سَمُرَةَ أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: سَامُ أبُو الْعَرَبِ، وَحَامُ أبُو الحَبَشِ، ويَافِثُ أبُو الرّومِ (١).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش بن عجلان، أخبرنا عبد الله بن وهْب عن معاوية بن صالح عن يحيَى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: وَلَد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفى كلّ هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج (٢).
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال: أوحى الله إلى موسى: إنّك يا موسى وقومك وأهل الجزيرة وأهل العالِ من ولد سام بن نوح. قال ابن عبّاس: والعرب والفرس والنبط والهند والسند والبند من ولد سام بن نوح (٣).
قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: الهند والسند والبند بنو يوفير بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، قال: ومكران ابن البند وجرهم اسمه هُذرُم بن عامر بن سبإ بن يقطن بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ، ويقطن هو قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح فى قول مَن نَسَبَهُ إلى غير إسْماعيل، والفرس بنو فارس بن بَبْرِس (٤) بن ياسور بن سام بن نوح، والنبط بنو نُبيط بن ماش بن إرَم بن سام بن نوح، وأهل الجزيرة والعال من ولد ماش بن إرَم ابن سام بن نوح، وعمليق، وهو عَريب وطسم وأميم، بنو لُوذ بن سام بن نوح، وعمليق هو أبو العمالقة ومنهم البربر، وهم: بنو ثميلا (٥) بن مازرب بن فاران بن عمرو بن عمليق بن لوذ بن سام بن نوح، ما خلا صنهاجة وكتامة، فإنهما بنو فريقيس بن قيس بن صيفىّ بن سبإ (٦).
стр. 72
ويقال إنّ عمليق أوّل مَن تكلّم بالعربيّة حين ظعنوا من بابل، وكان يقال لهم ولجرهم العرب العاربة، وثمود وجديس ابنا جاثر بن إرم بن سام بن نوح، وعاد وعَبِيل ابنا عَوْص بن إرم بن سام بن نوح، والرّوم بنو لَنْطِى (١) بن لونان (٢) بن يافث بن نوح، ونمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، وهو صاحب بابل، وهو صاحب إبراهيم خليل الرحمن (٣)، ﷺ .
قال: وكان يُقال لِعاد فى دهرهم عادُ إرم، فلمّا هلكت عاد قيل لثمود ثمود إرم، فلمّا هلكت ثمود قيل لسائر بنى إرم إرمان، فهم النبط، فكلّ هؤلاء كان على الإسلام، وهُم ببابل حتى ملكهم نمروذ بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا، فأمسوا وكلامهم السريانيّة، ثمّ أصبحوا وقد بلبل الله ألسنتهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعض، فصار لبنى سام ثمانية عشر لسانًا، ولبنى حام ثمانية عشر لسانًا. ولبنى يافث ستّة وثلاثون لسانًا، ففهّم الله العربيّة عادًا وعَبيل وثمود وجَديس وعِمْلِيق وطَسْم وأميم، وبنى يقطن بن عابر ابن شالَخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (٤).
وكان الذى عقد لهم الألوية ببابل يوناطن بن نوح، فنزل بنو سام المِجْدَل (٥) سُرّة الأرض، وهو فيما بين سَاتِيدَمَا (٦) إلى البحر، وما بين اليمن إلى الشام، وجعل الله النبُوّة والكتاب والجمال والأُدمة والبياض فيهم، ونزل بنو حام مجرى الجنوب والدّبور، ويقال لتلك الناحية الداروم، وجعل الله فيهم أُدمة وبياضًا قليلًا، وأعمر بلادهم وسماءهم، ورفع عنهم الطّاعون، وجعل فى أرضهم الأثل والأراك والعُشَرَ والغافَ (٧) والنخل (٨).
стр. 73
وجرت الشمس والقمر فى سمائهم، ونزل بنو يافث الصفون مجرى الشمال والصبا، وفيهم الحمرة والشّقرة، وأخلى الله أرضهم فاشتدّ بردها، وأخلى سماءها فليس يجرى فوقهم شئ من النجوم السبعة الجارية لأنهم صاروا تحت بنات نعش والجَدْى والفَرْقَدَين، وابْتلوا بالطّاعون (١).
ثمّ لحقت عاد بالشِّحر فعليه هلكوا بواد يقال له مغيث، فخلفت بعدهم مَهْرَةُ بالشّحر، ولحقت عبيل بموضع يثرب، ولحقت العماليق بصنعاء قبل أن تُسَمّى صنعاء، ثمّ انحدر بعضهم إلى يثرب فأخرجوا منها عبيلًا، فنزلوا موضع الجُحفَة فأقبل سيل فاجتحفَهُم فذهب بهم فسمّيت الجُحفة (٢).
ولحقت ثمود بالحجر وما يليه فهلكوا ثَمّ، ولحقت طسم وجَديس باليمامة، وإنّما سمّيت اليمامة (٣) بامرأة منهم، فهلكُوا، ولحقت أُميم بأرض أُبار فهلكوا بها، وهى بين اليمامة والشِّحر، ولا يصل إليها اليومَ أحدٌ غلبت عليها الجنّ، وإنّما سُمّيت أبار بأبار بن أميم (٤).
ولحقت بنو يقطن بن عابر باليمن فسُمّيت اليمن حيث تيامنوا إليها، ولحق قوم من بنى كنعان بن حام بالشأم فسُمّيت الشأم حيث تشاءموا إليها، وكانت الشأم يقال لها أرض بنى كنعان، ثمّ جاءت بنو إسرائيل فقتلوهم بها ونَفَوْهُمْ عنها، فكانت الشأم لبنى إسرائيل (٥).
ووثبت الروم على بنى إسرائيل فقتلوهم وأجلوهم إلى العراق إلّا قليلًا منهم، ثمّ جاءت العرب فغلبوا على الشأم فكان فالغ وهو فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وهو الذى قسم الأرض بين بنى نوح، كما سمّينا فى الكتاب (٦).
قال: أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة، أخبرنا الحسن بن الحكم النخعى،
стр. 74
أخبرنا أبو سبرة النخعى عن فروة بن مُسيك الغُطيفى ثمّ المرادى قال: أتيت رسول الله، ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومى بمن أقبل منهم؟ فقال: بَلى، ثمّ بدا لى، فقلت: يا رسول الله، لا بل أهل سبإ هم أعزّ وأشدّ قوّة، فأمرنى رسول الله وأذن لى فى قتال سبإ، فلما خرجت من عنده أنزل الله فى سبإ ما أنزل، فقال رسول الله، ﷺ ، مَا فَعَلَ الغُطيْفِى؟ فأرسل إلى منزلى فوجدنى قد سرت فردّنى، فلمّا أتيت رسول الله، ﷺ ، وجدته قاعدًا وحوله أصحابه، فقال: ادْعُ القَوْمَ فَمَنْ أجَابَكَ مِنْهُمْ فَاقْبَلْ ومَنْ أبَى فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِ حتى تُحَدّثَ إلىّ؛ فقال رجل من القوم: يا رسول الله ومَا سبأ؟ أرض هى أو امرأة؟ قال: لَيْسَتْ بِأَرْضٍ وَلا بامْرَأةٍ وَلكِنّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ العَرَبِ، فَأمّا سِتّةٌ فَتَيَامَنُوا وَأمّا أرْبَعَةٌ فَتَشَاءَمُوا، فَأمّا الّذينَ تَشَاءَمُوا فَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَغَسّانُ وَعَاملَةُ، وَأمّا الّذينَ تَيَامَنُوا فَالأزْدُ وكِنْدَةُ وَحِمْيَرُ والأشْعَرُونَ وأنْمَارُ ومَذْحِجُ، فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: هُمُ الّذينَ مِنْهُمْ خَثْعَمُ وَبَجِيلَةُ.
* * *
ذكر إبراهيم خليل الرحمن، ﷺ -
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: كان أبو إبراهيم من أهل حرّانَ فأصابته سَنَة (١) فأتى هرمزجرد ومعه امرأته أمّ إبراهيم واسمها نونا بنت كرنبا بن كوثى من بنى أرفخشد بن سام بن نوح (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى عن غير واحد من أهل العلم قال: اسمها أبيونا، من ولد أفرايم بن أرغُوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (٣).
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: نهر كُوثَى كَرَاه كرنبا جدّ إبراهيم من قِبَل أمّه، وكان أبوه على أصنام الملك نمروذ، فولد إبراهيم بهرمزجرد، وكان
стр. 75
اسمه إبراهيم، ثمّ انتقل إلى كوثى من أرض بابل، فلمّا بلغ إبراهيم وخالف قومه ودعاهم إلى عبادة الله، بلغ ذلك الملك نمروذ، فحبسه فى السجن سبع سنين، ثمّ بنَى له الحَيْر (١) بجصّ وأوقده بالحطب الجزل وألقى إبراهيم فيه، فقال: حسبى الله ونعم الوكيل! فخرج منها سليمًا لم يُكلَم (٢).
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لمّا هرب إبراهيم من كُوثَى (٣)، وخرج من النّار، ولسانه يومئذ سريانىّ، فلمّا عبر الفرات من حرّان غيّر الله لسانه فقيل عبرانىّ حيث عبر الفرات، وبعث نمروذ فى أثره وقال: لا تدعوا أحدًا يتكلّم بالسريانيّة إلّا جئتمونى به، فلقوا إبراهيم فتكلّم بالعبرانيّة فتركوه ولم يعرفوا لغته (٤).
قال هشام بن محمد عن أبيه: فهاجر إبراهيم من بابل إلى الشأم، فجاءته سارة فوهبت له نفسها، فتزوّجها وخرجت معه وهو يومئذ ابن سبع وثلاثين سنة، فأتى حرّان فأقام بها زمانًا، ثمّ أتى الأرْدُنّ فأقام بها زمانًا، ثم خرج إلى مصر فأقام بها زمانًا، ثمّ رجع إلى الشأم فنزل السبع، أرضًا بين إِيلِياء (٥) وفلسطين، فاحتَفَر بئرًا وبنى مسجدًا، ثمّ إنّ بعض أهل البلد آذوه فتحوّل من عندهم فنزل منزلا بين الرملة وإيليا فاحتفر به بئرًا وأقام به، وكان قد وُسّع عليه فى المال والخدم. وهو أوّل من أضاف الضيف، وأوّل من ثَرَد الثّريد، وأوّل مَن رأى الشيب (٦).
قال أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ، أخبرنا سفيان الثورىّ عن عاصم عن أبى عثمان، قال عاصم: أراه عن سلمان، قال: سأل إبراهيم ربّه خيرًا فأصبح ثلثا رأسه أبيض، فقال: ما هذا؟ فقيل له: عبرة فى الدنْيا، ونور فى الآخرة.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدىّ، أخبرنا سفيان بن سعيد عن أبيه عن عكرمة قال: كان إبراهيم خليل الرحمن، ﷺ ، يكنّى أبا الأضياف.
قال: أخبرنا مَعْن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن يحيَى بن سعيد عن
стр. 76
سعيد بن المُسَيِّب عن أبى هريرة قال: اختتن إبراهيم بالقدّوم (١) وهو ابن عشرين ومائة سنة، ثمّ عاش بعد ذلك ثمانين سنة.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لمّا اتخذ الله إبراهيم خليلًا وتنبّأه وله يومئذ ثلاثمائة عبد أعتقهم وأسلموا، فكانوا يقاتلون معه بالعصىّ، قال: فهم أوّل مَوالٍ قاتلوا مع مولاهم.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: وُلد لإبراهيم، ﷺ ، إسماعيل، وهو أكبر ولده، وأمّه هاجر، وهى قبطيّة، وإسحاق وكان ضريرَ البصر، وأمّه سارة بنت بثويل بن ناحور بن ساروغ بن أرغُوا بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، ومَدَن ومَدْين ويقْشان وزمران وأشبق وشوخ، وأمهم قنطورا بنت مقطور من العرب العاربة، فأمّا يقشان فلحق بنوه بمكّة، وأقام مدين بأرض مدين فسُمّيت به، ومضى سائرهم فى البلاد، وقالوا لإبراهيم: يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحاق معك وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة، قال: بذلك أمرت، قال: فعلّمهم اسمًا من أسماء الله فكانوا يسْتَسقون به ويستنصرون، فمنهم من نزل خراسان فجاءهم الخزر فقالوا: ينبغى للّذى علّمكم هذا أن يكون خير أهل الأرض أو ملك الأرض، قال: فسمّوا ملوكهم خاقان (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: وُلِد لإبراهيم إسْماعِيل وهو ابن تسعين سنة، فكان بكر أبيه، ووُلِد إسحاق بعده بثلاثين سنة، وإبراهيم يومئذ ابن عشرين ومائة سنة، وماتت سارة فتزوّج إبراهيم امرأة من الكنعانيّين يُقال لها قنطورا، فولدت له أربعة نفر: ماذى وزمران وسرحج وسبق، قال: وتزوّج امرأة أخرى يُقال لها حجونى، فولدت له سبعة نفر: نافس ومدين وكيشان وشروخ وأميّم ولوط ويقشان، فجميع ولد إبراهيم ثلاثة عشر رجلًا (٣).
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: خرج إبراهيم، ﷺ ، إلى مكّة ثلاث مرّات دعا النّاس إلى الحجّ فى آخرهنّ، فأجابه كلّ شئ سمعه، فأوّل مَن أجابه جرهم قبل العماليق، ثمّ أسلموا ورجع إبراهيم إلى بلد الشأم، فمات به وهو ابن مائتى سنة.
* * *
стр. 77
ذكر إسماعيل، ﵇
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: وأخبرنا محمد ابن عمر الأسلمى عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كانت هاجَر من القبط من قرية أمام الفَرَمَا (١) قريب من فسطاط مصر، وكانت لفرعون من الفراعنة جبّارٍ عاتٍ من القبط، وهو الذى عرض لسارة امرأة إبراهيم فصُرع، ويقال: بل ذهب يتناول يدها فيبست يده إلى صدره، فقال: ادعى الله أن يُذهب عنّى ما أصابنى ولا أهيجك، فدعت الله له فأطلق يده وسُرّى عنه وأفاق، ودعا بهاجَر، وكانت آمَنَ خَدَمَةٍ عنده، فوهبها لسارة وكساها كساءً، فوهبت سارةُ هاجر لإبراهيم، ﷺ ، فوطئها فولدت له إسماعيل، وهو أكبر ولده، كان اسمه أشمويل فأُعرب (٢).
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا سُليم بن أخضر، أخبرنا ابن عون قال: كان محمد يقول: آجر، بغير هاء، أمّ اسماعيل.
قال: أخبرنا محمد بن حُميد أبو سفيان العبدى عن معمر عن أيّوب عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال: مرّ إبراهيم وسارة بجبّار من الجبابرة، فأخبر الجبّار بهما، فأرسل إلى إبراهيم فقال: مَن هذه معك؟ قال أختى، قال أبو هريرة: ولم يكذب إبراهيم قطّ إلّا ثلاث مرّات، اثنتين فى الله وواحدة فى امرأته، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [سورة الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [سورة الأنبياء: ٦٣] وقوله للجبار فى امرأته: هى أُختى؛ قال: فلما خرج من عند الجبّار دخل على سارة فقال لها: إنّ هذا الجبّار سألنى عنك فأخبرته أنّك أختى، وأنت أختى فى الله فإن سألك فأخبريه أنّك أختى، فأرسل إليها الجبّار، فلمّا أُدخلت عليه دعت الله أن يكُفّه عنها، قال أيّوب: فضُبِثَ بيده وأُخذ أخذة شديدة، فعاهدها لئن خُلّى عنه لا يقربها، فدعت الله فخُلّىَ عنه، ثمّ همّ بها الثانية، فأخذ أخذة هى أشدّ من
стр. 78
الأولى، فعاهدها أيضًا لئن خُلّى عنه لا يقربها، فدعت الله فخُلّى عنه، ثمّ همّ بها الثالثة، فأُخذ أخذة هى أشدّ من الأولَيَيْنِ، فعاهدها لئن خُلّى عنه لا يقربها، فدَعت الله فخُلّى عنه، فقال للّذى أدخلها: أخرجها عنى فإنّك أدخلتَ علىّ شيطانًا ولم تُدخل عَلَىَّ إنسانًا، وأخدَمها هاجَر، فرجعت إلى إبراهيم، ﷺ ، وهو يصلى ويدعو الله، فقالت: أبشر فقد كفّ الله يد الكافر الفاجر وأخدمنى هاجر، ثمّ صارت هاجر لإبراهيم، ﷺ ، بعدُ فولدت إسماعيل، قال أبو هريرة: فتلك أمّكم يا بنى ماء السّماء، كانت أمَة لأُمّ إسحاق (١).
قال: أخبرنا محمد بن حُميد عن مَعمر عن الزُّهرى قال: قال رسول الله، ﷺ ، إذا مَلَكْتُمُ القِبْطَ فَأَحْسِنُوا إلَيْهِمْ فَإنّ لَهُمْ ذِمّةً وإنّ لَهُمْ رَحِمًا، يعنى أمّ إسماعيل أنها كانت منهم (٢).
قال: أخبرنا محمد بن حُميد عن مَعمر عن أيّوب قال: قال سعيد بن جُبير قال ابن عبّاس: أوّل ما اتخذت النساء النُّطُق من قِبَل أن أُمّ إسماعيل، ﷺ ، اتخدت مِنطَقًا لتعفّيَ أثرها على سارة يعنى حين خرج بها إبراهيم وبابنها إلى مكة.
قال: أخبرنَا محمد بن عمر، أخبرنَا موسى بن محمّد بن إبراهيم التّيْمىّ عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى جَهم العَدَوى عن أبى بكر بن سليمان بن أَبى حَثْمَة العَدَوى عن أبى جَهم بن حُذَيفَة بن غانم قال: أوحَى الله إلى إبراهيم يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البُراق وحملَ إسماعيل أمامه، وهو ابن سنتين، وهاجرُ خلفه ومعه جبريل يدلّه على موضع البيت حتى قدم به مكّة، فأنزل إسماعيل وأمّه إلى جانب البيت، ثمّ انصرف إبراهيم إلى الشأم.
أخبرنا إسماعِيل بن عبد الله بن أبى أُويْس المدنى قال: حدّثنى أَبى عن أبى الجارود الرّبيع بن قزيع عن عقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن علىّ: مَنْ أوّل مَن تكلّم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبراهيم، صلّى الله عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، قال قلت: فما كان كلام الناس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال:
стр. 79
العبرانيّة، قال قلت: فما كان كلام الله الذى أُنْزل على رسله وعباده فى ذلك الزّمان؟ قال: العبرانِيّة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأَسْلمى عن غير واحد من أهل العلْم أنّ إسماعيل أُلهم من يوم ولد لسان العرب، وولَدُ إبراهيم أجمعون على لسان أبيهم.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: لم يتكلّم إسْماعيل بالعربيّة ولم يستحلّ خلاف أبيه، وأوّل مَن تكلّم بالعربيّة من ولده بنو رِعلة بنت يشجب بن يعرب بن لوذان بن جُرْهُم بن عامر بن سبإ بن يقطن بن عابر بن شالخ ابن أرفخشد بن سام بن نوح.
قال: أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا عبد الله بن لَهِيعة عن حُيىّ بن عبد الله قال: بلغنى أنّ إسماعيل النبىّ، ﷺ ، اختتن وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
قال: أخبرنا يحيَى بن إسحاق أبو زكرياء البَجلى السيْلحينى ومحمّد بن معاوية النيسابورى قالا: أخبرنا ابن لَهِيعة عن ابن أنعُم، أخبرنى بكر بن سُويد أنّه سمع عُلىّ بن رَباح اللَّخمى يقول: قال رسول الله، ﷺ : كُلّ العَرَبِ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بنِ إبْرَاهيمَ، ﵇ (١).
قال: أخبرنا رُوَيْم بن يزيد المُقْرِئ، أخبرنا هارون بن أبى عيسى الشآمى عن محمد بن إسحاق بن يَسَار قال: وأخبرنا هشام بن محمد الكلبىّ عن أبيه قالا: ولد لإسْماعِيل بن إبراهيم، صلى الله عليهما، اثنا عشر رجلًا، وهم: يناوذ، وهو نَبْتُ وهو نابتُ، وهو كُبر ولده، وقيذر وأذبُل ومنسى، وهو منشى، ومسمع، وهو مشماعة، ودما، وهو دوما، وبه سُمّيت دومة الجندل، وماشى وأذَرُ، وهو أذور، وطيما ويطور وينش وقيذما (٢).
وأمّهم فى رواية محمد بن إسحاق: رِعْلة بِنْت مُضاض بن عَمْرو الجُرْهمى، وفى رواية الكلبىّ: رِعْلة بِنْت يشْجب بن يَعرب على ما نسبها فى حديثه الأوّل؛ قال الكلبىّ: وكانت لإسْماعِيل امْرأة من العماليق ابنة صبدى قبل الجرهميّة، وهى التى كان جاءها إبراهيم فجفتْه فى القول ففارقها إسْماعِيل ولم تلِد له شيْئًا.
стр. 80
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى، حدّثنى أسامة بن زَيد بن أسْلم عن أبيه قال: لمّا بلغ إسماعيل عشرين سنة توفّيت أمّه هاجر وهى ابنة تسعين سنة فدفنها إسماعيل فى الحِجْر.
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى جَهْم عن أبى بكر بن سليمان بن أَبِى حَثْمَة عن أبى جَهْم بن حُذَيْفة بن غانم قال: أوحَى الله إلى إبراهيم، ﷺ ، أن يبنيَ البيت، وهو يومئذ ابن مائة سنة، وإسْماعيل يومئذ ابن ثلاثين سنة، فبناه معه، وتوفى إسماعيل بعد أبيه فدفن داخل الحِجْر ممّا يلى الكعبة مع أمّه هاجر، وولى نابت بن إسماعيل البيت بعد أبيه مع أخواله جُرْهُم.
قال: أخبرنا خالد بن خِداش بن عجلان، أخبرنا عبد الله بن وهْب المصرى، أخبرنا حَرملة بن عِمران عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فَروة أنه قال: ما يُعْلَم موضع قبر نبىّ من الأنبياء إلّا ثلاثة: قبر إسماعيل، فإنّه تحت الميزاب بين الركن والبيت، وقبر هود، فإنّه فى حِقْفٍ من الرمْل تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة تَنْدَى، وموضعه أشدّ الأرض حرًّا، وقبر رسول الله، ﷺ ، فإن هذه قبورهم بحقّ.
* * *
ذكر القرون والسنين التى بين آدم ومحمد، عليهما الصلاة والسلام
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان بن سعيد عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلّهم على الإسلام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، والقرن مائة سنة، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون، والقرن مائة سنة.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عباس قال: كان بين موسى بن عمران وعيسى بن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة
стр. 81
ولم تكن بينهما فَتْرة، وإنّه أرسل بينهما ألف نبى من بنى إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبى، ﵊، خمسمائة سنة وتسع وستّون سنة، بعث فى أوّلها ثلاثة أنبياء، وهو قوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [سورة يس: ١٤]؛ والذى عُزّز به شمعون، وكان من الحواريّين، وكانت الفترة التى لم يبعث الله فيها رسولًا أربعمائة سنة وأربعًا وثلاثين سنة، وإنّ حَوَارِيّى عيسى بن مريم كانوا اثنى عشر رجلًا، وكان قد تبعه بشر كثير ولكنه لم يكن فيهم حوارى إلّا اثنا عشر رجلًا، وكان من الحواريّين القصّار والصيّاد، وكانوا عُمّالًا يعملون بأيديهم، وإنّ الحواريّين هم الأصفياء، وإن عيسى، ﷺ ، حين رُفع كان ابن اثنتين وثلاثين سنة وستّة أشهر، وكانت نبوّته ثلاثين شهرًا، وإن الله رفعه بجسده، وإنّه حىّ الآن، وسيرجع إلى الدنْيا فيكون فيها ملِكًا، ثمّ يموت كما يموت النّاس، وكانت قرية عيسى تسمّى ناصرة، وكان أصحابه يُسمّون الناصريين، وكان يُقال لعيسى النّاصرىّ فلذلك سُميت النّصارى.
* * *
ذكر تسمية الأنبياء وأنسابهم، صلى الله عليهم وسلم
قال: أخبرنا عمرو بن الهيثم وهاشم بن القاسم الكنانى أبو النضر قالا: أخبرنا المسعودى عن أبى عمر الشآمى عن عبيد بن الخشخاش عن أبى ذرّ قال: قلت للنبىّ، ﷺ : أىّ الأنْبياء أوّل؟ قال: آدم، قال قلت: أوَ نَبِيًّا كان؟ قال: نَعَمْ نَبِىّ مُكَلَّمٌ؛ قال فقلت: فكم المرسلون؟ قال: ثلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفيرًا.
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن سعيد بن أبى أيّوب عن جعفر بن ربيعة وزياد مولى مصعب قال: سئل رسول الله، ﷺ ، عن آدم: أنبيًّا. كان؟ قال: بَلَى نَبِىّ مُكَلَّمٌ.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: أوّل نبىّ بُعث إدريس، وهو خنوخ (١) بن يارذ بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم،
стр. 82
ثم نوح بن لمك بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس، ثمّ إبراهيم بن تارح بن ناحور ابن ساروغ بن أرغُوا بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، ثمّ إسماعيل وإسحاق ابنا إبراهيم، ﷺ ، ثمّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ثمّ يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ثمّ لوط بن هاران بن تارح بن ناحور بن ساروغ وهو ابن أخى إبراهيم خليل الرحمن، ثمّ هود بن عبد الله بن الخلود بن عاد بن غُوص بن إرم بن سام بن نوح، ثمّ صالح بن آسف بن كماشج بن أروم بن ثمود ابن جاثر بن إرم بن سام بن نوح، ثمّ شعيب بن يوبب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم خليل الرحمن، ثمّ موسى وهارون ابنا عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ثمّ إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث ابن لاوى بن يعقوب، ثم اليسع بن عزى بن نشوتلخ بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق، ثمّ يونس بن متّى من بنى يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ثمّ أيّوب بن زارح بن أموص بن ليفزن بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم، ثمّ داود بن إيشا بن عُوَيْذ بن باعر بن سلمون بن نحشون بن عميناذب بن إرم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ثُمّ سليمان بن داوُد، ثُمّ زكرياء بن بشوى من بنى يهوذا بن يعقوب، ثمّ يحيَى بن زكرياء، ثمّ عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان من بنى يهوذا بن يعقوب، ثُمّ النبىّ، ﵇، محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم.
* * *
ذكر نسب رسول الله، ﷺ ، وتسمية مَن ولَدَهُ إلى آدم، ﷺ -
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب بن بِشْر الكلبىّ قال: علّمنى أبى وأنا غلام نسب النبى، ﷺ : محمد الطيّب المبارك ابن عبد الله بن عبد المطّلب، واسمه شَيْبَة الحمد بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المُغيرة بن قُصَىّ، واسمه زيد بن كلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لؤى بن غالب بن فهر، وإلى فهر جماع قريش وما كان فوق فهر فليس يقال له قرشىّ يقال له كنانىّ، وهو فهر ابن مالك بن النّضْر، واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد قال: وحدّثنى محمّد بن عبد الرحمن
стр. 83
العجلانى عن موسى بن يعقوب الزمعى عن عمّته عن أمّها كريمة بنت المقداد بن الأسود البهرانى قالت: قال رسول الله، ﷺ : مَعَدّ بن عَدْنَانَ بنِ أُدَدَ بنِ يَرَى بنِ أعْرَاقِ الثّرَى.
قالت: وأخبرنا هشام قال: أخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عبّاس أن النبىّ، ﷺ ، كان إذا انتسب لم يجاوز فى نسبه معدّ بن عدنان بن أُدد ثمّ يمسك ويقول: كذب النسّابون، قال الله، : ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [سورة الفرقان: ٣٨].
قال ابن عبّاس: لو شاء رسول الله، ﷺ ، أن يعلمه لعلمه (١).
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى العبْسى قال: أخبرنا إسرائيل عَن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله أنّه كان يقرأ: وعادًا وثمودًا والذين من بعدهم لا يعلمهم إلّا الله، كذب النسّابون.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: بين معدّ وإسماعيل، ﷺ ، نيّف وثلاثون أبًا، وكان لا يُسمّيهم ولا يُنفذهم، ولعلّه ترك ذلك حيث سمع حديث أبى صالح عن ابن عبّاس عن النبىّ، ﷺ ، أنّه كان إذا بلغ معدّ بن عدنان أمسك.
قال هشام: وأخبرنى مُخبر عن أبى ولم أسمعه منه أنّه كان ينسب معد بن عدنان (٢) بن أُدد بن الهَمَيْسع بن سلامان بن عوص بن يوز بن قموال بن أُبَىّ بن العوّام بن ناشد بن حزا بن بلداس بن تدلاف (٣) بن طابخ بن جاحم بن ناحش بن ماخى بن عَبَقَى بن عبقر بن عبيد بن الدعا بن حمدان بن سنبر بن يثربى بن نحزن
стр. 84
ابن يلحن بن أرعوى بن عيفَى بن ديشان بن عِيصر بن أقناد بن أبهام بن مُقصِى بن ناحث بن زارح بن شمّى بن مَزّى بن عوص بن عرّام بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم، صلى الله عليهما وسلم.
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: وكان رجل من أهل تَدْمُر يُكْنَى أبا يعقوب من مُسْلِمَة بنى إسرائيل قد قرأ من كتبهم، وعلم علمهم، فذكر أنّ بورخ (١) بن ناريّا -كاتب أرميا- أثبت نسب معدّ بن عدنان عنده، ووضعه فى كتبه وأنّه معروف عند أحبار أهل الكتاب وعلمائهم، مُثْبَتٌ فى أسْفارهم، وهو مقارب لهذه الأسماء، ولعلّ خِلافَ ما بينهم من قِبَلِ اللّغة، لأنّ هذه الأسماء تُرجِمت من العبرانية (٢).
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: سمعتُ مَن يقول كان مَعدّ على عهد عيسى بن مريم، وهو معدّ بن عدنان بن أُدد بن زيد بن يقدُر بن يقدُم بن أمين بن منحر بن صابوح بن الهَمَيْسَع بن يشجب بن يَعرب بن العوّام بن نبت بن سلمان ابن حمل بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم (٣).
قال: وقد قدّم بعضهم العوّام فى بعض النّسب على الهَمَيْسَع فصيّره من ولده.
قال: أخبرنا رُوَيْم بن يزيد المُقْرئ عن هارون بن أبى عيسى الشآمى عن محمد ابن إسحاق أنّه كان ينسب معدّ بن عدنان على غير هذا النّسب فى بعض روايته يقول: معدّ بن عدنان بن مُقوَّم بن ناحور بن تيرح بن يَعْرُب بن يَشْجَب بن نابت ابن إسماعيل (٤).
قال: ويقول أيضًا فى رواية أخرى له: معدّ بن عدنان بن أُدد بن أيتحب بن أيوب بن قيذر بن إسماعيل بن إبراهيم (٥).
стр. 85
قال محمد بن إسحاق: وقد انتمى قُصَىّ بن كلاب إلى قيذر فى بعض شعره، قال محمد بن سعد: فأنشدنى هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه شعر قصىّ:
فلستُ لحاضِنٍ إن لم تَأثّلْ … بها أوْلادُ قَيْذَرَ والنّبِيتُ (١)
قال أبو عبد الله محمد بن سعد: ولم أر بينهم اختلافًا أن معدًّا من ولد قيذر ابن إسماعيل، وهذا الاختلاف فى نسبته يدلّ على أنّه لم يُحفظ، وإنّما أُخِذ ذلك من أهل الكِتاب وترجموه لهم فاختلفوا فيه، ولو صح ذلك لكان رسول الله. ﷺ ، أعلم النّاس به، فالأمر عندنا على الانتهاء إلى معدّ بن عدنان، ثم الإمساك عمّا وراء ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم.
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا ابن لَهيعة عن أبى الأسود عن عروة قال: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء معدّ بن عدنان.
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنى ابن لهيعة عن أبى الأسود قال: سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبى حثْمة يقول: ما وجدنا فى علم عالم ولا شعر شاعر أحدًا يعرف ما وراء معدّ بن عدنان بثبت.
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنى سعيد ابن أبى أيوب عن عبد الله بن خالد قال: قال رسول الله، ﷺ : لا تَسُبّوا مُضَرَ فَإنّهُ كَانَ قَدْ أسْلَمَ.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: كان معدّ مع بخت نصّر حين غزا حصون اليمن.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه قال: وَلَدَ معدّ بن عدنان نِزارًا، وفى ولده النبوّة والثروة والخلافة، وقَنَصًا وقُناصَة وسنامًا والعُرفَ وعوفًا وشكّا وحَيْدان وحَيْدة وعُبيد الرماح وجُنيدًا وجُنادة والقُحم وإيادًا، وأمّهم مُعَانَة بنت جَوْشَم بن جُلْهُمَة بن عمرو بن دَوّة من (٢) جُرهم (٣)، وأخوهم لأمّهم
стр. 86
قضاعة وبعض القضاعيّين، وبعض النسّاب يقول: قضاعة بن معدّ، وبه كان يُكنى معدّ، والله أعلم، واسم قضاعة عمرو، وإنما قيل قضاعة لأنّه انقضع عن قومه وانتسب فى غيرهم، وهذه لغتهم.
قال: وقد تفرّق ولد معدّ بن عدنان سوى نزار فى غير بنى معدّ، وبعضهم انتسب إلى معدّ، فوَلد نزار بن معدّ مضر وإيادًا، وبه كان يُكنى نزار، وأمّهما سَوْدَة بنت عَكّ، وربيعة، وهو الفَرَس وهو القشعم، وأنمارًا، وأمهما الحذالة (١) بنت وعلان بن جوشم بن جُلهمة بن عَمرو، من جرهم، وكان يقال لمضر: الحمراء. ولإياد: الشمْطاء والبلْقاء، ولربيعة: الفَرَس، ولأنمار: الحمار، قال: ويُقال إنّ أنمارًا هو أبو بجِيلة وخثعم، والله أعلم (٢).
قال: أخبرنا هشام بن محمّد بن السّائب عنْ أبيه وغيره قال: هو إبراهيم بن آزر، وكذلك هو فى القرآن، وفى التوراة إبراهيم بن تارح، وبعضهم يقول آزر بن تارح بن ناحور بن ساروغ، ويقال شروغ بن أرغوا، ويقال أرغوا بن فالغ، ويقال فالخ بن عابر بن شالخ، ويقال سالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح النبىّ، ﵇، ابن لمك بن متوشلخ، ويقال متوسلخ بن خنوخ، وهو إدريس النبىّ، ﵇، بن يرذ، وهو اليارذ، ويقال الياذر بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث، ويقال شث وهو هبة الله بن آدم، ﷺ كثيرًا.
* * *
ذكر أُمهات رسول الله، ﷺ -
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: أمّ رسول الله، ﷺ ، آمنة بنت وهْب، بن عبد مَناف بن زُهْرة بن كلاب بن مُرّة وأمّها بَرَّة بنْت عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصىّ بن كلاب، وأمّها أمّ حبيب بنْت أسد
стр. 87
ابن عبد العُزَّى بن قصَىّ بن كلاب، وأمّها بَرَّة بنت عَوْف بن عَبِيد بن عَويج بن عَدىّ بن كعب بن لؤىّ، وأُمُّها قلابة بنت الحارث بن مالك بن حُبَاشة ابن غَنْم بن لحيْان بن عادية بن صَعْصَعَة بن كعب بن هند بن طابخة بن لحيان بن هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مُضر، وأمّها أُمَيمة بنت مالك بن غَنْم بن لحيان بن عادية بن صعصعة، وأمّها دُبّ بنت ثعلبة بن الحارث بن تميم بن سعد بن هُذيل بن مُدركة بنت غاضِرة بن حُطَيط بن جُشَم بن ثَقِيف، وهو قَسِىّ بن مُنبّه بن بكر بن هوازن ابن منصور بن عكرمة بن خَصَفَةَ بن قيس بن عيلان، واسمه إلياس بن مُضر، وأمّها ليلى بنت عوف بن قسىّ وهو ثقيف، وأمّ وهب بن عبد مَنَاف بن زُهْرة جدّ رسول الله، ﷺ ، قَيْلَة، ويقال: هند بنت أبى قيلة، وهو وجْز بن غالب بن الحارث بن عمرو بن مِلْكان بن أفصى بن حارثة من خُزاعة، وأمّها سلمى بنت لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وأمّهَا ماويّة بنت كعب بن القين من قُضاعة وأمّ وجز بن غالب السّلافة بنت واهب بن البكير بن مَجْدَعَةَ بن عَمْرو من بنى عَمْرو بن عوف منَ الأوْس، وأمّها ابنة قيس بن ربيعة من بنى مازن ابن بُوَىّ بن ملكان بن أفصى أخى أسلم بن أفصى، وأمّها النّجعة بنت عبيد بن الحارث من بنى الحارث بن الخزرج، وأمّ عبد منَاف بن زهرة جُمل بنت مالك بن فُصيّة بن سعد بن مُليح بن عمرو من خزاعة، وأم زهرة بن كلاب أمّ قصىّ وهى فاطمة بنْت سعْد بن سَيَل، وهو خير بن حمالة بن عوف بن عَامر الجادر من الأزد (١).
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: كتبت للنبىّ، ﷺ ، خمسمائة أمّ فما وجدت فيهنّ سفاحًا ولا شيئًا ممّا كان من أمر الجاهليّة (٢).
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة الليثى عن جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن علىّ بن حسين أنّ النبىّ، ﷺ ، قال: إنّمَا خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ ولَمْ أخْرُجْ
стр. 88
مِنْ سِفاح مِنْ لَدُن آدَمَ لَمْ يُصِبْنى مِنْ سِفَاح أهْلِ الجَاهِلِيّةِ شَىْءٌ لَمْ أخْرُجْ إِلّا مِنْ طُهْرَة (١).
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة عن عبد المجيد بن سُهيل عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله، ﷺ : خَرَجْتُ مِن لَدن آدَمَ مِنْ نِكَاحٍ غَيرِ سِفَاحٍ.
قال: أخبرنا محمّد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى محمد بن عبد الله بن مسلم عن عمّه الزهرىّ عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله، ﷺ : خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ.
* * *
ذكر الفواطم (٢) والعواتك اللاتى ولدن رسول الله، ﷺ -
والعاتكة فى كلام العرب الطاهرة، قال: أخبرنا هِشام بن محمّد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: أم عبد العزّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصىّ -وقد وَلَدَ رسولَ الله، ﷺ هُضَيْبَة بنت عمرو بن عُتوارة بن عائش بن ظَرِب بن الحارث ابن فهر، وأمّها ليلى بنت هلال بن وُهَيْب بن صبّة بن الحَارِث بن فهر، وأمّها سَلْمَى بنْت مُحارب بن فهر، وأمّها عاتِكة بنت يَخْلُد بن النّضْر بن كنانة، وأم عمرو بن عُتوارة بن عائش بن ظَرِب بن الحارث بن فهر عاتِكة بنْت عمرو بن سعد ابن عوف بن قَسىّ، وأمّها فاطمة بنت بلال بن عمْرو بن ثُمالة من الأزد، وأمّ أسد ابن عبْد العزّى بن قصىّ -وقد ولَدَ النبىَّ ﵇ الحُظيّا، وهى رَيْطة بنت
стр. 89
كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة، وأمّ كعب بن سعد بن تيم نُعْمُ بنت ثعلبة بن وائلة ابن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وأمّها ناهية بنت الحارث بن منقذ بن عَمرو بن مَعيص بن عَامر بن لُؤىّ، وأمّها سلمى بنت ربيعة بن وُهَيْب بن ضِباب ابن حُجير بن عبد بن مَعيص بن عامر بن لؤىّ، وأمّها خديجة بنت سعد بن سهم، وأمّها عاتِكة بنْت عَبْدة بن ذكوان بن غَاضِرة بن صعصعة، وأم ضِباب بن حُجير بن عَبْد بن معيص فاطمة بنت عوف بن الحارث بن عبد منَاة بن كنانة، وأمّ عَبيد بن عَويج بن عدىّ بن كعب.
وقد وَلَد النبىَّ، ﷺ ، مَخْشِيّة بنت عمرو بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وأمّها الرُّبْعة بنت حُبْشِيّة بن كعب بن عمرو، وأمّها عاتِكة بنت مُدْلِج بن مُرّة بن عَبد منَاة بن كنانة، فهؤلاء من قِبَل أمّه، ﷺ .
وأم عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم، وهى أقرب الفواطم إلى رسول الله، ﷺ ، وأمّها صخرة بنت عبد ابن عمران بن مخزوم، وأمّها تَخْمُر بنت عبد بن قُصىّ، وأمّها سلمى بنت عامرة ابن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر، وأمّها عاتكة بنت عبد الله بن وائلة بن ظَرِب بن عياذ (١) بن عمرو بن بكر بن يشكر بن الحارث وهو عَدوان بن عَمرو بن قيس، ويقال: عبد الله بن حرب بن وائلة، وأم عبد الله بن وائلة بن ظَرِب فاطمة بنت عامر بن ظرب بن عياذ وأم عمران بن مخزوم سُعدى بنت وهب بن تيم بن غالب، وأمّها عاتِكة بنت هلال بن وُهيب بن ضبّة، وأمّ هاشم بن عبد مَناف بن قصىّ عاتكة بنت مُرّة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قيس بن عيلان، وهى أقرب العواتك إلى النبىّ، ﷺ ، وأم هلال بن فالج بن ذكوان فاطمة بنت بُجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة، وأمّ كلاب بن ربيعة مَجْدُ بنت تيم الأدرم بن غالب، وأمّها فاطمة بنت معاوية بن بكر بن هوازن، وأم مرّة بن هلال بن فالج عاتكة بنت عدى بن سَهْم
стр. 90
من أسلَمَ وهم إخوة خُزاعة، وأمّ وُهيب بن ضبّة بن الحارث بن فهر عاتكة بنت غالب بن فهر، وأمّ عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فاطمة بنت ربيعة بن عبد العزّى بن رِزام بن جَحْوَش بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأم معاوية بن بكر بن هوازن عاتكة بنت سعد بن هذيل بن مدركة، وأمّ قُصىّ بن كلاب فاطمة بنْت سعد بن سَيَل من الجَدَرَة من الأزد، وأمّ عبد منَاف بن قصىّ حُبّى بنت حُليل بن حُبْشِيّة الخزاعى، وأمّها فاطمة بنت نصر بن عوف بن عمرو بن لحى من خزاعة، وأم كعب بن لؤىّ ماويّة بنت كعب بن القين، وهو النعمان بن جَسْر بن شيع الله ابن أسد بن وبرة بن تغلب بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وأمّها عاتكة بنت كاهل بن عُذرة، وأمّ لؤى بن غالب عاتكة بنت يَخْلُد بن النضر بن كنانة، وأمّ غالب بن فهر بن مالك ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس ابن مضر، وأمّها سلمى بنت طابخة بن إلياس بن مضر، وأمّها عاتكة بنت الأسد ابن الغوث.
قال وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن غير أبيه أنّ عاتكة بنت عامر بن الظَّرِب من أمّهات النبىّ، ﷺ ، قال: أم برّة بنت عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب أميمة بنت مالك بن غَنَم بن سويد بن حُبْشىّ بن عادية ابن صعصعة بن كعب بن طابخة بن لحيان، وأمّها قِلابة بنت الحارث بن صعصعة ابن كعب بن طابخة بن لحيان، وأمّها دبّ بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، وأمّها لُبْنى بنت الحارث بن نُمير بن أُسيد بن عمرو بن تميم، وأمّها فاطمة بنت عبد الله بن حرب بن وائلة، وأمّها زينب بنت مالك بن ناضرة بن غاضرة بن حُطيط بن جُشَم بن ثقيف، وأمهَا عاتكة بنت عامر بن ظرب، وأمها شقيقة بنت مَعْن بن مالك من باهلة، وأمّها سَوْدة بنت أُسَيد بن عمرو بن تميم، فَهؤلاء العَواتك وهنّ ثلاث عشرة والفواطم وهنّ عشر.
* * *
стр. 91
ذكر أُمهات آباء رسول الله، ﷺ -
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قال: أمّ عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وأمّها صخرة بنت عبد بن عمران بن مخزوم، وأمّها تخمُر بنت عبد بن قُصىّ (١).
وأم عبد المطلب بن هاشم سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غَنْم بن عدى بن النجّار، واسم النّجّار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، وأمّها عميرة بنت صخر بن حبيب بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجّار، وأمّها سلمى بنت عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النجّار، وأمّها أُثيلة بنت زَعُورا بن حرام بن جُنْدب بن عامر بن غَنْم بن عدىّ بن النجّار.
وأمّ هاشم بن عبد منَاف عاتِكة بنت مرّة بن هلال بن فالج بن ذَكْوان بن ثعلبة ابن بُهْثة بن سُليم بن منصور، وأمها ماويّة، ويُقال صفيّة بنت حَوْزة بن عمرو بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأمّها رَقاش بنت الأسحم بن مُنبّه بن أسد ابن عبد منَاة بن عائذ الله بن سعد العشيرة من مَذْحج، وأمّها كبشة بنت الرافقى ابن مالك بن الحِماس بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب.
وأمّ عبد مَناف بن قُصىّ حُبّى بنت حُليل بن حُبْشِيّة بن سَلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة، وأمّها هند بنت عامر بن النّضْر بن عمرو بن عامر من خُزاعة، وأمّها ليلى بنت مازن بن كعب بن عمرو بن عامر من خُزاعة.
وأمّ قُصىّ بن كلاب فاطمة بنت سعد بن سَيَل، وهو خَيْر بن حَمالة بن عوف ابن عامر الجادر من الأزد، وكان أول مَن بنى جدار الكعبة فقيل له الجادرُ، وأمّها طريفة (٢) بنت قيس بن ذى الرّأسَين، واسمه أُمَيّة بن جُشَم بن كنانة بن عمرو بن القَين بن فَهْم بن عمرو بن قيس بن عيلان، وأمّها صخرة بنت عامر بن كعب بن أفْرَك بن بُدَيْل بن قيس بن عبقر بن أنمار.
وأمّ كلاب بن مُرّة هنْد بنت سُرَيْر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خُزيمة، وأمّها أُمامة بنْت عبْد منَاة بن كِنانة، وأمّها هند بنت دُودان بن أسد بن خُزيمة.
стр. 92
وأمّ مُرّة بن كعب مَخْشِيّة بنت شيبان بن محارب بن فهر بن مالك بن النضر ابن كنانة، وأمّها وَحْشيّة بنت وائل بن قاسط بن هِنْب بن أفصى بن دُعْمىّ بن جَديلة، وأمّها ماويّة بنت ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وأمّ كعب بن لُؤىّ ماويّة بنت كعب بن القين، وهو النعمان بن جَسْر بن شَيْع الله بن أسد بن وَبَرَة بن تغْلِب بن حُلوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعَة، وأمّهَا عاتكة بنت كاهل بن عُذْرة.
وأمّ لُؤىّ بن غالب عاتِكة بنت يخْلُد بن النّضر بن كِنانة، وهو القول المجتمع عليه، ويُقال بل أمّه سلمَى بنت كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر من خُزاعة، وأمّها أنِيسة بنْت شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علىّ ابن بكر بن وائل، وأمّها تُماضر بنت الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خُزيمة، وأمّها رُهْم بنت كاهل بن أسد بن خُزيمة.
وأمّ غالب بن فهر ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعْد بن هذيل بن مدركة، ويُقال بل هى ليلى بنت سعد بن هُذيل بن مدركة بن إلياس بن مُضر، وأمّها سلمى بنت طابخة بن إلياس بن مضر، وأمّها عاتِكة بنت الأسد بن الغَوْث، وأمّها زينب بنت ربيعة بن وائل بن قاسط بن هِنْب.
وأمّ فهر بن مالك جَنْدَلَة بنت عامر بن الحارث بن مُضاض بن زيْد بن مالك من جُرْهُم، ويُقال: بل هى جندلة بنت الحارث بن جندلة بن مُضاض بن الحارث، وليس بالأكبر، ابن عوانة بن عاموق بن يَقْطن من جرهم، وأمّها هند بنت الظليم بن مالك بن الحارث من جرهم.
وأمّ مالك بن النّضْر عِكْرِشة بنت عَدْوان وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر.
وأمّ النّضر بن كِنانة بَرّة بنت مُرّ بن أُد بن طابخة أخت تميم بن مُرّ.
وأمّ كِنانة بن خُزيمة عَوانة وهى هند بنت سعد بن قيس بن عيلان، وأمّها دَعْد بنت إلياس بن مضر.
وأم خزيمة بن مدركة سلمى بنت أسلم بن الحاف بن قضاعة، وأمّ مدركة بن إلياس ليلى وهى خِنْدِف بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وأمّها ضَريّة بنت ربيعة بن نزار، وبها سُمّى ماء ضَريّة الذى فيما بين مكّة والنباج.
وأمّ إلياس بن مضر الرّباب بنْت حَيْدة بن معدّ بن عدنان.
стр. 93
وأمّ مضر بن نِزار سَوْدة بنت عكّ بن الرّيْث بن عدنان بن أُدد، ومَن ينْتسب منهمْ إلى اليَمن يقول عَكّ بن عُدثان بن عبد الله بن نصر بن زَهران من الأسد.
وأمّ نزار بن معدّ مُعانة بنت جوشم بن جُلْهُمة بن عمرو بن برّة بن جُرهم، وأمّها سلْمى بنت الحارث بن مالك بن غنْم من لخم.
وأمّ معدّ بن عدنان مَهْدَدُ بنت اللّهَم بن جَلْحَب بن جديس بن جاثر بن إِرَم.
* * *
ذكر قُصىّ بن كلاب
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى عن غير واحد من عُلماء أهْل المدينة قال: وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبىّ عن أبيه قالوا: تزوّج كلاب بن مرّة بن كعب بن لُؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك فاطمة بنت سعْد بن سَيَل واسم سيل خَيْر بن حَمَالة -بن عوف (١) بن عامر- وهو الجادر، وكان أوّل مَن بَنى جِدار الكعبة - ابن عمرو بن جُعْثُمة بن مُبَشِّر بن صَعْب بن دُهْمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبْد الله بن مالك بن نصر بن الأزد.
وكان جعثمة خرج أيّام خرجت الأزد من مأرِب، فنزل فى بنى الدِّيل بن بكر ابن عبد منَاة بن كِنانة فحالفهم وزوّجهم وزوّجوه فولدت فاطمة بنت سعد لكلاب ابن مرّة زُهرة بن كلاب، ثمّ مكثت دهرًا، ثمّ ولدت قصيًّا فسمّى زيدًا، وتُوفى كلاب بن مُرّة وقدم ربيعة بن حرام بن ضِنّة بن عبد بن كبير بن عُذرة بن سعد بن زيد أحد قضاعة فاحتملها إلى بلاده من أرض عُذرة من أشراف الشأم إلى سرْغ وما دونها، فتخلّف زهرة بن كلاب فى قومه لكبره وحملت قصيًّا معها لصغره وهو يومئذٍ فطيم، فسمىّ قُصيًّا لتقصيها به إلى الشأم، فولدت لربيعة رِزاحًا، وكَان قصىّ ينسب إلى ربيعة بن حَرام فناضل رجلًا من قضاعة يدعى رُقَيْعًا، قال هشام ابن الكلبىّ: وهو من عذرة، فنضله قصىّ فغضب المنضول فوقع بينهما شرّ حتى تقاولا وتنازعا، فقال رُقيع: ألا تلحق ببلدك وقومك؟ فإنّك لست منّا (٢).
стр. 94
فرجع قصىّ إلى أمّه فقال: مَنْ أبى؟ فقالت: أبوك ربيعةُ، قال: لو كنت ابنه ما نُفيتُ! قالت: أوَقد قال هذا؟ فوالله ما أحَسَن الجوار، ولا حفظ الحقّ، أنْت والله يا بُنىّ أكرم منه نفسًا ووالدًا ونسَبًا وأشرف منزلًا! أبوك كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة القرشىّ، وقومك بمكّة عند البيت الحرام فما حوله، قال: فوالله لا أُقيم ههنا أبدًا! قالت: فأقِم حتّى يجئ إبّان الحجّ فتخرج فى حاجّ العرب فإنى أخشى عليك أن يصيبك بعض النّاس (١)، فأقام، فلمّا حضر ذلك بعثته مع قوم من قضاعة فقدم مكّة، وزهرة يومئذ حىّ، وكان أشعر وقصىّ أشعر، فأتاه فقال له قصىّ: أنا أخوك، فقال: ادنُ منّى، وكان قد ذهب بصره وكَبِر، فلمسه فقال: اعرف والله الصّوت والشّبه!
فلمّا فرغ من الحجّ عالجه القُضاعيّون على الخروج معهم والرّجوع إلى بلادهم فَأَبَى وأقام بمكّة، وكان رجلًا نهدًا نسيبًا فلم ينشب أن خطب إلى حُليل بن حُبْشيّة بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لُحَىّ الخُزاعىّ ابنته حُبّى، فعرف حُليل النسب ورغب فيه فزوّجه، وحُليل يومئذٍ يلى أمر مكّة والحكم فيها وحجابة البيت، ثمّ هلك حُليل فحجب البيت ابنه المحترش، وهو أبو غُبْشان، وكانت العرب تجعل له جُعْلًا فى كلّ موسم، فقصّروا به فى بعض المواسم منعوه بعض ما كانوا يعطونه، فغضب فدعاه قصىّ فسقاه، ثمّ اشترى منه البيت بأذْوادٍ، ويقال بِزِقّ خمر، فرضى ومضى إلى ظهر مكّة (٢).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: حدّثنى عبد الله بن عمرو بن زهير عن عبد الله بن خِداش بن أميّة الكعبىّ عن أبيه قال: وحدَّثتنى فاطمة بنت مسلم الأسلميّة عن فاطمة الخزاعيّة -وكانت قد أدركت أصحاب رسول الله، ﷺ قالا: لمّا تزوّج قصىّ إلى حُليل بن حُبْشِيّة ابنتَه حُبّى وولدت له أولاده، قال حُليل: إنّما وَلَدُ قصىّ وَلَدى، هُم بنو ابنتى، فأوصى بولاية البيت والقيام بأمر مكّة إلى قصىّ، وقال: أنْت أحقّ به.
стр. 95
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمّد بن عمر بن واقد الأسلمى، وهشام بن محمّد الكلبىّ الأول، قالوا: ويُقال إنّه لمّا هلك حُليل بن حُبْشيّة، وانتشر ولد قصىّ، وكَثُرَ ماله، وعظم شرفه، رأى أنّه أولى بالبيت وأمر مكّة من خزاعة وبنى بكر، وأنّ قريشًا فَرْعَةُ (١) إسماعيل بن إبراهيم، وصريحُ ولده، فكلّم رجالًا من قريش وبنى كِنانة ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبنى بكر من مكّة، وقال: نحن أَوْلَى بهذا منهم، فأجابوه إلى ذلك وتابعوه، وكتب قصىّ إلى أخيه ابن أُمّه رِزاح (٢) بن ربيعة بن حرام العُذرى يدعوه إلى نصرته، فخرج رِزاح وخرج معه إخوته لأبيه حُنّ ومحمود وجُلْهُمة فيمن تبعه من قُضاعة حتى قدموا مكّة، وكانت صُوفة، وهم الغَوْثُ بن مرّ، يدفعون بالناس من عرفة ولا يرمون الجمار حتى يرمى رجل من صوفة، فلمّا كان بعد ذلك العام فعلت ذلك صوفة كما كانت تفعل، فأتاها قُصىّ بمن معه من قومه من قريش وكِنانة وقُضاعة عند العقبة فقالوا: نحن أولى بهذا منكم، فناكروهم، فاقتتلوا قِتالًا شديدًا حتى انهزمَت صوفة، وقَال رزاح: أجِز قصىّ، فأجاز الناس وغلبهم على ما كان فى أيديهم من ذلك، فلم تزل الإفاضة فى ولد قصىّ إلى اليوم (٣).
وندمت خُزاعة وبنو بكر فانحازوا عنه، فأجمع قصىّ لحربهم فاقتتلوا قِتالًا شديدًا بالأبطح حتى كثرت القتلى فى الفريقين، ثمّ تَداعوا إلى الصّلح وحكّموا بينهم يَعْمُر بن عوف بن كعب بن ليث بن بكر بن عبد منَاة بن كِنانة، فقضى بينهم بأنّ قصىّ بن كلاب أولى بالبيت وأمرِ مكّة من خُزاعة، وأنّ كلّ دم أصابه قصىّ من خزاعة وبنى بكر موضوعٌ يَشْدَخُهُ تحت قدميه، وأنّ ما أصابت خُزاعة وبنُو بكر من قريش وبنى كِنانة ففيه الدية، وأن يُخَلّى بين قصىّ وبين البيت وأمر مكّة، فسمّى يومئذ يعمر الشدّاخ لِما شدخ من الدماء (٤).
стр. 96
قال: أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا موسى بن يعقوب الزَّمْعىّ عَن عَمّته عن أمّها كريمة بنت المقداد عن أبيها قال: لما فرغ قصىّ ونفى خُزاعة وبنى بكر عن مكّة تجمّعت إليه قريش فسمّيت يومئذ قريشًا لحال تجمّعها، والتقرّش: التجمّعُ، فلمّا استقرّ أمرُ قصىّ انصرف أخوه لأمّه رِزاح بن ربيعة العُذرى بمن معه من إخوته وقومه، وهم ثلاثمائة رجل، إلى بلادهم، فكان رِزاح وحُنّ يواصلان قصيًّا ويوافيان الموسم فينزلان معه فى داره ويريان تعظيم قريش والعرب له، وكان يكرمهما ويصلهما وتكرمهما قريش لِمَا أبْلياهم وأوْليَاهم من القيام مع قصىّ فى حرب خزاعة وبكر.
قال: أخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: إنّما سُمّوا قريشًا لأنّ بنى فهر الثلاثة كان اثنان منهم لأمّ والآخر لأمّ أخرى، فافترقوا فنزلوا مكانًا من تَهَمَة مكّة، ثمّ اجتمعوا بعد ذلك، فقالت بنو بكر: لقد تقرّش بنو جَنْدَلَة، وكان أوّل من نزل من مضر مكّة خزيمة بن مدركة، وهو الذى وضع لِهُبَلَ الصّنم موضعه فكان يقال له صنم خزيمة، فلم يزل بنوه بمكّة حتى ورث ذلك فهر بن مالك، فخرجت بنو أسد ومن كان من كِنانة بها فنزلوا منازلهم اليوم.
قال: أخبرنا هشام بن محمّد الكلبىّ عن أبيه قال: وُلد لقصىّ بن كلاب ولدهُ كلّهم من حُبّى بنت حُلَيْل: عبدُ الدّار بن قُصىّ، وكان بكره، وعبدُ مَناف ابن قصىّ. واسمه المغيرة، وعبد العزّى بن قصىّ، وعبد بن قصىّ، وتَخْمُر بنت قُصىّ، وبرّة بنت قصىّ (١).
قال: أخبرنا هشام بن محمّد عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: كان قصىّ يقول: وُلد لى أربعة رجال، فسمّيت اثنين بإلهى، وواحِدًا بدارى، وواحِدًا بنفسى، فكان يُقال لعبد بن قصىّ عبد قصىّ، واللّذين سمّاهما بإلهه عبد مَناف وعبد العزّى، وبداره عبد الدار (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى عبد الله بن جعفر الزهرىّ
стр. 97
قال: وجدتُ فى كتاب أبى بكر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرمة، أخبرنا محمد بن جُبير بن مُطعم قال: وأخبرنا هشام بن محمّد الكلبىّ قال: أخبرنى أبى عن أبى صالح عن ابن عبّاس قالا: كان قصىّ بن كلاب أوّل ولد كعب بن لؤىّ، أصاب مُلكًا أطاع له به قومه، فكان شريف أهل مكّة لا يُنَازَعُ فيها، فابتنى دار النّدْوَة وجعل بابها إلى البيت، ففيها كان يكون أمر قريش كلّه وما أرادوا من نِكاح أو حرب أو مشورة فيما ينوبهم، حتى إن كانت الجارية تبلغ أن تُدَرّع (١) فما يُشَقّ دِرْعُهَا إلّا فِيهَا، ثمّ يُنطلَق بها إلى أهلها، ولا يعقدون لواء حرب لهم ولا من قوم غيرهم إلّا فى دار النّدوة، يعقده لهم قصىّ، ولا يُعذَر لهم غلام إلّا فى دار النّدْوة، ولا تخرج عِيرٌ من قُريْش فيرحلون إلّا منها، ولا يقدمون إلّا نزلوا فِيها تشريفًا له وتَيَمّنًا برأيه ومعرفةً بفضله، ويتبعون أمره كالدّين المتَّبَع لا يُعمل بغيره فى حياته وبعْد موته، وكانت إليه الحجابة والسّقاية والرّفادة واللّواء والنّدوة وَحُكْمُ مكّة كلّه، وكان يَعْشر من دخل مكّة سِوى أهلها (٢).
قال: وإنّما سُمّيت دار النّدوة لأنّ قريشًا كانوا يَنْتَدون فيها، أى يجتمعون للخير والشرّ، والنَّدِىّ: مَجْمع القوم إذا اجتمعوا، وقطع قصىّ مكّة رِباعًا بين قومه، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم التى أصبحوا فيها اليوم، وضاق البلد وكان كثير الشجر العِضاه والسّلَم، فهابت قريش قطع ذلك فى الحرم، فأمرهم قصىّ بقطعه، وقال: إنّما تقطعونه لمنازلكم ولخططِكم، بَهْلَةُ (٣) الله على من أراد فسادًا! وقطع هو بيده وأعوانه فقطعت حينئذ قريش وسمّته مُجَمِّعًا لِمَا جَمّعَ من أمرها، وتيمنت به وبأمره، وشرّفته قريش وملّكته، وأدخل قصىّ بطون قريش كلّها الأبطح، فَسُمّوا قريش البطاح.
وأقام بنو مَعيص بن عامر بن لؤى، وبنو تيم الأدرم بن غالب بن فهر، وبنو
стр. 98
محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر، بظهر مكّة، فهؤلاء الظواهر لأنهم لم يهبطوا مع قصىّ إلى الأبطح، إلّا أنّ رَهْطَ أبى عُبيدة بن الجرّاح، وهم من بنى الحارث بن فهر، نزلوا الأبطح فهم مع المُطَيَّبين أهل البطاح؛ وقد قال الشاعر فى ذلك وهو ذَكوان مولى عمر بن الخطّاب للضحّاك بن قَيس الفِهْرى حين ضربه:
فلو شَهِدَتْنِى منْ قُرَيْشٍ عِصابَةٌ … قرَيشُ البطَاحِ لا قرَيشُ الظّواهرِ
وقال حذافة بن غانم العدوى لأبى لهب بن عبد المطّلب:
أبوكم قُصىّ كان يُدْعَى مُجَمِّعًا … به جَمّعَ الله القَبائِلَ من فِهْرِ
فدعى قصىّ مجمِّعًا بجمعه قريشًا، وبقصىّ سمّيت قريش قريشًا، وكان يُقال لهم قبل ذلك بنو النّضر.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمّد بن جُبير: متى سُمّيت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرّقها، فذلك التجمّع التقرّش، فقال عبد الملك: ما سمعتُ هذا، ولكِن سَمعتُ أنّ قصيًّا كان يُقال له القرشىّ، ولم تسم قريش قبله (١).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبرة عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف قال: لمّا نزل قصىّ الحرم وغلب عليه فعل أفْعالًا جميلة فقِيل له القرشىّ، فهو أوّل مَن سُمّى به (٢).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: حدّثنى أبو بكر بن عبد الله بن أبى سَبْرَة عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى جهم قال: النّضر بن كِنانة كان يسمى القرشىّ (٣).
قال: وأخبرنا محمّد بن عمر عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة
стр. 99
الأخنسىّ قال: كانت الحُمْسَ قريشٌ وكِنانة وخُزاعة ومَن ولدته قريش من سائر العرب. وقال محمد بن عمر بغير هذا الإسناد، أو حليفٌ لقريش.
قال محمد بن عمر: والتحمّس أشياء أحدثوها فى دينهم تحمّسوا فيها، أى شدّدوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم إذا حجّوا، فقصروا عن بلوغ الحقّ، والذى شرع الله، ﵎، لإبراهيم وهو موقف عرفَة، وهو من الحِلّ، وكانوا لا يَسْلَئُون (١) السمن ولا ينسجون مظالّ الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاجّ أن يطوف بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى عَرَفَة، فإذا رجعوا من عرفَة لم يطوفوا طَواف الإفاضة بالبيت إلّا عُراة أو فى ثوبَى أحْمَسى، وإن طاف فى ثوبيه لم يحلّ له أن يلبسهما.
قال محمد بن عمر: وقصىّ أحدث وقود النّار بالمزدلفة حين وقف بها حتى يراها مَن دَفَعَ من عرفة، فلم تزل توقد تلك النّار تلك الليلة، يعنى ليلة جَمْع فى الجاهليّة (٢).
قال محمّد بن عمر: فأخبرنى كثير بن عبد الله المزنى عن نافع عن ابن عمر قال: كانت تلك النّار توقد على عهد رسول الله، ﷺ ، وأبى بكر وعمر وعثمان. قال محمّد بن عمر: وهى توقد إلى اليوم (٣).
وفرض قصىّ على قريْش السقاية والرفادة، فقال: يا معشر قريش إنّكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحاجّ ضِيفان الله، وزوّار بيته، وهم أحقّ الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعامًا وشرابًا أيّام الحجّ، حتى يصدروا عنْكم، ففعلوا فكانوا يُخرجون ذلك كلّ عامٍ من أموالهم خرجًا يترافدون ذلك فيدفعونه إليه فيصنع الطّعام للناس أيام مِنًى وبمكّة، ويصنع حياضًا للماء من أدم فيسقى فيها بمكّة ومنًى وعرفة، فجرى ذلك من أمره فى الجاهليّة على قومه حتى قام الإِسلام، ثمّ جرَوا فى الإِسلام على ذلك إلى اليوم (٤).
стр. 100
فلمّا كبر قصىّ ورقّ، وكان عبد الدار بِكره وأكبر ولده، وكان ضعيفًا وكان إخوته قد شَرُفوا عليه، فقال له قصىّ: أمَا والله يا بنىّ لألحقنّك بالقوم وإنْ كانُوا قد شرفوا عليك، لا يدخل أحد منهم الكعبة حتى تكون أنْت الذى تفتحها له، ولا تعقد قريش لواءً لحربهم إلّا كنت أنت الذى تعقده بيدك، ولا يشرب رجل بمكّة إلّا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهْل الموسم طعامًا بمكّة إلّا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرًا من أمورها إلّا فى دارك، فأعطاه دار النّدوة وحجابة البيت واللواء والسقاية والرفادة وخصّه بذلك ليُلحقه بسائر إخوته، وتوفى قصىّ فدفن بالحَجُون، فقالت تَخْمُر بنت قصىّ ترثى أباها:
طَرَقَ النّعىُّ بُعيدَ نَوْم الهُجّدِ … فنعى قصيًّا ذا الندَى وَالسّودَدِ
فنعى المُهذَّبَ من لُؤىّ كلّهَا … فانهلّ دمعى كالجُمانِ المفرَدِ
فأرِقْتُ من حُزْنٍ وهَمٍّ داخلٍ … أرَقَ السليمِ لِوَجْدِهِ المُتفَقِّدِ
* * *
ذكر عبد مناف بن قصى
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال: لماّ هلك قصى ابن كلاب، قام عبد مناف بن قُصىّ على أمر قصىّ بعده، وأمْرُ قريش إليه، واختطّ بمكّة رباعًا بعد الذى كان قصىّ قطع لقومه، وعلى عبد منَاف اقتصر رسول الله، ﷺ ، حين أنزل الله ﵎، عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) [سورة الشعراء: ٢١٤].
قال: أخبرنا هشام بن محمد قال: فحدثنى أبى عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: لما أنزل الله تعالى على النبى، ﷺ ، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٤] خرج حتى علا المروة ثمّ قال: يَالَ فِهْرٍ! فجاءته قريش فقال أبو لهب بن عبد المطّلب: هذه فهر عندك فقل، فقال: يَالَ غَالِبٍ! فرجع بنو محارب وبنو الحارث ابنا فهر، فقال: يَالَ لُؤىّ بنِ غَالِبٍ! فرجع بنو تيم الأدرم
стр. 101
ابن غالب، فقال: يَالَ كَعْبِ بنِ لُؤىّ! فرجع بنو عامر بن لؤىّ، فقال: يَالَ مُرّة ابنِ كَعْبٍ! فرجع بنو عدىّ بن كعب وبنو سهم وبنو جُمَح ابنا عمرو بن هُصَيْص ابن كعب بن لؤى، فقال: يَالَ كِلاب بنِ مُرّةَ! فرجع بنو مخزوم بن يقظة بن مرة وبنو تيم بن مرّة، فقال: يَالَ قُصىّ! فرجع بنو زهرة بن كلاب، فقال: يَالَ عَبْدِ مَنَافٍ! فرجع بنو عبد الدار بن قصىّ وبنو أسد بن عبد العُزَّى بنِ قصىّ، وبنو عبد ابن قصىّ فقال أبو لهب: هذه بنو عبد مناف عندك فقُلْ، فقال رسول الله، ﷺ ، إنّ الله قَدْ أمرَنى أنْ أُنْذرَ عَشِيرَتِى الأقْرَبِينَ وَأنْتُمُ الأقْرَبُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وإنّى لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله حَظًّا ولا مِنَ الآخِرَةِ نَصِيبًا إلّا أنْ تَقُولُوا لا إلَهَ إلّا الله فَأشْهَد بِها لَكُمْ عِنْدَ رَبّكُمْ وتَدينَ لَكُمْ بها العَرَبُ وَتَذِلّ لكُمْ بها العجَمُ، فقَالَ أبو لهب: تبًّا لكَ! فلهذا دعوتَنا! فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [سورة المسد: ١] يقول: خسرت يدا أبى لهب.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال: ولَدَ عبد مناف ابن قصى ستّة نفر، وست نسوة: المطّلب بن عبد مناف، وكان أكبرهم وهو الذى عقد الحلف لقريش من النجاشىّ فى مَتْجَرها إلى أرضِه، وهاشم بن عبد منَاف واسمه عمرو، وهو الذى عقد الحلف لقريش من هِرَقل لأن تخْتَلِف إلى الشأم آمنة، وعبد شمس بن عبد مَناف، وتُمَاضِر بنْت عبْد مناف، وَحَيَّةَ (١)، وقِلابَةَ، وَبَرَّةَ، وهالة بنات عبد مناف، وأمّهم عاتِكة الكبرى بنت مُرّة بن هلال ابن فالج بن ثعلبة بن ذكوان بن ثعلبة بن بُهثة بن سُليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس بن عيلان بن مُضَر، وَنَوْفَلَ بن عَبْد منَاف، وهو الذى عقد الحلف لقريْشَ من كسرى إلى العراق، وأبا عمرو بن عبد مَناف، وأبا عبيد دَرَجَ، وأمهم واقدة بنْت أبى عُدَىّ، وهو عامر بن عبد نُهم بن زيد بن مازن بن صعصعة، وَرَيْطَةَ بنت عبد مناف ولدت بنى هلال بن مُعَيْط من بنى كنانة بن خُزيمة وأمّها الثقفية (٢).
* * *
стр. 102
ذكر هاشم بن عبد مناف
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه عن أبى صالح عن ابن عبّاس قال: كان اسم هاشم عَمرًا؛ وكان صاحب إيلاف قريش، وإيلاف قريش دأبُ قريش، وكان أوّلَ من سَنّ الرّحلتين لقريْش، ترحل إحداهما فى الشّتاء إلى اليمن وإلى الحبشة إلى النجاشىّ فيُكرمه ويحبوه، ورِحلة فى الصيف إلى الشأم إلى غزّة وربّما بلغ أنْقرة فيدخل على قيْصر فيُكرمه ويحبوه، فأصابت قريْشًا سنوات ذَهَبْنَ بالأمْوالِ، فخَرَج هَاشمٌ إلى الشأم فأمر بخبز كثير فَخُبِزَ له، فحمله فى الغرائر على الإبل حتى وافَى مكّة فهشم ذلك الخبز، يعنى كسره وثَرَدَه، ونحر تلك الإبل، ثمّ أمر الطهاة فطبخوا، ثمّ كفأ القدور على الجِفان، فأشبع أهل مكّة، فكان ذلك أوّل الحيا بعد السَّنَة التى أصابتهم فسمى بذلك هاشمًا؛ وقال عبد الله ابن الزِّبَعْرَى فى ذلك:
عَمْرُو العُلَا هَشَمَ الثّريدَ لِقَوْمِهِ … وَرِجالُ مكّة مُسْنِتونَ عِجافُ (١)
قال: وأخبرنا هشام بن محمد قال: فحدّثنى معروف بن الخَرّبوذ المَكّى قال: حدّثنى رجل من آل عدىّ بن الخيار بن عدى بن نوفل بن عبْد مناف عن أبيه قال: وقال وهب بن عبد قُصىّ فى ذلك:
تَحَمّلَ هاشِمٌ ما ضاقَ عَنْهُ … وَأعْيا أن يقوم بهِ ابن بِيضِ
أتَاهُمُ بالغَرَائِرِ مُتْأقَاتٍ … مِنَ ارْضِ الشّأمِ بالبُرّ النّفيضِ
فأوْسَع أهلَ مَكّةَ من هَشيمٍ … وشابَ الخُبزَ باللحم الغريضِ
فَظَلّ القَوْمُ بينَ مُكَلَّلاتٍ … من الشِّيزاءِ حائرها يفيضُ
قال: فحسده أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصىّ، وكان ذا مال، فتكلّف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، فغضب ونال منْ هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنّه وقدره، فلم تدعه
стр. 103
قريش وأحفظوه، قال: فإنى أنافرك على خمسين ناقة سود الحَدَق تنحرها ببطن مكّة والجلاء عن مكّة عشر سنين، فرضى أميّة بذلك، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعى، فنفّر هاشمًا عليه، فأخذ هاشم الإبل فنحرها. وأطعمها مَن حضره، وخرج أميّة إلى الشأم فأقام بها عشر سنين، فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأميّة (١).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى علىّ بن يزيد بن عبد الله ابن وهب بن زَمْعة عن أبيه: أنّ هاشمًا وعبد شمس والمطّلب ونوفل بنى عبد مناف أجمعوا أن يأخذوا ما بأيدى بنى عبد الدار بن قصىّ ممّا كان قصىّ جعل إلى عبد الدار من الحجابة واللّواء والرّفادة والسقاية والنّدوة، ورأوا أنهم أحقّ به منهم لشرفهم عليهم وفضلهم فى قومهم، وكان الذى قام بأمرهم هاشم بن عبد مَناف، فأبت بنو عبد الدار أن تسلّم ذلك إليهم، وقام بأمرهم عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، فصار مع بنى عبد مناف بن قصىّ بنو أسد بن عبد العزّى بن قصىّ وبنو زهرة بن كلاب وبنُو تيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر، وصار مع بنى عبد الدار بنو مخزوم وسهم وجُمَحَ وبنو عدى بن كعب، وخرجت من ذلك بنو عامر بن لؤى ومحارب بن فهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين، فعقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا ألّا يَتَخاذلوا ولا يسلمَ بعضهم بعضًا مَا بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً (٢).
فأخرجت بنو عبد مناف ومن صار معهم جفنة مملوءة طيبًا فوضعوها حول الكعبة ثمّ غَمَس القومُ أيديَهم فيها وتَعاهدوا وتَعاقدوا وتَحَالَفوا ومَسحوا الكعبة بأيديهم توكيدًا على أنفسهم، فسُمّوا المطيّبين (٣).
وأخرجت بنو عبد الدار ومن كان معهم جفنة من دم فغمسوا أيديهم فيها وتَعاقدوا وتَحالفوا ألّا يَتخاذلوا ما بَلّ بَحْرٌ صُوفة، فسمّوا الأحلاف وَلعَقَة الدّم، وَتَهَيَّئُوا للقتال وعُبئت كلّ قبيلة لقبيلة، فبينما الناس على ذلك إذ تداعوا إلى
стр. 104
الصلح عَلَى أن (١) يعطوا بنى عبد مناف بن قصىّ السقاية والرّفادة. وتكون الحجابة واللواء ودار الندوة إلى بنى عبد الدار كما كانت، ففعلوا وتحاجز الناس، فلم تزل دار الندوة فى يدى بنى عبد الدار حتى باعها عِكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قصىّ من معاوية بن أبى سفيان، فجعلها معاوية دار الإمارة، فهى فى أيدى الخلفاء إلى اليوم (٢).
قال: أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: فحدّثنى يزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلى عن أبيه قال: فاصطلحوا يومئذ أن وُلّى هاشم بن عبْد مَناف بن قصىّ السقاية والرفادة، وكان رجلًا مُوسِرًا، وكان إذا حضر الحجّ قام فى قريش فقال: يا معشر قريش إنّكم جيران الله، وأهل بيته، وإنّه يأتيكم فى هذا الموسم زوّار الله يعظّمون حرمة بيته فهم ضيف الله وأحقّ الضيف بالكرامة ضيفُه، وقد خصّكم الله بذلك وأكرمكم به، وحفظ منكم أفضل ما حفظ جار من جاره، فأكرموا ضيفه وزَوْرَه، يأتون شُعثًا غُبرًا من كل بلد على ضوامر كأنهن القِدَاح، قد أَزْحَفُوا (٣) وتفلوا وقملوا وأَرْمَلوا فاقروهم واسقوهم، فكانت قريش ترافد على ذلك، حتى أن كان أهل البيت ليرسلون بالشئ اليسير على قدرهم، وكان هاشم ابن عبد منَاف بن قُصىّ يُخرج فى كلّ عام مالًا كثيرًا (٤).
وكان قوم من قريش أهْل يسارة يترافدون، وكان كلّ إنسان يرسل بمائة مثقال هِرَقْلِيّة، وكان هاشم يأمر بحياض من أدم فتُجعل فى موضع زمزم، ثمّ يستقى فيها الماء من البئار التى بمكّة فيشربه الحاجّ، وكان يطعمهم أوّل ما يطعم قبل التروية بيوم بمكّة وبمنًى وجَمْع وعرفة، وكان يثرد لهم الخبز واللحم، والخبز والسمن، والسويق والتمر، ويجعل لهم الماء فيسقون بمنًى، والماء يومئذ قليل فى حياض
стр. 105
الأدم، إلى أن يَصدُروا من منًى (ثم) (١) تنقطع الضيافة ويتفرّق الناس لبلادهم (٢).
قال: وأخبرنا محمد بن عمر الأسلمى قال: حدّثنى القاسم بن العبّاس اللّهَبى عن أبيه عن عبد الله بن نوفل بن الحارث قال: كان هاشم رجلًا شريفًا، وهو الذى أخذ الحلف لقريش من قيصر لأن تختلف آمنةً، وأمّا مَن على الطريق فألَّفهم على أن تحمل قريش بضائعهم ولا كراء على أهْل الطريق، فكتب له قيصرُ كتابًا، وكتب إلى النّجاشىّ أن يُدخل قريشًا أرضه، وكانوا تجارًا، فخرج هاشم فى عِير لقريش فيها تجارات، وكان طريقهم على المدينة فنزلوا بسوق النَّبَط فصادفوا سوقًا تقوم بها فى السنة يَحْشِدون لها، فباعوا واشتروا ونظروا إلى امرأة على موضع مشرف من السوق فرأى امرأة تأمر بما يُشترى ويُباع لها، فرأى امرأة حازمة جَلْدة مع جَمال، فسأل هاشم عنها: أَأَيِّم هى أم ذات زوج؟ فقيل له: أيّم كانت تحت أُحيحة بن الجُلاح فولدت له عَمْرًا ومعبدًا ثمّ فارقها، وكانت لا تنكح الرّجال لشرفها فى قومها حتى يشرطوا لها أنّ أمرها بيدها فإذا كرهت رجلًا فارقته، وهى سَلْمى بنت عمرو بن زيد بن لَبِيد بن خِدَاش بن عامر بن غَنْم بن عدىّ بن النجّار، فخطبها هاشم فعرفت شرفه ونسبه فزوّجته نفسها ودخل بها، وصنع طعامًا ودعا مَن هناك من أصحاب العِير الذين كانوا معه، وكانوا أربعين رجلًا من قريش فيهم رجال من بنى عبد مناف ومخزوم وسهم، ودَعا من الخزرج رجالًا، وأقام بأصحابه أيّامًا، وعلقت سَلْمَى بعبد المطّلب فولدته وفى رأسه شَيبة فسمّى شَيبة، وخرج هاشم فى أصحابه إلى الشأم حتى بلغ غزّة فاشتكى، فأقاموا عليه حتى مات فدفنوه بغزّة ورجعوا بتركته إلى ولده، ويُقال إنّ الذى رجع بتركته إلى ولده أبو رُهم بن عبد العزّى العامرى، عامر بن لؤىّ، وهو يومئذ غلام ابن عشرين سنة (٣).
стр. 106
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبى عن أبيه قال: أوْصَى هاشم ابن عبد مَناف إلى أخيه المطّلب بن عبد مَناف، فبنو هاشم وبنو المطّلب يدٌ واحدةٌ إلى اليوم، وبنو عبد شمس وبنو نوفل ابنا عبد مَناف يَدٌ إلى اليوم.
قال: وأخبرنا هشام بن محمد عن أبيه قال: وَوَلَد هاشم بن عبد مَناف أربعة نفر وخمس نسوة: شَيْبَةَ الحَمْدِ وهو عبد المطّلب، وكان سيّد قريش حتى هلك، ورُقيّة بنت هاشم، ماتت وهى جارية لم تَبْرُز، وأمّها سَلْمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خِداش بن عامر بن غَنْم بن عدى بن النجّار، وأخواهما لأمّها عمرو ومعبد ابنا أُحَيْحَة بن الجُلاح بن الحريش بن جَحْجَبَا بن كُلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، وأبَا صيفىّ بن هاشم، واسمه عمرو وهو أكبرهم، وصيفيًّا، وأمّهما هند بنت عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف ابن الخزرج، وأخوهما لأمّهما مخرمة بن المطّلب بن عبد منَاف بن قصىّ، وأسد ابن هاشم، وأمّه قَيْلة وكانت تلقب الجزور بنت عامر بن مالك بن جَذيمة، وهو المصطلق من خزاعة، ونضلة بن هاشم، والشّفاء، ورُقيّة، وأمّهم أُميمة بنت عدى ابن عبد الله بن دينار بن مالك بن سَلَامان بن سعد من قضاعة، وأخواهما لأمّها نُفيل بن عبد العزّى العدوى، وعمرو بن ربيعة بن الحارث بن حُبيّب بن جَذيمة بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤىّ، والضّعِيفَة بنت هاشم، وخالدةَ بنت هاشم، وأمّها أم عبد الله وهى واقدة بنت أبى عدى، ويُقال عُدَى، وهو عامر بن عبد نُهْم ابن زيد بن مازن بن صعصعة، وَحَيَّة بنت هاشم، وأمها عُدَّى بنت حُبَيّب بن الحارث بن مالك بن حُطَيْط بن جُشم بن قَسى وهو ثقيف (١).
قال: وكان هاشم يكنّى أبَا يزيد، وقال بعضهم: بل كان يكنّى بابنه أسد بن هاشم، ولما تُوفى هاشم رثاه ولده بأَشعارٍ كثيرة، فكان مما قيل فيما أخبرنا محمد ابن عمر عن رجاله، قالت خالدة بنت هاشم ترثى أباها، وهو شعر فيه ضعف:
بَكَرَ النّعِيُّ بخيْرِ مَنْ وَطِئَ الحَصَى … ذى المكَرُماتِ وَذى الفَعالِ الفاضِلِ
بالسيّد الغَمْرِ السَّمَيْدَعِ ذى النّهَى … ماضى العَزيمة غَير نِكسٍ واغِلِ
стр. 107
زينِ العَشِيرَةِ كُلّهَا وربيعِها … فى المُطْبِقاتِ وفى الزّمَانِ الماحِلِ
بأخى المَكارِمِ والفواضِلِ وَالعُلى … عمرو بن عبد مَنافِ غَيرِ الباطلِ
إنّ المُهَذَّب مِنْ لُؤىّ كُلّهَا … بالشَأمِ بَينَ صَفَائِحٍ وَجنَادِلِ
فابْكى عَليْهِ ما بقِيتِ بِعَوْلَةٍ … فَلَقَدْ رُزِئْتِ أخا ندًى وفَوَاضِلِ
وَلَقَدْ رُزِئْتِ قَريعَ فِهْرٍ كلّها … ورئيسها فى كلّ أمْرٍ شامِلِ
وقالت الشفاء بنت هاشم ترثى أباها:
عَينِ جُودى بِعَبرَةٍ وَسُجومِ … واسفحى الدمعَ للجواد الكريمِ
عينِ واسْتعبرى وَسحّى وَجُمّى … لأبِيكِ المسَوَّدِ المَعْلومِ
هاشمِ الخيرِ ذى الجلالةِ والمَجْدِ … وذى الباعِ والندى والصّميمِ
وَرَبيعٍ لِلْمُجْتَدينَ وَحِرْزٍ … وَلِزَازٍ لكلّ أمْرٍ عَظيمِ
شِمّرِىٍّ نَماهُ للعِزِّ صَقْرٌ … شامخُ البيتِ من سَرَاةَ الأديمِ
شيْظَمِىٍّ مُهَذَّبٍ ذى فُضُولٍ … أرْيحىٍّ مثْلِ القَناةِ وَسيمِ
غَالِبِىٍّ سَمَيْدَعٍ أحْوَذِىٍّ … باسقِ المجدِ مَضْرَحِىٍّ حَليمِ
صادقِ البَأسِ (١) فى الموَاطِنِ شهْمٍ .... ماجدِ الجَدِّ غيرِ نِكس ذميمِ
* * *
ذكر عبد المطّلب بن هاشم
أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمى قال: كان المطلب بن عبد مناف بن قُصىّ أكبر من هاشم ومن عبد شمس، وهو الذى عقد الحلف لقريْش من النّجاشىّ فى متجرها، وكان شريفًا فى قومه مطاعًا سيدًا، وكانت قريش تسمّيه الفَيْضَ لسماحته، فولى بعْد هاشم السّقاية والرّفادة؛ وقال فى ذلك:
أبْلِغْ لَدَيْكَ بَنى هَاشِمٍ … بما قدْ فَعَلْنا ولم نُؤمَرِ
أقَمْنَا لِنَسْقى حَجِيجَ الحَرَا … م إذْ تُرِكَ المجدُ لمْ يُؤثَرِ
نَسُوقُ الحَجيجَ لأبْيَاتنَا … كَأنّهُمُ بَقَرٌ تُحْشَر
стр. 108
قال: وقدم ثابت بن المنذر بن حَرام، وهو أبو حسّان بن ثابت الشاعر، مكّة معتمرًا فلقى المطّلب وكان له خليلًا، فقال له: لو رأيت ابن أخيك شيبة فينا لرأيت جمالًا وهيبة وشرفًا، لقد نظرت إليه وهو يناضل (١) فتْيانًا من أخواله فيُدخل مِرْماتَيه (٢) جميعًا فى مثل راحتى هذه ويقول كلما خَسَقَ (٣): أنا ابن عَمْرِو العُلَى! فقال المُطّلب: لا أُمسى حتى أخرج إليه فأقدم به، فقال ثابت: ما أرى سلمَى تدفعه إليك ولا أخواله، هم أضَنّ به من ذلك وما عليك أن تَدَعَه فيكون فى أخواله حتى يكون هو الذى يقدِم عليك إلى ما ههنا راغبًا فيك، فقال المطّلب: يا أبَا أوس ما كنْتُ لأَدعه هناك ويترك مآثر قومه وَسِطَتَه ونسبه وشرفه فى قومه ما قد علمت، فخرج المطّلب فورد المدينة فنزل فى ناحية وجعل يسأل عنه حتى وجده يرمى فى فتيانٍ من أخواله، فلمّا رآه عرف شبْه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمّه إليْه وكساه حُلّة يمانيّة وأنشأ يقول:
عَرَفْتُ شَيْبَةَ والنّجّارُ قدْ حَفَلَتْ .... أبناؤها حوله بالنّبْل تَنْتَضِلُ
عرفْتُ أجْلاده منّا وشيمتَهُ … ففاضَ منّى عليه وابلٌ سَبَلُ
فأرسلت سلمى إلى المُطّلب فدعتْه إلى النّزول عليها، فقال: شأنى أخفّ من ذلك، ما أريد أن أحُلّ عقدة حتى أقبض ابن أخى وألحِقه ببلده وقومه، فقالت: لسْتُ بِمُرْسِلَتِه معك، وغَلَّظت عليه، فقال المطّلب: لا تفعلى فإنى غير منصرف حتى أخرج به معى، ابن أخى قد بلغ وهو غريب فى غير قومه ونحن أهلُ بيتٍ شرفُ قومِنا، والمقام ببلده خير له من المقام ههنا وهو ابنكِ حيث كان، فلمّا رأت أنّه غير مُقَصّر حتى يخرج به استنظرته ثلاثة أيّام، وتحوّل إليهم فنزل عندهم فأقام ثلاثًا ثمّ احتمله وانطلقا جميعًا (٤)، فأنشأ المطّلب يقول كما أنشدنى هشام بن محمد عن أبيه:
стр. 109
أبْلِغْ بنى النّجّارِ إنْ جِئْتَهُم … أنّيَ مِنْهُمْ وابْنُهُمْ وَالخميسْ
رَأيْتُهُمْ قَوْمًا إذا جِئْتُهُمْ … هَوُوا لِقائى وَأحَبّوا حَسِيسْ (١)
ثمّ رجع الحديث إلى حديث محمد بن عمر، قال: ودخل به المطَّلب مكّة ظُهْرًا، فقالت قريْش: هذا عبد المطّلب، فقال: ويحكم! إنّما هو ابن أخى شيبة ابن عمرو، فلمّا رأوه قالوا: ابنه لعمرى! فلم يزل عبد المطّلب مقيمًا بمكّة حتى أدرك، وخرج المطّلب بن عبد منَاف تاجرًا إلى أرض اليمن فهلك برَدْمَانَ من أرض اليمن، فولى عبد المطّلب بن هاشم بعده الرفادة والسّقاية، فلم يزل ذلك بيده يطعم الحاجّ ويسقيهم فى حياض من أدَم بمكّة، فلمّا سُقى زمزم ترك السقْى فى الحياض بمكّة وسقاهم من زمزم حين حفرها، وكان يحمل الماء من زمزم إلى عرفة فيسقيهم (٢).
وكانت زمزم سُقْيا من الله، أُتى فى المنَام مَرّات فأُمر بحفرها ووُصف له موضعها فقيل له: احفر طِيبَة، قال: وما طيبة؟ فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر بَرّة (٣)، قال: وما بَرَّة؟ فلمّا كان الغد أتاه وهو نائم فى مَضْجَعه ذلك فقال: احفر المَضْنُونَة، قال: وما المضنونَة؟ أبِنْ لى ما تقول، قال: فلمّا كان الغد أتاه فقال: احفر زمزم، قال: وما زمزم؟ قال: لَا تُنْزَف (٤) ولا تُذَمّ، تَسْقى الحَجِيجَ الأعْظَم، وهى بين الفَرْث والدم عِند نُقْرَةِ الغراب الأعْصم؛ قال: وكان غراب أعْصم لا يبرح عند الذبائح مكان الفرث والدم؛ وهى شرب لك ولولدك من بعدك (٥).
стр. 110
قال: فغدا عبد المطّلب بِمِعْوَله وَمِسْحَاتِهِ معه ابنه الحارث بن عبد المطّلب، وليس له يومئذٍ ولد غيره، فجعل عبْد المُطّلب يحفر بالمعْول ويغرف بالمسحاة فى المِكْتَل فيحمله الحارث فيلقيه خارجًا، فحفر ثلاثة أيّام ثمّ بَدا لَه الطَّوِىّ (١) فكبَّر وقال: هذا طوىّ إسماعيل، فعرفت قريش أنّه قد أدرك الماء فأتوه فقالوا: أَشْرِكْنا فيه، فقال ما أنا بفاعل، هذا أمْرٌ خُصِصْتُ به دونكم فاجْعلوا بيْنَنا وبيْنَكم مَن شِئْتُم أُحاكمْكم إليه، قالوا: كاهنة بنى سعد هُذيم، وكانت بمُعان من أشراف الشأم، فخرجوا إليها وخرج مع عبد المطّلب عشرون رجلًا من بنى عبد مَناف، وخرجت قريْش بعشرين رجلًا من قبائلها، فلمّا كانوا بالفَقير من طريق الشأم أو حَذْوه فَنِىَ ماء القَوم جميعًا فعطشوا فقالوا لعبد المطّلب: ما ترى؟ فقال: هو الموت، فليحفر كلّ رجل منكم حُفرة لنفسه فكُلّما ماتَ رجلٌ دفنه أصحابه حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا فيموت ضِيعَةً أيْسَرُ من أن تموتوا جميعًا، فحفروا ثمّ قعدوا ينتظرون الموت، فقال عبد المطّلب: والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا لَعَجْزٌ، ألا نضرب فى الأرض فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض هذه البلاد! فارتحلوا، وقام عبد المطّلب إلى راحلته فركبها، فلمّا انبعثت به انْفجر تحت خُفّها عينُ ماء عَذْب، فكبَّر عبد المطّلب وكبَّر أصحابه وشربوا جميعًا، ثمّ دعا القبائل من قريش فقال: هلمّوا إلى الماء الرّواء فقد سقانا الله، فَشَربوا واستقوا وقالوا: قد قُضى لك علينا، الذى سقاك هذا الماء بهذه الفَلاة هو الذى سقاك زمزم، فوالله لا نخاصمك فيها أبدًا! فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلّوا بينه وبين زمزم (٢).
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا معتمر بن سليمان التيمىّ قال: سمعتُ أبى يحدّث عن أبى مِجْلز: أن عبد المُطّلب أُتى فى المنام فقيل له: احتفِرْ، فقال: أين؟ فقِيل له: مكان كذا وكذا، فلم يحتفر، فأُتى فقيل له: احتفِرْ عند الفرث عند النمل عند مجلس خزاعة ونحوه، فاحتفر، فوجد غزالا وسلاحًا وأظفارًا، فقال قومه لمّا رأوا الغنيمة: كأنهم يريدون أن يغازوه (٣)، قال: فعند ذلك نذر لئن