وأشهد أن الأستاذ عطا لم ير المخطوطات التى أوردها فى المقدمة بل ولا يعلم عنها شيئًا، وكل ما فعله أنه قام بنقلها من قوائم المخطوطات دون أن يراها، وقد افتضح عمله بأن قوائم المخطوطات التى اعتمد عليها بها تصحيف وأخطاء فى عدد الأوراق فنقله كما هو (١).
ولا أدل على ذلك مما يأتى:
١ - أنه نقل عن فهرس معهد المخطوطات بالقاهرة أن الجزء الرابع يبتدئ بذكر ميتة أبى بكر، وصواب القراءة من المخطوط "بذكر وَصِيَّةِ".
٢ - فى الجزء السابع من نسخة أحمد الثالث ذكر أنه يتبدئ بترجمة قيس بن فهد وهو تحريف فى فهرس المعهد الذى ينقل منه الأستاذ عطا، وصواب القراءة كما فى المخطوط "بترجمة قيس بن قَهد" بالقاف.
٣ - فى الجزء الحادى عشر من فهرس معهد المخطوطات أغفل الفهرس عدد أوراق هذا الجزء فأغفلها بالتالى الأستاذ عطا فلم يشر إليها، وكيف يشير إليها وهو لم يرها!
٤ - فى الجزء الأخير الخاص بالنساء وقع خطأ فى فهرس المعهد فى تحديد نهاية هذا الجزء فورد فيه عبارة "وينتهى بترجمة حجة بنت قرط واسمها رقية بنت عبد الرحمن" فنقله محرفا كما هو الأستاذ عطا، وصواب القراءة من المخطوط "وينتهى بترجمة رقيقة بنت عبد الرحمن".
وفى مخطوطة طهران أخطأ فهرس معهد المخطوطات فى عدد أوراق الأجزاء الأربعة لهذه المخطوطة فذكرها على التوالى:
٢٠٣ ورقة، ٧١ ورقة، ٢٠٠ ورقة، ١١٠ ورقة. وقد نقلها الأستاذ عطا كما هى، ولو كان قد رأى المخطوطة لما ذهب إلى ذلك، وصواب القراءة على التوالى: ١٠٣ ورقة، ٨٨ ورقة، ٥٦ ورقة، ٥٠ ورقة.
وإذا كانت طبعة صادر مجردة من التحقيقات والشروح كما أشار المصحح،
_________
(١) انظر المقدمة ص ١٤ - ١٥.
стр. 37
فطبعة العلمية مجردة كذلك بالإضافة إلى ما بها من تصحيف وتحريف فاحش، وما اتسمت به من تدليس.
ومن ثم ارتأيت بعد أن مضيت شوطًا فى العمل ألا أشير إلى ما جاء فى هذه الطبعة من تصحيف وتحريف وتدليس وغير ذلك. لأنها والحالة هذه لا تستحق أن يلتفت إليها أو يتناولها الباحث بالنقد أو التعليق.
ولعل من الأنسب هنا أن أستعير تعبيرًا كتبه الزملاء الأفاضل الذين قاموا بتحقيق كتاب: معرفة القراء الكبار للذهبى حين تعرضوا لمثل هذا الموقف من امتهان التراث العربى وأنه قد صار "يتولى نشره من ليس له حظ فى التحقيق العلمى" وأن هذا العمل من جانب دار الكتب العلمية فيه "إساءة بالغة إلى الكتاب ومؤلفه، كما أنه يتسم بفقدان الأمانة العلمية وتوسيد الأمر إلى غير أهله، وكأن الديار الإسلامية قد خلت من مراجع حصيف أو متابع خرّيت يقف على كل هذه المهانة التى يمتهن فيها التراث الأصيل على مرأى ومسمع من أهله الغُيُر على سلامته من عبث الجاهلين، وتعالم المتطفلين" ثم استطردوا قائلين: "فَلْيَتَّق الله الناشرون، فلا يُمَكِّنوا من تحقيق الكتب إِلَّا من كان أهلًا لذلك ممن جمع بين التقوى والمعرفة".
هذا وقد ارتأيت ألا تخرَّج أحاديث هذا الكتاب، مع أنى كنت قد أوشكت على الانتهاء من ذلك. وذلك تبعا لرأى أستاذنا الكبير محمود شاكر ﵀، الذى ارتأى ألا تخرَّج أحاديث مثل هذا النوع من الكتب لأنه أمر لا طائل فيه.
ولى فى ذلك رأى يقوم على أساس أن مثل هذا الكتاب هو الذى يحدد لنا مثل هذه الأمور، من حيث إن الموسوعات التى فهرست للأحاديث استعانت به في التخريج، فضلًا عن أن كثيرًا من أحاديثه لا يوقف على من خرّجها غير المصنف.
ومما ذكره الدكتور بشار عواد فى مقدمة ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثى بخصوص هذا الشأن قوله: "ولم أخرج الأحاديث النبوية لاعتقادي بعدم جدوى ذلك لأمور عدة منها:
стр. 38
أن هذه الأحاديث تروى بإسناد مذكور فى الكتاب له صفاته الحديثية وهو ذو شخصية قائمة بذاتها.
وثانيًا: أن الأحاديث كثيرًا ما تروى بصيغ مختلفة، وقد جوز البعض رواية الحديث بالمعنى، وهذا أمر معروف لمن يقارن الأحاديث، وأمر آخر: هو أن كتابًا للأستاذ "فنسنك" وهو "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوى" يمكن للقارئ الباحث المستزيد أن يرجع إليه متى شاء، فلا ضرورة بعد ذلك فى إثقال هوامش الكتاب بتخريجات لا مبرّر لها" (١).
هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن الأستاذ محمود شاكر قام ببعض حواشى للجزء الأول، وقد أثبتها عند موضعها فى هذا الكتاب.
كما قام الشيخ محمد عبده بوضع حواشى للجزء الثالث فى طبعة ليدن وهو يقابل الجزء الثالث من طبعتنا كذلك، وقد أثبت كثيرًا منها وعزوتها إليه عند موضعها فى هذا الكتاب.
وقد كان حرصى على سلامة النص وضبط الغريب أكثر من حرصى على التعريف بالأعلام والبلاد والإسراف فى الشرح والتعليق؛ إذ كان ذلك أهم ما يحتاج إليه العلماء والباحثون عند الرجوع إلى الكتب المحققة.
وأذكر بالفضل والشكر الأستاذ محمد أمين الخانجى والدكتور محمود الطناحى ﵀ لما لقيت منهما من عون فى إحضار الأوراق الناقصة من نسخة أحمد الثالث، ولولا ما قاما به من جهد مشكور لما تيسر إخراج الكتاب، والله سبحانه الموفق والمعين، ومنه الرضا والتوفيق.
كما أوجه الشكر إلى الأستاذ محمد حسين معوض لما بذله من جهد فى تصحيح تجارب الطبع.
القاهرة شوال ١٤٢١ هـ
يناير ٢٠٠١ م
د. على عمر
* * *
_________
(١) ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثى ص ٦٠.
стр. 39
غلاف المجلد الأول من نسخة أحمد الثالث
стр. 40
الصفحة الأولى من المجلد الأول من نسخة أحمد الثالث
стр. 41
غلاف المجلد الثامن من نسخة أحمد الثالث
стр. 42
غلاف المجلد التاسع من نسخة أحمد الثالث
стр. 43
الصفحة الأخيرة من نسخة أحمد الثالث
стр. 44
الصفحة الأولى من المجلد الثانى من نسخة شستربتى
стр. 45
الصفحة الأخيرة من المجلد الثانى من نسخة شستربتى
стр. 46
غلاف نسخة المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة
стр. 47
الصفحة الأخيرة من نسخة المكتبة المحمودية
стр. 48
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين
محمد النبىّ العربى الكريم، وعلى آله وصحبه، وسلّم
أخبرنا (١) الشيخ الإمام العالم الحافظ العلّامة النسّابة شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبى الحسن الدِّمياطى، ﵀، قراءة عليه وأنا أسمع قال: أخبرنا الشيخ الإمام محدث الشأم ومُسْنِده شمس الدين أبو الحجاج يوسف ابن خليل بن عبد الله الدمشقى قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن دَهْبَل بن على ابن كَارَة قال: أخبرنا القاضى أبو بكر (٢) محمد بن عبد الباقى بن محمد بن عبد الله الأنصارى قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علىّ بن محمد بن الحسن بن عبد الله الجوهرىّ، عن أبى عمر محمد بن العبّاس بن محمد بن زكرياء بن يحيَى بن معاذ بن حَيُّويَه الخزّاز، عن أبى الحسن أحمد بن معروف بن بشر بن موسى الخشاب، عن أبي محمد الحارث بن محمد بن أبى أسامة التميمى، عن أبى عبد الله محمد بن سعد بن منيع، ﵀، قال:
стр. 49
ذكر مَن انتمى إليه رسول الله، ﷺ -
أخبرنا محمد بن مصعب القَرْقَسَانِىّ (١)، أخبرنا الأَوْزَاعِىّ، عن يحيَى بن أبى كثير، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن أبى هريرة قال وأخبرنا الحكم بن موسى، أخبرنا هِقْل بن زياد عن الأوزاعى، حدّثنى أبو عمار، حدثنى عبد الله بن فرّوخ قال: حدّثنى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ، أنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ.
وأخبرنا محمد بن مصعب، أخبرنا الأوزاعى عن شدّاد أبى عمار، عن واثلة ابن الأسقع، قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ الله اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ واصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بَنى كِنانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ بَنى كِنانَةَ قُرَيْشًا وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنى هاشِمٍ واصْطَفانى مِنْ بَنى هَاشِمٍ.
قال: وأخبرنا أبو ضَمْرة المدنى أنس بن عياض الليثى، أخبرنا جعفر بن محمد ابن علىّ، عن أبيه محمد بن علىّ بن حُسين بن علىّ بن أبى طالب، أنّ النبى، ﷺ ، قال: قَسَمَ اللهُ الأَرْضَ نِصْفَين فَجَعَلَنى فى خَيْرِهِمَا، ثُمّ قَسَمَ النّصْفَ عَلى ثَلاثَةٍ فَكُنْتُ فى خَيْرِ ثُلُثٍ مِنْها، ثُمّ اخْتَارَ العَرَبَ مِنَ النّاسِ. ثُمّ اخْتارَ قُرَيْشًا مِنَ العَرَبِ. ثُمّ اخْتَارَ بَنى هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمّ اخْتَارَ بَنى عَبْدِ المُطّلِبِ مِنْ بَنِى هاشِمٍ، ثُمّ اخْتَارَنى مِنْ بَنِى عَبْدِ المُطّلِبِ (٢).
أخبرنا عَارِم بن الفضل السَّدُوسِى ويونس بن محمد المؤدّب قالا: أخبرنا حماد بن زيد عن عمرو، يعنى ابن دينار، عن محمد بن علىّ قال: قال رسول الله ﷺ : إنّ الله اخْتَارَ العَرَبَ فَاخْتَارَ مِنْهُمْ كِنَانَةَ أوِ النّضْرَ بنَ كِنَانَةَ ثُمّ اخْتَارَ مِنْهُمْ قُرَيْشًا ثُمّ اخْتَارَ مِنْهُمْ بَنِى هَاشِمٍ ثُمّ اخْتَارَنى مِنْ بَنِى هاشِمٍ.
стр. 50
قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرمى، أخبرنا العلاء بن خالد، أخبرنا عبد الله بن عبيد الله بن عمير قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ الله اخْتَارَ العَرَبَ فاخْتَارَ كِنَانَةَ مِنَ العَرَبِ وَاخْتَارَ قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ واخْتَارَ بَنى هاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَاختارَنى مِنْ بَنِى هَاشِمٍ.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ : أنَا سَابِقُ العَرَبِ.
أخبرنا هشام بن محمد بن السَّائب الكَلْبِىّ عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة التوبة: ١٢٨] قال: قد ولدتموه يا معشر العرب.
أخبرنا الفضل بن دُكَيْن أبو نُعَيْم، أخبرنا العلاء بن عبد الكريم عن مجاهد قال: كان النبىّ، ﷺ ، فى سفر، فبينا هو يسير بالليل ومعه رجل يسايره إذ سمع حاديًا يحدو وقومٌ أمامه فقال لصاحبه: لَوْ أتَيْنَا حَادِىَ هؤلاءِ القوْمِ! فقربنا حتى غشينا القوم، فقال رسول الله، ﷺ : مِمّن القوْمُ؟ قالوا: مِن مُضَر، فقال: وَأنَا مِنْ مُضَرَ، وَنَى (١) حادينَا فَسَمِعْنَا حَادِيَكُمْ فأتَيْناكُمْ (٢).
أخبرنا عبيد الله بن موسى العَبْسِىّ قال: أخبرنا سفيان بن سعيد الثورىّ عن حبيب بن أبى ثابت عن يحيى بن جَعْدَة قال: لقى رسول الله، ﷺ ، ركبًا فقال: مِمّنِ القَوْمُ؟ فقالوا: من مضر، فقال وَأَنَا مِنْ مُضَرَ، قالوا: يا رسول الله إنّا رِداف وليس معنا زاد إلّا الأسودان، فقال رسول الله، ﷺ : وَنَحْنُ رِدافٌ مَا لَنَا زَادٌ إلّا الأسْودَانِ التّمْرُ والماءُ.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلى قال: أخبرنا حَنْظلة بن أبى سفيان الجمحى عن طاوس قال: بينما رسول الله، ﷺ ، فى سفر إذ سمع صوت حاد فسار حتى أتاهم، فلما أتاهم قال: وَنَى حَادينَا فَسَمِعْنَا صَوْتَ حاديكُمْ فَجِئْنَا نَسْمَعُ حُدَاءَهُ. فقال: مَنِ القَوْمُ؟ قالوا: مضريون، فقال، ﷺ : وأنا مُضَرِىّ،
стр. 51
فقالوا: يا رسول الله، أَمَا أَنَّ (١) أول من حدا، بينما رجل فى سفر فضرب غلامًا له على يده بعصًا فانكسرت يده، فجعل الغلام يقول وهو يسيّر الإبل (٢): وايداه! وايداه! وقال: هيبا هيبا، فسارت الإبل.
أخبرنا معن بن عيسى الأشجعى القزاز، أخبرنا معاوية بن صالح عن يحيَى بن جابر، وكان أدرك بعض أصحاب النبىّ، ﷺ ، قال: جاءت بنو فُهيرة إلى رسول الله، ﷺ ، قال: فقالوا إنّك منّا، فقال: إنّ جِبْرِيل لَيُخْبِرُنى أنّى رجُلٌ مِنْ مُضَرَ.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوّام بن حوشب قال: حدّثنى منصور بن المعتمر عن رِبْعى بن حِرَاش عن حذيفة: أنّه ذكر مضر فى كلام له فقال: إن منكم سيد ولد آدم، يعنى النبى، ﷺ .
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا عبد الواحد بن زياد، أخبرنا معمر عن الزهرى قال: جاء وفد كندة إلى رسول الله، ﷺ ، عليهم جِبَابُ الحِبَرَة وقد كَفُّوا (٣) جيوبها وأَكِمَّتها بالديباج، فقال: ألَيْسَ قَدْ أسْلَمْتُمْ؟ قالوا: بلى، قال: فألْقُوا هذا عَنْكُمْ. قال: فخلعوا الجباب. قال: فقالوا للنبى، ﵇: أنتم بنو عبد مناف بنو آكل المرُار. قال: فقال لهم النبى، ﷺ : نَاسِبُوا العباسّ وأبا سُفْيانَ. قال: فقالوا لا نناسب غيرك، قال: فَلا! نَحْنُ بَنُو النّضْر بن كِنَانَةَ لا نَقْفُو أمّنا وَلا نُدّعى لِغَيْرِ أبِينَا (٤).
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب قال: بلغنا أن رسول الله، ﷺ ، قال لوفد كندة حين قدموا عليه
стр. 52
المدينة، فزعموا أن بنى هاشم منهم، فقال رسول الله ﷺ : بَلْ نَحْنُ بَنُو النّضْر بنِ كِنَانَةَ لَنْ نَقْفُو أمّنا وَلَنْ نُدّعَى لِغَيْرِ أبِينَا.
قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى، أخبرنا ابن أَبِى ذِئْب عن أبيه أنّه قيل لرسول الله، ﷺ : إنّ ههنا ناسًا من كندة يزعمون أنّك منهم، فقال رسول الله، ﷺ : إنّمَا ذلِكَ شَىْءٌ كانَ يَقُولُهُ العَبّاسُ بْنُ عبْدِ المُطّلِبِ وَأبو سُفْيانَ بنُ حَرْبٍ لِيَأمَنَا باليَمَن، مَعَاذَ الله أنْ نُزَنّىَ أمّنَا أوْ نَقْفُو أبَانَا، نحْنُ بَنُو النّضْرِ بنِ كِنَانَةَ، مَنْ قالَ غَيرَ ذلكَ فَقَدْ كَذَبَ.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا عقيل بن أبى طلحة، عن مسلم بن الهَيْصَم، عن الأشعث بن قيس، قال: قدمت على رسول الله، ﷺ ، فى وفد من كندة لا يرونى أفضلهم، قال عفّان: فقلت يا رسول الله إنّا نزعم أنّكم منا، قال فقال: نَحْنُ بَنُو النّضْرِ بن كِنَانَةَ لا نَقْفُو أُمّنَا وَلا نَنْتَفِى مِنْ أبِينَا. قال فقال الأشعث بن قيس: لا أسمع أحدًا ينفى قريشًا من النضر بن كنانة إلا جلدتُه الحدّ.
قال: أخبرنا مَعْنُ بن عيسى، أخبرنا ابن أبى ذئب عمن لا يُتهَم، عن عمرو ابن العاص، أن رسول الله، ﷺ ، قال: أنَا مُحَمّدُ بنُ عَبْد الله، فانتسب حتى بلغ النّضر بن كنانة، فمن قال غير ذلك فقد كذب.
أخبرنا يزيد بن هارون وعبد الله بن نمير، قالا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبى حازم أن رجلًا أتى رسول الله، ﷺ ، فقام بين يديه فأخذه من الرّعدة أَفْكَل (١) فقال رسول الله، ﷺ : هَوّنْ عَلَيْكَ فإنّى لَسْتُ بمَلَكٍ إنّما أنَا ابنُ امرَأةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأكُلُ القَديدَ.
قال: أخبرنا هُشَيْم بن بَشِير قال: أخبرنا حصين عن أبى مالك قال: كان رسول الله، ﷺ ، أوسط النّسب فى قريش، ليس من حىّ من أحياء قريش إلّا وقد ولدوه. قال فقال الله له: قُل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرًا إلّا أن تودونى فى قرابتى منكم وتحفظونى.
стр. 53
قال: أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا هشيم قال: أخبرنا داود عن الشعبىّ قال: أكثروا علينا فى هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾ [سورة الشورى: ٢٣]. فكُتب (١) إلى ابن عبّاس، فكتب ابن عباس أن رسول الله، ﷺ كان أوسط النسب فى قريش، لم يكن حىّ من أحياء قريش إلّا وقد ولدوه، فقال الله، ﵎: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرًا إلّا المودّة، تودّونى لقرابتى (٢) وتحفظونى فى ذلك.
أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرمى، أخبرنا عمرو بن أبى زائدة قال: سمعت عِكْرِمَة يقول فى قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [سورة الشورى: ٢٣]، قال: قَلّ بَطْنٌ من قُريش إلّا وقد كانت لرسول الله، ﷺ ، فيهم ولادة، فقال: إن لم تحفظونى فيما جئت به فاحفظونى لقرابتى.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا إسرائيل عن سالم عن سعيد بن جُبَيْر فى قوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾ [سورة الشورى: ٢٣]؛ قال: أن تصلوا قرابة ما بينى وبينكم.
قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن أبيه عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البَرَاء ابن عَازِب قال: وأخبرنا عبيد الله بن موسى العَبْسِىّ، وقَبِيصَةُ بن عقبة السُّوَائىّ، والضحاك بن مَخْلَد الشيبانى أبو عاصم النبيل، قالوا: أخبرنا سفيان الثورىّ عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب. وأخبرنا وهب بن جرير بن حازم وعفّان بن مسلم وهشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسىّ قالوا: أخبرنا شعبة عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب أنه سمع النبىّ، ﷺ ، يوم حُنَيْن يقول:
أنا النبىّ لا كَذِبْ … أنا ابنُ عبَدِ المُطّلِبْ (٣)
قال: وأخبرنا الضحاك بن مَخْلد الشيبانى عن شَبِيب بن بشر عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس فى قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٩]. قال: من نبىّ إلى نبىّ، ومن نبىّ إلى نبىّ حتى أخرجك نبيًّا.
стр. 54
قال: وأخبرنا سعيد بن سليمان الواسطى ومحمد بن الصباح البَزّاز عن إسماعيل بن جعفر، أخبرنا عمرو، يعنى ابن أبى عمرو مولى المطّلب، عن سعيد، يعنى المقْبُرى، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: بُعِثْتُ من خَيْرِ قُرُون بَنِى آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا حَتّى بُعِثْتُ مِنَ القَرْنِ الّذى كُنْتُ فِيهِ.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلى عن سعيد بن أَبِى عَرُوبَة، عن قَتَادة، قال: ذُكِرَ لنّا أنّ نبىّ الله، ﷺ ، قال: إنّ الله إذا أرادَ أن يبْعَثَ نبِيًّا نَظَرَ إلى خَيْرِ أهْلِ الأرْضِ قَبِيلَةً فَيَبْعَثَ خَيْرَهَا رَجُلًا.
* * *
ذكر مَن ولَد رسول الله، ﷺ ، من الأنبياء
قال: أخبرنا محمد بن حميد أبو سفيان العبدى عن سفيان بن سعيد الثورىّ عن هشام بن سعد عن سعيد المَقْبُرِى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : النّاسُ وَلَدُ (١) آدَمُ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ.
أخبرنا الفضل بن دُكين ومحمد بن عبد الله الأسدى قالا: أخبرنَا سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: خلق آدم من أرض يقال لها دَحْنَاء (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ وخلاد بن يحيَى قالا: أخبرنا مِسْعَر عن أبى حُصَيْن قال: قال لى سعيد بن جبير أتدرى لِمَ سُمّىَ آدَم؟ لأنّه خُلِق من أديم الأرض.
قال: أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن قَسَامَةَ بن زُهير قال: سمعت أبا موسى الأشعرىّ يقول: قال رسول الله، ﷺ : إن الله خَلَقَ آدَمَ مِنْ قُبْضَةٍ
стр. 55
قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ والأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وبَيْنَ ذلكَ والسّهْلُ وَالحَزْنُ والخَبِيثُ والطيّبُ (١).
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابى، أخبرنا المعتمر بن سليمان عن عاصم الأحول عن أبى قُلابة قال: خُلق آدم من أديم الأرض كلّها من أسودها وأحمرها وأبيضها وحَزْنها وسهلها. قال: وقال الحسن مثله: وخُلق جُؤجؤه من ضَريّة.
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قَطَن، أخبرنا شعبة عن أبى حصين عن سعيد بن جبير قال: إنّما سمى آدم لأنّه خُلق من أديم الأرض وإنّمَا سمى إنسانًا لأنّه نسى.
قال: أخبرنا حسين بن حسن الأشقر (٢). أخبرنا يعقوب بن عبد الله القُمّى عن جعفر، يعنى ابن أبى المُغيرة، عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود قال: إنّ الله بعثَ إبليس فأخذ من أديم الأرض من عَذْبها ومِلْحها، فخلق منها آدم، فكلّ شئ خلقه من عذبها فهو صائر إلى الجنّة وإن كان ابن كافر، وكلّ شئ خلقه من مِلحها فهو صائر إلى النّار وإن كان ابن تَقِىّ، قال فمِنْ ثَمّ قال إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [سورة الإسراء: ٦١] لأنّه جاء بالطينة، قال فسُمى آدم، لأنه خُلق من أديم الأرض.
قال: أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب ويونس بن محمد المؤدب قالا: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن ثابت البُنَانى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ الله لمّا صَوّرَ آدَمَ تَرَكَهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إبْليسُ يُطِيفُ بهِ، فلمّا رَآهُ أجْوَفَ عَرَفَ أنّهُ خَلْقٌ لا يَتَمَالَك (٣).
قال: أخبرنا معاذ بن معاذ العنبرى، أخبرنا سليمان التيمى، أخبرنا أبو عثمان النَّهْدِى عن سَلمان الفارسىّ أن ابن مسعود قال: خَمّر الله طينة آدم أربعين ليلة،
стр. 56
أو قال أربعين يومًا، ثم ضرب بيده فيه فخرج كلّ طيّب فى يمينه، وخرج كل خبيث فى يده الأخرى، ثم خلّط بينهما، قال: فمن ثَمّ يخرج الحىّ من الميت والميت من الحىّ.
أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس المدنى، حدّثنى أَبِى، عن عون بن عبد الله بن الحارث الهاشمى عن أخيه عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ الله خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصنعانى قال: حدّثنى عبد الصمد بن مَعْقِل أنّه سمع وهب بن مُنَبّه يقول: خلَق اللهُ ابن آدم كما شاء وممّا شاء فكان كذلك، تبارَك الله أحسن الخالقين، خُلق من التراب والماء، فمنه لحمه ودمه وشَعره وعِظامه وجسده كلّه، فهذا بدء الخلق الذى خلق الله منه ابن آدم، ثُمّ جعلت فيه النفس، فبها يقوم ويقعد ويسمع ويُبصر، ويعلم ما تعلم الدواب، ويتقى ما تتقى، ثمّ جعل فيه الروح، فبِهِ عرف الحقّ من الباطل، والرشد من الغىّ، وبه حذّر وتقدّم، واستتر وتعلّم، ودبّر الأمور كلها.
قال: أخبرنا خلاد بن يحيَى، أخبرنا هشام بن سعد، أخبرنا زَيد بن أَسْلَم عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : لَمّا خَلَقَ الله آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ من ظَهْرِهِ كُلّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمّ جَعَلَ بَيْنَ عَيْنَىْ كُلّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبيصًا مِنْ نُورٍ ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلى آدَمَ فَقَالَ: أىْ رَبّ مَنْ هَؤلاء؟ قَالَ: هَؤلاءِ ذُرّيّتُكَ. فَرَأى رَجُلًا مِنْهُمْ أعْجَبَهُ نُورُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أىْ رَبّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ ذُرّيّتِكَ فى آخِرِ الأمَمِ يُقَالُ لَهُ دَاوُدُ. قَالَ: أىْ رَبّ كَمْ عُمرُهُ؟ قَالَ: سِتّونَ سَنَةً. قَالَ: فَزِدْهُ مِنْ عُمُرى أرْبَعينَ سَنَةً. قَالَ: إذًا تُكْتَبُ وَتُخْتَمُ وَلا تُبَدّلُ (١). قَالَ: فَلَمّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ. قَالَ: أوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرى أرْبَعُون سَنَةً؟ قَالَ: أوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ رسول الله،
стр. 57
- ﷺ : فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرّيّتُهُ، وَنَسِىَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرّيّتُهُ، وَخَطِئَ (١) آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرّيّتُهُ (٢).
أخبرنا الحسن بن موسى الأشيب، أخبرنا حمَّاد بن سَلَمة عن علىّ بن زيد عن يوسف بن مِهران عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت آيةُ الدَّين قال رسول الله، ﷺ : إنّ أوّلَ مَنْ جَحَدَ آدَمُ، ﵇، وكرّرها ثلاثًا، إنّ الله لمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَأخْرَجَ ذُرّيّتَهُ فَعَرَضَهُمْ عَلَيْهِ، فَرَأى فِيهِمْ رَجُلًا يُزْهِرُ (٣) فَقَالَ: أىْ رَبّ أىّ بَنىّ هذا؟ قَال: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ. قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ: سِتّونَ سَنَةً. قالَ: أىْ رَبّ زِدْهُ فى عُمُرِهِ. قَالَ: لا إلّا أنْ تَزيدَهُ أنْتَ مِنْ عُمُرِكَ، قَالَ وَكَانَ عُمُرُ آدَمَ ألْفَ سَنَة، قَالَ: أىْ رَبّ زِدْهُ مِنْ عُمُرى. قَالَ: فَزَادَهَ أرْبَعينَ سَنَةً وكَتَبَ عَليْهِ كِتابًا وأشْهَدَ عَلَيْه المَلائكةَ فَلَمّا احْتُضِرَ آدَمُ أتَتْهُ المَلائكَةُ لِتَقْبِضَ رُوحَهُ فَقَالَ: إنّهُ قَدْ بَقِىَ مِنْ عُمُرى أرْبَعُونَ سَنَةً، فَقَالُوا: إنّكَ جَعَلْتَهَا لابْنِكَ دَاوُدَ. فَقَالَ: أىْ رَبّ مَا فَعَلْتُ؟ فَأنْزَلَ الله عَلَيْهِ الكِتَابَ وَأقَامَ عَلَيْهِ البَيّنَةَ، ثُمّ أكْمَلَ الله، لآدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، وَأكْمَلَ لِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَة (٤).
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدىّ، وهو ابن عُلَيّةَ، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس، فى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (٥) [سورة الأعراف: ١٧٢]. فمسح ربّك ظَهْرَ آدَمَ، فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم
стр. 58
القِياِمة بنَعمانَ هذا الذى وراء عرفة، فأخذ ميثاقهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾.
قال إسماعيل: فحدثنا ربيعة بن كلثوم عن أبيه فى هذا الحديث: ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: مسح ربّك ظهر آدم بنَعْمانَ هذه، فأخرج منه كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثمّ أخذ عليهم الميثاق قال: ثمّ تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ (١).
أخبرنا سعيد بن سليمان الواسطى، أخبرنا منصور، يعنى ابن أبى الأسود، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: خلق الله آدم بدحْناء فمسح ظهره، فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، قال: ألَسْتُ بِرَبّكِمْ قَالُوا بَلَى. قال: يقول الله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ قال سعيد: فيرون أنّ الميثاق أُخِذَ يومئذ.
قال: أخبرنا موسى بن مسعود أبو حذيفة النهدىّ، أخبرنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصارى عن أبى لبابة ابن عبد المنذر أن رسول الله، ﷺ ، قال: يَوْمُ الجُمُعَةِ سَيّدُ الأيّامِ وأعْظَمُهَا عِنْدَ الله، خَلَقَ الله فِيهِ آدَمَ وَأهْبَطَ فِيهِ آدَمَ إلى الأرْضِ وَفِيهِ تَوَفّى الله آدَمَ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حماد بن سلمة عن محمد بن عَمرو (٢) عن أبى سلمة عن عبد الله بن سلام قال: خَلَقَ الله آدَمَ فى آخر يوم الجمعة.
أخبرنا عمرو بن الهيثم، أخبرنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم قال: قال سلمان إنّ أوّل ما خُلق من آدَم رأسُه فجُعل يُخلق جسده وهو ينظر، قال: فبقيت رجلاه
стр. 59
عند العصر، قال: يا رَبّ الليل أعْجَل قد جاء الليل، قال الله: وَخُلِقَ الإنْسانُ عَجُولًا (١).
قال: أخبرنا محمد بن حُمَيد العبدى عن مَعْمَر عن قتادة فى قوله: منْ طِينٍ، قال: استُلّ آدم من الطين.
قال: أخبرنا محمد بن حُمَيد العبدى عن معمر عن قتادة فى قوله: ﴿أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٤]؛ قال: يقول بعضهم هو نبات الشعر، وقال بعضهم نفخ الروح.
أخبرنا حمّاد بن خالد الخيّاط عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد قال: حدّثنى عبد الرحمن بن قَتادة السلمى، وكان من أصحاب النبىّ، ﷺ ، قال: سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: إن الله خَلَقَ آدَمَ ثم أخذ الخلق من ظَهْرِهِ، فَقَالَ هَؤلاءِ فى الجنة ولا أُبَالى، وهؤلاء فى النار ولا أُبَالى. فقال قائل: يا رسول الله على ماذا نَعمل؟ قال: على مواقع القَدَر.
أخبرنا محمد بن مقاتل الخراسانى قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال:
أخبرنا إسماعيل بن رافع أنّه سمع سعيدًا المَقْبُرىّ يقول: قال أبو هُريرة: كان أول ما جرى فيه الروح من آدم، بصره وخياشيمه، فلمّا جرى الرّوح منه فى جسده كلّه عطس، فلقّاه الله حمده فحمد ربّه، فقال الله له: رحمك ربّك، ثم قال الله له: اذهب يا آدم إلى أولئك الملإ فقل لهم: سلام عليكم، فانظر ماذا يردون عليك، ففعل ثمّ رجع إلى الجبّار، فقال الله له، وهو أعلم: ماذا قالوا لك؟ فقال: قالوا وعليك السلام ورحمة الله، فقال له: هذا يا آدم تحيّتك وتحيّة ذرّيّتك.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لمّا نُفخ فى آدم الروح عطس فقال: الحمد لله رب العالمين، فقال الله له: يرحمك ربّك. قال ابن عبّاس: سبقت رَحْمَتُهُ غَضَبَه.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم والحسن بن موسى الأشيب قالا: أخبرنا حماد ابن سلمة عن علىّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس قال: لما خلق الله
стр. 60
آدم كان يَمَسّ رأسه السماء، قال: فوطّدهُ الله إلى الأرض حتى صار ستّين ذراعًا فى سبع أذرع عرضًا.
قال: أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء العِجْلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب عن النبىّ، ﵇، أنّه قال: إنّ آدَم كان رَجُلًا طُوَالًا (١) كأنهُ نَخْلةٌ سَحُوقٌ (٢) كَثيرَ شَعْرِ الرّأسِ، فَلَمّا رَكِبَ الخَطِيئَةَ بَدَتْ لَهُ عَوْرَتُهُ وَكَانَ لا يَرَاهَا قَبْلَ ذلِكَ، فَانْطَلَقَ هَارِبًا في الجنة، فَتَعَلّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ، فَقَالَ لَهَا: أرْسِلِينى. فَقَالَتْ: لَسْتُ بِمُرْسِلَتِكَ قَالَ: وَنَادَاهُ رَبّهُ: يَا آدَمُ أمِنّى تَفِرّ؟ قَالَ: رَبّ إنّى اسْتَحْيَيْتُكَ (٣).
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا عبّاد بن العوّام عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب بمثل هذا الحديث ولم يرفعه.
أخبرنا حفص بن عمر الحوضى، أخبرنا إسحاق بن الربيع أبو حمزة العطّار عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب قال: كان آدم طُوَالًا آدَمَ جَعْدًا كأنّه نخلة سحوق.
قال: أخبرنا يحيَى بن السكن قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا علىّ ابن زيد بن جُدْعَان عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله، ﷺ : يدْخُلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا جِعَادًا مُكَحَّلِينَ أبْنَاءَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ عَلى خَلْقِ آدَمَ ستّينَ ذِراعًا فى سَبْعِ أذْرُعٍ (٤).
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا فضيل بن عياض عن هشام عن الحسن قال: بكى آدم على الجنّة ثلاثمائة سنة.
أخبرنا عمرو بن الهيثم وهاشم بن القاسم الكنانى قالا: أخبرنا المسعودى عن
стр. 61
أبى عمر الشآمى عن عبيد بن الخشخاش عن أبى ذرّ قال: قلت للنبىّ، ﵇: أىّ الأنْبياء أوّل؟ قال: آدَمُ. قلت: أوَنَبيًّا كان؟ قال: نَعَمْ نَبِىّ مُكَلَّمٌ. قال: قلت فكم المُرْسَلون؟ قال: ثَلاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل أبو سلمة التّبُوذَكِىّ، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كان لآدم أربعة أولاد تُؤام، ذكرٌ وأنثى من بَطن، وذكَرٌ وأنثى من بَطن، فكانت أخت صاحب الحرث وضيئةً، وكانت أخت صاحب الغنم قبيحة، فقال صاحب الحرث: أنا أحقّ بها، وقال صاحب الغنم: أنا أحقّ بها. فقال صاحب الغنم: ويحك! أتريد أن تستأثر بوضاءتها علىّ؟ تعالَ حتى نقرّب قربانًا، فإن تُقُبّلَ قربانُك كنتَ أحقّ بها، وإن تُقُبّل قربانى كنت أحقّ، بها، قال: فقرّبا قربانهما، فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرَن أبيض وجاء صاحب الحرث بصُبرَةٍ من طعامه، فقُبل الكبش، فخزنه الله فى الجنّةِ أرْبعينَ خريفًا، وهو الكبش الذى ذبحه إبراهيم، ﷺ ، فقال صاحب الحرث: لأقتُلَنّكَ. فقال صاحب الغنم: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾؛ إلى قوله: ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٨، ٢٩]. فقتله فولد آدم كلهم من ذلك الكافر.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا حماد بن سلمة عن علىّ بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس قال: كان آدم يزوّج ذكر هذا البطن بأنثى هذا البطن، وأنثى هذا البطن بذكر هذا البطن.
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوْضىّ، أخبرنا إسحاق بن الربيع عن الحسن عن عُتَىّ عن أُبَىّ بن كعب أنّ آدم لما حضره الموت قال لبنيه: يا بَنىّ اطلبوا لى من ثمرة الجنّة فإنى قد اشتهيتها، فذهب بنوه، وذاك فى مرضه، يطلبون له من ثمرة الجنّة، فإذا هم بملائكة الله، قالوا لهم: يا بنى آدم ما تطلبون؟ قالوا: إنّ أبانا اشتاق إلى ثمرة الجنَّة فنحن نطلبها. قالوا: ارجعوا، فقد قُضى الأمر؛ فإذا أبوهم قد قُبض. فأخذت الملائكة آدم فغسلوه وحنّطوه وكفّنوه وحفروا له قبرًا وجعلوا له لحدًا، ثمّ إنّ ملكًا من الملائكة تقدّم فصلّى عليه وخلْفَه الملائكة وبنو آدم خلفهم، تُمّ وضعوه فى حفرته وسوّوا عليه، فقالوا: يا بنى آدم هذا سبيلكم وهذه سُنّتكم.
стр. 62
قال: أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هُشَيْم قال: أخبرنَا يونس بن عبيد عن حسن قال: أخبرنا عُتىّ السّعْدىّ عن أُبَىّ بن كعب قال: لما احتُضر آدم قال لبنيه: انطلقوا فاجتنوا لى من ثمار الجنّة. فخرج بنوه فاستقبلتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: بعثنا أبونا لنجتنى له من ثمار الجنة. قالوا: ارجعوا فقد كُفيتم، فرجعوا معهم حتى دخَلوا على آدم، فلمّا رأتهم حوّاءُ ذُعرت، فجعلت تدنو إلى آدم فتلزَق به، فقال لها آدم: إلَيْكِ عَنّى فمِنْ قِبَلِكِ أُتِيتُ، خَلّى بينى وبين ملائكة ربّي. فقبضوا روحه، ثمّ غَسّلوه وكفّنوه وحنّطوه، ثمّ صلّوا عليه وحفروا له، ثمّ دفنوه، فقالوا: يا بنى آدم، هذه سُنّتكم فى موتاكم.
قال: أخبرنا خالد بن خِداش بن عجلان، أخبرنا عبد الله بن وهب عن عمرو ابن الحارث عن يزيد بن أبى حبيب عمّن حدّثَه عن أبى ذرّ قال: سمعتُ النبى، ﷺ ، يقول: إن آدَمَ خُلِقَ مِنْ ثَلاثِ تُرُباتٍ سَوْداءَ وبَيْضَاءَ وَخَضْرَاءَ (١).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا حمّاد بن زيد عن خالد الحذّاء قال: خرجتُ خَرْجَة لى فجئْتُ وهم يقولون: قال الحسن: فلقيته فقلت يا أبا سعيد! آدم للسماء خُلق أم للأرض؟ فقال: ما هذا يا أبا مُنازل؟ للأرض خُلق! قلت: أرأيت لو اعتصم فلم يأكل من الشجرة؟ قال: للأرض خلق، فلم يكن بدّ من أن يأكل منها.
أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا خالد بن عبد الله عن بيان عن الشعبىّ عن جَعْدة بن هُبيرة قال: الشجرة التى افْتتن بها آدم الكَرْم، وجُعلت فتنة لولده.
قال: أخبرنَا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبى أيّوب عن جعفر بن ربيعة وزياد مولى مُصْعب قالا (٢): سُئل رسول الله، ﷺ ، عن آدم: أنبيًّا كان أو مَلَكًا؟ قال: بَلْ نَبىّ مُكَلَّمٌ.
قال: أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن ابن لَهِيعَةَ عن الحارث بن يزيد عن عُلَىّ بن رَبَاح عن عقبة بن عامر عن رسول الله، ﷺ ، أنّه
стр. 63
قال: النّاسُ لآدَمَ وَحَوّاءَ كَطَفّ الصّاعِ لَنْ يَمْلَئُوهُ، إنّ الله لا يَسْألُكُمْ عَنْ أحْسَابِكُمْ ولا أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَة، أكْرَمُكُمْ عِنْدَ الله أتْقَاكُمْ (١).
قال: أخبرنا هشام بن محمد (٢)، أخبرنى أَبِى عن أَبِى صالح عن ابن عبّاس قال: خرج آدم من الجنّة بين الصّلاتين، صلاة الظهر وصلاة العصر، فأُنْزل إلى الأرض، وكان مَكْثُهُ فى الجنّة نصفَ يوم من أيّام الآخرة، وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتى عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يَعُدّ أهل الدنْيا، فأُهبط آدم على جبل بالهند يقال له نَوْذ، وأُهبطت حوّاء بجدّةَ، فنزل آدم معه ريح الجنّة، فعلق بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيبًا، فمن ثَمّ يؤتَى بالطيب من ريح آدم، ﷺ ، وقالوا: أُنْزل معه من آس الجنّة أيضًا، وأُنْزل معه بالحجر الأسود، وكان أشدّ بياضًا من الثلج، وعصا موسى، وكانت من طيب الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى، ﷺ ، ومُرّ ولُبان ثمّ أُنْزل عليه بَعْدُ العلاةُ والمِطرَقة والكلبتان، فنظر آدم حين أُهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل، فقال: هذا من هذا، فجعل يكسر أشجارًا عتقت ويبست بالمِطرقة، ثم أوقد على ذلك الغصْن حتى ذاب، فكان أول شئ ضرب منه مُدْيَةٌ، فكان يعمل بها، ثمّ ضرب التنّور وهو الذى ورثه نوح، وهو الذى فار بالهند بالعذاب، فلمّا حجّ آدم، وضع الحجر الأسود على أبي قبيسٍ فكان يضئ لأهل مكّة فى ليالى الظلم كما يضئ القمر، فلمّا كان قبيل الإسلام بأربع سنين، وقد كان الحُيّضُ والجُنُبُ يصعدون إليه يمسحونه فاسود فأنزلته قريش من أبى قُبَيْسِ (٣).
وحجّ آدم من الهند إلى مكّة أربعين حجّة على رجليه، وكان آدم حين أُهبط يمسح رأسُه السّماءَ، فمن ثَمّ صلع وأورث ولده الصّلَعَ ونَفَرَتْ من طوله دواب البر فصارت وحشًا من يومئذ، فكان آدم وهو على ذلك الجبل قائمًا يسمع أصوات
стр. 64
الملائكة ويجد ريح الجنّة، فَحُطّ من طوله ذلك إلى ستّين ذراعًا، فكان ذلك طوله حتى مات.
ولم يُجمع حسن آدم لأحد من ولده إلّا ليوسف، وأنشأ آدم يقول: ربّ كنتُ جارك فى دارك ليس لى ربّ غيرك، ولا رقيب دونك، آكل فيها رغدًا، وأسكن حيث أحببت، فأهبطتنى إلى هذا الجبل المقدّس، فكنتُ أسمع أصوات الملائكة وأراهم كيف يحُفّون بعرشك وأجد ريح الجنّة وطيبها، ثمّ أهبطتنى إلى الأرض وحططتنى إلى ستّين ذراعًا، فقد انقطع عنّى الصوت والنّظر، وذهب عنّى ريح الجنة.
فأجابه الله، ﵎: لمعصيتك يا آدمُ فعلتُ ذلك بك، فلمّا رأى الله عُرْى آدم وحوّاء أمره أن يذبح كبشًا من الضأن من الثمانية الأزواج التى أنزل الله من الجنة، فأخذ آدم كبشًا فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حوّاء ونسجه هو وحوّاء، فنسج آدم جُبّة لنفسه وجعل لحواء درعًا وخمارًا فلبساه، وقد كانا اجْتمعا بجَمْعٍ فسمّيت جَمْعًا، وتعارفا بعرَفة فسمّيت عرفة، وبكيا على ما فاتهما مائتى سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يومًا، ثمّ أكلا وشربا وهما يومئذ على نَوْذ، الجبل الذى أُهْبط عليه آدم.
ولم يَقْرَب حَوّاء مائة سنة، ثمّ قربها فتلقّت فحملت، فولدت أوّل بطن قابيل وأخته لبود توأمته، ثمّ حملت فولدت هابيل وأخته إقليما توأمته، فلما بلغوا أمَرَ الله آدم أن يزوّج البطن الأوّل البطن الثانى، والبطن الثانى البطن الأوّل، يخالف بين البطنين فى النّكاح.
وكانت أخت قابيل حسنة وأخت هابيل قبيحة، فقال آدم لحوّاء الذى أُمِرَ به، فذكرته لابنيها، فرضى هابيل وسَخِطَ قابيل وقال: لا والله ما أمر الله بهذا قطّ، ولكن هذا عن أمرك يا آدم، فقال آدم: فقرّبا قربانًا فأيّكما كان أحقّ بها أنزل الله نارًا من السّماء فأكلت قربانه، فرضيا بذلك.
فَغَدا (١) هابيل، وكان صاحب ماشية، بخير غذاء غنمه وزبْد ولبن، وكان
стр. 65
قابيل زرّاعًا فأخذ طُنًّا من شرّ زرعه، ثمّ صعدا الجبل، يعنى نَوْذ، وآدم معهما، فوضعا القربان ودعا آدم ربّه، وقال قابيل فى نفسه: ما أُبالى أَتُقُبِّلَ (١) منى أم لا، لا ينكح هابيل أختى أبدًا، فنزلت النّار فأكلت قربان هابيل وتجنّبت قربان قابيل لأنّه لم يكن زاكى القلب، فانطلق هابيل فأتاه قابيل وهو فى غنمه فقال: لأقتلنّك! قال: لِمَ تقتلنى؟ قال: لأنّ الله تقبّل منك ولم يتقبّل منّى وردّ علىّ قربانى ونكحتَ أختى الحسنة ونكحتُ أختك القبيحة، ويتحدّث الناس بعد اليوم أنّك كنت خيرًا منى، فقال له هابيل: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٢٩].
أمّا قَوله بإثْمى يقول: تأثم بقتلى إذا قتلتَنى إلى إثمك الّذى كان عليك قبل أن تقتلنى، فقتله فأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ فتركه لم يُوَارِ جسده، ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [سورة المائدة: ٣١].
وكان قتله عشية، وغدا إليه غُدوة لينظر ما فعل فإذا هو بغراب حىّ يبحث على غراب ميّت، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ [سورة المائدة: ٣١]، كما يُوارى هذا سَوْءةَ أخيه؟ فدعا بالويل، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [سورة المائدة: ٣١].
ثمّ أخذ قابيل بيد أُخْتِه (٢) ثمّ هبط من الجبل، يعنى نَوْذ، إلى الحضيض، فقال آدم لقابيل: اذهب فلا تزال مرعوبًا أبدًا لا تأمن من تراه! فكان لا يمرّ به أحد من ولده إلّا رماه.
فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه: هذا أبوك قابيل،
стр. 66
فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى: يا أبتاه قتلتَ أباك، فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات ابنه، فقال الأعمى: ويل لى قتلت أبى برميتى، وقتلت ابنى بلطمتى!
ثم حملت حواء فولدت شيثًا وأخته عزورا، فسمى هبة الله، اشتقّ له من اسم هابيل، فقال لها جبريل حين ولدته: هذا هبة الله لك بدل هابيل، وهو بالعربية شث، وبالسريانيّة شاث، وبالعبرانيّة شيث، وإليه أوصى آدم، صلوات الله عليه.
وكان آدم يوم ولد شيث ابن ثلاثين ومائة سنة، ثمّ تَغَشّاهَا آدم فَحَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فمَرّتْ بِهِ؛ يقول: قامت وقعدت، ثم أتاها الشيطان فى غير صورته فقال لها: يا حَوّاء ما هذا فى بطنك؟ قالت: لا أدرى! قال: فلعلّه يكون بهيمة من هذه البهائم؟ ثمّ قالت: ما أدرى! ثمّ أعرض عنها حتى إذا هى أثقلت أتاها فقال: كيف تجدينك يا حواء؟ قالت: إنى لأخاف أن يكون كالذى خوفتنى ما أستطيع القيام إذا قمتُ، قال: أفرأيت إن دعوتُ الله فجعله إنسانًا مثلك ومثل آدم تسميه بى؟ قالت: نعم، فانصرف عنها، وقالت لآدم: لقد أتانى آتٍ فأخبرنى أن الذى فى بطنى بهيمة من هذه البهائم، وإنى لأجد له ثقلًا وأخشى أن يكون كما قال؛ فلم يكن لآدم ولا لحواء همّ غيره حتى وضعته فذلك قول الله ﵎: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٨٩] فكان هذا دعاءَهما قبل أن تلد.
فلمّا ولدت غلامًا سويًّا أتاها فقال لها: ألّا سميتِه كما وعدتِنى؟ قالت: وما اسمك؟ وكان اسمه عزازيل، ولو تسمّى به لعرفته، فقال: اسمى الحارث، فسمَّته عبد الحارث فمات، يقول الله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٠].
وأوحى الله إلى آدم: إنّ لى حَرَمًا بحيال عرشى، فانطلق فابن لى بيْتًا فيه، ثمّ حفّ به كما رأيت ملائكتى يحفّون بعرشى، فهنالك أستجيب لك ولولدك مَن كان منهم فى طاعتى، فقال آدم: أىْ ربّ وكيف لى بذلك؟ لست أقوى عليه ولا أهتدى له، فقيّض الله له مَلَكًا فانْطلق به نحو مكّة فكان آدم إذا مرّ بروضة ومكان يعجبه قال للملَك: انزل بنا ههنا، فيقول له الملَك: مكانك، حتى قدم
стр. 67
مكّة فكان كلّ مكان نزل به عمرانًا، وكل (١) مكان تعداه مفاوز وقفارًا.
فبنى البيت من خمسة أجبُل: من طور سينا، وطور زيتون، ولُبنان، والجودى، وبنى قواعده من حِراء، فلمّا فرغ من بنائه خرج به الملَك إلى عرفات فأراه المناسك كلّها التى يفعلها النّاس اليوم ثمّ قدم به مكّة فطاف بالبيت أسبوعًا ثمّ رجع إلى أرض الهند فمات على نوذ، فقال شيث لجبريل: صلّ على آدم، فقال: تقدّم أنت فصلّ على أبيك وكَبّر عليه ثلاثين تكبيرة، فأمّا خمس فهى الصّلاة، [وَأمَّا] (٢) خمس وعشرون فتفضيلا لآدم.
ولم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفًا بنوذ ورأى آدم فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد، فأوصى أن لا يناكح بنو شيث بنى قابيل، فجعل بنو شيث آدم فى مغارة وجعلوا عليه حافظًا لا يقربه أحد من بنى قابيل.
وكان الذين يأتونه ويستغفرون له بنو شيث، فكان عُمر آدم تسعمائة سنة وستًّا وثلاثين سنة، فقال مائة من بنى شيث صِباحٌ: لو نظرنا ما فعل بنو عمّنا، يعنون بنى قابيل، فهبطت المائة إلى نساء قباح من بنى قابيل.
فاحتبس (٣) النّساء الرجال ثمّ مكثوا ما شاء الله، ثمّ قال مائة آخرون: لو نظرنا ما فعل إخواننا، فهبطوا من الجبل إليهم فاحتبسهم النّساء، ثمّ هبط بنو شيث كلهم، فجاءت المعصية وتناكحوا واختلطوا وكثر بنو قابيل حتى مَلأوا الأرض، وهم الذين غرقوا أيام نوح.
ووَلَد شيث بن آدم أنوش ونفرًا كثيرًا وإليه أوصى شيث، فولد أنوش قينان ونفرًا كثيرًا وإليه الوصية، فولد قينان مهلاليل ونفرًا معه وإليه الوصية، فولد مهلاليل يرذ، وهو اليارذ، ونفرًا معه وإليه الوصية، وفى زمانه عُملت الأصنام ورجع من رجع عن الإسلام، فولد يرذ خنوخ وهو إدريس النبى، ﵇، ونفرًا معه (٤).
* * *
стр. 68
ذكر حواء
قال: أخبرنا حجّاج بن محمد عن ابن جُريج عن مجاهد فى قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [سورة النساء: آية ١]؛ قال: خلق حوّاء من قُصَيْرَى آدم، ﷺ ؛ والقصيرى: الضلع الأقصر، وهو نائم، فاستيقظ فقال: أثّا! امرأة بالنبطيّة.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدى، أخبرنا سفيان بن سعيد الثَّورى عن أبيه عن مولى لابن عبّاس عن ابن عبّاس قال: إنّما سُمّيت حوّاء لأنّها أمّ كلّ حىّ.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: أُهبط آدم بالهند وحوّاء بجُدّة، فجاء فى طلبها حتى أتى جمْعًا فازدلفتْ إليه حواء فلذلك سمّيت المزدلفة، واجتمعا بجَمْعٍ فلذلك سُميّت جمْعًا.
* * *
ذكر إدريس النبى، ﷺ -
أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال: أول نبىّ بُعث فى الأرض بعد آدم إدريس، وهو خنوخ بن يرذ، وهو اليارذ، وكان يصعد له فى اليوم من العمل ما لا يصعد لبنى آدم فى الشهر، فحسده إبليس وعصاه قومه، فرفعه الله إليه مكانًا عليًّا، كما قال، وأدخله الجنّة وقال: لست بمخرجه منها، وهذا فى حديث لإدريس طويل، فولد خنوخ متوشلخ ونفرًا معه وإليه الوصية، فولد متوشلخ لمك ونفرًا معه وإليه الوصية، فولد لمك نوحًا، ﷺ .
* * *
ذكر نوح النبى، ﷺ -
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: كان لِلَمْكٍ يوم ولد نوحًا اثنتان وثمانون سنة، ولم يكن أحد فى ذلك الزمان ينهى عن منكر، فبعث الله نوحًا إليهم وهو ابن أربعمائة وثمانين سنة، ثمّ دعاهم فى نبوّته مائة وعشرين سنة، ثمّ أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو
стр. 69
ابن ستمائة سنة وغرق من غرق، ثمّ مكث بعد السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة (١)، فولد نوح سام، وفى ولده بياض وأُدمة، وحام، وفى ولده سواد وبياض قليل، ويافث، وفيهم الشقرة والحمرة، وكنعان، وهو الذى غرق، والعرب تسميه يام، وذلك قول العرب: إنّما هام عمّنا يام؛ فأمّ هؤلاء واحدة (٢).
وبجبل نَوْذ نجّر نوح السفينة، ومن ثمّ تبدّأ الطوفان، فركب نوح السفينة ومعه بنوه هؤلاء، وكنائنه نساء بنيه هؤلاء، وثلاثة وسبعون من بنى شيث ممّن آمن به، فكانوا ثمانين فى السفينة، وحمل معه من كلّ زوجين اثنين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جدّ أبى نوح، وعرضها خمسين ذراعًا، وطولها فى السماء ثلاثين ذراعًا، وخرج منها من الماء ستّة أذرع، وكانت مُطْبَقَة، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل منْ بعض، فأرسل الله المطر أربعين ليلة وأربعين يومًا، فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدوابّ والطير كلّها إلى نوح وسُخّرت له.
فَحملَ فيها كما أمرَهُ الله من كلّ زوجين اثنين، وحمل معه جسد آدم فجعله حاجزًا بين النساء والرّجال، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صامَ مَن صامَ يوم عاشوراء، وخرج الماء مثل ذلك نصفين، فذلك قول الله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [سورة القمر: ١١]؛ يقول: مُنْصَبّ؛ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [سورة القمر: ١٢]، يقول: شققنا الأرض، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [سورة القمر: ١٢]؛ فصار الماء نصفين: نصف من السماء، ونصف من الأرض.
وارتفع الماء على أطول جبل فى الأرض خمسة عشر ذراعًا، فسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها فى ستّة أشهر لا تستقرّ على شئ حتى أتت الحرم فلم تدخله، ودارت بالحرم أسبوعًا.
ورُفع البيت الّذى بناه آدم، رُفع من الغرق، وهو البيت المعمور، والحجر
стр. 70
الأسود على أبى قُبَيس، فلما دارت بالحرم ذهبت فى الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودى، وهو جبل بالحِصْنَيْنِ من أرض الموصل، فاستقرّت على الجودىّ بعد ستّة أشهر لتمام السنة، فقيل بعد الستّة الأشهر: ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة هود: ٤٤] فلمّا استوت على الجودى قيل: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [سورة هود: ٤٤] يقول: احبسى ماءك؛ ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [سورة هود: ٤٤] نشفته الأرض، فصار ما نزل من السماء هذه البحور التى ترَون فى الأرض.
قال: فآخر ما بقى فى الأرض من الطوفان ماء بِحِسْمَى (١)، بقى فى الأرض أربعين سنة بعد الطوفان، ثمّ ذهب، فهبط نوح إلى قرية فبنى كلّ رجل منهم بيتًا، فسُمّيت سوق الثمانين، فغرق بنو قابيل كلّهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام، قال: ودعا نوح على الأسد أن تُلقى عليه الحُمّى، وللحمامة بالأنس، وللغراب بشقاء المعيشة.
قال: أخبرنا قَبِيصَة بن عقبة السّوائى، أخبرنا سُفيان بن سعيد الثورىّ عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام.
قال: ثم رجع الحديث إلى حديث هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: وتزوّج نوح امرأة من بنى قابيل، فولدت له غلامًا فسمّاه يوناطن، فوُلد بمدينة بالمشرق يقال لها معلنور شمسا، فلمّا ضاقت بهم سوق الثمانين تحوّلوا إلى بابل فبنوها، وهى بين الفرات والصّراة، وكانت اثنى عشر فرسخًا فى اثنى عشر فرسخًا، وكان بابها موضع دُوران اليوم فوق جسر الكوفة يَسْرَةً إذا عبرت، فكثروا بها حتى بلغوا مائة ألف، وهم على الإسلام، ولما خرج نوح من السفينة دفن آدم ببيت المقدس، ومات نوح، ﷺ (٢).
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العِجْلىّ عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن
стр. 71
سَمُرَةَ أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: سَامُ أبُو الْعَرَبِ، وَحَامُ أبُو الحَبَشِ، ويَافِثُ أبُو الرّومِ (١).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش بن عجلان، أخبرنا عبد الله بن وهْب عن معاوية بن صالح عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: وَلَد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفى كلّ هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج (٢).
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى موسى: إنّك يا موسى وقومك وأهل الجزيرة وأهل العالِ من ولد سام بن نوح. قال ابن عبّاس: والعرب والفرس والنبط والهند والسند والبند من ولد سام بن نوح (٣).
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: الهند والسند والبند بنو يوفير بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، قال: ومكران ابن البند وجرهم اسمه هُذرُم بن عامر بن سبإ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ، ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح فى قول مَن نَسَبَهُ إلى غير إسْماعيل، والفرس بنو فارس بن بَبْرِس (٤) بن ياسور بن سام بن نوح، والنبط بنو نُبيط بن ماش بن إرَم بن سام بن نوح، وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرَم ابن سام بن نوح، وعمليق، وهو عَريب وطسم وأميم، بنو لُوذ بن سام بن نوح، وعمليق هو أبو العمالقة ومنهم البربر، وهم: بنو ثميلا (٥) بن مازرب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صنهاجة وكتامة، فإنهما بنو فريقيس بن قيس بن صيفىّ بن سبإ (٦).
стр. 72
ويقال إنّ عمليق أوّل مَن تكلّم بالعربيّة حين ظعنوا من بابل، وكان يقال لهم ولجرهم العرب العاربة، وثمود وجديس ابنا جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وعاد وعَبِيل ابنا عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، والرّوم بنو لَنْطِى (١) بن لونان (٢) بن يافث بن نوح، ونمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وهو صاحب بابل، وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن (٣)، ﷺ .
قال: وكان يُقال لِعاد فى دهرهم عادُ إرم، فلمّا هلكت عاد قيل لثمود ثمود إرم، فلمّا هلكت ثمود قيل لسائر بنى إرم إرمان، فهم النبط، فكلّ هؤلاء كان على الإسلام، وهُم ببابل حتى ملكهم نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا، فأمسوا وكلامهم السريانيّة، ثمّ أصبحوا وقد بلبل الله ألسنتهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعض، فصار لبنى سام ثمانية عشر لسانًا، ولبنى حام ثمانية عشر لسانًا. ولبنى يافث ستّة وثلاثون لسانًا، ففهّم الله العربيّة عادًا وعَبيل وثمود وجَديس وعِمْلِيق وطَسْم وأميم، وبنى يقطن بن عابر ابن شالَخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (٤).
وكان الذى عقد لهم الألوية ببابل يوناطن بن نوح، فنزل بنو سام المِجْدَل (٥) سُرّة الأرض، وهو فيما بين سَاتِيدَمَا (٦) إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبُوّة والكتاب والجمال والأُدمة والبياض فيهم، ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدّبور، ويقال لتلك الناحية الداروم، وجعل الله فيهم أُدمة وبياضًا قليلًا، وأعمر بلادهم وسماءهم، ورفع عنهم الطّاعون، وجعل فى أرضهم الأثل والأراك والعُشَرَ والغافَ (٧) والنخل (٨).
стр. 73
وجرت الشمس والقمر فى سمائهم، ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا، وفيهم الحمرة والشّقرة، وأخلى الله أرضهم فاشتدّ بردها، وأخلى سماءها فليس يجرى فوقهم شئ من النجوم السبعة الجارية لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجَدْى والفَرْقَدَين، وابْتلوا بالطّاعون (١).
ثمّ لحقت عاد بالشِّحر فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، فخلفت بعدهم مَهْرَةُ بالشّحر، ولحقت عبيل بموضع يثرب، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تُسَمّى صنعاء، ثمّ انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيلًا، فنزلوا موضع الجُحفَة فأقبل سيل فاجتحفَهُم فذهب بهم فسمّيت الجُحفة (٢).
ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا ثَمّ، ولحقت طسم وجَديس باليمامة، وإنّما سمّيت اليمامة (٣) بامرأة منهم، فهلكُوا، ولحقت أُميم بأرض أُبار فهلكوا بها، وهى بين اليمامة والشِّحر، ولا يصل إليها اليومَ أحدٌ غلبت عليها الجنّ، وإنّما سُمّيت أبار بأبار بن أميم (٤).
ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسُمّيت اليمن حيث تيامنوا إليها، ولحق قوم من بنى كنعان بن حام بالشأم فسُمّيت الشأم حيث تشاءموا إليها، وكانت الشأم يقال لها أرض بنى كنعان، ثمّ جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونَفَوْهُمْ عنها، فكانت الشأم لبنى إسرائيل (٥).
ووثبت الروم على بنى إسرائيل فقتلوهم وأجلوهم إلى العراق إلّا قليلًا منهم، ثمّ جاءت العرب فغلبوا على الشأم فكان فالغ وهو فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وهو الذى قسم الأرض بين بنى نوح، كما سمّينا فى الكتاب (٦).
قال: أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة، أخبرنا الحسن بن الحكم النخعى،
стр. 74
أخبرنا أبو سبرة النخعى عن فروة بن مُسيك الغُطيفى ثمّ المرادى قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومى بمن أقبل منهم؟ فقال: بَلى، ثمّ بدا لى، فقلت: يا رسول الله، لا بل أهل سبإ هم أعزّ وأشدّ قوّة، فأمرنى رسول الله وأذن لى فى قتال سبإ، فلما خرجت من عنده أنزل الله فى سبإ ما أنزل، فقال رسول الله، ﷺ ، مَا فَعَلَ الغُطيْفِى؟ فأرسل إلى منزلى فوجدنى قد سرت فردّنى، فلمّا أتيت رسول الله، ﷺ ، وجدته قاعدًا وحوله أصحابه، فقال: ادْعُ القَوْمَ فَمَنْ أجَابَكَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ ومَنْ أبَى فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِ حتى تُحَدّثَ إلىّ؛ فقال رجل من القوم: يا رسول الله ومَا سبأ؟ أرض هى أو امرأة؟ قال: لَيْسَتْ بِأَرْضٍ وَلا بامْرَأةٍ وَلكِنّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ العَرَبِ، فَأمّا سِتّةٌ فَتَيَامَنُوا وَأمّا أرْبَعَةٌ فَتَشَاءَمُوا، فَأمّا الّذينَ تَشَاءَمُوا فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَغَسّانُ وَعَاملَةُ، وَأمّا الّذينَ تَيَامَنُوا فَالأزْدُ وكِنْدَةُ وَحِمْيَرُ والأشْعَرُونَ وأنْمَارُ ومَذْحِجُ، فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: هُمُ الّذينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبَجِيلَةُ.
* * *
ذكر إبراهيم خليل الرحمن، ﷺ -
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: كان أبو إبراهيم من أهل حرّانَ فأصابته سَنَة (١) فأتى هرمزجرد ومعه امرأته أمّ إبراهيم واسمها نونا بنت كرنبا بن كوثى من بنى أرفخشد بن سام بن نوح (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى عن غير واحد من أهل العلم قال: اسمها أبيونا، من ولد أفرايم بن أرغُوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (٣).
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: نهر كُوثَى كَرَاه كرنبا جدّ إبراهيم من قِبَل أمّه، وكان أبوه على أصنام الملك نمروذ، فولد إبراهيم بهرمزجرد، وكان
стр. 75
اسمه إبراهيم، ثمّ انتقل إلى كوثى من أرض بابل، فلمّا بلغ إبراهيم وخالف قومه ودعاهم إلى عبادة الله، بلغ ذلك الملك نمروذ، فحبسه فى السجن سبع سنين، ثمّ بنَى له الحَيْر (١) بجصّ وأوقده بالحطب الجزل وألقى إبراهيم فيه، فقال: حسبى الله ونعم الوكيل! فخرج منها سليمًا لم يُكلَم (٢).
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لمّا هرب إبراهيم من كُوثَى (٣)، وخرج من النّار، ولسانه يومئذ سريانىّ، فلمّا عبر الفرات من حرّان غيّر الله لسانه فقيل عبرانىّ حيث عبر الفرات، وبعث نمروذ فى أثره وقال: لا تدعوا أحدًا يتكلّم بالسريانيّة إلّا جئتمونى به، فلقوا إبراهيم فتكلّم بالعبرانيّة فتركوه ولم يعرفوا لغته (٤).
قال هشام بن محمد عن أبيه: فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم، فجاءته سارة فوهبت له نفسها، فتزوّجها وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فأتى حرّان فأقام بها زمانًا، ثمّ أتى الأرْدُنّ فأقام بها زمانًا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانًا، ثمّ رجع إلى الشأم فنزل السبع، أرضًا بين إِيلِياء (٥) وفلسطين، فاحتَفَر بئرًا وبنى مسجدًا، ثمّ إنّ بعض أهل البلد آذوه فتحوّل من عندهم فنزل منزلا بين الرملة وإيليا فاحتفر به بئرًا وأقام به، وكان قد وُسّع عليه فى المال والخدم. وهو أوّل من أضاف الضيف، وأوّل من ثَرَد الثّريد، وأوّل مَن رأى الشيب (٦).
قال أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ، أخبرنا سفيان الثورىّ عن عاصم عن أبى عثمان، قال عاصم: أراه عن سلمان، قال: سأل إبراهيم ربّه خيرًا فأصبح ثلثا رأسه أبيض، فقال: ما هذا؟ فقيل له: عبرة فى الدنْيا، ونور فى الآخرة.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ، أخبرنا سفيان بن سعيد عن أبيه عن عكرمة قال: كان إبراهيم خليل الرحمن، ﷺ ، يكنّى أبا الأضياف.
قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن يحيَى بن سعيد عن