ابن عِكرمة أنّه أعطاهم ما بين المصباعة (١) إلى الزّجّ ولوابة، يعني لوابة الخرّار، وكتب خالد بن سعيد.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى مُسَيْلمَة الكذّاب، لعنه الله، يدعوه إلى الإسلام، وبعث به مع عَمرو بن أُمية الضَّمْرِيّ، فكتب إليه مُسيلمة جواب كتابه، ويذكر فيه أنّه نبيّ مثله، ويسأله أن يقاسمه الأرض، ويذكر أن قريشًا قوم لا يَعْدِلون، فكتب إليه رسول الله، ﷺ ، وقال: العَنوهُ لَعَنَهُ الله! وكتب إليه: بَلَغَني كِتابُكَ الكِذْبُ وَالافْتِرَاءُ على الله وَإنّ الأرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ والسّلامُ على مَنِ اتّبَعَ الهُدَى. قال: وبعث به مع السائب بن العوّام أخي الزبير بن العوّام (٢).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لسلمة بن مالك بن أبي عامر السّلمي من بني حارثة أنّه أعطاه مَدْفوّا (٣)، لا يحاقّه فيه أحد، ومن حاقّه فلا حقّ له وحقّه حقّ.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، للعبّاس بن مرداس السّلمي أنّه أعطاه مَدْفوّا، فمن حاقّه فلا حقّ له، وكتَب العلاء بن عقبة وشهد (٤).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لهوذة بن نُبيشة السلمي ثمّ من بني عُصيّة أنّه أعطاه ما حوى الجفر كلّه.
قالوا: وكتَب رسول الله، ﷺ ، للأجَبّ، رجل من بني سليم، أنّه أعطاه فالسًا، وكتب الأرقم.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لراشد بن عبد السّلمي أنّه أعطاه غَلْوَتَيْن بسهم، وغلوةً بِحَجَرٍ برُهَاطٍ، لا يحاقّه فيها أحد، ومَنْ حاقّه فلا حقّ له وحقّه حقّ، وكتب خالد بن سعيد (٥).
стр. 282
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لحرام بن عوف من بني سليم أنّه أعطاه إذاما وما كان له من شَواق، لا يحلّ لأحد أن يظلمهم ولا يظلمون أحدًا، وكتب خالد بن سعيد (١).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ : بِسْمِ الله الرّحمَنِ الرّحِيمِ. هَذَا ما حَالَفَ عَلَيْهِ نُعَيْمُ بنُ مسعُودِ بن رُخَيْلَةَ الأشْجَعيّ، حالَفَهُ على النّصْرِ والنّصِيحَةِ ما كَانَ أُحُدٌ مَكَانَهُ مَا بَلّ بَحْرٌ صوفَةً وكتب عليّ.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ : بِسْم اللَّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. هذا كِتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسولِ اللهِ للزّبَيْرِ بنِ العَوّامِ أنّي أعْطَيْتُهُ شَوَاقَ أعْلاهُ وأسْفَلَهُ لا يُحاقّه فيهِ أحَدٌ وكتب عليّ.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لجميل بن رِزام (٢) العدوي أنّه أعطاه الرّمداء لا يحاقّه فيها أحد، وكتب عليّ.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لحصين بن نضلة الأسديّ أن له أرامًا وكسّة، لا يحاقّه فيها أحد، وكتب المغيرة بن شعبة.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لِبني غِفار أنهم من المسلمين لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وأن النبيّ عَقَدَ لهم ذمة الله وذمة رسوله على أموالهم وأنفسهم، ولهم النصر على مَن بَدَأهم بالظُّلم، وأن النبيّ إذا دَعَاهم لينصروه أجابوه وعليهم نَصره إلا مَن حارب في الدين، ما بَلَّ بحرٌ صُوفةً، وأن هذا الكتاب لا يحول دون إثم.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لبني ضمرة بن بكر بن عبد مَناة بن كِنانة أنهم آمِنون على أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصر على مَن دَهِمَهم بظلم، وعليهم نصر النبيّ، ﷺ ، ما بَلَّ بحرٌ صُوفةً، إلا أن يحاربوا في دين الله، وأنّ النبيّ إذا دعاهم أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله ورسوله، ولهم النصر على من بَرّ منهم واتَّقَى.
стр. 283
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى الهلال صاحب البحرين: سِلْمٌ أنْتَ فَإنّي أحْمَدُ إلَيْكَ الله الّذي لا إلَهَ إلّا هُوَ لا شَريكَ لَهُ وأدْعُوكَ إلى اللَّهِ وَحْدَهُ تُؤمِنُ بالله وتُطِيعُ وَتَدْخُلُ في الجَماعَةِ فإنّهُ خَيْرٌ لكَ والسّلامُ عَلَى مَنِ اتّبَعَ الهُدَى.
قالوا (١): وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى أُسَيْخِت (٢) بن عبد الله صاحب هَجَر: إنّهُ قَدْ جَاءَني الأقْرَعُ بِكِتابِكَ وَشَفَاعَتِكَ لِقَوْمِكَ وإنّي قَدْ شَفّعْتُكَ وَصَدّقْتُ رَسولَكَ الأَقْرَعَ في قَوْمِكَ فَأبْشِرْ فِيما سَألْتَني وطَلَبْتَني بالّذي تُحِبّ وَلَكِنيّ نَظَرْتُ أنْ أُعَلّمَهُ وتَلْقَاني. فَإنْ تَجِئْنَا أُكْرِمْكَ وإنْ تَقْعُدْ أكْرِمْكَ، أمّا بَعْدُ فإنّي لا أسْتَهْدي أحَدًا وإن تُهْدِ إليّ أقْبَلْ هَدِيّتَكَ وقَدْ حَمِدَ عُمّالي مَكانَكَ. وَأُوصِيكَ بأحْسَنِ الّذي أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الصّلاةِ والزّكَاةِ وقَرَابَةِ المُؤمِنينَ، وإني قَدْ سَمّيْتُ قَوْمَكَ بَني عَبدِ اللهِ فَمُرْهُمْ بالصّلاةِ وبأحْسَنِ العَمَلِ وَأبْشِرْ، والسّلامُ عَلَيْكَ وعَلى قَوْمِكَ المُؤمِنين.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى أهل هَجَر: أمّا بَعْدُ فَإنّي أُوصيكُمْ باللهِ وبأنْفُسِكُمْ ألّا تَضِلّوا بَعْدَ أنْ هُدِيتُمْ ولا تَغْوُوا بَعْدَ أنْ رُشِدْتُمْ، أمّا بَعْدُ فإنّهُ قَدْ جَاءَني وَفْدُكُمْ فَلَمْ آتِ إلَيْهِمْ إلّا ما سرّهُمْ ولَوْ أني اجْتَهَدْتُ فيكُمْ جُهْدي كُلّهُ أخْرَجْتُكُمْ مِنْ هَجَرَ فَشَفّعْتُ غَائِبَكُمْ وَأفْضَلْتُ عَلى شاهِدِكُمْ فاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ أمّا بَعْدُ فإنّهُ قَدْ أتاني الّذي صَنَعْتُمْ وإنّهُ مَنْ يُحْسِنْ مِنْكُمْ لا أحْمِلْ عَلَيْهِ ذَنْبَ المسيءِ فإذا جَاءكُمْ أُمَرَائي فَأطِيعوهُمْ وَانْصُرُوهُمْ عَلى أمْرِ الله وَفي سَبِيلِهِ، وَإنّهُ مَنْ يَعْمَلْ منْكُمْ صالِحَةً فَلَنْ تضِلّ عِنْدَ اللهِ ولا عِنْدي.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى المنذر بن ساوَى: أمّا بَعْدُ فَإنّ رُسُلي قَدْ حَمِدُوكَ وإنّكَ مَهْما تُصْلِحْ أُصْلِحْ إلَيْكَ وَأُثِبْكَ عَلى عَمَلِكَ وتَنْصَحْ للهِ وَلِرَسولِهِ والسّلامُ عَلَيْكَ. وبعثَ بها مع العلاء بن الحضرمي (٣).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى المنذر بن ساوى كتابًا آخر: أمّا بَعْدُ
стр. 284
فَإنّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكَ قُدَامَةَ وَأبَا هُرَيْرَةَ فَادْفَعْ إلَيْهِمَا ما اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنْ جِزْيَةِ أرْضِكَ وَالسّلامُ. وكتب أُبيّ (١).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى العلاء بن الحضرميّ: أمّا بَعْدُ فَإنّي قَدْ بعَثْتُ إلى المُنْذِرِ بنِ ساوَى مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ ما اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ الجزْيَة فَعَجّلْهُ بِهَا وابْعَثْ مَعَهَا ما اجْتَمَعَ عِنْدَكَ مِنَ الصّدَقَةِ والعُشورِ وَالسّلامُ. وكتب أُبيّ (٢).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى ضغاطر الأسقف: سَلامٌ على مَنْ آمَنَ. أمّا عَلى أثَرِ ذلِكَ فَإنّ عِيسَى بنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ ألْقاهَا إلى مَرْيَمَ الزّكيّةِ وإنّي أومِنُ بالله ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦]، والسّلامُ عَلى مَنِ اتّبَعَ الهُدَى. قال: وبَعَثَ مَعَ دِحْيَة بن خليفة الكلبي.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى بني جَنْبَة (٣) وهم يهود بمَقْنا وإلى أهل مقنا، ومقنا قريب من أيلة: أمّا بَعْدُ فَقَدْ نَزَلَ عَليّ أيّتُكُمْ (٤) رَاجِعِينَ إلى قَرْيَتِكُمْ فإذا جاءَكُمْ كِتابي هَذا فَإنّكُمْ آمِنُونَ لَكُمْ ذِمّةُ اللهِ وذِمّةُ رسولِهِ وإنّ رَسولَ الله غافِرٌ لَكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَكُلّ ذُنُوبِكُمْ وإنّ لَكمْ ذمّةَ الله وذِمّةَ رَسُولِهِ لا ظُلْمَ عَلَيْكُمْ وَلا عِدًى وإنّ رَسُولَ اللهِ جَارُكُمْ مِمّا مَنَعَ منْهُ نَفْسَهُ فإنّ لِرَسُولِ الله بَزّكُمْ وكُلّ رَقيق فِيكُمْ والكُرَاعَ والحَلْقَةَ إلّا ما عَفَا عَنْهُ رَسولُ الله أوْ رَسُولُ رَسُولِ الله وإنّ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ذلِكَ رُبْعَ مَا أخْرَجَتْ نَخْلُكُمْ وَرُبْعَ ما صَادَتْ عُرُوكُكُمْ (٥) وَرُبْعَ ما اغْتَزَلَ
стр. 285
نِساؤكُمْ وإنّكُمْ بُرِئْتُمْ بَعْدُ مِنْ كُلّ جِزْيَةٍ أوْ سُخْرَةٍ فَإنْ سَمِعْتُمْ وَأطَعْتُمْ فإنّ عَلى رَسُول الله أنْ يُكْرِمَ كَريمَكُمْ وَيَعْفُو عَنْ مُسِيئِكُمْ. أمّا بَعْدُ فَإلى المؤمنينَ والمُسْلِمينَ مَنْ أطْلَع أَهْلَ مَقْنَا (١) بخَيرٍ فهُوَ خَيرٌ لَهُ ومَنْ أطْلَعَهُمْ بشَرٍّ فهُو شَرّ لَهُ وَأنْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ أميرٌ إلّا مِنْ أنْفُسِكُمْ أوْ مِنْ أهْلِ رَسولِ الله والسّلامُ. أمّا قَوله أيّتكم يعني رُسُلَهم، ولرسول الله بَزّكم يعنى بزّهم الّذي يصالحون عليه في صُلحهم ورقيقهم، والحلْقة ما جمعَتِ الدار من سلاح أو مال، وأمّا عروككم، فالعروك خشب تلقى في البحر يركبون عليها فيلقون شِباكهم يصيدون السمك.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى يُحنّة بن رُؤبة وسَرَوَات أهل أيْلة (٢): سلمٌ أنْتُمْ فإنّي أحْمَدُ إلَيْكُمُ اللهَ الذي لا إلَهَ إلّا هوَ فَإنّي لمْ أكُنْ لأقاتِلَكُمْ حتى أكْتُبَ إلَيْكُمْ فَأسْلِمْ أوْ أعْطِ الجِزْيَةَ وَأطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَرُسُلَ رَسُولِهِ وَأكْرِمْهُمْ وَاكْسُهُمْ كُسْوَةً حَسَنَةً غَيْرَ كُسْوَةِ الغُزّاءِ (٣). وَاكْسُ زَيْدًا كُسْوَةً حَسَنَةً فَمَهْمَا رَضِيَتْ رُسُلي فإنّي قَدْ رَضِيتُ وقَدْ عُلِمَ الجِزْيَة، فإنْ أرَدْتُمْ أنْ يأمَنَ البَرّ والبَحْرُ فَأطِعِ الله ورَسُولَهُ ويُمْنَعُ عَنْكُمْ كُلّ حقّ كانَ لِلْعَرَبِ والعَجَم إلّا حَقّ اللهِ وحَقّ رَسُولِهِ وَإنّك إنْ رَدَدْتَهُمْ وَلَمْ تُرْضِهِمْ لا آخُذُ مِنْكُمْ شَيْئًا حَتّى أُقَاتِلَكُمْ فَأسْبى الصّغيرَ وَأقْتُلُ الكَبيرَ فإنّي رَسُولُ اللهِ بالحَقّ أُومِنُ باللهِ وكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالمَسيحِ بنِ مَريَمَ أنّهُ كَلِمَةُ اللهِ وَإنّي أُومِنُ بِهِ أنّهُ رَسُولُ اللهِ وَأتِ قَبْلَ أن يَمَسّكُمُ الشّرّ فإنّي قَدْ أوْصَيْتُ رُسُلي بكُمْ وَأعْطِ حَرْمَلَةَ ثَلاثَةَ أوْسُقٍ شَعيرًا وإنّ حَرْمَلَةَ شَفَعَ لَكُمْ وإنّي لَوْلا اللهُ وذلِكَ لَمْ أُراسِلْكُمْ شيئًا حَتّى تَرَى الجَيْشَ وإنّكُمْ إنْ أطَعْتُمْ رُسُلي فإنّ اللهَ لَكُمْ جارٌ ومُحَمّدٌ ومَنْ يَكونُ مِنْهُ وإنّ رُسُلي شرحبيلَ وأُبَيّ وحَرْمَلَةَ وحُرَيْثَ بنَ زَيْدٍ الطَّائِيّ فإنّهُمْ مَهْمَا قاضَوْكَ عَلَيْهِ فَقَد رَضيتُهُ وإنّ لَكُمْ ذِمّةَ اللهِ وذِمّةَ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله، والسّلامُ عَلَيْكُمْ إنْ أطَعْتُمْ، وجَهّزوا أهْلَ مَقْنا إلى أرْضِهِمْ (٤).
стр. 286
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لجُمّاعٍ كانُوا في جبل تهامة قد غصبوا المارّة من كِنانة ومُزينة والحكم والقَارة ومَن اتبعهم من العبيد، فلمّا ظهر رسول الله، ﷺ ، وفد منهم وفد على النبيّ، ﷺ ، فكتَب لهم رسول الله، ﷺ : بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحيمِ. هذا كِتابٌ منِ محَمّدٍ النبيّ رَسول الله لِعِبادِ اللهِ العُتَقَاءِ إنّهُمْ إنْ آمَنُوا وَأقامُوا الصّلاةَ وَآتَوا الزّكاةَ فَعَبْدُهُمْ حُرّ وَمَوْلاهُمْ مُحَمّدٌ ومَنْ كانَ مِنهُمْ مِنْ قَبيلَةٍ لَمْ يُرَدّ إلَيْهَا وَما كَانَ فِيهِمْ مِنْ دَمٍ أصابوهُ أوْ مالٍ أخَذوهُ فهُوَ لَهُمْ وما كانَ لَهُمْ مِن دَيْنٍ في النّاسِ رُدّ إلَيْهِمْ ولا ظُلْمَ عَلَيْهِمْ وَلا عُدْوانَ وإنّ لهمْ عَلى ذلِكَ ذِمّةَ اللهِ وذِمّةَ محمّدٍ والسّلامُ عَلَيْكُم. وكتب أُبيّ بن كعب.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ : بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرحيمِ. هذا كِتابٌ من مُحمّد رَسول الله لبني غادِيّا أنّ لَهُمُ الذّمّةَ وعَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ وَلا عدَاءَ وَلا جَلاءَ، اللّيْلُ مدّ والنّهَارُ شَدّ. وكتب خالد بن سعيد، قالوا: وهم قوم من يهود، وقوله مد، يقول: يمدّه الليل ويشدّه النّهار لا ينقضه شيء.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ : بَسْمِ اللَّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. هذَا كِتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله لِبَني عَريضٍ طُعْمَةٌ مِنْ رَسولِ الله عَشَرَةُ أوْسُقٍ قَمْحًا وعَشَرَةُ أَوْسُقٍ شَعيرًا في كُلّ حَصَادٍ وخَمْسِينَ وَسَقًا تَمْرًا يُوفَوْنَ في كُلّ عامٍ لحِينِهِ لا يُظْلَمونَ شَيْئًا. وكتب خالد بن سعيد، قال: وبني عريض قوم من يهود.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسديّ بنِ عُليّة عن الجريري عن أبي العلاء قال: كنت مع مُطَرّف في سوق الإبل فجاء أعرابيّ بقطعة أديم أو جراب فقال: مَنْ يقرأ؟ أو قال: أفيكم مَنْ يقرأ؟ فقلتُ: نعم أنا أقرأ، فقال: دونك هذا فإنّ رسول الله، ﷺ ، كتبه لي، فإذا فيه: بسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيم. مِنْ مُحَمّدٍ النّبيّ لِبَني زُهَيْرِ بنِ أُقَيْشٍ حَيٍّ مِنْ عُكْلٍ أنّهُمْ إنْ شَهِدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ وَفَارَقُوا المُشْركينَ وَأقَرّوا بالخُمْسِ في غَنَائِمِهِمْ وَسَهْمِ النّبيّ وصَفِيّهِ فَإنّهُمْ آمِنُونَ بأمانِ الله وَرَسُولِهِ. فقال له القوم أو بعضهم: أسمعتَ من رسولِ الله شيئًا تُحدّثناه؟ قال: نعم، قالوا: فحدّثنا رحمك الله، قال: سمعته يقول: مَنْ سَرّهُ أنْ يَذْهَبَ كثيرٌ مِنْ وَحَرِ الصّدْرِ فَلْيَصُمْ شَهْرَ الصّبْرِ وثلاثَةَ أيّامِ من كلّ شَهرٍ، فقال له القوم أو بعضهم: أسمعتَ هذا من رسول الله؟ قال: أرَاكم تخافون أن أكذب على رسول الله، ﷺ ، والله لا أحدّثكم حديثًا اليوم.
стр. 287
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، أخبرنا لُوط بن يحيَى الأزدي قال: كتَب النبيّ، ﷺ ، إلى أبي ظبْيان الأزدي من غامد يدعوه ويدعو قومه إلى الإسلام، فأجابه في نَفر من قرمه بمكّة، منهم: مِخْنف، وعبد الله، وزُهير بنو سُليم، وعبد شمس بن عفيف بن زهير، هؤلاء بمكّة، وقدم عليه بالمدينة الجَحِن بن المُرقَّع، وجُنْدَب بن زُهير، وجندب بن كعب، ثمّ قدم بعد مع الأربعين الحكم من مُغفّل، فأتاه بمكّة أربعون رجلًا وكتب النبيّ، ﷺ ، لأبي ظبْيان كتابًا، وكانت له صُحبة، وأدرك عمر بن الخطّاب.
أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب قال: حدّثني جميل بن مرثد قال: وفد رجل من الأجئيّين يُقال له حبيب بن عمرو على النبيّ، ﷺ ، فكتب له كتابًا: هَذَا كتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رسُولِ الله لِحَبِيبِ بن عَمْروٍ أخي بني أجاءٍ ولِمَنْ أسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَأقَامَ الصّلاةَ وَآتى الزّكاةَ أنّ لَهُ مالَهُ ومَاءَهُ، ما عَلَيْهِ حاضِرُهُ وبَاديهِ، عَلى ذلكَ عَهْدُ اللهِ وذمّةُ رَسولِهِ.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد قال: حدّثني رجل من بني بُحْتُر من طيِّئ قال: وفد على رسول الله، ﷺ ، الوليد بن جابر بن ظالم بن حارثة بن عتّاب بن أبي حارثة بن جُديّ بن تَدُول بن بحتر فأسْلَم وكتب له كتابًا هو عند أهله بالجبلين.
قال: أخبرنا علي بن محمّد القرشي عن أبي معشر عن يزيد بن رومان ومحمّد بن كعب وعن يزيد بن عياض بن جُعدبة الليثي عن الزهريّ وعن غيرهم قالوا: كتب رسول الله، ﷺ ، إلى سِمْعَان بن عمرو بن قُريط بن عُبيد بن أبي بكر بن كلاب مع عبد الله بن عَوْسَجَة العُرَني فرقّع بكِتابه دَلْوَه، فقيل لهم بنو الراقع، ثم أسْلَم سمعان وقَدِم على رسول الله، ﷺ ، وقال:
أقِلني كما أَمَّنْتَ وَرْدًا ولم أكُنْ … بِأسْوَأ ذَنْبًا إذ أتَيتُكَ مِن وَرْدِ
قال: أخبرنا علي بن محمّد عن حمّاد بن سَلمة عن الحَجّاج بن أَرطاة عن أبي إسحاق الهَمْداني أن العُرَني أتاه كتاب رسول الله، ﷺ ، فوقع به دلوه، فقالت له ابنته: ما أراك إلا ستصيبك قارعة، أتاك كتاب سيّد العرب فرقعت به دلوك! فمرّ به جيْشٌ لرسول الله، ﷺ ، فاستباحوا كلّ شيء له، فأسْلَم وأتى النبيّ،
стр. 288
- ﷺ ، فأخبره، فقال له رسول الله، ﷺ : ما أصَبْتَ مِنْ مالٍ قَبْلَ أنْ يَقْسِمَهُ المُسلِمونَ فأنْتَ أحقّ بهِ (١).
قال: أخبرنا عليّ بن محمّد عن عمرو بن عبد الرحمن الزهريّ عن زامل بن عمرو الجُذامي قال: كان فروة بن عمرو الجذامي عاملًا للروم على عَمّانَ من أرض البَلْقاءِ، أو على مُعان، فأسلَم وكتب إلى رسول الله، ﷺ ، بإسلامه وبعث به مع رجل من قومه يقال له مسعود بن سعد وبعث إليه ببغلة بيضاء وفرس وحمار، وأثواب لين، وقباء سُندس مُخَوَّص بالذهب، فكتب إليه رسول الله، ﷺ : مِنْ مُحَمّدٍ رَسولِ اللهِ إلى فَرْوَةَ بنِ عَمْرٍو. أمّا بَعْدُ فَقَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا رَسولُكَ وَبلّغَ ما أرْسَلْتَ بِهِ وخَبّرَ عَمّا قِبَلَكُمْ وَأتَانَا بإسْلامِكَ وأنّ اللهَ هَدَاكَ بِهُدَاهُ إنْ أصْلَحْتَ وَأطَعْتَ الله ورَسُولَهُ وَأقَمْتَ الصّلاةَ وَآتَيْتَ الزّكَاةَ. وأمر بلالًا فأعطى رسوله مسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقية ونَشًّا. قال: وبلغ ملك الروم إسلام فروة فدعاه فقال له: ارجع عن دينك نُمْلكك، قال: لا أفارق دين محمّد وإنّك تعلم أنّ عيسى قد بشَّر به ولكنك تضنّ بملكك، فحبسه ثم أخرجه فقتله وصَلَبه (٢).
قال: أخبرنا عليّ بن محمّد عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتَادة عن رجل من بَني سَدوس قال: كتَب رسول الله، ﷺ ، إلى بكر بن وائل: أمّا بَعْدُ فَأسْلِمُوا تَسْلَمُوا. قال قتَادة: فما وجدوا رجلًا يقرؤه حتى جاءهم رجل من بني ضُبيعة بن ربيعة فقرأه، فهم يسمّون بني الكاتب، وكان الذي أتاهم بكتاب رسول الله، ﷺ ، ظبيان بن مَرْثَد السدوسي (٣).
قال: أخبرنا عليّ بن محمّد عن مُعْتَمر عن رجل من أصحابه يقال له عَطاء عن عبد الله بن يحيَى بن سَلمان قال: أراني ابنٌ لسُعَير بن عدّاء كتابًا من رسول الله، ﷺ : مِن مُحَمّدٍ رَسُول الله إلى السُّعَير بنِ عَدّاء: إنّي قَدْ أخْفَرْتُكَ الرّحيحَ وَجَعَلْتُ لَكَ فَضْلَ بَني السّبيلِ.
(* قال: أخبرنا عليّ بن محمّد عن يزيد بن عياض عن الزهريّ قال: كتب
стр. 289
رسول الله، ﷺ ، إلى الحارث ومسروح ونُعيم بن عبد كُلال من حمير: سِلْمٌ أنْتُمْ ما آمَنْتُمْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأنّ اللهَ وَحْدَه لا شَريكَ لَهُ بَعَثَ موسى بآيَاتِهِ وخَلَقَ عيسى بِكَلِمَاتِهِ قَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابنُ الله وَقَالَتِ النّصَارَى اللهُ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ عيسى ابنُ اللهِ.
قال: وبعث بالكتاب مع عَيّاش بن أبي ربيعة المخزومي وقال: إذَا جِئْتَ أرْضَهُمْ فَلا تَدْخُلَنّ لَيْلًا حتّى تُصْبِحَ ثمّ تَطَهّرْ فَأحْسِنْ طُهُورَكَ وَصَلِّ ركعَتَينِ وَسَلِ اللهَ النّجاحَ والقَبُولَ واسْتَعِذْ بالله وخُذْ كتابي بِيَمِينِكَ وَادْفَعْهُ بِيَمِينِكَ في أيْمانِهِمْ فَإنّهُمْ قابِلُونَ وَاقْرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [سورة البينة]: فإذا فَرَغْتَ مِنْهَا فَقُلْ آمَنَ مُحَمّدٌ وَأنَا أوّلُ المُؤمِنين، فَلَنْ تَأتِيكَ حُجّةٌ إلّا دَحِضَتْ ولا كِتَابٌ زُخْرِفَ إلّا ذَهَبَ نُورُهُ، وهُمْ قَارئُونَ عَلَيْكَ فَإذا رَطَنوا فَقُلْ تَرْجِمُوا وقُلْ حَسْبِيَ اللهُ ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة الشورى: ١٥]: فَإذا أسْلَمُوا فَسَلْهُمْ قُضُبَهُمُ الثَّلَاثَةَ التي إذا حَضَرُوا بِهَا سَجَدُوا، وَهِيَ مِنَ الأثْلِ قَضِيبٌ مُلَمّعٌ ببَياضٍ وَصُفْرَةٍ وَقَضِيبٌ ذو عُجَرٍ كَأنّهُ خَيْزُرَانٌ والأسْوَدُ البَهِيمُ كَأنّهُ مِنْ ساسِمَ، ثُمّ أخْرجْهَا فَحَرّقْهَا بِسوقِهِمْ.
قال عيّاش: فخرجت أفعل ما أمرَني رسول الله، ﷺ ، حتى إذا دخلت إذا النّاس قد لبسوا زينتهم، قال: فمررتُ لأنظر إليهم حتى انتهيت إلى سُتُور عظام على أبواب دور ثلاثة، فكشَفت السِّتر ودخلتُ الباب الأوسط، فانتهيتُ إلى قوم في قاعة الدار فقلت: أنا رسولُ رسولِ الله، وفعلتُ ما أمرني، فَقَبِلوا، وكان كما قال، ﷺ *).
قالوا بالإسناد الأوّل: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى عبد القيس: مِنْ مُحَمّدٍ رَسولِ الله إلى لُكَيْزِ (١) بنِ عَبْدِ القَيْسِ أنّهُمْ آمِنونَ بِأمانِ اللهِ وَأمانِ رَسُولِهِ على
стр. 290
مَا أحْدَثُوا في الجَاهِلِيّةِ مِنَ القُحَمِ وعَلَيْهِمُ الوَفَاءُ بمَا عَاهَدُوا وَلَهُمْ أنْ لا يُحْبَسُوا عَنْ طَرِيقِ الميرَةِ ولا يُمْنَعُوا صَوْبَ القَطْرِ وَلا يُحْرَمُوا جَريمَ (١) الثّمارِ عِنْدَ بُلُوغِهِ والعَلاءُ بنُ الحضْرَمي أمينُ رسولِ الله عَلى بَرّهَا وَبَحْرِهَا وَحَاضِرِها وَسَرَاياها ومَا خَرَجَ مِنْهَا وَأَهْلُ البحْرَيْنِ خُفَرَاؤهُ مِنَ الضَّيْمِ وَأعْوَانُهُ عَلى الظّالمِ وَأنْصَارُهُ في المَلاحِمِ عَليْهِمْ بِذَلِكَ عَهْدُ الله وَمِيثَاقُهُ لا يُبَدّلوا قَوْلًا وَلا يُريدُوا فُرْقَةً ولَهُمْ عَلى جُنْدِ المُسْلِمينَ الشّرِكَة في الفَيءِ والعَدْلُ في الحُكْمِ والقَصْدُ في السّيرَةِ حُكْمٌ لا تَبْديلَ لَهُ في الفَريقَيْنِ كِلَيْهِمَا واللهُ ورسولُهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ (٢).
قالوا (٣): وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى أقيال حَضْرمَوت وعظمائهم، كتَب إلى زُرعة وقَهْد والبَسّي والبُحَيري وعبد كُلال وربيعة وحجر: وقد مدح الشاعر بعض أقيالهم فقال:
ألا إن خير الناس كلهم قهدُ … وعبد كلال خير سائرهم بعدُ
وقال آخر يمدح زُرعة:
ألا إنّ خير النّاس بعد محمّد … لَزُرْعَةُ إن كان البُحَيريّ أسلما
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، إلى نُفاثة بن فَروة الدئلي ملك السَّمَاوة، قالوا: وكتب إلى عُذرة في عَسِيب وبعث به مع رجل من بني عذرة فعدا عليه وَرد بن مِرْدَاس أحد بني سعد هذيم فكسَر العَسِيب وأسْلَم واستُشْهِد مع زَيد بن حارثة في غزوة وادي القرى (٤) أو غزوة القَرَدَة.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لمطرّف بن الكاهن الباهلي: هذا كِتابٌ من محمّدٍ رَسُول اللهِ لمطرّف بنِ الكاهِنِ وَلِمَنْ سَكَنَ بِيشَةَ (٥) مِنْ باهِلَة: إِنَّ مَنْ أحْيَا أرْضًا مَوَاتًا بَيْضَاءَ فيهَا مُنَاخُ الأنْعَامِ وَمُرَاحٌ فَهِيَ لَهُ، وعَلَيْهِمْ في كُلّ ثَلاثينَ مِنَ البَقَرِ
стр. 291
فارِضٌ وَفي كُلّ أرْبَعِينَ مِنَ الغَنَمِ عَتُودٌ وَفي كُلّ خَمْسينَ مِنَ الإبلِ ثاغِيَةٌ مُسِنّةٌ وَلَيْسَ لِلمُصَدّقِ أن يُصَدّقَها إلا في مَرَاعِيهَا وهُمْ آمِنونَ بأمانِ اللهِ (١).
قالوا (٢): وكتب رسول الله، ﷺ ، لنَهْشَل بن مالك الوائلي من باهلة: باسْمِكَ اللّهُمّ هَذا كِتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله لِنَهْشَلِ بنِ مَالِكٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَني وائِلٍ لِمَنْ أسْلَمَ وَأقَامَ الصّلاةَ وَآتى الزّكاةَ وَأطَاعَ الله وَرَسُولَهُ وَأعْطَى مِنَ المَغْنَمِ خُمْسَ الله وَسَهْمَ النّبيّ وأشْهَدَ عَلى إسْلامِهِ وَفَارَقَ المُشْرِكِينَ فَإنّهُ آمِنٌ بأمَانِ اللهِ وَبَرِئَ إلَيْهِ مُحَمّدٌ مِنَ الظُّلْمِ كُلّهِ وأَنّ لَهُمْ أنْ لا يُحْشَرُوا ولا يُعْشَرُوا وعامِلُهُمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ وكتب عثمان بن عفّان (٣).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لثقيف كتابًا أنّ لهم ذمة الله وذمة محمد بن عبد الله على ما كتَب لهم، وكتَب خالد بن سعيد وشَهد الحسن والحسين، ودفَع النّبيّ، ﷺ ، الكتاب إلى نُمير بن خَرَشَة، قالوا: وسأل وفد ثقيف رسول الله، ﷺ ، أن يُحرّمَ لهم وَجًّا، فكتَب لهم هَذَا كِتابٌ مِنْ مُحمّد رَسُولِ الله إلى المُؤمِنِينَ، إنّ عِضَاهَ وَجٍّ وَصَيْدَهُ لا يُعْضَدُ فَمَنْ وُجِدَ يَفْعَلُ ذلِكَ فإنّهُ يُؤخَذُ فيُبَلّغُ النّبيّ وهذَا أمْرُ النّبيّ محمّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ رسولِ اللهِ. وكتبَ خالد بن سعيد: بأمر النّبيّ محمّد بن عبد الله فلا يتعَدّينّه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمّد رسول الله (٤).
قالوا: وكتَب رسول الله ﷺ ، لسعيد بن سفيان الرِّعلي: هذا ما أعطى رَسُولُ اللهِ، ﷺ ، سَعِيدَ بنَ سُفْيانَ الرّعْلي، أعْطَاهُ نَخْلَ السُّوَارِقيّةِ وقَصْرَها لا يُحاقّهُ فيها أحَدٌ ومَنْ حَاقّهُ فلا حَقّ لَهُ وحَقّهُ حَقّ. وكَتب خالد بن سعيد (٥).
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لعُتبة بن فرقد: هَذا ما أعْطى النّبيّ، ﷺ ، عُتْبَةَ بنَ فَرْقَد، أعْطاهُ مَوْضِعَ دارٍ بمَكّةَ يَبْنِيهَا ممّا يَلي المَرْوَةَ فَلا يُحاقّهُ فيها أحَدٌ ومَنْ حاقّهُ فإنّه لا حقّ لَهُ وحَقّه حَقّ، وكتب معاوية (٦).
стр. 292
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لسَلمة بن مالك السّلَمي: هذا مَا أعْطى رَسولُ الله، ﷺ ، سَلَمَةَ بنَ مالِكٍ السّلَميّ، أعطاهُ ما بَينَ ذاتِ الحَناظى (١) إلى ذاتِ الأساوِدِ لا يُحاقّهُ فيها أحَدٌ. شهد عليّ بن أبي طالب وحاطب بنِ أبي بَلْتَعة.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لبني جَناب من كلب: هذا كِتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبيّ رَسولِ الله لِبَني جَنابٍ وَأحْلافِهِمْ ومَن ظَاهَرَهمْ على إقامِ الصّلاةِ وإيتاءِ الزّكاة والتّمسّكِ بالإيمَان والوَفَاء بالعَهْدِ وَعَلَيْهِمْ في الهَاملَةِ الرّاعِيَةِ في كُلّ خَمْسٍ شاةٌ غَيرُ ذاتِ عَوارٍ وَالحَمولَةُ المائِرَةُ لَهُمْ لاغِيَةٌ والسُّقْيُ الرّواءُ وَالعِذْيُ مِنَ الأرْض يُقِيمُهُ الأمِينُ وَظيفَةً لا يُزَادُ عَلَيْهِمْ. شهد سعد بن عُبادة وعبد الله بن أنيس ودِحْية بن خليفة الكلبي.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ : هذا كِتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسولِ الله لِمَهْريّ بنِ الأبْيضِ عَلى مَنْ آمَنَ مِنْ مَهْرَة أنّهُمْ لا يُؤكَلونَ وَلا يُغَارُ عَلَيْهِمْ ولا يُعْرَكونَ وعَلَيْهِمْ إقَامَةُ شَرَائِع الإسلام فَمَنْ بَدَّلَ فَقَدْ حارَبَ الله ومَنْ آمَنَ بِهِ فَلَهُ ذِمّةُ اللهِ وذِمّةُ رَسولِهِ، اللَّقَطَةُ مُؤدّاةٌ والسّارِحَةُ مُنَدّاةٌ والتّفَثُ السّيّئَةُ والرَّفَثُ الفُسُوقُ، وكتب محمّد بن مسلمة الأنصاري.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لخثْعم: هذا كِتابٌ مِنْ محمّدٍ رَسولِ اللهِ لخَثْعَمَ مِنْ حاضِرٍ ببيشةَ وَبادِيَتِها أنّ كُلّ دَمٍ أصَبْتُمُوهُ في الجَاهليّةِ فَهُوَ عَنْكُمْ مَوْضُوعٌ وَمَنْ أسْلَمَ منْكُمْ طَوْعًا أو كرْهًا في يَدِهِ حَرْثٌ مِنْ خِبارٍ أو عَزَازٌ تَسْقِيهِ السّماءُ أوْ يَرْويه اللَّثى فَزَكَا عِمَارَةً في غَيرِ أزْمَةٍ ولا حَطْمةٍ فَلَهُ نَشْرُهُ وَأكلُهُ وعَلَيْهمْ في كُلّ سَيْحٍ العُشْرُ وفي كُلّ غَرْبٍ نِصْفُ العُشْرِ. شهد جرير بن عبد الله ومَن حضر.
стр. 293
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لوفد ثُمالة والحُدّان: هذا كتابٌ من محمّدٍ رَسُولِ الله لِبادِيَةِ الأسْيافِ وَنَازِلَةِ الأجْوَافِ مِمّا حَازَتْ صُحَارَ لَيْسَ عَلَيْهِمْ في النّخْلِ خِرَاصٌ وَلا مِكْيَالٌ مُطبّقٌ حتى يُوضَعَ في الفَدَاءِ وعَلَيْهِمْ في كُلّ عَشَرَةِ أوْساقٍ وَسْقٌ. وكاتب الصحيفة ثابتُ بن قيس بن شماس، شهد سعد بن عُبادة ومحمّد بن مَسلمة.
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لبارِق من الأزد: هَذَا كِتابٌ مِنْ مُحَمّد رَسُولِ اللهِ لِبَارِقٍ أنْ لا تُجَذّ ثِمارُهُمْ وَأنْ لا تُرْعَى بلادُهُمْ في مَرْبَعٍ ولا مِصْيَفٍ إلا بمسألَةٍ مِنْ بَارِق وَمَنْ مَرَّ بِهِمْ مِن المُسْلِمِينَ في عَرَكٍ أوْ جَدْبٍ فَلَهُ ضِيافَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فإذا أيْنَعَتْ ثِمَارُهُمْ فَلابنِ السّبِيلِ اللّقاطُ يوسعُ بطْنَهُ مِنْ غَيرِ أنْ يَقْتَثِمَ. شهد أبو عُبيدة بن الجرّاح وحُذيفة بن اليمان، وكتب أبيّ بن كعب. قال: الجدب أن لا يكون مرعى، والعرك أن تخلّى إبلك في الحمض خاصة فتأكل منه حاجتها، ويقتثم يحمل معه.
(* قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لوائل بن حُجر لمّا أراد الشخوص إلى بلاده، قال: يا رسول الله اكتب لي إلى قومي كتابًا، فقال رسول الله، ﷺ : اكْتُبْ لَهُ يَا مُعاوِيَةُ إلى الأقْيالِ العبَاهِلَة لِيُقيمُوا الصّلاةَ وَيُؤتُوا الزّكاةَ، والصّدَقَةُ عَلى التّيعَةِ السّائمَةِ لِصاحِبِها التّيمَة لا خِلاطَ وَلا وِراطَ ولا شِغارَ ولا جَلَبَ وَلا جَنَبَ ولا شِناقَ وَعَلَيْهِمُ العَوْنُ لِسَرَايَا المُسْلِمينَ وعَلى كُلّ عَشَرَةٍ ما تَحْمِلُ العِرَابُ مَنْ أجْبَأ فَقَدْ أرْبَى. وقال وائل: يا رسول الله اكتب لي بأرضي التي كانت في الجاهليّة، وشهد له أقيال حِمْير وأقيال حَضْرموت، فكتب لَهُ: هذا كتَابٌ من مُحَمّدٍ النبيّ لِوائلِ بن حُجْرٍ قَيْلِ حَضْرَمَوْتَ وذلِكَ: إِنَّكَ أسْلَمْتَ وجَعَلْتُ لكَ ما في يَديْكَ مِنَ الأرَضِينَ والحُصونِ وأنّه يُؤخَذُ مِنْكَ مِنْ كُلّ عَشَرَةٍ وَاحِدٌ يَنْظُرُ في ذلِكَ ذوَا عَدْلٍ وَجَعَلْتُ لَكَ أنْ لا تُظْلَمَ فيها ما قامَ الدّينُ والنّبيّ والمُؤمنونَ عَلَيْهِ أنْصَارٌ. قالوا: وكان الأشعث وغيره من كِندة نازعوا وائل بن حُجْر في وادٍ بحضرموت فادّعوه عند رسول الله، ﷺ ، فكتب به رسول الله، ﷺ ، لوائل بن حُجْر *).
стр. 294
قالوا: وكتب رسول الله، ﷺ ، لأهل نجران: هَذا كِتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبيّ رَسُولِ الله لأهْلِ نَجْرَانَ أنّهُ كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ في كُلّ ثَمَرَةٍ صَفْرَاءَ أوْ بَيْضَاءَ أوْ سَوْدَاءَ أوْ رَقِيقٍ فَأفْضَلَ عَلَيْهِمْ وتَرَكَ ذَلِكَ كلّهُ على ألْفَيْ حُلّة حُلَلِ الأواقي في كُلّ رَجَبٍ ألْفُ حُلّة وفي كلّ صَفَرٍ ألفُ حُلّةٍ كلّ حُلّة أوقية فما زَادَتْ حُلَلُ الخَرَاجِ أوْ نَقَصَتْ على الأواقي فَبالحِسابِ ومَا قَضَوا (١) مِنْ دُرُوع أوْ خَيْلٍ أوْ رِكابٍ أوْ عَرْضٍ أُخِذَ مِنهُمْ فَبالحِسابِ وعَلى نَجْرَانَ مَثْوَاةُ رُسُلي عِشْرينَ يوْمًا فَدُونَ ذلكَ وَلا تُحْبَسُ رُسُلي فَوْق شَهْرٍ وعَليْهِمْ عَارِيّةُ ثَلاثينَ دِرْعًا وثَلاثينَ فرَسًا وثَلاثين بَعيرًا إذا كَانَ باليَمَنِ كَيْدٌ وَمَا هَلَكَ مِمّا أعاروا رُسُلي مِنْ دُرُوعٍ أوْ خَيْلٍ أوْ رِكابٍ فَهُوَ ضَمانٌ عَلى رُسُلي حتى يُؤدّوه إليهِمْ ولنَجْرَانَ وَحاشِيَتِهِمْ جِوَارُ اللهِ وذِمّةُ مُحَمّدٍ النّبيّ رَسول الله عَلى أَنْفُسِهِمْ وَمِلّتِهمْ وَأرْضِهِمْ وَأمْوَالِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشاهِدِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَصَلَوَاتِهِمْ لا يُغَيّرُوا أسْقُفًا عَنْ أسْقُفِيّتِهِ ولا راهِبًا عن رَهْبَانيّتِهِ ولا وَاقِفًا عَنْ وَقْفَانيّتِهِ وكُلّ ما تَحْتَ أيْديهِمْ مِن قَلِيلٍ أو كَثيرٍ وليْسَ ربًا ولا دَمَ جاهليّةٍ ومَنْ سَألَ مِنْهُمْ حَقًّا فَبَيْنَهمُ النَّصَفُ غَيرَ ظَالمينَ وَلا مَظْلُومِينَ لِنَجْرَانَ وَمَنْ أكَلَ رِبًا مِنْ ذي قَبَلَ فَذِمّتي مِنْهُ بَريئَةٌ وَلا يُؤاخَذُ أحَدٌ مِنهُمْ بِظُلْمِ آخَرَ وَعَلى ما في هذِهِ الصّحِيفَةِ جِوَارُ اللهِ وَذِمّةُ النّبيّ أبَدًا حتى يأتى اللهُ بأمْرِه إنْ نَصَحُوا وَأصْلَحُوا فِيمَا عَلَيهِمْ غَيْرَ مُثْقَلِينَ بظُلْمٍ. شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف النصري والأقرع بن حابس والمستورد بن عمرو أخو بَليّ والمغيرة بن شعبة وعامر مولى أبي بكر (٢).
قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني شيخ من أهل دومة أن رسُول الله، ﷺ ، كتب لأكيدر هذا الكتاب، وجاءني بالكتاب فقرأته وأخذتُ منه نسخته: بِسْمِ الله الرّحمَنِ الرّحِيمِ. هَذا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللهِ لأُكَيْدِرَ حينَ أجَابَ إلى الإسْلامِ وخَلَعَ الأنْدَادَ وَالأصْنامَ مَعَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ سَيْفِ اللهِ في
стр. 295
دُومةِ الجَنْدَلِ وأكْنافِها أنّ لَهُ الضّاحِيَةَ مِنَ الضّحْلِ والبَوْرَ وَالمَعَاميَ وَأغْفالَ الأرْضِ والحَلْقَةَ والسّلاحَ والحافِرَ والحِصْنَ ولَكُمُ الضّامِنَةُ مِنَ النّخْلِ وَالمَعِينُ مِنَ المعْمُورِ وبَعْدَ الخُمُسِ لا تُعْدَلُ سارِحَتُكُمْ وَلا تُعَدّ فارِدَتكُمْ ولا يُحْظَرُ عَلَيْكُمُ النّبَاتُ وَلا يُؤخَذُ مِنْكُمْ إلا عُشْرُ الثّبَاتِ (١)، تُقيمُونَ الصّلاةَ لِوقْتِهَا وتُؤتُونَ الزّكاةَ بحقّهَا، عَلَيْكُمْ بذاكَ العَهْدُ وَالمِيثاقُ ولَكُمْ بِذَلِكَ الصّدْقُ والوَفَاءُ، شَهِدَ اللهُ ومَنْ حَضَرَ مِنَ المُسلِمِينَ.
قال محمّد بن عمر: الضحل الماء القليل، والمعامى الأعلام من الأرض ما لا حدّ له، والضامنة ما حمل من النخل، وقوله لا تعدل سارحتكم، يقول: لا تُنَحّى عن الرعي، والفاردة ما لا تجب فيه الصدقة، والأغفال ما لا يقال على حَدّهِ من الأرض، والمعين الماء الجاري، والثبات النخل القديم الذي قد ضرب عروقه في الأرض وثبت.
قال: وكانت دومة وأيْلَةُ وتَيْمَاءُ قد خافوا النّبيّ لما رأوا العرب قد أسلمت، قال: وقدم يحنّةُ بن رُؤْبَة على النّبيّ، ﷺ ، وكان ملك أيلة وأشفق أن يبعث إليه رسول الله، ﷺ ، كما بعث إلى أُكيدر، وأقبل ومعه أهل الشأم وأهل اليمن وأهل البحر ومن جربا وأذرح فأتوه فصالحهم وقطع عليهم جزية معلومة وكتب لهم كتابًا: بِسْم الله الرّحمَنِ الرّحيمِ. هَذَا أمَنَةٌ مِنَ اللهِ ومُحَمّدٍ النّبيّ رَسُولِ الله لِيُحَنّةَ بنِ رُؤْبَةَ وَأَهْلِ أيْلَةَ لِسُفُنِهِمْ وَسيّارَتِهِمْ في البَرّ والبَحْرِ لَهُمْ ذِمّةُ الله وذِمّهُ مُحَمّدٍ رَسُولِ الله وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أهْلِ الشَأمِ وَأهْلِ اليَمَنِ وَأهْلِ البَحْرِ وَمَنْ أحْدَثَ حَدَثًا فإنّهُ لا يَحُولُ مالُهُ دونَ نَفْسِهِ وَأنّهُ طَيّبةٌ لِمَنْ أخَذَهُ مِنَ النّاسِ وَأنّهُ لا يَحِلّ أنْ
стр. 296
يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدونَهُ ولا طَرِيقًا يُرِيدُونَهُ مِنْ بَرّ وبَحْرٍ، هَذَا كِتابُ جُهَيْمِ بنِ الصّلْتِ وشُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةَ بإذْنِ رَسُولِ الله (١).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني يعقوب بن محمّد الظفري عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرّحمن بن جابر عن أبيه قال: رأيتُ على يُحنّةَ بن رُؤْبَة يوم أتى النّبيّ، ﷺ ، صليبًا من ذهب وهو معقود الناصية، فلمّا رأى رسُولَ الله، ﷺ ، كفّر وأومأ برأسه، فأومأ إليه رسول الله، ﷺ ، أن ارفع رأسك، وصالحه يومئذ وكساه رسول الله، ﷺ ، بُرد يمنة وأمر بإنزاله عند بلال، قال: ورأيت أكيدر حين قدم به خالد وعليه صليب من ذهب وعليه الديباج ظاهرًا (٢).
قال: ثم رجع الحديث إلى الأول، قال محمّد بن عمر: ونسخت كتاب أهل أذرح فإذا فيه: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمَ. هذا كتابٌ مِنْ مُحَمّدٍ النّبيّ لأهْلِ أذْرُحَ أنّهُمْ آمِنُونَ بأمانِ اللهِ ومُحَمّد وَأنّ عَلَيْهِمْ مَائَةَ دينَارٍ في كُلّ رَجَبٍ وافِيَةً طَيّبَةً وَاللهُ كَفِيلٌ عَلَيْهِمْ بالنّصْحِ والإحْسَان لِلْمُسْلِمِينَ ومَنْ لجَأ إلَيْهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنَ المَخَافَةِ والتّعْزِيرِ إذا خَشوا عَلى المُسْلِمِينَ وَهُمْ آمِنُونَ حَتّى يُحَدّثَ إلَيْهِمْ مُحَمّدٌ قَبْلَ خُرُوجِهِ، يعني إذا أراد الخروج، قال: ووضع رسول الله، ﷺ ، الجزية على أهل أيلة ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة رجل (٣).
قال: وكتب رسول الله، ﷺ ، لأهل جَرْبَاء (٤) وأذرح: هَذا كِتابٌ منْ مُحَمّدٍ النّبيّ لأهْلِ جَرْبا وَأذرُحَ أنّهُمْ آمِنُونَ بأمانِ اللهِ وأمانِ مُحَمّدٍ وَأنّ عَلَيْهِمْ مائَةَ دينارٍ في كُلّ رَجَبٍ وافيَةً طَيّبَةً وَاللهُ كَفِيلٌ عَلَيْهِمْ.
قال: وكتب رسولُ الله، ﷺ ، لأهل مقنا أنّهُمْ آمنونَ بأمان اللهِ وَأمانِ مُحَمّدٍ وَأنّ عَلَيْهِمْ رُبْعَ غُزُولِهِمْ وَرُبْعَ ثِمَارِهِمْ (٥).
стр. 297
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا ابن أبي ذئب قال: أخبرنا صالح مولى التَّوْأَمَة (١) أن رسول الله، ﷺ ، صالح أهل مقنا على أخذ رُبع ثمارهم وربع غُزُولهم. قال محمّد بن عمر: وأهل مقنا يهود على ساحل البحر وأهل جربا وأذرح يهود أيضًا وقوله طيبة، يعني من الخلاص أي ذهب خالص، وقوله خروجه، يعني إذا أراد الخروج.
* * *
ذكر وفادات (٢) العرب على رسول الله، ﷺ -
وفد مُزَيْنَة
قال: أخبرنا محمّد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جَدّه قال: كان أوّل مَن وفد على رسول الله، ﷺ ، من مُضر أربعمائة من مُزَينة، وذلك في رجب سنة خمس، فجعل لهم رسول الله، ﷺ ، الهجرة في دارهم وقال: أنْتُمْ مُهَاجِرُون حيْثُ كُنْتُمْ فَارْجِعُوا إلى أمْوَالِكُمْ، فرَجعوا إلى بلادهم.
(* قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، أخبرنا أبو مِسْكين وأبو عبد الرحمن العَجْلاني قالا: قدم على رسول الله ﷺ ، نفر من مُزَينة منهم خُزَاعيّ بن عبد نُهْم فبايعه على قومه مزينة، وقدم معه عشرة منهم فيهم بلال بن الحارث، والنعمان بن مقرّن، وأبو أسماء، وأسامة، وعبيد الله بن بردة، وعبد الله بن دُرّة، وبشر بن المحتفر.
قال محمّد بن سعد وقال غير هشام: وكان فيهم دكين بن سعيد، وعمرو بن عوف، قال وقال هشام في حديثه: ثمّ إن خُزَاعيًّا خرج إلى قومه فلم يجدهم كما ظنّ فأقام، فدعا رسول الله، ﷺ ، حسَّان بن ثابت فقال: اذْكُرْ خُزَاعِيًّا وَلا تَهْجُهُ، فقال حسّان بن ثابت:
стр. 298
ألَا أبْلِغْ خُزَاعيًّا رَسولًا … بأنّ الذَّمَّ يَغْسِلهُ الوَفاءُ
وَأنّكَ خَيرُ عُثْمَانَ بنِ عمرٍو … وأَسْنَاهَا إذا ذُكِرَ السّناءُ
وبايَعتَ الرسولَ وكانَ خيرًا … إلى خَيرٍ وأدّاكَ الثّرَاءُ
فما يُعْجِزْكَ أَو ما لا تُطِقْهُ … من الأشياءِ لا تَعْجِزْ عداءُ
قال: وعِداء بَطْنه الذي هو منه. قال: فقام خُزَاعِيُّ فقال: يا قومُ! قد خصّكم شاعر الرجل، فَأنشُدُكم الله، قالوا: فإنّا لا نَنْبو عليك، قال: وأسلموا ووافدوا على النّبيّ، ﷺ ، فدفع رسول الله، ﷺ ، لواء مُزينة يوم الفتح إلى خُزاعيّ، وكانوا يومئذ ألف رجل، وهو أخو المغفّل أبي عبد الله بن المغفّل وأخو عبد الله ذي البجادين *).
وفد أَسد
(* قال: أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنا هشام بن سعد عن محمّد بن كعب القرظِيّ قال: وأخبرنا هشام بن محمد الكلبيّ، عن أبيه قالا: قدم عشرة رَهْط من بني أَسدَ بن خُزَيمة على رسول الله، ﷺ ، في أوّل سنة تسع، فيهم حَضْرمي بن عامر، وضِرار بن الأزْور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القايف، وسلمة بن حبيش، وطَلحة بن خُويلد، ونَقادة بن عبد الله بن خلف، فقال حضرمي بن عامر: أتيناك نَتَدَرّع الليلَ البهيم، في سَنة شَهْباء (١)، ولم تبعث إلينا بَعْثًا، فنزلت فيهم: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [سورة الحجرات: ١٧]. وكان معهم قوم من بني الزِّنْية، وهم بنو مالك بن مالك بن ثعلبة بن دُودان بن أسد، فقال لهم رسول الله، ﷺ : أنْتُمْ بَنو الرِّشْدَة، فقالوا: لا نكون مثل بني محوّلة، يعنون بني عبد الله بن غطفان *).
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: حدّثني أبو سفيان النخعي عن رجل من بني أسد ثمّ من بني مالك بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ ، لنَقَادة بن عبد الله بن خلف بن عميرة بن مُرَيّ بن سعد بن مالك الأسديّ: يا نَقادَةُ ابْغِ لي ناقَةً حَلْبانَةً رَكْبانَةً وَلا تُولِهها على وَلَدٍ، فطلبها في نعمه، فلم يقدر عليها، فوجدها
стр. 299
عند ابن عمّ له يقال له سنان بن ظفير فأطْلَبَهُ إيّاها، فساقها نقادة إلى رسول الله، ﷺ ، فمسح ضرعها ودعا نقادة، فحلبها حتى إذا بقّى فيها بقية من لبنها قال: أيْ نَقَادَةُ اتْرُكْ دَوَاعيَ اللّبَنِ، فَشَرِب رسول الله، ﷺ ، وسقى أصحابه من لبن تلك الناقة وسقى نَقادة سؤره وقال: اللّهُمّ بارِكْ فيها من ناقَةٍ وَفِيمَنْ مَنَحَهَا، قال نَقادة قلت: وفيمن جاء بها يا نبيّ الله؟ قال: وَفيمنْ جاء بها.
وفد تميم
(* قال: أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزُّهريّ قال: وحدّثنا عبد الله بن يزيد عن سعيد بن عَمرو قالا: بعثَ رسول الله، ﷺ ، بِشْر بن سفيان، ويقال النَّحَّام العَدَوي، على صَدَقات بني كعب من خزاعة فجاء وقد حَلَّ بنواحيهم بنو عمرو بن جُنْدب بن العنبر بن عمرو بن تميم، فجمعت خُزَاعة مواشيها للصدقة، فاستنكرَ ذلك بنو تميم وأبوا وابتدروا القِسِيّ وشهروا السيوف، فقدم المصدِّق على النبيّ، ﷺ ، فأخبره، فقال: مَنْ لِهَؤلاءِ القَوْمِ؟ فانتدب لهم عُيَيْنة بن بدر الفزاري، فبعثه النبيّ، ﷺ ، في خمسين فارسًا من العرب ليس فيهم مهاجريّ ولا أنصاريّ. فأغار عليهم منهم فأخذَ أحدَ عشرَ رجلًا وإحدى عشرةَ امرأة وثلاثين صبيًّا فَجَلبهم إلى المدينة فقدم فيهم عدة من رؤساء بني تميم، عُطَارد بن حاجب، والزِّبْرِقان بن بَدْر، وقَيْس بن عاصم، وقَيْس بن الحارث، ونُعيم بن سعد، والأقْرَع بن حابس، ورِياح بن الحارث، وعمرو بن الأهتم.
ويقال: كانوا تسعين أو ثمانين رجلًا، فدخلوا المسجد وقد أذّن بلال بالظُّهر، والنّاس ينتظرون خروج رسول الله، ﷺ ، فعجّلوا واستبطئوه فَنَادوه: يا محمّد اخرج إلينا، فخرَج رسول الله، ﷺ ، وأقامَ بلال، فصلَّى رسول الله، ﷺ ، الظُّهر ثمّ أتوه، فقال الأقْرَع: يا محمّد ائذن لي فوالله إنّ جهدي لزَين وإنّ ذَمّي لشَين، فقال له رسول الله، ﷺ : كَذَبْتَ ذَلِكَ اللهُ ﵎ *)، ثمّ خرج رسول الله، ﷺ ، فجلس، وخطبَ خطيبهم وهو عُطارد بن حاجب، فقال رسول الله، ﷺ ، لثابت بن قَيْس بن شَمّاس: أَجِبْهُ، فأجابه، ثمّ قالوا:
стр. 300
يا محمّد ائذن لشاعرنا، فأذِن له، فقام الزِّبرقان بن بدر فأنشد، فقال رسول الله، ﷺ ، لحسَّان بن ثابت: أَجِبْهُ، فأجابه بمثْل شعره، فقالوا: والله لخَطِيبه أبلغ من خَطِيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولهم أحلم مِنَّا، ونزل فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الحجرات: ٤]: وقال رسول الله، ﷺ ، في قيس بن عاصم: هذا سَيّدُ أهْلِ الوَبَرِ، وردّ عليهم رسول الله، ﷺ ، الأسْرَى والسَّبىَ، وأمر لهم بالجوائز كما كان يُجيز الوفد.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني ربيعة بن عثمان عن شيخ أخبره أن امرأة من بني النّجّار قالت: أنا أنظر إلى الوفد يومئذ يأخذون جوائزهم عند بلال اثنتي عشرة أوقية ونشًّا، قالت: وقد رأيتُ غلامًا أعطاه يومئذ وهو أصغرهم خَمس أواق، يعني عمرو بن الأهتم.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد قال: حدّثني رجل من عبد القيس قال: حدّثني محمّد بن جناح أخو بني كعب بن عمرو بن تميم قال: وفد سفيان بن العذيل بن الحارث بن مَصاد بن مازن بن ذؤيب بن كعب بن عَمرو بن تَميم على النبيّ، ﷺ ، فأسْلَم، فقال له ابنه قيس: يا أبتِ دعني آتي النبيّ، ﷺ ، معك، قال: سنعود.
قال: فحدّثني محمّد بن جناح عن عاصم الأحول قال: قال غنيم بن قيس بن سفيان: أشرف علينا راكب فَنَعَى لنا رسول الله، ﷺ ، ورحمته وبركاته، فنهضنا من الأحوية فقلنا: بأبينا وأُمّنا رسول الله، ﷺ ! وقلت:
ألا ليَ الويل على محمّدِ … قد كنت في حياته بمَقْعَدِ
وفي أمانٍ من عدوٍّ معتدي
قال: ومات قيس بن سفيان بن العذيل زمن أبي بكر الصّدّيق مع العلاء بن الحضرمي بالبحرين، فقال الشاعر:
فإن يكُ قيسٌ قد مضى لسبيله … فقد طافَ قيسٌ بالرّسول وسلّما
* * *
стр. 301
وفد عَبْس
(* قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ قال: حدّثني أبو الشغب عِكرشة بن أربد العبسيّ وعدة من بني عبس قالوا: وفدَ على رسول الله، ﷺ ، تسعة رَهْط من بني عبس، فكانوا من المهاجرين الأولين، منهم: مَيْسَرة بن مسروق، والحارث بن الربيع وهو الكامل، وقَنان بن دارم، وبِشْر بن الحارث بن عبادة، وهِدْم بن مَسعدة، وسِباعُ بن زيد، وأبو الحِصْن بن لُقمان، وعبد الله بن مالك، وفَرْوة بن الحُصَين بن فَضَالة، فأسلموا، فدعا لهم رسول الله، ﷺ ، بخير وقال: أبْغوني رَجُلًا يَعْشِرُكُمْ أعْقِدْ لَكُمْ لِوَاء، فدخل طلحة بن عُبيد الله، فَعَقَدَ لهم لواءً وجعل شعارَهم: يا عشرة.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عمّار بن عبد الله بن عبس الدئلي عن عُروة بن أُذينة الليثي قال: بَلغ رسولَ الله، ﷺ ، أن عيرًا لقريش أقبلت من الشأم، فبعث بني عبس في سريّة وعَقَدَ لهم لواء، فقالوا: يا رسول الله كيف نقسم غَنيمة إن أصبناها ونحن تسعة؟ قال: أنَا عاشِرُكُمْ، وجعلت الولاة اللواء الأعظم لواء الجماعة، والإمام لبني عبس ليست لهم راية.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عليّ بن مسلم الليثي عن المقبري عن أبي هريرة قال: قَدِمَ ثلاثة نَفَر من بني عَبس على رسول الله، ﷺ ، فقالوا: إنّه قدم علينا قُرّاؤنَا فأخبرونا أنّه لا إسلامَ لمن لا هِجْرة له، ولنا أموال ومواشٍ هي معاشنا، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بِعناها وهاجَرنا، فقال رسول الله، ﷺ : اتّقُوا الله حَيْثُ كُنْتُمْ فَلَنْ يَلِتَكُمْ مِنْ أعْمَالِكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كُنْتُمْ بصَمْدٍ وَجَازَانَ *): وسألهم عن خالد بن سنان، فقالوا: لا عقب له، فقال: نَبيّ ضَيّعَهُ قَوْمُهُ: ثمّ أنْشَأ يحدّث أصحابه حديث خالد بن سنان.
* * *
стр. 302
وفد فَزَارة
قال: أخبرنا (١) محمّد بن عمر، أخبرنا عبد الله بن محمّد بن عمر الجُمَحي عن أبي وَجْزة السعدي قال: لما رَجَع رسول الله، ﷺ ، من تَبُوك، وكانت سنة تسع، قدم عليه وفدُ بني فَزَارة بضعة عشر رجلًا، فيهم خَارِجَةُ بن حِصْن، والحُرُّ بن قَيس بن حصن، وهو أصغرهم، على رِكابٍ عِجافٍ، فجاءوا مُقرّين بالإسلام، وسألهم رسول الله، ﷺ ، عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله أَسْنَتتْ (٢) بلادنا، وَهَلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغَرِثَ (٣) عِيَالُنَا، فادعُ لنا ربّك، فصعد رسول الله، ﷺ ، المنبر ودعا فقال: اللّهمّ اسْقِ بِلادَكَ وَبَهَائِمَكَ وانْشُرْ رَحْمَتَكَ وَأحْيِ بَلَدَكَ المَيّتَ، اللهمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغيثًا مَريئًا مَريعًا مُطْبِقًا واسِعًا عاجِلًا غَيرَ آجِلٍ نافِعًا غَيرَ ضَارٍّ، اللّهُمّ اسْقِنَا سُقْيَا رَحْمَةٍ لا سُقْيَا عَذَابٍ وَلا هَدَمَ ولا غَرَقَ وَلا مَحْقَ، اللّهُمّ اسْقِنَا الغَيْثَ وَانْصُرْنَا عَلى الأعْدَاءِ! فمطرت فما رأوا السّماءَ سِتًّا، فصعد رسول الله، ﷺ ، المنبر فدعا فقال: اللّهُمّ حَوَالَينا ولا عَلَينا، على الآكام والظراب وبُطون الأودية ومَنَابت الشجر، قال: فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب.
وفد مُرّة
(* قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني عبد الرحمن بن إبراهيم المُزَني عن أشياخهم قالوا: قَدِم وَفدُ بني مرة على رسول الله، ﷺ ، مرجعه من تَبوك في سنة تسع، وهم ثلاثةَ عشرَ رجلًا، رأسهم الحارث بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، إنّا قومك وعشيرتك، ونحن قوم من بني لُؤَيّ بن غالب، فتبسّم رسول الله، ﷺ ، ثمّ قال: أينَ تَرَكْتَ أهْلَكَ؟ قال: بِسَلَاح (٤) وما وَالَاها، قال: وكَيْفَ البلادُ؟ قال: والله إنّا لَمُسْنِتُون، فادعُ الله لنا، فقال رسول الله، ﷺ :
стр. 303
اللّهُمّ اسْقِهِمُ الغَيْثَ، وأمر بلالًا أن يُجيزهم، فأجازهم بعشرة أواقٍ، عشرة أَواقٍ فضة، وفضّل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقية، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد مُطِرت في اليوم الذي دعا لهم رسول الله، ﷺ *).
وفد ثَعْلَبَة
(* أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني موسى بن محمّد بن إبراهيم عن رجل من بني ثعلبة عن أبيه قال: لمّا قدم رسول الله، ﷺ ، من الجِعِرّانَة سنة ثمان قدمنا عليه أربعة نَفَر وقلنا: نحن رُسُل مَن خَلْفنا من قومنا، ونحن وهم مُقِرُّون بالإسلام، فأمر لنا بضيافةٍ، وأقمنا أيامًا ثمّ جئناه لنودعه، فقال لبلال: أجِزْهُمْ كما تُجِيزُ الوَفْدَ، فجاء بِنُقَرٍ من فضّة وأعطى كل رجلٍ منّا خمسة أواقٍ، قال ليس عندنا دراهم، فانصرفنا إلى بلادنا *).
وفد مُحَارب
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني محمّد بن صالح عن أبي وجزة السَّعدي قال: قدم وفد مُحَارب سنة عشر في حجة الوداع وهم عشرة نَفَر، منهم: سوَاء بن الحارث، وابنه خُزَيمة بن سواء، فأُنزلوا دارَ رَمْلة بنت الحَدَث (١)، وكان بلال يأتيهم بغداء وعَشاء، فأسلموا وقالوا: نحن على مَن وراءنا، ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظّ ولا أغلظّ على رسول الله، ﷺ ، منهم، وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله، ﷺ ، فقال: الحمد لله الذي أبقاني حتى صدّقتُ بك! فقال رسول الله، ﷺ : إنّ هَذِهِ القُلُوبَ بِيَدِ الله، ومسَح وجه خُزَيمة بن سَواء فصارت له غُرة بيضاء، وأجازَهم كما يجيز الوفد، وانصرفوا إلى أهلهم (٢).
стр. 304
وَفْد سَعْد بن بَكْر (١)
قال: أخبرنا محمّد بن عمر قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كُريب عن ابن عبّاس قال: بَعثَتْ بنو سعد ابن بَكْر في رجب سنة خمس ضِمام بن ثَعْلَبة، وكان جَلْدًا أشْعَر ذا غَديرتين، وافدًا إلى رسول الله، ﷺ ، فأقبل حتّى وقفَ على رسول الله، ﷺ ، فسأله فأغلظ في المسألة، سأله عمن أرسله وبما أرسله، وسأله عن شرائع الإسلام، فأجابه رسول الله، ﷺ ، في ذلك كله، فرجع إلى قومه مسلمًا قد خَلَع الأنْداد وأخبرهم بما أمرَهم به ونهاهم عنه، فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلّا مسلمًا، وبنوا المساجد وأذّنوا بالصلوات.
وفد كِلاب
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثني موسى بن شيبة بن عمرو بن عبد الله بن كعب بن مالك عن خارجة بن عبد الله بن كعب قال: قدم وفدُ بني كِلاب في سنة تسع على رسول الله، ﷺ ، وهم ثلاثة عشر رجلًا فيهم لَبِيد بن ربيعة، وجَبّار بن سَلْمَى، فأنزلهم دار رَمْلة بنت الحَدَث، وكان بين جبار وكعب بن مالك خُلَّة، فبَلغ كعبًا قدومهم فرحَّب بهم وأهدى لجبار وأكرمه، وخرجوا مع كعب فدخلوا على رسول الله، ﷺ ، فسلّموا عليه بسلام الإسلام وقالوا: إن الضّحّاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبِسُنَّتك التي أمرته، وإنّه دعانا إلى الله فاستجبنا لله ولرسوله، وإنّه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردّها على فقرائنا (٢).
وفد رُؤاس بن كِلاب
(* قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، أخبرنا وكيع الرؤاسيّ
стр. 305
عن أبيه عن أبي نُفَيْع طارق بن عَلْقَمة الرؤاسيّ قال: قدم رجل منّا يقال له عمرو بن مالك بن قيس بن بُجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة على النبيّ، ﷺ ، فأسلم ثمّ أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: حتى نُصيبَ من بني عُقَيل بن كعب مثل ما أصابوا منّا، فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو بن مالك فأصابوا فيهم، ثمّ خرجوا يسوقون النَّعَمَ، فأدركهم فارس من بني عقيل يقال له ربيعة بن المُنْتَفِق بن عامر بن عقيل وهو يقول:
أقسمْتُ لا أطعُنُ إلا فارسَا … إذا الكماةُ لَبِسوا القَوَانِسَا
قال أبو نُفَيع: فقلت نجوتُم يا معشر الرَّجَّالة سائر اليوم، فأدرك العُقَيْليُّ رجلًا من بني عُبيد بن رُؤاس، يقال له المُحْرِسُ (١) بن عبد الله بن عمرو بن عُبيد بن رؤاس، فطعنه في عضده فاختلها، فاعتنق المُحْرسُ فرسه وقال: يا آل رؤاس! فقال ربيعة: رؤاسٌ خَيْلٌ أو أُنَاس؟ فعطفَ على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه فقتله، قال: ثمّ خرجنا نسوق النَّعمَ، وأقبل بنو عقيل في طلبنا حتى انتهينا إلى تُرَبَةَ، فقطع ما بيننا وبينهم وادي تربة، فجعلت بنو عقيل ينظرون إلينا ولا يصلون إلى شيء، فمضينا، قال عَمرو بن مالك: فأسقط في يديّ وقلتُ قتلتُ رجلًا وقد أسلمتُ وبايعتُ النبيّ، ﷺ ، فَشَدَدت يدي في غُلّ إلى عنقي ثمّ خرجت أريد النبيّ، ﷺ ، وقد بلَغه ذلك، فقال: لَئِنْ أتاني لأضْرِبَنّ مَا فَوْقَ الغُلّ مِنْ يَدِه، قال: فأطلقت يدي ثمّ أتيته فسلّمت عليه فأعرَضَ عني، فأتيته عن يمينه فأعرَضَ عني، فأتيته عن يَساره فأعرَض عني، فأتيته من قِبَل وجهه فقلت: يا رسول الله إن الرّب ليُترضى فَيَرْضى فارضَ عني، رضي الله عنك، قال: قَدْ رَضِيتُ عَنْكَ *).
وفد عُقيل بن كعب
قال (٢): أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب، أخبرنا رجل من بني عُقَيل عن أشياخ قومه قالوا: وَفَد مِنّا مِنْ بَني عُقَيل على رسول الله، ﷺ ، ربيع بن معاوية
стр. 306
ابن خَفاجة بن عمرو بن عُقيل، ومُطَرِّف بن عبد الله بن الأعلم بن عمرو بن ربيعة بن عقيل، وأنس بن قيس بن المُنْتَفِق بن عامر بن عقيل، فبايعوا وأسلموا وبايعوه على مَنْ وراءَهم مِنْ قومهم فأعطاهم النّبيّ، ﷺ ، العَقيق عَقيق بني عُقيل، وهي أرض فيها عيون ونخل، وكتب لهم بذلك كتابًا في أديم أحمر: بِسْمِ الله الرّحْمَنِ الرّحِيمِ. هَذَا مَا أعْطَى مُحَمّدٌ رَسُولُ الله، ﷺ ، رَبِيعًا وَمُطَرّفًا وَأنَسًا، أعْطَاهُمُ العَقِيقَ مَا أقَامُوا الصّلاةَ وَآتَوا الزّكاةَ وَسَمِعُوا وَأطَاعُوا، ولم يعطهم حقًّا لمسلم، فكان الكتاب في يد مطرّف، قال: وَوَفَد عليه أيضًا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر بن عقيل وهو أبو رزين، فأعطاه ماءً يقال له النّظيم وبايعه على قومه، قال: وقدم عليه أبو حرب بن خُوَيلد بن عامر بن عُقَيل، فقرأ عليه رسول الله، ﷺ ، القرآن وعرض عليه الإسلام، فقال: أما وَايْمُ الله لقد لقيتَ اللهَ أَو لقيتَ مَن لَقِيَه، وإنّك لتَقول قولًا لا نحسن مثله، ولكني سوف أضرب بقِداحي هذه على ما تدعوني إليه وعلى ديني الذي أنا عليه، وضرَب بالقداح فخرَج عليه سهم الكفر ثمّ أعاده فخرج عليه ثلاث مرات، فقال لرسول الله، ﷺ : أَبيَ هذا إلّا ما تَرَى، ثمّ رجع إلى أخيه عِقَال بن خُويلد فقال له: قَلّ خَيسُك! هل لك في محمّد بن عبد الله يدعو إلى دين الإسلام ويقرأ القرآن وقد أعطاني العَقيقَ إن أنا أسلمتُ؟ فقال له عقال: أنا والله أَخُطُّك أكثر ممّا يخُطّك محمّد! ثمّ ركب فرسه وجرّ رُمحه على أسفل العقيق فأخذ أسفله وما فيه من عين، ثمّ إن عقالًا قدم على رسول الله، ﷺ ، فعرض عليه الإسلام وجعل يقول له: أتَشْهَدُ أنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ؟ فيقول: أشهد أن هبيرة بن النُّفاضة نِعم الفارس يوم قَرْنَيْ لَبان، ثمّ قالَ: أتَشْهَدُ أنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللهِ؟ قال: أشهدُ أنّ الصريح تحت الرغوة، ثمّ قال له الثالثة: أتشهد؟ قال: فشهد وأسلم: قال: وابن النُّفاضة هبيرة بن معاوية بن عبادة بن عقيل، ومعاوية هو فارس الهَرّار، والهَرّار اسم فرسه، ولَبان هو موضع، خيسك خيرك.
قالوا: وقدم على رسول الله، ﷺ ، الحصين بن المعلّى بن ربيعة بن عقيل وذو الجوشن الضبابي فأسلما.
* * *
стр. 307
وفد جَعْدة (١)
قال: أخبرنا هشام بن محمّد عن رجل من بني عُقيل قال: وفد إلى رسول الله، ﷺ ، الرُّقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب، وأعطاه رسول الله، ﷺ ، بالفَلْجِ (٢) ضيعة وكتَب له كتابًا، وهو عندهم.
وفد قُشَيْر بن كعب (٣)
قال: أخبرنا هشام بن محمّد عن رجل من بني عقيل، وأخبرنا علي بن محمّد القرشي قالا: وَفَدَ على رسول الله، ﷺ ، نَفَرٌ من قُشَير، فيهم ثور بن عَزْرَة (٤) بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم، فأقطعه رسول الله، ﷺ ، قطيعة وكتب له بها كتابًا، ومنهم حَيْدة بن معاوية بن قشير، وذلك قبل حجة الوداع وبعد حُنَين، ومنهم قُرّة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير فأسلم، فأعطاه رسول الله، ﷺ ، وكسَاه بُردًا وأمره أن يتصدّق على قومه، أي يلي الصدقة: فقال قُرة حين رجع:
حباها رسولُ الله إذ نزلتْ به … وأمكنها من نائِلٍ غر مُنفَدِ
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة … وقد أنجحت حاجاتها من محمّدِ
عليها فتًى لا يُردِفُ الذَّمَّ رحلَه … تَرُوكٌ لأمر العاجز المتردّدِ
وفد بني البَكَّاء (٥)
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني عبد الله بن عامر عن عبد الله بن عامر البكّائي من بني عامر بن صَعْصعة قال: وحدّثني محرز بن جعفر عن الجعد بن عبد الله بن عامر البكّائي من بني عامر بن صعصعة عن أبيه قالا: وفد من بني البكّاء على رسول الله، ﷺ ، سنة تسع ثلاثة نفر: معاوية بن ثور بن عُبادة
стр. 308
ابن البكّاء، وهو يومئذ ابن مائة سنة، ومعه ابنٌ له يقال له بِشر، والفُجَيْع بن عبد الله بن جندح بن البكّاء، ومعهم عبد عمرو البكّائي، وهو الأصم، فأمر لهم رسول الله، ﷺ ، بمنزل وضيافة، وأجازهم ورجعوا إلى قومهم، وقال معاوية للنبيّ، ﷺ : إني أتبرك بمسّك، وقد كبرت وابني هذا برّ بي فامسح وجهه، فمسح رسول الله، ﷺ ، وجه بشر بن معاوية وأعطاه أَعْنُزًا عُفْرًا وبَرّكَ عليهن، قال الجعد: فالسَّنة (١) ربّما أصابت بني البكّاء ولا تصيبهم: وقال محمّد بن بشر بن معاوية بن ثور بن عبادة بن البكّاء:
وَأَبى الَّذي مَسَحَ الرَّسُولُ بِرَأْسِه … وَدَعَا لَهُ بالخَيْرِ والبركاتِ
أعطاه أحمدُ إذْ أتاه أَعْنُزًا … عُفْرًا نَوَاجِلَ لَسْنَ باللَّجِباتِ
يَمْلَأْنَ رِفْدَ (٢) الحيّ كلَّ عشيّة … وَيَعُودُ ذاك المَلْءُ بالغَدَوَاتِ
بُورِكْنَ من مَنْحٍ وبورك مَانِحًا … وعليه مِنِّي ما حَيِيتُ صَلَاتي
أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي قال: كتب رسول الله، ﷺ ، للفُجَيع كتابًا: مِنْ مُحَمّدٍ النّبيّ لِلْفُجَيعِ ومَنْ تَبِعَهُ وَأسلم وَأقام الصّلاةَ، وآتى الزكاةَ، وأعْطى الله وَرَسولَهُ وَأعطى مِن المَغانمِ خُمْسَ اللهِ، وَنصَرَ النّبيّ وَأصْحَابهُ، وَأشْهَدَ عَلى إسْلامِهِ، وَفَارَقَ المُشْرِكينَ، فَإنَّه آمِنٌ بأمَانِ اللهِ وَأمَانِ مُحَمّدٍ. قال هشام: وسمى رسول الله، ﷺ ، عبد عمرو الأصمّ عبد الرحمن وكتب له بمائه الذي أسلم عليه ذي القَصّة (٣)، وكان عبد الرحمن من أصحاب الظّلّة، يعني الصّفّة صفة المسجد.
وفد كنانة (٤)
قال: أخبرنا عليّ بن محمد القرشي عن أبي معشر عن يزيد بن رومان ومحمد بن كعب وعن أبي بكر الهذلي عن الشعبي وعن عليّ بن مجاهد وعن
стр. 309
محمّد بن إسحاق بن الزهري وعكرمة بن خالد بن عاصم بن عَمرو بن قتادة وعن يزيد بن عياض بن جعدبة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعن مسلمة بن علقمة عن خالد الحذّاء عن أبي قِلابة، في رجال آخرين من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض فيما ذكروا من وفود العرب على رسول الله، ﷺ ، قالوا: وفد واثلة بن الأسْقع الليثيّ على رسول الله، ﷺ ، فقدم المدينة ورسول الله، ﷺ ، يتجهّز إلى تَبوك فصلّى معه الصبح، فقال له: ما أنْتَ وَمَا جَاءَ بِكَ وَمَا حَاجَتُكَ؟ فأخبره عن نَسبه وقال: أتيتك لأُومن بالله ورسوله، قال: فَبَايِعْ عَلى ما أحْبَبْتُ وَكَرِهْتُ، فبايعه ورجع إلى أهله فأخبرهم، فقال له أبوه: والله لا أكلّمك كلمة أبدًا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته، فخرج راجعًا إلى رسول الله، ﷺ ، فوجده قد صار إلى تَبوك، فقال: مَن يحملني عُقبه وله سَهمي؟ فحمله كَعب بن عُجرة حتى لحق برسول الله، ﷺ ، وشهد معه تبوك، وبعثه رسول الله، ﷺ ، مع خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر، فغنم فجاء بسهمه إلى كعب بن عُجْرَة، فأبَى أن يقبله وسَوَّغه إيّاه وقال: إنّما حملتك لله.
وفد بني عبد بن عدي
قالوا (١): وقدم على رسول الله، ﷺ ، وَفْدُ بني عبد بن عَدِيّ، وفيهم الحارث بن أُهْبان، وعُوَيمر بن الأخْرَم، وحبيب وربيعة ابنا مُلّة ومعهم رهط من قومهم، فقالوا: يا محمّد نحن أهل الحرم وساكنه وأعزّ من به ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلت غير قريش قاتلنا معك ولكنّا لا نقاتل قريشًا، وإنّا لنحبّك ومن أنت منه، فإن أصبت منّا أحدًا خطأً فعليك ديته، وإن أصبنا أحدًا من أصحابك فعلينا ديته، فقال: نَعَمْ، فأسلموا.
وفد أَشْجَع
قالوا (٢): وَقَدِمَتْ أَشْجَعُ على رسول الله، ﷺ ، عام الخندق، وهم مائة
стр. 310
رأسهم مسعود بن رُخَيْلَة، فنزلوا شِعْبَ سَلع (١)، فخرج إليهم رسول الله، ﷺ ، وأمر لهم بأحمال التمر، فقالوا: يا محمّد لا نعلم أحدًا من قومنا أقرب دارًا منك منّا، ولا أقلّ عددًا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك، فجئنا نُوادعك، فوادعهم، ويقال بل قدمت أشجع بعدما فرغ رسول الله، ﷺ ، من بني قريظة، وهم سبعمائة، فوادعهم ثمّ أسلموا بعد ذلك.
وفد باهِلة
قالوا (٢): وقدم على رسول الله، ﷺ ، مُطَرّف بن الكاهن الباهلي بعد الفتح وافدًا لقومه فأسلم وأخذ لقومه أمانًا، وكتَب له رسول الله، ﷺ ، كتابًا فيه فرائض الصدقات، ثمّ قدم نَهْشَل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله، ﷺ ، وافدًا لقومه فأسلم، وكتب له رسول الله، ﷺ ، ولمن أسلم من قومه كتابًا فيه شرائع الإسلام، وكتبه عثمان بن عفّان، ﵁.
وفد سُلَيْم
(* قالوا: وقدم على رسول الله، ﷺ ، رجل من بني سُليم يقال له قَيس بن نُسَيْبَةَ، فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه وَوَعى ذلك كلّه، ودعاه رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام فأسْلَم، ورَجَعَ إلى قومه بني سُلَيم فقال: قد سَمِعْتُ بَرْجَمَةَ (٣) الروم، وهينمة فارس، وأشعار العرب، وكهانة الكاهن، وكلام مَقَاول حمير، فما يشبه كلامُ محمّد شيئًا من كلامهم، فأطيعوني وخُذوا بنصيبكم منه. فلمّا كان عام الفتح خَرجت بنو سُليم إلى رسول الله، ﷺ ، فلقوه بقُديد وهم تسعمائة، ويقال كانوا ألفًا، فيهم العبّاس بن مِرْداس وأنَس بن عياض بن رِعل
стр. 311
وراشد بن عبد ربّه، فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدمتك، واجعل لواءنا أحمر، وشعارنا مقدم، ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح والطائف وحُنينًا.
وأعطى رسول الله، ﷺ ، راشد بن عبد ربّه رهاطًا وفيها عين يقال لها عين الرسول، وكان راشد يَسْدُنُ صنمًا لبني سليم، فرأى يومًا ثعلبين يبولان عليه فقال:
أَرَبٌّ يَبُولُ الثَّعْلَبَانِ برأسه! … لَقَدْ ذَلَّ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ
ثمّ شدّ عليه فكسره، ثمّ أتى النبيَّ، ﷺ ، فقال له: ما اسْمُكَ؟ قال: غاوى بن عبد العزّى، قال: أنْتَ راشِدُ بنُ عَبْدِ رَبّهِ، فأسلم وحسن إسلامه وشهد الفتح مع النبيّ، ﷺ ، وقال رسول الله، ﷺ : خَيْرُ قُرًى عَرَبِيّةٍ خَيْبَرُ، وَخَيْرُ بَنِي سُلَيْمٍ راشِدٌ، وعقد له على قومه.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد قال: حدّثني رجل من بني سُليم من بني الشريد قال: وفد رجلٌ منّا يقال له قِدْر بن عمّار على النبيّ، ﷺ ، بالمدينة فأسلم وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل وأنشد يقول:
شددتُ يميني إذْ أتَيتُ محمّدًا … بخيرِ يدٍ شُدّتْ بحُجزَة مِئزَرِ
وَذَاكَ امْرُؤٌ قَاسَمْتُهُ نِصْفَ دِينه … وأعطيته ألف امرئ غيرَ أعسرِ
ثمّ أتى إلى قومه فأخبرهم الخبر فخرج معه تسعمائة وخلّف في الحي مائة، فأقبل بهم يريد النبيّ، ﷺ ، فنزل به الموت، فأوصى إلى ثلاثة رهط من قومه إلى العبّاس بن مِرداس وأمّره على ثلاثمائة، وإلى جبّار بن الحكم، وهو الفرّار الشريدي، وأمّره على ثلاثمائة، وإلى الأخنس بن يزيد وأمّره على ثلاثمائة، وقال: ائتوا هذا الرجل حتى تقضوا العهد الذي في عنقي، ثمّ مات، فمضوا حتى قدموا على النبيّ، ﷺ ، فقال: أينَ الرّجلُ الحَسَنُ الوَجْهِ الطّوِيلُ اللّسَانِ الصّادِقُ الإيمانِ؟ قالوا: يا رسول الله دعاه الله فأجابه، وأخبروه خبره، فقال: أينَ تَكْمِلَةُ الألْفِ الّذينَ عاهَدَني عَلَيْهِمْ؟ قالوا: قد خلّف مائة بالحي مخافة حرب كان بيننا وبين بني كِنانة، قال: ابْعَثُوا إلَيْهَا فَإنّهُ لا يَأتيكُمْ في عامِكُمْ هَذا شَيءٌ تَكْرَهُونَهُ، فبعثوا إلَيْهَا فأتته
стр. 312
بالهَدة وهي مائة عليها المُنْقَع بن مالك بن أميّة بن عبد العُزّى بن عَمَل بن كعب بن الحارث بن بُهثة بن سُليم، فلمّا سمعوا وئيد الخيل قالوا: يا رسول الله أُتينا، قال: لا بَلْ لَكُمْ لا عَلَيْكُمْ، هَذِهِ سُلَيْمُ بنُ مَنْصورٍ قَدْ جاءتْ! فشهدوا مع النبيّ، ﷺ ، الفَتح وحُنينًا: وللمنقّع يقول العبّاس بن مِرْداس القائد:
القائدُ المائةِ التي وَفَّى بها … تِسْعَ المئين فَتَمَّ ألْفٌ أقْرَعُ *)
وفد هلال بن عامر
(* قال: رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمّد القرشي، قالوا: وقدم على رسول الله، ﷺ ، نَفَر من بني هلال فيهم عبد عوف بن أصرم بن عمرو بن شُعَيْثَة (١) بن الهُزَم من رُؤيْبَة فسأله عن اسمه فأخبره فقال: أنْتَ عَبْدُ اللهِ، وأسلم، فقال رجل من ولده:
جدّى الذي اختارت هوازنُ كلّها … إلى النبيّ عَبْدُ عَوْف وافدا
ومنهم قبيصة بن المخارق قال: يا رسول الله إني حملت عن قومي حَمَالة فأعِنّي فيها، قال: هِيَ لَكَ في الصّدَقَاتِ إذا جاءَتْ.
قال: أخبرنا هشام بن مُحَمّد، أخبرنا جعفر بن كلاب الجعفري عن أشياخ لبني عامر قالوا: وفد زياد بن عبد الله بن مالك بن بُجير بن الهُزَم بن رُؤيْبَة بن عبد الله بن هلال بن عامر على النبيّ، ﷺ ، فلمّا دخل المدينة توجّه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبيّ، ﷺ ، وكانت خالة زياد أمه غُرّة بنت الحارث، وهو يومئذ شابّ، فدخل النبيّ، ﷺ ، وهو عندها، فلمّا أتى رسول الله، ﷺ ،
стр. 313
غَضِب فرجع، فقالت: يا رسول الله هذا ابن أختي! فدخل إليها ثمّ خرَج حتى أتى المسجد ومعه زياد فصَلَّى الظُّهر، ثمّ أدنى زيادًا فدعا له ووضَع يده على رأسه ثمّ حدّرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول: ما زِلنا نتعرف البرَكة في وجه زياد: قال الشاعر لعلي بن زياد:
يابن الذي مسح النبيّ برأسه … ودعا له بالخير عند المسجدِ
أَعْنِي زيادًا لا أريد سِواءَه … من غائرٍ أو مُتْهِمٍ أو مُنْجِدِ
ما زال ذاك النور في عرنينه … حتى تبوّأ بيته في المُلْحَدِ *)
وفد عامر بن صعصعة
قال: ثمّ رجع الحديث إلى عليّ بن محمّد القرشي (١)، قالوا: وقدم عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب وأربد بن قيس بن جَزْء بن خالد بن جعفر (٢) على رسول الله، ﷺ ، فقال عامر: يا محمّد ما لي إن أسلمتُ؟ فقال: لَكَ
стр. 314
ما لِلمُسْلِمينَ وعَلَيْكَ ما عَلى المُسْلِمينَ، قال: أتجعل لي الأمر من بعدك؟ قال: لَيْسَ ذاكَ لَكَ وَلا لِقَوْمِكَ، قال: أفتجعلُ لي الوبر ولك المدر؟ قال: لا وَلَكِني أجْعَلُ لَكَ أَعِنّةَ الخَيْلِ فَإنّكَ امْرُؤٌ فَارِسٌ، قال: أوَلَيست لي؟ لأملأنّها عليك خيلًا ورجالًا! ثمّ ولّيَا، فقال رسول الله، ﷺ : اللّهمّ اكفِنيهما، اللّهُمّ وَاهْدِ بَني عامِرٍ وَأغْنِ الإسْلامَ عنْ عامِرٍ، يعني ابن الطفيل، فسلط الله، ﵎، على عامر داءً في رقبته فاندَلَع لسانه في حنجرته كضرع الشاة فمال إلى بيت امرأة من بني سلول وقال: غدّة كغدّة البكر وموتٌ في بيت سلوليّه، وأرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، فبكاه لبيد بن ربيعة، وكان في ذلك الوفد عبد الله الشّخّير أبو مُطَرف فقال: يا رسول الله أنت سيدنا وذو الطّول علينا، فقال: السّيّدُ الله لا يَسْتَهْوِيَنّكُمُ الشّيطانُ.
قالوا: وقدم على رسول الله، ﷺ ، علقمة بن عُلاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب وهوذة بن خالد بن ربيعة وابنه، وكان عمر جالسًا إلى جنب رسول الله، ﷺ ، فقال له رسول الله: أوْسِعْ لِعَلْقَمَةَ، فأوْسَع له، فجلس إلى جنبه، فقصَّ عليه رسول الله، ﷺ ، شرائع الإسلام وقرأ عليه قرآنًا، فقال: يا محمّد إن ربّك لكريم وقد آمنت بك وبايعت على عكرمة بن خَصَفَةَ أخي قيس، وأسلم هوذة وابنه وابن أخيه وبايعَ هَوذة على عكرمة أيضًا.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد عن إبراهيم بن إسحاق العبدي عن الحجّاج بن أرْطاة عن عَون بن أبي جُحيفة السُّوائي عن أبيه قال: قَدِم وفد بني عامر وكنتُ معهم إلى النبيّ، ﷺ ، فوجدناه بالأبطح في قُبّة حمراء فسلّمنا عليه فقال: مَنْ أنْتُمْ؟ قلنا: بنو عامر بن صعصعة، قال: مَرْحَبًا بكُمْ أنْتُمْ مِنّي وأنَا مِنْكُمْ، وحضرَت الصلاةُ فقام بلال فأذَّن وجعل يستدير في أذانه، ثمّ أتى رَسولَ الله، ﷺ ، بإناءٍ فيه ماء فتوضأ وفَضَلَت فَضْلة من وَضوئه فجعلنا لا نألو أن نتوضأ ممّا بقي من وضوئه، ثمّ أقام بلال الصلاة فصلّى بنا رسول الله، ﷺ ، ركعتين ثمّ حضرَتِ العصرُ فقام بلال فأذّن فجعل يستدير في أذانه، فصلّى بنا رسول الله، ﷺ ، ركعتين.
стр. 315
وفد ثقيف
(* قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي عن عبد الله بن أبي يحيَى الأسلمي عمن أخبره قال: لم يحضر عُروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة حصار الطائف، كانا بجُرَش (١) يتعلّمان صنعة العرّادات والمنجنيق والدّبابات فقدما وقد انصرف رسول الله، ﷺ ، عن الطائف فنصبا المنجنيق والعرّادات والدبابات وأعدّا للقتال، ثمّ ألقى الله في قلب عُروة الإسلام وغيّره عمّا كان عليه فخرج إلى رسول الله، ﷺ ، فأسلم، ثمّ استأذن رسولَ الله، ﷺ ، في الخروج إلى قومه ليدعُوَهم إلى الإسلام فقال: إنّهُمْ إذًا قاتِلوكَ، قال: لأنا أحبّ إليهم من أبكار أولادهم، ثمّ استأذنه الثانية ثمّ الثالثة فقال: إنْ شِئْتَ فَاخْرُجْ، فخرج فسار إلى الطائف خمسًا فقدم عشاءً فدخل منزله فجاء قومه فحيّوه بتحيّة الشِّرك، فقال: عليكم بتحيّة أهل الجنّة السلام، ودعاهم إلى الإسلام، فخرجوا من عنده يأتمرون به، فلمّا طلع الفجر أَوْفى على غُرْفة له فأذّن بالصلاة فخرجت ثقيف من كلّ ناحية، فرماه رجل من بني مالك يقال له أوس بن عوف فأصاب أَكْحَلَه فلم يرقَأْ دمُه، وقام غَيْلان بن سَلَمَةَ، وكنانة بن عبد يَالِيل والحكم بن عمرو بن وهب ووجوه الأحلاف فلبسوا السلاح وحشدوا، فلمّا رأى عروة ذلك قال: قد تصدقتُ بدمي على صاحبه لأصلح بذاك بينكم، وهي كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله إليّ، وقال: ادفنوني مع الشهداء الذين قُتلوا مع رسول الله، ﷺ ، ومات فدفنوه معهم، وبلغ رسولَ الله، ﷺ ، خبره فقال: مَثَلُهُ كَمَثَلِ صاحِبِ يس دَعا قوْمَهُ إلى اللهِ فَقَتَلوهُ *).
ولحق أبو المُلَيْح بن عُروة وقارب بن الأسود بن مسعود بالنبيّ، ﷺ ، فأسلما، وسأل رسول الله، ﷺ ، عن مالك بن عوف فقالا: تركناه بالطائف، فقال: خَبّروهُ أنّه إنْ أتاني مُسْلِمًا رَدَدْتُ إلَيْهِ أهْلَهُ وَمَالَهُ وَأعْطَيْتُهُ مائَةً مِنَ الإبِلِ، فقدم على رسول الله، ﷺ ، فأعطاه ذلك، وقال: يا رسول الله أنا أكفيك ثَقيفًا
стр. 316
أُغير على سَرْحهم حتى يأتوك مسلمين، فاستعمله رسول الله، ﷺ ، على من أسلم من قومه والقبائل، فكان يُغير على سَرح ثقيف ويقاتلهم، فلمّا رأت ذلك ثقيف مشوا إلى عبد ياليل وأتمروا بينهم أن يبعثوا إلى رسول الله، ﷺ ، نفرًا منهم وفدًا، فخرج عبد ياليل وابناه كنانة وربيعة وشرحبيل بن غيلان بن سلمة والحكم بن عمرو بن وهب بن معتّب وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف ونُمير بن خَرَشَةَ بن ربيعة فساروا في سبعين رجلًا وهؤلاء الستّة رؤساؤهم، وقال بعضهم: كانوا جميعًا بضعة عشرَ رجلًا، وهو أثبت، قال المغيرة بن شعبة: إني لفي ركاب المسلمين بذي حُرُض، فإذا عثمان بن أبي العاص تلقاني يستخبرني، فلمّا رأيتهم خرجت أشتدّ أبشّر رسول الله، ﷺ ، بقدومهم، فألقى أبا بكر الصديق، ﵁، فأخبرته بقدومهم، فقال: أقسمتُ عليك لا تسبقني إلى رسول الله، ﷺ ، بخبرهم! فدخل فأخبر رسول الله، ﷺ ، فسُرّ بمقدمهم، ونزل من كان منهم من الأحلاف على المغيرة بن شعبة فأكرمَهم، وضرَب النبيّ، ﷺ ، لمن كان فيهم من بني مالك قُبّة في المسجد، فكان رسول الله، ﷺ ، يأتيهم كلّ ليلة بعد العشاء فيقف عليهم ويحدثهم حتى يراوح بين قدميه، ويشكو قريشًا ويذكر الحرب التي كانت بينه وبينهم، ثمّ قاضى النبيّ، ﷺ ، ثقيفًا على قضيّة، وعُلّموا القرآن، واستعمل عليهم عثمان بن أبي العاص، واستعفت ثقيف من هدم اللَّات والعُزّى فأعفاهم، قال المغيرة: فكنت أنا هَدمتها، قال المغيرة: فدخلوا في الإسلام فلا أعلم قومًا من العرب بني أب ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلامًا ولا أبعد أن يوجد فيهم غِشّ لله ولكتابه منهم.
وفود ربيعة: عَبد القيس
(* قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني قُدامة بن موسى عن عبد العزيز بن رُمّانة عن عروة بن الزبير قال: وحدّثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قالا: كتب رسول الله، ﷺ ، إلى أهل البحرين أن يقدُم عليه عشرون رجلًا منهم، فقدم عليه عشرون رجلًا رأسهم عبد الله بن عوف الأشجّ، وفيهم الجارود
стр. 317
ومُنْقِذ بن حيّان، وهو ابن أخت الأشجّ، وكان قدومهم عام الفتح، فقيل: يا رسول الله هؤلاء وفد عبد القيس، قال: مَرْحَبًا بِهِمْ نِعْمَ القَوْمُ عَبْدُ القَيْسِ! قال: ونظر رسول الله، ﷺ ، إلى الأفق صَبيحة ليلة قدموا وقال: لَيَأْتِيَنَّ رَكْبٌ مِنَ المُشرِكينَ لَمْ يُكْرَهوا عَلى الإسلام قَدْ أنْضوا الرّكابَ وَأفْنَوا الزادَ، بصاحِبِهِمْ عَلامَةٌ، اللّهُمّ اغْفِرْ لِعَبْدِ القَيْسِ أتَوْني لا يَسْألُوني مالًا هُمْ خيَرُ أهْلِ المَشْرِقِ.
قال: فجاءُوا في ثيابهم ورسول الله، ﷺ ، في المسجد فسلّموا عليه، وسألهم رسول الله، ﷺ : أيّكُمْ عَبْدُ اللهِ الأشَجّ؟ قال: أنا يا رسول الله، وكان رجلًا دميمًا، فنظر إليه رسول الله، ﷺ ، فقال: إنّه لا يُستسقى في مسوك الرجال إنّما يُحتاج من الرجل إلى أصْغريه لسانه وقلبه، فقال رسول الله، ﷺ : فيكَ خَصْلَتان يُحِبّهُما الله، فقال عبد الله: وما هما؟ قال: الْحِلْمُ وَالأناةُ، قال: أشَيءٌ حدَث أم جُبلتُ عليه؟ قال: بَلْ جُبِلتَ عَلَيْهِ: وكان الجارود نصرانيًّا فدعاه رسول الله، ﷺ ، إلى الإسلام فأسلم، فحسن إسلامه *).
وأنزل وفد عبد القيس في دار رملة بنت الحدث، وأجرى عليهم ضيافة، وأقاموا عشرة أيّام، وكان عبد الله الأشجّ يُسائل رسول الله، ﷺ ، عن الفقه والقرآن، وأمر لهم بجوائز، وفضّل عليهم عبد الله الأشجّ فأعطاه اثنتي عشرة أوقيّة ونشًّا، ومسح رسول الله، ﷺ ، وجه منقذ بن حيان.
وفد بكر بن وائل
قال: ثمّ رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمّد القرشي (١) بإسناده الأوّل، قالوا: وقدم وفد بكر بن وائل على رسول الله، ﷺ ، فقال له رجل منهم: هل تعرف قُس بن ساعدة! فقال رسول الله، ﷺ : لَيْسَ هُوَ مِنْكُمْ هَذا رَجُلٌ مِنْ إيَاد تَحَنّفَ في الجاهِلِيّةِ فوَافى عُكاظَ وَالنّاسُ مُجْتَمِعونَ فَيُكَلّمُهُمْ بكَلامِهِ الّذي حُفِظَ عَنْهُ. وكان في الوفد بشير بن الخصاصيّة، وعبد الله بن مَرْثَد، وحسّان بن خُوط، وقال رجل من ولد حسان:
أنا ابن حسان بن خُوْطٍ وَأَبِي … رسول بَكرٍ كلّها إلى النَّبِيْ
стр. 318
قالوا (١): وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سَدوس على رسول الله، ﷺ ، وكان ينزل اليمامة، فباع ما كان له من مال باليمامة وهاجَر وقَدِم على رسول الله، ﷺ ، بجراب من تمر فدعا له رسول الله، ﷺ ، بالبَركة.
وفد تَغْلب
(* قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلميّ قال: حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبرة عن يعقوب بن زَيد بن طلحة قال: قدم على رسول الله، ﷺ ، وفد بني تغلب ستّة عشر رجلًا مسلمين ونصارى عليهم صُلُب الذَّهَب، فنزلوا دار رَمْلَة بنت الحدث، فصالح رسول الله، ﷺ ، النصارى على أن يقرّهم على دينهم (٢) على أَلّا يصبغوا أولادهم في النصرانيّة، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم *).
وفد حنيفة
(* قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمي قال: حدّثني الضحّاك بن عثمان عن يزيد بن رومان، قال محمّد بن سعد: وأخبرنا عليّ بن محمّد القرشي عن مَن سمّى من رجاله قالوا: قدم وفد بني حنيفة على رسول الله، ﷺ ، بضعة عشر رجلًا، فيهم رَجّال (٣) بن عُنْفُوَة، وسلمى بن حَنْظَلة السُّحَيْمي، وطلْق بن عليّ بن قيس، وحُمران بن جابر من بني شَمِر، وعليّ بن سِنان، والأقعس بن مَسْلَمة، وزيد بن عبد عمرو، ومُسَيْلمَة بن حبيب، وعلى الوفد سلمى بن حنظلة، فأُنزلوا دار رَملة بنت الحدث، وأجريت عليهم ضيافة، فكانوا يُؤتَوْنَ بغداء وعشاء مرّة خبزًا ولحمًا ومرّة خبزًا ولبنًا ومرّة خبزًا وسمنًا ومرّة تمرًا نثر لهم، فأتوا رسول
стр. 319
الله، ﷺ ، في المسجد فسلموا عليه وشهدوا شهادة الحقّ، وخلّفوا مُسيلمة في رحلهم، وأقاموا أيّامًا يختلفون إلى رسول الله، ﷺ ، وكان رجَّال بن عُنْفُوة يتعلّم القرآن من أُبيّ بن كعب، فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أمر لهم رسول الله، ﷺ . بجوائزهم خمس أواق لكلّ رجل، فقالوا: يا رسول الله إنّا خَلَّفنا صاحبًا لنا في رحالنا يُبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له رسول الله ﷺ ، بمثل ما أمر به لأصحابه وقال: لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكانًا لِحِفْظِهِ رِكابَكُمْ ورِحالَكُمْ، فقيل ذلك لمُسَيلمة، فقال: عرف أن الأمر إليّ من بعده.
ورجعوا إلى اليمامة وأعطاهم رسول الله، ﷺ ، إداوةً من ماء فيها فَضْل طَهور، فقال: إذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم (١) وانْضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوا مكانها مسجدًا، ففعلوا، وصارت الإِدَاوَةُ عند الأَقْعَس بن مَسْلَمَة، وصار المؤذن طَلْق بن عليّ، فأذّن فسمعه راهب البيعة فقال: كلمة حقّ، ودعوة حقّ! وهرب، فكان آخر العهد به.
وادعى مُسَيلمة، لَعنه الله، النبوة، وشهد له الرَّجَّال بن عُنْفُوَةَ أن رسول الله، ﷺ ، أشركه في الأمر فافتتن النّاس به *).
وفد شَيْبان (٢)
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن حسّان أخو بني كعب من بَلْعَنْبَر أنّه حدّثته جَدّتاه صفية بنت عُليبة ودُحيبة بنت عليبة حدّثتاه عن حديث قَيْلَة بنت مَخْرَمة، وكانتا ربيبتيْها، وقيلة جدّة أبيهما أمّ أمّه، أنّها كانت تحت حبيب بن أزهر أخي بني جَناب، وأنّها ولدت له النساء، ثمّ توفي في أوّل الإسلام فانتزع بناتها منها عمهن أثؤب بن أزهر، فخرجت تبتغي الصحابة إلى رسول الله، ﷺ ، في أوّل الإسلام، فبكت جُويرية منهن حُديباء، وكانت أخذتها الفرصة، عليها سُبَيّج من صوف، قال: فذهبت بها معها، فبينا هما تُرتكان الجمل إذ انتفجت الأرنب، فقالت الحديباء القَصِيّة: والله لا يزال كعبك أعلى من كعب أثؤب في
стр. 320
هذا الحديث أبدًا! ثمّ سنح الثعلب فسمّته باسم نَسيه عبد الله بن حسّان، ثمّ قالت فيه مثلَ ما قالت في الأرنب، فبينما هما تُرْتِكان الجمل إذ برك الجمل، فأخذته رِعدة، فقالت الحديباء: أدركتك والأمانةِ أُخذَةُ أثؤب، فقلتُ واضطررتُ إليها: ويحكِ فما أصنع؟ فقالت: اقلبي ثيابك ظهورها لبطونها، وادّحرجي ظهرك لبطنك، واقلبي أحلاس جملك، ثمّ خلعت سبيجها فقلبته، ثمّ ادّحرجت ظهرها لبطنها، فلمّا فعلت ما أمرتني به انتفض الجمل ثمّ قام ففاجّ وبال، فقالت: أعيدي عليك أداتك. ففعلتُ، ثمّ خرجنا نرتك، فإذا أثؤب يسعى وراءنا بالسيف صلتًا، فوألنا إلى حواء ضخم، قد أراه حين ألقى الجمل إلى رواق البيت الأوسط جملًا ذلولًا، واقتحمت داخله وأدركني بالسيف، فأصابت ظُبته طائفة من قروني، ثمّ قال: ألقى إليّ بنت أخي يا دفار! فرميتُ بها إليه فجعلها على منكبه فذهب بها، وكانت أعلم به من أهل البيت، وخرجتُ إلى أخت لي ناكح في بني شيبان أبتغى الصحابة إلى رسول الله، ﷺ ، فبينما أنا عندها ليلة من الليالي تحسبني نائمة إذ جاء زوجها من السامر فقال: وأبيك لقد وجدت لقيلة صاحب صدق، فقالت أختي: من هو؟ قال: حريث بن حسان الشيباني غاديًا، وافد بكر بن وائل إلى رسول الله، ﷺ ، ذا صباح، فغدوت إلى جملي وقد سمعتُ ما قالا، فشددتُ عليه ثمّ نشدتُ عنه فوجدته غير بعيد، فسألته الصحبة فقال: نعم وكرامة، وركابهم مناخة، فخرجت معه صاحب صِدْق، حتى قدمنا على رسول الله، ﷺ ، وهو يصلّي بالناس صلاة الغداة، وقد أقيمت حين انشقّ الفجر والنجوم شابكة في السماء، والرجال لا تكاد تَعَارف مع ظلمة الليل، فصففتُ مع الرجال وكنت امرأة حديثة عهد بجاهلية، فقال لي الرجل الذي يليني من الصف: امرأة أنتِ أم رجل؟ فقلت: لا بل امرأة، فقال: إنّك قد كدتِ تفتنيني، فصلّي مع النساء وراءك، وإذا صفّ من نساء قد حدث عند الحُجُرات لم أكن رأيته حين دخلت، فكنت فيهن حتى إذا طلعت الشمس دنوتُ فجعلتُ إذا رأيت رجلًا ذا رُواء وذا قشر طمح إليه بصري لأرى رسول الله، ﷺ ، فوق الناس، حتى جاء رجل وقد ارتفعت الشمس فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال رسول الله، ﷺ : وَعَلَيْكَ السّلامُ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. وعليه، تعني النبيّ، ﷺ ، أسمال