← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 147

من شرح بلوغ المرام للطريفي

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (84 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح بلوغ المرام اشرف على تفريغه وإخراجه حمود المطيري وفقه الله ومن أعانه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

стр. 2

فإن دراسة السنة من أهم العلوم وأفضلها وأشرفها عند الله ، وإن من أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى الله ويسعى إليه الساعون هو طلب أحاديث النبي ﷺ ، وكذلك العناية بصحيحها وسقيمها، فإن سنة النبي ﷺ وحي من الله ، أوحاه إلى نبيه ﷺ بواسطة جبريل وهي قرينة للقرآن من جهة الاحتجاج، ولذا فإنه قد أجمع أهل السنة على أن سنة النبي ﷺ وحي من الله ، وقد قال الله جل وعلا في كتابه العظيم، ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ ، وهذا بيان من الله على أن سنة النبي ﷺ وحي من الله جل وعلا، وعلى هذا أهل العلم وكذلك صنيعهم دل على ذلك في مصنفاتهم، فالإمام البخاري عليه رحمة الله قد عقد أول كتاب في صحيحه: (كتاب بدء الوحي) ، إشارة إلى أن ما يليه من هذا الكتاب إنما هو وحي من الله تعالى على نبيه ﷺ ، ولذا قال مشيراً إلى ذلك في كتاب التوحيد من صحيحه: (باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه) ، وهذا محل اتفاق عند أهل العلم أيضاً فقد أخرج الدارمي في سننه وأبو داود في كتاب المراسيل والخطيب في الكفاية والفقيه والمتفقه وابن عبد البر في كتابه الجامع والمروزي في كتاب السنة عن الأوزاعي عن حسان قال: كان جبريل ينزل على النبي ﷺ في السنّة كما ينزل عليه بالقرآن.

стр. 3

وقد أخرج الخطيب في كتابه الكفاية عن أحمد بن زيد بن هارون قال: إنما هو صالح عن صالح وصالح عن تابع وتابع عن صاحب وصاحب عن رسول الله ﷺ ورسول الله عن جبريل وجبريل عن الله ، أي فهذه شريعة الله من كتاب وسنة، إنما يرويها حتى وصلت إلينا صالح عن صالح وصالح عن تابع وتابع عن صاحب وصاحب عن رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ عن جبريل وجبريل عن الله ، فلا يقف شيء من وحي الله عند أحد من هؤلاء دون الله والنبي ﷺ فيما يقوله ويفعله، كله وحي من الله جل وعلا، فالنبي ﷺ إذا سئل في شيء من شرع الله وكان لديه وحي من الله تعالى سابق أخبر به، وإن لم يكن لديه وحي من الله جل وعلا فإنه حينئذٍ ينتظر خبر السماء ولا يتكلم من دون الله .

стр. 4

وقد جاء عن النبي ﷺ في ذلك أخبار تبين وقوف النبي ﷺ وعدم كلامه من تلقاء نفسه، ومن ذلك ما أخرج الشيخان من حديث إسماعيل عن ابن جريج عن عطاء عن صفوان بن أميه عن أبيه أنه كان يقول لعمر بن الخطاب ﵁: ليتني أرى نبي الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي، قال: فلما كان النبي ﷺ بالجعرانة، وعلى النبي ﷺ ثوب قد أظل به عليه مع إناس من أصحابه فيهم عمر، إذ جاءه رجل عليه جبة صوف متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل قد أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ قال: فنظر إليه النبي ﷺ ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي ولم يكن حينئذٍ لدى النبي ﷺ علماً من الله جل وعلا ووحي سابق، فأشار عمر بيديه إلى يعلى بن أميه أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي ﷺ محمر الوجه يغط ساعة ثم سرّيَ عنه، فقال: «أين الذي سألني عن العمرة؟» ، فالتُمِس الرجل فجيء به، فقال النبي ﷺ : «أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» ، فهذا النبي ﷺ لما جاءه ذلك الرجل الذي قد تلبس بعمرة، جاءه ولم يكن لديه علم عما تلبس به، فإنه قد لبس المخيط وهي: الجبة وتضمخ بطيب وهما من محظورات الإحرام، فسأل النبي ﷺ عن ذلك ولم يكن لدى النبي ﷺ وحي من الله جل وعلا سابق، فانتظر الوحي الذي جاءه به جبريل ﵇، والنبي ﷺ قد أخبر أن أخباره وأقواله وأحكامه التي يقولها ويفعلها من أمر ونهي أو فعل وترك ونحو ذلك إنما هي وحي من الله بل هي من كتاب الله جل وعلا، فالله قد قرن طاعة نبيه

стр. 5

- ﷺ بطاعته في غير ما موضع من كتابه ، بل أخبر أن من يعصي رسول الله ﷺ إنما يعصي الله جل وعلا، أخرج الشيخان قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، قال: فقام خصمه الأعرابي الآخر، فقال: صدق يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، فقال ذلك الأعرابي: إن ابني كان عسيفاً على هذا - يعني أجيراً يرعى له غنمه - فزنى بامرأته، فقالوا لي على ابنك الرجم، قال: ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، فقال النبي ﷺ : «لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس، فاغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» ، فغدا أنيس إليها فرجمها.

стр. 6

ومن تأمل أحكام النبي ﷺ لهذا الأعرابي وخصمه فإنه يجد النبي ﷺ قد حكم أحكاماً ليست في القرآن الكريم بنصها، وإنما هي من النبي ﷺ من وحي الله جل وعلا، الذي هو يعد من سنة النبي ﷺ التي هي قرينة القرآن الكريم من جهة الاحتجاج، فالنبي ﷺ حكم عليه بأن الغنم والوليدة رد عليه؛ لأنها ليست من حكم الله ، وكذلك قد حكم على ابنه جلد مائة، والجلد قد ثبت في كتاب الله في سورة النور في قوله جل وعلا: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ ، وكذلك قد حكم على ابنه بأن يجلد مائة جلدة ويغرّب عام، وتغريب العام أيضاً هو ليس مما نُص عليه في كتاب الله ، وإنما هو من سنة النبي ﷺ مع أن النبي ﷺ قال: «لأقضين بينكما» ، وهذا قَسَمٌ منه ﷺ : «لأقضين بينكما بكتاب الله» ، وحكم بأن يجلد مائة جلدة ويغرّب عام، وذلك يدل على أن أحكام النبي ﷺ قرينة لكتاب الله ، الذي هو القرآن الكريم من جهة الاحتجاج.

стр. 7

والنبي ﷺ قد أخبر في غير ما موضع أن سنته وما يرد عنه ﷺ من قول أو فعل أنها قرينة لكتاب الله يحرم ردها ويحرم الإعراض عنها لقول أحد من الناس، بل أخبر الله في كتابه العظيم أن عدم توقير أقوال النبي ﷺ إيذان بإحباط العمل، وقد قال الله جل وعلا في سورة الحجرات: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ ، فإحباط العمل هنا ليس من الذي تسبب فيه الكفر، فمعلوم أن الكفر بالله يحبط العمل، ولكن هنا من يرفع صوته عند النبي ﷺ قد يكونون هم من أهل الإيمان وارتكبوا هذه المعصية، التي ربما تشعر بعدم إجلال لأقوال النبي ﷺ ، ورفع الصوت عند أقوال النبي ﷺ سواء كان في حياته أو بعد مماته عند سماعها ممن يتحدث بها الحكم واحد، فإن ذلك مظنة حبوط العمل والعياذ بالله، وإن لم يكن كفراً، فما الظن إذاً بمن قدم على قول رسول الله ﷺ ونهجه وهديه قول غيره ونهجه وهديه، أليس هذا قد حبط عمله من غير ان يشعر..!!. أخرج الشيخان من طريق صالح عن بن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة عن أبيها الصديق قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. وهذا الصديق يخاف إن ترك السنة أن يزيغ فماذا عسى أن يكون من وقت وزمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وبأوامره ونهيه، ويتنافسون في مخالفته، بل ويسخرون من نهجه.. وقد أجمع المسلمون على أن من ظهر له من السنة شيء لم يحل له أن يدعها لقول أحد كان.

стр. 8

وإذا علم هذا علم عظمة التعبد بالعناية بالوحي وكذلك الاعتناء بما يرد عن النبي ﷺ والتعبد بما فيه، وإذا علم أن سنة النبي ﷺ وحي من الله جل وعلا، فإنه حينئذٍ يعلم شرف ذلك العلم وفضله عند الله . وقد كان السلف الصالح عليهم رحمة الله كثيراً ما يعتنون بمعرفة أحكام النبي ﷺ وأحواله، وكذلك فإن مجالس الذكر إنما هي مجالس الحلال والحرام ليست هي مجالس القصاص ونحوها، إنما هي مجالس الحلال والحرام، معرفة الفقه ومعرفة أحكام القرآن وتفسيره ونحو ذلك، فقد أخرج أبو نعيم في كتابه الحلية من حديث أبي عبد الملك قال: حدثنا يزيد بن سمرة أبو هزان قال: سمعت عطاء الخرساني يقول: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام. وقد أخرج أيضاً أبو نعيم من حديث يحيى بن كثير قال: تعلّم الفقه صلاة، ودراسة القرآن صلاة. فإذن إذا علم أن سنة النبي ﷺ وحي من الله فإنه يُعلم شرف ذلك العلم وعظمة الأجر عند الله لمن تتبع سنة النبي ﷺ وتفقه فيها، وسعى في حفظها وفي معرفة صحيحها من سقيمها، والذب عنها، وهذا من أرفع الدرجات عند الله لمن رزق الاخلاص والنية الصالحة، وقد قال يحي بن يحي النيسابوري: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله. قيل له: الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد، فهذا أفضل منه؟، قال: نعم بكثير.. وقد قال ابو عبيد القاسم بن سلام: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو عندي اليوم أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل. وهذا يدل على فضل الجهاد كما يدل على فضل السنة حيث وقع التفضيل بينهما لعلو شأنهما في الاسلام.

стр. 9

ونحن في هذه الدرس وما يتبعه من مجالس نشرح كتاباً من أعظم وأنفع الكتب في باب الأحكام، وهو كتاب: (بلوغ المرام للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني عليه رحمة الله) ، وكتابه بلوغ المرام من أنفع كتب الأحكام فقد جمع عليه رحمة الله مجموعة من أحاديث النبي ﷺ من كثير من كتب السنة، منها الصحيح ومنها ما هو دون ذلك؛ لأنه عليه رحمة الله قصد أن يجمع ما يستدل به أصحاب المذاهب على أقوالهم التي يستدلون بها في أبواب الفقه، فجمع الأحاديث ورتبها على الأبواب، فكان قليل النظير في بابه بل هو من أنفس كتب الأحكام التي صنفها أهل العلم في كتب الأحكام من الأئمة المتأخرين عليهم رحمة الله. قول الحافظ ابن حجر في مقدمته: (بسم الله الرحمن الرحيم....إلخ) والمصنف عليه رحمة الله في كتابه بلوغ المرام قد ابتدأ في المقدمة بالبسملة، ويقال للفظ: (بسم الله..) بسمله اختصاراً، ويقال لمن قال: (بسم الله) بسمل أو مبسمل قال عمر بن ابي ربيعة: لقد بسملت ليلى غداة لقيتها *** فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل. وابتداء الحافظ بالبسملة هو اقتداء بالكتاب العزيز، وبما جاء عن النبي ﷺ من التسمية من فعله ﷺ في كثير من أحواله كالمكاتبات وغيرها، وقد جاء عنه ﷺ الأمر بالتسمية إلا أنه لا يثبت، فقد رواه الخطيب في جامعه من حديث مبشر بن اسماعيل عن الأوزاعي عن الزهري عن ابي سلمة عن ابي هريرة مرفوعا: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) .

стр. 10

وهو خبر منكر بل موضوع، أعله الحفاظ كالإمام أحمد والدارقطني والصحيح فيه أنه مرسل وبغير لفظ البسمله وهو منكر أيضاً، وهم فيه مبشر بن إسماعيل فرواه بلفظ البسملة وقد رواه جماعة كالوليد بن مسلم وبقية وخارجه بن مصعب وشعيب بن إسحاق ومحمد بن كثير والمعافى بن عمران وعبد القدوس وغيرهم عن الاوزاعي بلفظ: (كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله..) والصحيح في هذا اللفظ الارسال، ووهم من عزاه بلفظ البسملة للسنن كالزيلعي والعراقي والسيوطي وغيرهم، وتساهل بعض المتأخرين فحسنه كالسيوطي وهو من المتساهلين جدا في تقوية الأخبار الضعيفة والواهية، ويقلد في هذا الباب كثيراً. إذا فالأمر بالبسملة في الخبر السابق لا يثبت، إلا أنه ثابت عن النبي ﷺ من فعله في المكاتبات، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس عن أبي سفيان عليهما رضوان الله تعالى أنه قال: كتب النبي ﷺ إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم» ، وهذا ثابت عنه ﷺ من فعله. والابتداء بالبسملة قد جاء عن النبي ﷺ في مواضع عدة الحث بالابتداء بها، فقد جاء عنه في ذلك أحوال عدة من الحث على التسمية في ابتداء الأمور سواء في ابتداء الأفعال أو في ابتداء المكتوب أو في ابتداء بعض العبادات، منها: أن يبتدأ بالبسملة كاملة (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فقد جاء عن النبي ﷺ ذلك في مواضع عدة: منها ابتداء القراءة قبل الفاتحة بعد تكبيرة الإحرام بالبسملة، كما أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان عن سعيد بن أبي الهلال عن نعيم المجمر: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم ... ) الخبر، وفيه قال أبو هريرة والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ .

стр. 11

ومثله الابتداء بها عند القراءة مطلقاً وفي ابتداء المكتوب وفي ذلك احاديث وأثار صحيحة * وكذلك من الأحوال أن يبتدأ عمله بالبسملة بـ (بسم الله) من غير إضافة (الرحمن الرحيم) ، جاء عن النبي ﷺ في أحوال منها ما أخرجه الإمام مسلم من حديث الوليد بن كثير عن وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة أنه أكل مع النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : «قل بسم الله، وكل بيمينك» ، وجاء في التسمية عند الطعام نصوص أخرى بذكر التسمية تامة * وكذلك قد جاء عنه ﷺ حالة ثالثة هي التسمية من غير اضافة لفظ: (الرحمن الرحيم) مع زيادة شيء آخر، منها ما جاء عن النبي ﷺ في وضع الميت بالقبر، وأن يقول: «بسم الله وعلى ملة رسول الله» ، كما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث شعبة عن قتادة عن أبي الصديق عن عبد الله بن عمر، وكذلك ما جاء في الصحيحين من حديث منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن عبد الله بن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ... » الخبر، كما جاء عنه ﷺ . وحالة رابعة وهي مجيء لفظ الخبر عن النبي ﷺ بلفظ: (ذكر الله) من غير تصريح.

стр. 12

والسنة في ذلك لزوم ما جاءت به الاحاديث الصحيحة وعدم الزيادة عليها ففي الأحوال التي ثبت فيها الخبر عنه ﵊ القول ببسم الله الرحمن الرحيم تامة لا يتحصل العمل وامتثال السنة إلا بذكرها تامة وإن اقتصر في تلك الأحوال على بسم الله فحسب لا يتحصل له امتثال السنة وفي الأحوال التي ثبت الاقتصار فيها على لفظ بسم الله فالامتثال في تلك الاحوال لزوم قول بسم الله فحسب وقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية: يقول عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كاملا فإنه أكمل بخلاف الذبح. وأما الأحوال التي ثبت فيها النص بذكر بسم الله مع زيادة إضافة لفظ آخر غير لفظ الرحمن الرحيم فالامتثال فيها قول بسم الله مع تلك الزيادة ومن اراد الزيادة بعد بسم الله بلفظ الرحمن الرحيم ثم ذكر الاضافة الاخرى الثابتة بالنص لم يكن ممتثلا، لان هذه أذكار وأدعية الاولى الوقوف عليها كما جاءت. وأما الأحوال التي ثبت فيها ذكر اسم الله من غير التصريح ببسم الله الرحمن الرحيم أو ببسم الله فحسب فهو مخير بذكر البسملة تامة وهو الاولى أو الاقتصار على قول بسم الله.

стр. 13

وقد أجمع أهل العلم على مشروعية التسمية كما جاء عن النبي ﷺ ، إلا أن أهل العلم اختلفوا في ابتداء الشعر بالبسملة، فقد روي عن بعض السلف من التابعين وغيرهم كراهية التسمية في ابتداء الشعر ونحو ذلك، ومن ذلك ما أخرجه الخطيب البغدادي في كتاب الجامع من حديث جنادة بن سلم وهو من ولد جابر بن سمرة عن مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وقد أخرجه الخطيب البغدادي من طريق آخر من حديث حفص بن غياث عن مجالد عن الشعبي، قال: كانوا يكرهون أن يكتبوا أمام الأشعار (بسم الله الرحمن الرحيم) ، وهذا القول قد قال به أيضاً غير عامر بن شراحيل الشعبي، فقد روي أيضاً عن الزهري عليه رحمة الله، كما أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع أيضاً من حديث عبد العزيز بن عمران الزهري عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: مضت السنة ألا يكتب في الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم) ، إلا أن هذا القول لا يثبت عن عامر بن شراحيل الشعبي؛ لأن في إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف، والذي عليه المحققون من أهل العلم وقد ذهب إليه عامة المتأخرين أن ابتداء الشعر سواءً كان في تصنيف أو في قول أن ذلك من السنة ولا يخرجه من ذلك شيء يثبت عن الرسول ﷺ . وقد روي ذلك عن سعيد بن جبير وغيره من التابعين كما روى الخطيب البغدادي أيضاً من حديث محمد بن مصعب عن جبلة بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: لا يصلح كتاب إلا أوله (بسم الله الرحمن الرحيم) وإن كان شعراً، فهذا يدل على مشروعية ابتداء التسمية في جميع الأعمال، وأن ذلك هو السنة لا يستثنى من ذلك شيء، فإن النبي ﷺ لم يستثن من ذلك شيئاً ﷺ . وقد صنف اهل العلم في البسملة واحكامها مصنفات منهم الحافظ ابن عبد البر فله جزء فيها، وابن الصبان وهو من المتاخرين.

стр. 14

والمصنف الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في كتابه بلوغ المرام قد وقع له اصطلاحات وقد نص عليها في مقدمته، فقد ذكر أنه إذا قال أخرجه السبعة أنه يريد بذلك: أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد عليهم رحمة الله، وإذا قال أخرجه الأربعة فإنهم: أصحاب السنن، وكذلك الستة هم: البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، ثم ذكر بقية ما وضعه من اصطلاحات، بعضها يعتبر خاص به عليه رحمة الله , فاصطلاحات الحافظ ابن حجر في كتاب بلوغ المرام هنا اصطلاحات ينبغي لطالب العلم معرفتها قبل أن يبتدأ في بلوغ المرام، فإن مما ينبغي لطالب العلم أن يعرف اصطلاحات أهل العلم في مصنفاتهم لكي لا يقع في توهيم أهل العلم وتخطئتهم من غير بينة , فإن لكل عالم من أهل العلم شيء من الاصطلاحات في كتابه إما أن يذكرها في مقدمته، وإما أن تعلم بالسبر والنظر لذلك الكتاب الذي صنفه، فإنه حينئذٍ يستخلص ويستخرج اصطلاحات من كتابه ذلك. فالحافظ ابن حجر عليه رحمة الله مثلاً في قوله: (متفق عليه) هنا أي أنه أخرجه البخاري ومسلم، مع أنه يوجد عند بعض أهل العلم من أمثال هذا الاصطلاح يعد غير ما أراد به الحافظ بن حجر البخاري ومسلم فحسب، فمثلاً صاحب المنتقى المجد ابن تيمية عليه رحمة الله إذا قال: (متفق عليه) فإنه يريد به أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد.

стр. 15

وكذلك فإن أبا نعيم الأصبهاني عليه رحمة الله في كتابه حلية الأولياء له شيء من الاصطلاحات في ذلك، فإنه عليه رحمة الله إذا أطلق (متفق عليه) ؛ فإنه لا يريد به في كثير من الأحيان أنه أخرجه البخاري ومسلم، وإنما يريد به أنه توفرت فيه شروط الصحة، فإنه قد أطلق هذه الكلمة (متفق عليه) في كتابه حلية الأولياء، في أحاديث ليست بنادرة أو بالقليلة، ووجدت أنها ليست في البخاري ولا مسلم عليهما رحمة الله، أو توجد في أحد الصحيحين وليست في الآخر، وهذا يدل على أن له اصطلاح غير ما اصطلح عليه بعض أهل العلم، وأخذه عمن اصطلح عليه عامة المتأخرين، فمثلاً الحافظ أبو نعيم عليه رحمة الله يورد بعض الأحاديث ويقول (متفق عليه) وليست هي في البخاري ومسلم أصلاً، منها ما أخرجه أبو نعيم في كتابه الحلية من حديث سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين» ، قال أبو نعيم عليه رحمة الله بعد إخراجه لهذا الخبر قال: صحيح متفق عليه، وهذا الخبر ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، فإن المصنف عليه رحمة الله أراد بذلك أنه توفرت فيه شروط الصحة، وقال هذه الكلمة في غير ما خبر، منها ما أخرجه أيضاً من طريق أبي داود الطيالسي عن سفيان عن أبي إسحاق عن البراء، قال: كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر قال: «آيبون تائبون لربنا حامدون» ، وهذا ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، وإنما مراد المؤلف عليه رحمة الله في أمثال هذه المواضع أن هذه الأحاديث قد توفرت فيها شروط الصحة التي اشترطها أهل العلم، ومراده أن ذلك أعلى درجات الصحة عنده عليه ﵀.

стр. 16

إذاً فينبغي على طالب العلم أن يعلم اصطلاحات أهل العلم في مصنفاتهم، ليكون على بينة من أحكامهم، ولكي لا يقع في شيء من الخطأ في فهم مراد الحفاظ عليهم رحمة الله. ١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في البحر: «هو الطهور الماؤه، الحل ميتته» . أخرجه الأربعة، وابن أبي شيبة واللفظ له، وصححه ابن خزيمة والترمذي. الحديث الأول الذي أورده المصنف عليه رحمة الله هو حديث أبي هريرة ﵁ وهو ما يسميه أهل العلم بحديث البحر. قوله عليه رحمة الله: (كتاب الطهارة) : الكتاب أصل كلمة: كتب، والمراد بها الجمع، يقال " تكتب بنو فلان "، إذا تجمعوا؛ وسميت الكتيبة كتيبة لاجتماع أفرادها بعضهم مع بعض، وكذلك يسمى الكتاب كتاباً لاجتماع أوراقه والتصاقها بعضها مع بعض، وكذلك يسمى المكتوب مكتوباً لاجتماع الحروف في ذلك المكتوب، وإن كانت ورقة واحدة فإنها تسمى كتاباً إذا كان مكتوب فيها، ولا تسمى الورقة الواحدة كتاباً حتى يكتب فيها، فإن المراد بالكتب هنا الجمع، كما قال الشاعر: لا تأمنن فزارياً خلوت به ......على قلوصك واكتبها بأسيارِ قوله عليه رحة الله: (الطهارة) : والطهارة في لغة العرب تطلق على: النَظافة والنزاهة طَهر الثوب من القذر، يعني: تنظيف. وتنزه منه وفي اصطلاح الشارع تطلقُ على معنيين الأول: معنوي، وهو طهارة القلب من الشِّرك في عبادة الله، والبغضاء لعباد الله المؤمنين، وهي اهم من طهارة البدن وأولى بالعناية والملاحظة والتدارك الثَّاني: حسي، وهي ارتفاع الحدث، وما في معناه، وزوال الخَبث. قوله عليه رحمة الله: (باب المياه) :

стр. 17

المراد بالباب هنا هو: ما يخرج منه ويدخل منه، وهذا معلوم في لغة العرب، وأهل العلم قد اصطلحوا على هذه المسميات: (الكتاب والباب) ، على أنها في الغالب عند أهل العلم أن (الكتاب) هو: ما يجمع أبواباً من مسائل العلم أو من أحاديث النبي ﷺ ، ومنها قول المصنف عليه رحمة الله (كتاب الطهارة) ، أراد بالكتاب هنا: الجمع، أي جامع لأحاديث الطهارة وأخبارها التي جاءت عن النبي ﷺ أو أصحابه عليهم رضوان الله تعالى. وإيراد المصنف عليه رحمة الله لهذا الخبر خبر أبي هريرة - هو أول حديث في هذا الباب - أراد به بيان طهورية ماء البحر، وأن ماء البحر إذا كان طاهراً فإن غيره أولى منه، وقد جعل أهل العلم هذا الخبر من أصول الطهارة في الشريعة. وهذا الخبر قد أخرجه كما ذكر المصنف الإمام أحمد وأصحاب السنن، وكذلك قد أخرجه مالك وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن، وكذلك قد رواه جماعة من أهل العلم، كلهم رووه من حديث صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمه عن المغيرة بن أبي بردة أنه سمع أبا هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإذا توضأنا به عطشنا! أفنتوضأ به؟ ، فقال ﷺ : «هو الطهور مائه الحل ميتته» .

стр. 18

وهذا الخبر قد تلقته الأمة بالقبول، وقد صححه جماعة من أهل العلم، كالإمام البخاري كما في علل الترمذي المفرد والترمذي وابن خزيمة والدارقطني جوده كما في علله، وكذلك البيهقي وابن عبد البر والحاكم وابن حبان وغيرهم من أهل العلم، وقد صححه جماعة من أهل العلم يزيدون على ثلاثين إماماً، ولم أرَ أحداً من أهل العلم ضعّف هذا الخبر سوى ابن دقيق العيد وابن القطان الفاسي، فإنهما قد أعلاه بسعيد بن سلمة وقالا بجهالته، فإن سعيد بن سلمة قد قال عن النسائي عليه رحمة الله: ثقة، وذكره ابن حبان في كتابه الثقات، إلا أن المجاهيل أو من هو مستور الحال عند أهل العلم لا يرد حديثه مطلقاً، وإنما يعتبر في بعض الأحوال بأحاديثه وتقوى أحاديثه ببعض القرائن، وإنما قبل أهل العلم حديث سعيد بن سلمة في هذا الخبر؛ لأن أهل العلم قد تلقوا خبره بالقبول، وشاع عندهم فكان قرينة لقبول الخبر، وأهل العلم في بعض الأحيان يعتمدون على شهرة الخبر عن الاحتجاج بالإسناد وهذا في أحوال نادرة، وأيضاً فإن الحفاظ يقوون في الأحيان أحاديث من لا يعرف فيه جرحاً ولا تعديلا، في بعض ما يرويه إذا إحتفت القرائن على صدقه بحيث لا يأتي بما ينكر، ولا يغرب بالألفاظ وقد صحح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة والدارقطني لجماعة لم يوجد فيهم جرح ولا تعديل، وذلك بعد سبر حديثهم فوجد مستقيماً، ولا يعد هذا تساهلاً منهم، وذلك أن جهلهم بحال الراوي لا يعني جرحاً حتى يخشى من التقوية له، ومعرفة صدق الراوي وضبطه وعدالته تكون بسبر حديثه وتتبعه كما تكون بملاصقته واختباره، والتساهل إنما هو بتقوية أحاديث الضعفاء وبتصحيح خبر المجاهيل مع غرابة حديثهم ونكارته وتفردهم به مع أن احوال المجاهيل تختلف من شخص لآخر، ومن طبقة لأخرى ومن بلد لآخر، وبحسب الرواة عنهم أيضا فمجاهيل متقدمي التابعين ليسوا كمن بعدهم ومن روى عنه الشعبي وابن سيرين ليس كمن روى عنه

стр. 19

أقل منهم حفظا وتثبتا وان كثر عددهم مع قرائن كثيرة يُعملها الحفاظ في قبولهم لحديث بعض المجاهيل، ولذا لا تجد للائمة الحفاظ منهجا واحدا يعملونه في قبول ورد روايات المجاهيل كما لا يخفى فتجدهم يصححون حديث ويوثقون من لا يعرف له إلا حديث واحد وهو معدود في المجاهيل من جهة قلة روايته وتجدهم يردون من له أكثر من حديثين او ثلاثه او اربعة او خمسة وذلك لتفاوت القرائن المحتفة بكل واحد منهم فلأسود بن سعيد لا أعلم له غير حديث (تقتل عمار الفئة الباغية) مع هذا وثقه يحي بن معين وابن حبان ونحوه هارون بن رئاب وهو من المقلين جداً، قال سفيان بن عيينة: (كان عنده أربعة أحاديث) ومع هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحي ابن معين والنسائي، بل قد أخرج الشيخان لمن هو من المستورين ولا يعرف بجرح ولا تعديل كإبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة فقد أخرج له البخاري ولا أعلم من وثقه، وقد أخرج مسلم من حديث أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أأتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل. وجعفر بن أبي ثور لا أعلم له موثق سوى ابن حبان، ومع هذا أخرج له مسلم في صحيحه وتقلى الأئمة الحفاظ حديثه بالقبول حتى قال الحافظ ابن خزيمه في صحيحه: لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل. وفي الصحيحين من الرواة عدد غير قليل ممن هم في عداد المستورين.

стр. 20

فعلى هذا يُعلم أن أمر المجهول يتفاوت بحسب ما ذكرناه فقد يكون الراوي عند الأئمة الحفاظ مجهولا على الرغم من رواية أكثر من واحد عنه، وقد يكون عندهم معروفا بل يكون ثقة وصحيح الحديث مع كونه لم يرو عنه إلا راو واحد فحسب، على هذا لا تكون مسألة المجهول ورفع الجهالة عنه متوقفة على عدد من روى عنه كما يذكره كثير من أهل الاصطلاح والأصول،. وإعلال ابن القطان الفاسي وابن دقيق لحديث ماء البحر بجهالة راويه فيه نظر فابن القطان الفاسي ممن يتشدد جدا في هذا الباب ويعمل الاخذ بظاهر الاسانيد وهو قليل الاخذ بالقرائن كحال جمع من اهل العلم كابن حزم والخطيب وكثير من المتأخرين. وطهورية ماء البحر هي مما لا خلاف فيها عند أهل العلم إلا قول يسير يروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ . وقوله هنا في ابتداء الخبر: (إنا نركب البحر) ، فيه دليل على إباحة ركوب البحر، وأن الأصل فيه الجواز والإباحة، وهذا الذي يدل عليه كتاب الله ، فإن الله جل وعلا قد ذكر ركوب الفلك وركوب البحر في غير ما موضع من كتابه ،قال الله تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾ ، والمسير هو: ركوب الدابة في البر، وكذلك السير على الأقدام، وكذلك المسير في البحر المراد به: ركوب الفلك والسفن، وكذلك قوله : ﴿والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾ .

стр. 21

أما في حالة غلبة الظن بالهلاك كالموج ونحوه فإنه يحرم، ولذا قد روي عن النبي ﷺ بعض الأخبار التي هي ضعيفة، منها ما أخرجها سعيد وعن سعيد أبو داود والبيهقي من حديث مطرف بن طريف عن بشر أبي عبد الله عن بشير بن مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يركبن رجل بحراً إلا غازياً أو معتمراً أو حاجاً، وإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً» ، وهذا الخبر قد ضعفه بعض أهل العلم فهو مضطرب وضعيف سندا منكر متنا، وضعفه الإمام البخاري عليه رحمة الله كما في تاريخه وقال ابن عبد البر: مظلم الاسناد، وما روي من نهي من بعض السلف عن ركوب البحر يحمل على حالة الظن بالهلكة من اشتداد الموج واشتداد الريح ونحو ذلك، فإنه ينهى عن ذلك ويكون محرماً، ولذا توقف الشافعي في إيجاب الحج على من وراء البحر فقد قال ﵀: ما يبين لي أن أوجب الحج علي من وراء البحر ولا أدري كيف استطاعته، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁ كما أخرجه عبد الرازق في مصنفه من حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: (كان عمر يكره أن يحمل المسلمين غزاة في البحر) وهو صحيح عن عمر وإن لم يسمع ابن المسيب من عمر فهو محمول على الاتصال وقد صحح حديثه عن عمر عامة الحفاظ المتقدمين، ولا أعلم في ذلك مخالفاً سوى الترمذي في بعض المواطن يصححه وبعضها يعله وممن نص على تصحيحه الامام أحمد وابو حاتم وابن المديني وغيرهم، وهذا الأثر يحمل في حال شدة الموج وكذلك شدة الريح وغلبة الظن بالهلكة فإنه حينئذ يكره ذلك بل يكون محرماً، وقد رخص عمر في غير تلك الحاله كما رواه البيهقي عن نافع عن بن عمر أن تميم الداري سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن ركوب البحر وكان عظيم التجارة في البحر فأمره بتقصير الصلاة. ومن ذلك أيضاً ما روي عن عبد الله بن عمر كما أخرجه عبد الرازق من حديث ليث عن

стр. 22

مجاهد عن عبد الله بن عمر ﵁ (أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث غازياً أو حاجاً أو معتمراً) ، وهذا الخبر لا يصح عن عبد الله بن عمر في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف بإتفاق الحفاظ عليهم رحمة الله، وأحاديثه عن مجاهد تعتبر ضعيفة إلا في حديثه عن مجاهد عن عبد الله بن عباس في التفسير فإنها قد تمشى لأنها من كتاب، كما ذكر ذلك ابن حبان عليه رحمة الله، فإنها يرويها من حديث ليث بن أبي سُليم ويرويها ليث عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس ﵁، وبقية أحاديث ليث بن أبي سُليم عن مجاهد بن جبر وعن غيره تعد ضعيفة عند أهل العلم. إلا أن الإمام مالك عليه رحمة الله في مسألة ركوب البحر، قد فرق بين الرجل والمرأة، فقد روي عنه أنه كان يكره ركوب المرأة في البحر مطلقاً؛ وحمل ذلك على أن المرأة إذا ركبت السفينة فإنها حينئذٍ تحتاج إلى كشف عورتها من قضاء حاجة ونحو ذلك، فإنها تتكشف، وهذا يغتفر في الرجل ما لا يغتفر في المرأة، وكذلك في ركوب السفينة فإنها حينئذٍ قد ترى عورات الرجال، وترى أجساد الرجال في السفن لأن ركوب السفن بحاجة إلى مشقة وكد مما يلزم منها ابداء الصدر والبطن والظهر وكذلك بحاجة إلى كشف العورة للضرورة، مما استدل به الإمام مالك عليه رحمة الله على منع المرأة وكراهية ركوب البحر لها، إلا أن ذلك في الغالب منتفي وخاصة في وقتنا هذا، فإنه حينئذٍ تبقى المرأة على الأصل من إباحة ركوب البحر لها. قوله ﷺ : «هو الطهور ماؤه» :

стр. 23

الطهور إذا جاء بالفتح (الطَهور) فالمراد به الماء بذاته، وهو الذي يُطهّر المتطهِر به، وإذا جاء بالضم فالمراد به فعل المتطهِر، ومثله: الوضوء والغسل، فإنه إذا جاء بالضم فالمراد حالة الغسل وفعل الغسل وحالة الوضوء وحال الطهارة، وإذا جاء بالفتح فالمراد به الذي يُغتسل به والذي يُتطهر به والذي يُتوضأ به، حكاه النووي عن الجمهور. قوله ﷺ : «هو الطهور ماؤه» : وهذا كما ذكرنا هو محل إجماع عند أهل العلم، إلا ما روي من خلاف يسير عند بعض أصحاب النبي ﷺ ، إلا أنه لا يعتد به في مقابل ما جاء عن النبي ﷺ ، فقد روي طهورية ماء البحر عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ونصوا عليه، منهم أبو بكر الصديق ﵁ كما أخرج ذلك أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبيد الله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل قال: سئل أبو بكر الصديق: أيتوضأ من ماء البحر؟ فقال: (هو الطهور ماؤه الحلال ميتته) ، وروي ذلك أيضاً عن عمر بن الخطاب، وابن عباس وابن سيرين والحسن وعكرمة وطاووس وعطاء، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى طهارة ماء البحر، ولكنهم جعلوا العذب أولى منه، وألا يُلجأ إلى التطهر بماء البحر إلا عند فقدان الماء العذب، وذلك مروي عن سعيد بن المسيب، وكذلك عن النخعي كما أخرج ابن أبي شيبة من حديث شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: (إذا ألجئت إليه فلا بأس) ، يعني إذا ألجئت إلى التطهر بماء البحر فلا بأس، مما يشير إلى أنه يرى التطهر بالماء الذي ليس بمالح وإنما هو عذب، وكذلك روي عن إبراهيم النخعي كما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم النخعي قال: (ماء البحر يجزئ، والعذب أحب إلي منه) ، إلا أن ما جاء عن النبي ﷺ يدل على التساوي بين الماء العذب وماء

стр. 24

البحر، وأما قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي فإنه لا يقابل ما جاء عن النبي ﷺ . وقد ذهب كما ذكرنا بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وهم قلّة، منهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص عليهم ﵃، إلى عدم طهارة ماء البحر وعدم مشروعية التوضؤ به، فقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث شعبة عن قتادة عن عقبة، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: (التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر) ، فعدل عبد الله بن عمر إلى التيمم وهو بدل، ولا يكون ذلك إلا في فقدان الماء.

стр. 25

ومعلوم أن من تيمم في حال وجود الماء وهو مستطيع قادر على استعماله فإنه حينئذٍ تعتبر طهارته باطلة وتعتبر الصلاة باطلة بالاجماع، إلا لعذر يحمله على التيمم من مرض وبرد ونحو ذلك، أما إذا كان ليس بمعذور فإنه حينئذً يعد تيممه باطلاً وطهارته باطلة وعليه أن يتوضأ بالماء، فلما عدل عبد الله بن عمر إلى التيمم وترك التطهر بماء البحر، عُلم أنه لا يرى طهورية ماء البحر، إلا أن ذلك لا يقابل ما جاء عن النبي ﷺ ، وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، كما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من حديث هشام عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: (ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر نارا ثم ماءٌ ثم نار) ، وهذا عن عبد الله بن عمرو كما هو عن عبد الله بن عمر ﵁، فإنهما لا يريان الإجزاء بماء البحر، وهذا لا يقابل ما جاء عن النبي ﷺ ، وقد روي ذلك عن أبي هريرة في مصنف ابن أبي شيبة ولا يصح، وعن أبي العالية الرياحي وهو رفيع بن مهران، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه ركب البحر فنفذ ماؤه، فتوضأ بنبيذ وكره أن يتوضأ بماء البحر، وهو من كبار التابعين عليه رحمة الله، هذا لا يثبت لحال إسناده. إذاً فماء البحر طهور والخلاف فيه غير معتبر، وقد حكى إجماع أهل العلم على طهورية ماء البحر جماعة من أهل العلم، منهم الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله وغيره. قوله ﷺ : «الحل ميتته» :

стр. 26

أي الحلال، كما جاء في بعض الروايات عند الدارقطني عليه رحمة الله وغيره من أهل العلم وفي صحة اللفظة نظر، وميتة البحر هي حلال بإجماع أهل العلم، إلا أن أهل العلم اختلفوا في استثناء بعض ميتة البحر، فقد قال أبو حنيفة عليه رحمة الله: أن ميتة البحر حلال، إلا ما كان على صورة حيوان كالكلب أو صورة الآدمي ونحو ذلك، وذهب الإمام أحمد وهو المشهور عنه عليه رحمة الله: إلى أن ميتة البحر حلال إلا الحية والضفدع والتمساح، وقال بأن الحية والضفدع هي من المستخبثات وأن التمساح يعد ممن قال فيه النبي ﷺ : أنه ذو ناب ونهى عنه، والذي عليه جمهور أهل العلم أن ميتة البحر كلها تعد مباحة وحلال بنص قول النبي ﷺ ، أما ما استثناه أبو حنيفة عليه رحمة الله ما كان على صورة حيوان ونحو ذلك، فإن ذلك لا دليل عليه ولا يقابل ما جاء عن النبي ﷺ فإن النبي ﷺ قد أطلق الإباحة بميتة البحر، وما جاء عن الإمام أحمد من استثناء الضفدع والتمساح فإن الضفدع لا يعد من ميتة البحر فإنه لا يمكث في البحر دوماً، ولا يمكث في البر فإنه بينهما فلا يعد من ميتة البحر، ولا يعد كذلك من حيوان البر، ومثله التمساح فإنه يعيش بين البر والبحر وإطلاق النبي ﷺ أراد به ميتة البحر، أي إذا أُخرج الحيوان من البحر فإنه حينئذٍ يموت، إذن فالنبي ﷺ أطلق الإباحة لميتة البحر مطلقاً من غير استثناء وما علم ضرره من ميتة البحر فإنه حينئذٍ يحرم لضرره، فإنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولا يستثنى من ميتة البحر إلا ما ثبت ضرره، وأما ما كان بين البر والبحر من الحيوانات، فإنه لا يعد حيوانا بحريا ويبقى على الأصل من الإباحة فيه، فإن كان من المستخبثات فإنه يعد مستخبثاً، وما كان كذلك من الحيوانات الضارة، فإنه حينئذ يحرم لضرره، فلا

стр. 27

ضرر ولا ضرار في الإسلام، وقد نهى الله جل وعلا في كتابه العظيم عن أكل المستخبثات فقال الله : ﴿ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث﴾ . *************************************** ٢- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد. حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قد أورده المصنف عليه رحمة الله، وذكر أن الثلاثة قد أخرجوه، وهذا اصطلاح خاص به عليه رحمة الله، أما الثلاثة هنا المراد بهم: أبو داود والترمذي والنسائي، هم أهل السنن إلا ابن ماجه عليهم رحمة الله جميعا، وهذا من الاصطلاحات التي تعد خاصة بالحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام، ولذا قلنا أنه ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لمصطلحات أهل العلم في مصنفاتهم لكي يكون على بينة من أحكامهم. وهذا الحديث قد أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وكذلك قد أخرجه أحمدوابن حبان والحاكم وابن خزيمة كلهم من طريق حماد بن أسامة أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري ﵁.

стр. 28

وهذا الحديث قد صححه الإمام أحمد كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، وكذلك صححه ابن معين وابن حبان والحاكم وابن خزيمة وشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وقد حسنه الإمام الترمذي عليه رحمة الله، فقد قال بعد إخراجه له في سننه قال: هذا حديث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث, والامام الترمذي حينما يطلق لفظ (حسن) على حديث مجرد من غير اضافة فهو يعني في الغالب الضعف، وهو هنا اضاف ولم يجرد، وهذا في الغالب، وقد قال في احاديث قليله مخرجة في الصحيحين (حسن) مجرد، وابن الجوزي عليه رحمة الله قد نقل في كتابه التحقيق عن الإمام الدارقطني قوله: أن هذا الحديث ليس ثابت، وكلام الدارقطني عليه رحمة الله في هذا الخبر ليس المراد به هذا الحديث من هذا الطريق، ونقل ابن الجوزي عليه رحمة الله عن الإمام الدارقطني هذا الكلام على هذا الطريق فيه شيء من التجوز والمسامحة وهو أقرب الى الوهم من العمد، وإلا فكلام الدارقطني عليه رحمة الله في هذا الحديث ليس مراده عليه رحمة الله هذا الطريق. وقد أُعلَّ هذا الحديث بجهالة عبيد الله بن عبد الله وقد قيل عبيد الله بن عبد الرحمن، وقد أعله بجهالته ابن القطان الفاسي عليه رحمة الله مضعفاً للخبر بجهالة عبيد الله بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن، فقد قال عليه رحمة الله أي ابن القطان في كتابه (الوهم والإيهام) : وكيفما كان فهو من لا يعرف له حال ولا عين، وقد قال عنه ابن مندة عليه رحمة الله أنه مجهول، وقد قال البخاري عليه رحمة الله: فيمن سمّى أباه عبد الرحمن قال: بأن ذلك وهم. ومعنى هذا الحديث مروي عن جماعة من الصحابة ﵃، فقد رُوي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وابن عباس، وكذلك مروي عن جماعة من التابعين كسعيد بن المسيّب ومجاهد بن جبر وعكرمة مولى عبد الله بن عباس. قوله ﷺ : «إن الماء طهور» :

стр. 29

(طَهور) : هنا إذا كانت بالفتح فالمراد به الماء الذي يتطهر به، ومثله أيضاً في الوضوء وكذلك في الغسل، وإذا جاء بالضم فالمراد به الفعل فإذا قال: طَُهور أو غَُسل أو وُضوء فالمراد به الفعل، فعل المتوضئ والمغتسل والمتطهر وهذا عند جماهير أهل العلم قد نقله الإمام النووي عليه رحمة الله وجماعة،. قوله ﷺ : «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» هذا هو الأصل في الماء أنه باقي على طهوريته، فالله جل وعلا قد أنزله طاهراً فلا ينتقل من أصله إلا بدليل واضح، أو بنص عن النبي ﷺ ، وهذا الماء إذا كانت أوصافه متغيرة بنجاسه فهو نجس، أو بالخبرة والتجربة إذا علم أن ذلك الماء يكون نجسا؛ فإنه حينئذٍ يكون قد انتقل من أصله إلى النجاسة. فالأصل في الماء الطهارة، وهذا عام كما قال النبي ﷺ هنا: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» . وقوله ﷺ : «لا ينجسه شيء» : هو مطلق مقيد ببقية الأخبار، أنه إذا مازجته شيء من النجاسة وتغير أحد أوصافه الثلاثة فإنه قد تنجس بالإجماع، وهذا يأتي تفسير الكلام عليه بإذن الله تعالى، في حديث أبي أمامة ﵁ الآتي. *************************************** ٣- وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الماء لا ينجسه شيء , إلا ما غلب على ريحه وطعمه , ولونه» . أخرجه ابن ماجه , وضعفه أبو حاتم. وهذا الحديث قد أخرجه ابن ماجه، وكذلك قد ضعفه أبو حاتم، فقد أخرجه ابن ماجه عليه رحمة الله من حديث رِشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي ﵁.

стр. 30

وهذا الحديث قد أجمع المحدثون على ضعفه والطعن فيه، ففي إسناده رشدين بن سعد قد ضعفه جماعة من أهل العلم، ضعفه الإمام أحمد وأبو زرعة والنسائي، وقد قال أبو داود ويحي بن معين: ليس بشيء، وكذلك قال الإمام أحمد: لا بأس به في الرقائق، وقال أبو حاتم: منكر الحديث. والصحيح في هذا الخبر أنه مرسل عن النبي ﷺ ولا يصح موصول عنه، كما أخرجه عبد الرزاق والدارقطني من حديث الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرسلا عن النبي ﷺ ، وهذا هو الصحيح الذي رجحه جماعة من الحفاظ كأبي حاتم الرازي والإمام الدارقطني عليهما رحمة الله قال الدارقطني: لم يرفعه غير رشدين عن معاوية وليس بالقوي. وتابع رشدين ثور بن يزيد عن كما رواه البيهقي من حديث عطية بن بقية عن ابيه عن ثور به وهو واه، وفيه اختلاف كثير فتارة يجعل من مسند ابي امامه وتارة عن ثوبان، وهذا الحديث قد أجمع العلماء على ضعفه وقد حكى الإجماع جماعة كالإمام النووي عليه رحمة الله، إلا أن معناه صحيح وقد عمل به أهل العلم، بل حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على صحة معناه، كما حكى ذلك الإمام ابن حبان عليه رحمة الله في صحيحه. فالأصل في الماء طاهر ومطهر، لا ينتقل من أصله إلا بنجاسة تحدث فيه تغير أحد أوصافه. قوله ﷺ : «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» : أجمع أهل العلم على أنه لا فرق بين تغير الماء بأحد هذه الأوصاف الثلاثة سواء من ريح أو طعم أو لون، وأن ذلك علامة على نجاسة الماء إذا كان قد تغير بنجاسة، إلا ما روي من خلاف شاذ عن ابن ماجشون عليه رحمة الله من استثنائه الريح، وهذا لا عبرة له بمقابل إجماع أهل العلم حكى الاجماع الشافعي وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والبيهقي وابن عبد البر وابن قدامه وابن تيميه.

стр. 31

وأهل العلم جمهورهم يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام، وهو قول الحنابلة والشافعية والمالكية وكذلك الحنفية، على أن الماء ينقسم إلى ثلاث أقسام: طهور , وطاهر, ونجس، واستدلوا بحديث البحر وان السائل يعلم بان ماء البحر ليس بنجس، لكنه اراد هل هو طاهر ام طهور، واستدلوا باحاديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد وغسل اليد بعد النوم قبل غمسها وياتي بيان هذه الاخبار ومعانيها. وذهب بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، ويروى عن أبي حنيفة وقال به جماعة من المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: على أن الماء على قسمين: طاهر ونجس واستدلوا بحديث بئر بضاعة وغيره. والتحرير أنه عند جمع الأدلة يتضح أن الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر ونجس، وأن ما أسماه أهل العلم طهوراً؛ أنه يدخل في قسم الطاهر. والماء إذا تغير بنجاسةٍ قد خالطته وتغير أحد أوصافه؛ فإنه حينئذٍ يُعد نجساً، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، بل حُكي الإجماع على ذلك. وإذا تغير الماء بأحد أوصافه بمجاورة النجاسة له لا بالمخالطة؛ فإنه يعد نجساً كذلك، وقد حُكي الإجماع على ذلك , فإنه إذا تغيرت أحد أوصاف الماء بالمجاورة أو بالممازجة فإنه حينئذٍ يُعد ذلك الماء نجساً، وقد حَكى الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم كالإمام النووي عليه رحمة الله. وإذا تغير الماء بشيء من الطاهرات كالنبيذ ونحو ذلك هل يعد طاهراً أم لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك: - فذهب الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله إلى أنه يتوضأ به في حالة واحدة؛ أنه إذا لم يجد شيء غيره فإنه يتوضأ به، وذهب بعض الحنفية وهو قولٌ لمحمد بن حسن عليه رحمة الله إلى أنه طاهر مطهر، إلا أنه يتيمم معه احتياطا، وهذا القول فيه شيء من المخالفة، فلم يرد عن النبي ﷺ في حالة من الأحوال أن يجمع الرجل بين الوضوء والتيمم، وهذا فيه شيء من التشدد.

стр. 32

- وذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول جمهور أهل العلم، إلى أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهذا مروي عن جماعة كما هو مروي عن الإمام أبي حنيفة عليه رحمة الله ومروي أيضاً عن الإمام ابن حزم، وقالوا إن هذا الماء لا يسمى ماء إلا بالإضافة، وقالوا إن الإجماع قد انعقد أن رفع الحدث لا يكون إلا بالماء الخالص , قالوا: وقد حكى ذلك الإمام ابن المنذر عليه رحمة الله من أن الحدث لا يرفع بسائل إلا بماء، وهذا قد مازجه غيره فغير لونه مع بقائه على طهارته إلا أنه لا يرفع الحدث. - وذهب مجيزُ الوضوء بالنبيذ، إلى ما رواه الإمام أحمد عليه رحمة الله فقال حدثنا يحي بن زكريا عن إسرائيل عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة لقي الجن، فقال: «أمعك ماء؟» ، فقلت: لا، فقال: «ماهذه الإداوة؟» ، قلت: نبيذ، قال: «أرينيها» ، فقال النبي ﷺ : «تمرة طيبة وماء طهور» ، فتوضأ منها ثم صلى , ولكن هذا الحديث حديث ضعيف لا يصح، ففي إسناده أبو زيد وهو في عداد المجاهيل، وقد قال فيه الإمام الترمذي عليه رحمة الله: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، وكذلك قد قال بجهالته البخاري والحاكم وابن عدي، وهو الراوي عن عبد الله بن مسعود في هذا الخبر، إذاً فلا يصح الاستدال به , ولذا قد أعلَّه الحافظ ابن عدي عليه رحمة الله بقوله: وهذا الحديث مداره على أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وأبو فزارة مشهور واسمه: راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ ، وهو خلاف القرآن.

стр. 33

ففيه المخالفة من أن الماء إذا تغير أحد أوصافه فإذا كان نجساً يعد نجساً، وإذا كان بطاهر فإنه يبقى على طهوريته، إلا أنه حينئذٍ لا يرفع الحدث، وأنه إذا مس جسد الإنسان أو مس لباسه فإنه ليس في عداد النجس، بل إنه في عداد الطاهرات؛ إلا أنه لا يرفع الحدث للعبادة. *************************************** ٤- وللبيهقي: «الماء طاهر إلا إن تغير ريحه، أو طعمه، أو لونه؛ بنجاسةٍ تحدث فيه» . هذا قد أخرجه البيهقي عليه رحمة الله من طريق عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي أمامة، وعطية بن بقية محله الصدق، كما حكى ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه كما في الجرح والتعديل , إلا أن أباه بقية بن الوليد هو في عداد المدلسين، ومجيء هذا الخبر من هذا الطريق فيه شيء من النكارة والغرابة , فهذا الطريق لا يصح عن النبي ﷺ وقد تكلم الكلام عليه فيما سبق. قوله ﷺ : «بنجاسة تحدث فيه» : استدل به من قال أن الماء لا ينجس بالمجاورة، وذكرنا أن هذا القول قول شاذ حُكي عن ابن ماجشون، بل إن الماء إذا تغير أحد أوصافه بممازجة أو بمجاورة؛ فإنه يعد نجس ولا يجوز التطهر به، فإنه لا يرفع الحدث ولا النجس. *************************************** ٥- وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» وفي لفظ: «لم ينجس» ، أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. هذا الحديث هو ما يسميه أهل العلم بحديث القلتين، وهو مروي من حديث حماد بن أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 34

وهذا الخبر قد أعله بعض أهل العلم، وصححه جماعة وهم الأكثر , قد أُعل بالاضطراب في إسناده, فقد روي عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير بدل محمد بن عباد بن جعفر، وروي في بعض طرقه عبد الله بن عبد الله بدل عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عليهما رضوان الله تعالى. واختلفت أقوال أهل العلم في ترجيح تلك الأوجه، فقد رجح أبو داود السجستاني في سننه رواية محمد بن عباد بن جعفر، وخالفه في ذلك جماعة من الحفاظ كابن منده وابن حبان وأبي حاتم، فإنهم رجحوا رواية محمد بن جعفر بن الزبير، ورجح الوجهين جماعة أيضاً من الحفاظ كالإمام البيهقي، والدارقطني، وكذلك قد رجحه الزيلعي؛ فرجح هؤلاء الوجهين. وقد ضعفه بعض أهل العلم , فقد ضعفه ابن القيم وابن دقيق العيد، وضعفه أبوبكر ابن العربي متعقباً الشافعي عليه رحمة الله في كتابه (أحكام القرآن) ، وكذلك في شرحه على سنن الإمام الترمذي عليه رحمة الله. ولكنه أغرب حينما أعلّّه بالوليد بن كثير , فالوليد بن كثير ثقة حافظ، قد أخرج له الجماعة ولم يطعن فيه أحد من أهل العلم سوى ابن سعد عليه رحمة الله؛ فإنه قال ليس بذاك , والوليد ابن كثير هو من الثقات المعروفين الذين قد أخرج لهم الجماعة , وجرح ابن سعد عليه رحمة الله له ليس بمقبول في مقابل كلام الحفاظ عليهم رحمة الله. وهذا الخبر قد صححه أيضاً جماعة من أهل العلم، صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وكذلك روي عن الدارقطني تصحيحه وعن البيهقي ومن المتاخرين ابن تيمية وغيرهم من أهل العلم.

стр. 35

وقد صنف في الكلام عليه وعلى طرقه جماعة من أهل العلم، فقد صنف العلائي عليه رحمة الله جزءاً في جمع طرق هذا الخبر، وصنف كذلك محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءاً في جمع طرقه راداً على الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله في تضعيفه لهذا الخبر، فإن ابن عبد البر عليه رحمة الله قد ضعّف هذا الخبر وشدد في تضعيفه، وتعقبه المقدسي عليه رحمة الله في جزءٍ له، وقد أُعلّ أيضاً باضطراب متنه من أنه روي في بعض الطرق الشك، فجاء في بعض الطرق قلتين أو ثلاثاً ولم يقل قلتين فحسب، وهذا مروي من حديث حماد بن أسامة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، وحماد بن أسامة قد تغير بآخره، وقد خالف الثقات في روايته هنا فوقع في الشك، وقوله هنا مرجوح في مخالفته للثقات، وهذا الشك في عداد الشذوذ، وقد بين ذلك الحافظ البيهقي عليه رحمة الله، وبين أن هذه الرواية رواية مرجوحة. وكذلك مما وقع فيه أنه جاء في بعض الروايات أن هذه القلال هي قلال هجر، كما أخرج ذلك ابن عدي في كامله من حديث المغيرة بن سقلاب عن محمد بن إسحاق عن نافع عن عبد الله بن عمر، والمغيرة بن سقلاب منكر الحديث، وقد بيَّن الدارقطني عليه رحمة الله، أن هذا الطريق وَهْم كما بيّن ذلك في علله، وبيَّن أن الصواب هو عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عليهما رضوان الله تعالى.

стр. 36

وهذا الخبر مهما يكن من الكلام على طرقه فقد صححه جماعة وضعفه آخرون، ومنهم من قال أن إعلاله بالاضطراب سواءً في متنه أو إسناده أنه ليس بمضعّفٍ له، وإنما اضطراب المتن يدل على ضعف تلك الأوجه، أما أصل الحديث فإنه ثابت عن النبي ﷺ ، وأما اضطراب السند فقد أجاب عنه بعض أهل العلم بأجوبة، ومنهم من رجّح الوجهين، وقال أنه روي عن النبي ﷺ بهذين الوجهين، كما هو قول الإمام الدارقطني وقول البيهقي وقول الزيلعي عليهم رحمة الله وقد توسع ابن القيم في تضعيف هذا الخبر ورده على من قواه بكلام نفيس متين قوي. (والقُلَّة) هي: بضم القاف مأخوذة من الارتفاع، يقال: قلة الجبل أي أعلاه، واختلف أهل العلم في مقدار القلة في خبر النبي ﷺ ، والقدر الذي تعرف به القُلّة على أقوال: - فقد روي أن المراد بالقلة أنها قربتين وجاء ذلك في كتاب الأم للشافعي، فقد أخرج عليه رحمة الله في كتابه الأم وكذا في مسنده فقال: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج قال: قلال هَجَر قربتين أو قربتين وشيئاً. - وهناك قول آخر وهو القول الثاني في قدر القلّة، وهو مروي عن الإمام الشافعي والإمام أحمد وكذا مروي عن أبي ثور عليهم رحمة الله، وقالوا: أن القُلّة تَسع قربتين ونصفا، واستدلوا بما روي عن ابن جريج السابق، وقالوا أن قول ابن جريج أن القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، قوله (شيئاً) هنا: أكثر ما يطلق عليه لفظ الشيء هو الشطر وهو النصف، قالوا فيقال بالاحتياط أن القلة تسع قربتين ونصفاً، وهذا كما ذكرنا مروي عن الإمام الشافعي وأحمد وأبي ثور. - وثمة قول ثالث: قالوا بأن القلة هي تسع ستة قرب، وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه عليه رحمة الله.

стр. 37

- وثمة قول رابع في مقدار القلة: أنها تسع فرقين، وهذا مروي عن يحيى بن عقيل كما أخرج ذلك الدارقطني في سننه عليه رحمة الله من حديث ابن جريج عن محمد بن يحيى عن يحيى بن عقيل قال: رأيت قلال هَجَر، فرأيت القُلّة تسع فرقين. - وروي في ذلك قول خامس أيضاً قالوا: أن القلة ليس لها قدرٌ معين معروف عن النبي ﷺ ، وهذا مروي عن عبد الرحمن بن مهدي، ومرويٌ أيضاً عن وكيع ويحيى بن آدم وجماعة من أهل العلم، وكذلك هو مروي عن أبي عبيد عليهم رحمة الله. فالقول الحق في ذلك بإذن الله تعالى، أن القلتين ليس لها قدر معين عند أهل العلم؛ ولكن المراد بالقلّة هي قلال هَجَر، كما حكى ذلك بعض أهل العلم، فقلال هجر معروفة عند العرب، واشتهرت حتى وصلت شهرتها المدينة، بل جاءت على لسان النبي ﷺ في خبر صحيح، كما في قصة الإسراء والمعراج عنه ﷺ كما جاء في الصحيح من حديث قتادة عن أنس عن مالك بن صعصة ﵁ في خبر طويل، قال النبي ﷺ : «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فرأيت نبقها كأنه قلال هَجَر» ، وهذا يدل على أن قلال هجر معروفة عند العرب ومعروفة على لسان النبي ﷺ ، وهي أقرب ما تكون من إرادة النبي ﷺ لها. والقلة كما ذكرنا أنها تنصرف عند التحقيق لمن تأمل أخبار النبي ﷺ إلى قلال هجر، وإذا عُلم أيضاً أن قلال هجر ليس لها قدر معين؛ عُلم أن مراد النبي ﷺ في هذا الخبر أنه غلبة الضن وليس القطع. قوله ﷺ : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» : قول النبي ﷺ إن صحّ: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» ، له دلالة منطوق ودلالة مفهوم.

стр. 38

* فدلالة منطوقه: أن الماء إذا كان قلتين على اختلاف في قدر القلتين فإنه لا يحمل الخبث، إلا إذا تغيّر طعمه أو ريحه أو لونه بنجاسة تحدث فيه، وهذا محل إجماع عند أهل العلم. * ودلالة مفهوم هذا الخبر: أن ما كان دون القلتين فإنه في غلبة الظن أنه تطرأ عليه النجاسة. ولكن اختلف أهل العلم في دلالة المفهوم هنا، هل ما كان دون القلتين بملاقاة النجاسة ينجس، حتى وإن لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه؟ على خلاف عند أهل العلم، فذهب الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله: على أن النجاسة إذا لاقت الماء القليل فإنه ينجس، حتى وإن لم يتغير ريحه أو طعمه أو لونه. ولكن هؤلاء الذين قالوا بهذا القول وهو قول الجمهور، اختلفوا في الماء القليل: - فذهب الحنفية قالوا: أن الماء القليل هو إذا حُرّك طرفه تحرّك طرفه الآخر - وذهب الحنابلة وكذلك الشافعية إلى أن الماء القليل هو: ما كان دون القلتين مما قدّرَه النبي ﷺ . - وذهب وهو القول الثاني جماعة من أهل العلم وهو قول ابن المسيب والحسن والثوري والإمام مالك عليه رحمة الله وابن مهدي ورواية عن احمد وعليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: على أن الماء إذا لاقته نجاسة وهو قليل حتى وإن كان دون قلتين أنه لا ينجس، إلا إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه من تلك النجاسة، وهذا هو القول الحق. فإن دلالة المفهوم من هذا الخبر إن صح عن النبي ﷺ ، تعارضها دلالة المنطوق عنه ﷺ في الأخبار المتقدمة: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» ، وهذا كلام عام لا يستثنى منه شيء قليل أو كثير.

стр. 39

فخبر القلتين هنا يؤخذ منه أن الماء إذا كان كثيراً؛ من قلتين فأكثر أن يقل احتمال ورود النجاسة عليه، وأنه إن كان دون القلتين فإنه حينئذٍ يغلب على الظن ورود النجاسة وغلبتها عليه، مع لزوم ذلك الضابط وهو: أن يتغير ريحه أو لونه أو طعمه من تلك النجاسة التي تحدث فيه. *************************************** ٦- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» . أخرجه مسلم. وللبخاري: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» . ولمسلم: «منه» . ولأبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» . هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم عليه رحمة الله فقال حدثنا هارون حدثنا بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة عن أبي هريرة ﵁. قوله ﷺ : «لا يغتسل أحدكم» : اللام هنا: لام النهي وهي ناهية، واختلف أهل العلم في دلالة ذلك النهي هل هو على التحريم أم لا؟ - فذهب المالكية وقالوا أن قول النبي ﷺ : «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» ، على خلافٍ في الروايات عند البخاري ومسلم وعند أبي داود عليهم رحمة الله، قالوا: أن ذلك يُحمل على الكراهة، وأن ذلك محمول على كراهة التنزيه عنه ﷺ ، وعللوا ذلك؛ قالوا: أن الماء باقٍ على طهوريته وأنه ليس بنجس، إذا فهذا يدل على أن النهي هنا هو نهي للكراهة وليس للتحريم، فإن النبي ﷺ لا ينهى عن شيء مع أن الغاية هو طهارة الماء حتى وإن فعله العبد.

стр. 40

- وذهب الحنابلة وقول الظاهرية على أن نهي النبي ﷺ هنا هو للتحريم، وعللوا ذلك بعللًٍ كثيرة؛ قالوا: أن الأصل من نهي النبي ﷺ هو التحريم، ولا يصرف ذلك إلا لعلّة ظاهرة أو لقرينة ظاهرة عن النبي ﷺ أو من عمل أصحاب النبي ﷺ . (والماء الدائم) : هو الباقي الماكث الساكن الذي لا يجري، لا يتحرك إلا بفعل فاعل من آدمي أو حيوان ونحو ذلك. والعلة في ذلك؛ من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم سواء من غسل جنابة ونحو ذلك، قالوا أن الماء الدائم يغلب عليه أن النجاسة تبقى فيه، وأن الجاري يتطهر بجريانه وكذلك بمكاثرة الماء فيه، ولذلك قال الشاعر: إني رأيت وقوف الماء يفسده.........إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ وهذا معلوم؛ فإن الماء إذا كان ساكناً فإنه كلما أتته النجاسة وطرأت عليه فإنه ينجس في الغالب اذا كان قليلا، أما الذي يجري فإنه يلتقي بغيره وكذلك فإن النجاسة تزول عنه بجريانه في الأرض. واختلف أهل العلم إذا اغتسل الجنب في الماء الدائم، ما حكم ذلك الماء؟ على اختلاف عندهم في القدر الذي يكون به الماء قليلا فلا يدفع النجاسة وهذا الخلاف في الماء القليل وأما الكثير عندهم فلا يكون مستعملا كالنهر والبحر والغدير ونحوه مما يخرج عن حد القلة بإجماعهم لكنهم اختلفوا في حد القليل وعليه يبنى خلافهم في نجاسه المستعمل من الماء فقد اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال؛ وهن روايات عن الإمام أحمد عليه رحمة الله إلا إحدى الروايات فهي تعدّ غريبة. القول الأول: قالوا أنه باقٍ على طهارته إلا أن ليس بمطهّر، وقالوا أنه يشرب ويطبخ به إلا أنه لا يزال به الحدث من وضوء وغسل جنابة وهو المشهور عن احمد وقول الشافعيه.
следующие страницы →