أخبرنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة عن ثابت -يعني البُنَانيّ- قال: خرج رسول الله، ﷺ ، على أصحابه يُعرف فيه الوجعُ فقال: إِنّى على ما تَرَوْنَ قد قرأتُ البارحة السبع الطُّوَل.
أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا مِسْعَر عن زياد بن عِلاقة قال الفضل عن المغيرة بن شُعبة ولم يذكره يزيد: إنّ النبيّ، ﷺ ، كان يقوم حتى ترِمَ قَدَماه، فقيل له: لِمَ تفعل هذا وقد غَفَر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: أفلَا أكون عَبدًا شَكُورًا؟
أخبرنا يزيد بن هارون وأبو أسامة عن هشام عن الحسن قال: إن كان رسول الله، ﷺ ، ليَجتهد فى الصّلاة وفى الصّيام فيخرج إلى أصحابه فيشبّه بالشّنّ البالي. قال يزيد في حديثه: وكان أصحّ النّاس.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شَيْبَان أبو معاوية عن عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: سألتُ رسول الله، ﷺ : مَن أشدّ النّاس بلاءً؟ قال: النبيُّون ثمّ الأمْثَل فالأمْثَلُ فيبتلى الرجل على حَسْب دينه، فإن كان صُلْبَ الدّين اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقّة ابتُلى على حَسْب دينه، فما تَبرح البلايا على العبد حتى تدَعه يمشى في الأرض ليست عليه خطيئة!
أخبرنا عبد الوهّاب قال: أخبرنا هشام الدّسْتَوَائي عن عاصم بن بَهْدَلة عن مصعب بن سعد قال: قال سعد بن مالك: يا رسول الله مَن أشدّ النّاسِ بلاءً؟ ذكر مثل الحديث الأوّل.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبديّ، أخبرنا أبو المتوكل: أنّ رسول الله، ﷺ ، مرض حتَّى اشتدّ به، فصاحت أمّ سَلَمة فقال: مَهْ! إنّه لا يصيح إلّا كافرٌ!
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن عَيّاش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فرْوة عن رجل عن عائشة قالت: لا أزال أغْبِطُ المؤمن بشدّة الموت بعد شدّته على رسول الله، ﷺ .
* * *
стр. 667
ذكر ما كان رسول الله، ﷺ ، يعوّذ به ويعوّذه جبريلُ
أخبرنا أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن مسلم عن مَسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، يعوّذ بهذه الكلمات. أذْهب البَاس، رَبّ الناس، اشف وأنت الشافي، لا شِفَاء إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا! قالت: فلمّا ثَقُلَ رسول الله، ﷺ ، في مَرضه الّذي مات فيه أخذتُ بيده فجعلتُ أمسحه بها وأعوّذه بها، قالت: فنزع يده منّى وقال: ربّ اغفر لي وألحقنى بالرّفيق! قالت: وكان هذا آخر ما سمعتُ من كلامه.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا هشام الدّسْتَوائِيّ عن حمّاد عن إبراهيم قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا عادَ مريضًا مسَحَ بيده على وجهه وصَدْره وقال: أذهِب البَاس، رَبّ الناس، واشفِ وأنت الشافي، لا شِفَاءَ إلّا شِفاؤك، شِفاءً لا يغادر سَقَمًا! قال: فلمّا مرض رسول الله، ﷺ ، تَساندَ إلى عائشة فأخذت بيده فجعلَت تمسحها على وجهه وصدره وتقول هذه الكلمات، فانتزَع رسول الله، ﷺ ، يده منها وقال: اللهمّ أعْلَى جَنّة الخُلد!
أخبرنا مَعن بن عيسى القزاز، أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عُروة عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث. قالت: فلمّا اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاءَ بَرَكَتها.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن حمّاد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: لما مرض النبيّ، ﷺ ، أخذتُ بيده فجعلتُ أُمِرّها على صدره ودعوتُ بهذه الكلمات: أذهب الباس، ربّ الناس، فانتزَع يده من يدى وقال: أسألُ الله الرّفيق الأعلى الأسعَد!
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا يزيد بن زُرَيْع، أخبرنا مَعْمَر عن الزهريّ عن عُروة عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، في مرضه الذي قُبض فيه يَنفث على نفسه بالمعوذات، فلمّا ثقل عن ذلك جعلتُ أنفث عليه بهنّ وأمسحه بيَدِ نَفْسِه.
стр. 668
أخبرنا عارم بن الفضل وسليمان بن حَرب وخالد بن خِداش قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن عَمرو بن سالك النُّكرى عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت: كنت أعوّذ النبيّ، ﷺ ، بدعاء إذا مرضَ: أذْهِب البَاس ربّ الناس، بيدك الشفاء، لا شافى إلّا أنت، اشفِ شفاء لا يغادر سَقمًا، قالت: فلمّا كان مرضه الذي مات فيه ذهبتُ أعوّذه به فقال: ارفعى عنّى فإنّها إنّما كانت تنفعنى في المَرَّة.
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ، أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد، الزهريّ عن عروة عن عائشة: أنّها كانت تعوّذ النبيّ بالمعوّذتين في مرضه وتنفث وتمسح وجهه بيده.
أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مُرّة المكّيّ، حدّثني نافع بن عمر، حدّثني ابن أبي مُلَيكة قال: كانت عائشة تمسح صدر رسول الله، ﷺ ، وتقول: اكشف البَاس، ربّ الناس، أنت الطبيب وأنت الشافى! فيقول النبيّ، ﷺ : ألحقْنى بالرفيق، ألحقْنى بالرفيق!
أخبرنا هاشم بن القاسم الكنانى، أخبرنا المسعوديّ عن القاسم قال: لُسع النبيّ، ﷺ ، فدعا بماء وملح ثمّ أدخل يده فقرأ: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، وقلُ أعوُذُ بِرَبّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبّ النّاسِ، حتى ختمها.
أخبرنا يحيَى بن حمّاد، أخبرنا أبو عَوانة عن سليمان -يعني الأعمش- عن أبي الضّحَى عن مَسروق قال قالت عائشة: كان رسول الله، ﷺ ، إذا اشتكى الإنسان منّا مَسَحه بيمينه وقال: أذهِب الباس، ربّ الناس، اشفِ وأنت الشافى، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا! قالت: فلمّا ثقل أخذتُ يمينه فمسحتهُ بها وقُلتُ: أذهب الباس، ربّ الناس، اشفِ وأنت الشافى! فانتزَع يده من يدى وقال: اللهمَّ اغفر لي واجعلنى في الرّفيق الأعلى، مرّتين. قالت: فما علمتُ بموته حتى وجدتُ ثِقَلَه.
أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا شَيبان عن يحيى بن أبي كثير عن محمّد بن إبراهيم: أنّ أبا عبد الله أخبره أنّ ابن عائش الجُهَنى أخبره: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال يابن عائش ألا أخبرك بأفضل، ما تَعوّذ به المتعوّذون؟ قال: قلت بَلَى! قال رسول الله، ﷺ : أعُوذُ برَبّ النّاسِ، وأعُوذُ برَبّ الفَلَقِ، هاتين السورتين.
стр. 669
أخبرنا مَعن بن عيسى، أخبرنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد عن عبد الرحمن بن السائب الهلاليّ، وكان ابنَ أخى ميمونة زوج النبيّ، ﷺ ، قال: قالت لي مَيمونة يابن أخى تعالَ حتى أرقيك برُقْية رسول الله، ﷺ ، فقالت: باسم الله أرقيك، والله يَشفيك، من كلّ داء فيك، أذهب البَاس، ربّ الناس، واشفِ لا شافى إلا أنت!
أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، أخبرنا سُفيان بن عُيينة. حدّثني عبد ربّه بن سعيد عن عَمْرة عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال في المرض: باسم الله تُرْبَةَ أرْضنا، بريقةِ بعْضِنَا، ليُشْفَى سقيمُنَا، بإذنِ ربّنَا.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس وسعيد بن سليمان قالا: أخبرنَا أبو شهاب عن داود عن أبي نضْرَة عن أبي سعيد قال: اشتكى رسول الله، ﷺ ، فَرقاه، يعني جبريل ﵇، فقال: بسم الله أرقيك، من كلّ شئ يؤذيك، من كلّ حاسدٍ وعينٍ واللُّه يشفيك!
أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، أخبرنا سليمان بن بلال وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد الدّراوَرْديّ جميعًا عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيْمِيّ عن أبي سَلَمة بن عبد الرّحمن عن عائشة زوج النبيّ، ﷺ ، أنّها كانت تقول: إذا اشتكى رسول الله، ﷺ ، رقاه جبريلُ وقال: بسم الله يُبريك، من كلّ داءٍ يشفيك، من شرّ كَلّ حاسد إذا حَسَد، ومن شرّ كلّ ذى عينٍ.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا ابن جُريح، أخبرني عَطاء وعَمرو بن شُعيب وجُبير بن أبي سليمان: أنّ جبريل، ﵇، كان يعوّذ محمّدًا، ﷺ ، يقول: بسم الله الرّحمن الرّحيم، بسم الله أرقيك، من كلّ شئ يؤذيك، من شرّ كلّ ذى عين، ونفس حاسد وباغٍ يَبغيك، بسم الله أرقيك، والله يشفيك!
أخبرنا أبو عامر العَقَدي عن زهير بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهَادِ عن محمّد بن إبراهيم عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، إذا اشتكى رَقاه جبريل فقال: بسم الله يُبريك، من كلّ داء يشفيك، من شرّ حاسد إذا حسَد، ومن شرّ كلّ ذى عينٍ!
стр. 670
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا طَلحة بن عَمرو عن عَطاء قال: بلغنى أن التّعويذ الذي عَوّذ به جبريلُ النبيّ، ﷺ ، حين سحَرَتْه اليهودُ في طعامه: بسم الله أرقيك، بسم الله يَشفيك، من كلّ داء يعنّيك، خُذْها فَلْتَهْنِيك، من شرّ حاسدٍ إذا حسد!
* * *
ذكر صلاة رسول الله، ﷺ ، بأصحابه في مرضه
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، كان وجِعًا فدخلَ عليه أصحابه يعودونه فصلّى بهم قاعدًا وهم قيام، فأومأ إليهم أن اقعدوا، فلمّا قَضَى صلاته قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتَمّ به، فإذا كبَّر فكَبِّروا وإذا رَكَع فاركعوا وإذا سَجَد فاسجدوا وإذا قَعَد فاقعدوا واصنعوا مثلَ ما يصنع الإمامُ.
أخبرنا سفيان بن عُيينة عن الزهريّ سمع أنس بن مالك يقول: سقط رسول الله، ﷺ ، من فَرسٍ فجُحِش شِقّه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلَّى بنا قاعدًا فَصَلَّيْنَا خلفه قعودًا، فلمّا قضى الصّلاة قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبِّروا وإذا ركَع فاركعوا وإذا رَفَع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حَمِدَه فقولوا ربنّا لك الحمدُ، وإذا صلَّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعين.
أخبرنا طَلْق بن غنّام النّخَعي، أخبرنا عبد الرّحمن بن جُريس، حدّثني حمّاد عن إبراهيم قال: أَمَّ رسول الله، ﷺ ، النّاسَ وهو ثقيل معتمدًا في الصّلاة على أبي بكر.
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّما جُعل الإمامُ ليُؤتَمَّ به، فإذا كبّر فكبِّروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمَن حَمِدَه فقولوا ربّنا لك الحمدُ، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعين.
* * *
стр. 671
ذكر أَمر رسول الله، ﷺ ، أبا بكر يصلّى بالناس في مرضه
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا يحيَى بن سعيد عن أبي بكر بن أبي مُليكة عن عُبيد بن عُمير اللّيثيّ: أنّ رسول الله، ﷺ ، في مرضه الّذى تُوفّي فيه أمر أبا بكر أن يصلّى بالنّاس، فلمّا افتتح أبو بكر الصّلاةَ وَجدَ رسولُ الله، ﷺ ، خِفّةً فخرج فجعل يفرج الصّفوفَ، فلمّا سمع أبو بكر الحِسّ عَلِمَ أنّه لا يتقدّم ذلك التقدّم إلّا رسولُ الله، ﷺ ، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته فخنس إلى الصّف وراءه، فردّه رسول الله، ﷺ ، إلى مكانه فجلس رسول الله، ﷺ ، إلى جَنْب أبي بكر وأبو بكر قائم، فلمّا فرغا من الصّلاة قال أبو بكر: أىْ رسول الله أراك أصبحتَ بحمد الله صالحًا، وهذا يوم ابنة خارجةَ امرأة لأبي بكر من الأنصار في بَلْحارث بن الخزرج، فأذن له رسول الله، ﷺ ، وجلس رسول الله، ﷺ ، في مُصلاه أو إلى جانب الحُجَرِ، فحذّر النّاسَ الفِتَنَ ثمّ نادى بأعلى صوته حتى أَنّ صوته ليَخرج من باب المسجد فقال: إنّي والله لَا يُمسكُ الناسُ عليّ بشئ لا أحِلّ إلّا ما أحلّ الله في كتابه ولا أحرّم إلا ما حرّم الله في كتابه، ثمّ قال: يا فاطمة بنت محمد ويا صفيّة عَمّة رسول الله اعملا لِما عند الله فإنّى لا أُغنى عنكما من الله شيئًا! ثمّ قام من مجلسه ذلك فما انتصفَ النهارُ حتى قَبضه الله (١).
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب، أخبرني أنَس بن مالك: أنّ أبا بكر كان يصلّى بهم في وجع رسول الله، ﷺ ، الّذى توفى فيه حتَّى إذا كان يوم الاثنين، وهم صُفوف في الصّلاة، كشَفَ رسولُ الله. ﷺ ، سِتْر الحُجْرة ينظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة بمصحف، ثمّ تبسَّمَ رسول الله ضاحكًا فبهشْنا ونحن في الصّلاة من الفَرَح بخروج رسول الله، ﷺ . قال: ونَكَص أبو بكر على عَقِبيه لِيَصِل الصّفّ وظنّ أنّ رسول الله، ﷺ ، خارجٌ إلى الصّلاة، فأشار إليهم رسول الله، ﷺ ، بيده أن أتمّوا صلاتكم، قال: ثمّ دخل رسول الله، ﷺ ، وأرخَى السّتْر، قال: فتوفّي من يومه، ﷺ .
стр. 672
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا سفيان بن عُيينة عن الزهريّ سمع أنَس بن مالك يقول: آخِرَ نَظرةٍ نَظَرتُها إلى رسول الله، ﷺ ، يومَ الاثنين كشَفَ السّتَارةَ والنّاسُ صفوف خلْفَ أبي بكر، فلمّا رآه الناس تخشخشوا فأومأَ إليهم أن امكثوا مكانَكم، فنظرتُ إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، ثمّ ألقىَ السّجفْ وتوفّى من آخر ذلك اليوم.
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا سفيان بن عيينة، أخبرنا سليمان بن سُحيم عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عبّاس عن أبيه عن ابن عبّاس قال: كشف رسول الله، ﷺ ، الستارة والنّاسُ صفوف خلف أبي بكر، قال: إنّه لم يَبْقَ من مبشّرات النبوّة إلّا الرّؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له إلّا أنّى نُهِيتُ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا. فأمّا الركوع فعظّموا الربّ فيه، وأمّا السُّجود فاجتهدوا في الدّعاء فقَمِنٌ، أن يُستجاب لكم.
أخبرنا أحمد بن الحجّاج قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا مَعمر ويونس عن الزهريّ، أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر قال: لما اشتدّ برسول الله، ﷺ ، وجعُه قال: لِيصلّ بالنّاس أبو بكر: فقالت له عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق كثير البكاء حين يقرأ القرآن فمُرْ عمرَ فليصلّ بالنّاس: فقال رسول الله، ﷺ : لِيصلّ بالنّاس أبو بكر: فراجَعتْه عائشة بمثل مقالتها فقال رسول الله، ﷺ : ليصل بالناس أبو بكر إنّكنّ صَواحبُ يُوسُفَ! (١).
قال الزهريّ: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله أنّ عائشة قالت: لقد راجعتُ رسول الله، ﷺ ، في ذلك وما حَملنى على كثرة مراجعته إلّا أنّه وقع في قلبى أنّه لن يُحِبّ النّاسُ رجلًا بعده قام مقامَه. وكنتُ أرى أنّه لن يقوم مقامَه أحدٌ إلّا تشاءَم الناسُ به، فأردتُ أن يَعدِل ذلك رسولُ الله، ﷺ ، عن أبي بكر.
أخبرنا أحمد بن الحجّاج قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك. أخبرني مَعْمَر ويونس بن يزيد عن الزهريّ، أخبرى أنس بن مالك الأنصاريّ أنّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يومَ الاثنين وأبو بكر يصلِّى بهم لم يفاجئهم إلّا رسولُ الله،
стр. 673
- ﷺ ، قد كشف ستْر حجرة عائشة. فنظر إليهم وهم صفوف في صلاتهم فتبسّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليَصل الصّفّ وظنّ أنّ رسول الله، ﷺ ، يريد أن يخرج إلى الصّلاة: قال أنس: وهَمّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله، ﷺ ، حين رأوه فأشار إليهم رسول الله، ﷺ ، بيده أن أَتمُّوا صلاتَكم، ثمّ دخل الحجرةَ فأرخَى الستر بينه وبينهم. قال أنس: وتوفّي رسول الله، ﷺ ، ذلك اليومَ.
أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطّيالِسيّ، معاوية بن عمرو الأزْدى قالا: أخبرنا زائدة بن قُدامة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلتُ على عائشة فقلتُ لها حدّثيني عن مرض رسول الله، ﷺ : قالت: لمّا ثَقُل رسول الله، ﷺ ، فقال: أَصَلَّى النّاسُ؟ فقلت: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله! قال: ضَعُوا لي ماءً في المخْضَب، قالت: ففعلنا فاغتسل ثمّ ذهب لينوء فأغْمىَ عليه ثمّ أفاق فقال: أَصَلَّى النّاسُ؟ فقلت: لا، هم ينتظرونك! فقال: ضَعوا لي ماءً في المخضب، قالت: ففعلنا فاغتسل ثمّ ذهب لِيَنُوءَ (١) فأغمى عليه ثمّ أفاق فقال: أصلّى النّاسُ؟ فقلت: لا، هم ينتظرونك! فقال: ضَعُوا لي ماءً في المخضب، قالت: ففعلنا فذهب فاغتسل فقال: أَصَلَّى النّاسُ؟ فقلنا: لا، هم ينتظرونك! والنّاس عُكوف في المسجد ينتظرون رسول الله، ﷺ ، لصلاة العشاء الآخرة. قالت: فأرسل رسول الله، ﷺ ، إلى أبي بكر بأن يصلّى بالنّاس فأتاه الرّسول فقال: إنّ رسول الله، ﷺ ، يأمرك أن تصلّى بالناس. فقال أبو بكر، وكان رجلًا رقيقًا: يا عُمر صَلِّ بالنّاس! فقال عمر: أنت أحق بذلك! قالت: فصلّى أبو بكر تلك الأيّامَ، ثمّ إنّ النبيّ، ﷺ ، وَجدَ من نفسه خفّة فخرج بين رجُلين أحدُهما العبّاس فصلّى الظُّهر وأبو بكر يصلّى بالنّاس، قالت: فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر فأومأَ إليه النبيّ، ﷺ ، أن لا يتأخّر وقال لهما: أَجْلسِاني إلى جنبه، فأَجلساه إلى جنب أبي بكر. قال: فجعل أبو بكر يصلّى وهو قائم بصلاة النبيّ، ﷺ ، والنّاس يصلّون بصلاة أبي بكر والنبيّ، ﷺ ، قاعدٌ (٢).
стр. 674
قال عبيد الله: فدخلتُ على عبد الله بن عبّاس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدّثَتْنى عائشة عن مرض رسول الله، ﷺ ؟ قال: هاتِ! فعرضتُ [حديثها] (١) عليه فما أنكر منه شيئًا غير أنّه قال: سَمَّتْ لكَ الرّجلَ الّذي كَان مع العبّاس؟ قال: قلتُ لا! قال: هو عليّ بن أبي طالب (٢).
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا فُليح بن سليمان عن سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: أوذِنَ النبيّ، ﷺ ، بالصّلاة في مرضه فقال: مُروا أبا بكر فليصلّ بالنّاس، ثمّ أُغمى عليه، فلمّا سُرّىَ عنه قال: هل أمرتُنّ أبا بكر يصلّى بالنّاس؟ فقلت: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق لا يُسمع الناسَ فلو أمرتَ عُمرَ، قال: إنّكُنّ صواحبُ يُوسُفَ! مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالنّاس فرُبّ قائلٍ ومُتَمَننٍّ ويأبى الله والمؤمنون.
أخبرنا محمد بن عمر الأسلمى، حَدَّثني محمّد بن عبد الله ابن أخي الزهريّ عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن عائشة قالت: لمّا اسْتُعزّ رسولُ الله، ﷺ ، قال: مُرُوا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس، فقلتُ: يا نبيّ الله إنّ أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوتِ كثير البكاء إذا قرأ القرآن! فقال: مُروه فليصلّ بالنّاس! قالت: فعُدتُ بمثل قولى، فقال رسول الله، ﷺ : إنّكنّ صواحبُ يوسف! مُرُوه فليصلّ بالنّاس! قالت عائشة: واللهِ ما أقول ذلك إلّا أنّى كنت أحبّ أن يُصْرَف ذلك عن أبي وقلت إنّ النّاس لن يُحِبُّوا رجُلًا قامَ مقامَ رسول الله، ﷺ ، أبدًا وإنّهم سَيَتَشَاءمونَ به في كلّ حدثٍ كان، فكنتُ أحبّ أن يُصْرَفَ ذلك عن أبي.
أخبرنا محمد بن عمر، حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن عَمْرَةَ عن عائشة قالت: لما كانت ليلة الاثنين بات رسول الله، ﷺ ، دَنِفًا فلم يَبقَ رجلٌ ولا امرأةٌ إلا أصبح في المسجد لوجعِ رسول الله، ﷺ ، فجاء المؤذّن يؤذنه بالصبح فقال: قُلْ لأبي بكْرٍ يصلّى بالنّاس، فكبّر أبو بكر
стр. 675
في صلاته فكشف رسول الله، ﷺ ، السّتْرَ فرأى النّاس يصلّون فقال: إنّ الله جعل قُرّةَ عينى في الصّلاة. وأصبح يوم الاثنين مُفِيقًا فخرج يتوكّأ على الفضل بن عبّاس وعلى ثَوْبَان غلامه حتى المسجدَ وقد سجد النّاس مع أبي بكر سجدةً من الصّبح وهم قيام في الأخرى، فلمّا رآه النّاس فرحوا به فجاء حتَّى قام عند أبي بكر فاستأخر أبو بكر فأخذ النبيّ، ﷺ ، بيده فقدّمه في مصلّاه، فصفّا جميعًا رسول الله، ﷺ ، جالسٌ وأبو بكر قائمٌ على رُكنه الأيسر يقرأ القرآن، فلمّا قضى أبو بكر السورة سجد سجدتين ثمّ جلس يتشهّد، فلمّا سلّم صلّى النبيّ، ﷺ ، الركعة الآخرةَ ثمّ انصرَف.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن عبد الملك بن أبي بكر عن عبد الرّحمن عن أبيه عن عبد الله بن زَمْعَة بن الأسْود قال: عدتُ رسولَ الله، ﷺ ، في مرضه الّذى توفّى فيه فجاءه بلالٌ يُؤذِنه بالصّلاة فقال لي رسول الله، ﷺ : مُر النّاسَ فَليصلُّوا! قال عبد الله: فخرجتُ فلقيت ناسًا لا أكلّمهم، فلمّا لقيت عمر بن الخطّاب لم أبْغِ مَن وراءه، وكان أبو بكر غائبًا، فقلتُ له: صلّ بالنّاس يا عُمر! فقام عمر في المقام، وكان عمر رجلًا مِجْهَرًا، فلمّا كبّر سمع رسول الله، ﷺ ، صوته فأخرج رأسه حتَّى أطلعه للناس من حُجرته فقال: لا! لا! لا! لِيصَلّ بهم ابن أبي قُحافة! قال: يقول ذلك رسول الله، ﷺ ، مغضَبًا. قال: فانصرف عمر فقال لعبد الله بن زمعة: يابن أخى أمرَك رسول الله، ﷺ ، أن تأمرنى؟ قال: فقلتُ لا ولكنّى لما رأيتُك لم أبغ مَن وراءك، فقال عمر: ما كنتُ أظنّ حين أمرتَنى إلّا أنّ رسول الله، ﷺ ، أمَرَك بذلك ولولا ذلك ما صلّيت بالنّاس! فقال عبد الله: لمّا لم أر أبا بكر رأيتك أحقّ من غيره بالصّلاة (١).
حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني عمر بن عُقبة الليثى عن شُعبة مولى ابن عبّاس عن ابن عباس قال: حضَرَت الصّلاةُ فقال النبيّ، ﷺ : مُرُوا أبا بكر يصلّي بالناس. فلمّا قام أبو بكر مقامَ النبيّ، ﷺ ، اشتدّ بكاؤه وافتتن واشتدّ بكاءُ مَن خَلْفه لِفقد نبيّهم، ﷺ . فلمّا حضرَت الصّلاة جاءَ المؤذّن إلى النبيّ، ﷺ ، فقال: قولوا للنبيّ، ﷺ ، يأمر رجلًا يصلّي بالناس فإنّ أبا بكر قد افتتن من البكاء
стр. 676
والنّاس خَلْفه: فقالت حفصة زوج النبيّ، ﷺ : مُروا عمر يصلّي بالنّاسِ حتى يرفع الله رسوله: قال: فذهب إلى عمر فصلّى بالنّاس، فلمّا سمع النبيّ، ﷺ ، تكبيره قال: من هذا الّذي أسمعُ تكبيره؟ فقال له أزواجه: عمر بن الخطّاب! وذكروا له أنّ المؤذّن جاء، فقال: قولوا للنبيّ، ﷺ ، يأمر رجلًا يصلّي بالناس فإنّ أبا بكر قد افتتن من البكاء فقالت حفصة مُروا عمر يصلّي بالنّاس، فقال رسول الله، ﷺ : إنّكنّ لَصواحب يوسُفَ! قولوا لأَبي بكر فليصلّ بالنّاس فلو لم يستخلفه ما أطاع الناسُ (١).
أخبرنا خَلَف بن الوليد، أخبرنا يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة، حدّثني أبي عن أبي إسحاق عن الأرقم بن شرَحبيل عن ابن عبّاس قال: لمّا مرضَ النبيّ، ﷺ ، مرضَه الّذي توفّى فيه أمر أبا بكر أن يصلّي بالنّاس ثمّ وجد خفّة فجاء، فأراد أبو بكر أن ينكص فأومأ إليه فثبت مكانَه وقعد النبيّ، ﷺ ، عن يسار أبي بكر ثمّ استفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا جرير بن حازم عن الحسن قال: لمّا مرض رسول الله، ﷺ ، مرضه الّذي مات فيه أتاه المؤذّن يؤذنه بالصلاة فقال لِنِسائه: مُرْنَ أبا بكر فليصلّ بالنّاسِ فإنّكُنّ صواحب يوسف!
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد العزيز وعبد العزيز بن محمّد عن عُمارة بن غَزِيّة عن محمد بن إبراهيم قال: قال رسول الله، ﷺ ، وهو مريض لأبى بكر: صَلّ بالنّاس، فوجد رسول الله، ﷺ ، خفّة فخرج وأبو بكر يصلّي بالنّاس فلم يشعر حتى وضع رسول الله، ﷺ ، يدَه بين كتفيه فنكص أبو بكر وجلس النبيّ، ﷺ ، عن يمينه فصلّى أبو بكر وصلّى رسول الله، ﷺ ، بصلاته: فلمّا انصرف قال: لم يُقْبَض نبيّ قطّ حتى يؤمّه رجل من أمتّه (٢).
أخبرنا هاشم بن القاسم الكِناني، أخبرنا أبو معشر عن محمد بن قيس قال: قال رسول الله، ﷺ : لم يُقْبَض نبيّ قطّ حتَّى يؤمّه رجل من أمّته.
أخبرنا محمد بن عمر، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن محمّد بن أبي سَبْرة عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر قال: كبّر عمر فسمع رسول الله،
стр. 677
- ﷺ ، تكبيره فأطلع رأسه مُغْضَبًا فقال: أين ابن أبي قُحافة؟ أين ابن أبي قُحافة؟
أخبرنا محمد بن عمر، حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن محمد بن عبد الله بن أبي صَعْصَعة عن أبيه عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: لم يزل رسول الله، ﷺ ، في وجعه إذا وجد خِفّة خرج وإذا ثقُل وجاءه المؤذن قال: مُروا أبا بكر يصلّي بالنّاس، فخَرج من عنده يومًا لأمرٍ يأمر النّاس يصلّون وابن أبي فحافة غائب، فصلّى عمر بن الخطاب بالنّاس، فلمّا كبّر قال رسول الله، ﷺ : لا لا! أين ابن أبي قُحافة؟ قال فانتقضت الصّفوفُ وانصرف عمر، قال: فما برحْنا حتَّى طلع ابن أبي قُحافة، وكان بالسُّنْح (١)، فتقدّم فصلّى بالنّاس (٢).
أخبرنا محمد بن عمر عن سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض عن المَقْبُريّ عن عبد الله بن رافع عن أمّ سلمة: أنّ رسول الله، ﷺ ، كان في وجعه إذا خفّ عنه ما يجد خرج فصلّى بالنّاس، وإذا وجد ثِقْلَه قال: مُرُوا النّاسَ فَلْيُصَلُّوا! فصلّى بهم ابن أبي قُحافةَ يومًا الصّبْحَ فصلّى ركعةً ثمّ خرج رسول الله، ﷺ ، فجلس إلى جنبه فأتمّ بأبي بكر، فلمّا قضى أبو بكر الصّلاة أتمّ رسول الله، ﷺ ، ما فاته (٣).
أخبرنا محمد بن عمر عن موسى بن يعقوب، حدّثني أبو الحُويرث قال: سمعت سعيد بن يسار أبا الحُبابِ قال محمد بن عمر وأخبرنا سليمان بن بلال وعبد الرحمن بن عثمان بن وثاب عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن عن ابن أبي مُلَيكة عن عبيد بن عُمير وحدّثنا محمد بن عمر وأخبرنا موسى بن ضَمْرة بن سعيد عن أبيه عن الحجّاج بن غَزِيّة عن أبي سعيد الخدريّ: أنّ رسول الله، ﷺ ، صلّى في مرضه بصلاة أبي بكر ركعةً من الصّبح ثمّ قضى الركعة الباقية. قال محمد بن عمر: ورأيت هذا الثبت عند أصحابنا أنّ رسول الله، ﷺ ، صلّى خَلْفَ أبي بكر (٤).
стр. 678
أخبرنا محمد بن عمر قال: سألت أبا بكر بن عبد الله بن أبي سبرة كَمْ صلّى أبو بكر بالنّاس؟ قال: صلّى بهم سبع عشرة صلاة. قلت؟ مَن حدّثك ذلك؟ قال: حدّثني أيّوب بن عبد الرحمن بن صعصعة عن عبّاد بن تميم عن رجل من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال صلّى بهم أبو بكر ذلك (١).
أخبرنا محمد بن عمر عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن عبد المجيد بن سُهيل عن عكرمة قال: صلّى بهم أبو بكر ثلاثًا.
أخبرنا الحسين بن عليّ الجُعْفيّ عن زائدة عن عبد الملك بن عُمير عن أبي بُردة عن أبي موسى قال: مرض رسول الله، ﷺ ، فاشتدّ مرضُه فقال: مُرُوا أبا بكر فليصلّ بالنّاس؟ فقالت عائشة: يا رسول الله، إنّ أبا بكر رجُل رقيق وإنه إذا قامَ مقامَك لم يَكدْ يُسمع الناسَ: فقال: مُروا أبا بكرٍ فَليُصَلّ بالنّاس فإنّكنّ صواحب يوسُف!
أخبرنا الحسين بن عليّ الجُعْفيّ عن زائدة عن عاصم عن زِرّ عن عبد الله قال: لمّا قُبض رسول الله، ﷺ ، قالت الأنصارُ منّا أميرٌ ومنكم أمير، قال: فأتاهم عمر فقال يا معشر الأنصار أَلستم تعلمون أن رسول الله، ﷺ أمر أبا بكر يصلّي بالنّاس؟ قالوا: بَلَى! قال: فأيّكمُ تطيبُ نفسهُ أن يتقدّم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدّم أبا بكر!
* * *
ذكر ما قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه لأبى بكر، ﵁
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو بكر بن عيَّاش عن أبي المهلّب عن عبيد الله بن زَحْر (٢) عن عليّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة عن كعب بن مالك قال: إنّ أحْدَثَ عهدى بنبيّكم، ﷺ ، قبل وفاته بخمسٍ فسمعتُه يقول ويحرّك كفّه: إنّه لم يكن نبيّ قبلى إلّا وقد كان له من أمّته خليلٌ، ألا وإنّ خليلى أبو بكر، إنّ الله اتّخذني خليلًا كما اتّخذ إبراهيم خليلًا (٣).
стр. 679
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا نافع بن عمر الجُمحيّ عن ابن أبي مُليكة قال: قال النّبيّ، ﷺ ، في مرضه الّذي مات فيه: ادعوا لي أبا بكر، فقالت عائشة: إنّ أبا بكر يَغلبه البُكاءُ ولكن إن شئتَ دعونا لك ابن الخطّاب، قال: ادعوا أبا بكر. قالت: إنّ أبا بكر رجل يرقّ ولكن إن شئتَ دعونا لك ابن الخطّاب، فقال: إنّكن صواحب يوسف! ادعوا لي أبا بكر وابنه فليكتبْ إنْ يَطمع في أمر أبي بكر طامعٌ أو يتمنّ مُتمنّ، ثمّ قال: يأبَى الله ذلك والمؤمنون، يَأبى الله ذلك والمؤمنون! قالت عائشة: فأبَى الله ذلك والمؤمنون، فأبَى الله ذلك والمؤمنون (١).
أخبرنا موسى بن داود عن نافع بن عمر عن محمّد بن المنكدر قال: قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه الّذي مات فيه: ادعوا لي أبا بكر، فدعَوه إلى ابن الخطّاب فأُغْمِىَ عليه ثمّ أفاقَ فقال: ادعوا لي أبا بكر، فدعوه إلى ابن الخطّاب فقال: إنكن صواحب يوسف! فقيل لعائشة بعد ذلك: ما لكِ لم تدْعى أباكِ لرسول الله، ﷺ ، كما أمركم؟ قالت: علمتُ أنّهم سيقولون إذا سمعوا صوتَ أبي بِئْسَ الخَلَفُ مِن رسول الله، ﷺ ، فكانوا يقولونها لعُمَر أحَبّ إليّ من أن يقولوها لأبى.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سليمان بن بلال عن يحيَى بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن عائشة، قال محمّد بن عمر: وأخبرنا هشام بن عُمارة عن إسماعيل بن أبي حُكيم عن القاسم بن محمّد عن عائشة، وأخبرنا محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُروة عن عائشة، وأخبرنا الحَكم بن القاسم عن عَفيف بن عمرو عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة عن عائشة دخل حديثُ بعضهم في حديث بعض قالت: بُدِئ برسول الله، ﷺ ، في بيت مَيمونَة فدخَل علَيَّ رسولُ الله، ﷺ ، وأنا أقول وارأساه! فقال: لو كان ذلك وأنا حَيّ فأستغفر لكِ وأدعو لكِ وأكفّنُكِ وأدفنُكِ! فقلت: واثَكْلاه! واللهِ إنّك لَتُحِبّ موْتى ولو كان ذلك لَظَلِلْتَ يومَك مُعْرِسًا ببعض أزواجك! فقال النّبيّ، ﷺ : بَل أنا وارأساه! لقد هممتُ أو أردت أن أرسِل إلى أبيك وإلى أخيك فأقضى أمرى وأعْهَد عَهْدى فلا يطمع في الأمر طامع ولا يقول القائلون أوْ يَتَمَنّى المتمنّون، ثمّ قال: كَلّا يأبَى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون، وقال بعضهم في حديثه: ويأبى الله إلّا أبا بكر (٢).
стр. 680
أخبرنا محمّد بن عمر عن الثّوريّ عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن قال: قال أبو بكر يا رسول الله إنِّي رأيتُ في المنام كأنّ عليّ ثَوْبَيْ حِبَرَةٍ وأنا أطَأ في عَذِرات النّاس وفى صدرى رَقْمَتَيْن، فقال: أمّا الرّقمتان فَتَلى سَنَتَيْن، وَأمّا الثّوب الحِبَرة فما تُحْبَر به من ولدك، وأمّا العذرة فما ينالك مِن أَذَاهُمْ.
أخبرنا محمّد بن عمر عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن محمّد بن جُبير قال: جاء رجل إلى النّبيّ، ﷺ ، يذاكره في الشئ فقال إن جئتُ فلم أجِدْك؟ قال: فَأْتِ أبا بكر: قال محمّد بن عمر: يعني بَعْدَ الموت (١).
أخبرنا محمّد بن عمر عن محمّد بن عمرو الأنصاريّ سمعتُ عاصم بن عمر بن قتادة قال: ابتاع النّبيّ، ﷺ ، بعيرًا من رجل إلى أجَلٍ فقال يا رسول الله إن جئْتُ فلم أجِدْكَ؟ يعني بعد الموْت، قال: فَأتِ أبا بكر، قال: فإن جئتُ فلم أجد أبا بكر؟ يعني بعد الموت، قال: فَأتِ عُمَرَ، قال: فإن جئتُ فلم أجد عُمر؟ قال: إن استطعتَ أن تموت إذا مات عُمرُ فَمُتْ (٢).
* * *
ذكر سَدّ (٣) الأبواب غير باب أبي بكر، ﵁
أخبرنا يحيَى بن عبّاد وسعيد بن منصور ويونس بن محمّد المؤدّب قالوا: أخبرنا فُليح بن سُليمان، حدّثني أبو النّضر سالم عن عُبيد بن حُنين وبُسْر بن سعيد عن أبي سعيد الخدْريّ قال: خطب رسول الله، ﷺ ، النّاسَ فقال: إنّ الله خيّرَ عبْدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبدُ ما عند الله، قال: فبكى أبو بكر، قال: فقلتُ في نفسى ما يُبكى هذا الشيخَ أن يكون رسولُ الله، ﷺ ، يُخبرُنا عن عبدٍ خُيّر فاختار؟ قال: وكان رسول الله، ﷺ ، هو المخيّرَ وكان أبو بكر أعلَمنا به، قال فقال رسول الله. ﷺ : يا أبا بكر لا تَبكِ! أيّها النّاس إنّ أمَنّ النّاس عليّ في صُحْبَته وماله أبو بكر ولو كنتُ متّخذًا من النّاس خليلًا كان
стр. 681
أبا بكر ولكن أخوّة الإسلام ومودّته لا يبْقَيَنّ في المسجد بابٌ إلّا سُدّ إلّا باب أبي بكر (١).
أخبرنا قُتيبة بن سعيد البَلْخيّ، أخبرنَا لَيْث بن سعد عن يحيَى بن سعيد: أنّ النّبيّ، ﷺ ، قال: إنّ أعظمَ النّاسِ عليّ منًّا في صُحبته وذات يده أبو بكر فأغْلِقوا هذه الأبواب الشارعة كلّها في المسجد إلّا باب أبي بكر (٢).
قال قُتيبة بن سعيد قال الليث بن سعد قال معاوية بن صالح: فقال ناس أغلقَ أبوابَنا وتركَ بابَ خليله، فقال رسول الله، ﷺ : قد بلغنى الّذي قُلتم في باب أبي بكر وإنّي أرى على باب أبي بكر نُورًا وأرى على أبوابكم ظُلْمَة (٣).
أخبرنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا جرير بن حازم عن يَعلَى بن حَكِيم عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس قال: خرَج رسول الله، ﷺ . فى مرضه الّذي مات فيه عاصِبًا رأسه في خِرقة فقَعَد على المنبر فحمد الله وأَثنى عليه وقال: إنّه ليسَ أحدٌ أمَنّ عليّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قُحافة، ولو كنتُ متّخذًا من النّاس خليلًا لاتّخذتُ أبا بكر خليلًا ولكن خُلّة الإسلام أفضل، سُدّوا عن كلّ خَوْخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر (٤).
أخبرنا أحمد بن الحجّاج الخُراسانيّ قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك عن يونس وَمَعْمَر عن الزّهريّ، أخبرني أيّوب بن بشير الأنصاري عن بعض أصحاب رسول الله، ﷺ : أنّ رسول الله، ﷺ ، خرج فاستوى على المنبر فتشهّد فلمّا مضى تشهّده كان أوّل كلام تكلّم به أن استغفَر للشّهداء الّذين قُتِلوا يومَ أُحُد ثمّ قال: إنّ عبدًا من عباد الله خُيّر بين الدنيا وبين ما عند ربّه فاختار ما عند ربّه، ففطن لها أبو بكر الصّدّيق أوّل النّاس فعرف إنّما يريد رسول الله، ﷺ ، نفسَه، فبكى أبو بكر فقال له رسول الله، ﷺ : على رسْلِك يا أبا بكر! سدّوا هذه الأبواب الشوارع في المسجد إلّا باب أبي بكر فإنّي لا أعلم امرأً أفضل عندي يَدًا في الصّحابة من أبي بكر.
стр. 682
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني الزّبير بن موسى عن أبي الحُوَيرث قال: لمّا أمر رسول الله، ﷺ ، بالأبواب لِتُسَدّ إلّا باب أبي بكر قال عمر: يا رسول الله دَعْنى أفْتَح كُوّةً أنظر إليك حين تخرج إلى الصلاة! فقال رسول الله، ﷺ : لا! (١)
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرحمن بن الحُرّ الواقِفي عن صالح بن أبي حسّان عن أبي البَدّاح بن عاصم بن عديّ قال: قال العبّاس بن عبد المطّلب يا رسول الله ما بالُك فتحتَ أبواب رجال في المسجد وما بالُك سَددتَ أبواب رجال في المسجد؟ فقال رسول الله، ﷺ : يا عبّاس ما فتحتُ عن أمرى ولا سددتُ عن أمرى (٢).
* * *
ذكر تخيير رسول الله، ﷺ -
أخبرنا وكيع بن الجرّاح ورَوْح بن عُبادة عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عُروة عن عائشة قالت: كنتُ سمعتُ أنّه لا يموت نَبيّ حتَّى يخيّر بين الدّنيا والآخرة، قالت فأصابت رسولَ الله، ﷺ ، بُحّة شديدةٌ في مَرضه فسمعتُه يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، فظننتُ أنّه خُيّر (٣).
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسديّ، أخبرنا كثير بن زيد عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب قال: قالت عائشة: كان رسول الله، ﷺ ، يقول ما مِن نبيّ إلّا تُقْبَضُ نفسه ثمّ يَرَى الثّوابَ ثمّ تُرَدّ إليه فيخيّر بين أن تُردّ إليه إلى أن يُلْحَق، قالت: فكنتُ قد حفظتُ ذلك منه فإنّى لَمُسْندتُه إلى صدرى فنظرتُ إليه حتَّى مالَتْ عُنُقُه فقلت قد قضَى! وعرفتُ الّذي قال فنظرتُ إليه حتَّى ارتفع ونظر، قالت: قلت إذًا والله لا يختارنا! فقال: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] (٤).
стр. 683
أخبرنا محمّد بن عمر عن أُسامة بن زَيد اللّيثيّ عن الزهريّ، أخبرنا سعيد بن المسيّب في رجال من أهل العِلْم أنّ عائشة زوج النّبيّ، ﷺ ، قالت: كان رسول الله، ﷺ ، يقول وهو صحيحٌ: إنّه لم يُقْبَضْ نبيّ حتَّى يَرَى مَقعَده من الجنّة ثمّ يخيّر. قالت عائشة: فلمّا نَزَل بِرسول الله، ﷺ ، ورأسُه على فَخذَيّ غُشِىَ عليه ساعةً ثمّ أفاق فأشخصَ بصره إلى السّقف سقف البيت ثمّ قال: اللهمّ الرّفيقَ الأعلى!. قالت عائشة: فقلتُ الآنَ لا يختارنا، وعرفت أنّه الحديث الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح فكانت تلك آخِرَ كلمةٍ تكلّم بها رسولُ الله، ﷺ (١).
أخبرنا محمّد بن عمر، حدثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث عن أم سلَمة زوج النّبيّ، ﷺ ، قالت: قلت رسول الله، ﷺ ، الآن يخيَّر إذًا لا يختارنا.
أخبرنا أبو أسامة حمّاد بن أسامة وعبد الله بن نُمير عن هشام بن عُروة عن عبّاد بن عبد الله بن الزُّبير عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول قبل أن يُتوفّى وأنا مُسْنِدَتُه إلى صدري: اللهمّ اغفر لي وارحمنى وألحقْنى بالرّفيق.
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس، وأخبرنا المُعَلّى بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار جميعًا عن هشام بن عُروة عن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير أنّ عائشةَ أخبرته أنّها سمعت النّبيّ، ﷺ ، وأصْغَتْ إليه قبل أن يموت وهي مُسنَدة إلى ظهره يقول: اللهمّ اغفِر لي وارحمني وأَلْحِقْني بالرّفيق الأعلى.
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس قال: بلغنى عن عائشة قالت: قال رسول الله، ﷺ ، ما مِن نبيّ يموت حتَّى يخيّر، قالت: فسمعتُه وهو يقول اللهمّ الرّفيقَ الأعْلى! فعرَفْتُ أنّه ذَاهبٌ.
أخبرنا يَعْلَى ومحمّد ابْنا عُبيد قالا: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بُرْدة بن أبي موسى قال: كان رسول الله، ﷺ ، قد أَسْنَدَتْه عائشةُ إلى صَدرها فأفاقَ وهي تَدعو له بالشّفاء فقال: لا بَلْ أسأل الله الرفيقَ الأعْلى الأسْعدَ مع جبريل وميكائيل وإسرافيل.
стр. 684
أخبرنا أنس بن عِياض اللّيثيّ وصَفْوان بن عيسى الزهريّ ومحمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك المَدَنيّ عن أُنيس بن أبي يحيَى عن أبيه عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: بينما نحن جلوسٌ في المسجد إذ خرَج علينا رسول الله، ﷺ ، في المرض الذي تُوفّى فيه عاصبًا رأسه بِخِرْقة فخرَج يمشى حتَّى قامَ على المنبر، فلمّا استوى عليه قال في حديث أبي ضمرة أنس بن عياض وصفوان: والّذي نَفْسُ رسول الله بيده، وفي حديث محمّد بن إسماعيل: والذى نَفْسِى بيده إنِّي لَقَائمٌ على الحَوْض السّاعةَ! إنّ رجلًا عُرضَت عليه الدّنيا وزِينَتُها فاختارَ الآخرةَ، فلم يَعْقِلْها من القومِ أحَدٌ إلّا أبو بكرٍ فبكَى ثمّ قال: أىْ رسول الله! بأبي أنت وأُمّى بل نفديك بآبائنا وأبنائنا وأنفسنا وأموالنا! قال: ثمّ نزل فما قامَ عليه حتَّى السّاعة.
* * *
ذكر قسم رسول الله، ﷺ ، بين نسائه في مرضه من نفسه
أخبرنا أنَس بن عِياض اللّيثيّ عن جَعْفَر بن محمّد عن أبيه: أنّ النّبيّ، ﷺ ، كان يُحْمَلُ في ثوبٍ يطوف به على نسائه وهو مريض يقسم بينهنّ.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن أيّوب عن أبي قِلَابة أنّ النّبيّ، ﷺ ، كان يقسم بين نسائه فَيُسَوّى بينهنّ ويقول: اللهمّ هذا ما أمْلِكُ وأنْت أَوْلى بما لا أملك، يعني الحبّ في القلب.
* * *
ذكر استِئذان رسول الله، ﷺ ، نساءه أن يُمَرَّض في بيت عائشة
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيسان عن ابن شهاب قال: لمّا اشتدّ برسول الله، ﷺ ، وجعُه استأذن نساءَه أن يكون في بيت عائشة، ويقال إنّما قالت ذلك لهنّ فَاطِمةُ، فقالت: إنّه يشقّ على رسول الله، ﷺ ، الاختلافُ فَأذِنّ له فخرج من بيت مَيْمونة إلى بيت عائشة تَخُطّ رِجلاه بين عَباسٍ ورجُلٍ آخرَ حتَّى دخل بيتَ عائشة، فزعموا أنّ ابن عبّاس قال: مَن الرّجُلُ الآخر؟ قالوا: لا نَدري! قال: هو عليّ بن أبي طالب.
стр. 685
أخبرنا أحمد بن الحجّاج قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا مَعْمر ويونس عن الزهريّ، أخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنّ عائشة زوج النّبيّ، ﷺ قالت: لمّا ثقُلَ رسولُ الله، ﷺ ، واشتدّ به وجعه استأذن أزواجَه في أن يمرَّض في بيتى فأذِنّ له فخرج بين رَجُلين تَخُطّ رِجْلاه في الأرض بين ابن عبّاس، تعنى الفضل، وبين رجل آخر: قال عُبيد الله: فأخبرتُ ابن عبّاس بما قالت قال: فَهَلْ تَدرى مَن الرجل الآخر الّذي لم تُسَمّ عائشة؟ قال: قلت لا! قال ابن عبّاس: هو عليّ! إنّ عائشة لا تَطِيب له نفسًا بخير: قالت عائشة: فقال رسول الله، ﷺ ، بعدما دَخَل بيتى واشتدّ وجعه: أهْريقوا عليَّ من سَبْع قِرَب لم تُحْلَل أوْكِيَتُهُنّ لَعَلّي أعْهَدُ إلى النّاس، قالت: فأجلساه في مِخْضَب لِحَفْصَة زوج النّبيّ، ﷺ ، ثمّ طفقنا نصُبّ عليه من تلك القِرَب حتَّى جعل يُشير إلينا بيده أن قد فعلتم، ثمّ خرج إلى النّاس فصلّى بهم (١) وخطبهم.
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حمّاد بن سلمة عن أبي عِمْرَان الجَوْنِيّ عن يزيد بن بَابَنُوس قال: استأذَنْتُ أنا ورجُلٌ من أصحابى على عائشة فأذِنَتْ لنا، فلمّا دَخَلنا جذبَت الحِجَابَ وألقَتْ لنا وِسَادةً فجلسنا عليها فقالت: كان رسول الله، ﷺ ، إذا مَرّ ببابى يُلقى إليّ الكلمة ينفع الله بها، فمرّ ذاتَ يومٍ فلم يقُلْ شيئًا ثمّ مَرّ ذاتَ يوم فلم يقُل شيئًا فقلت: يا جارية أَلْقِى لي وِسَادةً على الباب! فألقت لي وسادة فجلستُ عليها في طريقه وعصبتُ رأسى فَمَرّ بي رسول الله، ﷺ ، فقال: ما شأنُك؟ فقلتُ: أشتكى رأسى! فقال رسول الله، ﷺ : أنا وارأساه! ثمّ مضى فلم يلبث إلّا يسيرًا حتَّى جِئَ به محمولًا في كِساء فأدخل بيتى فأرسَل إلى نسائه فاجتمعن عنده فقال: إنّى أشتكى ولا أستطيعُ أن أدور بيوتكُنّ فإنْ شِئْتُنّ أذنْتُنّ لي فكنتُ في بيت عائشة، فأذِنَّ له، فكنت وأنا أوصّبه (٢) ولم أُوصّبْ مريضًا قطّ قَبْلَه.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمّد عن
стр. 686
أبيه قال: لمّا ثَقُل النّبيّ، ﷺ ، قال: أين أنا غدًا؟ قالوا: عند فلانة، قال: فأين أنا بعد غدٍ؟ قالوا عند فلانة، فعرَف أزواجه أنّه يريد عائشة فقُلن: يا رسول الله قد وهبْنا أيّامَنا لأُختنا عائشة.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني الحكَم بن القاسم عن عفيف بن عمرو السهميّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، يَدور على نسائه حتى استُعِزّ (١) به وهو في بيت مَيْمُونة فعرف نساء رسول الله، ﷺ ، أنه يحبّ أن يكون في بيتى فقُلن: يا رسول الله يومُنا الّذي يُصيبنا لأُختنا! يعنين عائشة.
* * *
ذكر السِّوَاك الذي استنّ به رسول الله، ﷺ ، في مرضه الذي مات فيه
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني جعفر بن محمّد بن خالد بن الزّبير عن محمّد بن عبد الرحمن بن نَوْفَل عن الزّهريّ عن عُروة بن الزّبير عن عائشة قالت: لمّا رَجَع رسول الله، ﷺ ، في ذلك اليوم دخل حُجْرتي فاضطَجع في حِجْري فدَخَل عليّ رجلٌ من آل أبي بكر في يده سِواكٌ أخضرُ، فنظرَ رسولُ الله، ﷺ ، إليه وهو في يده نظرًا عرفتُ أنّه يُريده فقلت: يا رسول الله تريد أن أعطيك هذا السّواك؟ فقال: نعم! فأخذته فمضغتُه حتى لَيّنتُه ثمّ أعطيته إيّاه فاستنّ به كأشدّ ما رأيته استنّ بسواك قبله ثمّ وضعه (٢).
أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن عَلْقمة بن أبي عَلْقمة عن أُمّه عن عائشة قالت: دخل عبد الرّحمن بن أبي بكر على النّبيّ، ﷺ ، في شكوِه وأنا مُسْنِدَتُه إلى صَدري وفي يد عبد الرّحمن سِواكٌ فأمرها أن تَقْضِمه فَقَضمَتْه ثمّ أعطته رسول الله، ﷺ (٣).
стр. 687
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرّحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مُلَيكة عن القاسم بن محمّد قال: سمعتُه يقول: سمعتُ عائشة تقول: كان من نعمة الله عليّ وحُسْن بلائه عندي أنّ رسول الله، ﷺ ، مات في بيتى وفى يومى وبين سَحْرى ونَحْرى وجُمِع بين ريقى وريقه عند الموت! قال القاسم: قد عرفنا كلّ الذي تقولين فكيف جُمع بين ريقكِ وريقه؟ قالت: دَخل عبد الرّحمن بن أُمّ رومان أخى على النّبيّ، ﷺ ، يَعُوده وفي يده سِواكٌ رَطْب وكان رسول الله، ﷺ ، مُولَعًا بالسواك فرأيت رسول الله، ﷺ ، يُشْخِصُ بَصرَه إليه، فقلتُ: يا عبد الرّحمن اقضم السّواك! فَناولَنيه فمضغتُه ثمّ أدخلته في في رسول الله، ﷺ ، فَتَسَوّك به فجُمِعَ بين ريقى وريقه (١).
* * *
ذكر اللَّدُود الذي لُدَّ به رسول الله، ﷺ ، في مَرضه
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، حدّثني أبو يونس القشَيريّ، يعني حاتم بن أبي صَغيرة، حدّثني عَمرو بن دينار: أنّ رسول الله، ﷺ ، اشتكى فأُغمِىَ عليه فأفاقَ حين أفاقَ والنِّساءُ يَلدُدْنَه فقال: أمَا إنّكم قد لددتمونى وأنا صائم، لَعلّ أسماء بنتَ عُميس أمَرَتْكم بهذا، أكانت تخاف أن يكون فيّ ذاتُ الجَنْب؟ ما كان الله ليسلّط عليّ ذات الجنب، لا يبقى في البيت أحدٌ إلّا لُدّ كما لَدَدْتُنِّي (٢) غيرُ عمّى العبّاس! فَوَثب النّساء يلدّ بعضهنّ بعضًا.
أخبرنا محمّد بن الصباح، أخبرنا عبد الرّحمن بن أبي الزّناد عن هِشام، يعني ابن عُروة، عن أبيه عن عائشة قالت: كانت تأخذ رسول الله، ﷺ ، الخاصرةُ فاشتَدّت به جدًّا وأخذتْه يومًا فأُغْمىَ على رسول الله، ﷺ ، حتى ظنَنّا أنّه قد هَلَك على الفِراش فَلَدَدْنَاه، فلمّا أفاقَ عَرف أنّا قد لددناه فقال: كنتم ترَوْنَ أنّ الله
стр. 688
كان يسلّط عليّ ذاتَ الجنب؟ ما كان الله ليجعل لها عليّ سُلطانًا، والله لا يبقى في البيت أحدٌ إلّا لَددتموه إلّا عَمّى العبّاس: قالت: فما بقى في البيت أحدٌ إِلّا لُدّ، فإذا امرأة من بعض نسائه تقول: أنا صائمة! قالوا: تَرَيْنَ أنّا نَدَعُكِ وقد قال رسول الله، ﷺ ، لا يبقَى أحدٌ فى البيت إلّا لُدّ؟ فلددناها وهي صائمة.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سعيد بن عبد الله بن أبي الأبيض عن المَقْبُريّ عن عبد الله بن رافع عن أُمّ سَلمة قالت: بُدِئ برسول الله، ﷺ ، في وجعه في بيت مَيْمونة، فكان إذا خَفّ عنه ما يجد خرج فصلَّى بالنّاس، فإذا وجد ثقلةً قال: مُروا النّاسَ فليصلّوا! فَتَخَوَّفْنَا عليه ذات الجنب وثقُل فَلَدَدْنَاه فوجَد النّبيّ، ﷺ ، خشونةَ اللدّ فأفاقَ فقال. ما صنعتم بي؟ قالوا: لَدَدناك! قال: بماذا؟ قلنا: بالعُود الهِنْديّ وشئ من وَرْسٍ وقَطَرات زيتٍ، فقال: مَن أمركم بهذا؟ قالوا أسماءُ بنت عُميس، قال: هذا طِبّ أصابته بأرضِ الحبشة، لا يبقَى أحدٌ في البيت إلّا التدّ إِلّا ما كان من عَمّ رسول الله، يعني العبّاس، ثمّ قال: ما الّذي كُنتم تخافون عليّ؟ قالوا: ذاتَ الجَنْب، قال: ما كان الله لِيسلّطها عليّ (١).
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمّد الأخْنَسيّ قال: دخلَتْ أُمّ بِشْر بن البراء على النّبيّ، ﷺ ، في مرضه فقالت: يا رسولَ الله ما وجدتُ مثل هذه الحُمّى التي عليك على أحدٍ! فقال النّبيّ، ﷺ ، لها: يُضَاعَفُ لنا البَلاءُ كما يُضاعَف لنا الأجْرُ! ما يقول النّاس؟ قالت: قلتُ يقولون به ذاتُ الجَنْب، فقال رسول الله، ﷺ : ما كان الله ليسلّطهما عَلَى رسوله، إنّها هَمزةٌ من الشيطان ولكنّها من الأَكْلة التي أكلتُها أنا وابنُكِ، هَذَا أَوَانَ قَطَعَتْ أبْهَرى (٢).
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الحميد بن عِمْران بن أبي أنس عن أبيه عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابن عبّاس قال: لمّا كان وجع رسول الله، ﷺ ، لَدّوه فقال: مَن أمركم بهذا؟ أخِفْتُم أن تكون بي ذاتُ الجَنْب؟ ما كان الله ليسلّطها عليّ، أمَرَتْكم بهذا أسماءُ بنت عُميس جاءت به من أرض الحَبَشَة، لا يبقَى في البيت أحَدٌ إلّا التَدّ إلّا عَمّى العبّاس، قال: فجعل بعضهم يلدّ بعضًا.
стр. 689
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هِشام قال: كانت أمّ سَلَمة وأسْماءُ بنت عُميس هما لَدَّتَاه، قال: فالتدّت يومئذٍ ميمونة وهي صائمة لِقَسَمِ النّبيّ، ﷺ ، قال: وكأنّه منه عقوبة لهم (١).
* * *
ذكر الدنانير التي قسمها رسول الله، ﷺ ، في مرضه الذي مات فيه
أخبرنا الفضل بن دُكين أبو نُعيم، أخبرنا إسماعيل بن عبد الملك، أخبرنا ابن أبي مُلَيكة، حدّثتني عائشة قالت: أصابَ رسول الله، ﷺ ، دنانير فقسمها إلّا ستةً فدفع الستّة إلى بعض نسائه فلم يأخذه النّومُ حتَّى قال: ما فَعَلَت الستّةُ؟ قالوا: دفعتها إلى فُلانة! قال: ائتونى بها، فقسم منها خمسةً في خمسة أبيات من الأنصار ثمّ قال: استنْفِقُوا هذا الباقيَ، وقال: الآن استرحتُ! فَرَقَد (٢).
أخبرنا عبد الله بن مَسلمة بن قَعْنَب الحارثيّ، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال لعائشة وهي مُسْنِدَتُه إلى صدرها: يا عائشة ما فعَلَتْ تلك الذَّهَبُ؟ قالت: هي عندي قال: فَأنْفِقِيها! ثمّ غُشى على رسول الله، ﷺ ، وهو على صدرها، فلمّا أفاقَ قال: آنفقتِ تلك الذّهبَ يا عائشة؟ قالت: لا والله يا رسول الله! قالت: فدعا بها فوضعها في كَفِّه فَعَدَّها فإذا هي ستّة دنانير، فقال: ما ظنّ محمّد بربّه أَنْ لو لَقِىَ الله وهذه عنده! فأنفقَها كلّها ومات من ذلك اليوم (٣).
أخبرنا عبد الله بن مَسلمة، أخبرنا حاتم بن إسماعيل عن أبي بكر بن يحيَى، قال عبد الله أحسبه الزُّبَيْريّ، عن أبيه عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : والذى نَفْسُ محمّدٍ بيده لو أنّ أُحُدًا ذَاكُمْ عنْدِى ذَهَبًا لأحْبَبْت أن لا تأتي عليه ثلاثة أيّام وعندى منه دينارٌ وأجِدُ مَن يَقْبَلُهُ مِنّي صَدَقَةً إلّا شَيْءٌ أرْصُدُهُ في دَيْنٍ عَلَيّ.
стр. 690
أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلَد أبو عاصم النّبيل عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، أخبرني ابن أبي مُلَيكة عن عقبة بن الحارث قال: انصرف رسول الله، ﷺ ، من صلاة العَصْر فأسرَع ولم يُدْرِكْهُ أحدٌ فعجَب النّاسُ من سُرْعته، فلمّا رَجَع إليهم عرَف ما في وجوههم فقال: كان عندي تِبْرٌ في البيت فكرِهْتُ أن أبيّتَهُ عندي فأمرتُ بقسمه.
أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوف عن الحسن قال: أصبح رسول الله، ﷺ ، يومًا فعُرف فى وجهه أنّه بات قد أهمّه أمرٌ، قال فقيل له: يا رسول الله إنّا لَنستنكر وجهك فإنّك قد أهمّكَ الليلةَ أمرٌ: فقال رسول الله، ﷺ : ذاكَ من أُوقِيّتَيْنِ من ذَهَبِ الصَّدَقة باتَتَا عندي لم أَكُن وجّهتُهما.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطَاء العِجْليّ، أخبَرنا محمّد بن عمرو عن أبي سَلَمة عن عائشة: أنّ رسولَ الله، ﷺ ، قال فى وجعه الّذي قُبِضَ فيه: ما فَعَلَت الأذْهُبُ؟ فقلتُ: هي عندي يا رسول الله، قال: ائتينى بها، وهي ما بَين السّبعة والخمسة، فجعلها في كَفِّه ثمّ قال: ما ظَنّ محمّد بالله لو لَقِىَ الله وهذه عنده؟ أَنْفِقِيهَا.
أخبرنا يحيَى بن إسحاق البَجَليّ قال: أخبرنا يحيَى بن أيّوب عن أبي حازم عن أبي سَلَمة عن عائشة أنّ رسول الله، ﷺ ، قال لها في مَرضه الذي ماتَ فيه: يا عائشة هَلُمّى تلك الذَّهبَ! قالت: فأتيتُه بها، وهي أحَدُ العَدَدَيْنِ تسعة أو سَبعة، فأخذَها بيده فقال: ما ظَنّ محمّدٍ لو لَقِىَ الله وهذه عنده؟
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا يعقوب بن عبد الرّحمن، حدّثني أُبَيّ عن أبيه، أو عُبيد الله بن عبد الله شكّ يعقوب، عن عائشة قالت: أتَت رسولَ الله، ﷺ ، ثمانية دراهم بعد أن أمْسَيْنَا فلم يزلْ قائمًا وقاعدًا لا يأتيه النّومُ حتَّى سَمع سائلًا يسأل فخرَج من عندي فما عَدَا أن دخَل فسمعت غَطِيطَه، فلمّا أصبحَ قلتُ: يا رسول الله رأيتُك أوّلَ اللّيلِ قائمًا وقاعدًا لا يأتيك النّومُ حتَّى خرجتَ من عندي فما عَدَا أن دخلتَ فسمعتُ غطيطَك! قال: أجَلْ أتتْ رسولَ الله ثمانيةُ دراهم بعد أن أمْسى فما ظنّ رسول الله أن لو لقى الله وهي عنده؟
أخبرنا سعيد بن منصور، أخبرنا يعقوب بن عبد الرّحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كانت عند رسول الله، ﷺ سبعة دنانير وضعَها عند عائشة، فلمّا كان في مَرضه قال: يا عائشة ابعثى بالذّهب إلى عليّ، ثمّ أُغمىَ
стр. 691
على رسول الله، ﷺ ، وشغل عائشةَ ما به حتَّى قال ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، كلَّ ذلك يُغْمَى على رسول الله، ﷺ ، ويشغل عائشة ما به فبعثَت، يعني به، إلى عليّ فتصدّق به، ثمّ أمسى رسولُ الله، ﷺ ، ليلةَ الاثنين في جَديد الموت فأرسلَت عائشةُ إلى امرأةٍ من النساء بمصباحها فقالت: اقطرى لنا في مصباحنا من عُكّتِك السّمنَ، فإنّ رسولَ الله أمسَى في جديد الموت.
* * *
ذكر الكنيسة التي ذَكَرها أزواج رسول الله، ﷺ ، في مرضه وما قال في ذلك رسول الله، ﷺ -
أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا هشام بن عُروة عن أبيه عن عائشة: أنّ نساءَ رسول الله، ﷺ ، تَذَاكَرْنَ عنده في مَرضه كنيسةً بأرض الحبشَة يقال لها ماريةُ، فَذكَرْنَ من حُسْنها وتَصاويرها، وكانتا أُمّ سلمة وأُمّ حَبيبة قد أتَتا أرضَ الحبشة، فقال رسول الله، ﷺ : أولئك قومٌ إذا كان فيهم الرّجل الصّالحُ بنَوْا على قَبره مَسجدًا ثمّ صَوّروا فيه تلك الصّوَر، أولئك شِرَارُ الخلق عند الله! (١).
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب، حدّثني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنّ عائشة وعبد الله بن عبّاس قالا: لمّا نَزَلَ برسول الله، ﷺ ، طَفِقَ يُلقى خَمِيصةً على وجهه، فإذا اغْتمّ كَشَفَها عن وجهه فقال وهو كذلك: لعنةُ اللهِ على اليهود والنّصارى! اتّخذوا قُبورَ أنبيائهم مَسَاجد، يُحَذِّرُهُم مثل ما صَنعوا. (٢)
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقّى عن عُبيد الله بن عَمرو عن زَيْد بن أبي أُنيسة عن عمرو بن مُرّة عن عبد الله بن الحارث، أخبرنا جُندُب: أنّه سمع رسولَ الله، ﷺ ، قبل أن يُتوفّى بخمسٍ يقول: ألا إنّ مَنْ كانَ قبْلَكُم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، فلا تتّخذوا القبورَ مساجدَ فإنّى أنهاكم عن ذلك.
أخبرنا عبد الله بن نُمير، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن صالح بن كَيْسان عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أنّه كان في آخر ما عهدَ من رسول الله، ﷺ ، أن قال: قاتَلَ الله اليهود! اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
стр. 692
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عُمر بن عبد العزيز وأخبرنا مَعْن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن إسماعيل بن أبي حَكيم أنّه سَمِع عُمَر بن عبد العزيز يقول: إنّ رسولَ الله، ﷺ ، قال في مَرَضه الّذي ماتَ فيه: قاتلَ الله اليهودَ والنَّصارى! اتّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ، لا يبقينّ دينانِ بأرض العرب.
أخبرنا مَعْن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن زَيْد بن أسْلَم عن عطاء بن يَسار: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: اللهمّ لا تَجعلْ قبري وَثَنًا يُعْبَدُ! اشتدّ غضبُ الله على قومٍ اتّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد!
أخبرنا مسلم بن إبراهيم وأبو هشام المخزومي قالا: أخبرنا أبو عَوانة عن هلال بن أبي حُمَيد الوزّان عن عُروة عن عائشة قالت: قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه الّذي لم يَقُمْ منه: لَعَنَ الله اليهودَ والنّصارَى! فإنّهم اتّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد، فلولا ذلك لم يزوروا قبره، ولكنّه خشى أن يُتّخذ مَسجدًا.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عَطاء قال: أخبرنا عوف عن الحسن قال: ائتمروا أن يدفنوه، ﷺ ، في المسجد فقالت عائشة: إنّ رسول الله، ﷺ ، كان واضعًا رأسَه في حِجْرى إذ قال قَاتَلَ الله أقْوَامًا اتّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد، واجتمع رأيهم أن يدفنوه حيثُ قُبض في بيت عائشة.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو بكر بن عَيَّاش عن أبي المهلّب عن عُبيد الله بن زَحْر (١) عن عليّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة عن كعب بن مالك قال: إنّ أحدث عهدى بنبيّكم، ﷺ ، قبْل وفاته بخمس فسمعتُه يقول: إنّه مَن كَان قَبلَكم اتّخذوا بيوتهم قبورًا، ألا وإنّى أنهاكم عن ذلك! ألا هل بلّغتُ؟ اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد!
أخبرنا عُبيد الله بن موسى عن شَيْبَان عن الأعْمش عن جامع بن شَدّاد عن كُلثوم عن أسامة بن زَيد قال: دخلنا على رسول الله، ﷺ ، نعوده وهو مريض فوجدناه قائمًا قد غَطّى وجهه بِبُرْدٍ عَدَنِيّ فكَشَف عن وجهه فقال: لَعَنَ الله اليهود! يحرّمون الشّحوم ويأكلون أثمانها.
стр. 693
أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، أخبرنا سفيان، يعني ابن عُيينة، أخبرنا حمزة بن المغيرة عن سُهَيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : اللهمّ لا تَجعلْ قَبرى وَثَنًا! لَعَنَ اللُّه قومًا اتّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد.
* * *
ذكر الكتاب الذي أَراد رسول الله، ﷺ ، أن يكتبه لأمّته في مرضه الذي مات فيه
[أخبرنا يحيَى بن حمّاد، أخبرنا أبو عَوانة عن سليمان، يعني الأعْمش، عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس قال: اشتكى النّبيّ، ﷺ ، يومَ الخميس فجعل، يعني ابن عبّاس، يبكى ويقول يوم الخميس وما يوم الخميس! اشتدّ بالنّبيّ، ﷺ ، وجعه فقال ائتوني بدواة وصحيفة أكْتُبْ لكم كتابًا لا تَضلّوا بعده أبدًا، قال: فقال بعض مَن كان عنده إنّ نبيّ الله لَيَهْجر! قال فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: أَوَ بَعْدَ (١) ماذا؟ قال: فلم يدعُ به] (*).
أخبرنا سفيان بن عُيينة عن سليمان بن أبي مسلم خالِ ابن أبي نَجيح سمع سعيدَ بن جُبَير قال: قال ابن عبّاس: يومُ الخميس وما يومُ الخميس! قال: اشتدّ برسول الله، ﷺ ، وجعُه في ذلك اليوم فقال ائتونى بدواة وصحيفة أكتُب لكم كتابًا لا تَضلّوا بعده أبدًا، فَتَنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازعٌ، فقالوا: ما شأنه، أهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوُه! فذَهبوا يُعيدون عليه فقال: دَعُوني فالّذي أنا فيه خيرٌ مما تَدْعونَني إليه وأوصَى بثلاثٍ، قال: أخْرِجُوا المُشركينَ من جَزيرة العرب، وأَجِيزوا الوَفْدَ بنَحْوٍ ممّا كنتُ أُجيزهم، وسكت عن الثالثة فلا أدرى قالها فنسيتُها أو سكتَ عنها عَمْدًا.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، حدّثني قُرّة بن خالد، أخبرنا أبو الزّبير، أخبرنا جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لمّا كان في مرض رسول الله، ﷺ ، الذي توفّى فيه دعا بصحيفة ليكتب فيها لأمّته كتابًا لا يَضلّون ولا يُضَلّون، قال: فكان في البيت لغطٌ وكلامٌ وتكلّم عمر بن الخطّاب قال فرفضه النّبيّ، ﷺ .
стр. 694
أخبرنا حَفْص بن عمر الحَوْضيّ، أخبرنا عمر بن الفضل العبديّ عن نُعيم بن يزيد، أخبرنا عليّ بن أبي طالب: أنّ رسول الله، ﷺ ، لمّا ثَقِلَ قال: يا عليّ ائتني بِطَبَقٍ أكتبُ فيه ما لا تَضلّ أُمّتي بعدى، قال: فخشيتُ أن تَسبقنى نفسه فقلت إنِّي أحفظ ذراعًا من الصحيفة، قال: فكان رأسه بين ذراعي وعَضُدي فجعل يُوصى بالصّلاة والزّكاة وما ملكَتْ أَيْمانُكم، قال: كذلك حتى فاظت (١) نفسُه وأمر بشهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا عبده ورسوله حتى فاظَت نفسه، مَن شهد بهما حُرّم على النّار.
أخبرنا حجّاج بن نُصير، أخبرنا مالك بن مِغْوَل قال: سمعتُ طلحة بن مصرّف يحدّث عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: كان يقول يومُ الخميس وما يومُ الخميس! قال: وكأنّى أنظر إلى دموع ابن عبّاس على خدّه كَأنّها نِظام اللّؤلؤ! قال قال رسول الله، ﷺ : ائتوني بالكَتِف والدواة أكتبُ لكم كتابًا لا تَضلّوا بَعده أبدًا، قال فقالوا: إنّما يهجر رسول الله، ﷺ .
[أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني هشام بن سعد عن زَيد بن أسْلَم عن أبيه عن عمر بن الخطّاب قال: كُنّا عند النّبيّ، ﷺ ، وبيننا وبين النّساء حِجابٌ، فقال رسول الله، ﷺ : اغسلوني بسبع قِرَبٍ وأتوني بصَحيفة ودواة أكتبُ لكم كتابًا لَنْ تَضلّوا بعده أبدًا! فقال النسوةُ: ائتوا رسولَ الله، ﷺ ، بحاجته. قال عمر: فقلتُ اسكتْنَ فإنّكنّ صواحبه إذا مرض عصرتُنّ أعْيُنَكُنّ وإذا أخذتُنّ بعُنُقه! فقال رسول الله، ﷺ : هُنّ خيرٌ منكم] (*)!
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن يزيد عن أبي الزّبير عن جابر قال: دعا النّبيّ، ﷺ ، عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابًا لأمّته لا يَضِلّوا ولا يُضَلّوا فَلَغَطوا عنده حتى رَفَضها النّبيّ، ﷺ .
[أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني أُسامة بن زَيد اللّيثيّ ومَعمر بن رَاشد عن
стр. 695
الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابن عبّاس قال: لمّا حضرت رسولَ الله، ﷺ ، الوفاةُ وفي البيت رجالٌ فيهم عمر بن الخطّاب، فقال رسول الله، ﷺ : هلُمّ أكتبُ لكم كتابًا لن تَضلّوا بعده! فقال عمر: إن رسول الله قد غَلَبه الوجع وعندكم القرآن، حَسْبُنا كتابُ الله فاختلفَ أهلُ البيت واختَصَموا، فمنهم مَن يقول قَرّبوا يَكْتُبْ لكم رسولُ الله، ﷺ ، ومنهم مَن يقول ما قال عمر، فلمّا كثر اللّغط والاختلاف وغمّوا رسولَ الله، ﷺ ، فقال: قوموا عنّى! فقال عُبيد الله بن عبد الله فكان ابن عبّاس يقول: الرّزية كلّ الرّزيّة ما حَالَ بين رسول الله، ﷺ ، وبين أن يكتبَ لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولَغَطِهم.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حَبيبة عن داود بن الحُصين عن عِكْرِمة عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ، ﷺ ، قال في مرضه الّذي مات فيه: ائتونى بدواة وصَحيفة أكتبُ لكم كتابًا لن تَضلّوا بعده أبدًا! فقال عمر بن الخطّاب: مَن لفلانة وفلانة مَدائن الرّوم؟ إنّ رسول الله، ﷺ ، ليس بميتٍ حتَّى نَفْتتحها ولو مات لانتظرناه كما انتَظَرتْ بنو إسرائيل موسى! فقالت زَينب زوج النبيّ، ﷺ : ألا تسمعون النّبيّ، ﷺ ، يعهد إليكم؟ فلغطوا فقال: قُوموا! فلمّا قاموا قبض النّبيّ، ﷺ ، مكانه (١)]. (*)
* * *
ذكر ما قال العبّاس بن عبد المطّلب لعليّ بن أبي طالب في مَرض رسول الله، ﷺ [الذي مات فيه] (٢)
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب، أخبرنا عبد الله بن كَعب بن مالك أنّ عبد الله بن عبّاس أخبره: أنّ عليّ بن أبي طالب خرَج من عند رسول الله، ﷺ ، في وجعه الّذي تُوفّى فيه فقال النّاس: يا أبا حَسن كيف أصبَحَ رسولُ الله، ﷺ ؟ قال: أصبحَ بحمد الله
стр. 696
بارِئًا! قال ابن عبّاس: فأخذ بيده العبّاس بن عبد المطّلب فقال: ألا تَرى؟ أنت والله بعدَ ثلاثٍ عَبْدُ العَصَا! إنّى والله لأرى أنّ رسول الله، ﷺ ، سيُتَوَفّى في وجعه هذا، إنِّي أعرفُ وجوه بني عبد المطّلب عند الموت فاذهب بنا إلى رسول الله، ﷺ ، فَلنسأله فيمن هذا الأمرُ من بعده، فإنْ كانَ فينا عَلِمْنَا ذلك وإنْ كان في غيرنا كَلّمْناه فأوصَى بنا! فقال عليّ: والله لئنْ سألناها رسولَ الله فمَنعَناها لا يُعطيناها النّاسُ أبدًا فوالله لا نسأله أبدًا!
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زُهير، أخبرنا إسماعيل بن أبي خَالد عن عامر الشّعْبيّ قال: قال رجلٌ لعليّ في المرض الّذي قُبض فيه، يعني النّبيّ، ﷺ : إني أكاد أعرف فيه الموتَ. فانْطَلِقْ بنا إليه فنَسأله مَن يَستخلف، فإن استخلَف منّا فذاك، وإلّا أوْصَى بنا فَحَفِظَنَا مَن بَعْدَه! فقال له عليّ عند ذلك ما قال، فلمّا قُبض النّبيّ، ﷺ ، قال لَعليّ: ابسط يدك أُبايِعك تُبايعك النّاسُ! فَقَبَضَ الآخرُ يده.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا عمر بن عقبة اللّيثي عن شُعْبة مولى ابن عبّاس عن ابن عبّاس قال: أرسل العبّاسُ بن عبد المطّلب إلى بَنى عبد المطّلب فَجَمَعهم عنده، قال وكان عليّ عنده بمنزلة لم يكن أحدٌ بها، فقال العبّاس: يا ابن أخى إنِّي قد رأيتُ رأيًا لم أحبّ أن أقطعَ فيه شيئًا حتى أستشيرك، فقال عليّ: وما هو؟ قال: ندخلُ على النّبيّ، ﷺ ، فنسأله إلى مَن هذا الأمر من بَعده، فإن كان فينا لم نُسْلِمْه والله ما بقى منّا في الأرض طارفٌ، وإن كان في غَيرنا لم نطلبها بعده أبدًا! فقال عليّ: يا عَمّ وهل هذا الأمر إلّا إليك؟ وهل من أحدٍ ينازعكم في هذا الأمر؟ قال فَتَفرّقوا ولم يدخلوا على النّبيّ، ﷺ .
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني هِشام بن سعد عن زَيد بن أسْلَم قال: جاء العبّاسُ على النّبيّ، ﷺ ، في وجعه الّذي تُوفّى فيه فقال عليّ بن أبي طالب: ما تريد؟ فقال العبّاس: أريد أن أسأل رسول الله، ﷺ ، أن يسَتْخلِفَ منّا خليفةً: فقال عليّ: لا تفعل! قال: ولِمَ؟ قال: أخشى أن يقول لا، فإذا ابتغينا ذلك من النّاس قالوا أليس قد أبَى رسول الله، ﷺ ؟
стр. 697
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله ابن أخى الزّهريّ سمعتُ عبد الله بن حَسن يحدّث عَمّى الزُّهريّ يقول حدَّثتنى فاطمة بنت حُسين قالت: لمّا تُوفّى رسول الله، ﷺ ، قال العبّاس: يا عليّ قُمْ حتَّى أُبايعك ومَن حضر فإنّ هذا الأمر إذا كان لم يُردّ مثلُه والأمر في أيْدينا: فقال عليّ: وأحَدٌ؟ يعني يطمع فيه غيرُنا: فقال العبّاس: أظنّ والله سيكون! فلمّا بويع لأبي بكرٍ ورجعوا إلى المسجد فسمع عليّ التكبير فقال: ما هذا؟ فقال العبّاس: هذا ما دعوتُك إليه فأبَيتَ عَلَيَّ! فقال عَلِيٌّ: أيكون هذا؟ فقال العبّاس: ما رُدّ مِثْلُ هذا قطّ! فقال عمر: قد خرج أبو بكر من عند النّبيّ، ﷺ ، حين تُوفّى وتخلّف عنده عليّ وعبّاس والزّبير، فذلك حين قال عبّاس هذه المقالة.
* * *
ذكر ما قال رسول الله، ﷺ ، لفاطمة ابنته في مَرضه، صلوات الله عليهما وسلامه
أخبرنا سليمان بن داود الهاشمىّ قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عُروة عن عائشة أنّ رسول الله، ﷺ ، دعا فاطمة ابنته في وجعه الّذى تُوفّى فيه فسَارّها بشئ فَبَكَتْ، ثمّ دَعَاها فسَارّها فَضَحِكَت، قالت: فسألتها عن ذلك فقالت: أخبرَنى رسول الله، ﷺ ، أنّه يُقْبض فى وجعه هذا فبكيتُ، ثمّ أخبَرنى أنّى أوّل أهله لحاقًا به فضحكتُ (١).
أخبرنا الفضل بن دُكين أبو نُعيم، أخبرنا زكريّاء بن أبي زائدة عن فراس بن يحيَى عن عامر الشّعبى عن مَسروق عن عائشة قالت: كنتُ جالسة عند رسول الله، ﷺ ، فجاءت فاطمة تَمشى كأنّ مِشْيَتَها مِشيةُ رسول الله، ﷺ ، فقال: مرحبًا بابنتى! فأجلسها عن يمينه أو عن شماله ثمّ أسَرّ إليها شيئًا فبكت ثمّ أسَرّ إليها فضَحِكَت. قالت قلت: ما رأيت ضحكًا أقرب من بكاء، أستخصّكِ رسولُ الله، ﷺ ، بحديثه ثم تبكين؟ قلتُ: أي شئ أسرّ إليك رسول الله، ﷺ ؟ قالت: ما كنتُ لأفشى سرّه! فلمّا قُبض سألتُها فقالت: قال إنّ جبرائيل كان
стр. 698
يأتينى كلّ عام فيعارضني بالقرآن مرّةً وإنّه أتانى العامَ فعارضنى مرّتَين، ولا أظنّ إلّا أجَلى قد حضر ونِعْمَ السّلَفُ أنَا لَكِ! قالت وقال: أنتِ أوّلُ أهلِ بيتى لحاقًا بي، قالت: فبكيتُ لذلك، ثمّ قال: أمَا تَرضَينَ أن تكونى سيِّدَةَ نِساءِ هذه الأمّة أو نساء العالَمين؟ قالت: فضحكتُ (١).
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني موسى بن يعقوب عن هاشم بن هاشم عن عبد الله بن وَهب بن زمعة عن أمّ سلمة زوج النّبيّ، ﷺ ، قالت: لمّا حُضِرَ رسول الله، ﷺ ، دَعا فاطمة فَنَاجَاها فَبَكَت، ثمّ نَاجَاهَا فضَحِكَت، فلم أسألها حتَّى تُوفّى رسول الله، ﷺ ، فسألتُ فاطمة عن بكائها وضَحِكها فقالت: أخبرني، ﷺ ، أنّه يَموت، ثمّ أخبرني أَنّى سيّدة نساء أهل الجنّة بعد مَريَم بنت عِمْران فلذلك ضَحكتُ.
أخبرنا محمّد بن عمر عن سفيان بن عُيينة عن عَمرو بن دينار عن أبي جعفر قال: ما رأيتُ فاطمةَ، ﵍، ضاحِكةً بعد رسولِ الله، ﷺ ، إلّا أنّه قد تُمُودِىَ بطَرَفِ فِيها.
* * *
ذكر ما قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه لأسامة بن زيد، ﵀
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عُروة بن الزّبير قال: كان رسول الله، ﷺ ، قد بعث أُسامةَ وأمَرَهُ أن يوطئ الخيلَ نحو البَلْقاء حيثُ قُتل أبوه وجعفر، فجعل أُسامة وأصحابه يتجهّزون وقد عَسْكَر بالجُرف، فاشتَكَى رسولُ الله، ﷺ ، وهو على ذلك ثمّ وجد من نفسه راحةً فخرج عاصِبًا رأسه فقال: أيّها النّاسُ! أنْفِذُوا بَعْثَ أُسامةَ! ثلاثَ مرّات ثمّ دخَل النّبيّ، ﷺ ، فاستُعِزّ به فتُوفّى رسول الله، ﷺ .
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن يزيد بن قُسَيط عن أبيه عن محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: بلغ النّبيّ، ﷺ ، قولُ النّاس استعمل أسامة بن
стр. 699
زيد على المهاجرين والأنصار فخرج رسول الله، ﷺ ، حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها النّاس! أَنْفِذوا بَعْثَ أسامةَ! فَلَعَمْرى لئِنْ قُلتم في إمارته لقد قُلتم في إمارة أبيه من قَبْله، وإنّه لَخَليقٌ للإمارة (١) وإن كان أبوه لَخَلِيقًا بها! قال: فخرَج جيش أُسامة حتى عَسكروا بالجُرف وتَتَامّ النّاسُ إليه فخرجوا وثَقِلَ رسول الله، ﷺ ، فأقامَ أسامة والنّاس ينتظرون ما الله قاضٍ في رسول الله، ﷺ : قال أُسامة: فلمّا ثقل هبطتُ من مُعسْكَرى وهبطَ النّاسُ معي وقد أُغمى على رسول الله، ﷺ ، فلا يتكلّم فجعل يرفع يده إلى السّماء ثمّ يَصُبّها عليّ فأعرف أنّه يدعو لي.
حدّثنا عبد الوهّاب بن عَطاء العِجْليّ قال: أخبرنا العُمَريّ عن نافع عن ابن عمر: أنّ النّبيّ، ﷺ ، بَعثَ سريّة فيهم أبو بكر وعمر واستعملَ عليهم أسامة بن زَيد، فكان النّاس طعنوا فيه أي في صِغَره، فبَلغ ذلك رسولَ الله، ﷺ ، فَصعد المنبر فحمد الله وأثْنَى عليه وقال: إن النّاس قد طَعنوا في إمارة أسامة وقد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله، وإنّهما لَخَلِيقَان لها وإنّه لَمِن أحَبّ النّاس إليّ آلًا! فأوصيكم بأسامة خيرًا.
أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أُويس وخالد بن مَخْلَد قالا: أخبرنا سليمان بن بلال وأخبرنا عبد الله بن مَسلمة بن قَعْنب الحارثىّ. أخبرنا عبد العزيز بن مسلم وأخبرنا معن بن عيسى، قال: أخبرنا مالك بن أنس جميعًا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: بعثَ النّبيّ، ﷺ ، بعثًا وأمَّرَ عليهم أسامة بن زَيد فطعن بعضُ النّاس في إمارته فقال رسول الله، ﷺ : إنْ تَطعنوا في إمارته فقد كنتم تَطعنون في إمارة أبيه من قبله! وايْمُ الله إن كان لَخَلِيقًا للإمارة، وإن كان لَمنْ أحَبّ النّاس إليّ، وإن هذا لَمن أحَبّ النّاس إلى بعدَه!
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا وُهَيب وأخبرنا المُعَلّى بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار جميعًا عن موسى بن عقبة، حدّثني سالم بن عبد الله عن أبيه أنّه كان يسمعه يحدّث عن رسول الله، ﷺ ، حين أمّرَ أسامةَ بن زيد، فبلغه أنّ
стр. 700
النّاس عابُوا أُسامةَ وطعنوا في إمارته، فقام رسولُ الله، ﷺ ، في النّاس فقال كما حدّثنى سالم: ألَا إنّكم تَعيبون أسامةَ وتطعنون في إمارته وقد فَعلتم ذلك بأبيه من قبلُ! وايْمُ الله إن كان لَخَلِيقًا للإمارة وإن كان لأحبّ النّاس كلّهم إليّ وإنّ ابنه هذا من بعده لأحبّ النّاس إلىّ فاستَوصُوا به خيرًا فإنّه من خِياركم! قال سالم: ما سمعتُ عبد الله يحدّث هذا الحديث قطّ إلّا قال: ما حَاشَا فاطمة.
* * *
ذكر ما قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه الذي مات فيه للأنصار، ﵏
أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا مسلمة بن عبد الله بن عروة عن أبي الأسود عن عُروة عن عائشة قالت: أمرَنا رسولُ الله، ﷺ ، أن نَصُبّ عليه من سَبع قِرَب من سَبع آبار ففعلنا، فلمّا اغتسل وجدَ الرّاحة فصلَّى بالنّاس ثمّ خَطَبهم واستغفَر للشّهداء من أصحاب أُحُدٍ ودَعا لهم، ثمّ أوصَى بالأنصار فقال: يا معشرَ المهاجرين! إنّكم أصْبَحتم تَزيدون وأصبحت الأنصار لا تَزيد على هيئتها التي هي عليها! اليومَ هُم عَيبَتى التي أوَيْتُ إليها، أكرِموا كريمَهم وتجاوَزُوا عن مُسِيئهم!
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني مَعْمَر ومحمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن عبد الله بن كَعب عن بعض أصحاب النّبيّ، ﷺ : أنّ رسول الله، ﷺ ، خرَج عاصِبًا رأسه فقال: يا معشرَ المهاجرين! إنّكم أصبحتم تَزيدون وأصبحتِ الأنصارُ لا تَزيد على هيئتها التي هي عليها اليومَ، وإنّ الأنصارَ عَيْبَتى التي أويتُ إليها، فأكرِموا كريمهم وأحسِنوا إلى مُحْسِنهم!
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عاصم بن عمر بن قَتادة عن محمود بن لَبيد عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: خرج رسول الله، ﷺ ، والنّاس مستكفّون يتخبّرون عنه، فخرج مشتملًا قد طرَح طَرَفى ثوبه على عاتقَيه عاصِبًا رأسه بعصابة بيضاء، فقام على المنبر وثَابَ النّاسُ إليه حتى امتلأَ المسجد، قال فتشَهّد رسول الله، ﷺ ، حتى إذا فرَغ قال: يا أيّها النّاس إنّ
стр. 701
الأنصارَ عَيْبَتى ونَعْلى وكرشى التي آكلُ فيها فاحفظونى فيهم! اقبلُوا من مُحْسِنهم وتجاوَزُوا عن مُسيئهم!
أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا يحيَى بن سعيد أنّ النعمان بن مُرّة أخبره أنّه بلغه: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال في مرضه الّذى تُوفّى فيه: إنّ لكلّ نبيّ تَرِكَة أو ضَيْعة، وإنّ الأنصار تَرِكَتى أو ضَيْعَتى، وإنّ النّاس يكثرون ويقلّون فاقبلوا من مُحسِنهم واعفوا عن مُسِيئهم!
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا زكريّاء بن أبي زائدة عن عَطيّة العَوْفى عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ عَيْبَتى التي آوى إليها أهلُ بيتى، وإنّ الأنصار كرشى فاعفوا عن مُسيئهم واقبلوا من مُحْسنهم!
أخبرنا عبيد الله بن موسى العَبْسيّ قال: أخبرنا ابن أبي لَيْلَى عن عطيّة العَوْفى عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّ عَيْبَتى الّتى آوى إليها أهْلُ بيتى، وإنّ كرشى الأنصارُ فاقبلوا من مُحسِنهم وتجاوزا عن مُسِيئهم!
أخبرنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دُكين وهشام أبو الوليد الطيالسيّ قالوا: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل عن عِكرمة عن ابن عبّاس وقال عُبيد الله في حديثه: أُتِىَ النّبيّ، ﷺ ، فقيل له هذه الأنصارُ في المسجد نساؤها ورجالها يبكون عليك! قال: وما يُبكيهم؟ قالوا: يخافون أن تموت! ثمّ اجتمعوا في الحديث فقالوا جميعًا في حديثهم، فخرَج رسول الله، ﷺ ، فجلَس على المنبر مشتملًا متعطّفًا عليه ملْحفة طارحًا طَرَفَها على منكبيه عاصبًا رأسه بعصابة، قال عُبيد الله وَسِخَةٍ، وقال أبو نُعيم وأبو الوليد دَسْمَاءَ، فحمدَ الله وأثْنَى عليه ثمّ قال: يا معشرَ النّاس! إنّ النّاسَ يكثرون وتقلّ الأنصار حتى يكونوا كالمِلْح في الطعام، فمَن وَلىَ من أمرِهم شيئًا فلْيقْبلْ من مُحْسِنهم وليتجاوز عن مُسِيئهم! قال أبو الوليد في حديثه: خرج في مرضه الّذى مات فيه، وكان آخِرَ مجلسٍ جلسه حتى قُبِض، ﷺ .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حُميد عن أنس قال: خرج رسول الله، ﷺ ، وهو عاصب رأسه فَتَلَقَّتْهُ الأنصار بأوْلادهم وخَدَمِهم فقال: والّذى نَفْسِى بيده إنّى لأحبّكم! إنّ الأنصار قد قضَوْا ما عليهم وبقى ما عليكم، فأحْسِنُوا إلى مُحسنهم وتجاوَزوا عن مُسِيئهم.
стр. 702
أخبرنا عَمرو بن عاصم الكِلابى، أخبرنا أبو الأشْهَب، أخبرنا الحسن: أنّ نَبيّ الله، ﷺ ، قال: يا معشر الأنصار إنّكم تَلقَوْنَ بَعْدى أَثَرَةً! قالوا: يا نبى الله فما تأمرنا؟ قال: آمركم أن تصبروا حتى تَلْقَوا الله ورسولَه.
أخبرنا عُبيد الله بن محمّد التّيميّ، أخبرنا حمّاد بن سَلمة عن عليّ بن زيد عن أنس: أنّ مُصْعب بن الزُّبير أخذ عَريفَ الأنصار فهمّ به، قال أنَس: فقلت أنْشُدُك الله ووصِيّةَ رسول الله، ﷺ ، في الأنصار! قال: وما أوصى به فيهم؟ قال: قلتُ أوْصَى أن يُقْبَل من مُحْسِنِهم وأن يُتَجاوز عن مُسِيئهم، قال فَتَمَعَّك على فِراشه حتى سَقَطَ على بساطه وتمعّك عليه وألصَقَ خَدّه على البساط وقال: أَمْرُ رسول الله، ﷺ ، على الرّأس والعين، أرْسلاه، أوْ قال دَعَاه!
* * *
ذكر ما أوصَى به رسول الله، ﷺ ، في مرضه الذي مات فيه
أخبرنا أسباط بن محمّد القُرشيّ عن سليمان التّيميّ عن قَتادة عن أنس بن مالك قال: كانت عامّة وصيّة رسول الله، ﷺ ، حين حضَره الموت الصّلاة وما مَلَكَت أيمَانكم حتى جَعَل رسول الله، ﷺ ، يغرغر بها في صدره وما كاد يَفيضُ بها لسانُه.
[أخبرنا وكيع بن الجرّاح عن سفيان الثّوريّ عن سليمان التيميّ عَمَّن سمع أنس بن مالك يقول: كانت عامّة وصيّة رسول الله، ﷺ ، وهو يغرغر بنفسه الصّلاة وما مَلَكت أيْمَانكم.
أخبرنا يزيد بن هارون وعفّان بن مسلم قالا: أخبرنا همّام بن يحيَى عن قتَادة عن أبي الخليل عن سَفينةَ عن أُمّ سلمة أنّ النّبيّ، ﷺ ، وهو في الموت جعل يقول: الصلاةَ الصّلاةَ وما مَلَكت أيمانُكُم! قال يزيد: فجعلَ يقولها وما يفيضُ بها لسانُه، وقال عفّان: فجعل يتكلّم بها وما يُفيض لسانه.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا أبو بكر بن عيَّاش عن أبي المهلّب
стр. 703
عن عُبيد الله بن زَحْر عن عليّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة عن كعب بن مالك قال: أغمىَ على رسول الله، ﷺ ، ساعةً ثمّ أفاقَ فقال: الله الله فيما مَلَكَت أيْمانكم! ألبِسوا ظهورهم وأَشْبِعوا بطونهم وألينوا لهم القولَ.
أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا مَعْمَر عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أنّ رسول الله، ﷺ ، آخِرَ عهدِه أوْصَى أن لا يُتْرَكَ بأرْضِ العرب دِينان.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني مالك بن أنس عن إسماعيل بن أبي حَكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: آخِر ما تكلّم به رسول الله، ﷺ ، قال قاتَلَ الله اليهودَ والنّصارَى! اتّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد، لا يَبقَيَنَّ دينانِ بأرض العرب] (*).
أخبرنا عبد الله بن نُمير قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق عن صالح بن كَيسان عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة: أنّه كان في آخِر ما عهد رسولُ الله، ﷺ ، أوصى بالرُّهَاوِيّين الّذين هم من أهل الرُّهاء، قال وأعطاهم من خيرٍ، قال وجعل يقول: لئن بقيتُ لا أدَعُ بجزيرة العرب دينين.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكِنانى، أخبرنا المسعوديّ عن هِزّان بن سعيد عن عليّ بن عبد الله بن عبّاس قال: أوصى رسول الله، ﷺ ، بالدّاريّين والرُّهَاويّين وبالدَّوْسِيّين خيرًا.
أخبرنا محمّد بن حازم أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعتُ النّبيّ قبل موته بثلاث وهو يقول: ألا لا يموت أحدٌ منكم إلّا وهو يُحسن بالله الظّنّ.
أخبرنا كَثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن بُرقَان قال: حدّثني رجلٌ من أهل مكّة قال: دخَل الفَضل بن عبّاس على النّبى، ﷺ ، في مرضه فقال يا فضل شُدّ هذه العِصَابة على رأسى، فَشَدَّها ثمّ قال النّبيّ، ﷺ : أرنَا يدَك! قال: فأخذ بيد النّبيّ، ﷺ ، فانتهضَ حتى دخلَ المسجد فحَمدَ الله وأثنى عليه ثمّ قال: إنّه قد دنا منى حقوقٌ من بين أظهُركم وإنّما أنا بشَرٌ فأيّما رجُلٍ كنتُ أصبتُ من عِرضِه شيئًا فهذا عِرْضى فليقْتصّ! وأيّما رجلٍ كنتُ أصبتُ من بَشَره شيئًا فهذا بَشَرى فليقتصّ! وأيّما رجُلٍ كنتُ أصبْتُ من ماله شيئًا فهذا مالى فليأخذ! واعلَموا أنّ أوْلَاكُم بي رجلٌ كان له من ذلك شئ فأخذه أو حَلّلَنى فلقيتُ ربّى وأنا محلَّل
стр. 704
لي، ولا يقولَنّ رجلٌ إنّى أخاف العداوةَ والشّحناءَ من رسول الله فإنّهما ليستَا من طبيعتى ولا من خُلقى! ومن غَلَبَتْه نفسُه على شئ فليسْتَعِنْ بي حتَّى أدعو له: فقام رجلٌ فقال: أتاك سائلٌ فأمرتَنى فأعطيتهُ ثلاثة دراهم. قال: صَدَقَ، أَعْطِها إيّاهُ يا فَضْل! قال: ثمّ قام رجلٌ فقال: يا رسول الله إنّى لَبَخِيلٌ وإنّى لجَبَانٌ وإنّى لَنَئُوم فادعُ الله أن يُذهِب عنّى البُخلَ والجُبن والنّوْم! فدعا له، ثمّ قامت امرأة فقالت: إنّى لكَذا وإنّى لكذا فادعُ الله أن يُذهِبَ عنّى ذلك! قال: اذهبى إلى منزل عائشة. فلمّا رجع رسول الله، ﷺ ، إلى منزل عائشة وضع عصاه على رأسها ثمّ دعا لها، قالت عائشة: فمكثَتْ تُكثر السّجود فقال: أطِيلى السّجودَ فإن أقرب ما يكون العبدُ من الله إذا كان ساجدًا! فقالت عائشة: فوالله ما فارَقَتْنى حتَّى عرفتُ دعوةَ رسول الله، ﷺ ، فيها.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سليمان بن بلال عن يحيَى بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال في مرضه الّذى تُوفّى فيه: أيها النّاس! لا تَعلّقوا عليّ بواحدةٍ، ما أحللتُ إلا ما أحلّ الله وما حرّمتُ إلّا ما حرَّمَ الله.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سليمان بن بلال وعاصم بن عمر عن يحيَى بن سعيد عن ابن أبي مُلَيكة عن عُبيد بن عُمير قال: قال رسول الله، ﷺ ، في مرضه الّذى توفّي فيه: أيّها النّاس! والله لا تمسكون عليّ بشئ، إنّى لا أحِلّ إلّا ما أحَلّ الله ولا أحرّم إلّا ما حرّم الله! يا فاطمة بنت رسول الله، يا صَفيّة عمّة رسول الله، اعملا لما عند الله، إِنّى لا أُغنى عنكما من الله شيئًا.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهريّ عن سعيد بن المسيّب قال: قال رسول الله، ﷺ : يا بنى عبد مناف لا أغنى عنكم من الله شيئًا! يا عبّاس بن عبد المطّلب لا أغنى عنك من الله شيئًا! يا فاطمة بنت محمّد لا أغنى عنك من الله شيئًا! سَلُونى ما شئتم.
أخبرني محمّد بن عمر، حدّثني عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون عن ابن مسعود أنّه قال: نَعَى لنا نبيُّنَا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهرٍ، بأبى هو وأمِّى ونفسى له الفِداء! فلمّا دنا الفِراق جَمَعَنَا في بيت أمّنا عائشة وتَشَدّد لنَا فقال: مَرحبًا بكم حَيّاكم الله بالسّلام رحمكم الله حَفِظَكم الله جبركم الله رزقكم الله رفعكم الله نفَعَكم الله هداكم الله وقاكم الله! أوصيكم بتَقْوى الله وأوصى الله بكم أستخلفه
стр. 705
عليكم وأحذّركم الله إنّى لكم منْهُ نَذيرٌ مُبِينٌ ألّا تَعلوا على الله في عِبادِهِ وبِلادِه فإنّه قال لي ولكُمْ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة القصص: ٨٣]. وقال: ﴿مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [سورة الزمر: ٦٠] قلنا: يا رسول الله متى أجَلُك؟ قال: دنا الفراقُ والمنقلَبُ إلى الله وإلى جنّة المأوى وإلى سِدْرةِ المنتَهى وإلى الرّفيق الأعلى والكأس الأوْفَى والحظّ والعيش المُهنّى! قُلنَا: يا رسول الله مَنْ يَغْسلك،! فقال: رجالٌ من أهلى الأدنى فالأدنى. قلنا: يا رسول الله ففيمَ نكفّنك؟ فقال: في ثيابى هذه إن شئتم أو ثياب مِصْرَ أو في حُلّة يمانية. قال: قلنا يا رسول الله مَن يصلّى عليك؟ وبكينا وبكى فقال: مَهْلًا رحمكم الله وجَزَاكم عن نبيّكم خيرًا! إذا أنتم غَسّلتمونى وكفّنتمونى فضَعُونى على سريرى هذا على شَفَة قَبرى في بيتى هذا، ثمّ اخرجوا عنّى ساعةً فإنّ أوّل مَن يصلّى عليّ حبيبى وخليلى جبريل ثمّ ميكائيل ثمّ إسرافيل ثمّ مَلَكُ الموت معه جنودُهُ من الملائكة بأجمعهم، ثمّ ادخلوا فَوْجًا فَوْجًا فصلّوا عليّ وسلّموا تسليمًا ولا تُؤذونى بتزكية ولا برَنّة، وليبتدئ بالصّلاة عليّ رجالُ أهلى ثمّ نساؤهم ثمّ أنتم بعدُ واقرَءُوا السّلامَ على من غاب من أصحابى واقرءُوا السّلام عَلَى من تَبعنى عَلَى دينى من قومى هذا إلى يوم القيامة! قلنا: يا رسول الله فمَن يُدخلك قبرك؟ قال: أهلى مع ملائكةٍ كثيرين يَرَوْنكم من حيث لا تَرونهم.
* * *
ذكر نزول الموت برسول الله، ﷺ -
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني الحكَم بن القاسم عن أبي الحُوَيْرث: أنّ رسول الله، ﷺ ، لم يَشْتَكِ شكْوى إلّا سألَ الله العافيةَ حتَّى كانَ في مرضه الّذى توفّى فيه، فإنّه لم يكن يدعو بالشّفاء وطَفِقَ يقول: يا نَفْسُ ما لكِ تلوذين كلّ مَلاذٍ؟
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني أيوب بن سيّار عن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: [لمّا نزل بالنّبيّ، ﷺ ، الموتُ دعا بقَدَحٍ من ماء فجعل يمسح به وجهَه