стр. 1045
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح ومحمّد بن عبد الله الأسديّ عن سفيان عن أبي قيس الأوْديّ عن هُزَيْل (١) قال: أتى النّبيّ، ﷺ ، فقيل له إنّ عمّارًا وقع عليه حائطٌ فمات، قال: ما مات عمّارٌ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال: رأيتُ عمّار بن ياسر يوم اليَمامة على صَخْرة وقد أشرف يَصيح: يا معشرَ المسلمين، أمِنَ الجنّة تَفِرّونَ؟ أنا عمّار بن ياسر، هلُمّوا إليّ! وأنا أنْظُرُ إلى أُذنِه قد قُطعَتْ، فهى تَذَبْذَبُ (٢) وهو يقاتل أشدّ القتال.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من بنى تميم لعمّار: أيّها الأجدع. فقال عمّار: خيرَ أُذنيّ سببتَ. قال شُعبة: إنها أُصيبت مع رسول الله ﷺ .
قال: أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسيّ ويحيَى بن عبّاد قالا: أخبرنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: غزا أهل البصرة ماه، وعليهم رجل من عُطارد التميمى فأمَدّه أهل الكوفة وعليهم عمّار بن ياسر فقال الذي من آل عُطارد لعمّار بن ياسر: يا أجْدَعُ أتريد أن تشاركنا في غنائمنا؟ فقال عمّار: خيرَ أُذنيّ سببتَ. قال شعبة: يعني أنّها أصيبت مع النّبيّ، ﷺ : قال فكُتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر: إنّما الغنيمة لِمنْ شهِدَ الوقعة (٣).
قال ابن سعد: قال شعبة: لم ندْرِ أنّها أُصيبت باليمامة.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرّب قال: قُرِئَ علينا كتاب عمر بن الخطّاب: أمّا بعد فإنى بعثتُ إليكم عمّار بن ياسر أميرًا وابن مسعود معلّمًا ووزيرًا، وقد جعلتُ ابن مسعود على بيت مالكم، وإنّهما لمن النّجباء من أصحاب محمّد من أهل بَدْرٍ، فاسمعوا لهما وأطيعوا واقْتدوا بهما، وقد آثرتُكم بابن أمّ عبدٍ على نفسى وبعثْتُ عُثمان بن
стр. 1046
حُنيف على السواد ورزقتهم كلّ يوم شاةً فأجعَلُ شطرَها وبطنَها لعمّار والشطر الباقى بين هؤلاء الثلاثة (١).
قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبى الهُذيل أنّ عمر رَزَقَ عمّارًا وابن مسعود وعثمان بن حنيف شاةً، لعمّار شطرُها وبطنها ولعبد الله ربعها ولعثمان ربعها كلّ يومٍ.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: أخبرنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنّ عمّارًا كان يَقْرَأ كلّ يوم جمعة على المنبر بياسين (٢).
قال: أخبرنا قَبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهُذيل قال: وأخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا سفيان عن الأجلح عن ابن أبي الهُذيل قال: رأيت عمّار بن ياسر اشترى قتًّا بدرهم فاسْتَزَاد حَبْلًا فأبَى فجابذه حتَّى قاسمه نصفين وحمله على ظهره وهو أمير الكوفة (٣).
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: أخبرنا غسّان بن مضر قال: أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن مُطَرّف قال: دخلتُ على رجلٍ بالكوفة وإذا رَجلٌ قاعد إلى جنبه وخيّاطٌ يخيط إمّا قطيفة سَمّور أو ثعالب، قال قلت: ألَم تَرَ ما صَنَعَ عليّ؟ صَنَعَ كذا وصنع كذا، قال فقال: يا فاسق، ألا أراك تذكر أمير المؤمنين! قال فقال صاحبى: مَهْلًا يا أبا اليَقْظان فإنّه ضيفى. قال: فعرفتُ أنّه عمّار.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا جرير بن حازم عن سعيد بن أبي مسلمة عن أبي نصرة عن مطرّف قال: رأيتُ عمّار بن ياسر يقطع على لحاف ثعالب ثوبًا.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: أخبرنا وُهيب عن داود عن عامر قال: سئل عمّار عن مسألة فقال: هَلْ كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا، قال: فدَعونا حتَّى يكون فإذا كان تجشّمناها لكم (٤).
стр. 1047
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمّد بن عبد الله الأسديّ قالا: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيميّ عن الحارث بن سُويد قال: وشى رجلٌ بعمّار إلى عمر فبلغ ذلك عمّارًا فرفع يديه فقال: اللّهُمّ إنْ كان كَذَبَ عليّ فابْسُطْ له في الدّنْيا واجْعَلْهُ مُوَطّأ العَقبِ (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا خالد بن عبد الله قال: أخبرنا داود عن عامر قال: قال عمر لعمّار: أساءَك عَزْلُنا إيّاك؟ قال: لَئِنْ قلتَ ذاك لقد ساءَنى حين استعملتنى وساءنى حين عَزَلتنى.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم قالا: أخبرنا الأسود بن شيبان قال: أخبرنا أبو نوفل بن أبي عقرب قال: كان عمّار بن ياسر من أطول النّاس سكوتًا وأقلّه كلامًا، وكان يقول: عائذٌ بالله من فِتْنَةٍ، عائذ بالله من فتنة، قال: ثمّ عرضت له بعدُ فِتْنَةٌ عظيمة (٢).
قال: أخبرنا أبو داود الطيالسيّ قال: أخبرنا شُعبة قال: أنبأنا عمرو بن مُرّة قال: سمعتُ عبد الله بن سلمة يقول: رأيتُ عمّار بن ياسر يوم صفّين شيخًا آدم في يده الحَرْبَةُ، وإنّها لَتَرْعَدُ، فنظر إلى عمرو بن العاص ومعه الرّاية فقال: إنّ هذه راية قد قاتلتُ بها مع رسول الله، ﷺ ، ثلاثَ مَرّاتٍ وهذه الرابعة، والله لو ضربونا حتَّى يُبَلّغونا سَعَفَاتِ هَجَرَ لَعَرَفْتُ أنّ مَصْلَحَتَنَا على الحقِّ وأنّهم على الضّلالة.
قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: أخبرنا شعبة قال: حدّثني عمرو بن مُرّة قال: سمعتُ عبد الله بن سلمة قال: رأيتُ عمّار بن ياسر يوم صفّين شيخًا آدم طُوالًا والحربة بيده، وإنّ يده لَتَرْعَشُ وهو يقول: والذى نفسى بيده لو ضربونا حتَّى يُبلّغونا سَعَفَاتِ هجر لعرفتُ أنّ مصلحتنا على الحقّ وأنّهم على الباطل. قال، وبيده الرّاية، فقال: إنّ هذه الرّاية قد قاتلتُ بها بين يدى رسول الله، ﷺ ، مرّتين وإنّ هذه لَلثَّالِثَة.
стр. 1048
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا موسى بن قيس الحضرمى عن سلمة بن كُهَيل قال: قال عمّار بن ياسر يومَ صفّين: الجنَّة تحتَ البارقة، الظّمْآنُ قد يَرِدُ الماءَ الماءُ مَوْرُودٌ، اليومَ ألْقَى الأحِبّةَ (١) محمّدًا وحِزْبه، والله لو ضربونا حتَّى يُبلّغونا سعفات هَجَرَ لعلمتُ أنّا على حقّ وأنّهم على باطل، والله لقد قاتلتُ بهذه الرّاية ثلاث مرّات مع رسول الله، ﷺ ، وما هذه المرّة بأبَرّهنّ ولا أتْقَاهُنّ (٢).
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح قال: أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبى البَخْترى قال: قال عمّار يومَ صفّين: ائتُونى بشرْبة لَبَنٍ فإنّ رسول الله، ﷺ ، قال لي إنّ آخرَ شَرْبَة تَشْرَبها من الدنيا شربةُ لَبَنٍ. فأُتىَ بلبن فشربه ثمّ تقدّم فقُتل (٣).
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البَخْتريّ قال: أُتى عمّار يومئذ بلَبَنٍ فضحك وقال: قال لي رسول الله، ﷺ ، إنّ آخِرَ شَرابٍ تشربُه لَبَنٌ حتَّى تموت.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني يعقوب بن عبد الله القُمّيّ عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن عبد الرّحمن بن أبْزى عن أبيه عن عمّار بن ياسر أنّه قال وهو يسير إلى صفّين على شطّ الفرات: اللهمّ إنّهُ لَوْ أعْلَمُ أنّه أرضى لك عنى أنْ أرمى بنفسى من هذا الجبل فأتَرَدّى فأسْقُطَ فعلتُ، ولو أعلمُ أنّه أرضى لك عنى أنْ أوقد نارًا عظيمة فأقعَ فيها فعلتُ، اللهُمّ لو أعلم أنّه أرضى لك عنّى أنْ ألقىَ نفسى في الماء فأُغْرِقَ نفسى فعلتُ، فإنى لا أُقاتل إلّا أريد وَجهك، وأنا أرجو أنْ لا تُخَيّبَنى، وأنا أريدُ وَجْهَكَ.
стр. 1049
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني من سمع سلمة بن كُهيل يُخبرُ عن أبي صادق عن ربيعة بن ناجد قال: سمعتُ عمّار بن ياسر وهو بصفّين يقول: الجنّةُ تحت البارقة، والظّمْآنُ يَرِدُ الماءَ، والماءُ مورود، اليوم ألْقَى الأحِبّةَ محمّدًا وحِزْبَه، لقد قاتلتُ صاحبَ هذه الراية ثلاثًا برسول الله وهذه الرابعة كإحداهنّ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني هاشم بن عاصم عن المنذر بن جَهْم قال: حدّثني أبو مروان الأسلميّ قال: شهدتُ صفّين مع النّاس، فبينا نحن وقوف إذ خرج عمّار بن ياسر وقد كادت الشمس أن تغرب وهو يقول: من رائحٌ إلى الله، الظّمآنُ يرِدُ الماءَ، الجَنّةُ تحت أطراف العوالى، اليوم ألْقى الأحِبّة: اليومَ ألْقى محمّدًا وحزْبَه.
قالَ: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن أبي عُبيدة عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أمّ الحَكَم بنت عمّار بن ياسر قالت: لمّا كان اليوم الذي قُتل فيه عمّار، والرّاية يَحْملها هاشم بن عُتبة، وقد قُتل (١) أصحابُ عليّ ذلك اليوم حتَّى كانت العصر، ثمّ تَقَرّبَ عَمّارٌ من وراء هاشم يُقدّمه وقد جَنَحَت الشمس للغروب، ومع عَمّار ضَيْحٌ (٢) من لَبَنٍ، فكان وجوبُ الشمس أن يُفْطِرَ، فقال حين وَجَبَت الشمس وشَرِبَ الضّيْحَ: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: آخر زادك من الدّنيا ضَيْحٌ من لَبَنٍ، قال: ثمّ اقتربَ فقاتل حتَّى قُتل، وهو يومئذٍ ابن أربع وتسعين سنة (٣).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن (٤) الحارث بن الفُضيل عن أبيه عن عُمارة بن خُزيمة بن ثابت قال: شهِدَ خُزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسُلّ
стр. 1050
سيفًا، وشَهِدَ صفّين وقال: أنا لا أصلُ أبدًا حتَّى يُقتَل عمّارٌ فأنْظُرَ مَن يَقْتلُه، فإنّى سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول تقتُلُهُ الفئَةُ الباغية. قال فلمّا قُتل عمّار بن ياسر قال خُزيمة: قد بانت لي الضّلالة. واقترب فقاتل حتَّى قُتل. وكان الّذى قتل عمّار بن ياسر أبو غادية المُزَنى، طعنه برمح فسقط وكان يومئذ يقاتل في محَفَّة، فقُتل يومئذٍ وهو ابن أربع وتسعين سنة (١).
فلمّا وقع أكبّ عليه رجلٌ آخر فاحتزّ رأسه، فأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول أنا قتلتُه. فقال عمرو بن العاص: والله إنْ يختصمان إلّا في النّار. فسمعها منه معاوية، فلمّا انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو بن العاص: ما رأيتُ مثلَ ما صنعتَ، قومٌ بَذَلوا أنْفُسَهم دونَنَا تَقولُ لهما إنّكما تختصمان في النّار، فقال عمرو: هو والله ذاك، والله إنّك لَتَعْلَمُه وَلَوَدِدْتُ أنّى مِتّ قبل هذه بعشرين سنة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون (٢) قال: قُتل عمارٌ، ﵀، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان أقدَمَ في الميلاد من رسول الله، ﷺ ، وكان أقْبَلَ إليه ثلاثَةُ نفر: عُقبة بن عامر الجُهَنيّ وعمر بن الحارث الخولانيّ وشَريك بن سَلَمَة المراديّ، فانْتَهَوْا إليه جميعًا وهو يقول: والله لو ضربتمونا حتَّى تَبْلُغوا بنا سَعَفَاتِ هَجَرَ لعلمتُ أنّا على حَقّ وأنْتُم على باطل. فحَمَلوا عليه جميعًا فقتلوه (٣).
وزعم بعض النّاس أنّ عقبة بن عامر هو الذي قتل عمّارًا، وهو الّذى كان ضَرَبه حين أمَرَه عثمان بن عفّان. ويقال بل الّذى قتله عمر بن الحارث الخولانيّ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جَبْر قال: حدّثني أبى قال: كنْتُ بواسِطِ القَصَبِ عند
стр. 1051
عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فقلتُ: الإذْنَ، هذا أبو غادية الجُهنى. فقال عبد الأعلى: أدْخِلوه، فَدَخَلَ عليه مُقَطّعاتٌ لَهُ فإذا رجلٌ طُوال ضَرْبٌ من الرجال كأَنّه ليس من هذه الأمّة، فلمّا أن قعد قال: بايعتُ رسول الله، ﷺ ، قلتُ: بيَمينك؟ قال: نعم، وخَطَبَنا رسول الله، ﷺ ، يوم العَقَبَة فقال: يا أيها النّاس ألا إنّ دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم إلى أن تَلْقَوْا ربّكم كحُرْمَةِ يَوْمكم هذا في شهركم هذا في بَلَدِكم هذا، ألا هَلْ بَلّغْتُ؟ فقلنا: نعم، فقال: اللهُمّ اشْهَدْ، ثمّ قال: ألا لا تَرْجعوا بعدى كُفّارًا يَضْرِبُ بعضكم رِقابَ بعض، قال ثمّ أتْبَعَ ذا فقال: إنّا كُنّا نَعُدّ عمّار بن ياسر فينا حَنانًا، فبينا أنا في مسجد قُباءَ إذ هو يقول: ألا إنّ نَعْثَلًا هذا لعثمان، فألْتَفِتُ فلو أجِدُ عليه أعْوانًا لَوَطِئْتُه حتَّى أقْتُله، قال قلت اللهُمّ إنّك إنْ تَشأُ تُمَكّنّى من عمّار، فلمّا كان يوم صفّين أقبل يستنّ أوّلَ الكتيبة رجلًا حتَّى إذا كان بين الصفّين فأبْصَرَ رجلٌ عَوْرَةً فطعنه في ركبته بالرمح فعثر فانكشف المِغْفَرُ عنْه، فضربتُه فإذا رأس عمّار. قال: فلم أرَ رجلًا أبْيَنَ ضَلالَةً عندي منه، إنّه سمع من النّبيّ، ﵇، ما سمع ثمّ قَتَلَ عَمّارًا (١).
قال واستسقى أبو غادية فأُتى بماء في زُجاجٍ فأبَى أن يشرب فيها، فأُتىَ بماءٍ في قَدَحٍ فَشَرب، فقال رجلٌ على رأس الأمير قائمٌ بالنّبطيّة: أوى يد كفتا يَتَوَرّعُ عن الشراب في زجاج ولم يتورّع عن قتل عمّار.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا أبو حفص وكلثوم بن جَبْر عن أبي غادية قال: سمعتُ عمّار بن ياسر يقع في عثمان يَشْتِمُه بالمدينة قال: فتوعّدتُه بالقتل قلت: لئنْ أمكننى الله منك لأفْعَلَنّ. فلمّا كان يومُ صفّين جَعَلَ عمّار يحمل على النّاس، فقيل هذا عمّارٌ، فرأيتُ فُرْجة بين الرّئَتَين وبين الساقين، قال فحملتُ عليه فطعنتُه في ركبته، قال: فوقع فقتلتُه. فقيل قتلت عمّار بن ياسر. وأُخبر عمرو بن العاص فقال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول إنّ قاتله وسالبه في النّار، فقيل لعمرو بن العاص: هو ذا أنت تُقاتله، فقال: إنّما قال قاتله وسالبه (٢).
стр. 1052
قال: أخبرنا محمّد بن عمر وغيره قالوا: لمّا استلحم القتالُ بصفّين وكادوا يتفانَوْنَ قال معاوية: هذا يومٌ تفانى فيه العرب إلا أنْ تُدركهم فيه خِفّةُ العَبْدِ، يعني عمّار بن ياسر، قال وكان القتال الشديد ثلاثةَ أيّام ولياليَهنّ، آخرُهن ليلةُ الهَرير، فلمّا كان اليومُ الثالث قال عمّار لهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص ومعه اللّواءُ يومئذٍ: احْمِلْ فِدَاكَ أبى وأمّى! فقال هاشم: يا عمّار رحمك الله إنّك رجلٌ تَسْتَخِفّكَ الحَرْبُ وإنى إنّما أزحفُ باللّواء زَحفًا رَجاءَ أن أبلغَ بذلك ما أريد، وإنى إن خَفَفْتُ لم آمَنِ الهَلَكَةَ. فَلَمْ يَزَلْ به حتَّى حَمَلَ فَنَهَضَ عمّار في كتيبته فنهض إليه ذو الكلاع في كتيبته فاقتتلوا فقُتلا جميعًا واستُؤصِلت الكتيبتان، وَحَمَلَ على عمّار حُوَيّ السّكسَكِيّ وأبو الغادية المُزَنيّ وقَتَلاه، فقيل لأبى الغادية: كيْفَ قَتَلْتَه؟ قال: لمّا دَلَفَ إلينا في كتيبته ودلفنا إليه، نادى هل من مُبارزٍ، فَبَرَزَ إليه رجلٌ من السكاسك فاضطربا بسيفيهما فقَتَلَ عمّارٌ السّكسكيَّ، ثمّ نادى مَنْ يُبارِز، فَبَرَزَ إليه رجُل من حِمْيَرَ فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار الحميريَّ وأثْخَنَه الحميريّ، ونادى مَنْ يُبارِزُ، فبرزتُ إليه فاختلفنا ضَرْبَتَيْن، وقد كانت يده ضَعُفَتْ فأنْتَحى عليه بضربة أُخرى فسقط فضربتُه بسيفى حتَّى بَرَدَ. قال ونادى النّاسُ: قتلتَ أبا اليَقْظان قَتَلَك الله! فقلت اذْهَبْ إليكَ فوالله ما أُبالى من كنتَ، وبالله ما أعرفُه يومئذٍ. فقال له محمّد بن المنْتَشِر: يا أبا الغادية خَصْمُك يوم القيامة مازُنْدَرُ، يعني ضخمًا، قال فضحك، وكان أبو الغادية شيخًا كبيرًا جسيمًا أدْلَمَ، قال: وقال عليّ حين قُتل عمّار: إنّ امْرأ من المسلمين لم يَعْظُمْ عليه قَتْلُ ابن ياسر وتَدْخُل به عليه المصيبةُ الموجعةُ لَغيرُ رَشيدٍ، رَحِمَ الله عمّارًا يومَ أسْلَمَ، ورحم الله عمّارًا يومَ قُتِلَ، ورحم الله عمّارًا يومَ يُبْعَثُ حيًّا، لقد رأيتُ عمّارًا وما يُذْكَرُ من أصحاب رسول الله، ﷺ ، أربعةٌ إلّا كان رابعًا ولا خمسةٌ إلّا كان خامسًا، وما كان أحدٌ من قدماء أصحاب رسول الله يشكّ أنّ عمّارًا قد وَجَبَتْ له الجنّة في غير موطن ولا اثنين، فهَنيئًا لعمّار بالجنّة، ولقد قيل إنّ عمّارًا مع الحقّ والحقّ معه، يَدورُ عمّار مع الحقّ أينما دار، وقاتلُ عمّار في النّار.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن إسماعيل بن أبي خالد عن يحيَى بن عابس قال: قال عمّار ادْفنونى في ثيابى فإنى مخاصم.
стр. 1053
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق الشيبانيّ عن مُثْنيّ العَبْديّ عن أشياخٍ لهم شهدوا عمّارًا قال: لا تَغْسِلوا عنى دمًا ولا تَحْثوا علىّ تُرابًا فإنى مخاصم.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن أشعث بن سَوّار عن أبي إسحاق أنّ عليًّا صلّى على عمّار بن ياسر وهاشم بن عتبة، ﵄، فجعل عمّار ممّا يليه وهاشمًا أمام ذلك، وكبّر عليهما تكبيرًا واحدًا خمسًا أو ستًّا أو سبعًا، والشكّ في ذلك من أشعث.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا الحسن بن عُمارة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرَة أنّ عليًّا صلّى على عمّار ولم يَغْسِلْه.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا عبد العزيز بن سِياه عن حبيب بن أبي ثابت قال: قُتل عمّار يومَ قتل وهو مُجْتَمعُ العَقْلِ.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا سعيد بن أوس العبسيّ عن بلال بن يحيَى العبسيّ قال: لمّا حضر حُذيفَةَ الموت، وإنّما عاش بعد قتل عثمان أربعين ليلة، فقيل له يا أبا عبد الله إنّ هذا الرجل قد قُتل، يعني عثمان، فما ترى؟ قال: أمّا إذْ أبَيْتُم فأجْلسونى، فأسْنَدوه إلى صدر رَجُلٍ ثمّ قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول: أبو اليَقْظان على الفِطْرة، أبو اليقظان على الفطرة لن يَدَعَها حتَّى يموتَ أو يُنْسِيَه الهَرَمُ.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: أخبرنا عبد الجبّار بن عبّاس عن أبي إسحاق قال: لمّا قُتل عمّار دخل خُزيمة بن ثابت فسطاطه وطرح عليه سلاحه وشَنّ عليه من الماء فاغتسل ثمّ قاتل حتَّى قُتل، ﵀.
قال: أخبرنا مُعاذ بن مُعاذ قال: أخبرنا ابن عون عن الحسن قال: قال عمرو بن العاص: إنى لأرجو ألا يكونَ رسول الله، ﷺ ، ماتَ يومَ ماتَ وهو يُحِبّ رجلًا فيُدْخلَه الله النّارَ، قال: فقالوا قد كنّا نَراهُ يُحِبّك وكان يستعملك، قال فقال الله أعلمُ أحَبّنى أم تألّفَنى، ولكنّا كنّا نراه يحبّ رجلًا، قالوا: فمن ذلك الرجلُ؟ قال: عمّار بن ياسر، قالوا: فذاك قتيلُكم يومَ صفّين، قال: قد والله قتلناه (١).
стр. 1054
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وموسى بن إسماعيل قالا: أخبرنا جرير بن حازم قال: أخبرنا الحسن قال: قيل لعمرو بن العاص قد كان رسول الله يُحِبّك ويستعملك، قال: قد كان والله يفعل فلا أدرى أحُبّ أم تَألّفٌ يتألّفنى ولكنّى أشْهَدُ على رجلين توفى رسول الله، ﷺ ، وهو يُحبّهما: عبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر. قالوا: فذاك والله قتيلُكم يومَ صفّين، قال: صَدَقْتُمْ والله لقد قتلناه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوّام بن حَوْشَب عن عمرو بن مُرّة عن أبى وائل قال: رأى عمرو بن شُرَحْبيل أبو مَيْسَرَة، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله، في المنام قال: رأيتُ كأنّى أُدْخِلتُ الجنّة فإذا قِبابٌ مضروبة، فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذى الكَلاع وحوشَب، وكانا ممّن قُتل مع معاوية، قال قلت: فأين عمّار وأصحابه؟ قالوا: أمامك، قال قلت: وقد قَتَلَ بعضهم بعضًا، قيل إنّهم لَقوا الله فوجدوه واسع المَغْفِرَة، قلت: فما فعلَ أهلُ النّهر؟ قيل: لَقُوا برْحا.
قال: أخبرنا قبيصة بن عُقبة قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي الضّحى قال: رأى أبو ميسرة في المنام روضة خضراء فيها قِبابٌ مضروبة فيها عمّار وقباب مضروبة فيها ذو الكلاع، قال قلتُ: كيف هذا وقد اقتتلوا؟ قال: فقيل لي وجدوا ربًّا واسع المغفرة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عبد الله بن أبي عُبيدة بن محمّد بن عمّار عن أبيه عن لؤلؤة مولاة أم الحكم بنت عمّار أنّها وصفت لهم عمّارًا فقالت: كان رجُلًا آدَمَ طُوالًا، مضطربًا، أشْهَلَ العينين، بعيدَ ما بين المنكبين، وكان لا يُغيّرُ شيبه (١).
قال محمّد بن عمر: والذى أُجْمِعَ عليه في قتل عمّار أنّه قُتل، ﵀، مع عليّ بن أبي طالب بصفّين في صفر سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، ودُفن هناك بصفّين، ﵀ ورضى عنه (٢).
* * *
стр. 1055
٧٧ - مُعتِّب بن عَوْف
ابن عامر بن الفضل بن عفيف، وهو الذي يُدْعى عَيْهامة بن كُليب بن حُبْشِيّة بن سَلول بن كَعْب بن عَمرو بن عامر من خُزاعة، هكذا نسبه محمّد بن إسحاق في كتابه (١)، وهو الذي يُقال له معتّب بن الحمراء ويكنى أبا عوف حليف لبنى مخزوم، وكان من مُهاجرة الحبشة في الهجرة الثانية في رواية محمّد بن إسحاق ومحمّد بن عمر، ولم يذكره موسى بن عقبة وأبو معشر فِيمَن هاجر إلى أرض الحبشة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عُمر بن عثمان عن أبيه قال: لمّا هاجر معتّب بن عوف من مكّة إلى المدينة نَزَلَ على مُبشّر بن عبد المنذر.
قالوا: آخَى رسول الله، ﷺ بين مُعتّب بن الحمراء وثَعلبة بن حاطِب، وشهد معتّب بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، ومات سنة سبع وخمسين وهو يومئذٍ ابن ثمانٍ وسبعين سنة. خمسة نفر (٢).
* * *
ومن بنى عديّ بن كعب بن لُؤيّ
٧٨ - عمر بن الخطّاب
﵁ وأرضاه، ابن نُفَيل بن عبد العُزّى بن رياح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزَاح (٣) بن عديّ بن كعب، ويكنى أبا حفص. وأمّه حَنْتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (٤).