← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 147

من شرح بلوغ المرام للطريفي

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (84 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وهذا الخبر مهما يكن من الكلام على طرقه فقد صححه جماعة وضعفه آخرون، ومنهم من قال أن إعلاله بالاضطراب سواءً في متنه أو إسناده أنه ليس بمضعّفٍ له، وإنما اضطراب المتن يدل على ضعف تلك الأوجه، أما أصل الحديث فإنه ثابت عن النبي ﷺ ، وأما اضطراب السند فقد أجاب عنه بعض أهل العلم بأجوبة، ومنهم من رجّح الوجهين، وقال أنه روي عن النبي ﷺ بهذين الوجهين، كما هو قول الإمام الدارقطني وقول البيهقي وقول الزيلعي عليهم رحمة الله وقد توسع ابن القيم في تضعيف هذا الخبر ورده على من قواه بكلام نفيس متين قوي. (والقُلَّة) هي: بضم القاف مأخوذة من الارتفاع، يقال: قلة الجبل أي أعلاه، واختلف أهل العلم في مقدار القلة في خبر النبي ﷺ ، والقدر الذي تعرف به القُلّة على أقوال: - فقد روي أن المراد بالقلة أنها قربتين وجاء ذلك في كتاب الأم للشافعي، فقد أخرج عليه رحمة الله في كتابه الأم وكذا في مسنده فقال: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج قال: قلال هَجَر قربتين أو قربتين وشيئاً. - وهناك قول آخر وهو القول الثاني في قدر القلّة، وهو مروي عن الإمام الشافعي والإمام أحمد وكذا مروي عن أبي ثور عليهم رحمة الله، وقالوا: أن القُلّة تَسع قربتين ونصفا، واستدلوا بما روي عن ابن جريج السابق، وقالوا أن قول ابن جريج أن القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً، قوله (شيئاً) هنا: أكثر ما يطلق عليه لفظ الشيء هو الشطر وهو النصف، قالوا فيقال بالاحتياط أن القلة تسع قربتين ونصفاً، وهذا كما ذكرنا مروي عن الإمام الشافعي وأحمد وأبي ثور. - وثمة قول ثالث: قالوا بأن القلة هي تسع ستة قرب، وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه عليه رحمة الله.

стр. 37

- وثمة قول رابع في مقدار القلة: أنها تسع فرقين، وهذا مروي عن يحيى بن عقيل كما أخرج ذلك الدارقطني في سننه عليه رحمة الله من حديث ابن جريج عن محمد بن يحيى عن يحيى بن عقيل قال: رأيت قلال هَجَر، فرأيت القُلّة تسع فرقين. - وروي في ذلك قول خامس أيضاً قالوا: أن القلة ليس لها قدرٌ معين معروف عن النبي ﷺ ، وهذا مروي عن عبد الرحمن بن مهدي، ومرويٌ أيضاً عن وكيع ويحيى بن آدم وجماعة من أهل العلم، وكذلك هو مروي عن أبي عبيد عليهم رحمة الله. فالقول الحق في ذلك بإذن الله تعالى، أن القلتين ليس لها قدر معين عند أهل العلم؛ ولكن المراد بالقلّة هي قلال هَجَر، كما حكى ذلك بعض أهل العلم، فقلال هجر معروفة عند العرب، واشتهرت حتى وصلت شهرتها المدينة، بل جاءت على لسان النبي ﷺ في خبر صحيح، كما في قصة الإسراء والمعراج عنه ﷺ كما جاء في الصحيح من حديث قتادة عن أنس عن مالك بن صعصة ﵁ في خبر طويل، قال النبي ﷺ : «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فرأيت نبقها كأنه قلال هَجَر» ، وهذا يدل على أن قلال هجر معروفة عند العرب ومعروفة على لسان النبي ﷺ ، وهي أقرب ما تكون من إرادة النبي ﷺ لها. والقلة كما ذكرنا أنها تنصرف عند التحقيق لمن تأمل أخبار النبي ﷺ إلى قلال هجر، وإذا عُلم أيضاً أن قلال هجر ليس لها قدر معين؛ عُلم أن مراد النبي ﷺ في هذا الخبر أنه غلبة الضن وليس القطع. قوله ﷺ : «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» : قول النبي ﷺ إن صحّ: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» ، له دلالة منطوق ودلالة مفهوم.

стр. 38

* فدلالة منطوقه: أن الماء إذا كان قلتين على اختلاف في قدر القلتين فإنه لا يحمل الخبث، إلا إذا تغيّر طعمه أو ريحه أو لونه بنجاسة تحدث فيه، وهذا محل إجماع عند أهل العلم. * ودلالة مفهوم هذا الخبر: أن ما كان دون القلتين فإنه في غلبة الظن أنه تطرأ عليه النجاسة. ولكن اختلف أهل العلم في دلالة المفهوم هنا، هل ما كان دون القلتين بملاقاة النجاسة ينجس، حتى وإن لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه؟ على خلاف عند أهل العلم، فذهب الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله: على أن النجاسة إذا لاقت الماء القليل فإنه ينجس، حتى وإن لم يتغير ريحه أو طعمه أو لونه. ولكن هؤلاء الذين قالوا بهذا القول وهو قول الجمهور، اختلفوا في الماء القليل: - فذهب الحنفية قالوا: أن الماء القليل هو إذا حُرّك طرفه تحرّك طرفه الآخر - وذهب الحنابلة وكذلك الشافعية إلى أن الماء القليل هو: ما كان دون القلتين مما قدّرَه النبي ﷺ . - وذهب وهو القول الثاني جماعة من أهل العلم وهو قول ابن المسيب والحسن والثوري والإمام مالك عليه رحمة الله وابن مهدي ورواية عن احمد وعليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: على أن الماء إذا لاقته نجاسة وهو قليل حتى وإن كان دون قلتين أنه لا ينجس، إلا إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه من تلك النجاسة، وهذا هو القول الحق. فإن دلالة المفهوم من هذا الخبر إن صح عن النبي ﷺ ، تعارضها دلالة المنطوق عنه ﷺ في الأخبار المتقدمة: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» ، وهذا كلام عام لا يستثنى منه شيء قليل أو كثير.

стр. 39

فخبر القلتين هنا يؤخذ منه أن الماء إذا كان كثيراً؛ من قلتين فأكثر أن يقل احتمال ورود النجاسة عليه، وأنه إن كان دون القلتين فإنه حينئذٍ يغلب على الظن ورود النجاسة وغلبتها عليه، مع لزوم ذلك الضابط وهو: أن يتغير ريحه أو لونه أو طعمه من تلك النجاسة التي تحدث فيه. *************************************** ٦- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» . أخرجه مسلم. وللبخاري: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» . ولمسلم: «منه» . ولأبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» . هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم عليه رحمة الله فقال حدثنا هارون حدثنا بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة عن أبي هريرة ﵁. قوله ﷺ : «لا يغتسل أحدكم» : اللام هنا: لام النهي وهي ناهية، واختلف أهل العلم في دلالة ذلك النهي هل هو على التحريم أم لا؟ - فذهب المالكية وقالوا أن قول النبي ﷺ : «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه» ، على خلافٍ في الروايات عند البخاري ومسلم وعند أبي داود عليهم رحمة الله، قالوا: أن ذلك يُحمل على الكراهة، وأن ذلك محمول على كراهة التنزيه عنه ﷺ ، وعللوا ذلك؛ قالوا: أن الماء باقٍ على طهوريته وأنه ليس بنجس، إذا فهذا يدل على أن النهي هنا هو نهي للكراهة وليس للتحريم، فإن النبي ﷺ لا ينهى عن شيء مع أن الغاية هو طهارة الماء حتى وإن فعله العبد.

стр. 40

- وذهب الحنابلة وقول الظاهرية على أن نهي النبي ﷺ هنا هو للتحريم، وعللوا ذلك بعللًٍ كثيرة؛ قالوا: أن الأصل من نهي النبي ﷺ هو التحريم، ولا يصرف ذلك إلا لعلّة ظاهرة أو لقرينة ظاهرة عن النبي ﷺ أو من عمل أصحاب النبي ﷺ . (والماء الدائم) : هو الباقي الماكث الساكن الذي لا يجري، لا يتحرك إلا بفعل فاعل من آدمي أو حيوان ونحو ذلك. والعلة في ذلك؛ من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم سواء من غسل جنابة ونحو ذلك، قالوا أن الماء الدائم يغلب عليه أن النجاسة تبقى فيه، وأن الجاري يتطهر بجريانه وكذلك بمكاثرة الماء فيه، ولذلك قال الشاعر: إني رأيت وقوف الماء يفسده.........إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ وهذا معلوم؛ فإن الماء إذا كان ساكناً فإنه كلما أتته النجاسة وطرأت عليه فإنه ينجس في الغالب اذا كان قليلا، أما الذي يجري فإنه يلتقي بغيره وكذلك فإن النجاسة تزول عنه بجريانه في الأرض. واختلف أهل العلم إذا اغتسل الجنب في الماء الدائم، ما حكم ذلك الماء؟ على اختلاف عندهم في القدر الذي يكون به الماء قليلا فلا يدفع النجاسة وهذا الخلاف في الماء القليل وأما الكثير عندهم فلا يكون مستعملا كالنهر والبحر والغدير ونحوه مما يخرج عن حد القلة بإجماعهم لكنهم اختلفوا في حد القليل وعليه يبنى خلافهم في نجاسه المستعمل من الماء فقد اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال؛ وهن روايات عن الإمام أحمد عليه رحمة الله إلا إحدى الروايات فهي تعدّ غريبة. القول الأول: قالوا أنه باقٍ على طهارته إلا أن ليس بمطهّر، وقالوا أنه يشرب ويطبخ به إلا أنه لا يزال به الحدث من وضوء وغسل جنابة وهو المشهور عن احمد وقول الشافعيه.

стр. 41

القول الثاني: قالوا أنه نجس، إذا اغتسل الجنب في الماء الدائم أن ذلك يدل على نجاسته، فلا يشرب ولا يطبخ به ولا يغتسل به، ولا يتوضأ به من باب أولى. وهو قول ابي حنيفه وهذه كما ذكرنا رواية لإمام أحمد، وقد تأولها بعض الأصحاب كأبي يعلى الحنبلي، وابن عقيل وغيره وهي رواية بعيدة عنه عليه رحمة الله، ولعل فهم بعض الأصحاب قول أحمد على غير وجهه فحكوه على أن الماء إذا اغتسل فيه الجنب بنجس، وإلا ففقه الإمام أحمد عليه رحمة الله هو أبعد من ذلك. القول الثالث: قالوا أن الماء إذا اغتسل فيه الجنب أنه باقٍ على طهوريته، وأنه طاهر مطهِّر، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم، فقد روي عن سفيان الثوري وكذا مالك بن أنس والشافعي واحمد، وعليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، فقالوا: أن الماء إذا اغتسل فيه الجنب باقٍ على أصله ولا ينتقل من أصله إلا بدليل عن النبي ﷺ ، فنهي النبي ﷺ عن اغتسال الجنب في الماء الدائم ليس بمتعلق بطهارة الماء أو نجاسته بعد الاغتسال منه، ولكن لعلّة: إما أن تكون تأديب من النبي ﷺ ، أو منع من الغسل في الدائم لكي لا يتهاون المرء بالاغتسال فيه على أي حال فيسفد معه الماء بتغير أوصافه أو غير ذلك مما تخفى حكمته، ولا يقال بنجاسة الماء ونقله من أصله إلا بدليل أو علة ظاهرة قد نص عليها النبي ﷺ . قوله: وللبخاري: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» . هذه الرواية التي أخرجها البخاري عليه رحمة الله قال: حدثنا أبو اليمان قال اخبرنا شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁. وفيه قوله: «ثم يغتسل فيه» :

стр. 42

وهذه الرواية جاءت بحكمٍ أخذه منه بعض أهل العلم قالوا: أن نهي النبي ﷺ مرتبط بالجمع، أي لا يبول الرجل في الماء الدائم ثم يغتسل فيه، أما أن يغتسل فيه من غير بول فلا بأس، ومن قال بهذا القول فإنه استمسك بهذه الرواية. قوله: ولمسلم: «منه» : رواية الإمام مسلم عليه رحمة الله بقوله: «منه» قد أخرجها عليه رحمة الله فقال حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق عن معمّر بن راشد عن همام ابن منبّه عن أبي هريرة ﵁. وفيها دلالة على قولٍ لبعض أهل العلم أن نهي النبي ﷺ ليس بخاص أن ينغمس الجنب في الماء، ولكن نهيه ﷺ يشمل أيضاً أن يغتسل من ذلك الماء حتى وإن اغترف منه. وهذه الرواية يظهر والله أعلم أنها رويت بالمعنى وإلا فنهي النبي ﷺ ظاهر من تفسير أبي هريرة ﵁، لما سأله أبو السائب عليه رحمة الله قال: كيف يصنع يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً، وهذا يخالف تفسير أبي هريرة ﵁ لهذه الرواية. قوله: ولأبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» :

стр. 43

هذه الرواية قد أخرجها أبو داود عليه رحمة الله، فقال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة ﵁، وقد رواه الامام احمد عن يحي عن ابن عجلان به وبظاهر الإسناد فمحمد بن عجلان وأبوه هم من الثقات، وأحاديثهم مستقيمة، لكن مخالفة ابن عجلان في هذه الرواية توجب النظر والتوقف فيها فلم يرو الجمع بين الاغتسال في الماء الدائم والنهي عن الاغتسال للجنب في الماء الدائم الا محمد بن عجلان وانفراده يوجب الشك في ثبوت هذا اللفظ، بل الذي يظهر هو شذوذه حيث ان الخبر واحد وخالف فيه الثقات مع كون ابن عجلان فيه خفه في الضبط فليس هو من الثقات الحفاظ فالحديث معروف عن ابي هريرة رواه جماعة من اصحابه كالاعرج وابن سيرين وهمام وحميد بن عبد الرحمن وغيرهم وانفرد ابن عجلان عن ابيه بهذا اللفظ. ومما يجب معرفته لزوم العناية والتنبه لمثل هذا الاختلاف في احاديث الاحكام وكثيرا ما يغفل هذا الفقهاء فترى الاقوال تختلف باختلاف تعدد الفاظ الحديث كما في هذا الخبر ولو جمعت الالفاظ لبان ذلك، وهذا يرد كثيرا جدا في كتب الفقه، فالاحاديث كثيرا ما تروى من طريق واحد ومخرج واحد فتتعدد الفاظها لكونها رويت بالمعنى او رويت من غير ضبط ومع هذا تتعدد اقوال الفقهاء بتعدد هذه الروايات، وهذا ما ينلغي التنبه له في كثير من مسائل الفقه وادلته، ولو حررت هذه الالفاظ المتعددة للحديث الواحد وعرف الصحيح منها لضعفت الاقوال المعتمدة عليها.

стр. 44

ومما يجب معرفته ايضا ان الاحاديث في كثير من الابواب تتفق على حكم معين جاء الحديث بتقريره وهو السبب من ورود الحديث ومن نقل الرواة له، فيعتني الرواة بنقل الخبر وضبط اللفظ الذي جاء به الحكم من الحديث ولا يعتنون بضبط ما جاء تبعا في الحديث من ايراد قصه او لفظ آخر ليس هو مما ينص على الحكم فتتنوع حينئذ الالفاظ وتختلف وهذا يرد كثير جدا فيتمسك هؤلاء بتلك الالفاظ على تفسير الحكم بينما الحكم واحد لو جرد من تلك الالفاظ التي جاءت تبعا في سياق الحديث وهي كثيرا ما لا يعتني بها الرواة، ومع كون مخرج الحديث واحد ويقطع بكونه قاله النبي ﷺ في موطن واحد الا ان الاقوال تنقسم في تفسير الحكم باختلاف تلك الالفاظ التابعة وليست اصلا في الخبر، فمثلا تجد الاختلاف في خبر المقداد (توضأ وانضح فرجك) او (اغسل ذكر وتوضأ) والنص جاء ولاجله نقل الخبر في عدم الغسل من المذي وانه يكفي غسل الذكر والوضوء، لكن تمسك البعض وانقسمت الاقوال بحسب سياق الخبر هل يصح الوضوء قبل الاستنجاء او لا؟ وهل يصح الوضوء قبل غسل الذكر ام لا؟ وهذه المسالة ترد كثيرا فيجب التنبه لها. *************************************** ٧- وعن رجل صحب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ «أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة ، وليغترفا جمعياً» . أخرجه أبو داود. والنسائي، وإسناده صحيح. هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي عوانه عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، قال: سمعت رجلاً صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة أربع سنين.

стр. 45

وهذا الحديث إسناده صحيح وقد أعله بعض أهل العلم بما لا يقدح، فقد أعله ابن حزم عليه رحمة الله، وأشار البيهقي عليه رحمة الله في أنه في حكم المرسل، ولكن جهالة الصحابي هنا لا تضر وعليه عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم وأبو إسحاق الإسفريني، فإنهما قال بأن جهالة الصحابي تضر، وعلل ذلك بتعليل غير مقبول، فوأهل العلم على أن جهالة الصحابي لا تضر فإن الله قد عدّلهم في كتابه العظيم ورضي عنهم ، وهذا منصوص في كتاب الله جل وعلا، وهو محل إجماع عند السلف الصالح عليهم رحمة الله وممن نص على ذلك الامام أحمد والحميدي، واضطرب في هذا البيهقي رحم الله الجميع، قال الامام احمد إذا قال الرجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة ولم يسمّه فالحديث صحيح. وقال الحميدي: إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة إن لم يسم ذلك. وابن حزم عليه رحمة الله لا يقابل قوله قول أئمة هذا الشأن فليس هو ممن يعارض باحمد والبخاري وابن المديني والدارقطني وابن معين والنسائي والترمذي واضرابهم، وهو ممن يعمل الظاهر في النقد ويغفل القرائن ككثير من المتأخرين كابن القطان الفاسي ونحوه، بل ان ابن حزم له أوهام في معرفة الرواة واسمائهم مما لا يوجد عادة في عند الائمة الكبار فقد وهم في اسم حماد فجعله ابن زيد والصواب أنه ابن سلمة فالراوي عنه موسى بن اسماعيل وعدم معرفته بداود راوي خبر هذا الحديث كما سياتي وغير ذلك مما لم اره عند الحفاظ النقاد وان وجد عندهم لكنه نادر جدا.

стр. 46

وداود بن عبد الله الأودي قد وثقه الإمام أحمد وكذلك وثقه ابن معين عليهم رحمة الله، وقد حكى ابن معين عليه رحمة الله عن داود بن يزيد الأودي أنه قال: ليس بشيء، فتوهم الحافظ المزي عليه رحمة الله، أن هذا الحكم هو في داود بن عبد الله الأودي صاحب هذا الخبر، فذكر هذا الطعن وهذا الجرح في رواية داود بن عبد الله الأودي في كتابه التهذيب، وهو وهم ينبغي التنبيه له، فإن قول ابن معين عليه رحمة الله في داود الأودي: ليس بشيء، لا يريد فيه داود بن عبد الله ولكنه يريد داود بن يزيد، وداود بن يزيد الأودي هو ضعيف معروف. وقد أعل ابن حزم عليه رحمة الله هذا الخبر بداود الأودي وذلك لجهله بحاله، فإنه قال عليه رحمة الله: إن كان داود هذا هو عم ابن إدريس فضعيف وإلا فمجهول، وقد تعقبه جماعة من أهل العلم كابن قطان الفاسي فإنه قد ذكر أن الحميدي قد صحح هذا الخبر، وكتب إلى ابن حزم عليه رحمة الله رسالة يبين له صحة هذا الخبر، وكذلك يبين له حال داود بن عبد الله الأودي وأنه ثقة معروف وليس بمجهول وليس بضعيف أيضاً، وقال عليه رحمة الله: فلا أدري ابن حزم عليه رحمة الله أرجع عن قوله أم لا؟ ، والشاهد في ذلك أن هذا الخبر صحيح إسناده، وقد صححه بعض أهل العلم كالحميدي الله وابن القطان الفاسي والمصنف ابن حجر هنا وغيرهم من أهل العلم ونقل الميموني عن الامام أحمد إعلاله للاخبار الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة وفي جواز ذلك وعدها مضطربه.

стр. 47

وهذا يدل على ان الامام أحمد ﵀ لم يشترط الصحة في مسنده وانما اشترط الشهرة ومعنى الشهرة أي ما عرف عند الحفاظ واشتهر وغن لم يشتهر ويعرف عند من هو دونهم، وليس المراد به الشهره عند أهل الاصطلاح وقد قال الامام احمد لابنه عبد الله لما سأله عن حديث ضعيف ذكره في المسند قال: إنما قصدت في المسند المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرو هذا المسند الا الشيء بعد الشيء. وهذا حكاه غير واحد من الأئمة وجماعة من الحنابلة كأبي بعلى وابن تيمية وابن القيم وغيرهم. ولهذا تجد ان الامام احمد اخرج احاديث في مسنده ومع هذا يعلها بل منها ما ينكره والامثله على هذا كثيرة جدا ومنها هذا الحديث وكذلك ما أخرجه الامام أحمد في مسنده من طريق أبي العميس عتبة عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان. وقد نقل حرب عن أحمد قوله في هذا الحديث: هذا حديث منكر ولم يحدث العلاء بحديث أنكر من هذا وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به ومن ذلك أيضاً ما أخرجه في مسنده من حديث أبي هريرة وابي سعيد وغيرهما: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. وقال: لا يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ . ومنها ما أخرجه في مسنده من حديث إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعه الطعام بعد دفنه من النياحة. وقد نقل ابو داود عن الامام احمد قوله فيه: لا اصل له.ومنه ما اخرجه في مسنده من حديث بقية عن عثمان بن زفر عن هاشم عن بن عمر قال: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه. قال ثم أدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال صمتا ان لم يكن النبي ﷺ سمعته يقوله. وقد قال احمد: ليس له اسناد. يعني بهذه العبارة ليس له اسناد يعتمد عليه

стр. 48

وهو اشبه بالاحاديث التي تروى وليس لها اسناد اصلا. وكذلك من الامثله هذا الحديث الذي معنا كما ذكرناه في النهي عن الاغتسال بفضل الرجل والمرأة. وهذا الخبر في نهيه ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والرجل بفضل المرأة، قد اختلف أهل العلم في نهي النبي ﷺ فيه: - فذهب أهل الظاهر وهو مروي عن الإمام أحمد وهو قول الحنابلة عليهم رحمة الله على أن النهي هنا للتحريم؛ لأن الأصل من نهي النبي ﷺ أنه يحمل على التحريم.

стр. 49

- وذهب جماعة من أهل العلم وهو قولٌ للمالكية من أن نهي النبي ﷺ هو للتنزيه، ويحمل على الكراهة، وذلك لورود عدة أخبار عنه ﷺ ، وكذلك عن أصحاب النبي ﷺ أن الرجل يغتسل بفضل المرأة، فقد أخرج البخاري وغيره عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضأون جمعياً في عهد النبي ﷺ ، وكذلك ما أخرجه أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه أيضاً الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من أهل العلم، ما أخرجوه من حديث سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها، فقالت زوجته: إني كنت جنباً، فقال النبي ﷺ : «إن الماء لا يجنب» ، وهذا الخبر قد أعله بعض أهل العلم وصححه بعضهم، فقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حجر كما في كتابه هنا، وقد أعله بعض أهل العلم وتوقف فيه الإمام أحمد عليه رحمة الله وذلك لحالِ سماك بن حرب، وسماك بن حرب قد وثقه ابن معين عليه رحمة الله، وقد قال فيه النسائي: ليس به بأس، وقال فيه ابن المديني عليه رحمة الله ويعقوب ابن شيبة: أنه مضطرب الرواية في روايته عن عكرمة، قال الدارقطني عليه رحمة الله: إذا روى عنه سفيان وشعبة وأبو الأحوص فإن أحاديثه سليمة، وهو في هذا الخبر قد روى عنه سفيان كما عند الإمام أحمد وكذلك عند النسائي، وروى عنه أبو الأحوص كما عند أبي داود والترمذي وابن حبان والطبراني وغيرهم، وكذلك قد رواه عنه شعبة بن الحجاج عليه رحمة الله وقد اختلفت الالفاظ فيه فرواه شعبه وسفيان وابو الاحوص بلفظ: (ان الماء لا ينجسه شيء) وهو الصواب ولا يصح بلفظ (ان الماء لا يجنب) وفي الغالب اذا روى عنه شعبه وسفيان وابو الاحوص فهو

стр. 50

مما يدل على ضبطه لهذا الخبر، وأن هذا الخبر مستقيم، والعمدة أن ينظر مع ذلك الى استقامة الحديث وعدم غرابته واضطرابه وان لا يتفرد بما لم يأت به الثقات الحفاظ. وعكرمة مولى عبد الله بن عباس قد أخرج له البخاري في صحيحه، وهنا مسألة ينبغي التنبه لها: وهي أن أمثال هذا الروايات إذا وجد راوٍ قد أخرج له البخاري يروي عن راوي قد أخرج له الإمام مسلم عليه رحمة الله فإنه لا يقال في مثل هذا الخبر أنه لا على شرط البخاري ولا على شرط مسلم، ولا يقال أيضاً أنه على شرط الصحيح من غير الإشارة إلى البخاري أو مسلم، وإنما يقال رجاله رجال الصحيح أو رجاله أخرج لهم في الصحيح، فقد ذكرنا أن أمثال هذه اللفظة لا تدل على تصحيح الحديث، فإن سماك بن حرب في روايته عن عكرمة فيها اضطراب كما حكى ذلك ابن المديني، وكذلك يعقوب بن شيبة مع أن الإمام مسلم عليه رحمة الله قد أخرج لسماك بن حرب في روايته عن غير عكرمة، والبخاري عليه رحمة الله قد أخرج لعكرمة مولى عبد الله بن عباس من غير رواية سماك بن حرب عنه، فلا يقال ذلك أنه على شرط أحدهما فضلاً عن أن يكون على شرطهما، وأن قول البعض: (رجاله رجال الصحيح) ، لا تفيد تصحيحاً لهذا الخبر أو لغيره من الأخبار، وحكاية على شرط الصحيح على الاحاديث تساهل فيها الكثير ونظروا الى ظاهر الاسانيد وحكموا بذلك، وهذا غير صحيح فثمة اشياء غير سياق الرواة يلزم النظر فيه وهو الغرابة والتفرد وعدم المخالفة وسلامة المتن، وقد وجد من الاحاديث حكي فيها انها على شرط البخاري او مسلم او كليهما وفي متونها نكارة وغرابة، وهذا لا يصح والشيخان ينظران الى المتون كما ينظران الى الاسانيد والرجال وهذا قد غفل عنه كثير ممن ينتسب الى العلم من أهل العصر. وعلى هذا فحديث سماك بن حرب عن عكرمة على ثلاثة انواع:

стр. 51

الاول: فيما رواه عن عكرمة عن ابن عباس وانفرد به ولم يوافق عليه فهو يغلب عليه النكاره فيكون مردودا. ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سماك عن عكرمة عن بن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال قال أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا. والصحيح فيه الارسال فقد رواه جماعة كسفيان الثوري وغير هـ عن سماك عن عكرمة مرسلا وصوب ذلك الحفاظ كالترمذي والنسائي. وقد انكر الحفاظ تفردات سماك عن عكرمة كابن المديني واحمد العجلي والدارقطني وغيرهم الثاني: ما رواه عن عكرمة عن ابن عباس ورواه عنه قدماء أصحابه شعبة وسفيان وابو الاحوص فهذا النوع ينظر فيه الى استقامة متنه وعدم غرابته ونكارته فان كان كذلك فيقبل الثالث: ما رواه عن عكرمة عن غير ابن عباس كعائشة وغيرها ولم يكن ممن يستنكر متنه ولم ينفرد بأصل فهو محمول على الاستقامة والصحة ما لم يخالف كما روى النسائي والطيالسي والبيهقي عن سماك عن عكرمة عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم فقال أعندك شيء قلت لا قال إذا أصوم. وهذا صحيح قد صححه الحفاظ كالدارقطني والبيهقي وغيرهما وفي مسالة الاغتسال بالفضله كذلك النبي ﷺ فإنه قد اغتسل بفضل ميمونة عليها رضوان الله تعالى، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس ﵁، إذاً فغسل الرجل بفضل المرأة هو جائز ومجزئ، وأن ذلك لا يحمل على التحريم جمعاً بين الأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ ، وكذلك عن أصحاب النبي ﵃. *************************************** ٨- وعن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂ . أخرجه مسلم.

стр. 52

هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم من حديث محمد بن بكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي، أن أبا الشعثاء حدثني عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ اغتسل بفضل ميمونة عليها رضوان الله تعالى. وهذا الخبر صارف لما جاء عن النبي ﷺ من النهي أن يغتسل الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل للتحريم، وقد صرفه من التحريم إلى كراهة التنزيه، وإلا لما فعل النبي ﷺ شيئا قد نهى عنه. وفيه دلالة أيضاً على أن الماء باقٍ على طهوريته وتطهيره، وهو باق على أصله لا ينصرف إلى غيره، فإن النبي ﷺ حينما فعل ذلك وفعله أصحابه عليهم رضوان الله تعالى، دلّ ذلك على بقاء الماء على أصله، وأن النبي ﷺ حينما نهى عن اغتسال الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل أنه على كراهة التنزيه، وأن الأولى أن يغتسل الرجل بعد المرأة من غير فضلها، وأن المرأة تغتسل بعد الرجل من غير فضله، أو يغترفا من إناء واحد جميعا، وذلك مما نبه النبي ﷺ عليه بنهيه عن ذلك، نهي كراهة وليس نهياً تحريميا.

стр. 53

وفي إسناد هذا الخبر من المسائل ما يذكره أهل الحديث عليهم رحمة الله من قول عمرو بن دينار عليه رحمة الله: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء حدثني ... ، فقد وقع في الشك عليه رحمة الله، مع ذلك أخرج هذا الخبر الإمام مسلم عليه رحمة الله في صحيحه، مع أن عمرو بن دينار قد وقع في شيء من الشك في تحديث أبي الشعثاء له عن عبد الله بن عباس عليهما رضوان الله تعالى، وهذا الجواب عنه أن شك الثقات الحفاظ كعمرو بن دينار أنه كيقين غيرهم خاصة إذا غلب ظنهم على شيء، ولذا قال شعبة بن الحجاج شك مسعر أحب إلي من يقين غيره. وقال ذلك ايضا في ابن عون. وروي ان شعبه سأل أيوب عن حديث فقال أشك فيه فقال له شكك أحب إلي من يقين غيرك.، فإن الثقة إذا شك في أمر ومال إلى أحدهما كما في رواية عمرو بن دينار هنا يدل على شدة تحرزه وضبطه، بخلاف خفيف الضبط أو الصدوق أو من الثقات الذين ليسوا معروفين بالحفظ، وكذلك الضبط فإنه إذا شك يتوقف فيه، بل إن أهل العلم عليهم رحمة الله قد قالوا: أن الحافظ إذا حدّث بحديث عن شيخه ونفى شيخه أن يكون قد حدّثه بذلك الخبر أن حديثه صحيحا، وإن نفي الشيخ أن يكون حدثه بذلك الخبر إما أن يكون قد طرى على شيخه من النسيان أو شيء من الغفلة ونحو ذلك، وقد جاءت في ذلك روايات عن النبي ﷺ بأسانيد فيها مثل هذا، فقد نفى بعض الشيوخ أن يكون قد حدّثوا التلاميذ مع أن التلاميذ هم من الحفاظ، وقد قبل الحفاظ رواياتهم، وقد أخرج البخاري ومسلم مثل هذا في صحيحهما، كما أخرج الإمام مسلم في مثل هذا الشك هنا في حديث عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن أبي الشعثاء عن عبد الله بن عباس عليهما رضوان الله تعالى. ***************************************

стр. 54

٩- ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء ليغتسل منها، فقالت له: إني كنت جنباً، فقال: «إن الماء لا يجنب» . وصححه الترمذي، وابن خزيمة. هذا الحديث هو حديث عبد الله بن عباس، قد أشرنا إليه في السابق عند الحديث الذي قبل الماضي، من أنه حديث عبد الله بن عباس ويرويه عنه عكرمة ويرويه عن عكرمة سماك بن حرب ويرويه عن سماك بن حرب سفيان الثوري، ويرويه مع سفيان شعبة بن الحجاج وأبو الأحوص، وهؤلاء ثقات حفاظ إذا رووا عن سماك بن حرب حديثاً حتى وإن كان عن عكرمة عن ابن عباس فهو في الغالب يكون مستقيما، وقد يكون له ما ينكر فيرد؛ وهؤلاء ينتقون من شيوخهم الأحاديث، وقد قال الدارقطني عليه رحمة الله عن سماك بن حرب: إذا روى عنه سفيان وشعبة وأبو الأحوص فإن أحاديثه سليمة، فإن سماك بن حرب في روايته عن عكرمة فيه شيء من الاضطراب، كما حكى ذلك ابن المديني ويعقوب بن شيبة، وكذلك قد حكاه أيضاً أحمد بن عبد الله العجلي عليه رحمة الله، وإلا فسماك بن حرب في نفسه هو من الثقات وقد وثقه ابن معين، وقال فيه النسائي: ليس به بأس وفي حديثه شيء. وقد توقف فيه الإمام أحمد عليه رحمة الله، لشدة تحرزه لحال سماك بن حرب، فإنه ليس يرويه غير سماك بن حرب لم يرو إلا من طريق سماك بن حرب. والحديث بهذا اللفظ الذي اورده المصنف لا يصح، والصحيح ما اتفق عليه ثقات اصحاب سماك كشعبه وسفيان وابي الاحوص (ان الماء لا ينجس) او لا ينجسه شيء .وقد تقدم الكلام عليه وعلى رواية سماك بن حرب عن عكرمة مولى ابن عباس بالتفصيل

стр. 55

وفي هذا الخبر من الدلالة أيضاً ما ذكرناه في السابق أنه صارف لنهي النبي ﷺ أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً، وأن النهي يحمل على الكراهة كراهة التنزيه، وأنها ليست بكراهة التحريم، وإلا النبي ﷺ لما قال لزوجته عليها رضوان الله تعالى: «إن الماء لا ينجس» ، واغتسل منه ﷺ . ١٠- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب» أخرجه مسلم. هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم عليه رحمة الله قال حدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁. قوله ﷺ : «إذا ولغ الكلب» : الولوغ هنا هو: الشرب باللسان، وهذا خاص بالكلب ونحوه من السباع، والولوغ لا يكون إلا لسائل من ماء وغيره، ومنه يؤخذ كما أخذ أهل العلم أن الكلب إذا وضع لسانه على شئ من الجامدات ونحو ذلك، أن هذا ليس بحكم السائل، وأنه لا يغسل سبعا، وإنما يأخذ ما وضع فيه الكلب لسانه ويغسل كسائر النجاسات او يزال فيرمى، ولا يقال بأن ذلك الموضع يغسل سبعاً؛ لأن النبي ﷺ قيد ذلك بالولوغ، والولوغ لا يكون إلا في الشرب. وهذه اللفظة التي جاءت عن النبي ﷺ هنا في قوله: «إذا ولغ» ، ذكرنا أنها خاصة بالكلب وما في حكمه من السباع , ولكن النبي ﷺ خصص هذا الحكم بالكلب ولم يعممه في سائر السباع بقوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم» ، فهذا خاص في الكلب لا يعم سائر السباع.

стр. 56

وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: «إذا شرب» ، والمعلوم أن الكلب لا يشرب وإنما يلغ، وهذا معلوم عند العرب، جاء ذلك في الصحيحين: من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا شرب الكلب» ، وقال الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله تفرد الإمام مالك بهذا اللفظة يعني: «إذا شرب» ، والصحيح أن الإمام مالك عليه رحمة الله لم يتفرد بهذه اللفظة لفظة: «إذا شرب» ، والذي يظهر والله أعلم أنها ممن فوقه أو ممن دونه، أو أن هذا الخبر روي بالمعنى عن النبي ﷺ ، فقد جاءت هذه اللفظة عن غير الإمام مالك عليه رحمة الله، بل روى هذا الخبر عن الإمام مالك عليه رحمة الله غير راوٍ ولم يذكروا لفظة: «إذا شرب» وإنما قالوا: «إذا ولغ» ، وهذا قد جاء عند أبي عبيد في كتابه (الطهور) من حديث إسماعيل بن عمر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا ولغ» . وكذلك قد أخرجه ابن ماجه من حديث روح بن عبادة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ» ، ولم يذكر إذا شرب، مما يدل على أن الإمام مالك عليه رحمة الله قد أتى بالحديث على وجهه، وأن هذا إما أن يكون من أبي الزناد، أو ممن روى عن الإمام مالك عليه رحمة الله، وكذلك مما يؤيد أن الخبر هذا قد جاء عن النبي ﷺ بالمعنى وجاء بلفظ: «إذا شرب» .

стр. 57

وأن الصحيح عن النبي ﷺ : «إذا ولغ» أنه جاء عن النبي ﷺ من غير طريق الإمام مالك عليه رحمة الله، فقد أخرج ابن المنذر من حديث عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إذا شرب» ، وعبد الرحمن بن أبي الزناد قد تابع الإمام مالك عليه رحمة الله هنا. وكذلك قد أخرجه أيضاً شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي- ﷺ قال: «إذا شرب» مما يدل على أن الإمام مالك عليه رحمة الله لم يتفرد بطريقه بهذه اللفظة. وكذلك قد أخرج من غير طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة جاء عند ابن خزيمة وكذلك ابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ -أنه قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم» فجاء بلفظ شرب. والذي يظهر والله أعلم أن قوله في أول هذا الخبر «إذا شرب» جاء عن النبي ﷺ بالمعنى، وأنه جاء على سبيل التجوّز لكي يفهم السامع، وكذلك لكي يتبادر إلى الذهن من أن المراد هو: الشرب وليس المراد أن يمس لسان الكلب الموضع، ولكن النبي ﷺ قد أراد بذلك الخبر كما ذكرنا الولوغ. والولوغ لا يكون إلا بالسائل وأن الكلب إذا مس لسانه شئ من الجامدات ونحو ذلك أنه لا يغسل سبعاً ولا بالتراب، وإنما يُزال ذلك الموضع إن كان ذلك من الجامدات من سمن جامد ونحو ذلك، يزال ما مسه الكلب من لسانه ولا يقال بأنه يغسل سبعا ونحو ذلك، ثم يستعمل ذلك الشيء الذي مسه لسان الكلب. وقوله ﷺ : «إذا ولغ الكلب» : والكلب هنا: هو دابة من السباع معروفة، وهذا الحكم خاص بالكلاب ولا يشمل سائر السباع عند عامة أهل العلم.

стр. 58

ولكنهم اختلفوا في الخنزير هل يغسل سبعاً ويكون حكمه كحكم الكلب كما جاء عن النبي ﷺ ؟ - ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الخنزير ليس حكمه كحكم الكلب، وأن النبي ﷺ قد خصص ذلك بالكلب ولم يطلقه، وإلا لو كان ذلك عام لقال النبي ﷺ : «إذا وُلِغ في إناء أحدكم» ، ولم يذكر الكلب بعينه. - وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخنزير يغسل سبعاً إحداهن بالتراب، وذلك لتعليلهم بقولهم أن الخنزير أشد نجاسة من الكلب، فيكون ذلك القياس من باب أولى، ولكن هذا لا يسلم؛ لأن تخصيص النبي ﷺ للكلب لحكمة، وكذلك تخصيصه لريقه لحكمة معلومة، ومعلوم أن ثمة أشياء هي من المستخبثات، إلا أن النبي ﷺ لم ينص على ذلك العدد، ولم ينص على التراب إلا في الكلب مما يدل على أن الكلب له ميزة معلومة في علم الله جل وعلا من باب النجاسة، خص النبي ﷺ إزالتها بالغسل سبعاً أولاهن بالتراب، كما جاء عن النبي ﷺ .

стр. 59

والكلب هنا يشمل جميع أنواع الكلاب، حتى ما رخص النبي ﷺ باقتنائه من كلب صيد أو ماشية أو حراسة ونحو ذلك , وقال بعض أهل العلم أنه يستثنى من ذلك ما رخص فيه النبي ﷺ من كلب الحراسة وكلب الصيد ونحو ذلك، وقالوا أن ذلك أولى بسماحة الإسلام، فإن الشارع الحكيم حينما أباح اقتناء الكلب، وهو الذي الأصل فيه أن من اقتناه قد كسب إثماً وذلك من محبطات الأعمال، فإنه حينئذ يغتفر النجاسة، كما غفر الله جل وعلا الذنب تغتفر النجاسة؛ لأنه مما تعم به البلوى فإن كلاب الحراسة وكلاب الصيد ونحو ذلك، تعم بمخالطتها البلوى فاغتفار نجاستها من باب الشارع الحكيم يدل على سماحة الإسلام، ولكن هذا القول ليس بمسلم، فإن النبي ﷺ قد أطلق هذا القول ولم يقيده ﷺ لا بكلب صيد ولا ماشية ولا غيرها مما خصصه النبي ﷺ ، ولو كان النبي ﷺ يريد تخصيص شئ لخصصها كما خصص كلاب الصيد وغيرها من الاستثناء، مما خصه النبي ﷺ من التحريم، وهذا هو الصحيح الذي تعضده الأدلة أن نجاسة الكلب عامة، وأن الأمر بالغسل عام لجميع أنواع الكلاب. وهل نجاسة الكلب في فمه وريقه أم في سائر جسده؟ ذهب جمهور أهل العلم من الشافعية والحنفية والحنابلة إلى أن نجاسة الكلب كاملة في جميع جسده، إلا أن الغسل سبعاً لا يكون إلا لما ولغ فيه الكلب، وسائر جسد الكلب يعتبر نجساً؛ وعللوا ذلك فقالوا: إذا كان ريق الكلب نجس، فإن الريق يخرج من باطن الكلب من أمعاءه ونحو ذلك، وهي ما ينبت منه جسد الحيوان فيدل ذلك على أنه ينبت من نجاسة.

стр. 60

وذهب الإمام مالك وداود الظاهري وهو قول للظاهرية عامة إلى أن نجاسة الكلب في فمه وريقه؛ وعللوا قالوا: بأن النبي ﷺ أمر بغسل نجاسة الكلب إذا ولغ فحسب، مع أن مخالطة الكلب للناس ككلاب الحراسة وما أذن فيه النبي ﷺ أكثر من ولوغها في الآنية، ولم يأمر النبي ﷺ بشيء من الاحتراز الذي يزيل نجاسة الكلب في جسده ونحو ذلك , وهذا قول مردود فإن النبي ﷺ إغفاله لذكر نجاسة جسد الكلب وهو مما تعم به البلوى، لا يعني أن جسد الكلب ليس بنجس، وإنما غاية ما يدل عليه ذلك، أن جسد الكلب وشعره أنه لا ينطبق عليه ولوغ الكلب فلا يغسل سبعاً ولا بالتراب، هذا غاية ما يفهم من نص النبي ﷺ ، أي أن حكم نجاسة ريق الكلب ولعابه هي أشد من نجاسة جسده، هذا غاية ما يدل عليه النص الذي جاء عن النبي ﷺ . والغسل سبعاً واجب عند عامة أهل العلم، ولا يجزئ غسل لعاب الكلب أو الإناء الذي يلغ فيه الكلب بأقل من ذلك، ومن غسل أقل من ذلك فإنه لا يجزئه عند عامة الفقهاء عليهم رحمة الله. ولكنهم اختلفوا في غسلة التراب هل هي واجبة أم لا؟ فذهب الحنفية والمالكية إلى أن الواجب هو الغسل سبعاً، وأن غسلة التراب ليست بواجبة؛ وعللوا بتعليل قالوا: أن غسلة التراب قد اختلفت الروايات فيها وفي محلها عن النبي ﷺ ، مما يدل على عدم تأكيد الشارع عليها وإلا لضبطها الرواة.

стр. 61

وذهب جمهور أهل العلم وهو قولٌ للشافعي وللإمام أحمد عليهم رحمة الله، إلى أن غسلة التراب واجبة، وأن من غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً ولم يغسله بالتراب أن ذلك لا يجزئ عنه , واستدلوا بظاهر ما جاء عن النبي ﷺ في هذا الخبر حديث أبي هريرة ﵁، وأن ذلك ثابت عن النبي ﷺ ولا غبار عليه , وأن ما جاء عن النبي ﷺ من اختلاف الرواة في ذكر موطن غسلة التراب أو الشك فيها، أن ذلك لا يعني عدم ثبوتها عن النبي ﷺ ، فكما أنها شك فيها بعض الرواة واضطرب فيها، فإن هناك من الرواة من ضبطها عن النبي ﷺ ، وأثبت محلها , وذلك معلوم عند من تأمل أخبار النبي ﷺ وتأمل كذلك طرق حديث أبي هريرة ﵁ وغيره من الأخبار التي جاءت عن النبي ﷺ في غسل الإناء من ولوغ الكلب. وهذا هو القول الصحيح الذي يعضده ظاهر الأدلة عن النبي ﷺ -من أن الغسلات السبع وغسلة التراب واجبة وأن من غسل الإناء بأقل من ذلك أو لم يغسله بالتراب أنه لا يجزئ عنه وهذا قد علم بالتجربة وكذلك قد علم عند أهل الطب أن للتراب مزية عن غيره من المنظفات وهذا لم يخصه النبي ﷺ -إلا لعلم من الغيب أخبره الله جل وعلا به ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ . قوله ﷺ : (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) : ذكر النبي ﷺ -هنا الإناء وخصص الولوغ به وذكرنا أن جماهير أهل العلم على أن الغسل لا يكون إلا في ولوغ الكلب في السائل وأنه إذا مس لسان الكلب شيئا من الجمادات أنه لا يغسل , ولكن أهل العلم اختلفوا في باقي جسد الكلب إذا غمس في الإناء ونحو ذلك.

стр. 62

فذهب جمهور أهل العلم الى أن جسد الكلب كيده ورجله وشعره إذا انغمس في إناء من ماء أو شراب غيره كلبن وعصير ونحو ذلك انه لا يغسل سبعاً. وإنما إذا كان الماء كثيراً ولم يتغير شئ من أوصافه فإنه حينئذ يبقى على طهوريته وإن تغير شئ من أوصافه فإنه حينئذ يكون نجساً. وذهب الشافعي عليه رحمة الله إلى أن الكلب أذنه وفمه ولعابه ورجله إذا انغمست في السائل أنه يغسل سبعاً إحداهن بالتراب وعمم ذلك الحكم , ولكن هذا لا يعضده الدليل فالذي جاء عن النبي ﷺ -هو الولوغ في الإناء وهذا لا يكون إلا في السائل ولا يكون إلا من لسان الكلب وغيره من السباع وهذا خاص بالكلب تخصيص النبي ﷺ -له بقوله «إذا ولغ الكلب» فهنا تقييدات متعاقبة من النبي ﷺ -في هذا الخبر: أولاها: بقوله ﷺ «إذا ولغ» خصص الولوغ وهذا عام ثم قال «الكلب» يخصص سائر السباع منها الكلب , وذلك يدل على أن الحكم خاص بالكلب لا يعمه إلى غيره من السباع. ثم قال ﷺ «في إناء أحدكم» مما يدل على تخصيصه في الشراب وأن ذلك لا يكون في بقية جسد الكلب من أذنه أو غمس فمه من غير ولوغ ونحو ذلك أو غمس قدمه فإن ذلك لا يوجب الغسل سبعاً ولا يوجب الغسلة بالتراب لظاهر النص عن النبي ﷺ . قوله ﷺ في هذا الخبر: (أولاهن بالتراب) : هذا هو الصحيح عن النبي ﷺ فما جاء عن النبي ﷺ -أولاهن أو أخراهن فهو بالشك وليس بالتخيير شك عند بعض الرواة والصحيح أنه بأولاهن. قال المؤلف ﵀: وفي لفظ له (فليرقه) :

стр. 63

هذه اللفظة أخرجها الإمام مسلم عليه رحمة الله من حديث علي بن حجر عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة ﵁ وهذه اللفظة لفظة شاذة قد خالف فيها علي بن مسهر سائر أصحاب الأعمش الذين رووا هذا الخبر عنه. وعلي بن مسهر هو من الثقات وهو من المعروفين المشهورين بالرواية , وقد أخرج له الجماعة وغيرهم , وهو وإن كان من الثقات المعروفين إلا أنه خالف الثقات الحفاظ من أصحاب الأعمش عليه رحمة الله فإنهم لم يذكروا هذه الزيادة فقد رواه عن الأعمش جماعة منهم شعبة بن الحجاج وكذلك أبو معاوية كما عند الإمام أحمد عليه رحمة الله وإسماعيل بن زكريا عند الإمام مسلم وحماد بن أسامة عند ابن أبى شيبة ورواه ايضا غيرهم وشعبة وابو معاوية من أوثق الناس وأثبتهم في حديث الأعمش , وكذلك قد رواه جماعة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ من غير ذكر لفظه «فليرقه» وهذه الزيادة هي زيادة شاذة قد نص الحفاظ على شذوذها فقد قال الإمام النسائي عليه رحمة الله في سننه بشذوذها وقال: لا أعلم أحدا من الرواة وافق علي بن مسهر على هذه اللفظة يعني «فليرقه» ، وكذلك قال ذلك ابن عبد البر عليه رحمة فقال: وهذه اللفظة لم يأت بها أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ كشعبه وغيره، وكذلك قد قال بشذوذها حمزة الكناني عليه رحمة الله وهو من الحفاظ النقاد فقال أنها غير محفوظة. واذا فهي زيادة شاذة لا تثبت عن النبي ﷺ من جهة الرواية.

стр. 64

وبها استدل الذين يقولون بأن ولوغ الكلب في الإناء يدل على نجاسة الماء سواء كان كثيراً أو قليلاً وهذا قول ليس بصحيح من جهة اخذه من هذه الرواية وإن كان من جهة الغاية له وجه من الصحة فإن النبي ﷺ -حينما قال «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً» ، قول النبي ﷺ «فليغسله سبعاً» يدل على نجاسة الإناء فالإناء من أي شئ تنجس؟ تنجس من ذلك الماء الذي هو فيه فمعلوم أن الكلب ولغ في الماء وربما لم يمس الإناء بلسانه فالماء قد نقل النجاسة إلى الإناء فأصبح نجساً وأوجب الشارع غسله سبعاً ولكن هذه الزيادة تضمنت معنيين عن النبي ﷺ : المعنى الأول: هو نجاسة هذا الماء مطلقاً سواء كان قليلاً أو كثيراً، وهذا لا يسلم إلا إذا كان الماء قليلاً قلة لا تدفع النجاسه, أما إذا كان كثيراً من الأواني الكبيرة ونحو ذلك التي يصعب أن ينتشر فيها لعاب الكلب فإنه حينئذ لا تنجس لأن النبي ﷺ -قد أطلق كما تقدم معنا طهورية الماء إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان قليلاً كالأواني الصغيرة فإنها تنجس وإن لم يتغير شئ منها بنص النبي ﷺ -وأمره بغسل الإناء سبعاً. وتتضمن هذه الزيادة أمراً ثانياً: وهي أمر النبي ﷺ -بإراقة الماء وألا يستفاد منه بشيء وهذا لا يسلم لأن هذه الزيادة لا تصح عن النبي ﷺ -بل يشرع الاستفادة من الماء وعدم الإسراف فيه بإضافته إلى غيره فيتكاثر فتزول النجاسة بمكاثرة الماء , ولو قلنا بصحة هذه الزيادة لوجب وجوباً عدم الاستفادة من هذه الماء وأنه يجب إراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب وهذه الزيادة لا تصح فالعمل بهذا الأمر لا يصح. قال المؤلف ﵀: وللترمذي: (أولاهن أو أخراهن بالتراب) :

стр. 65

هذه الرواية قد أخرجها الإمام الترمذي عليه رحمة الله قال حدثنا سوار عن المعتمر بن سليمان عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁. وهذه الرواية بالشك وليست للتخيير فقوله «أولاهن أو أخراهن» هي شك وليست بتخيير ويدل علي ذلك أن أصحاب ابن سيرين عليه رحمة الله قد رووا هذا الخبر عنه من غير الشك منهم هشام بن حسان وقتادة بن دعامة وحبيب بن الشهيد والأوزاعي وغيرهم من الحفاظ عليهم رحمة الله رووا عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ هذا الخبر ولم يشكوا فيه. والصحيح في هذه الرواية أنه عن النبي ﷺ -بأولاهن كما جاء عند الإمام مسلم عليه رحمة الله. ١١- عن أبي قتادة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الهرة: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) . أخرجه الأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة. هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم من أهل العلم كلهم أخرجوه من حديث الإمام مالك بن انس عليه رحمة الله عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زوجته حُميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ . وهذا الحديث قد أعلّه بعض أهل العلم للجهالة في إسناده فقد أعلّه الحافظ ابن منده عليه رحمة الله تعالى فقال: لا يصح بوجه من الوجوه وأعلّه كذلك ابن عبد البر والبزار في مسنده فقال: لا يصح من جهة النقل. وكذلك قد أعلّه غيرهم من أهل العلم كابن دقيق العيد وابن التركماني عليهم رحمة الله.

стр. 66

ولكن إعلالهم للجهالة في إسناده مردود, فإن هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء من الجهالة فإعلالهم بحُميدة بنت عبيد وكذلك بكبشة، فحُميدة بنت عبيد هي بالحاء المهمله المضمومة هكذا رواه سائر أصحاب الإمام مالك عليه رحمة الله ورواه يحي بن يحي الأندلسي عن الأمام مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زوجته حَميدة فقال بفتح الحاء، وحَميدة أو حُميدة على الأشهر هي وإن كانت غير مشهورة بالرواية , إلا أنها قد روى عنها إسحاق بن أبي طلحة وهو من الثقات وكذلك قد روى عنها ابنها وقد وثقه ابن معين عليه رحمة الله وقد ذكرها ابن حبّان في كتابه الثقات. وهذا الخبر قد صححه جماعة من أهل العلم فقد قال الإمام الدارقطني عليه رحمة الله: رجاله ثقات معروفون , وحكى النووي عن البيهقي تصحيح هذا الخبر وكذلك قد قال الإمام الترمذي عليه رحمة الله: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: قد جوّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره.

стр. 67

وهذا الحديث قد صححه غيرهم من أهل العلم من المتأخرين كالإمام النووي وغيره من المتأخرين، فإعلاله بحُميدة لجهالتها غير مسلّم فإن تضعيف الأحاديث للجهالة مطلقاً ليس من منهج الحفاظ عليهم رحمة الله، والإمام أحمد وابن المديني والبخاري ومسلم والدارقطني يصححون بعض الأحاديث إذا كان في إسنادها مجاهيل إذا احتفت القرائن ودلّت على ضبط هذه الرواية فحُميدة على الأشهر أو حَميدة كما قال يحي بن يحي الأندلسي قد روت هذا الحديث عن كبشة، وكبشة هي زوجة أبي قتادة ﵁ قد قال ابن حبّان عليه رحمة الله بصحبتها وذكرها في الصحابة في كتابه الثقات , وكذلك قد ذكرها في التابعين ولعله تراجع وهو احسن ما يحمل عليه واولى من القول باضطرابه وقد قال بعضهم أنه قد تراجع عن صحبتها وقال أنها من التابعين، وعلى كل فهي في طبقة متقدمة وإعلال الخبر بجهالتها غير مسلّم ولذا فإن الحفاظ عليهم رحمة الله قد مالوا إلى تقوية هذا الخبر كالإمام الدارقطني وكذلك البخاري بقوله: قد جوّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره , مما يدل على استقامة متن هذا الحديث، وكذلك أنه قد جاء في قصة عن النبي ﷺ -وهذا من القرائن التي يقبل فيها حديث الرواة سواء كانوا مجاهيل أو كانوا خفيفي الضبط فإنه حينئذ تقبل روايتهم إن احتفت القرائن بها.

стр. 68

وكذلك فإن الحفاظ عليهم رحمة الله يتسامحون في رواية النساء إذا كن من طبقة متقدمة لذلك يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: لا يعرف في النساء متهمة ولا متروكة، أي من جهة الرواية وإنما سائر النساء أو أكثر النساء التي يأتين في الروايات إنما هن في عداد المجاهيل وفي عداد المستورين ولا يعرف امرأة هي في عداد الكذابين أو في عداد المتروكين وهذا من القرائن التي يقبل فيها الخبر , ولا يطلق قبول رواية النساء مطلقاً ولكن إذا احتفت القرائن بأحاديث المجاهيل ومنهم النساء فإن الحفاظ عليهم رحمة الله يقبلونها, ومنها هذا الحديث فإنه حديث مستقيم وقد اختفت القرائن به , منها أن رواته من المستورات من النساء ممن روين عن طبقة متقدمة , وكذلك قد جاء في قصة مما يدل على ضبط الناقل لها. وكذلك يعتضد بتصحيح الحفاظ وكذلك توثيقهم لرواته كما قال الإمام الدارقطني عليه رحمة الله: رجاله ثقات معروفون , وهو يعلم أن في إسناده حميدة وكذلك كبشة عن أبي قتادة ﵁. وهذا الخبر قد أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان وهما لا يخرجان إلا الصحيح عندهما في صحيحهما عليهما رحمة الله. وقوله ﷺ : (إنها ليست بخس) : النجس: هنا هو من النجاسة ويقابله الطهارة , فيدل على أن الهرة وما في حكمها في عداد الطاهرات , والهرة هي:دابة صغيرة من فصيلة السنور , ويدخل في حكمها ما عمت به البلوى مما هو في حجمها. واختلف أهل العلم هل مراد النبي ﷺ هنا بعدم نجاسة الهرة هل هو لخلقتها لحجمها أو لأنه عمت بها البلوى فكانت من الطوافين؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أنها مما تعم بها البلوى وأنها من الطوافين ولذلك نص النبي ﷺ على ذلك بقوله إنها من الطوافين عليكم.

стр. 69

وذهب الحنابلة وبعض اهل العلم إلى أن النبي ﷺ أراد كلا الأمرين وأن ترخيص النبي ﷺ يكون للهرة وما في حكمها مما هو في خلقتها مما هو ليس بنجس بنص النبي ﷺ أو اشتهرت وثبتت نجاسته وما تعم به البلوى. فعلى قول جماهير اهل العلم إن إباحة النبي ﷺ وتيسيره لأمر الهرة بسبب عموم البلوى وأنها من الطوافين يدخل في ذلك ما كان أعظم منها لاشتراك العلة كالحمار والبغل لأنها مما تعم به البلوى ويخالط الناس. والعلة التي يذكرها أهل الأصول في مصنفاتهم يقسمونها إلى قسمين: علة منصوصة - وعلة مستنبطة والعلة المنصوصة: التي ينص النبي ﷺ بها عند ذكر حكم من الأحكام. والعلة المستنبطة: هي التي يجتهد فيها العالم ويقيس عليها. فإذا كان الإعلال من النبي ﷺ منصوصاً فإنه حينئذ لا خلاف في القياس إلا عند من نفاه من الظاهرية كابن حزم وغيره أما إذا كانت العلة مستنبطة فإنه حينئذ لا يقاس عليها إلا لقرينة ظاهرة تؤيد هذا الاستنباط للعلة , فالعلة هنا في الترخيص في الهره وتطهيرها بحكم النبي عليه الصلاة السلام عليها بأنها ليست بنجس هل هي علة مستنبطة أم علة منصوصة؟ هي علة منصوصة عن النبي ﷺ والعلة هنا قوله عليه الصلاة السلام «إنها من الطوافين عليكم» فهذه هي العلة التي جعل النبي عليه الصلاة السلام الهرة ليست بنجس.

стр. 70

ولا ينبغي التوسع في باب العلة المستنبطة , لأن الشارع الحكيم كثيراً ما يذكر الأحكام فيستنبط العلماء من الفقهاء وغيرهم من نص النبي ﷺ ويقيسون عليها غيرها وحينئذ يقعون فيما يخالف الشرع وذلك بتقدم العصور وكذلك بتنوع حاجات الناس ومن تأمل كثيراً من الأحكام التي يقيس فيها أهل الرأي العلة المستنبطة على غيرها يتوسعون في ذلك ويقعون فيما يخالف النبي ﷺ . فعلى سبيل المثال تحريم الذهب والفضة جاء عن الشارع الحكيم التحريم بنص صريح بالنسبة للرجال , وما العلة في ذلك؟ لم تأتي علة منصوصة عن النبي ﷺ ولكن العلة مستنبطة اختلفت باختلاف أفهام العلماء عليهم رحمة الله , فمنهم من قال أن العلة من تحريم الذهب والفضة هي حاجة الناس للنقدين من الذهب والفضة فإذا استعمل الرجال حلي الذهب بلبسهم واستعملوه في أكلهم وطعامهم وشرابهم فإن الناس يفتقرون إلى النقدين من الذهب والفضة، وقال بذلك بعض العلماء فلو قيل بأن هذه العلة مسلّمة فإنها في وقتنا لا يمكن أن يقال بأن هذه العلة هي العلة التي نهى النبي ﷺ لاجلها، ففي وقتنا الناس ليسوا بحاجة إلى النقدين الذهب والفضة من جهة المعاملة البيع والشراء فحينئذ فالحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً , فهل يقال هنا أن الذهب والفضة مباح لبسه بالنسبة للرجال والأكل فيه والشرب منه؟ لا شك أن ذلك لا يقال وحينئذ يعلم فساد العلة المستنبطة التي قال بها هؤلاء من أن النبي ﷺ حينما نهى عن استعمال آنية الذهب والفضة لأجل حاجة الناس إلى النقدين وهذا يعلم بتقادم الوقت أو تغير الأعصار وكذلك يختلف من إمام إلى إمام.

стр. 71

والذي ينبغي ان يعلم هنا أن النصوص التي تأتي عن النبي ﷺ ينبغي فيها أن يسلم للنبي ﷺ ما قال به، وإن استنبط العلماء العلة من قوله ﷺ من تحليل أو تحريم فإنهم يستنبطونها لبيان الحكمة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة السلام لاطمئنان النفس وأنه لا يشرع إلا ما فيه مصلحة للناس ولا ينهى إلا ما فيه مفسدة للناس فإنه حينئذ يعلم الناس حكمة الشارع الحكيم ولكن لا يقاس عليها ولا يقطع بأن هذه العلة هي التي أرادها النبي عليه الصلاة السلام مالم تكن العلة منصوصة او ظاهرة ظهورا بينا لقرينة ونحو ذلك. فالشارع الحكيم قد يأتي عنه أمور كثيرة من أوامر ونواهي لكن العلة تكون خافية وإذا كانت منصوصة فإنه حينئذ لا كلام لأحد والعلة منصوصة عن النبي ﷺ كما في هذا الحديث بقوله (من الطوافين) أما إذا كانت مستنبطة ليس لأحد أن يقيس عليها غيرها فإنه حينئذ ما فسد كثير من أهل الرأي إلا لأجل أقيستهم في هذا الباب من أنواع العلة. وبالنسبة للهرة وما في حكمها فالنبي ﷺ قد ذكر العلة ونص عليها وهي قوله ﷺ «إنما هي من الطوّافين عليكم» . (والطوّافين) : الطوّاف: هو ما يكثر الدخول والخروج ويكثر الذهاب والإياب والغدو والرواح , فإنه يسمّى من الطوافين والطواف، ولذلك يسمى الطواف طوافا لكثرة الذهاب والمجيء فيه.

стр. 72

وكذلك يطلق على السعي بين الصفا والمروة طوافا من جهة اللغة , وكذلك قد جاء في بعض ألفاظ النبي ﷺ وفي بعض ألفاظ السلف الصالح إطلاق طواف على السعي بين الصفا والمروة لأن فيه ذهاب وإياب فيسمى طواف وكذلك إطلاق النبي ﷺ لهذه العلة ونصه عليها يقاس لأجل هذه العلة ما في حكم الهرة من الدواب من الطوافين كالحمار والبغل وغيرهما من الدواب كالخيل ونحو ذلك مما تعم بها البلوى , لأن النبي ﷺ قد نص على هذه العلة فلا بأس من القياس في مثل هذه الحالة. ١٢-: عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي ﷺ فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه. متفق عليه هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة وقد أخرجاه أيضاً من طريق حماد عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁. وهذا الحديث هو من المهمات في باب الطهارة. قول انس بن مالك ﵁ (جاء أعرابي) : الأعرابي: هو من سكن البادية سواء كان عربياً أو عجمياً.فساكن البادية حتى وإن كان أعجميا فيسمى اعرابيا، وكلمة أعرابي لا مفرد لها من لفظها وإنما يفرق أهل العلم بين الجمع والمفرد بإضافة ياء النسبة في آخره فيقال أعراب للجمع وأعرابي بإضافة الياء للفرد. وقوله (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد) : البول:هو أحد الخارج من السبيلين وهو نجس بإجماع أهل العلم ولا خلاف في ذلك. والبول في المسجد من المحرمات بالإجماع ولكن اختلف أهل العلم في البول في المسجد في الإناء إذا كان لدى شخص إناء وهو في المسجد هل له أن يبول فيه؟

стр. 73

ذهب جمهور أهل العلم إلى حرمة ذلك وهو قول للحنابلة وهو مذهب الحنفية والمالكية ومذهب للشافعية وذهب بعض الشافعية إلى جواز البول في المسجد في الإناء , وقالوا أن النهي جاء عن النبي ﷺ بالبول في أرض المسجد , وأما البول في الإناء فلا بأس به وقاسوه على أمور كثيرة من حجامة النبي ﷺ في المسجد ولا يصح خبر الحجامة عن النبي ﷺ في المسجد وكذلك استدلوا بمبيت سعد بن معاذ ﵁ وأن النبي ﷺ قد نصب له خيمة في المسجد وهذا لا دليل فيه لأنه ليس فيه نص أن سعد بن معاذ ﵁ يبول في إناء في المسجد فيبقي المسجد على تعظيمه فإنه يحرم أن يبال فيه. وقد أخرج مسلم في هذا الخبر من طريق عكرمة بن عمار عن اسحق عن انس ان النبي ﷺ دعا الاعرابي بعد بوله فقال له: ان هذه المساجد لا تلح لشيء من هذا البول ولا القذر وانما هي لذكر الله. وهذا يدل على تنزيه المساجد عن البول مطلقا في ارضه او في اناء على ارضه، وكذلك نهى الشارع عن قرب المسجد برائحة البصل والثوم فكيف برائحة البول وكذلك اختلف أهل العلم فيما عدا البول في المسجد من الريح هل يجوز إخراج ريح في المسجد بالاختيار أم لا؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز ذلك وأن من وجد فيه ريحا فإنه يخرج خارج المسجد، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك لأنه لم يأت عن النبي ﷺ دليل يمنع وأن الأصل الجواز، وذهب من منع قالوا: أن حكم فضاء المسجد وهواءه كحكم أرضه ولذا النبي ﷺ قد جاء عنه النهي بدخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا وما في حكمها من الروائح الكريهة وهذا قياس عليها فهي من باب أولى. وقوله هنا: (المسجد) :

стр. 74

المسجد هنا: هو ما بني وقد أوقفت أرضه لله تعالى للصلاة. أما ما لم توقف أرضه للصلاة كبناء ونحو ذلك الذي ليس بدائم فإنه لا يسمى مسجداً وإنما يسمى مصلى ليس له حكم المسجد من تحية المسجد وغيرها. أما من جهة البول فإنه يحرم البول سواء في المصلى أو في المسجد لأنه موطن للصلاة ,. وقوله هنا: (فزجره الناس) : الزجر:هو من النهر والطرد والنبي ﷺ لم ينهَ هنا عن نهيهم وإنما نهى عن زجرهم وهذا من الحكمة في الدعوة ومما أوتيه النبي ﷺ من الخلق الحسن ولذا امتن الله جل وعلا على نبيه بذلك في قوله ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ . وهذا من مواطن الحكمة في الدعوة إلى الله فالنبي عليه الصلاة السلام قد قدم هنا مفسدة صغرى على مفسدة كبرى , فإن هذا الأعرابي قد جاء إلى النبي ﷺ فربما يكون حديث عهد بإسلام فإنه حينئذ قد يكون زجره مبعداً له عن الإسلام وقد يكون هذا الأعرابي قد بال وتكاثر بوله فإنه حينئذ إذا حمل فإن البول سينتشر والنبي ﷺ نهاهم عن ذلك وتركوه حتى قضى حاجته لكي لا ينتشر البول وهذه من حكمة النبي ﷺ ونظره ﷺ للغايات والوسائل معا. ...وبول الرجل سواء في المسجد أو غيره يطهره الماء بمكاثرة الماء عليه كما في هذا الخبر , وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحفر مكان البول ويرمى ثم يضاف ذنوب من ماء , واستدلوا لذلك بحديث ضعيف يروى عن النبي ﷺ وهو ما أخرجه أبو داود من حديث جرير بن حازم عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن معقل عن النبي ﷺ . وهو خبر لا يصح قال فيه الإمام أحمد: هذا حديث منكر، وكذلك فإن ابن معقل لم يدرك النبي ﷺ كما قال ذلك أبو داود عليه رحمة الله , وقد أخرج هذا الخبر الدارقطني في سننه من غير هذا الوجه.

стр. 75

ولا يصح عن النبي ﷺ إخراج ما بال عليه الأعرابي. وإنما الصحيح أن يصب على البول ماء من غير إخراج التراب الذي قد بال الرجل عليه , وذلك يدل على أن الماء يطهر النجاسة بالمكاثرة ولذا النبي ﷺ أمر بأن يصب عليه ذنوب من ماء. الذنوب: هو الدلو الكبير , يسمى ذنوباً لعظم حجمه , فبقدر البول يكون قدر الماء الذي يصب عليه فإذا كان قليلاً يصب ماء قليل أكثر من البول فإنه حينئذ تزول نجاسة البول. ١٣-: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أحلت لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد)) أخرجه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف. هذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد وكذا ابن ماجه وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه زيد بن سلم عن عبد الله بن عمر ﵁. وهو معلول بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف عند عامة أهل العلم , فقد ضعفه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وعلي بن المديني ويحي بن معين وغيرهم , وقد سأل أبو حاتم الإمام أحمد عليه رحمة الله عن ولد زيد بن اسلم أيهما أحب إليك، فقال: أسامة قال ثم من قال: عبد الله. ثم ذكر عبد الرحمن وضجع في عبد الرحمن عليه رحمة الله. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي هذا الخبر عند الإمام أحمد وابن ماجة وغيرهما ضعيف عند عامة أهل العلم عليهم رحمة الله فقد قال فيه ابن معين: ليس بشيء وقال فيه أبو داود: أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعيف. وأولاد زيد بن أسلم هم عبد الرحمن وعبد الله وأسامة أبناء زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو وإخوانه قد تفردوا برواية هذا الخبر مرفوعاً عن النبي علية الصلاة والسلام أي مسنداً إليه.
следующие страницы →