الله، ﷺ ، وأصحابه. ولم يزل مع أبيه ملازمًا لرسول الله، ﷺ ، حتى قبضه الله تعالى. وتوفّي جعفر في وسطٍ من خلافة معاوية بن أبي سفيان.
* * *
٣٧٤ - الحارث بن نوفل
ابن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ، وأمّه ظريبة بنت سعيد بن القِشْب (١)، واسمه جُنْدب بن عبد الله بن رافع بن نضلة بن مِحْضَب بن صَعْب بن مُبَشّر بن دُهمان من الأزد. وكان للحارث بن نوفل من الولد عبد الله بن الحارث ولقّبه أهلُ البصرة ببّة واصطلحوا عليه أيّام ابن الزّبير فوَليَهم، ومحمّد الأكبر ابن الحارث، وربيعة وعبد الرحمن ورملة وأمّ الزّبير، وهي أمّ المغيرة، وظُرَيْبَة (٢) وأمّهم هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أُميّة بن عبد شمس، وعتبة ومحمد الأصغر والحارث بن الحارث ورَيْطة وأمّ الحارث وأمّهم أمّ عمرو بنت المطّلب بن أبي وَدَاعَة بن صُبَيْرَة (٣) السّهْميّ، وسعيد بن الحارث لأمّ ولد.
وكان الحارث بن نوفل رجلًا على عهد رسول الله، ﷺ ، وصحب رسول الله، ﷺ ، وروى عنه وأسلم عند إسلام أبيه، ووُلد له ابنُه عبد الله بن الحارث على عهد رسول الله، ﷺ ، وأتى به رسولَ الله، ﷺ ، فحنّكه ودعا له. واستعمل رسول الله، ﷺ ، الحارث بن نوفل على بعض أعمال مكّة ثمّ ولّاه أبو بكر وعمر وعثمان مكّة.
قال: أخبرنا حفص بن عمر البَصْريّ الحَوْضيّ قال: حدّثنا همّام بن يحيَى قال: حدّثنا ليث عن علْقَمة بن مَرْثَد عن عبد الله بن الحارث عن أبيه أنّ رسول الله، ﷺ ،
стр. 1437
علّمهم الصّلاة على الميّت: اللهمّ اغْفر لأحيائنا ولأمواتنا وأصْلِحْ ذاتَ بَيْنِنا وألّفْ بين قلوبنا، اللهمّ عبدك فلان بن فلان لا نعلم إلّا خيرًا وأنت أعلم به فاغفر لنا وله، فقلتُ وأنا أصغر القوم: فإن لم أعلم خيرًا؟ فقال: لا تقل إلا ما تعلم.
قال: أخبرنا عليّ بن عيسى عن أبيه قال: انتقل الحارث بن نوفل إلى البصرة واختطّ بها دارًا ونزلها في ولاية عبد الله بن عامر بن كُريز ومات بالبصرة في آخر خلافة عثمان بن عفّان.
* * *
٣٧٥ - عبد المطّلب بن ربيعة
ابن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ، وأمّه أمّ الحكم بنت الزبير بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ. وكان لعبد المطّلب بن ربيعة من الولد محمّد وأمّه أمّ البنين بنت حُمْرَة (١) بن مالك بن سعد بن حُمْرَة بن مالك، وهو أبو شُعيرة بن مُنَبّه بن سلمة بن مالك بن عُذَر (٢) بن سعد بن دافع بن مالك بن جُشَم بن حَاشِد بن جُشَم بن الخَيْوان (٣) بن نَوْف بن هَمْدان، وهي أخْت قيس بن حُمْرَة. وكان حُمْرَة بن مالك هذا في شهود الحَكَمَينِ مع معاوية بن أبي سفيان.
قال هشام بن محمّد بن السائب: فأخبرني أبي أنّ حُمْرَة بن مالك هاجر من اليمن إلى الشأم في أربعمائة عبدٍ فأعتقهم فانتسبوا جميعًا إلى هَمْدان بالشأم فلذلك كره أهلُ العراق أن يزوّجوا أهل الشأم لكثرة دَغَلِهم ومَن انتمى إليهم من غيرهم. وأروى بنت عبد المطّلب بن ربيعة وأمّها بنت عُمير بن مازن.
стр. 1438
قال هشام: وقد أدرك أبي محمدُ بن السائب محمّدَ بن عبد المطّلب وروى عنه، وقد روى عبد المطّلب بن ربيعة عن رسول الله، ﷺ ، وكان رجلًا على عهده.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب أنّه أخبره أنّ عبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب أخبره أنّه اجتمع ربيعة بن الحارث وعبّاس بن عبد المطّلب فقالا: والله لو بَعَثْنا هذين الغُلامينِ، قال لي وللفضل (١) بن عبّاس إلى رسول الله، ﷺ ، فأمّرَهما على هذه الصدقات فأدّيا ما يؤدّي الناس وأصابا ما يصيب الناس من المنفعة. قال فبينا هما في ذلك إذ جاء عليّ بن أبي طالب، ﵇، فقال: ماذا تريدان؟ فأخبراه بالذي أرادا، فقال: لا تفعلا فوالله ما هو بفاعل. فقالا: لم تصنع هذا! فما هذا منك إلا نفاسةً علينا، فوالله لقَد صَحِبتَ رسولَ الله، ﷺ ، ونِلْتَ صِهْرَه فما نَفِسْنا ذلك عليك. قال فقال: أنا أبو حسن أرْسِلوهما، ثمّ اضطجع، فلمّا صلّى رسول الله، ﷺ ، الظّهْرَ سَبَقْنَاه إلى الحُجْرة فقُمْنا عندها حتى مرّ بنا فأخذ بآذاننا ثمّ قال: أَخْرِجا ما تُصَرِّرَان (٢)، ودخل فدخلنا معه وهو حينئذٍ في بيت زيْنَب بنت جحش، قال فكلّمْناه فقلنا: يا رسول الله جئناك لتُؤمّرَنا على هذه الصّدقات فنُصيبَ ما يصيب الناس من المنفعة ونُؤدّي (إليك) (٣) ما يؤدّي الناس.
قال فسكت رسول الله، ﷺ ، ورفع رأسه إلى سَقْف البيت حتى أردنا أن نكلّمه، قال فأشارت إلينا زينب من وراء حِجابها كأنّها تَنْهَانا عن كلامه، وأقبل فقال: ألا إنّ الصدقة لا تنبغي لمحمّد ولا لآل محمّد فإنّما هي من أوساخ الناس، ادعوا إِليّ مَحْمِيَةَ بن جَزْء، وكان على العشور، وأبا سفيان بن الحارث. قال فأتياه
стр. 1439
فقال لمَحْمِيَةَ: أنْكِحْ هذا الغلامَ ابنتك للفضل، فأنكحه، وقال لأبي سفيان: أنْكِحْ هذا الغلامَ ابنتَك، فأنْكَحَني، ثمّ قال لمَحْمِيَةَ: أصْدِقْ عنهما من الخُمُسِ.
قال: حدّثنا محمّد بن عمر وعليّ بن عيسى بن عبد الله النوفليّ: ولم يزل عبد المطّلب بن ربيعة بالمدينة إلى زمن عمر بن الخطّاب ثمّ تحوّل إلى دمشق فنزلها وابتنى بها دارًا وهلك بدمشق في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأوصى إلى يزيد بن معاوية فقبل وصيته.
* * *
٣٧٦ - عُتْبَة بن أَبي لَهَب
واسم أبي لهب عبد العُزّى بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ، وَأمّه أمّ جميل بنت حرب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ. وكان لعتبة من الولد: أبو عليّ وأبو الهيثم وأبو غليظ وأمّهم عُتْبة بنت عوف بن عبد مناف بن الحارث بن مُنْقِذ بن عمرو بن مَعيص بن عامر بن لُؤيّ، وعمرو ويزيد وأبو خِداش وعبّاس وميمونة وأمّهم أمّ العبّاس بنت شَراحيل بن أوس بن حبيب بن الوجيه من حِمْيَر، ثمّ من ذي الكلاع، سبيّة في الجاهليّة، وعبيد الله ومحمّد وشيبة، درجوا، وأمّ عبد الله وأمّهم أمّ عِكْرِمة بنت خليفة بن قيس من الجَدَرة من الأزد وهم حلفاء في بني الدِّيل بن بكر، وعامر بن عُتبة وأمّه هالة الأحمريّة من بني الأحمر بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وأبو واثلة بن عتبة وأمّه من خولان، وعبيد بن عُتبة لأمّ ولد، وإسحاق بن عتبة لأمّ ولد سوداء، وأمّ عبد الله بنت عتبة وأمّها خولة أمّ ولد.
قال: أخبرنا عليّ بن عيسى بن عبد الله النوفليّ عن حمزة بن عتبة بن إبراهيم اللَّهَبيّ قال: حدّثنا إبراهيم بن عامر بن أبي سفيان بن معتّب وغيره من مشيختنا الهاشميّين عن ابن عبّاس عن أبيه العبّاس بن عبد المطّلب قال: لما قَدِمَ رسول الله،
стр. 1440
- ﷺ ، مكّة في الفتح قال لي: يا عبّاس أين ابنا أخيك عتبة ومُعتّب لا أراهما؟ قال قلتُ: يا رسول الله تنحّيا فيمن تنحّى من مُشْرِكي قريش، فقال لي: اذْهب إليهما وأتنى بهما. قال العبّاس: فركبتُ إليهما بعُرَنَة فأتيتُهما فقلتُ إنّ رسول الله، ﷺ ، يدعوكما. فركبا معي سَرِيعَيْن حتى قدما على رسول الله، ﷺ ، فدعاهما إلى الإسلام فأسلما وبايعا، ثمّ قام رسول الله، ﷺ ، فأخذ بأيديهما وانطلق بهما يمشي بينهما حتى أتى بهما المُلْتَزِم وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود فدعا ساعة ثمّ انصرف والسرور يُرى في وجهه. قال العبّاس فقلتُ له: سرّك الله يا رسول الله فإنّي أرى في وجهك السرورَ، فقال النبيّ، ﷺ : نعم إني استوهبتُ ابْنيْ عمّي هذين ربّي فوهبهما لي.
قال حمزة بن عتبة: فخرجا معه في فَوْره ذلك إلى حُنين فشهدا غزوة حُنين وثبتا مع رسول الله، ﷺ ، يومئذ فيمن ثبت من أهل بيته وأصحابه، وأصيبت عين معتّب يومئذٍ، ولم يُقِمْ أحد من بني هاشم من الرّجال بمكّة بعد أن فُتحت غير عتبة ومعتّب ابني أبي لهب.
* * *
٣٧٧ - مُعَتِّب بن أبي لَهَب
ابن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ، وأمّه أمّ جميل بنت حرب بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ. وكان لمعتّب من الولد عبد الله ومحمد وأبو سفيان وموسى وعُبيد الله وسعيد وخالدة وأمّهم عاتكة بنت أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب وأمّها أمّ عمرو بنت المقوّم بن عبد المطّلب بن هاشم، وأبو مسلم ومسلم وعبّاس بنو معتّب لأمّهات أولاد شتّى، وعبد الرحمن بن معتّب وأمّه مِن حِمْيَر. وقد كتبنا قصّة معتّب بن أبي لهب في إسلامه مع قصة أخيه عتبة بن أبي لهب.
* * *
стр. 1441
٣٧٨ - أُسامةُ الحِبُّ بن زيد
ابن حارثة بن شَراحيل بن عبد العُزّى بن امرئ القيس بن عامر بن النّعْمان بن عامر بن عبد وُدّ بن عوف بن كنانة بن عوف بن عُذْرة بن زيد اللّات بن رُفيدة بن ثَوْر بن كلب (١). وهو حِبّ رسول الله، ﷺ ، ويُكنى أبا محمّد، وأمّه أمّ أيْمَنَ واسمها بَرَكَةُ حاضنةُ رسول الله، ﷺ ، ومولاته. وكان زيد بن حارثة في رواية بعض أهل العلم أوّلَ الناس إسلامًا ولم يفارق رسول الله، ﷺ ، ووُلدَ له أسامة بمكّة ونشأ حتى أدرك ولم يعرف إلا الإسلام لله تعالى ولم يَدِنْ بغيره. وهاجر مع رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة، وكان رسول الله يُحِبّه حُبًّا شديدًا، وكان عنده كبعض أهله.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم وهاشم بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ ويحيَى بن عبّاد قالوا: أخبرنا شريك عن العبّاس بن ذَريح، يعني عن البَهيّ، عن عائشة قالت: عثر أسامة على عَتَبَة الباب أو أسْكُفّةِ الباب فشجّ جَبْهَتهُ فقال: يا عائشة أميطي عنه الدم، فتقذّرتْه، قالت فجعل رسول الله، ﷺ ، يَمُصّ شَجّتَه ويمُجّه ويقول: لو كان أُسامة جاريةً لكسوتُه وحَلّيْتُه حتى أُنْفِقَهُ (٢).
قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: حدّثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدّثنا أبو السّفَر قال: بينما رسول الله، ﷺ ، جالس هو وعائشة وأُسامة عندهم إذ نظر رسول الله، ﷺ ، في وجه أُسامة فضحك ثمّ قال رسول الله، ﷺ : لو أنّ أُسامة جارية لحَلَّيْتُها وزيّنتُها حتى أُنْفِقَها.
قال: أخبرنا هَوْذة بن خليفة قال: حدّثنا سليمان التيميّ عن أبي عثمان النهديّ عن أسامة بن زيد قال: كان رسول الله، ﷺ ، يأخذني والحسنَ يقول: اللهمّ إني أحبّهما فأحبّهما (٣).
стр. 1442
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدّثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن أسامة أنّ رسول الله، ﷺ ، كان يأخذني والحسن بن عليّ ثمّ يقول: اللهمّ أحبّهما فإني أحبّهما.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدّثني معتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعتُ أبا تميمة يحدّث عن أبي عثمان النّهْدي يحدّثه أبو عثمان عن أُسامة بن زيد قال: كان نبيّ الله، ﷺ ، يأخذني فيُقعدني على فخذه ويُقْعِدُ الحسن بن عليّ على فخذه الأخرى ثمّ يضمّنا ثمّ يقول: اللهمّ ارحمهما فإني أرْحَمُهما.
قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحِمْيَريّ قال: حدّثنا سفيان بن عُيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أنّ النبيّ، ﷺ ، حين بلغه أنّ الراية صارت إلى خالد بن الوليد قال النبيّ، ﷺ ، فهَلا إلى رجل قُتِل أبوه، يعني أسامة بن زيد.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: قام أسامة بن زيد بعد قتل أبيه بين يدي رسول الله، ﷺ ، فدمعت عيناه ثمّ جاء من الغد فقام مقامه بالأمس فقال له النبيّ، ﷺ ، ألاقى منك اليوم ما لاقيتُ منك أمْس.
قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة عن الزهريّ عن عروة عن عائشة قالت: دخل مُجزّز المُدْلجيّ على رسول الله، ﷺ ، فرأى أسامة وزيدًا عليهما قطيفة قد غطّيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إنّ هذه الأقدام بعضُها من بعض، قالت فدخل عليّ رسول الله، ﷺ ، مسرورًا. قال سفيان: وحدّثونا عن الزهريّ أنّه قال: تَبْرُقُ أسارير وجهه.
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ قال: حدّثنا اللّيث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله، ﷺ ، مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: أَلَمْ تَرَيْ أنَّ مجزّزًا أبصر آنفًا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إنّ بعض هذه الأقدام لَمِن بعض (١)؟ قال محمد بن سعد: قال غير هشام أبي الوليد: فسُرّ رسول الله، ﷺ ، أنْ يُشْبِهَ أسامةُ زيدًا.
стр. 1443
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنّ رسول الله، ﷺ ، أخّرَ الإفاضة من عرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره، فجاء غلام أفطس أسود فقال أهل اليمن: إنّما حُبِسْنا من أجل هذا، قال فلذلك كفر أهل اليمن من أجل ذا. قال محمد بن سعد: قلتُ ليزيد بن هارون ما يعني بقوله كفر أهل اليمن من أجل هذا؟ فقال: ردّتهم حين ارتدّوا في زمن أبي بكر إنّما كانت لاستخفافهم بأمر النبيّ، ﷺ .
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عبّاس عن أُسامة بن زيد أنّ رسول الله، ﷺ ، أفاض من عَرَفَةَ وهو رديف النبيّ، ﷺ ، وهو يَكْبَحُ راحلتَه حتى إنّ ذِفْراها ليكاد يُصيب قادمةَ الرّحْل، وربّما قال حمّاد: لَيمسّ قادمةَ الرحل، ويقول: يا أيّها الناس عليكم السكينة والوقار فإنّ البرّ ليس في إيضاع الإبل.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عليّ بن زيد عن يوسف بن مِهْران عن ابن عبّاس قال: جاءنا رسول الله، ﷺ ، ورديفه أُسامة بن زيد فسقيناه من هذا النبيذ فشرب ثمّ قال: أحْسَنْتُم فهكذا فاصنعوا.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا همّام بن يحيَى قال: حدّثنا قتادة قال: حدّثني عُرْوة أنّ عامرًا الشعبيّ حدّثه أنّ أُسامة قال: إنّه كان رِدْفَ النبيّ، ﷺ ، عشيّة عرفة فلمّا أفاض لم ترفع راحلتُه رِجلها عاديةً حتى بلغ جَمْعًا.
قال: أخبرنا يحيَى بن عبّاد قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن أيّوب عن نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ، ﷺ ، دخل مكّة يوم الفتحِ ورديفه أُسامة بن زيد فأناخ في ظلّ الكعبة، قال ابن عمر: فسبقتُ الناس فدخل النبيّ، ﷺ ، وبلال وأسامة الكعبة فقلتُ لبلال وهو وراء الباب: أين صلّى رسول الله، ﷺ ؟ قال: بحيالك بين السارِيَتَين.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عَمْرو أبو عامر العَقَديّ (١) وموسى بن مسعود
стр. 1444
وأبو حُذيفة النّهْديّ قالوا: حدّثنا زهير بن محمّد عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل عن ابن أُسامة بن زيد عن أسامة بن زيد قال: كساني رسول الله، ﷺ ، قِبْطِيّةً كثيفةً كانت ممّا أهدى دِحْيَةُ الكلبيّ فكسوتُها امرأتي فقال لي رسول الله، ﷺ : ما لك لم تلبس القبطيّة؟ قال: قلتُ يا رسول الله كسوتُها امرأتي، قال فقال النبيّ، ﷺ : مُرها فَلْتَجْعَلْ تحتها غِلالةً، إني أخاف أن تَصِفَ حَجْمَ عِظامها.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ قال: حدّثنا عُبيد الله بن عمر عن ابن عقيل عن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن النبيّ، ﷺ ، مثله.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ قال: حدّثنا ليث بن سعد قال: حدّثني عبيد الله بن المغيرة أنّ حَكيم بن حزام أهدى إلى رسول الله، ﷺ ، حُلّةً كانت لذي يَزَن، وهو يومئذٍ مشرك، اشتراها بخمسين دينارًا، فقال رسول الله: إنّا لا نقبل من مشرك ولكن إذ بعثتَ بها فنحن نأخذها بالثمن، بكَمْ أخَذْتَها؟ قال: بخمسين دينارًا، قال فقبضها رسول الله، ﷺ ، ثمّ لبسها رسول الله، ﷺ ، وجلس على المنبر للجمعة، ثم نزل رسول الله، ﷺ ، فكسا الحُلّة أسامة بن زيد.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس قال: وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس وخالد بن مخلد قال: حدّثنا سليمان بن بلال قال: وأخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قَعْنَبٍ قال: حدّثنا عبد العزيز بن مسلم جميعًا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسول الله، ﷺ ، بَعْثًا وأمّر عليهم أسامة بن زيد فطعن بعض الناس في إمارته فقال رسول الله، ﷺ : إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وايْم الله إنْ كان لَخَلِيقًا للإمارة وإن كان لَمِنْ أحَبّ الناس إليّ وإِنّ هذا لَمِنْ أحبّ الناس إليّ بعده (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قال: وأخبرنا المعلّى بن أسد قال: حدّثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدّثنا موسى بن عقبة قال: حدّثني سالم عن أبيه أنّه كان يسمعه يحدّث عن رسول الله، ﷺ ، حين أمّر
стр. 1445
أسامة فبلغه أنّ الناس عابوا أُسامة وطعنوا في إمارته، فقام رسول الله، ﷺ ، في النّاس فقال كما حدّثني سالم: ألا إنّكم تعيبون أُسامة وتطعنون في إمارته وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل وإن كان لخليقًا للإمارة وإن كان لأحبّ الناس كلّهم إليّ، وإنّ ابنه هذا من بعده لأحبّ الناس إليّ فاستوصوا به خيرًا فإنّه من خياركم. قال سالم: ما سمعتُ عبد الله يحدّث هذا الحديث قطّ إلا قال: ما حاشا فاطمةَ.
قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ قال: حدّثني صالح بن أَبي (١) الأخضر قال: حدّثنا الزّهْريّ عن عروة عن أُسامة بن زيد أنّ رسول الله، ﷺ ، وجّهه وَجْهًا فقُبضَ رسول الله، ﷺ ، قبل أن يتوجّه في ذلك الوجه واسْتُخْلِفَ أبو بكر. قال فقال أبو بكر لأسامة: ما الذي عهد إليك رسول الله؟ قال: عهد إليّ أن أُغيرَ على أُبْنى صباحًا ثمّ أخْرِقَ (٢).
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا العُمَريّ عن نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ، ﷺ ، بعث سريّةً فيهم أبو بكر وعمر فاستعمل عليهم أسامه بن زيد، وكان الناس طعنوا فيه، أي في صِغَره، فبلغ رسول الله، ﷺ ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنّ الناس قد طعنوا في إمارة أُسامة بن زيد وقد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله، وإنّهما لخليقان لها، أو كانا خَليقَين لذلك، فإنّه لَمِن أحب الناس إليّ وكان أبوه من أحبّ الناس إليّ إلا فاطمةَ، فأوصيكم بأسامة خيرًا.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا حَنَش قال: سمعتُ أبي يقول: استعمل النبيّ، ﷺ ، أُسامة بن زيد وهو ابن ثماني عشرة سنة.
قال: أخبرنا أبو أُسامة حمّاد بن أُسامة قال: حدّثنا هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: أمّر رسول الله، ﷺ ، أسامة بن زيد وأمره أن يُغير على أُبْنى من ساحل البحر.
стр. 1446
قال هشام: وكان رسول الله، ﷺ ، إذا أمّر الرجل أعلمه وندب الناس معه، قال فخرج معه سَرَواتُ الناس وخيارهم ومعه عمر، قال فطعن الناس في تأمير أُسامة. قال فخطب رسول الله، ﷺ ، فقال: وإنّ ناسًا طعنوا في تأميري أسامةَ كما طعنوا في تأميري أباه، وإنّه لخليق للإمارة وإنْ كان لأحبّ الناس إليّ من بعد أبيه، وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرًا.
قال: ومرض رسول الله، ﷺ ، فجعل يقول في مرضه: أنْفذوا جيشَ أسامة. أنْفذِوا جيشَ أسامة. قال فسار حتى بلغ الجُرْف فأرسلت إليه امرأتُه فاطمة بنت قيس فقالت: لا تعجل فإنّ رسول الله، ﷺ ، ثقيل. فلم يبرح حتى قُبِضَ رسول الله، ﷺ ، فلمّا قُبض رسول الله، ﷺ ، رجع إلى أبي بكر فقال: إنّ رسول الله بعثني وأنا على غير حالكم هذه وأنا أتخوّف أن تكفر العرب فإن كفرت كانوا أوّلَ مَن يقاتَل وإن لم تكفر مضيت فإنّ معي سروات الناس وخيارهم. قال فخطب أبو بكر الناسَ فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: والله لأن تَخْطَفَني الطير أحَبّ إليّ من أن أبدأ بشيء قَبْلَ أمر رسول الله، ﷺ ، قال فبعثه أبو بكر إلى آبِل واستأذن لعمر أن يتركه عنده، قال فأذن أُسامة لعمر: قال فأمره أبو بكر أن يَجْزِرَ في القوم، قال هشام بقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال حتى يُفْزِعَ القومَ. قال فمضى حتى أغار عليهم ثمّ أمرهم أن يعظّموا الجراحةَ حتى يُرْهبوهم. قال ثمّ رجعوا وقد سَلموا وقد غنموا. قال وكان عمر يقول: ما كنتُ لأجيءَ أحدًا بالإمارة غير أُسامة لأنَ رسول الله، ﷺ ، قُبض وهو أمير. قال فساروا فلمّا دنوا من الشأم أصابتهم ضبابة شديدة فسترهم الله بها حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم. قال فقُدِمَ بنَعْي رسول الله، ﷺ ، على هرقل وإغارة أُسامة في ناحية أرضه خبرًا واحدًا فقالت الروم: مَا بَالَى هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا.
قال عروة: فما رُئي جيش كان أسلم من ذلك الجيش.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حَمّاد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه بنَحْو حديث أبي أُسامة عن هشام وزاد في الجيش الّذي استعمله عليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح.
стр. 1447
قال: وكتَبَتْ إليه فاطمة بنت قيس: إنّ رسول الله، ﷺ ، قد ثقل وإني لا أدري ما يحدث فإن رأيتَ أن تُقيمَ فأقِمْ. فدوّم أُسامة بالجُرْف حتى مات رسول الله، ﷺ . قال وأمر أن يُعَظّمَ فيهم الجراح يجزل الرجل منهم جَزْلًا فكفرت العرب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني عبد الله بن يزيد بن قُسيط عن أبيه عن محمّد بن أُسامة بن زيد عن أبيه قال: بلغ النبيَّ، ﷺ ، قول الناس استعمل أُسامة بن زيد على المهاجرين والأنصار، فخرج رسول الله، ﷺ ، حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس أنْفِذُوا بَعْثَ أسامة فلعمري إن قُلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنّه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقًا لها. قال فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجُرف وتتامّ الناس إليه فخرجوا، وثقل رسول الله، ﷺ ، فأقام أُسامة والناس لينظروا ما الله قاضٍ في رسوله. قال أُسامة: فلمّا ثقل هبطتُ من عسكر وهبط النّاس معي وغُمي على رسول الله، ﷺ ، فلا يتكلّم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثمّ نصبها (١) إليّ فأعرف أنّه يدعو لي.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرْقان قال: حدّثنا الحضرميّ رجل من أهل اليمامة قال: بلغني أنَّ رسول الله، ﷺ ، بعث أسامة بن زيد، وكان يحبّه ويحبّ أباه قبله، بعثه على جيشٍ وكان ذلك من أوّل ما جُرّبَ أسامة في قتالٍ فلقى فقاتل فذُكر منه بأس. قال أُسامة: فأتيتُ النبيّ، ﷺ ، وقد أتاه البشير بالفتح فإذا هو متهلهل وَجْهه فأدناني منه ثمّ قال: حدّثني. فجعلتُ أُحدّثه فقلتُ: فلمّا انهزم القوم أدركتُ رجلًا وأهْوَيْتُ إليه بالرمح فقال لا إله إلا الله فطعنتُه فقتلتُه. فتغيّر وجه رسول الله، ﷺ ، وقال: ويحك يا أسامة، فكيف لك بلا إله إلّا الله؟ ويحك يا أسامة، فكيف لك بلا إله إلا الله؟ فلم يزل يردّدها عليّ حتى لوددتُ أني انسلختُ من كل عمل عملتُه واستقبلتُ الإسلام يومئذٍ جديدًا، فلا والله لا أقاتل أحدًا قال لا إله إلا الله بعدما سمعتُ رسول الله، ﷺ .
стр. 1448
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا أبو عَوانَة عن سليمان الأعمش عن إبراهيم التّيْمي عن أبيه قال: قال ذو البُطَيْن (١) أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلًا يقول لا إله إلّا الله أبدًا، فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلًا يقول لا إله إلا الله أبدًا، فقال لهما رجل: ألم يقل الله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٣]؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: كان أُسامة يأتي النبيّ، ﷺ ، في الشيء فيُشَفّعُه فيه فأتاه مرّة في حدّ فقال: يا أسامة لا تَشْفَعْ في حدّ.
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسيّ قال: حدّثنا لَيْث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنّ قريشًا أهمّهم شأنُ المرأة التي سرقت فقالوا: مَن يكلّم فيها رسول الله، ﷺ ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبّ رسول الله، ﷺ ؟ فكلّمه أُسامة فقال رسول الله، ﷺ : لِم تشفع في حدّ من حدود الله؟ ثمّ قام النبيّ، ﷺ ، فاختطب فقال: إنّما أهلك الذين من قبلكم أنّهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقَطعتُ يدها!
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب فضّل المهاجرين الأوّلين وأعطى أبناءهم دون ذلك، وفضّل أُسامة بن زيد على عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: فقال لي رجل فضّل عليك أميرُ المؤمنين مَن ليس بأقدم منك سنًّا ولا أفضل منك هِجْرةً ولا شهد من المشاهد ما لم تَشْهَدْ. قال عبد الله: وكلّمْتُه فقلتُ يا أمير المؤمنين فضّلتَ عليّ مَن ليس هو بأقدم مني سنًّا ولا أفضل مني هجرة ولا شهد من المشاهد ما لم أشْهَدْ. قال: ومَن هو؟ قلتُ: أُسامة بن زيد، قال: صدقتَ لَعَمْرُ الله! فعلتُ ذلك لأنّ زيد بن
стр. 1449
حارثة كان أحبّ إلى رسول الله، ﷺ ، من عمر، وأسامة بن زيد كان أحبّ إلى رسول الله، ﷺ ، من عبد الله بن عمر فلذلك فعلتُ.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد البَجَليّ قال: حدّثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: فرض عمر بن الخطّاب لأسامة بن زيد كما فرض للبدريّين أربعة آلاف، وفرض لي ثلاثة آلاف وخمسمائة فقلتُ: لِمَ فرضتَ لأسامة أكثر ممّا فرضتَ لي ولم يشهد مشهدًا إلا وقد شهدتُه؟ فقال: إنّه كان أحبّ إلى رسول الله، ﷺ ، منك وكان أبوه أحبّ إلى رسول الله، ﷺ ، من أبيك (١).
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا قرّة بن خالد قال: حدّثنا محمد بن سيرين قال: بلغتِ النخلةُ على عهد عثمان بن عفّان ألف درهم، قال: فعمد أُسامة إلى نخلة فنقرها وأخرج جُمّارَها فأطعمها أُمّه، فقالوا له: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إنّ أُمّي سألَتْنيه ولا تسألني شيئًا أقدر عليه إلا أعطيتُها.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان قال: سمعتُ يزيد بن الأصمّ يقول: كان لميمونة قريبٌ فرأتْه وقد أرخَى إزاره بطنه (٢) فلَامَتْه في ذلك ملامةً شديدةً فقال لها: إني قد رأيتُ أسامة بن زيد يُرْخي إزاره، قالت: كذبتَ ولكن كان ذا بطن فلعلّ إزاره كان يسترخي إلى أسفل بطنه.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العِجْليّ عن هشام الدّسْتَوائيّ عن يحيَى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم بن ثَوْبان أنّ مولىً لقُدامة بن مظعون حدّثه أنّ مولى لأسامة بن زيد حدّثه قال: كان أُسامة يركب إلى مالٍ له بوادي القُرى فيصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فقلتُ له: أتصوم في السفر وقد كَبُرْتَ ورققتَ! قال: رأيتُ رسول الله، ﷺ ، يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وقال إنّ الأعمال تُعْرَضُ يوم الاثنين ويوم الخميس (٣).
стр. 1450
قال: أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر قال: أخبرنا سفيان بن عُيينة عن عمر قال: أخبرني أبو جعفر محمّد بن عليّ قال: حدّثني حَرْمَلَة مولى أُسامة، قال عمر وقد رأيتُ حرملة قال: أرسلني أُسامة إلى عليّ فقال: اقْرَأهُ السّلامَ وقُلْ له إنّك لو كُنْتَ في شِدْق الأسد لأحببتُ أن أدْخُلَ معك فيه ولكنّ هذا أمر لم أره. قال فأتيتُ عليًّا فلم يُعْطِني شيئًا، فأتيتُ الحسن وابن جعفر فأوقرا لي راحلتي.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: تزوّج أُسامة بن زيد هندَ بنت الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ودرّة بنت عديّ بن قيس بن حُذافة بن سعد بن سهم فولدت له محمدًا وهندَ، وتزَوّج أيضًا فاطمة بنت قيس أخت الضّحاك بن قيس الفِهْريّ فولدت له جُبيرًا وزيدًا وعائشة، وتزوّج أمّ الحكم بنت عُتْبة بن أبي وقّاص وبنت أبي حَمْدان السّهْميّ، وتزوّج بَرزة بنت رِبْعيّ من بني عُذْرة ثمّ من بني رِزاح فولدت له حسنًا وحسينًا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا يعقوب بن عمر عن نافع العَدَويّ عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جَهْم قال: كان رسول الله، ﷺ ، يُحِبّ أُسامة بن زيد فلمّا بلغ وهو ابن أربع عشرة سنة تزوّج امرأة يقال لها زينب بنت حنظلة بن قُسامة فطلقها أُسامة فجعل رسول الله، ﷺ ، يقول: مَن أدُلّه على الوضيئة القَتِين (١) وأنا صهره؟ فجعل رسول الله، ﷺ ، ينظر إلى نُعيم بن عبد الله النحّام فقال نُعيم: كأنّك تُريدني يا رسول الله، قال: أجَلْ. فتزوّجها فولدت له إبراهيم بن نُعيم فقُتل إبراهيم يوم الحرّة.
قال محمد: والقَتِين القليلة الأكل. قال محمد بن عمر: لم يبلغ أولاد أُسامة من الرجال والنساء في كلِّ دهرٍ أكثر من عشرين إنسانًا، قال محمّد بن عمر: وقُبض النبيّ، ﷺ ، وأسامة ابن عشرين سنة. وكان قد سكن وادي القُرَى بعد النبيّ، ﷺ ، ثمّ نزل إلى المدينة فمات بالجُرْف في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان.
стр. 1451
قال: أخبرنا أنس بن عِياض أبو ضَمْرة عن يونس بن يزيد عن ابن شِهاب قال: حُمِلَ أُسامة بن زيد حين مات من الجُرْف إلى المدينة.
* * *
٣٧٩ - أبو رافع مولى رسول الله، ﷺ -
واسمه أسلم، وكان عبدًا للعبّاس بن عبد المطّلب فوهبه للنبيّ، ﷺ ، فلمّا بُشّرَ رسول الله، ﷺ ، بإسلام العبّاس أعتقه رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا رُوَيْم بن يزيد المُقْرِئ قال: حدّثنا هارون بن أبي عيسى وأخبرنا أحمد بن محمد بن أيّوب قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: حدّثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عبّاس عن عكرمة مولى ابن عبّاس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله، ﷺ : كنتُ غلامًا للعبّاس بن عبد المطّلب وكان الإسلام قد دخَلَنا أهلَ البيت فأسلم العبّاس وأسلمَتْ أمّ الفضل وأسلمتُ، وكان العبّاس يهاب قومَه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثيرٍ متفرّقٍ في قومه وكان أبو لَهَبٍ عدوًّا لله قد تخلّف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا لم يتخلّف رجل إلا بعث مكانَه رجلًا.
فلمّا جاء الخبرُ عن مُصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه وَوَجَدْنا في أنفسنا قوةً وعِزًّا، وكنتُ رجلًا ضعيفًا، وكنتُ أعمل الأقداح أنْحتُها في حُجْرة زمزم فوالله إنِّي لجَالس فيها أنحت أقداحي وعندي أمّ الفضل جالسة وقد سَرّنا ما كان من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرّ رجليه بشَرّ حتّى جلس على طُنُب الحجْرة وكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب قد قدم، قال: فقال أبو لهب: هلمّ إليّ يابن أخي فعندك لعمرى الخبرُ.
قال فجلس إليه والناس قِيام عليه فقال: يابن أخي أخْبِرْني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن هو إلّا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافَنا يقتلوننا
стр. 1452
كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا، وايْم الله مع ذلك ما لُمْتُ الناسَ، لقينا رجالًا بِيضًا على خيل بُلْق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئًا وما يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعتُ طنب الحجرة بيدي ثمّ قلتُ: تلك والله الملائكة.
قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربةً شديدةً فثاورتُه فاحتملني فضرب بي الأرض ثمّ برك عليّ يضربني، وكنتُ رجلًا ضعيفًا، فقامت أمّ الفضل إلى عَمُود من عُمُد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فَلَقَتْ في رأسه شَجَّةً مُنْكَرَةً وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيّده؟ فقام موليا ذليلًا فوالله ما عاش إلّا سبع ليالٍ حتى رماه الله بالعَدَسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلَتَيْن أو ثلاثًا ما يدفناه حتى أنْتَنَ في بيته.
وكانت قريش تتّقي العدسةَ وعَدْواها كما يتّقي الناس الطاعون، حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ألا تَسْتَحِيان؟ إنّ أباكما قد أنتن في بيته لا تُغَيّبَانه، قالا: إنّا نَخْشَى هذه القرحة، قال: انطلقا فأنا معكما. فما غسلوه إلّا قَذْفًا بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه ثمّ احتملوه فدفنوه بأعلى مكّة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه.
قالوا فلمّا كان بعد بدرٍ هاجر أبو رافع إلى المدينة وأقام مع رسول الله، ﷺ ، وشهد أُحُدًا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله، ﷺ ، وزوّجه رسول الله، ﷺ ، سَلْمى مولاته، وشهدت معه خَيْبَرَ وولدت لأبي رافع عبيدَ الله بن أبي رافع وكان كاتبًا لعليّ بن أبي طالب، ﵇.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا حمزة الزيات عن الحكم قال: بعث رسول الله، ﷺ ، أرقم بن أبي الأرقم ساعيًا على الصدقة فقال لأبي رافع: هل لك أن تُعينَني وأجعل لك سهم العاملين؟ فقال: حتى أذْكُرَ ذلك للنبيّ، ﷺ . فذكره للنبيّ، ﷺ ، فقال: يا أبا رافع إنَّا أهلُ بيتٍ لا تحلّ لنا الصدقة وإنّ مولى القوم من أنفسهم.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقَبيصة بن عقبة قالا: حدّثنا سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة الزّرَقيّ عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله، ﷺ : حَلِيفُنَا (١) منّا ومولانا منّا وابن أختنا منّا.
стр. 1453
قال محمد بن عمر: مات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بن عفّان، وله عقب.
* * *
٣٨٠ - سَلْمان الفارِسيّ
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدّثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير، يعني ابن عبد الله، والأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه أنّ سلمان كان يُكنى أبا عبد الله.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن عوف بن أبي عثمان النّهْديّ قال: قال لي سلمان أتعلم مكان رامَ هُرْمُزَ؟ قلتُ: نعم، قال: فإني من أهلها.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا سفيان عن عبيد أبي العلاء عن عامر بن واثلة عن سلمان قال: أنا من أهل جيّ.
(*) قال: أخبرنا يوسف بن البُهْلول قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قَتادة عن محمود بن لَبيد عن ابن عبّاس قال: حدّثني سلمان الفارسي حديثه من فيه قال: كنتُ رجلًا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جَيّ (١)، وكان أبي دِهْقَانَ أرضه، وكنتُ من أحبّ عباد الله إليه فما زال في حُبّه إيّايّ حتّى حَبَسَني في البيت كما تُحبس الجارية، قال فاجتهدتُ في المجوسيّة حتى كنتُ قاطن النار التي نوقدُها لا نتركها تخبو. وكانت لأبي ضيعة في بعض عمله وكان يعالج بُنْيانًا له في داره فدعاني فقال: أي بُنَيّ! إنّه قد شغلني بُنْياني كما ترى فانْطَلقْ إلى ضيعتي فلا تحتبس عليّ، فإنّك إن فعلتَ
стр. 1454
شَغلتَني عن كل ضيعة وكنتَ أهمّ عندي مما أنا فيه، فخرجتُ فمررتُ بكنيسة للنصارى فسمعتُ صلاتهم فيها فدخلتُ عليهم أنظر ما يصنعون فلم أزل عندهم، وأعجبني ما رأيتُ من صلاتهم وقلتُ في نفسي: هذا خير من ديننا الّذي نحن عليه. فما بَرحْتُهم حتى غابت الشمس وما ذهبتُ إلى ضيعة أبي ولا رجعتُ إليه حتى بَعَثَ الطّلَبَ في أثَري، وقد قلتُ للنصارى حين أعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشأم. قال ثمّ خرجتُ فرجعتُ إلى أبي فقال: أيْ بُنيّ أين كنتَ؟ قد كنتُ عهدتُ إليك وتقدّمتُ ألا تحتبس، قال قلتُ: إني مررتُ على ناسٍ يصلّون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيتُ من أمرهم وصلاتهم ورأيتُ أنّ دينهم خير من ديننا.
قال فقال لي: أَيْ بنيّ! دينك ودين آبائك خير من دينهم. قال قلتُ: كلّا والله! قال فخافني فجعل في رجلي حديدًا وحبسني، وأرسلتُ إلى النصارى أخبرهم أني قد رضيتُ أمرهم وقلتُ لهم: إذا قَدِمَ عليكم رَكْب من الشأم فآذنوني. فقدم عليهم ركب منهم من التجّار فأرسلوا إليّ فأرسلتُ إليهم: إن أرادوا الرّجوع فآذنوني. فلمّا أرادوا الرّجوع أرسلوا إليّ فرميتُ بالحديد من رجلي ثمّ خرجتُ فانطلقتُ معهم إلى الشأم.
فلمّا قدمتُ سألتُ عن عالمهم فقيل لي صاحب الكنيسة أُسْقُفهم، قال فأتيتُه فأخبرتُه خبرى وقلتُ: إني أُحبّ أن أكون معك أخدمك وأصلّي معك وأتعلّم منك فإنّي قد رغبتُ في دينك، قال: أقِمْ. فكنتُ معه، وكان رجل سَوْءٍ في دينه، وكان يأمرهم بالصدقة ويرغّبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه حتى جمع سبع قِلال دنانير ودراهم.
ثمّ مات فاجتمعوا ليدفنوه، قال قلتُ: تعلمون أنّ صاحبكم هذا كان رجل سَوء فأخبرتهم ما كان يصنع في صدقتهم، قال فقالوا: فما علامة ذلك؟ قال قلتُ: أنا أدلّكم على ذلك. فأخرجتُه فإذا سبع قِلال مملوءةٍ ذهبًا ووَرِقًا، فلمّا رأوها قالوا: والله لا نُغَيّبُه أبدًا. ثمّ صلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة وجاءوا بآخر فجعلوه مكانه.
стр. 1455
قال سلمان: فما رأيتُ رجلًا لا يصلّي الخَمْسَ كان خيرًا منه أعظم (١) رغبةً في الآخرة ولا أزهد في الدنيا ولا أدأب ليلًا ولا نهارًا منه، وأحببتُه حبًّا ما علمتُ أني أحببتُ شيئًا كان قبله. فلمّا حضره قَدَرُهُ قلتُ له: إنّه قد حضرك من أمْر الله ما ترى فماذا تأمرني وإلى مَن توصي بي؟
قال: أيْ بُنيّ ما أرى أحدًا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلًا بالموصل، فأمّا الناس فقد بدّلوا وهلكوا.
فلمّا توفّي أتيتُ صاحبَ الموصل فأخبرته بعهده إليّ أن ألحَقَ به وأكون معه، قال: أقِمْ. فأقمتُ معه ما شاء الله أن أقيمَ على مثل ما كان عليه صاحبه، ثمّ حضَرَتْه الوفاةُ فقلتُ: إنّه قد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى مَن توصي بي؟ قال: أي بُنيّ والله ما أعلم أحدًا على أمرنا إلا رجلًا بنَصيبين وهو فلان فالحَقْ به.
قال فأتيتُ على رجل على مثل ما كان عليه صاحباه فأخبرتُه خبري فأقمتُ معه ما شاء الله أن أقيم، فلمّا حضرته الوفاةُ قلتُ له: إنّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك، فإلى مَن توصي بي؟ قال: أي بنيّ، والله ما أعلم أحدًا من الناس على ما نحن عليه إلا رجلًا بعَمّورِيَة من أرض الروم فإن استطعتَ أن تلحق به فالحق.
فلمّا توفّي لحقتُ بصاحب عمّورية فأخبرتُه خبري وخبر من أوصى بي حتى انتهيتُ إليه فقال: أقِمْ، فأقمتُ عنده فوجدتُه على مثل ما كان عليه أصحابه، فمكثتُ عنده ما شاء الله أن أمكث وثاب لي شيء حتى اتّخذت بقرات وغُنيمةً، ثمّ حضرته الوفاة فقلتُ له: إلى من توصي بي؟ فقال لي: أي بني، والله ما أعلم أنه أصبح في الأرض أحدٌ على مثل ما كنّا عليه آمُرُكَ أن تأتيه، ولكنّه قد أظَلّك زمانُ نبيّ يُبْعَث بدين إبراهيم الحنيفيّة يخرج من أرض مُهاجَرِه وقَراره ذاتُ نخل بين حَرّتَينِ، فإن استطعتَ أن تخْلُصَ إليه فاخلص وإنّ به آياتٍ لا تخفى، إنّه لا يأكل الصدقة وهو يأكل الهديّة وإنّ بين كتفيه خاتم النبوّة إذا رأيتَه عرفتَه.
قال: ومات فمَرّ بي رَكْبٌ من كَلْبٍ فسألْتُهُم عن بلادهم فأخبروني عنها
стр. 1456
فقلت: أعْطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني حتى تَقْدَموا بي أرضَكم، قالوا: نعم. فاحتملوني حتى قدموا بي وادي القرى فظلموني فباعوني عبدًا من رجل من يهود فرأيتُ بها النخل، وطمعتُ أن تكون البلدة التي وُصِفَت لي وما حَقّت (١) لي ولكني قد طمِعْتُ حين رأيتُ النخل، فأقمتُ عنده حتى قدم رجل من يهود بني قُرَيْظَةَ فابتاعني منه ثمّ خرج بي حتى قدمتُ المدينة. فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرفتُها بصفة صاحبي وأيقنتُ أنّها هي البلدة التي وُصِفَتْ لي.
فأقمتُ عنده أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله، ﷺ ، وخَفِيَ عليّ أمره حتى قدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فوالله إني لفي رأس نخلة وصاحبي جالس تحتي إذ أقبل رجل من يهود من بني عمّه حتى وقف عليه فقال: أي فلان، قاتل الله بني قَيْلَةَ إنّهم آنفًا ليَتقاصفون (٢) على رجلٍ بقُباء قدم من مكّة يزعمون أنّه نبيّ.
قال فوالله إنْ هو إلا أن قالها فأخذَتْني العُرَواء (٣) فرجفَتِ النخلةُ حتى ظننتُ لأسقطنّ على صاحبي، ثمّ نزلتُ سريعًا أقول: ماذا تقول، ما هذا الخبر؟ قال فرفع سيّدي يده فلكمني لكمةً شديدةً ثمّ قال: ما لك ولهذا؟ أقْبِلْ على عملك. قلتُ: لا شيءَ إنّما أردتُ أن أسْتَثْبِتَهُ هذا الخبر الذي سمعتُه يذكر، قال: أقْبِلْ على شأنك. قال فأقبلتُ على عملي ولَهِيتُ منه (٤).
فلمّا أمسيتُ جمعتُ ما كان عندي ثمّ خرجتُ حتّى جئتُ إلى رسول الله، ﷺ ، وهو بقباء فدخلتُ عليه ومعه نفر من أصحابه فقلتُ: إنّه بلغني أنّك ليس بيدك شيء وأنّ معك أصحابًا لك، وأنّكم أهل حاجة وغُرْبة وقد كان عندي شيء وضعتُه للصدقة فلمّا ذُكر لي مكانُكم رأيتُكم أحقّ الناس به فجئتكم به، ثمّ وضعتُه
стр. 1457
له فقال رسول الله، ﷺ : كُلوا، وأمسك هو. قال قلتُ في نفسي: هذه والله واحدة.
ثمّ رجعتُ وتحوّل رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة وجمعتُ شيئًا ثمّ جئتُه فسلّمتُ عليه وقلتُ له: إني قد رأيتُك لا تأكل الصدقة وقد كان عندى شيء أُحبّ أن أكرمك به من هديّة أهديتُها كرامة لك ليست بصدقة. فأكل وأكل أصحابه. قال قلتُ في نفسي: هذه أخرى.
قال ثمّ رجعتُ فمكثتُ ما شاء الله ثمّ أتيتُه فوجدتُه في بَقيع الغَرقد قد تبع جنازةً وحوله أصحابه وعليه شَمْلتانِ مؤتزرًا بواحدة مُرْتَديًا بالأخْرى. قال فسلّمتُ عليه ثمّ عدلتُ لأنظر في ظهره فعرف أني أريد ذلك وأسْتَثْبِتُهُ، قال فقال بردائه فألقاه عن ظهره فنظرتُ إلى خاتم النبوّة كما وصف لي صاحبي. قال فأكببتُ عليه أُقبّلُ الخاتم من ظهره وأبكي. قال فقال: تحول عنك، فتحولتُ فجلستُ بين يديه فحدّثتُه حديثي كما حدّثتُك يابن عبّاس فأعجبه ذلك، وأحبّ أن يسمعه أصحابه.
ثمّ أسلمتُ وشغلني الرّقّ وما كنتُ فيه حتى فاتني بَدْرٌ وأُحُدٌ.
ثمّ قال لي رسول الله، ﷺ : كاتب. فسألتُ صاحبي ذلك فلم أزل حتى كاتبني على أن أُحُيِيَ له ثلاثمائة (١) نخلة وأربعين أوقية من وَرِق. ثمّ قال رسول الله، ﷺ : أعينوا أخاكم بالنخل، فأعانني كلّ رجل بقدره بالثلاثين والعشرين والخمس عشرة والعشر، ثمّ قال: يا سلمان اذهَبْ ففَقرْ (٢) لها فإذا أنت أردتَ أن تضعها فلا تضعها حتى تأتيَني فتُؤذِنَنِي فأكون أنا الذي أضعها بيدي.
فقمتُ في تفقيري فأعانني أصحابي حتى فَقّرنا شَرَبًا ثلاثمائة شَرَبَةٍ (٣)، وجاء
стр. 1458
كلّ رجل بما أعانني به من النخل، ثمّ جاء رسول الله فجعل يضعها بيده وجعل يسوّي عليها شربها ويبرّك حتى فرغ منها رسول الله جميعًا، فلا والذي نفس سلمان بيده ما ماتت منه وَديّة وَبَقيَت الدراهم. فبينا رسول الله، ﷺ ، ذاتَ يوم في أصحابه إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها من بعض المعادن فتصدّق بها إليه، فقال رسول الله، ﷺ : ما فعل الفارسيّ المسكين المُكَاتَبُ؟ (١) ادعوه لي. فدُعيتُ له فجئتُ فقال: اذهب بهذه فأدّها عنك ممّا عليك من المال. قال وقلت: وأين يقع هذا ممّا عليّ يا رسول الله؟ قال: إنّ الله سيؤدي عنك.
قال ابن إسحاق: فأخبرني يزيد بن أبي حبيب أنّه كان في هذا الحديث أنّ رسول الله، ﷺ ، وضعها يومئذٍ على لسانه ثم قلبها ثمّ قال لي: اذهب فأدّها عنك. ثمّ عاد حديثُ ابن عبّاس ويزيد أيضًا، قال سلمان: فوالذي نفسي بيده لوزنتُ له منها أربعين أوقيّة حتى وفّيتُه الذي له. وعَتَقَ سلمان وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله، ﷺ ، حُرًّا مسلمًا حتى قبضه الله.
قال: أخبرنا يوسف بن البُهْلول قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: حدّثنا محمّد بن إسحاق قال: حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجل من عبد القيس أنّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدّثني مَن حدّثه سلمان أنّه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله، ﷺ ، أنّ صاحب عَمّوريَةَ قال له: أرأيتَ رجلًا بكذا وكذا من أرض الشام بين غَيْضَتَيْنِ يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة في كلّ سنة ليلةً ثمّ يخرج مثلها من العام القابل ليلةً من السنة معلومةً فيتعرّضه الناسُ يداوي الأسقام يدعو لهم فيُشْفَوْنَ، فَأتِ فَسَلْه عن هذا الذي تلتمس. قال فجئتُ حتى أقمتُ مع الناس بين تلك الغيضتين.
فلمّا كان الليلة التي يخرج فيها من الغيضة إلى الغيضة التي يدخل، خرج وغلبوني عليه حتى دخل الغيضة الأخرى، وتوارى مني إلا منكبَه، فتناولتُه فأخذتُ بمنكبه فلم يلتفت إليّ وقال: ما لك؟ قلتُ: أسألك عن دين إبراهيم
стр. 1459
الحنيفيّة، قال: إنّك تسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليومَ، قد أظلّك نبيّ يخرج من عند هذا البيت يأتي بهذا الدين الذي تسأل عنه فالْحقْ به، ثمّ انصرفتُ. قال فقال رسول الله، ﷺ ، حين حدّثته بهذا الحديث: لئن كنتَ صدقتَني يا سلمان لقد لقيتَ عيسى بن مريم.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عليّ بن زيد عن أبي عثمان النّهْديّ عن سلمان قال: كاتبتُ أهلي على أن أغرس لهم خمسمائة فَسيلةٍ فإذا عَلِقَتْ فأنا حُرّ، فذكرتُ ذلك للنبيّ، ﷺ ، فقال: إذا أردتَ أن تغرس فآذِنِّي. قال فآذنتُه فغرس رسول الله، ﷺ ، بيده إلا واحدة غرستُها بيدي فعلِقْنَ جُمَعَ إلا الواحدةَ التي غرستُ.
قال: أخبرنا عُبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي قرّة الكِنْديّ عن سلمان الفارسيّ قال: كنتُ من أبناء أساورة فارسَ وكنتُ في كُتّابٍ، وكان معي غُلامان، فكانا إذا رجعا من عند معلّمهما أتيا قَسًّا فدخلا عليه فدخلتُ معهما فقال لهما: ألم أنْهَكما أن تأتياني بأحد؟ قال فجعلتُ أختلف إليه حتى كنتُ أحبّ إليه منهما فقال لي: إذا سألك أهلُك ما حبسك؟ فقُل معلّمي، وإذا سألك معلّمك ما حبسك؟ فقُلْ أهلي. ثمّ إنّه أراد أن يتحوّل فقلت: أنا أتحوّل معك، فتحوّلتُ معه فنزل قريةً فكانت امرأةٌ تأتيه، فلمّا حُضِرَ قال: يا سلمان احفر عند رأسي، فحفرتُ فاستخرجتُ جَرّةً من دراهم فقال لي: صُبّها على صدري، فصببتُها على صدره، ثمّ إنّه مات فهممتُ بالدراهم أن أحْويَها أو أحوّلهَا شكّ عبيد الله، ثمّ إني ذكرتُ فتركتها ثمّ آذنتُ القِسّيسين والرهبان به فحضروه فقلت: إنّه قد ترك مالًا. فقام شبابٌ في القرية فقالوا: هذا مال أبينا كانت سرّيّتُه تأتيه.
فأخذوه فقلتُ للرهبان: أخبروني برجلٍ عالم أتْبَعْه، فقالوا: ما نعلم اليوم في الأرض رجلًا أعلم من رجلٍ بحمْصَ. فانطلقتُ إليه فَلقيتُه فقصصتُ عليه القصّة فقال: وما جاء بك إلا طلب العلم، قال فإنّي لا أعلم اليوم في الأرض أحدًا أعلم من رجلٍ يأتي بيتَ المقدس كلّ سنة وإن انطلقتَ الآن وافقتَ حمارَه.
стр. 1460
قال فانطلقتُ فإذا بحماره على باب بيت المقدس فجلستُ عنده حتى خرج فقصصتُ عليه القصّة فقال: وما جاء بك إلا طلب العلم؟ قلتُ: نعم، قال: اجلس. فانطلق فلم أره حتى حال الحول فجاء فقلتُ: يا عبد الله ما صنعتَ بي؟ قال: وإنّك ها هنا؟ قلتُ: نعم، قال: فإني والله ما أعلم اليوم في الأرض رجلًا أعلم من رجلٍ خرج بأرض تَيْماء، وإن تنطق الآن توافقه، فيه ثلاث آيات: يأكل الهديّة، ولا يأكل الصدقة، وعند غُضْرُوف كتفه اليُمْنى خاتم النبوّة مثل بيضة الحمامة لونها لون جلده.
قال فانطلقتُ ترفعني أرضٌ وتَخْفِضُني أُخرى حتى مررتُ على قوم من الأعراب فاستعبدوني فباعوني فاشترتْني امرأة بالمدينة. فسمعتُهم يذكرون النبيّ، ﷺ ، وكان العيشُ عزيزًا فقلتُ لها: هَبي لي يومًا، فقالت: نعم فانطلقتُ فاحتطبتُ حطبًا فبِعْتُه فأتيتُ به النبيّ، ﷺ ، وكان يسيرًا، فوضعتُه بين يديه فقال: ما هذا؟ فقلتُ: صدقةٌ، فقال لأصحابه: كُلوا، ولم يأكل. قلتُ هذه من علامته. فمكثتُ ما شاء الله أن أمكث ثمّ قلتُ لمولاتي: هبي لي يومًا: قالت: نعم. فانطلقتُ فاحتطبتُ حطبًا فبِعْتُه بأكثر من ذلك وصنعتُ طعامًا فأتيتُ به النبيّ وهو جالس بين أصحابه فوضعتُه بين يديه فقال: ما هذا؟ قلتُ: هديّة. فوضع يده وقال لأصحابه: خذوا بسم الله. فقمتُ خلفه فوضع رداءه فإذا خاتم النبوّة فقلتُ: أشهد أنّك رسول الله، قال: وما ذاك؟ فحدّثتُه عن الرجل ثمّ قلتُ: أيَدْخُلُ الجنّة يا رسول الله؟ فإنّه حدّثني أنّك نبيّ. قال: لن يدخل الجنّة إلا نفس مُسْلِمَةٌ (*).
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ ، سلمان سابِقُ فارِسَ.
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك قال: حدّثني كثير بن عبد الله المُزَني عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله، ﷺ ، خطّ الخندق من أُجُمِ الشّيْخَينِ طرف بني حارثة عامَ ذُكرَتِ الأحزاب خِطّةً من المَذار فقطع لكلّ عشرةٍ أربعين ذراعًا فاحتجّ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلًا قويًّا، فقال
стр. 1461
المهاجرون: سلمان منّا، وقالت الأنصار: لا بل منّا، فقال رسول الله، ﷺ : سلمان منّا أهلّ البيت (١).
قال عمرو بن عوف: فدخلتُ أنا وسلمان وحُذيفة بن اليمان ونعمان بن مُقَرّن المُزني وستّة من الأنصار تحت أصل ذُباب فضربنا حتى بَلَغنا النّدى (٢) فأخرج الله صخرةً بيضاء مَرْوَةً من بطن الخندق فكسَرَتْ حديدَنا وشقّت علينا فقلتُ لسلمان: ارْقَ إلى رسول الله، ﷺ ، وهو ضارب عليه قُبّة تُرْكيّة، فرقى إليه سلمان فقال: يا رسول الله صخرة بيضاء خرجت من بطن الخندق فكسرَتْ حديدَنا وشقّتْ علينا فإمّا أن نَعْدِلَ عنها والمَعْدِلُ قريب أو تأمرنا فيها بأمرك فإنّا لا نحبّ أن نجاوز خطّك، فقال: أرِني مِعْوَلَك يا سلمان. فقبض معوله ثمّ هبط علينا فكنّا على شقّة الخندق فنزل رسول الله، ﷺ ، فَتَنَحَّى (٣) فضرب ضربة صدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابَتَيْها، فكبّر رسول الله، ﷺ ، تكبير فتح، فكبّرنا. ثمّ ضرب الثانية فبرق منها برقة أضاء ما بين لابَتَيْها حتى كأن مصباحًا في جوف بيتٍ مُظْلِمٍ، فكبّر رسول الله، ﷺ ، تكبير فتح فكبّرنا، ثمّ ضرب الثالثة فكسّرها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها فكبّر تكبير فتحٍ فكبّرنا.
ثمّ رقى حتى إذا كان في مَقْعَد سلمان قال سلمان: يا رسول الله لقد رأيتُ شيئًا ما رأيتُ مثله قطّ. فالتفتَ إلى القوم فقال: هل رأيتم؟ قالوا: نعم، بأبينا أنت وأمّنا يا رسول الله، رأيناك تضرب فخرج برق كالموج فتكبّر فنكبّر لا نرى ضياءً غير ذلك. قال: صدقتم، ضربتُ ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنّها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أنّ أُمتي ظاهرة عليها، ثمّ ضربتُ ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي معها قصور الحمر من أرض الروم كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أنّ أُمّتي ظاهرة عليها، ثمّ ضربتُ الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاء لي معها قصور صَنْعاء كأنّها أنياب
стр. 1462
الكلاب وأخبرني جبرائيل أنّ أمّتي ظاهرة عليها يبلغهم النصرُ فأبشروا، يُرَدّدُها ثلاثًا فاستبشر المسلمون وقالوا: موعودُ صادقٍ بارٍّ وعدنا (١) النّصْرَ بعد الحَصْرِ والفتوح، فتراءوا (٢) الأحزاب، فقال الله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب: ٢٢، ٢٣] إلى آخر الآية.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني سفيان بن عُيينة عن أيّوب عن ابن سيرين أنّ النبيّ، ﷺ ، آخى بين سلمان الفارسيّ وأبي الدّرْداء، وكذلك قال محمد بن إسحاق.
قال: أخبرنا أبو عامر العَقَديّ قال: أخبرنا شُعْبة عن سليمان بن المغيرة عن حُميد بن هلال قال: أُوخى بين سلمان وأبي الدرداء فسكن أبو الدرداء الشأم وسكن سلمان الكوفة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا سفيان بن عُيينة عن عاصم الأحول عن أنس قال: لمّا قَدِمَ رسول الله، ﷺ ، المدينة آخى بين سلمان وحُذيفة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الزّهْريّ أنّهما كانا يُنْكِران كلّ مُؤاخاة كانت بعد بدر ويقولان: قَطَعَتْ بَدر المواريثَ، وسلمان يومئذٍ في رقّ، وإنّما عَتَقَ بعد ذلك. وأوّل غزاة غزاها الخندق سنة خمسٍ من الهجرة.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: حدّثنا الأعمش عن أبي صالح قال: نزل سلمان على أبي الدرداء، وكان أبو الدرداء إذا أراد أن يصلّي منعه سلمان وإذا أراد أن يصومَ منعه، فقال: أتمنعني أن أصوم لربّي وأصلّي لربّي؟ قال: إنّ لعينك عليك حقًّا وإنّ لأهلك عليك حقًّا فصُمْ وأفْطِرْ وصَلّ ونَمْ. فبلغ ذلك رسولَ الله، ﷺ ، فقال: لقد أُشْبِعَ سلمانُ عِلْمًا.
стр. 1463
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا ابن عون عن محمد بن سيرين قال: دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعةٍ فقيل له هو نائم، قال: فقال ما له؟ قالوا: إنّه إذا كان ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة، قال: فأمرهم فصنعوا طعامًا في يوم جمعة ثمّ أتاهم فقال: كُلْ، قال: إنّي صائم. فلم يزل به حتى أكل، ثمّ أتيا النبيّ، ﷺ ، فذكرا له ذلك فقال النبيّ، ﷺ : عُوَيْمِرُ! سلمان أعْلَمُ منك، وهو يضرب على فخذ أبي الدّرداء، عويمر سلمان أعلم منك ثلاث مرّات، لا تَخُصّ ليلةَ الجمعة بقيام بين الليالي ولا تخصّ يوم الجمعة بصيام بين الأيّام (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عَوانة قال: حدّثنا قَتادَة أنّ سلمان أتى أبا الدرداء فشكَتْ إليه أمّ الدرداء أنّه يقوم الليل ويصوم النهار، فبات عنده فلمّا أراد القيام حبسه حتى نام، فلمّا أصبح صنع له طعامًا فلم يزل به حتى أفطر، فأتى أبو الدّرداء النبيّ، ﷺ ، فقال النبيّ: عُويمر سلمان أعلم منك، لا تُحَقْحِقْ (٢) فتُقْطَعَ ولا تَحْبِسْ فتُسْبَقَ، اقْصِدْ تُبْلِغْ سَيْرَ الرِكابات تَطَأ فيها البَرْدَيْنِ والخَفْقَتَينِ من الليل.
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا مِسْعَر عن عمرو بنِ مُرّة عن أبي البَخْتَريّ قال: سُئل عليّ عن سلمان فقال: أوتيَ العلمَ الأوّلَ والعلم الآخر، لا يُدرَكُ ما عنده.
قال: أخبرنا حجّاج بن محمّد عن ابن جُريج عن زاذان قال: سئل عليّ عن سلمان الفارسيّ فقال: ذاك امرؤ منّا وإلينا أهل البيت، مَنْ لكم بمثل لقمان الحكيم، عَلِمَ العلمَ الأوّل والعلم الآخر وقرأ الكتاب الأوّل وقرأ الكتاب الآخر وكان بحرًا لا يُنْزَفُ.
قال: أخبرنا حمّاد بن عمرو النصيبيني قال: حدّثنا زيد بن رُفيع عن معبد الجُهَني عن يزيد بن عَمِيرَة السّكْسَكيّ وكان تلميذًا لمعاذٍ أنّ مُعاذًا أمره أن يطلب العلم من أربعةٍ أحدهم سلمان الفارسي.
стр. 1464
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن الأعمش عن شِمْرِ (١) بن عَطيّة عن رجل من بني عامر عن خالٍ له أنّ سلمان لمّا قَدِمَ على عمر قال للناس: اخرجوا بنا نَتَلَقّ سلمانَ.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُمَيْع عن عمّار الدّهْني عن سالم بن أبي الجعد أنّ عمر جعل عطاء سلمان ستّة آلاف.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُمَيْع عن مالك بن عُمير قال: كان عطاء سلمان الفارسيّ أربعة آلاف.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا إسرائيل عن إسماعيل بن سُميع عن مسلم البَطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ عن مسلم البطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: حدّثنا أبو المليح عن ميمون قال: كان عطاء سلمان الفارسيّ أربعة آلاف وعطاء عبد الله بن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقلت: ما شأن هذا الفارسيّ في أربعة آلاف وابن أمير المؤمنين في ثلاثة آلاف وخمسمائة؟ قالوا: إنّ سلمان شهد مع رسول الله، ﷺ ، مشهدًا لم يشهده ابن عمر.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زُرارة الجَرْميّ قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: حدّثنا هشام بن حسّان عن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان على ثلاثين ألفًا من الناس يخطب في عباءة يفترش نِصْفَها ويلبس نصفها، وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سَفِيف يديه (٢).
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا يزيد بن مَرْدَانُبَة عن خليفة بن سعيد المُراديّ عن عمّه قال: رأيتُ سلمان الفارسيّ بالمدائن في بعض طرقها يمشي فزحمَتْه حِمْلةٌ من قصب فأوجعَتْه فتأخّر إلى صاحبها الذي يسوقها فأخذ بعضده فحرّكه ثمّ قال: لا مِتّ حتى تُدْرِكَ إمارةَ الشباب (٣).
стр. 1465
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا سلام بن مسكين عن ثابت أنّ سلمان كان أميرًا على المدائن وكان يخرج إلى النّاس في أنْدَرْوَرْد (١) وعبَاءة فإذا رأوه قالوا: كُرْك آمَذ كُرْك آمَذ (٢)، فيقول سلمان: ما يقولون؟ قالوا: يُشَبّهونك بلُعْبَةٍ لهم، فيقول سلمان: لا عليهم فإنّما الخير فيما بعد اليوم.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّيّ قال: حدّثنا أبو المليح عن حبيب بن أبي مرزوق عن هُذَيم (٣) قال: رأيتُ سلمان الفارسيّ على حمارٍ عُرْيٍ وعليه قميصٌ سُنْبُلانّي (٤) قصير ضيّق الأسفل، وكان رجلًا طويل الساقين كثير الشعر، وقد ارتفع القميص حتى بلغ قريبًا من رُكْبَتَيْه. قال ورأيتُ الصبيان يحضرون خلفه فقلتُ: ألا تَنَحّوْنَ عن الأمير؟ فقال: دَعْهم فإنّما الخير والشرّ فيما بعد اليوم (٥).
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن بُرْقان عن حبيب بن أبي مرزوق عن ميمون بن مهران عن رجل من عبد القيس قال: كنت مع سلمان الفارسيّ وهو أمير على سريّة فمرّ بفتيان من فتيان الجند فضحكوا وقالوا: هذا أميركم؟ فقلتُ: يا أبا عبد الله ألا ترى هؤلاء ما يقولون؟ قال: دَعْهم فإنّما الخير والشرّ فيما بعد اليوم، إن استطعتَ أن تأكلَ من التراب فكُلْ منه ولا تكونَنّ أميرًا على اثنين، واتّقِ دعوة المظلوم والمضطرّ فإنّها لا تُحْجَب.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا سَلام بن مسكين قال: حدّثنا ثابت قال: كان سلمان أميرًا على المدائن فجاء رجل من أهل الشأم من بني تيم الله معه حِمْل تين، وعلى سلمان أَنْدَرْوَرْد وعبَاءة، فقال لسلمان: تَعالَ احْمِلْ،
стр. 1466
وهو لا يعرف سلمان، فحمل سلمان فرآه الناس فعرفوه فقالوا: هذا الأمير، قال: لمْ أعرفك، فقال له سلمان: لا حتى أبْلُغَ منزلَك.
قال: أخبرنا وَهْب بن جرير بن حازم قال: حدّثنا أبي قال: سمعتُ شيخًا من بني عبس عن أبيه قال: أتيتُ السوقَ فاشتريتُ عَلَفًا بدرهم فرأيتُ سلمان ولا أعرفه فسخّرتُه فحملتُ عليه العلف، فمرّ بقوم فقالوا: نحمل عنك يا أبا عبد الله، فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذا سلمان صاحب رسول الله، ﷺ ، فقلتُ: لم أعرفك، ضَعْه عافاك الله، فأبَى حتى أتى به منزلي فقال: قد نويتُ فيه نيّةً فلا أضعه حتى أبلغ بيتَك (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم ورَوْح بن عُبادة قالا: حدّثنا حمّاد بن سَلَمَة عن خالد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن مَيْسَرَةَ أنّ سلمان كان إذا سجدت له العجم طأطأ رأسه وقال: خشعتُ لله (٢).
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن برقان قال: بلغني أنّه قيل لسلمان الفارسيّ: ما يُكْرِهُك الإمارة؟ قال: حلاوة رِضاعها ومرارة فِطامها (٣).
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن هشام بن الغاز (٤) عن عبادة بن نُسَيّ أنّ سلمان كان له حُبًى من عبَاءٍ وهو أمير الناس.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدّثنا مالك بن أنس أنّ سلمان الفارسيّ كان يستظلّ بالفَيءِ حيث ما دار ولم يكن له بيت، فقال له رجل: ألا نبني (٥) لك بيتًا تستظلّ به من الحرّ وتسكن فيه من البرد؟ فقال له سلمان: نعمْ فلمّا أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ فقال: أبنيه إن قمتَ فيه أصاب رأسك وإن اضطجعتَ فيه أصاب رِجْلَك، فقال سلمان: نعم (٦).
قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن داود الطيالسي ويحيَى بن عبّاد قالا: أخبرنا
стр. 1467
شعبة عن سِماك قال: سمعتُ النعمان بن حُميد يقول: دخلتُ مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص، فسمعتُه يقول: أشتري خوصًا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم فأعيد درهمًا فيه وأُنْفِقُ درهمًا على عيالي وأتصدّق بدرهم، ولو أنّ عمر بن الخطّاب نهاني عنه ما انتهيتُ (١).
قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: حدّثنا شعبة عن حبيب بن الشهيد عن عبد الله بن بُرَيْدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشيء اشترى به لحمًا ثمّ دعا المُجَذَّمِين (٢) فأكلوه معه.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا أبو الأحوص عن حُصين عن إبراهيم التّيْميّ قال: كان سلمان إذا وُضِعَ الطّعام بين يديه قال: الحمد لله الذي كفانا المئونةَ وأحسن الرّزق.
قال: أخبرنا الفضل بن دُكين قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التّيْميّ عن الحارث بن سُويد قال: كان سلمان إذا أكل قال: الحمد لله الذي كفانا المئونة وأوسع علينا في الرزق.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: حدّثنا شعبة، قال أبو إسحاق أنْبَأني قال: سمعتُ حارثة بن مُضَرّب قال: سمعتُ سلمان يقول إني لأَعُدُّ (٣) العُراقة على الخادم خَشْيَةَ الظّنّ.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ قال: حدّثنا سفيان عن أبي جعفر الفرّاء عن أبي ليلى الكنديّ قال: قال غلام سلمان: كاتِبْنِي، قال: ألَكَ شيءٌ؟ قال: لا، قال: فمن أين؟ قال: أسأل الناس، قال: تريد أن تُطْعِمَني غُسالة الناس.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسيّ قال: حدّثنا شعبة عن أبي جعفر قال:
стр. 1468
سمعتُ أبا ليلى قال: قال غلام لسلمان: كاتِبْنِي، قال: ألك مال؟ قال: لا، قال: أتأمرني أن آكلَ غُسالةَ أيدي الناس؟ قال وسُرِقَ عَلَفُ دابّته فقال لجاريته أو لغلامه: ولولا أني أخاف القِصاص لضربتُك.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قال: حدّثنا أيّوب عن أبي قلابة أنّ رجلًا دخل على سلمان وهو يعجن، قال فقال: أين الخادم؟ قال: بعثناها لحاجة فكرهنا أن نجمع عليها عَمَلَينِ، قال: إنّ فُلانًا يُقْرِئك السّلام، فقال له سلمان: منذ كم قدمتَ؟ قال: منذ ثلاثة أيام، قال: أما إنّك لو لم تُؤدّها لكانت أمانةً لم تُؤدّها.
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن حجّاج عن أبي إسحاق عن عمرو بن أبي قُرّة قال: قال سلمان لا نَؤمّكم في مساجدكم ولا نَنْكِحُ نساءكم، يعني العرب.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق وغيره قالوا: كان سلمان يقول لنفسه: سلمان بمِير، يقول: مُتْ.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدّثنا الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه قالوا: دخل سعد بن أبي وقّاص على سلمان يعوده، قال فبكى سلمان فقال له سعد: ما يُبْكيك يا أبا عبد الله؟ تُوفّي رسول الله، ﷺ ، وهو عنك راضٍ، وتلقى أصحابَك، وتَرِدُ عليه الحوْضَ. قال سلمان: والله ما أبكي جَزَعًا من الموت ولا حِرْصًا على الدنيا ولكنّ رسول الله، ﷺ عهد إلينا عهدًا فقال لتَكُنْ بُلْغَةُ أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب وحولى هذه الأساود، قال وإنّما حوله جَفْنَةٌ أو مَطْهَرَةٌ أو إجّانة، قال فقال له سعد: يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه بعدك، فقال: يا سعد اذكر الله عند همّك إذا هممتَ وعند حُكْمِك إذا حكمتَ وعند يدك إذا قسمتَ (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة قال: أخبرنا عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب أنّ سعد بن مسعود وسعد بن مالك دخلا على سلمان يعودانه فبكى فقالا له: ما يُبْكيك يا أبا عبد الله؟ قال: عَهْدٌ عهده إلينا رسول
стр. 1469
الله، ﷺ ، لم يحفظه منا أحد، قال: ليَكُنْ بلاغُ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب (١).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا جَبَلَة بن عطيّة عن رجاء بن حَيْوَةَ قال: قال أصحاب سلمان لسلمان: أوْصِنا، فقال: مَن استطاع منكم أن يموت حاجًّا أو معتمرًا أو غازيًا أو في ثقل (٢) الغُزَاة فَلْيَمُتْ، ولا يموتنّ أحدكم فاجرًا ولا خائنًا (٣).
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحَوْضيّ قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم قال: حدّثنا الحسن قال: وأخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا أبو الأشهب قال: حدّثنا الحسن قال: لمّا حُضِرَ سلمان الفارسيّ ونزل به الموت بكى فقيل له: ما يُبْكِيك؟ قال: أما والله ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الرّجْعة ولكن إنّما أبكي لأمر عهده إلينا رسول الله، ﷺ ، أخشى أن لا نكون حَفظْنا وصيّةَ نبيّنا، ﷺ ، إنّه قال لنا: ليَكُن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب.
قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا أبو الأشهب قال: حدّثنا الحسن قال: عاد الأميرُ سلمانَ في مرضه فقال له سلمان: أما أنت أيّها الأمير فاذكر الله عند همّك إذا هممتَ وعند لسانك إذا حكمتَ وعند يدك إذا قسمتَ، قُمْ عني، والأمير يومئذٍ سعد بن مالك.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدّثنا محمّد بن سُوقة عن الشعْبيّ قال: لمّا حضرت سلمان الوفاةُ قال لصاحبة منزله: هلمّي خبيّكِ الذي استخبأتُكِ، قالت: فجئتُه بصُرّة مِسْكٍ، قال فقال: ائتيني بقَدَحٍ فيه ماء، فنثر المسك فيه ثمّ ماثه (٤) بيده ثمّ قال: انْضِحيه حولي فإنّه يحضرني خلق من خلق الله يجدون
стр. 1470
الريح ولا يأكلون الطعام ثمّ اجْفَئي عَلَيّ الباب وانزلي، قالت ففعلتُ وجلستُ هُنيهةً فسمعتُ هَسْهَسَةً، قالت ثمّ صعدتُ فإذا هو قد مات (١).
قال: أخبرنا عبد الله بن نُمير عن الأجلح عن عامر الشّعْبيّ قال: أصاب سلمان صُرّةَ مسكٍ يومَ فُتِحَتْ جَلولاءُ فاستودعها امرأتَه، فلمّا حضرته الوفاةُ قال: هاتي هذه المِسكَةَ، فمرسها في ماء ثمّ قال: انْضِحيها حولي فإنّه يأتيني زُوّار الآن. قال ففعَلَت فلم يمكث بعد ذلك إلّا قليلًا حتّى قُبِضَ (٢).
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدّثنا شَيْبان عن فِراس عن الشّعْبيّ قال: حدّثني الجَزْل عن امرأة سلمان بُقيرة أنّه لما حضرته الوفاة، يعني سلمان، دعاني وهو في عُلّيّة له لها أربعة أبواب فقال: افتحي هذه الأبواب يا بُقيرة فإنّ لي اليوم زُوّارًا لا أدري من أيّ هذه الأبواب يدخلون عليّ. ثمّ دعا بمسكٍ له فقال: أديفيه في تَوْرٍ، ففعلتُ ثمّ قال: انضحيه حول فراشي ثمّ انزلي فامكثي فسوف تطّلعين فتَرَيْ على فراشي، فاطّلعتُ فإذا هو قد أُخِذَ روحه فكأنّما هو نائم على فراشه أو نحوًا (٣) من هذا.
قال: أخبرنا عارِم بن الفضل قال: حدّثنا حمّاد بن زيد قال: وأخبرنا المعلّى بن أسد قال: حدّثنا وُهيب بن خالد قالا: حدّثنا عطاء بن السائب أنّ سلمان حين حضرته الوفاةُ دعا بصُرّة من مسك كان أصابها من بَلَنْجَر فأمر بها أن تُدافَ وتُجْعَلَ حول فراشه، وقال: فإنّه يحضرني الليلةَ ملائكةٌ يجدون الريح ولا يأكلون الطعام.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيّب عن عبد الله بن سلام أنّ سلمان قال له: أيْ أُخَيّ، أيّنا مات قبل صاحبه فَلْيَتَرَاءَ له. قال عبد الله بن سلام: أوَ يكون ذلك؟ قال: نعم إنّ
стр. 1471
نَسَمَةَ المؤمن مخلَاةٌ تذهب في الأرض حيث شاءت ونسمة الكافر في سجْنٍ. فمات سلمان، فقال عبد الله: فبينما أنا ذاتَ يومٍ قائل بنصف النهار على سرير لي فأغْفَيْتُ إغْفاءةً إذ جاء سلمان فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقلتُ: السلام عليك ورحمة الله أبا عبد الله، كيف وجدتَ منزلَك؟ قال: خيرًا وعليك بالتوكّل فنِعْمَ الشيء التوكّل، وعليك بالتوكّل فنعم الشيء التوكّل، وعليك بالتوكّل فنِعْم الشيء التوكّل.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدّثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: حدّثني المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنّ سلمان مات قبل عبد الله بن سلام فرآه عبد الله بن سلام في المنام فقال له: كيف أنتَ أبا عبد الله؟ قال: بخير، قال: أي الأعمال وجدتَها أفضلَ؟ قال: وجدتُ التوكّل شيئًا عجيبًا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: تُوفّي سلمان الفارسيّ في خلافة عثمان بن عفّان بالمدائن.
* * *
стр. 1472
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف
٣٨١ - خالد بن سعيد بن العاص
ابن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ، وأمّه أمّ خالد بنت خَبّاب بن عبد ياليل بن ناشب بن غِيَرَة بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة (١). وكان لخالد بن سعيد من الولد سعيد، وُلد بأرض الحبشة، درج، وأمَةُ بنت خالد وُلدت بأرض الحبشة تزوّجها الزّبير بن العوّام فولدت له عَمرًا وخالدًا ثمّ خلف عليها سعيد بن العاص، وأمّهما هُمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بَيَاضة بن سُبَيع بن جُعْثُمَة بن سعد بن مُليح بن عَمْرو مِن خُزاعة. وليس لخالد بن سعيد اليومَ عقب.
قال محمد بن عمر قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن خالد بن الزبير عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال: كان إسلام خالد بن سعيد قديمًا وكان أوّل إخوته، أسلم وكان بدء إسلامه أنّه رأى في النّوم أنّه واقف على شفير النار فذكر من سَعَتها ما الله به أعلم، ويرى في النوء كأنّ أباه يدفعه فيها ويرى رسولَ الله آخذًا بحَقْوَيْه لا يقع ففزع من نومه فقال: أحلف بالله إنّ هذه لرؤيا حقّ (٢).
فلقي أبا بكر بن أبي قُحافة فذكر ذلك له فقال له أبو بكر: أريدَ بك خير، هذا رسول الله، ﷺ ، فاتْبَعْهُ فإنّك سَتَتْبَعُه وتدخل معه في الإسلام الذي يحجزك من أن تقع فيها، وأبوك واقعٌ فيها (٣).
فلقي رسولَ الله، ﷺ ، وهو بأجيْادَ فقال: يا محمّد إِلَامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى الله وحْدَه لا شريكَ له وأنّ محمَّدًا عبده ورسوله وخلعِ ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يُبْصِرُ ولا يضرّ ولا ينفَع ولا يدرى مَن عَبَدَه ممّن لم يعبده (٤).
стр. 1473
قال خالد: فإنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّك رسول الله. فسُرّ رسول الله بإسلامه، وتغيب خالد، وعلم أبوه بإسلامه فأرسل في طلبه مَن بقي من ولده ممّن لم يُسْلِمْ ورافعًا مولاه، فوجدوه فأتوا به إلى أبيه أبي أُحيحة فأنّبَه وبكّتَه وضربه بمِقْرَعَة في يده حتى كسرها على رأسه ثمّ قال: أتَبِعْتَ محمّدًا وأنتَ ترى خلافه قومَه وما جاء به من عَيْب آلهتهم وعَيْب مَن مضى من آبائهم؟ فقال خالد: قد صدق والله واتّبعتُه. فغضب أبو أُحيحة ونال من ابنه وشتمه، ثمّ قال اذهب يا لُكَعُ حيث شئتَ فوالله لأمنعنّك القوتَ (١).
فقال خالد: إن منعتَني فإنّ الله يرزقني ما أعيش به. فأخرجه وقال لبنيه: لا يكلّمه أحد منكم إلّا صنعتُ به ما صنعتُ به. فانصرف خالد إلى رسول الله، ﷺ ، فكان يلزمه ويكون معه (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا عبد الحكيم بن عبد الله بن أبي فروة قال: سمعتُ عبد الله بن عمرو بن سعيد بن العاص يحدّث عمرو بن شُعيب قال: كان إسلام خالد بن سعيد بن العاص ثالثًا أو رابعًا، وكان ذلك ورسول الله، ﷺ ، يدعو سرًّا، وكان يلزم رسول الله، ﷺ ، ويصلّي في نواحي مكّة خاليًا فبلغ ذلك أبا أُحيحة فدعاه فكلّمه أن يدع ما هو عليه فقال خالد: لا أدع دين محمّد حتى أموت عليه. فضربه أبو أُحيحة بقَرّاعة في يده حتى كسرها على رأسه ثمّ أمر به إلى الحبس وضيّق عليه وأجاعه وأعطشه حتى لقد مكث في حرّ مكّة ثلاثًا ما يذوق ماءً، فرأى خالد فُرْجةً فخرج فتغيّب عن أبيه في نواحي مكّة حتى حضر خروجُ أصحاب رسول الله، ﷺ ، إلى الحبشة في الهجرة الثانية، فلَهُوَ أوّلُ من خرج إليها.
قال: أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغر (٣) المكّيّ وأحمد بن محمّد بن الوليد
стр. 1474
الأزرقيّ قالا: حدّثنا عمرو بن يحيَى بن سعيد الأمويّ عن جدّه عن عمّه خالد بن سعيد أنّ سعيد بن العاص بن أُميّة مرض فقال: لئن رفعني الله من مَرَضي هذا لا يُعْبَدُ إلهُ ابن أبي كَبْشَةَ ببَطْنِ مكّة. فقال خالد بن سعيد عند ذلك: اللهمّ لا تَرْفَعْه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن خالد بن الزّبير بن العوّام عن إبراهيم بن عقبة قال: سمعت أمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص تقول: كان أبي خامسًا في الإسلام، قلتُ: فمن تقدّمه؟ قالت: ابن أبي طالب وابن أبي قُحافة وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقّاص، وأسلم أبي قبل الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة، وهاجر في المرّة الثانية فأقام بها بضع عشرة سنة، ووُلدتُ أنا بها، وقدم على النّبيّ، ﷺ ، بخَيْبَرَ سنة سبعٍ فكلّم رسولُ الله ﷺ ، المسلمين فأسهموا لنا، ثمّ رجعنا مع رسول الله، ﷺ ، إلى المدينة وأقمنا، وخرج أبي مع رسول الله في عمرة القضيّة، وغزا معه إلى الفتح هو وعمّي، تعني عَمرًا، وخرجا معه إلى تَبوك، وبعثَ رسول الله، ﷺ ، أبي عاملًا على صدقات اليمن فتُوفّي رسول الله، ﷺ ، وأبي باليمن (١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن خالد عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان قال: أقام خالد بعد أن قدم من أرض الحبشة مع رسول الله، ﷺ ، بالمدينة، وكان يكتب له، وهو الذي كتب كتاب أهل الطَّائف لوَفْد ثَقيف، وهو الذي مشى في الصّلْح بينهم وبين رسول الله، ﷺ .
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني إبراهيم بن جعفر عن أبيه قال: سمعتُ عمر بن عبد العزيز في خلافته يقول: تُوفّي رسول الله، ﷺ ، وخالد بن سعيد عامله على اليمن.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمد بن صالح قال: حدّثني موسى بن عمران بن منّاح قال: توفّي رسول الله، ﷺ ، وخالد بن سعيد عامله على صَدقات مَذْحِج.
стр. 1475
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني جعفر بن محمّد عن خالد بن الزّبير بن العوام عن إبراهيم بن عقبة عن أمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص قالت: خرج خالد بن سعيد إلى أرض الحبشة ومعه امرأته هُمينة بنت خلف بن أسعد الخُزاعيّة فولدت له هناك سعيدًا وأمّ خالد وهي أَمَةُ امرأة الزبير بن العوّام. وهكذا كان أبو معشر يقول: هُمينة بنت خلف، وأما في رواية موسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق فقالا: أمينة بنت خلف.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن خالد بن الزّبير بن العوّام عن إبراهيم بن عقبة قال: سمعتُ أمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص تقول: قدم أبي من اليمن إلى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر فقال لعليّ وعثمان: أرَضيتُم بني عبد مناف أن يَليَ هذا الأمرَ عليكم غيرُكم؟ فنقلها عمر إلى أبي بكر فلم يحملها أبو بكر على خالد وحملها عمر عليه. وأقام خالد ثلاثة أشهر لم يبايع أبا بكر (١).
ثمّ مرّ عليه أبو بكر بعد ذلك مُظْهِرًا (٢) وهو في داره فسلّم فقال له خالد: أتُحِبّ أن أُبايعَك؟ فقال أبو بكر: أحبّ أن تدخل في صالح ما دخل فيه المسلمون، قال: مَوْعِدُك العشيّةَ أُبايعك. فجاء وأبو بكر على المنبر فبايعه، وكان رأيُ أبي بكر فيه حسنًا، وكان مُعَظّمًا له (٣).
فلمّا بعث أبو بكر الجنودَ على الشأم عقد له على المسلمين وجاء باللواء إلى بيته، فكلّمَ عُمرُ أبا بكر وقال: تُولّي خالدًا وهو القائل ما قال؟ فلم يزل به حتى أرسل أبا أروى الدّوْسيّ فقال: إنّ خليفة رسول الله، ﷺ ، يقول لك ارْدُدْ إلينا لواءنا، فأخرجه فدفعه إليه وقال: والله ما سرّتْنا ولايتُكم ولا ساءنا عَزْلكم وإنّ المليمَ لَغيرُك. فما شعرتُ إلا بأبي بكر داخل على أبي يعتذر إليه ويعْزِمُ عليه ألا يذكر عمر بحرف، فوالله ما زال أبي يترحّم على عمر حتى مات (٤).