مقدّماتهم إلى البَلْقاء، فنَدب رسول الله، ﷺ ، النّاس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك. وبعثَ إلى مكّة وإلى قبائل العرب يَسْتنفرهم، وذلك في حَرٍّ شديدٍ، وأمرهم بالصّدقة فحَملوا صَدَقات كثيرة وقووا في سبيل الله، وجاء البكّاءُون وهم سبعة يستحملونه فقال: ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [سورة التوبة: ٩٢]. وهم: سالم بن عُمير وهَرَمي بن عَمرو وعُلبة بن زيد وأبو ليلَى المازني وعمرو بن عَنَمَة وسلمة بن صَخْر والعِرْباض بن سارية.
وفى بعض الرّوايات مَن يقول: إنّ فيهم عبد الله بن المُغفَّل ومَعْقِل بن يَسار. وبعضهم يقولون: البكّاءُون بنو مُقَرِّن السبعة، وهم من مُزَينة. وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله ﷺ ، في التخلّف من غير عِلّة فأذِن لهم وهم بضعة وثمانون رجلًا.
وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤْذَن لهم فاعتذروا إليه فلم يعذرهم وهم اثنان وثمانون رجلًا. وكان عبد الله بن أُبيّ بن سَلول قد عَسكر على ثنيّة الوَداع في حلفائه من اليهود والمنافقين فكان يقال ليس عسكره بأقلّ العسكَرَيْن. وكان رسول الله، ﷺ على عسكره أبا بكر الصّديق يصلّى بالنّاس، واستخلَف رسول الله، ﷺ ، على المدينة محمّد بن مَسلمة، وهو أثبت عندنا ممّن قال استخلَف غيره. فلمّا سار رسول الله، ﷺ ، تخلّف عبد الله بن أُبيّ ومن كان معه وتخلّف نَفَرٌ من المسلمين من غير شكّ ولا ارتياب، منهم: كَعْب بن مالك وهلال بن ربيع ومُرارة بن الرّبيع وأبو خَيْثَمَة السالمي وأبو ذَرّ الغفارى. وأمر رسول الله، ﷺ ، كلّ بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتّخذوا لواءً أو رايةً ومضى لوجهه يسير بأصحابه حتى قدم تَبوك في ثلاثين ألفًا من النّاس، والخيل عشرة آلاف فرس، فأقام بها عشرين ليلةً يصلّى بها ركعتين ولحقه بها أبو خَيْثمة السالمي وأبو ذَرّ الغفاري، وهِرَقْل يومئذ بحمْص، فبعث رسول الله، ﷺ ، خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسًا في رجب سنة تسع سريّة إلى أكَيْدر بن عبد الملك بدُومة الجنْدَل، وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلةٍ، وكان أُكَيْدر من كِندة قد ملكهم، وكان نصرانيًّا، فانتهى إليه خالد وقد خرج من حصنه في ليلة مُقْمرَة
стр. 632
إلى بَقر يُطاردها هو وأخوه حسّان، فشدّت عليه خيل خالد بن الوليد فاستأسر أُكَيْدر وامتنع أخوه حسّان وقاتل حتى قُتِلَ وهرب مَن كان معهما، فدخل الحِصن وأجار خالد أُكَيْدرَ من القتل حتى يأتي به رسولَ الله، ﷺ ، على أن يفتح له دُومةَ الجندل، ففعل وصالحه على ألْفَىْ بَعيرٍ وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رُمح.
فعزل للنّبيّ، ﷺ ، صفيًّا خالصًا ثمّ قسم الغنيمة فأخرج الخُمس، وكان للنّبيّ، ﷺ ، ثمّ قسم ما بقى بين أصحابه فصار لكلّ رجل منهم خمس فرائض، ثمّ خرج خالد بن الوليد بأُكَيْدر وبأخيه مَصاد وكان في الحصن وبما صالحَه عليه قافلًا إلى المدينة، فقدم بأُكَيْدر على رسول الله، ﷺ ، فأهدى له هديّة فصالحه على الجزية وحقن دمه ودم أخيه وخلَّى سبيلهما. وكتب له رسول الله، ﷺ ، كتابًا فيه أمانُهم وما صالحَهم عليه وختَمه يومئذ بظُفْرِه. وكان رسول الله، ﷺ ، استعمل على حَرَسه بتَبوك عَبّاد بن بشر فكان يطوف في أصحابه على العسكر ثمّ انصرف رسول الله، ﷺ ، من تَبوك ولم يَلْقَ كيدًا وقدم المدينة في شهر رمضان سنة تسع فقال: الحمد لله على ما رَزَقَنَا فى سفرنا هذا من أجرٍ وحِسْبَةٍ! وجاءه مَن كان تخلّف عنه فحلَفوا له فعذرهم واستغفر لهم وأرْجَأ أمر كَعْب بن مالك وصاحبيه حتَّى نزلت تَوبتُهم بعدُ، وجعل المسلمون يبيعون أسْلِحَتهم ويقولون: قد انقطعَ الجهاد! فبلَغ ذلك رسول الله، ﷺ ، فَنَهاهم وقال: لا تزال عصابة من أُمّتى يجاهدون على الحق حتَّى يخرج الدجَّال.
أخبرنا عتّاب بن زياد قال: أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس عن الزهريّ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كَعب بن مالك قال: سمعتُ كعب بن مالك يقول: كان رسول الله، ﷺ ، قلّ ما يريد غزوة يغزوها إلّا ورّى بغيرها حتى كانت غَزوة تبوك فغزاها رسول الله، ﷺ ، في حرّ شديد واستقبل سَفرًا بعيدًا وغَزْوَ عدوّ كثير، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهْبة عدوّهم وأخبرهم بوجهه الذي يريده.
أخبرنا محمّد بن حُميد العبدى عن مَعْمَر عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل بن أبي طالب في قوله: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [سورة التوبة: ١١٧]،
стр. 633
قال: خرجوا في غزوة تَبوك الرجلانِ والثلاثة على بَعير وخرجوا في حَرّ شديد فأصابهم يومًا عطشٌ شديد حتَّى جعلوا يَنْحرون إبلهم فيعصرون أكراشَها ويشربون ماءها، فكان ذلك عُسرة من الماء وعسرة من الظَّهْر وعُسرة من النّفَقَة.
أخبرنا أبو عامر عبد الملك بن عَمرو العَقَدى، أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حَنْظَلة الغسيل، حدّثنى ابنٌ لعبد الرّحمن بن عبد الله أو ابنٌ لعبد الله بن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن أبيه عن جَدّه أنّ النّبيّ، ﷺ ، خرج إلى غزوة تَبوك يوم الخميس وكانت آخر غزوة غزاها وكان يستحبّ أن يخرج يوم الخميس.
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقّى، أخبرنا عيسى بن يونس عن الأوْزاعي عن يحيَى بن أبي كثير قال: غزا رسول الله، ﷺ ، تَبوكًا فأقام بها عشرين ليلة يصلّى بها صلاة المسافر.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك قال: رجعنا من غزوة تبوك فلمّا دنونا من المدينة قال رسول الله، ﷺ : إنّ بالمدينة أقوامًا ما سِرتم مَسِيرًا ولا قَطعتم واديًا إلّا كانوا معكم. قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: نَعَمْ حَبَسهم العُذْرُ!
أخبرنا إسماعيل بن عبد الكريم الصّنْعانى، حدّثنى إبراهيم بن عقيل بن مَعْقِل عن أبيه عن وهب عن جابر قال: سمعتُ النّبيّ، ﷺ ، يقول في غزوة تبوك بعد أن رجعنا إلى المدينة: إنّ بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم واديًا إلّا كانوا معكم، حبَسَهم المرض.
* * *
حجّة أبي بكر الصدّيق بالنّاس (١)
ثمّ حجّة أبي بكر الصّدّيق بالنّاس في ذى الحجّة سنة تسع من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .
قالوا: استعمل رسول الله، ﷺ ، أبا بكر الصّدّيق، ﵁، على
стр. 634
الحجّ فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة وبعث معه رسول الله، ﷺ ، بعشرين بَدنةً قلّدها وأشعرها بيده عليها ناجِيَة بن جُندُب الأسْلَمى، وساق أبو بكر خمس بَدَنَاته، فلمّا كان بالعَرْج لحقه عليّ بن أبي طالب، ﵁، على ناقة رسول الله، ﷺ ، القَصْواء: فقال له أبو بكر: استعملك رسول الله على الحجّ؟ قال: لا ولكن بعثنى أقرأ براءةً على النّاس وأنبذ إلى كلّ ذى عهد عَهْدَه، فمضى أبو بكر فحجّ بالنّاس، وقرأ عليّ بن أبي طالب براءة على النّاس يوم النحر عند الجَمرة ونبذ إِلى كلّ ذى عهد عهده وقال: لا يحجّ بعد العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، ثمّ رجعا قافلين إلى المدينة.
أخبرنا خالد بن خداش، أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرنا عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: بعثنى أبو بكر الصّديق في الحجّة التي أمَّره عليها رسول الله، ﷺ ، قبل حجّة الوداع في رهط يؤذنون النّاس يومَ النّحر أن لا يحجّ بعد العام مُشركٌ ولا يطوف بالبيت عُريانٌ، فكان حُميد يقول: يوم النحرة يوم الحجّ الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة.
* * *
سريّة خالد بن الوليد إلى بني عبد المَدَان بنَجْرَان (١)
ثم سريّة خالد بن الوليد إلى بني عبد المَدَان بنَجْرَان في شهر ربيع الأوّل سنة عشر من مُهاجَر النّبيّ، ﷺ .
* * *
سريّة عليّ بن أبي طالب، ﵀، إلى اليمن: يقال مَرّتين (٢)
ثمّ سريّة عليّ بن أبي طالب إلى اليمن: يقال مرّتين، إحداهما في شهر رمضان سنة عشر من مُهاجَر رسول الله، ﷺ .
قالوا: بعث رسول الله، ﷺ ، عليًّا إلى اليمن وعقد له لواء وعَمَّمه بيده وقال: امضِ ولا تلتفت، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتَّى يقاتلوك! فخرَج في ثلاثمائة فارس وكان أوّل خيل دخلت إلى تلك البلاد، وهي بلاد مَذْحج،
стр. 635
ففرّق أصحابَه فأتوا بنَهْب وغنائم ونساء وأطفال ونَعَم وشَاء وغير ذلك، وجعل عليّ على الغنائم بُريدة بن الحُصيب الأسْلَميّ، فجمع إليه ما أصابوا ثمّ لقى جَمْعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا بالنّبْل والحجارة فصفّ أصحابه ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان السُّلَمي، ثمّ حَمل عليهم عليّ بأصحابه فَقَتل منهم عشرين رجلًا فتفرقوا وانهزموا، فكَفَّ عن طلبهم ثمّ دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا وبايعه نفرٌ من رؤساءهم على الإسلام وقالوا: نحن على مَن وراءنا من قومنا وهذه صَدقاتنا فخُذْ منها حقّ الله. وجمع عليّ الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء فكتَب في سهم لله، وأقرَع عليها فخرج أوّل السهام سهم الخُمْس، وقسم عَليّ على أصحابه بقيّة المَغْنَم ثمّ قَفَل فوافَى النّبيّ، ﷺ ، بمكّة وقد قدمها للحجّ سنة عشر.
* * *
ذكر عُمْرة النّبيّ، ﷺ -
أخبرنا هَوْذة بن خليفة وأحمد بن عبد الله بن يونس وشهاب بن عبّاد العبدى قالوا: أخبرنا داود بن عبد الرحمن العطّار عن عمرو بن دِينار عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: اعتمر رسول الله، ﷺ ، أربع عُمَر: عُمرة الحُديبية وهي عُمرة الحَصْر، وعمرة القَضاء من قابل، وعمرة الجِعِرَّانة، والرّابعة التي مع حجّته.
أخبرنا أحمد بن إسحق الحَضرمى، أخبرنا وُهيب، أخبرنا عبد الله بن عمر بن خُثيم عن سعيد بن جُبير: أنّ رسول الله، ﷺ ، اعتَمر عام الحُديبية في ذى القعدة واعتمر عامَ صالَح قريشًا في ذى القعدة واعتمرَ مرجعَه من الطائف في ذى القعدة من الجِعِرَّانَة.
أخبرنا حَجّاج بن نُصير، أخبرنا أبو بكر، يعني الهُذلى، عن عكرمة قال: اعتمر رسول الله، ﷺ ، ثلاث عُمَر في ذى القعدة قبل أن يحجّ.
أخبرنا موسى بن داود الضبّي قال: أخبرنا عبد الله بن المؤمّل عن ابن أبي مُليكة قال: اعتمر النّبيّ، ﷺ ، أربع عُمَر كلّها في ذى القعدة.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا زكريّاء بن أبي زائدة عن عامر قال: لم يعتمر رسول الله، ﷺ ، عُمرةً إلّا في ذى القعدة.
стр. 636
أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان، يعني الثوري، عن ابن جُريج عن عطاء قال: عُمَرُ النّبيّ كلّها في ذى القعدة.
أخبرنا عفّان بن مسلم وهشام أبو الوليد الطّيالسي وعَمرو بن عاصم الكِلابي قالوا: أخبرنا هَمّام عن قتَادة قال قلت لأنَس بن مالك: كم اعتمر رسول الله، ﷺ ؟ قال: أربعًا: عُمرته التي صَدّه فيها المشرِكون عن البيت من الحُدَيبية في ذى القعدة، وعُمرته أيضًا من العام المقبل حين صالحوه في ذى القعدة، وعُمرته حين قسم غنيمة حُنين من الجِعرانَة في ذى القعدة، وعُمرته مع حجّته.
أخبرنا محمّد بن سابق، أخبرنا إبراهيم بن طَهْمان عن أبي الزُّبير عن عُتبة مولى ابن عبّاس أنّه قال: لمّا قدم رسول الله، ﷺ ، من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثمّ اعتَمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوّال.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس عن داود بن عبد الرحمن عن ابن جُريج عن مُزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مُحرِّش (١) الكَعبى هكذا قال: قال اعتمر رسول الله، ﷺ ، ليلًا من الجعرانة ثم رجع كَبائت، قال فلذلك خَفيت عُمرته على كثير من النّاس، قال داود: عامَ الفتح.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا ابن لَهِيعة عن عِياض بن عبد الرّحمن عن محمّد بن جعفر: أنّ النّبيّ، ﷺ ، اعتمر من الجِعرانَة وقال: اعتمر منها سبعون نبيًّا.
أخبرنا محمّد بن الصّبّاح، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: اعتمر رسول الله، ﷺ ، ثلاثًا: عُمرةً في شوّال، وعُمرتين في ذى القعدة.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسدى، أخبرنا سفيان، يعني الثَّورى، عن منصور عن إبراهيم قال: ما اعتمر رسول الله، ﷺ ، إلّا مرّة.
أخبرنا هُشيم، أخبرنا المُغيرة عن الشّعبيّ: أنّ رسول الله، ﷺ ، أقام في عُمَره ثلاثًا.
أخبرنا هُشيم عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوْفَى: أدَخَلَ النّبيّ البيتَ في عُمَرِه؟ قال: لا.
стр. 637
حجّةُ الوداع (١)
ثمّ حجّة رسول الله، ﷺ ، بالنّاس سنة عشر من مُهاجَره، وهي التي يسمّى النّاس حجّةَ الوَداع، وكان المسلمون يسمّونها حجّة الإسلام.
قالوا: أقام رسول الله، ﷺ ، بالمدينة عشر سنين يضحّى كلّ عامٍ ولا يحلق ولا يقصّر ويغزو المغازي ولا يحجّ حتَّى كان في ذى القعدة سنة عشر من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، فأجمعَ الخروج إلى الحجّ وآذن النّاس بذلك، فقدِمَ المدينةَ بشرٌ كثيرٌ يَأْتمُّونَ (٢) برسول الله، ﷺ ، فى حجّته ولم يحجّ غيرها منذ تُنُبّئ إلى أن توفّاه الله. وكان ابن عبّاس يكره أن يُقال حجّة الوداع ويقول حجّة الإسلام، فخرج رسول الله، ﷺ ، من المدينة مغتسلًا مُتدهّنًا مترجّلًا متجرّدًا في ثوبين صُحاريّين إِزَار ورِداء، وذلك يوم السبت لخمس ليالٍ بَقَين من ذى القعدة، فصلّى الظهر بذى الحُليفة ركعتين وأخرج معه نساءَه كلّهنّ في الهَوَادج. وأشْعر هَدْيه وقلّده ثمّ ركب ناقته، فلمّا استوى عليها بالبيْداء أحرمَ من يومه ذلك، وكان على هَدْيه ناجية بن جُنْدُب الأسْلَمى واختُلف علينا فيما أهلّ به: فأهل المدينة يقولون أهلّ بالحجّ مُفْرِدًا، وفى رواية غيرهم أنّه قَرَن مع حجّته عُمرةً، وقال بعضهم دخل مكّة متمتّعًا بعُمرة ثمّ أضاف إليها حجّةً، وفي كلٍّ روايةٌ، والله أعلم. ومضى يسير المنازل ويؤمّ أصحابه في الصلوات في مساجد له قد بناها النّاس وعرفوا مواضعها، وكان يوم الاثنين بمرّ الظهران فغربت له الشمس بِسَرِف ثم أصبح فاغتسل ودخل مكّة نهارًا، وهو على راحلته القَصْواء، فدخل من أعلى مكّة من كَداء حتى انتهى إلى باب بني شَيبة، فلمّا رأى البيت رفع يديه فقال: اللهمّ زِدْ هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزِدْ مَن عَظّمَه ممّن حجّه واعتمره تشريفًا وتكريمًا ومهابةً وتعظيما وبرًّا!
ثمّ بدأ فطاف بالبيت ورَمَل ثلاثة أشواط من الحجر إلى الحجر، وهو مُضطبعٌ
стр. 638
بردائه، ثمّ صلّى خلف المقام ركعتين، ثمّ سعى بين الصفا والمرْوة على راحلته من فوْره ذلك.
وكان قد اضطرب بالأبطح فرجع إلى منزله. فلمّا كان قبل يوم التروية بيوم خطب بمكّة بعد الظهر، ثمّ خرج يوم التَّروية إلى مِنى فبات بها، ثمّ غدا إلى عَرَفَات فوقفَ بالهضاب من عَرَفات وقال: كلّ عَرفة موقفٌ إلّا بطن عُرَنة (١): فوقف على راحلته يدعو، فلمّا غربت الشمس دفع فجعل يسير العَنَق، فإذا وجد فَجْوةً نَصّ حتَّى جاء المُزْدَلِفَة، فنزل قريبًا من النّار فصلّى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ثمّ بات بها، فلمّا كان في السَّحر أذن لأهل الضعف من الذّرّيّة والنساء أن يأتوا مِنى قبل حَطْمَة الناس. قال ابن عبّاس: وجعل يلطح أفخاذنا ويقول أبَنيّ لا تَرموا حتَّى تطلع الشمس، يعني جَمْرَةَ العَقَبَة، فلمّا برق الفجر صلّى نبيّ الله، ﷺ ، الصبح ثمّ ركب راحلته فوقف على قُزَح وقال: كلّ المُزْدَلفَة موقِفٌ إلّا بطن محسِّر، ثمّ دفع قبل طلوع الشمس، فلمّا بلغ إلى محسّر أوضع ولم يزل يُلبّى حتى رمى جمرة العقبة، ثمّ نَحَرَ الهَدْىَ وحَلَق رأسه وأخذَ من شارِبه وعارضَيْه وقَلّمَ أظفاره وأمر بشَعْره وأظفاره أن تُدفَن، ثمّ أصاب الطّيب ولبس القميص ونادى مناديه بمنى: إنّها أيّام أكلٍ وشُرْبٍ، وفى بعض الرّوايات: وباءَةٍ، وجعل يرمى الجمار في كلّ يوم عند زوال الشمس بمثل حَصَى الخَذْف، ثمّ خطب الغد من يوم النَّحر بعد الظهر على ناقته القَصْواء، ثمّ صدر يوم الصّدَر الآخر وقال: إنّما هُنّ ثلاثٌ يُقيمهنّ المهاجرُ بعد الصّدَر، يعني بمكة، ثمّ وَدع البيت وانصرف راجعًا إلى المدينة، ﷺ .
أخبرنا هُشيم بن بشير قال: أخبرنا حُميد الطويل أخبرني بكر بن عبد الله المُزَنى قال سمعتُ أنس بن مالك يحدّث قال: سمعتُ النّبيّ، ﷺ ، يلبّى بالحجّ والعُمرة جميعًا، قال فحدّثت بذلك ابن عمر، قال فقال ابن عمر: لبّى بالحجّ وحده، قال فلقيتُ أَنسًا فحدّثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما يعدوننا إلّا كالصبيان! سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: لَبّيك عمرةً وحجًّا معا.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء، أخبرنا محمّد بن عمرو عن يحيَى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله، ﷺ ،
стр. 639
على ثلاثة أنواع: منّا من قَرَنَ بين عُمرةٍ وحجّ، ومنّا مَن أهَلّ بالحجّ، ومنّا من أهَلّ بعُمرةٍ، فأمّا مَن قرن بين عمرة وحجّ فإنّه لا يحلّ حتى يقضى المناسك كلّها، وأمّا من أهلّ بحجّ فإنّه لا يحلّ ممّا حرُم عليه حتى يقضى المناسك، ومَن أهلّ بعُمرة فإنّه إذا طاف وسعى حَلّ من كلّ شئ حتى يستقبل الحجّ.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتادة عن أنس: أنّ النّبيّ، ﷺ ، صرّح بهما جميعًا.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا حُميد عن أنس قال: لبّى رسول الله، ﷺ ، بعمرة وحجّة.
أخبرنا عفّان بن مُسْلِم، أخبرنا وُهيب، أخبرنا أيوب عن أبي قِلابة عن أنس قال: صلّى رسول الله، ﷺ ، الظهر بالمدينة أربعًا ثمّ صلّى العصر بذى الحُليفة ركعتين وبات بها حتى أصبح، فلمّا انبعثت به راحلته سبّح وكبّر حتى استوت به على البَيْداء، قال: فلمّا قدِمنا مكّة أمرهم رسول الله، ﷺ ، أن يحلّوا، فلمّا كان يوم التروية أهلّوا بالحجّ ونَحر رسول الله، ﷺ ، سبع بَدَنَات بيده قيامًا، وضحّى رسول الله، ﷺ ، بكَبْشَيْن أمْلَحَين أقرنَين.
أخبرنا عفّان، أخبرنا وُهيب، أخبرنا أيّوب عن السّدُوسى قال سمعت ابن عبّاس يقول: قدم رسول الله، ﷺ ، وأصحابه لصبح رابعة مُهلّين بالحجّ فأمرهم رسول الله، ﷺ ، أن يجعلوها عُمرةً إلّا مَن كان معه الهَدْيُ، قال: فلُبست القُمُص وسُطعت المجَامر ونُكحت النساء.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سَلمة قال: أخبرنا قيس بن سعد عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال: قدم رسول الله، ﷺ ، لأربع خلون من ذى الحجّة، فلمّا طُفنا بالبيت وبين الصّفا والمرْوَة قال رسول الله، ﷺ : اجعلوها عُمْرةً إلّا من كان معه الهَدْيُ، فلمّا كان يوم التروية أهلّوا بالحج، فلمّا كان يوم النحر طافوا ولم يطوفوا بين الصّفا والمَرْوة.
أخبرنا عَمرو بن حَكّام بن أبي الوَضّاح، أخبرنا شُعبة عن أيّوب عن أبي العالية البرّاء عن ابن عبّاس قال: أهَلّ رسول الله، ﷺ ، بالحجّ فقدم لأربع مَضَين من ذى الحجّة فصلّى بنا الصّبح بالبَطْحاء ثمّ قال: مَن شاء أن يجعلها عُمرةً فليجعلْها.
стр. 640
أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا يحيَى بن حمزة عن أبي وهب عن مَكْحول أنّه سئل: كيف حَجّ النّبيّ، ﷺ ، ومَن حَجّ معه من أصحابه؟ فقال: حجّ رسول الله، ﷺ ، ومَن حجّ معه من أصحابه معهم النساء والوِلْدان. قال مكحول: تمتّعوا بالعُمرة إلى الحجّ فحلّوا فأحلّ لهم ما يحلّ للحَلال من النساء والطّيب.
أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا يحيَى بن حمزة عن النعمان أنّ مكحولًا حدّثه أن رسول الله، ﷺ ، أَهَلّ بالعمرة والحجّ جميعًا.
أخبرنا خَلَف بن الوليد الأزْدى، أخبرنا يحيَى بن زكريّاء بن أبي زائدة، أخبرنا حجّاج عن الحسن بن سعد عن ابن عبّاس قال: أنبأنى أبو طلحة أنّ النّبيّ، ﷺ ، جَمَع بين حجّة وعمرة.
أخبرنا مَعن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن محمّد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عُروة عن عائشة أنّ النّبيّ، ﷺ ، أفرد بالحجّ.
أخبرنا مَعن بن عيسى ومُطرِّف بن عبد الله عن مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، أفرد بالحجّ.
أخبرنا مُطَرّف بن عبد الله، أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أنّ النّبيّ، ﷺ ، أفرد بالحجّ.
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا شَريك عن أبي إسحاق عن الضّحّاك عن ابن عبّاس عن النّبيّ، ﷺ ، أنّه قال: لبّيك اللهمّ لبّيك! لبّيك لا شريك لك! لبّيك إنّ الحمدَ والنّعمة لك والمُلك لا شريك لك!
أخبرنا وكيع بن الجرّاح وهاشم بن القاسم الكِنانى عن الرّبيع بن صُبيح عن يزيد بن أبَان عن أنس بن مالك قال: حجّ رسول الله، ﷺ ، على رَحْلٍ رَثّ وقطيفة. قال وكيع: يستوى أو لا يستوى أربعةَ دراهم. قال هاشم بن القاسم: أراها ثمن أربعة دراهم: فلمّا توجّه قال: اللهمّ حجّة لا رِئاءَ فيها ولا سُمْعة!
أخبرنا عبد الوهّاب بن عَطاء قال: أخبرنا هشام بن أبي عبد الله عن قَتادة عن أبي حسّان عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ، ﷺ ، أهَلّ بالحجّ عند الظّهر من ذى الحُليفة.
أخبرنا محمّد بن بكر البُرْسَانى (١)، أخبرني ابن جُريج، أخبرني جعفر بن محمّد أنّه سمع أباه محمّد بن عليّ يحدّث أنّه سمع جابر بن عبد الله يحدّث أنّ النّبيّ، ﷺ ، أهدى في حجّته مائة بدنة وأمر من كلّ بَدَنة بمُضغة فجُعلت في قدر
стр. 641
فأكلا من لحمها وشربا من مَرَقها قلت: مَن الذي أكلَ مع النّبيّ، ﷺ ، وشربَ من المَرَق؟ قال عليّ: جعفر يقوله لي، يعني عليّ بن أبي طالب أكلَ مع النّبيّ وشرب من المرق، قال: وجعفر يقوله لابن جُريج.
أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا الوليد بن مُسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن عليّ بن يزيد عن القاسم عن أبي أُمامة عَمَّن أبصر النّبيّ، ﷺ ، سائرًا إلى مِنى وبلال إلى جانبه، وبيد بلال عُودٌ عليه ثَوْبا وَشْىٍ يُظلّه من الشمس.
أخبرنا الهَيْثَم بن خارجة، أخبرنا يحيَى بن حمزة عن الأوْزَاعى عن يحيَى بن أبي كثير أنّ جبريل أتى النّبيّ، ﷺ ، فقال: ارفَعْ صوتَك بالإهلال فإنه من شعار الحجّ.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسدى عن سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي لبيد، أخبرني المطّلب بن عبد الله بن حَنْطَب عن خلّاد بن السّائب عن زيد بن خالد الحُهَنى قال: قال رسول الله، ﷺ : أتانى جبريل فقال لي: ارفعْ صوتَك بالإهلال فإنّه من شعار الحجّ.
أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلَد الشّيبانى، أخبرنا ابن جُريج عن يحيَى بن عُبيد عن أبيه عن عبد الله بن السائب قال: رأيتُ النّبيّ، ﷺ ، يقول بين الرّكن اليمانى والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾ [سورة البقرة: ٢٠١].
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا المسعودى، حدّثني محمّد بن عليّ عن أُسامة بن زَيد قال: صلّى رسول الله، ﷺ ، في البيت.
أخبرنا محمّد بن عمر قال: أخبرنا موسى بن محمّد بن إبراهيم عن أبيه عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن عن أُسامة بن زَيد وأخبرنى محمّد بن عمر قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزّهريّ عن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: أنّ رسول الله، ﷺ ، صلّى في الكعبة ركعتين.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى قَيس عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أُميّة قال: سألتُ عمر كيف صنع رسول الله، ﷺ ، في البيت؟ قال: صلّى ركعتين.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثنى هشام بن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: دَخَل رسول الله، ﷺ ، البيت هو وبلال. وقال ابن عمر: فسألت بلالًا صلّى رسول الله، ﷺ ، فيه؟ قال: نعم في مقدّم البيت، بينه وبين الجدار ثلاثة أذرعٍ.
стр. 642
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني سيف بن سليمان عن مُجاهد عن ابن عمر قال: أتيتُ فقيل لي هذا رسول الله قد دخل البيت، قال: فأقبلت فوجدته قد خرَج ووجدتُ بلالًا قائمًا عند الباب فسألته فقال: صلّى رسول الله، ﷺ ، ركعتين.
أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا عمر بن قيس عن الوليد بن عبد الله بن أبي مُغيث قال: لمّا أراد رسول الله، ﷺ ، أن يدخل الكعبة خَلَع نَعْلَيْه.
أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا شَيبان بن عبد الرحمن عن جابر عن أبي يحيَى عن قَزَعَة عن عائشة قالت: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، يقول يومًا ودخل البيت وعليه كآبة فقلت: ما لك يا رسول الله؟ فقال: فعلتُ اليومَ أمرًا ليتنى لم أكن فعلته! دخلت البيتَ ولعلّ الرّجل من أُمّتى لا يقدر أن يدخله فينصرف وفى نفسه حَزازةٌ، وإنّما أمرْنَا بالطّواف به ولم نؤمر بالدّخول.
أخبرنا موسى بن داود، أخبرنا نافع بن عمر عن ابن أبي مُليكة: أنّ النّبيّ، ﷺ ، طاف قبل عَرفة.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني، أخبرنا شُعبة عن بُكير بن عطاء اللّيثى قال سمعت عبد الرحمن بن يَعْمَر قال: سمعتُ رسول الله، ﷺ ، بعَرَفات قال: الحجّ عرفات أو يوم عَرفة، مَن أدرك ليلة جَمْع قبل الصّبح فقد تمّ حجّه، وقال: أيّام مِنى ثلاثة فمن تعجَّل في يومين فلا إثْمَ عليه ومن تأخَّر فلا إثْمَ عليه.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شُعبة، أخبرنا عبد الله بن أبي السّفَر قال: سمعتُ الشعبيّ يحدّث عن عُروة بن مُضَرِّس بن أوس بن حارثة بن لام قال: أتيتُ النّبيّ، ﷺ ، وهو بالمُزْدلفَة فقلت يا رسول الله هل لي من حجّ؟ فقال: مَن صلّى الصّلاة معنا هاهنا وقد شهد قبل ذلك عرفاتٍ ليلًا أو نهارًا فقد تمّ حجّه وقضى تَفثَه.
أخبرنا مَعن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه قال: سُئل أسامة وأنا جالس: كيف كان رسول الله، ﷺ ، يَسير في حجّة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العَنَق، فإذا وجد فَجْوَةً نَصّ.
أخبرنا هُشيم قال: أخبرنا عبد الملك عن عطاء عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ، ﷺ ، أفاضَ من عرفات وردفه أسامة وأفاض من جَمْع وردفه الفضل بن عبّاس، قال: ولبّى حتى رَمى جَمرة العَقَبة.
стр. 643
أخبرنا محمّد بن بكر البُرْسانى قال: أخبرنا ابن جُريْج، أخبرني عطاء، أخبرني ابن عبّاس: أنّ النّبيّ، ﷺ ، أردف الفضل بن عبّاس. قال عطاء: فأخبرنى ابن عبّاس أنّ الفضل أخبره أنّ النّبيّ، ﷺ ، لم يزل يُلبّى حتى رَمى جَمْرَةَ العَقَبَة.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرني ابن جُريج عن أبي الزّبير عن أبي مَعْبَد مولى عبد الله بن عبّاس عن ابن عبّاس عن الفضل بن عبّاس: أنّ النّبيّ، ﷺ ، عشيّة عرفة وغَداةَ جَمْع حين دفعوا قال: عليكم السكينة، وهو كافّ ناقته حتى دخل مِنى حين هبط من مُحسّر فقال: عليكم بحصى الخذْف الذي ترمون به الجمرة، وأشار النّبيّ، ﷺ ، كما يخذف الإنسان.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن جُريج عن أبي الزّبير عن جابر بن عبد الله قال: رأيت النّبيّ، ﷺ ، يرمى بمثل حَصَى الخذْف.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء، أخبرنا عوف عن زياد بن حُصين عن أبي العالية الرّياحى، أخبرنا عبد الله بن عبّاس قال: قال لي رسول الله، ﷺ ، غداةَ العقبة: الْقُطْ لي، فَلَقَطتُ له حصى الخَذْف فلمّا وضعتهنّ في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإيّاكم والغُلُوّ إنما هَلَك من كان قبلكم بالغُلُوّ في الدّين!
وأخبرنا محمّد بن بكر البُرْسانى وعبد الوهّاب بن عطاء عن ابن جُريج قال: وأخبرنى أبو الزّبير أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان النّبيّ، ﷺ ، يرمى يوم النحر ضُحًى وأمّا ما بعد ذلك فبعد زوال الشّمس.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا ابن جُريج، أخبرني أبو الزّبير أنّه سمع جابر بن عبد الله يقول: رأيت النّبيّ، ﷺ ، يرمى على راحلته يوم النحر ويقول لنا خُذوا مَنَاسككم، فإنّى لا أدرى لعلّى لا أحجّ بعد حجّتى هذه.
أخبرني مطرّف بن عبد الله اليَسارى، أخبرنا الزّنجى بن خالد عن جعفر بن محمّد عن أبيه: أنّ نبيّ الله، ﷺ ، كان يرمى الجمار ماشيًا ذاهبًا وراجعًا.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا همّام عن الحجّاج عن الحَكَم عن مِقْسَم عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ، ﷺ ، نَحَر ثمّ حَلَق.
أخبرنا محمّد بن بكر البُرْسانى، أخبرنا ابن جُريج، أخبرني موسى بن عقبة عن نافع أنّ ابن عمر أخبره أنّ النّبيّ، ﷺ ، حلق رأسه في حجّة الوداع.
стр. 644
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أخبرنا زُهير، أخبرنا موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: أنّ رسول الله، ﷺ ، حلق رأسه فى حجّة الوداع.
أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: لقد رأيت رسول الله، ﷺ ، والحلّاق يحلقه وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن تَقع شَعرةٌ إلّا في يد رجلٍ.
أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جُريج، أخبرني ابن شهاب أنّ النّبيّ، ﷺ ، أفاض يوم النحر فغدا غُدُوًّا قبل أن تزول الشمس ثم رجع فصلّى الصلوات بمنى: قال ابن جُريج وقال عطاء: ومن أفاض فليصلّ الظهر بمنى، قال: وإنّى لأصلّى الظّهْرَ بمنى قبل أن أفيض والعصر بالطريق وكلّ ذلك أصنع.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء عن ابن جريج، أخبرني هشام بن حُجير وغيره عن طاوس قال: أمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه أن يفيضوا نهارًا وأفاض في نسائه ليلًا وطاف بالبيت على ناقته ثمّ جاء زمزم فقال ناوِلُونى، فَنُووِلَ دَلْوًا فشرب منها ثمّ مَضْمَضَ فمجّ في الدلو ثمّ أمر به فأفرغ في البئر، يعني زمزم.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء عن ابن جُريج، أخبرني عمرو بن مسلم أنّ طاوسًا حدّثهم: أنّ النّبيّ، ﷺ ، طاف على راحلته.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء عن ابن جُريج، أخبرني هشام بن حُجير أنّه سمع طاوسًا يزعم: أنّ النّبيّ، ﷺ ، أتى زمزم فقال نَاوِلُونى، فنُوول دلوًا فشرب منها ثمّ مضمض في الدلو ثمّ أمر بماء في الدلو فأفرغ في البئر، ثمّ مشى إلى السقاية سقاية النبيذ ليشرب فقال ابن عبّاس للعبّاس: إنّ هذا ساطتْه الأيدى منذ اليوم وفى البيت شراب صافٍ، فأبى النّبيّ أن يشرب إلّا منه فشرب منه، قال: وكان طاوس يقول الشّرب من النبيذ من تمام الحجّ.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن جُريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه: أنّ رسول الله، ﷺ ، شرب من النبيذ ومن زمزم وقال: لولا أن تكون سُنَّةً لنزعتُ.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء عن ابن جُريج قال: أخبرنا حسين بن عبد الله أنّ رجلًا نادى ابن عبّاس والنّاس حوله: أسُنّةً تبتغون بهذا النبيذ أم هو أهون عليكم من العسل واللبن؟ فقال ابن عبّاس: أتى النّبيّ، ﷺ ، ومعه أصحابه من
стр. 645
المهاجرين والأنصار بعساس فيها النبيذ، فلمّا شرب، ﷺ ، عجل قبل أن يروى فرفع رأسه فقال: أحسنتم هكذا اصنعوا! قال ابن عبّاس: فرِضاء رسول الله، ﷺ ، في ذلك أحبّ إليّ من أن تَسيل شعابها علينا عَسَلًا ولبنًا.
أخبرنا عبد الوهّاب عن ابن جُريج عن عَطاء: أن النّبيّ، ﷺ ، لمّا أفاضَ نزع لنفسه بالدلو لم يَنْزع معه أحدٌ فشرب ثمّ أفرغ ما بقى في الدلو في البئر وقال: لولا أن يغلبكَم النّاس على سقايتكم لم ينزع منها أحد غيرى، قال: فنزع هو نفسه الدّلو التي شرب منها لم يُعنْه على نزعها أحدٌ.
أخبرنا الحسن بن موسى الأشْيب، حدّثنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق، حدّثني حارثة بن وهب الخزاعى، وكانت أمّه تحت عُمر، قال: صلّيت خلف رسول الله، ﷺ ، بمنى والنّاس أكثر ما كانوا فصلّى بنا رسول الله، ﷺ ، ركعتين في حجة الوداع.
أخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتادة عن شَهْر بن حَوْشَب عن عبد الرحمن بن غَنم عن عمرو بن خارجة قال: خَطَبنا رسول الله، ﷺ ، بمنى وإنّى لتحتَ جران ناقته وهي تَقْصَعُ بجرّتها وإنّ لُعابَها لَيسيل بين كَتفيّ فقال: إنّ الله قسم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث فلا تَجوز لوارث وصيّة، ألا وإنّ الوَلَدَ للفراش وللعاهر الحَجَر! ألا ومَن ادّعى إلى غير أبيه أو تولّى غير مَواليه رغبةً عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين!
أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقى، أخبرنا الوليد بن مسلم، أخبرنا هشام بن الغازِ، أخبرني نافع عن ابن عمر: أنّ النّبيّ، ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجّة التي حجّ فقال للنّاس: أيّ يوم هذا؟ فقالوا: يوم النحر: قال: فأيّ بلد هذا؟ قالوا: البلد الحرام: قال: فأيّ شهر هذا؟ قالوا: الشهر الحرام: فقال: هذا يوم الحجّ الأكبر! فدماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحُرمة هذا البلد في هذا الشهر في هذا اليوم، ثمّ قال: هل بَلّغْتُ؟ قالوا: نعمْ! فطفق رسول الله، ﷺ ، يقول: اللهمّ اشهد! ثمّ ودّع النّاس فقالوا: هذه حجّة الوداع.
أخبرنا خلف بن الوليد الأزدى، أخبرنا يحيَى بن زكريّاء بن أبي زائدة،
стр. 646
حدّثني أبو مالك الأشْجعى، حدّثني نُبَيط بن شَريط الأشجَعى قال: إنّى لَرَديفُ أبي في حجّة الوداع إذ تكلّم النّبيّ ﷺ ، فقمتُ على عَجُز الراحلة ووضعت رجليَّ على عاتقَى أبي، قال فسمعته يقول: أيّ يوم أحرَم؟ قالوا: هذا اليوم! قال: فأى شهر أحرم؟ قالوا: هذا الشهر! قال: فأيّ بلد أحرَم؟ قالوا: هذا البلد! قال: فإنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، هل بلّغتُ،! قالوا: اللهمّ نعم! قال: اللهمّ اشهدْ، اللهمّ اشهدْ، اللهمّ اشهدْ!
أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا ربيعة بن كلثوم بن جَبْر، حدّثني أبي عن أبي غادِيَة رجل من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال: خطبنا رسول الله، ﷺ يوم العقبة قال: يا أيها النّاس إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلّغتُ؟ قال قلنا: نعم! قال: اللهمّ اشهدْ! ألا لا تَرْجعُنّ بعدى كُفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض.
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن أبي إسحاق، حدّثني يحيَى بن أمّ الحُصين والعَيْزَار بن الحُريث عن أُمّ الحُصين قالت:
رأيت رسول الله، ﷺ ، عشية عَرَفة على بعير قائلًا بردائه هكذا، وأشار أبو بكر، ألْقاه على عضده الأيسر من تحت عضده وأخرج عضدَه الأيمن، قالت فسمعته يقول: يا أيها النّاس اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عَبْدٌ حَبَشِيّ مُجَدَّعٌ أقام فيكم كتاب الله.
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سَلمة بن نُبيط عن أبيه قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، يخطب يوم عرفة على جمل أحمر.
أخبرنا عبد الله بن عَمْرو، أبو معمر المنْقرى، حدثنى عبد الوارث بن سعيد مولى بني العَنْبَر، أخبرنا حُمَيْد بن قيس المكّى عن محمّد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن معاذ التيمى قال وكان من أصحاب رسول الله، ﷺ ، قال: خطبنا رسول الله، ﷺ ، ونحن بمنى، قال ففُتحت أسماعنا حتى إن كنّا لنَسمع ما يقول ونحن في منازلنا، قال فَطفق يعلّمهم مناسكَهم حتى بلغ الجمار فقال بحَصَى
стр. 647
الخَذْف، ووضع إصبعيه السبّابتين إحداهما على الأخرى، ثمّ أمر المهاجرين أن ينزلوا في مُقدّم المسجد وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد ثمّ نزل الناس بعدُ.
وأخبرنا محمّد بن عبد الله الأسدى، أخبرنا سفيان عن عاصم بن عُبيد الله عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ ، في حجّة الوداع: أرِقّاءكم أرِقّاءَكم! أطْعمُوهم ممّا تأكلون واكسوهم ممّا تلبسون! وإن جاءوا بذنب لا تُريدون أن تَغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذّبوهم.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عِكْرِمة بن عمّار، حدّثني الهِرْماس بن زياد الباهلى قال: كنت رِدْفَ أبي يوم الأضْحى ونبيّ الله يخطب النّاس على ناقته بمنى.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، أخبرنا عِكرمة بن عمّار، أخبرنا الهِرْماس بن زياد قال: انصرف رسول الله، ﷺ ، وأبي مُرْدِفي وراءه على جمل له وأنا صبيّ صغير، فرأيت النّبيّ، ﷺ ، يخطب النّاس على ناقته العَضْبَاء يوم الأضحى بمنى.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدى عن أيوب عن محمّد عن أبي بَكْرة: أنّ النّبيّ، ﷺ ، خطب فى حجّته فقال: ألا إنّ الزمان قد استَدارَ كهيئته يوم خَلَق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعةٌ حُرم ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان، ثمّ قال: أيّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكَت حتى ظننّا أنّه سيسمّيه بغير اسمه فقال: أليس اليوم النّحر؟ قلنا: بلى! قال: أيّ شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلمُ! قال: فسكت حتى ظننّا أنّه سيسمّيه بغير اسمه قال: أليس ذا الحجّة؟ قلنا: بلى! قال: أيّ بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننّا أنّه سيسمّيه بغير اسمه قال: أليست البلدة الحرام؟ قلنا: بلى! قال: فإنّ دماءكم وأموالكم، قال وأحسبه قال وأعراضَكم، عليكم حرام كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وستَلْقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم! ألا لا ترجعُنّ بعدى ضُلّالًا يضرب بعضكم رقاب بعض! ألا هل بلّغتُ؟ ألا ليبلّغ الشّاهدُ منكم الغائبَ فلعلّ بعضَ من يبلّغه أن يكون أوْعَى له من بعض من سمعه! ألا هل بلّغتُ؟
قال محمّد: قد كان ذاك، قد كان بعض من بلغه أوْعَى له من بعض مَن سمعه.
أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسي، أخبرنا أبو عَوانة عن أبي بشر عن مجاهد
стр. 648
قال: حجّ أبو بكر ونادى عليّ بالأذان في ذى القعدة قال فكانت الجاهليّة يحجّون في كلّ شهر من شهور السنة عامَين فوافق حجّ نبيّ الله. ﷺ ، في ذى الحجّة فقال: هذا يومٌ استدار الزمان كهيئته يوم خلَق الله السماوات والأرض.
قال أبو بشر: إنّ النّاسَ لمّا تركوا الحقّ نَسَئُوا الشهور.
أخبرنا يزيد بن هارون ومَعن بن عيسى قالا: أخبرنا ابن أبي ذِئْب عن الزّهرى: أنّ رسول الله، ﷺ ، بعثَ عبد الله بن حُذافة على راحلته ينهى عن صيام أيام التشريق وقال: إنّهنّ أيّام أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله.
قال معن في حديثه: فانتهى المسلمون عن صَومهنّ.
أخبرنا عُبيد الله بن موسى العَبْسى، أخبرنا إسرائيل عن جابر عن محمّد بن عليّ عن بُديل بن وَرْقاء قال: أمرنى رسول الله، ﷺ ، أيّام التشريق أن أنادى: هذه أيّام أكلٍ وشرب فلا يصومهنّ أحد.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسَدى عن محمّد بن إسحاق عن حَكيم بن حَكيم عن مسعود بن الحَكَم الزُّرَقى عن أمّه قالت: لكأنّى أنظر إلى عليّ على بَغْلَة رسول الله، ﷺ ، البيضاء حين وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيّها النّاس إنّها ليست بأيّام صيام إنّما هي أيّام أكل وشرب وذكرٍ.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسَدى عن ابن جُرَيج، أخبرني عطاء عن جابر بن عبد الله قال: أهللنا أصحاب النّبيّ بالحجّ خالصًا ليس معه غيره خالصًا وحده، فقدِمنا مكّة صُبْحَ رابعةٍ مضت من ذى الحجّة فأمرنا النّبيّ، ﷺ ، أن نُحلّ ققال: أحلّوا واجعلوها عُمْرةً، فبلغه أنّا نقول لمّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس أمَرَنا أن نُحلَّ فنروح إلى مِنى ومَذاكيرُنَا تقطُرُ من المَنيّ: فقام النّبيّ، ﷺ ، فخطبنا فقال: قد بلَغنى الذي قُلتم، وإنّى لأبَرّكم وأتْقاكُم، ولوْلا الهَدْىُ لأحللت، ولو كنتُ استقبلت من أمرى ما استدبرتُ ما أهديتُ. قال: وقدِم عليّ من اليمن فقال له: بمَ أهللتَ؟ قال: بما أهلّ به النّبيّ: قال: فأهدِ وامكث حرامًا كما أنتَ: قال وقال له سُراقة: يا رسول الله أرأيت عُمْرَتنا هذه أهى لعامنا هذا أو للأَبَد؟ قال: بل للأبَد، قال إسماعيل هذا أو نحوه.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يحيَى بن أبي إسحاق عن أنس بن مالك قال: سمعت النّبيّ، ﷺ ، يقول: لبّيك عمرةً وحجًّا!
стр. 649
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن حُميد عن أنس بن مالك قال: سمعت النّبيّ، ﷺ ، يقول: لبّيك بعمرةٍ وحجّ!
وأخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند عن الشّعْبى قال: نَزَلتْ على النبيّ، ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٣]: قال: نزلت وهو واقفٌ بعرفة حين وقف موقف إبراهيم واضمحَلّ الشّرْكُ وهُدمت منار الجاهليّة ولم يطُف بالبيت عُرْيانٌ.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا ليث -يعني ابن أبي سُليم- عن طاوس عن ابن عبّاس أنّ رسول الله، ﷺ ، لبّى حتَّى رمى الجمرة يوم النّحر.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال: صدرت مع ابن عمر يوم الصّدر فمرّت بنا رُفْقَةٌ يمانِية رِحالُهُم الأدم وخُطُم إبلهم الجُرُر، فقال عبد الله: من أحبّ أن ينظر إلى رفقة وردت الحجّ العامَ برسول الله، ﷺ ، وأصحابه إذ قدموا في حجّة الوداع فلينظر إلى هذه الرّفقة.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسدى وقَبيصة بن عُقْبة قالا: أخبرنا سفيان عن ليث عن طاوس عن ابن عبّاس أنّه كره أن يقول حجّة الوداع، قال: فقلت حجّة الإسلام، قال: نعم حجّة الإسلام.
أخبرنا الفضل بن دُكين عن سفيان بن عُيينة عن إبراهيم بن مَيْسَرَة قال: كان طاوس يكره أن يقول حجّة الوداع ويقول حجّة الإسلام.
أخبرنا الضّحّاك بن مَخْلَد الشّيبانى عن ابن جُرَيج، أخبرني إسماعيل بن محمّد بن سعد عن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف عن السّائب بن يزيد بن أخت نمر عن العَلاء بن الحَضْرَمى قال: قال رسول الله، ﷺ : يمكث المُهاجر بعد قَضاء نُسكه ثلاثًا.
أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطّيالِسى وعمرو بن عاصم الكِلابى قالا: أخبرنا هَمّام، أخبرنا قَتادة قال قُلتُ لأنس: كم حجّة حجّ النّبيّ، ﷺ ؟ قال: حجّة واحدة.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأسَدى، أخبرنا سفيان عن ابن جُريج عن مُجاهد قال: حجّ رسول الله، ﷺ ، حَجّتين قبل أن يهاجر وبعدما هاجر حجّة.
стр. 650
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسَدى قال: أخبرنا ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن أمّ المؤمنين وعن القاسم عن أمّ المؤمنين قالا: قالت عائشة يا رسول الله يصدر النّاس بنُسكين وأصدر بنسكٍ واحدٍ! قال: انظرى فإذا طَهَرْتِ فاخرجى إلى التّنْعِيم فأهِلّى منه ثمّ القينا بجبل كذا وكذا، قال: أظنّه قال كذا ولكنّها على قدر نَصَبك أو قال قدر نَفَقَتِك أو كما قال رسول الله، ﷺ .
* * *
سريّة أُسامة بن زَيد بن حارثة (١)
ثمّ سريّة أُسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أُبْنى، وهي أرض السّراة ناحيةَ البَلْقاء.
قالوا: لمّا كان يوم الاثنين لأربع ليالٍ بقين من صَفَر سنة إحدى عشرة من مُهاجَر رسول الله، ﷺ ، أمر رسول الله، ﷺ ، النّاس بالتهيؤ لغزو الروم، فلمّا كان من الغَدِ دعا أسامةَ بن زيد فقال: سِرْ إلى موضع مَقْتل أبيك فأوْطِئْهم الخيلَ فقد ولّيتك هذا الجيش فأغِرْ صباحًا على أهل أُبْنَى (٢) وحَرّقْ عليهم وأسْرِع السير تَسْبِق الأخبار، فإن ظَفّرك الله فأقلِلِ اللّبْثَ فيهم وخُذْ معك الأدِلّاء وقدّم العيون والطّلائع أمامك. فلمّا كان يوم الأربعاء بُدئ برسول الله، ﷺ ، فحُمّ وصُدّع، فلمّا أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءً بيده ثمّ قال: اغزُ بسم الله في سبيل الله فقاتِل مَن كفرَ بالله! فخرج بلوائه معقودًا فدفعه إلى بُريدة بن الحُصيب الأسْلَمى وعسكر بالجُرْف فلم يبق أحدٌ من وجوه المهاجرين الأوّلين والأنصار إلّا انتدب في تلك الغزوة فيهم أبو بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب وأبو عُبيدة بن الجرّاح وسعد بن أبي وقّاص وسعيد بن زيد وقَتادة بن النّعمان وسلمة بن أسلم بن حَرِيش، فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلامَ على المهاجرين الأولين! فغضب رسول الله، ﷺ ، غَضَبًا شديدًا فخرج وقد عصب على رأسه عصابةً وعليه قطيفةٌ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد أيّها النّاس فما مقالةٌ بَلَغَتْنى عن
стр. 651
بعضكم في تأميرى أسامة، ولئن طعنتم في إمارتى أُسامةَ لقد طعنتم في إمارتى أباه من قبله! وايم الله إن كان للإمارة لخَليقًا وإنّ ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحبّ النّاس إلى، وإنّهما لمخَيلان لكلّ خير، واستوصوا به خيرًا فإنّه من خياركم! ثمّ نزل فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول، وجاء المُسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودّعون رسول الله، ﷺ ، ويمضون إلى العسكر بالجُرْف، وثقُل رسول الله، ﷺ ، فجعل يقول: أنْفِذوا بَحْثَ أُسامة! فلمّا كان يوم الأحد اشتدّ برسول الله، ﷺ ، وَجعه فدخل أسامة من مُعَسْكَره والنّبيّ مغمور، وهو اليوم الذي لدّوه (١) فيه، فَطَأطَأَ أسامة فقبّله ورسول الله، ﷺ ، لا يتكلّم فجعل يرفع يديه إلى السّماء ثمّ يضعها على أسامة، قال: فعرفتُ أنّه يدعو لي.
ورجع أسامة إلى مُعَسْكَره ثمّ دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله، ﷺ ، مفيقًا، صلوات الله عليه وبركاته، فقال له: اغدُ على بركة الله! فودّعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر النّاس بالرحيل: فبينا هو يريد الرّكوب إذا رسول أمّه أمّ أَيْمَن قد جاءه يقول: إنّ رسول الله يموت! فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عُبيدة فانتهوا إلى رسول الله، ﷺ ، وهو يموت فتُوفى، صلّى الله عليه صلاة يُحبّها ويرضاها، حين زَاغَت الشمس يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خَلَت من شهر ربيع الأول.
ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجُرْف إلى المدينة ودخل بُريدة بن الحُصيب بلواء أسامة معقودًا حتى أتى به باب رسول ﷺ ، فَغَرَزَه عنده، فلمّا بُويع لأبى بكر أمر بُريدة بن الحُصيب باللّواء إلى بيت أسامة ليمضى لوجهه، فمضى به بُريدة إلى معسكرهم الأوّل، فلمّا ارتدّت العرب كلّم أبو بكر في حَبس أُسامة فأبَى، وكلّم أبو بكر أسامة في عمر أن يأذن له في التخلّف ففعل. فلمّا كان هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة خرج أسامة فسار إلى أهل أُبْنَى عشرين ليلةً فشنّ عليهم الغارة، وكان شعارهم: يا منصور أمِتْ! فقتل من أشرف له وسَبَى مَن قَدَر عليه وحرّق في طوائفها بالنّار وحرّق منازلهم وحُروثَهم ونَخْلهم فصارت أعاصير
стр. 652
من الدّخاخين وأجالَ الخيلَ في عَرَصَاتهم وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سَبْحة وقتل قاتِلَ أبيه في الغارة وأسهم للفرس سهمَين ولصاحبه سهمًا وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلمّا أمسَى أمر النّاس بالرّحيلِ ثمّ أغَذّ السّيْرَ فوردوا وادى القُرى في تسعِ ليال، ثمّ بعث بشيرًا إلى المدينة يخبر بسلامتهم، ثمّ قصد بعدُ في السّير فسار إلى المدينة ستًّا وما أصيب من المسلمين أحدٌ، وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقّونهم سرورًا بسلامتهم ودخل على فرس أبيه سَبْحة واللّواءُ أمامه يحمله بُريدة بن الحُصيب حتى انتهى إلى المسجد فدخل فصلّى ركعتين ثمّ انصرف إلى بيته. وبلغ هِرقل وهو بحِمْص ما صنع أسامة فبعث رابصةً يكونون بالبَلْقاء، فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشأم في خلافة أبي بكر وعمر.
* * *
ذكر ما قرب لرسول الله، ﷺ ، من أَجَله
أخبرنا عفّان بن مسلم عن شُعبة وأخبرنا عُبيد الله بن موسى العبسى عن إسرائيل بن يونس جميعًا عن أبي إسحاق قال: سمعت أبا عُبيدة بن عبد الله يخبر عن أبيه قال: كان النبيّ، ﷺ ، يكثر أن يقول: سبحانَك اللهمّ وبحمدك اللهمّ اغفر لي! فلمّا نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال: سبحانَك اللهمّ وبحمدك اللهمّ اغفر لي إنّك أنت التّوّاب الرّحيم.
أخبرنا هَوْذة بن خليفة، أخبرنا عوْف عن الحسن قال: لمّا أُنْزِل على النّبيّ، ﷺ : ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر: ١ - ٣] قال: قرب لرسول الله، ﷺ ، أجَلُه وأُمر بكثرة التسبيح والاستغفار.
أخبرنا قَبيصة بن عقبة، أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عون عن سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [سورة النصر: ١] قال: داعٍ من الله ووداعٌ من الدّنيا.
стр. 653
وأخبرنا نصر بن باب عن داود بن أبي هند عن عامر عن مسروق عن عائشة أنّها قالت: كان رسول الله، ﷺ ، في آخِر عمره يكثر من قوله: سبحان الله وبحمده استغفرُ الله وأتوب إليه! قالت: فقلت يا رسول الله إنّك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفرُ الله وأتوب إليه ما لم تكن تفعله قبل اليوم، قالت فقال: إنّ ربّى كان أخبرني بعلامة في أُمّتى فقال إذا رأيتَها فسبّحْ بحمدِ ربك واستغفِرْه، فقد رأيتهما ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، إلى آخر السورة.
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا عبّاد بن العوّام عن هلال -يعني ابن خبّاب- عن عِكرمة عن ابن عبّاس قال: لمّا نزلت إذا جاء نصر الله والفتح دعا رسول الله، ﷺ ، فاطمةَ فقال: إنّى نُعِيَتْ إليّ نفسى! قالت: فبكيتُ، فقال: لا تبكى فإنّكِ أوّل أهلى بي لحوقًا، فضَحِكتُ وقال رسول الله، ﷺ : إذا جاء نصرُ الله والفتح وجاءَ أهل اليَمَن هم أرقّ أفئِدةٍ والإيمانُ يمانٍ والحِكْمةُ يمانية.
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهري عن أبيه عن صالح بن كَيْسان عن ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك: أنّ الله، ﵎، تابع الوحيَ على رسول الله، ﷺ ، قبل وفاته حتى توفّى، وأكثر ما كان الوحيُ في يوم توفّى رسول الله، ﷺ .
أخبرنا المعلّى بن أسَد، أخبرنا وُهيب عن أيوب عن عِكرمة قال: قال العبّاس لأعلمنّ ما بقاءُ رسولِ الله فينا، فقال له: يا رسول الله لو اتخذتَ عرشًا فإنّ النّاس قد آخَوْكَ، قال: واللهِ لا أزال بين ظَهْرَانَيهم ينازعونى ردائى ويُصيبنى غُبارُهم حتى يكون الله يُريحنى منهم! قال العبّاس: فعرفنا أن بقاء رسول الله فينا قليلٌ.
أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن الدّمشقي، أخبرنا شعيب بن إسحاق والوليد بن مسلم وأخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا بِشْر بن بكر قالوا: أخبرنا الأوْزاعي وحدّثنى ربيعة بن يزيد سمعت واثلة بن الأسقع قال: خرج علينا رسول الله، ﷺ ، فقال: أتزعمون أنّى من آخِركم وفاةً؟ ألا وإنّى من أوّلكم وفاة وتتّبعونى أقتادًا يهلك بعضكُم بعضًا: قال خالد بن خِداش في حديثه: أفْنَادًا.
стр. 654
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن عطاء بن السّائب عن سالم بن أبي الجعد: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: أتيتُ فيما يرى النائم بمفاتيح الدنيا ثمّ ذُهِب بنبيّكم إلى خير مذهبٍ وتُركتُم في الدنيا تأكلون الخبيص أحمرَه وأصفره وأبيضه، الأصل واحدٌ العسل والسّمن والدّقيق، ولكنّكم اتّبعتم الشّهوات.
أخبرنا يونس بن محمّد المؤدّب، أخبرنا حمّاد بن زيد عن غالب عن بكر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ : حياتى خيرٌ لكم، تحدثون ويحدث لكم، فإذا أنا متّ كانت وفاتى خيرًا لكم، تُعرض عليّ أعمالكم، فإذا رأيت خيرًا حمدتُ الله وإن رأيت شَرًّا استغفرت الله لكم.
أخبرنا هاشم بن القاسم الكنانيّ، أخبرنا محمّد بن طلحة عن الأعمش عن عطيّة عن أبي سعيد الخُدْري عن النّبيّ، ﷺ ، قال: إنّى أوشكُ أن أُدْعى فأُجيب وإنّى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعِترتى، كتابُ الله حَبْلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتى أهل بيتى، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يَرِدا عليّ الحوض، فانظروا كيف تَخْلُفُونِي فيهما.
* * *
ذكر عرض رسول الله، ﷺ ، القرآن على جبريل واعتكافه في السنة التي قبض فيها
أخبرنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي حَصين عن أبي صالح قال: كان جبريل يعرض القرآن كلّ سنةٍ مرّة على رسول الله، ﷺ ، فلمّا كان العام الذي قُبض فيه عَرضه عليه مرّتين، وكان رسول الله، ﷺ ، يعتكف فى رمضان العشرَ الأواخر، فلمّا كانت السنة التي قُبض فيها اعتكف عشرين يومًا (١).
أخبرنا يحيَى بن خُلَيف بن عقبة البصريّ وأخبرنا عبد الوهّاب بن عطاء قال: أخبرنا ابن عون عن محمّد بن سِيرين قال: كان جبريل يعرض القرآن على النّبيّ، ﷺ ، كلّ عام مرّة في رمضان، فلمّا كان العام الذي توفّى فيه عرضه عليه مرّتين، قال محمّد: فأنا أرجو أن تكون قراءتنا العرْضَةَ الأخيرة.
стр. 655
أخبرنا يعلَى بن عُبيد، أخبرنا محمّد بن إسحاق عن ابن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله، ﷺ ، يعرض الكتاب على جبريل في كلّ رمضان، فإذا أصبح النّبيّ، ﷺ ، من ليلته التي يعرض فيها ما يعرض أصبح وهو أجود من الرّيح المرسَلة لا يُسْأل شيئًا إلّا أعطاه، فلمّا كان الشهر الذي هلك بَعْدَه عرضه عليه عرضتين.
أخبرنا يحيَى بن عبّاد عن إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة عن ابن عبّاس قال: كان رسول الله، ﷺ ، أجود النّاس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حتى ينسلخ إذا لقيه جبريل يعرض عليه رسول الله، ﷺ ، القرآن فكان رسول الله، ﷺ ، أجود بالخير من الريح المرسَلة.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو معشر عن يزيد بن زياد قال: قال رسول الله، ﷺ ، في السنة التي قُبض فيها لعائشة: إنّ جبريل كان يعرض عليّ القرآن فى كلّ سنة مرّة فقد عرض عليّ العامَ مرّتين، وإنّه لم يكن نبيّ إلّا عاش نِصْفَ عُمْرِ أخيه الذي كان قَبْله، عاش عيسى بن مريم مائة وخمسًا وعشرين سنةً، وهذه اثنتان وستّون سنة، ومات في نصف السنة.
أخبرنا هاشم بن القاسم قال: أخبرنا المسعوديّ عن القاسم -يعني ابن عبد الرحمن- قال: كان جبريل ينزل على رسول الله، ﷺ ، يُقرئه القرآنَ كلّ عامٍ في رمضان مرّةً حتى إذا كان العام الذي قُبض فيه رسول الله، ﷺ ، نزل جبريل فأقرأه القرآن مرّتين: قال عبد الله: فقرأت القرآن مِن فِي رسول الله، ﷺ ، ذلك العامَ. واللهِ لو أنّى أعلم أنّ أحدًا أعلمُ بكتابِ اللهِ منّى تُبَلّغُنيه الإبل لَركبتُ إليه، واللهِ ما أعلَمُهُ.
* * *
ذكر من قال: إن اليهود سحرت رسول الله، ﷺ -
أخبرنا عفّان، أخبرنا وُهَيب، أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، سُحر له حتى كان يخَيّل إليه أنّه يصنع الشئ ولم يصنَعْه، حتى إذا كان ذات يومٍ رأيتُه يدعو فقال: أشَعَرْتِ أنّ الله قد أفتانى فيما استفتيتُهُ؟
стр. 656
أتانى رجلان فقعد أحدُهما عند رأسى والآخر عند رِجْلَيّ فقال أحدهما: ما وجعُ الرّجلِ؟ فقال الآخرُ: مطبوبٌ! فقال: مَن طبّه؟ فقال: لبيد بن الأعصم، قال: فيمَ؟ قال: في مشطٍ ومُشاطة وجُبّ طَلْعةٍ ذكرٍ! قال: فأين هو؟ قال: في ذى ذَرْوَان: قال: فانطلق رسول الله، ﷺ ، فلمّا رجع أخبر عائشة فقال: كأنّ نخلها رءوس الشياطين وكأنّ ماءَها نُقاعةُ الحِنّاء، فقلت: يا رسول الله فأخْرجْه للنّاس! قال: أمّا الله فقد شفانى وخشيتُ أن أُثَوّر على النّاس منه شرًّا (١).
أخبرنا موسى بن داود قال: أخبرنا ابن لَهِيعة عن عمر مولى غُفْرة: أنّ لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النّبيّ، ﷺ ، حتى التبس بصرُهُ وعادَه أصحابُهُ، ثمّ إنّ جبريل، ﵇، وميكائيل أخبراه فأخذه النّبيّ، ﷺ ، فاعترف فاستخرج السّحرَ من الجُبّ من تحت البئر ثمّ نزعه فحلّه فكُشِفَ عن رسول الله، ﷺ ، وعفا عنه (٢).
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني أبو مروان عن إسحاق بن عبد الله عن عمر بن الحكم قال: لمّا رجع رسول الله، ﷺ ، من الحُدَيْبية في ذى الحجّة ودخل المحرّم، جاءت رُؤساءُ يهودَ الذين بقوا بالمدينة ممّن يُظهر الإسلامَ وهو منافقٌ إلى لبيد بن الأعصم اليهوديّ، وكان حليفًا في بني زُريق، وكان ساحرًا قد علمَت ذلك يهودُ أنّه أعلمُهم بالسّحر وبالسموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحرُ منّا وقد سحَرْنا محمّدًا فسحره منّا الرجال والنساء فلم نصنع شيئًا، وأنت ترى أثره فينا وخلافَهُ دينَنا ومن قتل منّا وأجْلَى، ونحن نجعل لك على ذلك جُعْلًا على أن تسحره لنا سحرًا يَنْكَؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير على أن يسحر رسول الله، ﷺ ، فعمد إلى مشط وما يُمشط من الرّأس من الشعر فعقد فيه عُقَدًا وتفل فيه تَفْلًا وجعله في جُبّ طلعَة ذكرٍ، ثمّ انتهى به حتَّى جعله تحت أُرْعوفة البِئر فوجد رسولُ الله، ﷺ ، أمرًا أنكره حتى يخيّل إليه أنّه يفعل الشئ ولا يفعله، وأنكر بصره حتَّى دلّه الله عليه فدعا جُبير بن إياس الزُّرَقى، وقد شهد بدرًا، فدلّه على موضع في بئر ذَرْوَان تحت أرعوفة البئر فخرج جبير حتَّى استخرجه ثمّ أرسل إلى لبيد بن الأعصم فقال:
стр. 657
ما حملك على ما صنعتَ فقد دلّنى الله على سحرك وأخبرنى ما صنعتَ؟ قال: حبّ الدنانير يا أبا القاسم! قال إسحاق بن عبد الله: فأخبرتُ عبدَ الرّحمن بن كعب بن مالك بهذا الحديث فقال: إنّما سحره بناتُ أعصم أخوات لبيد، وكُنّ أسحر من لبيد وأخبث، وكان لبيد هو الذي ذهب به فأدخله تحت أرعوفة البئر، فلمّا عقدوا تلك العُقَد أنْكَر رسول الله، ﷺ ، تلك الساعةَ بصره ودسّ بناتُ أعصم إحداهنّ فدخلت على عائشة فخبّرتها عائشة أو سمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول الله، ﷺ ، من بصره ثمّ خرجت إلى أخواتها وإلى لبيد فأخبرتْهم، فقالت إحداهنّ: إن يكن نبيًّا فسيُخْبَر وإن يكُ غير ذلك فسوف يُدَلّهُه هذا السحرُ حتى يذهب عقلُه فيكون بما نال من قومنا وأهلِ ديننا، فدلّه الله عليه. قال الحارث بن قيس: يا رسول الله ألا نُهَوِّرَ البئر؟ فأعرض عنه رسول الله، ﷺ ، فهوّرَها الحارثُ بن قيس وأصحابه وكان يستعذب منها. قال: وحفروا بئرًا أخرى فأعانهم رسول الله، ﷺ ، على حفرها حين هوّروا الأخرى التي سُحر فيها حتى أنبطوا ماءَها ثمّ تهوّرت بعدُ. ويقال إنّ الذي استخرج السّحر بأمر رسول الله، ﷺ ، قيس بن مِحصن.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهرى عن ابن المسيّب وعروة بن الزّبير قالا: فكان رسول الله، ﷺ ، يقول: سحرَتْنى يهود بني زُريق.
أخبرنا عمر بن حفص عن جُوَيْبر عن الضّحّاك عن ابن عبّاس قال: مرض رسول الله، ﷺ ، وأُخّذ عن النساء وعن الطعام والشّراب فهبط عليه مَلَكان وهو بين النائم واليقظان، فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ثمّ قال أحدهما لصاحبه: ما شكوُهُ؟ قال: طُبّ! يعني سُحر. قال: ومن فَعَله؟ قال: لبيد بن أعصم اليهوديّ! قال: ففى أيّ شئ جعله؟ قال: في طلعة: قال: فأين وضعها؟ قال: في بئر ذَرْوان تحت صخرة: قال: فما شفاؤه؟ قال: تُنْزَح البئر وترفع الصّخرة وتستخرج الطلعة. وارتفع الملَكان فبعث نبيّ الله، ﷺ ، إلى عليّ، ﵁، وعمّار فأسرهما أن يأتيا الرّكيّ فيفعلا الّذى سمع، فأتياها وماؤها كأنَّه قد خُضِبَ بالحنّاء فنزحاها ثمّ رفعا الصّخرة فأخرجا طلعةً، فإذا بها إحدى عشرة عُقْدة، ونزلت هاتان السورتان: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [سورة
стр. 658
الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [سورة الناس: ١]، فجعل رسول الله، ﷺ ، كلّما قرأ آيةً انحلَّت عقدةٌ حتى انحلّت العُقَدُ وانتشر نبيّ الله، ﷺ ، للنساء والطعام والشراب.
أخبرنا موسى بن مسعود، أخبرنا سفيان الثوريّ عن الأعمش عن ثُمامة المُحَلّميّ عن زيد بن أرقم قال: عقد رجل من الأنصار، يعني للنبيّ، ﷺ ، عقدًا وكان يأمنُه ورمى به في بئر كذا وكذا، فجاء الملَكان يعودانه فقال أحدهما لصاحبه: تدرى ما به؟ عقد له فلان الأنصاري ورمى به في بئر كذا وكذا ولو أخرجه لَعُوفى، فبعثوا إلى البئر فوجدوا الماء قد اخضرّ فأخرجوه فرموا به فعُوفىَ رسول الله، ﷺ ، فما حَدَّث به ولا رُئىَ في وجهه.
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزّهريّ في ساحر أهل العهد قال: لا يُقتل، قد سَحر رسولَ الله، ﷺ ، رجلٌ من أهل الكتاب فلم يقتله.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني ابن جُريج عن عطاء قال: وحدّثنى ابن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين عن عكرمة: أنّ رسول الله، ﷺ ، عفا عنه: قال عكرمة: ثمّ كان يراه بعدَ عفوه فيُعْرِض عنه.
قال محمّد بن عمر: هذا أثبت عندنا مِمّن روى أنّ رسول الله، ﷺ ، قتله.
* * *
ذكر ما سمّ به رسول الله، ﷺ -
أخبرنا أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يقولون إنّ اليهود سَمّت رسولَ الله، ﷺ ، وسمّت أبا بكر.
أخبرنا عمر بن حفص عن مالك بن دينار عن الحسن: أنّ امرأةً يهوديّة أهدت إلى رسول الله، ﷺ ، شاةً مسمومة فأخذ منها بضعة فلاكَها في فيه ثمّ طرحها فقال لأصحابه: أمْسِكُوا فإنّ فَخِذَها تعلمنى أنّها مسمومة، ثمّ أرسل إلى اليهوديّة فقال: ما حَمَلَك على ما صنعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلم إن كنتَ صادقًا فإنّ الله سيُطلعك على ذلك، وإن كنتَ كاذبًا أرحت النّاس منك.
стр. 659
أخبرنا سعيد بن محمّد الثقفى عن محمّد بن عَمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله، ﷺ ، لا يأكل الصّدقة ويأكل الهديّة، فأهدت إليه يهوديّة شاة مقليّة، فأكل رسول الله، ﷺ ، منها هو وأصحابه فقالت: إنّى مسمومة! فقال لأصحابه: ارفعوا أيديَكم فإنّها قد أخبرتنى أنّها مسمومة، فرفعوا أيديهم فمات بشر بن البراء، فأرسل إليها رسول الله، ﷺ ، فقال: ما حَمَلَك على ما صنعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلم إن كنتَ نبيًّا لم يضررك، وإن كنتَ مَلِكًا أرحتُ النّاسَ منك! فأمر بها فقُتلت.
أخبرنا سعيد بن سُليمان، أخبرنا عبّاد بن العوّام عن هلال بن خبّاب عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنّ امرأة من يهود خَيْبَر أهدت لرسول الله، ﷺ ، شاةً مسمومة ثمّ عَلِمَ بها أنّها مسمومَة فأَرسل إليها فقال: ما حَمَلَكِ على ما صنعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلم إن كنتَ نبيًّا فسيُطلعك الله عليه، وإن كنت كاذبًا نُريح النّاسَ منك! فكان رسول الله، ﷺ ، إذا وَجَدَ شيئًا احتجم: قال: خرج مرّةً إلى مكّة، فلمّا أحرَمَ وَجَدَ شيئًا فاحتجم (١).
أخبرنا سعيد بن سليمان قال: أخبرنا عبّاد بن العوّام عن سفيان بن حسين عن الزهريّ عن سعيد بن المسيّب وأبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة مثله أو نحوه ولم يعرض لها رسول الله، ﷺ .
أخبرنا هشام أبو الوليد الطّيالسيّ، أخبرنا أبو عَوانة عن حُصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: طُبّ رسول الله، ﷺ ، فأتاه رجل فحجمه بقرْنٍ على ذُؤابَتَيه.
أخبرنا مُوسى بن داود، أخبرنا ابن لَهيعة عن عمر مولى غُفْرَة قال: أمر رسول الله، ﷺ ، بقتل المرأة التي سمّت الشّاة.
أخبرنا أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن مُرّة عن أبي الأحوص قال: قال عبد الله: لأن أحلف تسعًا أنّ رسول الله، ﷺ ، قُتل قتلًا أحبّ إليّ من أن أحلف واحدة وذلك بأنّ الله اتّخذه نبيًّا وجعله شهيدًا.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحُصين عن أبي سفيان عن أبي هُريرة، وحدّثني محمّد بن عبد الله عن الزّهري
стр. 660
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله، وحدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن يونس بن يوسف عن سعيد بن المسيّب، وحدّثني عمر بن عُقبة عن شُعبة عن ابن عبّاس، زاد بعضهم على بعض، قالوا: لمّا فتح رسول الله، ﷺ ، خيبر واطمأنّ جعلت زينبُ بنت الحارث أخي مَرْحَب، وهي امرأة سَلّام بن مِشْكَم، تسأل: أي الشّاة أحبّ إلى محمّد؟ فيقولون: الذراع! فعمدَتْ إلى عنزٍ لها فذبحتها وصلَتْها ثمّ عمدت إلى سمٍّ لا يُطْنى، وقد شاورت يهودَ في سموم، فأجمعوا لها على هذا السمّ بعينه، فسمّت الشّاة وأكثرت فى الذراعَين والكتف، فلمّا غابت الشّمس وصلّى رسول الله، ﷺ ، المغرب بالنّاس انصرف وهي جالسة عند رجليه، فسأل عنها فقالت: يا أبا القاسم هديّة أهديتها لك! فأمر بها النّبيّ، ﷺ ، فأُخذت منها فوُضعت بين يديه وأصحابُه حُضُور أوْ مَن حَضَرَ منهم، وفيهم بشْر بن البراء بن مَعْرُور، فقال رسول الله، ﷺ : ادنوا فتعشّوا! وتناول رسول الله، ﷺ ، الذّراع فانتهش منها وتناول بشر بن البراء عَظْمًا آخر فانتهش منه، فلمّا ازدرد رسول الله، ﷺ ، لُقْمَتَه ازدرد بشر بن البراء ما في فيه وأكل القومُ منها، فقال رسول الله، ﷺ : ارفعوا أيديكم فإنّ هذه الذراع، وقال بعضهم فإنّ كتف الشاة، تُخبرنى أنّها مسمومة! فقال بشر: والّذى أكرمك لقد وجدتُ ذلك من أُكْلتى التي أكلتُ حين التقمتُها فما منعنى أن ألفظها إلّا أنّى كرهت أن أُبْغِض إليك طعامَك، فلمّا أكلتُ ما في فيك لم أرغب بنفسى عن نفسك ورجوتُ أن لا تكون ازدردتَها وفيها بَغْىٌ! فلم يقُم بشر من مكانه حتى عادَ لونُه كالطّيلسان وماطله وجعُه سمنةً لا يتحوّل إلّا ما حُوّلَ ثمّ ماتَ: وقال بعضهم: فلمْ يَرِمْ بشر من مكانه حتى توفّى: قال: وطُرح منها لكلبٍ فأكل فلم يَتْبَعْ يَدَه حتى مات: فدعا رسول الله زينب بنت الحارث فقال: ما حمَلَكِ على ما صَنعتِ؟ فقالت: نلتَ من قومى ما نلت! قتلتَ أبي وعمّى وزوجى فقلتُ إن كان نبيًّا فستُخبره الذّراعُ، وقال بعضهم وإن كان مَلِكًا استرحنا منه ورجعت اليهوديّة كما كانت: قال: فدفعها رسول الله، ﷺ ، إلى وُلاة بشر بن البراء فقتلوها، وهو الثبت، واحتجم رسول الله، ﷺ ، على كاهله من أجل الذي أكل، حَجَمَه أبو هند بالقرْن والشّفْرة، وأمر رسول الله، ﷺ ، أصحابه فاحتجموا أوْساط رءُوسهم وعاش رسول الله، ﷺ ، بعد ذلك ثلاث
стр. 661
سنين حتى كان وجعه الذي قُبض فيه جعل يقول في مرضه: ما زلت أجِدُ من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عِدادًا حتى كان هذا أوَانَ انقطاع أبْهرى، وهو عِرْق في الظّهر، وتوفّى رسول الله، ﷺ ، شهيدًا، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته ورضوانه.
* * *
ذكر خروج رسول الله، ﷺ ، إلى البقيع واستغفاره لأهله والشهداء
أخبرنا معن بن عيسى، أخبرنا مالك بن أنس عن ابن أبي علقمة عن أُمّه أنّها قالت: سمعت عائشة تقول: قام رسول الله، ﷺ ، ذات ليلة فلبس ثيابه ثمّ خرج، فأمرتُ خادمتى بَريرَةَ فتبعتْه، حتى إذا جاء البقيعَ وقف في أدناه ما شاء الله أن يقف، ثم انصرف فسبقته بريرة فأخبرتني فلم أذكر له شيئًا حتى أصبح ثمّ ذكرت ذلك له فقال: إنّى بُعِثْتُ إلى أهل البقيع لأصلّى عليهم (١).
أخبرنا نوح بن يزيد المؤدّب ومحمّد بن الصّبّاح قال: أخبرنا شريك عن عاصم بن عُبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن عائشة قالت: فقدتُ النّبيّ، ﷺ من اللّيل فتبعتُه فإذا هو بالبقيع فقال: السّلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين! أنتم لنا فَرَط: وإنّا بكم لاحقون! اللهمّ لا تحرمنا أجرَهم ولا تَفْتنَّا بعدهم! قالت: ثمّ التفَتَ إليّ فقال: ويحها لو تستطيع ما فعلَتْ! (٢).
أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا إسماعيل بن جعفر المدنيّ، وأخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد الدّراوَرْدى جميعًا عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، كُلما كان ليلتها من رسول الله، ﷺ ، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دارَ قوم مؤمنين! إيّانا وإيّاكم ما توعدون وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون! اللهمّ اغفر لأهل بقيع الغَرْقد.
أخبرنا محمّد بن عمر، حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرّحمن المخزوميّ عن
стр. 662
أبيه عن عائشة قالت: وثب رسول الله، ﷺ ، من مَضجعه من جوف الليل فقلتُ: أين بأبي أنت وأمّي يا رسول الله؟ قال: أُمِرتُ أن أستغفر لأهل البقيع. قالت: فخرج رسول الله، ﷺ ، وخرج معه مولاه أبو رافع، فكان أبو رافع يُحدّث قال: استغفر رسول الله، ﷺ ، لهم طويلًا ثمّ انصرف وجعل يقول: يا أبا رافع إنِّي قد خُيّرتُ بين خزائن الدنيا والخُلْد ثمّ الجنّة وبين لقاء ربّي والجنّة، فاخترتُ لقاء ربّى! (١)
أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إسحاق بن يحيَى بن طلحة عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جدّه عن أبي مُويهبة مولى رسول الله، ﷺ ، قال: قال رسول الله، ﷺ ، من جوف الليل: يا أبا مُويهبة إنّى قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلقْ معي! فخرج وخرجتُ معه حتى جاءَ البقيعَ فاستغفر لأهله طويلًا ثمّ قال: لِيَهْنِئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح النّاس فيه! أقبلَت الفِتَنُ كقِطَع اللّيل المظلِم يتبع بعضها بعضًا يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الأولى! ثمّ قال: يا أبا مُويهبة إنّى قد أُعطيتُ خزائنَ الدّنْيا والخُلد ثمّ الجنّة فخُيّرتُ بين ذلك وبين لقاء ربي والجنّة، فقلت: بأبى أنت وأمّى فخُذْ خزائن الدنيا والخلد ثمّ الجنّة، فقال: يا أبا مُويهبة قد اخترتُ لقاء ربّي والجنّة! فلمّا انصرف ابتدأه وجعُه فقَبَضَه الله، ﷺ (٢).
أخبرنا معن بن عيسى ومحمّد بن إسماعيل بن أبي فُديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، وأخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار: أنّ رسول الله، ﷺ ، أُتِيَ فقيل له اذهب فصَلّ على أهل البقيع! ففعل ذلك ثمّ رجع فرَقد فقيل له: اذهب فصَلّ على أهلِ البقيع! فذهب فصلّى عليهم فقال: اللهمّ اغفر لأهل البقيع! ثمّ رجع فرقد فأُتِيَ فقيل له: اذهب فصَلّ على الشّهداء! فذهب إلى أُحُدٍ فصلّى على قَتلى أُحُدٍ فرجع معصوبَ الرّأس، فكان بدء الوجع الذي مات فيه (٣)، ﷺ .
أخبرنا عتّاب بن زياد، أخبرنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا ابن لَهيعة، حدّثني يزيد بن أبي حبيب: أنّ أبا الخير حدّثه أنّ عقبة بن عامر الجُهنى حدّثهم: أنّ رسول الله، ﷺ ، صلّى على قَتْلَى أُحد بعد ثمانى سنين كالمودّع للأحياء
стр. 663
والأموات ثمّ اطّلع المنبر فقال: إنّى بين أيديكم فرطٌ وأنا عليكم شهيد! وإنّ موعِدكم الحوض وإنّي لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإنّي لستُ أخشى عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدُّنيا أن تُنافسوا فيها (١).
قال عقبة: وكانت آخر نظرةٍ نظرتُها إلى رسول الله، ﷺ .
* * *
ذكر أَوّل ما بدأ برسول الله، ﷺ ، وجعه الذي توفّى فيه
أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزّهريّ عن أبيه عن صالح بن كَيسان عن ابن شهاب قال قالت عائشة: بدأ برسول الله، ﷺ ، شكوُهُ الّذي توفّى فيه وهو في بيت مَيْمونَة، فخرج في يومه ذلك حتَّى دخل عليّ، قالت: فقلت وارأساهْ! فقال: وددتُ أنّ ذلك يَكون وأنا حيّ فأصلّى عليك وأدفنك! قالت فقلتُ غَيْرَى: أوَ كأنَّك تحبّ ذلك؟ لكأنّي أراك في ذلك اليوم مُعرِسًا ببعض نساء! قالت فقال رسول الله، ﷺ : بل أنا وا رأساهْ! ثمّ رجع رسول الله، ﷺ ، إلى بيت ميمونة فاشتدّ وجعه.
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا محمّد بن مُسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: دخل رسول الله، ﷺ ، على عائشة فقالت: وارأساهْ! فقال النّبيّ، ﷺ : بل أنا وارأساهْ! فكان أوّل وجعه الذي مات فيه، وكان لا يشكو وجعًا يَيْجَعُه.
أخبرنا محمّد بن عمر، أخبرنا أبو معْشر عن محمّد بن قيس قال محمّد بن عمر: وأخبرنا عبد الله بن محمّد بن عمر بن عليّ عن أبيه عن جدّه قال: أوّل ما بدأ برسول الله، ﷺ ، شكوُهُ يومَ الأربعاء فكان شكوُه إلى أن قُبض، ﷺ ، ثلاثة عشر يومًا.
* * *
стр. 664
ذكر شدّة المرض على رسول الله، ﷺ -
أخبرنا الفضل بن دُكين عن شَيبان بن عبد الرحمن وأخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا أبان بن يزيد العطار جميعًا قالا: أخبرنا يحيَى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن عبد الرّحمن بن شيبة عن عائشة أمّ المؤمنين: أنّ رسول الله، ﷺ ، طَرَقَه وجعٌ فجعل يشتكى ويتقلّب على فراشه، فقالت له عائشة: يا رسول الله لو صَنع هذا بعْضُنَا لوجدتَ عليه! فقال لها رسول الله، ﷺ ، قال الفضل بن دُكين: إنّ الصالحين، وقال مسلم بن إبراهيم إنّ المؤمنين، يشدّد عليهم لأنّه لا يصيب المؤمنَ نكْبةٌ من شَوْكة فما فوقها، قال مسلم: ولا وجع، إلّا رفع الله له بها درجةً وحطّ لها عنه خطيئة، وقال الفضل بن دُكين: فما فوقها إلّا حطّ بها عنه خطيئة.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، أخبرنا إسرائيل بن يونس عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي بُرْدَة عن بعض أزواج النّبيّ، ﷺ ، ويحسبها عائشة، قالت: مرض رسول الله، ﷺ ، مَرَضًا اشتدّ منهُ ضَجَرُه أو وجعُه، قالت: فقلتُ يا رسول الله إنّك لتجزع أو تضجر، لو فعلَتْه امرأةٌ منّا عجبتَ منها! قال: أوَما علمت أنّ المؤمِن يُشدَّد عليه لِيكون كَفّارةً لخطاياه؟
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا أبو مُعاوية شَيْبَانُ عن أشعث بن سليم عن أبي بردة قال: مرض رسول الله، ﷺ ، فاشتدّ وجعه حتَّى أعلزه، فلمّا أفاق قالت له إحدى نسائه: لقد اشتكيتَ في شكوِك شكوَى لو أنّ إحدانا اشتكَتْه لخافت أن تجد عليها! قال: أوَلم تعلمى أنّ المُؤمن يشدّد عليه في مرضه لِيُحَطّ به خطاياه؟
أخبرنا قبيصة بن عُقبة، أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت: ما رأيتُ أحدًا كان أشدّ عليه الوجع من رسول الله، ﷺ .
أخبرنا أبو معاوية الضّرير ويعلى بن عُبيد قالا: أخبرنا الأعمش عن إبراهيم التّيْميّ عن الحارث بن سُويد عن عبد الله قال: دخلتُ على النّبيّ، ﷺ ، وهو يوعَك فمسِسْتُه فقلت: يا رسول الله إنّك لتوعك وعكًا شديدًا! فقال: أجَلْ إنّى أُوعَك كما يوعَكُ رجُلان منكم! قال: قُلْتُ إن لك لأجْرَيْن! قال: نعم! والّذى نفسى بيده ما على الأرض مسلمٌ يصيبه أذى من مرضٍ فما سِواه إلّا حطّ الله به عنه خطاياه كما تحطّ الشجرةُ ورقَها.
стр. 665
أخبرنا النّضْر بن إسماعيل أبو المغيرة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: دخل عبد الله بن مسعود على النّبيّ، ﷺ ، فوضع يده عليه ثمّ قال: يا رسول الله، إنّك لتوعك وعكًا شديدًا! قال: أجلْ إنّى لأوعك كما يوعك رجلان منكم: قال: قلت يا رسول الله ذلك بأنّ لك أجرَيْن! قال: أجلْ أما إنّه ليس من عبدٍ مسلمٍ يصيبه أذًى فما سواه إلّا حطّ الله به عنه خطاياه كما تحطّ هذه الشجرة ورقَها.
أخبرنا عُبيد الله بن موسى العبسيّ عن موسى بن عُبيدة الرّبَذى عن زيد بن أسلم عن أبي سعيد الخُدْريّ قال: جئنا النّبيّ، ﷺ ، فإذا عليه صالبٌ من الحُمّى ما تكاد تَقَرّ يدُ أحدنا عليه من شِدّة الحمّى، فجعلنا نسبح فقال لنا رسول الله، ﷺ : ليس أحدٌ أشدّ بلاءً من الأنبياء، كما يشتدّ علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجرُ، إن كان النّبيّ من أنبياء الله لَيُسلّط عليه القملُ حتَّى يقتله، وإن كان النّبيّ من أنبياء الله لَيعرى ما يجد شيئًا يوارى عَوْرَتَه إلّا العباءة يَدّرعها.
أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وهب عن هشام بن سعد عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: أن أبا سعيد الخدرى دخل على رسول الله، ﷺ ، وهو موعوك عليه قطيفة فوضع يده عليه فوجد حَرَارَتها فوق القطيفة فقال: ما أشدّ حُمّاك! فقال: إنّا كذلك يشدّد علينا البلاءُ ويضاعَف لنا الأجرُ! قال: مَن أشدّ النّاس بلاءً؟ قال: الأنبياءُ! قال: ثمّ مَن؟ قال: الصالحون! لقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر حتَّى ما يجد إلّا العباءة يحوبُها ويُبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدُهم كان أشدّ فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا أبو هلال، أخبرنا بكر بن عبد الله: أنّ عمر دخل على رسول الله، ﷺ ، وهو محموم أو مورود، قال: فوضعَ يده عليه فقبَضَها من شدّة حَرّه، قال: فقال يا نبيّ الله ما أشدّ وِرْدك أو أشدّ حُمّاك! قال: فإنّي قرأتُ اللّيلة أو البارحة بحمد الله سبعين سورة فيهنّ السبع الطُّوَل! قال: يا نبيّ الله قد غفرَ الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر فلو رَفِقْتَ بنفسك أو خَفّفْتَ عن نفسك! قال: أفلا أكون عبدًا شَكُورًا؟
стр. 666
أخبرنا أبو أسامة عن سليمان بن المغيرة عن ثابت -يعني البُنَانيّ- قال: خرج رسول الله، ﷺ ، على أصحابه يُعرف فيه الوجعُ فقال: إِنّى على ما تَرَوْنَ قد قرأتُ البارحة السبع الطُّوَل.
أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دُكين قالا: أخبرنا مِسْعَر عن زياد بن عِلاقة قال الفضل عن المغيرة بن شُعبة ولم يذكره يزيد: إنّ النبيّ، ﷺ ، كان يقوم حتى ترِمَ قَدَماه، فقيل له: لِمَ تفعل هذا وقد غَفَر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: أفلَا أكون عَبدًا شَكُورًا؟
أخبرنا يزيد بن هارون وأبو أسامة عن هشام عن الحسن قال: إن كان رسول الله، ﷺ ، ليَجتهد فى الصّلاة وفى الصّيام فيخرج إلى أصحابه فيشبّه بالشّنّ البالي. قال يزيد في حديثه: وكان أصحّ النّاس.
أخبرنا هاشم بن القاسم، أخبرنا شَيْبَان أبو معاوية عن عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: سألتُ رسول الله، ﷺ : مَن أشدّ النّاس بلاءً؟ قال: النبيُّون ثمّ الأمْثَل فالأمْثَلُ فيبتلى الرجل على حَسْب دينه، فإن كان صُلْبَ الدّين اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقّة ابتُلى على حَسْب دينه، فما تَبرح البلايا على العبد حتى تدَعه يمشى في الأرض ليست عليه خطيئة!
أخبرنا عبد الوهّاب قال: أخبرنا هشام الدّسْتَوَائي عن عاصم بن بَهْدَلة عن مصعب بن سعد قال: قال سعد بن مالك: يا رسول الله مَن أشدّ النّاسِ بلاءً؟ ذكر مثل الحديث الأوّل.
أخبرنا الفضل بن دكين، أخبرنا إسماعيل بن مسلم العبديّ، أخبرنا أبو المتوكل: أنّ رسول الله، ﷺ ، مرض حتَّى اشتدّ به، فصاحت أمّ سَلَمة فقال: مَهْ! إنّه لا يصيح إلّا كافرٌ!
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن عَيّاش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فرْوة عن رجل عن عائشة قالت: لا أزال أغْبِطُ المؤمن بشدّة الموت بعد شدّته على رسول الله، ﷺ .
* * *
стр. 667
ذكر ما كان رسول الله، ﷺ ، يعوّذ به ويعوّذه جبريلُ
أخبرنا أبو معاوية الضّرير، أخبرنا الأعمش عن مسلم عن مَسروق عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، يعوّذ بهذه الكلمات. أذْهب البَاس، رَبّ الناس، اشف وأنت الشافي، لا شِفَاء إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سَقَمًا! قالت: فلمّا ثَقُلَ رسول الله، ﷺ ، في مَرضه الّذي مات فيه أخذتُ بيده فجعلتُ أمسحه بها وأعوّذه بها، قالت: فنزع يده منّى وقال: ربّ اغفر لي وألحقنى بالرّفيق! قالت: وكان هذا آخر ما سمعتُ من كلامه.
أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق، أخبرنا هشام الدّسْتَوائِيّ عن حمّاد عن إبراهيم قال: كان رسول الله، ﷺ ، إذا عادَ مريضًا مسَحَ بيده على وجهه وصَدْره وقال: أذهِب البَاس، رَبّ الناس، واشفِ وأنت الشافي، لا شِفَاءَ إلّا شِفاؤك، شِفاءً لا يغادر سَقَمًا! قال: فلمّا مرض رسول الله، ﷺ ، تَساندَ إلى عائشة فأخذت بيده فجعلَت تمسحها على وجهه وصدره وتقول هذه الكلمات، فانتزَع رسول الله، ﷺ ، يده منها وقال: اللهمّ أعْلَى جَنّة الخُلد!
أخبرنا مَعن بن عيسى القزاز، أخبرنا مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عُروة عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث. قالت: فلمّا اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاءَ بَرَكَتها.
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة عن حمّاد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: لما مرض النبيّ، ﷺ ، أخذتُ بيده فجعلتُ أُمِرّها على صدره ودعوتُ بهذه الكلمات: أذهب الباس، ربّ الناس، فانتزَع يده من يدى وقال: أسألُ الله الرّفيق الأعلى الأسعَد!
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا يزيد بن زُرَيْع، أخبرنا مَعْمَر عن الزهريّ عن عُروة عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، في مرضه الذي قُبض فيه يَنفث على نفسه بالمعوذات، فلمّا ثقل عن ذلك جعلتُ أنفث عليه بهنّ وأمسحه بيَدِ نَفْسِه.
стр. 668
أخبرنا عارم بن الفضل وسليمان بن حَرب وخالد بن خِداش قالوا: أخبرنا حمّاد بن زيد عن عَمرو بن سالك النُّكرى عن أبي الجوزاء عن عائشة قالت: كنت أعوّذ النبيّ، ﷺ ، بدعاء إذا مرضَ: أذْهِب البَاس ربّ الناس، بيدك الشفاء، لا شافى إلّا أنت، اشفِ شفاء لا يغادر سَقمًا، قالت: فلمّا كان مرضه الذي مات فيه ذهبتُ أعوّذه به فقال: ارفعى عنّى فإنّها إنّما كانت تنفعنى في المَرَّة.
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرّقيّ، أخبرنا عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن راشد، الزهريّ عن عروة عن عائشة: أنّها كانت تعوّذ النبيّ بالمعوّذتين في مرضه وتنفث وتمسح وجهه بيده.
أخبرنا أبو بكر بن محمد بن أبي مُرّة المكّيّ، حدّثني نافع بن عمر، حدّثني ابن أبي مُلَيكة قال: كانت عائشة تمسح صدر رسول الله، ﷺ ، وتقول: اكشف البَاس، ربّ الناس، أنت الطبيب وأنت الشافى! فيقول النبيّ، ﷺ : ألحقْنى بالرفيق، ألحقْنى بالرفيق!
أخبرنا هاشم بن القاسم الكنانى، أخبرنا المسعوديّ عن القاسم قال: لُسع النبيّ، ﷺ ، فدعا بماء وملح ثمّ أدخل يده فقرأ: قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ، وقلُ أعوُذُ بِرَبّ الفَلَقِ، وقُلْ أعُوذُ بِرَبّ النّاسِ، حتى ختمها.
أخبرنا يحيَى بن حمّاد، أخبرنا أبو عَوانة عن سليمان -يعني الأعمش- عن أبي الضّحَى عن مَسروق قال قالت عائشة: كان رسول الله، ﷺ ، إذا اشتكى الإنسان منّا مَسَحه بيمينه وقال: أذهِب الباس، ربّ الناس، اشفِ وأنت الشافى، لا شفاء إلّا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا! قالت: فلمّا ثقل أخذتُ يمينه فمسحتهُ بها وقُلتُ: أذهب الباس، ربّ الناس، اشفِ وأنت الشافى! فانتزَع يده من يدى وقال: اللهمَّ اغفر لي واجعلنى في الرّفيق الأعلى، مرّتين. قالت: فما علمتُ بموته حتى وجدتُ ثِقَلَه.
أخبرنا الحسن بن موسى، أخبرنا شَيبان عن يحيى بن أبي كثير عن محمّد بن إبراهيم: أنّ أبا عبد الله أخبره أنّ ابن عائش الجُهَنى أخبره: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال يابن عائش ألا أخبرك بأفضل، ما تَعوّذ به المتعوّذون؟ قال: قلت بَلَى! قال رسول الله، ﷺ : أعُوذُ برَبّ النّاسِ، وأعُوذُ برَبّ الفَلَقِ، هاتين السورتين.
стр. 669
أخبرنا مَعن بن عيسى، أخبرنا معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد عن عبد الرحمن بن السائب الهلاليّ، وكان ابنَ أخى ميمونة زوج النبيّ، ﷺ ، قال: قالت لي مَيمونة يابن أخى تعالَ حتى أرقيك برُقْية رسول الله، ﷺ ، فقالت: باسم الله أرقيك، والله يَشفيك، من كلّ داء فيك، أذهب البَاس، ربّ الناس، واشفِ لا شافى إلا أنت!
أخبرنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، أخبرنا سُفيان بن عُيينة. حدّثني عبد ربّه بن سعيد عن عَمْرة عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، قال في المرض: باسم الله تُرْبَةَ أرْضنا، بريقةِ بعْضِنَا، ليُشْفَى سقيمُنَا، بإذنِ ربّنَا.
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس وسعيد بن سليمان قالا: أخبرنَا أبو شهاب عن داود عن أبي نضْرَة عن أبي سعيد قال: اشتكى رسول الله، ﷺ ، فَرقاه، يعني جبريل ﵇، فقال: بسم الله أرقيك، من كلّ شئ يؤذيك، من كلّ حاسدٍ وعينٍ واللُّه يشفيك!
أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، أخبرنا سليمان بن بلال وأخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمّد الدّراوَرْديّ جميعًا عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التّيْمِيّ عن أبي سَلَمة بن عبد الرّحمن عن عائشة زوج النبيّ، ﷺ ، أنّها كانت تقول: إذا اشتكى رسول الله، ﷺ ، رقاه جبريلُ وقال: بسم الله يُبريك، من كلّ داءٍ يشفيك، من شرّ كَلّ حاسد إذا حَسَد، ومن شرّ كلّ ذى عينٍ.
أخبرنا محمّد بن عبد الله الأنصاري، أخبرنا ابن جُريح، أخبرني عَطاء وعَمرو بن شُعيب وجُبير بن أبي سليمان: أنّ جبريل، ﵇، كان يعوّذ محمّدًا، ﷺ ، يقول: بسم الله الرّحمن الرّحيم، بسم الله أرقيك، من كلّ شئ يؤذيك، من شرّ كلّ ذى عين، ونفس حاسد وباغٍ يَبغيك، بسم الله أرقيك، والله يشفيك!
أخبرنا أبو عامر العَقَدي عن زهير بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن الهَادِ عن محمّد بن إبراهيم عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ ، إذا اشتكى رَقاه جبريل فقال: بسم الله يُبريك، من كلّ داء يشفيك، من شرّ حاسد إذا حسَد، ومن شرّ كلّ ذى عينٍ!
стр. 670
أخبرنا الفضل بن دُكين، أخبرنا طَلحة بن عَمرو عن عَطاء قال: بلغنى أن التّعويذ الذي عَوّذ به جبريلُ النبيّ، ﷺ ، حين سحَرَتْه اليهودُ في طعامه: بسم الله أرقيك، بسم الله يَشفيك، من كلّ داء يعنّيك، خُذْها فَلْتَهْنِيك، من شرّ حاسدٍ إذا حسد!
* * *
ذكر صلاة رسول الله، ﷺ ، بأصحابه في مرضه
أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة: أنّ رسول الله، ﷺ ، كان وجِعًا فدخلَ عليه أصحابه يعودونه فصلّى بهم قاعدًا وهم قيام، فأومأ إليهم أن اقعدوا، فلمّا قَضَى صلاته قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتَمّ به، فإذا كبَّر فكَبِّروا وإذا رَكَع فاركعوا وإذا سَجَد فاسجدوا وإذا قَعَد فاقعدوا واصنعوا مثلَ ما يصنع الإمامُ.
أخبرنا سفيان بن عُيينة عن الزهريّ سمع أنس بن مالك يقول: سقط رسول الله، ﷺ ، من فَرسٍ فجُحِش شِقّه الأيمن فدخلنا عليه نعوده فحضرت الصلاة فصلَّى بنا قاعدًا فَصَلَّيْنَا خلفه قعودًا، فلمّا قضى الصّلاة قال: إنّما جُعل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبِّروا وإذا ركَع فاركعوا وإذا رَفَع فارفعوا، وإذا قال سمع الله لمن حَمِدَه فقولوا ربنّا لك الحمدُ، وإذا صلَّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعين.
أخبرنا طَلْق بن غنّام النّخَعي، أخبرنا عبد الرّحمن بن جُريس، حدّثني حمّاد عن إبراهيم قال: أَمَّ رسول الله، ﷺ ، النّاسَ وهو ثقيل معتمدًا في الصّلاة على أبي بكر.
أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله، ﷺ : إنّما جُعل الإمامُ ليُؤتَمَّ به، فإذا كبّر فكبِّروا وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمَن حَمِدَه فقولوا ربّنا لك الحمدُ، وإذا صلّى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعين.
* * *