Полный текст (287 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الملة، وينبوعُ الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه» (١)، وهذا كله لا يحتاج إلى مزيد تقرير واستدلال؛ لأنَّه معلوم من الدين بالضرورة، وركيزة أساسية من ركائز العقيدة الإسلامية عند كل مقرٍّ بهذا الدين، ومُسلِّمٍ به.
كما أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على أن القرآن نُقِلَ إلينا بتمامه وكماله كلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، سالمًا من النقصان أو التحريف، ومحفوظًا من عبث العابثين.
وقد حكى أبو محمد بن حزم (ت: ٤٥٦)، وهو من المتثبتين في نقل الإجماع، ونسبته لأصحابه، الاتفاق على الأمرين السابقين من جميع الفرق المنتمية إلى الإسلام؛ كأهل السُّنَّة، والمعتزلة، والخوارج، والمرجئة، والزيدية، فكلهم يوجب «الأخذ بما في القرآن، وأنه هو المتلوُّ عندنا نفسه، وإنما خالف في ذلك قوم من غُلاة الروافض، هم كفار بذلك، مشركون عند جميع أهل الإسلام» (٢).
فأمَّا اهتمام أهل السنة بالقرآن، وعنايتهم به، من زمان الصحابة رضوان الله عليهم = فمعلوم مشهور، صنفت فيه المصنفات، وقد اهتموا بالقرآن جمعًا، وإقراءً، وتفسيرًا، وعملًا (٣).
يقول ابن الوزير (ت: ٨٤٠): «فأمَّا كتابُ اللهِ تعالى، فإن نظرتَ في إعجازه، في بلاغته وأسلوبه، أو فيما اشتمل عليه من أخبار غيوبه، عرفت
_________
(١) الموافقات: (٣/ ٢٠٠).
(٢) الإحكام في أصول الأحكام: (١/ ٩١).
(٣) انظر:
١ - المدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف، د. حازم حيدر.
٢ - العناية بالقرآن الكريم وعلومه من بداية القرن الرابع الهجري إلى عصرنا الحاضر، د. نبيل آل إسماعيل.
٣ - دليل الكتب المطبوعة في الدراسات القرآنية، معهد الإمام الشاطبي.
٤ - القرآن في حياة الصحب والآل، عمرو الشرقاوي.
стр. 37
بالضرورة العادية (١) عَجز جميعِ المخلوقين - من الجن والإنس أجمعين - عن الإتيان بمثله، أو سورةٍ من مثلِهِ. وما أوضحَ قولَه تعالى في ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣].
وإن نظرتَ فيما اشتمل عليه، من المنع عن المفاسد، والأمر بالمصالح، والأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، علمتَ بالبرهان - إن كنتَ مِنْ عارفيه -، وبالقرآن - إن كنت مِنْ متدبِّريه - صِدْقَ قولِ من أنزله سبحانه: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
وقد جمع سبحانه في هذه الآية الشريفة - لمن تأمَّلها -: بينَ الوجوه الثلاثة المتقدمة، فأشار إلى الأول، وهو العجز عن مثله، بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١١]، وإلى الثاني، وهو جهلُهُم بالغيب الذي فيه، بقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، وإلى الثالث، وهو أنَّهُ لا يصدر منهم ما فيه الإرشاد إلى الخير، والمنع عن الشر، بقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١١]» (٢).
وذكر أئمَّة أهل السنة أن أحق ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية، ما كان لله في العلم به رضا، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هدى، وأنَّ أجمع ذلك لباغيه، كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسنى الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد (٣).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨) في أهمية الاهتمام بالقرآن، وفهم معانيه: «وأما في (باب فهم القرآن) فهو دائم التفكر في معانيه، والتدبر لألفاظه، واستغنائه بمعاني القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس، وإذا سمع
_________
(١) لعل الأفصح: المعتادة.
(٢) العواصم والقواصم: (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٣) جامع البيان، للطبري: (١/ ٧).
стр. 38
شيئا من كلام الناس وعلومهم عرضه على القرآن؛ فإن شهد له بالتزكية = قبله، وإلا رده، وإن لم يشهد له بقبول ولا رد = وقفه، وهمته عاكفة على مراد ربه من كلامه.
ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك = فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه.
وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت.
وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان.
وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس ونتائج أفكارهم.
كذلك تأويل القرآن على قول من قلد دينه أو مذهبه فهو يتعسف بكل طريق حتى يجعل القرآن تبعًا لمذهبه، وتقوية لقول إمامه.
وكلٌّ محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من كلامه في كثير من ذلك أو أكثره.
وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره أنه غير كاف في معرفة التوحيد والأسماء والصفات وما يجب لله وينزه عنه؛ بل الكافي في ذلك عقول الحيارى والمتهوكين الذين كل منهم قد خالف صريح القرآن مخالفة ظاهرة، وهؤلاء أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب الله تعالى والله أعلم» (١)، وكلامهم في هذا يطول.
وكذلك، فإنَّ سائر الفرق الإسلامية على هذا الاعتقاد، لقد كان القرآن معظَّمًا كمرجعية عند عموم الطوائف المنتسبة للإسلام، فالقصاب (ت: ٣٦٠) - والذي ينتسب لاتجاه أهل الحديث - يذكر مقصد تأليفه كتابه «نكت القرآن»،
_________
(١) مجموع الفتاوى: (١٦/ ٥٠ - ٥١).
стр. 39
فيقول: «هذا كتاب (نكت القرآن) الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام والمبينة عن اختلاف الأنام في أصول الدين وشرائعه .. أودعتها - بعون الله تعالى - كتابي هذا عُدَّة على المخالفين، وحجة على المبتدعين؛ إذ هي بحمد الله شافية كافية» (١).
وكذلك الأمر عند الاتجاه الكلامي، فالمعتزلة - والتي تُعتبر أكثر المذاهب العقائدية اعتمادًا على العقل -، تؤكد هذه المرجعية، فيقول الخياط (ت: ٣٠٠) فيما يحكيه عنهم: «من أخبار الله عند المعتزلة القرآن، وهو حجتهم على من خالفهم في توحيد، أو عدل، أو وعيد، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر» (٢).
ويُقرِّرها القاضي عبد الجبار المعتزلي (ت: ٤١٥) بقوله: «فأمَّا ما يتضمنه القرآن من المعاني والدلالة، والأحكام الشرعية واستقامة جميع ذلك على النور والامتحان وزوال التناقض عند التفريع والاستنباط ووضوح القول في ذلك على الأوقات، حتى إنَّ أهل كل علم يلتجئون إليه في أصول علومهم، ويبنون عليه كتبهم؛ فإنَّ المتكلمين إنَّما بنوا الكلام في التوحيد على ما ذكره تعالى في كتابه، نحو قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] .. وعلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] إلى غير ذلك؛ واعتمدوا في التوحيد والبعث، والنشور، والإعادة وفي حديث الأجسام وإثبات الأعراض ووجوب النظر والتفكير، على ما ذكره في كتابه ممَّا يطول ذكره .. » (٣).
والأمر نفسه عند الاتجاه الشيعي، فالطوسي الإمامي (ت: ٤٦٠) يذكر أنَّ أحد مقاصد تفسيره: ذكر الاستدلالات العقائدية التي فيها رد على المخالفين، فيقول: «الكلام على المتشابه والجواب عن مطاعن الملحدين، وأنواع المبطلين، كالمجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وذكر ما يختص أصحابنا من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذهبهم في أصول الديانات وفروعها .. » (٤).
_________
(١) نكت القرآن، ابن القصاب: (١/ ٧٧).
(٢) الانتصار، ابن الخياط: (٧٨).
(٣) المغني، القاضي عبد الجبار: (١٦/ ٣٢٥).
(٤) تفسير البيان، الطوسي: (٣/ ٥٨١).
стр. 40
وقد حكى ابن الوزير (ت: ٨٤٠) في (ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان) (١)، عن الشيعة والزيدية والمعتزلة والأشعرية احتواء القرآن الدلائل الكافية.
ونسبه الفخر الرازي (ت: ٦٠٦) في (الأربعين) (٢) إلى كل الطوائف ب [عدم القدرة] على الزيادة في تقرير دلائل الاعتقاد على ما ورد في القرآن.
وسأفصِّل في هذا المدخل موقف بعض الفرق الإسلامية من القرآن الكريم، لنؤكِّد على إجماع أهل الإسلام على تلك المرجعية، والتأكيد على عظمة هذا الكتاب، وأن تعظيمه هو الموقف العام لدى الفرق الإسلامية على اختلافها.
وهذا من الأدلة المهمة على عدم تحريف القرآن الكريم، وعدم طروء تحريف في نص القرآن الكريم، وقبول الكافة لهذا النص، وأنه لا يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية على تنازعها، لمن أكبر الحجج على صحة النص المنزل الموجود معنا (٣).
* * *
أولًا: موقف المعتزلة من حجية القرآن وقطعية ثبوته.
[موقف المعتزلة من حجية القرآن وقطعية ثبوته]
تتابعت أقوال أئمة الاعتزال في بيان حجية القرآن الكريم، وإثبات دلالته على المسائل العقدية، وإمكانية الاحتجاج به، والتعويل عليه، سواء بالتصريح، وإقامة الأدلة والبراهين على ذلك، أو بالرد والتفنيد لأباطيل مَنْ طعن في القرآن، أو أثار الشُّبَه والشكوك حوله.
وقد عدَّ المعتزلة القرآن أحد المصادر التي يستشهد بها على معرفة الحقائق، والوصول إليها، يقول واصل بن عطاء: «الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع» (٤)، وحكت عنه زوجته
_________
(١) ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان: (١٥ - ١٦).
(٢) الأربعين: (٣٠٤).
(٣) انظر في هذا المعنى: المدخل إلى القرآن الكريم، د. دراز: (٤٢).
(٤) فضل الاعتزال: (٢٣٤).
стр. 41
«أنه كان إذا جنه الليل صف قدميه يصلي، ولوح ودواة موضوعان بجانبه، فإذا مرت آية فيها حجة على مخالف جلس فكتبها، ثم عاد في صلاته» (١).
وقد صنَّف المعتزلة في تفسير القرآن، وكتبوا في إعجازه.
وقد سخر الجاحظ (ت: ٢٥٥) قلمه السيال وبيانه الرفيع في نصرة مذهب المعتزلة، والرد على مخالفيه، ومن ذلك احتجاجه للقرآن ودفاعه عنه، وقد بلغت جهوده في هذا الصدد درجة دعت الخياط إلى المبالغة في الثناء عليه ومدحه، جازمًا بأنه ليس في المتكلمين أحد نَصَرَ الرسالة واحتجَّ للنبوة مثلما فعل الجاحظ، ولا يُعرف كتاب في الاحتجاج لنَظْمِ القرآن وعجيب تأليفه غير كتابه الموسوم ب «نظم القرآن»، وقد ذُكر أنه أجهد فيه نفسه، وبلغ أقصى ما يمكن لمثله في الاحتجاج للقرآن والرد على كل طعان (٢).
وتتميز أقوال الجاحظ (ت: ٢٥٥) بخصيصة ينفرد بها عن سائر أصحابه المتكلمين، تتجلى في فصاحته الواضحة، وبلاغته العالية، ولغته الجزلة، التي ترطب كثيرًا من جفاف الأسلوب الكلامي وعباراته المغلقة.
ففي حديثه عن القرآن وحجيته، وعظيم منزلته ومكانته، يصفه بأنه «حجة على الملحد، وتبيان للموحد، وقائم بالحلال المنزل، والحرام المفصل، وفاصل بين الحق والباطل، وحاكم يرجع إليه العالم والجاهل، وإمام تُقام به الفروض والنوافل، وسراج لا يخبو ضياؤه، ومصباح لا يخزن ذكاؤه، وشهاب لا يطفأ نوره، ومعدن لا تنقطع كنوزه» (٣)، ولا يخفى الفرق بين الأسلوب وبين النهج الكلامي ذي التقسيمات، والتفريعات المتشعبة، والمسالك العقلية الدقيقة التي يستعصي فهمها إلَّا على قلة من المتخصصين.
وإذا انتقلنا إلى الجامعين بين الاعتزال والتشيع بفرعيه الزيدي والاثني عشري، فسوف نجدهم لا يخرجون عن موقف المعتزلة العام في تقرير حجية
_________
(١) المنية، والأمل: (٤٣ - ٤٤).
(٢) الجاحظ، حياته وآثاره: (٣٢١ - ٣٢٦).
(٣) أمراء البيان: (٢/ ٣٤٨).
стр. 42
القرآن، ومكانته في الاستدلال، والمطالِع لرسائل العدل والتوحيد يلحظ بوضوح تيارًا يتميز بكثرة الاستشهاد بالنص القرآني سواء من ناحية كم الآيات وعددها، أو من ناحية كيفية الاستدلال بها.
ونصل إلى القاضي عبد الجبار (ت: ٤١٥) الذي انتهى إليه التراث الاعتزالي عبر مراحله المختلفة فأصَّلَهُ، وأقام منه بناء يتسم بالتناسق الفلسفي، وبلور أصول المذهب، واستفاض في شرحها، والدفاع عنها، وموقفه من حجية القرآن كموقف سائر أصحابه، وإن تميز بنوع من البسط والتفصيل أعانه عليه عصره المتأخر - نسبيًّا- واطلاعه على تراث متقدمي أصحابه، ثم شعوره بكثرة ما وُجِّه إلى الفكر الاعتزالي من تهم تصفه بقلة الاهتمام بالنصوص، وعدم إنزالها منزلة الصدارة في الاستدلال، ومن ثم جاءت كتاباته لنفي هذه التهمة وما شابهها.
وينص القاضي (ت: ٤١٥) في أكثر من موضع على أهمية الاستدلال بالقرآن في مسائل العقيدة وسائر العلوم، مبينًا أن «أهل كل علم يلتجئون إليه في أصول علمهم، ويبنون عليه كتبهم، فإن المتكلمين إنما بنوا الكلام في التوحيد على ما ذكره تعالى في كتابه» (١).
ويتفق المعتزلة مع سائر الأمة في القول بقطعية ثبوت النص القرآني جملةً وتفصيلًا، ووصوله إلينا كما أُنزل على الرسول ﷺ ، سالمًا من أي تحريف بالزيادة أو النقصان، ومن إنصاف أبي الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤) وأمانته العلمية: أنَّه لم يبخس المعتزلة حقهم في هذه المسألة، ولم يحمله ما بينه وبينهم من خصومة ونزاع على أن ينسب إليهم ما لم يقولوه، لا سيما وأن الموضوع يمس جانبًا خطيرًا من جوانب العقيدة، فعندما عرض لحكاية مذهب الرافضة في القرآن، وذكر أن بعضهم زعم وقوع النقص أو الزيادة فيه، عقَّب على إثر ذلك بإيضاح مذهب من تأثر بالمعتزلة من الرافضة، وأنهم يخالفونهم، ويعتقدون أن القرآن «ما نُقص منه، ولا زيد فيه، وأنه على ما أنزل الله تعالى على نبيه لم
_________
(١) المغني، للقاضي: (١٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠).
стр. 43
يُغيَّر، ولم يُبدَّل، ولا زال عما كان عليه» (١).
وأقوال المعتزلة الخلَّص أكثر تفصيلًا، وأوضح دلالة، فالجاحظ يدلي بدلوه في هذه المسألة، ويقطع بصحة النص الذي اجتمع عليه المسلمون سلفًا وخلفًا، والمتمثل في مصحف عثمان ﵁؛ حيث اتفق على صحته أول الأمة وآخرها، وما كان هذا حاله فهو ظاهر الصواب، واضح البرهان (٢).
ويؤكد الحاكم الجشمي (ت: ٤٩٤) أن سلامة النص القرآني من النقص أو الزيادة أظهر من أن يُتصور الخلاف فيها، وقد صدَّر كتابه «التهذيب في التفسير» بخطبة منبئة عن مذهبه، فالله «أنزل القرآن، وصانه عن التحريف والزيادة والنقصان، ونسخ به سائر الأديان» (٣).
وحذا الزمخشري (ت: ٥٣٨) حذو سابقيه؛ فعقد مقارنة بين حفظ الله للقرآن، وبين الكتب السماوية السابقة، التي لحقها أنواع من التغيير والتبديل، وأرجع السبب في ذلك إلى تكفل الله بحفظ القرآن، فكان «حافظه في كل وقت، من كل زيادة ونقصان، وتحريف وتبديل، بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتولَّ حفظها، وإنما استحفظها الربانيين والأحبار، فاختلفوا فيما بينهم بغيًا، فكان التحريف» (٤).
ومن جملة اعتقاد المكلف في القرآن عند القاضي عبد الجبار (ت: ٤١٥) أنَّه محروس عن المطاعن لا زيادة فيه ولا نقصان، وهو يحكم بالكفر - في أسلوب جازم، وعبارة قاطعة - على مَنْ ينكر شيئًا منه، سواء أكان سورة أم آية، وينسب حكم التكفير إلى المسلمين جميعًا، «فالأمة مكفِّرة لمن يجحد السورة منه والآية، كما يُكفِّرون مَنْ يجحد تحريم الخمر، والزنا، ووجوب الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان؛ لأنهم يعلمون ذلك بالنقل على سبيل الاضطرار كما يعلمون غيره» (٥).
_________
(١) مقالات الإسلاميين: (١/ ١٢٠).
(٢) رسائل الجاحظ: (١٢٢).
(٣) التهذيب، الورقة الأولى، عن الحاكم الجشمي، عدنان زرزور: (٦٥)، وقد حُقِّق الكتاب ونُشر.
(٤) الكشاف: (٢/ ٥٧٢).
(٥) شرح الأصول الخمسة: (٦٠١ - ٦٠٧).
стр. 44
وتبدو أهمية هذا النص في تحديده موقف المعتزلة من ثبوت النص القرآني على سبيل القطع واليقين، كما يقدم حجة قوية أمام الاتهامات التي طالتهم، بما نخلص من خلاله إلى أنهم لا يخرجون عن آراء بقية الأمة، وليس بينهم وبين أهل السُّنَّة خلاف يُذكر في هذه المسألة.
* * *
ثانيًا: موقف الأشاعرة من حجية القرآن وقطعية ثبوته.
[موقف الأشاعرة من حجية القرآن وقطعية ثبوته]
لا يحتاج الموقف الأشعري إلى مزيد إطالة في عرضه، أو التدليل عليه، فنصوص أئمة المذهب كثيرة ومتنوعة في هذا الصدد، وصلتهم بالدراسات القرآنية على اختلاف أنواعها - وخصوصًا التفسير - صلة بارزة، وواضحة للعِيَان، بدءًا من مؤسس المذهب أبي الحسن الأشعري (ت: ٣٢٤)، ومرورًا بالباقلاني (ت: ٤٠٣)، وابن فورك (ت: ٤٠٦)، إلى أن نصل إلى أساطين المذهب من المتأخرين.
وكثير من أئمة التفسير من المتأخرين على مذهب الأشاعرة في العقيدة، ومصنَّفاتهم محررة جامعة، ومختصرة نافعة.
ويحكي الأشعري (ت: ٣٢٤) إجماع سلف الأمة على التصديق بالقرآن، والإقرار بكل ما ورد فيه جملة وتفصيلًا، فقد «أجمعوا على التصديق بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ في كتاب الله … والإقرار بنص مشكله ومتشابهه، وردِّ كل ما لم يحط به علمًا بتفسيره إلى الله مع الإيمان بنصه» (١)، والقول الأمثل والمنهج المختار عنده هو التمسك بكتاب الله وسُنَّة رسوله، وأقوال الصحابة والتابعين، وكتطبيق عملي لهذا المسلك النظري أورد الأشعري في كتابه «الإبانة» - مع صغر حجمه - ما لا يقل عن مائتين وخمسين آية، بحيث لا تكاد صفحة تخلو من ذكر آية أو أكثر، على عكس ما نراه في كتب المتكلمين من المتأخرين، والتي ربما مرت عشرات الصفحات ولا يُذكر فيها نص واحد، بل تقتصر على إيراد الحجج العقلية، وذكر الشبه، والرد عليها.
_________
(١) رسالة إلى أهل الثغر: (٩٨)، وأصول الدين، لعبد القاهر: (٢٨٧).
стр. 45
ويعد الباقلاني (ت: ٤٠٣) - المنظر الثاني للمذهب - أبرز مَنْ اهتم بهذه القضية من الأشاعرة؛ حيث أولاها عناية خاصة، وركز عليها، علمًا منه بأن دين الإسلام قائم في أساسه على القرآن الكريم، وأن أية محاولة للتشكيك في صحة هذا الكتاب والطعن فيه ليست إلَّا سلمًا للقضاء على الدين، وهدم ثوابته الرئيسية.
وقد خصها بكتابين مفردين، «إعجاز القرآن»، لإثبات أن القرآن كلام الله، موحًى به من عنده، وأنه حجة من أعظم الحجج، فيه الحكمة، وفصل الخطاب، مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض رشيق، غير معتاص على الأسماع، ولا متلو على الأفهام، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفًا وغضارة، يسري في القلب كما يسري السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضيء كما يضيء الفجر، ويزخر كما يزخر البحر، وكتابه هذا من الكتب الرائدة في باب إعجاز القرآن، وحظي بإعجاب الكثيرين، ودارت حوله دراسات عدة، ووُصِف بأنه باب في الإعجاز على حدة.
أما الكتاب الثاني، فقد أفرده لإثبات صحة نقل القرآن وقطعية ثبوته، وعنوانه يدل على مضمونه لأول وهلة؛ حيث أسماه «الانتصار لنقل القرآن» وعقد فيه فصولًا مطولة لإثبات صحة المصحف العثماني، والرد على شُبَه الرافضة التي أثاروها حوله، واتهاماتهم للصحابة بالنقص والزيادة فيه، كما تعرض لما دار من خلاف حول الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، والقراءات التي قُرئ بها، وغير ذلك من الموضوعات المختلفة المتعلقة بنقل القرآن، وكيفية جمعه، وطريقة أدائه، منتهيًا إلى أن «جميع القرآن الذي أنزله الله تعالى، وأمر بإثباته، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته، هو هذا الذي بين اللوحين، الذي حواه مصحف عثمان ﵁، ولم ينقص منه شيء، ولا زيد فيه شيء، نقله الخلف عن السلف» (١)، وقد نقل عنه ابن تيمية (ت: ٧٢٨)، والزركشي (ت: ٧٩٤)، والسيوطي (ت: ٩١١)، وغيرهم.
_________
(١) نكت الانتصار للقرآن: (٦٥، ١٢٠، ٢٣٩، ٣١٥).
стр. 46
ولأئمة الأشاعرة نصوص كثيرة في إثبات قطعية النص القرآني، وتكفير مَنْ يُنكر شيئًا منها، ومن ذلك قول الحليمي (ت: ٤٠٣): «مَنْ أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن، أو نقصانه منه، أو تحريفه، أو تبديله؛ فقد كذَّب الله في خبره، وأجاز الوقوع فيه، وذلك كفر» (١).
* * *
وسائر الفرق الإسلامية على هذا الرأي، فقد عُرف عن الخوارج تعظيمهم البالغ لكتاب الله، ومواظبتهم على قراءته، والتعبد به، وصحيح أنه شابَ هذا التعظيم غلو وسوء فهم أدى بهم إلى ما وصلوا إليه من ابتداع وضلال، لكنه لا يؤثر على تعظيمهم للقرآن، واعتقادهم عدم تحريفه، وقد أشار ابن تيميَّة (ت: ٧٢٨) إلى أن الخوارج يُعَظِّمون القرآن، ويُوجِبُون اتِّبَاعه (٢).
* * *
ثالثًا: موقف الرافضة من القرآن الكريم.
[موقف الرافضة من القرآن الكريم]
قبل البدء في بيان هذه المسألة، يحسن بنا أن نعرف أن الاتجاه الشيعي الإمامي ينقسم من حيث المنهج إلى اتجاهين: الاتجاه الأخباري، والاتجاه الأصولي:
فالأخبارية هم: من يعتمد في استنباط الأحكام على الأخبار فقط، كما يعرفهم بذلك شيخ الأخباريين المتأخرين الإسترآبادي (٣).
أي: إنَّه اتجاه يعتمد على النقل فقط، ولا يرى للعقل مكانًا واعتبارًا.
والأصوليون هم: «الذين يلجؤون في مقام استنباط الأحكام إلى الأدلة
_________
(١) المنهاج في شعب الإيمان: (١/ ٣٢٠).
(٢) التسعينية، ضمن الفتاوى الكبرى: (٥/ ١٥٢).
(٣) انظر: الفوائد المدنية، الإسترابادي: (٤٧، ٤٨، ٩١)، ونظرية السنة في الفكر الإمامي، حيدر حب الله: (٢١٦)، ومصادر التلقي والاستدلال العقدية عند الإمامية الاثني عشرية، إيمان العلواني: (١/ ٤٤).
стр. 47
الأربعة من الكتاب، والسنة، والإجماع، ودليل العقل» (١).
[الاتجاهين الإخباري، والأصولي]
وقد ظهر التمايز بين هذين الاتجاهين مع بداية دخول علم الكلام على المذهب الشيعي على يد المفيد والطوسي في القرن الرابع، ومن بعدهما الشريف المرتضى والرضي، ومن أقدم النصوص التي تدل على وجود هذا الانقسام، ما قاله المفيد مناقشًا شيخه الصدوق: «الذي ذكره الشيخ أبو جعفر ﵀ في هذا الباب لا يتحصل، ومعانيه تختلف وتتناقض، والسبب في ذلك أنَّه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة، ولم يكن ممَّن يرى النظر، فيميز بين الحق منها والباطل، ويعمل على ما يوجب الحجة، ومَن عوَّل في مذهبه على الأقاويل المختلفة وتقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه» (٢).
وله كتاب سماه: «مقابس الأنوار في الرد على أهل الأخبار» (٣)، وهي تسمية صريحة تدل على وجود هذا التيار فيهم من زمن متقدم. ومن أجل ذلك عُرف هذا التيار الأخباري ب (أصحاب الحديث)، والذين منهم الصدوق الذي يصفه تلميذه المفيد - كما سبق - بأنَّه: «على مذهب أصحاب الحديث في العمل بظواهر الألفاظ، والعدول عن طريق الاعتبار» (٤).
ويقول المرتضى ناقدًا أصحاب الاتجاه الأخباري: «ودعنا من مصنفات أصحاب الحديث من أصحابنا، فما في أولئك محتج، ولا من يعرف الحجة، ولا كتبهم موضوعة للاحتجاجات» (٥).
ومن أصرح النصوص في ذكر هذا التقسيم وأقدمها، نص ابن المطهر الحلي (ت: ٧٢٦)، حيث يقول: «أمَّا الإمامية؛ فالأخباريون منهم مع أن كثرة
_________
(١) انظر: الأصوليون والأخباريون فرقة واحدة، لفرج العمران: (١٨)، ومصادر التلقي والاستدلال العقدية عند الإمامية الاثني عشرية، العلواني: (١/ ٤١).
(٢) تصحيح اعتقادات الإمامية، المفيد: (٤٩).
(٣) رجال النجاشي، النجاشي: (٤٠١).
(٤) تصحيح اعتقادات الإمامية، المفيد: (١٣٨).
(٥) رسائل المرتضى: (١/ ٢٦، ٢٧).
стр. 48
الشيعة في قديم الزمان ما كانت إلَّا منهم لم يقولوا في أصول الدين إلَّا على أخبار الآحاد المروية عن الأئمة ﵈، والأصوليون منهم كأبي جعفر الطوسي ﵀ وغيره وافقوا على قبول خبر الواحد، ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه» (١).
وقد ذكر بعض أهل المقالات هذا التقسيم في المذهب الشيعي: كالشهرستاني (ت: ٥٤٨)، وكلامه يُعتبر من أقدم النصوص في كتب المقالات التي تذكر أنَّ الأخبارية فرقة قائمة ضمن الكيان الإمامي، يقول عنهم: «وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول، ثم لمَّا اختلفت الروايات عن أئمتهم، وتمادى الزمان اختارت كل فرقة منهم طريقة فصارت الإمامية بعضها معتزلة إمَّا وعيدية، وإما تفضيلية وبعضها أخبارية، إما مشبهة، وإما سلفية، ومن ضل الطريق وتاه لم يبالِ الله به في أي وادٍ هلك» (٢).
وذكرها كذلك الإيجي (ت: ٧٥٦) (٣) وغيره.
وهذه النصوص تدلُّ على تقدُّم وجود هذه الظاهرة بخلاف من يرى أنَّ وجودها كان متأخرًا على يد الإسترآبادي، (ت: ١٠٣٦).
وبعد معرفة انقسام الشيعة الاثني عشرية إلى هذين الاتجاهين، فلك أن تعلم أن الشيعة انقسموا حول قضية وقوع التحريف في القرآن إلى اتجاهين أيضًا (٤):
الاتجاه الأول: قول جل الأخباريين وعدد من علماء الأصوليين، وهم يرون وقوع التحريف في القرآن الكريم - عياذًا بالله - سواء أكان تحريفًا بالزيادة أو النقصان.
الاتجاه الثاني: قول جماهير الأصوليين، وهم يرون نفي وقوع التحريف، وسلامة القرآن من أي نوع من أنواع الزيادة أو النقصان.
_________
(١) نهاية الوصول، الحلي: (٢٩٦).
(٢) الملل والنحل، الشهرستاني: (١/ ١٦٥).
(٣) المواقف، الإيجي: (٣/ ٦٩١).
(٤) انظر أقوالهم في: أصول مذهب الشيعة، للقفاري: (١/ ٢٠٠)، وما بعدها.
стр. 49
وقد حاول بعض علماء الشيعة نفي هذا الاتهام، ونقل الإجماع على سلامة النص القرآني من وقوع التحريف بالزيادة أو النقص، غير أن هذا ما لا يمكن أن يكون، لا سيما مع وجود الكتب التي تصرح بوجود التحريف.
[ردود بعض علماء الشيعة على مسألة التحريف]
ولكن هذا يثبت شناعة هذا القول مما دفع علماء الشيعة أنفسهم إلى إنكار هذا الأمر، والتشنيع على قائله، وقد قال الشريف المرتضى (١): «إن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه، لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيرًا ومنقوصًا مع العناية الصادقة والضبط الشديد».
ثم ذكر أنه لو رام أحد الزيادة أو النقص من كتاب مشهور ككتاب سيبوبه والمزني لعرف ونقل، لأنَّ أهل العناية بهذا الشأن «يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما حتى لو أن مدخلًا أدخل في كتاب سيبويه بابًا في النحو ليس من الكتاب لعرف وميز، وعلم أنه ملحق، وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني.
ومعلوم أن العناية بالقرآن وضبطه أصدق من العناية بنقل كتاب سيبويه ودواوين الشعراء».
وقد قام سائر علماء المسلمين بالرد عليهم، وتكاد كلمة المعتزلة والأشاعرة تتفق على وسمهم بتلك التهمة.
وقد أَلَّف يحيى بن الحسين، الزيدي المعتزلي، كتابًا اسمه: «الرد على من زعم أن القرآن قد ذهب بعضه»، ويظهر من عنوانه أنه في الردِّ على الشيعة الإمامية، كما يعطي إشارة إلى تبرئة الزيدية من تلك التهمة، كذلك شنَّ الخياط حملة شديدة على الروافض في كتابه «الانتصار»، واختصهم بالنصيب الأوفر من
_________
(١) نقلًا عن أصول مذهب الشيعة: (١/ ٢٩٣).
стр. 50
هجومه، وكرر في أكثر من موضع أنهم يزعمون أن: «القرآن بدِّل وغُيِّر، وزيد فيه ونقص منه، وحرِّف عن مواضعه» (١).
وفي عهد القاضي عبد الجبار (ت: ٤١٥) وصلت صلة التمازج، والتقارب السياسي والفكري، بفعل تراكم المؤثرات المتبادلة بين الاعتزال والتشيع بفرعيه: الزيدي، والاثنى عشري، إلى أقصى تطور لها؛ لكن هذا التواصل لم يحل بين القاضي وبين نقد الموقف الشيعي من القرآن.
وحينما عدَّد مخالفي المعتزلة في القرآن، جعل من بينهم الإمامية الروافض، الذين جوَّزوا وقوع الزيادة والنقصان، وزعموا أنه كان على عهد رسول الله ﷺ أضعاف ما هو موجود بيننا، وقد ألزمهم القاضي متابعةً للجاحظ بصحة المصحف العثماني استنادًا إلى إقرار علي ﵁ به، وعدم إنكاره عليه (٢)، كما وافق شيخه أبا علي الجبائي في استبعاد أن يكون قائل تلك المقالة مسلمًا؛ لأن الخطأ في الاجتهاد لا يصل بحال إلى هذه الهوة السحيقة من الطعن في القرآن، ونسبة التحريف إليه، فلا بد أن يكون مبتكرها ممن أكل الحقد على الإسلام قلبه فأنشأ هذا المذهب للطعن فيه تحت شعار التشيع، وحب أهل البيت (٣).
وأئمة الأشاعرة بدورهم ينسبون القول بالتحريف إلى الرافضة، وإن اختلفوا في انطباق ذلك على المذهب كافة، أو على بعض أفراده فحسب (٤).
وسنحاول فيما بقي من هذه المقدمة، تلخيص أوجه التسليم بعدم تحريف النص القرآني، ومبررات الإيمان بسلامته.
_________
(١) الانتصار: (٤٧، ٤٨، ٥٨، ١١٤)، وغيرها.
(٢) تثبيت دلائل النبوة: (١/ ٤٥، ٦٤، ١٢١).
(٣) المغني: (١٦/ ١٦٢)، وانظر: (١٦/ ١٦٢) (١٦/ ١٥٣) (٢٠/ ٣٨) وشرح الأصول الخمسة: (٦٠١، ٦٠٢)، وتثبيت دلائل النبوة: (١/ ٤٥، ٤٦، ١٣١).
(٤) مقالات الإسلاميين: (١/ ١١٩)، ونكت الانتصار: (٤٢٦).
стр. 51
مبرِّرات الإيمان بسلامة النص القرآني
لقد اتفقت كلمة المسلمين جميعًا على أن القرآن كلام الله، وحجة من أعظم حججه على عباده، وأبلغها دلالة، ومن أكبر الحجج على صحة النص القرآني الموجود بين أيدينا (١):
الحجة الأولى: العناية بالقرآن في عهد النَّبي ﷺ ، وعهد الصحابة.
تمثلت العناية القصوى بالقرآن في عهد النَّبي ﷺ في حفظ القرآن في قلوب الراسخين في العلم من أصحاب النَّبي ﷺ ، وتدوينهم له، وتلاوتهم له آناء الليل وأطراف النهار.
ولما دعت الحاجة - وهي كثرة قتل القراء في موقعة اليمَامَة - كان الجمع الأول للقرآن في عهد أبي بكر ﵁.
وبعد جمع أبي بكر، بات القرآن الكريم محفوظًا في مصحف أبي بكر بين دفتين، وعدة صحف ومصاحف خاصَّة تجمع سوره وآياته كلها أو بعضها.
فأمَّا مصحف أبي بكر فقد انتقل من أبي بكر لعمر بن الخطاب، ومنه إلى بيت حفصة أم المؤمنين ﵂.
_________
(١) تفصيل هذه الحجج وبراهينها ومصادرها في شرح: «مواقع العلوم في مواقع النجوم»، للإمام البلقيني، بشرح المعتني بالكتاب، فانظره هناك.
стр. 52
ثم دعت الحاجة إلى جعل هذا المكتوب في مصاحف على صورة تسد باب اختلاف الذين لا يعلمون، فتمَّ جمعه والعناية الفائقة به في عهد عثمان ﵁.
وبعد ذلك حصلت عمليات تطوير خط المصحف الشريف، وظلت هذه المحاولات، وهذه الحياطة إلى زمان الطِّباعة، وانتِشَار المصاحف عبر الأقطَار الإسلامية، وانتقالها إلى المسلمين جيلًا بعد جيل.
وليس في القرآن بحمد الله خطأ استطاع أن يثبته أحدٌ كائنًا من كان من وقت تدوينه إلى زمان الناس، وما أُثير من شبهات حول الرسم، أو ما ادُّعي أنه مخالف للعربية، تصدى له علماء الإسلام بالبيان، والتمحيص، ومصنفاتهم حاضرة قريبة من طالبِ الحق والهدى.
الحجة الثانية: تَلَقِّي القرآن بالمشافهة.
لقد كان القرآن محفوظًا في الصدور كما هو مكتوب في الصحف، وكان الناس ولا يزالون يتلقون هذا القرآن عن أشياخهم، إلى أن يتصل السند بكبار أصحاب النَّبي ﷺ ، وهؤلاء الصحابة أخذوه عن رسول الله ﷺ .
وهذه الحجة مما يعرف تفصيلها من كتب تاريخ القراءات، وبيان جهود العلماء المبذولة في ضبط الأوجه القرآنية التي يقرأ بها القرآن.
فمن الذي يتصور وقوع التحريف في سورة الحمد (الفاتحة)؟ وهي السورة التي تقرأ في محاريب المسلمين كل يوم عدة مرات، وكذلك سائر القرآن كان يُقرأ في محاريب المسلمين مرة بعد مرة، أيتفق كل هؤلاء على التحريف، ولا نجد إنكارًا عليهم، سبحانك هذا بهتان عظيم!
الحجة الثالثة: عدم وجود فجوة تاريخية في مسار القرآن.
وهذا بخلاف التوراة التي انقطع سندها بعد موسى ﵇ بستة قرونٍ على الأقل، وتعددت نسخها، واختلفت فيما بينها، وبخلاف الإنجيل الذي ظل يُتناقل شفهيًّا، وتعرض لكثير من التَّحريف حتى دوِّن متأخرًا بعد أن ناله ما ناله من التَّحريف.
стр. 53
لقد وصل القرآن إلينا، بلغته الأصلية التي كان عليها، فلم يتعرض لما قد تتعرض له الترجمة، من اختلاف، وكونها عرضة للاشتباه في الفهم، ونحو ذلك.
وقد نقل إلينا بالمشافهة، وتداوله عددٌ كبير من الناس، ودون في زمان النَّبي ﷺ ، وجمع بعده في دفتين بعد مدة وجيزة جدًّا، كما سلف، وإنَّ المطلع على المخطوطات الموجودة للمصحف الشريف، والتي هي عتيقة، وترجِع إلى العصور الأولى من نزول القرآن، يعلم كيف أن الله تعالى قد أحاط القرآن بعناية خاصَّة، لئلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه تنزيل من حكيمٍ حميد.
ومع كل العواصف التي عصفت بأمة الإسلام إلا أنَّ أحدًا منهم لم تمتد يده للقرآن ليحرفه، بل ولم يستطع، وأنَّى له ذلك، بل إنهم على اختلافهم وتناحرهم كانوا معظمين للقرآن معتنين بشأنه، كما يعرف من تاريخ كتابة المصحف والعناية به.
وبعد؛ فإنَّ أعظم دليل على عدم تحريف القرآن، هو القرآن ذاته، فقد احتفظ القرآن بكل خصائصه التي كان عليها زمان النبوة، لقد ظل مُؤثرًا في الأمة، ومعجزًا على مر الدهور، لا يزال الناس يأخذون منه، وَيَرِدُونَه فلا تنفد عجائبه، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد.
стр. 54
من أوجه عناية الأمة بالقرآن الكريم
احتفل المسلمون بكتاب الله احتفالًا لا يدانيه احتفال، واعتنوا به اعتناءً عظيمًا، كان وما يزال محل فخر واعتزاز على الأمم كلها (١).
١ - فجانب التفسير والعناية به كان مثالًا مشرقًا في هذه الأمة.
وتراجم الذين اعتنوا ببيان كتاب الله وشرحه - التي اطلعنا عليها والتي بين أيدينا - تزيد على أكثر من ألفي عَلَم اعتنوا بخدمة القرآن الكريم من حيث بيان معانيه وأحكامه، وإلا فأعداد من لم نقف على تراجمهم من المفسرين أعلى من ذلك بكثير، ونتاج الأمة في هذا المجال لاحِب وعظيم.
ومن المصنفات في علم التفسير ما هو مفقود لا نعلم عنه شيئًا، وإنما سمعنا عنه وقرأنا عنه في بطون الكتب، وهناك كتب لم تزل مخطوطة ولم تخرج إلى عالم الطباعة، وهناك كتب قد طبعت.
هذه الأقسام الثلاثة تكوِّن ما يزيد على أكثر من اثني عشر ألف مصنف، وهو رقم تقريبي، وكان لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة محاولة يسيرة في إحصاء ما كتب حول كتاب الله شرحًا وتفسيرًا من صدر الإسلام إلى عام (١٤٢٤ هـ)، فخرج هذا الجهد بإحصائية زادت على سبعة آلاف كتاب تناولت بيانَ كلام الله باللغة العربية فقط (٢)، فما بالك باللغات
_________
(١) انظر: مدخل إلى التعريف بالمصحف الشريف، د. حازم حيدر: (٣١ - ٣٩)، بتصرف.
(٢) وخرج هذا العمل بكتاب مطبوع في ثلاث مجلدات بعنوان: «فِهرست مصنفات تفسير القرآن الكريم».
стр. 55
الأخرى؟ لغاتِ الشعوب الإسلامية، أو اللغات العالمية الأخرى، ممن تعاطى إيضاح معاني كلام الله أو شرحه.
ومن أهمِّ اتجاهات التفسير العنايةُ بنقل آثار الصحابة والسلف في بيان كلام الله ، والتفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من السلف، ممن تصدى لبيان كلام الله كما يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢) أربعة:
التفسير الأول: تفسير عَبْد بن حُمَيد الكَشِّي (ت: ٢٤٩)، وطبعت منه قطعة.
التفسير الثاني: تفسير «جامع البيان» لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠)، وهو مطبوع متداول.
التفسير الثالث: تفسير القرآن لمحمد بن إبراهيم بن المنذر النَّيسابوري (ت: ٣١٨)، وطبعت منه قطعة.
التفسير الرابع: تفسير ابن أبي حاتم الرازي (ت: ٣٢٧)، وهو مطبوع.
يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢): «فهذه التفاسير الأربعة قلَّ أن يَشِذَّ عنها شيء من التفسير المرفوعِ، والموقوفِ على الصحابة، والمقطوعِ عن التابعين» (١).
فلذلك مَنْ جاء بعدهم من العلماء؛ كالسيوطي (ت: ٩١١)، والشيخ الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت: ١١٨٢)، وغيرهم ممن اعتنوا بالناحية الأثرية في التفسير، لا يكادون يخرجون عن هذه التفاسير الأربعة، فمادة تصنيفهم وعلومهم التي سردوها في تفاسيرهم التي ألفوها - كالدر المنثور، ومفاتيح الرضوان - لا تخرج في جملتها عن هذه التفاسير الأربعة.
٢ - ومن العلماء من اهتم ببيان أحكام القرآن فاعتنى بشرح هذه الأحكام وتبيينها، سواء وَفق ترتيب القرآن الكريم، وتسلسله، من سورة الفاتحة والبقرة وما تلاهما من سور، أو اعتنى ببيان هذه الأحكام بطريقة موضوعية؛ كالإمام
_________
(١) العجاب في بيان الأسباب، للحافظ ابن حجر العسقلاني: (١/ ٢٠٣)، ونقله عن السيوطي في آخر تفسيره ((الدر المنثور)) (١٥/ ٨٢٠).
стр. 56
أبي جعفر أحمد بن محمد الطَّحاوي (ت: ٣٢١) الذي انبرى لتفسير أحكام القرآن الكريم وَفْق المنهج الموضوعي في التفسير، على غرار مصنفات كتب الفقهاء؛ إذ تناول الآيات التي تتكلم على الطهارة في موضع، والآيات التي تتكلم على الصلاة في موضع، والآيات التي تتكلم على الزكاة في موضع، ثم شرحها وفسرها، بخلاف جمهرة من اعتنى بتفسير آيات الأحكام، إذ كانوا يفسِّرون الآيات وَفق ترتيب سور القرآن الكريم، فيتناولون ما في سورة البقرة من آيات الأحكام، ثم ما في سورة النساء من آيات الأحكام، وغيرهما من السور، التي فيها أحكام فقهية بارزة.
٣ - وهناك تفاسير في تاريخ علم التفسير فيها شيء من اللَّطافة، يَجدُر أن نقف عندها ولو وقفةً يسيرة، من هذه التفاسير:
* تفسير القرآن الكريم لأحد أمراء سِجستان، يسمَّى: خَلَف بن أحمد السَّجِسْتاني، وفاته سنة (٣٩٩)، هذا الأمير ألَّف تفسيرًا كبيرًا بمشاركة أهل العلم من بلده، وكان يأتي بهم وينفق عليهم، وينقلون أقوال أهل العلم في هذا التفسير من الفقهاء والقرَّاء والنحويين وأهل اللغة وأهل البيان والمعاني، ويسطرونها بإشرافه ومعونته، حتى أكمل هذا التفسير، ويقال: إنه كان يقارب مائة وعشرين مجلدًا (١).
* (أنوار الفجر المنير)، وهو تفسير كبير جدًّا لابن العربي المالكي (ت: ٥٤٣) ﵀ غير كتابه: (أحكام القرآن) الموجود بين الأيدي، وغير كتابه الآخر المسمى: (قانون التأويل) المطبوع الذي يُمثِّل رحلة علمية له مع سرد شيء من علوم القرآن الكريم، ويقال: إن هذا التفسير يقع في ثمانين مجلدًا، ويقول الذهبي (ت: ٧٤٨): «أتى فيه بكل بديع» (٢)، يعني أتى في هذا التفسير بكل رائق ومستحسن.
_________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء: (١٧/ ١١٦)، والأعلام، للزركلي: (٢/ ٣٠٩).
(٢) سير أعلام النبلاء: (٢٠/ ١٩٩)، وانظر: طبقات المفسرين، للداوودي: (٢/ ١٦٥).
стр. 57
* ومن التفاسير اللطيفة كتاب لأحد العلماء في القرن الثامن معروف بابن النَّقَّاش الدُّكَّالي (ت: ٧٦٣)، يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢): «التزم فيه ألا ينقل حرفًا عن كتابٍ من تفسير أحدٍ ممن تقدم» (١)، وهو اشتراط فيه شيء من الغرابة والندرة.
* ويشابه هذا الكتاب حاشيةٌ من حواشي تفسير البيضاوي، وتفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) من أشهر التفاسير وأكثرها سيرورةً في القرن الماضي، وكان لأهل العِلْم أيام الخلافة العثمانية اعتناءٌ عظيم بهذا التفسير، بل قيل: إن من الشروط المهمة لمن أراد أن يتولى منصب مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية أن يكون مُلِمًّا ومُطَّلعًا وعارفًا بدقائق تفسير البيضاوي.
فهذا التفسير أقيمت عليه شروح وحواشٍ وتعليقات وتعقيبات تربوا على الثلاثة آلاف حاشية، ومن حواشيه حاشيةٌ لأحد العلماء الدمشقيين، هو: محمد أمين بن عابدين (ت: ١٢٥٢)، صاحب حاشية (رد المحتار على الدر المختار) في الفقه الحنفي، الذي التزم في حاشيته على البيضاوي: أن لا يذكر شيئًا ذكره المفسرون (٢)، مثلما اشترط ابن النقاش الدكالي (ت: ٧٦٣).
* ومن اللطائف أيضًا في هذا الجانب، وهذه النماذج أذكرها لبيان هذه العنايات، وتنوع هذه الجهود في خدمة هذا الكتاب العظيم، تفسيران أيضًا من تفاسير القرآن الكريم كلاهما فسَّر القرآن الكريم بالحروف المهملة؛ بمعنى: أنه ليس فيهما مثلًا حرف (ج)، ولا حرف (خ)، ولا حرف (غ)؛ أي: ليس فيهما حرف منقوط يذكر في أثناء التفسير، إنما فيهما حروف مهملة، مثل حرف الحاء، والعين، والصاد، ونحوها.
وهو أمر فيه غرابة، فأول هذين التفسيرين (سواطع الإلهام) لفيض الله بن مبارك الأكبرابادي، (ت: ١٠٠٤)، وتفسيره مطبوع، وإن كان الرجل فيه انحرافًا عقديًّا، لكنه نحا في تفسيره هذا المسلك.
_________
(١) الدرر الكامنة: (٥/ ٢٣٦).
(٢) انظر: حلية البشر، للبيطار: (٣/ ١٢٣٠)، ومعجم المفسرين: (٢/ ٤٩٦).
стр. 58
والتفسير الثاني: لعالم من علماء دمشق المتأخرين وهو: ابن حمزة الدمشقي: محمود بن محمد نَسِيب الحَمْزاوي (ت: ١٣٠٥)، له كتاب اسمه (در الأسرار) طبع منه مجلد، فسر فيه القرآن بالحروف المهملة، إذ لم يذكر حروفًا منقوطة في تفسيره، ولم يُفد من تفسير الهندي شيئًا (١).
وتاريخ علم التفسير حافل طويل، وقد حاول السيوطي ﵀ (ت: ٩١١) أن يذكر شيئًا من تاريخ التأليف في هذا الجانب وعناية الأمة به في مقدمة حاشيته على تفسير البيضاوي، التي سماها: «نواهد الأبكار وشوارد الأفكار»، والتي رصد في مقدمتها تاريخ التأليف في علم التفسير وعناية العلماء به (٢).
ثم جاء العالم التركي الحاج خليفة (ت: ١٠٦٧) - وهو مشهور بين العرب بحاجي خليفة، ومعروف عند الأتراك بكاتب جلبي - وألف كتابًا سماه: «كشف الظنون»، جمع فيه أسماء الكتب المؤلفة في العلوم الإسلامية والعربية ونبذة عن محتوياتها، وأخذ ما قاله السيوطي (ت: ٩١١) في مقدمة حاشيته على تفسير البيضاوي كاملًا ثم زاد عليه، مع إفادته كذلك من مقدمة تفسير الثعلبي، الذي وصف عددًا من التفاسير وكُتُب غريب القرآن ومُشْكله (٣).
٤ - ومن أهل العلم من صنف في بعض علوم القرآن بصورة مفردة؛ كفضائل القرآن، ومنهم من ألف في الناسخ والمنسوخ، ومنهم من ألف في فنون متعددة كثيرة مفرقة.
٥ - ومنهم من تكلم على مباحث علوم القرآن وأنواعه بشكل مجموع ومنحصر في مكان واحد، أمثال الحارث بن أسد المحاسبي (ت: ٢٤٣) ﵀ في كتاب سماه: (فَهم القرآن)، ويُشعِر الكتاب مِنْ أول وَهْلة أنه يتكلم على التفسير، أو كيف نفهم القرآن، ولكنه وضعه في أبواب تكلم فيها على أنواع مختلفة من علوم القرآن (٤).
_________
(١) انظر: نموذج من الأعمال الخيرية لمحمد منير آغا: (٣٩٦).
(٢) انظر: مقدمة نواهد الأبكار: (٦٨٢ - ٦٩٣).
(٣) انظر: مقدمة تفسير الثعلبي: (٢٠/ ٦٠)، وكشف الظنون ([(١/ ٤٢٧) - (٢/ ٤٣٢) - (١٤٧٥ - ١٤٨٠)]).
(٤) وهو مطبوع مع كتاب (العقل) للحارث نفسه.
стр. 59
وتلا الحارث المحاسبي جماعة من أهل العلم؛ كابن الجوزي (ت: ٥٩٧) في (فنون الأفنان)، والسَّخاوي (ت: ٦٤٣) في (جمال القرَّاء)، والزركشي (ت: ٧٩٤) في (البرهان في علوم القرآن)، والسيوطي (ت: ٩١١) في عدد من كتبه.
ومن أوسع من كتب في أنواع علوم القرآن بشكل مجموع ومنضبط في مكان واحد، أحد علماء مكة في القرن الثاني عشر، وهو ابن عَقِيلة المكي (ت: ١١٥٠)، الذي ألف كتابًا سماه: (الزيادة والإحسان) جمع فيه نحو (١٥٤) نوعًا من أنواع علوم القرآن، أصولها في كتاب السيوطي (ت: ٩١١) (الإتقان)، لكنه فرَّع عليها، وعدَّد وزاد وهذَّب ونَقَّح فيها (١).
٦ - ومن علماء هذه الأمة من اهتم بقراءات القرآن الكريم، وضبط أحكامها وقواعدها في كتب مفردة، وهو جانب عظيم من عناية الأمة في هذا المضمار، وعناية أهل العلم في هذا الجانب يصعب حصرها، وتعسر الإحاطة بها، فهناك كتب عظيمة وكثيرة جدًّا في علم القراءة القراءات تجاوز عددها الآلاف.
ومن أجمع هذه الكتب، وأكثرها حشدًا لذكر قراءات القرآن الكريم كتاب (الكامل) لأبي القاسم يوسف بن جُبارة الهُذَليّ (ت: ٤٦٥) (٢) حوى القراءات العشر المشهورة، وأضاف إليها أربعين قراءة أخرى من قراءات الصحابة ومَن بعدهم.
ولأحد العلماء من مكة وهو: عبد الكريم بن عبد الصمد الطَّبَري، معروف بكنيته: أبي معشر، كتابٌ يقال له (سَوق العروس)، ضمنه مؤلفه (١٥٥٠) رواية وطريقًا، وهو مخطوط (٣)، لكن يَفتقد الجزء الأخير منه، وهو من سورة المطففين إلى آخر الكتاب.
_________
(١) حقق في خمس رسائل جامعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وطبعتها جامعة الشارقة، ومركز تفسير.
(٢) بتحقيق: جمال ابن السيد رفاعي الشايب، مؤسسة سما للنشر والتوزيع.
(٣) انظر: ملحق التراث، جريدة المدينة، العدد (٩٠٤٦)، مقالة لفضيلة الدكتور أيمن سويد بعنوان: (مرة أخرى: جامع أبي معشر ما زال مخطوطًا ولم يحقق).
стр. 60
ولا يُعلم أحد جمع في علم القراءات أكثر من الهُذلي والطبري إلا ما حواه كتاب عيسى بن عبد العزيز الإسكندري، من علماء القرن السابع (ت: ٦٢٩) الذي سمَّاه: «الجامعُ الأكبر والبحرُ الأزخَر»، وهو فيما يعلم أكبر كتاب في القراءات، ضمنه (٧٠٠٠) رواية وطريق (١).
ومن مظاهر هذه العناية في هذا الجانب جهود الحافظ ابن الجزري (ت: ٨٣٣) ﵀ في علم القراءات، وكأنَّ الله اصطفاه لضبط هذا العلم، وتأطيره بإطار معين، بحيث أصبح هذا الإطار الذي حدده ابن الجزري (ت: ٨٣٣) معينًا ثريًّا يغرف منه كل من جاء بعده؛ إذ نظر ﵀ إلى كتب القراءات التي في تلك الحِقبة؛ أي: في القرنين الثامن والتاسع الهجريين؛ لأنه عاش بين سنة (٧٥١) إلى عام (٨٣٣) ففي هذه الفترة الرحبة من حياته وقف على أهم كتب القراءات في زمنه، فسَبَر ما يقارب (٥٧) كتابًا من كتب القراءات فمخضها، ودقق في أسانيدها، واشترط شرطًا عاليًا - لم يشترطه أحد قبله ممن صنف في علم القراءة - وهو أن يكون كل راوٍ عن الآخر في سند القراءة ثبت لقيُّه له وصحت معاصرته له، فضلًا أن يكون هذا الراوي عدلًا ثقةً فيما يقول ويروي في باب علم القراءات (٢).
فهذا شرط لم يلتزمه أحد قبل ابن الجزري (ت: ٨٣٣) ﵀، فجمع كتابًا عظيمًا في القراءات هو كتاب (النشر في القراءات العشر)، الذي ألفه في نحو عشرة أشهر في تركيا في مدينة بورصة سنة (٧٩٩) (٣) وغدا هذا المصنَّف أهم كتاب من كتب القراءات، من التاريخ الذي ألفه فيه الإمام ابن الجزري إلى
_________
(١) قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣): «فكتابه الذي جمعه وسماه الجامع الأكبر لم يُجمَع مثلُه في هذا الفن؛ فإنه لم يترك من القراءات شيئًا قلَّ ولا جلَّ إلا نادرًا، من رآه رأى العجب، أخبرني شيخنا العلامة سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني أن عنده نسخة كاملة»، غاية النهاية: (١/ ٨٤٧)، ط. الخانجي، وانظر: النشر (١/ ٣٥).
(٢) النشر: (١/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٣) النشر: (٢/ ٤٦٩).
стр. 61
عصرنا الحاضر، فكل من اعتنى بعلوم القراءات لا بد أن يعود إلى هذا الكتاب وينتفع منه ويستفيد.
٧ - وهناك عنايات وفيرة ومتعددة للأمة في خدمة كتاب الله، فمن أهل العلم من اهتم بلغة القرآن واللهجات التي نزل بها، ومنهم من اعتنى ببيان غريب ألفاظه، أو إعرابه، ومنهم من اعتنى بالشواهد الشعرية الخادمة له، ومنهم من اعتنى بالإعجاز إلى غير ذلك من صور الاهتمام والعناية.
٨ - ومن أهل الخير من اهتم بالعناية بالوقف للقرآن الكريم، وتسبيل ثمرة ما يوقفه من أرض، أو عقار، أو أسهم في شركات يعود ريْع ما تُدرُّه في طرق تعليم القرآن، والنفقة على المتعلمين والقراء.
فهذا غيض من فيض من مظاهر عناية هذه الأمة بالكتاب العزيز واهتمامها به.
стр. 62
المقدِّمة الرابعة
مدخل إلى القرآن الكريم
стр. 63
الباب الأول: حقائق تاريخية أولية
الفصل الأول: حياة الرسول قبل البعثة
[حياة الرسول قبل البعثة]
نشأ النبي ﷺ يتيمًا في مكة، وتولى جده عبد المطلب رعايته، وبعد فقد جده تولى عمه الملقب بأبي طالب رعايته.
صحب النبي ﷺ عمه إلى التجارة في الشام، واتصل في تلك الرحلة براهب يدعى (بحيرى)، وببعض العلامات التي رآها بحيرى على محمد صلى الله عليه، استظهر أن شأنًا عظيمًا سيكون له.
وقد شهد في الجاهلية عدة أحداث، منها: حلف الفضول، وترميم الكعبة، وكان يعرف حينها: بالصادق الأمين، وقد استحوذ على محبة كل من عاشره.
وكان يرحل إلى الشام للتجارة، وتزوج بخديجة ﵂، وكان له منها: عدة أولاد.
وكانت أول مظاهر بعثته ﷺ أنه كان لا يرى رؤيا إلا تحققت، ثم مال إلى الخلوة في غار حراء، ثم مر بعد ذلك بأول تجربة له مع الوحي.
عاد إلى بيته بعد مجيء الملك، وهو محموم بحمى باردة، وطلب من خديجة أن تغطيه بغطاء ثقيل يذهب خوفه.
стр. 64
وبعد أن أبدى مخاوفه لخديجة، هدأت روعه، وأخذته لابن عمها ورقة بن نوفل، وهو شيخ كبير له مطالعة كبيرة في علوم الكتب السماوية، وأدرك ورقة أن هذا نبي الزمان، وأخبره: أنه إن أدركه يومه، لينصرنه نصرًا مؤزرًا.
стр. 65
الفصل الثاني: كيف جمع نص التنزيل الحكيم؟
[جمع القرآن]
نزل القرآن كأجزاء متفرقة، تتباين أطوالها من سورة كاملة إلى آية واحدة، وأحيانًا إلى جزء من الآية، وكان الناس ينتظرون الوحي بشغف، ويمنون أن يتلقوه فور نزوله.
وكان أعداء القرآن يتلقونه كذلك، لكن تلقيهم كان للبحث عن نقاط الضعف فيه، أو لإشباع حاجتهم الملحة في التذوق الأدبي.
ولم يقتصر القرآن في تلك المرحلة على كونه مجموعة من الآيات تتلى وتقرأ، وإنما كان كتابًا مدونًا بالمداد، فقد كان للوحي كتبته، يكتبونه على أي شيء كان في متناول أيديهم، ولكن العهد النبوي مضى، ولم يكن هناك نسخة تامة من القرآن.
وحتى تتاح الفرصة لسور القرآن لكي يتم بناؤها التدرجي، كان ينبغي الانتظار إلى أن يكتمل الوحي كله لإخراج نسخة تامة، غير أن هذا لم يحل بين المؤمنين وبين المعرفة الشفوية لموضع كل آية جديدة من كل سورة على وجه التحديد، وفي كل مرحلة من مراحل نزول الوحي.
تم جَمع القرآن كوحدة واحدة في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق، ثم أعيد الجمع في عهد عثمان، وقد ظن بعض الشيعة أن عثمان قد بدل في نص القرآن، أو أنه أسقط شيئًا يتعلق بعلي بن أبي طالب، فلو صح ذلك لراجعه حملة القرآن، وما أكثرهم في وقت نشر مصحف عثمان.
وحتى ابن مسعود أقر بصحة مصحف عثمان، مع مخالفته السياسية حينذاك، ويستحيل أن نعلل قبول الكافة لمصحف عثمان بأنه انقياد غير متبصر من جهتهم، وقد عد هذا الدليل أقوى دليل على أن النص القرآني على «أحسن صورة
стр. 66
من الكمال والمطابقة» (١).
ونودُّ التأكيد أن دور عثمان ﵁ تلخص في نشر النص المقروء في زمان النبي ﷺ ، وإنما ينسب المصحف له من جهة أنه الآمر بالجمع، لا من جهة أنه قد تدخل في النص.
ولم يقصد عثمان ﵁ أن يلغي اختلاف القراءات، بل إنه قصد:
١ - إضفاء صفة الشرعية على القراءات المختلفة، التي كانت تدخل في إطار النص المدون، ولها أصل نبوي مجمع عليه، وحمايتها، وفي هذا منعٌ لوقوع أي شجار بين المسلمين بشأنها.
٢ - استبعاد ما لا يتطابق مطلقًا مع النص الأصلي، وقاية للمسلمين من الوقوع في انشقاق خطير فيما بينهم، وحماية للنص ذاته من أي تحريف.
وفي تلك المرحلة بقيت القراءات الشفوية كما هي، ولم يرد أن عثمان ألزم جماعة المسلمين كلها بقراءة بعينها دون أخرى.
وبعد ذلك تم إعدام المصاحف الفردية، لإنقاذ وحدة النص الديني، وتم هذا الفعل باستشارة الناس، واتخذ هذا الإجراء باتفاق جميع الصحابة.
_________
(١) ذكر المصنف أن هذا كلام «نولدكه»، المستشرق الألماني الشهير، والذي كتب في تاريخ المصحف.
ونقل المصنف شهادة بعض الغربيين على سلامة النص القرآني، وهما: (لوبلوا)، (و. موير)، وأنه لم يطرأ أي تغيير على القرآن الكريم، وأن الفرق الإسلامية على تنازعها ليس لها إلا قرآن واحد.
стр. 67
الفصل الثالث: كيف تم تبليغ المبدأ القرآني إلى العالم؟
إننا نعني بالمبدأ القرآني «الإسلام»، فقد سار بخطوات منتصرة نحو الشمال والجنوب، ونحو الشرق والغرب، حتى إنه في فترة قصيرة نسبيًا انتشر في نصف العالم المعروف في ذلك الحين.
حين جاء الإسلام تغير كل شيء بين يوم وليلة، ولم يقتصر على الواجهة السياسية والاقتصادية في المدن الكبرى فقط، وإنما تغلغل في الأعماق النفسية لهذه الشعوب جميعًا: فاللغات والأفكار والقانون والآمال والعادات وتصور العالم وفكرة: الله! = كل ذلك قد طرأ عليه تغيير جذريٌّ وسريع (١).
_________
(١) تحدث الشيخ باقي الفصل، عن الحرب في الإسلام، ودوافعها، وقد تركناه، إذ لا مجال له فيما قصدنا إليه.
стр. 68
الباب الثاني: القرآن من خلال مظاهره الثلاثة .. الديني .. والخلقي .. والأدبي
الفصل الأول: الحق أو العنصر الديني
إنَّ أوَّل ملامح القوة في الدعوة الإسلامية، تكمن في الصورة التي قدمت بها الحقيقة الدينية في محاولة منها لوضع حد للخلافات التي ثارت بشأنها.
لقد أوضح القرآن العقيدة بصورة لا يملك الإنسان معها أن يحيد عنه، لأنه يقدم الفكرة التي اتفق عليها سائر الرسل.
[النظرية الدينية في القرآن]
إن النظرية الدينية في القرآن تؤسس عبر شطرين:
الشطر الأول: لا شيء في الوجود يستحق العبادة والخضوع سوى الله الواحد القهار.
* ركز القرآن على فكرة مهمة، وهي فكرة العودة إلى الوحدة الأولى، تلك الوحدة التي كانت تجمع الناس، وهي أن الإسلام دعوة عامة لكل الرسل، لا يختلف نبي عن نبي في شأنها.
* أن هذه العقيدة هي عقيدة فطرية، حتى وإن غمرت وحجبت تحت معتقدات أخرى، لقد جاء القرآن ليحذف الشوائب التي علقت بهذه الفطرة الأولى.
الشطر الثاني: الإيمان بالحياة الأخروية.
стр. 69
لقد بنى القرآن الإيمان بهذه الحقيقة على أن الذي أنشأ الإنسان أول مرة، قادر أن يعيده بعد مماته، إن الذي يحول الأرض وهي جافة جرداء إلى أرض خصبة، قادر أن يعيد للإنسان حياته.
إن الإيمان باليوم الآخر، هو قرار رباني ألزم الله تعالى به نفسه، إن الآخرة أحد مستلزمات العدل الإلهي، والحكمة السامية، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩]، ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ٢٢].
وهكذا نرى أن القطبين اللذين تأسست عليهما الديانة الموحدة التي يدعو القرآن إليها، يقومان إما على حقائق سبق الاعتراف بها، أو تنبني على مبادئ واضحة.
إن أي برهان نظري لا يتطلب أكثر من هذه القوة في التدليل والإقناع.
стр. 70
الفصل الثاني: الخير أو العنصر الأخلاقي في القرآن
إنَّ النفس الإنسانية لا تتغذى بالحقائق النظرية وحدَها، هناك حاجة إلى القاعدة العملية القادرة على توجيه نشاطه في كل لحظة من حياته.
لقد ركَّز القرآن أن الدين عقيدة وقانون، أي: اعتقاد وطاعة.
وقد غرس الله في داخل كل منا بصيرة أخلاقية غريزية، واعتمد القرآن على غريزة الإنسان في معرفة العدل والظلم، والخير والشر.
ولما كانت الحاجة الطبيعية ليست بنفس القوة والفاعلية عند كل الناس لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد وضع القرآن منهجًا كاملًا في التربية، واعتمد القرآن على أن الأخلاق دعت الرسل إليها، فقد حمل الرسل الأخلاق إلى الناس، وأدانوا النزعة المادية، وحب الدنيا، والفجور، والغش (١).
إن القرآن قد جمع في داخله في النظرية الأخلاقية حكمة الأولين، وأتم بناء الرسل السابقين (٢).
_________
(١) عقد المؤلف مقارنة بين المبادئ الأخلاقية في التوراة والإنجيل والقرآن، فلتنظر: (٩٨).
(٢) عرض المؤلف بعض خصائص النظرية الأخلاقية في الإسلام، ومنها:
* ما يرجع للفضيلة الشخصية، كالنية، وأن الخير المطلق في ابتغاء وجه الله الذي لا بد من استحضاره في القلب عند أداء العمل.
* ما يرجع للفضيلة في العلاقات بين الأفراد، فلقد أنشأ الحضارة الأخلاقية، إنه تقنين حقيقي في الأدب، والذوق الاجتماعي، والتحشم في المظهر.
* ما يرجع للفضائل الجماعية، والفضائل العامة، كحرصه على إرساء الأخوة، وعدم الظلم، وعدم التعامل بالربا، وعتق العبيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- ما يرجع للفضيلة في المعاملات الدولية وبين الأديان.
стр. 71
الفصل الثالث: الجمال أو الجانب الأدبي
إنَّ الشروط الأخلاقية كافية في البرهنة على ربانية هذه الرسالة، وإن النفوس التي تمتلك البصيرة، لا تحتاج لأكثر من توفر العاملين السابقين: تعليم الحقيقة، والدعوة إلى الفضيلة.
لكن عامة الناس يهتمون كثيرًا للشكل الخارجي، بعيدًا عن متانة المحتوى، فالمحسوس لديها يسبق المعقول.
[القرآن، والأدب العربي] ولذلك فقد جاء القرآن نموذجًا لا يبارى في الأدب العربي، إنه المثل الأعلى لما يمكن أن يسمى أدبًا بوجه عام، فلغته تأخذ بالقلوب، وتفحم بالحجة، وتجلب السرور الهادئ لا الصاخب.
١ - لغة القرآن مادة صوتية، تبعد عن طراوة لغة أهل الحضر، وخشونة لغة أهل البادية، إنها تجمع بين رقة الأولى، وجزالة الثانية.
٢ - إنها ترتيب في مقاطع الكلمات في نظام أكثر تماسكًا من النثر، وأقل نظمًا من الشعر.
٣ - كلماته منتقاة، لا توصف بالغريب إلا نادرًا، تمتاز بالإيجاز العجيب، والنقاء في التعبير.
٤ - إنه أسلوب يجمع بين العقل والعاطفة على رغم ما بينهما من تباعد.
٥ - وهو في وحدة سوره، وترتيبها، وتناسق أجزائها آية وأي آية!
стр. 72
الباب الثالث: المصدر الحقيقي للقرآن
الفصل الأول: البحث عن مصدر القرآن في الفترة المكية
[القرآن في الفترة المكية]
كانت حياة العرب في مرحلة نزول القرآن حياة (الضلال المبين)، وزمانهم زمن (الجاهلية الأولى)، وفي وسط هذه الجموع من الجهل المفضوح، كانت تتميز صفوة قليلة العدد تعرف في الأثر باسم «الحنفاء».
وكانت الأنظمة الدينية المعروفة في ذلك الوقت تتمثل في عدة طوائف، منهم: الصابئين، وهم طائفة وثنية، ونحن نرى أن الوثنية التي كانت سائدة في الحجاز لا تقدم لنا تفسيرًا سليمًا عن مصدر القرآن الكريم.
ولو نظرنا للبيئة اليهودية والمسيحية، سنجد أنه من المتعذر أن تكون أصلًا للقرآن، فإنه لم يلتق بعلماء اليهود والنصارى لوقت يسمح له بالأخذ عنهم.
١ - أما لقاؤه ببحيرى الراهب فهي مقابلة عارضة، وكانت في حضور جميع أفراد القافلة، وأنه كان مسؤولًا لا مستمعًا.
٢ - وأمَّا رحلاته للتجارة للشام، فلا يمكن التعويل عليها، لأمور:
- مشاغله التي كان ذاهبًا لها.
- أنه مع قومه، ورفقائه.
- أن اللغة الأجنبية مثلت حاجزًا مهمًّا.
- أن معارضيه لم يستخدموا هذه الحجة وهي أقرب لهم مما افتروه.
стр. 73
وفي دراسة التاريخ الكنسي في هذا الوقت ما يدفع هذه الفرية من أساسها.
هذا إذن هو المشهد الحي الذي يمتد أمام نظر المشاهد، فحيثما اتجه وجد ضلالًا يحتاج إلى الهداية، وانحرافًا يتطلب التقويم، ولن يجد أبدًا نموذجًا أخلاقيًا ودينيًا يصلح لأن ينقله محمد أو ينبني عليه نظامه الإصلاحي.
* أما الاتصال بالكتب المقدسة؛ فغير ممكن لأمور:
١ - أنَّ محمدًا ﷺ لم يكن يقرأ ويكتب، وليس هناك ما يدل على أنه قرأ كتابًا قط (١).
٢ - أن الكتب السماوية في ذلك الوقت لم تكن مكتوبة بالعربية.
* ولا يمكن أن يكون القرآن قد أُخذ عن شعر بعض العرب، كأمية بن الصلت وغيره لأمور:
١ - قد نفى القرآن أن يكون شعرًا، وبالتأمل في شعر بعض الشعراء سنجد أنهم كانوا يصفون أمورًا كشرب الخمر، وهو ما لا نجد له أثرًا في القرآن.
٢ - أن العرب الذين هم أهل الفصاحة والمعرفة، لم يدع أحدٌ منهم أن القرآن مسروق أو منحول من الشعر الموجود في ذلك العصر أيًّا كان قائله.
* ولا يمكن أن يكون القرآن ثمار التأملات الشخصية للنبي ﷺ ، لأمور:
١ - أن في القرآن من المعلومات ما لا يخضع لمثل هذه التأملات، كالتاريخ والقصص الموجود في القرآن.
٢ - أن تفاصيل المعلومات المبثوثة في القرآن، كصفات الله المتعددة، وأسمائه الحسنى، والمصير الذي ينتظر الإنسان بعد موته، وغير ذلك من التفاصيل المبثوثة في القرآن، مع عدم تراجعه عن أي حقيقة من تلك الحقائق، كل ذلك لا يمكن أن يبلغه العقل مهما بلغ من الصفاء والقوة.
_________
(١) أجاب المؤلف عن بعض الشبه الاستشراقية في هذا الموضوع، (١٤٩).
стр. 74
الفصل الثاني: البحث عن القرآن في الفترة المدنية
[القرآن في الفترة المدنيَّة]
في هذه الفترة حصل اتصال مع طائفة منظمة دينيًّا، وهم اليهود، والسؤال الذي يمكن طرحه، هل يمكن أن يكون القرآن قد أخذ عن هؤلاء اليهود شيئًا؟!
إن الناظر في القرآن يلمح موقفه الشديد من المجتمع اليهودي بصفة عامة، فقد ذكر القرآن عددًا من صفاتهم، ومنها: أنهم لم يحفظوا كتابهم، وكانوا يتعاملون بالربا، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويستبيحون الرشوة والكذب، فلا يمكن القول بأن القرآن مأخوذ عن أحبار اليهود (١).
ولا بد من القول: إنه لم يجسر أي مؤرخ يقدر مسؤوليته أن يزعم أخذ النبي ﷺ على شخص أو أشخاص تلقى منهم محمد ﷺ .
إن القرآن يخبرنا عن علماء أهل الكتاب، وأنهم على قسمين:
_________
(١) تكلم المؤلف بكلام متميز عن ادعاءات بعض المستشرقين حول هذه المسألة، فلتنظر: (١٦٨).
وتحدث عن ادعاءات المستشرقين، باختلاف التعاليم المكية عن المدنية في القرآن، وفي سياق الرد، نبه على عدة نقاط منها:
١ - أن القصص القرآني لم يختلف بين القرآن المكي والمدني.
٢ - أن معرفة العرب بإبراهيم وإسماعيل معرفة قديمة، لوجودهم في جوار الكعبة، بيت الله الذي أمر إبراهيم ببنائه، ثم إن قصة إبراهيم وردت في القرآن المكي كذلك.
٣ - أن عدد الصلوات ظل ثابتًا في مكة والمدينة.
٤ - أن فكرة (الله) والحديث عنه لم يختلف في القرآن المكي عن المدني، وأن فكرة (إله الحرب) في القرآن المدني، لم تكن إلا تنفيذًا لإنذار عام وصريح أعلن عنه، وتكرر ذكره قبل ذلك في مكة.
٥ - أن فكرة النسخ حصلت لأن الحوادث تتطلب حلولًا متنوعة، وأن الله تعالى نصَّ في بعض الآيات على كونها مؤقتة، مثل: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]، و ﴿أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، والنسخ انعكاس لفكرة التدرج، والمسلك التدريجي في التعليم والتشريع ليس عيبًا، وإنما هو أنجح المناهج في تكوين النفس الواعية المستنيرة المشبعة بالحكمة، والأمم المنظمة، والخلق المتين.
стр. 75
١ - الغالبيةُ العظمى، والتي كانت تكن العداء الكبير للإسلام وأهله، وكان هؤلاء يسعون أشد السعي لإحراج محمد، وكانوا ينكرون النصوص الموجودة في كتبهم إمعانًا في العداوة والبغضاء.
٢ - وكان فريق منهم استمعوا للنبي ﷺ ، وطابقوا صفاته بما كانوا يعرفونه من صفة النبي الخاتم، وهؤلاء سرعان ما انقادوا للحق، وأتوا إليه مذعنين، كعبد الله بن سلام، وكان من أوسع اليهود علمًا.
وصارت علاقة أمثال عبد الله بن سلام، أو من آمن في تلك المرحلة من أصحاب الديانات الأخرى، كسلمان الفارسي، أو مارية القبطية = كل هؤلاء كانوا يقفون موقف التابع، وكان النبي ﷺ هو المتبوع.
وأخيرًا، فلا بد من التفريق بين الاقتباس، والاتفاق، فلا شك أن القرآن يتفق مع الكتب السابقة في كثير من المبادئ والتعاليم؛ لأنَّ الكتب خرجت من مشكاة واحدة.
следующие страницы →