← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1470

النبأ العظيم - ت عمرو الشرقاوي

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (287 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدِّمة الإصدار الثاني للكتاب الحمد لله الذي أنزلَ على عبده الكتاب، هدى وذكرى لأولي الألباب، والصلاة والسلام على النبي الأوَّاب، مبلِّغ الكتاب، وعلى الآل والأصحاب، صلاة تدوم إلى يوم الحساب، ويكون لنا بها عند الله زلفى وحسن مآب، وبعد: لقد ترك العلامة د. دراز ﵁ كتبًا متنوِّعة، غير أنَّ أشهرها هو «النبأ»، وظل الكتاب هو المعرِّف بدراز، ولا تزال الأجيال جيلًا بعد جيل تعرف درازًا من خلال «النبأ»، وقد يكتفون به، وقد يلجون إلى عبقرية «دراز» من خلاله. ولا نبالغ لو قلنا: إن الكتاب مفخرة من مفاخر عصرنا في التأليف. ولنا أن نبحث عن سرِّ تميز الكتاب، وبلوغه هذه المنزلة، ولا شك أن لارتباط الكتاب بالقرآن المجيد المحفوظ، مع إخلاص صاحبه، فيما نحسب، أثرٌ في انتفاع الناس به، وبعد ذلك نقول: أولًا: إن لشخصية الرجل، وارتباطه الدائم بالقرآن الكريم أثرٌ عظيم في كتابة كتابه، لقد كان الرجل يقرأ (ستة أجزاء من القرآن يوميًّا!)، كان الأليف المألوف، والمحبُّ العطوف، يرشد بمحبته كما يبين بحجته، كان ذا شخصية زاهدة هادئة، وإيمان قوي عميق، عزوفًا عن الدنيا ومباهجها، معرضًا عن المادة ومفاتنها، شاغلًا نفسه بالباقيات الصالحات، فكنت لا تراه إذا اختلى بنفسه إلا ذاكرًا لله، أو تاليًا لكتابه (١). _________ (١) حصاد قلم: (١٣)، فيلسوف القرآن، للشنقيطي: (٢٦).

стр. 2

ولو تأمَّلنا جميع أعمال الرجل العلمية لوجدناها حول القرآن، وفي خدمته، ولو استمعت إلى أحاديثه الإذاعية عن القرآن لوجدتَّ قلبًا نابضًا يتحدث عن القرآن حديث العالم به، المحب له. ثانيًا: لقد كان للقرآن أثره البالغ في أسلوب الشيخ وكتابته، انظر مثلًا إلى قوله من النبأ: «أرأيت هذه المراحل الأربع التي سلكها القرآن في دعوة بني إسرائيل كيف رتبها مرحلة مرحلة، وكيف سار في كل مرحلة منها خطوة خطوة. فارجع البصر كرة أخرى إلى هذه المرحلة الأخيرة منها، لتنظر كيف استخدم موقعها هذا لتحقيق غرضين مختلفين، وجعلها حلقة اتصال بين مقصدين متنائيين. فالتقى المقصدان فيها على أمر قد قدر. ألم تر كيف بدأها بأن قص على المؤمنين مقالة أعدائهم في بعض حقائق الإسلام، وعمد إلى هذه الحقائق التي تماروا فيها، فجعل يمسح غبار الشبهة عن وجهها حتى جلَّاها بيضاء للناظرين» (١). وهكذا يمضي الشيخ في أسلوب من امتزج القرآن بقلبه وعقله، حتى إنه قد اصطبغ بمفرداته، وأخذ من أنواره ما ظهر في كتابه المسطور. بل إن ذلك يظهر في كتاباته الأخرى، يقول في رسالة لصديق له: «عزيزي أسعد الله وقتك، وأبعد عني سنتك، والله لقد أرقتني ذكراك في مضجعي، وأذهلتني في دراستي، وابتزَّت منى بضعة من زمن ما كان أحوجني إلى صرفها فيما ينفعني ولا يضرني بإثارة كوامن الصدور وإراقة دماء القلوب، لولا أنه القدر استحكم، والمقدور تحتَّم، والله أحكم الحاكمين. قُضِيَ الأمر، ونفذ القضاء بهذا التنائي، وحيل بين الجسمين أن يتلاقيا، وبين القلبين أن ينالا حظهما من لذة القرب، ولكن ليت شعري هل من الحكمة _________ (١) وهذه سمة عامَّة في لغة الشيخ وتفسيره، انظر: التفسير الإذاعي: (٦٠٤).

стр. 3

أن يترك القُل إذ لا يدرك الكل؟! وأن تجف الأقلام حيث قيدت الأقدام؟! كلا! والله وإن الشوق لشديد إلى نفثة من نفثات يراعكم هي في الحقيقة بعث من بعوث إنسانيتكم الرحيمة كي تداوي قلبًا صدعه الدهر شطرين، وليس له من دواء إلا بلسم خطابكم الشافي إن شاء الله تعالى، فإن كنتم تحبون أن تحققوا فيكم آمال أخٍ تجافت جنوبه عن المضاجع، وإلا فإني لا أستطيع أن أبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء» (١). هكذا فليكن الارتباط بالقرآن! وهكذا ظهر «النبأ». وكنت قد اعتنيت بالكتاب، وطبع عدة طبعات بحمد الله تعالى، ثم بدا لي أن أجدد النظر فيه بعد ورود عدد من التصويبات من القراء الكرام، فقمت بذلك بحمد الله وتوفيقه (٢)، عبر الخطوات التالية: أولًا: قدَّمت للكتاب بمقدِّمات: الأولى: في التعريف بالشيخِ المؤلِّف، وكنت قد أغفلت ترجمته عمدًا في الإصدار الأول لشهرته، وكثرة من ترجم له، وقمت في هذا الإصدار بتلخيص مقاصد ترجمته، استجابة لعدد من القراء الكرام الذين رغبوا في ذلك. الثانية: تلخيص مقاصد الكتاب، وعرض حججه من غير تفصيل، ليناسب شريحة أكبر من القراء، وليكون معينًا لهم على فهم الخيط الناظم للكتاب. الثالثة: بيان موقف الفرق الإسلامية من القرآن العظيم، وذكر بعض الأدلة العقلية على نفي التحريف عن القرآن المجيد، ليعرف المسلم اتفاق الأمة الإسلامية على عظمة هذا الكتاب، ونذكر وجوهًا من عنايتهم بكتاب ربهم الذي أنزله لهدايتهم نورًا ورحمة لقوم يعقلون (٣). _________ (١) حصاد قلم: (٤١٤). (٢) وقد ساعدني في هذا الأخ الكريم محمود ماهر، وأعانني على مراجعة الكتاب، فشكر الله له، وأشكر أيضًا الأخ الكريم الشيخ د. وليد العاصمي فقد أمدَّني بعدد من التصويبات للإصدار الأول منه، وشكر الله تعالى لكل من أرسل تصويبًا للكتاب، واعتنى بذلك. (٣) إن الشبهات المتعلقة بالقرآن، تنقسم إلى قسمين رئيسين: الأول: الشبهات المتعلقة بالمصدرية والتاريخ. وهذه الشبهات هي التي تتعلق بالقرآن، من حيث مصدرية الكتاب، وتتعلق به من حيث تاريخه، ويدخل فيها الشبهات المتعلقة: بجمع القرآن، والشبهات المتعلقة بالتحريف في النص القرآني من حيث الزيادة أو النقصان، والشبهات المتعلقة بالقراءات القرآنية. الثاني: الشبهات المتعلقة بالمعاني. والشبهات المتعلقة بالمعاني تتفرع إلى قسمين هي الأخرى، بحسب القدم والجدة: أولًا: العقائدية وأثرها في تفسير القرآن الكريم. ثانيًا: التأويلية المعاصرة.

стр. 4

الرابعة: تلخيص كتاب «مدخل إلى القرآن» للمؤلف، لأنَّه مترابط مع كتابنا، ومكمل لبعض جوانبه، ومتشابه معه في الطرح (١). الخامسة: أثبتُّ مقدِّمة الشيخ لكتاب: «الظاهرة القرآنية»، للأستاذ الكبير: مالك بن نبي، وهي متصلة بموضوع الكتاب، وفيها إشارات حسنة ينبغي الوقوف عليها (٢). ثانيًا: قمت بتصحيح الكتاب على أصح نسخه المطبوعة، واعتمدت على نسخة «دار الثقافة» كأصل؛ لأنَّها أقل النسخ من جهة الأخطاء، ولأنَّها خلت من التدخل في النص كما حصل في كثير من نسخ الكتاب. وصححت بعض النصوص من نسخة «دار القلم» بعناية الشيخ الفاضل: مصطفى فضلية، وهو صاحب اعتناء كبير بكتب الشيخ دراز، وسيرته، ودراساته .. وغير ذلك مما يتصل بالشيخ رحمهما الله. واعتمدت كذلك على نسخة «دار طيبة» بتصحيح الشيخ: عبد الحميد الدخاخيني، وهي النسخة المتداولة من فترة بين طلبة العلم، وبها يتواصون. _________ (١) وهو مع أهميته، مغفولٌ عنه عند عموم طلبة العلم، وهو حريٌّ بالدراسة والنظر، واستخراج آراء الشيخ محمد دراز المتعلقة بالقرآن وعلومه، والتي بثَّها فيه، وأصله إحدى الرسائل التي قدمها الشيخ بالفرنسية للحصول على الدكتوراه، وترجمت للعربية. ومن الكتب المهمة المكملة لمقصود الكتاب: ١ - بحثٌ للدكتوراه مقدم من الدكتور محي الدين بن عمار، بعنوان: جهود محمد عبد الله دراز في التفسير الموضوعي .. دراسة وتحليل، وهو متاح على الشبكة. ٢ - التفسير الإذاعي للقرآن الكريم عند العلامة الحكيم محمد عبد الله دراز، د. دعاء محمد رياض، وطبع بمركز إحياء للبحوث والدراسات. (٢) وقد أشار عليَّ بوضعها شيخنا الدكتور: طه نجا، حفظه الله، ونفعنا به، وجزاه عنِّي خير الجزاء.

стр. 5

ثالثًا: أعدت تخريج أحاديث الكتاب كاملةً، فالتخريج في الكتاب بأكمله لي، وإن لم أنبه على ذلك في بعض المواضع. رابعًا: شرحت ما يمكن أن يشكِل من كلام الشيخ ﵀. خامسًا: أضفت بهامش الكتاب عبارات توضيحية لمضامين فقرات الكتاب، ولم أتدخَّل في صلب الكتاب بشيء. وفي ختام هذا التقديم، أود أن أهدي هذا العمل لأول من سمعت منه اسم الشيخ دراز، وتعرفت منه على هذا الكتاب العظيم، لقد تعرفت على الشيخ دراز أول ما تعرفت عبر كتابه «المختار من كنوز السنة»، ثم على كتابه الذي أشرُف بالتقديم له، والعناية به «النبأ العظيم» من شيخي، والذي هو مني بمقام أبي: أبي عبد الله أحمد بن أحمد العيسوي، حفظه الله، وأتم نعمه عليه وأرضاه. وأسأل الله أن يتقبله بقبول حسن، وأن ينفع به طلبة العلم وأهله .. وإني لأرجو ألا يبخل عليَّ أحدٌ طالع هفوة في هذا الكتاب - منِّي -، أو شيئًا يحسن إيراده مكان شيء، أن يعجل بإخباري، وإني له لشاكر، ولنصحه - إن شاء الله - لممتثل .. والحمد لله رب العالمين. وكتبه عمرو صبحي علي الشرقاوي amr.alsharqawi@gmail.com

стр. 6

المقدمة الأولى: التعريف بالمؤلِّف

стр. 7

* مقدمة في أهمية معرفة الأعلام: قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣) عن سير التابعين وأئمة المسلمين: «وقد جمع الناس فضائلهم وعنوا بسيرهم وأخبارهم، فمن قرأ فضائلهم وفضائل مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة بعد فضائل الصحابة والتابعين ﵃ وعني بها، ووقف على كريم سيرهم وسعى في الاقتداء بهم، وسلك سبيلهم في علمهم وفي سمتهم وهديهم كان ذلك له عملًا زاكيًا نفعنا الله بحبهم جميعهم» (١). وقال ابن الصلاح (ت: ٦٤٣): «وقد روينا عن مسلم بن الحجاج صاحب (الصحيح) ﵁ أنه قال: (إن أول ما يجب على مبتغي العلم وطالبه أن يعرف مراتب العلماءَ في العلم، ورجحانَ بعضِهم على بعض، ولأن المعرفة بالخواص آصرةٌ ونسب، وهي يوم القيامة وُصلَة إلى شفاعتهم وسبب، ولأنَّ العالم بالنسبة إلى مقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلًا به فهو كالجاهل بوالده بل أضل). ولعمري إن من يسأل من الفقهاء عن المزني والغزالي مثلًا، فلا يهتدي إلى بعد ما بينهما من الزمان والمنزلة؛ لمنسوب من القصور إلى ما يسؤوه، ومن النقص إلى ما يهيضه» (٢). وقال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧): «فالله الله وعليكم بملاحظة سير السلف، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال: فاتني أن أرى الديارَ بطرفي … فلعلي أرى الديار بسمعي» (٣). وقال النووي (ت: ٦٧٦): «وهذا من المطلوبات المهمات، والنفائس الجليلات، التي ينبغي للمتفقه والفقيه معرفتها، وتقبح به جهالتها، فإن شيوخه في العلم آباء في الدين، وصلة بينه وبين رب العالمين، وكيف لا يقبح جهل _________ (١) جامع بيان العلم وفضله: (٢/ ١١١٧). (٢) طبقات الفقهاء الشافعية: (١/ ٧٥). (٣) صيد الخاطر: (٤٥٤).

стр. 8

[الإسناد] (١) والوُصلة بينه وبين ربه الكريم الوهاب، مع أنه مأمور بالدعاء لهم، وبرهم، وذكر مآثرهم، والثناء عليهم، وشكرهم» (٢). وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): «والكمال لا يحصل إلا بالعلم والقدرة والإرادة التي أصلها المحبة، وحيث كان الإنسان يلتذ بالعلم فلا بد أن تكون هناك محبة لما يلتذ به. فتارة يكون المعلوم محبوبًا يلتذ بعلمه وذكره، كما يلتذ المؤمنون بمعرفة الله وذكره، بل ويلتذون بذكر الأنبياء والصالحين، ولهذا يقال: (عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة)، بما يحصل في النفوس من الحركة إلى محبة الخير، والرغبة فيه، والفرح به، والسرور واللذة والأمور الكلية تحب النفس معرفتها لما فيها من الإحاطة التي توصلها إلى معرفة المعينات» (٣). _________ (١) في الأصل: (الإنسان)، وهو خطأ. (٢) تهذيب الأسماء واللغات: (١/ ١٧ - ١٨)، وقال: «اعلم أن لمعرفة أسماء الرجال، وأحوالهم، وأقوالهم، ومراتبهم، فوائد كثيرة، منها: معرفة مناقبهم، وأحوالهم، فيتأدب بآدابهم، ويقتبس المحاسن من آثارهم، ومنها مراتبهم وأعصارهم، فينزلون منازلهم، ولا يقصر بالعالي في الجلالة عن درجته، ولا يرفع غيره عن مرتبته. ومنها أنهم أئمتنا وأسلافنا، كالوالدين لنا، وأجدى علينا في مصالح آخرتنا التي هي دار قرارنا، وأنصح لنا فيما هو أعود علينا، فيقبح بنا أن نجهلهم وأن نهمل معرفتهم»، تهذيب الأسماء واللغات: (١/ ١٠ - ١١). (٣) الصفدية: (٢/ ٢٦٩).

стр. 9

(١) مفتاح الشخصية: (مصاحبة الوحي) يقول أحمد حسن الزيات (ت: ١٩٦٨): «رجلان يُرْبكان الكاتب إذا حاول أن يكتب عنهما: رجلٌ لا يستطيع أن يجدَ ما يقوله فيه، ورجلٌ لا يستطيع أن يَختصر ما يعرفه عنه» (١). ولا شك أن العلامة د. محمد دراز (ت: ١٣٧٧ - ١٩٥٨) من الضرب الثاني (٢). ويكفينا لمعرفة ضخامة هذه الشخصية أن اسمه قد اقترن بالقرآن، والإنسان يأخذ من أنوار القرآن المجيد بحسب اتصاله به. لقد كان العلامة د. دراز دائم الاتصال بالوحي قرآنًا وسنة. أمَّا القرآن المجيد، فيقول عنه صديقه العلامة الكبير الشيخ محمد أبو زهرة (ت: ١٩٧٤): « .. ثم يذهبُ كلٌّ منَّا إلى مَضْجعِه بعد أن يَؤُمَّنا في صلاةِ العشاء، ولكنه هو يستمرُّ في صَلَواتِه، كان يَتَخفَّفُ من النوم، فكان نومُه قليلًا كنوم الأنبياء، ثم يقومُ الليلَ مُصلِّيًا متهجِّدًا، أو قارئًا للقرآن، وكان ﵁ قد أخذَ نفسَهُ بقراءةِ سُدُسِ القرآنِ في كلِّ يوم، وما كنتَ تراهُ إذا اخْتَلَى بنفسِه إلا مُصَلِّيًا، أو قارئًا للقرآن». تلك هي حياة الشيخ: للقرآن، ومع القرآن، ولذلك أبقى الله ذكره، وأدام اتصال الناس جيلًا بعد جيل بكتاباته، ينتفعون بها، ويغترفون منها. _________ (١) مجلة الرسالة: (١/ ٣٩٨ شاملة). (٢) استفدت عامة هذه الترجمة، ومراجعها من الكتب التالية: ١ - جهود محمد عبد الله دراز في التفسير الموضوعي، د. محي الدين بن عمار، رسالة دكتوراه، من جامعة الحاج لخضر، الجزائر: (٢٠١٢). ٢ - النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين: (٢/ ٢٣٩ - ٢٥٦).

стр. 10

وأمًّا السنة، فيقول هو عن نفسه: «أروي (صحيح البخاري)، وجُلَّ (صحيح مُسلم)، مِنْ طَريقِ شُيُوخِنا المصريين قراءةً منهم، وأنا أسمع. وأمَّا سائر كتب السنة فبالإجازة كتابةً من عالم المغرب السيد محمد عبد الحي الكتاني المحدث المشهور، عند اجتيازه للديار المصرية في طريقه إلى الحج، وبالإجازة والمناولة ومقابلة النسخ والقراءة للبعض والسَّماع للبعض الآخرِ مِنْ أُستاذنا الكبير القارئ المحدثِ الأصولي الفقيه الأديب، الجامع بين أسانيد المشارقة والمغاربة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي نزيل مِصرَ منذ أعوام» (١). _________ (١) المختار من كنوز السنة: (١٩).

стр. 11

(٢) النشأة الأولى ولد الشيخ عام (١٨٩٤) في قرية (محلة دياي) التابعة لمحافظة (كفر الشيخ)، والتي تقع أقصى شمال (مصر) في (دلتا النيل). والده هو الشيخ «عبد الله دراز» (ت: ١٩٣٢) (١)، عالمٌ أصوليٌّ، تتلمذ لعدد من أعلام عصره، منهم الشيخ محمد عبده (ت: ١٩٠٥)، والشيخ سليم البشري (ت: ١٩١٧)، والشيخ محمد بخيت المطيعي (ت: ١٩٣٥)، وقد حقق وشرح «الموافقات»، لأبي إسحاق الشاطبي (ت: ٧٩٠)، وأشرف ولده على طباعته (٢). وكان الشيخ عبد الله دراز «يأخذ منزله بآداب التقوى؛ يؤم أهله في صلاتي العشاء والفجر، ويقرأ صحيح البخاري في ليالي رمضان، ويسهر على تثقيف أبنائه، وتعويدهم على سنن الخير صلاة وصيامًا وزكاة وحبًّا للمعروف، وبعدًا عن الدنايا» (٣). وقد أخذ عنه ولده «شغفه بكتاب الله، فأخذ عنه ضرورة التلاوة لستة أجزاء منه كل يوم، وما ترك هذه العبادة يومًا من الأيام، وما كنت تراه إلا قارئًا للقرآن، وقراءة عالم مفكر مثله لهذا الورد اليومي، لابد أن تفتح عليه بما يضيء بصيرته، ويمده بأوفر الزاد الشهي» (٤). حفظ الشيخ القرآن، واستظهر بعض المتون العلمية الذائعة لوقته، ثم التحق بالأزهر الشريف، وكان متقدِّمًا في امتحاناته السنوية، ونال الشهادة العالمية عام (١٩١٦)، وعُيِّن مدرسًا بالأزهر؛ لأنه الأول في ترتيب الامتحانات، وتعلم الفرنسية، وأتقنها في ثلاث سنوات (٥). _________ (١) تنظر ترجمته في تحقيق مشهور آل سلمان للموافقات: (٦/ ٥٧ - ٦٧). (٢) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (٢/ ٢٤٣). (٣) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (٢/ ٢٤٢). (٤) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (٢/ ٢٥٥). (٥) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (٢/ ٢٤٢).

стр. 12

(٣) هدهد قومه (١) سافر الشيخ إلى فرنسا عام (١٩٣٦) مع البعثة التي اختيرت للسفر، ومكث هناك أزيد من عشر سنوات وتحصل على درجة الدكتوراة في رسالته الشهيرة: «دستور الأخلاق في القرآن» (٢). يقول الشيخ أبو زهرة (ت: ١٩٧٤): «ولقد فارقَنا الدكتور محمد عبد الله دراز إلى أوروبا كما فارقَنا غيرُه، وأقامَ في فرنسا ما شاءَ اللهُ أن يُقيم، وكانتْ إقامتُه أكثرَ من إقامةِ غيرِه أمدًا، وكانت أوفرَ إنتاجًا، فقد أقامَ فيها نحوَ اثنتي عشرةَ سنة، نالَ فيها أعلى الدرجاتِ العلميةِ هنالك. ولقد عادَ بعدَ هذه الرحلةِ الطويلةِ الشاقَّةِ المُجْهِدَة، وتوقَّعنا أن نجدَ تغيُّرًا في مظهرِه أو مَلْبسِه أو عاداتِه، أو تديُّنِه، كما رأيْنا في بعضِ مَنْ ذهبُوا وأقاموا بعضَ إقامتِه، ولكنَّا وَجَدناهُ كما تَرَكَنا خُلُقًا ودينًا وإيمانًا، فأثبتَ بذلك سلامةَ جوهرِه، لأن جيِّدَ المعادنِ تجلوه التجاربُ وتصقلُه الحوادث من غيرِ أن يفنى ويَبلى. ولقد ازدادَ استمساكًا بدينِه، وتشدُّدًا فيه، فزاد بهاءً ونورًا وجلالًا. لم تُقطَع صلتي النفسيَّةُ بذلك الأخِ النابِغةِ منذُ تَعَارفنا، وإن غابَ عني أمدًا، التقينا من بعدِ الغياب، وأُنسُ اللقاءِ يقضي على زمانِ الابتعاد، وكأنّه يطويه أو يمحوه». ويقول ختَنه الدكتور السيد محمد بدوي: «وكنت مع الطلبة العرب في باريس نلتمس في رحاب الأستاذ الجليل ما نحتاج إليه من رعاية في وقت الشدة، وكان هو يجمعنا في منزله في المناسبات الدينية والقومية ليشعرنا بما _________ (١) إشارة إلى أن الشيخ لم يتأثر بالغرب في باطلهم، ولم يغتر بهم، بل ثبت ثبات المؤمن، كما ثبت هدهد سليمان ﵇ وتحسر أنه وجد قومًا آتاهم الله ما آتاهم، لكنهم يعبدون الشمس من دون الله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض! (٢) محمد عبد الله دراز، دراسات وبحوث، بأقلام تلاميذه ومعاصريه: (١٤).

стр. 13

افتقدناه من جو عائلي بسبب بعدنا عن الأوطان. وكنَّا نجد عنده كرم الضيافة العربية، ونستمتع بأحاديثه ومناقشاته في شؤون الدين والعلم والسياسة. وكان ﵀ لا يضيق بما نثيره من آراء متطرفة أحيانًا، بل يفندها بروح العالم المستنير، وفي سماحة ورحابة صدر، ولا يزال بنا حتى يقنعنا بوجهة نظره المستندة إلى البرهان العلمي والمنطقي» (١). ولم تكن رحلته في فرنسا بالرحلة المترفة، بل قاسى الشيخ فيها، وتحمل، يقول صهره د. السيد بدوي عن رسالته «دستور الأخلاق في القرآن الكريم»: «وقد استغرقت كتابة هذه الرسالة ما يقرب من ست سنوات. ويبدو أن العالم الجليل قد شرع فيها في عام (١٩٤١) بعد أن انتهت حملة فرنسا، وعاد إلى باريس بعد سنة أمضاها في (بوردو - بجنوب غرب فرنسا) حين اقتربت الجيوش النازية من العاصمة الفرنسية وأصبح سقوطها وشيكًا، وإذا أضفنا إلى هذه السنوات الست خمس سنوات قبلها أمضاها الأستاذ في التعرف على مناهج العلوم في الغرب وتحضير درجة الليسانس، فإنه يكون قد أمضى ما بين إعداد العدة وتنفيذ مشروعه حوالي أحد عشر عامًا. ولم تكن هذه بالفترة الطويلة إذا قدرنا ما اكتنفها من سنوات الحرب العصيبة، وما أثارته هذه الحرب من مشكلات مادِّية ونفسية كان الأستاذ يتحمل عبئها، ويحاول إبعادها عن أسرته الكبيرة التي صحبته في غربته. وأذكر أنه اضطر - أثناء هجوم الحلفاء لتحرير فرنسا - لقضاء أيام طويلة مع أسرته في مخبأٍ تحت الأرض، كان يجمع فيه أوراقه التي يحرص عليها ويشتغل وسط القنابل التي كانت تدوي من حوله، على ضوء شمعة أو مصباح خافت. وتمت مناقشة الرسالة أمام لجنة مكونة من خمسة من أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس في (١٥ - ١٢ - ١٩٤٧)» (٢). _________ (١) دستور الأخلاق في القرآن: (٧). (٢) دستور الأخلاق في القرآن: (٨ - ٩).

стр. 14

(٤) مشعل النور كان الشيخ ﵀ يمثل الأزهر في العديد من المؤتمرات الدولية؛ فمنها كلمته عن السلام والإسلام في مؤتمر الأديان بباريس عام (١٩٣٩)، ومثَّل المشيخة في مؤتمر الحقوق الدولية في باريس عام (١٩٥١)، ببحثه عن الربا، وكانت آخر المؤتمرات التي مثل فيها الأزهر مؤتمر الأديان العالمي في لاهور بباكستان عام (١٩٥٨)، وكان بحثه الذي قدم حول: «موقف الإسلام من الأديان الأخرى وعلاقته بها»، وكانت آخر محاضرة له؛ إذ لبى نداء ربه أثناء انعقاد المؤتمر وقبل أن يلقي كلمته بسكتة قلبية مفاجئة، وذلك في يناير (١٩٥٨)، وعاد جثمانه إلى مصر، وشيعت جنازته بعد أن صلى عليه في (الجامع الأزهر)، قال عن الشيخ محمود شلتوت (ت: ١٩٦٣): «لقد مات مشعل النور الذي أطفأ مشاعل الجهل» (١). _________ (١) النهضة الإسلامية، محمد رجب البيومي: (٢/ ٢٤٥)، محمد عبد الله دراز، دراسات وبحوث، بأقلام تلاميذه ومعاصريه: (١٧٣ - ١٧٤)، حصاد قلم: (٣٦٣).

стр. 15

(٥) الُّلباب «من المهم أن ننبه القارئ غير المتمرس بأعمال دراز إلى أن لُباب فكره يوجد في أربعة كتب وهي (دستور الأخلاق في القرآن)، و (الدين)، و (النبأ العظيم)، و (مدخل إلى القرآن الكريم). ففي هذه الأعمال سكب دراز روحه وعقله، فهي تُغني غير المتخصص عما سواها، وما عداها من أعمال دراز مجرد توليد وتقريب لما ورد من أفكار كبرى في هذه الكتب الأربعة. كما أن هذه الكتب - مع (المختارات من كنوز السنة)، و (الميزان بين السنة والبدعة) هي التي وضع دراز عناوينها، أمَّا ما سواها من أعمال فهي جمع لمقالات ومحاضرات متناثرة، وقد وضع جامعوها لها عناوين من تلقاء أنفسهم» (١). _________ (١) فيلسوف القرآن، للشنقيطي: (٤١)، وأنبه أن من الأعمال الجيدة التي صدرت مؤخرًا: جمع التفسير الإذاعي للشيخ ﵀، وقد جمعته د. دعاء محمد رياض، ونشر بعنوان: (التفسير الإذاعي للقرآن الكريم عند العلامة الحكيم محمد عبد الله دراز»، وطبع بمركز إحياء للبحوث والدراسات.

стр. 16

المقدِّمةُ الثانية تدعيمُ مقاصدِ كتاب «النَّبأ العَظيم»

стр. 17

المقصود بالقرآن في كلامنا، هو: «كتاب الله، المنزل على محمد ﷺ ، المحفوظ بين الدفتين، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، والمتحدَّى بأقصر سورة منه». ولقد جاء في القرآن ذاتِه تحديد مصدره، وأنه كلام الله جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ، وليس لمحمد ﵊ في القرآن سوى: (١) الوعي والحفظ، ثم (٢) الحكاية والتبليغ، ثم (٣) البيان والتفسير، ثم (٤) التطبيق والتنفيذ. [مجمل الحجج في الكتاب] ويمكننا أن نقسم الحجج على مصدريَّة القرآن إلى قسمين: ١ - الحجج الخارجية. ونعني بها: البحث عن القرآن من خارجه، لا من جوهره. ٢ - الحجج الداخلية. ونعني بها: البحث عن القرآن في جوهره.

стр. 18

القسم الأول: الحجج الخارجية الحجة الأولى: إقرار محمد ﷺ أن القرآن ليس من عنده [إقرار محمد ﷺ أن القرآن ليس من عنده] لقد أقر النَّبي ﷺ على نفسه أنَّ القرآن الذي جاء به ليس من كلامه، وإنَّما هو وحي من ربه إليه. وحجيَّة هذا الإقرار: أنَّ القرآن حجَّ العرب، وعجزوا أمامه، فالمصلحة تقتضي أن ينسب محمد ﷺ القرآن له، لتروج زعامته، ويرتفع قدره عند هؤلاء القوم، ولم يفعل، وحاشاه أن يفعل! وإنما لم يفعل؛ لأنَّه صادق أمين، ولم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله. فإن قال قائل: إنَّه لم يفعل ذلك إلا ليستجلب مزيدًا من الأتباع بنسبة هذا الكلام للرب، ويستدعي لنفسه طاعة وسلطانًا. فنقول: هذا الكلام فاسد من جهتين: الجهة الأولى: أنَّ محمدًا ﵊ قد صدر عنه الكلام الذي نسبه لنفسه، والكلام الذي نسبه لربه، وأوجب القرآن على الناس طاعة محمد ﷺ ، وجعل

стр. 19

طاعته من طاعة الله تعالى، فهلَّا جعل كل أقواله من كلام الله كما يقول هذا القائل. الجهة الثانية: أنَّ هذا الكلام مبني على افتراض باطل، هو: أن يكون محمد ﷺ قد سوَّغ لنفسه أن يصل إلى مقصده، ولو بالكذب والتمويه. وهذا باطل؛ لأن سيرةَ محمد ﷺ ، وأحوالَه تأبى ذلك. فإنَّ صفاته وشمائله قبل النبوة وبعدها، تأبى أن يكون كاذبًا، فقد كان أعداؤه قبل أصحابه يشهدون له بالصدق، والأمانة، ولم يقل أحد منهم قط: إنَّه كاذب. ثم إن في تأخر نزول الوحي عليه في الحوادث المهمة، والتي تتعلق بشأنه الخاص، كحادثة الإفك، والآيات التي تشتمل على عتابه ﵊، وتوقفه في تأويل بعض الآيات حتى ينزل الوحي، وسائر أموره العامة = كل ذلك دليل على بطلان أن تكون هذه الشخصية من الشخصيات التي تتوصل إلى مرادها بالكذب والتمويه. إن صاحب هذا الخلق العظيم وصاحب تلك المواقف المتواضعة بإزاء القرآن، ما كان ينبغي لأحد أن يمتري في صدقه حينما أعلن عن نفسه أنه ليس هو واضع ذلك الكتاب، وأن منزلته منه منزلة المتعلم المستفيد، بل كان يجب أن نسجل من هذا الاعتراف البريء دليلًا آخر على صراحته وتواضعه.

стр. 20

الحجة الثانية: في القرآن ما لا يستنبط بالعقل ولا بالتفكير، وفيه ما لا يدرك بالوجدان ولا بالشعور [في القرآن ما لا يستنبط بالعقل ولا بالتفكير، وفيه ما لا يدرك بالوجدان ولا بالشعور] قد يقول قائل: إن الفطرة السليمة، والبصيرة النافذة لمحمد ﷺ هي التي أهَّلته لإنتاج هذا القرآن. والجواب: إنَّ في القرآن جانب كبير من المعاني النقلية البحتة التي لا مجال للذكاء والاستنباط فيها. ١ - الوقائع التاريخية لا مدخل للعقل والذكاء فيها. من المعلوم أن الوقائع التاريخية لا يمكن وضعها بإعمال الفكر والفراسة، فالعلم بأحوال الأمم السابقة، وما حصل لهم، وبمجمل ما جرى من حوادث في تلك الأزمان، بل وبمفصل ما جرى أيضًا مع ذكر لأرقام دقيقة = كل ذلك لا يمكن أن يكون من ذكاء محمد ﷺ ، بل هو وحي أوحاه الله إليه. ولقد كان ملاحدة الجاهلية أصدق تعليلًا لهذه الظاهرة من ملاحدة العصر، إذ قالوا عن هذه الأخبار: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. وقد أجاب القرآن عنهم إجابة بليغة، فقال: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]. ٢ - الحقائق الدينية الغيبية لا مدخل للعقل فيها. إن القرآن قد فصل ذكر حدود الإيمان، ووصف الجنة ونعيمها، والنار وعذابها، ووصف عوالم أخرى كالملائكة والجن، بل ذكر بعض الأرقام في ذلك المجال؛ كعدد الملائكة الموكلة بالنار.

стр. 21

أبعد هذا شك أن يكون القرآن قد افتُري من دون الله، إن القرآن تصديق الذي بين يديه، وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. ٣ - أنباء المستقبل الجازمة ودلالتها على مصدرية القرآن. لقد جاء القرآن ببيان أن الدين قد كتب الله له البقاء والخلود، وأن هذا القرآن سيعجز العالم أجمع، وتحدى القرآن العرب كلهم بهذا، وثبت عجزهم، فمن أين لمحمد ﷺ هذا الغيب، ومن أين له الجزم به؟ ومن الغيوب التي أخبر بها، والتي تكفي في صدقه، وصدق ما جاء به، ما أخبر عنه القرآن في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]، فأي ضمان هذا؟ وليس هذا فحسب، وإنما وقع هذا موقعه، فترك النبي ﷺ اتخاذ الحراس بعد هذه الآية، وثبتت هذه العصمة له في غير موطن (١). إنَّه لا بد أن يكون قد استقى هذه الأنباء من مصدر علمي وثيق، واعتمد فيها على اطلاع واسع ودرس دقيق، ولا يمكن أن تكون تلك الأنباء كلها وليدة عقله وثمرة ذكائه وعبقريته. _________ (١) انظر: صحيح البخاري: (٤١٣٦)، والترمذي: (٣٠٤٦).

стр. 22

الحجة الثالثة: أمية النبي ﷺ ، وعدم أخذه عن معلم من البشر، دليل على كون القرآن من عند الله [أمية النبي ﷺ ، وعدم أخذه عن معلم من البشر، دليل على كون القرآن من عند الله] لم يكن النبي ﷺ ممن يرجع بنفسه لكتب العلم، ودوواينه، لأنه باعتراف الخصوم ولد أميًا، وفي القرآن نفسه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]. وليست القراءة والكتابة قيمة ذاتية، وإنما قيمة القراءة والكتابة قيمة غائيَّة تهدف إلى تحصيل العلم، وهو حاصل لمحمد ﷺ عندنا - بالوحي. ومع دلالة الآية السابقة على هذه المسألة، إلا أن مما يؤكد تلك القضية أمور، منها: ١ - اتخاذه كتابًا للوحي من خاصة صحبه. ٢ - أنه لم يعرف موقع اسمه المكتوب في صلح الحديبية. ٣ - الشهرة المستفيضة بعدم معرفته للكتابة. وعلى أية حال، فإن من المتفق عليه؛ كونه ﷺ لم يكن يمارس القراءة والكتابة قبل بعثته. ولم يكن له معلم من الأميين من قومه، وهذا لا شبهة فيه لأحد، فإن هؤلاء فقدوا أساس العلم في أنفسهم حتى اشتق لهم من الجهل اسم! وليس له معلم من غيرهم، ولا يمكن لأحد أن يدعي أن لمحمد معلمًا من البشر. فأما من ادعى أنه أخذ هذا العلم عن بحيرى الراهب، أو ورقة بن نوفل، فقد ابتعد عن الصواب، وخالف الحق، فإن لقائه بحيرى الراهب أو ورقة بن نوفل لم يكن بمنأى عن الناس، فقد شاهده عمه أبو طالب، وزوجه خديجة، ولم

стр. 23

يكن لقائه بهما إلا يسيرًا، فماذا حدثنا التاريخ عن هذا اللقاء، وما الذي يمكن أن يكون قد تحمَّله في هذه الدقائق؟! أيكون هذا العلم أجمع؟! ثم إن خصومه الألدَّاء لم يستخدموا هذا السلاح، ولا شهروه في وجه محمد، وقد كان هذا السلاح أقرب إليهم وأمضى من كل ما لجئوا إليه. على أن التاريخ قد أخبرنا أن هذين الرجلين، استبشرا بلقيا محمد ﷺ ، وتوقع له أحدهما شأن عظيم، وتمنى الآخر أن يشهد بعثته فيكون من أنصاره! * دعوى الأخذ عن اليهود والنصارى: إن من المستحيل أن يكون القرآن قد أخذ عن اليهود والنصارى، ولينظر قائل تلك المقالة إلى حديث القرآن عن أهل الكتاب، وذكره لهم، وكيف يصور القرآن علومهم بأنها الجهالات، وعقائدهم بأنها الخرافات، وأعمالهم بأنها الجرائم والمنكرات. ولقد كان القرآن بمثابة الأستاذ الذي يصحح لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أغلاطهم، وينعي عليهم سوء حالهم. ويضاف لذلك كله ما كان عليه أهل الكتاب من كتمان للحق، وتحريف للكلم عن مواضعه. وأما الراسخون في العلم من أهل الكتاب فقد آمنوا بالقرآن. * دعوى أهل الشرك بأن لمحمد معلمًا من البشر! لما ضاقت بالمشركين دائرة الجد، ما وسعهم إلا فضاء الهزل، فادعوا أن محمدًا تعلم من غلام في مكة، وقد كان هذا الغلام نصرانيًّا تعرفه الحوانيت والأسواق، أعجمي اللسان مع ذلك؟! ولنا أن نقول: ما الذي منع قومه - إن كان قولهم الحق - من أن يأخذوا كما أخذ محمد، والغلام بين ظهرانيهم، وبذلك يستريحون من عنائهم بمحمد،

стр. 24

ويداوونه من جنس دائه، بل ما الذي منع الغلام نفسه من أن يتبوأ هذه المنزلة، أو يتولى بنفسه تلك القيادة؟ إن ذلك لا يفسَّر إلا بشيء واحد؛ أنه من تخرصات الجاهليين، إذ لم يجدوا ما يمكن أن يدحض الحجة الساطعة إلا بمثل هذا الهزل من القول. = ومما سبق نصل إلى أنه لا يوجد للقرآن مصدر إنساني، لا في نفس صاحبه، ولا عند أحد من البشر، وأن كل من حاول أن يجعل القرآن (عملًا إنسانيًّا) أعياه أمره.

стр. 25

الحجة الرابعة: ظاهرة الوحي دليل على أن القرآن من عند الله [ظاهرة الوحي دليل على أن القرآن من عند الله] إن ظاهرة الوحي حالة غير اختيارية، وليست من الحالات المرضية التي قد تعرض لبعض الناس؛ لأنَّها مبعث نور لا ظلمة، فهي تمد صاحبها بعلم لا جهالة، بل يجيء معها من العلم والنور ما تخضع له العقول. فقوة الوحي قوة خارجية، لأنها تتصل بنفس محمد حينًا بعد حين، وهي قوة عالمة، وهي قوة أعلى من قوته، لأنها تحدث آثارًا في بدنه، وهي قوة خيرة معصومة، لا توحي إليه إلا الحق. فماذا عسى أن تكون تلك القوة إن لم تكن قوة ملك كريم؟! وهذه حجة لمن يؤمن بالغيب. خلاصة الحجج الخارجية [خلاصة الحجج الخارجية] قصارى ما صنعناه أننا درسنا الطريق التي جاء منها القرآن؛ فما وجدنا في اعترافات صاحبه، ولا في حياته الخلقية، ولا في وسائله وصلاته العلمية، ولا في سائر الظروف العامة أو الخاصة التي ظهر فيها القرآن إلا شواهد ناطقة بأن هذا القرآن ليس له على ظهر الأرض مَنْ ننسبه إليه مِنْ دون الله. وتلك كلها دراسات خارجية إنما يسلكها رجل وقف معنا على طرف صالح من هذه الحياة النبوية وملابساتها، وكان مع ذلك سليم الفطرة يتعرف الأشياء بمثالها ويهتدي إليها بأقرب أماراتها. فمثل هذا سيرضى منا بهذا القدر ويهتدي به. وأما الذين لا يعلمون عن تلك الحياة النبوية إلا قليلًا - وكثير ما هم - والذين يريدون أن يأخذوا حجة القرآن لنفسه من نفسه، فهؤلاء لا غنى لهم أن

стр. 26

نتقدم بهم خطوة أخرى نبين لهم فيها أن هذا الكتاب الكريم يأبى بطبيعته أن يكون من صنع البشر، وينادي بلسان حاله أنه رسالة القضاء والقدر، حتى إنه لو وجد ملقًى في صحراء لأيقن الناظر فيه أن ليس من هذه الأرض منبعه ومنبته، وإنما كان من أفق السماء مطلعه ومهبطه.

стр. 27

القسم الثاني: الحجج الداخلية = البحث في القرآن نفسه (١) ولب هذا القسم هو النظر في الإعجاز القرآني، وسنقسم هذه الحجة إلى عدة حجج، وهي: الحجة الأولى: التحدي [التحدي بالقرآن] إن القرآن المجيد لم يستطع أحد من وقت نزوله إلى عصرنا أن يعارضه، وإن كبار علماء الأدب والبلاغة لم تزدهم معرفتهم بهذه العلوم إلا خضوعًا للقرآن الكريم، وإيمانًا بقدسيته، ومكانته. وإن العرب - وهم أرباب الفصاحة والبيان - أعجزهم القرآن أن يأتوا بمثله، بل لم يستطع أحدهم أن يجاريه، ولا أن يطعن في عربيته. وأي طعن يوجه للقرآن من جهة عربيته من طاعن متأخر عن أبي جهل، وأبي لهب وأضرابهم، فاعلم أنه باطل في ذاته؛ إذ لو كان صحيحًا لما غفل عنه هؤلاء الأعداء، وهم أبصر الناس باللغة، وأحرصهم على الطعن في القرآن. _________ (١) ينظر هذا القسم بأمثلته في كتاب: النبأ العظيم لزامًا، فإن هذا العرض ما هو إلا تجريد لما ذكره الشيخ ﵀، ولن تتصور هذا حق التصور إلا بمراجعة ما ذكره الشيخ بتمامه من الكتاب.

стр. 28

وقد تحداهم القرآن، وكرر عليهم التحدي في صور شتى: فدعاهم أن يأتوا بمثله. ثم أن يأتوا بعشر سور مثله. ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله. ثم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله. وأباح لهم - مع ذلك - أن يستعينوا بمن شاؤوا. ومع ذلك كله؛ استيأسوا من قدراتهم، واستيقنوا عجزهم، فركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف، ومضت القرون تلو القرون ولم يستطع أحد أن يقف أمام التحدي القائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولا يصح القول: إن العرب انصرفت هممهم عن معارضة القرآن، لأمور: ١ - لأنَّ الأسباب الباعثة على المعارضة كانت موفورة متضافرة، سيما مع استثارة حميتهم، والدعوة التي تكررت لهذه المعارضة، ولهي أهون عليهم مما قاموا به. ٢ - أن العرب قعدوا حتى عن تجربة المعارضة، ولم يشرع منهم إلا أقلهم عددًا، وأسفههم رأيًا، إذًا: فلقد كانوا في غنى بهذا العلم الضروري عن طلب الدليل عليه بالمحاولات والتجارب. لقد كان القرآن نفسه مثار عجبهم وإعجابهم، ولقد كانوا يخرون سجدًا لسماعه.

стр. 29

الحجة الثانية: جديد لغة القرآن [جديد لغة القرآن] لم يخرج القرآن عن لغة العرب، ولا عن سَنَنِها في الكلام، ولكن الجديد في لغة القرآن: أنه في كل شأن يتناوله من شؤون القول يتخير له أشرف المواد، وأمسها رحمًا بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها وهي أحق به، بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته الناصعة، وصورته الكاملة، ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين، وقراره المكين. لا يومًا أو بعض يوم، بل على أن تذهب العصور وتجيء العصور، فلا المكان يريد بساكنه بدلًا، ولا الساكن يبغي عن منزله حِوَلًا .. وعلى الجملة يجيئك من هذا الأسلوب بما هو المثل الأعلى في صناعة البيان. بل إن لغة القرآن لتختلف عن لغة مبلغ القرآن، وهو الرسول صلوات الله وسلامه عليه، نحن نرى الأسلوب القرآني فنراه ضربًا وحده، ونرى الأسلوب النبوي، فنراه ضربًا وحده لا يجري مع القرآن في ميدان إلا كما تجري محلقات الطير في جو السماء لا تستطيع إليها صعودًا، ثم نرى أساليب الناس فنراها على اختلافها ضربًا واحدًا لا تعلو عن سطح الأرض، فمنها ما يحبو حبوًا، ومنها ما يشتد عدوًا، ونسبة أقواها إلى القرآن كنسبة هذه (السيارات) الأرضية إلى تلك (السيارات) السماوية! بل يمكن أن يستريب البليغ العالم في لفظة من الألفاظ النبوية، تشتبه عنده بألفاظ الصحابة والتابعين، لكنه لا يستريب البتة في الأسلوب القرآني، فإن له طابعًا لا يلتبس بغيره.

стр. 30

الحجة الثالثة: النظام الصوتي، و الجمال التركيبي [النظام الصوتي، والجمال التركيبي] * النظام الصوتي: إن للقرآن خاصية في تأليفه الصوتي في شكله وجوهره، إنَّ أول شيء أحسته تلك الأذن العربية في نظم القرآن هو ذلك النظام الصوتي البديع الذي قسمت فيه الحركة والسكون تقسيمًا منوعًا يجدد نشاط السامع لسماعه، ووزعت في تضاعيفه حروف المد والغنة توزيعًا بالقسط الذي يساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس به آنًا بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأخرى فيجد عندها راحته العظمى، وهذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حد الإسراف في الاستهواء، ثم إلى حد الإملال في التكرير. فإنها ما كانت تعهده قط ولا كان يتهيأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء منه المرسل والمسجوع؛ بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغض من سلاسة تركيبه، ولا يمكن معها إجادة ترتيله إلا بإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه. * الجمال التركيبي: ترى في القرآن كلامًا ليس بالحضري الفاتر، ولا بالبدوي الخشن، بل تراه وقد امتزجت فيه جزالة البادية وفخامتها برقة الحاضرة وسلاستها، وقدر فيها الأمر تقديرًا لا يبغي بعضهما على بعض. فإذا مزيج منهما كأنما هو عصارة اللغتين وسلالتهما، أو كأنما هو نقطة الاتصال بين القبائل، عندها تلتقي أذواقهم، وعليها تأتلف قلوبهم. ومن هذه الخصوصية والتي قبلها تتألف القشرة السطحية للجمال القرآني.

стр. 31

الحجة الرابعة: الخصائص البيانية للقرآن الكريم [الخصائص البيانية للقرآن الكريم] إن الأسلوب القرآني (تلتقي عنده نهايات الفضيلة كلها على تباعد ما بين أطرافها). وقد تعددت الخصائص البيانية في القرآن الكريم، ومنها: ١ - القصد في اللفظ، والوفاء بالمعنى. فإنك تجد في القرآن بيانًا قد قدر على حاجة النفس أحسن تقدير، يؤدي من كل معنى صورة نقية وافية، وكتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها = لم توجد. ٢ - الجمع بين خطاب العامة والخاصة. فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد. ٣ - إقناع العقل، وإمتاع العاطفة. في النفس الإنسانية قوتان: قوة تفكير، وقوة وجدان، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أختها. وفي القرآن وفاء هاتين الحاجتين على التمام، اقرأ مثلًا قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] وانظر كيف اجتمع الاستدلال والتهويل والاستعظام في هذه الكلمات القليلة.

стр. 32

بل إنَّ الدليل نفسه جامع بين عمق المقدمات اليقينية، ووضوح المقدمات المسلمة، ودقة التصوير لما يعقب التنازع من (الفساد) الرهيب، فهو برهانيٌّ خَطَابيٌّ عاطفيٌّ معًا. ٤ - الجمع بين البيان والإجمال. وهذه عجيبة أخرى تجدها في القرآن ولا تجدها فيما سواه، تقرأ القطعة من القرآن فتجد في ألفاظها من الشفوف، والملاسة والإحكام والخلو من كل غريب عن الغرض ما يتسابق به مغزاها إلى نفسها دون كد خاطر ولا استعادة حديث، كأنك لا تسمع كلامًا ولغات، بل ترى صورًا وحقائق ماثلة، وهكذا يخيل إليك أنك قد أحطت به خُبرًا، ووقفت على معناه محدودًا؛ هذا ولو رجعت إليه كرة أخرى لرأيتك منه بإزاء معنى جديد غير الذي سبق إلى فهمك أول مرة. ٥ - الوحدة الموضوعية. لا يُستراب أن القرآن نزل مفرقًا حسب الوقائع والدواعي، وأن ترتيبه إنما وقع بوحي من الله، ولا شك أن القرآن أكثره يتناول شؤون القول، ويتنقل بين تلك الشؤون من وصف، إلى قصص، إلى تشريع، إلى جدل إلى ضروب شتى .. ومع ذلك، وكون هذا الانفصال الزماني، والاختلاف الذاتي يستتبعان تفكيك الكلام، وتقطيع أوصاله؛ إلا أنا نجد السورة من القرآن كالشيء الواحد لا انفصام بين قطعة وأخرى، ولا بين مفتتح وختام. إنه لا يجرؤ في قرارة الغيب على وضع هذه الخطة المفصلة المصممة إلا أحد اثنين: جاهل جاهل في حضيض الجهل؛ أو عالم عالم فوق أطوار العقل، لا ثالث. إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛ فإذا هي - لو تدبرت - بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛ فلا تزال

стр. 33

تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامِّ والالتحاق. كل ذلك بغير تكلفة ولا استعانة بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلًا، والمختلف مؤتلفًا.

стр. 34

المقدمة الثالثة موقفُ المسلمين من القرآن، وسلامةُ النص القرآني من التحريف

стр. 35

تمهيد نعترف أننا لا نستطيع الوفاء بحق هذا المبحث في هذه المقدمة اليسيرة، لكننا سنحاول أن نضع الحجج الكافية لمن كان له قلب على سلامة النص القرآني مما حصل لغيره من الكتب (١). [موقف الفرق الإسلامية من القرآن الكريم] لقد اتفقت كلمة المسلمين جميعًا على أن القرآن كلام الله، وحجة من أعظم حججه على عباده، وأبلغها دلالة، وتقرَّر بينهم «أنه كلية الشريعة، وعمدة _________ (١) اعتمدنا في تدوين هذا المبحث بكامله على ثلاثة كتب رئيسة: ١ - الدليل النقلي، للدكتور أحمد قوشتي: (٤٤ - ١٠٤)، ط. فكر. ٢ - الصراع بين الأخباريين والأصوليين داخل المذهب الشيعي والإثني عشري، للدكتور أحمد قوشتي: (٥٥ - ٦٦)، ط. مركز تكوين. ٣ - العقائدية، وتفسير النص القرآني، للدكتور ياسر المطرفي، ط. مركز نماء. كما اعتمدنا على بعض مصادر الشيعة، وهي: ١ - محطات في تاريخ القرآن، مرتضى فرج، ط. دار الانتشار العربي، وهو كتاب مهم جدًا، لولا ما فيه من تشيع، وأحكام مسبقة، ومع ذلك فإن طالب العلم يستفيد منه فائدة كبيرة. ٢ - نصوص في علوم القرآن، الأجزاء (٣، ٤، ٩)، تأليف مجموعة من علماء الشيعة. ويمكن الرجوع لمصادر أخرى، منها: ١ - دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم، د. محسن المطيري، ط. دار البشائر الإسلامية. ٢ - ثبوت القرآن بين أهل السنة والشيعة الإمامية، د. محمد الصياد، دار النور المبين. ٣ - تاريخ القرآن عند الشيعة الاثني عشرية، عبد العزيز الضامر، ط. مركز تكوين. ٤ - تنزيه القرآن الكريم عن دعاوى المبطلين، منقذ السقار، ط. مركز تكوين. ٥ - موثوقية نقل القرآن، عبد الله رمضان موسى، ط. مكتبة التوعية.

стр. 36

الملة، وينبوعُ الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه» (١)، وهذا كله لا يحتاج إلى مزيد تقرير واستدلال؛ لأنَّه معلوم من الدين بالضرورة، وركيزة أساسية من ركائز العقيدة الإسلامية عند كل مقرٍّ بهذا الدين، ومُسلِّمٍ به. كما أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن القرآن نُقِلَ إلينا بتمامه وكماله كلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، سالمًا من النقصان أو التحريف، ومحفوظًا من عبث العابثين. وقد حكى أبو محمد بن حزم (ت: ٤٥٦)، وهو من المتثبتين في نقل الإجماع، ونسبته لأصحابه، الاتفاق على الأمرين السابقين من جميع الفرق المنتمية إلى الإسلام؛ كأهل السُّنَّة، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والزيدية، فكلهم يوجب «الأخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلوُّ عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك قوم من غُلاة الروافض، هم كفار بذلك، مشركون عند جميع أهل الإسلام» (٢). فأمَّا اهتمام أهل السنة بالقرآن، وعنايتهم به، من زمان الصحابة رضوان الله عليهم = فمعلوم مشهور، صنفت فيه المصنفات، وقد اهتموا بالقرآن جمعًا، وإقراءً، وتفسيرًا، وعملًا (٣). يقول ابن الوزير (ت: ٨٤٠): «فأمَّا كتابُ اللهِ تعالى، فإن نظرتَ في إعجازه، في بلاغته وأسلوبه، أو فيما اشتمل عليه من أخبار غيوبه، عرفت _________ (١) الموافقات: (٣/ ٢٠٠). (٢) الإحكام في أصول الأحكام: (١/ ٩١). (٣) انظر: ١ - المدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف، د. حازم حيدر. ٢ - العناية بالقرآن الكريم وعلومه من بداية القرن الرابع الهجري إلى عصرنا الحاضر، د. نبيل آل إسماعيل. ٣ - دليل الكتب المطبوعة في الدراسات القرآنية، معهد الإمام الشاطبي. ٤ - القرآن في حياة الصحب والآل، عمرو الشرقاوي.

стр. 37

بالضرورة العادية (١) عَجز جميعِ المخلوقين - من الجن والإنس أجمعين - عن الإتيان بمثله، أو سورةٍ من مثلِهِ. وما أوضحَ قولَه تعالى في ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]. وإن نظرتَ فيما اشتمل عليه، من المنع عن المفاسد، والأمر بالمصالح، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، علمتَ بالبرهان - إن كنتَ مِنْ عارفيه -، وبالقرآن - إن كنت مِنْ متدبِّريه - صِدْقَ قولِ من أنزله سبحانه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]. وقد جمع سبحانه في هذه الآية الشريفة - لمن تأمَّلها -: بينَ الوجوه الثلاثة المتقدمة، فأشار إلى الأول، وهو العجز عن مثله، بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]، وإلى الثاني، وهو جهلُهُم بالغيب الذي فيه، بقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وإلى الثالث، وهو أنَّهُ لا يصدر منهم ما فيه الإرشاد إلى الخير، والمنع عن الشر، بقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١]» (٢). وذكر أئمَّة أهل السنة أن أحق ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأنَّ أجمع ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد (٣). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨) في أهمية الاهتمام بالقرآن، وفهم معانيه: «وأما في (باب فهم القرآن) فهو دائم التفكر في معانيه، والتدبر لألفاظه، واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع _________ (١) لعل الأفصح: المعتادة. (٢) العواصم والقواصم: (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤). (٣) جامع البيان، للطبري: (١/ ٧).

стр. 38

شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن؛ فإن شهد له بالتزكية = قبله، وإلا رده، وإن لم يشهد له بقبول ولا رد = وقفه، وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه. ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك = فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه. وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت. وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان. وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس ونتائج أفكارهم. كذلك تأويل القرآن على قول من قلد دينه أو مذهبه فهو يتعسف بكل طريق حتى يجعل القرآن تبعًا لمذهبه، وتقوية لقول إمامه. وكلٌّ محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من كلامه في كثير من ذلك أو أكثره. وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره أنه غير كاف في معرفة التوحيد والأسماء والصفات وما يجب لله وينزه عنه؛ بل الكافي في ذلك عقول الحيارى والمتهوكين الذين كل منهم قد خالف صريح القرآن مخالفة ظاهرة، وهؤلاء أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب الله تعالى والله أعلم» (١)، وكلامهم في هذا يطول. وكذلك، فإنَّ سائر الفرق الإسلامية على هذا الاعتقاد، لقد كان القرآن معظَّمًا كمرجعية عند عموم الطوائف المنتسبة للإسلام، فالقصاب (ت: ٣٦٠) - والذي ينتسب لاتجاه أهل الحديث - يذكر مقصد تأليفه كتابه «نكت القرآن»، _________ (١) مجموع الفتاوى: (١٦/ ٥٠ - ٥١).

стр. 39

فيقول: «هذا كتاب (نكت القرآن) الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام والمبينة عن اختلاف الأنام في أصول الدين وشرائعه .. أودعتها - بعون الله تعالى - كتابي هذا عُدَّة على المخالفين، وحجة على المبتدعين؛ إذ هي بحمد الله شافية كافية» (١). وكذلك الأمر عند الاتجاه الكلامي، فالمعتزلة - والتي تُعتبر أكثر المذاهب العقائدية اعتمادًا على العقل -، تؤكد هذه المرجعية، فيقول الخياط (ت: ٣٠٠) فيما يحكيه عنهم: «من أخبار الله عند المعتزلة القرآن، وهو حجتهم على من خالفهم في توحيد، أو عدل، أو وعيد، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» (٢). ويُقرِّرها القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت: ٤١٥) بقوله: «فأمَّا ما يتضمنه القرآن من المعاني والدلالة، والأحكام الشرعية واستقامة جميع ذلك على النور والامتحان وزوال التناقض عند التفريع والاستنباط ووضوح القول في ذلك على الأوقات، حتى إنَّ أهل كل علم يلتجئون إليه في أصول علومهم، ويبنون عليه كتبهم؛ فإنَّ المتكلمين إنَّما بنوا الكلام في التوحيد على ما ذكره تعالى في كتابه، نحو قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .. وعلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] إلى غير ذلك؛ واعتمدوا في التوحيد والبعث، والنشور، والإعادة وفي حديث الأجسام وإثبات الأعراض ووجوب النظر والتفكير، على ما ذكره في كتابه ممَّا يطول ذكره .. » (٣). والأمر نفسه عند الاتجاه الشيعي، فالطوسي الإمامي (ت: ٤٦٠) يذكر أنَّ أحد مقاصد تفسيره: ذكر الاستدلالات العقائدية التي فيها رد على المخالفين، فيقول: «الكلام على المتشابه والجواب عن مطاعن الملحدين، وأنواع المبطلين، كالمجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وذكر ما يختص أصحابنا من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذهبهم في أصول الديانات وفروعها .. » (٤). _________ (١) نكت القرآن، ابن القصاب: (١/ ٧٧). (٢) الانتصار، ابن الخياط: (٧٨). (٣) المغني، القاضي عبد الجبار: (١٦/ ٣٢٥). (٤) تفسير البيان، الطوسي: (٣/ ٥٨١).

стр. 40

وقد حكى ابن الوزير (ت: ٨٤٠) في (ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان) (١)، عن الشيعة والزيدية والمعتزلة والأشعرية احتواء القرآن الدلائل الكافية. ونسبه الفخر الرازي (ت: ٦٠٦) في (الأربعين) (٢) إلى كل الطوائف ب [عدم القدرة] على الزيادة في تقرير دلائل الاعتقاد على ما ورد في القرآن. وسأفصِّل في هذا المدخل موقف بعض الفرق الإسلامية من القرآن الكريم، لنؤكِّد على إجماع أهل الإسلام على تلك المرجعية، والتأكيد على عظمة هذا الكتاب، وأن تعظيمه هو الموقف العام لدى الفرق الإسلامية على اختلافها. وهذا من الأدلة المهمة على عدم تحريف القرآن الكريم، وعدم طروء تحريف في نص القرآن الكريم، وقبول الكافة لهذا النص، وأنه لا يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية على تنازعها، لمن أكبر الحجج على صحة النص المنزل الموجود معنا (٣). * * * أولًا: موقف المعتزلة من حجية القرآن وقطعية ثبوته. [موقف المعتزلة من حجية القرآن وقطعية ثبوته] تتابعت أقوال أئمة الاعتزال في بيان حجية القرآن الكريم، وإثبات دلالته على المسائل العقدية، وإمكانية الاحتجاج به، والتعويل عليه، سواء بالتصريح، وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك، أو بالرد والتفنيد لأباطيل مَنْ طعن في القرآن، أو أثار الشُّبَه والشكوك حوله. وقد عدَّ المعتزلة القرآن أحد المصادر التي يستشهد بها على معرفة الحقائق، والوصول إليها، يقول واصل بن عطاء: «الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع» (٤)، وحكت عنه زوجته _________ (١) ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان: (١٥ - ١٦). (٢) الأربعين: (٣٠٤). (٣) انظر في هذا المعنى: المدخل إلى القرآن الكريم، د. دراز: (٤٢). (٤) فضل الاعتزال: (٢٣٤).
следующие страницы →